ليسوا أمناء:
إنَّ أكثر ما يلوكه المُسَبِّحُون بحمد المُسْتَشْرِقِينَ، هو الإشادة بدقَّتهم وتجرُّدهم للبحث والعلم، وقدرتهم على التمحيص والتدقيق، وأنهم قادة هذا الميدان وفرسان هذا المجال، والمستشرقون أيضًا حرصوا كُلَّ الحرص على أنْ يُضْفُوا على أنفسهم هيبة العلم وقداسة محرابه، وأنْ يُخْفُوا تحت شارته وردائه كل (أغراضهم) و(أهوائهم). وأصبحت كلمات (الأكاديمي) (البحث العلمي) (المنهج) (حرية الرأي) (قيمة العمل) (الحيدة العلمية) الخ.
أصحبت هذه الشعارات درعًا سابغًا توارت تحته مكنونات الصدور وخفيات الضمائر وسموم الأحقاد، ولكن لله دَرُّ الإمام أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور حين قال: «إنه ما أَسَرَّ أحد معصية قط إلاَّ ظهرت في آثار يده وفلتات لسانه».
ولو وضع تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ وأتباعهم، والذاكرين الشاكرين لهم، هذه الغشاوة عن أعينهم، وهذه الحجب عن بصائرهم، لرأوا ما خلف هذه الأقنعة، وعلموا أنَّ كلام المُسْتَشْرِقِينَ في العلم والمنهجية وحرية البحث والحيدة العلمية مجرد أقنعة تتراكم وتتراكب إمعانًا في إخفاء ما تحتها، ولو نظرنا في عمل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ بمقاييس (العلم) و(المنهج العلمي) و(البحث الأكاديمي) لوجدناهم أول من يصفع هذا المنهج على قفاه، ويدوسه بقدميه. وهو في نفس الوقت رافع رايته، متقدم باسمه، ضارب بسيفه.
وإنَّ القوم لعلمهم أنَّ حرب الكلمة، ليست كحرب السلاح والدم، في الثانية كلما تكاثفت الضربات، وتوالت الطعنات وتقدمت الجيوش تحرق وتدمر، كلما كان النصر.
لكن في حرب الكلمة والفكر (كلما كانت الضربة) أخف وأرق وألطف، وكلما تباعدت الضربات، وكلما كانت الضربات والطعنات مغلفة
[ ٢٧ ]
بغلاف كافٍ من الحقائق، والصدق، كلما كان كذلك كان، أوجع وأوقع، وأخطر.
نماذج من تحريف النصوص وخيانة المنهج:
جولدتسيهر:
- يحمل المُسْتَشْرِقُ جولدتسيهر على السُنَّة المُطَهَّرةُ حملة شعواء، ويحشد لما يقوله من التشكيك فيها، أدلة من أوهامه، وتزييفاته، وتحريفاته، نكتفي بعرض نموذج واحد لهذه التحريفات، التي يزيِّف بها النصوص، ويُغَيِّرُهَا، لتحقق له هدفه.
وهو محاولة الطعن في رُواة الحديث جملة، فيستعرض، بعض ما يقوله علماء الرجال في الرُواة، ويُخرجونه مخرج الجرح والتعديل، ليوهم بأنَّ هؤلاء الرُواة، مجروحون، كذَّابون.
فمن ذلك قوله: ويقول وكيع عن زياد بن عبدالله البَكَّائِي: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوبًا» ولكن ابن حجر يقول في " التقريب " «ولم يثبت بأنَّ وكيعًا كذَّبهُ».
يريد جولدتسيهر بهذا أنْ يقول: إنَّ زيادًا البَكَّائِي كان كذوبًا، مع عُلُوِّ منزلته في الحديث، وذلك بشهادة (وكيع) أحد أعمدة الجرح والتعديل، فإذا كان مثل زياد البَكَّائِي (كَذُوبًا) فأي ثقة بالحديث، والسُنَّة؟؟!!.
