المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٢٣٤ ]
المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:
الضعيف من الضُّعف أو الضَّعف - بضم الضاد وفتحها-: خلاف القوة والصحة، ويُستعمل في ضعف الجسد، وكذلك في ضعف العقل والرأي. (١)
المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
عند البحث عن حدّ الحديث الضعيف قبل ابن الصلاح نجد أن بعضهم اكتفى بتعريف الصحيح بينما عرّف آخرون الحسن، ولم يضعوا حداّ للضعيف؛ ولعلهم -بتعريف الصحيح والحسن- يشيرون إشارة ضمنية إلى أن ما خلا من هذه القيود فهو حديث مردود.
فقد أشار ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، إلى مصنفات بعض أئمة الحديث ونقاده، وأن منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمعوا الصحيح وما يقاربه، لكنهم لم يتكلموا على الصحيح والضعيف، ثم قال: "وأول من علمناه بيَّن ذلك عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) - ﵀ - وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك" (٢)، فقد أكثر الترمذي ﵀ من إطلاق الحكم - بالصحة أو الحُسن أو الغرابة أو الضعف -على الأحاديث في جامعه، واكتفى ببيان مراده بالحسن في كتابه -كما سبق في الفصل الماضي- وبيان أنواع الغريب عند المحدثين (٣)، وكان ﵀ إمامًا
_________________
(١) ينظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٢٨١، الرازي، مختار الصحاح، ١٨٤، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ٨٢٩، الزبيدي، تاج العروس، ٢٤/ ٤٨.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٤٥.
(٣) الترمذي، الجامع، ٦/ ٢٥١.
[ ٢٣٥ ]
من أئمة العلل، استفاد كثيرًا مما ذكره في كتاب العلل في آخر جامعه ممن سبقوه من أئمة الحديث ونقاده، وأكثر النقل عن شيخه البخاري (١)، في تعليل الأحاديث، وبيان أوجه ضعفها، وأشار إلى تفاوت الرواة في مراتب التعديل والتجريح، وأسباب ضعف بعضهم، ومن يُحتج به ومن لا يُحتج، ولعل هذا ما دعا ابن رجب -حسب علمه- للقول بأن الترمذي هو أوّل من تكلّم في الصحيح والضعيف، وميّز بينهما في كتابه.
ثم نجد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) عرّف الصحيح وأتبعه بالحسن ثم قال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته". (٢) وهو بذلك ذكر أنواعًا من الحديث السقيم -الضعيف- دون أن يذكر حدًا له (٣).
وكذا الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديث" ذكر النوع التاسع عشر من علوم الحديث وهو معرفة الصحيح والسقيم، " (٤)، وقد استطرد في بيان الصحيح
_________________
(١) قال الترمذي: "وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت عبدالله بن عبدالرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبدالله وأبي زرعة. ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد ابن إسماعيل." الترمذي، المرجع السابق ٦/ ٢٢٩.
(٢) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.
(٣) ولقد ضعّف الخطابي في كتابه معالم السنن أحاديث لأسباب عدة، سبق ذكر أمثلة منها في فصل الحديث الصحيح، فمنها ما ضعفها بسبب انقطاع في السند، ينظر: الخطابي، المرجع السابق ١/ ٩٤، ٤/ ٧، ٣/ ٢٥٩. وهناك أحاديث ضعّفها لوهم رواتها واضطرابهم. ينظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٦، ٣/ ١٥٤، ٤/ ٥٤. وضعّف أحاديث لما ظهر له من علة فيها، ينظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٥، ١/ ١٧٥.
(٤) الحاكم، معرفة علوم الحديث، ٥٨.
[ ٢٣٦ ]
وتعريفه وأمثلته ولم يذكر تعريفًا للسقيم -الضعيف- اكتفاءً بتمييز الصحيح، فبالضدِّ تتميّز الأشياء (١).
أما ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ) فبعد أن عرّف الحسن - في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، وجعله في منزلة متوسطة بين الصحيح والضعيف (٢) - لم يذكر حداّ للضعيف بل ذكر أمثلة عليه فقال: "الضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب هو، ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال " (٣) ثم أشار إلى أنه اجتهد حسب ما غلب على ظنه في تمييز الضعيف عن الصحيح والحسن فقال: "ولست أدعي - فيما أنبه عليه في جميع هذا الباب، وأزعم أنه ليس بصحيح أو حسن، أني مصيب فيما ذهبت إليه من ذلك، ولكنه مبلغ علمي، بعد بحث يغلب لأجله الظن." (٤)، وهو بتعريفه للحسن ميَّز بينه وبين الضعيف، وجعل الضعيف أدنى منزلة منه.
_________________
(١) نجد أنه في كتابه المدخل إلى الإكليل، والذي ألّفه سابقًا على كتابه المعرفة، ذكر أقسام الصحيح وجعلها على عشرة أقسام، خمسة متفق عليه، وخمسة مختلف فيها، ثم أتبعها بذكر أنواع الجرح والمجروحين، وجعلهم على عشر طبقات. ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، .
(٢) كما سبق في فصل الحديث الحسن، حيث قال: "ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف" ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ١٣.
(٣) ابن القطان، المرجع السابق ٤/ ٢٥ - ٢٦ باختصار.
(٤) المرجع السابق، ٢٧.
[ ٢٣٧ ]
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
"كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف." (١)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد دارت أغلب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح للحديث الضعيف حول اختصار تعريف ابن الصلاح وإعادة صياغته، أو الاقتصار على بيان مرتبة الضعيف مما سبقه، ومن أبرزها:
تعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) حيث عرّف الضعيف بأنه: "ما نقص عن درجة الحسن" (٢)، وقد حدد هذا النقصان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في تعريفه - في كتاب الموقظة (٣) - فقال: "ما نقص عن درجة الحسن قليلًا" (٤)، وقريب منه ما نظمه العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤١، وقد ذكر الزركشي الاعتراض الذي وُجّه لهذا التعريف بقوله: "اعترض عليه بأنه لا حاجة إلى ذكر الصحيح لأن ما قصر عن الحسن فهو على الصحيح أقصر" ثم رد على هذا الاعتراض، إلا أن ابن حجر تعقّب رد الزركشي وأيّد الاعتراض على ابن الصلاح فقال: "والحق أن كلام المصنف معترض؛ وذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك؛ لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لا ضعيفا." إلا أن السيوطي تعقّب اعتراض ابن حجر فقال: "في صدر الكلام نظر؛ لأنه إنما كان يرد عليه ذلك لو اقتصر على قوله لم يجتمع فيه صفات الصحيح، أما وقد ضم إليه قوله (ولا صفات الحسن) فكيف يعطي ذلك؟ ". المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٢، السيوطي، البحر، ٣/ ١٢٨٦.
(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١١.
(٣) أشار محقق الكتاب الدكتور عبدالفتاح أبو غدة -﵀- إلى أن كتاب الموقظة للذهبي هو اختصار لكتاب الاقتراح لابن دقيق العيد، وإن لم يُشر الذهبي إلى ذلك في كتابه. ينظر: عبدالفتاح أبو غدة "مقدمة الطبعة الأولى" ٦، من تحقيقه لكتاب الذهبي، الموقظة، .
(٤) الذهبي، المرجع السابق ٣٣. ثم أوضح ذلك بقوله: "فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء" وقد ذكر أمثلة للرواة الضعفاء غير المتروكين ينظر: المرجع السابق، ٣٤.
[ ٢٣٨ ]
ألفيته بوصف الضعيف بأنه: "ما لم يبلغ مرتبة الحسن" (١)، وعبّر عن ذلك السيوطي (ت ٩١١ هـ) بقوله: " هو الذي عن صفة الحسن خلا" (٢).
أما ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) فقد لخّص تعريف ابن الصلاح، فقال في المقنع: "هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا الحسن" (٣)، ثم أكّد ذلك في كتابه التذكرة بقوله: "والضعيف ما ليس واحدًا منهما" (٤)، أي: لم تتوفر فيه شروط الصحيح، ولا شروط الحسن.
بينما عرّف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) الضعيف بقوله: "كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول" (٥).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
دارت أغلب تعريفات الحديث الضعيف لبيان حده على نفي صفات الصحيح والحسن وشروطهما أو ما يُطلق عليها بشروط القَبول، وعددها ستة (٦) ذكرها العراقي في شرح ألفيته حيث قال: "وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن، وهي ستة:
_________________
(١) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٦.
(٢) السيوطي، الألفية، ١٢.
(٣) ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٠٣.
(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٤.
(٥) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٢، واُعتبِر هذا التعريف للحديث الضعيف أسلم من الاعتراض، وأخصر من تعريف ابن الصلاح، حيث قال الدكتور عبدالكريم الخضير: "فإنه أسلم من الاعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة. كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحًا وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة". الخضير، الحديث الضعيف، ٦٠.
(٦) أضاف ابن حجر لها شرطًا آخر فقال: "من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به. وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول." ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٤. و"ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى صحيحا، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: "لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله" - المرجع السابق، ١/ ٣٧٢ - فقد أشار ﵀ إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية" فحل، علل الحديث، ٤٢ - ٤٣.
[ ٢٣٩ ]
- اتصال السند.
- وعدالة الرجال.
- والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة. (١)
- ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور لم تعرف أهليته، وليس متهما كثير الغلط- أو ما عبّر عنه بعض من جاء بقولهم: "العاضد عند الاحتياج"-. (٢)
- والسلامة من الشذوذ.
- والسلامة من العلة القادحة." (٣)
فإذا انتفت صفة أو أكثر من صفات القَبول، صار الحديث ضعيفًا مردودًا، فالضعيف إنما هو نتاج انتفاء صفة أو أكثر من صفات القبول، أو بمعنى أدق: ما لم تجتمع فيه شروط
_________________
(١) قال ابن حجر: "والتعبير باشتراط الضبط أولى". ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٩٣.
