المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
[ ٢٨٧ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:
الشاذ في اللغة: مأخوذ من شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذًا: أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم.
فالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الانفراد، والمفارقة، والتنحِّي، والإقصاء، والمخالفة. (١)
المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثًا عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (٢)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي - ﵀- ثم يذكرون بعضًا من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (٣)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:
_________________
(١) ينظر مادة (ش ذ ذ): الفراهيدي، العين، ٦/ ٢١٥، ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٨٠، الرازي، المختار، ٣٥٤، ابن منظور، اللسان، ٣/ ٤٩٤، الفيروزآبادي، القاموس، ٣٣٤، المعجم الوسيط، ١/ ٤٧٦.
(٢) "بعض أهل العلم ممن له استقراء لكتب العلل يقول: إنه لم يقف في أحكام المتقدمين على حكم لحديث بلفظ (شاذ)، وهذا حق إلا في النادر، لكن لا شك أن أهل الحديث استعملوا من الأحكام ما يدل على معنى الشذوذ، كقولهم: (خطأ)، وقولهم (لا يُتابع عليه)، وقولهم (غير محفوظ)، وهذا معنى قول ابن الصلاح ﵀: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث" -ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠ - وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر ﵀ من كلام المتقدمين حيث رأى أن ذلك يُراد به في بعض الأحيان الشاذ." العثمان، المحرر، ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٣) استدراك من فضيلة المناقش: كلام الشافعي يدل على أن هناك من عرّف الشاذ في عصره بالتفرّد.
[ ٢٨٨ ]
تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
روى ابن أبي حاتم (١) بإسناده إلى الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم" (٢)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (٣)
وروى ابن أبي حاتم أيضًا عن الشافعي قوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم." (٤)
تعريف أبو بكر الأثرم (٥) (مختلف في وفاته ما بين ٢٦١ - ٢٧٣ هـ):
قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٦)
_________________
(١) عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي، أبو محمد ابن أبي حاتم. محدث حافظ. من مصنفاته: (الجرح والتعديل) و(علل الحديث)، وغيرها. مات سنة ٣٢٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٢٦٣. الصفدي، الوافي بالوفيات، ١٨/ ١٣٥ (٦٨٣٢)، كحالة، المؤلفين، ٢/ ١٠٩ (٦٩٦١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: عبدالرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، ط ٢ (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤١٣ هـ= ١٩٩٣ م) ٢٣٣، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.
(٣) أخرجه البيهقي كذلك من طريق الحاكم في معرفة السنن والآثار، ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٩، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، (القاهرة-المنصورة: دار الوفاء، ١٤١٢ هـ=١٩٩١ م) ١/ ١٤٣ ح (١٦٩).
(٤) ابن أبي حاتم، آداب الشافعي، ٢٣٤، وأخرجه أيضًا ابن عدي في مقدمة الكامل في الضعفاء مع وجود خطأ مطبعي دمجت فيه كلمة (نصّ) وما بعدها فكتبت (نصرتهم)، ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٠٧. ومن هذه الروايات الثلاث لمعنى الشاذ عند الشافعي نجده -﵀- قيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة. وما جاء في بعض روايات التعريف بعموم المخالَف وهو قوله: "يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس" خصته الروايات الأخرى بالثقات. يقول الدكتور عبدالجواد حمام أنه بحث عن تعريف الشاذ في كتب الشافعي فلم يجده، والذين نقلوا كلامه في الشاذ لم يعزوه إلى شيء من كتبه، "وإنما رُوي كلام الشافعي عنه مُسندًا، ولعله قاله مشافهة ولم يسطّره في كتاب؛ ولذلك وقع شيء من الاختلاف في النقل عنه". حمام، التفرد، ٣٣٢.
(٥) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، أبو بكر الأثرم البغدادي، الفقيه الحافظ، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وروى عنه الناس، قال ابن حبان "وكان من خيار عباد الله من أصحاب أحمد ابن حنبل" اُختلف في تاريخ وفاته، قيل: ٢٦١، وقيل ما بعدها، وقيل تأخرت وفاته إلى ٢٧٣ هـ. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٨/ ٣٦، الذهبي، السير، ١٢/ ٦٢٣ (٢٤٧)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٧٨ (١٣٣).
