٧٣٤ - أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي إملاءً وقراءة، أخبرنا أبو حامد ابن الشَّرْقي، حدثنا عبد الرحمن بن بشر ابن الحكم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يوشك أن تضربوا أكباد الإبل، فلا تجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" (٢).
٧٣٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو النضر الفقيه، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن العَنَزي، قالا: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، حدثنا معن ابن عيسى، حدثني زهير أبو المنذر التميمي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله
_________________
(١) عَرَض السيوطي ﵀ لهذا المعنى في "تدريب الراوي" ٢: ٢٤٨ فما بعدها، ونَقَل من هذا المصدر وغيره بعض ما هنا، وزاد نقولًا أخرى، وعلَّقت عليه بما يجلِّي الأمر، فينظر. وما هي إلا مراحل زمنية مرَّت بالبلاد، فقال الأئمة ما قالوا، للمناسبة، فلا ينبغي حمل أقوالهم هذه على أنها أحكام عامة ثابتة. وانظر الفقرة الآتية برقم (٧٦٨) فما بعدها.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٨٠) وقال: حديث حسن، والنسائي (٤٢٩١)، وأحمد ٢: ٢٩٩، وابن حبان (٣٧٣٦)، والحاكم (٣٠٧).
[ ١ / ٣٤٣ ]
عليه وسلم -: "يخرج ناس من المشرق في طلب العلم، ولا يجدون عالمًا أعلم من عالم بالمدينة"، أو قال: "عالم أهل المدينة" (١).
٧٣٦ - وأخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن عبد الله بن عبد الرحمن التاجر الأصبهاني بالريّ، حدثنا أبو القاسم حمزة بن عبيد الله بن أحمد المالكي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أيوب، أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، فذكره بإسناده نحوه، إلا أنه زاد: "والمغرب"، وقال: "من عالم المدينة"، أو: "عالم أهل المدينة".
٧٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزْيد البيروتي، أخبرني أبي، حدثني عبد الله بن شَوْذَب، حدثني عبد الله بن القاسم، ومطر، وكثير أبو سهل، عن توبة العنبري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قال: "اللهم بارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدّنا"، فقال رجل: يا رسول الله، وفي عراقنا؟ فأعرض عنه، فرددها ثلاثًا، كل ذلك يقول الرجل: وفي عراقنا؟
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "الانتقاء" ص ٥١ من طريق المستملي، به، ورواه ابن عدي ١: ١٤٩ من طريق معن بن عيسى، به، ورواه يعقوب بن سفيان ١: ٣٤٧ قال: حدثني بعض المدنيين، عن معن، عن زهير، به. وعزاه الهيثمي في "المجمع" ١: ١٣٣ إلى الطبراني "الكبير"، وأعلّه بعبد الله بن محمد بن عقيل، فأفاد أن طريقه مختلف عن طريق المصنفِ، وابنِ عدي، وليس في سند هؤلاء إلا الانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبي موسى، وابنُ عقيل حديثه حسن إلا إذا خالف.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فيعرض عنه، فقال: "بها الزلازلُ والفتنُ، ومنها يطلع قرنا الشيطانِ".
قال ابن شوذب: إلا أن كثيرًا لم يذكر: مكة، وقال: مكة يمانية.
رواه يعقوب بن سفيان في كتاب "التاريخ" (١) عن العباس بن الوليد، وعيسى بن محمد، عن الوليد بن مَزْيد.
٧٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أتاكم أهل اليمن، هم ألينُ، قلوبًا، وأرقُّ أفئدة، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانِيَة".
قال أبو معاوية: أُراه قال: "وأنا يمانٍ، ثم رأس الكفر قِبَل المشرق"، رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية (٢).
وأخرجاه من حديث شعبة، عن الأعمش، وزاد بعضهم: "والفقه يمانٍ" (٣).
٧٣٩ - أخبرنا أبو صالح ابن أبي طاهر العنبري، حدثنا جدي يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم،
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٤٧، وفيه: "يطلع قرنُ الشيطان" بالإفراد، وكذلك جاء من طريق العباس بن الوليد عند أبي نعيم في "الحلية" ٦: ١٣٣، وفي الأصل: قرنا الشيطان، والحديث مشهور، وأصله عند البخاري (١٠٣٧) من حديث ابن عمر.
(٢) ١: ٧٣ (٩٠).
(٣) البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم ١: ٧٣ (٩١)، ولفظة "الفقه يمانٍ": عند البخاري (٤٣٩٠)، ومسلم ١: ٧٢ (٨٤).
[ ١ / ٣٤٥ ]
أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "غِلظُ القلوب والجفاءُ في أهل المشرق، والإيمانُ في أهل الحجاز".
رواه مسلم في "الصحيح" عن إسحاق بن إبراهيم (١).
٧٤٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد ابن بلال البزار، حدثنا يحيى بن الربيع المكي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت أُقْرِئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، فلما كان في آخر حجة حجَّها عمر - ﵁ -، أتانا عبد الرحمن بن عوف ذات ليلة، ونحن بمنى، فقال: لو رأيتَ أمير المؤمنين، وأتاه رجل فقال: إن رجالًا يقولون: لو قد مات أمير المؤمنين بايعنا فلانًا، فقال: أنا قائم فمحذِّرهم، هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يَغصِبوا الناس بيعتهم، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن الحج يجمع رَعاع الناس وغوغاءهم، وهم الذين يغلبون على مجلسك، وإنك إن قلت لهم اليوم مقالة لم يحفظوها، ولم يَعُوها، ولم يضعوها مواضعها، يطيرون بها كل مُطَيَّر، فلو أمهلتَ حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسّنةِ، وبيوت المهاجرين والأنصار، فقلتَ ما قلتَ متمكنًا، كان أحرى أن يحفظوا مقالتك، وأن يَعُوها، ويضعوها مواضعها، فقال: أما والله لئن قدمت المدينة لأقومنَّ بها في أول مقام أقومه بالمدينة، وذكر الحديث.
أخرجه البخاري من حديث ابن عيينة مختصرًا، ومن وجه آخر عن
_________________
(١) ١: ٧٣ (٩٢).
