المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ١٤٢ ]
المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:
الحُسن - بالضم-: الجمال، وهو ضد القبح ونقيضه.
والحَسَن - محرّكة-: ما حَسُن من كل شيء.
واستحسنه عدّه حسنًا، وحسّن الشيء تحسينًا: زيّنه. (١)
وأشار ابن الصلاح إلى معنى الحسن في اللغة بقوله: "هو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب" (٢) وقال الجعبري: "الحسن لغة: الملائم". (٣)
فما تميل إليه النفوس لجماله وتستحسنه، فهو حَسن في اللغة (٤).
المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
ذكر ابن الصلاح في مقدمته بأن أول من أَشهَر مصطلح الحديث الحسنكتاب أبي عيسى الترمذي -﵀ - أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في (جامعه).
_________________
(١) يُنظر: ابن فارس، المقاييس، ٢/ ٥٧. الرازي، المختار، ٧٣. ابن منظور، اللسان، ١٣/ ١١٤. الفيروزآبادي، القاموس، ١١٨٩.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٩.
(٣) الجعبري، الرسوم، ٦١.
(٤) "يُفهم من ذلك أن تحسين بعض الأمور قد لا يكون موضع اتفاق؛ لأن النفوس تختلف فيما تميل إليه، وتتباين فيما ترغب فيه، وتتضاد فيما تأباه؛ لذا فلا يخلو التحسين من النسبية بسبب اختلاف طبائع البشر". الدريس، الحديث الحسن لذاته ولغيره دراسة استقرائية نقدية، ١/ ٤٠.
[ ١٤٣ ]
ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما" (١)
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥ - ٣٦، ولقد أشار السخاوي في -فتح المغيث- إلى بعض معاني الحسن عند من سبق الترمذي، من ذلك إطلاقه على الحديث الغريب، أو المنكر، فكأنهم أرادوا بذلك المعنى اللغوي، وكذلك أطلقوه على الصحيح، والحسن لذاته ولغيره، فقال: "قد وجد إطلاقه على المنكر، قال ابن عدي في ترجمة سلام بن سليمان المدائني: حديثه منكر، وعامته حسان، إلا أنه لا يتابع عليه. وقيل لشعبة: لأي شيء لا تروي عن عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو حسن الحديث؟ فقال: من حسنه فررت. وكأنهما أرادا المعنى اللغوي، وهو حسن المتن. وربما أُطلق على الغريب، قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان حديثه، فقد قال ابن السمعاني: إنه عنى الغرائب. ووُجِد للشافعي إطلاقه في المتفق على صحته، ولابن المديني في الحسن لذاته، وللبخاري في الحسن لغيره، ونحوه - فيما يظهر - قول أبي حاتم الرازي: فلان مجهول، والحديث الذي رواه حسن وبالجملة فالترمذي هو الذي أكثر من التعبير بالحسن، ونوه بذكره; كما قاله ابن الصلاح، " السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٥ - ٩٦. ولقد كان للدكتور خالد الدريس جهد مشكور في رسالته (الحديث الحسن لذاته ولغيره) حيث استقرأ كتب السنة، خاصة كتب أئمة الحديث الذين ورد التحسين ضمن أحكامهم على الحديث أو الإسناد أو الراوي، وقام بدراسة أسانيدها وبيان درجتها، ومن أولئك الأئمة -ممن جاء قبل الترمذي-: - الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): أورد له الباحث ثمانية أحاديث، كانت نتيجة دراستها: أن ستة منها عنى بها الصحيح، وواحد عنى به الحسن لذاته -كما عند المتأخرين- وواحد أطلق الحسن عليه لغرابته. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ١/ ٨٠ - ٩٥. - علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ): أورد له ثلاثة وعشرين نصًا منها تسعة عشر نصاّ تم وصف الحديث فيها بالحسن، وأربعة في وصف بعض الرواة بحسن الحديث، وقد قسّم الأحاديث التسعة عشر إلى ثلاثة أقسام: أحاديث حسّنها وهي صحيحة وعددها سبعة، ومثلها أحاديث حسّنها وفي إسنادها من ليس بمشهور، وخمسة أحاديث أطلق عليها الحسن مقيدًا. وقد رجّح الباحث أن مراد الإمام ابن المديني من إطلاقه الحسن: هي الصحة بدرجاتها المتفاوتة، وأتبعه بمبررات ذلك. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ١/ ٩٦ - ١٧٦. - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ): وقف الباحث على سبعة وستين نصًا، منها ثمانية وعشرون في الحكم على الأحاديث، وتسعة وثلاثون في الحكم على الرواة، واستنتج الباحث بعد أن سرد النصوص وحلّلها: أن إطلاق الإمام أحمد وصف الحسن كان متنوعًا، ومتعددًا بين الصحيح، والضعيف المنجبر، والأقل ضعفًا. فاستعمل الحسن بمعنى قوة الحديث في أربعة عشر نصًا، منها: تسعة على الصحيح ومافي حكمه، وواحد على الحديث الضعيف المنجبر، وأربعة بمعنى الأقل ضعفًا، أي: أحسن الضعيف، أو أفضل ما ورد مع ضعفه. واستعمل الحسن بمعنى الإعجاب بالحديث - لميزة فيه بغض النظر عن مدى قوته- في أربعة عشر نصًا: ستة منها إطلاقه الحسن على متن الحديث، وثمانية على الحديث الغريب الذي لا يُعرف من قبل. أما استعماله الحسن في حكمه على الرواة، فقد جاء في تسعة وثلاثين نصًا، منها: خمسة عشر بمعنى الاتقان وجودة الضبط، وواحد وعشرون بمعنى القبول العام، وثلاثة بمعنى سعة الرواية. ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٧ - ٣٩٤. - البخاري (ت ٢٥٦ هـ): جمع الباحث ما يقارب ثمانية وثلاثين نصًا من تحسينات الإمام البخاري، وذكر أن من تعرّض لتحسينات البخاري من العلماء قديمًا وحديثًا لم يتفقوا على تفسير معنى الحسن عنده، واختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء: - ابن سيد الناس في النفح الشذي: "لعله عند قائليه من المتقدمين يجري مجرى الصحيح". ابن سيد الناس، النفح الشذي في شرح جامع الترمذي، ١/ ١٩٦. =
[ ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = - ابن حجر في النكت: أن البخاري استعمل الحسن بمعناه الاصطلاحي عند المتأخرين بقسميه الحسن لذاته ولغيره. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٢٦ - ٤٢٩. - وكذا السخاوي في فتح المغيث: صرّح بوجود الحسن لغيره في تحسينات البخاري. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٢. ورأى الباحث أن كثيرًا من الأحاديث التي حسّنها البخاري أمثل وأقوى من تلك التي صححها، حيث قال: "والمتأمل أيضًا يعلم أن الحسن لا يمكن أن يكون أقل مرتبة من الصحيح عند البخاري؛ لأنه قد حسّن أحاديث هي صحيحة عنده بلا شك. ويعلم مما تقدّم أن مفهوم الصحيح عند البخاري أوسع وأشمل مما استقر عليه الاصطلاح في تعريف الحديث الصحيح؛ لأنه يُدخل فيه حتى أحاديث المتكلم فيهم التي عُلِم أنها محفوظة" ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٦٩٦. - يعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢ هـ): أورد الباحث له تسعة نصوص في تحسين الأحاديث، واثنان في تحسين سياق رواية أحد الرواة، وقد استنتج الباحث من دراسته لهذه النصوص، وما وجده من شواهد أن الإمام يعقوب بن شيبة يُطلق الحسن، ويريد به الحديث الصحيح الثابت. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٦٩٩ - ٧٢٤. - أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ): أورد الباحث أربعة عشر نصًا منها: ستة نصوص في تحسين الحديث، وقد جاءت على معنين: حسن لقوته، وحسن لغرابته، وثمانية في تحسين أحاديث بعض الرواة، وجاءت على ثلاثة معاني: فحديثه حسن لما فيه من فوائد، أو حسن لاستقامة حديثه، أو حسّن-بالتشديد- أي زينه وجمّله. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٧٢٥ - ٧٥٩. - أبو حاتم الرازي (٢٧٧ هـ): أورد الباحث له ستة وثلاثين نصًا في التحسينات منها: تسعة عشر تحسينًا للحديث، وسبعة عشر في كلامه على الرواة. واستنتج أن لأبي حاتم منهجًا متميّزًا عن غيره في إطلاق التحسينات، فمما أطلق عليه الحسن: الحديث الغريب الذي انفرد بروايته من لا يخلو من بعض ضعف محتمل، ويكون ذلك الحديث سالمًا من المخالفة الموجبة للخطأ والنكارة. وأبو حاتم يُفرق بين الصحيح والحسن، ويأبى أن يحكم بصحة بعض الأحاديث، ويختار لفظًا أقل منزلة وأدنى وهو الحسن، ومن شروطه في الحسن كون الحديث محفوظًا. وإطلاقه الحسن على الرواة يريد بذلك: أن بعض حديثهم قوي، والبعض الآخر ضعيف، وقد قرن حسن الحديث بصالح الحديث، ومحله الصدق، ولا بأس به، وليس بقوي ولا ثبت، وقال عن بعضهم: هو حسن الحديث ليس بمنكر الحديث؛ ليفيد أن الحسن لا يكون منكرًا. وقرنه أيضًا بقوله: لا يُحتجّ به: ولا يعني عدم الاحتجاج مطلقًا، وإنما لا يكون حديثه حجة على الدوام، ولا يُحتجّ به إلا بعد التمييز، وقد أطلق هذه العبارة في حق عدد من الرواة احتج بهم الشيخان في صحيحهما. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٧٦٠ - ٨٣٩. ومن أهم النتائج التي توصّل إليها الباحث، وسجّلها ضمن نتائج بحثه: "- أن (الحسن) اُستعمِل وأُطلق على الحديث الصحيح عند الشافعي وابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وغيرهم. - ظهر له من دراسته لمصطلح (الحسن) عند الأئمة النقاد قبل الترمذي تنوّع استعمالاتهم له، وأنهم من حيث العموم استعملوه بغرض عام، ولم يكن لديهم تعريف محدد دقيق له، كما أنهم كانوا يعنون به القبول العام، فهو أشبه ما يكون بمصطلح (صالح) عند أبي داود؛ إذ صرّح أنه ينطوي تحته الصحيح وما يشبهه وما يقاربه وما ليس فيه ضعف شديد. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٥/ ٢٤٨٧ - ٢٤٨٨. وقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر قوله: "فإن المتقدمين الذين أطلقوا وصف الحسن على ما هو صحيح كالشافعي وغيره، لم يكن تقرر عندهم الاصطلاح على أن الحسن قاصر عن الصحيح، ولو تقرر لما خالفوه." البقاعي، المرجع السابق ١/ ٣٠٢.
[ ١٤٥ ]
وقد ذكر الخطابي في مقدمة كتابه (معالم السنن) أن للحديث ثلاثة أقسام، فقال: "اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم" (١)، وقد عقّب على ذلك العراقي بقوله: "ولم أر من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذلك، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن، وهو موجود في كلام الشافعي والبخاري وجماعة، ولكن الخطابي نقل التقسيم عن أهل الحديث وهو إمام ثقة." (٢)
ولعل مراد العراقي أن التصريح بالقسمة الثلاثية لأنواع الحديث إنما صرّح به الخطابي، وإن وردت مسمياتها في كلام من سبقه، فقد أشار ابن تيمية (٣) أن الترمذي هو أول من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيفوأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، فهذا أول من عُرِف أنه قسّمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي (٤)، ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله." ثم قال بعد ذلك: "وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عُرِف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان:
ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي. وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي." (٥)
_________________
(١) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦. قال ابن حجر: "والظَّاهر أنَّ قوله: عند أهل الحديث، من العام الَّذي أُريد به الخُصوص، أي الأكثر، أو الَّذي استقرَّ اتفاقهم عليه بعد الاختلاف." السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦.
(٢) العراقي، التقييد، ٢٠.
(٣) أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام، تقي الدين بن تيمية، الحراني، الحنبلي. أبو العباس، شيخ الإسلام. فقيه أصولي، محدث، مفسر، نحوي، أديب، خطيب. له من المصنفات الكثير، منها: (مجموع الفتاوى) و(اقتضاء الصراط المستقيم) وغيرها. مات سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: محمد بن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ١/ ٧٤. ابن العماد، الشذرات، ٨/ ١٤٢. الزركلي، الأعلام، ١/ ١٤٤.
(٤) تبع الذهبي شيخه في ذلك فقال في الموقظة: "وأما الترمذي، فهو أول من خص هذا النوع باسم (الحسن) ". الذهبي، الموقظة، ٢٧.
(٥) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/ ٢٣ - ٢٥. ينظر: المدخلي، تقسيم الحديث، ١٢ - ١٣.
[ ١٤٦ ]
إذن فوصفُ الحديث بكونه حسنًا، أو وصف الإسناد بذلك موجود في كلام أئمة الحديث؛ -وإن اختلف مرادهم بذلك (١) - إلا أن أوّل تعريف للحسن أشار إليه العلماء هو تعريف الترمذي (٢).
_________________
(١) اعترض ابن الصلاح على ما ذهب إليه البغوي في كتابه مصابيح السنة من تقسيم الأحاديث فيها إلى صحاح وحسان، قاصدًا بالصحاح ما أخرجه الشيخان، وبالحسان: ما أوردته كتب السنن كسنن أبي داود والترمذي، فقال: "فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك. وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن" ووافقه النووي على هذا الاعتراض؛ بينما أوضح كلٌ من الزركشي وابن الملقن وابن حجر أن ما ذهب إليه البغوي هو اصطلاح خاص به في كتابه، ولا مشاحة في الاصطلاح. المراجع: ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٧، النووي، التقريب، ٣٠، الزركشي، النكت، ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٤٦، السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) ومما توصل له الدكتور الدريس - في بحثه الخاص بالحديث الحسن- أن: الحسن اُستعمل عند المحدثين بتوسع ينطوي تحته على عدة معانٍ، حتى بعد تعريف الترمذي للحسن، حيث استمر المحدثون في استعمال الحسن من دون تحديد معنى واحدٍ ومن دون تعريف دقيق مُتفق عليه. فوجدهم يطلقون الحسن على الحديث الصحيح وما دونه؛ بل وحتى على الحديث الموضوع وإن كان نادرًا جدًا، وبمعنى حُسن المتن وسياقه. ومن الأمثلة التي ذكرها على تحسينات من جاء بعد الترمذي، ما يلي: -البزار (ت ٢٩٢): ذكر الباحث أن غالب تحسيناته يقصد بها قوة السند عنده، وأن الأحاديث التي حسّنها على ثلاثة أقسام:
(٣) صحيحة،
(٤) فيها ضعف يسير،
(٥) فيها ضعفاء أو مجاهيل شرط أن يكون الضعيف ممن روى عنه أهل العلم واحتملوه، وأن يكون الحديث سليمًا من المخالفة والخطأ. أما بالنسبة لإطلاقه (حسن الحديث) على الراوي فمراده أن الراوي لا يخلو من بعض الضعف، وأن بعض ما يرويه لا بأس به. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٢/ ٨٥٠ - ٨٦٢. -أبو الشيخ ابن حيان (ت ٣٦٩): أطلق التحسين في كتابه (طبقات المحدثين بأصبهان) بمعنى الغرابة والفائدة. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٦٢ - ٨٦٤. -الدارقطني (ت ٣٨٥): تتبع الباحث تحسينات الدارقطني حيث بلغت عنده ثلاثين نصًا وجدها موجهة لرجال السند دون التعرض للمتن، وقد استعمله في معنيين: في الحديث الصحيح عنده، وفي الحديث الذي فيه ضعف يسير عنده بما يتوافق مع الحسن لذاته عند المتأخرين. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٦٤ - ٨٨٩. -ابن شاهين (ت ٣٨٥): وجد الباحث أنه يُطلق الحسن أحيانًا مقيدًا بالسند، كما يُطلقه مقيدًا بالمتن، وأن الأحاديث التي حسّنها لإسنادها يدخل فيها الصحيح والحسن لذاته ورواية الضعيف. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٨٩ - ٨٩٣. -البيهقي (ت ٤٥٨): وجد الباحث أن معنى الحسن عند البيهقي واسع، حيث أطلقه على الصحيح، وعلى الحديث الذي في سنده راو فيه بعض الضعف الذي لا ينزل به عن منزلة الوسطية (الحسن لذاته)، وعلى الحديث الذي فيه راو مستور، وعلى الحديث الحسن لغيره. وقد استنتج الباحث أن البيهقي استعمل الحسن أكثر الأحيان بوصفه مرتبة وسطى بين الصحيح والضعيف. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٩٣ - ٩٠٣. -ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): وجد الباحث أنه استعمل الحسن استعمالات متعددة منها: أ) استعماله للحسن بمعنى الحكم على الحديث بالقبول، ويدخل في ذلك: إطلاقه الحسن على الحديث الصحيح، وعلى الحديث الحسن لذاته، وعلى الحديث الضعيف المحتمل في الفضائل لا في الأحكام. ب) استعماله للحسن بمعنى حُسن المتن ولو كان السند ضعيفًا. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٩٠٣ - ٩٢٧.
[ ١٤٧ ]
تعريف الترمذي (ت ٢٧٩ هـ):
قال الترمذي ﵀ في آخر كتابه الجامع: "كلُّ حديث يُرْوى لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويُرْوى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن." (١)
تعريف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
عرّفه الخطابي ﵀ - وذلك بعد أن ذكر أقسام الحديث وعرّف بالصحيح منها ثم أتبعه بتعريف الحسن- فقال: "والحسن منه ما عُرِف مخرجه (٢)
_________________
(١) وذلك بعد قوله: "وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا". الترمذي، الجامع الكبير، ٦/ ٢٥١. وقد عدّ بعض العلماء قوله "عندنا" أنه اصطلاح خاص بالترمذي في كتابه، حيث قال ابن سيد الناس في كتابه النفح الشذي: " فهذا كما ترى - إخبار عن مصطلحه في هذا الكتاب، فلو قال في كتاب غير هذا عن حديث بأنه حسن، وقال قائل: ليس لنا أن نفسر الحسن هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان، لكان له ذلك". وقد حرر محقق النفح الشذي هذه المسألة، وملخّصها: أن العراقي في كتابه (التقييد والإيضاح) استشكل ما اعتبره ابن سيد الناس اصطلاحًا خاصًا بالترمذي في كتابه، وذلك في مقابلة من عدّه اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث كابن الصلاح ومن وافقه، وقد نقل السخاوي في كتابه (فتح المغيث) جواب العراقي باعتبار ذلك اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث كما يظهر له، وتعقّبه السخاوي بأن ذلك يبعد بقول الترمذي "وما ذكرنا" "فإنما أردنا به" فالنون؛ لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، مع الأمن من الإعجاب ونحوه. وقد أجاب المحقق على تعقيب السخاوي بأن كلام الترمذي عبارة عن فقرتين: الفقرة الأولى قوله: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن فإنما أردنا حُسن إسناده" وهذه الفقرة يُحمل فيها الضمير "نا" على الترمذي وحده، على الاعتبار الذي ذكره السخاوي وهو إظهار نعمة التلبس بالعلم، ومقصود الترمذي بهذه الفقرة التنبيه على أن مقصوده بالحَسَن في جامعه عمومًا حُسْن الاسناد. وأما الفقرة الثانية فهي قوله: "عندنا كل حديث يروى الخ."، وهذه جملة مستأنفة لبيان تعريف النوع المُشكِل -في نظره- مِنْ حُسن الإسناد عند أهل الحديث كما ذكر العراقي، أو عند الترمذي ومن يرى رأيه كما قال ابن حجر". المراجع: ينظر: ابن سيد الناس، النفح الشذي ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، العراقي، التقييد والإيضاح ٤٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٠، الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٤٨ - ١٠٤٩.
(٢) المعروف مخرجا أي: لم يفقد سنده الاتصال ظاهرا - كالانقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولا خفيا، كالتدليس. وقيل: مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها. فالمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، ٤٤، البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦، الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.
[ ١٤٨ ]
واشتهر رجاله (١)، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء." (٢)
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
قال الميانشي ﵀: "وأما الحسن: فهو ما عُرف مخرجه، واشتهر رجاله بالرواية، فإنه يحسُن الاحتجاج به، وإن اختُلف في كمال حفظ رواته وعدالتهم." (٣)
_________________
(١) وقد وُجّه مقصوده بشهرة الرواة، أنها شهرة دون شهرة رواة الصحيح. ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥.
(٢) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦. اُختلف في قوله (وعليه مدار أكثر الحديث) وما بعده هل هو من تمام الحد؟، فإن الميانشي في تعريفه المشابه لتعريف الخطابي اقتصر على شقه الأول فقط، وابن كثير في اختصاره شكّ في كونه من تمام الحد بقوله: "وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، فليس هذا الذي ذكره مُسلّمًا له". وقد رجّح الزركشي خروجه عن الحد فقال: " قلت هذا إن جعلنا الحد عند قوله واشتهر رجاله وهو الظاهر فإن ما بعده أحكام لأن قبول الحديث والاحتجاج به فرع ثبوت حسنه ويدل له تكراره." وصرّح بذلك ابن حجر كما نقله عنه البقاعي حيث قال: "وقوله (وعليه مدار) إلى آخره، كلام كاشف، لا أنه داخل في الحد". وتبعه تلميذه السخاوي فقال: "فقد قال الخطابي متصلا بتعريفه السابق ; لكونه متعلقا به في الجملة، لا أنه تتمته: وعليه - أي: الحسن - مدار أكثر الحديث - أي: بالنظر لتعدد الطرق - فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح المتفق عليه". وقال السيوطي: "وهذا الكلام فهمه العراقي زائدا على الحد فأخر ذكره وفصله عنه. وقال البلقيني: بل هو من جملة الحد، ليخرج الصحيح الذي دخل فيما قبله، بل والضعيف أيضا.". وما نقله السيوطي عن البلقيني هو بمعناه أما لفظه فقوله: "لا يقال: إن تم التعريف عند قوله: (رجاله) فالصحيحُ والضعيف كذلك، وإن كان آخرُ الكلام من جملة التعريف (منع أن يكون الحسن كذلك؛ لأنا نقول: (آخر الكلام من جملة التعريف". المراجع: ينظر: ابن كثير، اختصار علوم الحديث، ٣٦، الزركشي، النكت، ١/ ٣٠٥، البلقيني، محاسن الاصطلاح، تحقيق: عبدالقادر مصطفى المحمدي، ١٠٢، ملاحظة: ما بين المعقوفتين غير موجود في طبعة دار المعارف تحقيق بنت الشاطئ. البقاعي، النكت، ١/ ٢٢٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٢، السيوطي، التدريب، ١/ ١٦٧.