(٦) هكذا جاء تعريفه للشاذ مقيّدًا بالمخالفة، والناظر للتعريف مجردًا يجده قد أطلق رتبة المخالِف، والمخالَف ولم يحددهما، لكن بتتبّع السياق الذي ورد فيه التعريف والمثال الذي ذكره يظهر أنه أراد مخالفة الثقة للثقات، وبهذا يكون موافقًا للشافعي في تعريفه للشاذ. ينظر: أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، ط ١، بلد النشر] بدون [: ن] بدون [(١٤١٩ هـ) ١٨١، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٧. وسيأتي مزيد إيضاح أثناء تحرير التعريفات.
[ ٢٨٩ ]
تعريف صالح جزرة (١) (ت ٢٩٤ هـ)
قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف" (٢).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (٣)
_________________
(١) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب السدي، يكنى أبا علي، ويلقب جزرة، وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار، ومعرفة نقلة الأخبار. مات سنة ٢٩٣ هـ. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٩/ ٣٢٢ - ٣٢٨ (٤٨٦٢)، الذهبي، السير، ١٤/ ٢٣ - ٣٣ (١٢)،
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١. تعريفه الشاذ بالمنكر الذي لا يُعرف، أي الشاذ في مقابلة المعروف عند الأئمة، يترتب عليه أن الشاذ والمنكر عنده بنفس المعنى، وقال الدكتور أبو سمحة: "قوله (لا يُعرف) إما بتفرّد أو مخالفة الراوي". بينما كان للدكتور عبدالجواد حمام رأي آخر حيث قال شارحًا لتعريف الحافظ صالح جزرة: "يلاحظ في عبارته: أن الوصف المؤثر في الشاذ هو كون الحديث منكرًا غير معروف، أي عدم معرفة الحفاظ له؛ على سعة اطلاعهم، وإحصائهم للرواة والمرويات، وعدد الروايات المروية بكل سند تقريبًا، فكونه خارجًا عن محفوظاتهم، غريبًا عليهم، هو الذي أثر في وصفه بالشذوذ. -أنه لم يذكر في الشاذ وصف المخالفة. - أنه إنما يتكلّم عن الشاذ في معرض الذم والقدح." المراجع: أبو سمحة، الحديث المنكر، ١٥٢، حمام، التفرد، ٣٤٣.
(٣) وذلك بعد أن قال: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩. قال ابن الأثير موضحًا ما ذهب إليه الحاكم بقوله: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، والشاذ: ما لا يعرف له علة." ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧. يقول الدكتور نورالدين عتر في تحقيقه لشرح علل الترمذي: "وثمة تحقيق جديد في مراد الحاكم بالشاذ، هو أنه نوع دقيق من المعلل، قد أُعلَّ بأمر دقيقٍ من التفرد، هو أعمق من ظاهر معنى التفرد، فهو نوع من المعلل ينقدح في نفس الناقد تعليله، وقد تقصر عبارته عن الإفصاح به، لكون علته ليست من نوع العلل المعروفة، كوصل حديث مرسل، أو وهم راو، أو دخول حديث في حديث. وهذا ما تفيده عبارة الحاكم، وتدل عليه الأمثلة التي ذكرها للشاذ، وهو أن الشاذ نوع من الحديث الفرد، يقع رجاله في السند على نسق فريد لم يُعرف في سياق أسانيد الأحاديث غير سياق الحديث المحكوم عليه بالشذوذ، وكذلك المتن. وذلك يُشعر بوقوع خلل في الحديث وإن كنا لا نستطيع بيان هذا الخلل وتعيينه ما هو؟ ". ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠. "أي: أن للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:
(٤) تفرد ثقة.
(٥) ينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وبهذا إذا كان هناك حديث فرد ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم. الأثري، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، ٤١.
