فضيلة الأدب:
الأدب أفضل ما يتحلى به الإنسان، وأجملُ ما يتزين به بين الأنام، شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله. وأولى من تحلى بالأدب هم طلاب العلم الذين ينتسبون إلى الشريعة، ويشتغلون بطلب علومها. فإنهم في قادمات الأيام هم الأئمة والخطباء، والمدرسون والعلماء، والمفتون والقضاة، وهم الذين سيحملون هذه الأمانة من شيوخ عصرهم.، فأولى أن يعرفوا أصول طلب العلم، وأن يكونوا متأدبين بآدابه، متحلين بصفات العلماء الربانيين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٣]، والربانيون هم العلماء الفقهاء الحكماء الأتقياء، الذين يعملون بالعلم، ويُرَبُّون بصغار العلم قبل كباره.
وطلب العلم الشرعي الشريف عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، ولا يزال في كل عصر من العلماء الثقات عدول يحملون هذا العلم وينشرونه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وللعلم وطلبه أصول وقواعد وأسس ومناهج وآداب كادت في هذا العصر تضيع في خضم الجامعات وتهافت الناس على الشهادات.
وللأدب في طلب العلم فضيلةٌ كبرى ومزيةٌ عُظمى، ولذلك حرص عليه السلف الصالحون قال محمد بن سيرين: كانوا يتعلمون الهُدى كما يتعلمون العلم. وقال عبد اللّاه بن المبارك: لا ينبُل الرجل بنوعٍ من العلم ما لم يزيِّن عمله بالأدب. وقال بعضهم
[ ٢٢٩ ]
لابنه: يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحبُّ إليَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم. وقد سمعنا العلامة الوالد الشيخ إبراهيم اليعقوبي ﵀ يقول: درهم علمٍ مع قنطار أدب أنفع للمرء من قنطار علمٍ مع درهم أدب. وفي معناه عن عبد الله بن المبارك: قال لي مخلد بن الحسين (١) (-١٩٦): نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري (-٣٤٤): علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسم.
آداب طلب العلم:
ومن الأوصاف الجامعة للعلم المتضمنة لما يُطلب فيه من الأخلاق والآداب ما رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع عن سيدنا علي رضي اللّاه عنه أنه قال: "يا طالبَ العلمِ، إِن العلم ذو فضائلَ كثيرةٍ: فرأسُه التواضع، وعينه البَراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحِفظه الفحص، وقلبه حسنُ النية.، وعقله معرفة الأشياء والأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقرُّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لينُ الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء، ومالُه الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأخيار".
وألف العلماء في آداب طلب العلم مصنفات جليلة، ولنا كتاب في أصول طلب العلم وقواعده سميناه: نحت العلم، وكتاب: الجامع لآداب طلب العلم.
ولا شك أن آداب طلب العلم تتأكد في مجالس الحديث الشريف. فقد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يعظمون حديث رسول الله - ﷺ - ويخصونه بمزيد من الأدب.
[ ٢٣٠ ]
وأصل ذلك كله الكتاب والسنة. فمما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالتأدب مع النبي - ﷺ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات: ١ - ٢] وقوله ﷻ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفتح: ٩]. ومما ورد في السنة في حديث جبريل ﵇.: «فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه». والأمثلة من أدب الصحابة مع النبي - ﷺ - أكثر من أن تحصى.
وممن عرف من السلف بزيادة تعظيم حديث النبي - ﷺ -: الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ثم أيوب السختياني ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والإمام البخاري. وأدركنا من مشايخنا ممن لهم تأكيد على آداب طلب العلم، واعتناء بتعظيم النبي - ﷺ - والدنا علامة الشام الشيخ إبراهيم اليعقوبي عليه رحمة الله تعالى والعلامة الشيخ محمدًا أبا اليسر عابدين والسيد محمد المكي الكتاني، وقبله والده محدث الدنيا السيد محمد بن جعفر الكتاني والمحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني. ثم اندرس كثير من هذه الآداب لما صار العلم الشرعي الشريف بأيدي جماعات من الأحداث يتخذونه ذريعة إلى الدنيا، وتحولت الحلقات الدينية إلى صفوف دراسية، والإجازات العلمية إلى شهادات جامعية.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذه الآداب وقد رأينا من كان يعمل بها ونشأنا على التمسك بها، فما أخذناها من بطون الكتب، وإنما تلقيناها من أفواه الرجال أمرًا ونهيًا ونحن صبية صغار نجلس في حلق العلامة الوالد رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة
[ ٢٣١ ]
والأجر. وسنوجز فيما يلي بعض الآداب التي هي أشد تعلقًا بمجالس الحديث النبوي الشريف:
آداب مجالس الحديث:
١. إخلاص النية لله تعالى عند بدء السماع، فإنه أقرب للقبول عند الله تعالى، وأرجى للمأمول من رضاه وتوفيقه وثوابه.
٢. الاغتسال قبل المجلس، وأن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويحافظ على الطهارة من الحدث والخبث خلال السماع. وأن يجددَ الوضوء حال التعب أو النعاس ليعود إلى نشاطه.