فلننظر أصل النص، وكيف حَرَّفَهُ جولدتسيهر، جاء في " التاريخ الكبير " للإمام البخاي: «وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ عَنْ وَكِيعٍ: وَهُوَ (أَيْ زِيَادٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَكَّائِي) أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». اهـ.
هذا هو النص كما ترى ينفي عن زيادٍ الكذبَ أَشَدَّ النفي وأبلغه، فهو «أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». أي أنه أبعد من الكذب بِسَجِيَّتِهِ وفطرته، وطبعه وشرف نفسه، وعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَسُمُوِّ نفسه، فلو كان الكذب (حَلاَلًا) غير مَنْهِيٍّ عنه شرعًا ما كذب. كما رُوِيَ عن بعضهم «لَوْ كَانَتْ خِيَانَتُكَ حَلاَلًا مَا خُنْتُكَ»، مبالغة في بُعْدِ الخيانة عن طبعه، ومُجافاتها لِشِيَمِهِ.
ومع وضوح هذا النص يُحَرِّفُهُ هذا المُسْتَشْرِقُ إلى: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ
[ ٢٨ ]
فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوبًا».
- ومن تحريفات جولدتسيهر أيضًا في نفس المجال، اتِّهامه للإمام الزُّهْرِيِّ بأنه كان «مستعدا لأن يضع الأحاديث لبني أمية، وأن يَكْسُو رغبات الحكومة باسمه المُعْتَرَفِ به عند الأُمَّة الإسلامية، ولم يكن الزُّهْرِيُّ من أولئك الذين لا يمكن الاتفاق معهم، ولكنه كان ممن يرى العمل مع الحكومة،فلم يكن يَتَجَنَّبُ الذهاب إلى القصر، بل كان كثيرًا ما يتحرك، في حاشية السلطان، بل إننا نجده في حاشية الحَجَّاجِ عندما ذهب إلى الحج، وهو ذلك الرجل المُبْغَضُ » الخ.
يريد بذلك أنْ يُوهِمَ القارئ أنَّ الزُّهْرِيَّ كان تابعًا لذوي السلطة، يجري في فلكهم ويستمتع بالقرب منهم، في مقابلة ما يؤدِّيه لهم من خدمات في تخصُّصه، أي العلم بالحديث، حيث يخترع لهم الأحاديث التي (تكسو رغبتهم ثوبًا دينيًا).
ولا يعنينا هنا تفنيد هذه التُّهم، فليس هذا مجاله (٢٤)، ولكن يعنينا أنْ نضع أمام القارئ الصورة البشعة لتحريف النصوص وتزييفها، بقصد تنفير الناس من الإمام (الزُّهْرِيِّ) أحد أعمدة السُنَّةِ وأركانها، فَالزُّهْرِيُّ لم يكن مع الحَجَّاجِ بن يوسف الثقفي في حاشيته حين حَجَّ، وإنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمع مع الحَجَّاجِ «وإليك النص على حقيقته كما ورد في " تهذيب التهذيب " لابن حجر: «أخرج عبد الر زاق في " مُصَنَّفِهِ " عن الزُّهْرِيِّ قال: كتب عبد الملك إلى الحَجَّاِج أَنْ اقْتَدِ بابْنِ عُمَر فى المناسك، فأرسل إليه الحَجَّاِج يوم عرفة: إذا أردت أَنْ تروح فآذِنَّا، فراح هو وسالم وأنا معهما، قال ابن شهاب: وكنت صائمًا فلقيت من الحر شدة» فالزُّهْرِيُّ، إنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمعا بالحَجَّاِج [في الحج]، لا في معية الحَجَّاِج» (٢٥).
_________________
(١) نحيل القارئ إلى الكتاب القَيِّمْ " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " لنابغة الدعوة والإسلام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي من ص ١٨٧ - ٢٣٥ [وعنه أخذنا مادة هذه الفقرات عن تحريف جولدتسيهر].
(٢) الدكتور مصطفى السباعي: " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " ص ٢٢٣.