[ ١ / ٣٤٦ ]
الزهري بطوله (١).
٧٤١ - وفي هذا من عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ﵄، ترجيح لأهل المدينة بالفهم، والحفظ، ووضع الكلام موضعه، وأنها دار الهجرة، والسنة، ومثوى الفقه والعلم.
٧٤٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتُويه، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني [ابن] نافع، حدثنا مُكْمَل ابن أبي سهل، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: إذا رأيت أهل المدينة على شيء، فاعلم أنها سنة.
٧٤٣ - قال: وحدثنا يعقوب (٣)، حدثني عبد العزيز بن عمران، وزيد ابن بشر، قالا: حدثنا ابن وهب، حدثني مالك قال: كان أبو بكر ابن حزم على قضاء المدينة، وولي المدينة أميرًا (٤)، قال: فقال له قائل: ما أدري كيف أصنعُ بالاختلاف؟ فقال أبو بكر: يا ابن أخي، إذا وجدتَ أهل المدينة على أمر مستجمعين عليه، فلا تشكُّ فيه أنه الحقّ.
٧٤٤ - أنبأني أبو عبد الرحمن السلمي إجازة، أخبرنا أبو عبد الله
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٣٤٤٥ مختصرًا، ٧٣٢٣).
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ١: ٤٣٨، وما بين المعقوفين زيادة صحيحة منه، وشيخه مُكْمَل: هكذا في الأصل، و"التاريخ الكبير" للبخاري ٨ (٢١٩٥)، و"المؤتلف" للدارقطني ٤: ٢١٧٨، و"الإكمال" لابن ماكولا ٧: ٢٨٧، وكنية أبيه عند البخاري فقط: أبو سهيل، وفي "المعرفة": مكتل، فيصحح.
(٣) في "المعرفة والتاريخ" ١: ٤٤٣، ٦٤٥.
(٤) فهو قاضي المدينة وأميرها.
[ ١ / ٣٤٧ ]
محمد بن العباس العُصْمي قال: سمعت أبا إسحاق أحمد بن محمد بن يونس يقول: حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يحيى بن سعيد قال: قلت لربيعة: إن أهل طرابلس حدثوني: أن خير بن نعيم كان يقضي عندهم، بأن لا يجوز السلف في الحيوان، وقد كان يجالسك، ولا أحسَبه قضى به إلا عن رأيك، فقال لي ربيعة: قد كان عبد الله بن مسعود يقول ذاك، قال يحيى: وما لنا ولابن مسعود في هذا، قد كان عبد الله بن مسعود يتعلم منا ونحن لا نتعلم منه، يريد أهل المدينة، قد كان يقضي في أهل بلاده بأشياء، فإذا جاء المدينة وجد القضاء على غير ما يقضي، فيرجع إليه.
٧٤٥ - قال الشيخ: هذا الذي ذكره يحيى بن سعيد الأنصاري بيّنٌ فيما ذكرنا في الجزء الرابع من هذا الكتاب من فُتيا ابن مسعود بجواز الصرف بالزيادة في الجنس الواحد، وجواز التزويج بأم امرأته إذا طلقها ولم يدخل بها، ثم رجوعه عنها حين ذهب إلى المدينة، والتقى بعمر وغيره من علمائها (١)، وخفي عليه رسمُ المعوِّذتين في المصاحف، ونسخُ التطبيق في الركوع، وسنةُ موقف الرجُلين وراء الإمام (٢)، وغير ذلك مما هو مذكور
_________________
(١) حسب التقسيم الأصلي للكتاب إلى عشرة أجزاء، والمسألتان المذكورتان تقدمتا - برقم (٣١٥) - في الجزء الثاني حسب تقسيم الكتاب إلى ثمانية أجزاء.
(٢) هذه خمس مسائل عرض لها المصنف هنا، وتقدم منه (٣١٥) رواية المسألة الأولى والثانية بالإسناد، ولم يسند هنا الثلاثة الأخرى، وأحيل الباحث فيها إلى "مصنف" ابن أبي شيبة، وهي فيه بترتيبها هنا: (٣٠٨٢٨، ٢٥٥٤، ٤٩٧٢). وقد عرض المصنف في "سننه الكبرى" ٢: ٨١ لمثل هذا، فذكر سبع مسائل، منها هذه الثلاثة، وزاد: كيفية قيام اثنين خلف الإمام، وأن النبي - ﷺ - صلى =
[ ١ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصبح يوم النحر في وقتها، وكيفية جَمعْ النبي - ﷺ - بعرفة، ووضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، وكيف كان يقرأ النبي - ﷺ -: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، وهي الآية الثالثة من سورة الليل، وكان ابن مسعود يقرؤها: (والذكرِ والأنثى)، كما في "صحيح" مسلم ١: ٥٦٥ - ٥٦٦ (٢٨٢، ٢٨٤). كل هذا بالإضافة إلى المسألة المبحوث فيها عنده في رفع اليدين في الصلاة عند كل تكبير وخفض، أو عند تكبيرة الإحرام فقط. وكان المصنف عند ذكره كلَّ مسألة منها ينسب فيها ابن مسعود إلى النسيان! والظاهر أنه يريد النسيان بعد العلم، لا النسيان بمعنى الترك، ولا سبيل ولا دليل لحكمه على ابن مسعود بأنه نسي بعد علم، أما النسيان بمعنى الترك، فلا أحد ينسب ابن مسعود إليه. ومهما يكن من أمر، فهو حكم على ابن مسعود غيرُ سديد، والمتوقعُ من البيهقي- وغيره - أن يقف من انفراد ابن مسعود بهذه الأحكام: موقف الإكبار لابن مسعود، لا موقف الانتقاد، فهو وغيره ينظرون إلى ابن عمر - مثلًا - وغيره من الصحابة ﵃ في انفراداتهم نظر الإكبار، فيجعلون هذا الانفراد منقبة لهم في اتباعهم ما رأوه أو سمعوه من النبي - ﷺ -، بعد ثبوت ذلك الموقف عنهم ثبوتًا لا شك فيه، ولا تأويل له للجمع بين الأقوال. وترى العبارة اللاذعة من البيهقي في "السنن"، فتراه يقول: نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعدُ! ! ونسي ما اتفق العلماء كلهم على نسخه وتركه، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، ونسي كيف كان يقرأ النبي - ﷺ -. ولكل مسألة من هذه المسائل جوابها إن شاء الله، وبعض هذه المسائل لم يصح عن ابن مسعود الصحة الاصطلاحية، أو الثبوت المراد عند الإطلاق، وبعضها لم ينفرد به، فهل ينسب البيهقي فيها النسيان إلى غير ابن مسعود؟ ! أو يتأول له ذلك؟ أو =
