سمع الجامع الصحيح من الإمام البخاريِّ تسعون ألفًا، وقد حدث به مؤلفه في عدة بلاد، منها بخارى وفربر وبِيكَنْدُ. وقد وصل إلينا من طريق عدد من تلاميذ البخاري يبلغ درجة التواتر، نذكر منهم هنا أشهرهم:
رواية إبراهيم بن معقل النسفي:
هو الإمام الحافظ القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مَعْقِل بن الحجاج النسفي الحنفي (-٢٩٥) .. وهو حافظٌ، ثقة، فقيه، عالم بمذاهب الفقهاء، من أجلَّةِ أهل السنة وأصحاب الحديث، رحل في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق والشام ومصر.، وكتب الكثير، وروى عن قتيبة بن سعيد (١٤٩ - ٢٤٠) وعيسى بن أحمد ابن وردان العسقلاني (١٨٠ - ٢٦٨) وأبي الوليد هشام بن عمار الدمشقي (١٥٣ - ٢٤٥). وله تآليف منها: المسند الكبير والتفسير.
روى الصحيح عنه مسند بخارى الشيخ أبو صالحٍ خلف بن محمد البخاري الكرابيسي الخيام (٢٧٥ - ٣٦١). وممن رواه عنه: الإمام الشهير أبو سليمان حَمْدُ بن سليمانَ الخَطَّابي (-٣٨٨)، وعلى روايته اعتمد في شرحه (أعلام الحديث).
رواية حماد بن شاكر النسفي:
هو الإمام المحدث أبو محمد حماد بن شاكر بن سوِّية النسفي (-٣١١). وهو إمام، ثقة.، صدوق، مأمون، روى الصحيح عن الإمام البخاري، وروى عن أبي عيسى الترمذي (-٢٧٩) وعيسى بن أحمد ابن وردان العسقلاني. وممن روى الصحيح عنه أحمد بن
[ ١٠٩ ]
محمد بن رُمَيح النَّسوي (-٣٥٧) وعليه قرأ الإمام أبو عبد الله الحاكم النيسابوري الصحيح.
رواية البَزْدَوِي:
هو الإمام المسند الكبير الشيخ أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة ابن سوية البزدويُّ النسفيُّ (-٣٢٩). وهو آخر من بقي من رواة الصحيح عن الإمام البخاري. حضر سماع الصحيح على البخاري وهو صغير، ووجد توثيق لسماعه بخط مولى أمير المؤمنين جعفر بن محمد دهقان توبَن، فلما تيقن الناس سماعه، رحلوا إليه.
رواية الفربري:
وهو الإمام المحدث الثقة أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِرَبْرِيُّ، المتوفَّى في الثالث من شوال من سنة ٣٢٠ وقد نيَّف على التسعين. وهو أشهر رواة الجامع الصحيح.
وفربرُ بلدة بخراسان قريبة من بخارى، على مسافة ثلاثة مراحلَ منها، يصح في فائها الكسر والفتح، وضبَطنا سماعَنا بالأول.
سمع الفربري الجامع الصحيح على مؤلفه مرتين: الأولى: بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، والثانية ببخارى سنة اثنين وخمسين ومائتين.
قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلفٍ التُّجيبيُّ الباجيُّ الأندلسيِّ (٤٠٣ - ٤٧٤) في الفربري: "ثقة مشهور". وقال الإمام محب الدين محمد بن عمر ابن رُشيد السَّبتي الفهري الأندلسي (-٧٢١): "وأبو عبد الله الفربري هذا عمدة المسلمين في كتاب البخاري، وشهرته مغنية عن التعريف بحاله". وقال أبو بكر محمد بن منصور
[ ١١٠ ]
السمعاني (٤٦٦ - ٥٢٠): "كان ثقة ورعًا". وقد مدَّ الله تعالى في عمره، ورحل الناس إليه لسماع الصحيح منه.
وكان عند الفربري نسخة الإمام البخاري من الصحيح التي هي الأصل، وهذا الأصل كان بخط البخاري وخط وراقه أبي جعفر محمد بن أبي حاتم الذي كان البخاري يملي عليه الصحيح.
ورواية الفربري هي الرواية المتداولة في عصرنا هذا والأكثر تداولًا في العصور السابقة.، وإليها ترجع أسانيد الحفاظ والمحدثين، وهي الرواية التي اعتمدت عليها أصول النسخة اليونينية.