[ ٢٩ ]
ثم هو يتعامى أيضًا، عن ورع عبد الملك، وأمره لِلْحَجَّاجِ بالاقتداء بابن عمر، وعن طاعة الحَجَّاجِ واقتدائه بابن عمر، ولكنه لا يرى شيئًا من ذلك، حتى يؤكد ما قرره في أذهان تلاميذهم من مؤرِّخينا، عن ظلم بني أمية وفسادهم.
ونموذج ثالث لتحريف هذا المُسْتَشْرِقِ نفسه، في نفس المعنى، أعني اتِّهَامَ الزُّهُرِيِّ بالوضع - كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - قال عن الزُّهُرِيِّ واستعداده لمسايرة الحُكَّامِ، ووضع ما يَرَوْنَ من أحاديث: «قد كانت تقواه تجعله يشك أحيانًا، ولكنه لا يستطيع دائمًا أنْ يتحاشى تأثير الدوائر الحُكومية، وقد حَدَّثَنَا معمر عن الزُّهُرِيِّ بكلمة مُهِمَّةٍ، وهي قوله: " أكرهنا هؤلاء الأمراء على أنْ نكتب (أحاديث) فهذا الخبر يُفْهِمُ استعدادَ الزُّهُرِيِّ أنْ يكسو رغبات الحكومة، باسمه المعترف به عند الأُمَّة الإسلامية».
ونلاحظ أنه في نفس الوقت يحاول أنْ يظهر بمظهر الحيدة العلميَّة، الخالية من الغرض، فلا يحرم
الزُّهُرِيَّ من وصف (التقوى) المعروف به، بل يُضفي على عبارته ما يجعلها أولى بالتصديق، فيجعل الزُّهُرِيَّ ذلك التقي الصالح، يستشعر الندم أحيانًا، ويعترف بخطئه، ويبرر لنفسه ذلك بأنه واقع تحت الإكراه، من السلطة. وهكذا بهذا الملمس الناعم يسوق تريينه وتحريفه، وينفثه في خفة ومهارة.
وهو في كل ذلك يرتكز على ذلك النص المنقول عن (مَعْمَرْ) ليوهم القارئ بأنه يُوَثِّقُ ما يقول، ويملك دليلًا على ما يَدَّعِي.
وهذا النص الذي نقله فيه تحريف متعمَّد يقلب المعنى رأسًا على عقب، وأصله كما عند ابن عساكر، وابن سعد: أنَّ الزُّهُرِيَّ كان يمتنع عن كتابة الأحاديث - كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم، ولا يَتَّكِلُوا على الكتب كما ذكرنا من قبل - فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عليه أَنْ يُمْلِي على ولده ليمتحن حفظه كما تقدم، وأملى عليه أربعمائة حديث، خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْرًا قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلاَءِ، وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا
[ ٣٠ ]
حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث».
هذا هو النص التاريخي لقول الزُّهْرِي، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر وهو: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ - أَيْ كِتَابَتَهُ - حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ». اهـ.
ونترك التعليق لقلم المرحوم الدكتور مصطفى السباعي إذ يقول: «فانظر كم الفرق بين أنْ يكون قول الزُّهْرِي كما روى جولدتسيهر: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وبين أنْ يكون قوله كما رواه المُؤَرِّخُونَ: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ» أو كما رواه الخطيب «عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ» ثم انظر إلي هذه الأمانة العلمية حذف «الـ» من «الأَحَادِيثِ» فقلبت الفضيلة رذيلة حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة الزُّهْرِي وإخلاصه في نشر العلم، فلم يرض أَنْ يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إِلاَّ أَنْ يبذله للناس جميعًا، فإذا (أمانة) هذا المُسْتَشْرِقِ تجعله ينسب لِلْزُّهْرِي أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها، فأين هذا من ذاك؟؟» (٢٦).
وِلْ دْيُورَانْتْ:
وإذا شئنا نماذج أخرى لتحريفاتهم، فإليك ما أورده (ول ديورانت) في كتابه " قصة الحضارة " (٢٧).