٣. السبق في الحضور إلى المجلس والتبكير إليه قبل حضور الشيخ، فإن التأخر يفوِّت على الإنسان بعض الكتاب فلا يصح إذ ذاك ادعاؤه لسماعه كلِّه.
٤. التواضع في الجلسة، وجمع الأطراف، وعدم الالتفات لغير حاجة. قال عبد الباسط العلموي (-٩٨١) في كتابه المعيد في أدب المفيد والمستفيد عند الحديث عن الأدب مع الشيخ: "وأن يجلس بين يديه متأدبًا بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه .. ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره" ..
٥. السكينة والوقار تأدبًا مع النبي - ﷺ - وكلامه، فيتمثل السامع نفسه حاضرًا بين يدي النبي - ﷺ - .. ومن أعظم الأسباب التي تعين على رؤية النبي - ﷺ - في المنام حضور مجالس سماع الحديث النبوي الشريف، لما فيها من ترداد كلامه الشريف، ووصف أحواله، والصلاة والسلام عليه.
[ ٢٣٢ ]
٦. من أدب المجلس تقديم آل البيت النبوي الشريف، فإنه كلام جدهم - ﷺ - وهم أولى الناس به.، وتقديم أولي الفضل من أهل العلم والصلاح والشيبة.
٧. من أدب المجلس أن لا يُقطع المجلس لدخول أحد من العظماء ولو كان شيخ الإسلام، وأن لا يقوم أحد للداخلين، فإن حديث النبي - ﷺ - أولى بالتعظيم وأعلى وأجل من أن يقطع لدخول زيد وخروج عمرو. ويتابع القارئ قراءته ويتابع الناس الإنصات. وينبغي أن يوكل الشيخ أحد الطلاب باستقبال أهل الفضل وإيصالهم إلى الأماكن التي تليق بهم، من غير أن يقوم أحد أو ينقطع المجلس.
٨. الإنصات حال قراءة الشيخ، وعدم المقاطعة، لئلا يفوته شيءٌ من الحديث الشريف.، ولكيلا يشوش على غيره، فإن من أدب العلم حسن الإنصات. ومجالس سماع الحديث ليست مجالس شرح وتعليق، وإنما هي مجالس رواية يُقرأ فيها الكتاب المقصود سردًا. ولذلك فوائد عظيمة تقدم الكلام عليها.
٩. أن يوجه نظره إلى الكتاب وقت القراءة، وإلى الشيخ عند الشرح والتعليق. وأن لا يتحدث مع من حوله، ولو لسؤال يتعلق بالدرس، فإن ذلك يفتح باب التشويش على نفسه وعلى الحاضرين.
١٠. أن لا يرفع صوته بالضحك إذا مرت طرفةٌ، أو مازح الشيخ الحاضرين، بل يحافظ على الصمت والسكينة والوقار.
١١. وجمع بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني (-٧٣٣) بعض الآداب الأخرى في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم فقال: "أن يجلس بين يدي الشيخ جِلسةَ الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المُقرئ، أو متربعًا بتواضع
[ ٢٣٣ ]
وخضوع.، وسكونٍ وخشوعٍ. ويصغي إلى الشيخ ناظرًا إليه، ويُقبل بكليته عليه، متعقلًا لقوله، بحيث لا يُحوجه إلى إعادة الكلام مرةً ثانية. ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة، ولا سيما عند بحثه له أو عند كلامه معه. فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه. ولا يضطرب لضجة يسمعها أو يلتفت إليها، ولا سيما عند بحثه له، ولا ينفض كميه، ولا يَحْسِر عن ذراعيه، ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه. ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، أو يستخرج منها شيئًا. ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يُشبِّك بيديه أو يعبث بأزراره. ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة أو درابزينَ أو يجعل يده عليها، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا يُكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يُضحك منه، أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدبٍ".
ومنها أن يلقي السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام، ولا يلتفت عنه يمينًا وشمالًا وفوقًا وتحتًا وأمامًا ووراءً من غير ضرورة. ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره، ولا يعبث بهما. ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه. ولا يشبك أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا ينخع ما أمكنه. وإذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطَّى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده. وإذا عطس خفض صوته جهده، وستر وجهه بمنديل ونحوه .. ويكون ساكنا مطمئنًّا وقوًرا".
[ ٢٣٤ ]
١٢. الصلاة على النبي - ﷺ - عند ذكر اسمه الشريف أو مرور ضمير يرجع إليه - ﷺ -، والترضي عن الصحابة الكرام والسلام على آل بيت رسول الله - ﷺ - إذا مر ذكر أحدهم .. والتسبيح لله تعالى عند سماع أخبار المعجزات النبوية، والبشارات الربانية للمؤمنين. ويكون ذلك بصوت منخفض يسمعه من إلى جانبه.
١٣. جمع القلب والفكر، والانصراف إلى العلم بالكلية، وعدم الالتفات إلى ما يقطع المجلس من الأمور الدنيوية، كالهاتف فينبغي إغلاقه، وكالنظر في الساعة فإنه علامة على المَلل.
