الفصل الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وولادته ووفاته.
الفصل الثاني: في رحلاته.
الفصل الثالث: في شيوخه وتلاميذه.
الفصل الرابع: في أهم ما تميز به.
الفصل الخامس: في أنه حامل علم البخاري.
الفصل السادس: في ورعه في الجرح والتعديل.
الفصل السابع: في مؤلفاته.
[ ١ / ١١ ]
وأما نسبته
الفصل الأول في اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته، ووفاته
أما اسمه: فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
١ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة (^١) بن موسى بن الضحاك.
كذا سماه تلميذه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي (^٢)، وهو المشهور (^٣).
٢ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن شداد (^٤).
٣ - محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرَة بن السَّكَن (^٥).
* * *
وأما نسبته: القَيْسِيُّ السُّلَميُّ -بضم السين المهملة وفتح اللام- (^٦).
أما القَيْسِيُّ، فنسبة إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن
_________________
(١) سَوْرَة: بفتح السين، وسكون الواو، بعدها راء مهملة. ينظر: "توضيح المشتبه" (٥/ ٢٠٣)، "تبصير المنتبه" (٢/ ٧٠٠).
(٢) انظر: "فهرسة ابن خير الإشبيلي" (ص: ٩٩).
(٣) انظر: "الثقات" لابن حبان (٩/ ١٥٣)، "رجال البخاري" للكلاباذي (١/ ٣٩٠)، "الإكمال" لابن ماكولا (٤/ ٣٩٦)، "تاريخ دمشق" (٢/ ٤١٤)، "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٦)، ""وفيات الأعيان" (٤/ ٢٧٨)، "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٠).
(٤) "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٩٠٤)، "الأنساب" (٣/ ٤٢).
(٥) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٠)، "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٠).
(٦) انظر: "الأنساب" (٧/ ١٨٠).
[ ١ / ١٣ ]
عدنان، وإلى قيس تنتسب قبائل كثيرة، منها: غطفان وهوازن وباهلة وغيرهم، وقير هو أخو إلياس، وإليه تنتسب قريش وهذيل ومزينة وغيرهم.
وأما السُّلمي، فنسبة إلى سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس (^١)، قبيلة مشهورة، حجازيةُ الإقليم، مساكنها بين مكة والمدينة منذ الجاهلية وإلى الآن، مع تغيرٍ بعضَ الشيء، وقد تفرَّق قسم منهم في البلاد، فمنهم من سكن الشام، ومنهم من سكن برقة وما حولها -أي: ليبيا الآن-، ولا زالوا يعرفون إلى الآن.
وقد خرج منها جَمْعٌ كبير من الصحابة والتابعين وهلمَّ جرًّا، فمن مشاهيرهم: عمرو بن عَبَسَة السلمي، وهو صحابي جليل قد تقدم إسلامه، فقد قال ابن سعد: (أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سليم بن عامر، وضمرة، وأبي طلحة، أنهم سمعوا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، قال: قلت: يا رسول الله، من معك في هذا الأمر؟ قال: "معي رجلان: أبو بكر وبلال"، قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتني ربع الإسلام، قال: فقلت: يا رسول الله، أمكث معك أم ألحق بقومي؟ قال: "الحق بقومك"، قال: "فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى وبحيي الإسلام"، وهذا إسناد جيد.
ومنهم أيضا: الصحابي المشهور العرباض بن سارية السلمي، صاحب حديث: "عليكم بسنتي … "، ومنهم: العباس بن مرداس السلمي، وغيرهم من الصحابة، وغيرهم كثير من التابعين وأتباعهم.
_________________
(١) وأخوه هوازن بن منصور، وهي قبيلة كبيرة تنسب إليها فروع كثيرة في الحجاز ونجد، منهم: بنو عامر بن صعصعة، وهم من أكثر العرب.
[ ١ / ١٤ ]
وأما بلاده: فهو ينسب البُوْغِيُّ التِّرمذي (^١).
البُوْغِيُّ: نسبة إلى بوغ، قال السمعاني: (بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفي آخرها الغين المعجمة، هذه النسبة إلى "بوغ" وهي قرية من قرى "الترمذ" على ستة فراسخ) (^٢).
التِّرْمِذِيُّ: نسبة إلى ترمذ، وقد اختلف في ضبطها على ثلاثة أقوال، قال السمعاني: (والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة -أي: الترمذي-، بعضهم يقولون: بفتح التاء المنقوطة بنقطتين من فوق، وبعضهم يقولون: بضمها، وبعضهم يقولون: بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك البلدة -وكنت أقمت بها اثني عشر يوما- بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديما فيه كسر التاء والميم جميعا، والّذي يقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه) (^٣).
وقال مؤتمن الساجي: (سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري -أبو إسماعيل الهروي- يقول: هو بضم التاء) (^٤).
وقال ابن دقيق العيد: (وترمذ بالكسر، هو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر) (^٥).
وقال أبو الفتح اليَعمُري: (ويقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، والذي نعرفه بكسرها، وهي على نهر بلخ) (^٦).
وقال الذهبي: (ترمذ: بفتح التاء، وقيل: بضمها، ويقال: بكسرها) (^٧).
_________________
(١) انظر: "وفيات الأعيان" (٤/ ٢٧٨)، "تاريخ الإسلام" (٦/ ٦١٧).
(٢) "الأنساب" (٢/ ٣٦١).
(٣) "الأنساب" (٣/ ٤١).
(٤) "تذكرة الحفاظ" (٢/ ١٥٤).
(٥) "تذكرة الحفاظ" (٢/ ١٥٤).
(٦) "تاريخ الإسلام" (٦/ ٦١٧).
(٧) "تاريخ الإسلام" (٦/ ٦١٧).
[ ١ / ١٥ ]
وقال ابن عبد الهادي: (وترمذ بالكسر هو المشهور) (^١).
قلت: الراجح أنها بكسر التاء والميم، وذلك لأمرين:
الأول: ما قاله السمعاني هنا: (والذي نعرفه فيه -يعني في هذه البلدة- كسر التاء والميم جميعا)، فعلى هذا تسمية أهل هذه البلدة لبلدهم ترمذ بفتح التاء وكسر الميم هو حادث، وأنَّه قديما كانت بكسر التاء والميم كما تقدم.
الثاني: ما قاله ابن دقيق العيد - كما سبق -: (ترمذ بالكسر، وهو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر)، وما قاله ابن عبد الهادي: (بالكسر، هو المشهور).
وأما من قال بضم التاء والميم، فهذا لم أقف على أحد قاله إلا أبو إسماعيل الهروي، ويجاب عن هذا بما تقدم من قول السمعاني: (والذي كنا نعرفه قديما فيه … الخ).
والذي يظهر أن أجداد الترمذي رحلوا إلى هذه البلاد البعيدة لكونهم خرجوا في الجهاد، كما خرج غيرهم كثير لذلك، فأقاموا فيها، والله أعلم.
* * *
وأما كنيته: فأبو عيسى بالاتفاق.
وقال مغلطاي: (وزعم ابن دحية في الكتاب المسمى بـ "المستوفى في أخبار المصطفى ﷺ " أنه يعرف - أي: الترمذي - بابن الدهان) (^٢).
وهذا غريب، ولم أقف على من سبقه إلى ذلك، كما أنه لم يذكر من أين أخذ ذلك.
_________________
(١) "طبقات علماء الحديث" (٢/ ٣٤٠).
(٢) "جامع الأصول" (١/ ١٩٣)، "إكمال تهذيب الكمال" (١٠/ ٣٠٥).
[ ١ / ١٦ ]
وأما ولادته:
فذكر ابن الأثير أنه: (ولد سنة تسع ومئتين) (^١)، وإن كان ابن الأثير لم يذكر دليله على ذلك، ولكن مثل ابن الأثير في مكانته العلمية لا يمكن أن يجزم بذلك إلا وقد وقف على نقل فيه، وأما قول الذهبي: (ولد سنة بضع ومئتين) (^٢) فهذا تقدير منه على حسب وفيات شيوخه الذين سمع منهم، لذا قال في موضع آخر: (ولد في حدود سنة عشر ومئتين) (^٣).
وكان مبصرا، قال أحمد بن عبد الله بن داود: (سمعت أبا عيسى الترمذي يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ فسألت عنه فقالوا: فلان، فرحت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي وإنما حملت معي في محملي جزأين غيرهما شبههما، فلما ظفرت به سألته السماع فأجاب، وأخذ يقرأ من حفظه، ثم لمح فرأى البياض في يدي، فقال: ما تستحيى مني؟! فقصصت عليه القصة، وقلت له: إني أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأته عليه على الولاء، فقال: هل استظهرت قبل أن تجيء إلي؟ قلت: لا، ثم قلت له: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثا من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فقرأت عليه من أوله إلى آخره، فقال: ما رأيت مثلك!) (^٤).
لذا قال يوسف بن أحمد البغدادي الحافظ: (أضرَّ أبو عيسى في آخر عمره) (^٥).
وقال عمر بن عَلَّك: (بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين) (^٦).
_________________
(١) "جامع الأصول" (١/ ١٩٣).
(٢) "تاريخ الإسلام" (٦/ ٦١٧).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧١).
(٤) انظر: "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٩).
(٥) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٦٩).
(٦) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٧ ]
وأما وفاته:
ففيها أربعة أقوال:
١ - سنة خمس وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (^١).
٢ - سنة نيف وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (^٢).
وهذان القولان ليس بينهما اختلاف كما هو معلوم، فتكون وفاته عند السمعاني سنة خمس وسبعين.
٣ - ليلة الاثنين، لثلاث عشرة خلت من رجب، سنة تسع وسبعين ومئتين. كذا قال غنجار (^٣)، وأبو العباس جعفر بن المعتز المستغفري (^٤)، وابن ماكولا (^٥)، واقتصر عليه المزي (^٦)، وجزم به ابن الأثير (^٧)، وصححه ابن كثير (^٨).
وأنا أذهب إلى هذا، وما خالفه من الأقوال فليس بصحيح.
٤ - مات بعد الثمانين ومئتين. قاله الخليلي (^٩).
وأما مكان وفاته:
فقال غنجار: (في ترمذ) (^١٠)، وقال السمعاني: (مات بقرية بوغ) (^١١). ولا تعارض بينهما، فـ "بوغ" قرية من قرى "ترمذ".
_________________
(١) "الأنساب" (٢/ ٣٦٢).
(٢) "الأنساب" (٣/ ٤٣).
(٣) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧).
(٤) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٢).
(٥) "الإكمال" (٤/ ٣٩٦). "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧).
(٦) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٢).
(٧) "الكامل" (٦/ ٤٧٤).
(٨) "البداية والنهاية" (١٤/ ٦٤٩).
(٩) "الإرشاد" (٣/ ٩٠٥).
(١٠) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧).
(١١) "الأنساب" (٢/ ٣٦٢).
[ ١ / ١٨ ]
الفصل الثاني في رحلاته
ارتحل أبو عيسى في طلب الحديث إلى عدة بلدان، فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام، كما تفيده بعض كتب التراجم.
أولًا: بداية رحلته:
في حاشية المزي عند ترجمته لأحمد بن عبيد الله بن سهيل أن رحلة الترمذي كانت بعد الأربعين ومئتين، قاد المزي: (ذكر أبو القاسم في "الشيوخ النبل" أن الترمذي روى عنه أيضا، وذلك وهم منه، إنما روى عن الذي بعده، وهو السليمي فإن رحلته كانت بعد الأربعين) (^١).
وهناك من تعقب المزي بأن للترمذي شيوخا قد توفوا قبل المائتين وأربعين، وبالتالي تكون رحلته قبل ذلك.
والجواب عن ذلك أن بعض من ذكر اختُلف في وفاته، وبعضهم ليس من شيوخه أصلا، كعلي بن الحسن بن سليمان الواسطي المتوفى سنة (٢٣٧ هـ)، وأما البعض الآخر فإنهم وإن توفوا قبل المائتين وأربعين إلا أن بعضهم من (بلخ)، وبلخ قريبة من (ترمذ) فلا يكون الذهاب إليها رحلة منه، ويؤكد ذلك أنه لو رحل قبل الأربعين لسمع من جمع ممن توفي قبل ذلك، وليس الواحد أو الاثنين.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (١/ ٤٠١).
[ ١ / ١٩ ]
نعم إسحاق بن إبراهيم بن راهويه من شيوخه المشهورين، وكانت وفاته قبل الأربعين، وكذلك أحمد بن محمد بن موسى السمسار المرُّوذي، فإن كان ثمة دليل على ما تقدم فهو هذا، ومع ذلك يبقى في النفس شيء لما تقدم، والله تعالى أعلم.
ثانيًا: البلدان التي رحل إليها:
١ - بلخ: لأن جمعا من شيوخه منها.
٢ - خراسان: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: (… وبخراسان من علي بن حجر، ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن يحيى النيسابوري، في خلق كثير) (^١).
ومن مدن خراسان:
٣ - مرو: لأن جمعا من شيوخه منها، كإسحاق بن راهويه، ومحمود بن غيلان.
٤ - والري: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: (… وبالري من أبي زرعة الرازي) (^٢).
٥ - بخارى: لإكثاره عن البخاري، وملازمته له.
٦ - سمرقند: قرأ يوسف بن أحمد البغدادي بخط المؤتمن بن أحمد الساجي: (زاد أبو عيسى "العلل" بسمرقند) (^٣).
وهذا ليس فيه دلالة على أنه ذهب إليها في رحلته.
٧ - البصرة، وواسط، والكوفة، وبغداد، والحجاز: قال ابن نقطة:
_________________
(١) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٦).
(٢) المصدر السابق (ص: ٩٦).
(٣) المصدر السابق (ص: ٩٩)، أي: زادها على كتابه "الجامع" في آخره.
[ ١ / ٢٠ ]
(سمع بالحجاز من محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وبالبصرة من محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن علي بن بحر بن كثير الفلاس وغيرهم، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن الحسن، وبالكوفة من أبي كريب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وعبيد بن أسباط، وعلي بن المنذر الطريقي، في آخرين، وببغداد من الحسن بن الصياح، وأحمد بن حسان بن ميمون، وأحمد بن منيع، ومحمد بن إسحاق الصاغاني) (^١).
ثالثًا: ما ذكر من البلدان التي لم يدخلها:
١ - مصر والشام: قال الذهبي: (ارتحل، فسمع بخراسان، والعراق، والحرمين، ولم يرحل إلى مصر، والشام) (^٢).
٢ - بغداد: قال أحمد شاكر: (لا أظنه دخل بغداد، إذ لو دخلها لسمع من سيد المحدثين وزعيمهم: الإمام أحمد بن حنبل، ولترجم له الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد) (^٣).
ورد هذا الأستاذ أكرم ضياء العمري، وجزم بأن الترمذي دخل بغداد، واستدل على ذلك بقول ابن نقطة السابق، بالإضافة إلى روايته عن (ثمانية وثلاثين) شيخا من بغداد، وذكر أن كونه لم يرو عن الإمام أحمد فهذا لا يدل على عدم دخوله بغداد (^٤)، بل يدل على أن دخوله بغداد كان بعد وفاة الإمام أحمد، ويؤكد هذا أن كل من روى عنهم الترمذي من بغداد - وهم
_________________
(١) "التقييد" (ص: ٩٦).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧١).
(٣) مقدمة تحقيق "جامع الترمذي" (١/ ٨٣).
(٤) خاصة وأن الإمام أحمد قد امتنع من التحديث قبل وفاته بمدة، مع أنه ينبغي أن يعلم أن حديث أحمد في الكتب ليس كثيرا، ومثله يحيى بن معين وعلي بن المديني، مع كونهم سمعوا مئات الآلاف من الأخبار والآثار.
[ ١ / ٢١ ]
ثمانية وثلاثون - ليس فيهم من توفي سنة (٢٤١ هـ)، بل أقدم من روى عنهم من البغداديين توفوا سنة (٢٤٣ هـ)، ويؤكده أيضا أن كل من توفي من البغدادين سنة (٢٤٠ هـ) فإنه روى عنهم بواسطة، وعددهم ثمانية.
