المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٣٣٢ ]
المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:
المُنكَر اسم مفعول من أنكَر، و"النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونَكِر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه". (١) والمنكر: ضد المعروف.
ويأتي النُّكْر كذلك بمعنى: الدّهاء، والأمر الشديد أو الصعب. (٢)
ففي المنكر معنى زائد على مجرد الجهل بالشيء؛ وهو الشك وعدم الارتياح؛ بل قد يصل إلى الجحود والرفض. (٣)
المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
قال ابن رجب - ﵀- في شرحه لعلل الترمذي:
"ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي (٤) الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في
العلل" (٥)، وقد اختلف بعض المعاصرين فيما ذهب إليه ابن رجب ﵀- من أن البرديجي هو أقدم من
_________________
(١) ابن فارس، المقاييس، ٥/ ٤٧٦.
(٢) ينظر مادة (ن ك ر): الفراهيدي، العين، ٥/ ٣٥٥، الرازي، المختار، ٣١٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٤٨٧.
(٣) ينظر: حمام، التفرد، ٤١٦، أبو سمحة، المنكر، ٢٧ - ٢٩.
(٤) أحمد بن هارون بن روح، أبو بكر البرذعي ويعرف بالبرديجي، كان من حفاظ الحديث المذكورين بالحفظ والفقه. جمع وصنف، وبرع في علم الأثر. نزيل بغداد وقدم أصبهان مرتين، وتُوفي ببغداد سنة ٣٠١ هـ. ينظر: أبو نعيم، تاريخ أصبهان، ١/ ١٤٨ (١٠٨)، الخطيب، تاريخ بغداد، ٦/ ٤٣١ (٢٩٣١)، الذهبي، السير، (١٤/ ١٢٢).
(٥) ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠.
[ ٣٣٣ ]
وضع حدًا للمنكر- بين مؤيد لذلك (١)، ومتعقّب (٢)، ومنهم من توسّط بين الأمرين (٣). إلا أنني أتجاوز هذا الخلاف، وأذكر ما وجدت من عبارات الأئمة في بيان كل نوع حديثي من الأنواع أو المصطلحات التي يتضمّنها حدود البحث، ومن تلك العبارات أو التعريفات التي جاءت في بيان مصطلح المنكر ما يلي:
تعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ):
قال الإمام مسلم - ﵀-: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد
توافقها (٤)، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله". (٥)
_________________
(١) وقد استدل على ذلك بعدم ذكر ابن الصلاح لتعريف مسلم للمنكر، واقتصاره على تعريف البرديجي فقال مُعقّبًا: "وكأنه لم يقف على تعريف للمنكر عند غيره! ومما يؤكد هذا الفهم أن الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ لما تعرّض للكلام عن المنكر نصّ على أن أول من وجده عرّف المنكر هو البرديجي فعلى هذا ليست عبارة مسلم تعريفًا عند ابن رجب؛ لأنه وقف عليها حتمًا" ينظر: السلمي، الحديث المنكر، ٢٢.
(٢) مثل: الدكتور نور الدين عتر في تحقيقه لكتاب ابن رجب، حيث قال متعقِّبًا لكلامه: "بلى، قد وقع في مقدمة مسلم ما يُبيّن تعريف الحديث المنكر ". وكذلك العثمان في كتابه المحرر في مصطلح الحديث حيث قال: "وقد تكلّم الإمام مسلم ﵀ في حد المنكر" ثم قال بعد نقله لكلام مسلم: "وهذا تعريف الإمام مسلم للمنكر وهو من المتقدمين، فحينئذ يكون قول الحافظ ابن رجب فيه نظر بيّن". ويؤيد ما ذهبا إليه قول النووي في شرحه على صحيح مسلم: "هذا الذى ذكر، -أي: الإمام مسلم﵀ هو معنى المنكر عند المحدثين". المراجع: ينظر: النووي، شرح مسلم، ١/ ١٨، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠، العثمان، المحرّر، ٢٣٥.
(٣) مثل: الدكتور عبدالجواد حمام في كتابه التفرد في رواية الحديث، حيث قال: "أقدم كلام حول الحديث المنكر وصلنا مفصّلًا. ينظر: حمام، التفرد، ٤١٨، ٤٢٣.
(٤) قال النووي: "هذا الذى ذكر - ﵀- هو معنى المنكر عند المحدثين" ثم قال: "وقوله (أو لم تكد توافقها) معناه: لا توافقها إلا في قليل". النووي، شرح مسلم، ١/ ١٧ - ١٨.
(٥) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٧.
[ ٣٣٤ ]
تعريف الحافظ البرديجي (ت ٣٠١ هـ):
قال ابن الصلاح: "بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجهٍ آخر." (١)
بينما نقل ابن رجب عن البرديجي قوله في بيان الحديث المنكر: "أن المنكر هو الذي يُحدِّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يُعرَف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا." (٢)
تعريف ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ):
أشار ابن أبي حاتم لعلامة تُميّز صحيح الحديث من منكره بقوله: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم" (٣)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
بعد أن نقل ابن الصلاح تعريف البرديجي صوّب أن المنكر على قسمين، وأنه بمعنى الشاذ، فيكون المنكر عنده قسمان: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي
_________________
(١) ثم علّق عليه قائلا: "فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠.
(٢) ثم وضّح ابن رجب السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك يأتي ذكرها - بإذن الله- أثناء تحرير التعريف. ينظر: ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠ - ٤٥٣.
(٣) ابن أبي حاتم، الجرح، ١/ ٣٥١.
[ ٣٣٥ ]
ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد جعل ابن الصلاح الحديث المنكر مرادفًا للشاذ وبمعناه (٢)، وتابعه على هذا جُلُّ من جاء بعده، ولخّص كتابه:
كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٣)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٤)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث قال: "المنكر: وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا - وإن لم يخالف- فمنكر مردود.
وأما إن كان الذي تفرد به (عدلًا ضابطًا حافظًا «٥) قُبِل شرعًا، ولا يقال له منكر، وإن قيل له ذلك لغةً" (٦).
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩ - ٨٠، ثم أتبعه بذكر أمثلة لكل قسم، ويستنتج من تعريف ابن الصلاح أنه يَعدُّ مخالفة الراوي لمن هو أولى منه (سواء كان ثقة أو ضعيف) منكرًا وشاذًا، أما بخصوص تفرد الراوي، فقد جعل النكارة والشذوذ خاصة بتفرّد الضعيف الذي هو دون رواة الصحيح والحسن في الضبط والإتقان، حيث أن المنكر عند ابن الصلاح نوعان، "وقوله في تعريف الحسن لذاته: (يرتفع عن حال من يُعدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا) احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكرًا، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة". السليماني، الجواهر، ٨٢.
(٢) سبقه في التصريح بذلك- كما جاء في فصل الحديث الشاذ- الحافظ صالح جزرة حيث قال: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف". الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.
