تمهيد:
ولم يقف المُسْتَشْرِقُونَ عند حَدِّ تهافت شُبُهاتهم حول المفهوم والتدوين - كما أسلفنا - وإنما ساروا قُدُمًا في الطعون في السُنَّة، وتنوَّعت أساليبهم في ذلك حول السند والمتن .. مِمَّا دعانا إلى بيان جهالاتهم فيما يلي:
مفهوم السند:
يطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأقوال بالتفصيل في التعريف، وحسبنا أنْ نذكر أنَّ الإسناد لغة: مطلق الإخبار، واصطلاحًا: هو رفع الحديث إلى قائله، وقيل: هو الإخبار عن طريق المَتْنِ، وقيل: هو حكاية طريق المَتْنِ، وهذه التعريفات بمعنى واحد، وقيل: هو الطريق الموصلة إلى المَتْنِ، والطريق: هم الرجال والرُواة، وذكر ابن جماعة: أنَّ رفع الحديث إسناد، وأنَّ الإخبار عن طريق المَتْنِ سند، وذكر السخاوي أنَّ الطريق الموصلة إلى المَتْنِ أشبه بالإسناد، وقال الشيخ زكريا: والمُحَدِّثُونَ يستعملونها لشيء واحد.
ووجه ذلك أنَّ الرفع والإخبار والحكاية بمعنى الحديث، وأنَّ الطريق هم الرُواة، وكلاهما يعتمد عليه الحفاظ في صِحَّةِ الحديث وضعفه (١).
مكانة السند:
وفضل السند عظيم، لأنه يحفظ الشريعة من الخلط والدَسِّ فيها .. فالحديث سند ومتن، والسند بمثابة الدعامة التي يعتمد عليها، ويتوقَّف غالبًا قبول
_________________
(١) " المختصر في علم رجال الأثر ": ص ١٦، وانظر " توجيه النظر ": ص ٢٥، و" تدريب الراوي ": ١/ ٤١، ٤٢.
[ ٤٣ ]
الحديث ورَدِّهِ، ولذا جعله ابن المبارك بمثابة القوائم فقال: بيننا وبين القوم القوائم - يعني الإسناد - ومعناه كما يقول النووي: إنْ جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلاَّ تركناه، فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم (١)، وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٢). وقال الحاكم: فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، وَلَتَمَكَّنَ أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإنَّ الأخبار إذا تعرَّتْ عن وجود الأسانيد كانت بتراء (٣). وقال الشافعي: مثل من يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل، ربما احتطب في حطبه أفعى (٤).
والأُمَّةُ الإسلامية أُمَّةُ الإسناد، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى بيان (٥)، ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى ما كتبه ابن حزم في وجوه النقل عند المسلمين وغيرهم (٦)، وما ذكره أبو بكر محمد بن أحمد، ومحمد بن حاتم بن المظفر (٧)، وما ذكره أحد فلاسفة الهنود الذي أسلم عندما أدرك أنَّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ محفوظ (٨).
بداية استعمال الإسناد:
كان الصحابة - ﵃ - إذا رَوَوْا الحديث عن رسول الله - ﷺ - صَدَّوُرهُ بعبارة تشعر بتَحَمُّلِهِ (٩)، وقد تكون صريحة في أخذه عن الرسول - ﷺ - مباشرة،
_________________
(١) " مسلم بشرح النووي ": ١/ ٨٨.
(٢) المرجع السابق: ص ٨٧، و" معرفة علوم الحديث ": ص ٦ وانظر " المحدث الفاصل ": ص ٢٠٨، ٤١٤، ٤١٥، ٤١٦، و" شرف أصحاب الحديث ": ص ٤١، ٤٢.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ٦.
(٤) " المختصر ": ص ١٧.
(٥) انظر " الباعث الحثيث ": ص ١٥٩، ١٦٠.
(٦) انظر " الفِصَلْ ": ٢/ ٨١ - ٨٤.
(٧) انظر " شرف أصحاب الحديث ": ص ٤٠.
(٨) انظر " تفسير المنار ": ٦/ ٣٠٢.
(٩) " الوضع في الحديث: ٢/ ١٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤٤ ]
وأحيانًا تحتمل قيام الواسطة، وحيث إنَّ الغالب في الواسطة صحابي شهد تلك الواقعة أو كان طرفًا فيها، ساغ لهؤلاء الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - رفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، دون ذكر الواسطة ثقة به، وهناك مجموعة من الأحاديث دُوِّنَتْ كما سبق، في حياة النبي - ﷺ - وعصر الصحابة.
إلزام الرُواة بذكر الإسناد:
وأول من بدأ بإلزام الرواة بذكر أسانيدهم، وحمل لواء ذلك أبو بكر الصديق - ﵁ -، حيث سَنَّ أمر التثبُّت من الراوي، فلم يقبل من أحد الصحابة - ﵃ - حديثًا يرفعه إلى النبي - ﷺ -، حتى يشهد معه غيره بأنه سمعه من النبي - ﷺ - (١).
وسار عمر - ﵁ - على سُنَّةِ أبي بكر - ﵁ - (٢)، وكذلك عثمان - ﵁ - (٣)، وكان عليٌّ - ﵁ - يستحلف الراوي، أسَمِعَ حديثه من النبي - ﷺ - أم لا (٤).
وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الإسناد قد تَخَطَّى مرحلة استخدامه (٥) واستعماله إلى مرحلة إلزام الراوي بذكر إسناده .. وهؤلاء الصحابة هُمْ عِلْيَةِ القوم، والناس تَبَعٌ لهم ..
وهكذا دأب الناس على نهج الخلفاء الراشدين يتثبَّتُون في سماع الرواية، ويطلبون ذكر الطريق الذي يحمل منه الراوي الحديث، لا سيما عقب قيام الفتنة .. وظهور الفرق، حيث أصبح التفتيش عن الإسناد ضرورة مُلِحَّةً، والبحث
_________________
(١) انظر: " موطأ مالك ": ٢٧ - الفرائض (٤)، و" سنن الترمذي ": ٣٠ - الفرائض (٢١٠٠ - ٢١٠١)، و" سُنن أبي داود ": الفرائض (٢٨٧٧) " عون المعبود "، و" سُنن ابن ماجه ": ٢٣ - الفرائض (٢٧٢٤). و" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢، ٣. و" معرفة علوم الحديث ": ص ١٥، و" الكفاية ": ص ٢٦.
(٢) انظر: " صحيح البخاري ": ٧٩، الاستئذان (٦٢٤٥) و" صحيح مسلم ": ٣٨ - الآداب ٣٣ (٢١٥٣)، و" موطأ مالك ": ٥٤ - الاستئذان (٣).
(٣) انظر: " مسند أحمد ": ١/ ٣٧١، ٣٧٢ تحقيق أحمد شاكر.
(٤) انظر: " سُنن أبي داود ": الصلاة (١٥٠٧) " عون المعبود "، و" سُنن الترمذي ": ٤٨ - التفسير (٣٠٠٦)، وابن ماجه: ٥ - الصلاة (١٣٩٥).
(٥) " الوضع في الحديث ": ٢/ ٢١ بتصرف.
[ ٤٥ ]
عن الرُواة وتعريضهم للنقد، وقد صوَّرَ ابن سيرين موقف المُحَدِّثِينَ في تلك الحقبة أحسن تصوير بقوله: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١).
ولا مُنافاة بين قول ابن سيرين وبين ما تقرَّرَ من أنَّ إلزام الرُواة بذكر الإسناد بدأ منذ عهد الصدِّيق - ﵁ - - كما سبق - وقد حفظت لنا كتب الحديث ونقد الرجال كثيرًا من الوقائع التي ألزم فيها الرُواة بذكر أسانيدهم والإفصاح عمَّن تلقُّوا عنهم (٢).
المُسْتَشْرِقُونَ والإسناد:
ومع أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ ليس لهم إسناد فيما يعتقدون أو يتَّبعون، فإنهم يضيفون إلى جهالاتهم السابقة مُفتريات حول الإسناد، يطول الحديث بذكرها، ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى ما نقله الدكتور الأعظمي عن «كَيْتَانِي» و«شْبْرَنَجْر» (٣)، و«هوروفتس» و«روبسون» و«شَاخْتْ»، وموقف «روبسون» من تفسير «شَاخْتْ» للفتنة وكيف قرَّرَ «هوروفتس» ما رآهُ «روبسون»، واتَّفَقَ مع «كَيْتَانِي»، وتابعهم «سزكين» (٥).
موقف عجيب:
ولا يفوتني أنْ أذكر هذا الموقف العجيب من الدكتور فؤاد سزكين حيث ذهب كما يقول الدكتور العمري إلى القول بأنَّ الإسناد بدأ يفقد مكانته منذ ألَّفَ البخاري " صحيحه "، فأكثر فيه التعاليق والفقرات اللغوية والتاريخية دون إسناد (٦).
وقد كتب الدكتور العمري تحت عنوان: «ملاحظات واستدراكات على كتاب
_________________
(١) " مسلم بشرح النووي ": ١/ ٨٤.
(٢) انظر " الوضع في الحديث ": ٢/ ٢٢ وما بعدها.
(٣) انظر " دراسات في الحديث النبوي ": ص ٣٩٢ نقلًا عن المراجع غير العربية.
(٤) انظر المرجع السابق: ص ٣٩٣.
(٥) انظر " بحوث في تاريخ السُنَّة المشرفة ": ص ٥٠ نقلًا عن المراجع غير العربية.
(٦) " بحوث في تاريخ السُنَّة المشرفة ": ص ٥٦، وانظر " تاريخ التراث العربي ": ١/ ٢٤٩ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة. ط ١٩٧١.
[ ٤٦ ]
" تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين» كما ذكر هو في آخر كتابه " بحوث في تاريخ السُنَّة المشرَّفة " غير أني لم أطَّلع عليه.