١٤. إحضار الكتاب والنظر فيه فإنه يعين على الحفظ، لاشتراك السمع والبصر معًا في التحمل.
١٥. توقير كتاب الحديث الشريف برفعه باليدين أو وضعه على كرسي يحمله. وليحذر طالب العلم من وضع الكتاب على الأرض لما فيه من الإهانة، وليتجنب وضعه على فخذيه لما فيه من الاستخفاف. وليطيِّب ظاهر الكتاب إن استطاع. وكذلك ينبغي أن يرفع القلم عن الأرض، بل يضعه على أذنه أو في مكان مرتفع. وللكتاب آداب واسعة ليس هذا مكان بسطها.
أهمية ضبط القراءة:
لا تتم لطالب الاستفادة من القراءة إلا بضبط نسخته التي يقرأ منها. فيجب عليه أن يضبط من الكلمات في نسخته بالحركات ما يحتاج للضبط مما لا يحفظ وجه الصواب في قراءته، وأن يصحح ما ضُبط خَطَأً لئلا ينسى ذلك من بعدُ فيلحنَ عند الإسماع، والعلم صيدٌ لا يقيده إلا الكتابة، ولينتفع بذلك من يملك الكتاب بعده أو يقرأ فيه.
[ ٢٣٥ ]
والضبط هو أهم ما يستفيده طالب العلم من السماع، واتصالُ الإسناد بالسماع لا يفيد إذا أخل السامع بالضبط. والإخلال بالضبط داء سرى في بعض من يتصدر لإسماع الحديث من غير أن يضبطه حال سماعه، فيؤدي إلى أن يحمل طلابه الخطأ عنه .. وفي اللحن في الحديث النبوي الشريف إساءة أدب مع النبي - ﷺ -، بل فيه ما هو أشد خطرًا وهو نسبة الكذب إلى سيدنا رسول الله - ﷺ - بنسبةِ ما لم يقله إليه، كما بيناه من قبل.
ولا يكفي في صحة السماع الاعتمادُ على ضبط المصححين والمحققين في الطبعات الحديثة، مهما بلغت من الصحة والإتقان، ومهما اجتهد المحقق في الضبط والتصحيح، بل لابد لطالب الحديث من ضبط نسخته بقلمه، ويتأكد هذا إذا لم يعرف الطالب أساليب العرب أو لم يتمكن من علوم العربية، ولم يتمرس بأساليب العرب في البلاغة، فما بالك إذا اجتمع مع هذا ضعف الحفظ وكثرة الإهمال.
والأَولى أن تكون نسخة الطالب مقابلةً على نسخة الشيخ أو فرعًا عنها إن كانت خطيةً، أو نسخة من الطبعة عينها التي يقرأ منها الشيخ، فإنه بذلك يروي ما سمعه من الشيخ مطابقًا لما في نسخته. فإذا اختلفت نسخته، ورأى سَقْطًا أو زيادةً، أو تقديمًا وتأخيرًا، وجب عليه أن يُثبت في حاشية كتابه الصواب وفق ما سمعه من شيخه، ويرمزُ لنسخة شيخه بحرف مناسب، ويَكتب اصطلاحَه في أول الكتاب تيسيرًا على من يمسكه ويراجع فيه من بعده.
قواعد الضبط والتصحيح:
وللتصحيح وكتابة الحواشي أصولٌ وآداب عند العلماء تحفظ للكتاب جماله، وتزيد من النفع به.، منها: أن يكتب بالحبر، لا بما يمكن محوه وتغييره كأقلام الرصاص.
[ ٢٣٦ ]
وتكون الكتابة بخط واضح تسهُل قراءته. وأن يكتب شرح الكلمة المقصودة في مكان من الحاشية محاذٍ للسطر. وأن يكتب الحواشي بشكل منحرف عن أسطر الأصل. لكي لا تشتبه به. وأن يبدأ الحواشي إذا كانت شرحًا أو إيضاحًا من أعلى هامش الصفحة. وأن تكون بقلم مخالف للأصل أدق منه.
وأن يبدأ كتابة السقْط في الحاشية من ابتداء السطر الذي فيه السقط، ويعلِّم عند الموضع الذي فيه السقط بخط منحنٍ صغير بين الكلمتين اللتين سقط الكلام بينهما، متجه إلى الأعلى جهة الحاشية التي فيها الاستدراك. ويكتب (صح) فوق ما ضبطه وراجعه مما قد يُشْكل. وللمخطوطات قواعد في المقابلة والتصحيح تزيد على ما ذكرنا.
آداب المُعيد:
وهو الطالب الذي يقرأ العبارة بين يدي الشيخ، وهي رتبة تكون لأحد أفاضل الطلبة، يختاره الشيخ ويكون موضع محبة ونظر منه. وسُمي معيدًا لأنه يعيد للطلبة ما لم يفهموه من الدرس، ويسمَّى قديمًا المُستملي. والمعيد أول من يحضر عند الشيخ، وآخر من يغادر من الناس عند انتهاء الدرس.
ولا يبدأ المعيد القراءة حتى يشير إليه الشيخ. وإذا عين الشيخ له قدرًا من القراءة فلا يتعداه. فإذا لم يعين له قدرًا فإنه يلاحظ الشيخ، حتى يعلم الوقت الذي يريد الشيخ فيه الاكتفاء.