(٣) ينظر: النووي، التقريب، ٤١، وفي شرحه لصحيح مسلم ذكر من أنواع الحديث الفرد أربعة منهما اثنان وصفهما بالشذوذ والنكارة، وهما: "فرد مخالف للأحفظ وفرد ليس في رواية من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، ١/ ١٥٤.
(٤) حيث قال: "المنكر، وهو كالشاذ". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧.
(٥) هكذا في ط: غراس، ٥١، وط: دار المعارف، ١٨٣. وعقّب محققها في الحاشية: "في طبعة الشيخ شاكر: (عدلٌ ضابطٌ حافظٌ) مُخالفًا النسختين وقواعد اللغة".
(٦) ابن كثير، الاختصار، ٥١، فابن كثير يرى أن تفرد الضابط الحافظ مقبول، وليس بمنكر، وإن أُطلق عليه وصف النكارة فهو إطلاق لُغوي وليس اصطلاحي.
[ ٣٣٦ ]
وممن اختصر تعريف ابن الصلاح كذلك: البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (١)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٢).
واقتصر بعضهم على شق من التعريف كابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) حيث اقتصر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف، فقال: "قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطا، فهو الشاذ على هذا، كما تقدم، وقال البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، والصواب ما تقدم." (٣).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
ما ذكره الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، فبالرغم من أنه وافق ابن الصلاح في تعريفه للشاذ إلا أنه حين عرّف المنكر اقتصر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض
تفردات الصدوق فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مفرد الصدوق (٤) منكرا." (٥)
_________________
(١) ينظر: البلقيني، المحاسن، ١٧٩.
(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٥، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٥١.
(٣) ابن جماعة، المنهل، ١٣٦. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، ٤٣٧.
(٤) الراوي الصدوق عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: "ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه". وقال ابن الصلاح: هذه العبارات لا تُشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه". وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، وهو ممن يُكتب حديثه، وينظر فيه. بينما ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة والتي تقصر عنده قليلًا عن المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٧، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢٢ - ١٢٣، الذهبي، الميزان، ١/ ٤، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧١، ابن حجر، التقريب، ٧٤. "والصدوق: هو العدل الذي خفّ ضبطه، والأصل في حديثه أن يكون حسنًا". العوني، شرح الموقظة، ٩٣.
(٥) الذهبي، الموقظة، ٤٢.
[ ٣٣٧ ]
أما ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) فإنه لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (١) بينما اقتصر في كتابه (التذكرة) على تفرّد الضعيف، فقال: "هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ." (٢)، واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (٣)، والنكارة بتفرّد الضعيف.
ولعل تلميذه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. (٤)
فنجد أن ابن حجر حين عرّف المنكر قال في تنكيته على ابن الصلاح: "وأما ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.
وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين." (٥)
فذكر من أقسام المنكر تفرد الراوي الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار، فهذا منكر عند كثير من أهل الحديث، فإن خالف - من هذه حاله- من هو أولى منه، فهذا ما يُطلق عليه المنكر عند الأكثرين، وهو ما اعتمده ورجّحه.
_________________
(١) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.
(٣) إذ أن المقنع اختصار لعلوم الحديث لابن الصلاح، والتذكرة اختصار للمقنع. ينظر تعريفه للشاذ: المرجع السابق، ١٦.
(٤) حيث جمع بين الشاذ والمنكر في اشتراط المخالفة والتفرّد، وفرّق بينهما في مرتبة راوٍ كلٍّ منهما، فخصّ الشذوذ برواية الثقة، والمنكر برواية الضعيف. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٠.
(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.
[ ٣٣٨ ]
وقد صاغ البقاعي عبارة شيخه ابن حجر في تعريف المنكر بقوله: "والمنكر: اسم لما
خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه بمتابعة مثله" (١)
فتفرّد الضعيف ضعفًا لا ينجبر بالرواية - دون مُتابِع- كافٍ لإطلاق النكارة على حديثه، وإن لم يُخالَف، وهذا ما أشار إليه ابن حجر في النزهة بأنه: "المنكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة - " ومثّل له بمن "فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (٢)، ونجده كذلك استشهد بما ذكره الإمام مسلم - ﵀- في
بيانه لعلامة الحديث المنكر، ثم أتبعه بقوله: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -". (٣)
وقد أشار ﵀ إلى إطلاق بعضهم النكارة على مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده فقال: "فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن (٤)، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان
أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا". (٥)
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧، وكذلك الأنصاري في كتابه فتح الباقي حيث قال: "والمنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك." الأنصاري، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، ١/ ٢٣٨.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١١٢ - ١١٣ باختصار. قال أبو شهبة: "ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر، أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط، ومثله لا يقبل تفرده." أبو شهبة، الوسيط، ٣٠٤.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.
(٤) حيث اشترط ابن الصلاح في راوي الحسن لذاته "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١ - ٣٢، فراوي الحديث الحسن وإن خفّ ضبطه إلا أنه يرتفع عن حال من يُستنكر حديثه عند الانفراد. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.
[ ٣٣٩ ]
"فحاصل كلام ابن حجر - ﵀- أنه يرى تفرد من هو في آخر مراتب الحسن وقريب جدًا من مراتب الضعيف، بل في أول مراتب الضعيف يُعتبر شاذًا، ومع المخالفة يكون منكرًا" (١)
فنجد أن ابن حجر - ﵀- ذكر أقسامًا وأنواعًا للمنكر منها:
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا". (٢)
- وكذلك تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث". (٣)
- ومنها كذلك مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين". (٤)
- وأيضًا تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة". (٥)
_________________
(١) العثمان، المحرر، ٢٢٩.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.
(٣) المرجع السابق، ٢/ ٦٧٥.
(٤) المرجع السابق.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٢. وقد عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، ١٨٧ - ١٨٨.
[ ٣٤٠ ]
- وكذلك رواية المتروك (١) تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم". (٢)
وقد اُشتهر عن ابن حجر - ﵀- ترجيحه لأحد هذه الأقسام، وهو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وذلك في كتابيه (نخبة الفِكَر) وشرحه (النزهة) (٣)، حيث قال- بعد أن
عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقًا) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له:) المنكر) " (٤).
وقد سار على نهج ابن حجر في التفريق بين الشاذ والمنكر تلامذته: البقاعي (ت ٨٨٥ هـ) (٥)، والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) (٦)، وزكريا الأنصاري (٧) (ت ٩٢٦ هـ) (٨)، وتبعهم السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٩).
_________________
(١) "ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب- هو المتروك." ابن حجر، النزهة، ١١٢.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.
(٣) قال السيوطي: "المنكر الذي روى غير الثقة مخالفا، في نخبة قد حققه". الألفية، ٢٣.
(٤) ابن حجر، النزهة، ٨٦.
(٥) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧.