ويقول الدكتور سزكين (١): وشُهرة البخاري تقوم على كتابه " الجامع الصحيح " وهو ما يمْكِنُ أنْ نصفه - بعد دراسة عميقة ناقدة - بأنه مصادفة حسنة، وهناك بَوْنٌ شاسع بين المكانة الرفيعة التي زادت وتدعَّمتْ مع القرون التالية، والنقد اللاذع الحاد من بعض الشُرَّاح المَوْضُوعِيِّينَ!، الذين وجب عليهم أنْ يفعلوا ذلك أثناء شرحهم له في مواضع عديدة من النص، ومِمَّا يدعو إلى العجب أنَّ الأبحاث العلميَّة الحديثة التي يبدو أنها لم تعرف هذا على الإطلاق قد أخذت - دون نقد أو تمحيص - الصفات المنسوبة إلى الكتاب، رغم أنها غير صحيحة! والخطأ الأكبر الذي جَرَّ إلى أخطاء هو اعتبار كتاب البخاري أول كتاب «مُصَنَّفٍ» أُلِّفَ بهدف أنْ يهتدي المرء بمعونته في كل باب من أبواب الفقه، وفي كل مسألة فقهية (٢). وقد أوضحت دراسة تطور علم الحديث أنَّ مجموعات البخاري ومعاصريه لا تمثِّلُ بأية حال من الأحوال بدايات كتب «المصنّف» وذلك لأنها ليست إلاَّ جمعًا مُلَخِّصًا للمؤلفات التي ظهرت ثمارًا لتطوُّر استمرَّ قرونًا من الزمن، ويبدو أنَّ البخاري قد استخدم كتب الحديث - وكثيرًا من الكتب اللغوية والتاريخية والفقهية كذلك - دون انتقاء! ودون توفيق! الأمر الذي جعل الشُرَّاح المتأخِّرين يعجبون منه!، ويطلقون عليه «عاف من التقليد»! وبالنسبة للأسانيد فإنَّ مصنّف البخاري " الجامع " لا يرقى إلى الكمال! فالأسانيد ناقصة في حوالي ربع المادة، وقد أطلق على هذا الأمر ابتداءً من القرن الرابع اسم «التعليق» وبهذا يفقد كتاب البخاري كثيرًا من سِمَتِهِ مُصنَّفًا جامعًا شاملًا!، أما البخاري نفسه فقد برهن على أنه ليس عالم الحديث الذي طوَّرَ الإسناد إلى الكمال، كما زعم «كَيْتَانِي»، بل هو أول من بدأ معه انهيار الإسناد!
وهذا موقف عجيب، فهو - كما أسلفنا - قد دحض شُبَهَ المُسْتَشْرِقِينَ حول الإسناد (٣).
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٠٧.
(٢) انظر المرجع السابق، ففيه إشارة إلى جُولْدْتسِيهِرْ.
(٣) وانظر " محاضرات في تاريخ العلوم المحاضرة الثالثة ": ص ٣٧ وما بعدها.
[ ٤٧ ]
وحسبنا أنْ نذكر قول ابن حجر في بيان موضوع كتاب البخاري والكشف عن مغزاه فيه (١):
«تقرَّر أَنه الْتزم فِيهِ الصِّحَّة وَأَنه لا يُورد فِيهِ إِلاَّ حَدِيثًا صَحِيحًا هَذَا أصل مَوْضُوعه وَهُوَ مُسْتَفَادٌ من تَسْمِيَته إِيَّاه الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند من حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسننه وايامه وَمِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنهُ من رِوَايَة الأَئِمَّة عَنهُ صَرِيحًا ثمَّ رأى أَنْ لا يخليه من الْفَوَائِد الْفِقْهِيَّة، والنكت الْحكمِيَّة، فاستخرج بفهمه من الْمُتُون مَعَاني كَثِيرَة فرقها فِي أَبْوَاب الْكتاب بِحَسب تناسبها، واعتنى فِيهِ بآيَات الْأَحْكَام فَانْتزع مِنْهَا الدلالات البديعة، وسلك فِي الإِشَارَة إِلَى تَفْسِيرهَا السبل الوسيعة، قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين نفع الله بِهِ: لَيْسَ مَقْصُود البُخَارِيّ الاقْتِصَار على الأَحَادِيث فَقَط بل مُرَاده الاستنباط مِنْهَا وَالاسْتِدْلال لأبواب أرادها وَلِهَذَا الْمَعْنى اخلى كثيرًا من الأَبْوَاب عَن إِسْنَاد الحَدِيث وَاقْتصر فِيهِ على قَوْله " فِيهِ فلان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقد يذكر المَتْنِ بِغَيْر إِسْنَاد، وَقد يُورِدهُ مُعَلّقا، وَإِنَّمَا يفعل هَذَا لأنَّهُ أَرَادَ الاحْتِجَاج للمسألة الَّتِي ترْجم لَهَا، وَأَشَارَ إِلَى الحَدِيث لكَونه مَعْلُومًا وَقد يكون مِمَّا تَقَدَّمَ وَرُبمَا تَقَدَّمَ قَِرِيباَ».
وبهذا يَتَبَيَّنُ بطلان ما ذهب إليه سيزكين، وأنَّ قوله: أنَّ الإسناد لم يعرف شكله الأكمل عند البخاري، وأنَّ الواقع أنه بدأ من البخاري يفقد مكانته، وأنه أول من بدأ معه انهيار الإسناد مردود عليه! وهذا يدعو إلى الحذر والحيطة مِمَّا يكتبه في " تاريخ التراث العربي "، وقد ذكر لي بعض الإخوة الأتراك أنَّ رسالته التي تقدَّم بها لدرجة الدكتوراة قد تطرَّقَ فيها إلى هذا الموضوع، فطلبت نسخة منها باللغة التركية، وهي عندي الآن، وأرجو أنْ أتعرَّف على ما جاء فيها في هذا الشأن بعد ترجمتها بعون الله وتوفيقه.