(٢) أضاف ابن حجر: "وكذا إذا كان فيه ضعيف بسبب سوء الحفظ، أو كان في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي، أو كان مرسلا. كما قررنا ذلك في الكلام على الحسن المجبور." ولخّص ذلك كلٌ من البقاعي والسخاوي بقولهم: ووجود العاضد عند الاحتياج إليه. المراجع: ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٩٣، البقاعي، النكت، ١/ ٣٠٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٢٦.
(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٦ - ١٧٧ باختصار.
[ ٢٤٠ ]
القَبول (١)، وبالنظر إلى هذه الشروط يمكن صياغة مسببات الضعف أو مسالك الضعف إلى الحديث (٢) على النحو الآتي:
- السقط في السند أو نفي اتصاله.
- الطعن في عدالة الرواة أو أحدهم.
- الطعن في ضبط الرواة أو أحدهم.
- انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار.
- الشذوذ المردود. (٣) (تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه) (٤)
_________________
(١) "تبعًا لتخلف أي صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصله ابن حبان إلى خمسين قسمًا إلا واحدًا، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسمًا، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما، وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسمًا باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود؛ وإن لم يتحقق وجودها. وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة". الخضير، الحديث الضعيف، ٦٠ - ٦١. ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٩، البقاعي، النكت، ١/ ٣١٠، السيوطي، التدريب، ١/ ١٩٦، أبو شهبة، الوسيط، ٢٧٦. "السبب في الحكم على الحديث بالضعف لفقد أحد شروط القبول فباجتماع هذه الشروط ينهض الدليل الذي يثبت أن الحديث قد أداه رواته كما هو، فإذا اختل واحد منها فقد الدليل على ذلك. وهنا يتضح لنا احتياط المحدثين الشديد في شروطهم لقبول الحديث، حيث جعلوا مجرد فقد الدليل كافيا لرد الحديث والحكم عليه بالضعف، مع أن فقد الدليل ليس دليلا محتما على الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، مثل ضعف الحديث بسبب سوء حفظ الراوي وغلطه مع صدقه وأمانته، فإنه لا يعني أنه قد أخطأ فيه حتما، بل يحتمل أن يكون قد أصاب، لكن لما طرأ هذا التخوف القوي من وقوع الخطأ فيه حكمنا عليه بالرد. كذلك ضعف الحديث بسبب فقد الاتصال فإنه يضعف للجهالة بحال الواسطة المفقودة، فيحتمل أن يكون من الثقات وأن يكون من الضعفاء، وعلى فرض أنه ضعيف فإنه يحتمل أن يكون أخطأ فيه أو حرفه فأخذ المحدثون بعين الاعتبار احتمال الاحتمال، وجعلوا ذلك قادحا في قبول الحديث، وذلك غاية ما تكون الحيطة المنهجية في النقد العلمي." عتر، منهج النقد، ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) سمّاها الدكتور عبدالكريم الخضير "مسالك الضعف إلى الحديث" وبعد أن عددها قال: "هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف، لكن الحافظ ابن حجر﵀- حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما:
(٣) السقط في السند،
(٤) الطعن في الراوي. ولا فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ إن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك" الخضير، الحديث الضعيف، ٦٣.
(٥) تقييد وصف الشذوذ بكونه مردودًا؛ وذلك للاختلاف في تعريف الشذوذ، وما يترتب على ذلك من أثر في قبول الحديث أو رده، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في قيد نفي الشذوذ في الحديث الصحيح وفي الحديث الحسن، ويأتي تفصيله - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
(٦) زاد بعضهم قيد: (وتعذّر الجمع بينهما). السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤.
[ ٢٤١ ]
- وجود العلة القادحة (١) في القبول.
وكل سبب من هذه الأسباب سيأتي بيانه وتفصيله، وتجدر الإشارة -قبل الخوض في تفاصيلها- إلى تفاوت مراتب رواة الضعيف، وتفاوت الضعف من حيث خفته وشدته، وقد أشار الذهبي في كتابه الموقظة إلى ذلك فقال: "فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء، ورواته ليسوا بالمتروكين: كابن لَهِيعَة (٢)، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم (٣)،
وأبي بكر بن أبي مريم الحمصي (٤)، وفرج بن فضالة (٥)، ورِشْدين (٦)، وخلق كثير." (٧)
_________________
(١) تقييد العلة بالقادحة؛ لإخراج ما قد يعتبره بعضهم علة لكنها ليست قادحة في صحة الحديث وقبوله، كالنسخ حيث اعتبره الترمذي علة في الحديث إلا أن النسخ ليس دليل ضعف في الحديث، وذلك لوجود أحاديث صحيحة لكنها منسوخة، قال العراقي: "أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مل إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة، " ومن باب التأكيد بأن المراد في هذا الفصل ما يقدح في صحة الحديث وقبوله، ورده لضعفه. المراجع: يُنظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٢.
(٢) عبدالله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبدالرحمن المصري الفقيه القاضي، نقل الذهبي في الكاشف تضعيفه، وقال: "العمل على تضعيف حديثه"، قال ابن حجر: "صدوق، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون" قال ابن حبان: "أما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة وذاك أنه كان لا يبالي ما دُفِع إليه قراءةً سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المُدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه" قال ابن عدي: "حديثه حسن كأنه يستبان عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه". مات سنة ١٧٤ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ١٣، ابن عدي، الضعفاء، ٥/ ٢٥٣ (٩٧٧)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩٠ (٢٩٢٩)، ابن حجر، التقريب، ٣١٩ (٣٥٦٣). ابن الكيال، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، ٤٨١ (٢٥).
(٣) عبدالرحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي مولاهم، المدني، قال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك"، وقال الذهبي: "ضعفوه"، وقال ابن حجر: "ضعيف" مات سنة ١٨٢ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٥٧، ابن عدي، الضعفاء، ٥/ ٤٤١ (١١٠٥)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٢٨ (٣١٩٦)، ابن حجر، التقريب، ٣٤٠ (٣٨٦٥).
(٤) أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني، قيل اسمه: بكير وقيل: عبدالسلام، قال ابن حبان: "من خير أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه، لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك، ولا سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به فهو عندي ساقط الاحتجاج به إذا انفرد"، وقال ابن عدي: "الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكن يكتب حديثه." قال الذهبي: "ضعفوه، له علم وديانة"، وقال ابن حجر: " ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط". مات سنة ١٥٦ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١٤٦، ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٢١٣ (٢٧٧)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤١١ (٦٥٢٦)، ابن حجر، التقريب، ٦٢٣ (٧٩٧٤).
(٥) فرج بن فضالة بن النعمان التنوخي، أبو فضالة الشامي الحمصي، قال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به"، وقال ابن عدي: " وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، وقال الذهبي: ضعفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد"، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة ١٧٦ هـ، وقيل: ١٧٧ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٠٦، ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ١٤١ (١٥٧٤)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٢٠ (٤٤٤٦)، ابن حجر، التقريب، ٤٤٤ (٥٣٨٣).
(٦) "رِشْدين اثنان: أحدهما: رشدين بن كريب، مولى ابن عباس. والثاني: رشدين بن سعد المصري. وكلاهما ضعيف فهذه الترجمة من الأسماء ليس فيها ثقة، فيما نعلم." ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٧٤، وقد رجّح الدكتور أبو غدّة في تحقيقه للموقظة بأن المراد هو الثاني. رِشْدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، أبو الحجاج المصري، وهو رشدين بن أبى رشدين، قال ابن حبان: "كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما يدفع إليه سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه" وقال ابن عدي: "وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، قال الذهبي: "قال أبو زرعة ضعيف، كان صالحا عابدا محدثا سيِّئ الحفظ" قال ابن حجر: "ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث" مات سنة ١٨٨ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٣٠٣، ابن عدي، الضعفاء، ٤/ ٨٥ (٦٦٩)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٩٧ (١٥٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٢٠٩ (١٩٤٢).
(٧) الذهبي، الموقظة، ٣٣ - ٣٤.
[ ٢٤٢ ]
ثم أتبع الضعيف بنوع المطروح، وعرَّفه بأنه: "ما انحط عن رتبة الضعيف" (١)، فالضعيف الذي عناه بدايةً هو الذي يلي الحسن في المرتبة حيث عرّفه بأنه: "ما نقص عن درجة الحسن قليلا" (٢) بينما هناك الضعف الشديد، والذي هو أدنى من الضعف
الخفيف، وأعلى من الموضوع، وسمّاه المطروح (٣) ثم أتبعه بنوع الموضوع، وهو أشدّها ضعفًا. (٤)
_________________
(١) الذهبي، المرجع السابق، ٣٤.
(٢) الذهبي، المرجع السابق، ٣٣.
(٣) وعدَّد أمثلة على رواته منهم: عمرو بن شمر، وصدقة الدقيقي، وحفص بن عمرو العدني، ثم قال: "وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى، وبعضهم أفضل من بعض." الذهبي، المرجع السابق، ٣٥. ينظر: العوني، شرح موقظة الذهبي، ٥٦ - ٥٨، عمرو عبدالمنعم سليم، شرح الموقظة، ٤٣ - ٤٤.
(٤) قال ابن الصلاح: "وهو المختلق المصنوع. اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨. وسيأتي بإذن الله مزيد بيان للموضوع في الفصل الخاص به.
[ ٢٤٣ ]
وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث -الآتي ذكرها- تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى العوامل المؤثرة في خفة الضعف وشدته: تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء بيان كل سبب من هذه الأسباب.
أسباب ضعف الحديث:
السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال هـ:
إن اتصال السند شرط من شروط صحة الحديث، وقد سبق ذكره وتفصيله ضمن قيود الحديث الصحيح، والحسن، وتتنوع مسميات الحديث حسب موقع السقط في سنده، "فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل
والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل" (١)، ويتنوع كذلك من حيث وضوح السقط وخفائه، قال ابن حجر: "ثم إن السقط من الإسناد قد:
١ - يكون واضحا (٢) يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) السقط الظاهر: وهو ما يعرفه الأئمة الحُذّاق وغير الحذّاق، ويُعرف هذا السقط من عدم حصول اللقاء بين الراوي ومن روى عنه؛ لأنه لم يُدرِك عصره، أو أدرك ولكنه لم يجتمع به، وليست له منه إجازة، ولا وِجادة. تفرعت عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف، وهي: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث ٧٢، ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ٦٦.