[ ١ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غير ذلك؟ الله أعلم. والمسألة التي قصدتها بقولي إنها لم تصح عنه الصحة الاصطلاحية: هي رسم المعوِّذتين في المصحف، فهذا صحيح عنه صحة إسنادية، ينظر تخريجه فيما علقته على "المصنف" (٣٠٨٢٨)، لكنها ليست صحة متنية، فمن المعلوم اشتراط سلامة السند والمتن من الشذوذ، الذي هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وهذه المسألة سلم إسنادها، لكن لم يسلم متنها، ذلك أنه خبر مخالف لما تواتر تواترًا يقينيًّا عن ابن مسعود، فقد تواترت عنه قرآنيتهما في ست قراءات من القراءات العشرة المتواترة، قراءة: عاصم، وأبي عمرو ابن العلاء، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، ولكل واحد من هؤلاء طرقٌ إلى ابن مسعود. فقرآنيتُهما متواترة لا شك ولا ريب، وإذا خالف الراوي الثقةُ الراوي الأوثق: رددنا رواية الثقة بأنها شاذة، فكيف إذا خالف الثقة الرواية المتواترة! ! فهذا أشدّ شذوذًا ونكارة وبطلانًا وردًّا، والأمر المتعيِّن هنا: إما الردّ بالإبطال والشذوذ متنًا، وإما ترجيح ما ذهب إليه ابن حجر في "فتح الباري" ٨: ٧٤٣ (٤٩٧٧)، وهو: إنكار ابن مسعود لإثباتهما في المصحف، لا غير، والأمر سهل، ويكون ذلك بسبب عارض، الله أعلم به، وإما الإتيان بجواب آخر مقنع. والله أعلم. وأما بعض المسائل التي لم ينفرد بها: فمسألة الزواج من الأم بعد العقد على البنت ولَمَّا يدخلْ بها، فهذا رُوي عن غير ابن مسعود أيضًا، وتنظر الآثار الواردة فيها في المصنَّفَيْن خاصة. وكذلك دعواه على ابن مسعود أنه نسي كيف كان - ﷺ - يقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ مع أنها متواترة عنه بهذه الصيغة، في القراءات الستة السابقة: ففي "صحيح" مسلم ١: ٥٦٥ (٢٨٢) أن علقمة قدم الشام، فلقيه أبو الدرداء وسأله: كيف سمعتَ عبد الله بن مسعود يقرأ الآية: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ فقال علقمة: سمعته يقرأ: (والليل إذا يغشى* والذكر والأنثى)، قال أبو الدرداء: وأنا والله هكذا سمعت =
[ ١ / ٣٥٠ ]
في كتاب "السنن" في مواضعه، وأخذَ فقهاء الأمصار في جميع ذلك بما عرفه أهل المدينة من ذلك.
٧٤٦ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (١)، حدثني عبد العزيز بن عمران، وزيد بن بشر، قالا: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان يكتب إلى الأمصار يعلِّمهم السنن والفقه، وكان يكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى، ويعمل بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر ابن حزم أن يجمع له السنن، ويكتبَ إليه بها، فتوفي عمر - ﵁ - وقد كتب ابن حزم كتبًا قبل أن يبعث بها إليه (٢).
_________________
(١) = رسول الله - ﷺ - يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، فلا أتابعهم. وانظر هناك الرواية (٢٤٨)، وانظر ما يأتي هنا (١١٧٧) عن قراءات أبي ابن كعب. وملاحظة جانبية لكنها مهمة: أقول: إنّ ذكر المصنف قول ابن مسعود في المعوّذتين، وفي: (والذكرِ والأنثى)، يشعر بأنه واقف عند صورة الإسناد ورسمه، فمن المحتمل أن يكون وقف كذلك عند المسألتين الأخريين السابقتين (٣١٥)، فكما أنه من المحتمل ثبوت قوله بهما، فكذلك من المحتمل أن لا يكون ثبت ذلك عنه، لجلالة قدره في العلم والفقه، ويعلم القاصي والداني قول عمر فيه ﵄ لأهل الكوفة: لقد آثرتكم على نفسي بابن أم عبد، بل قول سيدنا رسول الله - ﷺ -: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد"، وانظره هنا (١١٩٥، ١١٩٧).
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ١: ٤٤٣، وتحرف فيه: بن بشر، إلى: بن حريش! .
(٣) زاد في "المعرفة والتاريخ" ١: ٦٤٥ أن مالكًا سأل عبد الله بن أبي بكر ابن حزم "عن تلك الكتب؟ فقال: ضاعت"، ثم ذكر مالك سبب ضياعها فقال: "كان عُزل =
[ ١ / ٣٥١ ]
٧٤٧ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله قال: وحدثنا يعقوب (١)، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا مسعر قال: قلت لحبيب بن أبي ثابت: أيهما أعلم بالسنة، أهل الحجاز، أم أهل العراق؟ فقال: بل أهل الحجاز.
٧٤٨ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (٢)، حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن خالته بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سئل سعد بن أبي وقاص عن شيء، فاستعجم، فقيل له في ذلك، فقال: إني أكره أن أحدثكم حديثًا فتجعلونه مئة حديث.
٧٤٩ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، وحدثنا يعقوب (٣) عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قرة العجلي، عن عبد الملك بن أخي القعقاع بن شَوْر قال: حججت، فلقيت عبد الله بن عمر، فسألته عن أشياء، فزبرني وزجرني، فلما قضيت نُسُك حجتي، قلت: لآتينَّه فلأسلِّمن عليه، فأتيته فقلت: السلام عليك أبا عبد الرحمن، جئتُ من شُقة بعيدة أريد أن أسألك فزبرتني وزجرتني،
_________________
(١) = عزلًا قبيحًا"! .