(٦) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٧) زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري المصري الشافعيّ، أبو يحيى، قاض فقيه، مفسر، من حفاظ الحديث. له تصانيف كثيرة، منها: (تحفة الباري على صحيح البخاري) و(شرح صحيح مسلم) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات،١٠/ ١٨٦، الزركلي، الأعلام، ٣/ ٤٦. كحالة، المؤلفين، ١/ ٧٣٣ (٥٤٨٠).
(٨) ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٨.حيث قال: "والمعتمد أنهما متميزان، كما جرى عليه شيخنا".
(٩) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ٣٤١ ]
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
قسّم ابن الصلاح المنكر- تبعًا لتقسيمه الشاذ؛ فهما عنده بمعنى واحد- إلى قسمين، ومُحصِّلَتهما: استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه، بينما يُستنكر التفرّد - الخالي من المخالفة- إذا كان المُتفرِّد بالرواية ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد.
قيود المنكر عند ابن الصلاح:
هي قيود الحديث الشاذ، وقد سبق بيانها في الفصل السابق ضمن حدود تعريفات الحديث الشاذ، ويُعاد ذكرها في هذا الفصل لبيان علاقتها بتعريفات الحديث المنكر، وهما قيدان:
- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.
- وتفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده).
القيد الأول: التفرد:
أبدأ بقيد التفرد لكونه الأشمل؛ ولتعلّق أغلب تعريفات المنكر به. (١)
ومعنى التفرد في اللغة: هو: ما كان وحده، وكذلك يُطلق على الذي لا نظير له. (٢)
واصطلاحا: "هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سندًا أو متنًا" (٣).
_________________
(١) فالتفرّد أعم حيث يشمل انفراد الراوي بالرواية دون متابعة وكذلك تدخل المخالفة إذ هي نوع تفرد (انفراد برواية مخالفة). قال الدكتور عبدالجواد حمام: "وجود المخالفة في التفرّد أو عدم وجودها: هذا جانب مهم في قضية التفرد، وهو من أدق مباحثه وأعسرها؛ لكثرة الآراء، واختلاف وجهات النظر، وسبب الإشكال هو تحديد حقيقة المخالفة وماهيتها وزاوية النظر إليها " حمام، التفرد، ١٢١ باختصار.
(٢) سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد هنا بشيء من الاختصار. ينظر: الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠، ابن سيده، المحكم، ٩/ ٣٠٦، الرازي، مختار الصحاح، ٢٣٦.
(٣) زهار، المرجع السابق، ١٢٤، وينظر كذلك: حمام، المرجع السابق، ٩٠.
[ ٣٤٢ ]
ويُستنكر التفرد في بعض الروايات؛ لكونه قد يكون مؤشرًا لوجود علة فيها (١)، وألمح ابن الوزير كذلك إلى سبب استنكار بعض تفرّدات الرواة فقال: "قلت: أما من تفرد عن العالم الحريص على نشر ما عنده من الحديث وتدوينه، ولذلك العالم كتب معروفة وقد قُيَّد حديثه فيها، وتلاميذه حُفَّاظ حِراص على ضبط حديثه وكتبه حفظا وكتابة، فكلام المحدثين
معقول؛ لأن في شذوذه (٢) ريبة توجب زوال الظن (٣) على حسب القرائن، وهو موضع اجتهاد، وأمّا من شذَّ بحديث عمن ليس كذلك فلا يلزم ردُّه" (٤).
وقد مثّل ابن الصلاح لقيد التفرّد بقوله:
"ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده-: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلِق (٥») تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه (٦)، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. والله أعلم" (٧).
_________________
(١) سبق الإشارة إلى هذا في فصل الحديث الشاذ.
(٢) أي: انفراده.
(٣) " (توجب زوال الظن) بحفظه (على حسب القرائن وهو موضع اجتهاد) ردًا وقبولًا". الصنعاني، توضيح الأفكار، ١/ ٣٨٤.
(٤) ابن الوزير، التنقيح، ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) الخَلِق: البالي والقديم. ينظر مادة (خ ل ق): ابن الأثير، النهاية، ٢/ ٧١، ابن منظور، اللسان، ١٠/ ٨٨.
(٦) قال ابن الملقن: "إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول" ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٨٦، ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٩، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٢.
(٧) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.
[ ٣٤٣ ]
قال ابن حجر: "وأما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في (المستدرك) (١) لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكرهفي (الموضوعات) (٢). والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: "إنه
منكر" باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين. وقد جزم ابن عدي (٣) بأنه تفرد به (٤).
وقول الخليلي: إنه شيخ صالح (٥) أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون به في الديانة. - والله أعلم" (٦).
وفي تعليقه على حديث أبي زكير قال البقاعي:
"فيه من النكارة وجهان:
الأول: تفرد أبي زكير، وهو غير ضابط، فإنه صدوق يخطئ كثيرا، وهو وإن كان في عداد من ينجبر، لكنه لما أتى بهذا المتن الركيك الألفاظ، البعيد من القواعد، كان كأنه خالف من هو أقوى منه
الوجه الثاني من نكارته: ركاكة معناه، وعدم انطباقه على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان لا يغضب من مطلق حياة ابن آدم، بل من حياته مسلما مطيعا " (٧)
_________________
(١) كتاب الأطعمة ٤/ ١٣٥ ح (٧١٣٨).
(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ٣/ ٢٦.
(٣) عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك، أبو حمد الجرجاني، الحافظ، ويُعرف بابن القطان، واُشتهر بين علماء الحديث بابن عديّ، أحد أئمة أصحاب الحديث والمكثرين له والجامعين له والرحالين فيه، ومن أشهر كتبه (الكامل في ضعفاء الرجال). مات سنة: ٣٦٥ هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٣١/ ٥ (٣٤٠٣)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٨/ ٢٤٠.
(٤) ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٥ (٢١٤١).
(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٢.
(٦) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٠.
(٧) "بل ولا يغضب من حياته كذلك لطمعه في إغوائه، بل ولا نظر له في غضبه إلى الحياة أصلا، إنما نظره إلى بقائه على الطاعة، ولو مات عليها لأغضبه ذلك، ولو كان الأمر إليه في حياته لسره أن يمد في عمره رجاء استدراجه أيضا، وأيضا فإنه علل غضبه بجمع الجديد والعتيق، ومجرد دخول زمان هذا على الآخر كاف من غير احتياج إلى أكله له، أو رؤيته، والله أعلم." البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٨ - ٤٧٠ ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥١ - ٢٥٢. الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٩.
[ ٣٤٤ ]
يشير البقاعي بذلك إلى قسميّ المنكر عند ابن حجر حيث قال: "والمنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه
بمتابعة مثله" (١)، ويظهر من هذا الفرق بين رواية الضعيف القابل للانجبار، والضعيف شديد الضعف عند ابن حجر، فليس كل تفرد من الضعيف يُعدّ عنده منكرًا، بل بحسب مرتبته من الضعف، فإن كان ضعفه قابلًا للانجبار لا يُعدّ تفرده منكرًا إلا إذا خالف من هو أولى منه، بينما يُستنكر مجرد التفرد من الضعيف الشديد الضعف (٢).
