مفهوم الاسْتِشْرَاق ونشأته:
يطلق لفظ الاسْتِشْرَاق على طلب معرفة ودراسة اللغات والآداب الشرقية، ويطلق لفظ المُسْتَشْرِقِ على الدارس للغات الشرق وفنونه وحضارته، وعليه فَالاسْتِشْرَاقُ دراسة يقوم بها غير الشَرْقِيِّينَ لتُراث الشرق، هذا من حيث المفهوم الواسع.
والذي يعنينا كما يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق (١) -: هو «المعنى الخاص لمفهوم الاسْتِشْرَاق الذي يعني الدراسات الغربية المتعلِّقة بالشرق الإسلامي في لغاته وآدابه وتاريخه وعقائده وتشريعاته وحضارته بوجه عام، وهذا هو المعنى الذي ينصرف إليه الذهن في عالمنا العربي والإسلامي، عندما يطلق لفظ استشراق أو مستشرق، وهو الشائع أيضًا في كتابات المُسْتَشْرِقِينَ المَعْنِيِّينَ».
وقد حظي الإسلام واللغة العربية باهتمام المُسْتَشْرِقِينَ الذين أَوْلَوْا هذين الموضوعين عنايتهم أَيَّمَا عناية، وشملوهما باهتمام دون غيرهما من سائر الموضوعات، وهذا مِمَّا يلفت النظر في - المقدمة - إلى معرفة أسباب هذه العناية - كما سيأتي - وحسبنا هنا أنْ نذكر قول «جون تاكلي»: «يجب أنْ نستخدم كتابهم - أي القرآن الكريم - وهوأمضى سلاح في الإسلام، ضِدَّ الإسلام نفسه، لنقضي عليه تمامًا، يجب أنْ نُري هؤلاء الناس أنَّ الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأنَّ الجديد فيه ليس صحيحًا!» ويقول «جِبْ»: «إنَّ الاسلام مَبْنِيٌّ على الأحاديث أكثر مِمَّا هو مَبْنِيٌّ على القرآن، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث الكاذبة لم يبق من الإسلام شيء» (٢)!.
_________________
(١) " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري ": ص ١٨.
(٢) " التبشير والاستعمار ": ص ٤٠ نقلًا عن المرْجِعَيْنِ الأَصْلِيَيْنِ.
[ ٩ ]
ولخَّصَ «بلغراف» عداءهم للقرآن في كلمته المشهورة: «متى توارى القرآنُ، ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أنْ نرى العربي يتدرَّج في سبل الحضارة التي لم يبعده عنها إلاَّ محمد وكتابه (١).
ولقد قُدِّرَ للقرآن الكريم أنْ يحتضن الإسلام واللغة العربية، كما قُدِّرَ للحديث النبوي ذلك، ومن ثم أصبحا أغنى المواضيع عند المُسْتَشْرِقِينَ على الإطلاق، واستأثرا باهتمامهم، فتوفَّروا عليهما، وبحثوا في كل ما قدروا عليه من علومهما، ودارت حولهما بحوثهم الأكاديمية بصورة تلفت النظر، وتسترعي الانتباه، وتستوقف الباحث المتأمل، ولا نكون غالين ولا مُتزيِّدين إذا قلنا: إنَّ القرآن والسُنَّة هما المحور الذي تدور حوله الدراسات الاستشراقية.
يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق (١): «ومن الصعب تحديد تاريخ مُعَيَّنٍ لبداية الاسْتِشْرَاق وإذا كان بعض الباحثين يشير إلى أنَّ الغرب النصراني يؤرِّخ لبدء وجود الاسْتِشْرَاق الرسمي بصدور قرار مجمع فيِنَّا الكَنَسِي في عام ١٣١٢ هـ بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوربية (٣)، ولكن الإشارة هنا إلى «الاسْتِشْرَاق الكَنَسِي» تدل على أنه كان هناك اسْتِشْرَاق غير رسمي قبل هذا التاريخ، فضلًا عن أنَّ هناك باحثين أُورُوبيِّينَ لا يعتمدون التاريخ المُشار إليه بداية للاِسْتِشْرَاقِ، ولذلك تتَّجه المحاولات في هذا الصدد لا إلى تحديد سَنَةٍ مُعَيَّنة لبداية الاسْتِشْرَاق، وإنما إلى تحديد فترة زمنية مُعَيَّنة على وجه التقريب، يمكن أنْ تُعَدَّ بدايةً للاِسْتِشْرَاقِ، وليس هناك شك في أنَّ الانتشار السريع للإسلام في المشرق والمغرب قد لفت بقوة أنظار رجالات اللاَّهوت النصراني إلى هذا الدين، ومن هنا بدأ اهتمامهم بالإسلام ودراسته .. وعلى الرغم من أنَّ الاسْتِشْرَاقَ يمتدُّ بجذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت، فإنَّ مفهوم مُسْتَشْرِق لم يظهر في أوربا إلاَّ في نهاية القرن الثامن عشر .. وأدرج مفهوم الاسْتِشْرَاق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام ١٨٣٨ م وعلى أية حال فإنَّ الدافع لهذه البدايات المُبَكِّرَةِ للاِسْتِشْرَاقِ كان
_________________
(١) " لمحات في الثقافة الإسلامية ": ص ١٧٤.
(٢) " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري ": ص ١٨ وما بعدها بتصرف.
(٣) انظر: " الاسْتِشْرَاق " إدوارد سعيد: ص ٨٠.
[ ١٠ ]
يتمثل في ذلك الصراع الذي دار بين العالمين: الإسلامي والنصراني في الأندلس وصقليَّة، كما دفعت الحروب الصليبية بصفة خاصة إلى اشتغال الأوربيين بتعاليم الإسلام وعاداته، ولهذا يمكن القول بأنَّ تاريخ الاسْتِشْرَاق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرون الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين: الديني والأيدلوجي ..
وقد نشأت الصلة بين الغرب خاصة والمسلمين عامة - كما يقول الدكتور عجيل النشمي (١) - منذ أنْ كان المسلمون في أسبانيا، وكانت أوثق الصلات بالمسلمين من فرنسا وإيطاليا وانجلترا، حيث إنَّ فرنسا عرفت المسلمين منذ أنْ اجتاح عبد الرحمن الغافقي بجيوشه جبال البرانس، واستولى على مدن كثيرة، إلى أنْ كانت موقعة بواتييه سنة ٧٧٢.
وكانت هناك صلة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ٨٠٩ ومراسلاته وهداياه مع الإمبراطور شارلمان ٨١٤ كان لها دور في توثيق الصِلاَتِ، ثم جاءت مرحلة الحروب الصليبية!
وهناك دوافع الحروب الصليبية التي يطول الحديث فيها، وكذلك الظواهر التي تَتَّسِمُ بها بحوث المُسْتَشْرِقِينَ، فنَّدَهَا المرحوم الدكتور مصطفى السباعي، فليرجع إليها من شاء (١).
وسارت فرنسا خطوات في احتلال شمال أفريقيا، وحملة نابليون على مصر، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وكل ذلك أثمر نتائج متعدِّدة متنوِّعة حضارية وثقافية وفكرية وعقائدية، ومن ثم كانت مدارس للدراسات الشرقية ومعاهد وجامعات ومجلاَّت.
ومعلوم أنَّ إيطاليا أعرق دول الغرب اتصالًا بالمسلمين وحضارتهم اتصالًا قويًا، ومن ثم عنيت جامعة بولونيا ١٠٧٦ بعلوم العرب، وجامعة نابولي ١٢٢٤ بثقافتهم، وجامعة روما ١٢٤٨ بالآثار واللغة والآداب العربية والألسنة السامية،
_________________
(١) " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ٧ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر: " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٨٧ - ١٨٩.
[ ١١ ]
وجامعة فلورنسا ١٣٢١ باللغات الشرقية، والجامعة الغريغورية ١٥٥٣ باللاَّهوت، والحق والقانون الشرقي والدراسات الإسلامية (١) .. وأصبح الرُهبان يُشَكِّلُونَ طلائع الاسْتِشْرَاق بصفة عامَّة.
وأما إنجلترا فقد تهيَّأَ لِلْمُسْتَشْرِقِينَ فيها ما لم يتهيَّأ لغيرهم، حيث امتدَّت الاتصالات العلميَّة والاقتصاديَّة، ثم الاستعماريَّة في الأندلس، ثم الهند والعراق ومصر وفلسطين، فكانت سبيلًا للاتصالات الثقافية والاحتكاك المباشر بالمسلمين وعلومهم (٢). ومن ثم نشأت حركة استشراقية واسعة، تتمثَّل في إنشاء كراسي للعربية والدراسات الشرقية في جامعاتها، مثل جامعة أُكسفورد ١١٦٧ وجامعة كمبريدج ١٢٥٧ وجامعة لندن ١٨٢٨ وجامعة درهام ١٨٣٨وجامعة فكتوريا ١٨٨٠ وجامعة ليدز ١٨٨٤ وجامعة ويلز ١٨٩٣ وجامعة ليفربول ١٩٠٣وجامعة بريستول ١٩٠٩، كما أنشأت المكتبات والمجلاَّت الشرقية المُتَخصِّصَة.
وهكذا كانت نشأةُ الاسْتِشْرَاقِ.
مراحل كتابة المُسْتَشْرِقِينَ:
وأما عن مراحل كتابة المُسْتَشْرِقِينَ فهي ترجع في عمومها إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الطلائع.
المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد سقوط غرناطة.
المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد سقوط الخلافة الإسلامية.
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر معالم كل مرحلة (٣).
الغارة على المخطوطات والكتب العربية:
وبحلول القرن الثامن عشر بدأ الغرب في استعمار العالم الإسلامي،
_________________
(١) انظر: " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ٧ - ٨. و" المستشرقون "للعقيقي: ١/ ٣٤٧ ط. ثالثة دار المعارف بمصر ١٩٦٤.
(٢) انظر: " المستشرقون " للعقيقي: ٧: ٠٤٤ ا - ١٠٨٠.
(٣) انظر: " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ١٠ وما بعدها.
[ ١٢ ]
والاستيلاء على ممتلكاته، واستباحة مُقَدَّسَاتِهِ وذخائره ونفائسه، فأخذ نفر من علماء الغرب ينبغون في الاسْتِشْرَاق، ويُصْدِرُونَ المجلاَّت في عواصم الغرب، وطَفِقُوا يُغِيرُونَ على المخطوطات العربية في البلاد الإسلامية التي أصبحت نهبًا مباحًا لهؤلاء الطامعين، بعد أنْ استعمرتها دولُهم وقهرتها، وبشتى الطرق ومختلف الأساليب أخذوا يجمعون هذه المخطوطات وتلك النفائس والذخائر من تراثنا العربي والإسلامي، إمَّا بشرائها من أصحابها الجَهَلَة، أو بسرقتها من المكتبات العامة التي كانت حينذاك في غاية الفوضى، وأخذوا ينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم ومتاحفهم!.
