اسمُ البخاري ونِسبتُه:
هو الإمامُ، الحافظُ، الحُجَّةُ، أميرُ المؤمنين في الحديث، إمام الأَئِمَّةِ، حافظُ الإسلام أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَهْ البخاريُّ الجُعْفِيُّ.
وقد وضع بعض من ساق نسب البخاري في الأسانيد اسم الأحنف مكان اسم بَرْدِزْبَهْ، منهم مؤرخ بخارى الحافظ محمد بن أحمد الملقب غُنْجَار (-٤١٢).
واشتهر بالبخاريِّ: نسبةً إلى مدينة بخارى، وكانت من أعظم مدن الإسلام، فُتحت سنةَ تسعين للهجرة على يد القائد الشهير قتيبة بن مسلمٍ الباهلي، وكان واليًا على خراسان بين سنتي (٨٦ - ٩٦).
واشتهر بالجُعْفيِّ: نسبةً إلى والي بخارى اليمانِ الجُعفي، وهو أحد أجداد شيخ البخاري المحدث الشهير: عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجُعفي المُسْنَديِّ (-٢٢٩). وجُعفٌ هو ابن سعدِ العَشيرة من قبيلة مَذْحِج، واسمُ مَذْحِجٍ: مالكٌ، وهو من سَبَأٍ، وينتهي نسبه إلى قحطان. ولحقت هذه النسبةُ الإمامَ البخاري لأن أبا جده المغيرةَ أسلم على يد اليمان الجعفي، فصار ولاؤُه له.
وعقدُ الولاءِ قرابةٌ حُكمية تنشأ من عهدٍ بين شخصٍ وآخر، على أنه إن جنى فعليه أَرْشُهُ، وإن مات فله ميراثه. والوَلاء نوعان: وَلاءُ عتقٍ، أجمع عليه الفقهاء، وولاء مُوالاة، رُوي جوازه عن عمر وعليٍّ وابن مسعود ﵃، وهو قول إبراهيم النَّخَعي وحمَّادٍ، ومذهبُ أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
[ ٢٣ ]
تاريخ ولادة البخاري:
ولد البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة، في اليوم الثاني عشر من شهر شوالٍ، سنة مائة وأربع وتسعين .. ويبدو أن أباه إسماعيل كان حريصًا على حفظ تاريخ ولادة ابنه، فاعتنى بذلك وقيَّد شهادة ولادته بخطه، ورأى البخاريُّ تلك الشهادة وأخبر عنها. قال أبو عمرٍو المستنيرُ بن عتيقٍ: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل: متى ولدتَ؟ فأخرج لي خطَّ أبيه: "وُلد محمد بن إسماعيل يوم الجمعة بعد الجمعة لثلاثَ عشرة ليلةً مضت من شوالٍ سنة أربع وتسعين ومائة".
أصلُ البخاري:
الإمام البخاري فارسيُّ الأصل، يبدو أن جده الأعلى بَرْدِزْبَه كان فلاحًا، إذ هذا هو معنى الكلمة في لغة أهل بخارى. وكلمة بَرْدِيز تعني بالفارسية القديمة البستان.
ومع دخول الفتح الإسلامي دخل أهل تلك البلاد في الإسلام، فأسلم المغيرة، وهو والد جده على يد والي بخارى: اليمان الجُعفي، فانتسب إليه. وقد نشأ البخاري وأبوه وجده نشأةً عربية، وكانت اللغة العربية لغتَه ولغةَ والديه في الحياة والعلم، في الصبا والشباب والشيخوخة. ولم نجد في الروايات التي بين أيدينا ما يُشير إلى أن البخاري كان يتحدث لغةً أخرى على الإطلاق.
والدُ البخاري:
هو أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، محدث، عالم، ورعٌ، ثقةٌ، رحل في طلب الحديث، وأخذه عن عدد من الأعلام، وروي عنه الحديث. كان مرجعًا لأهل بلده في عدد من أبواب العلم. وكان على الغاية من الورع وطلب الحلال في الكسب.
[ ٢٤ ]
رحل في طلب الحديث وحج، وروى عن الإمام مالك بن أنسٍ (٩٣ - ١٧٩)، والإمام عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١)، وحمَّاد ابن زيدٍ (-١٧٩)، وأبي معاوية الضرير محمد بن خازمٍ (١١٣ - ١٩٥). ويبدو أن له رواية عن سفيان الثوري، فقد كان عنده كتاب الجامع لسفيان الثوري، كما أخبر بذلك ابنه، وقد قرأه البخاري على صديق أبيه الإمام أبي حفصٍ الكبير، وصحح للإمام موضعًا فيه، مما يدل على أنها كانت نسخةً صحيحة.
وكان أبو الحسن إسماعيل وثيق الصلة بكبار علماء مدينة بخارى، وله منهم أصحاب لا يترددون في الرجوع إليه في خواص أمورهم، يُستفاد ذلك من قصة أوردها الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أبي حفص الكبير أحمد بن حفصٍ البخاري الحنفي (١٥٠ - ٢١٧)، وهو من كبار أئمة الحنفية، وكان من تلاميذ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩). فقد رأى أبو حفصٍ النبيَّ ﵊ في منامه، عليه قميصٌ، وامرأةٌ إلى جنبه تبكي، فقال لها: لا تبكي، فإذا متُّ فابكي. وبحثَ الإمام أبو حفصٍ عن عالمٍ يعبِّر له هذه الرؤيا فلم يجد عند أحدٍ عِلمًا، حتَّى اجتمع بإسماعيل والد الإمام البخاري فقصها عليه، فأخبره إسماعيلُ بتأويلها قائلًا له.: "إن السنةَ قائمةٌ بعدُ"، فاستغنى أبو حفصٍ بهذا الجواب. ويُستفاد من هذه القصة أن والد البخاري كان ذا مكانة عالية بين علماء بخارى. واستمرت الصلة بين أبي حفص وأبي الحسن إلى وفاة الثاني، وقد عاده أبو حفص في مرض موته، وسمعه يقول: "لا أعلم من مالي درهمًا من حرامٍ ولا درهمًا من شبهة".
وروى أبو حفص هذا الكلام وقال عقبه: "فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك". ويبدو لي أن سبب إيراد إسماعيل لهذا الكلام وهو على فراش الموت مقبل على الله تعالى، لا غرض له في شيء من الدنيا هو أن يطمئن أصحابه إلى أن المال الذي سيخلفه لابنيه أحمد ومحمد هو مال حلال خالص عن الشبهة.
[ ٢٥ ]
وتصدر والد الإمام البخاري للتحديث فقصده الطلبة، وروى عنه أهلُ العراق. ومن جملة تلاميذه: يحيى بن جعفرٍ البِيكَنْدِيُّ، وهو الذي حدث البخاريَّ عن أبيه.، وأحمد ابن جعفر، ونصر بن الحسين.
وقد ذكر البخاري أباه في التاريخ الكبير في غير موضع، وترجم له باقتضابٍ، ومما ذكره عنه قوله: "حدثني أصحابنا يحيى وغيره عن أبي قال: رأيت حماد بن زيدٍ وجاءه ابن المبارك بمكة فصافحه بكلتا يديه". وذكره الإمام أبو حاتم محمد بن حِبَّان (٢٧٠ - ٣٥٤) في الطبقة الرابعة من الثقات.
أُمُّ البخاري:
هي أم الحسن وأم أحمد، ولم يصل إلينا كثير من أخبارها، ولكن الروايات التي وصلت تفيد أنها كانت امرأة صالحة، تقية، عابدة، مجابة الدعوة، تعرف قدر العلم.، ولذلك دفعت بابنها إلى المكتب ليطلب العلم، ثم رحلت به إلى الحجاز ليؤدي فريضة الحج، ويتابع طلب العلم ولقاء الشيوخ وسماع الحديث، وأذنت له بالتخلُّف في الحجاز وقفلت راجعة مع ابنها البكر أحمد.