[ ٢٤٤ ]
٢ - أو يكون خفيا (١) فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد.
فالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة (٢)، ولا وجادة (٣).
ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.
والقسم الثاني: وهو الخفي: المدلَّس -بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسمِّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به.
واشتقاقه من الدَلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء" (٤).
فالسقط في الإسناد نوعان - كما ذكر ابن حجر-: سقط ظاهر، وسقط خفي، وهناك من عدَّ وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع (٥)؛ والتعبير بنفي الاتصال يشمل ذلك كله سواء
_________________
(١) السقط الخفي: وهو ما لا يعرفه إلا الحذّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. تفرّع عنه نوعان من الحديث الضعيف، وهما: المدلَّس، والمرسَل الخفي. الخيرآبادي، المرجع السابق، ٧٢. ينظر: الخضير، المرجع السابق ٩٨.
(٢) الإجازة عند المحدثين تُعدّ قسم من أقسام نقل الحديث وتحمّله عن الشيوخ: وهي الإذن بالرواية أو التحديث لفظًا أو كتابة، ولها أنواع متعددة، واختلف النقاد في قَبول بعضها. للاستزادة ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٥٣، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣١٤، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢١٩، الأعظمي، المعجم، ٨.
(٣) الوِجادة: وهي أيضًا من أقسام تحمّل الحديث ونقله، ومثالها كما ذكره ابن الصلاح: "أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها. فله أن يقول (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد، والمتن. أو يقول: (وجدت، أو قرأت بخط فلان عن فلان)، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٧٨، للاستزادة ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣٣٤، ابن حجر، النزهة، ١٦٠، الأعظمي، المعجم، ٥٢٢.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٣.
(٥) ذكر الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تحت نوع المنقطع أنه على أنواع منها: "قد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع". الحاكم، علوم الحديث، ٢٨، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧. قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به" العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.
[ ٢٤٥ ]
كان الساقط واحدًا أو متعددًا، أو اختلف موضع السقط من الإسناد سواء كان في أوّله أو وسطه أو آخره.
وأنواع السقط الظاهر أربعة: المرسل، والمعلّق، والمنقطع، والمعضل، فإذا كان السقط في أول الإسناد فهو المُعلَّق، ومعناه في اللغة: "أن يناط الشيء بالشيء العالي" (١) وفي الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٢).
وتتفاوت شدة ضعف الإسناد كلما ازداد عدد الرواة الساقطون منه، وجُهلت عدالتهم وضبطهم، "وقد يُحكَم بصحته إن عُرِف، بأن يجيءَ مُسمّىً من وجه آخر لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب اُلتزِمت صحته، كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دل
على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُذِف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح" (٣).
أما المرسل (٤)، فمعناه في اللغة: من الإرسال بمعنى الإطلاق (٥)، واصطلاحا: اُختلف في تعريفه، وأشهرها: هو ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان التابعي صغيرًا أم كبيرًا،
_________________
(١) ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٢٥.
(٢) قال ابن الصلاح: "ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد. مثال ذلك: قوله " قال رسول الله - ﷺ - كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا. روى أبو هريرة كذا وكذا. قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، قال الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - كذا وكذا ". وهكذا إلى شيوخ شيوخه." ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤، ٦٩، ابن حجر، النزهة، ٩٨.
(٣) ابن حجر، النزهة، ٩٩ - ١٠٠. وقد أفرد ابن حجر فصلًا كاملًا في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤ - ٢٦، ابن حجر، النكت، ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، ابن حجر، هدي الساري، ١٧ - ١٩.
(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥١، ابن حجر، النزهة، ١٠٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢١٩، عتر، منهج النقد، ٣٧٠، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٥) ينظر: الفيروزأبادي، القاموس، ١٠٠٦.
[ ٢٤٦ ]
ومنهم من جعل المرسل مختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، ويجعل ما يرفعه صغار التابعين من المنقطع. (١)
وقد ذكر ابن حجر العلة من إدراج الحديث المُرسل ضمن أنواع الحديث الضعيف فقال: "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة" (٢)،
قال ابن الصلاح مستثنيًا لما يُطلق عليه مرسل الصحابي (٣): "ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه (٤) مرسل الصحابي، مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ﷺ - ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم
_________________
(١) ينظر: ما ذكره ابن حجر من تفصيل لهذه التعريفات وتعقيبه عليها. ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٦.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠١. ومثال الحديث المرسل: ما أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، حيث قال: "حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا». وعطاء بن أبي رباح من التابعين، وهو في هنا قد رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - دون أن يذكر الواسطة التي بينه وبين النبي - ﷺ - فهو مرسل. ينظر: أبو داود، المراسيل،، ٧٤ ح (٥).
(٣) مرسل الصحابي: هو الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي - ﷺ - ; كابن عباس، وابن الزبير، ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي - ﷺ - إلا اليسير، وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه إلا بواسطة. السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٢.
(٤) قال العراقي: "اعترض على المصنف في قوله ما يسمى في أصول الفقه بأن المحدثين أيضا يذكرون مراسيل الصحابة فما وجه تخصيصه بأصول الفقه والجواب: أن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها فذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني إلى أنه لا يحتج بها، وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالاحتجاج بها " العراقي، التقييد، ٧٩ - ٨٠.
[ ٢٤٧ ]
الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة (١)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم." (٢)
والنوع الثالث من السقط الظاهر في السند هو المنقطع، وتعريفه في اللغة: القطع ضد الوصل (٣)، واصطلاحا: عرّفه ابن عبدالبر فقال: "المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء
كان يُعزى إلى النبي - ﷺ - أو إلى غيره" (٤)، وتعريفه يمثّل مذهب المتقدمين من حيث شمول لفظ المنقطع عندهم لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره.
وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته حين اختصر أقوال من سبقه في بيان معاني المنقطع فقال: "أن المنقطع: منه الإسناد فيه قبل الوصول إلى (التابعي) (٥) راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، لا مُعينا ولا مُبهما، ومنه الإسناد الذي ذُكِر
_________________
(١) تعقّب العراقي ابن الصلاح فقال: "قوله (لأن روايتهم عن الصحابة) ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين." وقد استدرك ابن حجر على ما ذكره العراقي فقال: " قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يَردُّ المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة - ﵃ - وتقرير ذلك أنه إذا لم يُعلَم أنه سمعه من النبي - ﷺ - احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والاحتمال قائم؟ والانفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال رسول الله - ﷺ -؛ ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه وأوضحوه. وقد تتبعت روايات الصحابة - ﵃ - عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت، فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، والله أعلم". ينظر: العراقي، التقييد، ٧٥، ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٠.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦.
(٣) ابن سيده، المحكم، ١/ ١٦٢، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٢٧٩.
(٤) ابن عبدالبر، التمهيد، ١/ ٢١.
(٥) قال المحقق نور الدين عتر في هامش تحقيقه: "الصواب (الصحابي) لكن السهو وقع من الحاكم، وسرى إلى ابن الصلاح"، وهو ما ذهب إليه كذلك محقق المعرفة - ط دار ابن حزم- فقد استدرك على الحاكم قصره التعريف على المروي عن التابعي، وصوّب أن يُعمم التعريف في كل ما أُسند إلى قائل. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧، الحاكم، علوم الحديث، ١٧٣ ط دار ابن حزم بتحقيق السلوم.
[ ٢٤٨ ]
فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل، أو شيخ، أو غيرهما (١) ومنها: ما حكاه الخطيب أبو بكر عن بعض أهل العلم بالحديث أن (المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه، من قوله أو فعله) (٢). وهذا غريب بعيد، والله أعلم" (٣).
بينما خصّ المتأخرين تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي (٤).
أما النوع الرابع من السقط الظاهر في الإسناد فهو المعضل، ومعناه في اللغة: من " (عَضل) العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدل على شدّة والتواء في الأمر. والأمر المعضل: وهو الشديد الذي يُعيي إصلاحه وتداركه." (٥)
واصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي (٦).
_________________
(١) هذه الأنواع نقلها ابن الصلاح عن الحاكم. قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي (عن رجل) ونحوه: متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٢٧ - ٢٨، العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.
(٢) هذا النوع يُطلق عليه المتأخرون المقطوع، قال ابن حجر: "المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومن دون التابعي من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فيه، أي: في التسمية مثله، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعا، وإن شئت قلت: موقوف على فلان. فحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع من مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع من مباحث المتن، كما ترى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس، تجوزا عن الاصطلاح. ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر" ابن حجر، النزهة، ١٤٥. "تنبيه: تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبيُّنُه بالقرينة." الجديع، التحرير، ٢/ ٩١٢.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧ - ٥٩ باختصار.
(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٥ - ١٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٥) ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ٣٤٥. باختصار.
(٦) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩، الذهبي، الموقظة، ٤٠، ابن حجر، النزهة، ١٠٢، الأعظمي، المعجم، ٤٣٣. نبّه ابن حجر إلى وجود معنى آخر للمعضل فقال: "قد وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة " ثم ذكر أمثلة لذلك وأتبعها بقوله: " فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضَل الذي عرَّف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلقَ الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا. فإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟ قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه. وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٩.
[ ٢٤٩ ]
"سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه" (١)
قال ابن الصلاح: "وهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا" (٢).
تلك الأنواع الأربعة السابقة تندرج تحت السقط الظاهر، أما السقط الخفي فيندرج تحته نوعان هما: المُدلّس، والمرسل الخفي (٣).
والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (٤) قال ابن حجر: "واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". (٥)
_________________
(١) عتر، منهج النقد، ٣٧٩.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩. ومثال المعضل من الحديث، - والذي سقط من إسناده راويان أو أكثر على التتالي- بلاغات الإمام مالك -﵀- ومنها ما جاء في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: «استقيموا ولن تحصوا. واعملوا، عتر، منهج النقد، ٣٧٩. مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م) ١/ ٣٤ ح (٣٦).
(٣) وسبق الإشارة إليهما في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح.
(٤) ينظر: الجوهري، الصحاح، ٣/ ٩٣٠. الفيروزآبادي، القاموس، ٥٤٦.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١٠٣. وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
[ ٢٥٠ ]
والتدليس من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد.
ومعناه في الاصطلاح: أشار إليه الشافعي بقوله: "يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه" (١) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر." (٢)، وتعريفه عام يشمل التدليس والإرسال الخفي؛ لذا تعقّبه ابن حجر وفرّق بينهما فقال: "وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي." (٣)، وأشار إلى وجه الاختلاف بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي
دقيق، وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.
ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (٤)
وللتدليس أنواع ذكر ابن الصلاح منها نوعين هما: تدليس الإسناد - السابق تعريفه- وتدليس الشيوخ: "وهو: أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يُكنِّيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يعرف." (٥) وقد استدرك عليه العراقي نوعًا ثالثًا فقال: "ترك المصنف ﵀ قسما ثالثا من أنواع التدليس، وهو شر الأقسام، وهو الذى
_________________
(١) الشافعي، الرسالة، ٣٧١.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
(٤) ابن حجر، النزهة، ٣١، ينظر: القريوتي، الإرسال والتدليس، .
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٤.
[ ٢٥١ ]
يسمونه تدليس التسوية" (١) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُحسّن الحديث بذلك" (٢)، إلا أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال:
"عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلا قسمان:
الأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ.
ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف.
وأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند،
وهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء" (٣)
وأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله: "ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري (٤) عن أنس (٥). وتدليس العطف:
_________________
(١) العراقي، التقييد، ٩٥. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٠٥، ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٥٧.
(٢) الخطيب، الكفاية، ٣٦٤.
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥١.
(٤) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المدني، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: "الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه" مات سنة ١٢٤ هـ، وقيل: ١٢٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢١٩ (٥١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٦ (٦٢٩٦).
(٥) قال ابن حجر: "تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره. عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂". النكت، ٢/ ٦١٧.
[ ٢٥٢ ]
وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك من الثاني (١) " (٢)
والرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (٣)
نخلص مما سبق:
أن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الاتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
_________________
(١) "تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان. مثاله: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال: "اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه. ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟ قالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟ " ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٧. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٠٥.
(٢) ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٦.
(٣) سبق بيان مراتب المدلسين في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح، ينظر: العلائي، جامع التحصيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤، القريوتي، الإرسال والتدليس، ٤٧ - ٤٨.
[ ٢٥٣ ]
السبب الثاني: الطعن (١) في عدالة الرواة أو أحدهم:
سبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة." (٢)
وجاء عن الإمام مالك -﵀- قوله: "لا يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله - ﷺ -، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف ما يحدث." (٣)
والطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط." (٤)
"أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس:
١ - الأول بالكذب ٢ - والثاني باتهامه بالكذب ٣ - والثالث بالفسق ٤ - والرابع بالجهالة ٥ - والخامس بالبدع" (٥) وهي على التفصيل كما يلي:
_________________
(١) "المراد بالطعن الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ١٧٨، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٢، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
(٥) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٣.
[ ٢٥٤ ]
الأول: طعن الراوي ووصفه بالكذب:
وذلك: إذا روى عن النبي - ﷺ - ما لم يقله، متعمدًا الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع، أو بغير ذلك من القرائن، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعًا. (١)
الثاني: اتهام الراوي بالكذب:
"بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي." (٢)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكًا. (٣)
وقد سبق معنا قريبًا قول الإمام مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة، ذكر منهم: ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله - ﷺ - " (٤)
الثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق:
و"أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمّي العاصي فاسقا." (٥)
وقيل: الفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة. (٦)
_________________
(١) سيأتي - بإذن الله-الكلام عن الموضوع بشكل موسّع في الفصل الخاص به. ومثال الرواة الموصوفين بالكذب: معلى بن هلال الطحان كوفي، قال عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان بن عيينة: كذاب، وقال النسائي: معلى بن هلال ممن يضع الحديث. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٩٩ - ١٠١ (١٨٥٤).
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
(٣) مثال الرواة المتهمين بالكذب: "إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له الشعيري متهم بالكذب" ابن حجر، التقريب، ١١٠ (٤٩٤)، "حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك متهم بالوضع" ابن حجر، المرجع السابق ١٧٩.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.
(٥) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٤٦.
(٦) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٢٧، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥.
[ ٢٥٥ ]
والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الابتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الاعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ. (١)
وخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لا يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛
لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالإصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. (٣)
الرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة:
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥. مثال الرواة الموصوفين بالفسق: قال الذهبي في الميزان: "محمد بن عمر، أبو بكر الجعابى الحافظ من أئمة هذا الشأن ببغداد، على رأس الخمسين وثلثمائة، إلا أنه فاسق رقيق الدين". الذهبي، الميزان، ٣/ ٦٧٠ (٨٠٠٦).
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٠
(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٨١ - ٨٢. بتصرف يسير.
[ ٢٥٦ ]
والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. (١) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُعرف اسمه وذاته لم يُعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة. (٢)
وقال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" (٣).
وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور.
وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوثّق. (٤)
وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعدًا عنه قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (٥).
"وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم" (٦).
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.
(٢) ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥ - ٦٦.
(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.
(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، ابن حجر، النزهة، ١٢٦.
(٥) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨ - ٨٩.
(٦) عتر، منهج النقد، ٩٠
[ ٢٥٧ ]
"الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكمًا لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلا إن وجد مؤيد ومقوٍّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به" (١).
الخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع (٢):
البدعة في اللغة: ابتداء الشيء لا عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولا أو فعلا: إذا
ابتدأته أو اخترعته لا عن سابق مثال. (٣)
_________________
(١) عبدالجواد حمام، جهالة الرواة ٢/ ١١٣٧. وقد لخّص أثر الجهالة في الحكم على الرواية في النقاط التالية:
(٢) جماهير المحدثين على رد حديث مجهول العين وعدم الاحتجاج به؛ لفقدان شرط العدالة والضبط في راويه.
(٣) العدالة والضبط لا يثبتان عند جمهور المحدثين إلا بمُثبتٍ، والراجح أن الأصل في الراوي التوقف حتى تثبت عدالته وضبطه، ولا يقال: الأصل فيه الفسق.
(٤) جمهور المحدثين لا يحتجون بحديث مجهول الحال ما لم ترتفع جهالته من طريق معتبر.
(٥) نص كثير من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجح لكفَّة العدالة على كفَّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل.
(٦) على القول بقبول حديث المستور فإنه لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال.
(٧) يحكم المحدثون على حديث الراوي المجهول بالقبول إذا كان موافقا للثقات، ويحكمون عليه بالرد والبطلان إذا خالف الثقات أو تفرّد بما يُنكر عليه.
(٨) محل الخلاف في حديث المجهول هو حالة تفرّده بما لا يظهر فيه مخالفة للثقات، ولم يتضمن المروي ما ينكر عليه سندًا ومتنًا، وكان محتملًا.
(٩) حديث مجهول العين ليس بشديد الضعف، وهو صالح للاعتبار والتقوية إذا وجد له ما يقويه.
(١٠) الأصل في الجهالة ألا تصنف في العلل لكونها من أسباب الضعف الظاهرة في الحديث، لكن المحدثين ربما توسعوا فأطلقوا العلة على كل سبب قادح ومنها الجهالة" حمام، المرجع السابق، ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤.
(١١) يرى الدكتور خلدون الأحدب أن الجرح بالتبديع يلي في شدته الجرح بالكذب في حديث رسول الله - ﷺ -؛ لاتصاله بعقيدة المرء، وأن التهمة به تستلزم التمحيص والتثبت. إلا أن ترتيب ابن حجر لمسببات الطعن في الراوي حسب الأشد جعل الفسق العملي (بالقول أو الفعل) في مرتبة أشد، ورواية الفاسق جعلها ضمن المنكر المردود بلا خلاف، حيث قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". بينما جعل الفسق الاعتقادي (البدعة) أخف في التجريح من الفسق العملي، وذكر اختلاف النقاد في رواية المبتدع بين القبول والرد. المراجع: الأحدب، أسباب اختلاف المحدثين ٢/ ٤٨٧. ينظر: مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٨، ابن حجر، النزهة، ١٠٦ - ١٢٨، الخضير، الضعيف، ١٥٥ - ١٥٦.
(١٢) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ١/ ٢٠٩، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٦.
[ ٢٥٨ ]
وفي الاصطلاح: قال ابن حجر: "هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي - ﷺ -، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة." (١)
والبدعة "إما أن تكون بمكفر:
١ - كأن يعتقد ما يستلزم الكفر.
٢ - أو بمفسق.
فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. (٢)
والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. (٣)
والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:
فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.
وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.
(٢) قال الخطيب البغدادي في الكفاية: "وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لا يُعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي فإنه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروي مثله عن أبي يوسف القاضي " قال ابن تيمية: "والبدع متنوعة، فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ليسوا ممن يتعمد الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا، وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة، وإلحاد، بل عن جهل، وضلال في معرفة معاني الكتاب". المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٠، ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ١/ ٦٧.
(٣) وقد رجّح الدكتور الخضير ما حققه ابن حجر. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١٦٦. ذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل -ضمن أقسام الصحيح المختلف فيه-: "روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء فإن رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين." وقال ابن دقيق العيد: "الذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية؛ إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة. فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي ﵁ فيما حُكي عنه". المراجع: الحاكم، الإكليل، ٤٩، ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥٨.