وممن قال بالتفرد في الحديث المنكر: - الحافظ البرديجي كما نُقل عنه (٣). قال ابن الصلاح: "أطلق البرديجي ذلك ولم يُفصّل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث" (٤).
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٨.
(٢) ونظرًا لأن الشذوذ والنكارة يُعدّان من الضعف الشديد غير القابل للانجبار، فقد استشكل بعضهم إطلاق الوصف بالشذوذ والنكارة على تفرّد الضعيف المراجع: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩، السليماني، الجواهر، ٣٠٣.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠.
(٤) ثم قال: "والصواب فيه التفصيل الذي بينّاه آنفًا في شرح الشاذ." ابن الصلاح، المرجع السابق.
[ ٣٤٥ ]
قال ابن حجر: "مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة" (١)، وقد استدرك موضّحًا ذلك - في تنكيته على ابن الصلاح- بقوله: "وهذا ينبغي التيقظ له،
فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٢).
وبعبارة مشابهة نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر قوله:
"ما أطلقه البرديجي موجود في كلام أحمد، فإنه يصف بعض ما تفرد به بعض الثقات بالمنكر، ويحكم على بعض رجال الصحيحين أن لهم مناكير، لكن يعلم من استقراء كلامه أنه لابد مع التفرد من أن ينقدح في النفس أن له علة، (٣) ولا يقوم عليها دليل على نحو ما تقدم عن الحاكم في الشاذ (٤)، ويؤيده قول مسلم (٥): إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها" (٦)
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٤٥٥.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧. "فتأمل قول ابن حجر ﵀ حيث قال: "حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة"؛ ولذلك لا يلتفت حذاق المحدثين إلى زيادات وأفراد من ليس في وزن من يُحكم بصحة حديثه" العثمان، المحرر، ٢٣٤.
(٣) "هناك من يُطلق القول بأن المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد فقط، كاللكنوي، والتهانوي، وغيرهما، وهناك من الأئمة من قد يُفهم من كلامه أن القطان، وأحمد، والنسائي، والبرديجي، يريدون بإطلاق النكارة التفرد. والواقع أن من نظر في كلام هؤلاء وغيرهم من المتقدمين وجدهم يطلقون ذلك على الجرح الشديد، وعلى الخطأ والوهم، ويطلقون ذلك أيضًا على التفرد، والأصل في إطلاق الأئمة هؤلاء وغيرهم النكارة على الجرح لا مجرد التفرد، فلابد من التأني في الأمر، والله أعلم." السليماني، الجواهر، ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) ينظر ما سبق ذكره من مذهب الحاكم في معنى الحديث الشاذ، وذلك في الفصل السابق.
(٥) ينظر: مسلم، الصحيح، ١/ ٧. وقد نقل البقاعي ما ذكره مسلم بتصرّف.
(٦) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧.
[ ٣٤٦ ]
أما ابن رجب فبعد نقله لتعريف البرديجي أوضح السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك فقال:
ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة (١) أو سعيد بن أبي عروبة (٢) أو هشام الدستوائي (٣) بحديث عن قتادة (٤)، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام (٥)، وأبان (٦)، والأوزاعي (٧)، يُنظر في الحديث، فإن كان الحديث يُحفظ من غير طريقهم عن النبي - ﷺ -، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يُدفع، وإن كان لا يُعرف عن أحد عن النبي - ﷺ - ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرًا.
_________________
(١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، قال عنه الذهبي: "أمير المؤمنين في الحديث، ثبت حجة ويخطئ في الأسماء قليلا"، وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا". مات سنة ١٦٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٥ (٢٢٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٦ (٢٧٩٠).
(٢) سعيد بن أبى عروبة مهران العدوي، أبو النضر اليشكري مولاهم، البصري، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام، قال أحمد: كان يحفظ لم يكن له كتاب، وقال ابن معين: هو من أثبتهم في قتادة، وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة" وقال ابن حجر: "ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة"، مات سنة: ١٥٦ هـ وقيل ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤١ (١٩٣٣)، ابن حجر، التقريب، ٢٣٩ (٢٣٦٥).
(٣) هشام بن أبى عبدالله سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري، قال الذهبي: "الحافظ، وكان يطلب العلم لله، قال الطيالسي: هشام أمير المؤمنين في الحديث"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت، وقد رُمِي بالقدر"، مات سنة: ١٥٤ هـ ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٧ (٥٩٦٩)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٣ (٧٢٩٩).
(٤) قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، الحافظ المفسّر، قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت، مات سنة ١١٧ هـ، وقيل: ١١٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٣٤ (٤٥٥١)، ابن حجر، التقريب، ٤٥٣ (٥٥١٨)
(٥) همام بن يحيى بن دينار العوذي المحلمي مولاهم، أبو عبدالله، ويقال أبو بكر البصري، قال الذهبي: "الحافظ، قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ"، وقال ان حجر: "ثقة ربما وهم"، مات سنة: ١٦٣، وقيل: ١٦٤ أو ١٦٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٩ (٥٩٨٦)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٤ (٧٣١٩).
(٦) أبان بن يزيد العطار البصري، أبو يزيد، قال الذهبي: "قال أحمد: ثبت في كل المشايخ"، وقال ابن حجر: ثقة له أفراد، مات سنة: ١٦٠ هـ تقريبا. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٠٧ (١١١)، ابن حجر، التقريب، ٨٧ (١٤٣).
(٧) عبدالرحمن بن عمرو، الفقيه أبو عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، ثقة حافظ فقيه زاهد، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٣٨ (٣٢٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٤٧ (٣٩٦٧).
[ ٣٤٧ ]
وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - حديثًا لا يُصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا.
وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم (١) عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة (٢) عن أنس أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - «إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ » (٣) الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم.
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. (٤)
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه. وخرج مسلم (٥) معناه أيضًا من حديث أبي أمامة (٦) عن النبي - ﷺ - فهذا شاهد لحديث أنس. (٧)
_________________
(١) عمرو بن عاصم بن عبيدالله بن الوازع الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، الحافظ، قال: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا، وقال ابن حجر: "صدوق في حفظه شيء"، مات سنة: ٢١٣ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٠ (٤١٧٧)، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٥٥).
(٢) إسحاق بن عبدالله بن أبى طلحة الأنصاري النجاري، أبو يحيى المدني، قال عنه الذهبي: حُجّة، وقال ابن حجر: ثقة حُجّة، مات سنة: ١٣٢ هـ وقيل: ١٣٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٣٧ (٣٠٧)، ابن حجر، التقريب، ١٠١ (٣٦٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه، ٨/ ١٦٦ ح (٦٨٢٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، ٤/ ٢١١٧ ح (٢٧٦٤).
(٤) ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ ح (١٣٦٤). "فكلام أبي حاتم يدل على أن وهم عمرو بن عاصم كان بسبب مخالفة من روى الحديث بغير هذا الإسناد، والله أعلم." السليماني، الجواهر، ٣٦٤.