وقد رُويت عنها قصةٌ تظهر مدى قربها من الله تعالى: هي أن البخاري فقد بصره في صغره، فاغتمَّت أمه لذلك، وكانت تبتهل إلى الله تعالى أن يرد عليه بصره .. فرأت ذات ليلة في المنام نبي الله إبراهيم الخليل ﵊، فقال لها: قد رد الله على ابنك بصره، بكثرة دعائك له، فقام في الصباح وقد شفاه الله تعالى ورد عليه بصره.
وهذه القصة من أعظم الكرامات التي تظهر مكانة هذه الأم عند الله تعالى، ومكانة هذا الطفل الذي تولاه الله تعالى منذ صغره، ليكون بعد ذلك علمًا من أعلام الأمة
[ ٢٦ ]
الإسلامية، ويكون كتابه الجامع الصحيح أهم كتاب للمسلمين بعد القرآن الكريم.
أسرة البخاري:
كان للإمام البخاري أخٌ واحدٌ أكبر منه اسمه أحمد، رحلت بهما أمهما إلى الحج، ورجع أحمد مع أمه إلى بخارى، وتوفي فيها. وبقي البخاري في الحجاز لطلب العلم. ولا نعرف من أخبار أخيه سوى أنه كانت له زوجة، كانت تتردد على البخاري.
روى وراقه محمد بن أبي حاتمٍ في كتابه شمائل البخاري قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يُستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبيَّنت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جرَّبت؟ قال: نعم، دعوت ربي ﷿ مرتين فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعوَ بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يُعجل لي في الدنيا. ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل".
ويبدو من تتبع أخبار الإمام البخاريِّ التي كتبها ورَّاقه في كتابه: شمائل البخاري أنه كانت للبخاري زوجة. فقد أراد البخاري أن يقاسم وراقه أمواله في قصة طويلة ساقها الذهبي قال فيها البخاري لوراقه: "لي جوَارٍ وامرأةٌ، وأنتَ عَزَبٌ، فالذي يجب عليَّ أن أناصفك لنستويَ في المال وغيره، وأربحُ عليك في ذلك".
وتفيد بعض الروايات أنه كان للبخاري ولدٌ اسمه أحمد يكنَّى أبا حفصٍ، نقل الذهبي عن غُنجارٍ بسنده إلى بكر بن منيرٍ قال: "كان حُمِلَ إلى البخاري بضاعةٌ أنفذها إليه ابنه أحمد، فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم، فقال: انصرِفوا الليلةَ. فجاءه من الغد تجارٌ آخرون.، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف. فقال: إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة". وفي رواية أخرى زيادة: ولا أحب أن أنقض نيتي. وساق ابن عساكر الرواية بإسناده عن غُنْجارٍ وزاد فيها "أنفذها إليه ابنه
[ ٢٧ ]
أحمد أبو حفصٍ". فهل سمى ابنه على اسمه أخيه أحمد وكناه بكنية شيخه ورفيق أبيه، أم أن المعنيَّ في هذه الرواية تاجرٌ اسمه أبو حفص أنفذ إلى البخاري بضاعة مع ابنه أحمد. كل ذلك محتمل، لكن يبقى نص ابن عساكر دليلًا على أن للبخاري ابنًا اسمه أحمد كنيته أبو حفص حتى يظهر دليل معارض.
وكانت للبخاري جارية تخدمه، فأعتقها لما أخطأت. ويفيد خبر آخر أنه اشترى جارية وانتقاها دميمةً.
وكانت له قرابات بعيدة من النساء في مدينة بخارى، وكانت تأتيه الرسائل منهن وهو في رحلاته ويجيب عليها. وكان له أقرباء في بلدة خرتنكَ، قيل إنه نزل عليهم قبيل وفاته.، وسيأتي اسم من نزل عليه عند الحديث عن وفاته رحمه الله تعالى.
طلبُ البخاريِّ للعلم:
بدأت نشأة البخاري في حضن أبيه الذي كان وثيق الصلة بعدد من كبار أهل العلم، يتردد عليهم ويرجعون إليه. ولا شك أن الأب غرس في ابنه حب القرآن الكريم والحديث الشريف وطلب العلم، حتى نشأ البخاري وذلك فيه سجيةٌ وهوًى.
وسرعان ما توفي والده وتركه يتيمًا، فاعتنت به أمه وربته أحسن تربية، وأرادت له أن يكون عالمًا كأبيه، فأرسلته إلى المكتب يطلب العلم. ويخبرنا البخاري هنا كيف أن الله تعالى ألهمه حفظ الحديث في المكتب وهو دون العاشرة من العمر.
وكان يتردد على بعض الفقهاء بمَروَ وهو صبيٌّ، وكان ما زال يكتب الحديث في المكتب.، فسأله أحد المؤدبين: كم كتبت اليوم؟ فقال: اثنين، وأراد بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يومًا، فكان كما قال ذلك الشيخ.
[ ٢٨ ]
الكتب التى تعلم منها البخاري
وعَرَف البخاري بما تأدب عليه في المكتب أن طلب العلم لا بد فيه من الحفظ فانصرف إليه، فأخذ كتب مشاهير المحدثين واشتغل بحفظها، ومما حفظه في تلك المرحلة المبكرة التي بلغ فيها بلغ السادسة عشرة من عمره:
١. كتب الإمام عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١):
قال يحيى بن معين في وصفها: "كانت كتبه التي يحدِّث بها عشرين ألفًا أو واحدًا وعشرين ألفًا". ولم يُمَيِّزِ الراوي العدد، ولم يبيِّن ما هو المعدود، وبين الشيخ زاهد الكوثري أن المعدود الأحاديث. وأرى أنه لا يَبعد أن تكون الأوراق، فإن ابن المبارك حمل عن ألفي شيخ، ولو كان المقصود عدد الأحاديث، لكان الكلام: "كانت أحاديثه التي يحدث بها عشرين ألفًا إلخ". ويؤيد ما ذهبنا إليه ما سيأتي أن البخاري حفظ في البصرة خمسة عشر ألف حديث في ستة عشر يومًا، وكان رفقاؤه يكتبون وهو لا يكتب.
٢. كتب الإمام وكيع بن الجراح (١٢٩ - ١٩٧):
وهي: التفسير، وكتاب الزهد، والسنن، وفضائل الصحابة، والمُسند، والمصنف، والمعرفة والتاريخ، ونسخة [مرويات] وكيع عن الأعمش. وتدخل هذه المصنفات كلها في فنون الحديث لأن أبواب العلم كانت تعتمد على رواية بالأسانيد.
فانظر مقدار ما كان يشتغل البخاري بحفظه في مدة وجيزة. لتعرف مقدار ما حفظه، بعد ذلك، ولا تستغرب قوله: إنه انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث.
ولا يُستغرب انتشار كتب ابن المبارك ووكيعٍ في بخارى.، فكلاهما كان يميل إلى مذهب أبي حنيفة، وكانت خراسان وبخارى من أهم معاقل مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
[ ٢٩ ]
ثم اشتغل البخاري بطلب الفقه على مذهب أهل الرأي، أي مذهب أبي حنيفة، فكان يتردد على الإمام أبي حفص الكبير، وهو أحمد بن حفصٍ البخاري (١٥٠ - ٢١٧).، من كبار أئمة الحنفية وتلميذُ محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩). ومما قرأه عليه البخاري كتاب الجامع لسفيان الثوري.
يقول البخاري: كنت عند أبي حفصٍ أحمد بن حفصٍ أسمع كتاب الجامع جامع سفيان من كتاب والدي، فمرَّ أبو حفصٍ على حرفٍ ولم يكن عندي ماذكر، فراجعته، فقال الثانية كذلك، فراجعته الثانيةَ فقال كذلك، فراجعته الثالثةَ فسكت سويعة ثم قال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزْبَهْ، فقال أبو حفصٍ: هو كما قال: واحفظوا فإن هذا يصير يومًا رجلًا.
وكان للإمام البخاري أيام طلبه للعلم ببخارى بلدِه رفقاءُ، منهم: الإمامُ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حفصٍ (-٢٦٤) الذي صار من بعد مفتي بخارى وأحد كبار الأئمة، وهو ابن أبي حفصٍ الكبيرِ، نقل الذهبي أنه رافق البخاريَّ في الطلب مدةً.
