المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٤٥٧ ]
المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:
المُضطرِب: بكسر الراء اسم فاعل من (اضطرب) (١).
والاضطراب: الاختلاف والاختلال، يُقال: اضطّرب الحبل بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم. واضطرب أمره: اختلّ.
ويُطلق الاضطراب على الحركة، يُقال: الموج يضطرب، أي: يضرب بعضه بعضًا.
فالاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، والحركة وعدم الاستقرار. (٢)
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
إن وصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط راويه (٣)، بل يُعدُّ الاضطراب نوعًا من علل الحديث (٤)؛ لذا قال السخاوي في مناسبة إرداف نوع المضطرب بالمعلل - في كتاب ابن الصلاح ومن تبعه-: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة،
_________________
(١) من الباحثين المعاصرين من ذكر أن كسر الراء هو الدارج عند المحدثين، فقال بازمول: "يجوز في الراء من كلمة مضطرب الفتح على اعتبار اسم المكان، والكسر على اعتبار اسم الفاعل لغة. والذي درج عليه أهل الحديث الكسر" بازمول، المقترب، ٣٦، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧١، القاري، شرح النخبة، ٤٨١. بينما ذهب آخرون إلى أن فتح الراء هو الأولى والأظهر لتحقيق المعنى الاصطلاحي، فنبّه الفحل، - وسبقه كذلك الأحدب- إلى "أن الشائع تسميته ب (المضطرِب) على وزن اسم الفاعل، هو من باب الإسناد المجازي؛ لأن الاضطراب واقع فيه لا منه، إذ إنه اسم مكان، فيظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة، فهو على الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- ولو سمي كذلك لكان أظهر في المعنى الاصطلاحي.". الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢١ - ٢٢٢، ينظر: الأحدب، اختلاف المحدثين، ١/ ٣٩٠.
(٢) ينظر مادة (ض ر ب): الفراهيدي، العين، ٧/ ٣٢، الأزهري، تهذيب اللغة، ١٢/ ١٧، ابن سيده، المحكم، ٨/ ١٨٧، الرازي، المختار، ١٨٣، ابن منظور، اللسان، ١/ ٥٤٤، الفيروزآبادي، القاموس، ١٠٨، الكفوي، الكليات، ١٣٧.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤.
(٤) ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧١، الصنعاني، توضيح الأفكار، ٢/ ٤٣٨، ينظر: بازمول، المقترب، ٢٧.
[ ٤٥٨ ]
ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح" (١)، أي: في حال ظهرت العلة وترجّحت للنقاد أطلقوا على الحديث وصف المُعلّ، وفي حال تساوت وجوه العلة والاختلاف، ولم تترجّح أطلقوا عليه وصف المضطرب، فالمضطرب "قسيم المُعلِّ من حيثية الترجيح والتساوي" (٢).
وقد ذكر محققا كتاب ابن الصلاح - ضمن سمات منهج ابن الصلاح في كتابه- أن تعريف الحديث المضطرب من التعاريف التي ابتكرها ابن الصلاح، ولم يُسبق إليها. (٣)
ومقصدهما من الابتكار هو حدّه بحدّ يميّزه عن غيره، فوصف الحديث بالاضطراب، أو وصف الراوي بكونه مضطربًا موجود بكثرة في كتب أهل الحديث ونقّاده، ويلخّص ذلك قول أحد الباحثين: "وجدت كلام ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث يتضمن خلاصة كلام أهل الفن في المضطرب مع ما في كلامه - ﵀ - من قوة ومتانة." (٤)
وبالبحث عن معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح، وجدت من قسّم الاضطراب إلى قسمين (اضطراب سند، واضطراب متن)، وعرّف أحدهما وأشار إلى معنى الآخر، وهناك من فرّق بينهما في الحكم، وفما يلي بيان ذلك:
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.
(٢) المرجع السابق، ١/ ٢٩٧.
(٣) ينظر: الهميم، والفحل، "سمات منهج ابن الصلاح"، من تحقيقهما لكتاب علوم الحديث لابن الصلاح، ٣٤.
(٤) بازمول، المقترب، ٤٣١.
[ ٤٥٩ ]
تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
ذكر الخطيب البغدادي المراد باضطراب السند، فقال: "واضطراب السند أن يذكر راويه رجالًا فيُلبِّسُ أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم، وإنما يفعل ذلك غالبًا في الرواية عن الضعفاء." (١)
وعرّج على المراد باضطراب المتن حين قابل بين الحديث السالم من الاضطراب في متنه والحديث المضطرب في متنه، فقال:
"فمما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب، وحصول ذلك في الآخر، لأن الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى، ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه. فإن كان اختلافًا يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر، فهو آكد وأظهر في اضطرابه، وأجدر أن يكون راويه ضعيفًا قليل الضبط لما سمعه، أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث، وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول، غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه." (٢)
فيكون مراده باضطراب المتن: روايته بلفظ مختلف، فإن أدّى ذلك إلى اختلاف معنى الحديث فهو ظاهر الاضطراب، وإن لم يختلف المعنى فهو أقرب إلى السالم من الاضطراب، إلا أنه دونه في حال الترجيح، فيقدّم ما خلا من الاضطراب في متنه على ما اُختلف لفظه وإن لم يختلف المعنى.
بينما ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ) - وهو معاصر لابن الصلاح- فرّق بين حكم الاضطراب في المتن والاضطراب في السند دون أن ينصّ على تعريف لأيّ منهما، ولعل استدراكاته - على من سبقه فيما يخصّ اضطراب السند، وذلك في كتابه بيان الوهم
_________________
(١) ذكر ذلك تحت (باب القول في ترجيح الأخبار)، حيث تطرق إلى طرق الترجيح بين الروايات، ومن ضمنها سلامة متن الحديث من الاضطراب، وكذلك سلامة سنده من الاضطراب. ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.
(٢) المرجع السابق، ٤٣٤.
[ ٤٦٠ ]
والإيهام- (١)، وتفنيده سبب مخالفته عامة أهل الحديث في عدم اعتباره هذا النوع من الاضطراب علة؛ يشير إلى معنى اضطراب السند عنده.
من ذلك قوله: "وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع. وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا، أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقة، أو غير معروف، فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه." (٢)
فيكون مراده باضطراب السند، أنه: اختلاف النقلة عن الراوي (الشيخ) في إسناد الحديث أو إرساله، أو رفعه ووقفه، أو وصله وقطعه.