وأما كون الخطيب البغدادي لم يترجم له فإن الأغلب أنه ترجم له، ولكن ترجمته سقطت من الطبعة الحالية كما سقطت تراجم أخرى (^١).
_________________
(١) "تراث الترمذي العلمي" (ص: ٩ وما بعدها).
[ ١ / ٢٢ ]
الفصل الثالث في شيوخه وتلاميذه
سمع أبو عيسى من جمع كبير، وقد أحصى بعض الباحثين شيوخه الذين روى عنهم فبلغوا أكثر من مائتين، ولا يخفى أنه لا يلزم من ذلك أن يكون فقط هؤلاء الذين سمع منهم، فقد قال ابن حبان: (ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخا أقل أو أكثر، ولعل معول كتابنا يكون على نحو من عشرين شيخا ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم) (^١).
قال المزي: (طاف -يعني: أبا عيسى- البلاد، وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم، وقد سميناهم في مواضعهم من كتابنا هذا) (^٢). ولم يذكرهم في ترجمته، وقد أفردهم بعض أهل العلم، ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن معاوية الأنصاري الدّروقي الأطروش، له جزء في تسمية شيوخ أبي عيسى التّرمذي في مصنّفه.
نقل ابن الأبَّار نصًّا نادرا من كتاب أبي محمد الدروقي في تسمية شيوخ الترمذي، أثناء الكلام عن شيخ للترمذي اسمه (عيسى بن أحمد)، قال الحافظ الدَّرَوْقِي الأطروش: (عيسى بن أحمد بن وردان، أبا يحيى البلخي، كذا سمَّاه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" له، في باب أبي يحيى،
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (١/ ٢١٥).
(٢) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥١).
[ ١ / ٢٣ ]
أولا: أجل شيوخه
أخبرني به أبو علي الصدفي) (^١) قلتُ: (عيسى بن أحمد) من شيوخ الترمذي روى عنه في موضعين من "جامعه" برقم: (١٤١٣) (٢٠٧٧). يقول في كليهما: حدثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا ابن وهب.
وهؤلاء الشيوخ -كما سوف يأتي- فيهم الحفاظ الكبار، وفيهم من دون ذلك، وفيهم الفقهاء الأعلام، وفيهم من سوى ذلك، وإليك التفصيل في هذا:
أولا: أجلّ شيوخه: إسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، وأبو حفص الفلاس، والدارمي، والبخاري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج (روى له حديثا واحدا في كتابه "الجامع"، وسيأتي)، وأبو داود السجستاني - وهو من أقرانه، فليس بين ولادتيهما إلا بضع سنوات، ولكن أبا داود بكَّر بالسماع قبل أبي عيسى - (روى له في ثلاثة مواضع، أحدها مكرر، كما سيأتي).
ثانيا: شيوخه الذين استفاد منهم أكثر من غيرهم:
وهؤلاء يمكن أن يقسموا إلى قسمين من حيث الاستفادة:
الأول: الذين استفاد منهم بالإكثار من روايته عنهم، والسماع منهم، وسوف يأتي الكلام عنهم.
والثاني: الذين استفاد منهم في الصناعة الحديثية والنقد، وتخرج بهم، وعلى رأسهم البخاري والدارمي وأبو زرعة، وقد قال في "العلل الصغير": (وما كان فيه -أي: كتاب "الجامع"- من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا
_________________
(١) "معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي" (ص: ٢٥٤).
[ ١ / ٢٤ ]
زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة).
وأكثر من استفاد منه محمد بن إسماعيل، وقد قال: (ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل) (^١).
وسوف يأتي فصل خاص بذلك.
واستفادته من هؤلاء الثلاثة تدل على أمرين:
الأول: أنه يرى أن هؤلاء الثلاثة من أعلم الناس بالصناعة الحديثية في عصرهم، وقد نص على هذا بالنسبة للبخاري.
الثاني: أن هذا يفيد كثرة ملازمته لهم، واختصاصه بهم.
ويلاحظ أنه اجتمع بغيرهم من كبار الحفاظ، ولكن لم يذكر أنه ذاكرهم في الصناعة الحديثية، كأبي حفص الفلاس، ومحمد بن يحيى الذهلي - وقد أكثر عنه، والجوزجاني، نعم روى عن أبي حفص الفلاس خبرا عن يحيى بن سعيد القطان، فقال: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: حدثني يحيى بن سعيد القطان، قال: أنبأنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلُها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل". قال عمرو بن علي: قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر) (^٢).
ويلاحظ أنه مع اختصاصه بأبي زرعة لم يذكر أنه سمع من أبي حاتم الرازي، وكذلك لم يرو عن أبي بكر الأثرم، ولا يعقوب بن شيبة، ولا محمد بن مسلم بن وارة، وأحمد ابن أبي خيثمة، وغيرهم، مع أنهم من كبار الحفاظ.
_________________
(١) (٥/ ٩).
(٢) "الجامع" (٣/ ٤٥٩). (٢٦٩٩).
[ ١ / ٢٥ ]
ولم يرو كذلك عن العجلي، ولعل السبب في عدم روايته عنه أنه في فتنة خلق القرآن رحل إلى المغرب.
ثالثًا: أقدم شيوخه وفاةً:
والفائدة من ذلك معرفة متى بدأ أبو عيسى بالسماع هل بكر أو تأخر في طلبه للعلم، وغير ذلك من الفوائد كما سوف يأتي، مع ملاحظة أنه لا يلزم من قدم وفاة الشيخ أن يكون أكبر شيوخه، أو أول من سمع منه؛ لأنَّه قد تتقدم وفاة الشخص، ولا يكون كبيرا، وقد يعمر فتتأخر، وقد يبكر في السماع من أناس وتتأخر وفاتهم، وبالعكس فقد يتأخر سماعه من آخرين، وتتقدم وفاتهم.
١ - صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي (ت ٢٣١ هـ أو بعدها كما سوف يأتي).
٢ - أحمد بن محمد بن موسى السمسار المروزي (قيل توفي ٢٣٥ هـ، وقيل بعد ذلك) (^١).
٣ - محمد بن عمرو السواق البلخي (ت ٢٣٦ هـ).
٤ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).
٥ - محمود بن غيلان المروزي (ت ٢٣٩ هـ)، وقيل: سنة (٢٤٩ هـ)، والخلاف قوي، فإذا قيل: إن الأول هو قول الجمهور، وإن البخاري والنسائي قد نصا على أن وفاته كانت في رمضان من سنة (تسع وثلاثين ومئتين)، فإن الثاني وإن كان تفرد به محمد بن حمدويه المروزي إلا أنه ذكر تفصيلا يدل على تأكده مما قال، ثم هو بلديه أيضا، فقال: (خرج محمود إلى الحج سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتوفي لعشر بقين من ذي القعدة سنة تع وأربعين ومائتين).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٥)، حاشية "تهذيب الكمال" (١/ ٤٧٤).
[ ١ / ٢٦ ]
٦ - يحيى بن موسى البلخي (ت ٢٤٠ هـ).
٧ - محمد بن نجيح السندي، ابن أبي معشر (ت ٢٤٧ هـ)، وهو معمر لأنَّه قد قارب المئة عندما توفي (^١).
أما صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي فقد ذكر ابن حبان أنه توفي سنة (٢٣١ هـ)، ومثله عبد الباقي بن قانع، ولكن خالفهما من هو أولى منهما، فقد قال البخاري: (مات سنة بضع وثلاثين ومائتين أو نحوه بمكة)، وقال البغوي: (مات سنة تسع وثلاثين ومائتين)، ومثله أحمد بن محمد بن بكر.
وأما القول بأن محمد بن جعفر السمناني هو أقدمهم وفاةً، وأنَّه توفي سنة (٢٢٠ هـ) فهذا اعتمادا على ما ذكره ابن حجر في "التقريب"، ويظهر أنه سبق قلم من الحافظ ابن حجر؛ لأنَّه موجود بخطه كذلك، لذا لما ترجم له في "تهذيب التهذيب" لم يذكر وفاته، ومثله المزي في "تهذيب الكمال"، وذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" فيمن توفي ما بين (٢٤١ هـ) وبين (٢٥٠ هـ).
والخلاصة أن أقدمهم وفاة هو محمد بن عمرو السواق البلخي؛ لأن أحمد بن محمد السمسار مختلف في وفاته كما تقدم، بخلاف السواق.
وبناء على ما تقدم فالذي يظهر أن الترمذي قد تأخر طلبه للعلم، وذلك لتأخر وفاة كبار شيوخه، بخلاف شيخه البخاري، فإنه بدأ بالطلب وعمره نحو عشر سنوات، فقد روى الخطيب البغدادي من طريق الفربري، عن محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت
_________________
(١) وهناك من ذكر أن من شيوخه علي بن الحسن بن سليمان الواسطي (ت ٢٣٧ هـ)، وهو خطأ، فإن الترمذي لم يرو عنه، وإنما روى عنه مسلم وابن ماجه.
[ ١ / ٢٧ ]
حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقاد: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة) (^١).
ومثله أبو داود السجستاني، فإنه قد قال: (وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين، وسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا، ودخلت البصرة وهم يقولون: مات أمس عثمان المؤذن، وسمعت من سعدويه مجلسا واحدا، ومن عاصم بن علي مجلسا واحدا، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئا) (^٢)، لذا كان من أقدم شيوخه مسلم بن إبراهيم الأزدي (ت ٢٢٤ هـ).
وإذا تقرر ذلك فقد يستفاد منه أنه لم يكن أحد من أسرته كان من أهل العلم، كأبيه أو إخوته - مثلا - ممن هم أكبر منه، وإلا لبكر في طلب العلم - والله تعالى أعلم -.
رابعًا: أكبر شيوخه سنا:
عبد الله بن معاوية الجمحي، قال موسى بن هارون: توفي سنة (٢٤٣ هـ).
وقال ابن حبان: (مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل).
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٤).
(٢) "تاريخ بغداد" (١٠/ ٧٥).
[ ١ / ٢٨ ]
قال أبو عيسى الترمذي: (هو رجل صالح)، وقال: (وقال لنا عباس العنبري: اكتبوا عنه فإنه ثقة) (^١).
وقال الحسن بن أحمد بن الليث: (رأيت عبد الله بن معاوية الجمحي وكانت له مائة سنة، وزيادة على عشرة) (^٢).
قلت: وهذا يفيد أنه ولد بعد سنة ثلاثين ومائة، والأقرب عندي أنه ولد نحو سنة أربعين ومائة أو بعدها؛ لأني لم أقف على أحد من شيوخه مات قبل الستين ومائة، وإنما بعدها، فلو ولد بعد الثلاثين ومائة لكان روى عمن مات قبل الستين ومائة، وإن كان هذا ليس بلازم، والله تعالى أعلم.
فهذا قد يكون أكبر شيوخ أبي عيسى سنًّا.
ومثله علي بن حجر السعدي، مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وقد قارب المائة أو جاوزها، وعلى هذا تكون ولادته بعد الأربعين ومائة، ولكن قيل: إنه ولد سنة مائة وأربعة وخمسين، والله تعالى أعلم.
خامسًا: الشيوخ الذين أكثر من الرواية عنهم:
منهم: ابن أبي عمر، ومحمد بن بشار، وأحمد بن منيع، وعلي بن حجر المروزي، وإسحاق بن موسى الأنصاري.
ودون هؤلاء طبقة ثانية، منهم: محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الله بن سعيد الأشج، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن محمد بن موسى السمسار، وأبو عمار الحسين بن حريث، ونصر بن علي الجهضمي.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٤٣٧)، وينظر: هامش التحقيق ط. دار التأصيل لـ"الجامع".
(٢) "تاريخ الإسلام" (٥/ ١١٦٢).
(٣) "الجامع" (٢/ ٨٤) (٦٩٥).
[ ١ / ٢٩ ]
ودون هؤلاء طبقة ثالثة، منهم: الدارمي، وسفيان بن وكيع، ويحيى بن موسى، والحسن بن علي الخلال، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن حميد الرازي.
سادسًا: شيوخه الذين روى عنهم في كتابه "الجامع" وهم من أصحاب الكتب الخمسة:
على رأسهم البخاري، وقد روى عنه أحاديث عديدة.
وروى عن مسلم حديثا واحدا، فقال في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ "أحصوا هلال شعبان لرمضان") (^١).
وروى عن أبي داود ثلاثة أحاديث:
١ - قال ﵀: (وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال: "إن حبك إياها يدخلك الجنة".
حدثنا بذلك أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا مبارك بن فضالة بهذا) (^٢).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجزي، قال: حدثنا قطن البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع") (^٣).
_________________
(١) "الجامع" (٢٦/ ٤) (٣١٤١)، وهذا وقع في بعض النسخ دون بعض.
(٢) "الجامع" (٤/ ٤٣٦) (٣٩٤٩).
(٣) "الجمع" (٤/ ٥٢٦) (٤١٣٤).
[ ١ / ٣٠ ]
٣ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي") (^١).
وأما من بقي وهما النَّسَائِي وابن ماجه فلم يرو عنهما شيئا؛ لأن النَّسَائِي أصغر منه، وأما ابن ماجه فقد ولد في نفس السنة التي ولد فيها أبو عيسى فهو من أقرانه.
سابعًا: جمعه بين قتيبة وهناد:
كثيرا ما يجمع أبو عيسى بين قتيبة بن سعيد وهناد بن السري، (ينظر حديث: ٣، ٥، ١٧، ٣٨، ٤٢، ٤٦، ٤٨، ٤٩، ٧٠، ٧٤، ٨٦، ٩٩، ٣٥٣، ٥١٣)، والحديث الأول ساقه أولًا عن قتيبة عن أبي عوانة، ثم ساقه عن هناد عن وكيع عن إسرائيل، كلاهما (أبو عوانة وإسرائيل) عن سماك به.
ثامنًا: شيوخه من ترمذ وبلخ:
وفائدة ذلك معرفة متى بداية سماعه الحديث، وطلبه للعلم. لأنَّه من المعلوم أن الشخص أول ما يبدأ بالسماع من أهل بلده، ثم من يليهم، كما أن كثرة شيوخه من بلده وما حوله يدل على اهتمامه بطلب العلم.
شيوخه من ترمذ: صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي، والجارود بن معاذ السلمي، وأحمد بن الحسن بن الجنيدب الترمذي، وموسى بن حزام الترمذي، وهريم بن مسعر الأزدي الترمذي، ومحمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه، ومحمد بن إسماعيل بن يوسف الترمذي، ومكتوم بن العباس أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي.
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٣٢).
[ ١ / ٣١ ]
شيوخه من بلخ
شيوخه من بلخ: محمد بن عمرو السواق البلخي، وأبو داود سليمان بن سلم البلخي، ومحمد بن أبان البلخي، وعبد الرحيم بن حازم البلخي، والحسين بن محمد الجريري البلخي.
وبلخ ليست بالبعيدة عن ترمذ، وقد كانتا من حواضر العلم.
تاسعًا: شيوخه المتكلم فيهم:
الغالب على شيوخ أبي عيسى أنهم ثقات، ولكنه قد روى عن بعض من تُكلِّم فيه، والسبب في تخريجه لهم أنه لم يقتصر في هذا الكتاب على الصحيح، وإنما أراد أن يبين المشهور من الغريب، والصحيح من المعلول، فلذا خرّج لهؤلاء الشيوخ، كما أنه خرّج لرواة قد اتهموا بالكذب، وأحاديث معلوم أنها باطلة، وكل ذلك داخل في مقصده من هذا الكتاب، وقد بين ذلك بيانا واضحا، فأبرأ ذمته، بخلاف النَّسَائِي مثلا؛ فإن كل شيوخه ثقات، وغالب أسانيده صحيحة؛ لأنَّه إنما قصد الصحيح.
وعلى رأس شيوخ أبي عيسى المتكلّم فيهم:
١ - محمد بن حميد الرازي، وقد خرّج له في نحو من عشرين موضعا، وهو من الحفاظ، ولكنه قد اتُّهم:
أ - فكان يدّعي سماع ما لم يسمع.
ب - كما أنه كان يركب الأسانيد، نعم لم يضع متونا.
