العنوان التام للجامع الصحيح:
الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأيَّامِهِ. وهذا العنوان عندنا هو الصواب. وهو الذي ذكره الحافظ أبو نصر أحمد بن محمد البخاري الكَلاباذي (٣٢٣ - ٣٩٨) في طالعة كتابه أسماء رجال الصحيح المُسَمَّى الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، وهو مصدرٌ قديم معتبر قريب العصر من المؤلف وقد وصفه الذهبي في ترجمته بأنه "عارف بصحيح البخاري". وقد أثبت هذا الاسم جماهير العلماء كالقاضي عياض (-٥٤٤) والنووي (-٦٧٦) وابن الصلاح (-٦٤٣) وابن رُشيدٍ السبتي، وغيرهم.
ويروى: الجامع الصَّحيح المختصر المسند من أمور رسول الله ﷺ وسُنَنه وأيَّامه، كما ورد على بعض النسخ الخطية المسنَدة، ولكننا نرى أن هذا العنوان بهذا الشكل قد دخله شيء من الغلط في ترتيب الكلمات، والصواب ماأثبتناه لسببين:
السبب الأول: أن من القواعد في ذكر الصفات تقديم العام على الخاص، ليكون في ذكر الخاص بعد ذلك زيادة فائدة بنوع من التخصيص. مثال ذلك في النِّسب وصف إنسان بأنه عربي هاشمي، فلا يصح هنا تقديم الهاشمي على العربي، لأن الهاشمي لا يكون إلا عربيًّا، فلا يكون في الكلمة زيادة فائدة، وكلام العقلاء مَصونٌ عن ذلك. فإذا قلنا (العربي) فإن السائل يستفيد معرفة ذلك وربما يتساءل من أي القبائل أو البطون هو، فيأتيه الجواب مخصِّصًا بكونه هاشميًّا.
[ ٧١ ]
وكذلك الأمر هنا، فإن وصف المسنَد أعمُّ من وصف الصحيح، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، فكل صحيحٍ مسنَدٌ، وليس كل مسندٍ صحيحًا، فالصحيح أخصُّ من المسند مطلقًا، والمسند لفظ عامٌّ يشمل الصحيح وغيره، فتقديمه على الصحيح واجب. ونحن ننزه من هو دون الإمام البخاري بمئات المراحل عن الوقوع في مثل ذلك، فكيف بالإمام البخاري وقد وصل في العلم إلى أعلى المراتب، وتمكن في العربية، ونظم الشعر، وحفظ مائة ألف حديث من الصحيح من كلام أفصح الفصحاء - ﷺ -. فلا بد أن يكون وضع العنوان على هذا الشكل: الجامع المسند الصحيح، بتقديم العام على الخاص، لتكون كل كلمة في موضعها من العنوان مفيدة.
السبب الثاني: أن الجار والمجرور (من أمورِ) متعلقان بقوله (المختصر) لا بقوله (المسند)، ولو كان الجار والمجرور متعلقًا بقوله: (المسند) لوجب استعمال حرف الجر (إلى) أو (عن)، فالحديث إما أن يُسند إلى فلان، أو يُسند عنه، أما أن يُسند من أموره فهذا ما لا يصح في كلام الناس. ولا يُقال: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، أو في المسند تضمين، لأن ذلك بعيدٌ في العناوين، ويحتاج إلى تكلّفٍ وتمحُّلٍ يُخرج الكلام عن أسلوب العرب الفصحاء. فلا محيد عن تأخير كلمة (المختصر) لتجاور معمولها وهو الجار والمجرور فيكون الكلام هكذا متسقًا: (المختصر من أمور رسول الله - ﷺ -). ومما يؤيد ذلك أن أمور رسول الله - ﷺ - وسُننه وأيامه واسعة، وأن البخاري لم يقصد في هذا الكتاب إلى جمعها، وأنه قد انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث، وأنه قد ألف الجامع الكبير والمسند الكبير، وقد قصد في الصحيح إلى الاختصار مما قد حفظه وجمعه من تلك الأمور والسنن والأيام.
ولا حرج في اختصار العنوان عند تداول الكتاب على نحو: (الجامع الصحيح) أو
[ ٧٢ ]
(صحيح البخاري) أو (البخاري الشريف) كما يسميه الأتراك، فقد درج على ذلك الحفاظ في اختصار اسم هذا الكتاب وغيره من المصنفات، مع وجوب التذكير بعنوانه التام الذي وضعه له مؤلفه، لكي لا يُنسى.
معنى الجامع وموضوعاتُه:
قَصَدَ الإمامُ البخاري عندما سمَّى كتابه: (الجامع) معنًى دقيقًا متعلقًا بفنون الحديث، ذلك أن الكتب قبله كانت مقتصرة غالبًا على فنون خاصة من الحديث، فأدخل البخاري جميع الفنون في كتابه، فصار لذلك جامعًا. وكانت هذه الفنون فيما ذكره وليُّ الله الدهلوي (-١١٧٦) أربعةً هي: فن السنة ويُراد بها الفقه، ولذلك اقتصرت كتب السنن عليه .. وفن التفسير، وفن السير، وفن الزهد والرقائق.
وقال ابنه عبد العزيز الدهلوي (-١٢٣٩): "والجامع في اصطلاح المحدثين ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث: أي أحاديث العقائد وأحاديث الأحكام وأحاديث الرقائق، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديث السفر والقيام والقعود، والأحاديث المتعلقة بالتفسير والتاريخ والسير، وأحاديث الفتن وأحاديث المناقب والمثالب. وقد صنف أهل العلم بالحديث في كل فنٍّ من هذه الفنون الثمانية تصانيف مفردة فالجامع هو ما يوجد فيه أنموذجُ كلِّ فنٍّ من هذه الفنون الثمانية المذكورة، كالجامع الصحيح للبخاري والجامع للإمام الترمذي. وأما صحيح مسلم فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون لكن ليس فيه ما يتعلق بفن التفسير والقراءة ولهذا لا يقال له الجامع كما يقال لأخويه" [نقله من الفارسية العلامة عبد الرحمن المباركفوري (-١٣٥٣) في مقدمة تحفة الأحوذي].
وبذلك تتضح لنا الموضوعات التي أدرجها الإمام البخاري في كتابه، إذ لم يقتصر على
[ ٧٣ ]
أبواب السنن المتعلقة بالأحكام، بل جمع كل ما يتعلق بأمور الدين. لكنه لم يكن أول كتاب جامع، فقد سبق الإمامَ البخاريَّ في استعمال كلمة الجامع في العنوان جماعة من المحدثين، ألَّفوا كتبًا بعنوان: الجامع، منهم: معْمرُ بن راشد (-١٥٤) وسفيان الثوري (-١٦١) وعبد الله بن وهبٍ (-١٩٧) وسفيان بن عيينة (-١٩٨). وأوليته هي في التزام الصحيح من الحديث.
وقد أوضح الإمام أبو سليمان الخطابيُّ تنوع موضوعات صحيح البخاري في مقدمة شرحه، وعدَّها من جملة محاسنه، فقال: "وغرضُ صاحب هذا الكتاب إنما هو ذِكرُ ما صحَّ عن رسول الله - ﷺ - من حديث جليل من العلم أو دقيقٍ. ولذلك أدخل فيه كل حديث صحَّ عنده في تفسير القرآن، وذكرِ التوحيد والصفات، ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله - ﷺ - وحروبه ومغازيه، وأخبار القيامة والحشر والحساب والشفاعة وصفة الجنة والنار، وما ورد منها في ذكرِ القرون الماضية، وما جاء من الأخبار في المواعظ والزهد والرقاق، إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن والآداب ومحاسن الأخلاق وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين .. فأصبح هذا الكتاب كنزًا للدين وركازًا للعلوم".
مؤلف الجامع الصحيح:
هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجُعفي (١٩٤ - ٢٥٦).