وإذا بأعداد من نوادر المخطوطات تنقل إلى مكتبات أوروبا ومتاحفها (١).
وإذا بنا نرى أنه قد بلغ عددها في أوائل القرن التاسع عشر (٢٥٠٠٠٠) خمسين ومائتي ألف مجلد، وما زال هذا العدد في زيادة مطردة حتى يومنا هذا!.
عقد المؤتمرات:
ويعتمد المُسْتَشْرِقُونَ - فيما يعتمدون - على عقد المؤتمرات العامة، من وقت لآخر، لتنظيم نشاطهم.
ويرجع تاريخ أول مؤتمر عقدوه إلى سنة ١٧٨٣ م وما زالت مؤتمراتهم تتكرَّر حتى اليوم.
مرحلة جديدة:
ثم مَرَّ الاسْتِشْرَاق بمرحلة جديدة، ففي القرن الثامن عشر أنشىء كُرْسِيَانِ جديدان للغة العربية في جامعتي أُكسفور وكمبردج، ثم اختتم هذا القرن بحملة نابليون على مصر وبلاد الشام، تلك الحملة التي صحبها عدد كبير من العلماء، كان أغلبهم من المُسْتَشْرِقِينَ.
وفي القرن التاسع عشر ازدهر الاسْتِشْرَاق، لما حدث من تطور كبير في الدراسات العربية، وما نشره علماء حملة نابليون، وتخريج مدرسة «دي ساس»
_________________
(١) انظر: " الاسْتِشْرَاق والمستشرقون مالهم وما عليهم ": ص ١٤، و" المستشرقون ": ١/ ١١٣، وكتابنا " الفهارس ومكانتها عند المحدثين ": ص ١٣ وما بعدها.
[ ١٣ ]
الفرنسية عددًا كبيرًا من المُسْتَشْرِقِينَ الأوروبيِّين، وإنشاء كراسي للغة العربية في كثير من جامعات أوروبا، وتأسيس الجمعيات الآسيوية، وإصدار مجلاَّتها، وإتاحة الفرصة لمعظم المُسْتَشْرِقِينَ لزيارة بلاد الشام، فتوافدوا عليها من مختلف الجامعات والبلدان الأوروبية.
وهكذا اقترن ازدهار الاسْتِشْرَاق بضعف الدولة العثمانية، وظهور أطماع الدول الأوروبية في الاستحواذ على أملاكها وعلومها المتنوعة.
وفي هذه المرحلة عمد المُسْتَشْرِقُونَ إلى تغيير أساليبهم ٠ وحاولوا أنْ يظهروا بمظهر جديد، هو ما زعموه - كذبًا وزُورًا - من تحرير الاسْتِشْرَاق من الأغراض التبشيرية، والاتجاه به وجهة البحث العلمي البحت!
مواكبة الاسْتِشْرَاق للغزو الاستعماري:
وقد واكب الاسْتِشْرَاق الغزو الاستعماري، ومَضَيَا معًا في طريق واحد، فإذا كان الغربيون قد غزوا البلاد الإسلامية تلك الغزوات الاستعمارية التي نعرفها، فإنَّ المُسْتَشْرِقِينَ منهم قد غزوا التراث الإسلامي، فأخذوا يقلبون وجوه البحث فيه، وألَّفوا فيه كثيرًا من الكتب، وساعدوا على تحقيق كثير من المخطوطات التي نقلوها إلى مكتبات بلادهم، أو أخذوا صورها من مكتبات الشرق، أو استنسخوها على ذمة نشرها محققة، وقامت من أجل ذلك صناعة نشر التراث الإسلامي في عدد من العواصم والمُدن الكبرى في أوروبا.
وعلى الرغم مِمَّا يزعمه المستشرقون في هذه المرحلة من أنَّ دراساتهم تقوم على أسس علمية وطيدة، فإنَّ الكثيرين منهم - مع الأسف - لم يَحِيدُوا عن الروح الصليبية التعصبية، وبخاصة الذين استعانت بهم دولهم لأغراض استعمارية، فكان هؤلاء يضعون الاتهام أولًا، ثم يبحثون عن الأدلة التي تقوي هذا الاتهام!
تسلل المُسْتَشْرِقِينَ إلى الدوائر العلمية واستعانتهم ببعض نصارى العرب:
ومِمَّا زاد الطين بلة أنَّ كثيرًا من طلبة العلم المسلمين وَلَّوْا وُجُوهَهُمْ شطر جامعات الغرب، وأخذوا يَؤُمُّونَهَا للدراسة فيها، وقد تأثر الكثيرون بما كان يلقيه أساتذتهم من المُسْتَشْرِقِينَ في أذهانهم!
[ ١٤ ]
كما أنَّ الغَرْبِيِّينَ استعانوا ببعض نصارى العرب في نشر أفكارهم وترويجها، وبَثِّ سمومهم ضد الإسلام والمسلمين!
هذا بالإضافة إلى أنَّ بعض المُسْتَشْرِقِينَ تسلَّلُوا الى الدوائر العلمية والجامعات في الدول الإسلامية، بل إلى المجامع العلميَّة في القاهرة ودمشق وبغداد!
دور الصهيونية في الاسْتِشْرَاق:
ولا ننسى دور الصهيونية التي دخلت ميدان الاسْتِشْرَاقِ لِتَحُولَ دون اجتماع المسلمين في وحدة تقاوم اليهودية العالميَّة، وتواجه دولة اليهود الباغية (إسرائيل) وفي مقدمة هؤلاء: «جُولْدْتسِيهِرْ» و«بندلي» و«جوزي» وغيرهم!
الغارة مستمرة:
وعلى الرغم من تحرُّر البلاد الإسلامية من ربقة الاستعمار، وجلاء المستعمرين عنها، وتطوُّر علاقاتها بدول الغرب، فضلًا عمَّا قام به أبناؤها من دراسات متعمقة في شتى المجالات أغنت أبناء وطنهم عن الكتابات الاستشراقية المغرضة التي ما فتىء البحث الموضوعي يكشف عمَّا تنطوي عليه من التواء ومغالطات، ومن ثَمَّ أخذ الكثير من المسلمين في الشرق يتعاملون مع هذه الكتب بِحَذَرٍ، فإنَّ الاسْتِشْرَاق ما زال يُصَوِّبُ سهامه إلينا، وما زلنا بحاجة إلى مزيد مِنَ الجُهود، لِرَدِّ كيد المُسْتَشْرِقِينَ إلى نُحورهم.
معاول هدم:
وها هي ذي معاول الهدم، تُرِيبُنَا في الاسْتِشْرَاق والمُسْتَشْرِقِينَ، وتدفعنا إلى أنْ نَتَوَجَّسَ خِيفَةً منهم ومن دراساتهم المُغرضة:
أولًا: استمرار بقاء كثير من المؤسسات التبشيرية الاستعمارية بين ظَهْرَانِينَا، ولا ريب في أنَّ كثيرًا من المُسْتَشْرِقِينَ يتعاونون على تحقيق أهداف هذه المؤسسات، لأَنَّ الاسْتِشْرَاق ارتبط منذ نشأته بالتبشير والاستعمار، فالجامعة الأمريكية - على سبيل المثال - لا تزال موجودةً في كل من القاهرة وبيروت واستانبول، وبناء على ذلك يجب ألاَّ نتوقَّع من هؤلاء في الوقت الحاضر الإنصاف
[ ١٥ ]
والموضوعية، وألاَّ نُضْفِي على كتاباتهم الصِّفَةَ العلميَّة الأكاديمية، باستثناء طائفة قليلة منهم.
ثانيًا: عدم قيام الدليل على أنَّ الاسْتِشْرَاق انفصل عن الطريق السياسي الاستعماري في تاريخنا المعاصر، فالمُسْتَشْرِقُونَ في كل البلاد الاستعمارية يتَّبعون وزارة الخارجية، مِمَّا يدل على أنَّ مُهمَّتَهُمْ سياسية وليست علميَّة، «فأنتوني إيدن» رئيس وزراء بريطانيا السابق لم يكن يتَّخذ قرارًا سياسيًا يتصل بالشرق الأوسط إلاَّ بعد الرجوع إلى المُسْتَشْرِقِينَ، أمثال «مرجيليوث»، كما أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ اليهود لا يزالون يعملون على تحقيق أهداف الصهيونية العالمية!
ثالثًا: استمرار ابتعاث الدول الإسلامية لِبَنِيهَا إلى الغرب للحصول على درجات علميَّة في مجال التربية وعلم النفس والدراسات الفكرية، بل الإسلامية!
رابعًا: امتلاء كثير من كتب المُسْتَشْرِقِينَ التي بين أيدينا بالمُغالطات والتحريف والالتواء، وهي - كسابقتها - تحتاج إلى بذل جهود مشتركة من علماء المسلمين، كُلٌّ في تَخَصُّصِهِ، لتوضيح مُعْوَجِّهَا أمام القارىء المسلم وغير المسلم، وحتى تلك التي يكتبونها لمواطنيهم تحتاج إلى تجلية، كي لا يُفْهَمَ الإسلام فهمًا خاطئًا!.
خامسًا: لا يزال بعض تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ، والضَّالِعِينَ معهم من نصارى العرب، يثيرون النزعات الشعوبية بين المسلمين بقصد تفتيت وحدتهم، مثل: «الفِرْعَوْنِيَّةِ» في مصر و«البَرْبَرِيَّةِ» في شمال أفريقيا و«الكُرْدِيَّةِ» في كُلٍّ من العراق وإيران!.
سادسًا: اعتراف كثير من المُسْتَشْرِقِينَ المُعاصرين - صِدْقًا أو تمويهًا - بأنَّ التعصب الديني لا يزال باقيًا في كتابات عدد منهم، يقول برنارد لويس: «لا تزال آثار التعصُّب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المُعاصرين، ومُسْتَتِرَةً وراء الحواشي المرصوصة في كتابات البعض الآخر منهم «كما يقول نورمان دانيل: «على رغم المحاولات التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرُّر من المواقف التقليدية للكُتَّاب المسيحيين عن الإسلام، فإنهم لم يتمكَّنوا من أنْ يَتَجَرَّدُوا منها تَجَرُّدًا تامًا كما يتوهَّمون» (١).
_________________
(١) انظر " التبشر والاستعمار ": ٤٥ وما بعدها.
[ ١٦ ]
هذه هي أهم معاول الهدم التي تدفعنا إلى أنْ نرتاب في دراسات المُسْتَشْرِقِينَ، ونتوجَّسُ منها خِيفَةً!.