[ ٢٥٩ ]
وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته (١)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح " (٢)
"وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء". (٣)
وما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر ﵀ عن ذلك بأنه: "لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع". (٤)
ثم إن عدد هؤلاء الرواة - ممن فيهم بدعة - تسعة وستون، (٥) وهو عدد يسير جدًا مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلاف، وهذا يُظهر جليًا أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل. (٦)
_________________
(١) قال عبدالرحمن بن مهدي: "ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط"، وقال أيضًا: "من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك"، وسئل الإمام أحمد بن حنبل: "أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: "نعم يكتب عنه إ ذ لم يكن داعيا". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٦ - ١٢٨، ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٩٩.
(٢) ثم قال: "وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة؛ فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا، إذا لم يقو به بدعته انتهى. وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله أعلم". ابن حجر، النزهة، ١٢٦ - ١٢٨. ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٦ - ٦٧.
(٣) الدهلوي، المرجع السابق، ٦٧. قال الذهبي مُلخّصًا لهذه المذاهب: " فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم: من بدعته غليظة. ومنهم: من بدعته دون ذلك. ومنهم: الداعي إلى بدعته. ومنهم: الكافُّ، وما بين ذلك. فمتى جمع الغلظ والدعوة، تجنب الأخذ عنه. ومتى جمع الخفة والكف، أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة كالتشيع، والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه." الذهبي، الموقظة، ٨٥، ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٤) ابن حجر، هدي الساري، ٤٥٩.
(٥) تقسيم الرواة حسب ثبوت البدعة وتوفر شروط القبول:
(٦) الرواة الذين لم تثبت لهم بدعة أو تابوا عددهم واحد وثلاثون.
(٧) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة وتوافرت فيهم شروط القبول عددهم أربعة وثلاثون.
(٨) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول، وقُبلت روايتهم لاعتبارات أخرى هو راوٍ واحدٍ فقط.
(٩) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول عددهم ثلاثة. ينظر: إندونيسيا خالد حسون، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، ٢/ ٩٨٤.
(١٠) ينظر: العثمان، المحرر في مصطلح الحديث، ٤٠٤ - ٤٠٥ بتصرف. ملاحظة: "ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في مصنفاتهم كثيرًا ممن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدُهم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك، مع أن القول عنهم بما ذُكر قد يكون تقوُّلا، وافتراء، ومما يدلُّ عليه أن كثيرًا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين لا تعرفهم الشيعة أصلا القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ١٩٥.
[ ٢٦٠ ]
نخلص مما سبق:
الطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله، وغالب دلالات هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (١)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد.
_________________
(١) وذلك مبسوط في كتب الجرح والتعديل. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في مراتب جرح الرواة: منهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. ومنهم من ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١/ ١٠ بتصرف يسير، ينظر كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢١ - ١٢٧، مقدمة ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب، ابن حجر، التقريب، ٧٤ - ٧٦.
[ ٢٦١ ]
السبب الثالث: الطعن (١) في ضبط الرواة أو أحدهم:
سبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح،
والضبط نوعان وضّحهما ابن حجر - ﵀- بقوله:
"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه." (٢)
والمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (٣) مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولا ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد" (٤)، فلم يحرص ﵀ على التمييز بين
_________________
(١) المراد بالطعن: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٦٩. ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ١٦٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٢.
(٣) بعد أن ذكر الدكتور نور الدين عتر تعريف الحديث الضعيف، وسرد شروط الحديث المقبول أضاف قيدًا لشرط الضبط بقوله (ولو لم يكن تامًا)، ثم علل لهذه الإضافة، فقال مستدركًا على من سبقه: "كذا عدها البقاعي والسيوطي وغيرهما: لكن عبروا بقولهم: "الضبط" بدون زيادة "ولو لم يكن تاما". وهذا مشكل لأنه إذا فقد تمام الضبط بأن خف ضبط الراوي، فإنه يصير عندئذ حسنا، ولا يكون ضعيفا، لذلك كان الصواب في التعبير عن هذا الشرط ما قلناه: "الضبط ولو لم يكن تاما". عتر، منهج النقد، ٢٨٦.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
[ ٢٦٢ ]
وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ.
"أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة:
١ - فرط الغفلة.
٢ - كثرة الغلط.
٣ - مخالفة الثقات.
٤ - الوهم.
٥ - سوء الحفظ." (١)
وهي على التفصيل كما يلي:
الأول: وصف الراوي بفحش الغلط:
الغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه. (٢)
والمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه. (٣)
قال سفيان الثوري: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك" (٤).
الثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة:
المغفل في اللغة: من لا فطنة له (٥)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ.
_________________
(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.
(٢) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٣٩٠، ابن منظور، اللسان، ٧/ ٣٦٣.
(٣) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٥٦٧.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٤. مثال الراوي الذي تُرك حديثه لكثرة غلطه: أيوب ابن خوط أبو أمية البصري، قال عمرو بن علي: "كان أيوب أميا لا يكتب وهو متروك الحديث ولم يكن من أهل الكذب كان كثير الغلط كثير الوهم". ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٢٤٦ (٨٧٦)، ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٧ (١٨١).
(٥) الفراهيدي، العين، ٤/ ٤١٩، ابن منظور، اللسان، ١١/ ٤٩٢.
[ ٢٦٣ ]
والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها. (١)
و"فرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء" (٢)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال: "فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (٣).
وقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال:
"فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولا؟
قلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِضا، بأمرٍ يَصِحُّ ذلك عليه: بكذب، أو جَرْحَةٍ في نفسه تُردُّ بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لا يَشْبَهُ مثله، وما أشبه ذلك.
فإن قال: فما الغفلة التي تَرُدُّ بها حديث الرجل الرِّضا الذي لا يُعرَفُ بكذب؟
قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُقال له في ذلك، فيترُك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا، أو يُغيِّره في كتابه بقولهم، لا يَعقِل فرق ما بين ذلك، أو يُصحِّف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لا يَعقِلُ ذلك، فيُكَفُّ عنه" (٤)
الثالث: وصف الراوي بالوهم:
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٥.
(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.
(٣) ابن حجر، النزهة، ١١٣، وزاد السيوطي إطلاق وصف الترك على أحاديثهم، فقال: "الحديث الذي لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب، بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة يسمى المتروك" السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٠، ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.
(٤) ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٣ - ٣٤. مثال الراوي كثير الغفلة: المسيب بن شريك التميمي كنيته أبو سعيد، أصله من بخارى سكن الكوفة مات سنة ١٨٦ هـ، قال عنه ابن حبان: "وكان شيخا صالحا كثير الغفلة، لم تكن صناعة الحديث من شأنه، يروي فيخطأ ويحدث فيَهِم من حيث لا يعلم، فظهر من حديثه المعضلات التي يرويها عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل التعجب." ابن حبان، المجروحين، ٣/ ٢٤.
[ ٢٦٤ ]
الوَهِم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو. (١)
والمراد بوهِم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم.
والطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيرًا ما تُعلُّ الأحاديث بسبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون. (٢)
قال عبدالرحمن بن مهدي (٣): "الناس ثلاثة، رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه" (٤).
الرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات:
المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٥).
_________________
(١) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٦/ ١٤٩، ابن منظور، اللسان، ١٢/ ٦٤٤.
(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٦. ومثال الراوي كثير الخطأ والوهم: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مات سنة ١٣٦ هـ، ضعفه ابن معين، وقال عنه ابن حبان: " فاحش الخطأ كثير الوهم". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧١.
(٣) عبدالرحمن بن مهدى بن حسان العنبري، أبو سعيد البصري قال عنه الذهبي: "الحافظ، الإمام العالم، كان أفقه من يحيى القطان، قال على ابن المديني: أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث"، مات سنة: ١٩٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٤٥ (٣٣٢٣)، ابن حجر، التقريب، ٣٥١ (٤٠١٨).
(٤) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٦٤، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٨، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٣.
(٥) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨ مادة (خلف).
[ ٢٦٥ ]
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (١).
والمراد بها: مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِف ثقة سُمِّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذًا، وإن كان المُخالِف ضعيفًا سُمِّي
حديثه منكرًا. (٢) قال ابن حجر: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (٣)
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٤)
_________________
(١) "سبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، ٢٥٩.
(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، الخيرآبادي، المعجم، ١٣٤. هذا هو اختيار ابن حجر؛ وإلا فإن ابن الصلاح، ومن وافقه، عندهم الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وقد سبقت الإشارة في الفصول السابقة لمعنى الشذوذ والنكارة، وسيأتي تفصيل كل مصطلح في الفصل الخاص به بإذن الله. مثال الراوي الموصوف بالمخالفة: " أشعث بن براز الهجيمي، كنيته أبو عبد الله، من أهل البصرة، يروي عن: قتادة وعلي بن زيد، روى عنه: زيد بن حباب، ومسلم بن إبراهيم، يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حد الاحتجاج به." ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧٣.
(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.
(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.
[ ٢٦٦ ]
وجعل المخالفة "من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل". (١)
الخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ:
ذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: "من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه" (٢)، وعرفه كذلك بأنه "عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته" (٣)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّئ الحفظ فقال:
_________________
(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٣) ابن حجر، المرجع السابق، ١٠٧. ملاحظة: اختلفت طبعات تحقيق كتاب النزهة-حسب اطلاعي- في بيان معنى سوء الحفظ، وترجيح أي العبارتين أصوب:
(٤) (عمن يكون غلطه أقل) هكذا في طبعة سفير الأولى بتحقيق الرحيلي حيث قال معلقًا في هامشها: "هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطلعت عليها: عن أن لا يكون غلطه أقل وهذا غلط واضح وعكس للمقصود من العبارة! ."، وهي موافقة لطبعة الصباح بتحقيق نور الدين عتر.