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح تحت النوع التاسع عشر من أنواع علوم الحديث:
_________________
(١) لخّص الباحث إبراهيم بن الصديق منهج ابن القطان في الحديث المضطرب فذكر أن: ابن القطان يعتبر اضطراب المتن علة ويرد به الحديث في حال لم يمكنه الجمع بين معانيه، فإذا أمكن الجمع وصح إسناده اعتمده. وأما اضطراب الإسناد فله فيه منهجان عام وخاص، أما منهجه العام: فهو لا يُعِلّ الحديث باضطراب الإسناد، ويعتبره صحيحا إذا كان التخالف بين الثقات لا بين ضعيف وثقة. وأما منهجه الخاص: فإن ابن القطان لا ينظر إلى الحديث بمجموع طرقه ورواياته، بل ينظر نظرة جزئية إلى كل إسناد على حدة، فإذا صح ذلك الإسناد حكم على الحديث بالصحة، فإذا كان للحديث إسناد آخر يخالف ذلك الاسناد نظر إليه نظرة منفصلة تماما عن الإسناد الأول، فإن كان ضعيفا فالحديث بالإسناد الثاني ضعيف، وبالأول صحيح ولا يُعِل ضعيفٌ صحيحا. وإن كان الإسنادان ضعيفين ضعفا يسيرا بحيث يمكن الانجبار، بقيا على ضعفهما ولا يجبر هذا ولا يقوي الضعيف ضعيفا، ومن ثم ندر - ولا أتجاوز الواقع إن قلت: انعدم- في كتابه تصحيح الأحاديث بالمتابعات والشواهد. أو اعتبار الطرق والاعتضاد وإذا كانت هذه هي نظرته إلى الأسانيد والطرق فهو لا يتصور أن يقع اضطراب في إسناد حديث. مادام كل إسناد مستقلا عن الآخر. ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٣/ ٢٧٥ ح (١٠٢٢)، ٣/ ٢٧٧ ح (١٠٢٤)، ٣/ ٣٣٩ ح (١٠٨٣)، ٣/ ٣٧٥ ح (١١١٨)، ٣/ ٤٦٩ ح (١٢٣٢)، ٤/ ٢٦ ح (١٤٤٩)، ٥/ ٢٦٣ ح (٢٤٦٢)، ٥/ ٣١٥ ح (٢٤٩٣)، إبراهيم بن الصديق، علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام، ٢/ ١٦٣ - ١٧٩ باختصار.
(٢) ابن القطان، المرجع السابق، ٣/ ٣٣٩.
[ ٤٦١ ]
"معرفة المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له." (١)
ثم أردف بذكر شرط التساوي بين الروايات، فقال: "وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه." (٢)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من نقل تعريفه للمضطرب كما هو، كالطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٣)، ومنهم من فصّل عبارته - فذكر وقوع الاختلاف من الراوي نفسه أو من عدة رواة- كالعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، وتبعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) (٥).
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣ - ٩٤.
(٢) المرجع السابق.
(٣) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٨٣. ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، ولم يراعِ في ذلك ترتيب الأنواع عند من سبقه، ممن لخّص كتابه عنهم، ولعله استفاد ذلك من كلام الخطيب في المراد باضطراب السند، أو تبع ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح، والله أعلم.
(٤) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، حيث قال: "هو ما اختلف راويه فيه. فرواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له. وهكذا إن اضطرب فيه راويان فأكثر، فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر."
(٥) ابن الوزير، التنقيح، ١٦٥.
[ ٤٦٢ ]
وأغلب من جاء بعد ابن الصلاح، فقد اختصر كلامه: كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٢)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٣)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث ذكره مختصراّ في كلا كتابيه المقنع (٥)، والتذكرة (٦).
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المُضطرب بعد ابن الصلاح، والتي فيها إضافة أو تركيز على شق من التعريف:
تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): حيث قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض." (٧)، فقد أبرز ابن كثير في تعريفه موضع الاختلاف على الشيخ، وهو نوع من اضطراب السند، إلا أن قوله (أو من وجوه أُخر) يعمّ كذلك أنواع الاضطراب الأخرى.
وكذلك تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): في نزهة النظر حين ذكر المضطرب تحت أنواع مخالفة الراوي، فقال: "أو كانت المخالفة بإبداله - أي: الراوي (٨)، - ولا مرجح
_________________
(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٥.
(٢) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٢، ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، وستأتي الإشارة إلى العلاقة بسن التدليس والاضطراب أثناء تحرير التعريفات.
(٣) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٢.
(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٥١.
(٥) ينظر: ١/ ٢٢١.
(٦) ينظر: ١٨.
(٧) ابن كثير، الاختصار، ٥٥.
(٨) "أي بإبدال الشيخ المروي عنه، كأن يروي اثنان حديثا فيرويه أحدهما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتفقان فيما بعد ذلك الشيخ". المناوي، اليواقيت والدرر، ٢/ ٩٥.
[ ٤٦٣ ]
لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب" (١)، وتعريفه رغم اختصاره؛ إلا أن بعض الشراح فهموا اشتماله على ما يخص اضطراب السند والمتن. (٢)
وقد أطنب الدهلوي (٣) (ت ١٠٥٢ هـ) - حين عرّف المضطرب- في ذكر أنواع المخالفة من الراوي، فقال:
"وإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو تصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك: فالحديث مضطرب" (٤)
ولخّص الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) تعريف المضطرب بقوله: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالإبدال على وجه يحصل فيه التدافع مع عدم وجود المُرجِّح." (٥)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
إن المتأمل لكلام ابن الصلاح في المضطرب يجد أن القيود التي يدور حولها التعريف تتمثل في: الاختلاف في الرواية، والتساوي بين أوجه الاختلاف مع تعذر الجمع أو الترجيح، ويمكن صياغة هذه القيود على النحو الآتي:
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١١٧.
(٢) "أشار إلى أن الإبدال مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي الشيخ المروي عنه، أو بعضا من المروي، فيكون شاملا لمضطرب المتن أيضا". القاري، شرح النخبة، ٤٨١، وصي الله بن محمد عباس، علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية، ط (بدون (، (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ت [بدون]) ٢٦.
(٣) عبدالحق بن سيف الدين بن سعد الله الدهلوي الحنفي. فقيه، محدث. له: (مقدمة في مصطلح الحديث). مات سنة ١٠٥٢ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٣/ ٢٨٠. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٥٨ (٦٦٢٦).
(٤) الدهلوي، أصول الحديث، ٤٩.
(٥) الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٥٨١.
[ ٤٦٤ ]
١ - اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج.
٢ - التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح.
قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:
القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: (١)
والاختلاف في اللغة: من اختلف: ضد اتّفق، فالاختلاف نقيض الاتفاق.
وتخالف الأمران، واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. (٢)
والاضطراب يُعدّ نوعًا من أنواع اختلاف الرواة في الرواية (٣)، ونلحظ أن تعريفات المضطرب السابقة اتفقت على ذكر الاختلاف بين الروايات أو مخالفة الراوي لغيره - في حدّ الحديث المضطرب- سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها، كتعريف الخطيب حين ذكر أن الاضطراب تلبيس أسماء الرواة وأنسابهم وتدليسها، والتلبيس بمعنى التعمية والتخليط، وعدم الوضوح (٤)، فيُذكر الراوي على خلاف ما اُشتهر به، وهذا نوع مخالفة في الإسناد.
_________________
(١) سبق في فصل الحديث الشاذ الكلام على قيد المخالفة.