أشهر تلاميذ الفربري:
وأشهر تلاميذ الإمام الفربري الذي سمعوا الجامع الصحيح منه هم:
١. الإمام أبو علي سعيدُ بنُ عثمانَ ابنُ السَّكَن المصري (٢٩٤ - ٣٥٣). سمع الصحيح من الفربري، وكان أول من أدخله إلى مصر، وحدث به قبل سنة ٣١٤. وانتشرت روايته في الأندلس.، واعتنى فيها بالتعريف بشيوخ الإمام البخاري الذين أهمل البخاري نسبتهم.
٢. الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أحمدَ البلخيُّ المُستملي (-٣٧٦) سمع الصحيح منه سنة ٣١٤، ونَسَخَ الصحيحَ من نسخة الفربري التي هي أصل الإمام البخاري.
٣. الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّويَهْ السَّرَخْسِي (-٣٨١). ومن طريقه انتشر الصحيح واشتهرت روايته وعلا إسناده. وأشهر تلاميذه هو الإمام المسند أبو الحسن عبد الرحمن بن المظفر الداودي البُوشَنْجِي (٣٧٤ - ٤٦٧).
[ ١١١ ]
٤. الإمام أبو الهيثم محمد بن مكيٍّ الكُشمِيهَنِيُّ (-٣٨٩)
٥. الإمام الفقيه أبو زيدٍ محمد بن أحمدَ المروزيُّ (٣٠١ - ٣٧١) سمع منه الصحيح سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.
أشهر أصول الجامع الصحيح:
تفرعت عن رواية الفربري نسخ صارت فيما بعد أصولًا، منها ما اعتمد على رواية واحدة، ومنها ما جَمع بطريق السماع أو المقابلة أو كليهما بين عدة روايات. واخُتصَّت بعض هذه النسخ بالانتشار في بعض البلاد دون سواها. ومن أشهر الأصول التي اعتنى بها ومقابلتها على ما اطلعوا عليه من الأصول القديمة للجامع الصحيح:
١. أصل الإمام العلامة الحافظ أبي ذرٍّ عبدِ بن أحمد الأنصاريِّ الهروي المالكي المولود سنة ٣٥٥ أو ٣٥٦ المتوفَّى سنة ٤٣٤. وروايته هي طريقة المكيين والمغاربة. وهي أشهر النسخ القديمة وأصحُّها، فإنه عارضها بأصول ثلاثة هي: أصل ابن حَمُّويَهْ السَّرَخسِي، وأصلُ أبي إسحاق المُستملي، وأصلُ أبي الهيثمِ الكُشْمِيهَنِيِّ. وعلى هذا الأصل اعتمد الحافظ العسقلاني في شرحه فتح الباري، وقال فيه: "أتقن الروايات عندنا هي رواية أبي ذرٍّ عن مشايخه الثلاثة، لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها".
٢. أصل الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبي الوقت عبدِ الأول بنِ عيسى السِّجْزيِّ الصوفيِّ الهرويِّ (٤٥٨ - ٥٥٣): رحل مع أبيه ماشيًا على قدميه وهو ابن عشر سنين من هَراةَ إلى مدينة بُوشَنْجَ ليسمع الجامع الصحيح من الإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن المظفر الداودي. ورواية أبي الوقت هي طريقة الشاميين والبغداديين، وهي الرواية المنتشرة الآن في معظم أرجاء العالم الإسلامي.
[ ١١٢ ]
٣. أصل الشيخة المسندة العالمة أم الكرام كريمةَ بنتِ أحمدَ بن محمد بن حاتم المَرْوَزِيِّة (-٤٦٣).: سمعت الجامع الصحيح على أبي الهيثم الكُشميهني، وروايتها هي طريق المصريين. وعُمِّرت حتى بلغت مائة سنة.