[ ٢٩٠ ]
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):
عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (١)، ثم أردفه بقوله: "والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (٢)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به" (٣)
_________________
(١) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٢) لفظ (شيخ. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٣٧، ابن القطان، الوهم والإيهام، ٤/ ٦٢٧، الذهبي، الميزان، ٢/ ٣٨٥ (٤١٧٧)، الذهبي، الموقظة، ٧٨، الليث آبادي، المعجم، ٧٧، الغوري، الموسوعة، ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٣) الخليلي، المرجع السابق. حيث ذكر المراد بالشاذ بعد أن ذكر أنواع الأفراد، وميّز بين تفرّد الأئمة الحفاظ، وتفرّد الشيوخ. قال ابن رجب موضحًا مراد الخليلي من تفرد الشيوخ بقوله: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، " إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم" ينظر: ابن رجب، العلل، ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ باختصار. وعلى ذلك فإن "وصف (شيخ) ليس المراد منه هنا الجرح أو التعديل من حيث الضبط والعدالة؛ لأنه ذكر أن هذا الشيخ قد يكون ثقة وقد يكون غير ذلك، وما كان عن غير ثقة فهو متروك، وما كان عن ثقة فهو متوقف فيه، وغير محتج به. فما الفرق إذن بينه وبين الأئمة والحفاظ؟ الظاهر أن الفرق يتعلّق بكمِّ الرواية، وسعة المرويات، وشهرة هذا الراوي، لا من حيث التوثيق والتجريح، فالإقلال من الرواية قد يكون سببًا في عدم شهرة الراوي أو معرفته؛ لذا يوصف بأنه: (مستور) أو (محله الصدق)، أو يوصف بأنه (شيخ) فهو لم يوثق ولم يجرح، لعدم اختبار ضبطه، لكن قد ارتفعت الجهالة عنه." حمام، التفرد، ٣٧٨ - ٣٧٩.
[ ٢٩١ ]
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
قال الميانشي: "وأما الشاذ: فهو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (١).
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح: "الشاذ المردود (٢) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٣)
_________________
(١) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٩. قال الزركشي: "وجرى الميانشي على طريق المحدثين." ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف، وقال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جريًا على طريق المحدثين. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٩.
(٢) وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧. "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." الزركشي، النكت، ١٤٠، ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩. ذكر ابن الصلاح التقسيم السابق بعد أن ناقش تعريف كل من الشافعي والحاكم والخليلي، واعترض على الأخيرين بقوله: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: " إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مزحزحًا له عن حيز الصحيح. ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق.
[ ٢٩٢ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمَّنا - بشيء من التصرّف- ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
وممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (١)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في تقسيمه فقال: "وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٥).
وكان ممن رجّح بين التعريفات: ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) حيث رجّح تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة
_________________
(١) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧.
(٢) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٤٢.
(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ١٧٠.
(٤) ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٤٦.
(٥) ابن جماعة، المنهل، ٥١. قال الطيبي في الخلاصة: "قوله (أحفظ منه وأضبط) على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردودًا" الطيبي، الخلاصة، ٧٧. أضاف محقق المنهل ط غراس: "بل يُعطى له حكم التعارض، ويُدفع ذلك التعارض بأحد وجوه الترجيح المعروفة عند علماء هذا الفن". ينظر: ابن جماعة، المنهل الروي، ١٣٦.
[ ٢٩٣ ]
حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يسمى شاذًا، وإن اُصْطُلِح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغا له." (١)
وكذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) ففي كتابه (التقريب) (٢) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله "ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لا يخالفه فليس بشاذ، بل يُحتجُّ به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين" (٣)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضًا: ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: "الذي قاله الشافعي أولًا هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئًا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلًا ضابطًا حافظًا" (٤).
وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (٥) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: "الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات" (٦).
ومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح:
_________________
(١) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.
(٢) النووي، التقريب، ٤٠.
(٣) النووي، المجموع شرح المهذب ٤/ ١٤٣، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.
(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.
(٥) ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٦٥.
(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.
[ ٢٩٤ ]
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): "الشاذ: ما رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد (٣) في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."
وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٤)
وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وتبعه السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة (٦)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه". (٧)
_________________
(١) أي: ثقة أو صدوق. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩. وعبّر بالمقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن. ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٠٢.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.
(٣) ذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاق آخر عند المحدثين، مثل إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.
(٥) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.
(٦) قيّد التهانوي المخالفة في تعريفه للشاذ بكونها تستلزم رد ما رواه الأرجح، فقال: "والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفًا لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو مرجِّحٍ سواهما (مخالفة تستلزم ردَّ ما رواه الأرجح)." وقال الجزائري في توجيه النظر: "والشذوذ مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين." المراجع: التهانوي، قواعد في علوم الحديث، ٤٢، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٨٠".
(٧) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩.