(٢) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨، الزبيدي، تاج العروس، ٢٣/ ٢٧٥، المعجم الوسيط، ١/ ٢٥١.
(٣) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٧، بازمول، المقترب، ٧٣، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢١، الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٤٨
(٤) ينظر: الرازي، المختار، ٢٧٨، الفيروزآبادي، القاموس، ٥٧٢.
[ ٤٦٥ ]
وقد نُقل عن أبي داود - في المراد بالاختلاف- قوله: "والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء" (١)، ولعل عبارة الترمذي أكثر وضوحًا في بيان حد الاختلاف في الأسانيد، حيث قال - عن أحد الرواة الموصوفين بكثرة الاضطراب، وهو ابن أبى ليلى (٢) - أنه: "كان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغيِّر الإسناد" (٣)، ونقل أيضًا عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ابن أبى ليلى لا يُحتجُّ به"، ثم عقّب ببيان المراد من عدم الاحتجاج وسببه، فقال: "إنما عنى إذا تفرد بالشيء. وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غيَّر الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللفظ. فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعنى." (٤)
وفي موضع آخر في سننه أخرج لهذا الراوي حديثًا، وذكر اضطرابه فيه (٥)، وفي ذلك إلماحة منه بما يحويه الاضطراب من تغيير وتبديل في الرواية، سواء من حيث الإسناد
_________________
(١) المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ٢٦/ ٤٣١.
(٢) محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى الأنصاري، أبو عبدالرحمن الكوفي، القاضي، الفقيه، قال عنه الإمام أحمد: "ابن ابى ليلى كان سيِّئ الحفظ، مضطرب الحديث وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب." وقال ابن حجر: "صدوق سيِّئ الحفظ جدا"، مات سنة ١٤٨ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٧/ ٣٢٣ (١٧٣٩)، ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٤٣، ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ٣٩٠ (١٦٦٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٩٣ (٥٠٠٠)، ابن حجر، التقريب، ٤٩٣ (٦٠٨١).
(٣) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٨، ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤١٥. عدّ أحد المعاصرين كلام الترمذي أقدم ما قيل في حد اختلاف الأسانيد، وتعريفه. ينظر: العثمان، المحرر، ٢٧١.
(٤) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٩.
(٥) أخرج الترمذي في سننه كتاب الآداب، باب ما جاء كيف يُشمّت العاطس، ٤/ ٤٥٧ ح (٢٧٤١)، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه، يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم.». وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن ابن أبي ليلى، بهذا الإسناد نحوه. ثم عقّب بقوله: هكذا روى شعبة هذا الحديث عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - وكان ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث، يقول أحيانا: عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ -، ويقول أحيانا: عن علي، عن النبي - ﷺ -.
[ ٤٦٦ ]
أو المتن، وسواء وقع هذا الاختلاف في رواية الراوي الواحد حيث يرويه مرة هكذا، ومرة هكذا كما ذكر الترمذي (١)، أو وقع الاختلاف بين عدد من الرواة في روايتهم عن شيخهم، فيروي بعضهم ما يخالف رواية الآخرين؛ لذا استدرك الزركشي ما قد يُتوهم من إغفال تعريف ابن الصلاح للاضطراب الصادر عن راوٍ واحد فقال - مُعقِّبًا على قول ابن الصلاح "هو الذي يختلف الرواة فيه"-: "قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راو واحد. وقد يقال فيه: نبنيه على دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بين راويين". (٢)
ولأن "الاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد" (٣)؛ فإن اختلاف الرواة منه القادح في صحة الحديث، ومنه غير القادح، وإنما يُعدّ هذا الاختلاف اضطرابًا إذا كان قادحًا في الصحة، وهذا ما استدركه الزركشي على ابن الصلاح فقال: "وينبغي
_________________
(١) قال الدكتور عداب الحمش - بعد أن استعرض عددًا من أمثلة الحديث التي وصفها الترمذي بالاضطراب-: "وقد ظهر لي أن حدّ الاضطراب عند الترمذي يعني مطلق اختلاف الراوي المدار، أو الرواة عنه في سياقة الحديث سندًا أو متنًا، أو جميعهما معًا." الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٥٦.
(٢) الزركشي، النكت، /٢٢٤. "هذا اعتراض متجه، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راو واحد، وهو الذي يوجه الغلط فيه لمن اضطرب فيه. أما الاضطراب من راويين فهو أقل، وكذلك قد يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كان قد حدث بالوجهين" الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٢.
(٣) ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، ٢/ ٧٧٨. واختلاف التنوع: "منه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصَوْغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع " المرجع السابق، ٢/ ٧٧٩.
[ ٤٦٧ ]
أن يقال على وجه يؤثر" (١)، أي: الاختلاف المؤثر في الصحة، وأكّد على ذلك ابن حجر بقوله: "الاضطراب هو: الاختلاف الذي يُؤثِّر قدحًا". (٢)
فاشتراط كونه مؤثرًا يُخرج اختلاف التنوِّع في الرواية، والذي مثَّل له الذهبي بقوله: "ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمِّي أحدهما في الإسناد ثقة، ويُبدله الآخر بثقة آخر. أو يقول أحدهما: (عن رجل)، ويقول الآخر: (عن فلان) فيسمي ذلك المبهم. فهذا لا يضر في الصحة." (٣)
ولأن الاضطراب يقع في السند وفي المتن، فقد قسّم ابن سيّد الناس - في كتابه النفح الشذي- (٤) الاضطراب من حيث موضعه في السند أو المتن، ومن حيث القدح وعدمه إلى أربعة أقسام.
اضطراب في الإسناد، ومنه القادح، وغير القادح (٥)، أما القادح: فالحديث يُروى عن الثقة تارة وعن من تُكُلِّمَ فيه تارة، والراوي عنهما واحد، والطرق إليه مختلفة. (٦)
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٤.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٣.
(٣) الذهبي، الموقظة، ٥١، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٢، ابن حجر، المرجع السابق، بازمول، المقترب، ٤٢.
(٤) ابن سيد الناس، النفح الشذي شرح جامع الترمذي، ١/ ١٩٩ - ٢٠١.
(٥) مثّل له بحديث: عبدالله بن مسعود قال: «خرج النبي - ﷺ - لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة »، أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالحجرين، ١/ ٦٩ ح (١٧)، قال الترمذي: "وهذا حديث فيه اضطراب". قال ابن سيد الناس: "وصفوه كلهم بالاضطراب وخُرِّج مع ذلك في الصحيح، وهو اضطراب يرجع إلى الإسناد، والخلاف فيه على أبي إسحاق بين أبي عبيدة والأسود بن يزيد وعبدالرحمن ابنه وعبدالرحمن بن يزيد وعلقمة وكلُّهم ثقاتٌ فكيف ما انقلبنا انقلبنا إلى ثقة، فهذا وأمثاله لا يضر ولا يُعدُّ قادحًا." المرجع السابق.