إنكار نزول القرآن من عند الله:
وهم ينكرون أنْ يكون القرآن مُنَزَّلًا من عند الله، وحين يفحمهم ما ورد فيه من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية، مِمَّا يستحيل صدوره عن النبي الأُمِيِّ محمد - ﷺ -، وتبطل دعواهم ببشرية القرآن الكريم، وزعمهم بأنه ليس أكثر من تعبير عن انطباع البيئة العربية في نفس الرسول!.
حين تبطل دعواهم التافهة هذه، يزعمون ما زعمه المُشركون الجَاهِلِيُّونَ في عهد الرسول - ﷺ - من أنه اسْتَمَدَّ ذلك من أناس، ويتخبَّطون في ذلك تَخَبُّطًا عجيبًا!.
وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تُعْرَفْ وَتُشْكَفْ إلاَّ في هذا العصر، يُرْجِعُونَ ذلك إلى ذكاء النبي - ﷺ -، ويقعون في تخبُّط أشدَّ غرابة مِمَّا سبق!.
وعلى الرغم من أنَّ بعض تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ من العرب والمسلمين يقولون عن القرآن الكريم كلامًا يدل على اعتقادهم أنه فِكْرٌ تَأَثَّرَ ببيئة عربية مُعيَّنة، فإنَّ هناك عددًا من علماء المسلمين المعاصرين قد أعدُّوا دراسات علميَّة وافية في دحض تلك المزاعم الباطلة، والافتراءات المتهافتة (١).
التشكيك في صحة رسالة النبي - ﷺ -:
والمعتدلون منهم في كتاباتهم، يُشَكِّكُونَ في صِحَّةِ رسالة النبي - ﷺ -، لأنهم ينكرون أنْ يكون مُحَمَّدٌ نبيًا، ويتخبَّطون في تفسير مظاهر الوحي، كأنَّ الله لم يرسل نبيًا قبله، حتى يصعب عليهم تفسير الوحي!.
ولما كانوا يهودًا أو نصارى - في معظمهم - يعترفون بأنبياء، كان إنكارهم
_________________
(١) انظر: " في الشعر الجاهلي " للدكتور طه حسين، والردود عليه في نقض كتاب " في الشعر الجاهلي " للشيخ محمد الخضر حسين، وفي " النقد التحليلي لكتاب في الشعر الجاهلي " للدكتور أحمد محمد الغمراوي.
[ ١٧ ]
لنبوة خاتم النبيِّين تعنُّتًا مبعثه التعصُّب الديني الذي يملأ نفوس أكثرهم كأحبار ورُهبان وقسس ومُبشِّرين (١).
إنكار كون الإسلام دينًا من عند الله:
ويَتْبَعُ إنكارهم لنبوَّة الرسول - ﷺ - ونزول القرآن الكريم، إنكارهم أنْ يكون الإسلام دينًا من عند الله، وإنما هو - في زعمهم - مُلَفَّقٌ من اليهودية والمسيحية وليس لهم في ذلك مستند يؤيِّدُهُ البحث العلمي البَتَّةَ!.
ويلاحظ أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ اليهود أمثال: «جُولْدْتسِيهِرْ» و«شَاخْتْ» هم أشد حِرْصًا على ادِّعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه!
أما المُسْتَشْرِقُونَ المسيحيون فَيَجْرُونَ وراءهم في هذه الدعوى المتهافتة، إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أنْ يزعموا تأثُّر الإسلام به، وَأَخْذِهِ عنه، وإنما فيها مبادئ أخلاقية، زعموا أنها أثَّرت في الإسلام، ودخلت عليه منها، كأنَّ المفروض في الرسالات الإلهية أنْ تتعارض مبادؤُها الأخلاقية، وكأنَّ الذي أوحى من قبل هو غير الذي أوحى بعده، فتعالى الله عَمَّا يقولون علوًا كبيرًا!.
والظاهر أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ اليهود أقبلوا على الاسْتِشْرَاق لأسباب دينية، ترمي إلى التشكيك في قِيَمِ الإسلام، بدعوى فضل اليهود عليه وكأنَّ اليهودية مصدره الأول، ولأسباب سياسية تتَّصل بخدمة الصهيونية فكرة أولًا، ثم دولة ثانيًا!.
وحول ما يتعلق بالإسلام يَدَّعِي المُسْتَشْرِقُونَ أنَّ المجتمع الإسلامي في صلته بالإسلام لم يكن على نحو قوي إلاَّ في فترة قصيرة، هي الفترة الأولى، التي يطلقون عليها: عهد ابتدائية المجتمع الإسلامي، التي وجدت نوعًا من التلازم بين الحياة وتعاليم الإسلام، ويزعمون أنه كلما تطوَّر المجتمع ازدادت الفجوة، لأَنَّ الإسلام لا يوافق التطور!.
ومن هنا يسارعون إلى تقرير أنَّ التخلُّف عن تعاليم الإسلام تمليه الضرورة الاجتماعية، تحت ضغط ظروف الحياة المُتجدِّدَةَ، التي لا يستطيع الإسلام - كما
_________________
(١) انظر " الاستشراق والمستشرقون ": ص ٢٠.
[ ١٨ ]
يزعمون - أنْ يكيفها في تعاليمه، وعلى هذا فإنَّ تطبيق الإسلام في نظرهم، إنما يعني العُزلة والتخلُّف، ويرون أنَّ الحل هو في الخضوع لما يسمُّونه «قانون التطور» ولا يتمُّ ذلك كما ينادون إلاَّ بالسير وفق المُثُلِ الغربية والتفاعل معها!
التشكيك في صِحَّةِ الحديث النبوي:
ويتذرَّعُ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ - أحيانًا - بما دخل على الحديث من وَضْعٍ ودَسٍّ، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره، مستندين إلى قواعد بالغة الدِقَّةِ في التثبُّتِ والتحرِّي، مِمَّا لم يعهد عُشْرَ مِعْشَارِهِ في التأكد من صِحَّةِ الكتب المقدَّسة عندهم!
والذي حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم هذه ما رأوه في الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا من ثروة فكرية وتشريعية مُدْهِشَةٍ، وهم لا يعتقدون بنبوَّة خاتم النبيّين - كما أسلفنا - فادَّعُوا أنَّ هذا لا يعقل أنْ يصدر كله عن النبي الأميِّ، بل هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوَّةِ خاتم النبيِّين - ﷺ - ومنها تنبعث كل تخبُّطاتهم ومُفترياتهم وجهالاتهم!.
التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي:
ومن ثم شكَّك المُسْتَشْرِقُونَ في قيمة الفقه الإسلامي، ذلك التشريع الهائل الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور، لقد أسقط في أيديهم حين اطِّلاعهم على عظمته، وهم لا يؤمنون بنبوَّة خاتم النبيين، ومن ثم فلم يجدوا بُدًّا من الزعم بأنَّ هذا الفقه العظيم مُسْتَمَدٌّ من الفقه الروماني، أي أنه مُسْتَمَدٌّ منهم هُمْ، وقد بيَّنَ علماؤنا تهافت هذه الدعوى، وأيَّدَ ذلك ما قرَّرَهُ " مؤتمر القانون المقارن " المنعقد بلاهاي من أنَّ الفقه الإسلامي فِقْهٌ مُسْتَقِلٌّ بذاته، وليس مُسْتَمَدًّا من أي فِقْهٍ آخر!
التشكيك في قُدرة اللغة العربية:
وشكَّكُوا في قدرة لغتنا على مسايرة التطور العلمي، لنظلَّ عالة على مصطلحاتهم التي تُنادي بفضلهم وسلطانهم العلمي علينا، وشكَّكُوا كذلك في غنى
[ ١٩ ]
الأدب العربي، وحاولوا إظهاره مُجدبًا فقيرًا، لنتجه إلى آدابهم، وذلك هو الاستعمار الأدبي، الذي يبغونه مع الاستعمار الفكري الذي يرتكبونه!.
ومن المُبَشِّرِينَ نفر يشتغلون بالآداب العربية، والعلوم الإسلامية، أو يستخدمون غيرهم في سبيل ذلك، ثم يرمون كلهم بما يكتبونه إلى أنْ يوازنوا بين الآداب العربية والآداب الأجنبية، أو بين العلوم الإسلامية والعلوم الغربية التي يعُدُّونها نصرانية، لأنّض أمم الغرب تدين بها، ليخرجوا بتفضيل الآداب الغربية على الآداب العربية والإسلامية، وبالتالي إلى إبراز نواحي النشاط الثقافي في الغرب، وتفضيلها على أمثالها في تاريخ العرب والإسلام، وما غايتهم في ذلك إلاَّ تخاذل روحي، وشعور بالنقص في نفوس الشرقيين، وحملهم من هذا الطريق على الرضا بالخضوع للمدنية المادية الغربية (١)!
تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري:
وبتذرَّعُون لذلك بدعوى أنَّ الحضارة الإسلامية منقولة من حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلاَّ نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، ولم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكاري حضاري، وكان في حضارتهم كل النقائص، وإذا تحدَّثُوا بشيء عن حسناتها - وقليلًا ما يفعلون - يذكرونها على مضض، مع انتقاص كبير!.
إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم:
وذلك ببث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم ومُثُلٍ عليا، ليسهل على الاستعمار تشديد وطأته عليهم، ونشر ثقافته فيما بينهم، فيكونوا عبيدًا لها، أو على الأقل تضعف روح المقاومة في نفوسهم!
أخطاء سببها الجهل بالعربية والبعد عن الحياة الإسلامية:
وقد تَرَدَّى كثير من المُسْتَشْرِقِينَ في أخطاء كان سببها جهلُهُم بأساليب اللغة العربية، وجهْلِهِمْ بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، حيث يتصوَّرُونها كما
_________________
(١) انظر: " التبشير والاستعمار ": ص ٢٤.
[ ٢٠ ]
يتصوَّرون مجتمعاتهم، ناسين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرِّقُ بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها!
تلك نبذة مُختصرة عن الاسْتِشْرَاق والمُسْتَشْرِقِينَ، تضع يَدَنَا على معاول الهدم التي تنطق بها أعمالُهم التي حاولنا في هذه العُجالة كشفها، رجاء أنْ تكون في ذلك ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين!
دوافع الإحن والعصبية:
وإليك هذا المثال لدوافع الإحن والعصبية، فقد روى أحمد وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة - ﵁ -: دخل أعرابي المسجد، فصلى ركعتين ثم قال: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا».
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ! فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» (١).