يقول عن النبي - ﷺ -: «وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره،
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٢٢١ - ٢٢٣.
(٢) قامت على ترجمة هذا الكتاب الإدارة الثقافية بالجامعة العربية، وصدر على نفقتها في أكثر من ثلاثين جزءًا. وقد نقد هذا التصرف من الجامعة العربية الأستاذ الجليل محمد محمد حسين - ﵀ -، وقال: « إنَّ اختيار هذا الكتاب للترجمة جريمة دبَّرتها الصهيونية الهَدَّامة المُتَخَفِّيَةِ في زوايا اليونسكو إلخ» انظر " حصوننا مهددة ن داخلها ": ص ١٨٧ - ١٨٩ لترى نقدًا موضوعيًا علميًا لهذا الكتاب.
[ ٣١ ]
وظن أنَّ يهود خيبر قد دَسُّوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات، ونوبات غريبة إلخ» (٢٨).
ولا يعنينا أنْ نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين - فليس هذا مجال مناقشته، ولكن الذي يعنيني أنْ أضبط هذا المُسْتَشْرِقَ العلاَّمة، مُتَلَبِّسًا بخيانة المنهج، وذلك قوله: «وَظَنَّ أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قَدْ دَسُّوا لَهُ السُمَّ فِي اللَّحْمِ». فهذا التعبير بـ «ظَنَّ» يريد به أنْ ينفي صحة الخبر، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله - ﷺ - بالسُمِّ، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه.
وهذا الخبر (خبر دس السم) موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة، فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر، وأورده ابن سعد في " طبقاته "، ورواه " البخاري " في غير موضع: ٥/ ١٧٦، و" مسلم ": ٧/ ١٤ - ١٥ كلاهما من حديث أنس، وأحمد برقم ٢٨٨٥ من حديث ابن عباس و" أبو داود ": ١/ ١٤٦، و" الدارمي ": ١/ ٣٣ عن جابر [وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول - ﷺ -، عن هذا الجُرْمِ الفظيع، مع موت الصحابي الجليل البراء بن معرور بهذا السُمِّ].
ومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادره تأبي (الأمانة العلمية) و(الحيدة الأكاديمية) و(منهج البحث) على هذا المُسْتَشْرِق العتيد إلاَّ أنْ يُزَيِّفَ ويُحَرِّفَ، فينكر الخبر، وينسب الحادثة في إيجاز بارع إلى مجرد ظَنٍّ ووهم.
وعلى حين ينكر هذا الخبر الثابت، يُحَرِّفُ وَيُزَيِّفُ خبرًا آخر، يزيد فيه وينقص منه.
فيقول في ص ٧٧ وهو يتحدَّثُ عن الثراء الذي جاء المسلمين نتيجة للفتح: « وكان للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة، وكان يمتلك ألف جواد، وعشرة آلاف عبد ».
_________________
(١) الجزء الثاني من المجلد الرابع، مسلسل رقم ١٣ ص ٤٦ سطر ٧ - ١٠.
[ ٣٢ ]
وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز يجمع ألوانًا وأفانين من التحريف، ففيه زيادة، وفيه نقص، وفيه تغيير وتبديل. وبيان ذلك:
أنَّ الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا: «وكان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يُدْخَلُ إلى بيته منها درهمًا واحدًا يتصدَّق بذلك جميعه».
هكذا ورد الخبر في:
١ - " الإصابة " لابن حجر العسقلاني: ١/ ٥٤٦.
٢ - " أسد الغابة " لابن الأثير: ٢/ ١٩٨.
٣ - " البداية والنهاية " لابن كثير: ٧/ ٢٥١.
٤ - " صفة الصفوة " لابن الجوزي: ١/ ٣٤٦.
٥ - " الاستيعاب " لابن عبد البر (بهامش " الإصابة "): ١/ ٥٨٣.