(٦) مثّل له بقوله: "كما وقع من الاختلاف في الحديث المروي عن عبيدالله العمري وعبدالله أخيه عن الزهري أو غيره من الشيوخ فإنَّ عبيد الله مجمع على قوله وعبد الله مختلف فيه فهذا اضطراب يرجع إلى الإسناد وهو مما يوجب الوهن؛ لأنَّ ناقل الحديث في نفس الأمر أشكلَ علينا ودار الأمر فيه: متفق عليه، ومختلف فيه فلم يثبت عن من نعرف حاله يقينًا بغير شك." المرجع السابق.
[ ٤٦٨ ]
واضطراب في المتن، ومنه القادح، وغير القادح، فالقادح في المتن: وهو ما اختلفت فيه مدلولات ألفاظه وتباينت معانيه، ولم يمكن أن تردَّ إلى معنىَّ واحد، ولا معانٍ يَقرب بعضُها منْ بعض.
وغير القادح هو: ما اختلف ألفاظه وأمكن ردّها إلى شيء واحد ومعان متقاربة (١).
والمراد بالاختلاف في هذا القيد:
هو الاختلاف القادح أو المؤثّر: وهو المشعر بقلة ضبط راويه (٢)، ويقع على وجه يقدح في صحة الرواية، بحيث لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى: أن الراوي لم يضبط الحديث، فهو وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف في هذا الحديث خاصة. (٣)
وكثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة- فقال: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه " (٤)
_________________
(١) كما في قوله - ﷺ -: «اذهب فقد زوجتكها» أو أنكحتكها أو ملكتها إلى غير ذلك من الألفاظ التي إنْ وقع بينها خلاف في المعنى فيسير محتمل. ابن سيد الناس، المرجع السابق. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب ٧/ ١٧ ح (٥١٣٢) بلفظ (زوجتكها)، وفي باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة ٧/ ١٨ ح (٥١٤١) بلفظ (ملكتكها)، وفي باب التزويج على القرآن ٧/ ٢٠ ح (٥١٤٩) بلفظ (أنكحتكها).
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤، النووي، التقريب، ٤٥، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٣.
(٣) ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٢.
(٤) ابن حجر، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ٢/ ٤١٤.
[ ٤٦٩ ]
وقد أشار ابن حجر في كلامه السابق إلى الشق الثاني من هذا القيد، ألا وهو: اتحاد المخرج، فاختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، "والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم." (١)
ذكر هذا الشرط ابن دقيق العيد - فيما يخص الاختلاف المؤثر- فقال: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين، بل يكونان عن رجل واحد" (٢)
وحين عرّف ابن كثير المضطرب، قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، " (٣)، فقوله (على شيخ بعينه) اشتراط لاتحاد المخرج.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثًا بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا عُلِم أن الحديث الذي اُختلِف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر". (٤)
- أما "تعليلهم الحديثين المختلفين سندًا بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحًا. أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة". (٥)
_________________
(١) الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.
(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.
(٣) ابن كثير، الاختصار، ٥٥.
(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٤٣.
(٥) بازمول، المقترب، ٤١. مثال ذلك: "قال الميموني: قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي - ﷺ - في كراهة الحجامة للصائم. كيف تأويلها؟ قال: جياد كله، . قلنا: فما يقولون: مضطربة؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة". ابن حنبل، العلل، ٢١٣ ح (٤٠٣).
[ ٤٧٠ ]
"وإذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله." (١)
- وتجدر الإشارة إلى أن تعدد أوجه الرواية قد يُحتمل من بعض الرواة دون غيرهم، وذلك في حال كان الراوي معروفًا بكثرة الرواية وجمع الطرق، أوضح ذلك ابن حجر بقوله:
"التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه ويُنبِئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه." (٢)
وسبقه ابن رجب في تقرير هذا، وبيان حال الرواة ممن يُحتمل منه الاختلاف في الرواية ومن لا يُحتمل، فقال: "اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهمًا؛ فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ؛ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يُحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما." (٣)
نخلص مما سبق:
أن المراد بالاختلاف في قيد الحديث المضطرب، هو اختلاف التضاد القادح في الصحة، والواقع في روايات الحديث الواحد سواء في السند أو في المتن أو في كليهما، وسواء وقع هذا الاضطراب من راوٍ واحد أو أكثر.
_________________
(١) بازمول، المقترب، ١٦٢.
(٢) ابن حجر، تلخيص الحبير، ٢/ ٤١٤.
(٣) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤٢٤.
[ ٤٧١ ]
القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:
التساوي في اللغة: من سَوِيَ، والسين والواو والياء: "أصل يدل على استقامة واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يُعادِله." (١) واستوى الشيئان وتساويا تماثلا، وتعادلا. (٢)
والمراد بالتساوي بين وجوه الاختلاف، أي: تساوي "الاختلاف في الجهتين أو الجهات; بحيث لم يترجح منه شيء، ولم يمكن الجمع." (٣)
وقد صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط التساوي بين أوجه الروايات من حيث القوة، فوصفت الروايات المختلفة بمعاني مترادفة (كالتقارب، والتقاوم، والتعادل ). (٤)
وعقّب ابن الصلاح بذكر هذا الشرط، فقال: "وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان " (٥)، فلا يُسمّى الحديث مضطربًا عند ابن الصلاح إلا إذا تساوت الروايات المختلفة في القوة، وتعذّر الترجيح بينها؛ بينما يرى الزركشي أن مجرد الاختلاف في الرواية يُعدّ اضطرابًا، ولا يكون هذا الاضطراب قادحًا إلا في حال التساوي بين
_________________
(١) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١١٢.
(٢) ينظر: مادة (س وي): ابن سيده، المحكم، ٨/ ٦٣٩، الفيروزآبادي، القاموس، ١٢٩٧، المعجم الوسيط، ١/ ٤٦٦.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.
(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٥، ابن جماعة، المنهل، ٥٢، ابن كثير، الاختصار، ٥٥، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢١.
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣ - ٩٤. قال العراقي: "وإنما يسمى مضطربا إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة". العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠.
[ ٤٧٢ ]
الروايات المختلفة، فاستدرك على ابن الصلاح بقوله: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت" (١).
ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة:
فقد أشار ابن الصلاح إلى اشتراط انتفاء الترجيح - بأحد طرقه المعتمدة- بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: "وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه." (٢)
وزاد ابن حجر ذكر عدم إمكانية الجمع بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: "وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه" (٣)، "وأما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها فلا يستلزم اضطرابًا." (٤)
"فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٦.
(٢) ابن الصلاح، المرجع السابق.
(٣) ابن حجر، فتح الباري، ٤/ ٣٣٢.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٥٢، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.