وقد وضع البخاري لنفسه منهجًا دقيقًا في طلب العلم، فمع أنه كان يروي عمن هو فوقه ومثله ودونه من الشيوخ، إلا أنه كان يدقق مع الشيوخ الذين يروي عنهم من غير المشاهير من الأئمة، فكان يسأل الرجل عن اسمه وكنيته ونسبه، وكيف تحمَّل الحديث الذي يرويه، فإن لم يكن من أهل الحفظ والدراية، طلب منه أن يُخرج له أصل كتابه، فيستعيره منه وينسخه.
وهذا الحرص من الإمام البخاري هو الذي أوصله إلى أعلى المراتب بين أهل عصره ومن بعدهم. ومن أمثلة حرصه قوله في بعض كلامه: تركت أنا عشرة آلافِ حديثٍ لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر".
[ ٣٠ ]
رحلات البخاري:
ابتدأ الإمام البخاري الرحلة سنة عشر ومائتين وهو ابن ستَّ عشرةَ سنةً، وكانت أول رحلة له إلى الحج صحبةَ أمِّه وأخيه أحمد، وهو أكبرُ منه، وبقي هو في الحجاز لطلب العلم، وقفلَ أخوه أحمدُ بأمه إلى بخارى.
ورحل البخاري بعد ذلك إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والبصرة. وأقام بالبصرة خمس سنين، وبالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين. وكان أول دخوله إلى بغداد آخر سنة عشر ومائتين قبل فتنة خلق القرآن.، وتردد إليها مرارًا، منها ثماني مراتٍ لقي فيها الإمام أحمد بن حنبلٍ. ودخل مدن بلخ ومروَ والرَّي وواسط ودمشق وحمص وعسقلان. وورد نيسابور أول مرة سنة ٢٠٩، ودخل عسقلان سنة ٢١٧ ودخل مصر مرتين إحداهما سنة ٢١٧.
ثم رحل بعد ذلك في التحديث، فدخل إلى عدد من البلاد التي كان طلب العلم بها.، بعد أن طبَّقت شهرته الآفاق، وحدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النهر، وقدم الرَّيَّ سنة ٢٥٠، وأقام بنيسابور خمس سنين ابتداءً من سنة ٢٥٠. وورد أنه أسمع الجامع الصحيح بمدينة فربر سنة ٢٤٨، وأسمعه بمدينة بخارى سنة ٢٥٢.
وقد طاف الإمام البخاري البلاد، ودخل حواضر الإسلام الكبرى، منها مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد عاصمة الخلافة، وقضى معظم عمره متنقلًا بين البلاد راحلًا إما في طلب الحديث أو في إملائه.
ولكنه رغم ذلك آثر العودة إلى خراسان وبلده بخارى. ويبدو أنه ندم على ذلك في آخر عمره، بعدما جرى له من المحن وما قاساه من الشدائد في نيسابور وبخارى وغيرهما جَرَّاءَ حسدِ الأقران. يشير إلى ذلك ما رواه وراقه أبو جعفرٍ محمدُ بن أبي حاتم حيث
[ ٣١ ]
قال: "سمعت البخاري يقول.: "دخلت بغداد آخر ثمانِ مراتٍ، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبلٍ.، فقال لي في آخر ما ودعتُه: يا أبا عبد الله، تدعُ العلم والناسَ وتصير إلى خراسان! " قال: "فأنا الآن أذْكُر قوله".
شيوخ البخاري:
روى البخاري عن ألف وثمانين شيخًا، روي عنه أنه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال: دخلت بلخَ، فسألوني أن أُمْلِيَ عليهم لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ.
وأعلى شيوخه طبقةً بعض أتباع التابعين، منهم محمد بن عبد الله الأنصاري، وعصام ابن خالد وأبو عاصم النبيل ومكي بن إبراهيم.
وأكثر شيوخه تأثيرًا فيه هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث عليُّ بن المَديني (١٦١ - ٢٣٤)، رُوي عن البخاري أنه قال: "ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المَديني، وربما كنت أُغْرِبُ عليه" ويقول: "ما سمعت الحديث من في إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من في علي". وروى عنه في الصحيح أكثر من مائتي حديث. ومع ذلك فإن ابن المديني كان إذا بلغه قول البخاري فيه قال: "دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه". وعن فتح بن محمد النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالسًا عن يمينه، وكان إذا حدَّث التفت إليه كأنه يهابه. ومما يُظهر تأثير ابن المديني في البخاري واختصاص البخاري به أن ابن كثير لما ذكر في البداية والنهاية وفيات سنة ٢٣٤ قال: "وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ
[ ٣٢ ]
البخاري في صناعة الحديث".
وأكثر من روى عنه من الشيوخ هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الدمشقي التنيسي (-٢١٨)، وهو من رواة الموطأ عن الإمام مالك، روى عنه البخاري في الصحيح ثلاثمائة وخمسةً وأربعين حديثًا، وكان لقيه بمصر سنة مائتين وسبعَ عشرةَ .. ومن أبرز شيوخه:
عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي (-٢١٩)
خَلَّاد بن يحيى المُقرئ (-٢١٣)
عبيد الله بن موسى العَبْسي (-٢١٣)
عصام بن خالد أبو إسحاق الحمصي (-٢١١)
طَلْق بن غنام الكوفي (-٢١١)
أبو عاصم النبيل الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ (-٢١٢)
مكيُّ بن إبراهيمَ (١٢٦ - ٢١٤)
عصام بن خالد الحضرمي أبو إسحاق الحمصي (-٢١٤)
أبو نُعيم الفضل بن دُكَين (١٣٠ - ٢١٩)
علي بن عَيَّاشٍ الحمصي (١٤٣ - ٢١٩)
آدم بن أبي إياس (١٣٢ - ٢٢٠)
أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي (١٣٨ - ٢٢٢)
[ ٣٣ ]
سليمان بن حرب (١٤٠ - ٢٢٤)
محمد بن سَلَامٍ الِبيكَنْدِي (-٢٢٥)
يحيى بن يحيى التميمي الخراسانيُّ (١٤٢ - ٢٢٦)
عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمانٍ الجُعفي المُسْنَديُّ (-٢٢٩)
يحيى بن مَعينٍ (١٥٨ - ٢٣٣)
إسحاق بن راهَوَيْهِ (١٦١ - ٢٣٨)
قتيبة بن سعيدٍ البلخي (١٤٩ - ٢٤٠)
الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١)
علي بن حُجر المروزي (١٥٤ - ٢٤٤
نبوغ البخاري:
كان البخاري نابغةً، شديد الذكاء، دقيق الفهم، واسع العلم، له في في الأسانيد بصيرة نافذة، ونظر ثاقب، وأوتي مع ذلك حدَّةَ الذهن، وسرعةَ الاستحضار. ولذلك صار مرجعًا لشيوخه وهو ما زال بعد في ريعان الشباب.
ومن الأمثلة على نبوغ البخاري في سنٍّ مبكرةٍ أنه حضر مرة في مجلس شيخه محمد بن يوسف الفِريابي (-٢١٢) وهو ما زال فَتًى دون الثامنة عشرة من عمره،، فقال الفريابيُّ.: حدثنا سفيان عن أبي عَروبةَ عن أبي الخطاب عن أنسٍ «أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه في غُسلٍ واحد»، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عَروبةَ ولا أبا الخطاب، فقال البخاري: "أما أبو عَروبة فمَعْمَرٌ، وأما أبو الخطاب فقَتادةُ، وكان
[ ٣٤ ]
الثوري فَعولًا لهذا، يَكْني المشهورين".
وقال له شيخه عبد الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ (-٢١٨) مرة: يا أبا عبد الله! انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقْط، فقال البخاري: نعم.
وقال له شيخه محمد بن سَلَام البيكنَدي (-٢٢٥): انظر في كُتُبي، فما وجدتَ فيها مِن خطأ فاضربْ عليه. وقال له شيخه إسماعيل بن أبي أويس (-٢٢٦): انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكرٌ لك أبدًا ما دمتُ حيًّا.