ونسبة الكتاب إلى مؤلفه متواترة، واشتهر في زمانه أنه له، وعرضه على بعض شيوخه، وحدَّث به أمام الآلاف في مدن عديدة.، ولم يشكَّ أحدٌ في نسبته له. فالشكُّ في نسبة الجامع الصحيح إلى الإمام البخاري يخرج الشاكَّ من دائرة العقل إلى دائرة الجنون،
[ ٧٤ ]
ويكون كالذي يشك في وجود ما تواترت الأدلة على وجوده، وما نَقلَ جمعٌ من الثقاتِ رؤيته بالعين هو في قوة المرئيِّ بالعين، فإنكار وجود البخاريِّ أو نسبة الصحيح إليه هو كإنكار وجود الشمس والقمر.
سبب تأليف الجامع الصحيح:
أول سبب باعث للبخاري على تأليف الجامع الصحيح كان رغبةً أظهرها شيخه الإمام إسحاق بن راهَوَيْهِ الحنظليِّ (١٦١ - ٢٣٨)، يقول الإمام البخاري فيما رواه عنه تلميذه إبراهيم بن مَعْقِلٍ النسفي (-٢٩٥): "كنت عند إسحاق بن راهَوَيْهِ، فقال: لو جمعتم كتابًا لسنة النبي - ﷺ -. فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب".
ومن الأسباب التي حملت البخاريَّ على تأليف الصحيح أنه رأى النَّبيَّ - ﷺ - في المنام قال.: وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبِيدي مِروحةٌ أَذُبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين، فقال لي: أنتَ تَذُبُّ عنه الكذِبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح.
وقت ابتداء تأليف الجامع الصحيح:
لا نعلم على وجه التحديد في أي وقت بدأ البخاري تأليف الصحيح، ولكننا سنحاول تتبُّع أخبار الجامع الصحيح من الروايات التي وصلت إلينا عن تأليفه.
١. بين أيدينا نص يفيد أن البخاري قضى في تأليفه ست عشرة سنة، وهذا يدل على أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٤٠.
٢. كما أن النص الذي يبين ابتداء تأليفه بسبب حث شيخه ابن راهَوَيْهِ له، يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٣٨ وهي سنة وفاة ابن راهويه.
٣. كما أنه حدَّث بالصحيح سنة ٢٤٨ بفربر، مما يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٣٢.
[ ٧٥ ]
٤. وثمة نصٌّ يفيد أنه عرض الصحيح على أحمد بن حنبل وعلي بن المَديني ويحيى بن معين، مما يشير إلى أن الكتاب كان مكتملًا سنة ٢٣٣، وهي سنة وفاة يحيى بن مَعين، وإذا كان قد قضى ست عشرة سنة في تأليفه، فلا يَبْعُد أنه بدأ جمعه نحو سنة ٢١٥ خلال رحلاته. وأمضى في تأليفه أربعين سنة، وهو يحرره ويزيد فيه، فالكتاب حصيلة عمر من العلم والبحث والاستقصاء.
نصل من هذه الشذرات إلى أن البخاري قد ابتدأ تأليف كتابه في فترة مبكرة من حياته خلال إقامته في الحجاز، وجمعه وهو يتنقل خلال رحلاته، مع علمنا أنه بَيَّض تراجم أبوابه - أي عناوينه - في المسجد النبوي الشريف بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين.
وقد اشتهر البخاري بعد ذلك بالصحيح، وطاف البلدان يحدث به. ولكنه مع ذلك كان يزيد فيه، شأنَ كل مؤلِّف يتاح له الوقت.
وثمة نص نقله الذهبي من كتاب شمائل البخاري يفيد أن البخاري كان يملي الصحيح على وراقه أبي جعفر محمد بن أبي حاتم، ويبدو أن هذا الوراق لازمه وخدمه في أخريات حياته، مما يعني أن البخاري قضى نحو أربعين سنةً - هي جل عمره بعد أن أيفع، في تأليف هذا الكتاب.، ست عشرة منها في جمعه وتأليفه، وسائرُها في تهذيبه وترتيبه والزيادة فيه .. ويؤكد ذلك ما روي أن البخاري ألف كتبه ثلاث مرات.
النسخة الأصلية للجامع الصحيح:
انتقلت النسخة الأصلية للجامع الصحيح بعد وفاة الإمام البخاري إلى تلميذه محمد ابن يوسف الفربري. ومنها نقلت النسخ الأولى للجامع الصحيح. وممن نقل نسخته من الأصل الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي المُسْتَمْلي (-٣٧٦).
[ ٧٦ ]
هل استوعب البخاري جميع الصحيح:
لم يقصد البخاريُّ من تأليفه الجامع الصحيح استيعابَ جميع الأحاديث الصحيحة، وإنما جمع ما اعتقد أنه أصح الصحيح. وقد قال فيه: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح خشية أن يطول الكتاب".
فعدم وجود الحديث في صحيح البخاري لا يدلُّ على أنه مردود أو أنه ليس بصحيح.، ولكن وجوده في صحيح البخاري يشير إلى أنه في أعلى درجات الصحة، فإن وُجد حديث خارج البخاري بإسناد يشبه إسناد البخاري في اجتماع الشرائط كان مثيلًا في الصحة لما أخرجه البخاري أو قريبًا منه. مثال ذلك: أن البخاري ومسلمًا اتفقا على تخريج أحاديثَ من صحيفة همَّام بن منبِّهٍ (-١٣٢) عن أبي هريرة ﵁، وانفرد كل واحد منهما بأحاديث منها، مع أن الإسناد واحد.
وقد تابع أئمة الحديث بعد البخاري عمله في جمع الأحاديث الصحيحة، فوصلت إلينا مصنفات في الصحيح جليلة، ولكنها دون صحيح البخاري في الرتبة.، منها:
- المسند الصحيح: للإمام مسلمِ بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٦ - ٢٦١)، ويعرف بصحيح مسلم. وقد حققنا اسمه في رسالتنا: لطائف التواشيح فيما يحتاج إليه قارئ المسند الصحيح التي طبعت أيام قراءتنا لصحيح مسلمٍ بدمشق سنة ١٤٢٦.
- صحيح الإمام أبي بكرٍ محمد بن إسحاق ابن خزيمةَ (-٣١١).
- صحيح الإمام أبي حاتم محمد بن حِبَّانَ البُستي (-٣٥٤).
- كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (-٣٨٥) وهو كالمستدرك، جمع فيه ما وجده على شرطه البخاري ومسلم ولم يخرِّجاه، ورتبه على المسانيد.
- كتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (-٤٠٥).
[ ٧٧ ]
حرص البخاري في الجامع الصحيح:
من نظر في الجهد الذي بذله الإمام البخاري في تأليف الجامع الصحيح خلال أربعين سنةً يتيقن بأنه استفرغ غاية وُسعه لكي لا يقع في الخطأ، فكان يؤلف، ويراجع، ويعرض كتابه على العلماء، ثم يعود إلى تحريره، ويمليه على الناس ثم يزيد فيه. مع أنه وصل إلى الغاية في الحفظ والتحرير ومعرفة الأسانيد وكشف خفايا علل الحديث.
ولكنه مع كل هذا العلم الذي حصل له، مما يينبغي يورث لمثله اليقين بالوصول إلى الصواب، لم يكتف بذلك، وسلك مسلكًا آخر، وهو تحقيق شروط أخرى تجعل الوقوع في الخطأ بعيدًا، ذلك هو جانب الاستخارة والالتزام بالطهارة قبل الاشتغال بالتأليف. يقول الإمام البخاري في بيان ما كان يصنعه عند تأليف الصحيح: "خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى". وقال: "ما أدخلتُ في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرتُ الله تعالى، وتيقنتُ صحته".
وصحَّ عنه أنه قال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وقد أخطأ جماعةٌ في فهم هذا الكلام، فاعترضوا على البخاري بكثرة عدد الأحاديث التي في الصحيح، وأن تكرار الغُسل بعدد الأحاديث مستبعَدٌ عادةً وإن كان الوقت يتسع له، فأراد أحد الفضلاء الدفاع عن البخاري فأجاب بتقليل عدد الأحاديث المقصودة، وردَّ العدد إلى الأحاديث بغير تكرار، وهي نحو ألفين وستمائة حديث.