مفهوم المَتْنِ:
أما المَتْنِ فسبق أنْ أشرنا إليه في بيان مفهوم السند، وأنه يطلق على ما انتهى إليه السند، وهو المروي من ألفاظ الحديث التي تتقوَّم بها المعاني (٢).
_________________
(١) " هدي الساري " مقدمة " فتح الباري ": ص ٨.
(٢) " المتعصر من مصطلحات أهل الأثر ": ص ٥، وانظر " تدريب الراوي ": ١/ ٦.
[ ٤٨ ]
وقد تعرَّض المُحَدِّثُونَ لدراسة المَتْنِ من جوانبه العديدة، استكمالًا لبحثهم في القبول والردِّ، واستيفاء لما يحتاج إليه الباحث (١).
ولم تكن هذه الدراسة لمجرَّد إشباع رغبة جامحة، بل كانت الدوافع إليها أعمق وأدق، لأَنَّ المؤمنين يعلمون تمامًا أنَّ الحق - ﵎ - أنزل كتابه، وَوَكَّلَ تبيينَهُ لنبيِّهِ، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
ولبث رسول الله - ﷺ - ثلاثًا وعشرين سَنَةً يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، ويفرض ويَسُنُّ، ويُحِلُّ ويُحَرِّمُ، وأصبحت معرفة هذه الأمور موقوفة على معرفة السُنَّة ..
ومعلوم أنَّ هذا كله يتوقَّفُ على تمييز الصحيح من الضعيف، والغَثِّ من السمين، والراجح من المرجوح، وقد تحرَّى علماء السُنَّة في هذا الأمر الحَقَّ، وتمسَّكُوا فيه بِالمَحَجَّةِ البيضاء، وكل ما يؤدِّي إلى الصدق، فكان علمهم هذا من مفاخر الإسلام.
المُسْتَشْرِقُونَ والمتن:
ولا يقف المُسْتَشْرِقُونَ عند حَدِّ شُبُهاتهم حول المفهوم والتدوين، وجهالاتهم حول السند - كما أسلفنا - وإنما ساروا قُدُمًا في جهالاتهم نحو المَتْنِ!
وحتى لا يتشعَّبَ بنا الحديث، نَخُصُّ بالذكر «فَنْسَنْكْ» ذائع الصيت، حيث رَأَسَ مجموعة من المُسْتَشْرِقِينَ في عَمَلَيْنِ كَبِيرَيْنِ:
أحدهما: " دائرة المعارف الإسلامية " وقد دعا إليها المُسْتَشْرِقِينَ سنة ١٨٩٥ م وأشرف عليها «هُوتْسْمَا» في أول الأمر، فصدر الجزء الأول منها في عهده سنة ١٩١٣ م ثم تولَّى أمرها من بعدها «فَنْسَنْكْ» سنة ١٩٢٤ م فنشطت، وصدر منها في عهده ثلاثة أجزاء أخرى بالإنجليزية والفرنسية والألمانية.
وثانيهما: في مجال فهرسة السُنَّة، فقد أصدر كتابين:
_________________
(١) انظر " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ٣٢١ وما بعدها.
(٢) [النحل: ٤٤].
[ ٤٩ ]
أحدهما بالإنجليزية، ثمَّ تُرجِمَ إلى العربية بعنوان: " مفتاح كنوز السُنَّة ". والآخر " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " (١) الذي فهرس " الكتب الستة "، و" الموطأ "، و" مسند أحمد "، و" الدارمي "، وقد اكتشفتُ أخطاء جسمية جَمَّةً ومتنوِّعة في هذا الكتاب، فيما يخصُّ " صحيح مسلم " وحده، وأَوْرَدْتُ نماذج دون استقصاء في سبعة أنواع، بلغت مجموعها «٤٧٩» يطول الكلام في ذكرها (٢).
هذا المُسْتَشْرِق يقول (٣): لقد تطورت الأفكار، وكذلك العمل، بعد وفاة محمد - ﷺ - بعدَّة عقود، وهذا التطور منح القادة الرُوحيِّين فرصة لبيان روح الإسلام في الأحاديث، ومن أهمِّها على الإطلاق، حديث «العقيدة والشهادة» و«بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ» (٤).
ويُعلِّقُ الدكتور الأعظمي على ذلك قائلًا: والدليل على وضع الحديثين - في نظر فَنْسَنْكْ - بعد وفاة النبي - ﷺ - بعدَّة قرون هو الآتي:
لم يكن لدى النبي - ﷺ - أيه صيغة يجب الإتيان بها لمن يدخل في كنف الإسلام، وعندما التقى المسلمون بالمسيحيِّين في الشام، ووجدوا عند النصارى كلمة شعروا بحاجة إلى شيء يماثلها، فاستخرجوا روح الإسلام في شكل هذين الحديثين، وبما أنَّ هذا الحديث يشتمل على الشهادتين، لذلك لا يمكنه أنْ يقبل أنَّ هذا الحديث صادر عن النبي - ﷺ -!.