وروي عن الحافظ أبي حامدٍ أحمد بن حمدون (-٣٢١): أنه رأى البخاري في جنازة سعيد بن مروان البغدادي، وكان ذلك في نيسابور منتصف شهر شعبان من سنة ٢٥٢.، وشيخه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ (١٧٢ - ٢٥٨) يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمرُّ فيه كالسهم - أي في سرعة الإجابة - كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وسعيد بن مروان هو أحد شيوخ البخاري.
وذكر الحافظ أحمد بن الأزهر العَبدي النيسابوري (-٢٦١) أنه كان بسمرقند أربعمائة من طلاب الحديث، فاستعدوا سبعة أيامٍ لمغالطة البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن.، فأتى بكل إسناد على وجه الصواب، وما وجدوا في أجوبته خطأً واحدًا، لا في الإسناد ولا في المتن.
حفظ البخاري:
كان البخاري سريع الحفظ، وكانت له ذاكرة قوية واسعة، وكان سريع الاستحضار لما حفظه. وقد وصل في الحفظ إلى درجة أدهشت شيوخه ومعاصريه، ولم يأت بعده في
[ ٣٥ ]
الحفظ والفهم مثله. روي عنه أنه قال: أحفظ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيح.
وقال أبو بكر محمد بن رزق الله الكَلَوْذَاني (-٢٤٩): "ما رأيتُ مثلَ محمد بن إسماعيل.، كان يأخذ الكتابَ من العِلم فيطَّلع عليه اطِّلاعةً.، فيحفظ عامَّةَ أطراف الحديث من مرَّة واحدة".
وذكر البخاري عن نفسه أنه يستطيع أن يملي من حفظه عشرة آلاف حديث في الصلاة. فإذا كان هذا مقدار ما يحفظه من الحديث في باب واحدٍ هو الصلاة، فما مقدار ما يحفظه في سائر أبواب العبادات والمعاملات والفضائل والآداب والفتن والتوحيد والتفسير والمغازي.
روي عن حاشد بن إسماعيل بن عيسى البخاريِّ الغزَّال (-٢٦١) - وهو أحد كبار الحفاظ من أقران البخاري - أن الإمام البخاري كان وهو غلامٌ يحضر مجالس الحديث معهم عند مشايخ البصرة، ويستمع إلى ما يُملونه من الأحاديث ولا يكتب كما يفعل الطلبة، ومضت ستة عشر يومًا وهو على هذا الحال، فلاموه عند ذلك، فضجِرَ من لومهم وقال لهم:
- قد أكثرتم عليَّ، فاعرضوا عليَّ ما كتبتم.
قال حاشد بن إسماعيل: "فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألفَ حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحْكم كتبنا من حفظه". وقال لهم:
- أتُرون أني أختلفُ هدرًا وأضيع أيامي!
قال: فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد".
[ ٣٦ ]
امتحان علماء بغداد للبخاري:
وهذه قصة عجيبة تدل على حفظ البخاري للنصوص على الفور، بدون حاجة إلى تكرار. فقد سمع به أهلُ الحديث لما قدم بغداد، فاجتمعوا لامتحانه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلَبُوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوهَا لعشرة أنفسٍ، لكلِّ رجلٍ عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضَروا المجلسَ أن يُلقوا ذلك على البُخاري.، وأخذوا عليه الموعدَ للمجلس، فحضرَ وحضرَ جماعةٌ كثيرون من الغُرباء من أهل خُراسان وغيرهم ومن البغداديين.
فلمَّا اطمأنَّ المجلسُ بأهله، انتدبَ رجلٌ من العشرة، فسألَه عن حديث من تلك الأحاديث، فقال له البُخاري: لا أعرفه. فما زالَ يُلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ حتى فرغَ، والبُخاري يقول: لا أعرفه، فكان العُلماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعض، ويقولون: فَهِمَ الرجل، ومن كان لم يَدْرِ القضيَّة، يقضِي على البُخاري بالعجزِ والتَّقصير وقلَّة الحفظ.
ثم انتدبَ الثاني من العشرة، وفعل كالأول، وقال له البُخاري كالأول، ثم انتدبَ الثالث والرابع.، وهكذا إلى تمام العشرة، حتى فَرَغُوا كلهم من إلقاءِ تلك الأحاديث المقلوبةِ، والبُخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه.
فلمَّا علم أنهم فَرَغُوا التفتَ إلى الأول فقال: أمَّا حديثك الأوَّل فقلت: كذا وصوابُه كذا، وحديثُك الثاني كذا وصوابُه كذا، وهكذا الثَّالث والرَّابع إلى تمام العشَرة على الوِلاء. فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ، وكلَّ إسنادٍ إلى متنهِ في الجميع على الوِلاء في السؤالِ، فأقرَّ الناسُ له بالحفظِ، وأذعَنُوا له بالفضل.
قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليٍّ الشهير بابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢): "فما
[ ٣٧ ]
العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوه عليه من مرة واحدة.
علم البخاري بالعربية:
لم يقتصر البخاري في طلبه للعلم على الحديث، بل توسع في علوم العربية، حتى ملك أدوات الاجتهاد، وصار ينظم الشعر. ومن الإشارات التي تدل على تمكنه في علوم العربية أنه هو نفسه جعله شرطًا للمحدث قبل طلب الحديث في نصيحته الشهيرة فقال: "ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو".
ومن تتبع كلام الإمام البخاري الذي رُوي عنه، ومفرداته التي كان ينتقيها، علمَ مقدار علمه بالعربية، فإن كلام الرجل ينبئ عن فصاحته، والمرء مخبوءتحت طَيِّ لسانه، لا تحت طَيْلَسانه.
ومما يدل على تمكنه من العربية ما ساقه من اللغة في تراجم أبواب الصحيح، ومنه ما رواه من كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدةَ مَعمرِ بن المُثَنَّى (١١٢ - ٢٠٨)، مع أن الكتاب يعتمد على اللغة في تفسير القرآن، بدل الاعتماد على السنة.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: "وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارةً يصرح بعَزْوِهِ.، وتارةً يُبْهِمُه".
كما أن البخاري ساق في الصحيح خبرًا فيه ثلاثة أبياتٍ لامرئ القيس بن حِجرٍ الكندي مع أنه من شعراء الجاهلية، ويعرف بالملك الضِّلِّيل، وسنتكلم فيما بعد عن الشعر في صحيح البخاري.
[ ٣٨ ]
وصل البخاري في التمكن بالعربية إلى درجة نظم الشعر، وهي مرتبة تحتاج إلى مُكنة وسليقة وقريحة، مما يدل على أن عربيته صارت ملكة، وأن كونه غير عربي الأصل لم يؤثر فيه على الإطلاق. ومن هنا يتبين لنا تهافت المطاعن التي وجهت إليه من حيث أنه غير عربي. ومن شعر الإمام البخاري قوله:
اغْتَنِمْ في الفَراغِ فَضْلَ رُكُوعٍ فَعَسى أنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ
تصدر البخاري للتحديث:
بدأ الإمام البخاري بإملاء الحديث وهو دون الثامنة عشرة. قال أبو بكر بن أبي عتاب الأعين.: "كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفِريابي". وكانت وفاة شيخه الفِريابي سنة ٢١٢.
فدل ذلك على أن البخاري كان قد عُرف بالحفظ والرواية قبل ذلك، حتى بدأ الناس يأخذون عنه.
ولم يتصدر البخاري للتحديث إلا بعد تحقق أهليته، رُوي عنه أنه قال: "ما جلستُ للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرتُ في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثًا إلا كتبته" ..
شهرة البخاري:
لم تكن شهرة البخاري مؤسسة على قربه من الخلفاء، بل على نبوغه في العلم والحفظ.، وجهوده في خدمة السنة المشرفة. عن أبي جعفرٍ محمد بن أبي حاتم ورَّاقِ البخاري: أن طلبة العلم كانوا يَعْدُون خلف الإمام البخاري فى طلب الحديث وهو
[ ٣٩ ]
شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه فى بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوفٌ.، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابًّا لم يخرج وجهه، أي لم ينبت شعر وجهه بعدُ.
ولما وصل البخاري إلى مدينة نيسابور خرج أهل البلد لاستقباله، فكان عدد من استقبله على الخيل أربعةَ آلافِ رجلٍ، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرَّجَّالة.