أقول: وكلاهما أخطأ قَصْدَ البخاري في مقالته، لأن مراده أنه كان يغتسل ويصلي ركعتين قبل البدء بالكتابة في الصحيح لا قبل كل حديث، فإذا قصد الكتابة بعد العشاء مثلًا اغتسل وصلى ركعتين وقعد يكتب ليلته تلك، وقد يستمر على ذلك إلى
[ ٧٨ ]
الفجر لا يقوم من مجلسه، وقد يكتب في تلك الليلة مائة حديث أو مائتين بغُسل واحدٍ وركعتين قدَّمهما قبل البدء. ويصح له الإخبار حينئذٍ بأنه ما وضع حديثًا في الصحيح إلا اغتسل قبل ذلك".
والبخاري رحمه الله تعالى إمام في البلاغة، ولو أراد أن يخبر عن أنه كان يغتسل قبل كل حديث لقال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين"، ولكنه عدل عن ذلك إلى عبارة تفيد ما أراده من المعنى. وبهذا يندفع اعتراض المستخِفِّ بالبخاري، ويستبين خطأ من تصدى للدفاع عنه وتفسير كلامه، فجعل مراتِ غُسله بعدد مرات الأحاديث غير المكررة.
وثمة أمرٌ آخر هنا، وهو أنه قال: "ما وضعتُ"، ولم يقل "ما كتبتُ"، وما ذلك إلا لأنه لم يكتب جميع الصحيح بخط يده، بل كان يُملي في الأعوام الأخيرة على ورَّاقه أبي جعفرٍ، ولفظ الوضع عامٌّ يشمل الإملاء، فإذا أملى فقد وضع حديثًا وأدخله في الصحيح وإن لم يكتبه بيده، ويكون قد اغتسل وصلى ركعتين قبل الجلوس للإملاء.، وهو ما كان يفعله عدد من المحدثين كالإمام مالك، الذي كان يغتسل قبل أن يقعد لإملاء الحديث تعظيمًا لحديث النبيِّ - ﷺ -.
ولقد استبهم علي المرادُ من قول البخاري هذا مدةً، واستنكفت عن إدخاله في هذا الكتاب، وتوجهت إلى الله تعالى ففتَح الله علي في فهمه، وله الحمد والشكر.
شرط البخاري في الجامع الصحيح:
لم يخرِّج البخاري في كتابه الجامع الصحيح إلا الصحيح من الحديث، بل تحرَّى أعلى مراتب الصحيح. ولذلك وصلت أحاديث الجامع الصحيح إلى أعلى درجات الصحة،
[ ٧٩ ]
ووُصف بأنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وسبب ذلك الشروط التي نظر إليها وتقيد بها عند جمعه. ولكن البخاري لم يصرِّح بأي شرط في كتابه، وإنما استنبط العلماء شرطه من سَبْرِ أسانيده، ومن بعض كلامه المرويِّ عنه في غير الصحيح.
وشرط البخاري في الحديث الصحيح الذي هو مقصود كتابه أن يكون إسناده من شيوخه إلى الصحابي متصلًا من غير شذوذ ولا علة. وأن يكون كل راوٍ ثقةً، مشهورًا بالعدالة في نفسه، والضبط لما يرويه، وأن يكون في أعلى درجات الضبط والإتقان بين الرواة عن شيخه. وأن يكون كل راوٍ قد ثبت لقاؤه بشيخه الذي يروي عنه إذا لم يصرح بالسماع منه مرةً، ولا يروي حديثًا خالف راويه الثقاتِ الأثبات.
وبين الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي (-٥٠٧) ذلك فقال: "شرط البخاري أن يخرِّج الحديث المتفقَ على ثقةِ نَقَلَتِهِ إلى الصحابيِّ المشهور، من غير اختلافٍ بين الثقات الأثبات، ويكونُ إسناده متصلًا غيرَ مقطوع. وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ، وإن لم يكن إلا راوٍ واحدٌ وصحَّ الطريقُ إليه كفى".
كيف وصل إلينا الجامع الصحيح:
هذا سؤال هامٌ طرحه في سياق التشكيك بعض الغرباء عن العلوم الإسلامية، ومن تكلم في غير فنه واختصاصه أتى بالعجائب. ذلك أن لكل كتاب في الإسلام طريقًا للرواية.، إما بالسماع من المؤلف أو القراءة عليه أو الإجازة منه.
وبما أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وهو عمدة الأمة في السنة المطهرة، فقد لقي من الاهتمام بنقله وروايته وحفظه ما يليق به، وسنؤجل الحديث عن أوجه الاعتناء به إلى فصل خاص، ونقصر الكلام هنا على نقله وروايته، لنصل إلى أن الأسانيد التي نُقل بها صحيح البخاري إلينا أسانيدُ متواترةٌ، وصلت إلى
[ ٨٠ ]
اسباب شهرة الجامع الصحيح
أعلى درجات الثبوت واليقين والاطمئنان. وبيان ذلك: أن نسبة الكتاب إلى مؤلفه قد اشتهرت في حياته من عدة أوجه:
١. عرض البخاريُّ كتابه على جماعة من شيوخه، منهم الإمام علي بن المديني والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبو زُرعة الرازي.
٢. حدَّث البخاريُّ بكتابه في عدة بلاد أمام جموع تصل إلى الآلاف.
٣. روى عن البخاريِّ كتابه عدد كبيرٌ من التلاميذ نقلوه إلى الطبقة التي بعدهم.
٤. وهكذا رُوي طبقةً بعد طبقة من قبل جمع عن جمع، حتى وصل إلينا بطريق التواتر ..
وما يزال الكتاب من زمان مؤلفه إلى هذا اليوم يُقرأ ويُدرَّس في المساجد والمدارس الإسلامية في كل مدينة من مدن الإسلام الكبرى. وقد عقدنا فصلًا لأشهر رواة الصحيح عن مؤلفه، وفصلًا لبيان أسانيدنا في روايته عن مؤلفه.
منهج البخاري في تبويب الجامع الصحيح:
قال الحافظ العسقلاني: "قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصارَ على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبوابٍ أرادها.، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فيه فلان عن النبي - ﷺ - أو نحو ذلك. وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا. وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسئلة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا. ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة. وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين
[ ٨١ ]
أنه لم يَثبت عنده حديثٌ بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثَمة وقع مِن بعض مَن نسخ الكتاب ضَمُّ بابٍ لم يُذكر فيه حديثٌ إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه". وأتبع الحافظ كلام النووي بقوله: "ثم ظهر لي أن البخاريَّ مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار: إن وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجهٍ خفيٍّ ووافق شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي: (حدثنا) وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده. وإن لم يجد فيه إلا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثمة أورد التعاليق كما سيأتي في فصل حكم التعليق. وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحا لا على شرطه ولا على شرط غيره وكان مما يستأنس به وقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةَ بابٍ، ثم أورد في ذلك إما آيةً من كتاب الله تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر".
تراجم أبواب الجامع الصحيح:
بيَّنَّا أن الجامع الصحيح مرتب على الفنون، وقد قسمها البخاري إلى مواضيع متفرعة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، كلُّ موضوعٍ مُفْرَدٌ في كتاب. ثم سهَّل الإمام البخاري الوصول إلى الأحاديث من خلال ترتيب المواضيع المتفرعة عن عنوان الكتاب في أبواب. مثال هذه الأبواب في كتاب الإيمان: باب حلاوة الإيمان، باب ظلم دون ظلم.، باب الدين يسر. وسيأتي بيان عدد كتبه وأبوابه.
وجعل لكل باب عنوانًا يسمَّى ترجمةً، يشير بها إلى المعاني المقصودة من الباب .. ومن هذه التراجم ما هو مختصر ومنها ما هو مطول، وقد وضع البخاري فيها الكثير من الفقه في استنباط المعاني والفوائد من أحاديث الباب حتى قيل: فقه البخاري في
[ ٨٢ ]
أمثلةٌ من تراجم أبواب البخاري
تراجمه. وللبخاري في تراجمه أسرار حيرت أفكار العلماء.