(٥) وشاء الله ان أطّلع على الطبعة الثانية لتحقيق الدكتور الرحيلي، فوجدته قد غيّر اختياره السابق، فوضع عبارة (عن أن لا يكون غلطه أقل) في المتن، وقال في حاشيته: "في الأصل (عمن يكون) وهو لا يستقيم مع ما سيذكره المصنف أن سوء الحفظ المراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه، والمثبت من عدة نسخ. وقد نبّه على هذا الخطأ كثير من شراح النزهة." ووافقته طبعة دار الآثار، وكذلك ما ذهب إليه الدهلوي في أصول الحديث حيث قال: "وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به: أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه. يعني إن كان خطأه ونسيانه أغلب أو مساويا لصوابه وإتقانه كان داخلا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإتقانه وكثرتهما" وما ذهب إليه الرحيلي في طبعته الثانية، وما ذكره الدهلوي يشير إلى ترجيحهم أن معنى سوء الحفظ ألا يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا قد يوقع في إشكال بيان الفرق بين الراوي كثير الغلط أو فاحشه وبين الراوي سيِّئ الحفظ. ولعل ما حرره الجديع في هذه المسألة بذكر درجات الراوي سيِّئ الحفظ المراجع: ابن حجر، النزهة، ١٠٧ الطبعة الأولى، ١٠٥ الطبعة الثانية، ابن حجر، نزهة النظر، تحقيق: نور الدين عتر، ٨٩. ابن حجر، نزهة النظر، ط دار الآثار، ٣٣، الدهلوي، أصول الحديث، ٧١ - ٧٢، ينظر: الجديع، التحرير، ١/ ٤٣٦ - ٤٥٦ باختصار.
[ ٢٦٧ ]
"وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقلُّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط
علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.
وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو لَهُ أوهام، أو لَهُ مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه، كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك" (١)
أي: إن أُخرِج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّئ الحفظ أو كثير الغلط فالاعتماد على أصل الحديث لا على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط -في المتابعات- أقل من سيِّئ الحفظ.
فوصف سيِّئ الحفظ - عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها (٢)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال:
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.
(٢) وهو كذلك عند الذهبي- في مقدمة كتابه ميزان الاعتدال- حين ذكر مراتب جرح الرواة جعل سيِّئ الحفظ في أدناها وعلى كذلك العراقي في شرح التبصرة، وهي مرتبة من يُكتب حديثه، ويُنظر فيه للاعتبار. وقال ابن حجر في مقدمة كتابه التقريب: "وأسهلها-أي: الألفاظ الدالة على الجرح- قولهم: فلان لين، أو سيِّئ الحفظ، أو: فيه أدنى مقال." بل نجده قد أطلق هذا الوصف في كتابه التقريب على ما يقرب من اثنين وعشرين راويًا قرن سوء الحفظ بالصدق فقال: "صدوق سيِّئ الحفظ في واحد وعشرين منهم أرقام تراجمهم في التقريب كما يلي: ٤٤٠ - ١٤٥٠ - ١٧١٨ - ١٨٩٥ - ٢٠٥٤ - ٢١٧٨ - ٢٢٣٧ - ٢٦٨٧ - ٢٧٩٢ - ٣٠٩٥ - ٤٠١١ - ٥٨٧٠ - ٦٠٨١ - ٦٩٣٣ - ٦٩٨٨ - ٧٠١٠ - ٧٠٢٩ - ٧١٥٤ - ٧٤٠٨ - ٧٥٦٣ - ٨٠١٩. المراجع: ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧٨، ابن حجر، التقريب، ابن حجر، النزهة، ١٧٥.
[ ٢٦٨ ]
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع" (١)
بالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين:
١ - "إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.
٢ - أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط." (٢)
فنجده وصف رواية سيِّئ الحفظ - إن كان لازمًا للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر -عند ابن حجر- أشد ضعفًا من الشاذ. (٣)
نخلص مما سبق:
المراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق ١٢٩.
(٣) "لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفا من الشاذ." ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.
[ ٢٦٩ ]
الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.
السبب الرابع: انتفاء العاضد (١) في الضعيف القابل للانجبار:
إن من الحديث ما يكون ضعفه يسيرًا قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا
القيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِد بقي الحديث على حاله من الضعف.
فهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعًا من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد.
قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:
فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.
_________________
(١) سبق بيان معنى المعاضدة والمصطلحات الدالة عليها والغرض منها في قيد المتابعة والمعاضدة في الحديث الحسن.
[ ٢٧٠ ]
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (١)
وقال ابن حجر في كتابه النزهة:
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه
صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (٢)
ولتقوية الحديث الضعيف شروط، حصرها الدريس في ستة شروط (٣) على النحو التالي:
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤. "فالضعف الخفيف أو اليسير في الحديث: بأن يكون سبب ضعفه سوء حفظ أحد الرواة، أو الانقطاع في السند، أو الجهالة في الرواة. فالحديث المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع، والمدلَّس، والمرسل الخفي، وحديث المختلِط، والمتلقِّن، ومجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم، ضعف هذه الأحاديث خفيف، ترتقي إلى الحسن لغيرها إذا رويت من طريق آخر أحسن منها أو مثلها، أو الطرق الأخرى والضعف الشديد (في الحديث): بأن يكون سبب ضعفه الكذب، أو التهمة بالكذب، أو البدعة، أو الفسق، أو كثرة الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة، أو الوهم. فالحديث الموضوع، والمتروك، وحديث المبتدع إذا كان في بدعته، وحديث الفاسق، وكذلك الحديث الشاذ والمنكر بأنواعه الستة: المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الإسناد بشروطه، والمضطرب، والمصحَّف، والمحرَّف، وكذلك المعلول. هذه الأحاديث ضعفها شديد لا ترتقي إلى درجة الحسن لغيرها. ينظر، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٤، الفحل، العلل، ٣٥.
(٣) يُضاف إليه شرط سابع ذكره الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث، وهو: أن يكون حديثًا له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه. أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثًا مرفوعًا، وجب في جابره أن يكون مرفوعًا، صراحة أو حكمًا؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل. ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث. ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي - ﷺ -. أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم، وهذا يكون صحيحًا أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي - ﷺ - قولًا أو فعلًا. ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة، فالحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل. ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به، حيث يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية. أما عد ذلك العمل منهم دليلًا على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث. رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به، وهذا أضعف مما تقدم. خامسها: تقوية الحديث عن طريق الكشف، وهذا يُذكر عن بعض متأخري الصوفية، وليس هذا بطريق من طرق العلم. سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع، وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحًا، ويسقط الاعتداد بالقواعد. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٨٧ - ١٠٩٤، المرتضى الزين، مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث ٢٢ - ٣٤، ٨١ - ٨٣.
[ ٢٧١ ]
١ - أن لا يكون فيه متهم بالكذب أو من لا يُعتبر به.
٢ - أن يروى من وجه آخر فأكثر، وأقل ما تحصل به تقوية الضعيف أن يروى من وجه آخر صالح للاعتبار، وكلما كثرت الطرق المعتبر بها، كلما قوي الظن بثبوت الحديث (١).
٣ - عدم مخالفته لما هو أقوى منه (٢).
٤ - أن لا يختلف معنى المتن (يُشترط في متن الشاهد أن يكون موافقًا في معناه لحديث الأصل) (٣).
٥ - اختلاف المخارج، والمقصد من اشتراط ذلك: أن يكون للحديث أكثر من راوٍ واحد، وحتى لا تكون الطرق المتعددة في حقيقتها تدور على راوٍ واحد، ولا شك
_________________
(١) "والمعمول به عند من يرى أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه الضعيفة أن الحديث الضعيف يتقوى بمتابع أو شاهد إذا كان صالحًا للاعتبار وسلم من الشذوذ، فكل ما كان صالحًا للاعتبار فهو مساوٍ من حيث القوة النسبية للحديث الأول." الدريس، الحسن، ٥/ ٢١٨٦، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
(٢) لأنه بالمخالفة يكون شاذًا أو منكرًا، وسيأتي الحديث عن الشذوذ المردود ضمن مسالك الضعف إلى الحديث، وذلك في المسلك التالي.
(٣) يؤيد ذلك قول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي: "يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - ". وقال أيضًا: " المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه." ابن رجب، العلل، ٢/ ٦٠٦.
[ ٢٧٢ ]
أنه كلما كانت المخارج مختلفة ومتنوعة مع صلاحيتها للاستشهاد كان ذلك أقوى وأكمل وأبلغ في انجبار الضعف (١).
٦ - أن يحصل غلبة ظن بقوة الحديث من مجموع الطرق الضعيفة. (٢)
ومن الأسباب التي قد تكون مانعة لتقوية الحديث الضعيف المعتضد بحديث آخر مثله قابل للاعتضاد، ولها تأثير في غلبة ظن الباحث ما يلي:
- أن يترجح للناقد أو الباحث خطأ الراوي الشاهد أو خطأ الراوي الأول (٣).
- أن يكون المتن فيه إثبات فرض أو تحريم (٤).
- تفرد الضعيف بما لا يُحتمل له. (٥)
_________________
(١) اشترط ابن رجب كذلك تعدد الطرق واختلاف المخارج في المتابِع، فقال: "يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذًا، مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة." المرجع السابق.، ويؤيده كذلك قول ابن حجر: "فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا". ابن حجر، الفتح، ٨/ ٤٣٩.
(٢) نقل الخطيب البغدادي عن عبدالرحمن بن مهدي قوله في الحافظ المتقن: "ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه". الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٥.
(٣) وقال ابن حجر في النكت -في ضابط المرويات القابلة للانجبار-: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.". ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
(٤) قال ابن أبي حاتم في كتابه المراسيل: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا". ابن أبي حاتم، المراسيل، ٧.
(٥) حيث يُطلق النقاد على هذه المرويات وصف: المنكر، والباطل، وما لا أصل له. ينظر: كتب العلل، وكتب التراجم الخاصة بذكر الضعفاء وبعض مروياتهم، كالضعفاء لابن عدي.