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ١: ٤٣٨، وتحرف فيه قوله: لحبيب. إلى: لجندب، وفيه أيضًا: "أيُّهما أَعْنَى بالسنة".
(٣) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٥٩، وسقط من المطبوع: "عن أبيه"، واسم أبيه: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ووالدة سعد هي أم كلثوم بنت سعد ابن أبي وقاص.
(٤) المصدر السابق ٢: ٧٥٩، وفيه: القعقاع أبي ثور، وهو تحريف.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ولا أراك إلا قد أثمتَ في جنبي، فقال: إنكم معشرَ أهل العراق تروون علينا ما لا نقول.
٧٥٠ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله قال: وحدثنا يعقوب (١)، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ابن عمر يقول: يا أهل العراق، تأتونا بالمعضلات.
٧٥١ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان، حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله ابن أبي يعقوب، عن ابن أبي نُعْم قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل فسأله، فسأله عن دم البعوض، فقال: من أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها، انظُروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قَتَلوا ابنَ رسول الله - ﷺ -، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا".
رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن مهدي (٢).
٧٥٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا يحيى
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٥٩.
(٢) في "صحيحه" (٥٩٩٤)، وفيه: "هما ريحانتاي"، وفي الأصل: هما ريحانتي.
(٣) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٥٦، واللفظة الأخيرة فيه: فاردد به، ثم اردد به، وهو تحريف، وانظر التعليق على "تدريب الراوي" ٢: ٢٥٢.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ابن سُليم قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يحدث عن الزهري قال: قالت عائشة - ﵂ -: يا أهل العراق، أهلُ الشام خير منكم، خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - كثير، فحدثونا بما نعرف، وخرج إليكم نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - قليل، فحدثونا بما نعرف وما لا نعرف.
قال: وقال الزهري: إذا سمعتَ بالحديث العراقي، فأَرْوِدْ به، ثم أَرْوِدْ به.
٧٥٣ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله بن يعقوب، حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن سُليم، أخبرني إبراهيم بن نافع قال: سمعت طاوسًا يقول: إذا حدثك العراقي مئة حديث، فاطرح تسعًا وتسعين، قال: ورأيت طاوسًا عَقَدها (١).
٧٥٤ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (٢)، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا زهير قال: قال لي هشام بن عروة: يا زهير، إذا حدثك العراقي بألف حديث، فألق تسع مئة وتسعين، وكن من الباقي في شكٍّ.
_________________
(١) أي: عَقد الأصابع التي تشير بعقدها إلى العدد: ٩٩، ويكون ذلك بعقد الأصابع الثلاثة: الخِنْصِر والبنْصِر والوسطى على راحة الكفّ، ثم وضع رأس الإصبع المسبِّحة على رأس الإبهام، كأنك تتناول شيئًا من الأرض، كما تجد تفصيله في رسالة "حساب العقود": منظومة أبي الحسن ابن المغربي، وشرحها لابن شعبان، ثم خلاصته ص ٥٩.
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٥٧.
[ ١ / ٣٥٤ ]
٧٥٥ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (١)، حدثني محمد بن يحيى، حدثنا سفيان، عن الزهري قال: إذا أوغل الحديث هناك، يعني العراق، فأَرْوِدْ به.
٧٥٦ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (٢)، حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد قال: سمعت الزهري يحدث حديث المجدور، فقلت: يا أبا بكر، من حدثك؟ قال: أنت حدثتنيه، ممن سمعتَه، قلت: من رجل من أهل الكوفة، قال: أفسدتَه، إن في حديث أهل الكوفة دَغَلًا كثيرًا.
٧٥٧ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر قال: سمعت الزهري يقول: يخرج الحديث شبرًا، فيرجع ذراعًا من العراق، قال - وأشار بيده -: إذا أوغل الحديث هناك، فرويدًا به.
٧٥٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن المؤمَّل، حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، بهذا، زاد فيه في موضع آخر: وقال: إذا وصل الحديثُ منا إلى هناك، فرَّخ وباض.
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٦٠، واللفظة الأخيرة فيه: فاردد به، تحريف أيضًا.
(٢) "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٦٠، وفيه: حديث المجذوم، بدل: المجدور. وينظر: "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم ١: ١٤٨، وسيكرره المصنف برقم (٨٦٧).
[ ١ / ٣٥٥ ]
٧٥٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، حدثنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله، يعني: أحمد بن حنبل، حدثنا نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي الزهري قال: سمعته - يعني: الزهري - قال: لولا أحاديثُ تأتينا من قِبَل المشرق ننكرها، لا نعرفها، ما كتبت حديثًا، ولا أذنت في كتابته (١).
٧٦٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا سمعت الحسن بن الربيع قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما رحلت إلى الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة.
٧٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن علي المقرئ، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا أبو وهب قال: قال عبد الله، هو ابن المبارك، حديث أهل المدينة أصح، وإسنادهم أقرب برجل.
_________________
(١) تقدمت أقوال أخرى عن الإمام الزهري، لكن روى ابن عبد البر في "الجامع" (١٤٥٤) عن إسحاق بن راشد قوله: كان الزهري إذا ذكر أهل العراق ضعّف علمهم، فقلت له: إن بالكوفة مولًى لبني أسد - يعني الأعمش - يروي أربعة آلاف حديث، قال: أربعة آلاف حديث؟ ! قلت: نعم، إن شئت جئتك ببعض حديثه، أو قال: ببعض علمه، قال: فجِئْ به، فلما قرأه قال: والله! إن هذا لعلمٌ، وما كنت أرى أن بالعراق واحدًا يعلم هذا! ! . قلت: وفي هذا عبرة، ولسان حال الآخرين هو لسان حال الزهري، لو سمعوا ما سمع، أو التقوا بعلماء أهل العراق.
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٥٧.