قال الإمام مسلمُ بن الحجاج: لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فَعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثةً
تلاميذ البخاري:
وصل عدد تلاميذ الإمام البخاري الذين حضروا مجالسه وسمعوا منه إلى عشرات الآلاف.، وذلك لشهرته بالحفظ والضبط والإتقان، وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفًا. وبلغ عدد الذين سمعوا الصحيح منه تسعين ألفًا.
ومن جملة من روى عن الإمام البخاريِّ عددٌ من شيوخه رووا عنه وهو في شبابه، وعدد من أقرانه، وذلك لِما رأوه من حفظه وعلمه.
وأشهر تلاميذه هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربريُّ المتوفى سنة ٣٢٠ وقد نيَّف على التسعين. والفربري بكسر الفاء وفتحها، وسماعُنا هو بالكسر.
وآخر من بقي من تلاميذه الذين روَوا عنه الصحيح هو المُسنِدُ أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينةَ البَزْدَوِيُّ النسفي (-٣٢٩).
وآخر من مات من تلاميذه هو الإمام العلامة المحدث الثقة القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبِّيُّ البغدادي المَحاملي (٢٣٥ - ٣٣٠). ولم يكن يروي صحيح البخاري، لكنه سمع الحديث من الإمام البخاري في بغداد خلال آخر
[ ٤٠ ]
زيارة للبخاري، لما عقد مجالس أملاها ببغداد. ومن أشهر تلاميذه:
الإمام مسلمُ بن الحجاج (٢٠٤ - ٢٦١) صاحب الصحيح، روى عنه في غير الصحيح
أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-٢٦٤)
الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (١٩٥ - ٢٧٧)
الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩)
الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا (٢٠٨ - ٢٨١)
الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (١٩٨ - ٢٨٥)
الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم (٢٠٦ - ٢٨٧)
الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرٍو البزار (-٢٩٢)
الحافظ أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة (٢٠٥ - ٢٩٣)
الإمام محمد بن نصر المروزي (٢٠٢ - ٢٩٤)
الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢٢٣ - ٣١١)
الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي (٢١٤ - ٣١٧)
الإمام يحيى بن محمد بن صاعد (٢٢٨ - ٣١٨)
الإمام محمد بن يوسف الفَربري (-٣٢٠) راوي الصحيح عنه.
[ ٤١ ]
وَرَّاقُ البخاري:
الوراق: هو الناسخ الذي يكتب للعالم ويعتني بكتبه، ويحفظها، وينسخ كتبه، للناس. وكان للبخاري وراق لازمه وخدمه في أخريا عمره اسمه أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق.
كان أبو حاتم شابًّا، لازم البخاري مدة طويلة في الحضر والسفر، وكان يخدمه، وروى عنه الحديث، وألف كتابًا في سيرته سماه: شمائل البخاري، وهو جزء ضخم رواه الذهبي بإسناده ونقل منه. وكان البخاري رحمه الله تعالى يبالغ في إكرامه، ويرفُق به. روى أن البخاري كان يقوم في الليل يصلي ويكت الحديث ولا يوقظه، فسأله، فقال البخاري له: "أنت شابٌّ، فلا أحب أن أفسد عليك نومك".
مُسْتَمْلي البخاري:
المستملي: هو الذي يطلب من المحدث الإملاء ويستزيده، ويُملي على الناس حديثه، ويُبلِّغ الناسَ صوته. ويبدو أنه كان للإمام البخاري جماعة يستملون منه الحديث في كل بلد يحدث فيه إذا كثر الجمع. وكان مستملي الإمام البخاري في بغداد في بعض رحلاته الإمام الحافظ الحجة أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي الملقبُ جَزَرَة (٢٠٥ - ٢٩٣)، استملى منه الحديث في جمع بلغ عشرين ألفًا. وهو أحد كبار المحدثين، استوطن بخارى بعد وفاة الإمام البخاري سنة ٢٦٦. وقال محمد بن يوسف بن عاصم: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد. وأحد هؤلاء المستملين أبو معشر الضرير واسمه حمدويه بن الخطاب بن إبراهيم البخاري وهو حافظ ثقة من أهل بخارى. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: بقي إلى حدود الثمانين، أي ومائتين.
[ ٤٢ ]
مذهب البخاري في الفقه:
تفقه الإمام البخاري في نشأته على مذهب أبي حنيفة، وهو مذهب أهل بلده بخارى.، ومذهب أصحاب أبيه وبعض رفقائه.
وقد تجاذبه أهل كل مذهب لإثبات أنه كان على مذهبهم، ولكن الصواب أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وكان مجتهدًا مطلقًا في الفقه، فقد ملك أدواته، فصار يستنبط الأحكام بنفسه من الكتاب والسنة، وله اختيارات خاصة في الفقه. ولا شك أنه فقيه كبير، ويظهر جانب من فقهه في ترجمات أبواب الصحيح.
مذهب البخاري في الاعتقاد:
كان الإمام البخاري في الاعتقاد على مذهب المحدثين الذين اتبعوا خيار السلف الصالحين، يُثبت ما أثبته الله تعالى لذاته من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تصرف في اللفظ بالاشتقاق، ولا توسع في الاستعمال.
وكان يفوض علم المتشابه لله تعالى، ولا يرى حرجًا في تأويل ما يجب تأويله، كما يُعلم مِن تتبُّع ما خرَّجه في كتابه. وفي الصحيح من الكتب المتعلقة بالاعتقاد كتاب الإيمان في أوله، وكتاب التوحيد في آخره.، وقد ذكر في كتاب التفسير وغيره كثيرًا مما يتعلق بالاعتقاد.
ومن الشواهد على ذهابه إلى التأويل قوله في أول تفسير سورة القصص: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] إلا مُلْكَهُ، ويقال: إلا ما أُريدَ به وجه الله" (٦/ ١١٢).
وتعرض البخاري إلى محنة شديدة، بسبب خلافه مع شيخ خراسان الإمام محمد بن
[ ٤٣ ]
يحيى الذُّهلي في مسألة (لفظي بالقرآن مخلوق)، فإن الذهلي كان متشدِّدًا يرمي بالبدعة كل من يقول بذلك. ومع أن الإمام البخاري صرح مرارًا بأنه لم يقل ذلك، إلا أن خصومه اتهموه بالقول باللفظ، وحشدوا العامة ضده، وحذروا الناس منه، حتى خرج من نيسابور وحيدًا. وبقي البخاري صامدًا يحاول أن يوقف هذا المدَّ الذي سلك مسلكًا خطأً، وأبى أن يتراجع لأجل تسكين العامة وإرضاء خصومه، وفضل أن يرحل من بلد إلى بلد، إلى أن ضاقت به الأرض، ولم ينحرف عن الحق قِيد شعرة. وكان جوابه أن أفعالنا مخلوقة وأن ألفاظنا من أفعالنا، وهو مذهب أهل السنة الذي تمسك به بعد ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من أهل السنة.
وكان البخاريُّ يرى أن أفعال العباد مخلوقة، وتصدى في هذه المسألة للمعتزلة، فألف كتابًا في الرد عليهم. وكان يرى أن الإيمان قولٌ وعمل، وأنه يزيد وينقص.
صفة البخاري:
وردت صفة البخاري عن الحسن بن الحسين البزاز قال: " رأيت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم شيخًا، نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير ".وربما سبب نحوله ما روي أنه كان قليل الأكل جدًّا، فقد مكث أربعين عامًا يأكل الخبز وحده لا يأكل معه الإدام. فلما مرض ذكر الأطباء أن دواءه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه العلماء والطلبة، فقبل أن يأكل مع الخبز سُكَّرًا. وكان يحب القثاء ويؤثره على البطيخ أحيانًا.