وهو حديث واضح المعنى في وصف هذا الأعرابي البادي الجافي - كما يقول الشيخ أحمد شاكر (٢) - جاء من البادية بجفائه وجهله، فصنع ما يصنع الأحمق الجاهل، حتى علَّمَهُ معلِّمُ الخير - ﷺ -، لا يرتاب في معرفة جفاء الرجل وجهله من قرأ الحديث أو سمعه، أيًا كان القارئ أو السامع عالمًا أو جاهلًا وذكيًا أو غبيًّا، عربيًا أو أعجميًا.
أفليس عجبًا - بعد هذا - أنْ يغلب الهوى وبُغْضُ الإسلام، رَجُلًا مُسْتَشْرِقًا كنا نظنُّ أنه من أبعد المُسْتَشْرِقِينَ عن أهواء المُبَشِّرِينَ، ودناءات المُنْحَرِفِينَ! هو المُسْتَشْرِقُ بروكلمان، صاحب كتاب " تاريخ الأدب العربي " الذي حاول فيه
_________________
(١) " مسند أحمد ": ١٢/ ٢٤٤ - ٢٤٧ (٧٢٥٤) تحقيق أحمد شاكر، وأبو داود. الطهارة (٣٧٦) " عون المعبود "، و" سُنن الترمذي ". الطهارة (١٤٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) " مسند أحمد ": ١٢/ ٢٤٥ - ٢٤٧ بتصرف.
[ ٢١ ]
استقصاء المؤلفات العربية، والقديم منها خاصة، مع الإشارة الى مكان النادر والمخطوط منها.
ذلك المُسْتَشْرِق، الذي كنا نتوهَّمه مُتساميًا على ما يرتكس فيه إخوانه علماء المشرقيات، ألَّف كتابًا آخر في " تاريخ الشعوب الإسلامية " ترجمه أستاذان من بيروت، هُمَا الدكتور نبيه أمين فارس، والأستاذ منير البَعْلَبَكِي، في خمسة أجزاء، وطبع ببيروت، وجزؤه الأول طبع سنة ١٩٤٩ م.
هذا الرجل الذي كنا نظنُّهُ عاقلًا! يقول في الجزء الأول من كتابه (١)، حين يتحدَّثُ عن بلاد العرب قبل الإسلام، وعن أحوالهم الاجتماعية في شمالي الجزيرة، يقول بالحرف الواحد:
«والبَدَوِيُّ كائن فردي النزعة، مُفْرطُ الأنانية قبل كل شيء، ولا تزال بعض الأحاديث تسمح للعربي الداخل في الإسلام، أنْ يقول في صلاته: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»!
هكذا يقول هذا الرجل الواسع الاطلاع على الكتب العربية، والمؤلفات الإسلامية! غير الجاهل بكلام العرب، ولا الغافل عن معنى ما يقرأ، والحديث أمامه في كتب السُنَّة كاملًا، ينقل منه حرفًا واحدًا، وَيَدَعُ ما قبله وما بعده! هذا الرجل الذي أظهرت كلمته أنَّ الإحن والعصبية الصليبية تملأ صدره، وتغطي على بصره وعقله!.
حادث فردي، من بدوي جاهل، لم يمر دون أنْ ينكر عليه الناس، ودون أنْ يعلمه المُعَلِّمُ الرفيق، - ﷺ -: يجعله هذا المُفتري الكذَّاب، قاعدة عامة لخُلُقِ أهل البادية! يجعل الحادثة الجزئية قاعدة كلية، وهذا آعجب أنواع الاستنباط فيما رأينا وعلمنا!
ولستُ أدري لماذا لم يستنبط أيضًا من هذه الحادثة الفردية قاعدة كلية أخرى: أنَّ من خُلُقِ أهل البادية إذا دخلوا مسجدًا، أو حضروا جمعًا عظيمًا من الناس أنْ يُبادروا إلى البول في المسجد، أو في حضرة الناس! حتى يكون هذا المُسْتَشْرِق منطقيًا مع نفسه، والأعرابي صاحب الحادثة صنع الأمرين!.
_________________
(١) الترجمة العربية: ١٦.
[ ٢٢ ]
ولم يكتف هذا المُسْتَشْرِق بما أبدى من ذكاء وأمانة! فافترى على الإسلام الكذب الصراح، حين زعم أنه لا تزال بعض الأحاديث تسمح للعربي الداخل في الإسلام أنْ يدعو بهذا في صلاته! أهذا صحيح أم كذب؟!
وإنْ أَعْجَبُ فَعَجَبٌ أنْ يَدَعَ الدكتور عمر فروخ التعليق على كلام هذا المُسْتَشْرِقِ الكذَّاب! وأنْ يقتصر الأستاذان مُعَرِّبَا الكتاب على التعليق ببيان موضع الحديث في بعض كُتُبِ السُنَّةِ، نقلًا عن فهارس المُسْتَشْرِقِينَ!
نعم، فقد ذكر المُتَرْجِمَانِ، في مقدمة الترجمة (١) أنه إذا كان في الكتاب بضعة آراء خاصة بالمؤلف تتنافى أحيانًا مع وجهة النظر الإسلامية، فقد عهدنا بالتعليق إلى زميلنا الدكتور عمر فروخ، أستاذ الفلسفة في كلية المقاصد الإسلامية في بيروت، وعضو المجمع العلمي بدمشق، وأنهما ليسا في حاجة إلى القول أنَّ هذا لا يفيد بالضرورة موافقتنا المؤلف على آرائه الباقية جميعًا، لأنَّا لم نستهدف بالتعليق إلاَّ تلك الآراء التي تتَّصل بحياة الرسول وتعاليم الإسلام.
أفلم يقرأ الأستاذان المُتَرْجِمَانِ هذا الحديث في مصادره التي أشارا إليها حين الترجمة والتعليق؟ إِذْ أكاد أثق أنهما قرآهُ، حين ترجما نص الدعاء ترجمة صحيحة، وما أظنُّ أنهما كانا حافظين لنصِّه في الذاكرة من قبل، ولوكان لكان أبعد لهما من العذر!
أولم يعرفا ولم يعرف الدكتور عمر فروخ، من بَدَائِهِ دينهم، أنه لا يعقل عقلًا أنَّ بعض الأحاديث لا تزال تسمح للعربي الداخل في الإسلام بهذا الدعاء؟ إ
_________________
(١) المقدمة: ص ٧.
[ ٢٣ ]
تمهيد:
أثار المُسْتَشْرِقُونَ شُبُهَاتٍ حول مفهوم السُنَّة والحديث، تدعونا إلى بيان هذه الشُبُهَات ودحض ما ذهبوا إليه، ومن ثَمَّ كان لاَ بُدَّ في المقدمة من بيان المفهوم لغةً واصطلاحًا.
مَفْهُومُ السُنَّة:
يطلق لفظ السُنَّة لغةً على الطريقة والسيرة حسنةً كانت أوسيئةً (١) .. وخَصَّهَا بعضُهُم بالطريقة الحسنة .. قال الأزهري: والسُنَّة: الطريقة المستقيمة المحمودة، ولذلك قيل: فلان من أهل السُنَّة (٢). وقال الخطَّابي: إنَّ السُنَّة في اللُّغة الطريقة المحمودة خاصة (٣).
قلت: الأول راجح لغة والثاني مرجوح، ففي الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن جرير بن عبد الله أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا،
_________________
(١) " لسان العرب "، و" القاموس المحيط "، و" الصحاح "، و" المعجم الوسيط " (سنن) و" كشاف اصطلاحات الفنون ": ص ٤٠٣.
(٢) " تهذيب اللغة ": ٤/ ٢٩٨.
(٣) " إرشاد الفحول ": ص ٣٣.
[ ٢٤ ]
وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (١).
وفي رواية للشيخين عن أبي سعيد الخُدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟» (٢).
قال ابن حجر: (سَنَنَ) بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناهْ بضمها.
وقال المهلب: بالفتح أولى، لأنه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر، وهو الطريق (٣).
وفي الاصطلاح يختلف معناها حسب اختلاف مناهج العلماء .. حيث اصطبغت في الإسلام صبغة أكسبتها معاني، استمدَّ كل فريق من علماء الإسلام المدلول الخاص به من تلك الصبغة، إذ إنها من الكلمات التي خصَّصها المفهوم الإسلامي عن معناها اللغوي المطلق (٤).
فقد استعملت بمعنى تعاليم الشريعة الإسلامية، وعلى هذا المعنى تشمل كافة التعاليم الواردة في القرآن والحديث، أو المستنبطة منهما مِمَّا هو حُجَّةٌ، ويحمل على هذا المعنى ما جاء من الأخبار والآثار التي تَحُثُّ على التزام تعاليم الشريعة، وعدم التفريط فيها، وكذلك الأحاديث التي تُبَيِّنُ أحكامًا معيَّنة لحوادث وقعت، أو تظهر الأمر الذي كان عليه عمل النبي - ﷺ - وأصحابه عند مخالفة
_________________
(١) " صحيح مسلم ": ٢ ا، الزكاة ٦٩ (١٠١٧) وفيه قصة، و" سُنن الدارمي ": ١: ١٣٠، و" مسند أحمد ": ٤/ ٣٥٧، ٣٥٨ - ٣٦٢، و" سُنن النسائي ": ٥/ ٧٥، ٧٦، و" سُنن ابن ماجه ": المقدمة (٢٠٣)، و" الترمذي ": ٤٢ - العلم (٢٦٧٥) بلفظ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا».
(٢) " البخاري ": ٩٦، الاعتصام (٧٣٢٠)، و" مسلم ": ٤٧، العلم ٦ (٢٦٦٩)، وانظر: " منحة المعبود ": ١/ ٤٠ - ٤١.
(٣) " فتح الباري ": ١٣/ ٣٠١.
(٤) " الوضع في الحديث ": ١/ ٣١ وما بعدها بتصرف.
[ ٢٥ ]
ذلك - فكلها تستعمل السُنَّة بمعنى تعاليم الشريعة .. والأدلَّة على ذلك كثيرة (١).
وفي كثير من الأحاديث جاءت كلمة السُنَّة في مقابلة القرآن أو معطوفة على كلمة الكتاب، والمقابلة والعطف يقتضيان المغايرة غالبًا، فمن الطبيعي أنْ تحمل على معنى مُسْتَقِلٍّ يغاير المعنى الأول - الذي هو تعاليم الشريعة وقد فُسِّرَ بالوحي غير المَتْلُوِّ، وغير المُعْجِزِ الذي كان ينزل على رسول الله - ﷺ -، والذي عرف لدى العلماء بالحديث.
وهذا التفسير أَخَصُّ من التفسير الأول .. ويمكن القول بأنه متى اجتمعا افترقا، وحيث يكتفى بذكر السُنَّة تشمل الاثنين معًا، وقد جاءت الأحاديث بالمعنى الثاني كما جاءت بالمعنى الأول ..