[ ٢٩٥ ]
ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: "الشاذ اصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس; بحيث لا يمكن الجمع بينهما" (١).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
ابتدأ ابن الصلاح - في نوع الحديث الشاذ- بتعريف الشافعي للشاذ، وأتبعه بتعريف الخليلي ثم الحاكم، وأعقب ذلك بتصويب ما ذكره الشافعي، واستشكل ما جاء عن غيره بأفراد العدول الضابطين المخرجة في الصحيح، وقال:
"فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّنه، فنقول:
إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا (٢). وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان
عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبِل ما انفرد به (٣)، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما
_________________
(١) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٤٤.
(٢) وقد ذكر ابن الملقن في كتابه المقنع مثالًا لكل نوع: فقال: "مثال الحديث الفرد المخالف: ما رواه أبيض بن أبان الثقفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان مصليا فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعا. - والحديث أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٢٩٨ ح (٤١٠٨). قال محقق كتاب المقنع في الهامش: تفرد أبيض بذكر الأربع قبل الجمعة حيث رواه الثقات عن سهيل، ومنهم سفيان الثوري، بدون الأربع قبل الجمعة، - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجمعة ٢/ ٦٠٠ ح (٨٨١) - فخالف أبيض بن إبان الثقات في ذلك. ومثله لا يحتمل ذلك، فإنه لين الحديث ليس بالقوي. ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٦٩.
(٣) "ومثال ما تفرد به الحافظ الضابط المقبول: كحديث مالك عن الزهري عن أنس «أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة وعلى رأسه المغفر» ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٦. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ٣/ ١٧ ح (١٨٤٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٢/ ٩٨٩ ح (١٣٥٧).
[ ٢٩٦ ]
سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مُزحزحًا له عن حيز الصحيح (١).
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك (٢)، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به (٣)، وكان من قبيل الشاذ المنكر." (٤)
وقد فصّل وذكر أنواع التفرد الحاصلة من الرواة في روايتهم، وأثر مرتبة الراوي من الضبط والإتقان في قبول روايته أو ردّها، ثم خلص - ﵀- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
_________________
(١) "ومثال ما رواه غير الموثوق بحفظه وإتقانه منفردا به: حديث ابن عباس في التقاء الخضر وإلياس كل عام. قال الدارقطني: "لم يحدث به غير الحسن ابن رزين عن ابن جريج عن عطاء عنه". قلت: وهو صاحب مناكير." ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٠ - ١٧١. والقصة أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٩٥ -
(٢) "ومثال المتفرد الذي هو غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، وتفرده حسن: حديث واثلة مرفوعا: «المرأة تحوز ثلاثة مواريث» رواه ابن ماجة -في سننه كتاب الفرائض، باب تحوز المرأة على ثلاث مواريث ٢/ ٩١٦ ح (٢٧٤٢)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ما يرث النساء من الولاء ٣/ ٥٠٠ ح (٢١١٥) - وقال: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب على هذا الوجه". ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٣) مثال البعد من درجة الحافظ الضابط المقبول: حديث أبي سعيد الخدري في الدعاء بعد الوضوء بـ «سبحانك اللهم وبحمدك» - أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن ١/ ٧٥٢ ح (٢٠٧٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- قال الدارقطني: "تفرد به عيسى بن شعيب". ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧١ - ١٧٦.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٨ - ٧٩. قال البقاعي: "ليس في هذا التفصيل من الشاذ إلا ما قاله أولا، وهو الذي عرف به الشافعي، وأما الثاني: فهو صحيح غريب، وأما الثالث: فهو حسن لذاته غريب، وأما الرابع: فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥.
[ ٢٩٧ ]
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١)
قيود الشاذ عند ابن الصلاح:
نجد أن ابن الصلاح حين قسّم الشاذ إلى قسمين، جعل أحدهما موافقًا لتعريف الشافعي للشاذ من حيث اشتراط المخالفة من الراوي لغيره من الثقات؛ إلا أنه أطلق رتبة الراوي المُخالِف فيشمل بذلك الثقة وغيره، بينما الشافعي قيّد المخالِف بالثقة.
وجعل القسم الثاني خاصًا بتفرّد الرواة الذين هم في الثقة والضبط دون مرتبة رواة الصحيح والحسن لذاته (٢).