ج - وكان يكون في كتابه شيء منقول، فإذا قيل له: ليس هو هكذا، غَيَّره على ما قيل له.
والراجح في حاله أنه لا يحتج به، وأمره لم يخفَ على أبي عيسى، فقد قال: (وحين رأيته - يعني: البخاري - كان حسن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (^٢).
_________________
(١) أي: حسن غريب.
(٢) "الجامع" (١/ ٥٧٨) (٥٢١).
[ ١ / ٣٢ ]
لذا لم يصحح شيئا مما خرّجه له من أحاديث، بل استغربها كلها، مع قوله في بعضها: (حسن) (^١)، سوى حديثين أطلق الحكم بحسنهما، فقال: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، والعباس بن محمد الدوري، قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن) (^٢).
ويلاحظ في هذا الخبر أنه قرن محمد بن حميد بالعباس الدوري، وهو ثقة حافظ.
وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "اكتحلوا بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، وزعم أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.
حدثنا علي بن حجر ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور نحوه.
وفي الباب عن جابر، وابن عمر.
حديث ابن عباس حديث حسن، لا نعرفه على هذا اللفظ، إلا من حديث عباد بن منصور) (^٣).
قلت: وهذا قد توبع عليه؛ ولكنها متابعة قاصرة.
وهناك حديث ثالث نقل قول البخاري فيه بأنه حسن، فقال: (حدثنا
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٧٢) (١٨٦٦، ١٨٦٧).
(٢) "الجامع" (٣/ ٦٦) (١٨٥١).
(٣) "الجامع" (٤/ ٥٠١) (٤٠٨٥).
[ ١ / ٣٣ ]
محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد اللّه بن نوفل، قال: رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه.
قال محمد بن إسماعيل: حديث محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن) (^١).
قلت: هذا الحديث لم يتفرد به محمد بن حميد، لذا قال البخاري: حديث محمد بن إسحاق … الخ.
وفي بعض ما استغربه ليست الغرابة منه، إلا في خبرٍ نصَّ صراحة أنه تفرد به، فقال: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أول من صلى علي.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث شعبة، عن أبي بلج إلا من حديث محمد بن حميد) (^٢).
٢ - سفيان بن وكيع الرؤاسي، وهو صدوق، ولكنه ابتلي بوراق كان يدخل في حديثه ما ليس منه، فتُكلم فيه من أجل هذا (^٣)، وقد أكثر عنه في كتابه "الجامع"، حتى بلغ ما روى عنه نحو خمسين - أو ثلاثة وخمسين - حديثا، وقد تتبعت بعض هذه المرويات فوجدت بعضها مستقيما، لذا صحح أبو عيسى جزءا منها، والبعض الآخر العلة ليست منه، وهذا يفيد أن أبا عيسى كان ينتقي حديث شيوخه، لذا لم يخرّج عنه فيما يظهر إلا ما كان من حديثه، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٤/ ٢٣١)، "الكامل" لابن عدي (٥/ ٦٥١).
(٢) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٣٦٦).
(٣) "الجامع" (٣/ ١٥) (١٧٤٩).
[ ١ / ٣٤ ]
٣ - يحيى بن طلحة اليربوعي، قال عنه النَّسَائِي: ليس بشيء. وكذّبه علي بن الحسين بن الجنيد، وخطاه - يعني: يحيى بن طلحة - الصغاني. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يغرب عن أبي نعيم وغيره (^١).
قلت: ومثله لا يحتج به، وقد خرّج له حديثا واحدا، وجعل العلة منه، قال: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ: "إلا الدين".
… وحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد") (^٢).
٤ - محمد بن يزيد، أبو هشام الرفاعي، روى عنه أبو عيسى أحاديث عديدة، وهو من أهل القرآن والفقه، ولكنه لا يحتج به في الحديث، بل ولا يكتب حديثه؛ لأنَّه اتهم بسرقة الحديث، وفي القراءات لا يحتج به أيضا، قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه. لذا قال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه (^٣).
وصحح له الترمذي حديثين (^٤) أحدهما كرره مرتين، وهما حديثان صحيحان، أحدهما خرّجه البخاري ومسلم، والثاني خرّجه مسلم.
٥ - عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الكوفي، الهمداني، نزيل
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٧٣٥).
(٢) (٢١٢٨)، وأخرجه مسلم (٩١). (٢١٤٨، ٤٢٤٣)، وأخرجه البخاري (٣٨١٨)، ومسلم (٢٣٤٥).
(٣) "الضعفاء" لأبي زرعة الرازي (٢/ ٥١٩).
[ ١ / ٣٥ ]
بغداد، كذبه يحيى بن معين، وذلك عندما حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ "أنا مدينة العلم وعلي بابها". كما في رواية عبد الله بن أحمد وابن الجنيد، وبنحو هاتين الروايتين ما جاء عن أبي زرعة عن ابن معين.
وقال النَّسَائِي: ليس بثقة متروك الحديث.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال أبو حاتم والدارقطني - في رواية أخرى -: ضعيف.
وقال سعيد بن عمرو البرذعي، قال أبو زرعة: حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها"، كم من خلق قد افتضحوا فيه. ثم قال لي أبو زرعة: أتينا شيخًا ببغداد يقال له عمر بن إسماعيل بن مجالد فأخرج إلينا كراسة لأبيه فيها أحاديث جياد عن مجالد، وبيان، والناس فكنا نكتب إلى العصر، وقرأ علينا فلما أردنا أن نقوم قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث، فقلت له: ولا كل هذا بمرة، فأتيت يحيى بن معين، فذكرت ذلك له فقال: قل له: يا عدو الله، متى كتبت أنت هذا، عن أبي معاوية إنما كتبت أنت عن أبي معاوية ببغداد، متى روى، هذا الحديث ببغداد؟! (^١).
وأما الإمام أحمد فقال عنه: لا أراه إلا صدَق (^٢).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢١٥).
(٢) ومما يلاحظ هنا أن أقدم من نقل كلام الإمام أحمد في عمر بن إسماعيل هو ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، فقال: (أخبرنا عبد اللّه بن أحمد فيما كتب إليّ، قال: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: رأيت عُمر بن إسماعيل بن مُجَالِد، ليس بِشَيْء، كَذَّاب، رَجُلُ سُوْءٍ، خَبِيْث، حَدَّث عن أبي مُعَاوِية، عن الأَعْمش، عن مُجَاهِد، =
[ ١ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن ابن عبَّاس، عن النَّبيّ ﷺ قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، وهو حَديثٌ ليس له أَصْل. قال عبد الله: وسألت أبي عنه، فقال: ما أراه إلا صدق). وفي بعض نسخ "الجرح والتعديل" الخطية: (ما أراه إلا صدوق). والذي في "العلل" للإمام أحمد من رواية عبد الله (٣٩٠٥) -وهو مصدر ابن أبي حاتم- أن كلام الإمام أحمد جاء في حق إسماعيل والد عمر، وليس في عمر، قال عبد الله: (سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد فقال: قد كتبت عنه، كان يحدث عن الشيوخ عن أبي إسحاق وسماك وبيان، ليس به بأس، سألت أبي فقال: ما أراه إلا صدوقا). ثم قال (٣٩٠٦): (سمعت يحيى يقول: قد كنت أرى ابنه هذا عمر بن إسماعيل بن مجالد شويطرا، ليس بشيء، كاذب، رجل سوء، خبيث، حدث عن أبي معاوية بحديث ليس له أصل، كذب عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: علي مدينة العلم. أو كلام هذا معناه). وقد نقل هذا النص العقيلي في "الضعفاء" أيضا فقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كتبت عن إسماعيل بن مجالد، وليس به بأس، وكنت أرى ابنه هذا عمر بن إسماعيل شويطرا، ليس بشيء، كذاب، رجل سوء، خبيث. حدثنا عن أبي معاوية بحديث ليس له أصل، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"). ولم يذكر كلام الإمام أحمد. وأما الخطيب في "تاريخ بغداد" فلم يذكر كلام ابن معين في عمر بن إسماعيل من رواية عبد الله، وإنما ذكر تكذيبه له من رواية غيره، ولكنه ذكر الكلام في أبيه (إسماعيل) فقال (٧/ ٢١٨): (أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، ومكرم بن أحمد، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، فقال: قد كتبت عنه، كان يحدث عن أبي إسحاق، وسماك، وبيان، ليس به بأس، قال عبد الله بن أحمد: وسألت أبي، فقال: ما أراه إلا صدوقا). وعندما ترجم ابن أبي حاتم لإسماعيل، قال (٢/ ٢٠٠): (أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل -فيما كتب إلي- قال: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، =
[ ١ / ٣٧ ]
وأنا أذهب إلى قول أحمد وأنَّه لا بأس به، وذلك:
أولا: لم ينكر عليه إلا هذا الحديث كما في ترجمته.
ثانيا: أن هذا الحديث لا شك أنه باطل؛ وذلك لأنَّه يخالف أصل الرسالة، فهو ﵊ أرسِل لجميع الخلق من الإنس والجن، وأمِر أن يبلغهم عن ربه ﷿ البلاغ المبين، لذا كان ﷺ في الاجتماعات العظيمة يستشهد الناس على تبليغه لهم، فهذا الحديث المزعوم يخالف ذلك؛ لأنَّه يفيد أن من أراد الوحي والدين فعليه أن يأتي إلى علي ﵁ لأنَّه هو الباب، ومن المعلوم بالضرورة أنه ﵊ لم يخص عليا بشيء إلا بنبذ عهود المشركين فقط، فكيف لا يكون التبليغ إلا من طريقه؟! (^١).
_________________
(١) = فقال: قد كتبت عنه ليس به بأس). ولم يذكر كلام الإمام أحمد، مما يؤيد أن هناك إشكالا في نسخة ابن أبي حاتم من "العلل" في روايته عن عبد الله، وأن كلام أحمد في إسماعيل انتقل إلى ابنه عمر، والله أعلم. ويبدو أن عمدة المزي -وتبعه ابن حجر- فيما نقله عن أحمد هو "الجرح والتعديل" فيما يظهر، قال المزي (٢١/ ٢٧٦): (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: رأيت عمر بن إسماعيل بن مجالد ليس بشيء، كذاب خبيث، رجل سوء، حدث عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" وهو حديث ليس له أصل. قال عبد الله: وسألت أبي عنه، فقال: لا أراه إلا صدق). ونقل نحو ذلك ابن حجر (٧/ ٤٢٧) باختصار. ولكن قال المزي في ترجمة إسماعيل (٣/ ١٨٥): (وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما أراه إلا صدوقا). ونقل ذلك أيضا ابن حجر (١/ ٣٢٧)، وهذا مصير منهما إلى أن أحمد قال هذا الكلام في إسماعيل وفي ابنه عمر، وهذا وارد، بل هو احتمال قوي، والله أعلم.
(٢) قال أبو العباس ابن تيمية - كما في "مجموع الفتاوى" (٤/ ٤١١) -: (وأما حديث =
[ ١ / ٣٨ ]
ولكن الحمل على عمر فيه بعض الشيء؛ وذلك أنه قد توبع على هذا الحديث عن أبي معاوية، فرواه عنه: عبد السلام بن صالح الهروي، ومحمد بن جعفر الفيدي، وأحمد بن سلمة الكوفي، والحسن بن علي بن راشد (^١).
لذا فإن يحيى بن معين لم ينكر أن أبا معاوية حدث بهذا الحديث، وإنما أنكر أن يكون حدث به ببغداد كما سوف يأتي عنه.
والجواب عن هذا: أن عمر بن إسماعيل قال: (حدثا أبو معاوية)، وتقدم أن أحمد قال: (ما أراه إلا صدَق). وقد يكون شُبِّه له فأخطأ.
والذي يظهر أن أبا عيسى يقوِّيه، فقد خرّج له خمسة أحاديث (^٢)،
_________________
(١) = "أنا مدينة العلم" فاضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أنه موضوع من سائر طرقه، والكذب يعرف من نفس متنه، لا يحتاج إلى النظر في إسناده: فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية، وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة، بخلاف النقل المتواتر: الذي يحصل به العلم للخاص والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق، أو جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة، ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله ﷺ من غير طريق عليّ ﵁، أما أهل المدينة ومكة …)، ثم ذكر انتشار الصحابة ﵃ في الأقطار ونشرهم للعلم، وما اختص به كل واحد منهم دون الآخر.
(٢) ينظر: "الضعفاء" للعقيلي (٣/ ٩)، "الكامل" لابن عدي (٧/ ٥٠٥)، "تعليقات الدارقطني على المجروحين" (ص: ١٧٩)، "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩).
(٣) وهي: (٢٥٣٦) وقال: (حسن صحيح غريب)، (٢٦٨٥)، وقال: (حسن غريب)، (٣٥١٧)، وقال: (حسن غريب)، (٣٧٣٥) وقال: (حسن صحيح)، (٤٠١٩) وقال: (غريب).
[ ١ / ٣٩ ]
صحح حديثين منها (^١)، مع ملاحظة أن هذين الحديثين جاءا من طرف أخرى صحيحة.
وبهذا يجاب أيضا عمن جعل الحمل على عمر كأبي زرعة، والله تعالى أعلم.
ثالثا: أن باقي أحاديثه أو بعضها وصفت بأنها جياد.
٦ - إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي، روى عنه جمع من الحفاظ منهم الترمذي، روى له حديثا قال: (حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود".
هذا حديث حسن غريب (^٢) من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل.
ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث) (^٣).
وإبراهيم ضعيف، بل لا يكتب حديثه، لقول ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة عنه فقال: يذكر عنه أن كان يحدث عن أبيه بأحاديث، ثم ترك أباه فجعلها عن عمه؛ لأن عمه أحلى عند الناس) (^٤).
_________________
(١) (٢٥٣٦)، وينظر: "صحيح البخاري" (٣٧٢٨)، و"صحيح مسلم" (٢٩٦٦)، و(٣٧٣٥)، وينظر: "صحيح البخاري" (٦٣١٢).
(٢) في بعض الطبعات و"تحفة الأشراف" (٩٣٥٢): (غريب).
(٣) "الجامع" (٤/ ٥٣٣) (٤١٥٨).
(٤) "الجرح والتعديل" (٢/ ٨٤)، يلاحظ أن أبا زرعة لم يجزم بهذا وإنما قال: (يذكر).
[ ١ / ٤٠ ]
ولقول أبي جعفر العقيلي -بعد أن ذكر حديثا رواه إبراهيم عن أبيه عن جده عن سلمة عنه إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود … - قال: (أما قصة الإداوة والطهور فجاء عن ابن مسعود من غير وجه، وأما ما عدا ذلك فجاء عن غير ابن مسعود، فأدخل إبراهيم حديثا في حديث، ولم يكن إبراهيم - هذا - يقيم الحديث) (^١).
قلت: إن صحت القصة الأولى والثانية عنه فلا شك أنه لا يكتب حديثه.
٧ - الوليد بن شجاع بن الوليد، تُكلم فيه، والراجح أنه لا بأس به، وخرّج له حديثا واحدا، فقال: (حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".
هذا حديث حسن صحيح غريب (^٢) من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٣).
٨ - يحيى بن أكثم التميمي، وقد تُكلم فيه، خرّج له في خمسة مواضع، ثلاثة منها مقرونا بغيره (^٤)، واثنين منفردا، قال: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن
_________________
(١) "الضعفاء" (١/ ١٨٠).
(٢) في بعض الطبعات وتحفة الأشراف (١٥٣٩٧): (حسن غريب). وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٨٤) من طريق الوليد به، وقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه)، وقال أبو عيسى أيضا: (وهو حديث غرب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد).
(٣) "الجامع" (٤/ ٤٤٠) (٣٩٥٥).
(٤) وهي: (١٥١٤) (٢٠٨٠) (٢١٦٣).
[ ١ / ٤١ ]
عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على المسلمين جزية".
وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه.
وفي الباب عن سعيد بن زيد، وجد حرب بن عبيد الله الثقفي.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).
وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ.
وهذا حديث حن غريب (^٢) «^٣).