ويعرف «فَنْسَنْكْ» جيِّدًا أنَّ الشهادتين جزء من التشهُّد الذي يقرأ في نهاية كل ركعتين في الصلاة، وكان من المفروض أنْ يُعَدِّلَ نظريته، لكنه ادَّعَى أنَّ الصلاة نفسها وصلت إلى شكلها النهائي بعد وفاة النبي - ﷺ - (٥)، ومن الغريب جِدًّا أنَّ
_________________
(١) انظر كتابنا " الفهارس ومكانتها عند المحدثين ": ص ٣١٥ وما بعدها. ذات السلاسل - الكويت ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.
(٢) انظر كتابنا " أَضْوَاءٌ عَلَى أَخْطَاءِ المُسْتَشْرِقِينَ "، در القلم - الكويت ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
(٣) " دراسات في الحديث النبوي ": ص ٤٦٠، ٤٦١ بتصرف.
(٤) انظر المرجع الأصلي في المرجع السابق.
(٥) انظر المرجع الأصلي في المرجع السابق.
[ ٥٠ ]
القرآن يأمر بالصلاة عشرات المَرَّاتِ (١)، والأحاديث الخاصة بالصلاة تصل إلى الآلاف، وبالرغم من كل هذا يزعم هذا المُسْتَشْرِق أنَّ النبي - ﷺ - لم يُعَلِّمْهُمْ الصلاة، وتركها ناقصة، وأنها قد أخذت شكلها النهائي على أيدي الصحابة!
والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهناك صلاة الجماعة، وهناك الأذان، والقرآن الكريم يشير إليه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
والشهادتان جزء من الأذان، وهذا يُبيِّنُ بجلاء ووضوح، لا لُبْسَ فيهما ولا غموض، أنَّ ما قاله «فَنْسَنْكْ» واضح البطلان، وافتراء مزعوم، وتهافت ساقط، لا يقول به عاقل، وهُرَاءُ في هُرَاءٍ، اللهم إلاَّ إذا كان هذا المُسْتَشْرِق يزعم أنَّ الأذان جاء في وقت متأخِّرٍ، بعد الاقتباس من نصارى بيزنطة، وهل نصارى بيزنطة وغيرهم يعرفون شهادة التوحيد؟!
هذا مثال من نقد مُسْتَشْرِقٍ أفنى عمره في إعداد " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي "، وفيه مادة «بني» لفظ الحديث، وأنه رواه البخاري ومسلم وغيرهما .. وفي مادة «شهد» لفظ الحديث من رواية الشيخين وغيرهما ..
وحسبنا أنْ نذكر متن الحديث عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (٣).
_________________
(١) انظر " المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ".
(٢) [الجمعة: ٩].
(٣) " البخاري ": ٢، الإيمان (٨)، و" مسلم ": ١ - الإيمان ١٩ (١٦)، و" الترمذي ": ٤١ - الإيمان (٢٦٠٩)، و" النسائي ": ٨/ ١٠٧ - ١٠٨، و" أحمد ": ٩/ ١٠٥ (٦٣٠١) تحقيق أحمد شاكر بلفظ: «إِنَّ الإِسْلاَمَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ » وقال الترمذي: وقد رُوِيَ من غير وجه عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -.
[ ٥١ ]
منهج نقد الأناجيل:
وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ أنْ يقترح «رُوبْسُنْ» لنقد الأحاديث النبوية استعمال المنهج المستعمل لنقد نصوص الأناجيل، مع أنه قد صرَّحَ بنفسه أنَّ هذا المنهج ليس مُتَّفَقًا عليه بين الباحثين في كتب العهد القديم والجديد!
ويُعقِّبُ الدكتور الأعظمي على ذلك بقوله (١): وإذا راجعنا الكتب المقدَّسة وخاصة العهد الجديد، فإننا نعود إلى ظلام دامس، حيث نجهل كل شيء، فلا ندري مؤلفي الكتب، فضلًا عن معرفتنا بسيرتهم، ولا نعلم علم اليقين اللغة التي استعملوها في تأليف كتبهم، ولا مقدرتهم العلمية لترجمة كلام عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من الآرامية إلى اليونانية!
وقد اختلف المؤرِّخُون شخصيات مؤلِّفِي العهد الجديد، يقول «سيرايدون هوسكنز» و«نُوِيلْ دِيوِي»: إنَّ مؤلفي العهد الجديد كانوا غير مُهتمِّين بالمسائل، مثل اسم المؤلف، وتاريخ الكتابة وما شاكل ذلك، وليس هناك كتاب واحد مؤرخ، والكتب التاريخية - خلافًا للرسائل - للمؤلفين المجهولين!
يقول «بلتمان»: لا ريب أنَّ مرقس أول من ألَّف، وظهر إنجيله بين الأناجيل الأربعة، لكنه لا يمكننا أنْ نقبل كلامه كتاريخ حقيقي للمسيح - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لأنه في الواقع قد سيطرت عليه عقائد الكنيسة والتصوُّر العقائدي عن المسيح نفسه، ورتَّب المواد التي كانت بين يديه، وهذَّبها وعدَّلها حسب نظرياته.