(٣) ملاحظة: سبق هذا التعريف ذكره لمراتب الصحيح، وجعل أدنى مرتبة فيه: ما كان إسناده حسنًا. ينظر: الميانشي، ما لًا يسع المحدث، ٢٧ - ٢٨. ويظهر مشابهة تعريفه لتعريف الخطابي، وقد اقتصر على الشق الأول منه. ثم عقّب بقوله: "فإنه يحسُن الاحتجاج به، وإن اختُلف في كمال حفظ رواته وعدالتهم". وفي هذا إشارة إلى وجود اختلاف بين نقاد الحديث في راوي الحديث الحسن من حيث الحفظ والعدالة، ففي الحفظ يقصر رواة الحسن عن الصحيح، وفي العدالة اختلفوا في اشتهارها أو سترها، ويُفهم من هذا التعقيب أن تفاوت رواة الحسن عن رواة الصحيح لا يقتصر على الضبط فقط بل قد يتفاوتون في العدالة، فمرتبة رواة الحسن لذاته تقصر من حيث الضبط والحفظ، بينما رواة الحسن لغيره، -والذي هو في أصله نوع من الضعيف- قد يكون سبب الضعف ناشئ عن الجهالة بعدالة الراوي، ولعل هذا يتضح أكثر أثناء تحرير قيود التعريف، وقد سبق في الفصل الأول الإشارة إلى مسألتي تفاوت العدالة وتفاوت الضبط عند رواة الحديث.
[ ١٤٩ ]
تعريف ابن الجوزي (١) (ت ٥٩٧ هـ):
عرّف ابن الجوزي ﵀ الحسن - في مقدمة كتابه الموضوعات (٢) في معرِض بيانه لأنواع الحديث- بقوله: "ما فيه ضعف قريب محتمل". (٣)
تعريف ابن القطان الفاسي (٤) (ت ٦٢٨ هـ):
قال ﵀ في كتابه بيان الوهم والإيهام (٥):
_________________
(١) أبو الفرج العلامة الحافظ المفسِّر، المعروف بابن الجوزي، هو: جمال الدين عبدالرحمن بن علي ابن محمد بن علي، يرجع في نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁. وله التصانيف الكثيرة في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والوعظ والطب، ومن مصنفاته الحديثية: (مُشكل الصحاح) و(الموضوعات) و(الضعفاء). يُنظر: ابن خلكان، الوفيات، ٣/ ١٤٠، الذهبي، السّير، ٢١/ ٣٦٥.
(٢) كتاب الموضوعات الكبرى لابن الجوزي، ومادته: الموضوعات من الأحاديث المرفوعة، وقد اُعترض على المؤلف ﵀ في إدراجه لأحاديث ليست بموضوعة بل ضعيفة أو يرتقي بعضها للحُسن أو الصحة. يُنظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، ٢/ ١٩٠٦، الكتاني، المستطرفة، ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) ثم قال: "وهذا هو الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به، وقد كان أحمد بن حنبل يقدم الحديث الضعيف على القياس" ثم أردفه بشديد الضعف فقال: "القسم الخامس: الشديد الضعف الكثير التزلزل، فهذا تتفاوت مراتبه عند العلماء فبعضهم يدنيه من الحسان ويزعم أنه ليس بقوي التزلزل، وبعضهم يرى شدة تزلزله فيلحقه بالموضوعات."ابن الجوزي، كتاب الموضوعات، ١/ ٣٥. ومن الانتقادات التي وُجّهت لتعريفه كون هذا الضعف المحتمل غير مضبوط بضابط، فهو مجهول، وليس على طريقة صناعة الحدود والتعاريف. المراجع: يُنظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٨، ابن جماعة، المنهل، ٣٦، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٠. أما البقاعي فقد ردّ على هذا الانتقاد بقوله: "وأما ابن الجوزي فالظاهر أنه لم يرد الحد، وإنما أراد الوصف بصفة تقرب الحسن من التمييز." ثم عاد ووجّه كونه حدًا بإمكانية انضباطه، فقال: "ويقال: بل هو مضبوط؛ إن كان عرف الصحيح والضعيف بالحيثية، وهي: أن ضعفه بالنسبة إلى الصحيح، واحتماله بالنسبة إلى الضعيف، أي: فيكون متوسطا بينهما، لا يعلو إلى رتبة الصحيح؛ لما فيه من الضعف، ولا ينحط إلى رتبة الضعيف؛ لما فيه من قلة الضعف، ويؤيد ذلك أنه قال عقب ما نقل عنه: (ويصلح للعمل به) فوصفه بوصف هو بين بين؛ فإن الصحيح يوصف بأنه يجب العمل به، والضعيف أعلى ما يقال فيه: يعمل به في الفضائل، لا مطلقا، والله أعلم." ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٤) أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك الفاسي، المعروف: بابن القطان. من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، من أشهر مؤلفاته: كتاب الوهم والإيهام. يُنظر: الذهبي، السير، ٢٢/ ٣٠٦، السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٩٨. (١٠٩٦).
(٥) بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، هو كتاب وضعه ابن القطان على كتاب الأحكام لأبي محمد عبدالحق بن عبدالرحمن بن عبدالله الأزدي الأشبيلي المعروف: بابن الخراط، متتبعًا فيه ما وقع فيه من أوهام، ولابن الخراط الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى، وقد رجّح محقق كتاب بيان الوهم د. الحسين آيت سعيد بأنها الوسطى. يُنظر: الكتاني، المستطرفة، ١٧٨. الحسين آيت سعيد، "علاقة بيان الوهم والإيهام بالأحكام الوسطى" من دراسته لكتاب ابن القطان الفاسي، بيان الوهم والإيهام، ١/ ٢٠٥ - ٢١٣.
[ ١٥٠ ]
"فإن الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف" (١)
وقال في موضع آخر من كتابه بشيء من التفصيل: "ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنا هكذا، إما بأن يكون أحد رواته مختلفا فيه؛ وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحا مفسرًا، فإنه إن كان مفسرًا، قدم على توثيق من وثقه، فصار به الحديث ضعيفا.
وإما بأن يكون أحد رواته؛ إما مستورا وإما مجهول الحال." (٢)
_________________
(١) ابن القطان، المرجع السابق، ٣/ ٣٧٤.
(٢) ابن القطان، المرجع السابق، ٤/ ١٣ - ٢٠. ثم قال: "ولنبين هذين القسمين، فأما المستور فهو من لم تثبت عدالته لدينا ممن روى عنه اثنان فأكثر، فهذا قسم المساتير؛ فأما قسم مجهولي الأحوال، فإنهم قوم أنما روى عن كل واحد منهم واحد، لا يعلم روى عنه غيره" وقد أردف كل قسم بحكم روايته من حيث القبول والرد: فقال عن رواية المستور: "فإن هذا يختلف في قبول روايته من لا يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له. فطائفة منهم يقبلون روايته، وهؤلاء هم الذين لا يبتغون على الإسلام مزيدا في حق الشاهد والراوي، بل يقنعون بمجرد الإسلام، مع السلامة عن فسق ظاهر، ويتحققون إسلامه برواية عدلين عنه، إذ لم يعهد أحد ممن يتدين يروي الدين إلا عن مسلم. وطائفة يردون روايته، وهؤلاء هم الذين يبتغون وراء الإسلام مزيدا، وهو عدالة الشاهد أو الراوي، وهذا كله بناء على أن رواية الراوي عن الراوي ليست تعديلا له، فأما من رآها تعديلا له فإنه يكون بقبول روايته أحرى وأولى، ما لم يثبت جرحه. والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته." وقال عن رواية المجهول: " فهؤلاء إنما يقبل رواية أحدهم من يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له، كالعمل بروايته، فأما من لا يرى رواية الراوي عن الراوي تعديلا له، فإنهم لا يقبلون رواية هذا الصنف إلا أن تعلم عدالة أحدهم، فإنه إذا علمت عدالته، لم يضره أن لا يروي عنه إلا واحد، فأما إذا لم تعلم عدالته، وهو لم يرو عنه إلا واحد، فإنه لا يقبل روايته لا من يبتغي على الإسلام مزيدا، ولا من لا يبتغيه. وقد عمل أبو محمد في هذا بالصواب: من رد روايتهم وقبول رواية من علمت عدالته منهم، وأخطأه ذلك في قوم منهم، صحح أيضا أحاديثهم بالسكوت عنها، تبين ذلك في هذا الباب إن شاء الله تعالى". ابن القطان، المرجع السابق، ٤/ ١٣ - ٢٠. ويُفهم من كلامه ﵀ أن الرواة المختلف فيهم يُحكم على حديثهم بالحُسن ما لم يكن الضعف المجروح به الراوي مُفسّرًا، فإن كان الجرح مُفسّرًا يُقدّم الجرح على التوثيق، ويُحكم على الحديث بالضعف. قال الباحث محمد بوعيّاد عن منهج ابن القطان في الرواة المختلف فيهم أنه "يُحسّن أحاديثهم، لكن بالنسبة لمجهولي الحال والمساتير، فقد سبقت الإشارة إلى اضطراب رأي ابن القطان في هذا الباب، فتارة يُحسّن أحاديثهم وتارة يُضعفها". محمد بوعيّاد، تحسين الحديث النبوي الشريف، ١٤٩. وذكر الدكتور الدريس -من تأمله لتعريف ابن القطان- أن الحسن عنده على قسمين:
(٣) حسن يحتج به، وهو ما يرويه الراوي المختلف فيه.
(٤) حسن لا يحتج به، وهو ما يرويه المستور والمجهول. وتوصّل إلى استنتاج مهم وهو: أن ابن القطان يحرص بشدة على تمييز الحسن من الصحيح ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٢/ ٩٤٦، ٢/ ٩٧٤ - ٩٧٥. بتصرّف يسير.
[ ١٥١ ]
تعريف ابن دحية (١) (٦٣٣ هـ):
قال ابن دحية ﵀: "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعفٌ قريبٌ محتملٌ، عن راوٍ لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق" (٢).
_________________
(١) الحافظ عمر بن الحسن بن علي بن محمد الأندلسي، أَبُو الخَطَّاب، ابن دحية الكلبي، وكان بصيرا بالحديث معتنيا به، وكان مع معرفته وحفظه مجازفا في النقل، ويستعمل حدثنا في الإجازة، ومن تصانيفه الكثيرة: (العلم المشهور في فضائل الايام والشهور)، و(نهاية السؤل في خصائص الرسول - ﷺ -). يُنظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٠١، الزِرِكْلي، الأعلام، ٥/ ٤٤، كحالة، المؤلفين، ٢/ ٥٥٦.
(٢) ابن دحية الكلبي، أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب، ١٣٣، وذكره ابن حجر في النكت، وذكره الزركشي في نكته على ابن الصلاح - دون عبارة " إلى درجة العدالة، ولا ينحط "- وعزاه لكتاب العلم المشهور لابن دحية. وقد ماثل تعريفه تعريف ابن الجوزي غير أنه أضاف إليه تحديد حال الراوي، وقد جوّد تعريفه ابن حجر فقال: "وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي - والله أعلم." المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣١٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ١٥٢ ]
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح ﵀: " الحديث الحسن قسمان:
أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين (١) بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا (٢)، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا.
وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي." (٣)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد قسّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين، وإن لم يميّز كل قسم باسم خاص، لكنه اشترط في أحدهما مجيئه من طرق أخرى، ولم يشترط في الآخر ذلك. (٤)
_________________
(١) وقال السليماني عن اشتراط الشهرة في رواة الحديث الحسن "ليس ذلك شرطًا في راوي الحديث الصحيح فضلًا عن راوي الحديث الحسن ". السليماني، الجواهر، ٨٢. ولعل مراد ابن الصلاح بالشهرة: ما يدل على مزيد ضبط راوي هذا القسم من الحسن-والذي يُطلق عليه ابن حجر الحسن لذاته مقارنة بالقسم الآخر من الحسن، وهو الحسن لغيره- كما جاء معنا في الفصل السابق، في قيد الشهرة بالطلب في بيان المراد باشتراط بعضهم الشهرة بالطلب في رواة الصحيح، وتوجيه ذلك بزياة ضبط المرويات والعناية بها.
(٢) بما أن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو على نوعين: أحدهما مخالفة الراوي _ويدخل في ذلك الثقة والضعيف- لمن هو أولى منه، والآخر: تفرد الضعيف، فيكون قوله: "يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا" احتراز من الضعيف الذي تفرده يكون منكرًا. واشتراط ابن الصلاح -بعد ذلك- السلامة من الشذوذ والنكارة هو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، وهو الناتج عن المخالفة. ينظر: السليماني، المرجع السابق، بتصرّف.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١ - ٣٢.
(٤) يقول الدكتور خالد الدريس: "أول من قسّم الحسن إلى قسمين الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٤٣. وابن القطان -وهو معاصر لابن الصلاح ومات قبله- قد قسّم الحسن إلى ثلاثة أقسام، الأول: رواية المختلف فيهم، والثاني: رواية المستور، والثالث: رواية مجهول الحال. ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ١٣ - ٢٠.
[ ١٥٣ ]
ودارت أغلب تعريفات من جاء بعده حول اختصار أو تعقّب أو دمج ما جاء في تعريفه،
فممن اختصر تعريفه النووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) إلا أنه تعقّب ابن الصلاح في إيراده تعريف الترمذي للحسن، واستنكر وجوده في كتب الترمذي، ولعل ذلك سهوٌ منه ﵀ (٢).
وقد أشار ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣) -وتبعه في ذلك تلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤) - إلى الاضطراب الحاصل في تحرير معنى الحديث الحسن، مما دعا الذهبي -أثناء مناقشته للتعريفات- إلى أن يصوغ ثلاثة تعريفات (٥) ذكرها مبثوثةً أثناء مناقشاته
لتعريفات من سبقه، كان أولها أنه قال: "الحسن ما ارتقى عن درجة الضعيف، ولم يبلغ
_________________
(١) النووي، التقريب، ٢٩.
(٢) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٣٦ - ٣٧، وقد ردّ العراقي على ابن كثير هذا الإنكار، فقال: "وهذا الانكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع " ينظر: العراقي، التقييد والإيضاح، ٤٥، وكذلك تعليق أحمد شاكر في هامش الباعث الحثيث، ٣٨ - ٣٩.
(٣) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٧. واستشكل ﵀ وضع حدّ يميّز الحسن عن الصحيح، وفي ذات الوقت يجعله مما يُحتجّ به، فإن الاحتجاج يُدرج الحسن ضمن الصحيح، بحيث يكون الصحيح له مراتب أدناها يُسمّى بالحسن.
(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٢٦ - ٢٨.
(٥) لعل ذكره لثلاثة من التعاريف لمصطلح الحسن يوضحه ما ذكره بعد ذلك بقوله: "ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه! وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق. الذهبي، الموقظة، ٢٨ - ٢٩.
[ ١٥٤ ]
درجة الصحة." (١) ثم أتبعه بقوله: "وإن شئت قلت: "الحسن ما سلم من ضعف الرواة" (٢)، ثم عاد وقال: "إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح." (٣)، وقريب منه اختيار ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث اقتصر في كتابه التذكرة- بقوله: "والحسن: ما كان إسناده دون الأول (٤) في الحفظ والإتقان" (٥)، فهو يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح، ويؤكد هذا الاختيار، اختصاره لتعريف ابن الصلاح في كتابه المقنع، وتعقّبه له في القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي فقال: "في هذا نظر، لأن الأصح أن رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته مردودة، فكيف يجعل ما يرويه من قسم الحسن، ويُنزّل عليه كلام الترمذي، وليس في كلامه ما يدل عليه، لكون الاحتجاج لم يقع به وحده" (٦).
ويُعدّ من أبرز تعريفات الحسن، والتي جمعت بين قسميه:
تعريف ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) حيث قال -في كتابه المنهل-: "ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة
_________________
(١) الذهبي، المرجع السابق، ٢٦.
(٢) المرجع السابق، ٢٧. وأتبعه بقوله: "فهو حينئذ داخل في قسم الصحيح. وحينئذ يكون الصحيح مراتب كما قدمناه، والحسن ذا رتبة دون تلك المراتب، فجاء الحسن مثلا في آخر مراتب الصحيح."
(٣) المرجع السابق، ٢٨. وكانه يرجّحه إذ أتبعه بقوله " وسيظهر لك بأمثلة"، وسيأتي ذكرها ضمن أمثلة رواة الحسن.
(٤) أي: دون الصحيح.
(٥) هو بذلك يشير إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن، حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن حيث قال: " الصحيح ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه" ثم أردفه بتعريف الحسن، وأتبعه بقوله " ويعمّه والذي قبله -أي: الصحيح- اسم الخبر القوي". ينظر: ابن الملقن، التذكرة، ١٤.
(٦) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥. فابن الملقن يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح - وهو الذي أطلق عليه تلميذه ابن حجر مسمّى الحسن لذاته- ويدل لذلك اقتصاره على قسم واحد في اختياره في التذكرة، ويُضاف إلى ذلك ما ذكره من أمثلة في كتابه المقنع، حيث استدل بأمثلة من تحسين البخاري، وأوجد للمثال الثاني شواهد وقال: أنه يصبح صحيحا بذلك، وسيأتي ذكر هذه الأمثلة أثناء تحرير التعريفات. ينظر: المرجع السابق، ١/ ٨٦ - ٨٧.
[ ١٥٥ ]
الإتقان" (١)، ثم اختصره بقوله: " ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن" (٢)، وقريب منه -نوعًا ما- تعريف الطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في -كتابه الخلاصة- حيث قال: "مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة" (٣).
ثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وسمّى أحدهما بالحسن لذاته، والآخر الحسن لغيره، فبعد أن عرّف الحديث الصحيح لذاته بقوله: "خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند،
غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته" أردفه ببيان ما يفارق فيه الصحيح الحسن فقال: "فإن خف الضبط: فالحسن لذاته" (٤).
ويظهر كامل التعريف في جوابه لمن سأله حدّ الحديث الحسن، فقال: "إن كان المراد بالسؤال عن الحديث الذي يوصف بالحسن لذاته، فله حد على طريق التعريف الذي يقتنع
_________________
(١) ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٦.
(٢) ابن جماعة، المرجع السابق، ٣٦. وقد تعقّب ابن حجر تعريف ابن جماعة للحسن من أربعة أوجه: أولها: اشتراطه الاتصال في شقي الحسن كليهما، وأوضح أن ذلك إنما يكون شرطًا في الحسن لذاته، والذي هو من رواية الصدوق، والثاني: اقتصاره في الحسن لغيره على رواية المستور دون سواه من الضعفاء كسيِّئ الحفظ وغيره، والثالث: اشتراطه نفي العلة في قسمي الحسن، وأن ذلك لا يصلح بالنسبة للحسن لغيره على المعنى العام الشامل للعلة-سيأتي مزيد إيضاح لهذا التعقّب وتوجيهه والرد عليه في أثناء تحرير قيد نفي العلة في الحديث الحسن. الوجه الرابع: عدم انضباط قيد القصور في الراوي المشهور بضابط. يُنظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٣) الطيبي، الخلاصة، ٤٥. وقوله: "ورُوي كلاهما من غير وجه" يفيد اشتراطه قيد المتابعة أو الشاهد للحديث الحسن بشقّيه المذكورين في تعريفه- بل نجده لم يميّز بينهما فجمعهما في سياق واحد حيث قال: "شرائط الصحيح معتبرة في حدّ الحسن لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملًا، وليس ذلك بشرط في الحسن، ومن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به" كلمة (مشهود (بالدال من الشهادة، هكذا جاءت في تحقيقات طبعات كتاب الخلاصة للطيبي -سواء هذه الطبعة التي اعتمدتها؛ لقلة التصحيفات فيها مقارنة بينها وبين تحقيق الدكتور صبحي السامرائي- وأظنها تصحّفت من كلمة (مشهور) من الشهرة، كما جاء في تعريف ابن جماعة ومن سبقه ووصفهم الرواة بالشهرة، والله أعلم.
(٤) ابن حجر، النزهة، ٧٨. قال ابن حجر: "ومحصله أنه هو والصحيح سواء، إلا في تفاوت الضبط، فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل، وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة، وإن كان ليس عريًا عن الضبط في الجملة، ليخرج عن كونه مغفلًا، وعن كونه كثير الخطأ، وما عدا ذلك من الأوصاف المشترطة في الصحيح، كالصدق والاتصال، وعدم كونه شاذًا، ولا معلولًا، فلا بد من اشتراط ذلك كله في النوعين". السخاوي، الجواهر والدرر، ٢/ ٩١٣ - ٩١٤.
[ ١٥٦ ]
به الفقهاء والمحدثون، وهو: الحديث المتصل السند برواة معروفين بالصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون الحديث معلولًا، ولا شاذًا" (١).
وأما ما يخص تعريف الحسن لغيره فقد قال: "ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختلط (٢) الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع" (٣).
وبهذا يكون ابن حجر قد أطلق على كل قسم من أقسام الحسن - التي سبقه إلى بيان قسميها ابن الصلاح- تسمية خاصة، فأطلق على أحدهما الحسن لذاته حين لم يحتج إلى المعاضدة، وأطلق على الآخر حين احتاج إليها الحسن لغيره.
وقد ماثل تعريف الشُّمُني (٤) (ت ٨٧٢ هـ) للحديث الحسن تعريف ابن حجر إلا أنه زاد
_________________
(١) السخاوي، المرجع السابق، ٢/ ٩١٣. ويوهم تعريفه أنه يشترط خفة الضبط في الراوي في جميع طبقات السند، "والجواب: أن هذا ليس مرادًا للحافظ -﵀- وصنيعه أكبر شاهد على هذا، وإن كانت عبارته قد توهم ذلك، بل الحديث يكون حسنًا بمجرد وجود خفة الضبط ولو في طبقة واحدة. ولو أن الحافظ -﵀- قال بعد تعريف الحديث الصحيح "فإن خف الضبط في أحد رواته أو أكثر؛ فهو الحسن لذاته" لكان بعيدًا عن الإيهام والاعتراض، والله اعلم." السليماني، الجواهر، ٨٧.
(٢) المحتلطون على أقسام: منهم من خلط لاختلاطه وخرفه. ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والمراد بالاختلاط: فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال; إما بخرف أو ضرر أو مرض أو عرض من موت ابن وسرقة مال; كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن الملقن. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٩١، ابن حجر، النزهة، ١٢٩، السخاوي، فتح المغيث، ٣٣٦.