٩ - حسين بن يزيد الطحان الأنصاري الكوفي، روى عنه جمع من الحفاظ، وأخرج له الترمذي ستة أحاديث (^٤).
قال الذهبي في "الكاشف" (^٥) وابن حجر في "التقريب" (^٦): لين. تبعا
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٥٤) (٦٣٧).
(٢) في بعض الطبعات زيادة هنا، وهي: (وسألت محمدا، فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث). وهذا النص موجود في "العلل الكبير" (٢٧٩).
(٣) "الجامع" (٢/ ٥٨٩) (١٦٨٢، ١٦٨٣).
(٤) وهي: (٢٧٣٥) (٣٣٧٠) (٣٨٩٤) (٣٩٥٦، ٣٩٥٧) (٤٢٣٠).
(٥) (١/ ٣٣٧).
(٦) (ص: ١٦٩).
[ ١ / ٤٢ ]
لقول أبي حاتم، فقد قال عنه ذلك (^١)، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (^٢).
قلت: الأقرب أنه لا بأس به؛ وذلك أن كبار الحفاظ قد رووا عنه، ومنهم أبو زرعة وأبو داود، وقد عُلم عنهما أنهما لا يرويان إلا عن ثقة، كما أن مسلما روى عنه ولكن خارج "الصحيح".
وأما تليين أبي حاتم، فقد علم شدته في ذلك، بالإضافة إلى أنه جرح غير مفسّر.
١٠ - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، نزيل بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاما. وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديث لا يتابع عليها. وقال الأزدي: ضعيف جدا يتكلمون في حديثه (^٣).
صحح له الترمذي حديثا - حسب بعض الطبعات (^٤) -، وهو قد جاء من وجه آخر.
١١ - عبد الرحمن بن واقد، روى عنه جمع من الحفاظ، وجاء عن يحيى بن معين ما يدل على قوته عنده، لكن قال ابن عدي: يحدث بالمناكير ويسرق الحديث، سمعت عبدان الأهوازي يقول في حديث "من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة": (هذا حديث دحيم عن ابن أبي فديك أنه سرقه) (^٥).
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٣/ ٦٧).
(٢) (٨/ ١٨٨).
(٣) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٢٥).
(٤) هو حديث رقم (١٩٥١)، واختلفت النسخ في الحكم عليه، ففي ط. التأصيل، والرسالة (١٩٣٨): (حسن)، وفي ط شاكر وبشار (١٨٣٣)، و"تحفة الأشراف" (١١٩٥١): (حسن صحيح).
(٥) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٦٣)، وينظر: "الكامل" لابن عدي (٧/ ٢٥٥).
[ ١ / ٤٣ ]
وله ثلاثة أحاديث عند الترمذي أحدها مكرر (^١).
١٢ - محمد بن موسى الحرشي، قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه، فوهّاه وضعفه. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسَائِي: صالح، وأرجو أن يكون صدوقا. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (^٢).
قلت: الراجح أنه لا بأس به، وأما الجواب عن قول أبي داود، فإنه قد يتشدد أحيانا.
وهناك شيوخ آخرون قد تُكلم فيهم بعض الشيء بما لا يؤثر كثيرا عليهم.
عاشرًا: شيوخه غير المشهورين:
روى أبو عيسى عن بعض الشيوخ غير المشهورين، ومنهم:
١ - هريم بن مسعر الأزدي، ليس بالمشهور، روى عن أربعة، وروى عنه ثلاثة، وهم -بالإضافة إلى الترمذي-: جعفر بن محمد الفريابي، وأحمد بن عبد الله بن مالك بن إسماعيل.
وهو مقل كما يظهر من شيوخه والرواة عنه، لذا ليس فيه توثيق إلا أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، إلا أنّ رواية الترمذي مع الفريابي عنه مما يقويه، مع تصحيح الترمذي له في موضع واحد (^٣)، على خلاف بين النسخ في ذلك، ولأجل ما تقدم وثقه الذهبي (^٤)، وأما ابن حجر فقال: مقبول (^٥).
_________________
(١) وهي: (٢٣٨١) (٣٥٩٦) (٤٣٠٥).
(٢) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٥٣٠).
(٣) (٢٨١٣)، في ط. التأصيل، والرسالة (٢٨٠٠): (حسن صحيح)، وفي ط بشار (٢٦١٣): (حسن)، وفي ط شاكر (٢٦١٣): (صحيح غريب حسن).
(٤) "الكاشف" (٢/ ٣٣٥).
(٥) "تقريب التهذيب" (ص: ٥٧٢).
[ ١ / ٤٤ ]
٢ - حسين بن محمد الجريري البلخي، أخرج له خمسة أحاديث، وقرنه في اثنين منهما (^١)، وصحح له حديثا منها (^٢)، وروى عنه حديثا في "الشمائل" (^٣)، وقد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، وهذا مما يقويه.
٣ - عبد الرحمن بن الأسود الهاشمي، أبو عمرو البصري، روى له ستة أحاديث (^٤)، صحح له حديثا منها (^٥)، ومما يقويه رواية بعض الحفاظ عنه، وخاصة النَّسَائِي (^٦)، فأقل ما يقال فيه: صدوق إن لم يكن ثقة.
٤ - عيسى بن عثمان بن عيسى التميمي، روى له حديثين وصححهما (^٧)، ويظهر أنه مقل؛ فلم يُذكر له شيخ إلا عمه، ولكن روى عنه جمع من الحفاظ، منهم النسائي، وقال: صالح (^٨). فهو كما قال ابن حجر: صدوق.
٥ - أحمد بن محمد بن نِيزك بن حبيب البغدادي، أبو جعفر الطوسي، روى له حديثين (^٩)، ولم يصحح له، والعلة ليست منه، وقال عنه ابن عقدة: في أمره نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات" (^١٠)، وأنا أميل إلى قول ابن حبان؛ وذلك لأن ابن عقدة متكلم فيه، ثم لم يبين سبب جرحه له، والذي يظهر أنه مكثر؛ فقد روى عنه جمع، وفيهم عدة من الحفاظ، وعلى رأسهم أبو عيسى.
_________________
(١) وهي: (٢١٧٣) (٢٤٥٢) (٢٤٦٠)، وقرنه في: (٧٦٠) (٢٨٩٧).
(٢) (٢٤٦٠).
(٣) (٢٦٠).
(٤) وهي: (١٠٨٠) (١٤٩٦) (٣٠٦١) (٣٥٦٠) (٣٧٧١)، وواحد مقرون بغيره (٨٤٦).
(٥) رقم (١٠٨٠).
(٦) "المجتبى" (١٤٦٩).
(٧) وهما: (٣٠٨٢) (٤٠٨٧).
(٨) ينظر: "الإغراب" للنسائي (١٨٩)، "المعجم المشتمل" لابن عساكر (٢١١).
(٩) وهما: (٢٦٢٥) (٣٠٢٢).
(١٠) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٥).
[ ١ / ٤٥ ]
٦ - علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، انفرد الترمذي بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة، قال ابن حجر: مقبول.
قلت: الأقرب أنه لا بأس به إن لم يكن ثقة، وذلك لأربعة أمور:
١ - أن الترمذي روى عنه خمسة أحاديث (^١)، صحح أحدها (^٢)، وإن كان هذا الحديث من حيث الأصل صحيحا؛ لأنَّه جاء من أوجه أخرى، كما أنه نقل عنه في بيان معنى لحديث، وهذا يدل على أنه من أهل العلم.
٢ - أنه قد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، كابن خزيمة - في "التوحيد" (^٣)، وقد اشترط فيه الصحة -، والمحاملي (^٤).
٣ - أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (^٥)، وقال الخطيب: ما علمت من حاله إلا خيرا (^٦).
٤ - أنه لم يتكلم فيه أحد فيما أعلم.
٧ - بشر بن آدم ابن بنت أزهر بن سعد السمان، وقد اختلف فيه، قال أبو حاتم والدارقطني: ليس بقوي. وقال النَّسَائِي: لا بأس به. وقال مسلمة -وغالبا ما يتابع النَّسَائِي-: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٧)،
_________________
(١) وهي: (٤٨٣) (٤٧٤) (١٩١٤) (٢١٣١)، أما الحديث الخامس فلم يثبت في ط التأصيل، ينظر: الحاشية (٢/ ٦٠٣)، وهو مثبت في ط الرسالة (١٧٠١)، وط شاكر وبشار (١٦٠٩).
(٢) (١٩١٤)، في ط. التأصيل، و"تحفة الأشراف" (١١٨٨٠): (صحيح)، وفي ط. الرسالة (١٩٠١)، وشاكر وبشار (١٧٩٧): (حسن صحيح).
(٣) (٦٥٨).
(٤) ينظر: "أمالي المحاملي" (٥٣) (١١٢) (٥٢٠).
(٥) (٨/ ٤٧٤).
(٦) "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٥٧).
(٧) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٢٤).
[ ١ / ٤٦ ]
وقال الذهبي في "المغني": ثقة (^١)، وقال في "الكاشف" (^٢): صدوق.
قلت: الأقرب أنه لا بأس به، والأصل في حديثه القبول، وذلك لأمور:
١ - أن أبا حاتم مع شدته لم يقل عنه: ضعيف، وإنما قال: ليس بقوي. لذا روى عنه. ولأجل هذا وغيره لم يلتفت الذهبي إلى هذا التليين، وقواه كما تقدم.
٢ - أنه لم يُذكر له أحاديث منكرة فيما وقفت عليه.
٣ - أن ممن قواه - غير من تقدم - أبو عيسى الترمذي، فقد خرّج له أربعة أحاديث (^٣)، صحح ثلاثة منها (^٤).
وأيضا قد روى عنه أبو زرعة، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة، وابن خزيمة أيضا (^٥).
تنبيه: نقل الذهبي في كتابه "الميزان" (^٦) و"المغني في الضعفاء" (^٧) عن النَّسَائِي أنه قال: ليس بقوي. وهذا النقل في نفسي منه شيء.
٨ - مكتوم بن العباس، أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي، روى عن أبي صالح عبد الله بن صالح المصري، ومحمد بن يوسف الفريابي، روى عنه: الترمذي، قال الذهبي: لا يعرف (^٨). وقال ابن حجر: مقبول (^٩).
وخرّج له حديثا واحدا، قال: (حدثني أبو الفضل مكتوم بن العباس،
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٦٥).
(٢) (١/ ٢٦٧).
(٣) وهي: (١٠٥٦) (٢٤٦٤) (٥٤٦) (٤٣١٥).
(٤) وهي: (١٠٥٦) (٥٤٦) (٤٣١٥).
(٥) ينظر: "صحيح ابن خزيمة" (٢٣٠٤).
(٦) (١/ ٢٩٥).
(٧) "المغني" (١/ ١٦٥).
(٨) "ميزان الاعتدال" (٤/ ٣٧٨).
(٩) "تقريب التهذيب" (ص: ٥٤٥).
[ ١ / ٤٧ ]
قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: "هل ترك لدينه من قضاء؟ "، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين وترك دينا علي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد رواه يحيى بن بكير، وغير واحد، عن الليث بن سعد) (^١).
كما أنه روى من طريقه بعض أقوال سفيان الثوري، فقال: (فما كان فيه من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفى، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان.
ومنه ما حدثنى به أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى، عن سفيان) (^٢).
قلت: قد عرف أبو عيسى مكتوم بن العباس، والذي يظهر أنه يقويه، ويحتج بروايته، وقد تقدم أنه صحح له الحديث الذي خرّجه عنه، وإن كان هذا الحديث قد جاء من أوجه أخرى، كما ذكر أبو عيسى، ويؤيد ما تقدم أنه قد اعتمده في أقوال سفيان الثوري، فمثله أقلّ أحواله أن يكون صدوقا لا بأس به.
٩ - محمد بن الحسين بن أبي حليمة، ليس بالمشهور، لم يُذكر أن أحدا روى عنه سوى الترمذي، روى عنه حديثا مقرونا بغيره (^٣).
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٢٨٥) (١٠٩٩).
(٢) "الجامع" (٥/ ٧).
(٣) (٣٩٨٦).
[ ١ / ٤٨ ]
١٠ - علي بن الحسن الكوفي، ليس بالمشهور، روى عنه الترمذي حديثين (^١)، وليس فيه جرح ولا تعديل، لكن قال المزي: أظنه اللاني (^٢). وهذا روى عنه النَّسَائِي (^٣)، وقال ابن حجر: صدوق (^٤).
١١ - محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري، روى عنه الترمذي (^٥)، وليس فيه جرح ولا تعديل، ويحتمل أنه محمد بن عثمان بن أبي صفوان؛ وهذا صدوق.
١٢ - محمد بن خليفة أبو عبيد الله البصري، روى عنه الترمذي حديثا واحدا (^٦).
وقد سأل الحاكمُ الدارقطنيَّ: فمحمد بن خليفة؟ قال: ثقة (^٧).
وهذا يحتمل أنه الديرعاقولي، ويحتمل أنه البصري، وهو الأقرب؛ لأنَّه تقدم أنه قال عن الأول: صدوق (^٨)، ولأن المزي -وأقره ابن حجر- لم ينقل عن الدارقطني في ترجمة الديرعاقولي إلا قوله: صدوق (^٩).
* * *
وأما تلاميذ أبي عيسى: فعَدَّ المزي منهم قريبا من الثلاثين (^١٠).
ومن أشهر تلاميذه:
_________________
(١) وهما: (٥٣٦) (٤٠٠٩).
(٢) "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٣٧٨).
(٣) ينظر: "المجتبى" (٢٣٢٤) (٢٤٢٨).
(٤) "تقريب التهذيب" (ص: ٣٩٩).
(٥) (٢٥٢٠) (٣٥٨٤).
(٦) (٣٠١٣).
(٧) "سؤالات الحاكم" للدارقطني (ص: ١٤٤).
(٨) "سؤالات الحاكم" للدارقطني (ص: ٢٧٥).
(٩) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٥/ ١٦٦)، "تهذيب التهذيب" (٣/ ٥٥٦).
(١٠) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥١).
[ ١ / ٤٩ ]
١ - أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي راوية "الجامع" (^١).
قال الذهبي: وكانت رحلته إلى ترمذ للقي أبي عيسى في خمس وستين ومائتين، وهو ابن ست عشرة سنة (^٢).
٢ - وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، صاحب "المسند" الكبير (^٣)، وراوي "الشمائل" عنه (^٤).
واقتصر الذهبي في "الكاشف" على ذكرهما (^٥).
وقال في "التاريخ": وآخر من روى حديثه عاليا أبو المنجى بن اللتي (^٦).
_________________
(١) انظر ترجمته في: "التقييد" لابن نقطة (ص: ٤٨).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٥٣٧).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٣٥٩).
(٤) المصدر السابق (١٣/ ٢٧٢).
(٥) "الكاشف" (٢/ ٢٠٨).
(٦) "تاريخ الإسلام" (٦/ ٦١٧).
[ ١ / ٥٠ ]
ثانيا: تيسير المعلومة وتوصيلها للقارئ
رابعا: دفاعه عن معتقد أهل السنة والحديث
سادسا: استخدامه لجميع المصطلحات الحديثية
الفصل الرابع في أهم ما تميز به
لقد تميز أبو عيسى بعدة مزايا منها:
أولا: تفننه في التأليف مع حسن الترتيب وقوة العرض.
ثانيا: تيسير المعلومة وتوصيلها للقارئ، حتى قال أبو إسماعيل الهروي: (كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قيل له: لم؟ قال: لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه، وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهما) (^١).
ثالثا: تمكنه من ناصية الفقه والحديث، وكتابه شاهد على ذلك.
رابعا: دفاعه عن معتقد أهل السنة والحديث، وذلك من خلال عرضه لأقوالهم فيما أورده من نصوص ترجح مذهبهم، وعدم ذكره لأقوال مخالفيهم ممن انحرف عن السنة.
خامسا: ورعه في الجرح والتعديل.
سادسا: استخدامه لجميع المصطلحات الحديثية، بل إنه استخدم مصطلحات لم تذكرها الكتب التي أُلفت في بيان فنّ مصطلح الحديث، لذا فإن طالب العلم إذا درس هذا الكتاب، وفهم مصطلحات الترمذي، تمكن من هذا الفن.