وإذا كان الشيخ قد استفتح الدرس بذكر اللّاه تعالى والدعاء فإن المعيد يكتفي بابتداء الشيخ. ويبتدئ في مجالس الحديث الشريف ونحوه مما يُروى بالإسناد بقوله: وبسندكم إلى مصنف هذا الكتاب الإمام قال نفعنا اللّاه به وبكم، ونحو ذلك من الدعاء للمصنف والشيخ.
[ ٢٣٧ ]
ويلاحظ المعيدُ وهو يقرأ وجه الشيخِ، فتكون عينه ناظرة في الكتاب تارةً وإلى وجه الشيخ تارةً أخرى، لكي لا يَضطرَّ الشيخَ إلى مقاطعته إذا أراد شرح عبارة مرَّت في أثناء الكلام، بل يتوقف كلما رأى الشيخ متوجهًا للشرح.
إذا رد الشيخ على المعيد لفظة وهو يقرأ، وظن المعيد أن تصحيح الشيخ خلاف الصواب أعاد الكلمة مع ما قبلها لينتبه لها الشيخ.
وإذا طرحت الأسئلة بين يدي الشيخ مكتوبة، والمعيد يقرأ، فالواجب عليه أن يميز بين الأسئلة، فيتجنب قراءة الأسئلة التي فيها شبه وشكوك قد تفسد على الحاضرين دينهم. ويقول لصاحب السؤال أن يتقدم بعد الدرس ليكون جوابه خاصًا.، مستأذنًا الشيخ في ذلك.
ومن آداب المعيد في مجالس الحديث الشريف أن يصلي على النبي - ﷺ - كلما مر ذكره وأن يصلي معه على آله، وأن يزيد وصف السيادة عند ذكر اسم النبي - ﷺ - عند رواية الحديث في أوله، ويتجنب المواضع التي لا يزاد فيها في صلب الأحاديث، نحو قول الأعرابي: "أيكم محمد".
وأن يزيد لفظ (سيدنا) عند ذكر الصحابة، ويحتاجُ في ذلك إلى تمييز الصحابة من التابعين في المراسيل، وذلك مفيد للمبتدئين من الطلبة وعامة السامعين.
ومن ذلك الدعاء للصحابة بقوله: "﵁"، وللأب والابن من الصحابة بقوله: "﵄". ويحتاج في ذلك إلى معرفة أسماء الآباء والأبناء من الصحابة نحو البراء بن عازب والنعمان بن بشير وجابر بن عبد الله. ومن الأدب التعقيب على اسم السيدة فاطمة بالسلام فيقول: "﵍" وكذلك يصنع مع الحسن والحسين
[ ٢٣٨ ]
فيقول: "﵉". وقد وُجد هذا في النسخ الصحيحة القديمة المعتمدة من صحيح البخاري كما بيناه في الفصل الثالث.
ومن آداب قارئ الحديث النبوي الشريف أن يقرأه مجوَّدًا، أقرب ما يكون إلى أحكام التلاوة. وأن يراعيَ المعنى عند الوقف والابتداء، فأحكام الوقف والابتداء عامة في كلام العرب تزيده جمالًا وبهاءً.
وإذا أراد أن يختم المجلس ختمه بحديث رحمة، أو ترغيب، أو ذكر ثواب، أو بشارة.، أو وصف الجنة. ولا يختم المجلس عند حديث فيه ذكر النار، أو اللعن للكفار، والعقاب للعصاة، فإن النبي ﵊ كان يحب الفأل الحسن.
ومن آداب قارئ الحديث أن يذكر إسناده إلى مصنف الكتاب في أول المجلس، ثم يحيل عليه عند كل حديث، فيقول: "وبه قال"، أي وبالإسناد المتقدم في أول المجلس قال المصنف: حدثنا إلخ" وهو الأولى. وبعض العلماء يكتفي بالسند مرة واحدة ويحكي الكتاب كله به، من غير إحالة إلى السند عند كل حديث. فإذا كان الحديث يُعرض على الشيخ، فينبغي للقارئ أن يبتدئ بقوله خطابًا للشيخ: "حدثكم إلخ" ويسوق إسناد الشيخ.
خطبة درس صحيح البخاري:
وهي خطبة منقولة شفاهًا عن آلِ الكزبري الشافعية بدمشق الشام، وقد برز منهم نحو عشرة من كبار العلماء والمحدثين، اشتهر منهم مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري الشافعي (-١٢٦٢)، كانوا يبدأون دروس الصحيح بها تحت قبة
[ ٢٣٩ ]
النسر في وسط الجامع الأموي مقابل محراب الحنفية .. وهي أسطر معدودة حافظَ عليها الخلف نقلًا عن السلف، وحفظناها من والدنا علامة الشام رحمه الله تعالى.
"الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، على جميع نعمه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، عدد جميع خلائقه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المُبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله تعالى عن السلف الصالحين والأئمة المجتهدين، والفقهاء والمحدثين، ورضي الله تعالى عن جامع هذا الصحيح وخدامه ورواته والشارحين، ورضي الله تعالى عنا وعنكم، وعن والدينا ووالديكم، ومشايخنا ومشايخكم أجمعين.