(٣) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠.
(٤) أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الشُمُنَّي القُسَنْطيني الأصل، الإسكندري. أبو العباس، تقي الدين. مفسر، محدّث، فقيه، أصولي متكلم، من مصنفاته: "شرح نظم نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، و"مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا" في السيرة. يُنظر: السخاوي، الضوء اللامع، ٢/ ١٧٤، الزركلي، الأعلام، ١/ ٢٣٠، كحالة، المؤلفين، ٢/ ١٤٩.
[ ١٥٧ ]
عليه في - حال راوي الحسن لذاته- بقوله: "وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكرًا" (١).
وقد جمع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بين قسمي الحسن فقال: "وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ «٢) إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة". (٣)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
سرد ابن الصلاح في نوع الحديث الحسن تعريف الخطابي، واتبعه بتعريف الترمذي، ثم ذكر تعريف ابن الجوزي دون أن ينسبه، إلا أن ما ذكره من التعريفات لم يشفِ غليله كما ذكر، فتعقّب ذلك بعد إمعانه النظر، وقسّم الحديث الحسن إلى قسمين، وذكر لكل قسم منه قيود، وأنزل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي.
وقد أطال﵀- في عبارات التعريف شرحًا وتفصيلًا، فتعقّبه من جاء بعده استدراكًا وجمعًا واختصارًا.
فأما القسم الأول والذي نزّل عليه تعريف الترمذي، فقد قال فيه:
_________________
(١) ذكره السيوطي فقال: "وقال شيخنا الإمام تقي الدين الشمني: الحسن خبر متصل قل ضبط راويه العدل، وارتفع عن حال من يعد تفرده منكرا، وليس بشاذ ولا معلل." السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣. وهذا الوصف الذي زاده الشمني إنما أخذه من تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، ومن كان هذا حاله في قبول تفرده، عُلم أن قصوره ونزوله عن تمام الضبط إنما هو بشيء يسير، وأن خفة ضبطه أو قلته لا تؤثر في قبول روايته إلا في حال معارضة أو مخالفة من هو أولى منه.
(٢) الكلمات بين المعقوفتين موجود في طبعة دون أخرى، طبعة: دار المنهاج، تحقيق: عبدالكريم الخضير، ومحمد آل فهيد، وقد ذكرا في حاشية التحقيق وجود الزيادة في مخطوطة دون أخرى.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٢٥.
[ ١٥٨ ]
" الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (١)
وبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها التعريف ما يلي:
- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الستر للراوي، فلا يكون كثير الغفلة ولا متهمًا بالكذب.
- وأن يروى هذا الحديث من غير وجه نحوه أو مثله، أو ما يُعرف بوجود الشاهد أو المتابع.
- مع السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).
- والسلامة من العلة.
وأما القسم الثاني والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، فقد قال فيه: "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا" (٢).
وبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها ما يلي:
- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والاتقان قصورًا لا يُنكر به تفرّد الراوي بالحديث إذا تفرّد به.
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.
(٢) المرجع السابق.
[ ١٥٩ ]
- ويضاف إلى ذلك من القيود: السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).
- والسلامة من العلة.
وقد اشترك كلا القسمين -الحسن لذاته ولغيره- في قيديّ السلامة من الشذوذ والنكارة، والسلامة من العلة، وانفرد كل منهما بوصف خاص براويه، فمن كان راويه مشهورًا بالصدق قاصرًا في حفظه وضبطه عن ضبط رواة الصحيح قصورًا يسيرًا، بحيث لا يُعدّ ما تفرّد به منكرًا، لم يحتج حديثه للمعاضدة، بينما من وصف بكونه مستورًا لم تتحق أهليته احتاج حديثه للمعاضدة.
فالقيود التي يُحتاج إلى إيضاحها وتحريرها وبيان حدودها-بعد جمع المتفق عليه في القسمين كليهما -هي كالآتي:
قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة. (١)
قيد الستر للراوي.
قيد المتابعة والمعاضدة.
قيد السلامة من الشذوذ والنكارة.
قيد السلامة من العلة.
_________________
(١) سبق في الفصل الأول تحرير قيد الشهرة بالطلب، وسأعيد جزءًا منه بشكل مختصر، لبيان المراد بشهرة الراوي في الحديث الحسن.
[ ١٦٠ ]
القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة (١):
سبق في قيد الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح بيان معنى الشهرة في اللغة، وأنها تأتي بمعنى الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٢)
وفي الاصطلاح فإن شهرة الراوي يراد بها: خروجه عن حد الجهالة، (٣) سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.
والشهرة درجات، وأعلى درجاتها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ (٤) شهرة تغنيه عن تزكية المعدّلين، فقد عقد الخطيب بابًا في كتابه الكفاية في أن المحدث المشهور
بالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فهؤلاء كما قال: "لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين". (٥)
_________________
(١) ملاحظة: سبق في الفصل الأول تحرير قيد الشهرة بالطلب، وبيان المراد به.
(٢) ينظر: الرازي، المختار، ١٧٠، ابن منظور، اللسان، ٤/ ٤٣٢. الفيروزآبادي، القاموس، ٤٢١. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٨.
(٣) وقد سبق في تحرير قيد الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح، بيان أن إطلاق وصف الشهرة على الراوي دون تقييد بالعدالة ونحوها إنما يُراد به دفع جهالة العين دون جهالة الحال.
(٤) ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالإمامة والحفظ:
(٥) أبو زرعة الرازي. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٨٣ (٣٥٦٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٧٣ (٤٣١٦).
(٦) القاسم بن سلاّم الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٢٨ (٤٥١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٥٠ (٥٤٦٢)
(٧) يحيى بن معين. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٦ (٦٢٥٠)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٧ (٧٦٥١).
(٨) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.
[ ١٦١ ]
ثم يأتي بعد ذلك الشهرة بطلب الحديث والعناية به وإتقانه (١)، والتي تدل على تمام ضبط الراوي لمروياته، وقد سبق معنا- في تحرير قيد الشهرة بالطلب- حث الخطيب البغدادي طلاب العلم أن يتخيّروا من الشيوخ من اشتهر بطلب الحديث والعناية به، والمشار إليه بالإتقان والمعرفة (٢). بل إن هذه الشهرة ذكرها ابن حجر من ضمن شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ، بحيث يكون مشهورًا بطلب الحديث والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. (٣)
ثم هناك شهرة أدنى مرتبة منهما وهي: الشهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، (٤) فهذه هي درجة الشهرة المطلوبة في راوي الحديث الحسن، قال الطيّبي -مبيّنًا مراد الخطابي بقوله -في الحسن-: (واشتهر رجاله) -: " وأما قول الخطابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه،
_________________
(١) هي شهرة زائدة عن مطلق الشهرة عمومًا، وكذلك عن مُطلق الشهرة بحمل العلم والعناية به دون تقيدها بالضبط والإتقان، وهو مذهب ابن عبدالبر، وفيه اتساع، وقد سبق بيان ذلك في مبحث شهرة الراوي بالطلب.
(٢) ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١/ ١٢٦.
(٣) ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٢٦٨. ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالحفظ والإتقان:
(٤) عامر بن شراحيل الشعبي ابن حجر، التقريب، ٢٨٧ (٣٠٩٢).
(٥) عباس بن الفضل الهروي المرجع السابق، ٢٩٤ (٣١٨٤).
(٦) عبيدالله بن مقسم المدني. المرجع السابق، ٣٧٤ (٤٣٤٤).
(٧) ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالصدق والأمانة:
(٨) عبدالملك بن حبيب الأندلسي ابن حجر، المرجع السابق، ٣٦٢ (٤١٧٤).
(٩) معروف بن مُشكان المكي المرجع السابق، ٥٤٠ (٦٧٩٥).
(١٠) يحيى بن أكثم التميمي. المرجع السابق، ٥٨٨ (٧٥٠٧).
(١١) عبدالله بن الحكم القطواني. الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٤٦ (٢٦٩٠).
[ ١٦٢ ]
وحيث كان مطلقا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح". (١)
وكذلك نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر في شرحه لقيد (واشتهر رجاله) أن مراد الخطابي بالشهرة في الحديث الحسن اشتهار رواته "بالصفات المتوسطة بين صفات الصحيح والضعيف، فلا يشترط أن يبلغوا الاتقان المشروط في رواة الصحيح، بل يكون إتقانهم دون ذلك، ولا ينزلون في خفة الضبط إلى القدر الموصل إلى الضعيف" (٢).
فهذه الدرجة من الشهرة، وهي الشهرة بصفات متوسطة بين الصحة والضعف هي المطلوبة في راوي الحديث الحسن (٣).
ثم تتدنى مراتب الشهرة إلى أن تصل لأدنى درجاتها وهي وصف الراوي بالشهرة مُطلقًا دون قيد، فيوصف بلفظ (مشهور) "وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح" (٤)، وهذه شهرة نسبيّة حيث عُرِفت عين الراوي، وجُهِلت عدالته، وهو ما يطلق عليه لفظ (مجهول الحال) أو (المستور)، فأدنى درجات الشهرة
_________________
(١) وذلك بعد قوله: "وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة." الطيبي، الخلاصة، ٤١.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١ - ٢٢٢. ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦.
(٣) سيأتي معنا في تحرير قيد الستر للراوي، وصف الرواة المتوسطون في الحفظ والإتقان بلفظ الستر، وهذا نوع تداخل بين الشهرة بالصدق وإطلاق اسم الستر على الراوي، يأتي بيانه وتوضيحه في الصفحات القادمة بإذن الله.
(٤) الجديع، التحرير، ١/ ٢٥٠. فهناك من الرواة من يُشتهر بالكذب والوضع، ومنهم: أحمد بن محمد بن حرب أبو الحسن الملحمي. قال ابن عدي: "هذا هو مشهور بالكذب ووضع الحديث". ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ١/ ٣٣٢ (٤٦). وعمر بن محمد، أبو حفص التَّلعُكبري الخطيب، "مشهور بوضع الحديث". الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٣/ ٩٧ (٥٩٤٤).
[ ١٦٣ ]
تتداخل مع درجة الستر للراوي، وتحتاج إلى مزيد من الإيضاح يأتي معنا في تحرير قيد الستر للراوي.
وبالنظر في تعريف أحد قسمي الحديث الحسن عند ابن الصلاح - والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، وأطلق عليه ابن حجر الحسن لذاته- نجده وصف الرواة بكونهم من المشهورين بالصدق، وبالبحث عن أمثلة لأحاديث حسنها الخطابي في كتابه معالم السنن -الذي ذكر فيه هذا التعريف- وجدته أطلق وصف الحسن على حديثين، أما الحديث الأول: وهو قول النبي - ﷺ -: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ،
وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، » (١) ورواته سلسلة من الحفاظ المتقنين وهم ذاتهم من أخرج الإمام مسلم هذا الحديث من طريقهم، وتحسين الخطابي له دلالة على أنه أطلق وصف الحسن على حديث الحفاظ المتقنين الذين هم شرط الصحيح، وهم أعلى وأتمّ ضبطًا من الرواة المشهورين بالصدق.
والحديث الثاني الذي حسنه الخطابي وهو حديث: «لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، » (٢) وهو
_________________
(١) قال أبو داود في سننه: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن قتادة، سمع أبا أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وقت الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس»، كتاب الصلاة، باب في المواقيت (١/ ١٠٩) ح (٣٩٦). وأخرجه مسلم -بنفس الإسناد مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث- في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس. ١/ ٤٢٧ ح (٦١٢)
(٢) قال أبو داود في سننه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، ح وحدثنا ابن الصباح، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، قالا: حدثنا مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك»، زاد ابن الصباح، «ولا وفاء نذر إلا فيما تملك»، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح ٢/ ٢٥٨ ح (٢١٩٠)، والترمذي في سننه كتاب الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح ٣/ ٤٧٢ ح (١١٨١) وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وابن ماجة في سننه كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح ١/ ٦٦٠ ح (٢٠٤٧).
[ ١٦٤ ]
من رواية عمرو بن شعيب (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣)، وقد وصفت روايته بأنها من أعلى مراتب الحسن (٤)، بل عدّ الحاكم روايته ومن مثله ضمن القسم الخامس من أقسام الصحيح المتفق عليه (٥).
_________________
(١) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم ويقال أبو عبدالله. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن عمرو بن شعيب فقال ليس بقوي يكتب حديثه، وقال سئل أبو زرعة عن عمرو بن شعيب فقال: مكي كأنه ثقة في نفسه إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده". قال ابن عدي: " وعمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلا أنه إذا روى عن أبيه، عن جده على ما نسبه أحمد بن حنبل يكون ما يرويه، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - مرسلا لأن جده عنده هو محمد بن عبدالله بن عمرو محمد ليس له صحبة، وقد روى عن عمرو بن شعيب أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا أن أحاديثه، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - اجتنبه الناس مع احتمالهم إياه ولم يدخلوه في صحاح ما خرجوه وقالوا هي صحيفة." قال الذهبي مُعقّبًا على ذلك في الميزان: "هذا لا شيء، لأن شعيبا ثبت سماعه من عبدالله، وهو الذي رباه حتى قيل إن محمدا مات في حياة أبيه عبدالله، فكفل شعيبا جده عبدالله"، وقال أيضًا: "ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن"، وقال ابن حجر في طبقات المدلسين: " تابعي صغير مشهور مختلف فيه، والأكثر على أنه صدوق في نفسه وحديثه عن غير أبيه عن جده قوي"، وقد ذكره في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين، وهم من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى .. أو كان لا يدلس إلا عن ثقة. مات سنة ١١٨ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٦/ ٢٣٨ (١٣٢٣)، ابن عدي، الضعفاء، ٦/ ٢٠١ (١٢٨١)، الذهبي، ميزان الاعتدال ٣/ ٢٦٦ (٦٣٨٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٧٨ (٤١٧٣)، ابن حجر، المدلسين، ٣٥، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٤٩).
(٢) شعيب بن محمد. قال الذهبي: صدوق. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٤/ ٣٥١ (١٥٣٩)، ابن حبان، الثقات، ٤/ ٣٥٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٨ (٢٢٩٤)، ابن حجر، التهذيب، ٤/ ٣٥٦ (٥٩٧). ابن حجر، التقريب، ٢٦٧ (٢٧٩٤).
(٣) عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم من أبناء كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد عند الأكثر. ويقال: أبو عبدالرحمن، صحابي جليل، أسلم قبل أبيه، كان حافظًا عالمًا عابدًا، ومن المكثرين من رواية الحديث، مات سنة ٦٥، وقيل: ٦٨، وقيل: ٦٩ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤٢١ (١٤٤٠)، ابن الأثير، أسد الغابة ٣/ ٣٤٥ (٣٠٩٢)، ابن حجر، الإصابة، ٦/ ٣٠٨ (٤٨٦٩).
(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٣٢.
(٥) ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٤٠.
[ ١٦٥ ]
وفي هذا الإسناد -الذي حسنه الخطابي- الراوي: مَطَر الوراق (١)، وهو راوٍ مختلف فيه قال عنه الذهبي: " مَطَر من رجال مسلم، حسن الحديث" (٢) بالإضافة إلى أنه توبع في هذا الحديث بمن هو مثله أو أقوى منه، فيكون رواة الحديث الذي حسّنه
الخطابي متفاوتين من حيث القوة في مراتب رواة الحسن بين أعلاها - والذي يجعلها بعضهم ضمن الصحيح- وأدنى منها مما يحتاج للمعاضدة والمتابعة؛ ليَحسُن حديثه. (٣)
ونجد كذلك ابن الملقن يستدل في نوع الحسن بمثالين من تحسين البخاري، فقال:
"قلت: قد حسّن البخاري حديث أسامة بن زيد (٤) عن نافع (٥) عن ابن عمر (٦) عن النبي - ﷺ - أنه قال في السواك: «ناوله أكبر القوم» (٧) قال الترمذي: "سألت محمدا عن هذا
_________________
(١) مطر بن طهمان الوراق الخراساني، أبو رجاء السلمي مولاهم، ضعفوه في روايته عن عطاء، قال ابن حجر: "صدوق كثير الخطأ" روى له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات، مات سنة: ١٢٥ هـ، وقيل: ١٢٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٦٨ (٥٤٧١)، ابن حجر، التهذيب، ١٠/ ١٦٧ (٣١٦)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٤ (٦٦٩٩).
(٢) الذهبي، الميزان، ٤/ ١٢٦ (٨٥٨٧).
(٣) "الذي أميل إليه أن تعريف الخطابي للحسن لا يُحمل على الحسن لذاته فقط بل هو أعم من ذلك نظرًا لربطه ذلك بما في كتاب أبي داود، والتحقيق الذي قام به غير واحد من كبار العلماء المحققين يؤكد أن في أحاديث سنن أبي داود الضعيف المعتضد بغيره، وظاهر كلام الخطابي أن الحديث غير شديد الضعف سكت عنه أبو داود فوصف الحسن داخل فيه". الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٦١ - ١٦٦٢.
(٤) أسامة بن زيد الليثي مات سنة ١٥٣ هـ. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٧٨ (٢١٢)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٣٢ (٢٦٣)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٢٠٩، ابن حجر، التقريب، ٩٨ (٣١٧).
(٥) نافع أبو عبدالله المدني، الفقيه، مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب، قال عنه الذهبي: من أئمة التابعين وأعلامهم، وقال ابن حجر: ثقة ثبت فقيه مشهور، مات سنة ١١٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣١٥ (٥٧٩١)، ابن حجر، التقريب، ٥٥٩ (٧٠٨٦)
(٦) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبدالرحمن المكي المدني، صحابي جليل، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحُلُم، من المكثرين من رواية الحديث، مات سنة: ٧٣ أو ٧٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤١٩ (١٤٣٥)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٣/ ٣٣٦ (٣٠٨٢)، ابن حجر، الإصابة، ٦/ ٢٩٠ (٤٨٥٦).
(٧) علّقه البخاري في صحيحه كتاب الوضوء، باب دفع السواك إلى الأكبر، ثم عقّب بقوله: "اختصره نعيم، عن ابن المبارك، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر ١/ ٥٨ (٢٤٦)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب دفع السواك إلى الأكبر ١/ ٦٥ ح (١٧٢) وقال: استشهد البخاري بهذه الرواية. قال ابن حجر: "قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية، قلت: وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن عفان وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه." ابن حجر، الفتح، ١/ ٣٥٦، وقد وصله ابن حجر في تغليق التعليق، ينظر: ابن حجر، تغليق التعليق، ٢/ ١٥٠.
[ ١٦٦ ]
الحديث؟ فقال: "حديث حسن" انتهى. وأسامة مختلف فيه، وهو من رجال مسلم. وحسّن أيضا حديث موسى بن عقبة عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رفعه:
«إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء» (١) الحديث، قال الترمذي: "سألت محمدا عنه؟ فقال: حديث حسن، وموسى سمع من صالح قديما" (٢) انتهى.
ثم عقّب ابن الملقن بقوله: "وله شاهد نحوه من حديث المسيء صلاته، فلهذا صار حسنا، بل ينبغي أن يكون صحيحا." (٣)
ويدل استدلال ابن الملقن بهذين المثالين، وإتباعه أحدهما بالشواهد التي بمجموعها-عنده- ارتقى الحديث للصحة، ثم اقتصاره في كتابه التذكرة على ذكر قسم واحد للحسن- وهو الذي أطلق عليه تلميذه مسمّى الحسن لذاته، - أن ابن الملقن يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح في القوة والمرتبة.
ومن الأمثلة أيضًا على الرواة الذين وصفت أحاديثهم بالحسن ما يلي:
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه كتاب الطهارة، باب في تخليل الأصابع، ١/ ٩٥ ح (٣٩) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب تخليل الأصابع، ١/ ١٥٣ ح (٤٤٧).
(٢) الترمذي، العلل الكبير، ٣٤ (٢١).
(٣) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥ - ٨٧.
[ ١٦٧ ]
- محمد بن عمرو بن علقمة (١)، قال عنه ابن الصلاح: "من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن" (٢)
ومنهم من جعل رواة الحديث الحسن على مراتب وهو الذهبي حيث قال: "أعلى مراتب الحسن:
- بَهز بن حكيم (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥).
- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
_________________
(١) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبدالله، وقيل: أبو الحسن المدني، أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، قال ابن معين: ثقة. وسُئِل مرة عنه فقال: مازال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علّة ذلك؟ قال: كان يُحدِّث مرّة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يُحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يُكتب حديثه، وهو شيخ. وقال يحيى القطان: محمد بن عمرو رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث. قال ابن عدي: له حديث صالح. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. قال ابن حجر: صدوق له أوهام. توفي سنة: ١٤٤ هـ، وقيل: ١٤٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨/ ٣٠ (١٣٨)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٣٧٧، ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ٧/ ٤٥٥ (١٦٩٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٠٧ (٥٠٨٧)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٣٧٥ (٦١٧)، ابن حجر، التقريب، ٤٩٩ (٦١٨٨).
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥.
(٣) بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، أبو عبدالملك، وثقه ابن معين وعلي بن المديني، واحتج به أحمد وإسحاق بن إبراهيم، وحسّن حديثه الترمذي-في سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، ٤/ ٣٠٩ ح ١٨٩٧ - وقال: " وهذا حديث حسن وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة"، وقال ابن حبان: "كان يخطئ كثيرا" قال ابن عدي: " "ولم أر له حديثا منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه". وروى له البخاري في الصحيح تعليقًا. قال الدارقطني: "أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وعن بَهز بن حكيم اعتبارا؛ لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهز متوسط." مات قبل ١٥٠ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٤٣٠ (١٧١٤)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٩٤، ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ٢/ ٢٥٤ (٢٩٩)، السلمي، سؤالات السلمي للدارقطني، ١٣٥ (٨٠)، الذهبي، السِّير، ٦/ ٢٥٣ (١١٦)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٧٦ (٦٥١)، ابن حجر، التقريب، ١٢٨ (٧٧٢).
(٤) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، والد بهز بن حكيم. قال النسائي: ليس به بأس، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٨ (١٢٠٦)، ابن حجر، التهذيب، ٢/ ٤٥١ (٧٨٥)، ابن حجر، التقريب، ١٧٧ ح (١٤٧٨).
(٥) معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، صحابي جليل، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية من أهل البصرة، غزا خراسان ومات بها. ينظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ٤/ ٤٣٢ (٤٩٧٥)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٧٥ (٥٥٢٠)، ابن حجر، الإصابة، ١٠/ ٢٢٥ (٨١٠٢).
[ ١٦٨ ]
- ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة (١)، عن أبي هريرة (٢).