[ ١ / ٣٥٦ ]
٧٦٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله (١)، حدثنا شعيب بن حرب قال: قال مالك بن أنس: لم يأخذ أوَّلونا عن أوَّليكم، قد كان علقمة، والأسود، ومسروق، فلم يأخذ عنهم أحد منا، فكذا آخِرونا، لا يأخذون عن آخِريكم.
قال: ثم ذكر سفيانَ فقال: إنه فارقني على أن لا يشربَ النبيذ.
٧٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، أخبرنا هلال بن العلاء الرقي، حدثني أبو يوسف أحمد بن محمد الصيدلاني، سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: كنت عند مالك بن أنس، فنظر إلى أصحابه فقال: انظُروا أهل المشرق، فأنزِلوهم بمنزلة أهل الكتاب، إذا حدثوكم فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم.
قال: ثم التفتَ فرآني، فكأنه استحيى فقال: يا أبا عبد الله، أكره أن تكون غيبةً، كذا أدركت أصحابنا يقولون.
٧٦٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: إذا جاوز الحديث الحرمين ضَعُف نخاعه.
٧٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرني دَعْلَج بن أحمد السجزي ببغداد، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي في شيء ناظرته فيه: والله ما أقول لك إلا نصحًا، إذا وجدتَ أهل المدينة على شيء، فلا يدخلنَّ قلبَك شك أنه الحق، وكلُّ ما جاءك وإنْ
_________________
(١) هو الإمام أحمد، في "العلل ومعرفة الرجال" (٤٧٥).
[ ١ / ٣٥٧ ]
صح وقَوِي كلَّ القوة، لم تجد له بالمدينة أصلًا، وإن ضَعُف فلا تعبأ به، ولا تلتفت إليه.
٧٦٦ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي وسأله يونس بن عبد الأعلى: إذا روى الحديثَ منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أتقومُ به حجة؟ قال: لا، حتى يُروى بالحجاز وإن كان منقطعًا مع ذلك، وإنَّ بالعراق قومًا صالحين ما يُستظهر عليهم بأحد.
قال الإمام أحمد: كذا قال الشافعي في جواب يونس بن عبد الأعلى.
٧٦٧ - وقد أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١)، حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا بحر بن نصر قال: أملى علينا الشافعي قال: من عُرِف من أهل العراق، ومن أهل بلدنا بالصدق والحفظ، قَبِلنا حديثه، ومن عرف منهم، ومن أهل بلدنا بالغلط رددنا حديثه، وما حابينا أحدًا، ولا حملنا عليه.
٧٦٨ - قال الإمام أحمد: هذا هو المذهب، وعليه أكثر أهل العلم بالحديث، والذي رَوَينا عن بعض المتقدمين في ذم رواية أهل العراق، فلِمَا ظهر لهم من المناكير والتدليس في رواياتهم، وقد قام بهذا العلم جماعة منصورون، حتى عَرَفوا من يوثق بروايته منهم، ومن لا يوثق بها، ومن دلس منهم، ومن لم يدلس، وميّزوا أحاديث الثقات والأثبات عن أحاديث أهل الضعف، أو الغلط، أو التدليس في الروايات، وهم مثل:
_________________
(١) في "الكامل" ١: ١٧٩.
[ ١ / ٣٥٨ ]
سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج الواسطي، وحماد بن زيد البصري، وغيرهم.
ومن بعدهم: عبد الله بن المبارك الخراساني، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي.
ثم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني.
ثم: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغيرهم من حفاظ أهل الحديث.
أسأل الله تعالى أن يُحسن جزاءهم، ويُجزل ثواب سعيهم، فمَنْ علم سيرتهم، وعرف طريقتهم في البحثِ عن هذا الشأن، وأداءِ النصح للأمة في البيان، علم أنهم لم يألوا جهدًا فيما قاموا به من إحياء السنة، وإماتة البدعة، وأن الله تعالى لم يَدعَ عباده في الضلالة والعَماية، حتى بعث فيهم من قام ببيان دينهم.
٧٦٩ - فقيّض بأرض الحجاز من قام بالبحث عن سنة المصطفى - ﷺ - بعد انقراض أكثر الصحابة، الذين حملوها، والصدر الأول من التابعين الذين عن أصحابه حفظوها، فأحيا بهم علم أهل الحجاز حتى عرف الموقوف به من الأحاديث وغيره.
وهم: مثل محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وعمرو ابن دينار المكي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد أدركوا بعض الصحابة.
ومن بعدهم بالمدينة: مالك بن أنس الأصبحي، وبمكة: سفيان بن عيينة الهلالي، وبالشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وبمصر: الليث
[ ١ / ٣٥٩ ]
ابن سعد الفَهْمي.
٧٧٠ - ثم قيّض بأرض الحجاز والعراق وغيرهم ممن سميناهم، ومن لم نسمِّهم من أقرانهم، وفيهم غير واحد ممن جمع علم أهل الحجاز، والشام، واليمن، ومصر، والعراق، وخراسان، وصنف الكتب في معرفة الرجال، وتمييز الصحيح من السقيم، حتى أصبح مَن جَهَد في معرفة ما عرفوه، وسعى في الوقوف على ما علموه، على خبرة من دينه، وصحة ما يجب الاعتماد عليه من سنة نبيه، فلله الحمد على ما قدّر، وقضى، وبيّن، وهدى، والصلاةُ على رسوله المصطفى، ونبيه المجتبى، وعلى آله أجمعين.
٧٧١ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا إسماعيل ابن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق (١)، أخبرنا معمر، عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كلَّ شيء سمعنا عن النبي ﷺ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه، فقلت: لا، ليس بسنة، فقال: بلى، هو سنة، قال: فكتب ولم أكتب، فأنْجَح وضيعت.
٧٧٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا ابن بكير، وعبد الله بن صالح أبو صالح قالا: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن
_________________
(١) في "المصنف" (٢٠٤٨٧).
(٢) في "المعرفة والتاريخ" ١: ٦٢٢.