فالقسم الأول من الشاذ عند ابن الصلاح: مطلق المخالفة من الراوي - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
والقسم الثاني من الشاذ عند ابن الصلاح: تفرّد الضعيف (٣)، أو بشكل أدق تفرّد من لا
_________________
(١) ابن الصلاح، المرجع السابق.
(٢) إذ أنه اشترط في راوي الحسن لذاته "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا". ابن الصلاح، المرجع السابق، ٣١ - ٣٢. "وسوف يأتي أنه يشترط في الشاذ هذا الذي أشار إليه: أن لا يكون راويه في مرتبة الثقات الأثبات من رجال الصحيح، ولا في مرتبة من دونهم من رجال الحسن كما سيأتي واضحًا، فهذا يدلك على أن رجال الحسن مرتفعون عن مرتبة المجاهيل والضعفاء بمرة." ابن الوزير، التنقيح، ٧٥. ويُفهم من ذلك أن رواة الحديث الصحيح، ورواة الحسن لذاته على مراتب من الحفظ والإتقان تجبر لهم تفردهم بالحديث فلا يُستنكر ما لم تكن هناك قرينة تدل على النكارة والشذوذ.
(٣) حيث قال: "فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق، ٧٩. وقد تعقّبه البقاعي في تسمية تفرد الضعيف شذوذًا فقال في تفرد الضعيف: "فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." واستشكل السخاوي تسمية ما تفرّد به الضعيفُ شاذًا فقال: "وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا، وذلك فيهما مناف لغموضهما". ومن التعقيبات - بخصوص تسمية تفرّد الضعيف بالشاذ ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩، السليماني، الجواهر، ٣٠٣.
[ ٢٩٨ ]
يُحتمل تفرّده من الرواة. (١)
وبتأمل قسميّ الشاذ عند ابن الصلاح فإن أبرز القيود التي تحتاج إلى تحرير في تعريفه للشاذ (٢) هما: المخالفة، والتفرّد.
- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.
- تفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده). أو (التفرّد غير المحتمل).
القيد الأول: المخالفة:
المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٣).
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (٤).
_________________
(١) حيث صرّح بذلك حين مثلّ للحديث المنكر، -المرادف للشاذ عنده- فقال: "ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢. هذا عدا أن الثقة قد يُخطئ ويُستنكر تفرده؛ لقرائن تحفّ بالرواية، إذ "ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ! ". الذهبي، الموقظة، ٧٨.
(٢) وكذلك بالنسبة لقيود الحديث المنكر كما سيأتي في فصل الحديث المنكر بإذن الله، إذ أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنى واحد.
(٣) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.
(٤) حيث قال: "لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله. كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩.
[ ٢٩٩ ]
ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.
وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها" (١).
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٢)
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (٣)
وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - ﵀- إلا أنه جعل الشذوذ خاصًا بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (٤) فهو من حديث موسى بن عُلي (٥) عن أبيه (٦) عن عقبة بن عامر (٧)
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.
(٣) "مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٤) الأترم، ناسخ الحديث، ١٧٩.
(٥) موسى بن عُلي بن رباح، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة ١٦٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٨/ ١٥٣ - ١٥٤ (٦٩١)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٥٣، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٠٦ (٥٧١٩)، ابن حجر، التهذيب، ١٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٦٤١)، ابن حجر، التقريب، ٥٥٣ (٦٩٩٤).
(٦) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠١ (٤٧٣٢).
(٧) عقبة بن عامر الجهنى - ﵁ -، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل: أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة ٥٨ هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، ٤/ ٥١ (٣٧١١)، ابن حجر، الإصابة، ٧/ ٢٠٥ (٥٦٢٦).
[ ٣٠٠ ]
أن رسول الله - ﷺ - قال: «يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب» (١).
ثم قال - بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الاختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: "وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره.