أما بعد فإن أصدق الكلام كلام الله ﷿، وخيرَ الهدي هديُ سيدنا محمد - ﷺ -، وإن من هديه ما رويناه بالسند المتصل إلى الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث سيدنا أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريِّ الجعفي قال".
كتابةُ السماع:
يجب على طالب الحديث متى أتم سماع جزء من الصحيح أن يكتب سماعه لذلك الجزء في آخره، ويكتب السماع لجميع الكتاب في آخر ورقة من آخر جزء منه.
والسماعات فن من فنون الحديث كاد يندرس، وكنا ابتدأنا إحياءها في مجالسنا منذ نحو ثلاثة عقود. وللسماعات آداب وقواعد أذكرها إن شاء الله تعالى إحياء لهذا العلم وحثًّا للطلبة على الاعتناء بها. وهذه أصول السماعات، استنبطناها بعد استقراء كثير من السماعات من الأصول والمصورات التي في خزانتنا.
[ ٢٤٠ ]
١. بداية السماع
٢. اسم السامع
٣. اسم المُسْمِعِ
٤. عنوان الكتاب المسموع
٥. المقدار المسموع
٦. ضبطُ الفَوت
٧. مكان السماع
١. بداية السماع: ويكون بالحمد لله تعالى وقد يزاد عليه الصلاة على نبيه وآله باختصار، إذ مبنى السماع على الاختصار. فيكتب السامع مثلًا: "الحمد لله وحده سمعت هذا الجزء" أو "الحمد لله وصلى الله على خير خلقه وآله وسلم إلخ"
٢. اسم السامع: وهو الطالب فيبتدأ به، فيكتب مثلًا: "سمع كاتبه فلان بن فلانٍ المغربي المالكي هذا الجزءَ سماعًا على إلخ"، ويعرِّف بنفسه بما يرفع الجهالة عنه.
٣. اسم المُسْمِعِ: وهو الشيخ الذي كانت الرواية عنه، فيذكر اسمه ونسبه، ويقدم ألقابه تعظيمًا له.
٤. عنوان الكتاب المسموع: ويذكر فيه العنوان التام، واسم مؤلفه، واسم راويه. وضبط راوي الكتاب عن مؤلفه مما ينبغي الاعتناء به عند إثبات السماع، خصوصًا عند اختلاف النسخ.
٥. المقدار المسموع: يضبط فيه قدر ما سمعه من الكتاب، فيكتب مثلًا: "بلغ كاتبه سماعًا للأبواب الثلاثة الأولى من هذا الكتاب وهو ". أو جميع الكتاب كذا من من أوله إلى باب كذا ..
٦. ضبطُ الفَوت: فإذا سمع معظم الكتاب إلا قدرًا يسيرًا فإنه يضبط ما فاته سماعُه منه، ويُسَمَّى فَوْتًا، ويجمع على أَفْوَاتٍ، فيكتب في سماعه: "بفَوتٍ يسيرٍ"، إذا كان الفوت غير منضبطٍ، فإذا كان الفوتُ منضبطًا يكتب: "إلا من باب كذا إلى باب كذا" أو "إلا من قوله في باب كذا إلى آخر الباب".
٧. مكان السماع: ويُثبِت فيه كاتبُ السماع اسمَ الجامع أو المكان الذي جرت القراءة فيه، وما يعرف به.، واسمَ البلدة، وفي أي جزء من البلدة ذلك المسجد، كأن
[ ٢٤١ ]
٨. القارئ
٩. عدد مجالس السماع
١٠. تاريخ السماع
يقول: "بظاهر دمشق مثلًا، أو بسفح قاسِيونَ .. ويذكر فيه الموضع الخاص، إذا كان السماع في الروضة النبوية الشريفة أو تجاه باب الكعبة، ونحو ذلك.
٨. القارئ: والاصطلاح في السماعات أنه إذا قرأ الشيخ بنفسه يكتب السامع "سمعت من الشيخ إلخ " وإذا كان القارئ غير الشيخ فإنه يكتب: "سمعت على إلخ " فيفرقون في السماع من الشيخ والسماع بقراءة غيره بحرف الجر. فإذا كان القارئ غير الشيخ فإنه يكتب اسم القارئ.
٩. عدد مجالس السماع: وذلك بحسب القلة والكثرة، فالمجالس القليلة تنضبط بالعدد، والمجالس الكثيرة تنضبط بالمدة، كأن يكتب "وتم السماع في مدة سنة". ولا ينقطع المجلس بالصلاة.، فلو ابتدأ المجلسُ بعد الفجر واستمرت القراءة إلى العشاء، والقارئ والطلاب يقومون معًا لصلاة الجماعة فإن المجلس يعدُّ واحدًا.