ويقول «ولهاوزن»: إنَّ الروايات الشفهية أيضًا تأثَّرت بعقائد الكنيسة البدائية، ونمت في مجتمع بدائي، لذلك فهي مَشُوبَةٌ بنظرات المجتمع وتصوُّراته، ولا تعطينا صورًا صحيحة خالية من الخطأ، وتعليم المسيح نفسه.
ويقول «كارل كندسين»: هناك عدَّة أجيال اشتغلت في البحث والتنقيب في العهد الجديد، بغية استخلاص أعمال المسيح وشخصيته، بمساعدة علم التاريخ الحديث.
والناس مقتنعون حاليًا أنَّ المواد الموجودة في هذه الكتب غير كافية لإعطائنا
_________________
(١) " التمييز ": ص ٩٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٥٢ ]
صورة بسيطة وشبه كاملة لحياة المسيح، كما أصبح واضحا أنَّ الأناجيل ومصادرها في أول الأمر عبارة عن انعاكاسات العقائد لكنائس المسيحية الأولية (١).
إذن هذه الكتب مصادرها مجهولة، ولا يمكن الإعتماد عليها كليًا، لأنها لا تمثل آراء وأفكار وتعاليم عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، بقدر ما تمثل النظريات العقائدية المسيحية للكنائس البدائية!
والأمر لا ينتهي إلى هذا الحد، فهناك أمر آخر أكثر أهمية من هذا، وهو أنه حصل تَحَوُّلٌ خطير عند النصارى في نظراتهم وأفكارهم ومُعتقداتهم بين الكنيسة الفلسطينية البدائية وبين الكنائس الرومية التي تأثَّرت بالروح الهلينية (٢).
ومن الواضح أنَّ الأناجيل الأربعة تمثل التَحَوُّلَ الغربي، ولا تعطينا فكرة واضحة عن الأفكار التي كانت سائدة في فلسطين في تلك الأيام!
والمُتَّفق بين الجميع أنَّ الأناجيل كلها ما عدا " مَتَّى " كتبت باللغة اليونانية، أما " مَتَّى " فقد كتب بالآرامية، ثم ترجم إلى اليونانية، والأصل ضائع ولكن البحث العلمي لا يؤيِّد هذا الإدعاء، وأصبح هناك شبه إجماع على أنها كلها كتبت باللغة اليونانية! (٣).
كما أننا نجهل المؤلفين، ونجهل كذلك مقدرتهم العلمية لترجمة كلام عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من الآرامية إلى اليونانية، ولا يبدو أنَّ هؤلاء الكُتَّاب كانوا قد وصلوا إلى منزلة كبار الأدباء باليونانية، ولذلك لم نجد للأناجيل محلًا في المضمار الأدبي!
تلك إشارات إلى المجاهيل والمتاهات التي تواجه الباحث عن الأناجيل، وهي لا شك ظلمات بعضها فوق بعض!
ولإستخلاص بعض كلمات عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، والروايات المسيحية الخالية
_________________
(١) انظر: المصادر الأصلية في المرجع السابق: ٩٩.
(٢) انظر: المصدر الأصلي في المرجع السابق.
(٣) انظر: المصادر الأصلية في المرجع السابق: ١٠٠.
[ ٥٣ ]
من تلوين القديسين من هذا الركام نشأ منهج (١)، ولكنه ليس علميا بحتًا، يمكن الاعتماد عليه اعتمادًا كليًا، ولإثبات هذا أذكر مثالًا واحدًا:
يقول «بلتمان»: مثال آخر للطريق التي لعب بها التصور في تطوير المادة القديمة وإتقان القصة.
فيذكر لنا لُوقَا في الإصحاح ٢٣: ٣٩ - ٤٣ استهزاء وكلام المُذنبين المصلوبين مع عيسى.
«وكان واحد من المذنبين المُعَلَّقين يجدف عليه قائلا: " إنْ كنت أنت المسيح فَخَلِّصْ نفسك وإيانا "، فأجاب الآخر وانتهره قائلا: " أولًا أنت تخاف اللَّه إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه » بينما يذكر مرقس: ١٥ - ٣٢: «وصلبوا معه لِصَّيْنِ، واحد عن يمينه، وآخر عن يساره » واللذان صُلِبَا معه كانا يُعَيِّرَانِهِ. «فإنجيل مرقس أقدم من لُوقَا، بالرغم من المصدر القديم، يعطينا معلومات أقل من المصدر المتأخر، ويرى بلتمان التفاصيل الموجودة في لوقا عبارة عن زيادة في تصوير القصة وإتقانها!»
وخلاصة القول أنَّ هذا المنهج وجد للبحث في منطقة مجهولة مظلمة ذات أشواك، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن هيات هيات! حيث لا يمكن الاعتماد على نتائجه بحال، فكيف يمكن تطبيقه على نقد الأحاديث النبوية، وشَتَّانَ شَتَّانَ ما بين الثَّرَى وَالثُرَيَا!