[ ٤٧٣ ]
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث." (١)
"فالأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن" (٢)، حيث قال الحافظ: "الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحدًا والأصل عدم التعدد" (٣)، فإن تعذر الجمع انتقل إلى الترجيح، "ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق." (٤)
وبالنظر إلى الكثير من أمثلة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في كتب الحديث وعلله، نجد أن عددًا من الأحاديث أُطلِق عليها وصف الاضطراب بالرغم من ترجيح بعض علماء الحديث ونقّاده لأحد الروايات، ففي دراسة أجراها أحد الباحثين (٥) جمع فيها مائة حديث وصف بالاضطراب في السنن الأربع، وباستقراء سريع لهذه الأمثلة، وجدت ما يلي: -
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) بازمول، المقترب، ٤٤.
(٣) ابن حجر، تلخيص الحبير، ٣/ ٤٢٠.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٨.
(٥) ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣، ينظر كذلك الأمثلة التي استعرضها الدكتور عداب الحمش من كتاب جامع الترمذي، فخلص إلى أن "حدّ الاضطراب عند الترمذي الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٥٦.
[ ٤٧٤ ]
- نسبة الأحاديث المضطربة في المتن ٤%، وهي نسبة قليلة كما أشار لذلك ابن حجر بقوله: "وهو يقع في الإسناد غالبا. وقد يقع في المتن. لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث باضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد." (١)
- نسبة الأحاديث التي جمعت بين اضطراب السند والمتن ١١%، فيكون مجموع الأحاديث التي أُعلّ فيها السند دون المتن ٨٥%، وهي النسبة الغالبة على الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب.
- ونسبة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب مع ترجيح أحد الطرق ٣٢%، وهي تقريبًا ثلث الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب في هذه الدراسة. (٢)
- وهنا قد يظهر إشكال: وهو وصف المحدث حديثًا ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها، فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح؟
وللجواب عن هذا الإشكال عدة أجوبة:
الأول: أنه وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه، والراجح من الاختلاف رواية فلان، وعندها لا يكون
هناك اضطرابًا معلًا للرواية؛ بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر (٣)، ولذلك لما قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان".
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١١٧، ينظر: السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، ٥٦.
(٢) ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣.
(٣) مثل لذلك بقول البخاري - لما سأله الترمذي عن حديث عائشة أنها ذكرت لرسول الله - ﷺ - إن قومًا يكرهون استقبال القبلة بغائط أو بول فأمر بخلائه فاستقبل به القبلة-: "هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها".ينظر: الترمذي، العلل، ٢٤ ح (٦).
[ ٤٧٥ ]
علق عليه الزركشي بقوله: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت؛ وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت" (١).
الثاني: أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو (٢).
الثالث: أنه ترجيح افتراضي (٣) لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. (٤)
ويمكن إضافة وجه رابع: أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.
كالمثال الذي مثّل به ابن الصلاح لمضطرب السند، حيث مثّل بحديث الخط في السترة (٥)،
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٦.
(٢) مثال ذلك: قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال لها: "ناوليني الخمرة. قلت: إني حائض! قال: إن حيضك ليس في يدك". ورواه عبد الله البهي، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - نحوه؟ فقال أبي: حديث ثابت، عن القاسم، عن عائشة أحب إلي؛ وذلك أن البهي يُدخِل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه، وهو مضطرب الحديث" ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ٤٧ - ٤٨ ح (٢٠٦). وكان من نتائج بحث مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، أن توصل الباحث إلى أن الإمام الترمذي يروي الحديث، ويشير إلى الاختلاف على بعض رواته، وقد يُرجّح إحدى الروايات، ويحكم على البقية بالاضطراب، فيكون حكمه بالاضطراب متوجهًا إلى بعض طُرق الحديث، وليس جميعها. ينظر: عبدالعزيز عبدالله الهليل، مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، ١٦٦.
(٣) مثال ذلك: سؤال ابن أبي حاتم لأبي زرعة عن حديث اضطرب فيه الرواة، فقال: "قلت لأبي زرعة: الصحيح ما هو؟ قال: الله أعلم! قد اضطربوا فيه، والثوري أحفظهم."المرجع السابق ٣/ ٢٦ ح (٦٦٥).
(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ٤٨ - ٥٠ باختصار.
(٥) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا ١/ ١٨٣ ح (٦٨٩)، فقال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد ابن حريث، أنه سمع جده حريثا يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه»، وأخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما يستر المصلي، ١/ ٣٠٣ ح (٩٤٣)، وأحمد في مسنده ١٢/ ٣٥٤ ح (٧٣٩٢)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب الاستتار بالخط ٢/ ١٣ ح (٨١١)، وابن حبان في صحيحه باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، ذكر وصف استتار المصلي في صلاته ٦/ ١٢٥ ح (٢٣٦١).
[ ٤٧٦ ]
وقد رُوِي على أوجه ذكرها ابن الصلاح (١) وغيره (٢)، مع عدم تمكنه من ترجيح بعضها على بعض، لكن الحافظ ابن حجر استدرك على ابن الصلاح والعراقي ما ذهبا إليه من اضطراب الحديث، فقال:
" بقي أمر يجب التيقظ له، وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية (٣)، عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه
أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر لم يكن فيه حقيقة الاضطراب." (٤)
نخلص مما سبق:
أن اشتراط التساوي في القوة بين وجوه الاختلاف، وما يلحق به من عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات كقيد من قيود الحديث المضطرب، هو اشتراط أغلبي، إذ أن هناك أمثلة ليست بالقليلة وصفت بالاضطراب رغم وجود الترجيح بين رواياتها.
_________________
(١) حيث قال: "ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - في المصلي: «إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه؛ فليخط خطا». فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عن إسماعيل، هكذا. - ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمرو ابن حريث، عن أبيه عن أبي هريرة. - ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة. - ورواه وهيب، وعبدالوار عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث. - وقال عبدالرزاق عن ابن جريج: سمع إسماعيل، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة. وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه. والله أعلم" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤ - ٩٥.
(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٢٤ - ١٢٧.
(٣) إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي، الأموي، المكي، قال عنه الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت. مات سنة ١٤٤ هـ، وقيل قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٤٤ (٣٥٨)، ابن حجر، التقريب، ١٠٦ (٤٢٥).
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٢.
[ ٤٧٧ ]
هذا فيما يخص قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، ومدى اتفاق تعريفات المضطرب معها.
أما تعريف الخطيب البغدادي للمضطرب، فقد أثار لديّ تساؤلا عن سبب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء، دون غيره من أنواع الاضطراب في الأسانيد؛ علمًا بأن الاضطراب في السند يتنوع إلى خمسة أنواع هي:
١ - تعارض الوصل والارسال.
٢ - تعارض الوقف والرفع.
٣ - تعارض الاتصال والانقطاع.
٤ - زيادة رجل في أحد الاسنادين.