- وابن إسحاق (٣)، عن محمد بن إبراهيم التيمي (٤). وأمثال ذلك.
وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن. فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح." (٥)
_________________
(١) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف. توفي سنة: ٩٤ هـ، وقيل: ١٠٤ هـ، وعمره: ٧٢ سنة. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٥/ ١، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤٣١ (٦٦٦١)، ابن حجر، التهذيب، ١٢/ ١١٥ (٥٣٧)، ابن حجر، التقريب، ٦٤٥ (٨١٤٢).
(٢) أبو هريرة - ﵁ - عبدالرحمن بن صخر الدوسي اليماني صاحب رسول الله - ﷺ - وحافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. أسلم في السنة السابعة من الهجرة. روى عن النبي - ﷺ - الكثير الطيب، قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال ابن حجر: الصحابي الجليل حافظ الصحابة. توفي سنة: ٥٧ هـ، وقيل: ٥٨ هـ، وقيل: ٥٩ هـ وله: ٧٨ سنة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٨٦٢ (٣١٨٢)، ابن الأثير، أسد الغابة، ٣/ ٤٥٧ (٣٣٣٤)، ٦/ ٣١٣ (٦٣٢٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ١٦٣ (٥١٣٢)، ٧/ ١٩٩ - ٢٠٧ (١١٧٩)، ابن حجر، التهذيب، ١٢/ ٢٦٢ (١٢١٦)، ابن حجر، التقريب، ٦٨٠ (٨٤٢٦).
(٣) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر ويقال أبو عبد الله المطَّلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، قال الذهبي: "كان صدوقا من بحور العلم وله غرائب في سعة ما روى تستنكر واختلف في الاحتجاج به وحديثه حسن وقد صححه جماعة". قال ابن حجر: "صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر"، وذكره ضمن الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين، وهم: "من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل". مات سنة ١٥٠ هـ ويقال بعدها. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٧/ ٣٨٠، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٦ (٤٧١٨)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٣٨، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧٢٥)، ابن حجر، طبقات المدلسين، ٥١.
(٤) محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أبو عبدالله المدني كان جده الحارث من المهاجرين الأولين، أخرج له البخاري ومسلم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وزاد ابن سعد: كثير الحديث. قال أحمد بن حنبل: "في حديثه شيء يروي أحاديث مناكير أو منكرة". قال ابن عدي: " هو عندي لا بأس به، ولاَ أعلم له شيئا منكرا إذا حدث عنه ثقة" توفي سنة ١١٩ هـ، وقيل: ١٢٠ هـ، وقيل: ١٢١ هـ. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ٣٠٣ (١٦٣٣)، الذهبي، السير، ٥/ ٢٩٥ (١٤٠)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٣ (٤٦٩٥)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٥، ابن حجر، التقريب، ٤٦٥ (٥٦٩١).
(٥) الذهبي، الموقظة، ٣٢ - ٣٣. وبعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، أتبعهم بقوله: "ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، وخصيف، ودراج أبي السمح، وخلق سواهم". الذهبي، المرجع السابق، ٣٣. وسيأتي بيان ذلك في قيد الستر للراوي.
[ ١٦٩ ]
ويشهد لذلك حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي - الذي ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (١) - وذكر تخريج أصحاب السنن له وتصحيح الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقول الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقول البيهقي: إسناده حسن
صحيح، ثم قال: "هذه الزيادة تفرد بها ابن إسحاق، لكن ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه". (٢)
بل إن الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل قد صرّح بذكر بعض من هؤلاء الرواة ضمن رواة الصحيح، أو من مراتب رواة الصحيح، حيث قال:
"القسم الخامس: من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني (٣) عن أبيه (٤) عن جده (٥)، وجد بهز بن حكيم معاوية بن حيدة القشيري، وجد عمرو بن
_________________
(١) حيث قال: "وهو ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبدالله بن زيد عنه بلفظ "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" ، وقال الدارقطني إسناده حسن متصل وقال البيهقي إسناده حسن صحيح". ابن حجر، فتح الباري، ١١/ ١٦٣.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق ١١/ ١٦٣.
(٣) إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو واثلة البصري، القاضي المشهور بالذكاء، ولجدّه صحبة، وقال الذهبي: علّامة، وقال في السير: " وكان يضرب به المثل في الذكاء، والدهاء، والسؤدد، والعقل. قلَّما رُوِي عنه. وقد وثقه: ابن معين. له شيء في مقدمة صحيح مسلم".وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١٢٢ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٢٨٢ (١٠١٨)، ابن حبان، الثقات، ٦/ ٦٤، الذهبي، السير، ٥/ ١٥٥ (٥٦)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٥٩ (٥٠٢)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٣٩٠ (٧٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١١٧ (٥٩٠).
(٤) معاوية بن قُرَّة. مات سنة ١١٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨/ ٣٧٨ (١٧٣٤)، ابن حبان، الثقات، ٥/ ٤١٢، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٧٧ (٥٥٣٣)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٨ (٦٧٥٩).
(٥) قُرَّة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو معاوية البصري، ويُقال له: قرة بن الأغر، صحابي جليل، وهو جد إياس بن معاوية بن قرة المزنى القاضى. مات سنة ٦٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٦١٧ (٢١٣٨)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٤/ ٣٨١ (٤٢٩٢)، ابن حجر، الإصابة، ٩/ ٥٣ (٧١٣٤).
[ ١٧٠ ]
شعيب عبدالله بن عمرو بن العاص السهمي، وجد إياس ابن معاوية قرة بن عبدالله (١) المزني.
ثم قال: جماعتهم صحابيون وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء." (٢)
وقد نبّه ابن الصلاح إلى صنيع الحاكم ومن وافقه فقال: "من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح، لاندراجه في أنواع ما يحتج به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته، " (٣) إلى أن قال: " ثم إن من سمّى الحسن صحيحا لا ينكر أنه دون الصحيح المقدم المبين أولا، فهذا إذًا اختلاف في العبارة دون المعنى، والله أعلم." (٤)
وصنيع الحاكم في ذكر هؤلاء الرواة ضمن مراتب الصحيح منسجم مع تصنيفه لكتابه
"معرفة علوم الحديث" حين لم يذكر الحديث الحسن ضمن الأنواع الحديثية، على الرغم من كون الخطابي أحد شيوخه إلا أنه لم يقلده بذكر نوع الحديث الحسن ضمن أقسام الحديث، ولعله وجد أن تقسيم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام وبيان المتفق منها
_________________
(١) هكذا في المطبوع (قرة بن عبدالله).
(٢) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٤٠. ثم أتبعه بقوله: "فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها، وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث لما بيناه في كل قسم منها." وقد تعقّب ابن حجر الحاكم فقال: "وأما قوله: إنه ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه عن جده مع تفرد الابن بذلك عن أبيه، فمنتقض برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده، وبرواية عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي وغير ذلك. وفي ذلك ما تفرد به بعضهم وهو في الصحيحين أو أحدهما." ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٠.
(٤) ابن الصلاح، المرجع السابق، ٤٠.
[ ١٧١ ]
والمختلف فيها يتضمن أنواع الروايات المقبولة، ودرجتها من القَبول، وإن كانت أحكامه في المستدرك لا تخلو من وصف الحديث بالحسن أحيانًا. (١)
نخلص مما سبق:
أن الشهرة درجات أعلاها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ، وهذه الشهرة من أعلى درجات موثوقية الرواة، ولا يُحتاج معها إلى تزكية المعدلين، ثم تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، وإتقانه، وهي إحدى شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ عند ابن حجر، ثم تليها شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، وهي درجة متوسطة في الإتقان والضبط بين رواة الصحيح ورواة الضعيف، وهي الشهرة الموصوف بها رواة الحديث الحسن لذاته، ثم تتدنى درجات الشهرة إلى أن تصل إلى وصف الراوي بالشهرة مطلقًا دون تقييد الشهرة بوصف، فيُرفع بها عن الراوي جهالة عينه، لكنها لا تفيد تعديله.
ويظهر من أمثلة الرواة والأحاديث التي وردت خلال هذا المبحث، أن رواة هذا القسم من الحسن، والذين وصفهم ابن الصلاح بالشهرة بالصدق والأمانة، وبقصورهم عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان، تتفاوت أحاديثهم في القوة بين الصحة والحُسن، إلا أنها في الأغلب تقصر عن الصحيح المتفق عليه، وذلك لقصور ضبط الرواة، أو لخفة ضبطهم كما وصفهم ابن حجر.
_________________
(١) ذكر الدكتور خالد الدريس بعض الأمثلة في كتابه "الحديث الحسن لذاته ولغيره"، وذكر توجيهه لتحسين الحاكم لهذه الأحاديث منها: حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق تَلِيد بن سليمان، وقد حسنه الحاكم، وعلل سببن التحسين ندرة وقلة رواية الإمام أحمد عن تَلِيد، ومنها حديث "اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني " وقد حسّن الحاكم سنده، وفي السند عيسى بن ميمون، وعلل سبب التحسين: أن الحاكم احتمل ضعف هذا الراوي، فحسّن السند لذلك. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٧٨٩ - ١٨٠٠.
[ ١٧٢ ]
القيد الثاني: قيد الستر للراوي:
المستور:
لغة: اسم مفعول من (ستر)، أي أخفى وغطّى.
ورجل (مستور) و(ستير) أي: عفيف. (١)
وقيل: " (المستور) العفيف، ومن لا يُدرَى حاله" (٢).
وفي الاصطلاح (٣):
المستور عند ابن الصلاح: هو "الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر" (٤)
وعند ابن حجر المستور هو مجهول الحال، وهو: "من روى عنه اثنان فصاعدًا، ولم يُوثق" (٥)، وهذا التعريف موافق لتعريف المستور عند ابن القطان، إلا أن المستور عنده
_________________
(١) يُنظر: مادة (س ت ر) الرازي، المختار، ١٤٢. ابن منظور، اللسان، ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) المعجم الوسيط، ١/ ٤١٦.
(٣) تتبّع الدكتور عبدالجواد حمام - في رسالته (جهالة الرواة - استعمال أئمة الحديث ونقادهم لوصف (مستور)، تتبّعًا تاريخيًا، وتوصّل إلى ما يلي: - مصطلح (مستور) مستعمل عند متقدّمي المحدثين والنقاد؛ كالإمام أحمد، ومسلم، والبزار، وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وغيرهم، كما أكثر منه الحفاظ المتأخرون خاصة في كتب التراجم. - جُلّ المواضع التي اُستعمل فيها هذا الوصف -عند المتقدمين- جاء في سياق التعديل والمدح، لكنه في الغالب وصف لمن لم يشتهر بالحديث والرواية، بأن كان متوسطًا في الضبط أو كان مُقلًّا. - مما يؤكد إرادة كثير منهم بوصف المستور أنه التعديل، إردافهم إياه بوصف صريح في التوثيق أو العدالة كقولهم: (مستور ثقة)، (مستور صالح). - لم يجد الباحث فيما استقرأه ربطهم وصف الراوي بالستر بتعدد الرواة عنه. - وجد الباحث في حالات قليلة وصف (مستور) على من لم يُعلم حاله، ولم تُعرف عدالته كما في استعمال البزار، أو من كان خفي الحال كما في بعض استعمالات أبي حاتم. ينظر: حمام، جهالة الرواة، ١/ ١٢٦ - ١٢٧ بتصرف.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١. والعدالة الظاهرة: ما يُعلم من ظاهر حاله، أو هي العلم بعدم الفسق، وأما الباطنة: فهي التي يُرجع فيها إلى أقوال المزكِّين، أوهي العلم بما في نفس الأمر. "وليست العدالة الباطنة هي العدالة التي لا يعلمها إلا الله تعالى! إنما المراد بها حال الرجل الخاصة في بيته ومعاملته وسفره، وأما الظاهرة: فهي حاله الظاهرة، بأن تُرى عليه علائم التديُّن والاستقامة، دون أن يُعرف شيء عن حاله الخاصة." المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٨، القاري، شرح نخبة الفكر، ٥١٨، عوامة، دراسات الكاشف، ١/ ٩١.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١٢٦.
[ ١٧٣ ]
غير مجهول الحال، فمجهول الحال عند ابن القطان من لم يروِ عنه غير راوٍ واحد، وهو ما يسميه ابن حجر مجهول العين. (١)
قال الزركشي: " المستور وهو غير المشتهر" (٢)، وقد أشار الذهبي إلى أن من صفات المستور عدم اشتهاره بين نقاد الحديث بالعناية بعلم الحديث. (٣)
وما سبق من تعريفات المستور تدور حول جهالة حاله أو جهالة عدالته الباطنة، إلا أن ابن الوزير (٤) حين عرّف المستور قال:
" المستور في عرف المحدثين من قصر عن المتواترة عدالتهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر، أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم" (٥)، ونجده قد
_________________
(١) يُنظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٠. ابن حجر، المرجع السابق، ١٢٥.
(٢) الزركشي، النكت، ١/ ٣١٤.
(٣) نقل السخاوي ذلك عنه في معرض الحديث عن العدل عند ابن عبدالبر، وتصويب الذهبي لمذهبه في تعديل من عُرف بالعناية بحمل العلم، حيث قال السخاوي: "وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح." السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ١٦.
(٤) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني الصنعاني، أبو عبد الله، عز الدين. مجتهد، متكلم، باحث، ناظم. له كتب نفيسة، منها: (تنقيح الأنظار في علوم الآثار) و(الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)، وغيرها. مات سنة ٨٤٠ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٥/ ٣٠٠. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٣٥ (١١٥٠٣).
(٥) ذكر ذلك بعد قوله: "فأما المستور فهو المظنون العدالة، ولو لم يكن كذلك، لم يتميز من المجهول لكنه غير مخبور بخبر يوجب سكون النفس الذي يسميه كثير من المحدثين علمًا". ابن الوزير، تنقيح الأنظار، ٧٣.
[ ١٧٤ ]
نسب هذا التعريف لعرف المحدثين (١)، ولعله استقى ذلك من وصف الإمام مسلم لطبقة من الرواة وصفهم بالستر- وذلك في مقدمة صحيحه- فقال:
"فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس (٢)، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب (٣)، ويزيد بن أبي زياد (٤)، وليث بن أبي سُليم (٥)، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من
العلم، والستر عند أهل العلم معروفين،
_________________
(١) اعترض الصنعاني على هذا التعريف واستشكله، فقال: "فعلى كلامه لا بد أن تكون عدالته أمرًا بين الأمرين، وهذا غير كلام ابن الصلاح ومن تبعه ومن تقدمه في تفسير المستور، وتقدم أن الحافظ ابن حجر قال: "إن المستور من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق". فلا أدري من أين جاء هذا التفسير الذي أتى به المصنف للمستور، وزعم أنه اصطلاح المحدثين؟ ! ثم هذه الرتبة التي ذكرها رتبة مجهولة. فهذا كلامه في عدالة المستور - أي من حيث العدالة، - وأما من حيث حفظه، فقال "أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم" يريد: أن المستور إما مستور العدالة: فهو الذي فسره قريبًا، أو مستور الحفظ: وهو الذي لا يبلغ رتبة الإتقان والضبط، وهو الذي خف ضبطه المذكور في تعريف الحسن لذاته. قلت: ولا خفاء أن هذا خلط لشرائط الحسن لذاته والحسن لغيره" الصنعاني، توضيح الأفكار، ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٢) يعني بهم أهل الحفظ والإتقان، وقد سبق ذكر وصفهم في فصل الحديث الصحيح ضمن تعريف الإمام مسلم له.
(٣) عطاء بن السائب مات سنة ١٣٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٢ (٣٧٩٨)، ابن حجر، اللسان، ٩/ ٣٧١ (١٨٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٣٩١ (٤٥٩٢).
(٤) يزيد بن أبى زياد القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات، قال الذهبي في السيّر: "كان من أوعية العلم، وليس هو بالمتقن؛ فلذا لم يحتج به الشيخان" وقال: "شيعيٌّ عالم فَهِمٌ صدوق ردئ الحفظ لم يترك" قال ابن حجر: "ضعيف كبر فتغير وصار يتلقّن وكان شيعيا." مات سنة ١٣٦، وقيل: ١٣٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٦/ ١٢٩، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٨٢ (٦٣٠٥)، ابن حجر، التقريب، ٦٠١ (٧٧١٧).
(٥) الليث بن أبي سُليم ابن زُنيم الأموي، مولاهم، اسم أبيه أيمن وقيل: أنس وقيل: غير ذلك، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات. قال الذهبي في السيّر: "محدث الكوفة، وأحد علمائها الأعيان، على لين في حديثه؛ لنقص حفظه"، وقال: "فيه ضعف يسير من سوء حفظه وبعضهم احتج به". قال ابن حجر: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فتُرك". اُختلف في سنة وفاته فقيل: ١٣٨، وقيل: ١٤٢، وقيل: ١٤٣، وقيل: ١٤٨ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٦/ ١٧٩، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥١ (٤٦٨٦)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٤ (٥٦٨٥).
[ ١٧٥ ]
فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة." (١)
فمسلم -﵀- جمع في وصفه للقسم الثاني من الرواة بين الستر والصدق وتعاطي العلم، ونبّه إلى كونهم أدنى منزلة من المرتبة الأولى، وهم أهل الحفظ والإتقان، وهو بذلك قد جمع بين وصف الستر والشهرة (٢) حين قال: "تعاطي العلم يشملهم" وقال: "وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين"، وتبعه ابن الصلاح حين شرح كتابه فوصف هؤلاء الرواة بالستر والتوسط في الحفظ والإتقان، فقال:
" ذكر مسلم ﵀ أولًا: أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام:
الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون.
والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون" (٣)
وقد يُستشكل صنيع ابن الصلاح ومتابعته للإمام مسلم في وصفه لطبقة الرواة الثانية وجمعه بين الستر والتوسط في الحفظ والإتقان، رغم أن اصطلاحه في المستور هو:
_________________
(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥ - ٦.
(٢) في هذا إشارة إلى تداخل بين مصطلحي الستر والشهرة، وسيأتي تحريره بإذن الله في هذا المبحث.
(٣) شرح ذلك بقوله " فإذا فرغ من القسم الأول اتبعه بذكر القسم الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ وصاحبه أبو بكر البيهقي: أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى من المغاربة: أن ذلك مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم وتابعوه عليه، وأن الأمر ليس على ذلك، فإنه ذكر في كتابه هذا أحاديث الطبقة الأولى وجعلها أصولا، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والاستشهاد، وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة، وكذلك ما أشار إليه مسلم من أنه يذكر علل الأحاديث قد وفى به في هذا الكتاب في ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والاختلاف." ثم علّق على ما نقله بقوله: " قلت: كلام مسلم محتمل لما قاله عياض، ولما قاله غيره. نعم روي بالصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرج مسلم ثلاثة كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالف لما قاله الحاكم، والله أعلم." ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ٩٠ - ٩١.
[ ١٧٦ ]
"الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر" (١)، ولعل في صنيعه إشارة إلى تعدد معاني الستر والوصف بالمستور بين اللغة والاصطلاح، والإطلاق والتقييد.
والمتأمل لحال الرواة الذين وصفهم مسلم بالستر يجدهم ليسوا ممن جُهلت عدالتهم وضبطهم؛ بل توافرت أقوال نقّاد الحديث في بيان حالهم من الجرح والتعديل، وعدّهم مسلم في المرتبة الثانية بعد رواة الصحيح من الحفاظ المتقنين، ووصفهم ابن الصلاح بالتوسّط في الحفظ والإتقان.
ونجد ابن الصلاح كذلك حين عرّف أحد أقسام الحسن قال: "الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق " (٢).
فقد وصف المستور بأنه لا يكون مغفلًا ولا كثير الخطأ، ولم يظهر منه تعمّد الكذب، ولا سبب آخر مفسّق، فالمستور بهذا الوصف قد ظهر جانب من عدالته وكذلك ضبطه، فهذا أحد معاني الستر المقيّدة بنفي بعض الأوصاف المُؤثرة في ضبط الرواة.
وقد يُقصد بوصف الستر كذلك: "الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات" (٣)، وقد جاء ذلك في بعض كتب التراجم، وهذا من استعمالهم الكلمة
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١.
(٢) المرجع السابق، ٣١. وقد لخّص ذلك السخاوي بقوله: "أن يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته [ولكنه بالنظر إلى ما ظهر]، غير مغفل، ولا كثير الخطأ في روايته، ولا يتهم بتعمد الكذب فيها، ولا ينسب إلى مفسق آخر، واعتضد بمتابع أو شاهد" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩١ ط مكتبة السنة، وما بين المعقوفتين من ط دار المنهاج ١/ ١٢٣، بينما اكتفت الطبعة الأولى بذكرها في الهامش.
(٣) ينظر: عوامة، دراسات الكاشف، ١/ ٧٥ بتصرف. وقد استدل المؤلف على ذلك بعشرة نصوص تؤيد ما توصّل له فقال: "ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الأندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية (بغدادية) ". ١/ ٧٥ - ٧٩.
[ ١٧٧ ]
استعمالًا لغويًا، أي بمعنى: "لم يظهر منه ما يُعاب عليه، ولم يريدوا المعنى الاصطلاحي الذي وُصف بنوع من أنواع الجهالة وفي تاريخ بغداد أمثلة كثيرة جدًا يوصف فيها الثقة بالمستور (١).
فكل ذلك استعمال للكلمة استعمالًا لُغويًا لا اصطلاحيًا، ومن ذلك أيضًا: قول مسلم في مقدمة صحيحه أن عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من الموصوفين بعدم الحفظ: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم" (٢)
وبالنظر إلى ما سبق من معاني تعددت للموصوفين بالستر نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال - وهو الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته (٣) - وهذا في حال إرادة المعنى الاصطلاحي من الستر، وإذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم.
وإطلاق لفظ الستر على الراوي - دون تقييد بأوصاف أخرى- يتداخل إلى حد كبير مع ما ذكرنا سابقًا من وصف الشهرة مُطلقًا - دون تقيد بالعدالة أو الطلب أو الصدق- فمطلق الستر، ومطلق الشهرة أفادا رفع جهالة العين عن الراوي ولم يفيدا تعديله؛ إلا أن أحدهما
_________________
(١) من أمثلة ذلك في تاريخ بغداد ما جاء في: ترجمة محمد بن أحمد بن روح الحريري، قيل فيه: "مستور ثقة"، وفي ترجمة: حامد بن سعدان بن يزيد الفارسي "مستور صالح ثقة" ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ١٦٢ (١٢١)، ٩/ ٣٧ (٤٢٣٢).
(٢) يُنظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦ باختصار.
(٣) سبق معنا الإشارة إلى أن هذا المعنى يُطلق على وصف (مشهور) بغير أن يقيّد بنوع الشهرة، إنما هو مطلق الشهرة، وهذا يتداخل مع معنى المستور.
[ ١٧٨ ]
وهو المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عددًا يشهرون به أمره (١) بينما "المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين" (٢).
ومما يدلل على أثر قلة حديث الراوي، أو قلة من يرون عنه في شهرته ومعرفته، قول ابن حبان في ترجمة (عبدالله بن المؤمل المخزومي) (٣): "كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقينًا فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل اعتمادًا منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب" (٤).
_________________
(١) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨. فكلّما قلّ عدد الرواة عن الراوي، كلما اقترب من الجهالة خاصة إذا لم يُعرف بجرح ولا تعديل.
(٢) "ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: "وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلا فهو مجهول الحال، وسيأتي ما يؤيد هذا من أن الشهرة تزيل الجهالة". البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٦٢٦.
(٣) عبدالله بن المؤمل بن وهب الله المخزومي، قال ابن حجر: "ضعيف الحديث"، وقال الذهبي: "قال أبو داود: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوى" مات سنة ١٦٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٠١ (٣٠٠٩)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٥ (٣٦٤٨).
(٤) ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٨.
[ ١٧٩ ]
و"لذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيرًا على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته." (١)
فاسم الستر عام يشمل مطلق المستور -من عُرفت عينه ولم يوثق- وأهل الفضل والنبل والعفة، ومن عُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، ومن اُختلف فيه ولم يترجّح أمره فتوقّف فيه. ومن ارتفعت عنه الجهالة ولم يُجرّح، قال الذهبي:
"وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين (٢) إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) ". (٣)
ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح" (٤) فبالرغم من تقسيم المتأخرين الحسن لقسمين-قسم لرواية المشهور بالصدق، وقسم لرواية المستور- إلا أنه لم يُشر لذلك، بل اكتفى بالتعبير عن الحديث الحسن برواية المستور؛ لشمولها درجات رواة الحسن لذاته ولغيره، وذلك حسب السياق والقرينة التي تقترن بهذا الوصف. (٥)
_________________
(١) الجديع، التحرير، ٢/ ٧٨١.
(٢) "الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلثمائة." الذهبي، الميزان، ١/ ٤.
(٣) الذهبي، الموقظة، ٧٨.
(٤) الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٩.
(٥) خلص الدكتور عبدالجواد حمام إلى أن المحدثين استخدموا مصطلح (مستور) على ثلاثة معانٍ:
(٦) لغرض التوثيق والمدح، ٢ - من كان عدل الظاهر مجهول عدالة الباطن، ٣ - من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثّق. ثم أشار إلى حكم رواية المستور حسب كل معنى: فعلى المعنى الأول: فهذا الوصف يفيد صلاحية حديث الراوي للقبول، وإن لم يكن بتلك المرتبة من التوثيق والتعديل. وعلى المعنى الثالث: فحكمه حكم مجهول الحال، والجمهور على ردّه، واختار ابن حجر وغيره التوقّف فيه. وأطال في بيان الحكم على المعنى الثاني، وتوصّل إلى أن كثيرًا من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجّح لكفّة العدالة على كفّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل؛ إلا أن حديث المستور لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال. ينظر: حمام، الجهالة، ٢/ ٨٣٨ - ٨٤٨ باختصار.، وينظر في حكم رواية المستور كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، النووي، شرح مسلم، ١/ ٢٨، العراقي، التقييد، ١٤٥، ابن حجر، النزهة، ١٢٦، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٧١ - ٣٧٢.
[ ١٨٠ ]
أمثلة لهؤلاء الرواة:
بعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، وأقربها للصحة، أتبعها بذكر أمثلة لرواة تتردد أحاديثهم بين الحسن والضعف فقال:
"ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبدالله (١)، وعاصم بن ضمرة (٢)، وحجاج بن أرطاة (٣)، وخصيف (٤)، ودراج
_________________
(١) الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني الحوتي الخارفي، أبو زهير الكوفي، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن الحارث الأعور فقال: ضعيف الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه". قال الذهبي: "شيعي لين، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس." قال ابن حجر: " كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف". مات في خلافة ابن الزبير سنة ٦٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٧٨ (٣٦٣)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٢٢، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٠٣ (٨٥٩)، ابن حجر، التقريب، ١٤٦ (١٠٢٩).
(٢) عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، قال ابن حبان: " كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيرًا، فلما فحش ذلك في روايته استحق الترك، على أنه أحسن حالا من الحارث -أي: الأعور-". قال الذهبي: "وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي بتليينه، وهو وسط". قال ابن حجر: صدوق. مات سنة ٧٤ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٦/ ٣٤٥ (١٩١٠)، ابن حبان، المجروحين، ٢/ ١٢٥، الذهبي، الكاشف، ١/ ٥١٩ (٢٥٠٤)، ابن حجر، التقريب، ٢٨٥ (٣٠٦٣).
(٣) حجاج بن أَرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: حجاج بن أرطأة صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه". قال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ والتدليس، وذكره في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين وقال: "أخرج له مسلم مقرونا، وصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء". مات سنة: ١٤٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ١٥٤ (٦٧٣)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٢٥، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣١١ (٩٢٨)، ابن حجر، المدلسين، ٤٩، ابن حجر، التقريب، ١٥٢ (١١١٩).
(٤) خُصَيف بن عبدالرحمن. مات سنة: ١٣٧ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٤٠٣ (١٨٤٨)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٨٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٧٣ (١٣٨٩)، ابن حجر، التقريب، ١٩٣ (١٧٠٧).
[ ١٨١ ]
أبي السمح (١)، وخلق
سواهم." (٢)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف.
نخلص مما سبق:
أن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين:
- إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه.
- وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين.
- وبين مطلق الستر وعدم الاشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه.
وظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام
_________________
(١) درَّاج بن سمعان. مات سنة: ١٢٦ هـ ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٤٤١ (٢٠٠٨)، ابن حبان، الثقات، ٥/ ١١٤، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٨٣ (١٤٧٣)، ابن حجر، التقريب، ٢٠١ (١٨٢٤).
(٢) الذهبي، الموقظة، ٣٣.
[ ١٨٢ ]
بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح." (١)، والله أعلم.
القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة (٢) (يُروى من غير وجه):
جاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: "ويُروى من غير وجه" وتبعه على ذلك ابن الصلاح (٣)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالاعتبار (٤).
قال ابن الصلاح - مُفسرًا قول الترمذي "ويُروى من غير وجه"- بقوله: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوِي مثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد
بمتابعة من تابع راوِيه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (٥)
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٩.
(٢) المعاضدة في اللغة: "المعاونة، واعتضد به: استعان." الرازي، المختار، ٢١١.
(٣) وذلك في القسم الأول من الحسن، والذي هو عنده لا يخلو من رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته، فاشترط لحسنه روايته من وجه آخر مثله أو نحوه. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.
(٤) الاعتبار لغة: من اعتبر الشيء اختبره وامتحنه، والاعتبار النظر في الأمور وتدبّرها؛ ليُستدل بها على غيرها. يُنظر: مادة (عبر) ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ٢١٠، الرازي، مختار الصحاح، ١٩٨، ابن منظور، لسان العرب، ٤/ ٥٣١، الزبيدي، تاج العروس، ١٢/ ٥١١. والاعتبار عند المحدثين: سبر دواوين كتب الحديث، والنظر فيها، والبحث عن من شارك أحد رواة الإسناد في روايته لهذا الحديث، سواء اتفقا في لفظ الحديث أو معناه. فالاعتبار هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن الشاهد والمتابعة. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، الدهلوي، أصول الحديث، ٥٦ - ٥٧.
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.
[ ١٨٣ ]
ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد.
ومعنى المتابعة لغة:
مأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالاة، والموافقة، والإتقان والإحكام.
تابع عمله أو كلامه، أي: والاه وأتقنه وأحكمه وأحسنه. (١)
اصطلاحًا:
أن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍ آخر يصلح للاعتبار.
فإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد -أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة. (٢)
"ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي" (٣).
ومعنى الشاهد لغة:
اسم فاعل من (شهد)، وهو " أصل يدل على حضور وعلم وإعلام" (٤)
_________________
(١) يُنظر مادة (تبع): الرازي، المختار، ٤٤، الزبيدي، تاج العروس، ٢/ ٣٨٢، المعجم الوسيط، ١/ ٨١.
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، الدهلوي، ٥٦ - ٥٧
(٣) ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، والمسألة خلافية، "وبالتأمل فيه نرى أن ابن الصلاح خص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد: خصه بما كان بالمعنى سواء أكان عن ذلك الصحابي أم لا، وقيل: الشاهد أعم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى. وقد جاء الإمام الحافظ ابن حجر فخالف ابن الصلاح في هذا واعتبر المتابعة فيما إذا كانت عن ذلك الصحابي الذي روى الحديث المتابع -بفتح الباء الموحدة- سواء أكانت باللفظ أم بالمعنى، واعتبر الشاهد فيما إذا كان عن صحابي آخر سواء أكان باللفظ أم بالمعنى." أبو شُهبة، الوسيط، ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٤) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ٢٢١. مادة (شهد).
[ ١٨٤ ]
والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة. (١)
اصطلاحًا:
أن يُروى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر. (٢)
"وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل." (٣)
والغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى " تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة - ﵃ -، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها." (٤)
ومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة:
قول ابن الصلاح: "الاعتبار في الأخبار مثاله (٥): أن يروي حماد بن سلمة (٦) حديثا لم
_________________
(١) يُنظر: مادة (شهد) الرازي، المختار، ١٦٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٢٩٢، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٧.
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن الملقن، التذكرة، ٢٠، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣.
(٣) ابن حجر، النزهة، ٩٠. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤.
(٤) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧١، الأعظمي، معجم مصطلحات الحديث، ٢٠٠، الغوري، موسوعة علوم الحديث، ٢/ ٢٦١.
(٥) قد يُوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك بل هو هيئة التوصِّل لهما. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٩١، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٢.
(٦) حماد بن سلمة، مات سنة ١٦٧ هـ. يُنظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٩).
[ ١٨٥ ]
يتابع عليه، عن أيوب (١)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.
فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي - ﷺ -، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.
قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي
هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.
فإن لم يُرو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوِي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة." (٢)
_________________
(١) أيوب بن أبى تميمة، مات سنة ١٣١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٦٠ - ٢٦١ (٥١١)، ابن حجر، التقريب، ١١٧ (٦٠٥).
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٣ - ٨٤، وهذا المثال نقله ابن الصلاح من مقدمة ابن حبان لصحيحه، وقام بتوضيحه. ينظر: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ١/ ١٥٥. وقد ذكر ابن حجر مثالًا اجتمع فيه المتابعة التامة والناقصة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى فقال: "ما رواه الشافعي في "الأم" عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر - ﵃ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهر تسع وعشرون فلا تصموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثي» - كتاب الصيام الصغير ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ - فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ، "فإن غم عليكم فاقدروا له". فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه- كتاب الصوم ٣/ ٢٧ ح (١٩٠٦) - فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵃ - فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء فهذه متابعة تامة في غاية الصحة. لرواية الشافعي - ﵁ - والعجب كيف خفيت عليه؟، ودل هذا على أن مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا. وقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر - ﵃ -: أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - فذكر الحديث وفي آخره: «فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين». كتاب الصيام، باب وجوب صيام رمضان ٢/ ٧٥٩ ح (١٠٨٠). والثاني: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه -كتاب الصيام ٣/ ٢٠٢ ح (١٩٠٩) - من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر - ﵃ - بلفظ: «فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين». فهذه متابعة - أيضا - لكنها ناقصة. وأما شاهده فله شاهدان: شاهد لحديث الشافعي: أحدهما: من حديث أبي هريرة - ﵁ - رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة - ﵁ - ولفظه: «فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وثانيهما: من حديث ابن عباس - ﵃ - أخرجه النسائي -في سننه كتاب الصيام ٤/ ١٣٥ ح (٢١٢٥) - من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس - ﵃ - بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر - ﵃ -. فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة. والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى والله الموفق سبحانه". ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢ - ٦٨٥، ينظر كذلك: ابن حجر، النزهة، ٨٨ - ٩٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥.
[ ١٨٦ ]
ما سبق كان بيانًا لمعنى المتابعة والشاهد، ومثال توضيحي ذكره ابن الصلاح أشار فيه إلى أن الشاهد قد يُطلق على المتابعة، وأيّده على ذلك ابن حجر فقال: "وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل." (١)، فالاختلاف بينهم دائر على راوي الحديث من الصحابة، هل رُوِي الحديث من طريقه أو من طريق صحابي آخر؟، وعلى متن الحديث، هل رُوِي بلفظه أو معناه؟ "ويستفاد من ذلك كله التقوية." (٢)
وقد أشار ابن رجب (٣) - ﵀- إلى أن المعاضدة لا تقتصر على الأحاديث المرفوعة بل يحتمل كلام الترمذي التقوية بالموقوف حيث قال: "وقول الترمذي ﵀ يُروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي - ﷺ - فيحتمل أن يكون مراده
عن النبي - ﷺ - ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُروى من غير وجه، ولو موقوفًا، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به" (٤).
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٩٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤.
(٢) السخاوي، المرجع السابق.
(٣) عبدالرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقيّ. زين الدين، أبو الفرج، الشهير بابن رجب. محدث، حافظ، فقيه، أصولي، مؤرخ. من مصنفاته: (شرح صحيح الترمذي) و(شرح علل الترمذي) و(جامع العلوم والحكم) وغيرها. مات سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٨/ ٥٨٠. الزركلي، الأعلام، ٣/ ٢٩٥. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٧٤ (٦٧٥١).
(٤) ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٣٨٧.
[ ١٨٧ ]
أي: أن المراد البحث عن ما يعضد الحديث ويقويه سواء كان حديثًا مرفوعًا للنبي - ﷺ - أو موقوفًا على الصحابي - ﵁ -. (١)
وقد شمل صنيع الترمذي في كتابه في بيان مراده من الرواية من غير وجه- المتابعات والشواهد، فقد أشار لورود أحاديث من غير وجه عن النبي - ﷺ - (٢) - أي: الشواهد- وكذلك
ورودها من غير وجه عن أحد الصحابة (٣) - ﵃ - أي: المتابعات.
_________________
(١) أشار الدكتور خالد الدريس في كتابه الحديث الحسن إلى أن ما ذكره ابن رجب فيه نظر، واستدل بعدد من الأمثلة - منها: قول الترمذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه مرفوعا من حديث ابن لهيعة. وقد رُوِي شيء من هذا عن عطية، عن أبي سعيد، موقوفا." أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب من سورة المدثر، ٥/ ٢٨٦ ح (٣٣٢٦). ففي هذا المثال لم يحسّن الترمذي هذا الحديث -رغم أنه حسّن أحاديث لابن لهيعة- ورغم وجود شاهد موقوف لا يُقال مثله بالرأي. - ومنها: قول الترمذي في أكثر من موضع "لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه" مما يدل على أن همه وموضوع كتابه هو الحديث المرفوع. - وقد استقرأ الدكتور -في بحثه- سنن الترمذي وقال: "لم أجد الترمذي مطلقًا ولا في موضع واحد نصّ على تحسين حديث بسبب شاهد موقوف، وهذا كافٍ في الرد على ما ذكره الحافظ ابن رجب من قولٍ لم يستدل هو على وقوعه في جامع الترمذي فعليًا، وإنما ذكره على سبيل الاحتمال". الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٤٤ - ١١٤٦. بتصرّف.
(٢) من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن النبي - ﷺ - ما يلي: - ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: "كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت " قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي - ﷺ - نحو هذا. ٢/ ٥٥٤ ح (١٢٦٣). - وفي كتاب اللباس، باب ما جاء في الاكتحال، من حديث ابن عباس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: "اكتحلوا بالإثمد " قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي - ﷺ -. ٣/ ٢٨٧ ح (١٧٥٧). - وفي كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب، من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المرء مع من أحب ". قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث الحسن عن أنس بن مالك ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي - ﷺ -. ٤/ ١٧٤ ح (٢٣٨٦).
(٣) من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن الصحابي - ﵁ - ما يلي: - ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قيل: "يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة، "، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. ١/ ١٢٢ ح (٦٦). - وفي كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل، من حديث رويفع ابن ثابت - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت ٢/ ٤٢٨ ح (١١٣١). - وفي كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من حديث عبدالله بن عمرو - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد". قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وقد روي عنه من غير وجه. ٣/ ٨١ ح (١٤١٩).
[ ١٨٨ ]
وقد يشير إلى الشواهد بنوعيها - شواهد باللفظ وشواهد بالمعنى- بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، قال العراقي:
"وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، وإن كان حديثًا آخر غير الذي يرويه في أول الباب، وهو عمل صحيح إلا أن كثيرًا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه الذي رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر على ما فهموه بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب." (١)
وليس في تعريف الترمذي للحسن تحديد عدد معين للأوجه والطرق المطلوبة لتحسين الحديث؛ حيث "أطلق الترمذي كلامه ولم يحدد الحد الأدنى من تعدد الوجوه الأخرى التي تلزم لتحسين الحديث، ولكن يُفهم من ذلك أنه يتحقق عنده بأدنى شيء وأقله، وعلى هذا فيكون الحديث المراد تحسينه إذا شهد له حديث آخر نحوه تقوّى بذلك واستحق التحسين.
إلى هذا ذهب ابن الصلاح (٢)، وابن تيمية (٣)، والعراقي (٤)، وابن حجر (٥)، بأن الحديث إذا رُوي من وجهين كان حسنًا عند الترمذي." (٦)
_________________
(١) العراقي، التقييد، ١٠٢.
(٢) حيث ذكر أن الضعف المُنجَبِر يزول بمجيء الحديث من وجه آخر، فقال: "ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له إلخ" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤.
(٣) "وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب، ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة". ابن تيمية، الفتاوى، ١٨/ ٣٩.
(٤) "فمجيئه من وجهين كاف في حد الحديث الحسن" العراقي، التقييد، ٤٨.
(٥) حيث ذكر من شروط الحديث الحسن عند الترمذي: "أن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا" ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٧.
(٦) الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٣٩ - ١١٤٠.
[ ١٨٩ ]
والمتأمل لصنيع الترمذي في جامعه يجده لم يَقصُر تحسينه للأحاديث التي رُويت من غير وجه، بل أكثر ما اُنتقِد عليه - في تعريفه- تحسينه لأحاديث جاءت منفردة، وجمعه بين وصفيّ الحُسن والغرابة للحديث الواحد. (١)
وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه ذلك، ومنها:
- ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريبًا في أصله ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين غرابة الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك، فقال:
"وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما رُوِي من وجهين، وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها الترمذي في الحسن، لكن من الناس من يقول: قد سُمِّى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا، وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلا عن تابعي واحد، لكن رُوِي عنه من وجهين فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب." (٢)
- وأجاب ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا نفس اللفظ، فقال: "لا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: "صحيح حسن غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه." (٣)
_________________
(١) فممن أشار إلى هذا الإشكال ابن دقيق العيد، فقال: "وهذا يشكل عليه ما يقال فيه أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٨، وكذلك ابن جماعة، حيث قال في تعقّبه للقسم الأول من الحسن-والذي اشترط فيه ابن الصلاح مجيئه من طريق آخر-: "ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر" ابن جماعة، المنهل، ٣٦.
(٢) ابن تيمية، الفتاوى، ١٨/ ٣٩.
(٣) ثم أتبع كلامه بذكر مثال على ذلك فقال: "وهذا كما في حديث "الأعمال بالبينات" فإن شواهده كثيرة جدًا في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مرويًا من غير حديثه من وجه يصح." ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٣٨٦، وقال الشيخ أحمد شاكر في حاشية كتاب الباعث الحثيث: "الذي يبدو لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لا يريد بقوله في بيان الحسن (ويُروى من غير وجه نحو ذاك) أن نفس الحديث عن الصحابي يُروى من طرق أخرى؛ لأنه لا يكون حينئذ غريبا، وإنما يريد أن لا يكون معناه غريبا: بأن يروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر، أو بنحو ذلك، مما يخرج معناه عن أن يكون شاذا غريبا. فنأمل". شاكر، الباعث الحثيث، ٣٩ - ٤٠.
[ ١٩٠ ]
- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع منه، حيث قال:
"فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يُروى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟ . فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقا، وإنما عرَّف نوعا خاصا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسن"، من غير صفة أخرى" (١)
- ومن الأجوبة أيضًا: ما ذكره العراقي في شرحه لألفيته حيث قال:
" (قلتُ وقد حسَّن بعض ما انفرد). هذا من الزوائد على ابن الصلاح. وهو إيرادٌ على الترمذي، حيث اشترط في الحسن أن يُروى من غير وجه نحوه. ومع ذلك فقد حسَّن أحاديث لا تُروى إلا من وجه واحدٍ، كحديث إسرائيل (٢)، عن يوسفَ بن أبي بردة (٣)، عن أبيه (٤)، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج من
الخلاء قال:
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٨٠.
(٢) إسرائيل بن يونس مات سنة ١٦٠، وقيل: ١٦٢ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٤١ (٣٣٦)، ابن حجر، التقريب، ١٠٤ (٤٠١).
(٣) يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، روى له البخاري في الأدب المفرد، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: مقبول. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩٩ (٦٤٢٧)، ابن حجر، التقريب، ٦١٠ (٧٨٥٧).
(٤) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر وقيل: الحارث، قاضي الكوفة، أخرج له البخاري ومسلم، قال الذهبي: كان من نبلاء العلماء، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤٠٧ (٦٥٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٦٢١ (٧٩٥٢).
[ ١٩١ ]
غفرانك». فإنَّه قال فيه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. قال: ولا يُعرفُ في هذا الباب إلا حديثُ عائشة. (١)
وأجاب أبو الفتح اليعمري عن هذا الحديث (٢) بأنّ الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه
ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته" (٣).