[ ٢٧٣ ]
- إذا اجتمع في الحديث أكثر من سبب للضعف (١).
- وجود سبب خاص أو قرائن خاصة (٢) تُضعف صلاحية الحديث للاستشهاد. (٣)
نخلص مما سبق:
تتفاوت درجات الحديث الضعيف في الضعف بين خفيف الضعف وشديده، وخفة الضعف تنجبر بوجود العاضد المقوي لها -بالشروط التي سبق ذكرها- بينما الشديد الضعف يظل على حاله ولا يقبل الانجبار.
وإن انتفاء العاضد للضعيف القابل للانجبار يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
السبب الخامس: الشذوذ المردود (٤):
وجود الشذوذ المردود أو النكارة في الحديث من مسببات ضعفه، وقد اعتبر ابن الصلاح كلًا من الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وفرّق بينهما ابن حجر، واعتبر إطلاق الشذوذ خاص بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، بينما النكارة تُطلق على مخالفة الضعيف، وذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاقًا آخر عند المحدثين، وهو إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي
_________________
(١) كما سبق معنا في الإشارة إلى طبقات المدلسين، فقد ردّوا حديث الطبقة الخامسة ولو صرّحوا بالسماع؛ لكونهم ضُعِّفوا بأمر آخر سوى التدليس. ينظر: العلائي، المراسيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤.
(٢) مثال هذه القرينة قول ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين: "لا يجوز الاحتجاج بخبر في روايته كنية إنسان لا يُدرى من هو، وإن كان دونه ثقة؛ لأنه يُحتمل أن يكون كذابًا كنّى عن ذكره"، وقال ابن حجر: "للحاكم إذا تعارضت عنده الأحوال وتعددت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٩١، ابن حجر، الفتح، ٦/ ٥١٨.
(٣) ينظر: الفصل الخامس من الباب الرابع. الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٧٩ - ٢٢٣٤ باختصار.
(٤) ويدخل فيه كذلك النكارة، وتقييد وصف الشذوذ بكونه مردودًا؛ للتأكيد على أن المراد هو الشذوذ المؤثر في الحكم على الحديث بالرّد وعدم القبول، ويأتي بيانه - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
[ ٢٧٤ ]
سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته (١)، وإطلاقهم النكارة على رواية فاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق. (٢)
وسبقت الإشارة إلى معاني الشاذ في الاصطلاح (٣) - وأنها تراوحت بين معانٍ ثلاثة هي:
مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.
وخَلَص ابن الصلاح إلى أن "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٤)
وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة (٥) " (٦)
قال السخاوي -موضحًا موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ-:
"على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ١١٣.
(٣) عند الحديث عن قيد نفي الشذوذ في فصل الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل في الفصل الخاص بالحديث الشاذ، وكذلك في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩.
(٥) الحديث الغريب: "هو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند". ابن حجر، النزهة، ٥٤.
(٦) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧.
[ ٢٧٥ ]
وأصح، فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح ; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه.
ولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به " (١)
ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا." (٢)
ويمكن صياغة المراد بالشذوذ المردود -ويدخل ضمنها النكارة (٣) - بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه وتعذّر الجمع بينهما، فمتى وجد من الراوي
تفرّد لا يُحتمل منه (٤)، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظًا وإتقانًا أو عددًا، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت لشذوذها أو نكارتها، ولم تقبل الانجبار؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
"ويدخل في المعارضة التي يُرد بها الحديث الضعيف ولو اُعتضد بغيره أن يكون مُعارضًا لآية من كتاب الله أو لقاعدة من قواعد الشريعة المقررة أو لمقصد من مقاصد الشريعة العامة أو الخاصة، ولكن يجب أن يُطبّق ذلك بوسطية بعيدة عن الغلو والتكلف.
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢.
(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٣٢.
(٣) المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، بينما المنكر عند ابن حجر أشدّ ضعفًا من الشاذ. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.
(٤) قال عمرو عبدالمنعم: "وقد أشار الإمام مسلم في مقدمة صحيحه إلى أن الإعلال بالتفرد إنما يكون بالقرائن الدالة على النكارة، لا بعموم مجرد التفرد، حيث قال: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله." مسلم، مقدمة الصحيح، ١/ ٧، سليم، ما لا يسع المحدث جهله، ١٠٩.
[ ٢٧٦ ]
وغني عن القول أن تطبيق هذا الشرط يحتاج لأن يكون المعني به ذا حظ وافر من الفقه، ومن الخبرة بكتب مختلف الحديث ومشكله، وأن يعرف مناهج الأئمة وأساليبهم في الجمع والترجيح، وأن يفرق بين الجمع المتكلف وغيره، وبين الجمع الممكن والجمع اللازم، وعليه أن يعرف متى يقدم الترجيح على الجمع والعكس، ولا يتسنى ذلك إلا لمن رزقه الله الجمع بين الحديث والفقه مع طول الممارسة وتواصل الخبرة." (١)
نخلص مما سبق:
يعدّ الشذوذ المردود -ويدخل ضمن ذلك النكارة أيضًا- من مسالك الضعف إلى الحديث، ويمكن اختصار تعريفهما بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه مع تعذّر الجمع بينهما.
فمتى وجد من الراوي تفرّد لا يُحتمل منه، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظًا وإتقانًا أو عددًا، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت، ولم تقبل الانجبار؛ لشذوذها -وذلك في حال كون المُخالِف ثقة- أو نكارتها في حال كون المُخالِف ضعيفًا؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
السبب السادس: وجود العلة (٢) القادحة في القبول:
العلة بشكل عام تُطلق على كل ما يقدح في صحة الحديث، وفي الاصطلاح على الخفي منها، والعلة الخفية تتطرق غالبًا للأحاديث التي ظاهرها الصحة، فإذا ضُعِّف إسناد
_________________
(١) الدريس، الحسن، ٥/ ٢١٩٢.
(٢) سبق في فصل الصحيح وكذلك في الحسن بيان المراد بالعلة، وذلك في قيد نفي العلة في كل منهما، وسيأتي - بإذن الله- مزيد تفصيل وإيضاح في الفصل الخاص بالحديث المعلل.
[ ٢٧٧ ]
لوجود راوٍ مجروح أو لانقطاع في سلسلة الإسناد، ونحو ذلك فهذا ظاهر العلة، وليس مرادًا في هذا المبحث إذ سبق بيان أنواع الضعف الظاهر في المباحث السابقة. (١)
قال الحاكم: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢)
"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في
حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٣)
وقد تُؤثر بعض أنواع العلل في ضعف يسير ينجبر بمعاضدة غيره له إلا أن المقصود هنا هي: العلة الخفية والتي تسبب ضعفًا شديدًا لا يقبل الانجبار، والتي غالبًا ما تأتي من خطأ الرواة أو بعضهم، ووهمهم، وسواء كان وجودها في الإسناد أو في المتن، إلا أن صفتها: أن تكون خفية وقادحة في الصحة.
ومما يدلل على تتنوع العلل بين الظهور والخفاء، والقدح وعدمه، ما ذكره ابن حجر في كتابه النكت ومثّل له من أنواع العلل القادحة وغير القادحة حيث قال:
_________________
(١) ينظر: سليم، ما لا يسع جهله، ١٢٢.
(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠. وتعرف العلة في الحديث بأمور منها:
(٤) الإلهام من الله - ﷾ - الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.
(٥) كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم
(٦) جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.
(٧) النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك. ينظر: الخضير، الضعيف، ٢٣٥ - ٢٣٦ باختصار.
[ ٢٧٨ ]
"مثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقا: ما يوجد مثلا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اُختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.
٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة وهو بقسم المقلوب (١) أليق، فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة
وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة." (٢)
والعلة أنواع وأجناس متعددة ذكر الحاكم منها عشرة أجناس للعلة على سبيل التمثيل لا الحصر (٣).
وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أنه قد يُطلَق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل (٤)، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. (٥) ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو
_________________
(١) "وحقيقة القلب تغيير من يُعرَف برواية ما بغيره عمدا أو سهوا." السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٥، وسيأتي بيانه وتفصيله وذكر أنواعه -بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث المقلوب.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٧.
(٣) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩، ويأتي بشيء من التفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل.
(٤) "وبعض العلماء يقيد العلة القادحة بالخفية، وليس معنى هذا أن الظاهرة لا تقدح في صحة الحديث ولكنها تخرج بشرط الاتصال." أبو شهبة، الوسيط، ٢٢٩، وبالشروط الأخرى لصحة الحديث كعدالة الرواة وضبطهم.
(٥) قال: "وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث". تعقّبه العراقي فقال: "إن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مِلْ إلى كلامه، وإن يُرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة" العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، ينظر كذلك: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١.
[ ٢٧٩ ]
إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول." (١)
نخلص مما سبق:
إن من مسالك الضعف إلى الحديث وجود علة فيه، والحديث المعلل هو نوع من أنواع الحديث الضعيف، والمعنى الاصطلاحي الخاص للعلة يشمل العلة القادحة الخفية التي
يكون الظاهر السلامة منها، وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموما، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفا وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أو بالمتن (٢).
والعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات والشواهد، أو بتلقي أهل العلم للحديث بالقبول، أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:
أحدهما: ما كان سببه المخالفة، فتكون الرواية شاذة أو منكرة.
وثانيهما: أحاديث أعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر أو تأريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث معلا.
فالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرا زال بمجيئه من
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢ - ٩٣. ولعله يقصد أبو يعلى الخليلي، حيث قال في كتابه الإرشاد: "العلة فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال." الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٠ - ١٦٣.
(٢) " ومن الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ" الفحل، العلل، ١٨
[ ٢٨٠ ]
طريق آخر مثله أو أحسن منه، وما كان ضعفه شديدا فلا تنفعه كثرة الطرق، ولا تزول علته بذلك. (١)
وفي بيان الفرق بين التضعيف بسبب الشذوذ، والتضعيف بسبب العلة قال السخاوي: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا (٢)، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا" (٣).