_________________
(١) "شروط الأئمة الستة" لابن طاهر (١٠١).
[ ١ / ٥١ ]
سابعا: حسن أدبه مع أهل العلم
سابعا: حسن أدبه مع أهل العلم، ويظهر هذا في عرضه لأقوال أهل العلم، فتجد أن بعضهم يقول قولا خلاف النص، فتجد أبا عيسى لا يجرح هذا القائل، وإنما يكتفي بقوله: وهذا أصح. أي: القول الموافق للحديث.
ثامنا: أنه حامل علم البخاري.
وسيأتي شرح هذه المزايا في الفصول القادمة.
[ ١ / ٥٢ ]
الفصل الخامس في أنه حامل علم البخاري
مما تميز به أبو عيسى أنه نقل كثيرا من علم محمد بن إسماعيل البخاري بعده، فهو حامل علمه، وقد استخرج منه كلاما كثيرا في نقد الرواة والأحاديث، فليس هناك مصدر لكلام البخاري - بعد كتبه - أوسع من كتب الترمذي.
قال عمر بن علك: (مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد) (^١).
وما قاله عمر بن علك ظاهر، ففي "الجامع" و"العلل" لأبي عيسى كلام كثير منقول عن البخاري.
ولهذا ميزات كثيرة سيأتي بيانها وشرحها، ومن أهمها -كما سوف يأتي-: أن للبخاري أقوالا تخالف بعض ما ذكره في كتبه، فيعتبر ما نقله أبو عيسى هو القول المتأخر.
وسأذكر هنا بعض المباحث المتعلقة بهذا الموضوع:
* * *
أولا: رواية الترمذي عن البخاري، ونقله من كتبه:
نُقُول أبي عيسى عن البخاري بعضها من كتبه رواية عنه، وبعضها أخذها منه مشافهة.
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٣).
[ ١ / ٥٣ ]
وقد روى أبو عيسى عن البخاري عدة أحاديث.
ومن كتبه التي صرح بذكرها الترمذي:
١ - كتاب "الجامع الصحيح":
اطّلع أبو عيسى على كتاب "الجامع الصحيح"، وصرح بذكره في بعض المواضع من "جامعه"، ومن ذلك:
قال ﵀: (حدثنا هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل.
وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله.
وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.
وهذا حديث فيه اضطراب.
قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن
[ ١ / ٥٤ ]
بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب الجامع. . . الخ) (^١).
٢ - كتاب "التاريخ":
اطّلع الترمذي أيضا على كتاب "التاريخ" للبخاري، واستفاد منه، بل قال في "العلل الصغير": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ") (^٢).
قال ابن رجب: (فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري، وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله - رحمه الله تعالى -، وهو جامع لذلك كله) (^٣).
وذكره أيضا في "جامعه"، فقال: (وأبو لبابة هذا شيخ بصري، قد روى عنه حماد بن زيد غير حديث، ويقال اسمه: مروان. أخبرنا بذلك محمد بن إسماعيل في كتاب "التاريخ") (^٤).
٣ - كتاب "الفوائد":
قال ﵀: (وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب، ووضعه في كتاب "الفوائد") (^٥).
وأما ما أخذه عن البخاري مشافهة فهو كثير جدا، وقد قال الترمذي في "العلل الصغير" آخر كتابه "الجامع": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد).
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٢٨٥) (١٦).
(٢) "الجامع" (٥/ ٩).
(٣) "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٣).
(٤) "الجامع" (٤/ ٤٠).
(٥) "الجامع" (٤/ ٥٠٥).
[ ١ / ٥٥ ]
ثم قال: (ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل) (^١).
ويعتبر كتابا "الجامع" و"العلل" (^٢) للترمذي المصدر الثاني لأقوال البخاري بعد كتبه، فهو من نشر علمه، ويعتبر من أجلّ تلاميذه، حتى الإمام مسلم وهو من تلاميذ البخاري لم يَرو عنه ولا حديثا واحدا في كتابه.
* * *
ثانيا: ميزات نقول الترمذي عن البخاري:
١ - أنّ في هذه السؤالات التي وجهها أبو عيسى الترمذي لشيخه البخاري كما كبيرا من المعلومات والفوائد فيما يتعلق بالعلل والصناعة الحديثية والحكم على الرواة، ولولا أن الله ﷿ يسر لأبي عيسى سؤال البخاري لما وصلتنا هذه الفوائد، كما تقدم (^٣).
٢ - أن هذه الأقوال تعتبر آخر أقوال البخاري، فإذا وقع خلاف بين أقوال البخاري فإنه يؤخذ بما جاء في "الجامع" و"العلل؛ لأن هذا يعتبر القول الأخير له، لكن ينبغي أن يلاحظ أن لأقواله التي سطرها في كتبه ميزة على غيرها؛ وذلك لأن فيها أقواله المحررة.
وأحيانا ينبه الترمذي على بعض المسائل التي يكون للبخاري فيها أكثر من قول، ومن ذلك:
قال ﵀: (وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث (^٤)، فلم
_________________
(١) "الجامع" (٥/ ٩).
(٢) مع ملاحظة أن العلل أكثره موجود في "الجامع".
(٣) له تصحيحات وتحسينات وتعليلات كثيرة في كتب الترمذي.
(٤) يشير إلى حديث: عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف قال: عبأنا النبي ﷺ ببدر ليلا.
[ ١ / ٥٦ ]
يعرفه، وقال: محمد بن إسحاق سمع من عكرمة، وحين رأيته كان حَسَن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (^١).
وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم أحوال البخاري بالنسبة إلى اجتهاداته واختياراته إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قبل أن يلتقي به أبو عيسى، فإن له أقوالا تخالف أقواله بعدما التقى به، ومن ذلك ما سبق ذكره قريبا عندما سأله عن حديث ابن مسعود عندما أمره النبي ﷺ أن يأتي له بثلاثة أحجار فأتى له بحجرين وروثة … الحديث، فهذا الحديث قد خرجه في كتابه "الجامع"، ولكن عندما التقى به أبو عيسى وسأله عن الراجح في الاختلاف الذي وقع فيه لم يحكم بشيء.
الثاني: عندما التقى به أبو عيسى.
والثالثة: بعد لقائه به إلى وفاته.
ويدل على الثانية والثالثة كلامه في محمد بن حميد الرازي المتقدم، فذكر قوله حين التقى به، وتغير قوله فيه بعد ذلك.
وهذا يفيد أن الإمام البخاري لم يزل جادا في طلب العلم ومجتهدا فيه إلى وفاته، وهذا كما حكي عن الإمام أحمد أنه قال: مع المحبرة إلى المقبرة.
لذا اشتهر عنه أنه ألف مؤلفاته ثلاث مرات، وهذا يفيد أنه في كل مرة قد يزيد وقد ينقص وقد يغير، وهذا يؤكد ما تقدم.
ومما يؤكد ذلك أنه ذكر في "التاريخ الكبير" وفيات بعض الذين ترجم لهم مع تأخرها.
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٣٢).
[ ١ / ٥٧ ]
٣ - أن هذه المادة العلمية تعتبر موثقة لأقواله التي وصلتنا من خلال كتبه، وهذا عند الاتفاق، وأما عند وجود الاختلاف فتعتبر هذه المادة كنسخة أخرى.
وقد تكون هذه النقول مما أخذه مشافهة عنه، ومن أمثلة ذلك:
قال أبو عيسى ﵀: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال بعض أهل الحديث: فقه هذا الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز مثل السماع، واحتج بأن الأعرابي عرض على النبي ﷺ، فأقر به النبي ﷺ) (^١).
قلت: وهذا قد بوب عليه البخاري في كتابه "الصحيح" (^٢)، فيكون ما نقله أبو عيسى تأكيدا لقوله وأنَّه لم يغير قوله في ذلك.
٤ - أن هذه المادة موضحة وشارحة لمنهج البخاري أكثر مما في كتابه "الجامع"، وذلك لأن منهج البخاري في كتابه إنما يؤخذ من تصرفاته وإشاراته، بينما هنا يؤخذ من نصوص أقواله، لذا كم من حديث نقل عنه أبو عيسى تصحيحه، أو تحسينه، أو تضعفيه، أو شرح، وبيان لتعليله؟
ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: مسألة السماع بين الراوي وشيخه، فقد أعل أحاديث بعدم السماع وردها بذلك، فكان كثيرا ما يقول: لا يعرف له سماع، وفي المقابل عندما يصحح الحديث في بعض الأحيان، من أجل تأكيد هذا التصحيح يقول: فلان سمع من فلان.
ومن ذلك:
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٤٥).
(٢) ينظر: "صحيح البخاري" (١/ ٢٢).
[ ١ / ٥٨ ]
١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.
وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^١).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا أبو فروة الرهاوي، عن معقل الكناني، عن عبادة بن نسي، عن أبي سعد الخير، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لم يكتب على الليل الصيام فمن صام فليتعن ولا أجر له".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أرى هذا الحديث مرسلا، وما أرى عبادة بن نسي سمع من أبي سعد الخير) (^٢).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف، وجبة صوف، وكمة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حميد بن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث، وقد روى عنه عبيد الله بن موسى. قلت له: عبد الله بن الحارث
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.
(٢) "العلل الكبير" (ص: ١١٣) (١٩٦).
[ ١ / ٥٩ ]
سمع من ابن مسعود؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^١).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة وله أربع غدائر.
سألت محمدا قلت له: مجاهد سمع من أم هانئ؟ قال: روى عن أم هانئ، ولا أعرف له سماعا منها) (^٢).
٥ - وقال أيضا: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم فقد تودع منهم".
سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^٣).
٦ - قال أبو عيسى: (قال محمد: قتادة لا أرى له سماعا من بشير بن نهيك، وبشير بن نهيك لا أرى له سماعا من أبي هريرة.
حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتاب، وقلت له: هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم) (^٤).
ونقل العلائي ما سبق عن البخاري، ثم قال: (وقد احتج هو ومسلم في كتابيهما بروايته عن أبي هريرة، والجمع بين ذلك أن وكيعا روى عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك قال: أتيت أبا هريرة
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٢٨٥) (٥٢٢).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٢٩٤) (٥٤٥).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٣٨٢) (٧١٦).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٢٠٧). (٣٦٧، ٣٦٨).
[ ١ / ٦٠ ]
بكتاب، وقلت له هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم. والإجازة أحد أنواع التحمل، فاحتج به الشيخان لذلك، وما ذكره الترمذي ليس فيه إلا نفي السماع فلا تناقض) (^١).
قلت: وما ذكره العلائي وجيه، إلا أنه يعكر على ذلك ما قاله البخاري في "تاريخه الكبير" أنه سمع (^٢).
وعلى كلا القولين فإن تحمل بشير بن نهيك عن أبي هريرة صحيح، إما أن يكون سماعا أو إجازة.
المثال الثاني: أن البخاري حكم بـ"حسن" على بعض الأحاديث وخرّجها في "صحيحه".
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (^٣).
٢ - وقال أيضا في ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد، هو حديث حسن) (^٤).
_________________
(١) "جامع التحصيل" (ص: ١٥٠).
(٢) "التاريخ الكبير" (٢/ ١٠٥).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٨٨) (١٤٣)، والحديث في "صحيح البخاري" (٣٢٣٠).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ١٤٥ - ١٤٦) (٢٥١)، والحديث في "صحيح البخاري" (١٣٤٣).
[ ١ / ٦١ ]
٤ - وقال أيضا في ما جاء في حد السكران: (قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: كأخف الحدود، فأمر به عمر) (^١).
قلت: جميع هذه الأحاديث حسنها البخاري هنا، وخرجها في كتابه "الصحيح"، وليعلم أن المتقدمين يطلقون الحسن ويريدون به أشياء، وليس شيئا واحدا كما هو حال المتأخرين الذين يطلقونه على رواية الثقة الذي خف ضبطه، فمثلا الحديث الأول: يعني بالحسن هنا الغرابة، وأن ابن عيينة تفرد به.
وعلى هذا لا يكون الحكم بحسن الحديث مخالفا للحكم بصحته.
* * *
ثالثا: ما خالف فيه الترمذيُّ البخاريَّ، أو استدركه عليه:
قد يظن ظانٌّ أن الترمذي إنما يتابع شيخه البخاري في كل شيء، وهذا غير صحيح، بل الترمذي إمام مجتهد، وقد وافق البخاري في مسائل كثيرة، ولكنه خالفه أيضا في مسائل عديدة، واستدرك عليه مسائل أخرى، فمن المسائل التي خالفه فيها:
١ - قال ﵀: (سألت محمد بن إسماعيل، عن محمد - يعني: ابن
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٢٣١ - ٢٣٢). (٤١٨ - ٤١٩)، وهو في "صحيح البخاري" (٦٧٧٣، ٦٧٧٦).
[ ١ / ٦٢ ]
فضيل - ورشدين بن كريب أيهما أوثق؟ قال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح.
وسألت عبد الله بن عبد الرحمن، عن هذا؟ فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي.
والقول عندي ما قال أبو محمد - يعني: الدرامي -، ورشدين أرجح من محمد وأقدم، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه) (^١).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.
وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^٢).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، قال: قام رجل فأثنى على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثو في وجهه التراب وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب.
وقال يزيد بن أبي زياد: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن المقداد من حديث أبي أسامة، عن زائدة، عن يزيد.
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: رواه جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد أن المقداد مرسل.
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٥٥)، وينظر تعليق المحققين.
(٢) "الجامع" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.
[ ١ / ٦٣ ]
ويروى عن يزيد، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وروى حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد.
قال محمد: وحديث يزيد، عن مجاهد مرسلا أصح.
ويزيد بن أبي زياد صدوق ولكنه يغلط.
قال أبو عيسى: وحديث حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد هو عندي أصح من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس) (^١).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام.
فسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه نظر.
قال أبو عيسى: لا يعرف عن عبيد الله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد) (^٢).
قلت: قال الترمذي في "الجامع": حسن صحيح غريب (^٣).
٥ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٣٣٠ - ٣٣١). (٦١٣).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣١٠ - ٣١١). (٥٧٨).
(٣) "الجامع" (٣/ ١٣٢). (٢٠٠٢)، وكذا هو في "تحفة الأشراف" (٦/ ١٢٥) (٧٨٢١).
[ ١ / ٦٤ ]
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ.
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه.
وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (^١).
٦ - وقال أيضا: (فسألت محمدا عن هذا الحديث أيهما أصح فقال: حديث زيد بن خالد أصح.
قال أبو عيسى: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضا؛ لأن هذا الحديث معروف من حديث أبي هريرة وفي حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة، وكلاهما عندي صحيح) (^٢).
٧ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق قال: حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا، فأشهدك أني قد تصدقت به عنها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء.
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٢٩٠). (٢٢).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣١). (١٤).
[ ١ / ٦٥ ]
وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (^٢)، وحسنه الترمذي.
* * *
ومن أمثلة ما استدركه الترمذي على البخاري:
١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال أهلي وولدي، فقالت: مالي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورَّث"، ولكني أعول من كان رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق عليه.
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعلم رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثل هذا إلا حماد بن سلمة.
قال أبو عيسى: قد رواه عبد الوهاب بن عطاء.
حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن فاطمة. . . الحديث) (^٣).
* * *
رابعا: ما توقف فيه البخاري، ورجح فيه الترمذي:
هناك أشياء توقف فيها البخاري، وأما الترمذي فترجح له بعضها على بعض، ومن ذلك:
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٧٤). (٦٧٤).
(٢) (٢٧٧٠).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٢٦٥). (٤٨٤).
[ ١ / ٦٦ ]
١ - قال ﵀: (حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني حية بن حابس التميمي، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: روى علي بن المبارك وحرب ابن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس التميمي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ.
وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال: قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال صاحب كتاب، وشيبان صاحب كتاب، ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء.
قال أبو عيسى: وكأن حديث على بن المبارك أشبه لما وافقه حرب ابن شداد) (^١).