كما أن البخاري طوَّل بعض التراجم وأدرج فيها عِلمًا جمًّا من غريب القرآن، وأقوال الصحابة والتابعين، وشواهد الحديث من القرآن، وشواهد القرآن من الحديث. وهذه أمثلةٌ من تراجم أبواب البخاري:
في كتاب الأذان: باب من لم يرَ التشهد الأول واجبًا لأن النبيَّ - ﷺ - قام من الركعتين ولم يَرجع [١/ ١٦٥].
في كتاب الحج: باب الفُتيا على الدابة عند الجمرة [٢/ ١٧٥].
في كتاب البيوع: باب النهي عن تلقِّي الرُّكبان، وأن بيعه مردودٌ لأن صاحبه عاصٍ آثمٌ إذا كان به عالمًا، وهو خداعٌ في البيع والخداعُ لا يجوز [٣/ ٧٢].
في كتاب الأدب: باب الزيارة، ومن زار قومًا فطَعِم عندهم، وزار سلمان أبا الدرداء في عهد النبي - ﷺ - فأكل عنده [٨/ ٢٢].
في كتاب الأيمان والنذور: باب إذا حلف أن لا يكلِّم أحدًا في الجاهلية ثم أسلم [٨/ ١٤٢].
ومن الأمثلة على فقه البخاري في التراجم أنه بوَّب في كتاب الأدب: باب من كفَّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. ثم أتبعه ببابٍ آخر كأنه يستدرك فقال: باب من لم يَرَ إكفار من قال ذلك متأوِّلًا أو جاهلًا [٨/ ٢٧].
[ ٨٣ ]
بداية الجامع الصحيح:
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاريُّ رحمه الله تعالى آمين:
"بسم الله الرحمن الرحيم. باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - وقولُ الله جلَّ ذكره ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء: ١٦٣] " ..
حدثنا الحُميدي عبد الله بن الزبير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميُّ أنه سمع علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيَّ يقول.: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو إلى امرأة يَنكِحُها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه» ".
ابتدأ البخاري كتابه الجامع الصحيح بموضوع بدء الوحي، وفي هذا الابتداء حكمة دقيقة، تدل على بعد نظره، ومعرفته بطرائق الاستدلال وتأسيسه لمناهج التأليف. فبما أن الكتاب يتعلق بأحاديث النبي - ﷺ - فإن أول ما يجب من المقدمات هو إثبات نبوة صاحب هذه الأحاديث وهو سيدنا محمد - ﷺ - وبيان الأدلة على صدقه. وهذا ما فعله الإمام البخاري في هذا الباب، حيث ساق الأحاديث التي تصف بدء نزول الوحي.، وفيها شهادة زوجه السيدة خديجة ﵂ له، وشهادة ورقة بن نوفل له.، ووصف حاله عند نزول الوحي عليه، وشهادة قومه له بالصدق في حديث هرقلٍ.
ثم جعل أول حديث في هذا الباب حديث النية، وهو حديث لا صلة له بموضوع بدء الوحي، تيمنًا بهذا الحديث، ولبيان وجوب تصحيح النية قبل الشروع في طلب العلم، وللإشارة إلى أنه لم يشتغل بتأليف هذا الصحيح إلا بنية خالصة لله تعالى، وأخيرًا
[ ٨٤ ]
ليكون كالمقدمة له بين يدي كتابه. وذلك أنه لم يكن من عادة المؤلفين في القرون الأولى وضع مقدمات للكتب التي يؤلفونها، لكن الإمام البخاري جعل حديث «إنما الأعمال بالنيات» كالمقدمة لكتابه .. وقد عمل الإمام البخاري بقول الإمام عبد الرحمن ابن مهدي (١٣٥ - ١٩٨): "من أراد أن يؤلف كتابًا فليبدأ بحديث «إنما الأعمال بالنيات». وفي جعل الحديث في موضع المقدمة تخلُّصٌ من أن يبدأ بكلام من عنده كتابًا خاصًّا بحديث النبي - ﷺ -، أو يقدم قوله على قول النبي - ﷺ -.
وأول شيخ روى عنه البخاري في الصحيح هو عبد الله بن الزُّبير الحُميدي القرشي (-٢١٩) روى عنه حديث النية هذا. والسبب في تقديمه للرواية عنه ما يجب له من الإجلال من بين شيوخه لأنه قرشيٌّ، فأراد البخاري أن يعمل بالحديث النبوي - ﷺ -: «قدموا قريشًا ولا تَقَدَّمُوها». [أخرجه البيهقي]، وهي علة سياقته للحديث مختصرًا.
ومن المعاني الخفية التي أرادها البخاري من سياق هذا الحديث بإسناد شيخه الحميدي.، مع أن الحديث غير تام، وإسناده سُداسي نازلٌ، أن في هذا الإسناد تصريحًا من كل راوٍ بالسماع من شيخه، وليس فيه عنعنة، [أي عن فلان عن فلان مما قد يوهم عدم السماع]. والبخاري يُلْمِحُ بذلك إلى أن الأصل في الرواية هو التصريح بالسماع، فإذا عدَل الراوي عن السماع إلى العنعنة، فلا بد من النظر في حديثه والبحثِ عن ثبوت سماعه من شيخه. وهذا باب من العلم كان البخاري إمامًا فيه، قد حرره أحسن تحرير، فلم يَروِ في أصل كتابه حديثًا فيه عنعنة إلا وقد ثبت عنده فيها السماع. فكأنه أراد أن يقول في مقدمة الكتاب: إن كلَّ ما أسوقه في هذا الكتاب مما ليس فيه تصريح بالسماع قد ثبت عندي سماع راويه له. وليس الكلام في المتابعات والشواهد والمعلقات، فإنها ليست مقصود الإمام البخاري في الصحيح.
[ ٨٥ ]
والحميدي أحد الأئمة في الحديث، صحب سفيان بن عيينة تسع عشرة سنةً، وهو أعلم أصحابه بحديثه. وكان البخاري لقي شيخه الحُميدي بمكة عندما خرج للحج مع أمه وأخيه أحمد. ومن أقوال الحميدي: "والله لأن أغزوَ هؤلاء الذين يرُدُّون حديث رسول الله - ﷺ - أحبُّ إلي من أن أغزوَ عِدَّتَهُم من الأتراك [وكان الأتراك لم يدخلوا في الإسلام في ذلك الوقت] ".
آخر الجامع الصحيح:
آخر كتاب من كتب الجامع الصحيح هو كتاب التوحيد، والختم به إشارة إلى أن المعول عليه في النجاة يوم القيامة.
وآخر باب فيه هو: "باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط﴾ [سورة الأنبياء: ٤٧] وأن أعمال بني آدم وقولَهُم يوزن، وقال مجاهدٌ: القُسطاس العدلُ بالرومية، ويُقال: القِسط مصدر المُقسط وهو العادل، وأما القاسط فهو الجائر. حدثني أحمد بن إشكابٍ حدثنا محمد بن فُضيلٍ عن عُمارةَ بن القعقاعِ عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النبيُّ - ﷺ -: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ".
ويُسمَّى هذا الحديث حديث الختم، لأن البخاري خَتَم به، ولتأخير العلماء له عند القراءة إلى مجلس خاص يسمَّى مجلسَ الختم، يجتمع في الناس، ويُدعى إليه العلماء والأعيان فيشتغل العلماء بالكلام عليه وبيان ما يستنبط منه من الفوائد. وروى البخاري هذا الحديث بسند خماسيٍّ عن شيخه: أحمدَ بنِ إشكابٍ.، وهو الحافظ أبو عبد الله الحضرمي الكوفي الصفَّار، نزيل مصر.
[ ٨٦ ]
وفي الختم بهذا الحديث فوائد وحكم منها:
١. حسنُ المقطع: وهو آخر ما ينتهي الكلام إليه ويوقف عليه، وهو الختام.
