وذلك مثلُ استدلالنا بما:
١٠٤٠ - رَوَينا عن النبي ﷺ من طريق الشاميين موصولًا، ومن طريق مجاهد مرسلًا، ومِن نَقْل أهل المغازي: "لا وصية لوارث" (١)، على أن آية الوصية صارت منسوخةً بآية المواريث، مع ما روينا عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا في آية الوصية: إنها نسخت.
١٠٤١ - ثم استدللنا بحديث عمران بن حصين: أن رجلًا من الأنصار أعتق عند موته ستة مماليك له، ليس له مال غيرهم، فدعاهم النبي ﷺ، فجزَّأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة (٢): على أن وجوب الوصية للأقربين عند الوارثين ليس بثابت، لأن النبي ﷺ أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من المعجم،
_________________
(١) رواه من حديث أبي أمامة: أبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حسن، وابن ماجة (٢٧١٣)، وابن أبي شيبة (٣١٣٥٩)، وانظر تخريجه في أطرافه السابقة التي ذكرتها هناك. وروي من حديث عمرو بن خارجة: رواه الترمذي (٢١٢١) وقال: حسن صحيح، وانظره في "المصنف" (٣١٣٦٠).
(٢) رواه مسلم ٣: ١٢٨٨ (٥٦) عن ابن أبي شيبة، وهو في "المصنف" (٢٣٨٤٦)، وينظر تخريجه هناك.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وأجاز النبي ﷺ لهم الوصية، فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتَقين.
١٠٤٢ - وكنحو استدلالنا بحديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل أعرابي من أهل نجد يسأل عن الإسلام؟ فقال النبي ﷺ: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا، إلا أن تَطَوَّع" (١)، على أن قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ناسخ لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، كما كان بيِّنًا في كتاب الله نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من الليل والزيادة عليه بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
وقد أشار الشافعي إلى هذين المثالين، إلا أنه لم يذكر ما روينا عن ابن عباس، وابن عمر ﵄.
١٠٤٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا الأوزاعي، عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن.
١٠٤٤ - قال: وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على السنة.
وإنما أراد - والله أعلم - أن سنة رسول الله ﷺ مع كتاب الله ﷿ أُقيمت مُقام البيان عن الله ﷿، كما قال الله عز
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم ١: ٤٠ (٨).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، لا أن شيئًا من سنن رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله ﷿.
* * * * *
[ ٢ / ٤٨٦ ]