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- لم يضع - من جاء قبل ابن الصلاح- تعريفًا للحديث الضعيف أو حدًا له، بل اكتفى بعضهم ببيان معنى الصحيح وشروطه أو مراتبه، وزاد آخرون ببيان معنى الحسن، واستغنوا بذكر ذلك عن تحديد معنى للضعيف؛ إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود، فبالضّد تتميز الأشياء؛ لذا نجد أن ابن الصلاح قال في حدّ الضعيف: "كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف." (٤) وتبعه في ذلك من جاء بعده، فذهبوا إلى اختصار تعريفه، أو إعادة صياغته، بحيث دارت تعريفاتهم للضعيف على نفي شروط القَبول، فالضعيف عندهم: (ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول).
_________________
(١) ينظر: الفحل، المرجع السابق، ٣٤ - ٣٥ بتصرف.
(٢) أوضح ذلك بقوله: "غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١.
(٣) المرجع السابق ١/ ٣٢.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤١.
[ ٢٨١ ]
- وحسب ما مضى معنا في فصل الصحيح والحسن، فبمقدار اتفاقهم على كل شرط من شروط القبول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يسلب الحديث صفة القبول، ويجعله في حيّز الضعف والرّد (١).
- فكما أن من شروط الصحيح والحسن لذاته اتصال سنده- كما مرّ سابقًا في فصل الصحيح والحسن- واشترطت ذلك أغلب التعريفات سوى ما ذكره الحاكم وأشار إليه من اختلافهم في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات بعض الثقات المُدلسين، ففي الغالب يُعدُّ انتفاء شرط الاتصال -أي: السقط في السند- مُخِلًّا بصحة الحديث وقبوله.
والسقط في الإسناد بوجه عام على نوعين: سقط ظاهر، وسقط خفي، فمما يندرج تحت السقط الظاهر: المعلق، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.
ويندرج تحت السقط الخفي: المدلس، والمرسل الخفي.
وأيًّا كان موقع الساقط من الإسناد في أوّله أو وسطه أو آخره، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، فإن انقطاع السند يطعن في صحته وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا
_________________
(١) "المردود، وهو ما اختل فيه شرط أو أكثر من شروط القبول، ويندرج تحته هذه الأنواع، نسردها تبعا لفقد كل شرط منها:
(٢) ما ضعف لاختلال العدالة: الموضوع، المتروك، المطروح.
(٣) ما ضعف لاختلال الضبط: الضعيف، المنكر، المضطرب، المصحف، المقلوب، المدرج.
(٤) ما ضعف لفقد الاتصال: المنقطع، المرسل، المعضل، المعلق، المدلس، المرسل الخفي. وهذا القسم يرد للجهل بحال المحذوف فيحتمل أن يكون ضعيفا.
(٥) ما ضعف لفقد شرط عدم الشذوذ، وهو الشاذ، والمنكر بالأولى، لأنه دليل على اختلال الضبط.
(٦) ما ضعف لفقد شرط عدم العلة، وهو المعلل بأحد أوجه الإعلال، فهذا مردود، لأن العلة فيه إما من وهم الراوي، أو تبين الانقطاع في سند ظاهره الاتصال. وقد ظهر من ذلك أن مدار الشروط في الحقيقة على توفر العدالة والضبط، وسائر الشروط دلائل على هذين الشرطين اللذين لا بد منهما لتوفر أداء الحديث كما هو" عتر، منهج النقد، ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ٢٨٢ ]
للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
هذا فيما يخص المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو: السقط في السند.
- أما ما يخص الركن الأكبر في الرواية وهي عدالة الرواة، فقد اتفقوا على اشتراطها كشرط من شروط قبول الرواية، وإن تخلل مفهوم العدالة تفاوت في مراتب رواتها -يفيد في الترجيح بينهم عند التعارض- إلا أنه غير مؤثر في مدلولها، والتأكيد على اشتراطها؛ لذا كان الطعن في عدالة الرواة من مسببات ضعف الحديث، وهو يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل.
- وغالبًا ما ترتبط دلالات ألفاظ الجرح والتعديل بجانبيّ العدالة والضبط عند الرواة، لذا كان المسلك الثالث من مسالك الضعف في الرواية الطعن في ضبط الرواة.
والمراد به: وصف الراوي بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، كأن يوصف: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ.
ويتفاوت الطعن بهذه الصفات بين الجرح الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.
وغالب ألفاظ الجرح والتعديل مرتبطة بجانبي العدالة والضبط معًا، قال ابن الملقن: "واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الراوي، أو يجتمعا، أو يوجد واحد منهما فقط، فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قُبِل، وهو الصحيح المعتبر، وإن
[ ٢٨٣ ]
وُجِدت العدالة وحدها دون الضبط قُبِل حديثه لعدالته، وتوقّف فيه لعدم ضبطه، على شاهدٍ منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط، وإن وُجِد فيه الضبط دون العدالة لم يُقبل حديثه، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية." (١)
- ولعل ما مرّ في فصل الحسن من بيان درجات رواته (٢)، وتقسيمه إلى قسمين، أحدهما يحسُن لذاته، بينما الآخر في أصله ضعيف اكتسب الحُسن بتعدد طرقه، هو الذي حدا ببعضهم إلى اعتبار انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، شرطًا من شروط الضعيف ضعفاّ خفيفًا قابلًا للانجبار؛ إذ أن انتفاء العاضد يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته.
- ومن أنواع الضعيف الذي لا ينجبر (٣):
_________________
(١) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٦. ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٩٩. "لعلماء الجرح والتعديل ألفاظ في جرح الرواة تجعلنا نقسم الحديث الضعيف إلى أربعة أقسام:
(٢) ضعيف ضعفًا يسيرًا، كقولهم: فلان فيه لين، أو ليّن.
(٣) ضعيف ضعفًا متوسطًا، كقولهم: فلان ضعيف، فلان كثير الغلط.
(٤) ضعيف ضعفًا شديدًا، كقولهم: تالف، هالك.
(٥) هو الذي يطلقون فيه على الراوي صفة الكذب والوضع. والضعف اليسير والمتوسط يكون بسبب شيء في ضبط الراوي، أما الضعف الشديد، فقد يكون بسبب الطعن في عدالته، وقد يكون بسبب خلل شديد في ضبطه، بأن تكون أوهامه كثيرة عددًا أو فاحشة معنى." محمد عوّامة، حكم العمل بالحديث الضعيف بين النظرية، والتطبيق، والدعوى، ٣٢.
(٦) "آخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف". الذهبي، الموقظة، ٣٢.
(٧) "ميز المحدثون بين مراتب الضعف الناشئ من القدح في رجاله، فهناك الضعف الذي يقبل التقوية وهذا يسمونه ضعيفا أيا كان سبب ضعفه، وهناك الضعف الشديد الذي لا ينجبر وهذا يطلقون عليه أيضا الضعيف ويؤخذ من تعابيرهم تمييزه كقولهم ضعيف جدا. أو فيه فلان متروك أو متهم. إلا أن كثيرا من المحدثين ميزوا بعض حالات الضعيف بألقاب خاصة بها هي: (المنكر، المتروك، المطروح) ندرسها فيما يلي: واتفقوا على تمييز الضعف الأخس وهو الكذب المختلق بلقب خاص هو (الموضوع)." عتر، منهج النقد، ٢٨٩ - ٢٩٠، وإطلاق لقب (حديث ضعيف) صالح أن يكون لأي من السببين، -أي: الضعف الشديد، أو الضعف الخفيف- وإن كان يوهم خفة الضعف أحيانًا، فيشكل إطلاقه على (المنكر) و(الموضوع) مثلًا. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩. ويُفهم من ذلك أن الحديث الذي فيه ضعف يمكن انجباره يدخل تحت مسمى الأحاديث الضعيفة، بينما الشديد الضعف الذي لا ينجبر له في العادة مسميات خاصة منها: المنكر، المتروك، المطروح، الموضوع.
[ ٢٨٤ ]
كون الحديث شاذًا مردودًا، أو منكرًا أو معللًا بعلة قادحة في صحته، لذا كان من مسميات الحديث الضعيف غير المنجبر: المنكر، والمعلل، وسيأتي بيان كل نوع منهما في فصل مستقل بإذن الله.
وقبل الانتقال إلى الفصل الرابع، والذي يُعنى بتحرير مصطلح الحديث الشاذ، تجدر الإشارة إلى أسباب وجود الأحاديث الضعيفة في المصنفات الحديثية، والتي لخّصها بعض المعاصرين في أمور أربعة، هي:
- أن يكون الغرض من إيراد الأحاديث الضعيفة، هو: معرفة مخرجها، أي: من باب التعريف بها لا الاحتجاج (١).
- أو الذهول عن مواطن الضعف بها، وأسباب ردّها. (٢)
- أو من باب الضرورة إذا لم يكن في الباب غيره، أو لا يُعرف الحديث إلا من ذلك الوجه الضعيف. (٣)
_________________
(١) قال الحاكم: "وللأئمة ﵃ في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه والمنفرد به عدل أو مجروح". الحاكم، الإكليل، ٣١.
(٢) قال ابن حجر: "بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد." ابن حجر، النكت، ١/ ٤٤٧.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٧.، ابن حجر، المرجع السابق.
[ ٢٨٥ ]
- أو باب إخراج كل ما أُسند في هذا الموضوع، فيروي كل ما جمعه في هذا الباب. (١)
وبهذه الأسباب نختم الفصل الثالث؛ لننتقل إلى تحرير مصطلح الشذوذ، والذي رأيت أن يكون ترتيبه الرابع بين فصول هذا البحث؛ لتعلّقه بتحرير قيود تعريفات الفصول الثلاثة السابقة (الصحيح، والحسن، والضعيف)، وإلى الفصل الرابع: الحديث الشاذ.
_________________
(١) ينظر: العثمان، المحرر، ١٣٥ - ١٤١ باختصار.
[ ٢٨٦ ]