٢. من الحكم الخفية في ختم الكتاب بهذا الحديث العمل بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [سورة النصر: ٣].
٣. جعْلُ ختام المجلس التسبيح للقيام منه على ذكر.
٤. ومنها الختم بتعظيم الله تعالى، بعد أن كانت الرواية في الكتاب كله عن النبي - ﷺ -، ففي التسبيح إشعارٌ بأن النبيَّ ﵊ عبدٌ لله تعالى امتنَّ الله به علينا، وأنا نرجع بعد اختتام قراءة الصحيح من حديثه الشريف إلى الله تعالى بالحمد والثناء، والتعظيم والتمجيد، والتسبيح والتنزيه.
٥. ومنها العطف على ما ابتدأ به الصحيح من حديث النية، لبيان أن ما يثقِّل ميزان العبد يوم القيامة هو ما أخلص النية فيه لله تعالى.
٦. وفيه الإشارة إلى أن الإيمان قولٌ وعملٌ، وأن التفاضل بين العباد يوم القيامة في الموازين إنما هو بالأعمال الصالحات.
أسانيد البخاري في الجامع الصحيح:
أدرك الإمام البخاري بعض أتباع التابعين، ولذلك فإن أعلى أسانيده ما كان بينه وبين النبي - ﷺ - فيه ثلاثة رواة، هم الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، وهي الأحاديث التي تسمَّى بالثلاثيات.، وهي اثنان وعشرون حديثًا، أفردت قديمًا، واعتنى العلماء بقراءتها على الشيوخ عند ضيق الوقت، ليحصل لهم الاتصال بالإمام البخاري وصحيحه بشيء من السماع مع العلوِّ في الإسناد المتصل بالسماع.
[ ٨٧ ]
وللبخاري مائتان وتسعة وثمانون حديثًا رباعيًّا، أي بينه وبين النبي - ﷺ - فيه أربعة طبقات من الرواة، أفردها الدكتور يوسف الكتاني بالتأليف. وسائر أسانيده بين خمسة رواة وسبعة، وله حديث تُساعي أي بينه وبين النبي - ﷺ - فيه تسع طبقات من الرواة ..
استحالة الخطأ في الجامع الصحيح:
هناك من يستعمل حقيقة أن البخاري -شأن سائر الناس بعد الأنبياء - غير معصوم، ويبني عليها أنه يمكن أن يكون أخطأ في كتابه، وهذه مغالطة ظاهرة مردودة، وسفسطة لا تنطلي على العقلاء، ولا تثبت عند البحث، والجواب عليها من جهتين:
الجهة الأولى الفرق بين كلام البخاري وكلام النبي - ﷺ -:
فالبخاري لم يأت بكلام من عنده حتى يمكن أن يخطئ، وإنما روى أقوال النبي ﵊ بأسانيد صحيحة ومتون معروفة متداولة عند العلماء. وكانت هذه الأسانيد والمتون معروفة في زمانه، وفي زمان أساتذته ومن قبلهم. ورجال هذه الأسانيد من الثقات الحفاظ الذي تتبع العلماء أقوالهم ورواياتهم وأحوالهم، وصنفوهم في مراتب بحسب حفظهم وضبطهم وعدالتهم. وقد اختار الإمام البخاري في صحيحه الرواية عن أعلى مراتب الرواة، وهم الحفاظ الثقات الذين صحبوا شيوخهم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وعرفوا أحوالهم، وميَّزُوا حديثهم، فصاروا بذلك حجة في الأحاديث التي رووها عنهم.
وخلاصة هذا الجواب في كلمتين: الفرق بين كلامه وكلام النبيِّ - ﷺ -. فكل من يشكك في صحيح البخاري جملةً وينسب إليه إمكان الخطأ فإنه يشكك في كلام النبيِّ ﵊، لأن الأسانيد التي رويت بها أحاديث صحيح البخاري التي وُضع الكتاب لأجلها هي في أعلى درجات الصحة والقبول.
[ ٨٨ ]
الجهة الثانية: الفرق بين العصمة والإتقان:
فالعصمة معناها عدم الوقوع في الذنب.، ومن المتفق عليه أنه لا أحد سوى المرسلين والأنبياء معصوم من الذنوب. فكلنا يمكن أن يذنب، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن لأحد من البشر أن يقوم بعمل لا يخطئ فيه أبدًا. فقد توالى على البشرية آلاف العلماء والحكماء والأدباء والصُّنَّاع والمؤلفين، من المسلمين وغير المسلمين، ممن قدَّموا للبشرية أعمالًا بلغت الغاية في الإتقان والكمال ولم يخطئوا فيها.، ليس لأنهم معصومون.، ولكن لأنهم متقنون لأبواب العلوم والفنون التي اشتغلوا بها، والاختصاصات التي صرفوا أعمارهم في تعلمها والتبحر فيها وخدمتها.
وكم رأينا حافظًا للقرآن الكريم لم يخطئ في قراءة القرآن من حِفْظه طول عمره منذ حَفِظه، ليس لأنه معصومٌ، ولكن لأنه أتقن حفظ القرآن، وصرف فيه وقته، وبذل جهده وهمته، حتى ملأ القرآن قلبه، وملك عليه حواسه.
فالإنسان غير المعصوم يمكن أن يقوم بعمل على أقصى درجة من الإتقان، ويكون ذلك العمل سليمًا من الخطأ، ولا يعني ذلك أن القائم بالعمل معصومٌ، ولكن الله وفقه في هذا العمل بسبب إتقانه له واستيفائه لكل شروطه.
وهذا هو شأن البخاري في الصحيح، لم يعتمد على مَلَكَةِ الحفظ وحدها.، وهي التي فاق فيها أهل عصره، وبزَّ أقرانه، بل زاد التعمق في معرفة علل الحديث الظاهرة والخفية، والغوص في خفايا الأسانيد، إلى درجة حيَّرت العلماء، وقد شهد له أساتذته بذلك.
نعم، يمكن أن يأتي جاهلٌ وينظرَ إلى بناءٍ محكم قد أفرغ فيه مِعْمَارٌ عبقريٌّ كل
[ ٨٩ ]
جهده، ويدعيَ وجود خطأ في تصميمه، ولكن المختصين من أرباب العِمارة سيسخرون منه ومن دعواه. وهكذا الشأن في صحيح البخاري، يمكن أن يأتي جاهل ويشكك فيه ويدعيَ عدم صحته، ولكن العلماء سيسخرون منه ومن دعواه، وسيذهب كلامه أدراج الرياح، ويبقى الإمام البخاري علمًا شامخًا مؤيدًا من الله تعالى مرضيًّا عنده، ويبقى الجامع الصحيح مَعْلَمَةً من معالم الإسلام.
ولذلك فإن القول بأن البخاري غير معصوم ويمكن أن يخطئ هو مغالطةٌ يمكن أن تهدم كل عمل من الأعمال سواء أكان دينيًّا أم دنيويًّا. وخلاصة الجواب هو في كلمتين.: الفرق بين العصمة والإتقان.
حكمة تكرار الأحاديث:
كثيرًا ما يكرر البخاري الحديث في عدة أبواب، أو يُقطِّعه، ولم يكن ذلك عَبثًا منه ولا تطويلًا، بل اتَّبع فيه منهجًا دقيقًا في جمع طرق الحديث وأسانيده وألفاظه، والكشف عن وجوه الاستدلال به، وبيان ما يُستنبط منه من المعاني والأحكام. ولذلك ما كان هو نفسه يَعُدُّ ذلك تكرارًا. ورد في نسخة الصَّغَّاني من الصحيح، في باب التعجيل إلى الموقف من كتاب الحج قول البخاري: "يدخل في هذا الباب هذا الحديث حديثُ مالك عن ابن شهاب، ولكني أريد أن أدخل فيه غيرَ مُعادٍ". وحديث مالك عن ابن شهاب رواه البخاري في الباب الذي قبله، ولما لم يجد له إسنادً آخر يرويه به، لم يشأ أن يستشهد به، وعلل ذلك بالتزامه أنه لا يدخل في الصحيح حديثًا مُعادًا.