وقد يستغرق سماعُ بعض صحيح البخاري خمسة مجالس أو خمسين مجلسًا، وقد أسمع الحافظ أبو عمرٍو ابنُ الصلاح الشهرزوري (-٦٤٣) السنن الكبرى للبيهقي في سبعمائةٍ وسبعة وخمسين مجلسًا، وقرأ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (-٤٦٣) صحيح البخاري على أحمد بن إسماعيل الحِيريِّ (-٤٣٠) في ثلاثة مجالس، وعلى كريمةَ بنت أحمد المروزية (-٤٦٣) في مكةَ في خمسة أيام.
١٠. تاريخ السماع: ويكون ذلك بإثبات يوم السماع، وتاريخه من الأشهر العربية والسنة بالتاريخ الهجري الإسلامي، فإنه هو المعتبر، وما شاع استعمال التاريخ المسيحي إلا بعد دخول دول الاستعمار إلى بلاد المسلمين.
[ ٢٤٢ ]
١١. السامعون
١٢. حال السامع وقت السماع
ويكتب السامع التاريخ بالخط لا بالأرقام، مع الاحتراز من التصحيف فيما يتشابه في الخط. فيكتب في التسعين: "بتقديم المثناة الفوقية"، وفي السبعين: "بتقديم السين".
وإذا كان تمت القراءة أول الشهر العربي فإنه يكتب: "في غرة شهر رجب". وإذا كان ما مضى من الشهر أقل مما بقي فإنه يكتب: "لثلاث ليال مضين" أو "لتسع ليال خلون من شهر إلخ". وإذا كان ما مضى من الشهر أكثر مما بقي منه فإنه يكتب مثلًا.: "لسبع ليال بقين من". فالأشهر العربية تؤرخ بالليالي ..
١١. السامعون: وهم من حضر مجلس السماع، ولا يجب على السامع تدوين أسماء من شاركه السماع فإن ذلك قد يطول، لكن يجب عليه بيان إن كان سماعه وحده أو في جماعة، لما يترتب على ذلك من الفرق عند الأداء بين (حدثني) و(حدثنا). ويستحسن أن يذكر أسماء من حضر من شيوخه ووزوجه وأولاده. فإذا أدرج في السماع أسماء بعض من حضر وجب عليه ضبطُ مقدار ما سمعوه.
١٢. حال السامع وقت السماع: ويعتني المدققون بوصف أحوال السامعين خلال السماع إذا كانوا يتحدثون، أو اعتراهم النوم خلال السماع، أو اشتغلوا بالنسخ. فإن النوم والحديث يمنع من صحة السماع، فلا يقال لصاحبه: سمع، بل: حضر. أما النَّسخ فالراجح صحة سماع من اشتغل به خلال السماع، على أنه خلاف الأدب.
ويصح السماع من سن الخامسة، فيقال: في حقه "سمع"، ومن كان دون الخامسة فلا يصح سماعه، لكن يقال في حقه: "أُسمع" أو "أُحضر".
[ ٢٤٣ ]
١٣. خط الشيخ
ويُكتب السماع بخط حسن من أول الورقة إلى آخرها بأسطر متقاربة أو يُحصر بخطٍّ يحيط به من جميع جوانبه بحيث لا تمكن الزيادة فيه.
١٣. خط الشيخ: من عادة العلماء أن يوقع المسمع (أي الشيخ) في آخر السماع توقيعًا مختصرًا، يثبت فيه للسامع سماعه، وذلك بنحو قوله: "نعم صح هذا السماع لكاتبه وأجزته وكتب فلان [ويوقع الشيخ اسمه]. ويغلب على خطوط المشايخ في التوقيع على السماعات الاختصار، وإدماج الحروف، من أجل ذلك عسُرت قراءة السماعات، وكثرت أخطاء من تصدَّى لذلك من غير دُربة. وربما يكون السماع كله بخط الشيخ، يكتبه بقلمه على نسخة السامع، إذا قلَّ عدد السامعين، واتسع الوقت لكتابة السماعات.
كتابة البلاغات:
وهي العلامات التي تشير إلى الموضع الذي وقف عنده الشيخ أو القارئ في آخر المجلس أو عند انصراف السامع.
وعادة المحدثين أن يكتبوا: "بلغ"، وهو اصطلاح خاص معناه: إلى هنا بلغ الشيخ أو القارئ أو السامع في سماعه من الشيخ. وقد يكتبون بعض ذلك فتكون صورة البلاغ نحو: "بلغ كاتبه أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي قراءةً على إمام خانقاه الشيخونية في رمضان سنة ٨٦٤". وهو نص بلاغٍ بخط الإمام جلال الدين السيوطي على جزء فريدٍ من صحيح الإمام مسلمٍ في خزانتنا العامرة.
وغالبًا ما يختصرون البلاغ ويقتصرون منه على كلمة واحدة إذا ضاقت حواشي النسخة، أو تعددت المجالس وكان القدر المسموع في كل مجلس قليلًا، ويتركون
[ ٢٤٤ ]
تفصيل ذلك إلى السماع المقيد في آخر النسخة أو آخر. وقد يكتب الشيخ بخطه البلاغ على نسخة السامعِ، رأيت أمثلة لذلك في بعض المخطوطات القديمة.
كتابة الطباق:
الطِّباق جمع طبقة، وهي وثيقة إثبات السماع لكل من سمع وحضر، ومقدار ما سمع كل واحد، أو مقدار ما فاته ..