الطعن في الأفعال النبوية:
ولم يقف الأمر عند حَدِّ الشُبُهَات المتهافتة التي أثاروها حول المفهوم والتدوين، وجهالاتهم حول السند والمَتْنِ - كما أسلفنا - فقد كتبوا في " دائرة المعارف " جهالات تحمل التهافت، يضيق المقام عن ذكرها (٢)، ونقل الأستاذ أحمد أمين بصورة غير رسمية كثيرًا من آراء اليهودي المجري جُولْدْتْسِيهرْ (٣)، كما نقل
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ١٠١.
(٢) انظر: " دائرة المعارف ": ٢٩٠١٣ وما بعدها.
(٣) انظر " السنة ومكانتها ": ص ١٨٩ وما بعدها.
[ ٥٤ ]
الدكتور علي حسن عبد القادر ملخص شُبَهِ هذا المُسْتَشْرِق (١).
ومع أننا قد ذكرنا في تعريف السُنَّة أنها أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله الخ، وأنَّ الحديث مُرادِفٌ لها عند غالب المُحَدِّثِينَ والأصوليِّين، باعتبار أنَّ في كل منها إضافة قول أو فعل الخ، فإننا نجد «شَاخْتْ» يقول عن أفعال النبي - ﷺ -: «كانت أفعاله تعتبر بَشَرِيَّةً، بَحْتَةً، حتى ما مَسَّ منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ، وقد نقدت هذه الأفعال أكثر من مَرَّةٍ»! (٢).
وهذا قول متهافت، لأَنَّ سُنَّة النبي - ﷺ - حُجَّةٌ في التشريع، وقد تضافرت الأدلة على ذلك من الكتاب والسُنَّة والإجماع.
أما الكتاب فحسبنا أنْ نقرأ قول الحق - ﵎ -: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣).
والكتاب والسُنَّة صنوان أو توأمان، عليهما تتوقَّفُ حقيقة الإيمان، ومنهما تُسْتَمَدُّ أحكام الأفعال التي يباشرها الإنسان، ومنزلة السُنَّة من الكتاب منزلة البَيَانِ من المُبَيّن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
هذا إلى ما تضيفه السُنَّة إلى القرآن من شؤون الدين وأحكامه، قال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥).
_________________
(١) انظر " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص ١٢٦، ومن أراد المزيد فليرجع إلى " السُنَّة ومكانتها ": ص ٧٨، ١٩٦، ٢٠٣، ٢١٩، ٢٢٨، ٢٣٢، ٢٣٣، وزعم شَاخْتْ في " أصول الفقه ": ص ٣، ودعوى جُولْدْتسِيهِرْ في " العقيدة والشريعة ": ص ٥١، و" المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ١٠٥، و" دائرة المعارف ": ١٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤، و" دراسات في الحديث النبوي ": ص ٤١٦، ٤٥٦، ٤٥٧، و" التمييز ": ص ٨٢، و" السُنَّة قبل التدوين ": ص ١٨٧، ١٩٤، ٢٥٤، ٢٥٥، ٤٩٩، ٥٠٠.
(٢) " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ١٠٦ نقلًا عن " العقيدة والشريعة ": ص ٢٥٢ وما بعدها بتصرف، و" المنتَقَى من دراسات المُسْتَشْرِقِينَ "، المحاضرة الأولى: ص ٩٠ وما بعدها.
(٣) [النساء: ٨٠].
(٤) [النحل: ٤٤].
(٥) [الحشر: ٧].
[ ٥٥ ]
فإنها تُضيف بما تقتضيه «ما» من معنى العموم أنَّ كل ما يقدِّمُهُ النبي - ﷺ - إلى الأمَّة من أمور دينها فإنها مُكَلَّفَةٌ باعتباره والسير على سُنَنِهِ، ويؤكِّدُ ذلك المعنى قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
وأما السُنَّة فقد كثرت الروايات في ذلك، وحسبنا أنْ نذكر ما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح عن المقدام بن معد كرب عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ » الحديث. وفي رواية: «أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» (٢).
يقول الشوكاني: «إنَّ ثبوت حُجِّيتها - أي السُنَّة - واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلاَّ من لا حَظَّ له في الإسلام» (٣).
وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة - ﵃ - على العمل بالسُنَّة النبوية، واقتفاء هُدَى النبي - ﷺ - قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وقد سبق بيان منهج أبي بكر وغيره في التثبت، وكانت حياتهم صورة حَيَّة للعمل بالسُنَّة والتمسك بها والحث عليها والترغيب فيها.
أما خصوص فعل النبي - ﷺ - فإنَّ كلام شَاخْتْ: «كانت أفعاله تعتبر بشرية، بَحْتَةً، حتى ما مَسَّ منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ، وقد نقدت هذه الأفعال أكثر من مَرَّةٍ»! كلام مردود، لأَنَّ أفعال النبي - ﷺ - تنحصر في
_________________
(١) [النساء: ٦٤ - ٦٥].
(٢) أبو داود: " السُنن " (٤٥٨٠) " عون المعبود "، و" الترمذي ": ٤٢ - العلم (٢٦٦٤)، و" أحمد ": ٤/ ١٣٠ - ١٣٢، و" ابن ماجه ": المقدمة (١٢)، و" الحاكم ": ١/ ١٠٩.