ومما يتكرر في الصحيح عند بدايات بعض الكتب: البسملة، وسبب ذلك أن البخاري كان ينقطع عن الاشتغال بتأليف الصحيح مدة ثم يرجع إليه، فإذا رجع ابتدأ بالبسملة ثانية، عملًا بالسنة.
[ ٩٠ ]
الأحاديث المُعَلَّقةُ:
وهي الأحاديث التي أوردها في ترجمات الأبواب للاستشهاد بها على موضوع الباب، دون أن يذكر أسانيدها، أو ذكر طرفًا من الإسناد. وهي ليست من موضوع الكتاب أصلًا، ولذلك لم يلتزم فيها شرط الصحيح، ولا التزم ذكر أسانيدها، وقد تكفل العلماء بتخريجها وشرحها وبيان أسانيدها، منهم الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢) في كتابه: تغليق التعليق.
ومن أمثلة الأحاديث المعلقة في كتاب مناقب الأنصار: "باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، وقال عبد الله بن زيد وأبو هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ -.: «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار». وقال أبو موسى عن النبي - ﷺ -: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخلٌ فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَرُ، فإذا هي يثربُ» (٥/ ٥٦).
فقد ذكر البخاري في مطلع الباب بعد الترجمة حديثين، ولكنه لم يَسُق لهما إسنادًا، وإنما عزاهما إلى الصحابي الراوي لهما، فكأنه علَّقهما، فلذلك سميت هذه الأحاديث معلقةً. وقد يعزو البخاري الحديث إلى تابعي أو من دونه، وقد يسوق حديثًا موقوفًا، من كلام الصحابة أو من بعدهم.
المتابَعات:
المتابعة: هي أن توجد موافقةُ راوٍ لراوٍ آخر في حديث ظُنَّ انفرادُه بحديثٍ عن شيخه لفظًا، وفائدة المتابعة رفعُ الغرابة عن الرواية الأولى. وتُجمع على متابعات. فإن اختلف اللفظ كانت شاهدًا، جمعه شواهد.
مثال المتابعة من الصحيح قول البخاري في باب علامة المنافق من كتاب الإيمان:
[ ٩١ ]
"حدثنا قَبيصةُ بن عُقبةَ قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مُرَّةَ عن مَسروقٍ عن عبد الله بن عَمرٍو أن النبي - ﷺ - قال: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعَها: إذا اؤتُمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» تابعه شعبةُ عن الأعمش".
وقوله في باب المسح على الخفين: "حدثنا عَبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا الأوزاعيُّ عن يحيى عن أبي سلمة عن جعفرِ بن عمرِو بن أميةَ عن أبيه قال: رأيت النبي - ﷺ - يمسح على عمامته وخُفَّيه. وتابعه معمرٌ عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرٍو قال: رأيت النبي - ﷺ - ".
ولا يشترط في المتابعات ما يشترط في أحاديث الصحيح، إذ قد يروي البخاري فيها عن رجل ليس من شرطه.
الانتقاد على البخاري:
لم يَسلم كتاب الجامع الصحيح من النقد، لاختلاف آراء أئمة الجرح والتعديل في بعض الرواة، واعتمادِ المنتقد على قواعد تخالف القواعد التي اعتمد عليها البخاري، وعدم وصول المنتقد - وهو في عصر متأخر عن البخاري - في العلم بأحوال الرواة إلى ما وصل إليه البخاري. وقد فاق البخاري أقرانه وشيوخه في الحفظ حتى قال شيخه عَمرُو بن عليٍّ الفَلَّاس (-٢٤٩): "حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث".
وانظر إلى هذه المقارنة التي قام بها الحافظ أبو بكر الفضل بن العباس الرازي (-٢٧٠) بين البخاري وأبي زُرعةَ الرازي (-٢٦٤) وقد سئل: أيهما أحفظُ؟ أبو زُرعة أو محمدُ بن إسماعيل؟ فأجاب: لم أكن التقيت بمحمد بن إسماعيل، فاستقبلني ما
[ ٩٢ ]
بين حلوان [بالعراق] وبغداد، فرجعت معه مرحلةً، وجَهِدت جُهدي على أن أجيءَ بحديث لا يعرفه، فما أمكنني. وأنا أُغْرِبُ على أبي زُرعة عددَ شعره، أي آتي له بأحاديث غريبةٍ عليه لا يعرفها.
ويجب علينا عند النظر في النقد أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الحقائق التي تجعل قبول النقد من المتأخرين عن زمان البخاري صعبًا:
١. أن البخاري لمَّا صنف كتابه عرضه على أستاذه الذي تخرَّجَ به وهو علي بنِ المَديني وعرضه على أحمدَ بن حنبلٍ ويحيى بنِ مَعينٍ وغيرهم من شيوخه، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة، إلا أربعةَ أحاديثَ. قال أبو جعفر محمد بن عمرٍو العَقيلي (-٣٢٢) راوي الخبر: والقول فيها قول البخاري.، وهي صحيحة.
٢. أنه رغم العداوات والحسد الذي جرى على الإمام البخاري، والمحنة التي مرَّ بها، والطعن عليه في عقيدته، فإنا لم نجد أحدًا من معاصري الإمام البخاري وشيوخه - بمن فيهم شيخه محمد بن يحيى الذهلي الذي نصب له العداء بسبب مسألة اللفظ - قد طعن في علم الإمام البخاري في الرجال، أو طعن عليه في كتابه الصحيح، مع أن الكتاب كان قد اشتهر وانتشر، مع شدة العداوة له، وكثرة المكائد التي تعرض لها.
وأشهر من تتبع أحاديث صحيح البخاري بالنقد هو الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥)، وبلغ عدد الأحاديث التي انتقدها عليه مائة وعشرة أحاديث.، صنفها الحافظ العسقلاني في ستة أقسامٍ حسب مَورد النقد:
القسم الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.
[ ٩٣ ]
القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادةٍ فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها.
القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضُعِّف من الرواة، وليس في الصحيح من هذا القبيل غير حديثين.
القسم الخامس: ما حُكم فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا ومنه ما لا يؤثر.
القسم السادس: ما اختُلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح.
على أن البخاري لم ينفرد بتخريج هذه الأحاديث جميعها، بل شاركه مسلمٌ في عدد منها، ويبقى ما انفرد به البخاريُّ ثمانيةً وسبعين حديثًا. وقد بسط الحافظ العسقلاني الجواب على جميعها في مقدمة فتح الباري ونص على أن جميع هذه الأحاديث المنتقَدة وردت من طرق أخرى صحيحة.
ولذلك لخص الإمام النووي الرد على الدارقطني بقوله.: "قد استدرك الدارقطني على البخاري أحاديث، وطعن في بعضها، وذلك الطعن الذي ذكره فاسدٌ، مبنيٌّ على قواعدَ لبعض المحدثين ضعيفةٍ جدًّا، مخالفةٍ لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، ولقواعد الأدلة، فلا تغترَّ بذلك".
رجال صحيح البخاري:
الإمام البخاري أحد الأعلام في معرفة الرجال وأحوال الرواة والجرح والتعديل، وقد قَبِل شيوخُه ومعاصروه كلامه في الرواة، وتوثيقَه من وثَّق وردَّه من ردَّ. ومن الشواهد
[ ٩٤ ]
على ذلك قول البخاري: كان علي ابن المديني يسألني عن شيوخ خراسان، فكنت أذكر له محمد بن سَلَام فلا يعرفه، إلى أن قال لي يومًا: يا أبا عبد الله، كلُّ من أثنيت عليه فهو عندنا الرِّضا.
وتخريج الإمام البخاري في الصحيح حديثًا في الأصول من طريق راوٍ متكَلَّمٍ فيه هو حُكْمٌ منه بتوثيق هذا الراوي في هذا الإسناد خاصةً عن شيخه، وصحةِ ضبطه وعدمِ غفلته .. لأن البخاريَّ إذا خرَّج عن راوٍ قد تُكُلِّم فيه، فإنه يميز حديثه ولا يخرِّج منه إلا الصحيح.