وبعض هذه المراجع من منشورات المُسْتَشْرِقِينَ، أعني هذا الخبر بهذه الصبغة كان متاحًا له وبين يديه، «وهم يزعمون، ويزعم تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفًا إلاَّ بعد جمع كل تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفًا إلاَّ بعد جمع كل ما يتصل بموضوعهم) ولكنه كما ترى ارتكب التحريفات الثلاثة الآتية».
١ - زيادة ألف جواد من عنده، فقد أقحمها في الخبر، ولا وجود لها فيه أصلًا.
٢ - نقص الجزء الأخير من الخبر عن تصدق الزبير بخراج هؤلاء المماليك.
٣ - زيادة الألف مملوك إلى عشرة آلاف.
وهكذا تكون (الأمانة العلمية) و(النزاهة) و(الحيدة) و(التجرد) و(المنهج) إلى آخر هذا الركام من الأحجار التي يُلقمونها لمن يريد أنْ ينظر في عمل المُسْتَشْرِقِينَ.
[ ٣٣ ]
وهاك نموذج آخر للتحريف وخيانة المنهج، وهو ما قاله هذا المُسْتَشْرِقُ عن هارون الرشيد، ذلك الخليفة العظيم، وعلاقته بالبرامكة، قال: «وكان هارون يحب جعفر حبًا أطلق ألسنة السوء في علاقتهما الشخصية، ويقال: إنَّ الخليفة أمر بأنْ تصنع له جبة ذات طوقين، يلبسها هو وجعفر معًا، فيبدوان كأنهما رأسان فوق جسم واحد، ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية» (٢٩) (كذا).
انظر: مؤرِّخُ الحضارة، عملاق الفكر، وربيب الأكاديمية، وسادن العلم، وأستاذ البحث والمنهج، ينكر الحديث الثابت والخبر المتفق عليه، الذي تردَّد في كل الكتب تقريبًا، «عن دَسِّ اليهود السُمَّ للرسول - ﷺ -»، وَيُضِيفُ وَيُغَيِّرُ في خبر ثروة الزبير - ﵁ -، ويأتي هنا بخبر (لقيط) لا يُدْرَى له أصل، فيحتفي به أيما احتفاء، بل يبني عليه من عنده، فيتَّخذ منه مناسبة ليطعن بغداد دار السلام عاصمة الدنيا كلها في ذلك الوقت، فيقول: «ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد اليلية» هكذا يقذف المجتمع كله بهذ الفرية، ولنا على هذا الكلام ملاحظتان:
الملاحظة الأولى:
أنَّ الخبر على فرض صِحَّتِهِ، كان الأولى به أنْ يعف عن ذكره، فلا (يُلَوِّثُ) به كتابه، ولا يؤذي به حياء قارئه، فهذا شأن العلماء، والباحثين، لا سيما وأنَّ الخبر في سياقه مقحم لا قيمة له، فإثبات قوة الصلة بين هارون الرشيد والبرامطة لا تحتاج إلى مثل هذا الفحش، الذي يعف عنه عامة الناس، بله كبار العلماء، (آهٍ متى يعود لأمَّتنا مكانها حتى تقيم حدود الله، وتجلد هؤلاء القذفة).
_________________
(١) الجزء الثاني من المجلد الرابع (مسلسل رقم ١٣) ص ٩٣ سطر ٥ - ٨. ولا يعفي " ديورانت " أنه عزا هذا الكلام إلى " مرجليوث " في كتابه " محمد ومطلع الإسلام " بل إنَّ هذا يضاعف الجرم (أفعى ترضع سُمًّا) ويشهد بعراقة الإفساد، وتمكن الحقد من نفوس القوم، وإحكام الكيد وسوء المكر، وإنَّ الإنسان ليعجب أيَّ علاقة لهذا الكلام عن هارون الرشيد بكتاب عن " محمد ومطلع الإسلام "؟؟ أية منهجية هذه؟؟؟
[ ٣٤ ]
الملاحظة الثانية:
أنَّ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ دائمًا يدعون إلى العقل، وتحكيم العقل في الخبر مهما كانت صحة سنده، والسؤال للمستشرق العملاق، هل يقبل عقلُ غافل (أي عاقل)، بله عقل متحضر، بله عقل (مؤلف عالمي) هل يقبل العقل أنْ يمشي رجلان في ثوب واحد؟؟ وكيف؟ وبأي سعة يكون هذا الثوب؟ وأيهما يمشي أولًا؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما؟؟.