وقد توصّل الدكتور خالد الدريس إلى: "أنّ ما يقول الترمذي فيه: "حسن غريب" لا يخلو من حالتين:
١ - ما توجد له متابعات أو شواهد، ولو بعموم المعنى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهرة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، ١/ ٥٧ ح (٧)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، ١/ ٨ ح (٣٠)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، ١/ ١١٠ ح (٣٠٠)، وأحمد في مسنده، ٤٢/ ١٤٢ ح (٢٥٢٢٠)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الخروج من المتوضأ، ١/ ٤٨ ح (٩٠)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، ٤/ ٢٩١ ح (١٤٤٤). قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب- يعني: في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء -: حديث عائشة". عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ابن أبي حاتم الرازي، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية سعد بن عبدالله الحميد، خالد بن عبدالرحمن الجريسي، (الرياض: مطابع الحميضي، ١٤٢٧ هـ=٢٠٠٦ م) ١/ ٥٤٠ - ٥٤١ ح (٩٣).
(٢) وذلك في كتابه النفح الشذي، حيث قال: "وأما أنه لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة، مع قوله في "الحسن": إنه يُروى مثل ذلك الحديث، أو نحوه، من وجه آخر، فهذا قد يوهم منافاة الحُسن الذي وصفه به، على شرطه، فيحتاج إلى الجواب عن ذلك، فنقول: لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يحتاج فيه إلى أن يُروى نحوه من وجه آخر، هو: ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، ولا ارتقى إلى أن تدخل في "الصحيح" مع المتابعة، روايته. فهناك يحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد؛ ليصل بمجموع ذلك إلى تلك الدرجة. وأما هذا، فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح؛ فإن إسرائيل المنفرد به، متفق على إخراج حديثه عند الشيخين وقد تقدم في الكلام على الشذوذ، والمنفردات، ما يوضح أن ما انفرد به الثقة، ولم يتابَع عليه، لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون -مع الثقة- في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة، فحديثه هناك حسن كما أن المستور، مع التفرد، لا يرتقي إلى درجة الحسن، بل تفرده مردود فكذلك هذا الحديث، لو وَجَد شاهدًا له، لما وقف [به] عند مرتبة الحسن، وربما لم يقف عندها فقد أخرجه أبو حاتم بن حبان، في صحيحه، كما يأتي بيانه. وأكثر ما في الباب، أن الترمذي، في الموضع الذي شرط فيه، في الحسن، تقويته بالمتابعات، عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعًا عنده، لا بكل أنواعه." ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤. وفي كلام اليعمري بيان لاختلاف الحكم على الحديث الفرد، وذلك بحسب مرتبة الراوي في العدالة والضبط، وتفريقه بين وصف الراوي بالثقة المجردة، وبين وصفه بالحفظ والإتقان، وسيأتي -بإذن الله- بيان ذلك في فصل الأفراد.
(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٥٣.
[ ١٩٢ ]
٢ - ما لا توجد له متابعات وشواهد، ولكن السند قوي لذاته لا يحتاج لعاضد." (١)
وتوصّل كذلك إلى أن اشتراط تعدد الطرق - (يُروى من غير وجه) في الحديث الحسن عند الترمذي-: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم ، ومن ذلك مثلًا: أحاديث لبهز بن حكيم، وأحاديث لعمرو بن شعيب إلخ. (٢)
والحديث الحسن الذي لا يحتاج للمعاضدة هو ما أُطلِق عليه الحسن لذاته (٣)؛ وما يحتاج للمعاضدة هو الحسن لغيره؛ لذا حين قسَّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين نجده:
وافق الترمذي في اشتراط مجيء الحديث من وجه آخر- وذلك في أحد قسميّ الحسن، - حيث جعله قيدًا لرواية المستور الذي لم تتحقق أهليته.
ولم يشترطه في القسم الآخر الذي هو من رواية المشهور بالصدق، وتبعه في ذلك ابن جماعة، وابن سيد الناس (٤)، إلا أن الطّيّبي حين تعقّب من سبقه وعرّف الحسن اشترط المعاضدة للقسمين (٥).
_________________
(١) ثم قال: "ويخلص إلى حمل الأمر على فهم الترمذي واجتهاده؛ لأن الأصل أنه لا يُخالِف ما اشترطه في تعريفه الذي حكاه بنفسه عن عمله في كتابه" ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٦٣ - ١٠٦٤ باختصار.
(٢) ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٤/ ١٦٤٣ - ١٦٤٥ باختصار.
(٣) أطلقه ابن حجر، وذلك حين أردف تعريف الصحيح لذاته بالحسن لذاته بفارق خفة ضبط راوي الحسن. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٧٨. ويرى الدكتور الدريس: أن تعريف ابن القطان يقرّبه من الحسن لذاته، ولا يدخل فيه حديث الضعيف المعتضد بمثله؛ لأن ابن القطان لا يحتجّ بمثله فضلًا عن أن يسميه حسنًا. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٤/ ١٦٧٠.
(٤) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين، المعروف بابن سيّد الناس. مؤرخ، عالم بالأدب. من حفاظ الحديث، من مصنفاته: (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) و(النفح الشذي في شرح جامع الترمذي) لم يكمله. مات سنة ٧٣٤ هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات،١/ ٢١٩ (٢٠٠)، ابن العماد، الشذرات، ٨/ ١٨٩. الزركلي، الأعلام، ٧/ ٣٤.
(٥) "مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة". الطيبي، الخلاصة، ٤٥. بل إن الفرد عنده يأتي على أنواع، فرد مطلق ليس له معاضد لا في سنده ولا في متنه، وفرد حسن وهو ما كان فرد الإسناد ورُوي معناه بإسناد آخر حيث قال: "إن قولنا يروى من غير وجه يحتمل وجوها؛ أن يروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يروى معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يبعد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فرد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار يغلب ظنا احتمال طريق آخر يتقوى به، بخلاف الفرد المطلق." ثم ذكر وجهًا آخر للمعاضدة فقال: "وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضعف وإلا كان عبثا." الطيبي، المرجع السابق ٤١ - ٤٢. ويفهم مما قاله أن الحديث لا يُطلق عليه حسنًا إلا إذا رُوي من وجه آخر، وعلل ذلك بكون الحسن من الحديث استحق ذلك الوصف لانجبار ضعفه بالمعاضد، والله أعلم.
[ ١٩٣ ]
وأمّا ابن حجر فقد وافق ابن الصلاح في تقسيم الحديث الحسن لقسمين، أطلق على أحدهما الحسن لذاته؛ لقوته وعدم احتياجه للمعاضدة، والآخر الذي اكتسب الحُسن بمعاضدة غيره له هو الحسن لغيره.
ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الضعف يتفاوت في درجاته (١)، فليس كلُّ ضَعفٍ قابلًا للانجبار، قال ابن الصلاح:
"ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:
فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم
يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر (٢).
_________________
(١) يأتي توضيح ذلك وتفصيله -بإذن الله- في الفصل الثالث: الحديث الضعيف.
(٢) تقوية المرسل بالمرسل لها ضوابط، إذ ما كل مرسل يجبر مثله. ينظر في حكم الاحتجاج بالمرسل: العلائي، جامع التحصيل، ٣٣ - ٥٠، ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٩٦.
[ ١٩٤ ]
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. (١) وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (٢)
وعقّب ابن حجر على ذلك بقوله: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القَبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.
وأما إذا رجح جانب القَبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم" (٣).
فيُفهم من ذلك أن ما يصلح للاعتبار من الأحاديث يُشترط فيها:
- ألا يكون ضعفها شديدًا بحيث لا ينجبر هذا الضعف بمجيئه من طرق أخرى.
- وألا يكون المتابِع منحطًا عن هذه الدرجة، بل لابد من أن يكون المتابَع والمتابِع مما يصلح كلاهما للاعتبار، ويجبر كلا منهما ضعف الآخر.
_________________
(١) وقد مثّل ابن الصلاح لذلك بحديث: «الأذنان من الرأس» أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٣٣ ح (١٣٤)، والترمذي في سننه كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الأذنين من الرأس ١/ ٩٣ ح (٣٧)، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب الأذنان من الرأس. وقال: "إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٣. وقد نُوزع ﵀ في تمثيله بهذا، وتُعقّب عليه، ومن ذلك قول ابن حجر: "إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم -" ثم قال: "ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثا» - أخرجه ابن حبان في المجروحين من حديث ابن عباس ١/ ١٣٤، ومن حديث أبي الدرداء ٢/ ١٣٣، وابن عدي في الكامل في الضعفاء من حديث ابن عباس ٣/ ٤٣٦، ومن حديث أبي هريرة ٦/ ٢٥٧، ٧/ ٤٥٤ - فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه- والله أعلم -." ابن حجر، النكت، ١/ ٤١٥.
(٢) ابن الصلاح، المرجع السابق ٣٤.
(٣) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
[ ١٩٥ ]
وقد أوضح ابن حجر ذلك بذكر أمثلة للرواة التي تنجبر روايتهم، وترتقي للحسن بمجيئها من طريق آخر مثلها أو نحوها، فقال في كتابه النزهة:
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ (١) بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز (٢)، والمستور،
والإسناد المرسل (٣)، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه (٤) صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم
_________________
(١) استشهد ابن حجر لما ذكره بأمثلة لما حسّنه الترمذي في كتابه، فقال: من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ:
(٢) ما أخرجه في سننه كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، من طريق شعبة عن عاصم ابن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - ﷺ -: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ٢/ ٤١١ ح (١١١٣). وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة - ﵃ -، وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيدالله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط، والله أعلم.
(٣) ومن أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ: ما أخرجه في سننه كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للملم أن يدفع إلى الذمي الخمر ليبيعها، من طريق عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد ﵁ قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلمّا نزلت المائدة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أهريقوه». قال: هذا حديث حسن. ٢/ ٥٤٤ ح (١٢٦٣). قلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي - ﷺ - من حديث أنس، وغيره - ﵃ - وذكر ابن حجر غيرها من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي لرواة ضُعّفوا لسوء حفظهم وكثرة غلطهم، جاء ما يعضدها من المتابعات والشواهد. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٨ - ٣٩٢ بتصرف.
(٤) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه: - ما أخرجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا، من طريق يزيد ابن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: "صلى بنا المغيرة بن شعبة - ﵁ - فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم". وقال: "هكذا صنع رسول الله - ﷺ - ". قال الترمذي: هذا حديث حسن. ١/ ٤٧٤ ح (٣٦٥). قلت: "والمسعودي اسمه: عبدالرحمن وهو ممن وصف بالاختلاط وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط. وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف أيضا والله أعلم. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٣.
(٥) من أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد: - ما أخرجه في سننه كتاب المناقب، باب مناقب أبي الفضل عم النبي - ﷺ - وهو العباس بن عبدالمطلب - ﵁ -، من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي - ﵁ - قال: "إن النبي - ﷺ - قال لعمر في العباس - ﵁ -: «إن عم الرجل صنو أبيه». وكان عمر - ﵁ - تكلم في صدقته. وقال: هذا حديث حسن.٦/ ١١٢ ح (٣٧٦٠). قلت: "أبو البختري: اسمه سعيد بن فيروز ولم يسمع من علي - ﵁ - ". فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن؛ لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره، وأمثلة ذلك عنده كثيرة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٦.
(٦) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن: - ما أخرجه في سننه كتاب الجنائز، باب ما جاء في أن المؤمن يموت بعرق الجبين، من طريق يحيى ابن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين". قال: "هذا حديث حسن". ٢/ ٣٠١ ح (٩٨٢). وقد قال بعض أهل العلم: "لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة - ﵁ - قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس، وقد روى هذا بصيغة العنعنة، وإنما وصفه بالحسن؛ لأن له شواهد من حديث عبدالله بن مسعود وغيره - ﵃ - - ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجمعة، باب في السواك والطيب يوم الجمعة، من طريق هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - ﵃ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب". قال: "هذا حديث حسن".١/ ٦٦٢ ح (٥٢٨). قلت: "وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي". وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره - ﵃ - ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥ بتصرف يسير.
[ ١٩٦ ]
احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (١)
ولعل ابن حجر - ﵀- يُشير بعبارته الأخيرة - والتي تفيد توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن على الحديث الضعيف المعتضد بغيره- إلى ما نقله الزركشي وعزاه لابن سيّد الناس، - من أن المتابِع إذا كان بمنزلة المتابَع في الضعف ومساويًا له، فإنه قد يقويه لكنها قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف- فقال:
"الحق في هذه المسألة أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابِع مساويا للأول في ضعفه أو منحطا عنه أو أعلى منه، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئا وأما مع المساواة فقد
تقوي، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابَع، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح، وأما إن كان المتابِع أقوى من الراوي الأول، إن أفادت
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠.
[ ١٩٧ ]
متابعته ما دفع شبهة الضعيف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصير حسنًا". (١)
فالحديث الضعيف الصالح للاعتبار إذا توبع بما دونه لا يتقوّى، وإذا توبع بمثله يتقوى ويرتقي للحسن لغيره، وعند ابن سيد الناس - يتقوى قوة لا تخرجه عن وصف الضعف، بل يَشترط لوصفه بالحُسن أن يكون المتابِع أقوى منه.
أما البلقيني فكان رأيه معاكسًا لرأي ابن سيد الناس، حيث أشار إلى أنه: "لا يقال: ينجبر بأن يُروى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِي بطرقٍ كلُّ منها مثلُ الأخرى في ذلك الضعف." (٢) ومفهوم كلامه أن الضعيف ينجبر بما يماثله في الضعف، أما إن ورد من طريق صحيح، فلا يُقال أنه انجبر به؛ لأن الاعتماد حينئذ على الصحيح. (٣)
وعليه فإن الضعيف الصالح للاعتبار: - إذا توبع بأقوى منه ارتقى إلى الحسن لغيره عند ابن سيد الناس وابن حجر، ومن وافقهم في ذلك، بينما رأى البلقيني أن الاعتماد في هذه الحالة يكون على الحديث القوي، ولا يُقال أن الضعيف انجبر به.
- أما إذا تُوبع بمثله فإنه ينجبر ويرتقي إلى الحسن لغيره، بينما عند ابن سيد الناس فإنه يتقوى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف.
- وإذا توبع الضعيف الصالح للاعتبار بما هو أدنى منه، فإنه لا يتقوى بذلك ولا ينجبر على ما سبق من كلام نقاد الحديث، .
_________________
(١) الزركشي، النكت، ١/ ٣٢٢، قال الزركشي معقِّبا: "قلت: وهو تفصيل حسن، ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا كان الحديث في الأحكام، فإن كان من الفضائل فالمتابعة فيه تقوم على كل تقدير لأنه عند انفراده مفيد".
(٢) البلقيني، محاسن الاصطلاح، ١٠٦.
(٣) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٨١. وقد ذكر المؤلف رأيه في ذلك فقال: "وفي نظري أن (الحسن لغيره) ينبغي أن يُقتصر استعماله على الضعيف المعتضد بمثله فقط".
[ ١٩٨ ]
- فإن جاء هذا الحديث شديد الضعف من طرق متعددة، فهناك من يرقّيه من كونه ضعيفًا منكرًا لا يجوز العمل به بحال إلى الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، حيث قال ابن حجر:
"الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فكون الضعف الذي ضَعفُه ناشئٌ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحَسن، والذي ضَعفُه ناشئٌ عن تُهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال." (١)
وقد تتابع بعض تلامذة ابن حجر -﵏- كالبقاعي (٢) والسخاوي (٣) وتبعهم السيوطي (٤) في الإشارة إلى هذا الرأي في كتبهم، وصرّحوا فيه بارتقاء الحديث بمجموع ذلك إلى مرتبة الحسن.
دون أن يتعقّبوا هذا القول، بل أكّده السيوطي في ألفيته فقال:
كما يَرْقَى إِلى الحُسْنِ الذي قد وُسِمَا
ضَعفًا لِسُوءِ الحِفظِ أَو إِرسَالٍ أو تَدليسٍ أو جَهالةٍ إِذا رَأَوا
مَجِيئَهُ من جِهةٍ أُخرى، وما كان لِفِسقٍ او يُرَى مُتَّهَمَا
يَرْقَى عن الإنكار بالتَّعَدُّدِ بل رُبَّما يَصيرُ كالذي بُدِي (٥)
_________________
(١) ابن حجر، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، ٧٠.
(٢) البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٢٤٨.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٧.
(٤) السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ١٩٤، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٠٢٩.
(٥) السيوطي، ألفية السيوطي، ١٠، وقد تعقّب الشارح ما ذهب إليه السيوطي بقوله: "وأما اذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لا يرقى الى الحسن، بل يزداد ضعفًا إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف رواياتهم. وبذلك يتبين خطأ المؤلف وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي الى الحسن مع هذه العلة القوية". السيوطي، المرجع السابق، ١٠. ينظر كذلك: شاكر، الباعث الحثيث، ٤٠. وهناك من أيّد هذا التعقيب فقال: "وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإن الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهر عندهم فقط، ولا نجده في روايات الثقات الأثبات مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفا على ضعف." فحل، أثر علل الحديث، ٣٦ - ٣٧. وسيأتي مزيد توضيح لمسألة تعدد طرق الحديث الضعيف في الفصل الثالث بإذن الله.
[ ١٩٩ ]
بينما أقوال من سبقه تنفي تقوية الحديث الواهي بكثرة الطرق، منها:
قول ابن جماعة في المنهل الروي: "وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه" (١)، وكذلك قول ابن رجب في شرحه للعلل: "وتسمية الحديث الواهي التي تعددت
طرقه حسنًا، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه" (٢).
وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في الفصل الخاص بالحديث الضعيف بإذن الله.
نخلص مما سبق:
أنَّ قيد (يُروى من غير وجه) في تعريف الترمذي للحسن عنده، هو ما يُفسّر باشتراط المعاضدة للحديث، وتتنوع هذه المعاضدة بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها.
ولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر.
وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد، وضابط ذلك يرجع كما ذكر ابن حجر ﵀: "إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي
_________________
(١) ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٧ - ٣٨.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٩٤.
[ ٢٠٠ ]
يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي." (١)
فما أُطلِق عليه الحسن لذاته ترجّح فيه جانب القَبول، وإن وُجد عاضد له زادت قوته والتحق بالصحيح لغيره. بينما الضعيف ضعفًا يسيرًا - حيث يستوي فيه الاحتمال بين القبول والرد- هو الذي يحتاج المعاضَدة؛ لترجيح جانب القبول، وهو الذي يَصلُح للانجبار بعكس الضعيف ضعفًا شديدًا حيث ترجّح فيه جانب الرد.
واختلفوا - في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسنًا لغيره- هل يُشترط فيه أن يكون مساويًا لمرتبة المتابَع أو أعلى منه أو أدنى؟
- أما في حال كونه أعلى منه وأقوى فهناك من جعله جابرًا للمتابَع وعاضدًا له فيُرقِّيه للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسنًا؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.
- وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسنًا لغيره.
- وأما إن كان المتابِع مُنحَطًا عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:
في حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفًا شديدًا، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكرًا أو لا أصل له، وأضافوا: "بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
[ ٢٠١ ]
قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن" (١)، وفيما قاله - ﵀- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهنًا وضعفًا، وكذلك يخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (٢) والله تعالى أعلم.
وكان من أكثر ما اُنتقد على الترمذي في تعريفه، اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن، بينما جمع في أحكامه على بعض الأحاديث بين وصفيّ الحسن والغرابة للحديث الواحد، وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه صنيعه ﵀، من ذلك:
- جواب شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريبًا في أصله، ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين الغرابة في الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك.
- وكان جواب ابن رجب بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا بنفس اللفظ، فهذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد بغير لفظه.
- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع خاص، وهو ما يقول فيه (حسن) من غير صفة أخرى.
- وأجاب أبو الفتح اليعمري بأنّه لا يُشترط في كل حديث يصفه الترمذي بالحسن مجيئه من غير وجه، إنما الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته.
- وتوصّل بعض الباحثين إلى أن اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن عند الترمذي: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز
_________________
(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٢٤٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ١٩٤، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٠٢٩.
(٢) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٨٣.
[ ٢٠٢ ]
سوى رواة من
أهل الصدق قد خفّ ضبطهم، أي أن وصف الحديث بكونه حسنًا عند الترمذي لا يختص بالحسن لغيره، بل يدخل فيه الحسن لذاته (١)، والله أعلم.
القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة (٢):
أولًا: السلامة من الشذوذ:
سبق الإشارة إلى معاني الشاذ في اللغة والاصطلاح - وذلك عند الحديث عن قيود الحديث الصحيح- وأن الشذوذ في الاصطلاح يتراوح بين معانٍ ثلاثة هي:
مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.
وقد نصّ الترمذي باشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن، لكنه لم يحدد معنى الشذوذ، ولم يصف أي حديث في جامعه بالشذوذ، مما جعل تحديد مراده من هذا الاصطلاح أمرًا صعبًا؛ لا سيما وأن المحدثين لم يتفقوا على تعريف واحد للشذوذ. (٣)
وقد اجتهد العلماء في تفسير مُراد الترمذي بالشذوذ على ثلاث مذاهب:
- المذهب الأول: تفسيره بالمخالفة (٤)،
_________________
(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٤٣ - ١٦٤٥.
(٢) سبق في فصل الحديث الصحيح الكلام عن قيد نفي الشذوذ، وزِيد في قيود الحسن نفي النكارة، والمنكر بمعنى الشاذ عند ابن الصلاح، وسيأتي بإذن توضيح كل مصطلح منهما في فصل مستقل، وبيان أوجه التداخل بينهما.
(٣) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٠٦.
(٤) يرى الدكتور أبو سمحة: أن المراد بالشاذ عند الترمذي: هو مخالفة الراوي -سواء كان ثقةً أو ضعيفًا- للأوثق منه. وأضاف الدكتور الدريس إلى ما ذكره أبو سمحة: شرط ألا يكون الجمع بين الحديثين ممكنًا. وقد أضاف الدريس هذا القيد ليجيب عن إشكال تحسين الترمذي لبعض الأحاديث رغم مخالفتها لأحاديث صحيحة، المراجع: ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤. الدريس، ٣/ ١١٣٣، عبدالسلام أبو سمحة، الحديث المنكر، ١٤٩ - ١٥٢.
[ ٢٠٣ ]
وقال بذلك كلٌ من: ابن تيمية (١)، والزركشي (٢)، وابن رجب (٣)، وابن حجر (٤).
- المذهب الثاني: فسّره بالتفرّد: وقال به ابن الصلاح (٥)، ومن سار على نهجه في تلخيص كتابه أو شرحه دون تعقيب، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقَّب هذا التفسير لمعنى الشذوذ فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح:
"قوله (٦): حكاية عن بعض المتأخرين (٧) أنه زعم أن قول الترمذي: ولا يكون شاذا "زيادة لا حاجة إليها، لأن قوله يُروى من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ مباين".
أقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي - ﵁ -.
وقوله: يُروى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل كلام الترمذي على الأول أليق؛ لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولا سيما في التعاريف - والله أعلم" (٨).
_________________
(١) " وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة." ابن تيمية، الفتاوي، ١٨/ ٣٩.
(٢) "احترز بقوله: "ولا يكون حديثا شاذا" عن الشاذ، وهو: ما خالف فيه الثقة روايات الثقات". الزركشي، النكت، ١/ ٣٠٧.
(٣) "الظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي - ﷺ - خلافه." ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٨٤.
(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٦.
(٥) حيث صرّح بذلك في تعريفه للحسن الذي نزّله على تعريف الترمذي، وفسّر نفي الشذوذ بمجيء الحديث أو نحوه من طريق آخر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.
(٦) أي الحافظ العراقي، عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ). ينظر: العراقي، التقييد، ٣٩ - ٤٠.
(٧) يقصد: الحافظ أبي عبدالله علاء الدين مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ). ينظر: مُغلطاي، إصلاح كتاب ابن الصلاح، ٢/ ١٢٢.
(٨) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٦.
[ ٢٠٤ ]
- المذهب الثالث: ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين (١) ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال - بعد أن ذكر معاني الشاذ في الاصطلاح: "والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ." (٢) ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-: " إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير
_________________
(١) وهو ما ذهب إليه الدكتور عداب الحمش في كتابه عن منهج الإمام الترمذي في جامعه، فقد تتبع إطلاق الترمذي للفظ (غير محفوظ) -والذي يُعدّ رديفًا للشاذ عند أهل الاصطلاح- على ثمانية وعشرين حديثًا، واستنتج من صنيع الترمذي أنه: استعمل هذا اللفظ استعمالًا يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالًا يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء، ومن يلتحق بهم. فمن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الثقات: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل، من حديث ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «إن بلالا يؤذن بليل » ثم قال الترمذي: وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: «أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي - ﷺ - أن ينادي: إن العبد نام.» قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، وهذا لا يصح، واستدل بقول علي بن المديني بأنه غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. ١/ ٢٧٦ ح (٢٠٣). وحماد بن سلمة من الثقات. يُنظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٩). ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «اغتسل النبي - ﷺ - لدخوله مكة بفخ». ٢/ ٢٠٠ ح (٨٥٢). ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على تفرد الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر؟، من حديث سويد بن عبدالعزيز، عن حميد، عن أنس، «استعار النبي - ﷺ - قصعة فضاعت، فضمنها لهم.» قال الترمذي: وهذا حديث غير محفوظ، وإنما أراد عندي سويد الحديث الذي رواه الثوري. ٣/ ٣٣ ح (١٣٦٠). وسويد بن عبدالعزيز بن نمير السلمي، أبو محمد الدمشقي، قاضي بلعبك، نقل الذهبي قول البخاري: فيه نظر لا يُحتمل، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة ١٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٧٢ (٢١٩٥)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٠ (٢٦٩٢). ينظر: الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٣٦ - ٣٤٢.
(٢) ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ٢٠٥ ]
لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين." (١)
وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن الخلاصة من مراد الترمذي بالشاذ هو:
- أن لا يتفرد الراوي - الذي هو دون الثقة- بالحديث إن كان ممن لا يقوى حاله على التفرّد.
- وأن لا يخالف الراوي الثقة غيره إن كان ممن يسمح حاله بالتفرّد.
- وأن لا يعارض هذا الحديث أصلًا من الأصول. (٢)
ما سبق كان بيانًا لبعض الاجتهادات في تفسير مراد الترمذي بنفي الشذوذ في حد الحديث الحسن، أما الخطابي فلم ينص على نفي الشذوذ في تعريفه، لكن قد يُشير إليه قوله: "يقبله أكثر العلماء" إذ الشاذ مردود عندهم، ويُضاف إليه ما ذكره البقاعي من أن: "قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" يُخرِج المعلل فإنه لم يُعرف مخرجه، والشاذ قسم من أقسام المعلل، والمنكر معلل على كل حال." (٣)
ورغم اختصار ابن الجوزي لتعريف الحسن إلا أن مفهوم قوله: "ما فيه ضعف قريب محتمل" (٤) يتضمن نفي الشذوذ المُسبب لضعف الحديث ضعفًا لا يُحتمل، هذا عدا أنه أضاف "ويصلح البناء عليه والعمل" بينما الشاذ لا يصلح لذلك.
_________________
(١) ابن سيد الناس، المرجع السابق، ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٢) ينظر: بلعمري، الشاذ، ٧٢ بتصرّف يسير.
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣٢.
(٤) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.
[ ٢٠٦ ]
وماثل تعريف ابن دحية (١) في شقٍ منه تعريف ابن الجوزي مع إضافة شروط في الراوي دون المروي مما حدا بابن حجر للتعقيب بقوله: "وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي، والله أعلم." (٢)
والفرق بين تعريف ابن الجوزي وابن دحية، أن الأول رغم اختصاره إلا أنه كان عامًا شاملًا للراوي والمروي على حد سواء، بينما الثاني جعل الضعف خاصًا بالراوي، فتعقّبه ابن حجر لذلك، والله أعلم.
أما ابن القطان فمما "يؤخذ عليه في تعريفه أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى (٣) إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة." (٤)
وقد استنتج الدكتور أكرم بلعمري معنى الشذوذ عند ابن القطان عن طريق دراسة آرائه وأقواله في المسائل المتعلّقة تعلّقًا وطيدا بمبحث الشاذ، كزيادة الثقة وتعارض الوصل
_________________
(١) قال ابن دحية ﵀: "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق". ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٣) ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٥ - ٢٦.
(٤) الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠، وستأتي الإشارة إلى بعض آرائه في العلل غير المؤثرة على صحة الحديث، في قيد السلامة من العلة.
[ ٢٠٧ ]
والإرسال والوقف والرفع، فمن خلال ذلك - كما ذكر- حدّد مفهوم الشاذ عند ابن القطان الفاسي بأنه:
"مخالفة الراوي لغيره مخالفة منافية يلزم من قبولها ردّ رواية الأحفظ أو رواية الجماعة. ويتوسع في ذلك فيشمل مخالفة الضعيف، فإن رُدّت مخالفة الثقة بالقرينة فمن باب أولى تُردّ مخالفة الضعيف بها." (١)
أما من جاء بعد ابن الصلاح:
- فهناك من لم يصرح بنفي الشذوذ في حدّ الحديث الحسن؛ إلا أنه داخل في مفهوم تعريفه، ومن ذلك:
تعريف ابن جماعة (٢)، إذ اكتفى بنفي العلل، والشذوذ نوع منها، (٣) وكذلك ابن الملقّن في كتابه التذكرة (٤)، فإن نفي الشذوذ داخل في تعريفه المجمل، خاصة أنه اكتفى بذكر تعريف واحد مجمل للحسن، ويريد به الحسن لذاته، وأشار فيه إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن بشيء من الدقة حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما
_________________
(١) بلعمري، الشاذ، ١١٤. ينظر ما ذكره من آراء ابن القطان في هذه المسائل. المرجع السابق، ١١١ - ١١٤.
(٢) "ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن". ابن جماعة، المنهل، ١٠٣.
(٣) فقد أوضح ابن الصلاح أن مما يُستعان بع في معرفة العلل وجود التفرد أو المخالفة من الراوي فقال: "ويستعان على إدراكها - أي: العلل- بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٤.
[ ٢٠٨ ]
اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن من الطعن، والشذوذ يطعن في سلامتهما.
- وهناك من صرّح بنفي الشذوذ عن قسم واحد من أقسام الحديث الحسن دون الآخر، حيث صرّح بنفيه عن الحسن لذاته ابن حجر في تعريفه (١)، وتبعه الشّمُني في ذلك، وزاد في وصف راويه بقوله: "وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكرًا" (٢).
أما ما يخص تعريف الحسن لغيره، فإذا حملنا معنى الشذوذ على ما اعتمده ابن حجر واختاره في النخبة، وهو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، فإن الشذوذ إنما يكون في أحاديث الثقات، والحسن لغيره في أصله ضعيف انجبر بمثله أو نحوه فلم يصرّح بنفي الشذوذ فيه.
وفي حال فُسِّر الشذوذ بالمعنى الثاني الذي عزاه ابن حجر لبعض أهل الحديث-وهو: تفرد الراوي سيِّئ الحفظ، - فإن تعريفه للحسن لغيره يتضمنه، وإن لم يصرّح به؛ لأن من شروطه في الحسن لغيره أن يكون ضعفه مُنجبِرًا، ويُتابَع بمُعتَبر، فاشتراط المتابِع المُعتبر هنا ينفي التفرّد، وبالتالي ينتفي الشذوذ بانتفاء التفرّد، والله أعلم.
- أما ابن الصلاح - ومن تبعه وسار على نهجه- فالشذوذ عندهم على قسمين: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٣)
والحسن عنده على قسمين كذلك، وفي تعريفه نفى الشذوذ عن القسمين كليهما (الحسن لذاته ولغيره)، ويظهر أنه أراد في كل قسم معنى للشذوذ دون الآخر.
_________________
(١) ينظر: السخاوي، الجواهر والدرر، ٢/ ٩١٣ - ٩١٤.
(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩.
[ ٢٠٩ ]
ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي، وقال فيه: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا "، فهو هنا صرّح بأن نفي الشذوذ مرادف لقوله "ويُروى من غير وجه" أي أنه نفي للتفرد.
بينما في القسم الثاني، والذي نزّله على تعريف الخطابي، اشترط في راويه أن يكون من مرتبة من لا يُستنكر تفرّده، فقال: "وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا"، والشذوذ والنكارة عند ابن الصلاح بمعنى واحد، فإذا كان تفرّد رواة هذا القسم لا يُعدّ منكرًا ولا شاذًا، فيُحمل اشتراط نفي الشذوذ هنا على المعنى الثاني الذي قرره من معاني الشاذ اصطلاحًا، وهو المخالفة، والله تعالى أعلم. (١)
ثانيًا: السلامة من النكارة (٢):
النكارة تأتي في اللغة بمعنى: الدهاء، والأمر الشديد أو الصعب، والنكرة: خلاف المعرفة، والمنكر: ضد المعروف.
ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه. (٣)
_________________
(١) "فقوله: "يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا" احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكرًا، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة." السليماني، الجواهر، ٨٢.
(٢) سيأتي الحديث بالتفصيل عن المنكر في الفصل الخاص به بإذن الله.
(٣) ينظر مادة (نكر): الفراهيدي، العين، ٥/ ٣٥٥، ابن فارس، المقاييس، ٥/ ٤٧٦، الرازي، المختار، ٣١٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٤٨٧.
[ ٢١٠ ]
والمنكر في الاصطلاح: عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ حيث قال: "المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه" (١).
أما ابن حجر فقد عرّف الشاذ ثم أتبعه بتعريف المنكر فقال: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر" (٢)، فالمنكر عنده: ما رواه الضعيف مخالفًا به من هو أولى منه.
وأشار كذلك إلى الإطلاقات الأخرى للمنكر، ومنها: إطلاقهم المنكر على مجرد التفرد، إلا أنه ذكر معيارًا لذلك فقال: "حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٣)، ويُشير بذلك إلى اختلاف الحكم بالنسبة للحديث الفرد، فليس كل تفرد منكر (٤)، ثم أعقب كلامه ببيان موطن الاختلاف بين المنكر والشاذ فقال:
"وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته.
وأما انفرد المستورُ، أو الموصوفُ بسوء الحفظ، أو المضعفُ في بعض مشايخه دون بعض، بشيء لا متابعَ له ولا شاهدَ، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.
وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠."أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف".
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٦.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.
(٤) سيأتي الحديث عن الفرد، وأنواع الأفراد بإذن الله في فصل مستقل.
[ ٢١١ ]
فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، والله أعلم". (١)
وخلاصة كلامه: أن الراوي الصدوق إذا كان ضبطه في مرتبة رواة الصحيح والحسن، ثم خالف من هو أرجح منه فيُحكم على روايته بالشذوذ، وهذا هو المعتمد في تسمية الشاذ.
وإذا كان ضبط الراوي الصدوق أقل مما يُشترط في الصحيح أو الحسن ثم تفرّد بالرواية، فروايته شاذة على قول، فإن خالف هذا الراوي من هو أولى منه كان شذوذه أشد، وهناك من يحكم بالنكارة على هذه الرواية. (٢)
أما الراوي الضعيف في بعض شيوخه أو الموصوف بسوء الحفظ (٣) أو المستور-بمعناه عند ابن حجر (٤) - إذا تفرّد بالرواية، فروايته منكرة على قول كثير من أهل الحديث، وإذا خالف بروايته من هو أولى منه، فهذا هو القسم الثاني من المنكر، وهو المعتمد عند الأكثرين.
ويظهر من كلام ابن حجر﵀- أن الراوي كلما نزلت مرتبته عن الرواة المتقنين-رواة الصحيح والحسن- وضعف ضبطه، كان المعتمد عند الأكثر إطلاق النكارة على تفرده أو مخالفته؛ لذا فرّق بين رواة الشاذ والمنكر، فذكر أن المعتمد إطلاق الشاذ على رواية المقبول إذا خالف من هو أولى منه، وإطلاق النكارة على رواية الضعيف إذا وقعت منه المخالفة للأَولى.
_________________
(١) ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٥.
(٢) فهذا جزء مشترك - في إطلاقات العلماء- بين الشاذ والمنكر، يأتي تفصيله في كل من: الفصل الخاص بالشاذ، وكذلك الفصل الخاص بالمنكر، وبيان أوجه التداخل بينهما بإذن الله.
(٣) وقد أشار أيضًا إلى ان سوء حفظ الراوي "إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث." ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٤) والمستور عند ابن حجر مرادف لمجهول الحال، وهو: من روى عنه اثنان فصاعدا، ولم يوثق. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١٢٦.
[ ٢١٢ ]
وبتأمل تعريف ابن الصلاح للصحيح وللحسن، نجده:
- نفى الشذوذ في حدّ الصحيح، إذ راوي الصحيح يكون على درجة عالية من الثقة والضبط فغالبًا لا يُستنكر منه التفرّد.
بينما في تعريفه للحسن: قرن نفي الشذوذ بالنكارة في قسميّ الحسن.
- ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي: قال: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا "
فجعل نفي الشذوذ والنكارة ثمرة لاشتراط تعدد طرق الحديث ومجيئه من طريق آخر. (١)
- بينما في القسم الذي نزّله على تعريف الخطابي صرّح بأن راويه في مرتبة من لا يُعدّ تفرده منكرًا، وقوله هذا يُعدُّ نفيًا ضمنيًا للنكارة التي هي بمعنى التفرد، ثم إن تكراره لنفي النكارة في حد الحسن بقوله: "ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا." (٢) إما أن:
يُحمل على التأكيد، أو على المعنى الآخر للنكارة وهي المخالفة، وبهذا يكون قد نفى النكارة عن قسمي الحديث الحسن كليهما.
_________________
(١) مما يدعم هذا، ما توصّل إليه الدكتور عبدالجواد حمام في المراد بالمنكر عند الترمذي. المراجع: حمام، التفرد، ٤٨٨، التركي، الحديث المنكر ٦٧.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.
[ ٢١٣ ]
- أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الصحيح ولا في الحسن، وعلّل ذلك بقوله: "أن المنكر على قسميه عند من يخرجُ الشاذَّ هو أشد ضعفا من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبة الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة؛ كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة" (١).
وكذلك فإن تعريف المنكر عنده هو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وكونه لم يشترط في تعريف الحسن لذاته نفي النكارة؛ لأن رواة الحسن لذاته ليسوا ضعفاء، إنما هم في مرتبة تقلّ قليلًا عن مرتبة رواة الصحيح عنده.
أما الحسن لغيره فمن شروطه أن يكون ضعفه منجبرًا؛ بينما المنكر لا ينجبر في جميع أحواله؛ إذ يتراوح عنده بين تفرّد ضعيف لا يُحتمل تفرّده- ففي هذه الحالة لم يتحقق شرط المتابعة - وبين ضعيف خالف من هو أولى منه، وكليهما لا ينجبران، فانتفى شرط النكارة باشتراط انجبار الضعف؛ لذا لم يكن هناك داعٍ لاشتراطه في حد الحسن عند ابن حجر، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
أن من المعاني التي يأتي بها الشذوذ في اللغة معنى التفرّد، والمخالفة، وهي كذلك في الاصطلاح، وقد استعمل ابن الصلاح المعنيين في تعريف الشاذ اصطلاحًا -إذ جعله على قسمين- بينما اختار ابن حجر لتعريف الشاذ أنه: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، وذكر أنه هو المعتمد عند أهل الاصطلاح (٢)، وفرّق بين الشاذ والمنكر خلافًا لابن الصلاح الذي جعلهما بمعنى واحد.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.
(٢) وأشار إلى الإطلاقات الأخرى للشذوذ والنكارة والتي يتداخل بعضها مع الآخر.
[ ٢١٤ ]
واختلف من جاء بعد الترمذي في تفسير معنى الشذوذ في تعريفه للحسن، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.
فبالنسبة لاشتراط نفي الشذوذ في تعريفات الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها اشتراط نفي الشذوذ إما نصًا أو مفهومًا، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به، والله أعلم.
أما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعًا لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.
أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعًا لاشتراطه ذلك في الصحيح.
واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبرًا، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفًا عنده من الشاذ، (١) والله أعلم.
القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:
سبق الحديث عن قيد السلامة من العلة ضمن قيود الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل، ولا بأس بشيء من الإيجاز في الإشارة إلى
_________________
(١) سيأتي مزيد إيضاح في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.
[ ٢١٥ ]
معنى العلة لغة واصطلاحًا، فالعلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. (١)
وفي الاصطلاح، العلة: سبب خفي غامض يقدح في صحته (٢)، وهي غالبًا ما يُكشف عنها في الأحاديث التي ظاهرها الصحة، حيث قال ابن الصلاح: "الحديث المعلل هو الحديث الذي اُطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
وسبقه إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٤)
فالعلة تتطرق إلى الحديث الذي ظاهره الصحة بشكل عام، وقد أشار ابن الصلاح إلى أنها قد تُطلق على غير ذلك فقال: "ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من
_________________
(١) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٣ - ١٤، الرازي، المختار، ٢١٦.
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠، ابن حجر، النزهة، ٧٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٤.
(٣) ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٠.
(٤) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣. قال الخطيب البغدادي: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.
[ ٢١٦ ]
العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح." (١)
وبالنظر إلى اشتراط هذا القيد في حد الحديث الحسن:
- فإن الترمذي حين عرّف الحسن عنده لم يُصرّح بنفي العلة، واكتفى بنفي الشذوذ، وهو نوع من العلل الخفية، والذي يُقاس عليه ما يشبهه من أنواع الضعف الشديد غير المنجبر، فيُفهم من ذلك اشتراطه نفي ما يُعِلُّ الحديث ويضعفه بما لا ينجبر بمجيئه من طريق آخر (٢)؛ خاصة وأن الترمذي "إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثًا فيه علة يعلمها" (٣).
- أما الخطابي فإن قوله: " (ما عرف مخرجه) يُخرِج المعلل، فإنه لم يعرف مخرجه" (٤)، وتبعه الميانشي وزاد بقوله: "فإنه يحسن الاحتجاج به" والحديث المعلل يرده النقاد ولا يحتجون به.
وابن الجوزي اشترط أن يكون الضعف في الحديث محتملًا، والعلة تقدح في صحة الحديث فلا يُحتمل ضعفه.
_________________
(١) ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٠.
(٢) أما الضعف المنجبر كرواية الضعيف بسبب سوء حفظه، أو غفلته أو خطئه، أو رواية من سمع من مُختلِط بعد اختلاطه، أو رواية مدلس قد عنعن، أو حديث فيه انقطاع في سنده، فقد ذكر ابن حجر أمثلة لما وصفه الترمذي بالحُسن وهو من هذا القبيل.-سبق ذكرها في قيد المعاضدة- ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٨ - ٣٩٩.
(٣) ينظر: السليماني، الجواهر، ٧٧، ولعل عدم تصريحه بنفي العلة في تعريفه للحسن؛ لأن مفهوم العلة يتّسع عند نقاد الحديث؛ ليشمل السبب القادح وغير القادح، والخفي والظاهر، والمنجبر وغير المنجبر، فاكتفى الترمذي بنفي الشذوذ؛ لكونه من العلل الخفية القادحة، والضعف الذي لا ينجبر، ويُقاس عليه مثله من الضعف غير المنجبر، والله أعلم.
(٤) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣٢.
[ ٢١٧ ]
والحديث الحسن عند ابن القطان أعلى من الضعيف، وهو يَردُّ الحديث لوجود جَرْح مُفسّر في الراوي، فمن باب أولى أن يردّه لوجود علة تقدح في صحته. (١)
- أما ابن الصلاح فإنه حين عرّف الحسن جعله على قسمين:
نزّل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي، وممن جاء بعده من فهم منه اشتراط نفي العلة عن القسمين كليهما، واشترط القيد فيهما، وهناك من اقتصر على اشتراطه في الحسن لذاته دون الحسن لغيره.
فَمِن مَن فهم اشتراط ابن الصلاح -السلامة من العلة في الحديث الحسن بقسميه-:
ابن جماعة (٢)، وتبعه الطيّبي (٣)، وكذلك العراقي حيث قال في ألفيته:
"وقال بان لي بإمعان النظر أن له قسمين كل قد ذكر
قسما، وزاد كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ شملا" (٤)
_________________
(١) قال محقق كتابه مشيدًا بتحقيق ابن القطان لمسألة التدليس-وهو نوع خفي من الانقطاع يندرج ضمن علل الحديث، -: "كلام المؤلف على التدليس كلامٌ متقن، نقله الأئمة، واحتفوا به، وتفريقه بين التدليس والإرسال تفريق غوّاص على المعاني " الحسين آيت سعيد، من مقدمة تحقيقه لكتاب بيان الوهم، ١/ ٢٧١. وأشار الدريس إلى أن مما "يؤخذ على ابن القطان في تعريفه للحسن: "أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة." الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠. من أمثلة هذه الآراء: قول ابن القطان في تعليقه على الحديث رقم (١٠٢٢): "وهو أيضا مضطرب المتن، وذلك علة، لا كالاضطراب في الإسناد، فإنه لا ينبغي أن يعد علة، وإن رآه المحدثون علة." ابن القطان، بيان الوهم، ٣/ ٢٧٥. ومما خالف فيه جمهور العلماء أنه: "علل بالإرسال عددًا من الأحاديث رواها الصحابة، كحديث جابر أن جبريل أتى النبي - ﷺ - ليلة الإسراء، وحديث المسيب بن حزن في ذكره قصة وفاة أبي طالب عم الرسول - ﷺ -، وغير ذلك." بوعيّاد، تحسين الحديث، ٢٥٩. ينظر: ابن القطان، المرجع السابق، ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧ ح (٤٦٥)، ٢/ ٤٧٠ ح (٤٦٧).