٥ - الاختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف. (١)
مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:
- إن المتأمل في تعريف الخطيب البغدادي لاضطراب السند قد يستغرب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة في السند أو بعضهم، دون أنواع الاضطراب الأخرى التي تقع في السند (كاختلاف الرواة في السند بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، ونحو ذلك) وذكر أن الدافع في الغالب لتدليس أسمائهم وتبديلها بما لم يشتهروا به كونهم ضعفاء، ويمكن توجيه ذلك على النحو الآتي:
- لعله عمد إلى ذلك؛ لكونه أفرد ذكر التعارض بين الرواة في وصل الحديث وإرساله، وكذلك في رفعه أو وقفه في أبواب أخرى في كتابه الكفاية (٢)، هذا من جهة.
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٧٧٨، الفحل، علل الحديث، ١٩٩.
(٢) - ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: "باب القول فيما روي من الأخبار مرسلًا ومتصلًا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟ "، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلًا ضابطًا للرواية. - وأما ما يخص تعارض الرفع والوقف، فقد قال: تحت "باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى، ما حكمه؟ والأخذ بالمرفوع أولى، لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولا ومقطوعا، وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لا يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لازم، والله أعلم" ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٠٩، ٤١٧.
[ ٤٧٨ ]
- ومن جهة أخرى: إذا استثنينا من صور اضطراب السند: (تعارض الرواة في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، والمزيد في متصل الأسانيد؛ حيث ألّف فيه الخطيب كتابًا مستقلًا (١» فسيكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب؛ لذا خصّها بتعريف اضطراب السند، للتمييز بين الأنواع؛ فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم.
إذ الناظر والمتأمل في أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد يجدها لا تكاد تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل،
والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو وفقه أو رفعه أو وصله أو إرساله. (٢)
_________________
(١) هو كتاب: " (تمييز المزيد في متصل الأسانيد) وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها. والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها." ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧ - ٦٣٨.
(٢) مثال ذلك: في ترجمة: محمد بن أحمد بن يونس بن يزيد، أبو بكر البزَّاز، أخرج المصنف حديثًا من طريق سهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وقد لدغته عقرب، فقال: «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضرك شيء حتى تصبح». ثم عقّب المصنف بذكر اختلاف الرواة عن سهيل في إسناد الحديث، فقال: "تفرد برواية هذا الحديث عن سفيان الثوري، هكذا مجودا الأشجعي، ورواه غير واحد، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن رجل من أسلم أنه لدغته عقرب من غير ذكر لأبي هريرة، ورواه عمر بن مدرك الرازي، عن عصام بن يوسف، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رجل من أسلم. وروى هذا الحديث، عن سهيل، كما رواه الأشجعي، عن سفيان، عن مالك بن أنس، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، ومحمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي. ورواه عن سهيل أيضا، عن أبيه، عن رجل من أسلم شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وخالد بن عبد الله الطحان. ونرى أن سهيلا كان يضطرب فيه ويرويه على الوجهين جميعا، والله أعلم". الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ٢٥٨ (٢٩٤). ينظر كذلك الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في التراجم الآتية: في ترجمة: محمد بن الفضيل الخراساني ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (١٤٧٣)، وفي ترجمة: سليمان بن حرب بن بجيل، أبو أيوب الأزدي الواشجي البصري، ١٠/ ٤٤ (٤٥٧٥)، وفي ترجمة: محمد بن نصر بن سليمان، أبو الأحوص الأثرم، ٤/ ٥٠٥ (١٦٨٠)، وفي ترجمة منصور بن صُقير، أبو النضر، ١٥/ ٨٩ (٧٠٠٥).
[ ٤٧٩ ]
- وجدير بالذكر الإشارة إلى أن: ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف.
وهناك مسألة أخرى تتعلّق أيضًا بتعريف الخطيب البغدادي، وهي:
مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:
- فقد عرَّف الخطيب اضطراب السند بقوله: "أن يذكر راويه رجالًا فيُلبَّس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم" (١)، وهذا التعريف قريب من تعريفه لتدليس
الشيوخ، والذي قال فيه: "هو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا فغيّر اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرَف" (٢)، والفرق بين التعريفين:
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.
(٢) ذكر الدافع لذلك عند الرواة فقال: "والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده أو في أمانته أو يكون متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه أو يكون أصغر من الراوي عنه سنا أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرواية عنه فيغير حاله لبعض هذه الأمور." الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٦٥. ينظر تصريحه بتسمية هذا النوع من التدليس، بتدليس الشيوخ: المرجع السابق، ٢٢.
[ ٤٨٠ ]
- أنه في تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، وذكر لذلك دوافع متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب قد يطرأ التغيير على اسم أي راوٍ من رواة السند، والدافع لتبديل أسمائهم في الغالب لكونهم رواة ضعفاء. (١)
ولعل لذلك علاقة بصنيع الحاكم حين ذكر تحت النوع السادس والعشرين من علوم الحديث (نوع معرفة المدلسين) ثم ذكر أجناسهم، وخصّ: الجنس الرابع من المدلسين
بأنهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا" (٢)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب (٣).
_________________
(١) ملاحظة: يجدر بالذكر أن ابن الصلاح ومن بعده ذكروا اشتهار الخطيب بتدليس الشيوخ في مروياته ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٦. وقد ذكر أمثلة لذلك فقال: "والخطيب الحافظ يروي في كتبه، عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيدالله ابن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه. وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد. ويروي أيضا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي ابن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير، والله أعلم." المرجع السابق، ٣٢٤. قال العراقي في شرح التبصرة "وقد يكون الحامل على ذلك إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في مواضع، يعرفه في موضع بصفة، وفي موضع آخر بصفة أخرى يوهم أنه غيره. وممن يفعل ذلك كثيرا الخطيب، فقد كان لهجا به في تصانيفه "، وقد نقل البقاعي في النكت الوفية استدراك ابن حجر على شيخه العراقي فيما ذهب إليه، فقال: "ولم يكن الخطيب يفعله إيهاما للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة، وربما أدت ضرورة التصنيف إلى تكرار الشيخ الواحد عن قرب، فينوع أوصافه لئلا يصير مبتذلا ينفر السمع منه؛ للتكرار المحض، والله أعلم." قال نور الدين عتر في منهج النقد: "وكثيرا ما يقصد المحدث من ذلك امتحان أذهان الطلاب واختبار المشتغلين بالعلم، ولفت نظرهم إلى حسن التأمل في الرواة وأحوالهم وأنسابهم، وغير ذلك. وذلك فيما يبدو لنا من مقصد الخطيب في تدليسه، فإنه كثير الشيوخ جدا، وتدليسه كان لهذا الغرض، والأمثلة التي أوردناها من كلامه قد أمكن كشف الراوي فيها بالتأمل والنظر.". ينظر المراجع: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٤١، البقاعي، النكت، ١/ ٤٤٩، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٣٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٥، عتر، منهج النقد، ٣٨٦. (١/ ٢٤١)
(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١٠٣.
(٣) مثال ذلك: "قال علي بن المديني: حدثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي أن النبي - ﷺ -: «أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل». قال ابن المديني: فكنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه حدثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فإذا الحديث مضطرب." المرجع السابق، ١٠٧، ينظر: الدارقطني، العلل، ٣/ ٢٧١ ح (٤٠٠).