(٥) وأخرجه مسلم من حديث أبي أمامة في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، ٤/ ٢١١٧ ح (٢٧٦٥).
(٦) صُديّ بن عجلان بن وهب، أبو أمامة الباهلي، صحابي جليل مشهور بكنيته، مات سنة ٨٦ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٤٨ (١٢٢٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٣/ ١٥ (٢٤٩٧)، ابن حجر، الإصابة، ٥/ ٢٤١ (٤٠٨١).
(٧) ولأن الحديث مخرّج في الصحيحين، وله شاهد كذلك من حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، استدرك ابن حجر على البرديجي وصفه الحديث بالمنكر فقال: "لم يبين وجه الوهم، وأما إطلاقه كونه منكرا فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا إذا لم يكن له متابع؛ لكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم". ابن حجر، الفتح، ١٢/ ١٣٤. من استدراكات فضيلة المناقش: بل الحديث مخرّج في الصحيحين من حديث ابن مسعود - ﵁ - وهو الأصل، ولذلك صدّر به مسلم هذا الباب، ثم أتبعه بحديث أنس الذي تفرّد به عمرو بن عاصم، وهو أقوى من حديث أبي أمامة الذي هو آخر هذه الأحاديث.
[ ٣٤٨ ]
ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث؛ لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم. (١)
إن ما نُقِل عن البرديجي في تعريفه المنكر ليس فيه تقييد الراوي المتفرّد بكونه ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن السياق الذي ذكر ابن رجب ورود التعريف ضمنه، وهو سياق تفرّد الراوي عن شيخٍ - مشهور يكثر تلاميذه ويُجمع حديثه- فيتفرّد هذا الراوي برواية حديث عن هذا الشيخ دون بقية التلاميذ، ولا يتابعه أحد في روايته، ولا يكون هذا المتن معروفًا من غير ذلك الطريق، مما يُشير إلى وهم الراوي أو خطئه، فتفرد الثقة بحديث - متن- لا يضره إلا إذا كان فيه أمر لا يعرفه من لا يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يُستنكر يدل على ذلك حديث عمرو بن عاصم السابق ذكره، والذي قال عنه: "هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم" ، ولما كان هذا الحديث عنده معلولًا كان لا بد أن يكون له علة، وقد أعله بأخف رواة السند ضبطًا "عمرو بن عاصم الكلابي"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. (٢)
"إذن فالمنكر عند البرديجي لا يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث". (٣)
وممن قيّد وصف المنكر بالتفرّد كذلك:
ـ ابن أبي حاتم، حيث تُعرف نكارة الحديث عنده بتفرّد من لم تصح عدالته بالرواية (٤)،
_________________
(١) ينظر: ابن رجب، المرجع السابق، ١/ ٤٥٠ - ٤٥٣ باختصار.
(٢) ينظر: المحمدي، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ٥١ - ٥٢. باختصار.
(٣) المرجع السابق، ٥٢. لخّص الدكتور عبدالجواد حمام معنى المنكر عند البرديجي فقال: خلاصة هذا:
(٤) استعمل البرديجي وصف المنكر على ما تفرد به راوٍ عن إمام حافظ لا يُتصوَّر التفرد عن مثله؛ لكثرة أصحابه الثقات الذين ضبطوا حديثه، ولم يَفُتْهُم منه شيء.
(٥) استعمل مصطلح المنكر لوصف التفرد بمتن لا يُعرف عن النبي - ﷺ - من وجه آخر، مع التفرد بالسند على الصورة السابقة.
(٦) المنكر عنده من الحديث المردود المرادف للمعلل. ينظر: حمام، التفرد، ٤٢٩ باختصار.
(٧) حيث قال - في مقدمة كتابه الجرح والتعديل- في بيان ما يميّز صحيح الحديث من سقيمه ومنكره: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم." ابن أبي حاتم، الجرح، ١/ ٣٥١.
[ ٣٤٩ ]
وكذلك ابن جماعة اقتصر في تعريفه للمنكر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف (١)، والذهبي اقتصر في تعريفه للمنكر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض تفردات الصدوق، فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مُفرَد الصدوق منكرا" (٢)، بينما كان تعريفه للشاذ بأنه: "هو ما خالف راويه الثقات، أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده".
وما ذهب إليه الذهبي يُلمح إلى نوع تداخل بين الشاذ والمنكر، وأن أحدهما قد يغلب عليه جانب دون آخر مع وجود حيّز كبير يشتركان فيه، فنجدهما يجتمعان - حسب تعريفه- في تفرد من لا يُحتمل تفرّده، بينما يغلب إطلاق المنكر على تفرّد الضعيف، وقليل من تفردات الصدوق، وينفرد الشاذ بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، وأما ما يخص تفرد الثقة، فهو صحيحٌ عنده حيث قال: "وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن
تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا" (٣)، بل نجده يُصرّح بأن التفرّد من الثقة الحافظ دليل
_________________
(١) ابن جماعة، المنهل، ١٣٦. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، ٤٣٧.
(٢) الذهبي، الموقظة، ٤٢. "فكلامه عام يشمل كل ما ينفرد به الضعيف، سواء كان تفردًا نسبيًا مخالفًا لغيره، أو كان تفردًا مطلقًا ممن لا يحتمله حاله؛ بل حتى بعض روايات الصدوق الأفراد تدخل في المنكر بحسب كلام الذهبي". حمام، التفرد، ٤٣٨.
(٣) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤٠ - ١٤١. وقد بيّن في كتابه الموقظة أقسام الرواة من حيث تفرّدهم. ينظر: الذهبي، الموقظة، ٧٧ - ٧٨. "والذي يظهر من كلامه ﵀ أنه بناه على الاستقراء، وقد أشار في عبارته السابقة إلى مجموعة من القرائن التي تؤثر على التفرد فتكسبه صفة القبول، أو الرد. وجملة القرائن التي أشار إليها: (قوة الحفظ والوثاقة- الفقه والمعرفة- كثرة الطلب والملازمة- علو الطبقة). ولب قوله ﵀ أن التفرد يُقبل من الثقات إذا ما احتفت قرائن تؤكد أن الثقة ضبط روايته هذه، ولم يدخلها الوهم والخطأ وإذا غلَّبت القرائن جانب وهم الثقة أو خطئه كان حديثه منكرًا ". السلمي، المنكر، ١/ ٥٢.
[ ٣٥٠ ]
علو مرتبته في الحفظ - مالم تكن هناك قرينة تدل على خطئه- فقال: "الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرُتْبَته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضَبْطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبيّن غلَطُه ووهمُه [في] الشيء فيُعرف ذلك". (١)
ويُفهم من كلامه أن التفرّد مقبول من الثقات الحفاظ - ما لم يتبيّن خطؤه- فيُميّز النقاد ذلك، وإنما يُستنكر التفرد عادةً ممن هو دون الثقة المُتقِن، أي: في روايات الصدوق ومن دونه من الضعفاء، وإن كان الوصف بالنكارة أقل في تفردات الصدوق كما يُشير قوله: "وقد يُعدُّ مُفرَد الصدوق منكرا." (٢)
وكذلك نجد ابن الملقن قد اقتصر في تعريفه للمنكر - في كتابه (التذكرة) - على تفرّد الضعيف، فقال: "هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ." (٣) واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (٤)، والنكارة بتفرّد الضعيف. (٥)
_________________
(١) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤٠.