بهذين المعنيين عرفت كلمة السُنَّة في الرعيل الأول، وبهما اصطبغت الكلمة في المفهوم الإسلامي في عصر النبي - ﷺ -، وعصر الصحابة، والتابعين، ثم بدأت تأخذ مفهومًا أَخَصَّ، حيث إنَّ علماء التشريع الإسلامي بدأت نظراتهم تختلف في مدلول كلمة السُنَّة تَبَعًا لاختلاف الموضوع الذي يَحُثُّ فيه كل فريق منهم ..
فهي عند المُحَدِّثِينَ - على ما ذهب إليه جمهورهم: أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته، وصِفَاتِهِ الخَلْقِيَّةِ والخُلُقِيَّةِ، وسِيَرِهِ ومغازيه، وبعض أخباره قبل البعثة، مثل تَحنُّثِهِ في غار حراء، وحُسْنُ سِيرَتِهِ، وأنه كان أُمِيًًّا، وما إلى ذلك من صفات الغير وحُسْنُ الخُلُقِ (٢).
وتعريفهم هذا مَبْنِيٌّ على عنايتهم بإثبات (٣) وتصحيح كل ما يتَّصِل بالنبي - ﷺ - من أقوال أو أفعال، أو تقريرات، وخُلُقٍ وسيرةٍ، وشمائل، وأخبار، سواء أثبتت أحكامًا شرعية أولا .. وهو مستمدٌّ من تفسير السلف للسُنَّة بأنها آثار رسول الله - ﷺ - ..
_________________
(١) انظر: المرجع السابق.
(٢) " الحَدِيثُ والمُحَدِّثُونَ ": ص ١٠، وانظر " مجموع فتاوى " شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٠/ ١٨، و" إرشاد الفحول ": ص ٣٣، و" السُنّة قبل التدوين ": ص ١٦، و" السُنَّة ومكانتها في التشريع ": ص ٥٩، و" السُنَّة النبوية ومكانتها " عباس متولى حمادة: ص ٢٣.
(٣) " الوضع في الحديث ": ١/ ٣٧ بتصرف.
[ ٢٦ ]
وعند الأصولييِّن ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن من الأقوال والأفعال، وبعضهم يضيف التقرير، وبعضهم يضيف الترك، وغيرهم يضيف الهَمَّ والإشارة، ونحو ذلك، والأولى ترك ما ذكر، ما عدا الأقوال والأفعال، كما منع البيضاوي في " المنهاج "، لأَنَّ كل ما ذكر مِمَّا سواهما فهو فعل على الراجح .. ومن ادَّعَى أنَّ شيئًا مِمَّا ذكر ليس فعلًا، وأنه حُجَّةٌ، فيلزمه ذكره في التعريف (١).
وتعريفهم هذا مَبْنِيٌّ على عنايتهم بالدليل، ومنه السُنَّة التي أُمِرْنَا باتِّباعها. وعند الفقهاء: الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، بمعنى النافلة والمندوب .. وبعضهم خَصَّ ذلك بنوع من القُرْبَةِ يطلق على ما داوم عليه النبي - ﷺ - من التعبُّدات، كالرواتب وصوم الاثنين والخميس، دون ما لم يُداوم عليه (٢) ..
وتعريفهم هذا مَبْنِيٌّ على عنايتهم بالحُكم.
وعند علماء العقيدة والوعظ والإرشاد (٣): ما وافقت الكتاب والحديث، وإجماع سلف الأمَّة من الاعتقادات والعبادات، وتقابلها البدعة، ومن هنا استعمل الاصطلاح المشهور: «أهل السُنَّة».
وتعريفهم هنا مَبْنِيٌّ على عنايتهم بالأعمال التعبُّدية وموافقتها للدليل، وَرَدِّ ما خالف ذلك.
مفهوم الحديث:
أماالحديث فإنه يطلق لغة على الجديد والخبر .. ولا يختلف معناهُ عَمَّا سبق .. وما جاء من أقوال يبدو فيها اختلافٌ في الألفاظ فهو من قَبِيلِ اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات،، وليس من قَبِيلِ الاختلاف في الحقيقة، كما يتوهَّمُهُ الذين لا يمعنون النظر (٤).
_________________
(١) " أفعال الرسول - ﷺ - ": ص ٤ - ٧ بتصرف.
(٢) " الحَدِيثُ والمُحَدِّثُونَ ": ص ١٠، و" أفعال الرسول - ﷺ - ": ص ٥ - ٦، و" السُنّة قبل التدوين ": ص ١٨.
(٣) " الوضع في الحديث ": ١/ ٣٩ بتصرف.
(٤) " توجيه النظر ": ص ٢ - ٣.
[ ٢٧ ]
وحسبنا أنْ نذكر تعريفه من حيث موضوعه: هو علم يعرف به أقوال رسول الله - ﷺ - وأفعاله وأحواله.
وينقسم إلى قسمين: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
أما من حيث الرواية فهو علم يشتمل على أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله، وروايتها وضبطها، وتحرير ألفاظها.
وأما من حيث الدراية فهو علم يُعْرَفُ منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرُواة، وشروطهم، وأصناف المرويَّات، وما يتعلق بها (١).
بين السُنَّة والحديث:
وبهذا يَتَبَيَّنُ أنهما مُتَرَادِفَانِ لدى غالب المُحَدِّثِينَ والأصوليين، باعتبار أنَّ كُلٍّ منهما إضافة قول أو فعل .. الخ، وأنه إذا كان هناك مِنْ تَبَاُيٍن فإنه يبدو في الإطلاق اللغوي (٢)، وأنَّ الشعور بالترادف أو التقارب - على الأقل - يساور العلماء، وتذكر دواوين السُنَّة أفعال النبي - ﷺ - مبثوثة بين أحاديثه القولية، ولم يفردها من المسلمين أحد بالرواية - فيما نعلم (٣) - كما لم يفرد الأقوال أحد عن الأفعال، ولما استقرت دواوين السُنَّة المُسنَدَةِ من الصحاح والسُنن والمسانيد والمُوَطَآتِ والمُسْتَخْرَجَاتِ وغيرها، في القرن الخامس تقريبًا، وبدأ عصر التجميع منها، جمع الشيخ ابن العاقولي، وهو محمد بن محمد بن عبد الله (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ) كتابه " الرصف لما روي عن النبي - ﷺ - من الفعل والوصف " قال في مقدمته (٤): أما الأفعال فلم نر من اعتنى بجمعها مفصَّلة قبل كتابنا هذا، وإنما تذكر في أثناء الأقوال، وذلك لأَنَّ القول عندهم أدلّ من الفعل، وهو كذلك، إلاَّ أنَّ الفعل القائل زيادة تأكيد ليست للقول وحده خصوصًا، وقد قال رسول الله - ﷺ - فيما رواه البخاري
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ١/ ٤٠ - ٤١.
(٢) انظر " توجيه النظر ": ص ٢ - ٣، و" كشاف اصطلاحات الفنون ": ١/ ٢٧٩.
(٣) " أفعال الرسول - ﷺ - ": ص ٥١ - ٥٣ بتصرف.
(٤) " الرصف لما روي عن النبي - ﷺ - من الفعل والوصف ": ١/ ٣.
[ ٢٨ ]
ومسلم - رَحِمَهُمَا اللهُ - عن عاثشة - ﵂ - قالت: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» (١).
وجاء السيوطي، فأفرد الأفعال عن الأقوال .. وجاء بعده المُتَّقي الهِنْدِي، فجمع القِسْمَيْنِ من كتاب السيوطي مرة أخرى في ترتيبٍ مُخَالِفٍ (٢) ..
شُبُهَاتٌ مُتَهَافِتَةٌ:
ومع هذا يزعم «جُولْدْتسِيهِرْ» أنَّ السُنَّة: هي جوهر العادات، وتفكير الأُمَّة الإسلامية قديمًا، فهي العادة المقدَّسة والأمر الأول (٣)!.
وأنه ما من أمر أو فعل يوصف عندهم بالفضل أو العدالة، إلاَّ إذا كان له أصل في عاداتهم الموروثة أو مُتَّفقًا معها، وهذه العادات التي تتألَّف منها السُنَّة تقوم عندهم مقام القانون أو الديانة، كما أنهم كانوا يرونها المصدر الأوحد للشريعة والدِّينِ، ويعدُّون اطراحها خطأ جسيمًا، ومخالفة خطيرة للقواعد المعروفة، والتقاليد المرعية التي لا يَصِحُّ الخروج عليها، وما يصدق عن الأفعال أيضًا يصدق عن الأفكار الموروثة، والجماعة يَتَحَتَّمُ عليها أنْ لا تقبَلَ في هذا المجال شيئًا جديدًا لا يتَّفق مع آراء أسلافها الأقدمين.
ثم يضيف قائلًا بأنَّ فكرة السُنَّة يمكن إدراجها بين الظواهر التي سمَّاها «سْبَنْسِرْ» بـ: «العواطف القائمة مقام غيرها»، وهي النتائج العضوية التي جمعتها بيئة من البيئات خلال الأجيال والأحقاب، والتي تركَّزت وتجمَّعت في غريزة وراثية تتألف منها الصِفَةُ أو الصفات التي توارثها أفراد هذه البيئة.
وقد نقل العرب فيما بعد فكرة السُنَّة إلى الإسلام الذي أوهم بمخالفة سُنَّتهم
_________________
(١) " البخاري ": ٧٨، الأدب (٦١٠١) - الاعتصام (٧٣٠١)، ومسلم: ٤٣ - الفضائل ١٢٧، ١٢٨ (٢٣٥٦).
(٢) انظر كتابنا " الفَهَارِسْ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ ": ص ٢٦٢ وما بعدها.
(٣) " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ٨١ - ٨٢. نقلًا عن " العَقِيدَةُ وَالشَرِيعَةُ ": ص ٤٩. .
[ ٢٩ ]
القديمة، وأصبحت السُنَّة الإسلامية دعامات الفقه والتفكير في الإسلام، ولا شك أنَّ نظرية السُنَّة في الجاهلية قد أصابها تعديل جوهريٌّ عند انتقالها إلى الإسلام.
ففي الإسلام أصبح المسلمون لا يطالبون بإحياء السُنن الوثنية التي نُسِخَتْ معالمُها، بل بدأوا بالمأثور من المذاهب والأقوال والأفعال التي كانت لأقدم جِيلٍ من أجيال المسلمين، وأصبح أفراد هذا الجيل هم المُؤسِّسين لسُنَّة جديدة تغاير السُنَّة العربية القديمة.