ولم يشترط البخاريُّ في الرواة الذين خرَّج عنهم في المتابعات أن يكونوا على تلك الدرجة التي التزمها في إخراج الصحيح، لأن هذه المتابعات والشواهد ليست هي مقصودَه من تأليف الصحيح، وإنما ذكرها لنُكَتٍ تتعلق بالمتن أو بالإسناد.
وقد يخرِّج البخاري حديثًا لراوٍ متكلَّمٍ فيه، لواحد من الأسباب الآتية:
١. إما لأن الصواب هو توثيقه وأن الطعن فيه غير مؤثر في روايته.
٢. وإما لأن هذا الراوي وافق في حديثه الذي يخرِّجه البخاريُّ عنه الثقاتِ.
٣. أو لأن تضعيف هذا الراوي مختص بروايته عن شيخ بعينه لا في جميع ما رواه، مثل رواية معمر بن راشد (٩٦ - ١٥٤) عن ابن شهاب الزهري (-١٢٥) فهو ثقة فيه، لأن الكلام فيه خاص بروايته عن بعض الشيوخ نحو ثابتٍ البُناني.
طبقات الرواة:
ولشرح ما سبق نسوق كلام الإمام أبي بكر محمد بن موسى الحازميِّ (٥٤٨ - ٥٨٤) في تفصيل طبقات الرواة، وبيان من خرَّج عنهم البخاريُّ، قال ﵀:
[ ٩٥ ]
"ثم اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذهبًا في كيفية استنباط مخارج الحديث نشير إليه على سبيل الإيجاز. وذلك أن مذهب من يخرِّج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمهم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات ..
وهذا باب فيه غموض، وطريقُهُ معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل.، ومراتبِ مداركِهم. ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم مثلًا أن أصحاب الزهري على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزيةٌ على التي تليها وتفاوتٌ.
فمن كان الطبقة الأولى: فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري.
والطبقة الثانية: شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر. والطبقة الثانية لم [تلازم] الزهري إلا مدة يسيرة، فلم [تمارس] حديثه.، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم.
والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثلَ أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسلموا عن غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود [والنسائي].
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري، لأنهم لم يصاحبوا يحيى الزهري كثيرًا، وهم شرط أبي عيسى
والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرِّج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا.
[ ٩٦ ]
فأما أهل الطبقة الأولى: فنحو مالك وابن عيينة وعبيد الله بن عمر ويونس وعقيل الأيليان وشعيب بن أبي حمزة وجماعة سواهم.
وأما أهل الطبقة الثانية: فنحو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي والليث بن سعد والنعمان بن راشد وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم".
وقال بعد ذكره أمثلة لكل طبقةٍ: "وقد يخرِّج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية.، ومسلمٌ عن أعيان الطبقة الثالثة". وبهذا يتبين لنا أحد وجوه ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم من حيث الصحة.
موقف البخاري من آل البيت النبوي:
حُبُّ آل البيت النبوي فَرضٌ على كل مسلمٍ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول أهل السنة والجماعة، وبإلقاءِ نظرةٍ عَجْلى على الصحيح يظهر تمسك الإمام البخاري بهذا الأصل من خلال عدة لمحات:
١. أخرج البخاري في كتاب الأنبياء عن أبي حميدٍ الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «قولوا اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ».
٢. عقد البخاري أبوابًا في فضائل أهل البيت، هي:
- باب مناقب علي بن أبي طالبٍ القرشي الهاشمي أبي الحسن ﵁، أخرج فيه تسعةَ أحاديث اثنان منها من المعلقات، ومما أخرجه: "حدثني محمد بن بشارٍ حدثنا غندرٌ حدثنا شعبة عن سعدٍ قال: سمعت إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ - لعليٍّ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» ".
[ ٩٧ ]
- باب مناقب جعفر بن أبي طالبٍ الهاشمي ﵁ وقال له النبي - ﷺ -: «أشبهت خَلقي وخُلقي». خرَّج فيه ثلاثة أحاديث، منها: "حدثني عمرو بن عليٍّ حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشعبي أن ابن عمر ﵄ كان إذا سلم على ابن جعفرٍ قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين".
- باب ذكر العباس بن عبد المطلب ﵁: خرَّج فيه حديث الاستسقاء بالعباسِ فقال: "حدثنا الحسن بن محمدٍ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاريُّ حدثني أبي عبد الله بن المثنى عن ثُمامةَ بن عبد الله بن أنسٍ عن أنسٍ ﵁: أن عمر بن الخطاب كان إذا قَحَطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسلُ إليك بنبينا - ﷺ - فتَسقينا، وإنا نتوسلُ إليك بِعَمِّ نبينا فاسقنا. قال: فيُسْقَوْنَ".
- باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ - ومنقبة فاطمة ﵍ بنت النبي - ﷺ - وقال النبي - ﷺ -: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»: خرَّجَ فيه سبعة أحاديث، منها قال.: "حدثنا أبو الوليد حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينارٍ عن ابن أبي مليكة عن المِسْوَرِ ابن مَخْرَمَةَ أن رسول الله - ﷺ - قال: «فاطمة بضعةٌ مني فمن أغضبها أغضبني» ..
- باب مناقب فاطمة ﵍، وقال النبي - ﷺ -: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» ..
- باب مناقب الحسن والحسين ﵄ قال نافع بن جبيرٍ عن أبي هريرة عانق النبي - ﷺ - الحسن: ذكر فيه تسعة أحاديث، منها قال: "حدثنا مسددٌ حدثنا المعتمر قال: سمعت أبي قال: حدثنا أبو عثمان عن أسامة بن زيدٍ ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه كان يأخذه والحسنَ ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» ". أو كما قال.
٣. ذكر البخاريَّ السيدةَ فاطمة ﵍ مُعْقِبًا اسمها بقوله: "﵍"
[ ٩٨ ]
ثلاثين مرةً. وذكر السيدةَ أُمَّ كُلثومٍ بنت النبيِّ - ﷺ - في حديث مُعْقِبًا اسمها بقوله: "﵍".، وذلك في حديث أنس بن مالك ﵁: "أنه رأى على أم كلثومٍ ﵍ بنتِ رسول الله - ﷺ - بُرْدَ حريرٍ سِيَراءَ".
وذكر السيدة فاطمة وعليًّا وقرن اسمهيما بالسلام، وذلك في قوله: "باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجابٍ وطرق النبي - ﷺ - فاطمة وعليًّا ﵉ ليلةً للصلاة".
وذكر عليًّا وفاطمة في باب عمل المرأة في بيت زوجها فقال: "عن ابن أبي ليلى حدثنا عليٌّ أن فاطمة ﵉"، وساقه أيضًا في باب التكبير والتسبيح عند المنام.
وذكر الحسنَ بن عليٍّ، وقرن اسمهيما بالسلام فقال: "باب إذا وهب دينًا على رجلٍ قال شعبة عن الحكم هو جائزٌ ووهب الحسن بن عليٍ ﵉ لرجلٍ دينه ".
وروى في باب صفة النبي - ﷺ - عن أبي جحيفة ﵁ قال: رأيت النبي - ﷺ - وكان الحسن بن عليٍ ﵉ يشبهه.
وذكر الحسين بن علي وقرن اسمهيما بالسلام فقال: "عن الزهري قال أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن عليٍ ﵉ أخبره أن عليًا قال كانت لي شارفٌ من نصيبي من المغنم يوم بدرٍ" الحديث وساقه في باب المشيئة والإرادة أيضًا.
وذكر عن علي بن الحسين حديثًا معلقًا في باب لا يتزوج أكثر من أربعٍ لقوله تعالى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء: ٣] فقال: "وقال علي بن الحسين ﵉: يعني مَثنى أو ثُلاثَ أو رُباعَ".
وجمع بين فاطمة والعباس في كتاب الفرائض فقال: "عن عروة عن عائشة أن فاطمة
[ ٩٩ ]
والعباسَ ﵉ أتيا أبا بكرٍ يلتمسان ميراثهما ".