(٢) الذهبي، الموقظة، ٤٢. "قوله (وقد): يفيد التقليل أو التردد. أي: إن تفرّد الصدوق في بعض الأحيان قد يكون منكرًا." العوني، شرح الموقظة، ٩٣.
(٣) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.
(٤) ينظر: المرجع السابق، ١٦.
(٥) ولعل تلميذه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٠.
[ ٣٥١ ]
نخلص مما سبق:
أغلب تعريفات المنكر التي قيّدته بالتفرّد إنما خصته بتفرّد الضعيف على وجه الإطلاق، بينما فرّق ابن حجر بين مراتب الضعفاء ودرجاتهم في الضعف، وأطلق النكارة على تفرّد الشديد الضعف غير القابل للانجبار.
وأشار الذهبي إلى إطلاق النكارة على بعض تفردات الصدوق.
وأما تعريف البرديجي فقد أطلق التفرّد ولم يحدد مرتبة راويه، وإنما قيّده السياق والمثال بالتفرّد المُوهِم بالعلة والخطأ؛ وذلك لتفرّد الراوي عن شيخ مشهور بما لا يعرفه بقية تلامذة الشيخ الحريصين على جمع حديثه، وضبطه، ويُضاف إليه عدم معرفة المتن من طريق آخر، والله أعلم.
القيد الثاني: المخالفة: (١)
والمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٢).
وفي الاصطلاح: "أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (٣).
_________________
(١) سبق تعريف المخالفة في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد تعريفها هنا بشيء من الاختصار.
(٢) ينظر مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.
(٣) كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩. حيث قال مؤلف الكتاب: "لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله"، ثم أشار إلى بعض أسباب مخالفة الرواة لبعضهم في الرواية، فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". المرجع السابق.
[ ٣٥٢ ]
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.
وإن كانت المخالفة تدخل ضمن التفرّد إلا أنها نوع خاص منه، وقد مثّل ابن الصلاح للفرد المخالف بقوله:
"مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين (١) عن عُمر بن عثمان (٢) عن أسامة بن زيد (٣)، عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (٤) فخالف مالك غيره من
الثقات في قوله عُمر ابن عثمان - بضم العين-. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب (التمييز) (٥)، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عَمْرو بن عثمان، يعني: بفتح العين، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه عَلِم أنهم يخالفونه. وعَمْرو
_________________
(١) علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب القرشي الهاشمي، زين العابدين، قال الذهبي: قال الزهري: "ما رأيت قريشا أفضل منه"، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور" مات سنة ٩٣، وقيل: ٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧ (٣٩٠٠)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧١٥).
(٢) قال ابن حجر في التقريب: "عمر بن عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو تفرد مالك بقوله عمر" وعمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، ثقة. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٣ (٤١٩٦)، ابن حجر، التهذيب، ٧/ ٤٨١، ابن حجر، التقريب، ٤١٥، ٤٢٤ (٥٠٧٧).
(٣) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى، أبو محمد ويقال أبو زيد، صحابي جليل، الحِبُّ وابن الحِبِّ، ولد في الإسلام، ومات سنة: ٥٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤٦ (١٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ١/ ١٩٤ (٨٤)، ابن حجر، الإصابة، ١/ ١٠٢ (٨٩).
(٤) أخرجه مالك في الموطأ من حديث أسامة بن زيد كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل (٢/ ٥١٩) ح (١٠). مقتصرًا على الشق الأول منه «لا يرث المسلم الكافر»، والحديث كاملًا متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ٨/ ١٥٦ ح (٦٧٦٤)، ومسلم في صحيحه كتاب الفرائض، ٣/ ١٢٣٣ ح (١٦١٤).
(٥) لم أجد هذا النص في الجزء المطبوع من كتاب التمييز، ولعله في الجزء المفقود منه، والله أعلم. ينظر: ابن عبدالبر، التمهيد، ٩/ ١٦٠ - ١٦١.
[ ٣٥٣ ]
وعُمر جميعا: ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَمرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيرُه على مالك بالوهم فيه، والله أعلم". (١)
وقد تُعقِّب في هذا المثال، فمن وافقه في كون المنكر والشاذ بمعنى واحد، تعقّبه بأنه "لا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد عمر أن يكون المتن منكرًا، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة" (٢) فالحديث ليس بمنكر، ولم يُطلق عليه أحد اسم النكارة والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك (٣).
وأما ابن حجر - ومن سار على نهجه (٤) من التفريق بين الشاذ والمنكر، وترجيح إطلاق الشذوذ على مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإطلاق النكارة على مخالفة الضعيف- فقد استدرك على ابن الصلاح تمثيله للمنكر بمخالفة الإمام مالك لغيره، فقال:
"وإذا تقرر كون هذا - أيضا - لا يصلح مثالا للمنكر فلنذكر مثالا للمنكر غيره. وقد ذكر الحافظ العلائي في هذا المقام حديث هشام بن سعد (٥) عن
الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "جاء رجل إلى النبي - ﷺ - أفطر في رمضان
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.
(٢) العراقي، التقييد، ١٠٦.
(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٥٤ بتصرف يسير.
(٤) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٤٧٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٥، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٤٤.
(٥) هشام بن سعد المدني، أبو عباد، ويقال: أبو سعيد القرشي، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، قال الذهبي: حسن الحديث. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، ورُمِي بالتشيع. مات سنة: ١٦٠ هـ وقيل: قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٦ (٥٩٦٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٢ (٧٢٩٤).
[ ٣٥٤ ]
" (١) فذكر حديث المواقع أهله في رمضان، وذكر فيه الكفارة وقوله: "على أفقر مني" وزاد في آخر المتن "وصم يوما مكانه واستغفر الله".
قال العلائي: "تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيِّئ الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم، فإنه عندهم عنه عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة لا عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة".
قلت: وذكر أبو عوانة (٢) في صحيحه (٣) حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام ابن سعد، وأورده ابن عدي (٤) في مناكير هشام بن سعد " (٥)
ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر - ﵀- من تضييق معنى المنكر، وحصره في مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه (٦) - وذلك فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في
_________________
(١) أصل حديث أبي هريرة من طريق حميد بن عبدالرحمن مخرّج في الصحيحين، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، ٣/ ٣٢ ح (١٩٣٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، ٢/ ٧٨٢ ح (١١١١).
(٢) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة، الحافظ النّيسابوري ثمّ الإسفرايينّي صاحب (المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم) مات سنة: ٣١٦ هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٧٤/ ١٤٥ (١٠١٢١)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٧/ ٣١٥.