أخلاق البخاري:
كان الإمام البخاري واسع الكرم، كثير الإنفاق على الطلبة، شديد الورع في المال والكسب، يصون لسانه عن الغيبة، لا يتكلف التواضع، بل هو فيه سجية. ولم يكن يغضب لذم ولا يفرح بمدح، فقد كان يحلف أن المادح له والذام من الناس هما عنده
[ ٤٤ ]
سواء. ومع تواضعه الشديد فقد كان مترفعًا بالعلم، متعززًا به، يعرف قدر العلم الذي شرفه الله تعالى به، يعز العلم، ويبذله لأهله، ويصونه عن غير أهله.
ولم يكن البخاري يتكسَّب بالحديث، أو يتقاضى أجرًا عليه من الناس، ولا يقبل عليه عطاءً، بل كان يحسن إلى طلبة الحديث، ويتعاهدهم بالنفقة، ويوصيهم بكتمان ذلك. ولم يؤلف كتبه للملوك، ولم يحدِّث بين أيديهم.
ومن أمثلة تواضعه أنه كان مرةً يبني رباطًا خارج بخارى، فكان ينقل اللَّبِنَ بنفسه، رغم أنه اجتمع كثيرٌ من الناس لإعانته على ذلك. فقال له ورَّاقه: يا أبا عبد الله إنك تُكفى ذلك، فقال: هذا الذي ينفعني.
وكانت للبخاري جاريةٌ فأرادت مرةً الدخول عليه، فعثرت بمِحبرة بَين يديه، فقال لها.: كيف تمشين.؟ فقالت: إِذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟ فبسط يديه وقال: اذهبي فقد أعتقتُكِ. فقيل له: أغضبتك وأعتقتها! فقال: أرْضيتُ نفسي بما فعلت.
وكأن البخاري أراد أن يعمل هنا بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٤]، ولكنه ستر أمره بقوله: "أرضيتُ نفسي بما فعلت".
وتميَّز البخاري من بين كثير من الفضائل بثلاث خصال:
١. كان قليل الكلام.
٢. كان لا يطمع فيما عند الناس.
٣. كان لا يشتغل بأمور الناس، بل كان كل شغله في العلم.
وكان شديد الثبات على الحق، لا يعدل عنه مهما لقي في سبيل ذلك من الصعاب
[ ٤٥ ]
والشدائد. ومن أمثلة ذلك موقفه من قضية خلق أفعال العباد وأن ألفاظنا من جملة أفعالنا. فقد روي أنه لما دخل البخاريُّ مدينة مروَ استقبله عالمُ مروَ الإمام الحافظ أحمد بن سيار المروزي (-٢٦٨) فيمن استقبله، فقال له: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمِل ذا منك. فقال البخاري: إني أخشى النار: أُسألُ عن شيءٍ أعلمه حقًّا أن أقول غيره.
وكان البخاري شديد الزهد مقبلًا على الآخرة معرضًا عن زخارف الدنيا. دعاه أحد أصحابه إلى بستانٍ جميل قد أجرى الماءَ في أنهاره، وكان صاحب البستان مُعجَبًا به.، فسأل الإمامَ البخاريَّ: كيف ترى؟ فأجابه: هذه الحياة الدنيا.
وكان البخاري متعبدًا، يختم القرآن في رمضان في كل يوم ختمة. ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وكان يجتمع إليه أصحابه في رمضان فيصلي بهم إمامًا.، ويقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية، يلازم ذلك إلى أن يختم.
وكان يحرص على تحرير نيته في كل عملٍ، يقول وراقه:
رأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علمٍ قطُّ منذ عقلت، فأي علم في هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغرٌ من الثغور، خشيت أن يَحدثَ حدثٌ من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أُهبةَ ذلك، فإن غافصنا العدوُّ كان بنا حَراك. قوله: غافصنا.: أي أخذنا على حين غِرَّةٍ.
[ ٤٦ ]
محنة البخاري في نيسابور:
تعرض الإمام البخاري لحسد بعض أقرانه، بسبب ما وصل إليه من العلم والشهرة، فبدأوا يبحثون عن موضع نقد في كلامه ومصنفاته يتعلقون به فما وجدوا إلى ذلك سبيلًا. وكانت فتنة خلق القرآن التي انتهت بانتصار أهل السنة، غير أن من آثارها انقسام أهل السنة إلى فريقين في مسألة التصريح بأن اللفظ مخلوق، أي اللفظ الذي ينطق به الإنسان عند تلاوته للقرآن الكريم. فريق يرى أن اللفظ مخلوق بلا شك، لأنه من الأعمال، وأعمال العبد حادثة مخلوقة، وهو الحق. وفريق يمتنع من الخوض في هذه المسألة، ويعتبر التصريح بالقول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق بدعةً.
وكان الإمام البخاري يمتنع عن التصريح بأن اللفظ مخلوق، ولكنه مع الفريق الأول يعتقد بأن الأفعال مخلوقة، وألفاظ الإنسان من جملة أفعاله. وكان شيخه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ مع الفريق الثاني من أتباع الإمام أحمد بن حنبلٍ، يرى أن كل من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" مبتدع .. وربما لم تكن هذه القضية في حقيقة الأمر إلا غطاءً.، والدافع الأول للنقد هو الحسد بسبب الشهرة التي وصل إليها البخاري.
كان محمد بن يحيى الذُّهْليُّ (-٢٥٨) إمام أهل الحديث بخراسان، وأعلم الناس بحديث الزهري، وكان مهابًا مطاعًا، عظيم الجاه، وهو شيخ نيسابور، وأحد شيوخ البخاري. ولكن قدوم البخاري إلى نيسابور كان حدثًا عظيمًا زلزل البلد، فقد تلقاه الآلاف من الناس خارج البلدة عندما سمعوا بمقدمه، وتهافت عليه الطلبة.
يقول تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج: "لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فَعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثةً. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا
[ ٤٧ ]
فليستقبله .. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين".
وكان موقف الذهلي في أول الأمر حسنًا، إذ حث الناس على الذهاب إلى البخاري والسماع منه، وقال: "اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه". ونهى تلاميذه أن يسألوا البخاري عن شيء من مسائل علم الكلام، وقال: "لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل ناصبيٍّ وكل رافضيٍّ وكل جهميٍّ وكل مُرجئٍ بخراسان".
فأقبل الناس على البخاري حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قالوا: فحسده بعد ذلك وتكلم فيه".
وازدحم الناس على باب البخاري وامتلأت الدور والسطوح، وفي اليوم الثالث سأله رجل عن اللفظ بالقرآن: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري، وأعاد السائل السؤال ثلاث مرات، فأجابه البخاري بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة .. وفي رواية أنه أجاب بقوله: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا.
وكلا الجوابين يدل على تمكن البخاري في العلم وتمسكه بمذهب أهل السنة وتمكنه في العلم، لكن الناس في المجلس اختلفوا، فادعى بعضهم أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق" وأنكر بعضهم، وقام بعضهم إلى بعض، فأخرجهم أصحاب الدار.
وشاع في نيسابور أن البخاري يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" .. فقال الذهلي: "القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نكلم بعد هذا من يذهب إلى محمد بن إسماعيل". واتهم الذهلي البخاري صراحةً
[ ٤٨ ]
بالقول باللفظية، فقال: "قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية عندي شرٌّ من الجهمية". وقال: "من ذهب إلى محمد بن إسماعيل فاتهِموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه"
فانقطع الناس عن مجلس البخاري إلا اثنين: هما الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ورفيقه أبو الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري (-٢٨٦). وبلغ الذهلي أن مسلمًا يحضر عند البخاري فقال مرةً في مجلسه: "ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا"، فقام مسلمٌ من المجلس على رؤوس الأشهاد ووضع رداءه فوق عمامته وغادره، وبعث إلى الذهليِّ ما كان كتبه عنه من الحديث، وكانت أحمالًا من الكتب ..
ودخل الإمامُ المقرئ محمد بن شادِلٍ النيسابوريُّ (-٣١١) على البخاري وقال له:
- يا أبا عبد الله، أَيْشِ الحيلةُ لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى؟ كلُّ من يختلفُ إليكَ [أي يحضر مجلسك] يُطرَد؟ . فقال البخاري:
- كم يعتري محمدَ بن يحيى الحسدُ في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء" فقال له ابن شادلٍ:
- هذه المسألة التي تُحكى عنك؟ فقال له البخاري:
- يا بنيَّ، هذه المسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبلٍ وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.