[ ١ / ٣٦٠ ]
مالك: من أفقهُ أهل المدينة؟ قال: أما أعلمُهم بقضايا رسول الله ﷺ، وقضايا أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، وأفقههم فقهًا، وأعلمهم بما مضى من أمر الناس، فسعيد بن المسيب ﵀، وأما أغزرُهم حديثًا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجِّر من عبيد الله بن عبد الله بحرًا إلا فجَّرته، قال: ثم يقول لي عراك بن مالك، وأعلمهم عندي جميعًا ابن شهاب، فإنه جمع علمهم جميعًا إلى علمه.
٧٧٣ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله (١)، حدثنا عفان، حدثنا حماد ابن زيد، حدثني رجل قال: قال طاوس: إن ابن دينار هذا جعل أذنه قِمَعًا لكل عالم.
قال أبو عبد الله: يعني: أكثَرَ من الحديث والعلم.
٧٧٤ - وبهذا الإسناد في موضع آخر من هذا "التاريخ": حدثنا حنبل، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن زيد، عن رجل قال: قال طاوس: إن هذا الرجل، يعني: ابن دينار، جعل أُذُنه قِمَعًا لكل عالم.
فكأنه سمعه من أبي عبد الله عن عفان، وسمعه من عفان نفسه.
٧٧٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعراني، حدثنا جدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث،
_________________
(١) ابن دينار: هو عمرو بن دينار الإمام الثقة الثَّبْت، وهذا لفظ ابن أبي خيثمة في "تاريخه": السفر الثالث ١: ٢٣٢ (٧٢٨)، و"طبقات" ابن سعد ٨: ٤٠، وهو في "العلل ومعرفة الرجال" (٣٠٤٤) من طريق آخر، عن حماد بن زيد، فينظر في مراد المصنف بقوله الآتي: مِن هذا التاريخ؟ .
[ ١ / ٣٦١ ]
عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي أنه قال: ما رأيت أحدًا أقرب شبهًا بابن شهاب من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولولاهما لذهب كثير من السنن.
٧٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم أهل الحجاز.
٧٧٧ - قال: وسمعت الشافعي يقول: إذا وجدتَ لمالك حديثًا صحيحًا، فشدَّ يديك به، فإنه حجة.
٧٧٨ - قال: وسمعت الشافعي يقول: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم.
٧٧٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أبو الطاهر، عن ابن وهب قال: لولا مالك ابن أنس، والليث بن سعد، لهلكتُ، كنت أظن أن كل ما جاء عن النبي ﷺ يُعمل به (١).
٧٨٠ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الفقيه بالطَّابَران، حدثنا أبو أحمد ابن عدي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق السمرقندي بمصر، قال: سمعت أبا عُبيد الله بن أخي ابن وهب قال: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
٧٨١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، حدثنا عقبة بن علقمة، حدثنا موسى بن يسار
_________________
(١) ينظر لزامًا ما كتبته عن هذا القول في "أثر الحديث الشريف" ص ٨١ - ٨٥.
[ ١ / ٣٦٢ ]
- قال: وكان موسى بن يسار يقول: صحبت مكحولًا أربع عشرة سنة- قال عقبة: فسمعت موسى بن يسار يقول: ما رأيت أحدًا قطُّ أحدَّ نظرًا، ولا أنفى للغِلّ عن الإسلام: من الأوزاعي.
٧٨٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن إبراهيم بن يونس البزار بالريّ، حدثنا محمد بن موسى الحلواني، حدثنا عمرو بن علي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: الأئمة في الحديث أربعة: مالك بن أنس بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وسفيان بالكوفة، وحماد بن زيد بالبصرة.
٧٨٣ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل قال: سمعت أبا نعيم يقول: كان سفيان الثوري يحبُّ الإسناد، ويتكلم في الرجال الذين لا يَعتمد حديثهم، ويضعِّف أمرهم، ويقول: فلان ضعيف، وفلان ليس بثقة.
٧٨٤ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني محمد بن محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس الثقفي، حدثنا أبو قدامة قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: مررت مع سفيان الثوري برجل فقال: كذاب، والله لولا أنه لا يحلُّ لي أن أسكتَ عنه، لسكتُّ عنه.
كذا أخبرنا به أبو عبد الله في مناقب الثوري.
٧٨٥ - وأخبرنا أبو عبد الله في كتاب "التاريخ" (١) قال: سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت أبا العباس الثقفي يقول: سمعت أبا قدامة يقول: قال ابن مهدي: مررت مع شعبة برجل، فقال: كذاب، والله لولا أنه
_________________
(١) يريد "تاريخ نيسابور"، والله أعلم.
[ ١ / ٣٦٣ ]
لا يحل لي أن أسكت عنه، لسكت.
وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم.
٧٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول: لولا شعبة، ما عُرف الحديث بالعراق، وكان يجيء إلى الرجل فيقول: لا تحدِّث وإلا استعديتُ عليك السلطان.
٧٨٧ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يقول: حدثني عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ بحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته، فقال: حدثني زياد بن مِخْراق، فقدمت البصرة، فسألت زيادًا فقلت: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: حدثني رجل من بني ليث، عن شهر بن حوشب ﵀.
٧٨٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو علي الحافظ، حدثنا أبو بكر الواسطي قال: سمعت علي بن عبد الله المديني يقول: شعبة أحفظ الناس للمشايخ، وسفيان أحفظ الناس للأبواب، وعبد الرحمن بن مهدي أحفظهم، أظنه قال: للمشايخ والأبواب، ويحيى بن سعيد القطان أعرف بمخارج الأسانيد، وأعرف بمواضع الطعن من جميعهم.
٧٨٩ - وأخبرنا أبو عبد الله (٢) قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٤٢٥.
(٢) في "معرفة علوم الحديث" ص ٢٥٦.
[ ١ / ٣٦٤ ]
ابن هانئ يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، والحسين بن محمد ابن زياد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، قالوا: حدثنا محمد بن أبي صفوان الثقفي قال: سمعت علي بن المديني يقول: والله لو أُخِذت وحُلِّفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر قطُّ أعلمَ بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي.
٧٩٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا أحمد بن عمر ابن العباس القزويني، حدثنا محمد بن موسى الحلواني، حدثنا أحمد بن سنان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: استعديت على عيسى بن ميمون في هذه الأحاديث التي يحدثها عن القاسم، فقال: لا أعود.