(٣) أبو عوانة، المسند، ٢/ ٢٠٤ (٢٨٥٧).
(٤) ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٤١١ (٢٠٢٥).
(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩.
(٦) قال الدكتور نور الدين عتر: "اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر عتر، منهج النقد، ٤٣٠. وقال الدكتور أبو سمحة: "إطلاق المنكر على المخالفة من الضعيف. وهذا ما استقر عليه رأي ابن حجر العسقلاني، واعتمده في (النزهة) ونجد هنا: أن ابن حجر تفرّد بالسبق إلى هذا التقييد؛ بجعله صورة المنكر مقتصرةً على هذه الصورة دون غيرها مما عُرف من صوره السابقة " أبو سمحة، المنكر، ٥٧ باختصار، ينظر كذلك: حمام، التفرد، ٤٣٨.
[ ٣٥٥ ]
كتابه النخبة وشرحه النزهة حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقًا) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له:) المنكر) " (١)، وذكر أنه المعتمد على رأي الأكثرين وذلك في تنكيته على كتاب ابن الصلاح. (٢)
ومثّل له في النزهة بمثال خالف فيه الضعيف غيره من الثقات فقال:
"ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيِّب بن حُبَيِّب (٣) -وهو أخو حمزة ابن
حُبَيِّب الزيات المقرئ (٤) - عن أبي إسحاق (٥) عن العَيْزار بن حُرَيث (٦) عن ابن عباس ﵄ عن النبي
- ﷺ - قال: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة» (٧).
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٨٦.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.
(٣) حُبيّب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، قال الذهبي: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك. وقال ابن معين: لا أعرفه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث عن الثقات لا يرويها غيره. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤٥٧ (١٧٢٢)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ١٧٤، ٧٨٢.
(٤) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، قال الذهبي: وثقه ابن معين، قال ابن حجر: صدوق زاهد ربما وهم، مات سنة: ١٥٦ وقيل: ١٥٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٥١ (١٢٣٣)، ابن حجر، التقريب، ١٧٩ (١٥١٨).
(٥) عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، قال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة ١٢٧ وقيل: ١٢٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٢ (٤١٨٥)، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٦٥).
(٦) العيزار بن حريث العبدى الكوفي، قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ١١٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠٨ (٤٣٦٣)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٨ (٥٢٨٣).
(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ١٣٦ ح (١٢٦٩٢)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٣٣٠ (٥٣٢) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب وقال -بعد أن أخرجه مع حديث آخر له-: "وهذان الحديثان الذي ذكرتهما لا يرويهما، عن أبي إسحاق غيره وهما أنكر ما رأيت له من الرواية".
[ ٣٥٦ ]
قال أبو حاتم (١): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف". (٢)
وممن قال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر:
الإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لا يوافقونه عليه، فقال - ﵀-: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها" (٣).
ذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال: "وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم"، ومثّل لهم بقوله: "فمن هذا الضرب من المحدثين:
عبدالله بن محرر" (٤)، ويحيى ابن أبي أنيسة (٥)، والجراح بن المنهال أبو العطوف (٦)، وعباد بن كثير (٧)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة (٨)،
_________________
(١) ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٣٥٩ ح (٢٠٤٣)، والقول لأبي زرعة كما جاء في كتاب العلل.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٦
(٣) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٧. "المنكر عند الإمام مسلم - ﵀-: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة مراتب، ويُحكم على الراوي بقدر مخالفته." السليماني، الجواهر، ٣٦٤.
(٤) عبد الله بن محرر العامري الجزري، قاضي الجزيرة، قال الذهبي: قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: متروك. مات في خلافة أبي جعفر. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩٢ (٢٩٤٤)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٠ (٣٥٧٣).
(٥) يحيى بن أبى أنيسة، أبو زيد الجزري، قال الذهبي: تالف، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٤٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣١٦ (٦١٣٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٨٨ (٧٥٠٨).
(٦) الجراح بن منهال، أبو العطوف الجزري. قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. مات سنة ١٦٧، وقيل: ١٦٨ هـ. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٣٩٠ (١٤٥٣)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ٩٩ (٤٠٤).
(٧) عباد بن كثير الثقفي البصري العابد، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، وقال ابن حجر: متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب. مات سنة: ١٤٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٣١ (٢٥٧٢)، ابن حجر، التقريب، ٢٩٠ (٣١٣٩).
(٨) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميرى المدني. قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ترك الناس حديث الحسين بن ضميرة، وهو عندي متروك الحديث كذاب. سُئل أبو زرعة عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة فقال: ليس بشئ ضعيف الحديث، اضرب على حديثه. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ١/ ٢٤٦ (٢٩٤)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٣/ ٥٨، ابن عدي، الضعفاء، ٣/ ٢٢٥ (٤٨٨).
[ ٣٥٧ ]
وعمر بن صهبان (١)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث" (٢). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين.
قال ابن حجر - مُعقِّبا على كلام مسلم -: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -" (٣).
ويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلاء الرواة قول الذهبي: "وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث." (٤)
_________________
(١) عمر بن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، قال الذهبي: قال الدارقطني: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٣ (٤٠٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٣).
(٢) مسلم، المرجع السابق، ثم قال: "فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته".
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥. قال الدكتور أبو سمحة: "فإن أراد ابن حجر قصر المنكر عند مسلم على هذه الصورة، فواقع المنكر عنده يخالف ذلك، وإن أراد بيان صورة من صوره، فالأمر كما قال." فهو يرى أن دلالة المنكر عند الإمام مسلم أوسع من قصرها على مخالفة الضعيف فقط، فقال: "فالإمام مسلم يُعدّ ممن وسّع دلالة المنكر لتشمل المخالفة والتفرد ممن لا يُحتمل منه ذلك، وهذا بصريح قوله في مقدمته " ثم قال: "أن ما ذكره في (التمييز) من أخبار منتقدة هي مناكير عنده. وفيها من المخالفات والأفراد المردودة ما يشمل الثقات والضعفاء الذين لا يتحمل منهم ذلك على حد سواء، بما يكشف لنا دلالة المنكر عنده." ينظر: أبو سمحة، المنكر، ٤٢ - ٤٤ باختصار.
(٤) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤١. وقال أيضًا: الكثير الخطأ مع القلة - أي: قلة روايته- هو المتروك. ينظر: الذهبي، السير، ٩/ ٤٢٩.
[ ٣٥٨ ]
ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبرًا في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم (١)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة، (٢) ثم قال: "وإن من أسند ذلك عنه عن النبي - ﷺ - واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا.
فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن
عبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (٣)، فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكرًا.
قال الزركشي: "ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين" (٤) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر.
_________________
(١) عمر بن عبدالله بن أبي خثعم اليمامي، قال الذهبي: قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٤ (٤٠٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٨).