ويعهد الشيخ المُسْمِعُ بكتابة الطبقة إلى أحد من يثق بهم من المتقدمين من الطلبة .. إذ إن كتابة الطباق تحتاج إلى نباهة وتقدُّمٍ. وكانوا يثنون على طالب الحديث إذا نبغ بقولهم: "وكتب الطباق".
وقد تبلغ الطبقة الواحدة عشرة أوراق، تضبط فيها أسماء السامعين من الرجال والنساء والصغار، وتذكر فيها الأفوات (جمع فوت)، وأوصاف السامعين نحو: "وكان يكثر الكلام خلال السماع".ويكره لمن كانت بيده نسخة الطباق أن يمنع غيره ممن ورد اسمه في الطباق أن ينسخها، وليس ذلك من شأن الفضلاء.
الإجازة:
هي الإذن من الشيخ بالرواية، والشيخ هو المجيز، والمتلقي للإجازة هو المجاز، وتصح الإجازة للصغير والكبير ما دام حيًّا وقت الإجازة. ولا غنى لطالب الحديث عن الإجازة، لتقاصر الأعمار عن قراءة كتب السنة مع حاجة الطالب إلى استعمالها. وهي أنواعٌ، أعلاها الإجازة بكتاب معين لشخص معين مع اقترانها بمناولة الشيخ الكتابَ للطالب. وأدناها الإجازة لأهل العصر. ولنا في أحكام الإجازة رسالة، طبعت في مقدمة كتاب بغية المتابع ثبت العلامة محمد الرابع الندوي.
[ ٢٤٥ ]
ولما كان من عادة المشايخ الإجازة في مجالس الختم فإن على كاتب السماع والطباق أن يشير إليها باختصار غيرِ مُخِلٍّ، فيذكر اسم المجيز، ونوع الإجازة، ومن دخل فيها. فيكتب مثلًا: "وأجاز لي روايته"، أو: "وأجاز للحاضرين عامة مروياته". ومن عادة العلماء الإجازة العامة في مجلس الختم للحاضرين.
حكم اللحن عند قراءة الحديث:
ازدادت في المدة الأخيرة بين طلبة العلم الرغبة في طلب الأسانيد والإجازات وسماع كتب الحديث، وهو أمرٌ حسنٌ، يُعدُّ إحياءً لعلم الرواية والإسناد في عصر صار الغالب على طلاب الشريعة فيه أخذ العلم من الجامعات والإنترنت. وازداد معه تعلق الطلبة بالإجازات، مع إهمال طلب علوم الآلات، وصارت الإجازات سلَّمًا للشهرة، وادعاء أهلية العلم، وهو خلاف ما عليه العلماء. قال العلامة أبو العباس أحمد بن علي البوسعيدي الهشتوكي (-١٠٤٦):
"الحاصل أن مطلق الإجازة عندهم لا يدل على الإتقان.، ولا على الدراية، وإنما توسعوا مجازًا، إعادةً وإدماجًا لمن حصَّل الشرطَ ولو بعد حين". وقال الحافظ أبو طاهر السِّلفي في الوجيز مبيِّنًا شرط الأداء: "ولكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان، والتوقي من الزيادة والنقصان".
فالمُجيز بالرواية لا يُشترط في صحة إجازته أهليته بمعرفة اللغة والنحو والصرف وغيرها من العلوم، فتصح الإجازة من عاميٍّ لمثله.، لأنها إذنٌ بالرواية، لا يشترط فيها إلا العدالة، لكن السماع لا يصح إلا على من وُجدت فيه أهلية الضبط لتمييز الخطأ من الصواب في العربية ليتجنَّب اللحن إذا قرأ الحديث، أو قُرئ عليه.
فإذا أراد المجيز أن يُسمع كتابًا سواء تحمله بالسماع أو الحضور حال الصغر أو تحمله
[ ٢٤٦ ]
بالإجازة فلا بد له من تحقيق شرط الضبط والإتقان عند الأداء، وإلا لم يصح أداؤه.، ولم يصح سماع من سمع منه، لغياب شرط الضبط، ولما ينتج عن ذلك من الخطأ والتحريف في حديث النبي - ﷺ -.
قال العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري في شرح مقدمة القسطلاني: "ينبغي للشيخ أن لا يروي الحديث بقراءة لحَّانٍ أو مصحِّفٍ، فقد قال الأصمعي: أخوفُ ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يَدخل في جملة قوله - ﷺ -: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، لأنه - ﷺ - لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه" .. وقال العلامة الأبياريُّ أيضًا: "وينبغي لطالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يَسلم به من اللحن والتحريف. وقال شعبةُ: مثل الذي يطلب الحديث بلا عربية كمثل رجل عليه بُرْنُسٌ ولا رأسَ له".