٤. أصل الإمام الحافظ أبي علي الحسين بن محمد الصدفي المولود سنة ٤٥٤ المتوفَّى شهيدًا مفقودًا في وقعةِ قَتَنْدَةَ سنة ٥١٤، سمعه على القاضي أبي الوليد سليمان بن خلفٍ التُّجيبيِّ الباجيِّ الأندلسيِّ (٤٠٣ - ٤٧٤) بسماعه على أبي ذرٍّ الهروي، لازمه القاضي أبو الوليد الباجي في مكة ثلاث سنوات. وهو أصل عظيم بخط الصدفي، عليه سماعات نفيسة أحدها للقاضي عياض، احتفى به العلماء لجلالة قدر الصدفي، وعلو رتبته، وإجماع الناس على إمامته.، وقد ألف القاضي عياض في أخباره كتاب: المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي. ومن آيات سَعة علمه قوله لأحد الفقهاء: "خُذِ الصحيح فاذكُر أيَّ متنٍ أردت تدقيقَه أَذكرْ لك سندَهُ، وأيَّ سندٍ أردتَ أَذكرْ لك مَتْنَهُ".
وقد انتقل أصل الصدفي من بلد إلى بلد، ووصفه العلماء، ونظموا فيه الأشعار، ونقلوا بعض ما عليه من السماعات، وانتهى به المطاف عند السيد الإمام محمد بن علي السنوسي (-١٢٧٦) في زاويته بجُغْبوبٍ. وفي مطلع سنة ١٣٨٨ زار السفير الأستاذ عبد الهادي التازي ﵀ زاوية جغبوب، وبذل جهدًا في البحث عنه بين نحو ألف مخطوط في مكتبة الزاوية، ولم يعثر له على أثر، إلى أن تبين أن العلامة الطاهر بن عاشور قد استعاره من مكتبة بنغازي، وبقي عنده عشر سنوات. فأرسل الملك إدريس السنوسي مبعوثًا بطائرة خاصة أحضره، وفرح الملك بعودته أكثر من فرحه باكتشاف النفط، وبقي الأصل في إقامة الملك بطبرق، ثم فقد بعد رحيل الملك إلى القاهرة.
وبقيت رواية الصدفي متداولة في المغرب من طريق أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة عن الصدفي، وأحيانًا بواسطة عمه أبي عمران عن الصدفي.
[ ١١٣ ]
٤. نسخة الحافظ أبي عمران موسى بن سعادة الأندلسي المتوفى بعد سنة ٥٢٢، نسخها بيده سنة ٤٩٢، رواها عن صهره أبي علي الصَّدَفيِّ. وعليها كان اعتماد المغاربة فيما مضى. وفي وصفها وبيان مكانتها ألف السيد محمد عبد الحي الكتاني رسالته: (التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة)، فذكر أنها كانت في خمسة أسفارٍ، فقد منها الأول ثم الثالث، وما زالت بقيتها في الخزانة العامة بالرباط، وطبع المستشرق بروفنسال الجزء الثاني منها طبق الأصل سنة ١٩٢٨. ومن هذه النسخة نُقلت عدة نسخ أهمها نسخة لأبي المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (-١٠١٣)، عليها حواشٍ بخط العارف أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي (-١٠٣٦)، تُعرف بالنسخة الشيخة، اطلعنا عليها في خزانة السيد أحمد بنسليمان في الرباط، إلا أنها تنقص جزءًا. واطلعنا في شهر شوال من سنة ١٤٤٠ في سوق الكتب بإستنبول على جزءين من نسخة خماسية نسخها الشيخ عبد القادر بن علي الفاسي (-١٠٩١) من نسخة أبي عمران.
وفي مكتبة مراد ملا في السليمانية بإستنبول فرعٌ عنها برقم ٥٧٧ كتب سنة ٥٥٠ وقوبل على أصول الصدفي وأبي عمران وأبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن الدباغ (٤٨١ - ٥٤٦)، عليها خط محمد بن يوسف بن سعادة (٤٩٦ - ٥٦٥)، سنة ٥٥٥، وهو ابن أخي أبي عمران. وهي كنز ثمين، نشره طبق الأصل مركز البحوث الإسلامية في إستنبول ورئاسة المخطوطات وقدم لها بمقدمات نفيسة الشيخ محمد مجير الخطيب الحسني والأستاذ الدكتور عرفات أيدين، جزاهما الله تعالى خيرا.
٥. نسخة الإمام أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (-٣٩٢)، روى الصحيحَ عن الإمام أبي زيد محمد بن أحمد المروزي عن الفربري، قرأه عليه بمكة سنة (٣٥٣)، ثم رواه عنه ببغداد بين سماع وقراءة سنة ٣٥٩. ورواه أيضًا عن القاضي أبي أحمد محمد ابن محمد بن يوسف الجرجاني (-٣٧٣).