وقد أكد البخاري في مناسبات متعددة على أنه لم ينطق بالجملة التي نسبت إليه وهي "لفظي بالقرآن مخلوق"، روى محمد بن نصر المروزي عنه أنه قال:
- من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو كذابٌ، فإني لم أقله. فقلت له:
[ ٤٩ ]
- يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال:
- ليس إلا ما أقول.
وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفَّاف (-٢٩٩) للبخاري:
- يا أبا عبد الله، هاهنا أحدٌ يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال:
- يا أبا عمرٍو، احفظ ما أقول لك. من زعم من أهل نيسابور وقومسَ والرَّيِّ وهمَذانَ وحُلوانَ وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ" فهو كذابٌ. فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ.
وقال له أحمد بن سلمة النيسابوري (-٢٨٦): يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول بخراسان، خصوصًا في هذه المدينة، وقد لجَّ في هذا الحديث، حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة غافر: ٤٤]. اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابورَ أشرًا ولا بَطَرًا ولا طلبًا للرئاسة، وإنما أَبَتْ عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين .. وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير. ثم قال له: يا أحمد، إني خارجٌ غدًا لتخلصوا من حديثه لأجلي. قال أحمد بن سلمة: فأخبرت جماعةً من أصحابنا، فوالله ما شيَّعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.
وقال الذهلي بعد تلك الفتنة: "لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد". فخشي البخاري على نفسه وخرج من نيسابور، ورحل إلى مروَ وغيرها من مدن خراسان يحدث بها.
[ ٥٠ ]
ومن إنصاف البخاري وعدله وخلقه الرضيِّ أنه لم يحذف الأحاديث التي رواها عن شيخه الذهلي في الجامع الصحيح، بل أبقاها وأبقى اسمه فيه.
وثمة أخبار تفيد بأن البخاري تعرض في شبابه لبعض المضايقات من والي نيسابور، فقام اثنان من مشايخ البخاري بالتوسط له عند الوالي واسمه يعقوب بن عبد الله، وذهب لأجل ذلك الإمام إسحاق بن راهَوَيهِ (١٦١ - ٢٣٨) والحافظ عمرو بن زُرارة (-٢٣٨) فكَلَّما الوالي وعرَّفاه بمنزلة البخاري، فاعتذر إليهم عما جرى قائلًا: مذهبنا إذا رُفع إلينا غريبٌ لم نعرفه حبسناه حتى يَظهر لنا أمرُه".
آثار المحنة:
من آثار هذا الخلاف بين الإمام البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي، أن الذهليَّ كان يحذِّر منه تلاميذه وأصحابه، ومن هؤلاء أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (١٩٥ - ٢٧٧)، وأبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-٢٦٤)، فقد كتب الذهلي إليهما يحذرهما من البخاري أنه يقول بمسألة اللفظ، فتركا حديثه من غير تثبت. ذكر ذلك عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (-٢٤٠ - ٣٢٧) في كتابه الجرح والتعديل فقال: "سمع منه أبي وأبو زرعة، ثم تركا حديثَه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لَفْظَه بالقرآن مخلوقٌ".
وكلاهما كان من تلاميذ الذهلي، وكانا متعصبَين له. ومن الأدلة على تعصب أبي زرعة الرازي للذهلي ما رواه الحافظ أبو قريش محمد بن جمعة القُهُستانيُّ (-٣١٣) قال: "كنا عند أبي زُرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة، وتذاكرا. فلما ذهب قلت لأبي زرعة: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح! فقال.: ولم ترك الباقي؟ ليس لهذا عقل، لو دارى محمدَ بن يحيى لصار رجلا". أقول:
[ ٥١ ]
ولكن الإمام مسلمًا صار رجلًا لا كالرجال بملازمته للإمام البخاري، ولم يحتج إلى مداراة الذهلي، بل إن الذي خرَّج مسلمًا في صناعة الحديث هو البخاري.
وقال البخاري متحدثًا عن آثار هذه الفتنة، كاشفًا عن بشارات النصر التي كانت تأيته من الله تعالى:
"لم يكن يتعرض لنا قط أحد من أفناء الناس إلا رُمي بقارعة ولم يَسلَمْ.، وكلَّما حدَّث الجهال أنفسهم أن يمكُروا بنا رأيت من ليلتي في المنام نارًا توقَد ثم تُطفأ من غير أن يُنتفَع بها، فأتأول قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] ".
محنة البخاري في بلده:
لما رجع البخاريُّ إلى بلده بخارى نُصبت له القباب على مسافة فرسخ من البلد، وخرج الناس لاستقباله، ونُثرت عليه الدراهم والدنانير. واستقر بها مدةً إلى أن حدثت بينه وبين واليها وحشةٌ، اضطرته إلى الخروج منها.
وسبب ذلك أن أمير البلد خالد بن محمد الذهلي أرسل إليه رسولًا يسأله أن يأتي بالصحيح ويحدث به في قصره. فامتنع البخاري، وقال: أنا لا أُذل العلم. وفي رواية أن سبب امتناعه هو أنه لم يرد منع العلم عن العامة، وقال: لا يسعني أن أخص بالعلم قومًا دون قوم، ومراده أن يحضر الأمير وأبناؤه المسجد ويسمعوا مع الناس.
وفي قول آخر أن سبب إخراج الأمير له هو كتاب ورده من محمد بن يحيى الذهلي يحذره فيه من البخاري واعتقاده في مسألة اللفظ، وأن الكتاب قُرئ على العامة.
فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج البخاري. ولكن البخاري دعا على الأمير،
[ ٥٢ ]
ولم يمض شهر حتى عُزل الأمير وسُجن وطيف به في البلد على أتانٍ، ونكَّل الله تعالى بكل من سعى في إخراج البخاري.
ثروة البخاري:
كان والد الإمام البخاري ذا نعمة حسنة، فورث الإمام البخاري منه ثروة عظيمة، أموالًا وأراضي، فكانت له أرض يُكريها كل سنة بسبعمائة درهم. وله غَلة من أراض أخرى يأتيه من ريعها كل شهر خمسمائة درهم، ولكنه كان ينفقها في طلب العلم والرحلة. وكانت للبخاري أموال يدفعها إلى شركاء له يتجرون بها له مضاربةً، ولم يكن يباشر التجارة بنفسه، وذلك لورعه. ولم يكن يشتري حوائجه، وصرح أنه ما اشترى بنفسه ولا باع شيئًا ولو بدرهم واحد، حتى الكاغد والحبر. روي عنه أنه قال: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه، كنت آمر إنسانًا فيشتري لي. قيل له: ولم؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط.
تأخرت نفقة الإمام البخاري مرة وهو في بعض أسفاره، فصار يأكل من حشيش الأرض.، حتى جاءه أحد الأثرياء وأهداه صرةً دنانير.
وقطع له أحد الغرماء مرةً خمسة وعشرين ألف درهم، فنصحه بعض أصحابه بالاستعانة بالوالي، فأبى خشية أن يطمع الوالي في دينه وقال: لن أبيع ديني بدنياي، وصالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله.
مقتنيات البخاري:
كان عند البخاري شيءٌ من شعر رسول الله - ﷺ -، يحمله معه في السفر، ويجعله في قلنسوته يتبرك به .. وهذا يدل على أشياء: منها أنه يرى جواز التبرك بالآثار النبوية الشريفة، وعلى هذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم. ومنها أنه كان عظيم
[ ٥٣ ]
المحبة للنبي ﵊ شديد التعلق به، فلم يكن التأليف في الحديث نتاج حب للبحث وشغف بالعلم فحسب، بل كان نتاج محبة صادقة للنبي - ﷺ -، ورغبة في خدمة هذا الدين من خلال حفظ السنة وتمييز الصحيح منها.