وأخذ المسلمون من ذلك الوقت، ينهجون في حياتهم نهج الأساليب والآراء التي صَحَّ عندهم أنها من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله، ويضعونها في المحل الأول، أو تلك التي صَحَّتْ عن الصحابة، ويضعونها في المحل الثاني (١).
ونقل الدكتور الأعظمي قول شَاخْتْ (٢):
«إنَّ النظرية الكلاسيكية للفقه الإسلامي تُعَرِّفُ السُنَّةَ بأفعال النبي - ﷺ - المثالية، وفي هذا المفهوم يستعمل الشافعي كلمة السُنَّة، وعنده أنَّ السُنَّة أو سُنَّةَ الرسول - ﷺ - كلمتان مترادفتان، لكن معنى السُنَّة - على وجه الدِقَّةِ - إنما هو النظائر السابقة، ومنهج للحياة».
واستنتج «مَارْغُولْيُوثْ» أنَّ مفهوم السُنَّة في المجتمع الإسلامي في العصر الأول كان الأمر العُرْفِي، أو الأمر المجتمع عليه.
تقليد:
وإلى هذا التفسير ذهب الدكتور علي حسن عبد القادر، حيث قال (٣).
_________________
(١) المرجع السابق: نقلًا عن " العقيدة والشريعة ": ص ٢٥٠.
(٢) " دراسات في الحديث النبوي [وتاريخ تدوينه] ": ص ٥ وما بعدها.
(٣) " نظرة عامة في [تاريخ] الفقه الإسلامي ": ص ١٢٢ - ١٢٣ ط. العلوم، القاهرة ١٣٦١ هـ - ١٩٤٢ م.
[ ٣٠ ]
وكان معنى السُنَّة موجودًا في الأوساط العربية قديمًا، ويراد به الطريق الصحيح في الحياة للفرد والجماعة، ولم يخترع المسلمون هذا المعنى، بل كان معروفًا في الجاهلية، وكان يُسَمَّى عندهم سُنَّة هذه التقاليد العربية، وما وافق عادة الأسلاف، وقد بقي هذا المعنى في الإسلام في المدارس القديمة في الحجاز، وفي العراق أيضًا، بهذا المعنى العام، يعني العمل القائم، والأمر المجتمع عليه في الأوساط الإسلامية، والمثل الأعلى للسلوك الصحيح، مِنْ غير أنْ يَخْتَصَّ ذلك بسُنَّة النبي - ﷺ -، وأخيرًا حُدَّدَ هذا المعنى، وجُعِلَتْ السُنَّة مقصورة على سُنَّة الرسول - ﷺ -، ويرجع هذا التحديد إلى أواخر القرن الثاني الهجري، بسبب طريقة الإمام الشافعي التي خالف بها الاصطلاح القديم.
وغني عن البيان أنَّ قول الدكتور تِرْدَادٌ لما ذكره جُولْدْتسِيهِرْ وشاخت!
مصطلح وثني:
قال الدكتور الأعظمي: «ولقد وضَّحَ جُولْدْتسِيهِرْ أنها مصطلح وثني في أصله، وإنما تبنَّاهُ واقتبسه الإسلام» (١) ..
وهو افتراء لا يقوم على دليل، وزعْمٌ متهافت، ومعارض للأدلَّة، ثم إنَّ استعمال الجَاهِلِيِّينَ أو الوَثَنِيِّينَ من العرب لكلمة ما في مفهومها اللغوي لا يلبسها ثوبًا مُعَيَّنًا، ولا يُحيلُها إلى مصطلح وثنيٍّ، وخصوصًا إذا ما لاحظنا استعمالاتهم المختلفة لهذه الكلمة، وإلاَّ أصبحت اللغة العربية بكاملها مصطلحًا وثنيًا، وهذا ما لا يقول به عاقل!.
وقد أورد مرغليوث بعض النصوص لكلمة السُنَّة، وعلَّقَ عليها قائلًا:
نرى كلمة «سُنَّة النبي» - ﷺ - أكثر وُرُودًا في النصوص السابقة من أيِّ تعبير آخر، وقد استعمل هذا التعبير في النصوص التي تَتَّصِلُ بالخليفة الثالث عثمان، وربَّما كان لسلوكه الخطير الذي يختلف فيه عن أسلافه أثر في ذلك، ولو أنَّ الاتِّهامات المُوَجَّهَةِ إليه دومًا مُبْهمة، ويبدو واضحًا أنَّ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي إلى ذلك الوقت لم يكن شيئًا مُحَدَّدًا، بل هو ما كان عُرْفًا مألوفًا، وقد
_________________
(١) " دراسات في الحديث النبوي": ص ٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٣١ ]
أيَّدَتْهُ السلطة حتى صار عنصرًا مُنْدَمِجًا في شخصية النبي!
ونراه يحاول جاهدًا أنْ يُخْفِي الحقيقة ويصرفها إلى ما يُمْلِي هواهُ، فيَدَّعِي أنَّ المصدر الثاني للتشريع إلى ذلك الوقت لم يكن مُحَدَّدًا، وأنَّ مفهوم السُنَّة هو ما كان عُرْفًا معمولًا به في البيئة، مع أنه ليس هناك ما يمكن أنْ يُؤَيِّدَ استنتاجه بشكل من الأشكال!
والذي يبحث عن الحقيقة ويَدَّعِي المنهج العلمي في بحثه لاَ بُدَّ وأنْ يستعين بالنصوص مجموعة في سبيل تفسير بعضها ببعض، حتى لا يقع في مثل هذا الخلط والتناقض!
ولو سلَّمنا جَدَلًا أنَّ كلمة السُنَّة كانت تطلق في بداية الأمر على ما كان معروفًا ومألوفًا في المجتمع الإسلامي، وهذا لا يمكن إلاَّ في حالات نادرة جدًا، حيث تذكر الكلمة مضافة إلى المسلمين، أو ما شاكل ذلك، فهذا لا يعني أنَّ هذه الأشياء نسبت فيما بعد ذلك إلى النبي - ﷺ -، أو سُمِّيَتْ فيما بعد ذلك بسُنَّة النبي - ﷺ -، ثم هذا البحث كله يدور حول لفظ كلمة السُنَّة، لا حول فكرة الاقتداء بالنبي - ﷺ -، فطاعة النبي - ﷺ - ضرورية، والاقتداء بهديه مفروض على المسلمين بالنص القرآني:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١).
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣).
وهذه الطاعة هي الأصل، وما يهمُّنا هو فرض طاعته - ﷺ -
ولذا فلا يمكن أنْ تقبل تلك المُفْتَرَيَاتُ، سواءٌ في ذلك ما زعمه جُولْدْتسِيهِرْ في تفسيره السُنَّة بأنها «مصطلح وثني» استعمله الإسلام، أو ما ذهب إليه مَارْغُلْيُوثْ من أنَّ معناها في العهد الأول كان «عُرْفِيًّا» أو ما ادَّعاهُ شَاخْتْ في دراسته من أنَّ
_________________
(١) [النساء: ٨٠].
(٢) [الحشر: ٧].
(٣) [التغابن: ١٢].
[ ٣٢ ]
معناها «تقاليد المجتمع» أو «الأعراف السائدة» لأَنَّ تلك المزاعم تخالف مخالفة جذرية ما دلَّت عليه النصوص القطعية، والتي يُفَسِّرُ بعضها بعضًا.
وقد روى أحمد بسند صحيح عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِالَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﷿ مِنْ الرُّخْصَةِ بِالتَّمَتُّعِ، وَسَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ، فَيَقُولُ نَاسٌ لابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تُخَالِفُ أَبَاكَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ: وَيْلَكُمْ، أَلاَ تَتَّقُونَ اللهَ، إِنْ كَانَ عُمَرُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَيَبْتَغِي فِيهِ الْخَيْرَ يَلْتَمِسُ بِهِ تَمَامَ الْعُمْرَةِ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ، وَعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟، أَفَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، أَمْ سُنَّةَ عُمَرَ؟ إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إِنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَرَامٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَتَمَّ الْعُمْرَةِ أَنْ تُفْرِدُوهَا مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ (١).
وهذا القول من عبد الله بن عمر: «أَفَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، أَمْ سُنَّةَ عُمَرَ؟» فصل في هذه القضية، حيث مايز بين قضيتين مُختلفتين تمامًا، أثبت للأولى حق الاتباع .. ولو كان العُرف الشائع أو تقاليد المجتمع هُما السُنَّة، فكيف نُفَسِّرُ قول ابن عمر هذا؟!.
وبهذا يتَّضحُ أنَّ هذا الزعم الذي افتراه المُسْتَشْرِقُونَ مردودٌ عليهم، وفي هذا يقول المرحوم الشيخ أحمد شاكر (٢): فلم يكن اتِّباع سُنَّة النبي - ﷺ -
عند المسلمين عن عادة اتِّباع الآباء، وقد نعاها الله على الكفار نعيًا شديدًا، وتوعَّد عليها وعيدًا كثيرًا، وأمر الناس باتِّباع الحق حيثما كان، واستعمال عقولهم في التدبر في الكون وآثاره، ونقد الصحيح من الزيف من الأدلة، وإنما كان حرص المسلمين على سُنَّة رسول الله اتِّباعًا لأمر الله في القرآن:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣).
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
_________________
(١) أحمد: ٨/ ٦١ (٥٧٠٠) تحقيق أحمد شاكر.
(٢) " دائرة المعارف الإسلامية ": ١٣/ ٤٠١ - ٤٠٢. بتصرف.
(٣) [الأحزاب: ٢١].
(٤) [النور: ٦٣].
[ ٣٣ ]
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
إلى غير ذلك من أوامر الله في كتابه، مِمَّا لا يجهله مسلم، واتِّباعًا لأمر رسول الله نفسه، في الأحاديث الصحيحة المُتكاثرة، وفيما ثبت عمليًا بالتواتر .. وهذا الموضوع أطال البحث فيه العلماءُ السَّابِقُونَ وأبْدعوا، حتى لم يَدَعُوا قولًا لقائل أو كادوا، وكُتُب السُنَّة وكتب الأصول وغيرها مستفيضة، والباحث المنصف يستطيع أنْ يتبيَّن وجه الحق، ويكفي أنْ نشير إلى كتابين فيهما مقنع لمن أراد:
كتاب " الرسالة " للشافعي بتحقيقنا وشرحنا، ط الحلبي ١٩٣٨، وكتاب " الروض الباسم في الذَبِّ عن سُنَّةِ أبي القاسم " للعلاَّمة محمد بن إبراهيم الوزير اليمني، المتوفَّى سنة ٨٤٠ هـ. ط المنيرية، فإني رأيت كاتب المقال لم يُشِرْ فيه من أوله إلى آخره إلى مصدر عربي أو إسلامي رجع إليه في بحثه، وهذا عجب!.