٤. أحاديث أهل البيت النبوي في صحيح البخاري:
عن السيدة فاطمة الزهراء: حديثٌ واحد.
عن عليِّ بن أبي طالبٍ: تسعةٌ وعشرون حديثًا.
عن العباس بن عبد المطلب: خمسة أحاديث.
عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: حديثان.
عن عبد الله بن عباسٍ: مائتان وسبعةَ عشر حديثًا.
موقف البخاري من الشعر:
قد يُسْتَغْرَبُ من المُحَدِّث أن يستشهد بالشعر، ولكن الاستغراب يزول إذا علمنا أن النبيَّ ﵊ قد استمع للشعر، ولذلك لم يمكن للمحدث أن يتجنَّبَ رواية الشعر. وقد قال عدد من أئمة الحديث الشعر، منهم: عبد الله بن المبارك، ومالك بن أنسٍ والشافعي والبخاري نفسه.
ولكن البخاريَّ ذهب أبعد من ذلك في الصحيح فقد استشهد البخاري في كتاب الفتن: (باب الفتنة التي تموج كموج البحر) بأبيات لامرئ القيس: فقال: "وقال ابن عيينة عن خلَف بن حَوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس:
الحربُ أولُ ما تكون فتيَّةً تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضِرامُها ولَّتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليل
[ ١٠٠ ]
شمطاءُ يُنكَر لونُها وتغيَّرت مكروهةً للشمِّ والتقبيل
ولم ترد هذه الأبيات الثلاثة لامْرئ القيس إلا في النسخة المعزوة لأبي جعفر ابن النحاس (-٣٣٨) المحفوظة في مكتبة دير الأسكوريال، وقد وردت فيه ببعض الاختلاف، ومع ذلك فإن محقق ديوان امرئ القيس الأستاذ محمدًا أبا الفضل إبراهيم لم يتنبه إلى ورود هذه الأبيات الثلاثة في صحيح البخاري، مع أن إسناد روايتها فيه عالٍ، وإن كان معلقًا. والشعر إذا رواه أهل الحديث بالأسانيد الصحيحة كان ثابتًا وحجةً لا مطعن فيه.
وبوَّب البخاري في كتاب الصلاة بابًا بعنوان: باب الشعر في المسجد [١/ ٩٨].
وفي كتاب الأدب: باب ما يجوز من الشعر والرجز والحُداءِ وما يُكره منه وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ﴾ الآيات [سورة الشعراء: ٢٢٤]. ساق فيه الحديث: «إن من الشعر لحكمة»، وحديثين على استشهاد النبي - ﷺ - بالشعر، وحديث سَلَمَةَ بنِ الأكوع في حُداء أخيه عامر بالشعر [٨/ ٣٤]. وأتبعه بباب هجاء المشركين، وساق فيه ثلاثة أبياتٍ لعبد الله بن رَواحةَ في مدح النبي - ﷺ - والدفاع عنه [٨/ ٣٦].
ومن فقهه أنه أراد وضع ميزانٍ للاشتغال بالشعر، فأتبع ذلك الباب بباب آخر ترجمته: باب ما يُكره أن يكون الغالبَ على الإنسان الشعرُ حتى يصدَّه عن ذكر الله والعلم والقرآن [٨/ ٣٦].
إحصاءات في الجامع الصحيح:
عدد الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري مع المُكرر: (٧٣٩٧) حديثًا.
عدد الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري مع الأحاديث المكررة والتعليقات
[ ١٠١ ]
والمتابعات: (٩٠٨٢) حديثًا.
عدد الأحاديث المرفوعة دون تكرار: (٢٦٠٢) حديثًا.
عدد الأحاديث المعلَّقة: (١٣٤١) حديثًا.
عدد المتابعات والتنبيهات على اختلاف الروايات: (٣٤٤) متابعةً وتنبيهًا.
عدد كتب الجامع الصحيح: (٩٧) كتابًا.
عدد أبواب الجامع الصحيح: (٣٨٨٦) بابًا.
عدد الرواة المذكورين في أسانيد الجامع الصحيح مع الصحابة: (١٥٩٧).
عدد النساء المذكورين في أسانيد الجامع الصحيح: (٤٢).
عدد الصحابة الذين أخرج لهم البخاري في الجامع الصحيح: (١٥٣) رجلًا.
عدد الصحابيات اللواتي أخرج لهنَّ البخاري في الجامع الصحيح (٣١) امرأةً.
عدد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في الصحيح (٣٠٤).
عدد كلمات الجامع الصحيح: ستمائة ألف كلمة ونَيِّفٌ.
عدد اسم الجلالة (الله) في الجامع الصحيح: ثلاثة وثلاثون ألف مرة ونَيِّفٌ.
عدد مرات الصلاة على النبي - ﷺ - في الجامع الصحيح: اثنا عشر ألف مرة ونَيِّفٌ.
عدد مرات الترضي على الصحابة الكرام في الجامع الصحيح: ستة آلاف مرة ونَيِّفٌ.
[ ١٠٢ ]
أهم مختصرات الجامع الصحيح:
جمع النهاية في بدء الخير والغاية: للإمام أبي محمد عبد الله ابن أبي جمرة الأزدي الأندلسي (-٦٧٥). وهو مختصر جمع فيه نحو ثلاثمائة حديث من صحيح البخاري، يعرف بمختصر ابن أبي جمرة، وقد شرحه في كتابه: بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها.
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح: لزين الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي الزَّبيديِّ (-٨٩٣). حذف من صحيح البخاري المكرر والأسانيد.
جواهر البخاري: تأليف مصطفى محمد عمارة، وهو نحو ثمانمائة حديث منتقاة من صحيح البخاري، مع شرح ألفاظها.
أهم شروح الجامع الصحيح:
أعلام الحديث: لأبي سليمان حَمد بن محمَّد الخَطَّابي (-٣٨٨). وهو شرح مختصر على المواضع المشكلة من الصحيح.
شرح صحيح البخاري لابن بطَّال: وهو أبو الحسن عليُّ بن خلف المالكي (-٤٤٤)، وقد اعتمد عليه الحافظ العسقلاني في شرحه فتح الباري.
فتح الباري بشرح صحيح البخاري: تأليف الإمام أبي الفضل أحمد بن عليِّ بن محمَّد ابن حجر العسقلاني (-٨٥٢). وهو الذي قال فيه الإمام محمد بن علي الشوكاني (-١٢٥٠) لما طُلب إليه أن يشرح صحيح البخاري: "لا هجرة بعد الفتح"، وقيل إن شرح صحيح البخاري كان دينًا على الأمة حتى وفاه الحافظ العسقلاني ﵀، وقد أمضى في تأليفه خمسًا وعشرين سنة. وهو شرح يعتني بالصناعة الحديثية في الكلام
[ ١٠٣ ]
على اختلاف الروايات والطرق والرواة، ويعتني بما يُستنبط من الحديث، ويبسط الخلاف بين الفقهاء مع الاستدلال لمذهب الإمام الشافعي.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري: للإمام بدر الدِّين محمود بن أحمد العيني (-٨٥٥) وهو من أوسع الشروح، يجمع بين الحديث والفقه، ويتميز بأن صاحبه حنفي المذهب، فيشرح أدلة المذهب ويجيب عن الاعتراضات عليه.
إرشاد السَّاري لشرح صحيح البخاري: للشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن محمَّد الخطيب القسطلاني (-٩٢٢). وهو شرح ممزوج بالأصل، اعتنى فيه بجميع جوانب الحديث، من اللغة والفقه والإسناد، وخص اختلاف روايات الصحيح بمزيد من الاهتمام، لقي قبولًا عند العلماء، وصار الشرح المعتمد للتدريس ..
حاشية على صحيح البخاري: تأليف العلامة أبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (-١١٣٨).
النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح: للعلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (١٢٩٦ - ١٣٩٣). وهو في مجلد واحد تعرض فيه لما لم يتكلم عليه الشراح.
[ ١٠٤ ]