٢ - وقال: (حدثنا إبراهيم بن سعد الجوهري والحسين بن الحسن المروزي بمكة قالا: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "من صنع إليه معروفا فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء".
هذا حديث حسن جيد غريب (^٢)، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله.
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٢٦٦). (٤٨٦، ٤٨٧).
(٢) هكذا هو في سائر نسخ الترمذي التي وقفت عليها، وفي "تحفة الأشراف" (١/ ٥١) (١٠٣): (حسن صحيح غريب).
[ ١ / ٦٧ ]
وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه) (^١).
قلت: فالترمذي هنا عرف الحديث وحكم عليه.
وتوقُّفُ البخاري في إجاباته عن أسئلة الترمذي له أمثلة متعددة، ولعل من أسباب ذلك - والله أعلم - أن سؤاله كان شفهيا، وقد يكون من أسباب ذلك أيضا تحري البخاري وتورعه.
* * *
استفادة البخاري من تلميذه الترمذي، وروايته عنه:
قال أبو عيسى: (قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعتَ بي) (^٢).
ومن أمثلة ما استفاده البخاري من الترمذي:
١ - قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وحسين بن الأسود البغدادي، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد".
سألت محمدا، قال: هذا حديث أبي كريب.
فقلت له: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة، فجعل يتعجب منه ولم يعرفه إلا من حديثه) (^٣).
قلت: وهذا كما يدخل في الاستفادة، فإنه يدخل في الاستدراك أيضا.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٢٠٠) (٢١٦٦).
(٢) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٦٩).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٣٠٣ - ٣٠٤) (٥٦٥).
[ ١ / ٦٨ ]
سئل عن الدجال فقال: "ألا إن ربكم ليس بأعور، ألا إن الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية".
سألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وقد رواه مالك وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر.
ما جاء في قتل عيسى ابن مريم ﵇ الدجالَ.
حدثنا إبراهيم عن سعيد، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم ويشهدون قتال الدجال".
سألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستحسنه جدا) (^١).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثنا محمد بن ثابت البناني، حدثني أبي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
وبهذا الإسناد عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيلكرم ضيفه. . ." الحديث.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر".
سألت محمدا عن هذه الأحاديث فلم يعرف شيئا، وقال: لمحمد بن ثابت عجائب) (^٢).
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٣٢٧). (٦٠٤، ٦٠٥).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣١٣) (٨٥٢ - ٥٨٤).
[ ١ / ٦٩ ]
وقد سمع البخاري من الترمذي بعض الأحاديث:
١ - قال بعد أن أخرج قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: "يا علي، لا يحل لأحد يُجنِب في هذا المسجد غيري وغيرك"، قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث فاستغربه) (^١).
٢ - وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة النخلة. . . الخ، قال: (هذا حديث حسن غريب.
وروى بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلا ولم يذكر فيه عن ابن عباس.
حدثني بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).
في بعض النسخ زيادة: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث.
وقال في "العلل الكبير" (^٣): (سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستغربه وسمعه مني، وذاكرت بهذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن فقال: أخبرنا مروان بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير نحو هذا الحديث، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس).
* * *
_________________
(١) "الجامع المختصر" (٤/ ٩). "الجامع" (٤/ ٤٩٩) (٤٠٧٩).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٦٩). (٣٦٠٨).
(٣) (ص: ٣٥٨). (٦٦٦).
[ ١ / ٧٠ ]
الفصل السادس في ورعه في الجرح والتعديل
مما تميز به الترمذي ورعُه في باب الجرح واقتصاده في ذلك، والدليل على ذلك كلامه في هذا الباب كما سوف يأتي، ومن أجل ذلك ظن بعض الناس أنه متساهل في هذا الباب، وهذا ليس في نقد الرواة فقط وإنما أيضا في حكمه على الأحاديث، وسيأتي بإذن الله الجواب عن ذلك.
فتجد أنه إذا تكلم في راوٍ كثيرا ما ينص على أن هذا الكلام في حفظه وحسبُ، وليس في دينه وعدالته، فلا يطلق الضعف إلا ويقيده غالبا، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه: (هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (^١).
٢ - عبد الله بن عمر العمري، قال عنه: (يضعف من قبل حفظه) (^٢)، وقال في موضع آخر: (ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث) (^٣).
٣ - إسماعيل بن مسلم المكي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٤)، وقال في موضع آخر: (قد تكلموا فيه من قبل حفظه) (^٥).
قلت: مع أن كلام الحفاظ في إسماعيل شديد، فبعضهم قال: منكر
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٢٧٥).
(٢) "الجامع" (٣/ ١٣٧).
(٣) "الجامع" (١/ ٣٤٦).
(٤) "الجامع" (٢/ ٥١٨).
(٥) "الجامع" (٢/ ١٨٦)، وزيادة: (من قبل حفظه) في بعض النسخ.
[ ١ / ٧١ ]
الحديث، وبعضهم قال: متروك، وبعضهم قال: ليس بشيء، وبعضهم قال: واه جدا، فكلامهم فيه شديد، ولم يستثن الإمام أحمد من روايته إلا ما رواه عن الحسن في القراءات (^١).
٤ - حارثة بن أبي الرجال، قال عنه: (قد تكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).
٥ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه) (^٣).
قلت: وحارثة وأبو معشر قريبان من إسماعيل بن مسلم.
٦ - زيد بن جَبيرة، قال عنه: (وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه) (^٤).
قلت: وهو متروك.
٧ - محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه) (^٥).
٨ - إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال عنه: (وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه) (^٦).
قلت: هو متروك، ولا يخفى هذا على الترمذي، وإنما هذا من تورعه فيما يظهر، فقد قال عنه البخاري: سكتوا عنه (^٧).
وربما قيد الضعف بأنه في الحديث، كما قال في موسى بن عبيدة
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ١٦٧).
(٢) "الجامع" (١/ ٤٢٧).
(٣) "الجامع" (٣/ ٢٥٣).
(٤) "الجامع" (١/ ٤٨٥).
(٥) "الجامع" (١/ ٤٩٣).
(٦) "الجامع" (٢/ ١٥٢).
(٧) "التاريخ الكبير" (١/ ٣٣٦).
[ ١ / ٧٢ ]
الربذي، قال: (يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق) (^١).
قلت: أي صدوق في نفسه (^٢).
وربما استخدم عبارة "يضعف في الحديث"، وهي عبارة لينة في حق بعض المتروكين، أو شديدي الضعف، ومن ذلك:
١ - أشعث بن سعيد، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٣).
٢ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٤).
٣ - حسين بن قيس الرحبي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٥).
٤ - محمد بن عبيد الله العرزمي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٦).
قلت: وهؤلاء كلهم متروكون.
ومثل قوله: "يضعف في الحديث": (ليس بالقوي في الحديث)، وقد وجدت له أربعة رواة استعمل فيهم هذا الحكم، وهم:
١ - بشر بن رافع، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٧).
قلت: هو ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث منكرة.
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٣٤٥).
(٢) أحيانا قد يطلق الضعف، ولكن يذكر من قوى الراوي، أو أثنى عليه، ونحو ذلك، وهذا يدخل فيما تقدم التنبيه عليه.
(٣) "الجامع" (١/ ٤٨٤)، (٤/ ٦٢).
(٤) "الجامع" (٢/ ١٠١).
(٥) "الجامع" (٢٤١٦) ط. بشار.
(٦) "الجامع" (٢/ ٤٤١).
(٧) "الجامع" (٢/ ٢٥٩).
[ ١ / ٧٣ ]
٢ - أبو جناب يحيى بن أبي حية، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^١).
٣ - سهيل بن عبد الله بن أبي حازم القطعي، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٢).
٤ - عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^٣).
قلت: وهو منكر الحديث، واهي الحديث، وقد حدث بحديث باطل، وهو حديث السوق.
هذا كل ما وجدت له من خلال البحث في الحاسوب ممن قال عنهم: "ليس بالقوي في الحديث".
ويلاحظ في هذه الأمثلة أن التقييد هو الأكثر، وهذا من ورعه كما تقدم، مع أنه يلاحظ على استعمالات الأئمة لهذه العبارة: (ليس بالقوي) أنهم يطلقونها ولا يقيدونها، وذلك لأن المقصود معروف، وهو عدم القوة في الحديث؛ فلذا لم يحتاجوا إلى تقييدها، وتقييد الترمذي لهذه العبارة إنما هو لورعه.
ويؤيد هذا أن بعض من قال عنهم ذلك من المتروكين أو ضعفهم ظاهر، كعمرو بن دينار قهرمان ابن الزبير، وبشر بن رافع.
ويوضح ما تقدم بصورة أوضح وأظهر قوله في "العلل الكبير" (^٤) عن صالح المري: (رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط).
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٧٩).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٨٩).
(٣) "الجامع" (٤/ ٣٤٧).
(٤) (ص: ٣٨٩).
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا تلطف منه في العبارة، وليس تساهلا، بدليل أنه نقل عن البخاري قبل ذلك أنه قال: (هو ضعيف الحديث ذاهب الحديث)، وهذا تضعيف شديد من البخاري له.
ويلاحظ أيضا أن أبا عيسى كثيرا ما ينسب الحكم إلى أهل العلم أو أهل الحديث أو بعض الحفاظ الذين ينقل عنهم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - خارجة بن مصعب، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (^١).
٢ - الخليل بن مرة، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحاب الحديث، قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث) (^٢).
٣ - حسين بن قيس، وهو أبو علي الرحبي، قال عن البخاري: (منكر الحديث، روى عنه، سليمان التيمي ويقول: عن حنش، وهو حنش ابن قيس، وهو أبو علي الرحبي، وضعفه جدا) (^٣).
٤ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نقل عن البخاري أنه قال عنه: (صدوق، إلا أنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه. قال: وضعف حديثه جدا) (^٤).
٥ - سويد بن سعيد، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٥).
٦ - جابر الجعفي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٦).
٧ - إسماعيل بن مسلم المكي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٧).
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٣١١).
(٢) "الجامع" (٤/ ٣٦٧).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٣٩١).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٢).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٤).
(٦) "العلل الكبير" (ص: ٢٢٨).
(٧) "العلل الكبير" (ص: ٢٣٧).
[ ١ / ٧٥ ]
٨ - موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل (^١).
بل إن أبا عيسى ﵀ أحيانا ينقل عن الأئمة كلاما في بعض الرواة يقتصد فيه ويرويه بالمعنى، مع أن هذا الإمام قد جرح هذا الراوي جرحا شديدا، كقوله: (محمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ) (^٢).
قلت: وكلام الإمام أحمد في محمد بن القاسم شديد، قال عبد الله بن أحمد: (سمعتُ أَبي يقول: محمد بن القاسم، يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء) (^٣). وقال المروذي: وذكر - أي الإمام أحمد - محمد ابن القاسم الأسدي، فقال: (ما يستأهل أن يحدث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير) (^٤).
والمقصود أن الغالب عليه الاقتصاد في الجرح، لذا نادرا ما يستعمل: منكر الحديث، لم يطلقها إلا على عدد قليل فيما وقفت عليه، وهم:
١ - محمد بن أبي حميد، قال أبو عيسى: (محمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث) (^٥).
٢ - إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٦).
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ١٠٩).
(٢) "الجامع" (١/ ٤٩٠).
(٣) "العلل" (١٨٩٩).
(٤) "العلل" (٢٣٠) رواية المروذي.
(٥) "الجامع" (١/ ٥٦٣).
(٦) "الجامع" (٢/ ٢٦٢).
[ ١ / ٧٦ ]
٣ - حميد بن علي الكوفي الأعرج، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^١).
٤ - عبد الله بن ميمون، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٢).
٥ - عمرو بن واقد، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٣).
قلت: قال في موضع آخر: (عمرو بن واقد يضعف) (^٤)، وهذا مثال آخر يضاف إلى ما تقدم من أنه يقتصد غالبا في عباراته.
٦ - محمد بن الحارث، قال عنه: (بصري، منكر الحديث) (^٥).
٧ - زهير بن محمد، قال عنه: (منكر الحديث) (^٦).
قلت: وهذا لعله في رواية الشاميين عنه، بخلاف رواية أهل العراق عنه فإنها مستقيمة (^٧).
نعم هناك رواهُ آخرون نقل الترمذي عن البخاري أنه قال فيهم: (منكر الحديث) (^٨).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٦٣).
(٢) "الجامع" (٣/ ٢٦٣).
(٣) "الجامع" (٣/ ٣٦٨).
(٤) "الجامع" (٤/ ٥٤٩).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٦).
(٦) المصدر السابق.
(٧) قال الترمذي في "العلل الكبير" (ص: ٣٩٥): (قال محمد: أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد مقاربة مستقيمة، ولكن، الوليد بن مسلم وأبو حفص عمرو بن أبي سلمة وأهل الشام يروون عنه مناكير، قال محمد: وكان أحمد يقول: كأن ما يروي أهل الشام عن زهير بن محمد هو رجل آخر، وقد قلبوا اسمه).
(٨) منهم: الحسن بن علي الهاشمي (١/ ٣٠٧)، وعمر بن عبد الله بن أبي خثعم (١/ ٥٣٣) (٤/ ٢٣)، وعمران بن أنس المكي (٢/ ٢٥٨)، وأبو واقد الليثي، صالح بن محمد بن زائدة (٢/ ٥١٩)، وصالح بن حسان (٣/ ٨٢)، وأبو سورة، ابن أخي أبي أيوب الأنصاري (٣/ ٤٧٣)، والخليل بن مرة (٣/ ٥٤٠) (٤/ ٣٦٧)، ومحمد بن زاذان (٣/ ٥٥٨).
[ ١ / ٧٧ ]
وأما لفظة (كذاب) ونحوها من عبارات الجرح الشديدة، بل حتى (شديد الضعف) أو (متروك)، فلم أقف على أنه استعملها، نعم نقل عن البخاري أنه قال في محمد بن سعيد الشامي: (ترك حديثه) (^١)، مع أن محمد بن سعيد وضّاع ومشهور بذلك، وقد صلبه المنصور على الزندقة ومع ذلك لم يقل: (متروك) وإنما قال: (ترك حديثه) وهي ألطف من الأولى من جهتين: الأولى: أنه قيد ذلك في باب الرواية، والثانية: أنه أضاف الترك إلى غيره، ولم ينسب الحكم لنفسه.
وكذلك قال أبو عيسى في الحكم بن ظهير: (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) (^٢)، والحكم متروك، وقد كذبه يحيى بن معين في رواية عنه، ويقال فيه كما قيل في الذي قبله، بل وزاد هنا أنه قيده ببعض أهل الحديث.
وكذلك قال في محمد بن السائب الكلبي، قال: (قد تركه أهل العلم بالحديث) (^٣).
نعم قد ينقل عن غيره تكذيب أحد الرواة، ومن ذلك:
١ - قال عن محمد بن القاسم الأسدي: (قلت لمحمد: كيف محمد ابن القاسم الأسدي؟ فقال: كان أحمد يرميه بالكذب) (^٤).
٢ - ومثله أيضا كوثر بن حكيم، قال: (سألت مُحمدًا فقال: كوثر بن حكيم له مناكير، كان أحمد يرميه بالكذب) (^٥).
* * *
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٤٠٥)، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٩٤): (محمد بن سعيد الشامي، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن الطبري، ويقال: ابن حسان، أبو عبد الرحمن، كان صُلب، متروك الحديث، قتل في الزندقة).
(٢) "الجامع" (٤/ ٣٩١).
(٣) "الجامع" (٤/ ١٢٠).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٤).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٥).
[ ١ / ٧٨ ]
وكما أن أبا عيسى يقتصد في حكمه على الرواة، فإنه يفعل ذلك أيضا في حكمه على الحديث، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فأنزلت عليه هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصاما، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ: "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ: "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة".
هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا) (^١).
قلت: فهذا الحديث قد قال عنه: غريب وفي إسناده مقال، مع أن إسناده شديد الضعف؛ لأن موسى بن عبيدة واهي الحديث، وإن كان من أهل الفضل، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل نقله لكلام الحفّاظ فيه، وقد قال عنه أحمد بن حنبل - الذي نقل عنه أبو عيسى تضعيفه -: ما تحل
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ١٠٩) (٣٣٠٦).