(٣) " إرشاد الفحول ": ص ٢٣.
[ ٥٦ ]
أقسام، هي:
- الفعل الجِبِلِّيُّ.
- الفعل العادي.
- الفعل الدنيوي.
- الفعل المعجز.
- الفعل الخاص.
- الفعل الامتثالي.
- الفعل المؤقَّت لانتظار الوحي.
- الفعل المُتَعَدِّي.
- الفعل المبتدأ المُجَرَّد (١).
يقول الدكتور عجيل النشمي (٢): ومحل النزاع بين العلماء في القسم الأخير، وهو الفعل المبتدأ المُجرَّد، أما بقية الأفعال فلا خلاف في أنها تدلُّ على الحكم في حقنا، باعتبار حكمها بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، فما فعله على وجه الإباحة فهو لنا مباح، وما لم نعلم حُكْمَهُ بالنسبة إليه - ﷺ - حملناهُ على أدنى الاحتمالات، وهذه لمحة عن أهم هذه الأنواع:
الفعل الجِبِلِّيُّ: وهو الذي يفعله النبي - ﷺ - باعتباره بَشَرًا لا يختلف في ذلك عن غيره من البشر، وهو على ضربين:
الأول: فعل يقع منه - ﷺ - اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا، كَتَألُّمِهِ من جُرْحٍ يصيبهُ، إلى غير ذلك من أمور، فهذا النوع لا حُكْمَ له شرعًا، لوقوعه دون قصد منه - ﷺ -.
_________________
(١) " أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام الشرعية: ١/ ٢١٦، وانظر: ص ١٨٥ وما بعدها، ففيه بيان حُجِيَّة الأفعال النبوية على الأحكام من حيث الجملة.
(٢) " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي ": ص ١٢١ وما بعدها بتصرف.
[ ٥٧ ]
الثاني: ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته، من حيث هو بشر، كتناول الطعام والشراب وهذا النوع كسابقه في الحكم، فهو خارج عن التكليف.
الفعل العادي: وهو ما فعله - ﷺ - جَرْيًا على عادة قومه ومألوفهم، مِمَّا لم يَدُلَّ على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات وحكم هذا النوع كسابقه من الأفعال الجِبِليَّةِ، والأصل فيها جميعًا أنها تدلُّ على الإباحة لا غير، إلاَّ إذا ورد قول يأمر بها أو يُرَغِّبُ فيها، أو يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجُّه الميت في قبره إلى القِبْلَةِ، فإنَّ ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء فيه.
الفعل الدُنْيَويّ: وهو ما فعله - ﷺ - بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال أو نفع المسلمين في حياتهم عامَّة، كالأفعال الطبيَّة، وما يتعلَّقُ بالزراعة أو الصناعة أو التجارة أو تدبير أمور الحرب وغيرها، وهذا النوع لا يلزم فيه أنْ يكون الاعتقاد مُطابقًا للواقع، وليس في هذا حَطٌّ من قَدْرِهِ، لأَنَّ منصبه مُنْصَبٌّ على العلم بالأمور الشرعية.
الفعل الخاص: وهو ما فعله باعتباره خاصًا به، فهذا لا يشاركه فيه أحد كاختصاصه بالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، وغير ذلك، فهذا حُكْمُهُ خَاصٌّ به - ﷺ -.
الفعل البياني: وهو الفعل الذي قصد به النبي - ﷺ - بيان مُشكل في الأحكام الشرعية، وحكم هذا الفعل عند الأصوليِّين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبين في معرفة حكمه، فإنْ كان الفعل بيانًا لآية دالة على الوجوب دَلَّ على الوجوب وهكذا إذا كان المبين ندبًا أو إباحة.
الفعل المبتدأ: الذي عرفت صفته الشرعية، من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأُمَّة، فيثبت حكم ما فعله في حق المُكَلَّفِينَ.
أما ما فعله ابتداءً ولم تُعْرَفْ صِفته الشرعية، ولكن عُرِفَ أنَّ الفعلَ قصد القُرْبَة فيه، كقيامه ببعض العبادات دون مواظبة عليها، فإنَّ الفعل يكون مُسْتَحَبًّا في
[ ٥٨ ]
حق الأُمَّة، أما إذا لم يعلم في الفعل قصد القُرْبَة، فإنَّ الفعل يكون دَالًاّ على إباحته في حق الأُمَّة، كالمُزارعة، والبيع ونحو ذلك.
وأخيرًا وليس آخرًا: تلك إشارات إلى شُبُهَات وجهالات ومُفتريات المُسْتَشْرِقِينَ، حول المفهوم والتدوين، والسند والمتن، والأفعال النبوية، أرجو أنْ تكون حافزًا للاستقصاء والتتبُّع، وأنْ يأتي اليوم الذي نقدم فيه إلى نقد ما عند هؤلاء وأولئك، وأنْ نُبَيِّنَ لهم ما في ذلك من تهافت، وننتقل من الدفاع إلى الهجوم، قاصدين وجه الحق، ولعله قد آن الأوان للتفكير في الدعوة الجادَّة إلى ذلك، كما سيأتي في التوصيات.
***
[ ٥٩ ]