(٢) حيث قال مسلم ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب ثنا عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين؟ قال: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن». مسلم، التمييز، ٢٠٨ - ٢٠٩، ح (٨٨).
(٣) مسلم، التمييز، ٢٠٩.
(٤) الزركشي، النكت، ٢/ ١٥٦. وقال أيضًا: "كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث" يقصد به الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي. قال الكتاني: "وكتابه هذا هو المعروف: بالكامل ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل واحد حديثا فأكثر من غرائبه ومناكيره". الكتاني، المستطرفة، ١٤٥.
[ ٣٥٩ ]
ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم﵀- أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لا يُحتمل منه هذا التفرّد. (١)
وأشار البقاعي إلى أن هذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلًا لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف-: "إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها" (٢). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه- أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفردًا لا يُحتمل.
نخلص مما سبق:
لقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعدُّ منكرًا، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه.
ومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكرًا.
_________________
(١) ينظر: السلمي، المنكر، ١/ ٤١، حمام، التفرّد، ٤٢٢. بتصرف.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧. نقل كلامه بتصّرف، وهو يدل على ما فهمه من قيام ريبة في حديث المتفرد دعت إلى استنكار حديثه، وليس فقط مجرد التفرّد.
[ ٣٦٠ ]
ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر﵀- فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح.
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات.
- المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو عنده على قسمين مُحصِّلَتهما:
أ) استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
ب) واستنكار رواية الفرد الذي ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد سواء خالف أو لم يخالف غيره من الثقات.
- وسبقه الإمام مسلم - ﵀- في الجمع بين المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في التفرّد غير المحتمل بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات.
- وقريبًا مما ذهب إليه الإمام مسلم صاغ ابن حجر تعريفه للمنكر جامعًا بين قيديّ التفرد والمخالفة - وذلك فيما نقله عنه تلميذيه البقاعي والأنصاري- فأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، واستنكر مجرد التفرّد من الشديد الضعف.
وقد اُشتهر عنه ﵀ اقتصاره على معنى المخالفة دون التفرد فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، ومجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:
[ ٣٦١ ]
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا".
- تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث".
- مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين".
- تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة".
- رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم".
واُشتهر عنه كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وابن حجر ليس أول من فرّق بين الشاذ والمنكر، بل سبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن، ولعل لهما سلف في ذلك، مثل قول ابن معين: "إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (١).
- أما غالب تعريفات المنكر فقد دارت حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل (٢)، وأضاف الذهبي - ﵀- تفردات الصدوق وألمح إلى قلة نسبتها إلى ما سبق.
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.
(٢) عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، ١٨٧ - ١٨٨. "خلاصة القول: من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقًا، أم ضعيفًا، أم متروكًا؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أو على ما يرويه المتروك مطلقًا." المحمدي، الشاذ، ٨٠ - ٨١.ينظر: مبحث تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين. الجديع، التحرير، ١٠٣٥ - ١٠٣٨.
[ ٣٦٢ ]
- ويدخل ضمن المنكر كذلك تفردات الثقات الناشئة من الخطأ أو الوهم أو غلبة الظن بذلك كما يُفهم من تعريف البرديجي - ﵀- وأمثلته.
- وفي الإحصائية التي أجراها الدكتور عبدالجواد حمام حول ما جمعه من الأحاديث الموصوفة بالنكارة وجد أن ثلثي هذه الأحاديث تفردات للضعفاء أو مخالفتهم، والثلث في تفرد الثقة أو الصدوق أو مخالفتهم (١).
وبشأن التفريق بين الشاذ والمنكر:
فلعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر (٢) تعريفات الشاذ - كما سبق في الفصل الخاص بالحديث الشاذ-: عن مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر يدور غالبها حول تفرّد الضعيف ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد.
فالناس في المنكر فريقان:
فريق يقول إنه هو والشاذ سيان، ، وفريق يقول إن المنكر أسوأ حالا من الشاذ. (٣)
_________________
(١) "مجموع كل المواضع التي درستها وعددها اثنان وسبعون حديثًا، نجد أن ثمانية وأربعين راويًا منهم ضعفاء، وأربعة وعشرون منهم ما بين ثقة وصدوق، أي مقبول، وهذه نسبة تساوي الثلث تقريبًا. إذًا فماهية المنكر عند الحفاظ ليست محض التفرد، ولا محض المخالفة، ولا مجرد رواية الضعيف، بل المنكر عندهم فيما ظهر لي: (الفرد الذي ترجّح فيه خطأ راويه). وكثيرًا ما تكون أمارة الخطأ المخالفة، أو ضعف الراوي لكن ليست هي العلة المؤثرة، إنما ما ثبت عند الحفاظ أنه خطأ في الرواية المتفرّدة يسمونه منكرًا؛ خالف أو لم يخالف، ثقة كان المتفرد أو ضعيفًا." حمام، التفرد، ٥٠٠.
(٢) "الشاذ عند أهل الحديث ثلاثة أنواع:
(٣) مخالفة الثقة لأرجح منه.
(٤) تفرّد الراوي الثقة.
(٥) تفرّد الشيخ سواء كان ثقة أو ضعيفًا، والشيخ في اصطلاحهم من دون الأئمة الحفاظ؛ وهو يشمل الثقة والضعيف والمنكر ثلاثة أنواع:
(٦) ما انفرد به ظاهر الفسق، أو المستور، أو سيِّئ الحفظ، أو المضعّف في بعض مشايخه.
(٧) ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة أو الصدوق.
(٨) ما تفرد به الثقة وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولم يُقم على ذلك دليلًا". أحمد أشرف عمر لبي، الحديث الشاذ تسهيل وتأصيل، ١٦٦ - ١٦٧.
(٩) ينظر، الجزائري، التوجيه، ١/ ٢١٣ باختصار.
[ ٣٦٣ ]
"قال الحسين بن حبان (١): قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (٢)،
ولعل سبب اشتباه الحديث الشاذ كونه من رواية الثقات، والخطأ في روايات الثقات أشد غموضًا ولا يميّزه في الغالب إلا النقّاد (٣)، أما كون المنكر لا يشتبه لأحد فهذا دليل وضوحه وعدم اشتباهه لكونه في الغالب متعلّقا برواية الضعفاء والمتهمين والمتروكين، والله أعلم.
ولأن التفرّد كان قيدًا بارزًا في تعريف كل من مصطلح الشاذ والمنكر؛ رأيت من المناسب أن أُلحِق فصل الأفراد بهما.
_________________
(١) الحسين بن حبان بن عمار بن الحكم، أبو علي صاحب يحيى بن معين كان من أهل الفضل، والتقدم في العلم، وله عن ابن معين كتاب (سؤالات) غزير الفائدة مات سنة ٢٣٢ هـ قبل ابن معين بسنة. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٨/ ٥٦٤ (٤٠٤٠)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٥/ ٨١٢.
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.
(٣) "من الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.
[ ٣٦٤ ]