وإذا تركنا هذا الإمكان (العلمي)، فهل يقبل العقل أنَّ حاكمًا في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغًا لهذا العبث، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أنَّ من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أنْ يكون صاحب هذا التارخ الذي زحم الدنيا، من الغزوات والانتصارات والسفارات، والبناء، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور، هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد الرشيد، هل يقبل عقلُ عاقل أنَّ هارون الرشيد الذي كان يقود الجيوش بنفسه، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان، هذا الذي أَذَلَّ أباطرة الروم، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسهم ومؤامرتهم، حتى مات مجاهدًا ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته، بعيدًا عن عاصمته و(قصره) مسيرة أيام، هل يعقل عاقل أنَّ هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط؟؟ إلاَّ في عقل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ.
بل إنَّ جعفر البرمكي هذا كان قائدًا مُحَنَّكًا، ولا شك أنَّ مُؤَرِّخَ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة، وأنَّ هارون الرشيد كان يرمي به في أخطر المآزق، ويلجأ إليه في أشق المضايق، فطالما قمع الفتنة، وردع
[ ٣٥ ]
العدوان، وَسَدَّ الثغور، وحمى الحصون، جال في أرض العدو وصال.
أفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين يكون فارغًا لما يرمز إليه بهمزه ولمزه، ذلك المؤلف العالمي (الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ) (٣٠).
متشرق ثالث:
فَانْ فلُوتن:
يعتبر (فان فلوتن) أحد المُسْتَشْرِقِينَ المعنيين بالتاريخ الإسلامي، خاصة فترة الأمويين والعباسيين، ونستطيع أنْ نجد اسمه يتردَّدُ في كثير من الكتب الجامعية مرجعًا من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فَيُخَيَّلُ للباحثين والدارسين أنه (وَثَّقَ) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه ز
" السيطرة العربية ":
لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظرًا لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سَنَةَ ١٩٣٤ م الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم وطبعت الترجمة طبعتين، ثم ترجمه سَنَةَ ١٩٨٠ م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون، وفلوتن متخصِّص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع، ودراسته ومقالاته تتجه كلها هذه الوجهة.
ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر
و
_________________
(١) نحن نعرف ويعرف (ول ديورانت) أكثر مِنَّا مَنْ قادة الفكر والرأي في بلاده يصدق عليهم يقينًا ما حاول أنْ يرمي به هارون الرشيد وجعفر بل حاول أنْ يرمي به المجتمع المسلم في بغداد كلها، نحن نعرف ولكن نعفُّ ونُطَهِّرُ قلمنا وكتابنا أنْ نذكر، ولا نهم ولا نلمز.
[ ٣٦ ]
(خيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جُرْمًا أي جرم.
ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجُّم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أنْ يكون سَبًّا وَشَتْمًا (بأسلوب أكاديمي)، وإنما يعنينا هنا جريمته في حق (التراث) وكيف حَرَّفَ المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال:
جاء في ص ٦٧: قوله: «وقد فرضت حالة الترف المتصاعدة هذه [يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح] تغطية دائمة لمواجهة متطلبات جديدة، واللجوء إلى الاستدانة كطريقة فَذَّةٍ من أجل إشباع رغباتهم » ثم أحالنا على " الطبري ": ١/ ٢٨١١.
فماذا نجد في الطبري في هذا الموضع؟
لم نجد في " الطبري " إلاَّ خبرًا عن استدانة سعد بن أبي وقاص من بيت مال الكوفة، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وكان سعد والي الكوفة، فاستقضى عبد الله بن مسعود - ﵁ - سعدًا. واشتدَّ في مطالبته، فاستمهله سعد فلم يقبل، وكان بينهما تلاوم، ووصل إلى عثمان بن عفان - ﵃ جَمِيعًا -، ملامهما معاص، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله - ﷺ -، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس، وعزل سعدًا، وأقرَّ عبد الله بن مسعود على عمله.