تناقض وتهافت:
وأمَّا عن مفهوم الحديث فيقول عنه جُولْدْتسِيهِرْ بأنه: الشكل الذي وصلت به السُنَّة إلينا، فَهُمَا - أَيْ السُنَّة والحديث - ليسا بمعنى واحد، وإنما السُنَّة دليل الحديث، فهو عبارة عن سلسلة من المُحَدِّثِينَ الذين يوصلون إلينا هذه الأخبار والأعمال المشار إليها طبقة بعد طبقة، مِمَّا ثبت عند الصحابة أنه حَازَ موافقة الرسول في أمور الدين والدنيا، وما ثبت أيضًا حسب هذا المعنى من المُثُلِ التي تُحْتَذَى كل يوم (٢).
وناقض جُولْدْتسِيهِرْ نفسه في مفهوم الحديث في موضع آخر حين قال: جعل الخلف من الحديث موضع ثقته الكبرى، لاشتماله على ما أثر من أقوال وأفعال السلف الذين يعدُّهُم أئمة الهُدَى ومنار النهج القديم (٣).
_________________
(١) [النحل: ٤٤].
(٢) " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ٨٣، و" العقيدة والشريعة ": ص ٤٩.
(٣) " العقيدة والشريعة ": ص ٢٥٢.
[ ٣٤ ]
وهذا كله تناقض عجيب يدعو إلى العجب، تدحضه الحقائق التي ذكرناها عن مفهوم السُنَّة والحديث!
ولسنا في حاجة إلى الحديث عن كتابة الأحاديث (١)، والإذن في الكتابة (٢)، والأقوال في الجمع بينهما (٣)، والراجح من الأقوال (٤)، حتى لا يطول بنا الحديث.
مزاعم المُسْتَشْرِقِينَ:
وأما عن مزاعم المُسْتَشْرِقِينَ في هذا المقام (٥)، فحسبنا أنْ ننقل قول الدكتور سزكين (٦):
ونرى لزامًا علينا أنْ نُنَبِّهَ إلى أنَّ جُولْدْتسِيهِرْ لم يدرس كُتُبَ علم أصول الحديث دراسة شاملة، رغم أنه عرف قسمًا منها وما يزال مخطوطًا إلى ذلك الوقت، وفوق هذا يبدو لنا أنه لم ينظر - رغم كثرة مصادره - إلى بعض المعلومات في سياقها وفي ضوء ظروفها، ويبدو لنا - كذلك - أنه لم يصب في فهم المواضع التي قد تعطي - لأول وهلة - دلالة تختلف عن معناها الحقيقي اختلافًا أساسيًا.
وعلى كل حال فقد مَرَّتْ مكتبة الحديث بالمراحل التالية: أ - كتابة الحديث .. ب - تدورين الحديث .. جـ - تصنيف الحديث .. ولقد عرف فون
_________________
(١) انظر: " مسلم ": ٥٣ - الزهد ٧٢ (٣٠٠٤)، و" الدارمي ": ١/ ١١٩، و" أحمد ": ٣/ ١٢، ٢١، ٣٩ و" الحاكم ": ١/ ١٢٦ - ١٢٧، و" جامع بيان العلم ": ١/ ٦٣.
(٢) انظر: " البخاري ": ٤٥ - اللقطة (٢٤٣٤)، و" مسلم ": ١٥ - الحج ٤٤٧ (١٣٥٥)، و" أحمد " (٦٥١٠) (٧٢٤١) تحقيق أحمد شاكر، و" أبو داود ": (٢٠٠١)، (٣٦٣٢) " عون المعبود "، و" الدارمي ": ١/ ١٢٥، و" الحاكم: ١/ ١٠٥ - ١٠٦، و" ابن عبد البر ": ١/ ٧١.
(٣) انظر: " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٨٦ وما بعدها، و" فتح الباري ": ١/ ٢٠٨.
(٤) انظر: " فتح الباري ": ١/ ٢٠٧ و" الباعث الحثيث ": ص ١٣٣، و" السُنَّة قبل التدوين ": ص ٣٥٢ وما بعدها، و" مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة " و" كُتَّاب النبي - ﷺ - "، و" عُمدة القاري " ٢/ ١٢٩، و" توجيه النظر: ص ٧، و" السُنَّة ومكانتها ": ص ١٠٣ وما بعدها.
(٥) انظر: " السُنَّة قبل التدوين ": ص ٣٧٦ وما بعدها، و" منهج النقد في علوم الحديث: ص ٤٩ - ٥٠، و" علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٣ - ٣٠.
(٦) " تاريخ التراث العربي ": ١/ ٨٩.
[ ٣٥ ]
كْرِيمَرْ، وشْبْرَنَجْر، وجُولْدْتسِيهِرْ، قدرًا من المعلومات الخاصة بهذه المرحلة المُبَكِّرة، ولم يخامرهم الشَكُّ في صِحَّتِهَا، وكان جُولْدْتسِيهِرْ قد شغل نفسه بالمراحل التالية، فحاول على أساس الأفكار الخاطئة - التي أشرنا إليها - أنْ يعارض الروايات الخاصة ببداية التدوين والتصنيف، وبمناقشة بحثه في عمق، ونقده بمعيار دقيق، نشعر أنه لم يتعمَّق فهم القضية، ويبدو لنا كذلك أنه لم ينتبه - بادئ دي بدء - إلى الفرق بين تدوين الحديث وتصنيفه، وكذلك فقد اختلطت عليه الروايات الخاصة بهما اختلاطًا.
وذكر موقف عمر بن عبد العزيز (٩٧ هـ / ٧١٧ م - ١٠١ هـ / ٧٢٠ م) الذي اهتمَّ اهتمامًا خاصًا، فكلَّف أبا بكر بن محمد بن حزم (المتوفَّى ١٢٠ هـ - ٦٣٧ م) بهذه المُهِمَّة وقال له: انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - أو سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ الخ، وهذا الخبر معروف في الدراسات الحديثة منذ استخدمه مْوِيرْ، غير أنَّ جُولْدْتسِيهِرْ رماه بالوضع، ورأى نزوع الأجيال المتأخِّرة إلى محاولة عقد صِلَةٍ بين عمر بن عبد العزيز وكُتُب الحديث.
ثم ذكر طُرُق أخذ الحديث وتَحَمُّلِهِ (١)، وهي السماع، والعرض، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والإعلام، والوصية، والوِجادة، وبيَّنَ أنَّ جُولْدْتسِيهِرْ الذي أحال في هذا الصدد - أساسًا - إلى المادة التي جمعها شْبْرَنَجْر لم يعرف إلاَّ ثلاث طرق، وهي: الإجازة، والمناولة، والوِجادة، دون أنْ يتَّضح لديه عمرها، أو دورها في كتب الحديث (٢) ..
ويقول الدكتور صُبْحِي الصَّالِحْ: وأما «دُوزِي» فلعله يَخْدَعُ برأيه المعتدل كثيرًا من علمائنا، فضلًا عن أوساط المتعلِّمين فينا، فقد كان هذا المُسْتَشْرِق يعترف بِصِحَّةِ قسم كبير من السُنَّة النبوية التي حُفِظَتْ في الصدور، ودُوِّنَتْ في الكتب بدقَّة بالغة، وعناية لا نظير لها، «وما كان يعجب لكثير من الموضوعات والمكذوبات، تتخلَّلُ كتب الحديث - فتلك كما يقول طبيعة الأشياء نفسها - بل للكثير من المرويات الصحيحة الموثوقة التي لا يرقى إليها الشك، - (ونصف " صحيح
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٩٣.
(٢) انظر: " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ٢١٥ وما بعدها.
[ ٣٦ ]
البخاري " على الأقل جدير بهذا الوصف عند أَشَدِّ المُحَدِّثِينَ غُلُوًا في النقد)، مع أنها - أي الروايات الصحيحة - تشتمل على أمور كثيرة، يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم تَرِدْ فيها» (١)، فلم يكن غرض هذا المُسْتَشْرِق خالصًا للعالم والبحث المُجَرَّدِ، حين مال إلى الاعتراف بِصِحَّةِ ذلك النصيب الكبير من السُنَّة، وإنما كان يُفَكِّرُ أولًا وآخرًا فيما اشتملت عليه هذه السُنَّة الصحيحة من نظرات مستقلَّة في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يَدْرَأُ عنها استقلالها النقد والتجريح، لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المُعْجِز، ولم تصوَّر حياة الغرب الطليقة من كل قيد!) (٢).
وعثر المُسْتَشْرِقُ شْبْرَنَجْر على كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي، فوجد فيه شواهد وأخبارًا تدل على تدوين المسلمين للحديث في عَصْرٍ مُبَكِّرٍ، فكتب مقالًا حول ما وجده.
واطلع جُولْدْتسِيهِرْ على ما كتبه سَلَفِهِ شْبْرَنَجْر، وأيَّدَ فكرة كتابة المسلمين للحديث في عصر مُبَكِّرٍ، إلاَّ أنه تأمَّل في الأخبار التي عرضها سلفه شْبْرَنَجْر نقلًا عن الخطيب البغدادي وغيره فظنَّ بهذه الأخبار سُوءًا، وأراد أنْ يرى خلالها يَدَ الوضع والتزوير فقال: إنَّ أهل الرأي - الذين اعتمدوا في وضع فروع الشريعة على عقلهم، وأهملوا شأن حديث رسول الله - ﷺ - كان من حُجَجِهِمْ أنَّ الحديث لم يكتب دَهْرًا طويلًا فغابت معالمه، وتَشَتَّتَ أَمْرُهُ، وأيَّدُوا رأيهم بأخبار اختلقوها، تُثْبِتُ أنه لم يكتب، ولم يقف خصومهم - أهل الحديث - واجمين، بل فعلوا فِعلتهم، واختلقوا الأخبار تأيِيدًا لقولهم، فنسبوا إلى الرسول أحاديث في إباحة الكتابة (٣).
هكذا رأى جُولْدْتسِيهِرْ أهل الرأي يَدَّعُونَ عدم كتابة الحديث، فيضعون من الآخبار ما يثبت دعواهم، وأهل الحديث يرون جواز تقييد العلم، فيضعون ما يثبت
_________________
(١) أشار الدكتور صبحي الصالح في " علوم الحديث ومصطلحه " هامش الصفحة: ٢٦ إلى أنَّ عبارة «دُوزِي» في الأصل آوقح من أنْ يوردها على حالها، وأحال على الأصل بالفرنسية!.
(٢) المرجع السابق.
(٣) مجلة الثقافة المصرية: العدد ٣٥١ السَنَةِ السابعة: ٢٢ - ٢٣ من مقالة الدكتور يوسف العش «نشأة تدوين العلم في الإسلام».
