الحياة صراع بين الحق والباطل .. وشاءت إرادة الله أنْ يُبتلَى المؤمنون، وأنْ تتنوَّع صُنُوف الابتلاء، وأنْ تكون الغلبة للذين يثبتون ويصمدون، وهذا الثبات يَهِبُ النفوسَ قوَّةً، ويرفعها عن ذواتها، فيصفو عنصرها ويضيء، ويَهِبُ العقيدة عُمقًا وحيويَّة، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها!
وقد ابتُلِيَ المسلمون من قديم الزمان بأعداء ألدَّاء، كادوا ما وسعهم الكيدُ، وحاكوا المؤامرات والدسائس للقضاء على الإسلام، وذهاب دولته. حينما تلألأت في أعينهم عقيدة هذه الأمَّة، لا يألون في ذلك جهدًا، ولا يدَّخرون وسعًا!
وجاهروا بالعداء والمعالنة بالخصومة أحيانًا، واستعملوا أساليب الدَسِّ والخديعة أحيانًا أخرى، ووجَّهُوا سهامهم أولًا إلى التشكيك في القرآن الكريم، وفاتهم أنه قد روعي في تسميته قرآنا كونه متلوًا بالألسن، وفي تسميته كتابًا كونه مُدَوَّنًا بالأقلام، وأنَّ كلتا التسميتين - كما يقول المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز (١) من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أنَّ من حَقِّهِ العناية بحفظه في موضعين، لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور معًا، أنْ تضلَّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ..
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمَّة اقتداء بنبيِّها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفَّل بحفظه، حيث يقول:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) " النبأ العظيم ": ص ١٢ - ١٤ بتصرف.
(٢) [الحجر: ٩].
[ ٥ ]
ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفَّل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى:
﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١).
والسِرُّ في هذه التفرقة أنَّ سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأنَّ هذا القرآن جيء به مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتب ومُهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًا مسدها، فقضى أنْ يبقى حُجَّة إلى قيام الساعة.
ولكن أتباع الكتب الماضية، وغيرهم مِمَّن هم أشد عداء وانحرافًا، قد حاولوا معًا جاهدين التشكيك في هذا الكتاب حقدًا وحسدًا، وقدروا على تزوير بعض الأحداث، وتقديم العملاء في صور برَّاقة أخَّاذة، ولكنها لم تلبث أنْ تكشف زيفها، ومع كل هذا لم يقدروا على إحداث شيء في هذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه، حين بعدوا عنه، وأصبحوا بعد أنْ نبذوا تحكيمه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل، لا يدفع ولا يمنع ولا ينفع، فدلَّ هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب، وشهد هذا الواقع بأنه حقًا تنزيل من عزيز حكيم.
ومن ثم توجَّهُوا إلى السُنَّة النبوية واتَّخذوا للوصول إلى غايتهم الدنيئة أساليب متعددة!، وجاء المُبَشِّرُون والمستشرقون فأخذوا طُعُونَ هؤلاء وأولئك ونفخوا فيها، وزادوا ما شاء لهم هواهم أنْ يزيدوا، مع الاستمرار في محاولاتهم الفاشلة في اتجاهات متوازية، تتمثل فيما يأتي (٢):
١ - محاربة الإسلام والبحث عن نقاط ضعف متوهِّمة فيه، وإبرازها والزعم بأنه دين مأخوذ من اليهودية والنصرانية .. !
٢ - حَجْبُ حقائق الإسلام عن غير المسلمين، ومحاولة تحذيرهم من معرفته .. !
٣ - التبشير ومحاولة إخراج المسلمين عن دينهم .. !
_________________
(١) [المائدة: ٤٤]
(٢) انظر " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري ": ص ٧٢، و" دائرة المعارف الإسلامية ": ١٣/ ٣٩٠ وما بعدها.