وقد يكون من الحافظ الوهم أحيانًا، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، " ثم أعقبه بقوله: "فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق ٢/ ٣٢٠ ح (٢٤١٩)، والترمذي في سننه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ٢/ ١٣٥ ح (٧٧٣) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة ٥/ ٢٥٢ ح (٣٠٠٤)، وأحمد في مسنده ٢٨/ ٦٠٥ ح (١٧٣٧٩)، والدارمي في سننه كتاب الصوم، باب في صيام يوم عرفة ٢/ ١١٠٦ ح (١٨٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر خبر روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن صوم يوم عرفة مجمل غير مفسر ٣/ ٢٩٢ ح (٢١٠٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب الصوم المنهي عنه ٨/ ٣٦٨ ح (٣٦٠٣)، والحاكم في مستدركه كتاب الصوم ١/ ٦٠٠ ح (١٥٨٦) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، جميعهم من حديث عقبة بن عامر، ولفظ أبي داود " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب".
(٢) الأثرم، ناسخ الحديث، ١٨٠ - ١٨١.
[ ٣٠١ ]
فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر.
ومن تعريفه للشاذ وتقييده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: "هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي - ﷺ - من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب". (١)
وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
- ابن القيم (٢)، والنووي في كتابه المجموع (٣)، وصوّبه كذلك ابن كثير" (٤)،
واقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة) (٥)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق-، فقال: "الشاذ: ما
_________________
(١) ابن عبدالبر، التمهيد، ٢١/ ١٦٣. وقد ذكره السخاوي في فتح المغيث مثالًا للشذوذ في المتن فقال: "ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانا. على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم. وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وينظر: الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥١٤ - ٥١٥.
(٢) ابن القيم، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.
(٣) ينظر: النووي، المجموع، ٤/ ١٤٣، الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.
(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.
(٥) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.
[ ٣٠٢ ]
رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."، وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٣)
قال ابن حجر في النزهة - ممثلًا للحديث الشاذ-: "مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (٤)، عن عوسجة (٥)، عن ابن عباس: «أن رجلا توفي على عهد النبي - ﷺ -، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه » (٦) وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج (٧) وغيره، وخالفهم
حماد بن زيد (٨)؛
_________________
(١) وفسر مراده بالمقبول بقوله: "الشاذ رواية ثقة أو صدوق" ابن حجر، النزهة، ٨٧. ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩. وإنما "ذكر المقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن". السليماني، الجواهر، ٣٠٢.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.
(٤) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، قال الذهبي: "مكي إمام"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت". مات سنة ١٢٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٧٥ (٤١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٤٢١ (٥٠٢٤).
(٥) عوسجة المكي مولى ابن عباس، روى عن ابن عباس، وعنه عمرو بن دينار. قال الذهبي: "وثق، وقال البخاري: لم يصح حديثه"، وقال ابن حجر: "ليس بمشهور" ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠١ (٤٣٠٨)، ابن حجر، التهذيب، ٨/ ١٦٥ (٣٠١)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٣ (٥٢١٤).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام ٣/ ١٢٤ ح (٢٩٠٥)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المولى الأسفل ٣/ ٤٩٤ ح (٢١٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض، باب إذا مات العتيق وبقي المعتق ٦/ ١٣٢ ح (٦٣٧٦) وقال: عوسجة ليس بالمشهور لا نعلم أن أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار ولم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة، وابن ماجه في سننه كتاب الفرائض، باب من لا وارث له ٢/ ٩١٥ ح (٢٧٤١).
(٧) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد المكي، قال الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: " ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل". مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٦٦ (٣٤٦١)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٣ (٤١٩٣).
(٨) حماد بن زيد. مات سنة ١٧٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢١٩)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٨).
[ ٣٠٣ ]
فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم (١): المحفوظ حديث ابن عيينة (٢). انتهى.
فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم (٣) رواية من هم أكثر عددًا منه." (٤)
في هذا المثال حماد بن زيد -وهو ثقة- روى الحديث مرسلًا، وخالف بذلك رواية عدد من الثقات رووه موصولًا، وهذا المثال الذي مثّل به ابن حجر للشذوذ في السند يُناسب ما عرّف به الشاذ من كونه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه.
- وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي وتبعه السيوطي (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة. (٦)، ولعله استفاد هذا القيد
_________________
(١) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).
(٢) قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس: أن رجلا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا، إلا مولى هو أعتقه ، الحديث. "فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان عن عوسجة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم. قَصَّر حماد بن زيد". ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٦٤ ح (١٦٤٣).
(٣) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).
(٤) ابن حجر، النزهة، ٨٥. أضاف فضيلة المناقش: اجتمع في هذا الترجيح ثلاثة مرجّحات:
(٥) الاختصاص: فابن عيينة لا يتقدمه أحد في الرواية عن عمرو بن دينار.