٧٩١ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا محمد بن صالح بن هانئ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن شاذان، حدثنا أبو بكر الصومعي قال: سمعت زكريا ابن عدي يقول: كنت مع عبد الله بن المبارك في السفينة، قلت: كان يذاكركم، قال: نعم: كان يقول هذا متين، وهذا منقطع، وهذا لا يحتج به.
٧٩٢ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (١)، حدثنا علي بن أحمد بن سليمان الصَّيْقل، وأحمد بن عبدالوارث المصريان، قالا: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق قال: سمعت ابن المبارك يقول: إني لأكتب الحديث عن معمر قد سمعته من غيره، قلت: وما يحملك على ذلك؟ قال: أما سمعت قول الراجز:
_________________
(١) في "الكامل" ١: ٢٢٠.
[ ١ / ٣٦٥ ]
قد عرفنا خيركم من شرّكم (١)
٧٩٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي (٢)، أخبرني أبو عثمان نزيل مكة كتابةً قال: قال أبو ثور: كنت وإسحاقُ بن راهويه، وحسين الكرابيسي، وذكر جماعة من العراقيين: ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي.
٧٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان يقول: سمعت جدي يقول: سمعت أبا ثور يقول: ما رأينا مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه.
٧٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن المِهْرجاني، وأبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، قالوا: سمعنا أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت يوسف بن عبد الله الخُوَارَزمي ببيت المقدس يقول: سمعت حرملة ابن يحيى يقول: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد وما خلَّفت بها أحدًا أتقى، ولا أورع، ولا أعلم -وأظنه قال: ولا أفقه- من أحمد بن حنبل ﵁.
هذا لفظ حديث أكثرهم، وفي رواية أبي عبد الله: وأظنه قال: ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
_________________
(١) بيت من الشعر تمثل به نصر بن سيار الليثي، كما في "تاريخ الطبري" ٤: ٢٦٥، وأوله: استمسِكوا أصحابنا نحدُ بكمْ فقد عرفنا خيركم من شركمْ
(٢) في "آداب الشافعي ومناقبه" ص ٦٥.
[ ١ / ٣٦٦ ]
٧٩٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١)، حدثنا عبد الرحمن بن أبي قِرْصافة العسقلاني، حدثنا محمد ابن علي بن داود قال: سمعت القواريري يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول للناس: تلومونني في قعودي مع علي بن المديني، وأنا أتعلم من عليٍّ أكثر مما يتعلم عليٌّ مني.
وروينا عن ابن عيينة أنه قال في علي بن المديني مثل هذا.
٧٩٧ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (٢)، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا عبد الله بن أسامة الكلبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، عن أبي عبيد القاسم بن سلّام قال: انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر أسردهم له، وأحمدُ أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعليّ أعلمهم به.
٧٩٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن القاضي يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن الجراح يقول: سمعت الرمادي يقول: خرجت مع يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، إلى عبد الرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد ابن حنبل: أريد أن استبرئ أبا نعيم (٣)، فنهاه أحمد بن حنبل وقال: الرجل ثَبْت، فلم ينتهِ، فأخذ يحيى ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي
_________________
(١) في "الكامل" ١: ١٨٥.
(٢) "الكامل" أيضًا ١: ١٨٦.
(٣) يريد الإمام أبا نعيم الفضل بن دكين ﵏ جميعًا.
[ ١ / ٣٦٧ ]
نعيم، وجعل على كل عشرة "أحاديث حديثًا ليس من حديثه، ثم أتينا أبا نعيم، فخرج إلينا فجلس على دكانٍ حذاءَ بابه، وأقعد أحمد بن حنبل على يمينه، ويحيى على يساره، وجلستُ أسفل الدكان.
وقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث، وهو ساكت، ثم قرأ الحادي عشر ليس من حديثه، فقال له أبو نعيم: ليس هذا من حديثي، فاضربْ عليه، ثم قرأ العشر الثاني، ثم قرأ الحديث، فقال: وليس هذا من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث، فتغير أبو نعيم، ثم قبض على ذراع أحمد بن حنبل فقال: أما هذا فورعُه يمنعه عن هذا، وأما هذا -وأومأ إليَّ - فأصغرُ من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفسَ يحيى بن معين، فأَقلبه عن الدكان، وقام فدخل داره.
فقال له أحمد بن حنبل: ألم أَنْهَك عن الرجل، وأقل لك إنه ثَبْت؟ ! فقال له يحيى: هذه الرفسة أحبُّ إليَّ من سفرتي (١).
٧٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد الكرابيسي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: ما رأيت تحت أديم هذه السماء أحفظَ لحديث رسول الله ﷺ، ولا أعرفَ به، من محمد بن إسماعيل البخاري.
٨٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم، يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
_________________
(١) على حاشية الأصل: بلغ.
[ ١ / ٣٦٨ ]
٨٠١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت أبا سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخطابي الفقيه يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت محمد بن إسحاق الصغاني يقول: لُيِّن لأبي داود السجستاني الحديثُ كما لُيِّن لداود الحديدُ.
٨٠٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يحدث عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال يومًا: عُدوا الأئمة؟ قال: فعدُّوها نحوًا من خمسة، قال: أفمتروكٌ الناسُ بغير أئمة؟ ! فسألت مالك بن أنس عن الأئمة من هم؟ فقال لي مالك: هم أئمة الدين في الفقه والورع.
٨٠٣ - قال الإمام ﵀: فضائل هؤلاء الأئمة الذين سميناهم والذين لم نسمِّهم من أقرانهم، أكثرُ من أن يمكن إيرادُها هذا الموضعَ، وإنما أوردنا من الحكايات ما يقع به بيان ما أشرنا إليه من قيام الأئمة بتمييز ما صح من الأحاديث مما لم يصح، والله يغفر لنا ولهم، ويوفقنا للاقتداء بهديهم، والاستنان بسنتهم، فنعم السلفُ كانوا لمن لزم السنة من خَلَف هذه الأمة، ﵃ وعنا، وأدخلنا وإياهم دار القرار، وأعاذنا وإياهم بفضله من دار البوار، إنه الواحد القهار، العزيز الغفار.