وقد اشتهرت فتوى للإمام قاضي سِجِلْمَاسَةَ عبد الملك بن محمد التاجَمُّوعْتِيِّ (-١١١٨) في حكم قراءة صحيح البخاري بالخطأ واللحن أجاب بها على استفتاء أرسل به إليه العلامة أحمد بن عبد القادر التستاوي المغربي (-١١٢٧) سنة ألف وست وتسعين، استشهد بما جاء فيها عدد من علماء المغرب، وهي في كتاب نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر للتستاوي نفسه، وهو مخطوط في خزانتنا، نسوق منها ما يتعلق بالغرض. قال العلامة التستاوي:
"أما بعد، أصلح الله شانك، وبالهداية والتوفيق زانك، فإنا رأينا أناسًا في قرى البادية يحرصون على قراءة الجامع الصحيح للبخاري، ويرون ذلك من تعظيم شعائر الله، وهم لا يعرفون ما يلزمهم في دينهم، وإن رأوا مجلس فقه يتعلمون منه أمر دينهم لا يعبأون بذلك، ويرون الحُرمةَ لقارئه سواء كان من أهل ذلك الشان إلخ.
[ ٢٤٧ ]
فأردنا منك أن تبين للناس ما نُزِّل إليهم، وما تقرر عند العلماء لعلهم يتذكرون.
وهل جاهلٌ بالعربية يُقدَّم لذلك، أم لا؟
وما الحدُّ الذي يكفيه، ولا بد منه؟
وهل يحرم الاستماع له، أم لا؟
وهل يتعين على الفقيه نُصح من أراد قراءته وحضوره من العامة، أم لا؟
وهل يلزمه أن يأمرهم بالكتب التي يتعلمون منها فرائضهم كالرسالة أو غيرها، ولا يساعدهم فيما لا ينبغي شرعًا؟
وهل فاعل ذلك وهو يعلم من نفسه الجهل متجاسرٌ بالمنصب النبوي؟
وهل يتعين على قاضي البلد زجرُهم وحملُهم على ما ينبغي شرعًا، أم لا؟
بَيِّن لنا ذلك كله، وابسطه بسطًا يليق بنا، وامزج كلامك بمقامع موافقة للحق، يعرف منها الجاهل قدره، ولا يتعدَّى طوره".
ومما جاء في الجواب: "الجواب والله ولي التوفيق: أن قراءة الجامع الصحيح لأمير المؤمنين سيدي أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي بقصد التيمُّن والتبرك بحديث المصطفى ﵊، والتفقه فيه والتفطن لمآخذ الأئمة ومدارك أقوالهم بقدر الاستطاعة لا بقصد الاستنباط - إذ هو شيء مفروغٌ منه تولاه النُّقَّاد من الأئمة المجتهدين كالإمام مالك وأصحابه كالشافعي وصاحبه الإمام أحمد والإمام النعمان أبي حنيفة وغيرهم - من أفضل القربات وأعمال البر لمن يتقن ذلك ويُحسنه نحوًا ولغةً وأخذًا من أفواه علماء هذا الشان، لا من الكتب من غير تدريب المشايخ.
[ ٢٤٨ ]
وقد سُئل الإمام الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك عمن يتصدر لتعاطي الحديث الشريف وقراءته وهو يعلم من نفسه أنه لا يُحسن فأجاب: بأنه داخلٌ تحت وعيد قوله - ﷺ -: «من كذب عليَّ متعمدًا»، وهو حديث متواترٌ، وهو ظاهرٌ ضرورةً [فيمن] علم من نفسه عدم الأهليه لذلك ثم أقدم عليه جراءةً وتعمُّدًا. اللهم سَلِّمْ، اللهم سلِّمْ" .. ثم قال في آخر الجواب:
"والمقدم على قراءة البخاري جراءةً وجسارةً - وهم غالب أهل وقتنا، ما أقلَّ حياءَهم - من غير تحصيل أدواته، والأخذِ عن أهله، لا يحلُّ الجلوس ولا الإيواء إليه، ولا سماع ذلك، خشية أن يحملَ عنه شيئًا على غير وجهه.، فيكون مثلَه إذا حدَّث به، وهو ممن لا أهلية فيه كذلك. وينبغي بل ويجب على من يُسمع منه زجر من لا أهلية ولا قابلية فيه عن تناول ذلك وتعاطيه والتصدُّر به، وأدبُه إن لم ينتهِ بما يراه كافيًا في حقِّه من السجن وغيره".
والاعتماد في ذلك على إجازة الشيوخ مجردةً عن تحصيل ما لا مَنْدُوحَةَ عنه من الأدوات، ومعرفة مصطلح أهل هذا الشان اغترارٌ وجهالةٌ بتعليق المجيزين ذلك على الشرط المعتبر عند أهل الأثر، وبالضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه ".
وقال بعد كلامٍ نقلناه قبل: "والحاصلُ أن تناول المجترئين على الله ورسوله صحيحَ البخاري وقراءَته لتحصل لهم الجلالة والمَهابةُ في عيون العامة وقلوبها بالبادية وغيرها سببٌ في خراب الديار وقِلَّة العمران. ولقد شاهدنا كثيرًا من البلدان كان يُقرأ فيها على غير وجهه قد خربت [واندثرت]، وكيف لا وهو عماد الدين وقول سيد المرسلين، [ففي] تحويله وتحريفه تخريب له، وكذلك كان الجزاء جزاءً وِفاقًا.
[ ٢٤٩ ]