هذا هو ما ذكره الطبري، فكيف يفهم منه أيُّ قارئ؟ بَلْهَ باحث ضليع، يقتعد مقعد الأستاذية؟؟
كيف يفهم من هذه الحادثة أنَّ الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع؟؟ وأنها أصبحت وسيلة (فَذَّةٍ) لإشباع الترف الذي شاع فيه؟ كيف يفهم هذا؟ وبأي منطق يقال هذا؟ وأي ترف كان في مجتمع الكوفة سنة ٢٦ هـ؟
ثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا ولا ألا يجد فيها فخرًا للإسلام والمسلمين؟؟ ألاَ ترى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أنْ ينال من مال الجماعة إلاَّ قرضًا. ثم الا يرى كيف كانت أمانة خازن بين المال الذي لم يسمعه السكوت عن (الواالي).
[ ٣٧ ]
واصطناع يَدٍ عنده، وأي (يَدٍ)؟ بالتأجيل فقط طبعًا (لا بالتنازل) ثم ألاَ يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفًا) (صرفًا) (خازنًا) يلاحي الأمير، ويناصيه، ويغلظ له؟؟!! أية (ديمقراطية) هذه؟؟ ألاَ تهز أعطافه؟ ألاَ تُرَوِّعُهُ؟ ألاَ تُبْهِرُهُ؟.
ثم ألاَ يتبادر إلى الذهن أنَّ الحاجة، والفاقة هي التي ألجأت سعدًا إلى الاستدانة؟؟ وهذا هو الواقع!! ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت؟؟ وفي أي مجال كان ينفق فيه في ذلك الحين؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف!!
ثم لو مَدَّ بصره قليلًا لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة، وكيف أنَّ سعدًا لشدة ألمه من عنف عبد الله بن مسعود، وعدم رفقه وَتَأَنِّيهِ به - رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم رب السماوات والأرض فقاطعه عبد الله بن مسعود قائلًا: ويلك!! قُلْ خيرًا ولا تلعن. وخاف أنْ يدعو سعدُ عليه، فقال سعدٌ عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك!!! كلمات تقطر تقوى، وتندى بالحب والإخاء، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف.
ولو قرأ بقية الصفحة لوجد أنَّ الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنين، وليس على داره باب!!! فأي ترف؟ وأي استدانة؟.
ولكن هكذا بهذا التحريف، وبهذا التزييف، استكره النص، واستنطقه ما لا ينطق به، وقال على الطبري ما لم يقل، وقلب الحسنات سيئات.
والأمثلة لا تنتهي، ولكننا نكتفي بنموذج آخر من كلام (فلوتن) في نفس الكتاب. في نفس الموضوع جاء في ص ٦٦: «ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراءً، فاحشًا كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب، يصطحب معه أكثر من ألف من الجمل، عليها متاعه وخدمه» ثم نسب ذلك إلى " الطبري ": ٢/ ٨١٠٦ س ٨.
وعلى البديهة ترفض أنْ يكون هذا الكلام في " الطبري "، فنحن نعرف الطبري - ﵁ - إمامًا ورعًا، مُؤَرِّخًا مُحَدِّثًا فَقِيهًا، أو على الأقل (عاقلًا
[ ٣٨ ]
يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أنَّ الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضعُ مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم؟.
لو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لاتَّهَمَ صاحبه، أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أنْ يحكي هذا الكلام أو ينقله.
ولكن المُسْتَشْرِقَ العظيم في غمرة اجتهاده لإثبات أنَّ فتوحات المسلمين كانت انتهابًا لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها راح يجمع الأدلة من هنا وهناك، ويلويها لَيًّا، ويزيفها تزييفًا. إلاَّ أننا ما كنا نتوقع أنْ يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.
وهل لذلك أصل في " الطبري "؟؟.