[ ١ / ٧٩ ]
الرواية عندي عنه. ولا شك أن هذا تضعيف شديد، وقد اكتفى أبو عيسى بنقله عن الإمام أحمد تضعيفه، وهذا تلطف منه.
وقد ذكر أيضا أبو عيسى علة أخرى في الإسناد، وهي تجهيل مولى ابن سباع.
فأصبح الحديث شديد الضعف، وقد اكتفى من هذا كله بقوله: في إسناده مقال، مع أن المتأمل في كلامه يعلم أن أبا عيسى قد أشار إلى ذلك في أثناء كلامه على هذا الحديث، ولكنه تلطف.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن نضر، عن عبيد الله ابن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب.
حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (^١).
قلت: وهذا الحديث منكر، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل أنه أعاد هذا الحديث في التفسير فقال: (هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (^٢).
قلت: والشاهد من هذا نقله عن البخاري أنه ضعف علي بن يزيد، ونصُّ عبارة البخاري فيه: منكر الحديث.
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٤١٢) (١٣٣٦).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٠٨) (٣٤٩٣).
[ ١ / ٨٠ ]
ويزيد هذا وضوحا ما نقله أبو عيسى نفسه عن البخاري في "العلل الكبير": (سألت محمدا عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة، قال محمد: هو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية) (^١).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، فذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ".
هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرَّقاشي يضعَّفان في الحديث" (^٢).
قلت: فهنا جرى على عادته في التلطف في الحكم، ويزيد بن أبان الرقاشي متروك، وموسى تقدم الكلام عليه.
٤ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ، قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، قال: "هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس".
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ١٩٠).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٤٣) (٣٥٥٨).
[ ١ / ٨١ ]
وعبد الله بن جعفر بن نجيح هو والد علي بن المديني، وقد روى علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر الكثير. وحدثنا عليّ بهذا الحديث، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن نجيح. وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء نحوه، إلا أنه قال: "معلق بالثريا") (^١).
قلت: وهذا الحديث قد يظن أن أبا عيسى لم يضعفه، أو يظن أكثر من هذا بأنه يقويه، ولكن الصواب أن أبا عيسى قد بين ضعف مثل هذا الإسناد في مكان آخر، فقد ذكر بعد أحاديث من هذا الحديث حديثا رواه فقال: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة".
هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعف يحيى بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني) (^٢).
قلت: فهنا بين ضعف هذا الحديث الذي في إسناده عبد الله بن جعفر بأنه غريب، وأن عبد الله بن جعفر ضعفه يحيى بن معين وغيره.
وقد قال ابن معين -في رواية- عن عبد الله بن جعفر: ليس بشيء.
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧) (٣٥٦٤، ٣٥٦٥). وهذا الحديث منكر، والصواب: أن هذه القصة إنما جاءت في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وأن الرسول ﷺ وضع يده على سلمان، وقال: "لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء"، كما ثبت في الصحيحين، "صحيح البخاري" (٤٨٩٧)، و"صحيح مسلم" (٢٥٤٦).
(٢) "الجامع" (٤/ ٥١٥) (٤١١٦).
[ ١ / ٨٢ ]
فتبين من هذا أنه يضعف الحديث السابق.
٥ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد".
هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير ابن محمد.
قال ابن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني: لِمَا يروون عنه من المناكير.
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة) (^١).
قلت: وهذا الحديث قد قال عنه أبو عيسى: حديث غريب، وقد بين أبو عيسى بعد ذلك أنه حديث ضعيف عنده، بل قد يذهب إلى أنه منكر، وذلك فيما نقله من كلام الحفاظ في زهير بن محمد، ويؤيد هذا قوله عنه في "العلل الكبير": (منكر الحديث) (^٢).
وحكم الترمذي هذا إنما هو على هذا الإسناد؛ لأن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر، وقد قواه بعض أهل العلم بهذين الوجهين.
٦ - وقال أيضا: (حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري،
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٦١) (٣٥٩٦).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٦).
[ ١ / ٨٣ ]
قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى ابن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا نبشرك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وإنما روي هذا عن موسى بن طلحة، عن أبيه) (^١).
قلت: وهذا الإسناد ضعيف، بل لعله شديد الضعف؛ لأن إسحاق بن يحيى بن طلحة ذهب بعض الحفاظ إلى أنه متروك، ولكن أبو عيسى تلطف في العبارة، بدليل قوله عن إسحاق في موضع آخر: (ليس بذاك القوي عندهم، تُكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).
* * *
وأئمة النقد في هذا الباب على قسمين:
فقسم منهم على هذا المسلك، حتى إنهم أحيانا يكتفون بالإشارة عن العبارة، كأن يشير إلى لسانه بدل أن يقول: يكذب، أو كذاب.
والقسم الآخر هم الذين يحكمون على الراوي بحسب ما ظهر منه، ولا يكتفون بالإشارة أو بالاقتصاد في العبارة، وإنما يصفون الراوي بما يستحق، فإن كان كذابا قالوا ذلك، وإن كان ممن يتفرد ولا يتابع على ما رواه قالوا: منكر الحديث، ونحو ذلك من عبارات الجرح الشديدة.
فمن أمثلة القسم الأول:
الإمام البخاري، فتجد أشد العبارات عنده: فيه نظر (^٣)، أو سكتوا
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢١٢) (٣٥٠١).
(٢) "الجامع" (٣/ ٥٣٣).
(٣) معناها: أن لهذا الراوي - عنده - منكرات.
[ ١ / ٨٤ ]
عنه، أو سكتوا عنه وعن رأيه وحديثه، ونادرا ما يستعمل: كذاب. لذا قال البخاري ﵀: (إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا) (^١).
قال الذهبي معلقا على العبارة السابقة: (قلت: صدق ﵀ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقلَّ أَنْ يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه.
وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع.
قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته - يعني: البخاري - يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ"، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ: "بئس مولى العشيرة" يعني: حديث عائشة) (^٢).
وقال ابن حجر: (وللبخاري في كلامه على الرجال توقٍّ زائدٌ وتحرٍّ بليغٌ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل؛ فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه، ونحو هذا، وقلّ أَنْ يقول: كذاب، أو وضاع، وإنما يقول: كذبه فلان، رماه فلان، يعني بالكذب) (^٣).
وممن سار على هذا المنهج أبو زرعة، قال الذهبي: (يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح) (^٤).
_________________
(١) "تاريخ بغداد" للخطيب (٢/ ١٣).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٩).
(٣) "هدى الساري" (٤٨١).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٨١).
[ ١ / ٨٥ ]
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - سعيد بن المرزبان العبسي، أبو سعد البقال، قال أبو زرعة: لين الحديث ومدلس. قيل: هو صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب (^١).
مع أن ابن معين قال: ليس بشيء لا يكتب حديثه (^٢)، وقال البخاري عنه: منكر الحديث (^٣). وقال النَّسَائِي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه (^٤).
٢ - سليمان بن أبي داود الحراني، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٥).
قلت: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (^٦)، وقال البخاري: منكر الحديث (^٧).
٣ - عمر بن راشد بن شجرة، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٨).
قلت: هو واهي الحديث.
٤ - عمر بن شبيب المسلي، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٩).
قلت: قال ابن معين: ليس بثقة. وفي رواية: ليس بشيء (^١٠)، وقال
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٤/ ٦٣).
(٢) "الكامل" لابن عدي (٥/ ٥٧٠).
(٣) "الكامل" لابن عدي (٥/ ٥٧٠).
(٤) "تهذيب الكمال" (١١/ ٥٥). وهناك من وثق سعيدا ولكن ليس من أئمة الجرح والتعديل، وقد قال الساجي عن محمود بن غيلان قال: سئل وكيع عن أبي سعد البقال، فقال: أحمد الله، كان يروي عن أبي وائل، وأبو وائل ثقة. "الجرح والتعديل" (٤/ ٦٢). قلت: وهذا تضعيف له من قبل وكيع، ولكنه تلطف في العبارة.
(٥) "الجرح والتعديل" (٤/ ١١٦).
(٦) المصدر السابق.
(٧) "التاريخ الكبير" (٤/ ١١).
(٨) "الجرح والتعديل" (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٩) "الجرح والتعديل" (٦/ ١١٥).
(١٠) "تاريخ ابن معين" - رواية الدوري - (٣/ ٤٠٥، ٥٠٢).
[ ١ / ٨٦ ]
يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء (^١)، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، لا يحتج بروايته (^٢).
وأبو زرعة لا يخفى عليه حاله فقد بين في موضع آخر أنه واهي الحديث.
٥ - سندل عمر بن قيس، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٣).
قلت: هو متروك الحديث، ولا يخفى على أبي زرعة أنه متروك، ولكن اقتصد في العبارة وتورّع.
وممن سار على هذا المنهج أيضا: أبو حاتم الرازي، فإنه يلاحظ على عباراته في الجرح أنه يقتصد فيها كثيرا، خاصة إذا كان الراوي من أهل الصلاح، حتى ولو كان مشهورا بالضعف، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - عبد الواحد بن سليم المالكي، قال عنه: شيخ (^٤). مع أن الإمام أحمد والنسائي قد جرحاه جرحا شديدا (^٥).
٢ - سعيد بن محمد الوراق، خرّج له الترمذي وابن ماجه، قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي (^٦). مع أن بعض الحفاظ قال عنه: ليس بثقة (^٧).
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٢١/ ٣٩٣).
(٢) "سنن الدارقطني" (٥/ ٧٠) (٤٠٠٠)، وهناك من وافق قوله قول أبي زرعة كالنسائي، فقال: ليس بالقوي. "الضعفاء" (ص: ١٩١).
(٣) "الجرح والتعديل" (٦/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٤) "الجرح والتعديل" (٦/ ٢١).
(٥) قال الإمام أحمد في "العلل" -رواية عبد الله- (٥٤٣٣): (حديثه حديث منكر، أحاديثه موضوعة)، وقال النَّسَائِي في "الضعفاء والمتروكين" (ص: ١٦٣): (ليس بثقة).
(٦) "الجرح والتعديل" (٤/ ٥٩).
(٧) "الضعفاء والمتروكين" للنسائي (ص: ١٢٨).
[ ١ / ٨٧ ]
٣ - أصبغ بن نباتة، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^١). قلت: وهو متروك.
٤ - أبو حمزة الثمالي، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به (^٢).
قلت: وهو ضعيف، وقد اتهم بالرفض.
٥ - حماد بن واقد، قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: لين الحديث (^٣). قلت: وهو ضعيف.
٦ - حفص بن عمر العدني، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^٤). قلت: وهو ضعيف.
٧ - روح بن عطاء ابن أبي ميمونة، قال أبو حاتم: لين الحديث. قلت: ضعفه ابن معين (^٥)، وقال أحمد: منكر الحديث (^٦).
٨ - الحكم بن عبد الملك القرشي البصري، قال عنه أبو حاتم: مضطرب الحديث جدا، وليس بقوي في الحديث (^٧).
وقال ابن معين: ليس بثقة، وليس بشيء. وقال مرة: ضعيف الحديث. وكذا قال ابن خراش. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال النَّسَائِي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة، منه ما
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٢/ ٣٢٠).
(٢) "الجرح والتعديل" (٢/ ٤٥١).
(٣) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٥٠)، ونص كلام أبي حاتم: (حماد بن واقد ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه على الاعتبار، وهو بابة عثمان بن مطر، ويوسف ابن عطية).
(٤) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٨٢).
(٥) "تاريخ بن معين" - رواية الدوري - (٤/ ٢٠٠) (٣٩٤٧).
(٦) "العلل" - رواية عبد الله - (٣/ ١٢) (٣٩٢٦).
(٧) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٢٣).
[ ١ / ٨٨ ]
يتابعه عليه الثقات، ومنه ما لا يتابعه، وله غير ما ذكرت ولا أعلمه يروي عن غير قتادة إلا اليسير. وقال العقيلي: روى أحاديث لا يتابع عليها. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث جدا، له أحاديث مناكير. وقال البزار: ليس بقوي. وقال العجلي: ثقة، روى عن قتادة، ما أدري أهو بصري أو كوفي (^١).
قلت: أما توثيق العجلي فلا يلتفت إليه، وأما البزار فهو ممن يقتصد في الجرح.
٩ - سعد بن عمران بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، قال عنه: هو شيخ مثل الواقدي في لين الحديث وكثرة عجائبه (^٢).
قلت: ولا يخفى أن الواقدي متروك عند جمع من أهل العلم.
١٠ - أبو بكر الهذلي: قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به (^٣).
قلت: هو متروك.
١١ - الصلت بن دينار، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه (^٤).
قلت: قال ابن معين: ليس بشيء (^٥). وقال الفلاس: متروك الحديث، يكثر الغلط (^٦).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٦٦).
(٢) "الجرح والتعديل" (٤/ ٩٢).
(٣) "الجرح والتعديل" (٤/ ٣١٣).
(٤) "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٣٨).
(٥) "تاريخ ابن معين" - رواية الدوري - (٤/ ١٢٨) (٣٥٢٠).
(٦) "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٣٨)، وفيه: (متروك الحديث يكثر الغلط).
[ ١ / ٨٩ ]
١٢ - طلحة بن عمرو الحضرمي، قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، لين الحديث عندهم (^١).
قلت: وهو متروك.
١٣ - عبد الله بن الزبير الأسدي، والد أبي أحمد، قال أبو حاتم: لين الحديث (^٢).
قلت: قال إبراهيم بن موسى: سألت أبا نعيم عن عبد الله بن الزبير فقال: لا يكتب حديثه، ولا تخبر أبا أحمد بذلك.
قال أبو زرعة: كان أبو أحمد صديقا لأبي نعيم؛ فكره أن يسوءه في أبيه، وهو ضعيف الحديث (^٣).
١٤ - عقبة بن عبد الله الأصم، قال أبو حاتم: لين الحديث، ليس بقوي، وأبو هلال أحب إلينا منه، قال ابنه عبد الرحمن بعد أن نقل ذلك: (قيل لأبي: إن محمد بن عوف حكى عن أحمد بن حنبل أن عقبة الأصم ثقة، فقال: كيف بما يروي عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن النظر في النجوم، وحديث آخر جميعا منكرين؟) (^٤).
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٧٨).
(٢) "الجرح والتعديل" (٥/ ٥٦).
(٣) المصدر السابق.
(٤) "الجرح والتعديل" (٦/ ٣١٤). تنبيه: يلاحظ على أبي حاتم الرازي ﵀ في باب التعديل وفي باب الجرح أنه يطيل العبارة في الحكم على الراوي بحيث يجمع أكثر من صفة في الحكم عليه، مثل قوله عن كثير من الرواة: ثقة صدوق، ومثله ابنه عبد الرحمن، وأحيانا يكثر من ذلك كقوله: ثقة صدوق رضا. بينما كثير من الأئمة يكتفون بصفة واحدة في الحكم عليه، وأما هو فقد يذكر ثلاث صفات، بل قد يذكر أربعًا، أو أكثر من ذلك، ومن أمثلة ذلك:
(٥) إسماعيل بن مخراق، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٠١) -: منكر الحديث، مجهول.=
[ ١ / ٩٠ ]
قلت: الراجح أنه واهي الحديث.
وقد قال أبو حاتم في جمع من الرواة الذين ذكرهم البخاري في "الضعفاء": يحول من كتاب "الضعفاء"، مع أنه لا يرى توثيقهم.
ومن أشد العبارات عنده: منكر الحديث.
ومع اقتصاده في العبارة في جانب الجرح وعدم تشدده، إلا أنه في باب التعديل شديد التزكية فقلما يوثق الراوي، وهذا مما ينبغي الانتباه إليه؛ لأنَّه قد يظن أنه شديد أيضا في باب الجرح كما أنه شديد في التعديل، ولكن الأمر بخلاف ذلك، لذا وصفه الأئمة بالتشدد، كالإمام ابن تيمية فقال: (وأبو حاتم شديد التزكية) (^١)، وأبي عبد الله الذهبي، فقال: (هو جراح) (^٢)، وعبارة
_________________
(١) = ٢ - أيوب بن سيار الزهري، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٤٨) -: ضعيف الحديث، منكر الحديث، ليس بالقوي.