(٦) متابعة محمد بن مسلم وحماد بن سلمة، وابن جريج لسفيان بن عيينة، فهذا ترجيح بكثرة العدد.
(٧) صفة رواية الراوي: وهو حماد بن زيد، فإنه معروف بشدة التوقّي والاحتراز، فإذا شكّ في شيء قصّر أخذًا بالأحوط.
(٨) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.
(٩) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤، ٢٤٩. وتوسّع في الشرح فقال: "ومن المسائل المختلف فيها مما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددا، أو أكثر ملازمة منه، فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل. والمحدثون يسمونه شاذا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعيد." السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٣٠.
[ ٣٠٤ ]
من كلام شيخه ابن حجر حين قال: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ (١)، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم
_________________
(١) أمثلة على وقوع المخالفة من الراوي إلا أن علماء الحديث قبلوا الحديث على الوجهين -البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم ١/ ١٥٢ ح (٧٥٧)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة ١/ ٢٩٧ ح (٣٩٧) - قال الدارقطني: وقد خالف يحيى أصحاب عبيدالله كلهم منهم أبو أسامة وعبدالله ابن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم ورووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيدالله عن سعيد مرسلا عن النبي - ﷺ -، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيدالله حدث به على الوجهين. والله أعلم." ٢٢٣ - ٢٢٤ ح (٩). قال ابن حجر: "لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين". ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ٢٧٧. المثال الثاني: قال الدارقطني: "وأخرجا جميعا حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تسافر وليس معها محرم» الحديث- أخرجه البخاري في صحيحه أبوا تقصير الصلاة ٢/ ٤٣ ح (١٠٨٨)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم ٢/ ٩٧٧ ح (١٣٣٩) - وزاد مسلم عن ليث عن سعيد مثله فقال وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة." ٢٢٧ - ٢٢٨ ح (١٢)، ذكر ابن حجر في الفتح بأن موطن الاختلاف هنا: أن بعض الطرق ذكرت في الإسناد رواية سعيد عن أبيه، وبعضها لم تذكر ذلك، وأشار إلى تصحيح المحدثين لكلا الوجهين فقال: "لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني، فإن سعيدا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحا ". ابن حجر، هدي الساري، ٣٥٤. المثال الثالث: "وأخرج البخاري- في صحيحه كتاب الجنائز، باب من انتظر حتى تُدفن ٢/ ٨٧ ح (١٣٢٥) - وحده عن سعيد عن أبيه أنه سأل أبا هريرة فقال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من صلى على جنازة» قال: وقد رواه عبيدالله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة قال: نصر بن علي وغيره عن عبدالأعلى. ٢٢٨ - ٢٢٩ ح (١٣)، وأشار ابن حجر بأن الجواب على هذا الحديث كالجواب على المثال السابق، إلا أن الرواية التي أخرجها البخاري هي المعتمدة، بينما الرواية الثانية غير مشهورة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٣٥٥.
[ ٣٠٥ ]
على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (١) فقد ذكر ضابطًا للمخالفة، وهو: تعذر الجمع بين الروايات على قواعد المحدثين.
وقد أورد السخاوي في كتابه فتح المغيث مثالين في الشذوذ، فذكر المثال الذي استشهد به الحافظ ابن حجر على أنه شذوذ في السند، والمثال الذي ذكره الأثرم على أنه شذوذ في المتن (٢)، والأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.
ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي ثلاثة أمثلة تحت نوع الشاذ، المثال الأول أثناء مناقشته لقول الحاكم في الشاذ والفرق بينه وبين المعلل فقال:
"قلت: ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي (٣)،
عن علي بن حكيم (٤)، عن شريك (٥)، عن عطاء بن
_________________
(١) المرجع السابق، ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) عبيد بن غنام ابن القاضي حفص بن غياث، أبو محمد النخعي الكوفي، قال الذهبي في السير: "الإمام، المحدث، الصادق، وهو ثقة" مات سنة ٢٩٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٥٥٨ (٢٨٢).
(٤) على بن حكيم بن ذبيان الأودي، أبو الحسن الكوفي، قال البخاري: سمع شريكًا، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ٢٣١. ينظر: البخاري التاريخ الكبير، ٦/ ٢٧١ (٢٣٧٦)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧٢٣).