[ ٤٨١ ]
فالحاكم في هذا النوع من التدليس صرّح بتدليس أسماء الرواة المجروحين، والخطيب حين عرّف اضطراب السند أعقبه بذكر السبب في تغيير وتدليس أسماء الرواة، فقال: "وإنما يفعل ذلك غالبًا في الرواية عن الضعفاء." (١)
- والناظر في الاقتراح لابن دقيق العيد يجد نوع المضطرب بعد المُدلَّس، وكذلك عند الطيبي في الخلاصة؛ فبالرغم من أنه اختصر كتابه من كتاب ابن الصلاح، والنووي، وابن جماعة، إلا أنه عقّب بقوله: "فهذبته تهذيبًا، ونقحته تنقيحًا، ورصفته ترصيفًا أنيقًا. فوضعت كل شيء في مصبَّه ومقره" (٢)، ونجده قد خالفهم في ترتيب الأنواع، وذكر المضطرب بعد المُدلَس.
- فلعل ابن دقيق العيد والطيّبي بانتهاجهم هذا الترتيب بين الأنواع في كتبهم رأوا شبهاّ بين التدليس، وبين الاضطراب في الإسناد مما حذا ببعض المعاصرين إلى أن أشاروا لتلك العلاقة سواء من قريب أو من بعيد، فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف
عن سقوط راو أحيانًا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون" (٣)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٤)
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.
(٢) الطيبي، الخلاصة، ٢٦.
(٣) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣١.
(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ١٩٨.
[ ٤٨٢ ]
ومثّل لذلك بما قيل في الراوي: الحجاج بن أرطأة، حيث "قال عنه إسماعيل القاضي (١): "مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر (٢): الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ." (٣)
حكم الحديث المضطرب: (٤)
قال ابن الصلاح في بيان حكم الحديث المضطرب: "الاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط" (٥)، إذ الضبط شرط من شروط صحة الحديث، فإذا اختل ضبط
الراوي أصبح حديثه ضعيفًا لفقده شرطًا من شروط الصحة، هذا في الغالب، لكن لا يمنع ذلك أن يجتمع الاضطراب والصحة في بعض الحالات، حيث قال ابن حجر: "إن الاختلاف في الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة، ولكن يضرُّ ذلك في الأصحيّة عند التعارض - مثلا -.
_________________
(١) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل، القاضي أبو إسحاق الأزدي، مولاهم، البصري، المالكي، العلّامة الحافظ قاضي بغداد، وصاحب التصانيف، منها: (أحكام القرآن)، و(معاني القرآن). مات سنة ٢٨٢ هـ. ينظر: الذهبي: السير، ١٣/ ٣٤٠، وتاريخ الإسلام، ٦/ ٧١٧.
(٢) محمد بن نصر المروزى الفقيه، أبو عبدالله الحافظ، قال ابن حجر: "ثقة حافظ إمام جبل". مات سنة: ٢٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٤/ ٣٣، ابن حجر، التقريب، ٥١٠ (٦٣٤٥).
(٣) ابن حجر، التهذيب، ٢/ ١٩٦، مثال ما اضطرب فيه: قوله: روي أنه - ﷺ - قال: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء» - أحمد في مسنده ٣٤/ ٣١٩ ح (٢٠٧١٩)، والبيهقي-في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، باب السلطان يكره على الاختتان، ٨/ ٥٦٣ ح (١٧٥٦٧) - من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه به، والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه، فتارة رواه كذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح ينظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، ٤/ ١٥٣.
(٤) ينظر: القاسمي، قواعد التحديث، ١٣٢، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٨ - ٢٢٩، بازمول، المقترب، ٤٢.
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤.
[ ٤٨٣ ]
فحديثٌ لم يختلف فيه على روايةٍ - أصلًا - أصح من حديث اختلف فيه في الجملة، وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح- والله أعلم -" (١).
وقد شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فقال:
"وقع في كلام شيخ الإسلام السابق أن الاضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن." (٢)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- الاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، وعدم الاستقرار، والمضطرِب بكسر الراء هو الشائع، ويجوز فيه فتحها.
- ومعناه في الاصطلاح له ارتباط وثيق بمعناه اللغوي، فوصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط الرواة، ويُعدُّ الوصف بالاضطراب نوعًا من العلة.
- معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح:
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٠.
(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٤.
[ ٤٨٤ ]
أقدم من وجدته عرّف المضطرب هو الخطيب البغدادي، حيث صرّح بالمراد من اضطراب السند، وأشار إلى معنى الاضطراب في المتن بالمقابلة بين الحديث السالم من الاضطراب والحديث المضطرب متنه.
ويثير تعريفه لمضطرب السند إشكالًا، حين قصره على نوع من أنواع الاضطراب في السند - بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء- دون بقية الأنواع ولعل إجابة هذا الإشكال، تكون على النحو الآتي:
- بالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى فقد أفردها بالذكر إما في أبواب من كتابه الكفاية، أو في كتاب مستقل كنوع المزيد في متصل الأسانيد.
- بعد استثناء الأنواع السابقة يكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب، فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم، حيث يُلاحظ أن: أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد لا تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو في رفع الحديث أو وقفه أو وصله أو إرساله، وليست مقصورة على نوع واحد فقط.
- ويلاحظ: أن ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف.
- مسألة أخرى أثارها تعريف الخطيب البغدادي، وهي: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:
- ففي تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، والدوافع لهذا التبديل متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب فالتغيير قد يطرأ على اسم أي راوٍ من رواة السند؛ وذلك لكونهم في الغالب رواة ضعفاء.
[ ٤٨٥ ]
- كذلك نجد أن الحاكم حين ذكر أجناس المدلسين، ذكر منهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا" (١)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب.
وقد أشار بعض الباحثين إلى العلاقة بين التدليس والاضطراب: فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحيانا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون" (٢)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن
كثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٣)
- ونجد كذلك ابن دقيق العيد في الاقتراح، ومن بعده الطيبي في الخلاصة، يورد نوع المضطرب بعد المدلس، وهو ترتيب مخالف لمن سبقهم، ولعلهم وجدوا شبهًا بين النوعين فذكروهما متتاليين، والله أعلم.
- لابن القطان الفاسي مذهب خاص في التعليل بالاضطراب، حيث ذهب إلى أن: الاضطراب في المتن يُعلُّ الحديث، بينما اضطراب السند ليس بعلة، وذلك في حال كان الراوي الذي وقع منه الاضطراب ثقةً، بينما إذا كان الراوي غير ثقة فحديثه ضعيف، واضطرابه يزيد الحديث وهنًا.
- أما ما يخص أبرز قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، فهي على النحو التالي:
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٠٣،
(٢) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣١.
(٣) مثّل لذلك بما قيل في الراوي: الحجاج بن أرطأة، حيث "قال عنه إسماعيل القاضي: "مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ." ينظر: بازمول، المقترب، ١٩٨.