إنَّ عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد أصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرَغِّبُ أهل العراق في القتال، ويبيِّن لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: « والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير ».
فالقائل هنا يريد أنْ يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه، فالسيد منهم يقف بالباب. ويعدها تكريمًا من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزُبَيْرِيِّينَ) لهم، فالواحد منهم على ألف بعيرٍ. ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش
[ ٣٩ ]
بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزُبَيْرِيِّينَ كلهم أمراء (*).
وهكذا نختم بهذا النموذج من تحريف المُسْتَشْرِقِينَ وخيانتهم للمراجع والمصادر.
ولا يَقُولَنَّ أحد: إنكم بهذا تتصيَّدون للقوم أخطاءهم تصيُّدًا!! ومن الذي لا يخطئ؟ بحسبهم فخرًا، ويكفيهم نُبْلًا أنْ تُعَدَّ عيوبهم، وأنْ تُحْصَى أخطاؤهم، من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط؟ لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.
والجواب:
أولًا: أنَّ هذه ليست كبوات، وليست هفوات، بل هي عَمْدٌ مع سَبْقِ الإصرار والترصد.
ثانيًا: أنها حقًا قليلة، لا تساوي شيئًا بالنسبة إلى ما في الكتاب من حقائق صادقة، ومعلومات قيمة، بل لما فيه أحيانًا من تمجيد لنا، وثناء على تاريخنا، واعتراف بعظمة ديننا. ولكن ذلك لا يخدع إلاَّ السُذَّجَ، والأغرار، فإنَّ هذا أمر مقصود، مدروس، وكيد محكم وتدبير خبيث، ذلك أنهم لو صارحونا بكل ما في جعبتهم من السهام، وما في فكرهم من سموم لكان لهم منا العناد والإعراض، بل المقاومة والدفاع، والانتقام، يقول العلاَّمة أبو الحسن الندوي - مَدَّ اللهُ في عمره - تحت عنوان: الاستراتيجية الدقيقة: «ومن دَأْبِ كثير من المُسْتَشْرِقِينَ أنهم يعينون لهم غاية ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كل رطب ويابس - ليس لها أي علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب والشعر، أو الرواية والقصص، أو المجون والفكاهة
_________________
(١) (*) انظر " العسكرية العربية " للواء الركن محمود شيث خطاب " كتاب الأُمَّة ": رقم ٣ ص ٤٤.
[ ٤٠ ]
، وإنْ كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جرأة، ويبنون عليها نظرية ليس لها وجود إلاَّ في نفوسهم وأذهانهم.
إنهم في أغلب الأحيان يذكرون عيبًا واحدًا، ويجوِّدون لتمكينه في النفوس بذكر عشرة محاسن، ليست لها أهمية كبيرة، وذلك كي يق القارئ خاشعًا أمام سعة قلوبهم وسماحتهم، ويسيغ ذلك العيب الواحد الذي يكفي لطمس جميع المحاسن.
وكثير من هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يَدُسُّونَ في كتاباتهم مقدارًا خاصًا من " السُمِّ " ويحترسون في ذلك، فلا يزيد على النسبة المعينة لديهم، حتى لا يستوحش القارئ، ولا يثير ذلك فيه الحذر، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف.
إنَّ كتابات هؤلاء أشد خطرًا على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون العداء، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء، ويصعب على رجل متوسط في عقليته أنْ يخرج منها، أو ينتهي في قراءتها دون الخضوع لها» (٣١).
_________________
(١) " الإسلام والمستشرقون " بحث ألقاه سماحته أمام المؤتمر الذي عقد بهذا الاسم (الإسلام والمستشرقون) بإشراف (دار المصنِّفين) بأعظم جره بالهند في فبراير سَنَةَ ١٩٨٢ م، وكان لنا شرف المشاركة فيه: (انظر " مجلة البعث الإسلامي " رمضان سَنَةَ ١٤٠٢ هـ، ص ١٤، ١٥).
[ ٤١ ]