[ ٦ ]
ولعل أشدَّ المُسْتَشْرِقِينَ خطرًا، وأطولهم باعًا (١)، وأكثرهم خُبثًا وإفسادًا في هذا الميدان، هو المُسْتَشْرِقُ اليهودي المَجَرِي «جُولْدْتسِيهِرْ» الذي عُدَّ شيخ المُسْتَشْرِقِينَ في الجيل الماضي، ولا تزال كُتُبُهُ وبُحُوثُهُ مرجعًا خصبًا وهَامًّا للمستشرقين في هذا العصر، يقول عنه كاتب مادة «الحديث» في " دائرة المعارف الإسلامية " للمستشرقين: «إنَّ العلم مَدِينٌ دَيْنًا كبيرًا لما كتبه «جُولْدْتسِيهِرْ» في موضوع الحديث، وقد كان تأثير «جُولْدْتسِيهِرْ» على مسار الدراسات الإسلامية والاستشراقية أعظم مِمَّا كان لأيٍّ من معاصريه من المُسْتَشْرِقِينَ، فقد حَدَّدَ تحديدًا حاسمًا اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات» (٢) ويلخِّصُ «بغانموللر» عمل «جُولْدْتسِيهِرْ» في هذا المجال فيقول: «كان «جُولْدْتسِيهِرْ» أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي!، وقد تناول في القسم الثاني من كتابه: " دِرَاسَاتٌ مُحَمَّدِيَّةٌ " موضوع تطوُّر الحديث تناولًا عميقًا، وراح بما له في علم عميق واطِّلاَعٍ يفوق كل وصف! - يبحث التطور الداخلي والخارجي للحديث من كل النواحي .. ! وقد قادته المُعَايَشَةُ العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشَكِّ في الحديث!، ولم يَعُدْ يثق فيه مثلما كان «دُوزِي» لا يزال يفعل ذلك في كتابه " مقال في تاريخ الإسلام " وبالأحرى كان «جُولْدْتسِيهِرْ» يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني؟!، فالحديث بالنسبة له لا يُعَدُّ وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة، لتطوُّر الإسلام! ويُصَوِّرُ «جُولْدْتسِيهِرْ» التطور التدريجي للحديث .. وكيف كان انعكاسًا لروح العصر؟! وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة ..؟! وقد وَجَّهُوا شُبُهاتهم حول مفهوم السُنَّة وتدوينها، وجهالاتهم حول السند والمتن!.
ومن هذا وجدت أنَّ موقف المُسْتَشْرِقِينَ من السُنَّةِ النبوية - رغم الجهود الكثيرة التي سبقت في هذا الميدان كما سيأتي - يفرض نفسه بإلحاح، ويتطلَّبُ مواجهة جَادَّة، وِفْقَ أصول التحديث رواية ودراية، وإنْ كان يعتري ذلك كثير من
_________________
(١) انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٨٩.
(٢) انطر: " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري ": ص ١٠٠ - ١٠١، و" دائرة المعارف الإسلامية ": ١٣/ ٣٩١.
[ ٧ ]
الصعاب التي يشفق منها بعض الباحثين، ويتراجع أمامها كثير من الدَّارسين، فإنَّ أوجب ما يفرضه الحَقُّ علينا أنْ نَرُدَّ هذه الشُبُهَات، ونُبيِّنَ تهافتَ تلك المُفتريات، ونُواجه هذه الأباطيل بعوامل البناء، لِنَدْحَضَ معاول الهدم والفناء، ونرفع صَرْحَ الدِّينِ، لنُجَدِّدَ عهد السَّلَفِ الصالحين.
واقتضت مَنْهَجِيَّةُ البحث أنْ يشتمل على الفصول التالية:
الفصل الأول: أضواء على الاسْتِشْرَاق والمُسْتَشْرِقِينَ.
الفصل الثاني: شُبُهَاتٌ حول مفهوم السُنَّة وتدوينها.
الفصل الثالث: جهالات حول السند والمَتْنِ.
واللهَ أسأل: التوفيق والسداد. والعون والرشاد.
إنه سميع مجيب.
الكويت في: ٢١/ ٩ / ١٤٠٠ هـ - ١٤/ ٤ / ١٩٩٠ م
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
[ ٨ ]