[ ٤٨٦ ]
القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:
- تضمنت تعريفات من سبق ابن الصلاح ومن بعده الإشارة إلى هذا القيد ضمن تعريفها للاضطراب، سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها.
- إن اختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، وتعليلهم أحيانًا الحديثين المختلفين سندًا بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحًا، أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة.
- أما إذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله.
- كثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ما لم يكن هذا من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث.
- القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:
- صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط ذلك بمعاني مرادفة للتساوي كالتقارب، والتعادل.
- ويرى ابن الصلاح بأن التساوي شرط لتسمية الاختلاف بين روايات الحديث اضطرابًا، بينما ذهب الزركشي إلى أن مجرد الاختلاف من الرواة في رواية الحديث كافٍ لتسمية الحديث بالمضطرب، وإنما يؤثر تساوي هذه الوجوه في القوة في جعل هذا الاضطراب قادحًا في صحة الحديث.
- ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة:
قال ابن حجر: "فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين:
[ ٤٨٧ ]
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث." (١)
- تجدر الإشارة إلى أن أمثلة الحديث الموصوف بالاضطراب في كتب نقّاد الحديث، تحوي عددًا ليس بالقليل مما وُصف بالاضطراب مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها، (٢) ويُعدّ هذا إشكالًا في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عددًا من الأجوبة، وهي كما يلي:
١ - أن هناك من يصف الحديث بالاضطراب لمجرد الاختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت.
٢ - أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍ.
٣ - أنه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر.
٤ - أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) "قلت: وقع في عبارات بعض الأئمة من المتقدمين ما يدل على أنهم قد يُطلقون وصف الاضطراب على المعنى اللغوي: بمعنى الاختلاف في الروايات والطرق، ويرجحون طريقا على أخرى. ولكن هذا لا يمنع من أن المضطرب بمعناه الاصطلاحي كان متداولًا بينهم، فكم من حديثٍ وصفوا طرقه بالاختلاف والتعارض، ولم يرجحوا فيه وجها على وجه، وقد يقع الاضطراب في السند، كما قد يقع في المتن، والأكثر شيوعا الأول، وقد يقع الاضطراب من الثقة وقد يقع من الضعيف المتكلّم فيه، والأكثر شيوعا وقوعه من الضعيف لقلة ضبطه." سليم، ما لا يسع جهله، ١١٦ - ١١٧، ينظر كذلك: العوني، شرح الموقظة، ١٣٨.
[ ٤٨٨ ]
هذا، وتظل النسبة الغالبة من أمثلة الحديث المضطرب لم يتم الترجيح بين رواياتها المختلفة. (١)
- أما ما يخص حكم الحديث المضطرب، ففي الغالب يكون إطلاق وصف الاضطراب على الحديث يوجب ضعف الحديث؛ إلا أنه في حالات قد يجتمع وصف الاضطراب مع
الصحة؛ كأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذُكِر مع تسميته مضطربا.
الفرق بين الشاذ والمضطرب:
"قد تقرر:
- أن الثقة إذا خالفه من هو أرجح منه سمي حديثه شاذًا، والشاذ من المردود.
- وأن الحديث إذا وقع الخلاف فيه بالإبدال في متنه أو سنده ولا مرجح سمي حديثه مضطربا، والمضطرب من المردود." (٢)
الفرق بين مختلف الحديث والمضطرب:
مختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر. (٣)
فالفرق بينهما: (٤)
_________________
(١) ينظر أمثلة الحديث المضطرب في هذين البحثين: الهليل، الحديث المضطرب، ١٦٦، بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣.
(٢) الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥٤٠.
(٣) ينظر: النووي، التقريب، ٩٠، ابن جماعة، المنهل، ٦٠، ابن الملقن، التذكرة، ١٩، ابن حجر، النزهة، ٩١.
(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ١٦٢، ينظر كذلك مسألة التعارض بين المتون: محمد الراوندي، أبو الفتح اليعمري حياته وآثارُه وتحقيق أجوبته، ٢/ ١١٢ - ١١٣. وخلاصة الجواب: أن الاختلاف في المتن بين احتمال: - تعدد المخرج لتعدد الحادثة. أو اتحاد المخرج: فالجمع أو الترجيح، أو الحكم بالاضطراب.
[ ٤٨٩ ]
- أن التعارض في مختلف الحديث هو تعارض ظاهري بين معاني متون الأحاديث (مع اختلاف مخرجها)، مع إمكان الجمع بينها أو الترجيح.
- أما المضطرب، تعارض بين روايات الحديث الواحد (مع اتحاد مخرجها)، ويقع غالبًا في السند، وقد يقع بقلة في المتن، ويتعذر الجمع أو الترجيح.
الفرق بين الاضطراب وزيادة الثقة:
- الاضطراب اختلاف يكون بين راوٍ أو مجموعة من الرواة يرويه بعضهم على وجه والآخرون على وجه مخالف لا يمكن الجمع ولا الترجيح بينهما.
- بينما زيادة الثقة، فإن الراوي يروي الحديث ذاته الذي يرويه الآخرون إلا أنه يزيد عليه سواء في السند أو المتن.
- كلاهما يشترط اتحاد المخرج، وقد تتداخل الزيادة مع الاضطراب في حال روى الراوي الحديث الواحد مرة بالزيادة ومرة بالنقصان (كتعارض الوصل والإرسال- وتعارض الرفع والوقف ).
- من حيث درجة الراوي: راوي الزيادة يكون ثقة، بينما يقل الاضطراب في روايات الثقات، ويكثر في روايات الضعفاء.
وقد فصّل ابن سيد الناس في بيان (الفرق بين زيادات الثقات في المتون واضطراب الرواة في المتن)، وملخّص ما ذكر في ذلك:
أن الحديث الواحد المتحد المخرج، إن اختلفت ألفاظ رواته، وترتب على ذلك اختلاف المعنى:
[ ٤٩٠ ]
- فإما أن يكون المخالف أتى بأمر زائد على ما أتى به غيره، فلا تنافي، وهذه زيادة تقبل من الثقات.
- وإن أتى الاختلاف بلفظ مباين لغيره من الرواة من غير زيادة، فإما أن تستوي أحوال الرواة عند هذا الاختلاف أو تتفاوت، فإن تفاوتت فالترجيح، وإن تساوت وتعذر الترجيح فالحديث حينئذٍ مضطرب لا يقوم له حجة (١)، والله أعلم.
وبعد ذكر الفرق بين الحديث المضطرب وأنواع أخرى من أنواع علوم الحديث، ننهي هذا الفصل؛ لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وهو الإدراج في الحديث، فإلى الفصل العاشر وتحرير مصطلح الحديث المدرج.
_________________
(١) ينظر: ابن سيد الناس، النفح الشذي، ٣/ ١١٨ - ١١٩ باختصار. ط الصميعي.
[ ٤٩١ ]