(٢) أشعث بن سعيد، أبو الربيع السمان، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٧٢): ضعيف الحديث، منكر الحديث، سيء الحفظ، يروي المناكير عن الثقات.
(٣) إبراهيم بن أبي حبيبة، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٨٣) -: شيخ، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، دون إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وأحب إلي من إبراهيم بن الفضل.
(٤) الحجاج بن نصير الفساطيطي، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ١٦٧) -: منكر الحديث، ضعيف الحديث، ترك حديثه، كان الناس لا يحدثون عنه.
(٥) رشدين بن سعد، قال عنه - كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ٥١٣) -: منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقربه من داود بن المحبر، وابن لهيعة أستر، ورشدين أضعف.
(٦) زيد بن جبيرة، قال عنه -كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٥٩) -: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه.
(٧) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٣).
(٨) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٨١). ولا يخفى أن الشرع قد جاء بنحو ذلك من عدم=
[ ١ / ٩١ ]
الإمام ابن تيمية أدق من عبارة الذهبي، يعلم هذا مما تقدم.
فقد قال أبو حاتم عن الإمام الشافعي وعمرو بن علي الفلاس ومسلم ابن الحجاج، قال عن كل واحد من هؤلاء: (صدوق)، مع أنهم من كبار الأئمة.
وقال ابنه عبد الرحمن: (سألت أبي عن عبد الرزاق: أحب إليك أو أبو سفيان المعمري؟ فقال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فمطرف بن مازن أحب إليك أو عبد الرزاق؟ قال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فما تقول في عبد الرزاق؟ قال: يكتب حديثه ولا يحتج به) (^١).
وقال أيضا عن عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري: (هو صدوق متقن، قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم).
قلت: محصل كلام أبي حاتم أنه ثقة متقن، ولكنه لم يصرح بهذا، بل ذكر من العبارات ما يظن معه أنه دون ذلك.
وأما قوله: (لم يكن يحفظ) فلعله يريد أنه لم يكن من كبار الحفاظ، بدليل أن أبا زرعة قال عنه: كان حافظا ثقة. قال ابن أبي حاتم: يعني أنه كان متقنا (^٢).
وهذا التشدد في التعديل ليس دائما ولكنه كثير، فقد قال ابن أبي حاتم: وسألته عن علي بن نصر، فوثقه وأطنب في ذكره والثناء عليه (^٣).
_________________
(١) = الغلو في مدح الشخص وبالذات إذا كان حاضرا، وبعدم المبالغة في الذم، والمتأمل في حال الناس يجدهم بعكس ذلك، فمن أحبوه بالغوا في مدحه، ومن كرهوه بالغوا في ذمه، نعوذ بالله من ذلك.
(٢) "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٩).
(٣) "الجرح والتعديل" (٥/ ١١٩).
(٤) "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٠٧).
[ ١ / ٩٢ ]
وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي،
وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي، فإذا أراد أن يجرح راويا قال: غيره أوثق منه، ومن أمثلة ذلك:
١ - عبد الله بن عبد العزيز المدني، قال عنه: غيره أوثق منه (^١).
٢ - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٢).
٣ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: غيره أوثق منه (^٣).
٤ - عبد المهيمن بن عباس الأنصاري، قال عنه: غيره أوثق منه (^٤).
٥ - عبيس بن ميمون الرقاشي، قال عنه: معروف وغيره أوثق منه (^٥).
٦ - يحيى بن العلاء البجلي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٦).
وهؤلاء ضعفاء وبعضهم متروك.
ومن ذلك قوله عن عمر بن قيس المكي سندل: (أمسكوا عنه) (^٧)، وهو متروك.
ومنهم أيضا البزار، فيستعمل عبارات لينة؛ قال عن محمد بن عبيد الله العرزمي: لين الحديث (^٨).
قلت: وقد قال الساجي: صدوق منكر الحديث أجمع أهل النقل على
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٧٧).
(٢) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٠٧).
(٣) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٠٨).
(٤) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٦٣٠).
(٥) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٧).
(٦) "تهذيب التهذيب" (٤/ ٣٨٠).
(٧) كذا في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٤٨)، وفي "إكمال التهذيب" لمغلطاي (١٠/ ١١٠): (كان فيه تسرع إلى الناس، فأمسكوا عنه، وألقوه).
(٨) "كشف الأستار عن زوائد البزار" (٢/ ٢٥١).
[ ١ / ٩٣ ]
ترك حديثه، وقال الحاكم في المدخل: متروك الحديث بلا خلاف (^١).
وهذا كثير في كلام البزار، وتتبع ذلك ومناقشته مما يطول.
ومنهم أبو أحمد الحاكم، فكثيرا ما يستعمل في حق من تكلم فيه الأئمة عبارة (ليس بالقوي عندهم) ونحوها، وفي أحيان أخرى يصرح بجرح الراوي، وإليك أمثلة على ذلك:
١ - قال في إسماعيل بن يحيى - ويقال ابن يعلى - الثقفى: ليس بالقوي عندهم (^٢).
٢ - وقال في تليد بن سليمان المحاربي: ليس بالقوي عندهم (^٣).
٣ - وقال في أبي الأشهب جعفر بن الحارث النخعي: ليس بالقوي عندهم (^٤).
٤ - وقال في إبراهيم بن يزيد الخوزي: يهِم في الشيء بعد الشيء، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، روى عنه سفيان الثوري والمعتمر بن سليمان (^٥).
قلت: وإبراهيم متروك الحديث.
٥ - وقال في محمد بن أبي حميد: ليس بالقوي عندهم (^٦).
قلت: هو منكر الحديث، وهذا مما لا يخفى على أبي أحمد الحاكم فقد نقل هو في ترجمته عن يحيى بن معين أنه قال: ليس بشيء.
٦ - وقال في محمد بن القاسم الأسدي: ليس بالقوي عندهم (^٧).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٣٨).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٢٥).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٥٠).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٨٢).
(٥) "الأسامي والكنى" (١/ ١٤٣).
(٦) "الأسامي والكنى" (١/ ١٦٧).
(٧) "الأسامي والكنى" (١/ ١٦٩).
[ ١ / ٩٤ ]
قلت: وهو متروك، وقد نقل أبو أحمد عن الإمام أحمد أنه كذبه.
٧ - وكذلك عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^١).
قلت: وهو منكر الحديث، تكلم فيه جمهور الحفاظ مع صلاحه في نفسه وفضله.
٨ - وكذلك سليمان بن سلمة الخبائري، قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^٢).
قلت: وهو متروك.
٩ - وقال عن يحيى بن ميمون بن عطاء القرشي: سكتوا عنه (^٣).
قلت: هو متروك وبعضهم كذبه، وهذا لم يخف على أبي أحمد، فإنه روى بإسناده عن عمرو بن علي أنه قال عن يحيى: كان كذابا، حدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة.
١٠ - وقال عن سليمان بن أبي داود الجزري: في حديثه بعض المناكير (^٤).
قلت: ثم روى عن البخاري أنه قال عنه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (^٥)، وقال أحمد: ليس بشيء (^٦).
١١ - وقال عن متوكل بن فضيل الحداد: ليس بالقوي عندهم (^٧).
_________________
(١) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٢).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٨).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٢).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٣).
(٥) "الجرح والتعديل" (٤/ ١١٦).
(٦) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص: ٤٥٥).
(٧) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٨).
[ ١ / ٩٥ ]
ثم نقل عن مسلم أنه قال: عنده عجائب.
وكما ترى هناك فرق بين العبارتين.
١٢ - وقال عن عبد الكريم بن أبي المخارق: ليس بالقوي عندهم (^١).
قلت: وهو مشهور الضعف.
وأحيانا يستعمل أبو أحمد الحاكم عبارة (ليس بالقوي)، و(ليس بالمتين) على بابها:
١ - كقوله عن يزيد بن كيسان: (ليس بالمتين عندهم) (^٢)، وهو مختلف فيه، والأصل في حديثه الاستقامة.
٢ - وقوله في بكير بن عامر البجلي: (ليس بالمتين عندهم) (^٣)، وهو مختلف فيه أيضا.
٣ - وكذلك قوله في عطاء الخراساني: (ليس بالقوي عندهم) (^٤).
قلت: وأنا أذهب إلى ذلك فقد تُكُلِّم فيه.
بل إنه أحيانا قد يقول مثل هذه العبارة في حق من لا يستحق ذلك:
١ - كقوله في يزيد الرشك: (ليس بالمتين عندهم) (^٥)، فيزيد ثقة.
٢ - وقال عن أبي الأحوص مولى بني ليث: (ليس بالمتين عندهم) (^٦)، وهو ليس كذلك، إما أن يقال عنه: فيه جهالة، وإما أن يمشى حديثه.
ومنهم أيضا أبو بكر البيهقي، ويظهر ذلك لمن تتبع كلامه في الرواة في "السنن الكبرى" وغيرها.
_________________
(١) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٢٣).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ١٥٤).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ١٥٩).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٥).
(٥) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٦٩).
(٦) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٩٦ ]
وهناك أيضا غير من تقدم من الحفاظ.
ومعرفة مناهج النقاد في الاقتصاد في الجرح والتعديل في غاية من الأهمية في الحكم على الراوي، فقد يذهب البعض عند وقوفه على كلام هؤلاء الأئمة وهو لا يعرف منهجهم إلى أن هذا الراوي ليس بشديد الضعف، وبالتالي قد يتقوى بغيره، وهو ليس كذلك.
أو يظن أن هؤلاء الأئمة تساهلوا في حكمهم على هذا الراوي كما وُصف أبو عيسى بذلك، كما سوف يأتي، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، وإنما هذا من باب الورع والاقتصاد في الجرح، وأن الضرورة ألجأتهم إلى ذلك في سبيل الذب عن الدين والسنة، وإلا لما تكلموا، وأضرب مثالا على ذلك بثوير بن أبي فاختة، قال عنه أبو عيسى في "الجامع": (وثوير يكنى أبا جهم، وهو رجل كوفي، وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير، وابن مهدي كان يغمزه قليلا) (^١).
قلت: وثوير واهي الحديث، وقد لا يكتب حديثه.
وأما ما يتعلق بحكم ابن مهدي عليه، فقال عمرو بن علي الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان سفيان يحدث عنه (^٢).
وقال الآجري عن أبي داود: ضرب ابن مهدي على حديثه (^٣).
فإذا عرفنا منهج الترمذي وغيره ممن يقتصدون في الجرح حتى في نقلهم عن بعض الأئمة -مثل ما تقدم قبل قليل في كلام ابن مهدي في ثوير ابن أبي فاختة- يتبين لنا حكم هذا الراوي حقيقة، كما أنه يتيسر للباحث توجيه كلام هؤلاء الأئمة إذا وجد في الراوي، وأن هذا ليس من قبيل التساهل.
_________________
(١) (٤/ ١٠٨).
(٢) "الجرح والتعديل" (٢/ ٤٧٢).
(٣) "سؤالات الآجري" (١/ ٣٣٦) (٥٧٤).
[ ١ / ٩٧ ]
ويتبين أيضا من هو مقتصد في كلامه ممن هو متساهل في نقده، فمثلا الحاكم قد قال عن هذا الراوي في كتابه "المستدرك": (لم ينقم عليه غير التشيع) (^١).
وهذا تساهل واضح (^٢)، لذا تعقبه الذهبي بقوله: بل هو واهي الحديث.
والخلاصة أن الغالب على منهج أبي عيسى في الجرح والتعديل هو الاعتدال والتوسط، مع اقتصاد في العبارة، وورع في النقد.
ومما يوضح ذلك أيضا قوله في آخر "الجامع": (قال علي - ابن المديني -: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبى بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة.
قال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا لا يثبت على رواية واحدة تركه.
وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة) (^٣).
* * *
_________________
(١) (٣٩٢٢).
(٢) ينبغي أن يفرق بين منهج الحاكم في كتبه القديمة، وبين منهجه أخيرا في كتابه "المستدرك"، فالتساهل الذي وصف به الحاكم في نقده للرواة وحكمه على الأحاديث إنما هو في "المستدرك"، وأما في كتبه القديمة فليس كذلك.
(٣) "الجامع" - العلل الصغير - (٥/ ١٦).
[ ١ / ٩٨ ]
الفصل السابع في مؤلفاته
ألف أبو عيسى عدة مؤلفات، منها:
١ - "الجامع" (^١)، وسيأتي الكلام عليه.
٢ - "أسماء الصحابة" (^٢)، وهو مطبوع.
٣ - "الأسماء والكنى" (^٣)، وبعضهم يجعله هو نفس كتابه "أسماء الصحابة".
٤ - "التاريخ"، نقل ابن نقطة من "تاريخ بخارى" لغنجار قوله: (وهو صاحب "الجامع" و"التاريخ") (^٤).
وقال ابن نديم: (وله من الكتب: "كتاب التاريخ") (^٥).
٥ - "التفسير"، ذكره الخزرجي في "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" (^٦)، فقال: (أحد الأئمة الأعلام، وصاحب "الجامع" و"التفسير").
وقول الخزرجي يحتمل أنه أفرد كتابا في التفسير، ويحتمل أنه يقصد كتاب التفسير الذي في "جامعه"، وهذا هو الأقرب.
_________________
(١) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧)، "وفيات الأعيان" (٤/ ٢٧٨)، "ميزان الاعتدال" (٣/ ٦٧٨)، "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٠)، "البداية والنهاية" (١٤/ ٦٤٧)، "جامع الأصول" (١/ ١٩٣).
(٢) "البداية والنهاية" (١٤/ ٦٤٧).
(٣) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٦٩).
(٤) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧).
(٥) "الفهرست" لابن النديم (١/ ٢٨٥).
(٦) (ص: ٣٥٥).
[ ١ / ٩٩ ]
٦ - "الزهد"، قال ابن حجر: (ولأبي عيسى كتاب "الزهد" مفرد لم يقع لنا) (^١).
٧ - "الشمائل" (^٢)، وهو مشهور جدا، ولعله أول من أفرد ذلك بالتصنيف.
قال ابن كثير عن كتابه هذا: (قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن مَنْ جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بـ "الشمائل") (^٣).
٨ - "العلل الصغير"، وهو مطبوع، وهو الذي في آخر "الجامع" (^٤).
٩ - "العلل الكبير" (^٥)، والموجود منه بترتيب أبي طالب القاضي، وأغلبه موجود في "الجامع"، وليس كله (^٦).
١٠ - الكتاب الذي فيه الموقوف، ذكره الترمذي في العلل آخر "الجامع"، فقال: (… وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (^٧).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٦٩).
(٢) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" (ص: ١٢٨).
(٣) "البداية والنهاية" (٨/ ٣٨٥).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٠).
(٥) "الفهرست" لابن النديم (١/ ٢٨٥)، "إكمال تهذيب الكمال" (٣/ ٣٢٠).
(٦) وقد أكثر البيهقي من النقل عن الترمذي بلاغا، وكثير مما نقله موجود في "العلل الكبير"، والذي دلت عليه كتبه أنه لم يقع له "جامع أبي عيسى الترمذي" بالرواية، ولا "سنن النَّسَائِي"، بدليل عدم وجود ذلك في مصنفاته، لذا يقول في النقل عن البخاري مما نقله عنه الترمذي: بلغني. وأما كونه يروي عن الحاكم عن أبي العباس المحبوبي عن أبي عيسى الترمذي بعض الأحاديث لا يعني هذا أنه قد سمع كتاب "الجامع" كله، وإنما سمع منه بعض الأحاديث من طريق شيخه الحاكم.
(٧) "الجامع المختصر" (٥/ ٩).
[ ١ / ١٠٠ ]
قال ابن رجب: (كأنه ﵀ له كتاب مصنف أكبر من هذا (^١)، فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، مذكورة كلها بالأسانيد) (^٢).
وهذا يدل على أنه لم يقف عليه.
* * *
_________________
(١) يعني: كتابه "الجامع".
(٢) "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٢).
[ ١ / ١٠١ ]