[ ١١٤ ]
٦. نسخة الإمام رضي الدين محمد بن الحسن الصَّغَّاني (٥٧٧ - ٦٥٠) وتعرف بالنسخة البغدادية، رواها عن أصحاب أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي. وقد اطلع على النسخة التي كانت عند الفربري، وقابل نسخته عليها. ونسخة الصَّغَّاني من النسخ التي اطلع عليها الحافظ أبو الفضل العسقلاني واستفاد منها. ويجب التنبيه هنا إلى أن الرواية بالسماع أعلى من الرواية بالوجادة، وغاية شأو المقابل أن يقول: وجدت بخط فلان، ولكن الراوي بالسماع يقول: حدثنا فلان قال حدثنا فلان، ولهذا البحث تتمة وفيه تفصيل لا يتسع له هذا المقام.
وقد أشارت دراسة صدرت عن الطبعة التي نشرها الشيخ أحمد علي السهارنفوري (١٢٢٥ - ١٢٩٧) للصحيح في دلهي سنة ١٢٦٩ إلى أنه اعتمد على نسخة الصغاني هذه، والناشر من كبار تلامذة الشيخ عبد الغني المجددي، وقد نشر مع الصحيح حاشية له ساعده في إتمام آخر خمسة أجزاء منها الشيخ محمد قاسم النانُوتَوِي (١٢٤٨ - ١٢٩٧).
٧. نسخة الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي (-٥٧١) ..
٨. نسخة الإمام الحافظ شرفِ الدِّينِ أبي الحُسينِ عليِّ بنِ مُحمَّدٍ اليُونِينيِّ الحنبليِّ (٦٢١ - ٧٠١). وهي أصح النسخ على الإطلاق. وقد أصبحت عمدة المحدثين من بعده في المشرق والمغرب، وعليها اعتمد الإمام شهاب الدين القسطلاني (-٩٢٢) في شرحه إرشاد الساري. وهي آخر النسخ المحررة من صحيح البخاري، ولم يقم أحد بعد اليونيني بعمل يطاول عمله أو يقرب منه، بل أصبحت نسخته هي الأصل الذي يعتمد عليه العلماء، وسنفردها بمزيد من الكلام فيما بعد، وأعظم الفروع المستنسخة منها فرعُ الإمام عبد الله بن سالمٍ البصري المكي (-١١٣٤).
[ ١١٥ ]
سبب اختلاف روايات الجامع الصحيح:
يرجع السبب الأهم في اختلاف بعض روايات الجامع الصحيح إلى أن البخاري رحمه الله تعالى ترك بياضًا في مواضع متعددة من نسخته، وكأنه أراد أن يزيد فيه، وأدخل في مواضع متعددة زيادات في الهوامش، منها أحاديث، ومنها أبواب، فاجتهدَ مَن نَقَلَ مِن نسخته بعد ذلك في إلحاقِ كل باب أو حديث بموضعه، فحدث لذلك الاختلاف. قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٠٣ - ٤٧٤) في مقدمة كتابه التعديل والتجريح لمن خرَّج عنه البخاري في الجامع الصحيح: "وقد أخبرنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ الهروي الحافظ ﵀ قال: حدثنا أبو إسحاقَ المُسْتَمْلي إبراهيمُ بن أحمدَ قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يَتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجِمُ لم يُثبِت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق ورواية أبي محمد ورواية أبي الهيثم ورواية أبي زيد - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم، فيما كان في طرةٍ أو رقعة مضافةٍ أنه من موضع ما.، فأضافه إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلةً ليس بينها أحاديث" ..
وقد اعترض القسطلاني على كلام الباجي بعد أن نقله بقوله: "وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر، من حيث أن الكتاب قُرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يُقرأ إلا مرتَّبًا، مبوَّبًا .. فالعبرة بالرواية، لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها". وهو يقرر بذلك أن الاعتماد عند اختلاف السماع والخط يكون على السماع لا على الخط، لأن الرواية بالخط إن لم تقترن بالسماع تعد روايةً بطريق الوِجادة، وهي أضعفُ طرق تحمل الحديث.
[ ١١٦ ]