[ ٣٧ ]
دعواهم، لِيِحْتَجُّوا بصِحَّة ما لديهم من أحاديث في خلافاتهم الفقهية، أراد جُولْدْتسِيهِرْ أنْ يُصَوِّرَ علماءَ الأمَّة ومُفَكِّريها حزبين مُتَعَصِّبين لآرائهم، يستجيزون الكذب في سبيل ذلك! فساء ما تصوَّره! وبِئْسَ ما انتهى إليه!
وقد قيَّضَ اللهُ لكتاب " تقييد العلم " أنْ ينشر في دمشق، ويُحَقَّقَ تحقيقًا علميًا دقيقًا، على يد الدكتور يوسف العش، الذي درس أخباره دراسة عميقة، ثم قَدَّمَ الكتاب المذكور بتصدير عِلْمِيٍّ قيِّم، كشف فيه عن أخطاء جُولْدْتسِيهِرْ في رأيه - حين قال: إنَّ من ادَّعَى عدم جواز الكتابة هُمْ أهل الرأي، وأنَّ مخالفيهم هُمْ من أهل الحديث - قال الدكتور العش: «فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين، لأَنَّ من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة وبينهم من أقرَّها، ومن المُحَدِّثِينَ من كره الكتابة ومنهم من أجازها» (١).
وقال الدكتور محمد عجاج الخطيب: «بهذه البراهين القوية نقض الدكتور العش رأي جُولْدْتسِيهِرْ، وقوَّض كل ما بناهُ على رأيه من صور وهمية، وبَيَّنَ بعد البحث والتأمل (أنْ ليس من أوصاف مشتركة تُوَحِّدُ بين أصحاب إحدى الطائفتين، فليس الفريقان حزبين اتفق أفرادهما في الرأي، واستعدُّوا لخوض المعركة متضامنين، يناصر بعضهم بعضًا، وإنما تمسَّكُوا برأيهم عن عقيدة نفسية، أو عن ميول شخصية، أو عن ذوق خاص، أو عن عادة مُسْتَحْكمة، وعندنا أنَّ الطائفتين المُتخاصمتين مُتَّفقتان بالغاية، ولو أنهما تشاحنتا في القول، فكلتاهما تبغي الدفاع عن العلم والتقدُّم)» (٢).
بعد تلك الأخبار عن التدوين، وحرص الأمَّة على سلامة الحديث النبوي، لا يمكننا أنْ نُسَلِّمَ بما ذهب إليه المُسْتَشْرِقُونَ، وخاصة بعد أنْ ظهر أمرهم على ضوء ما بَيَنّاهُ، فالسُنَّة حفظت منذ عهد الرسول - ﷺ - في الصدور، وقيَّدَهَا بعضُهُم في الصُحٌف، وكانت محلَّ اعتناء المسلمين في مختلف عصورهم، فتناقلوها جيلًا عن جيل حفظًا ودراسة بالمشافهة والكتابة، واجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيده
_________________
(١) انظر: " تقييد العلم ": ص ٢١، ٢٢. و" مقالة " الدكتور العش في " مجلة الثقافة المصرية " العدد ٣٥٣، السَنَة السابعة، الصفحة ٩، ١٠.
(٢) " مجلة الثقافة المصرية " العدد ٣٥٣، السَنَة السابعة، الصفحة ١٠.
[ ٣٨ ]
في مصنَّفات ومسانيد تَكْفُلُ لأهل العلم معرفة القوي من الضعيف، خشية تَسَرُّبِ الكذب إلى حديثه - ﷺ -، ثم اجتهد كبار العلماء في جمع الحديث الصحيح على أسلم قواعد التثبُّت العلمي، فرحلوا في طلب ذلك، وسمعوا بأنفسهم، وتثبَّتُوا وسعهم، وكتبوا بأيديهم، فظهرت الكتب المجرَّدة من الضعيف، وأجمعت الأمَّة الإسلامية - التي فهمت الإسلام واتَّخذته سبيلها في مختلف وجوه حياتها - على صِحَّةِ " صحيح البخاري " و" صحيح مسلم "، فإذا اعترف المُسْتَشْرِقُونَ ببعض الحقائق العلميَّة، وأقرُّوا جانبًا مِمَّا أثبتته المصادر الإسلامية، فلا يجوز لنا على أي حال أنْ نقبل ما ذهبوا إليه من طعن في صحاح السُنَّة، باسم طبيعة تطوُّر الرواية أو غير ذلك، كما لا يجوز لنا أيضًا أنْ نقبل منهم إضعاف ثقتنا باستظهار السُنَّة وحفظها ما دام قد ثبت تقييد بعض الحديث منذ عهده - ﷺ -، فلا تعارض بين حفظ الحديث وكتابته، ولا يقتضي وجود أحدهما انعدام الآخر أو ضعفه.
جَهْلٌ مُرَكَّبٌ:
وهكذا كانت هذه الأحاديث التي حفظت في الصدور وكتبت في السطور، وهكذا تميَّزت هذه الأُمَّة عن غيرها من الأمم بمثل هذا السجل الخالد لِنَبِيِّهَا، فالأمم كلها فقيرة لا تملك مثل هذه المجموعة الناطقة المُسَجَّلَةِ عن الأنبياء والرسل، وهي (١) - من عمى وظلام تاريخي - قد انقطعت الصِلَةُ بينها وبين أنبيائها علميًا وعمليًا وروحيًا، وفقدت الحلقة التاريخية التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ -، وتوفقها على شؤون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات.
هذه أسفار اليهود التي تضمنت (٢) سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المُحَقِّقِينَ من العلماء ضروبٌ من الشك في كل سفر من أسفارها، على أننا إذا ضربنا صَفْحًا عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء الأنبياء ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار " التوراة "، وقد توصل مؤلفو " دائرة المعارف البريطانية " أنفسهم إلى تحقيق أنَّ هذه الأسفار دُوِّنَتْ وجُمِعَتْ بعد موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بقرون كثيرة، زِدْ على ذلك أنَّ
_________________
(١) " رجال الفكر والدعوة في الإسلام ": ص ٨١ بتصرف.
(٢) " الرسالة المحمدية ": ص ٤٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٣٩ ]
" التوراة " الموجودة فيها لكل حادثة روايتان مختلفتان وحكايتان متباينتان كما حقَّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضًا فتعارضت أُولاها بأُخراها.
ونحن نواجه الوصف المتعارض في سِيَرِ الرجال والحوادث جميعًا ومن أراد أنْ يزداد علمًا بهذا الموضوع فليراجع مادة «بَايْبِلْ» في الطبعة الأخيرة من " دائرة المعارف البريطانية "، وإذا كان الأمر كذلك فبأي منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ -؟! وكيف نقدر قدر التاريخ الثابت في هذه الأمور؟!
وحسبنا أنْ نذكر أنَّ الأسفار الخمسة من " التوراة " لا تعطي تفاصيل حياة موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بصورة تماثل ما نعرف عن حياة خاتم النبيين - ﷺ -، فضلًا عن التحريف الذي لا يُحْصَى ولا يُعَدُّ، ولنذكر ما جاء في " سفر التثنية " (٣٤: ٥ - ١٠): «إنَّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره الى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة سَنَة حين جاءهُ الموت ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى».
هذه الفقرات ذكرها " سفر التثنية "، وهو السفر الخامس من " التوراة " المُوحَى الى موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، ولا يخفى أنَّ هذه الكلمات لم ينطق بها موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وهذا يدل على أنَّ هذا السفر كله أو هذه الفقرات لا صلة لها بالوحي بحال، فضلًا عن أنَّ الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -! وواضح أنَّ قوله: «ولم يعرف إنسان قبره». وقوله: «ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى» لم ينزل به الوحي!.
وأحوال عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل - كما تعلمون - كثيرة، غير أنَّ أكثرية المسيحيين اقتصرت على أربعة أناجيل. أما " إنجيل الطفولة ". و" إنجيل برنابا " وغيرها فلا يعتبرونهما، ومع ذلك فإنَّ الأناجيل الأربعة التي اقتصروا عليها لم يَلْقَ أَحَدٌ من الذين جمعوها سيدنا عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وإذا تساءلنا: عَمَّنْ رَوَوْا هذه الأناجيل؟ نجد التاريخ يجهل ذلك كُلَّ الجهل، ويزداد المرء شكًّا إذا توصَّل إلى حقيقة أخرى، وهي أنَّ الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذه الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقينًا بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع، فإذا
[ ٤٠ ]
كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يَطْمَئِنُّ التاريخ إلى صدروها عنهم فكيف يَطْمَئِنُّ الى صِحَّتِهَا؟!
وزاد الطين بَلَّةً أننا لا نعلم يقينًا اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل، وفي أَيِّ زمان كُتِبَتْ، فقد اختلف مفسرو الآناجيل اختلافًا شديدًا في تعيين زمان جمعها وتدوينها، فَمِنْ قائل إنها كتبت سنة ٦٠ للميلاد، ومن قائل إنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير!
وقد كتب المُسْتَشْرِقُونَ التاريخ القديم لبابل وأشور والعرب والشام ومصر وأفريقيا والهند وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيَّة مُنَسَّقَةً مرتبطًا بعضها ببعض، وطَفِقُوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتب التاريخ القديم للبشر، إلاَّ أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نَبِيِّهِمْ، وقد استغرق «ريتان» جُهْدَهُ، ولقي من العناء والنصب مبلغًا عظيمًا ليقف على حياة عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كاملة تامة، ومع ذلك فإنَّ شؤونه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وأحواله لا تزال سرًا مكنونًا في ضمير الزمن لم يبح به لسانه بعد، فضلًا عن التحريف الذي وقعوا فيه تجاه رسالته وما يعتقدونه تجاه الصلب وغيره!
وأما شأن أصحاب المِلَلِ والنِحَلِ فالأمر أعجب، حتى صار كثير من المُسْتَشْرِقِينَ (١) والمؤرِّخين يَشُكُّونَ في وجودهم، ويميلون إلى أنها شخصيات خُرافية ليس لها وجود تاريخي، ونحن - على معارضتنا لهذا التطرُّف - نوافق على أنها شخصيات مطمورة في ركام الماضي، وعلى أنَّ هنالك حلقات مفقودة لا يمكن البحث عنها والاهتداء إليها!
وهذا جهل مركب وقع فيه المُسْتَشْرِقُونَ، سواء اليهود تجاه أسفارهم، والنصارى تجاه أناجيلهم، وغير هؤلاء وأولئك تجاء مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ!
_________________
(١) " رجال الفكر والدعوه في الإسلام ": ص ٧٢ - ٨١ بتصرف.
[ ٤١ ]
صفحة فارغة
[ ٤٢ ]