وكانت للبخاري كتبٌ، منها ما ورثه من أبيه، ومنها ما كتبه من سماعاته، ومنها ما ألَّفه خلال مراحل حياته. وقد ورد في خبر نادرٍ أن الإمام البخاريَّ أوصى بكتبه إلى أبي عمرٍو المستنير بن عَتيقٍ البكري البخاري، وكان يعُدُّه من الأبدال، إن كان أحدٌ منهم بما وراء النهر. وهي رواية نادرة نقلها الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله ابن ناصر الدين القيسي الدمشقي (-٨٤٢) في ;كتابه توضيح المشتبه، عن كتاب تاريخ بخارى للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمدالبخاريِّ الملقبِ بغُنْجارٍ (-٤١٢).
البخاريُّ والرماية:
كان الإمام البخاري يحب الرماية وكثيرًا ما كان يخرج لممارسة الرمي، وكان راميًا ماهرًا .. قال وراقه: ما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمُه الهدفَ إلا مرتين.، بل كان يصيب في كل ذلك ولا يُسبَق.
ومن قصصه في الرمي التي رواها وراقه، وكان معه: أنه كان يمارس الرمي خارج مدينة فربر، فأصاب سهمه وتِدَ القنطرة التي على نهر وَرَّادةَ، فانشق الوتد، فلما رآه البخاري نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي، وقال لأصحابه: ارجعوا. فرجعوا إلى المنزل. ثم قال لوراقه: يا أبا جعفر لي إليك حاجة، تقضيها؟، فقال له: أمرك مطاع، فقال وهو يتنفس الصعداء: حاجة مهمة! ثم قال لمن معه: اذهبوا مع أبي جعفر حتى تُعينوه على ما سألته، فقال: أي حاجة هي؟ قال: تضمن لي قضاءها؟ قلت.: نعم، على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول: إنا
[ ٥٤ ]
قد أخللنا بالوتِد، فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذَ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا. يقول وراقه: وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له: أنت في حِلٍّ مما كان منك، فإنَّ جميع ملكي لك الفداء قال: فأبلغته الرسالة فتهلل وجهه، وأظهر سرورًا كثيرًا، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث، وتصدق بثلاثمائة درهم.
مؤلفات البخاري:
بدأ الإمام البخاري التأليف وهو ابن ثماني عشرة سنة، فصنف كتاب قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، ولم ينقطع عن التأليف إلى أواخر عمره، وكان يكتب بنفسه أو يملي على وراقه. وكان يراجع مصنفاته ويحررها ويزيد فيها، المرة بعد الأخرى. وقد صنَّف سوى الجامع الصحيح العديد من الكتب والأجزاء التي ربما يصل عدد ما نُسب إليه منها إلى نحو أربعين. وليس غرضنا في هذا المدخل استقصاء مؤلفاته، وأماكن وجودها وطبعاتها، وتوثيق نسبة كل كتاب إليه، فإن ذلك ينبغي أن يكون موضوع دراسة خاصة بعنوان: (مؤلفات الإمام البخاري). وسنكتفي هنا بالإشارة إلى مؤلفاته المطبوعة التي يمكن أن يستفيد منها القارئ، وهي:
١. كتاب الأدب المفرد.
٢. كتاب بر الوالدين.
٣ - ٤ التاريخ الأوسط والتاريخ الصغير: طبع أحدهما أولًا باسم التاريخ الصغير في جزءين، ثم طبع باسم التاريخ الأوسط، وما زال في الأمر مجال للبحث والتحقيق.
٥. التاريخ الكبير: طبعته دائرة المعارف العثمانية في مدينة حيدر آباد بالهند في ثمانية
[ ٥٥ ]
مجلدات، وهو من أوائل ما صنفه الإمام البخاري، وروي عنه أن صنفه عند قبر النبي - ﷺ - في الليالي المقمرة. وقال فيه: "وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة.، إلا أني كرهت تطويل الكتاب". وقال أيضًا: "لو نُشر بعض أستاذِيَّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ ولا عرفوه".
٦. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه وهو المشتهر باسم صحيح البخاري.
٧. كتاب خلق أفعال العباد.
٨. جزء رفع اليدين في الصلاة.
٩. كتاب الضعفاء الصغير.
١٠. كتاب الضعفاء الكبير.
١١. جزء القراءة خلف الإمام.
١٢. كتاب الكُنى.
وفاةُ البخاري:
كتب إليه أهل سمرقندَ يدعونه، فسار إليهم بعد خروجه من بخارى. وبلغه وهو على مسافة فرسخين من سمرقند أن أهلها اختلفوا بسببه، منهم من يريد دخوله ومنهم من يكره ذلك، فنزل بقرية خَرْتَنْكَ عند أبي منصور غالب بن جبريل الخَرتَنْكيِّ السمرقندي. ويروي لنا عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي، وهو أحد تلاميذه الذين صحبوه في تلك المدة أنه سمعه يدعو الله تعالى في جوف الليل يقول: "اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رَحُبت فاقبضني إليك"، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله
[ ٥٦ ]
تعالى. والسبب الظاهر لوفاته هو المرض، فقد مرض بضعة أيام، وقدَّمنا أنه كان قليل الأكل جدًّا، زد على هذا ما كان يلازمه من قلة النوم ومداومة السهر وطول السفر. سوى ما توالى عليه من الهموم، فلا شك أن هذا قد أوهن جسمه، ونال من صحته.
ثم اتفق أهل سمرقند على مجيئه وأتاه الرسول يدعوه، فأجاب وتهيأ للركوب، ولبس خفيه وعمامته، فلما مشى قدر عشرين خطوة، قال: أرسلوني فقد ضعُفت، فأرسلوه فدعا بدعوات ثم اضطجع وتوفي.
وكانت وفاته بعد صلاة العشاء من ليلة يوم الفطر الأول من شهر شوال، سنة مائتين وست وخمسين للهجرة.، عمره اثنتان وستون سنةً إلا ثلاثة عشر يومًا. وقد وافق شهر وفاة الإمام البخاري - وهو شوال - شهر ولادته.
وتولى غالب بن جبريل أسباب دفنه، وكان غالب بن جبريل هذا من أهل العلم، وقد توفي بعد البخاري بمدة يسيرة وأوصى أن يُدفن إلى جانبه.
ولما صُلِّي عليه ووُضع في حفرته فاحت من تراب قبره رائحةٌ طيبة كالمسك، ودامت أيامًا، وتردد الناس إلى قبره مدة يزورونه، ويأخذون من تراب القبر.
قال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: "رأيت النبي - ﷺ - في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري. فلما كان بعد أيام. بلغني موته.، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي - ﷺ - فيها".
الخلفاء العباسيون الذين عاصرهم البخاري:
الأمين بن هارون الرشيد (١٩٣ - ١٩٨).
[ ٥٧ ]
المأمون بن هارون الرشيد (١٩٨ - ٢١٨) وفي آخر عهده سنة ٢١٨ ابتدءت فتنة خلق القرآن، وقُبض على الإمام أحمد وأُدخل الحبس.
المعتصم بن هارون الرشيد (٢١٨ - ٢٢٧):
- أَطلق المعتصم سراح الإمام أحمد بن حنبلٍ من السجن سنة ٢٢١.
- وفي زمان المعتصم كانت وقعة عمورية الشهيرة، في رمضان سنة ٢٢٣.
الواثق بالله بن المعتصم (٢٢٧ - ٢٣٢).
- وفي آخر زمان الواثق اضطُرَّ الإمام أحمد إلى الاختفاء بعد أن أراد الواثق نفيه من بغداد، فكان لا يخرج من بيته.
وبوفاة الواثق ينتهي العصر الأول للدولة العباسية وهو عصر القوة، ويبدأ عصر الضعف والتمزق.
المتوكل على الله بن المعتصم (٢٣٢ - ٢٤٧). قال السيوطي: فأظهر السنة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة أربع وثلاثين.
المنتصر بالله بن المتوكل (٢٤٧ - ٢٤٨).
المستعين بالله ابن المنتصر (٢٤٨ - ٢٥٢).
المعتز بالله بن المتوكل (٢٥٢ - ٢٥٥).
المهتدي بالله بن الواثق (٢٥٥ - ٢٥٦) قُتل في منتصف شهر رجب.
المعتمد على الله بن المتوكل (٢٥٦ - ٢٧٩).
[ ٥٨ ]