(٢) " ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان" ابن جماعة، المنهل، ١٠٣.
(٣) مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة. الطيبي، الخلاصة، ٤٥.
(٤) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٥٤.
[ ٢١٨ ]
ومن شرحها بعده أوضح هذا المفهوم، حيث قال البقاعي: " (وزاد كونه ما عللا) إلى آخره، نفي العلة، والنكارة زيادة على كل منهما" (١).
وقال السخاوي في شرحه لألفية العراقي: " (وزاد) أي ابن الصلاح في كل منهما (كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ) أي: بكل منهما" (٢)، بل صرّح السخاوي في تعريفه لمطلق الحسن- والذي ضم قسميه- باشتراط السلامة من العلة في القسمين معًا (٣).
أما ابن حجر فقد اعترض على اشتراط السلامة من العلة في الحسن لغيره، فقال متعقّبًا تعريف ابن جماعة: "اشتراط نفي العلة لا يصلح هنا؛ لأن الضعف في الراوي علة في الخبر والانقطاع في الإسناد علة الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر، ومع ذلك فالترمذي يحكم على ذلك كله بالحسن إذا جمع الشروط الثلاثة (٤) التي ذكرها، فالتقييد بعدم العلة يناقض ذلك والله أعلم." (٥)
ويدل تعقّب ابن حجر لابن جماعة دون ابن الصلاح، على أنه يرى أن ابن جماعة هو من زاد هذا القيد في الحسن لغيره، وأن تعريف ابن الصلاح لا يتضمنه، وإلا كان الأولى أن يتعقّب ابن الصلاح؛ لأنه العمدة في ذلك.
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣١.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩١.
(٣) حيث قال: "وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ (إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة" السخاوي، فتح المغيث، ما بين المعقوفتين من طبعة دار المنهاج ١/ ١٢٥.
(٤) ابن حجر يرى أن الحسن عند الترمذي لا يقتصر على رواية المستور "بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي:
(٥) أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب.
(٦) ولا يكون الإسناد شاذا.
(٧) وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا، وليس كلها في المرتبة على حد السواء بل بعضها أقوى من بعض". ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٧.
(٨) ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٠٧.
[ ٢١٩ ]
وبالنظر إلى اشتراط السلامة من العلة في الحديث الحسن:
- فأمّا ما يخص الحسن لذاته-والذي يدخله بعضهم ضمن مراتب الصحيح، - فإن اشتراط خلوه من العلة تابع لاشتراط ذلك في الصحيح؛ لأن العلة تطعن في الصحة، واشتراط ذلك ظاهر أو مفهوم في تعريف ابن الصلاح ومن سبقه أو لحقه.
- وأما تعريف الحسن لغيره، والذي فيه ضعفٌ انجبر بالمعاضدة بمثله أو نحوه، فإن اشتراط خلوه من العلل قد يُلبِس من جهة اصطلاحهم بأن العلة تتطرق إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة، بينما إسناد الحديث الحسن لغيره في أصله ضعيف، وإنما يكتسب القوة من الاعتضاد، وهذا الاعتضاد - كما جاء في قيد المعاضدة- قد يُخرج الحديث عن حيّز الضعف، وقد يُقويه قوة لا تخرجه عنه؛ لذا أجد أن اعتراض ابن حجر على اشتراط السلامة من العلة - في تعريف الحسن لغيره، والذي نُزِّل على تعريف الترمذي- وجيهًا، وأن الرد عليه بأن العلة حسب الاصطلاح رد ضعيف (١)؛ لأن نفي العلة بالمعنى الاصطلاحي غير متحقق في الحسن لغيره، حيث ظاهره الضعف، والعلة إنما تتطرق للحديث الذي ظاهره الصحة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن نفي العلة بمعناها اللُّغوي - الذي يشمل كل ما يُمرض الحديث- غير ظاهر كذلك في الحديث الحسن لغيره؛ لأنه يُوصَف بكونه ضعيف ضعفًا منجبرًا،
حيث يكون ضعفه إما بسبب الانقطاع في السند أو الإرسال أو سوء حفظ الراوي، ونحو ذلك، مما يُعده نقاد الحديث من العلل الظاهرة التي يُعلّ بها الحديث، وإن كان الاصطلاح قد استقرّ على حصر تعريف العلة بالعلل الخفية القادحة.
_________________
(١) ينظر: تعقّب محققيّ كتاب النكت على ابن الصلاح، سواء في طبعة الجامعة الإسلامية، ١/ ٤٠٧، أو طبعة الميمان، ٢٢٥.
[ ٢٢٠ ]
قال الدكتور الدريس: "والذي أراه أن اشتراط نفي العلة لا يصلح في الحديث المعتضد بمثله، والُحسَّن بمجموع طرقه الضعيفة، وذلك لأن العلة ميدانها الحقيقي أحاديث الثقات المحتج بهم ولا أدلّ على ذلك من قولهم في تعريفها (مع أن الظاهر السلامة منها) والأحاديث المضعفة بسبب سوء حفظ رواتها أو جهالتهم أو لانقطاع في أسانيدها يُعدّ السبب القادح فيها ظاهرًا وليس غامضًا أو خفيًا" (١)
فاشتراط نفي العلة عن الحسن لغيره غير متوجّه على المعنى الاصطلاحي للعلة ولا على المعنى العام لها؛ ولعل ذلك هو الذي حذا بابن حجر - ﵀- بأن يعترض على اشتراط الخلو من العلة في حدّ الحسن لغيره، ويرى أن اشتراط الضعف المحتمل فيه كافٍ عن اشتراط نفي العلة، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
العلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، وإن استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة (٢).
وبالنظر إلى اشتراط سلامة الحديث الحسن من العلة، فسواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط نفيها في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، وقد سبق معنا - في قيد المعاضدة- أن المعاضدة
_________________
(١) الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٩٨ - ٢١٩٩.
(٢) سيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل بإذن الله.
[ ٢٢١ ]
قد تقوي الحديث الضعيف قوة لا تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي الضعف الشديد غير المنجبر، وفي نفي الترمذي للشذوذ في حده للحديث الحسن، إشارة إلى نوع من أنواع الضعف غير المنجبر والذي يُقاس عليه مثله. خاصة وأن الترمذي "إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثًا فيه علة يعلمها" (١)، والله أعلم.
من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:
وبتأمل القيود الزائدة في التعريفات السابقة واللاحقة لابن الصلاح نجدها قد ذكرت قيد (اتصال السند)، وقد سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عنه ضمن قيود تعريف الصحيح، وإنما يتم تحريره هنا بما يخص اشتراطه في الحديث الحسن، وعلاقته بنوعيه (لذاته ولغيره).
قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن (٢):
الاتصال من الوصل، وهو ضد الانقطاع، ومتصل السند: "ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه." (٣)
وبتأمل تعريفات الحديث الحسن السابقة لابن الصلاح أو اللاحقة:
_________________
(١) ينظر: السليماني، الجواهر، ٧٧.
(٢) سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عن قيد اتصال السند.
(٣) ابن حجر، النزهة، ٧٠.
[ ٢٢٢ ]
نجد بعضًا ممن جاء بعد ابن الصلاح قد صرّح باشتراط اتصال السند في قسم الحديث الحسن -الموسوم بالحسن لذاته- كالطيبي (١)، وابن حجر (٢)، وتبعه الشمّني، والسخاوي، بينما اشترطه ابن جماعة في الحسن بقسميه -كما يظهر من تعريفه (٣) - وقد تعقّبه ابن حجر في ذلك، فقال بأن: "قيد الاتصال إنما يُشترط في رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، وهذا هو الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه. بخلاف القسم الثاني الذي وصفه، فلا يشترط الاتصال في جميع أقسامه كما قررناه". (٤)
أما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم اشتراط الاتصال من تعريف بعضهم ضمنًا، من ذلك:
تفسير قول الخطابي: (عُرف مخرجه) بكون سنده لم يفقد الاتصال ظاهرا - كالانقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولا خفيا، كالتدليس.
وقيل: عُرف مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية
_________________
(١) حيث قال: "مُسند من قَرُب من درجة الثقة". الطيبي، الخلاصة، ٤٥.
(٢) إذ الحسن لذاته كالصحيح في شروطه وقيوده، وإنما يفترقان في درجة ضبط راويهما.
(٣) " ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان". ثم اختصره بقوله: " ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن". ابن جماعة، المنهل، ٣٦.
(٤) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٨.
[ ٢٢٣ ]
عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها. (١)
هذا بالإضافة إلى أن الخطابي أعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (٢)
وكذلك يُفهم من تعريف ابن القطان اشتراطه للاتصال، فقد خصّ وصف الحسن عنده ببيان حال الراوي ودرجته دون التطرق لشروط الإسناد الأخرى من الاتصال، ونحوه، إلا أنه قد صرّح في كتابه بتضعيف الحديث الذي يفقد سنده الاتصال فقال: "والضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب مما سكت عنه، هو ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال." (٣)
ومما يدلل على عناية ابن القطان باتصال الإسناد، وتعليل بعض الأحاديث بالانقطاع أنه عنون لباب في كتابه بيان الوهم بقوله: "باب ذكر أحاديث أوردها (٤) على أنها متصلة وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها" ثم سرد تحته الطرق التي يستدل بها على وجود الانقطاع فقال:
"اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات:
_________________
(١) المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، ٤٤، البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦، والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.
(٢) سبق ذكر أمثلة على ذلك في فصل الحديث الصحيح، ينظر: الخطابي، معالم السنن، ١/ ٩٤، ٤/ ٧، ٣/ ٢٥٩.
(٣) ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٥ - ٢٦.
(٤) يريد: أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتابه الأحكام.
[ ٢٢٤ ]
الأولى: قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه.
الثانية: أن توجد رواية المحدث عن المحدث، لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالانقطاع، وسنزيد هذا شرحا إذا انتهينا إليه.
الثالثة: أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه.
الرابعة: أن يكون الانقطاع مصرحا به من المحدث، مثل أن يقول: حُدثت عن فلان، أو بلغني، إما مطلقا، وإما في حديث [حديث]." (١)
وكذلك يُفهم من تعريف ابن دحية (٢)، ومن استدراك ابن حجر عليه؛ اشتراطه الضمني للاتصال، حيث جوّد ابن حجر تعريفه، وجعله صالحًا لتعريف الحسن لذاته في حال تم إضافة قيد نفي الشذوذ والنكارة إليه، فقال: "فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي" (٣).
ومن ثمَّ فإن اشتراط الاتصال تصريحًا أو ضمنًا يُعدّ لازمًا للتأكد من حال رواة الإسناد، من حيث قبول روايتهم أو ردّها، وإنّ انقطاع السند ظاهرًا أو خفيًا يحول دون ذلك، ويؤدي للجهالة بحال الساقط منه، لذا فإن من عرّف الحسن باشتراط وصف معين لرواته، وضمّ إلى ذلك نفي العلل، فإن اتصال السند يستتبع ذلك ضمنًا، ليخلو من جميع أنواع
_________________
(١) ابن القطان، بيان الوهم، ٢/ ٣٧١. يُنظر ما ذكره من أمثلة تحت هذا الباب. قال الدكتور خالد - فيما يخص اشتراط الاتصال وغيره في تعريف ابن القطان-: "لم يتعرض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى أن هذه الأمور موجبة لضعف الحديث، وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن لكن عُرِف ذلك من كلامه في مواضع أخرى إلا أنه له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة". الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠.
(٢) "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق" ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣١٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٣) ابن حجر، المرجع السابق ١/ ٤٠٥.
[ ٢٢٥ ]
الانقطاع الظاهر أو الخفي، التي تحول دون تحقق شرطي معرفة حال الراوي، وانتفاء العلة، وينطبق على ذلك تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، الذي نزّله على تعريف الخطابي، والذي يوصف بالحُسن لذاته؛ إذ لم يشترط فيه مجيئه من وجه آخر. والله أعلم.
وتجدر الإشارة أن ما سبق من اشتراط اتصال السند في الحديث الحسن، إنما يخص الحسن لذاته، أما ما يُحمل تعريفه على الحسن لغيره، والذي هو في أصله ضعيف ضعفًا مُنجبرًا تقوّى بمجيئه من وجه آخر، فإن كان سبب الضعف انتفاء شرط الاتصال، فينبغي الإشارة إلى أن ارتقاءه للحسن لغيره يكون حسب قابلية هذا الانقطاع للانجبار وعدمه، فمن أنواع الانقطاع ما ينجبر ومنها ما لا ينجبر، "فالذي يصلح للشواهد ما كان من قسم المنقطع الاصطلاحي، لا المعضل ولا المعلق إذا كان الساقط فيه أكثر من واحد، والله أعلم." (١)
نخلص مما سبق:
أن وصف الحديث بالحُسن، والذي يُعدّ من أدنى مراتب الصحيح يستلزم اتصال سنده، وقد ظهر ذلك في التعريفات الخاصة بالحسن لذاته، إما صراحة أو ضمنًا، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ ان بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر.
_________________
(١) السليماني، الجواهر، ٧٨. سيأتي تفصيل أنواع الانقطاع في فصل الحديث الضعيف.
[ ٢٢٦ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:
- بعد سرد التعريفات والاطلاع على ما كتبه السابقون عن المراد بالحديث الحسن، فإن أقدم من عرّف الحسن كمصطلح (١)
- تكاد تدور أغلب التعريفات على بيان درجة راوي الحديث الحسن، وتحديد درجته من حيث الجرح والتعديل بين درجات الصحيح نزولًا إلى ما يُضعّف به الراوي ضعفًا يسيرًا منجبرًا بغيره، فكان أن قسّم ابن الصلاح الحسن إلى قسمين:
جعل رواة قسم منه من المشهورين بالصدق والإتقان شهرة تقصر قليلًا عن شهرة رواة الصحيح.
والقسم الآخر يكون في إسناده مستور لم تتحقق أهليته، إلا أنه لم يُتهم بالكذب، ولم يُتصفّ بالغفلة وكثرة الخطأ، ومن كانت هذه حاله يحتاج حديثه للمعاضدة بالمتابعة أو الشواهد ليرتقي حديثه إلى الحسن.
وهذا ما دعا ابن حجر لتسمية الأول بالحسن لذاته، والثاني الحسن لغيره.
قيود الحديث الحسن:
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥ - ٣٦.
[ ٢٢٧ ]
- قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة، وهي مرتبة رواة الحسن لذاته، فلا تقل مرتبتهم عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان قصورًا لا يُستنكر به حديث الراوي حال انفراده بالإسناد.
وهذا القيد يُقابل اشتراط العدالة مع تمام الضبط في شروط الحديث الصحيح، فالشهرة المطلوبة في رواة الحسن لذاته هي درجة متوسطة في الإتقان والضبط، عبّر عنها ابن حجر بخفة الضبط.
وشهرة الرواة درجات: أعلاها شهرة بالعدالة والإمامة والحفظ، تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، ثم شهرة تقصر في ضبطها عن رواة الصحيح، ثم مطلق الشهرة دون تقييد بوصف معيّن، وتُفيد رفع جهالة العين عن الراوي، وكثرة الرواة عنه، لكنها لا تُفيد تعديله.
وممن ورد وصف الرواة بالشهرة في تعريفه للحديث الحسن: الخطابي، والميانشي، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لذاته)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة.
وتتفاوت أحاديث هؤلاء الرواة في القوة بين الصحة والحُسن، إلا أنها في الأغلب تقصر عن درجة الصحيح المتفق عليه.
- قيد الستر للراوي: يتنوع المراد بستر الرواة حسب القرينة والسياق، فإذا اقترن بوصف الصدق والأمانة أُريد به التوسط في الحفظ والإتقان، وكان كالقيد السابق في مقابلة رواة الصحيح من حيث نزول ضبطه قليلًا عن رواة الصحيح، وإذا أُريد بالستر المعنى الاصطلاحي من خفاء أمره وقلة الرواة عنه أو اختلاف النقاد بين تعديله أو تجريحه، فهو في أدنى مراتب التعديل، وحديثه في أصله ضعيف إنما يرتقي إلى الحسن لغيره في حال مجيئه من طرق أخرى تعضده.
[ ٢٢٨ ]
وممن ورد وصف الرواة بالستر في تعريفه للحديث الحسن: ابن القطان، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لغيره)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة.
- وتجدر الإشارة إلى أن: أدنى درجات الشهرة هي وصف الراوي بالشهرة مُطلقًا دون تقييده بأي وصف آخر، ويدل ذلك على رفع جهالة العين، بينما يظل حاله من حيث العدالة أو الجرح مجهولًا، وهذا يتداخل مع وصف الراوي بالستر مطلقًا، فالمستور معروف العين مجهول الحال، وعلى هذا فإن (مطلق الشهرة) و(مطلق الستر) يجتمعان في معرفة عين الراوي مع جهالة حاله من حيث عدم وجود أقوال لأئمة الجرح والتعديل في بيان درجة عدالته أو ضبطه، أو كونه ممن اُختلِف فيه، ولم يترجّح أمره فتظل حاله مجهولة إلا أن الفرق بين مطلق الشهرة ومطلق الستر إنما هو في عدد الرواة عنهما، ففي المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عددًا يُشهرون به أمره (١) بينما "المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين" (٢).
- قيد المتابعة والمعاضدة، والمراد به: أن يُروى الحديث من غير وجه، وتتنوع بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها.
ولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر، وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد.
_________________
(١) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٦٢٦.
[ ٢٢٩ ]
واختلفوا في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسنًا لغيره.
- ففي حال كون المعاضِد أعلى وأقوى فهناك من جعله جابرًا، فيرتقي به الضعيف للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسنًا؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.
- وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسنًا لغيره.
- وأما إن كان المتابِع مُنحَطًا عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:
في حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفًا شديدًا، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكرًا أو لا أصل له، وفيما ذهبوا إليه - ﵏- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهنًا وضعفًا، ويخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (١) والله أعلم.
- قيد السلامة من الشذوذ والنكارة:
نص الترمذي على اشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن عنده، واختلف من جاء بعده في تفسير مراده بالشذوذ، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.
_________________
(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٨٣.
[ ٢٣٠ ]
وبالنسبة لغير الترمذي، واشتراطهم نفي الشذوذ في تعريف الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها ذلك إما نصًا أو مفهومًا، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به.
أما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعًا لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.
أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعًا لاشتراطه ذلك في الصحيح.
واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبرًا، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفًا عنده من الشاذ، والله أعلم.
- قيد السلامة من العلة:
إن اشتراط السلامة من العلة في تعريف الحديث الحسن سواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط ذلك في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، والمعاضدة قد تقوي الحديث الضعيف قوة لا تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي: الضعف الشديد غير المنجبر، وممن صرّح بهذا الشرط في تعريفه للحسن (لذاته ولغيره) ابن الصلاح - على الراجح- وابن جماعة، والطيبي، والسخاوي، أما ابن حجر فقد اشترطه في الحسن لذاته، وتبعه الشمني.
أما من جاء قبل ابن الصلاح فلم يُصرّحوا بهذا الشرط في تعريفهم للحديث الحسن، وإنما فُهم ذلك ضمنًا من شروطهم الأخرى.
[ ٢٣١ ]
- من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح، قيد اتصال السند، فكل من جاء بعد ابن الصلاح اشترط هذا القيد في قسم الحسن لذاته، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ أن بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر.
أما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم هذا الشرط من تعريفات بعضهم، كالخطابي، وابن القطان، وصنيعهما في نقد الأحاديث يدل عليه.
- إن المتأمل لقيود الحديث الحسن يجدها تتقابل مع قيود الصحيح، فاشتراط شهرة الرواة بالصدق والأمانة - في قسم الحسن لذاته- يقابله اشتراط العدالة والضبط في رواة الصحيح، بحيث يكون رواة الصحيح في أعلى درجات العدالة والضبط بينما يقصر رواة الحسن لذاته في درجة الضبط عن التمام.
وكذلك الأمر بالنسبة لاشتراط ستر الرواة في الحسن لغيره، فهو يقابل اشتراط العدالة والضبط في الصحيح؛ إلا أن مرتبة راوي الحسن لغيره تصل إلى أدنى مراتب التعديل، شريطة ألا ينزل عمن يُجبر حديثه بمجيئه من وجه آخر.
- وجاء شرط المعاضدة لجبر النقص الحاصل في قيد العدالة والضبط عند رواة الحسن، أو لجبره في بعض أنواع الانقطاع، ونجد أن ابن الصلاح في القسم الموسوم بالحسن لغيره، لم يذكر أنواع الحديث الضعيف بسبب الانقطاع (كالمرسل والمنقطع والمعضل، ولم يذكر المختلط ..) وإنما وصف الراوي بكونه مستورًا، وأوضح مراده بالستر، بأن الراوي لم تتحقق أهليته، أي لم يترجّح جانب ضبطه للرواية، ولم ينزل إلى درجة المتروك والمردود، ونجد في كلا القسمين تركيز ابن الصلاح على تحديد درجة الراوي ومدى ضبطه وإتقانه، ولم يتطرّق لشرط الاتصال، ولكنه عاد ونفى الشذوذ والعلة، وفي
[ ٢٣٢ ]
هذا ملحظ لانتفاء العلل الظاهرة من باب أولى كأنواع الانقطاع؛ لأن الانقطاع جهالة بالراوي الساقط، وبالتالي جهالة بحاله.
وإن كان المستور كما تم إيضاحه في تحرير القيد يشمل درجات من الرواة، فهنا ابن الصلاح وضع حداّ أدنى وأعلى للراوي، فلا يكون مشهورًا- معتنٍ بالرواية والضبط، وإن قَصُر فلا يصل إلى حد الاتهام بالكذب والتغفيل وكثرة الخطأ، والله أعلم.
قال الذهبي في الموقظة:
"ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه!
وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق". (١)
وبكلام الذهبي نختم فصل الحديث الحسن، وننتقل للفصل الثالث، وتحرير ثالث أنواع علوم الحديث عند ابن الصلاح، وهو: الحديث الضعيف.
_________________
(١) الذهبي، الموقظة، ٢٨ - ٢٩.
[ ٢٣٣ ]