٨٠٤ - والأحاديث المروية على ثلاثة أنواع:
- نوع اتفق أهل العلم به على صحته.
- ونوع اتفقوا على ضعفه.
- ونوع اختلفوا في ثبوته، فمنهم من يضعِّف بعضَ رواته، لجرح ظهر له خفيَ على غيره، ولم يظهر له من عدالته ما يوجب قبول خبره، وقد
[ ١ / ٣٦٩ ]
ظهر لغيره، أو عرف منه معنى ما يوجب ردَّ خبره عنده، وذلك المعنى لا يوجبه عند غيره، أو عرف علة حديث ظهر بها انقطاعه، أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدراج لفظ من ألفاظ من رواه في متنه، أو دخول إسناد حديث في حديث آخر، خفيت تلك العلة على غيره.
فالذي يجب على الحفاظ بعدهم أن ينظروا في اختلاف مَن قبلهم، ويجتهدوا في معرفة معانيهم في رد الأخبار وقبولها، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحّها عندهم. وبالله التوفيق.
وقد ذكرنا في كتاب "السنن" من أمثلة ما أجملنا هاهنا ما يوضحه، ويكشف عنه، مفرقًا في مواضعه. والله أعلم.
٨٠٥ - وقد صنف أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ كتابًا يجمع أحاديث كلها صحيح (١)، وصنف أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري كتابًا يجمع أحاديث كلها صحيح، وقد بقيت أحاديثُ
_________________
(١) هذا حال الأحاديث الأصول التي تحت كل باب، وأما ما سواها فقد يكون كذلك صحيحًا حجة، وقد يكون الشيخان روياه متابعة أو شاهدًا، فيكون فيه بعض الشيء مما يُنزله عن الصحة الأصلية، وهذا الاستثناء متفق عليه عند العلماء، وثمة استثناء آخر لبعض أحاديثهما مما ليس في الأصول، وهو ما يرويانه - خاصة الإمام مسلمًا-، بقصد بيان علة فيه، لا بقصد الاعتماد عليه، وقد بيَّنت هذا في مقال كتبته بعنوان: "من منهج الإمام مسلم في صحيحه"، وأودعته ضمن "مجموع رسائل في علم الحديث دراية"، فلينظر فإنه مهم. وأكرر القول هنا، مع ما كررته هناك: إن هذا البيان والاستثناء إنما هو للحِفاظ والتأكيد على مكانة الصحيحين، لا ليستغلَّه مغرض من أعداء السنة، فيطعن في الصحيحين، ليهدمهما، ويهدم من ورائهما كتب السنة الأخرى! ! .
[ ١ / ٣٧٠ ]
صحاحٌ لم يخرجاها، وليس في تركهما إياها دليلٌ على ضعفها، وإنما في إخراجهما ما أخرجا دليل على صحة ما أخرجا، مع استبراء من استبرأ ما أخرجا، حتى عرف صحة ما أخرجا.
٨٠٦ - فقد أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١) قال: سمعت الحسن بن الحسين البخاري يقول: سمعت إبراهيم بن مَعْقِل يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
فهذا عذر البخاري في تركِ إخراج ما بقي من الصحاح، وهو لئلا يَطولَ الكتاب فيُمَلَّ.
٨٠٧ - وأما مسلم بن الحجاج، فإنه قسم الأخبار ثلاثة أقسام، فأخرج القسم الأول: وهي الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، ومن عزمه أن يخرج القسمين الآخرين، فأدركته المنية قبل إخراجهما، والله يرحمنا وإياه (٢).
٨٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣) قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن
_________________
(١) في "الكامل" ١: ١٩٧.
(٢) هذا قول الحاكم في "المدخل إلى الإكليل" ص ٧٨، وتبعه تلميذه المصنف رحمهما الله تعالى، وتعقبهما القاضي عياض في "إكمال المعلم" ١: ٨٦ - ٨٧، فانظره، وانظر: "تدريب الراوي" ٢: ٣٢٠ وما بعدها، مع التعليق عليه.
(٣) في "المدخل إلى كتاب الإكليل" ص ٥٩، و"المستدرك" (بعد ١٨٠١).
[ ١ / ٣٧١ ]
محمد العنبري يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يقول: إذا رَوَينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا رَوَينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب، تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال (١).
٨٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل -وهو على باب أبى النضر هاشم بن القاسم - فقيل له: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عُبيدة؟ وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: أما موسى بن عبيدة، فلم يكن به بأس، ولكن حدّث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، وأما محمد بن إسحاق، فهو رجل تُكْتَب عنه
_________________
(١) هذا القول من الإمام عبد الرحمن بن مهدي صريح في أن المستحبات والمكروهات الداخلة تحت قوله "الثواب والعقاب": لا تدخل تحت الأحكام التشريعية التكليفية، لأنه ليس فيها كُلْفة وإلزام ووجوب، وهذا رأي مشهور لجمهرة من الأصوليين، وعليه عدد من أئمة الحديث المجتهدين وغيرهم ممن نصّ على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، خلافًا لمن يقول: إن الأحكام التشريعية هي الخمسة، وهي متساوية في عدم جواز العمل إلا بالصحيح، قال هذا القول الشوكاني، وتُوبع، والتحقيق على خلافه، كما بيّنته بالتفصيل والإسهاب في بحثٍ كتبته بعنوان: "الحديث الضعيف بين النظرية، والتطبيق، والدعوى"، والحمد لله.
[ ١ / ٣٧٢ ]
هذه الأحاديث، كأنه يعني: المغازي ونحوها، وأما إذا جاء الحلال والحرام، أردنا قومًا هكذا، وقبض أبو الفضل -يعني: العباس- أصابع يده الأربع من كل يد، ولم يضم الإبهام (١).
* * * * *
_________________
(١) على الحاشية: بلغ ابن السراج قراءة في الرابع على الشيخين بالرواحية.
[ ١ / ٣٧٣ ]