(٥) شريك بن عبدالله بن أبى نمر القرشي، أبو عبد الله المدني، نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله: "شريك بن عبدالله بن أبي نمر ليس به بأس"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطيء"، مات سنة ١٤٠ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٤/ ٣٦٤ (١٥٩٢)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٥ (٢٢٧٧)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٦ (٢٧٨٨).
[ ٣٠٦ ]
السائب، عن أبي الضحى (١)، عن ابن عباس قال: «في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى» (٢). وقال: صحيح الإسناد.
ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له، حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة" (٣)
قال ابن كثير: "وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه الأرض حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم» فهذا ذكره ابن جرير مختصرا، واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس - ﵁ - عن الإسرائيليات (٤) والله أعلم" (٥)
بينما ذكر ابن حجر تعليق البيهقي على الحديث بالشذوذ، ولم يُعقّب. (٦)
وقال السيوطي: "هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة، وهذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف
_________________
(١) مسلم بن صبيح الهمداني مولاهم، أبو الضحى الكوفي، مشهور بكنيته، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث"، وقال ابن حجر: "ثقة فاضل"، مات سنة ١٠٠ هـ في خلافة عمر بن عبدالعزيز. ينظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٦/ ٢٨٨، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٥٩ (٥٤١٨)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٠ (٦٦٣٢).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٣/ ٧٧، والحاكم في مستدركه كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق ٢/ ٥٣٥ ح (٣٨٢٢ - ٣٨٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨ ح (٨٣١ - ٨٣٢) وقال: إسناد هذا عن ابن عباس ﵄ صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا والله أعلم.
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٨.
(٤) أي أقاويل بني إسرائيل مما ذكر في التوراة، أو أخذ من علمائهم ومشايخهم من قصص وأخبار الأمم الماضية وبدء الخلق وغيرها. ينظر: القاري، شرح النخبة، ٤٤٥، الغوري، معجم المصطلحات، ٩٨.
(٥) ابن كثير، البداية والنهاية، ١/ ٤٢ - ٤٣.
(٦) ينظر: ابن حجر، الفتح، ٦/ ٢٩٣.
[ ٣٠٧ ]
الحديث أغنى ذلك عن تأويله؛ لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النُذُرُ الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر، ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلَّغ عنه". (١)
- وأما المثال الثاني الذي ذكره السيوطي تحت نوع الشاذ، فهو المثال الذي أورده ابن حجر تحت نوع الشاذ، وقد سبقت الإشارة إليه قريبا (٢).
- وأما المثال الثالث فقد ذكره كمثال على الشذوذ في المتن (٣) فقال:
"ومن أمثلته في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبدالواحد بن زياد عن الأعمش (٤)، عن أبي صالح (٥)، عن أبي هريرة مرفوعا:
«إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع عن يمينه» (٦).
_________________
(١) السيوطي، الحاوي للفتاوي ١/ ٣٨٦.
(٢) و"مثاله ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفى على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه الحديث".
(٣) هذا المثال ذكره الزركشي تحت نوع المنكر؛ لأنه ممن يساوي بين الشاذ والمنكر، وستأتي الإشارة إلى ذلك في فصل الحديث المنكر بإذن الله.
(٤) سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد الكاهلي، الكوفي، الحافظ المشهور بالأعمش، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، قال ابن حجر: "ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس"، مات سنة: ١٤٧ أو ١٤٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٦٤ (٢١٣٢)، العلائي، جامع التحصيل، ١٨٨، ابن حجر، التقريب، ٢٥٤ (٢٦٠٢).
(٥) ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، قال الذهبي: "من الأئمة الثقات عند الأعمش"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت". مات سنة: ١٠١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٨٦ (١٤٨٩)، ابن حجر، التقريب، ٢٠٣ (١٨٤١).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢١ ح (١٢٦١)، والترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢٨١ ح (٤٢٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ١٦٧ ح (١١٢٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب النوافل ٦/ ٢٢٠ ح (٢٤٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحيض، باب ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٣/ ٦٤ ح (٤٨٨٨) وقال: "رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي - ﷺ - لا خبرا عن قوله "ثم ساق الحديث من رواية التيمي وقال: " وهذا أولى أن يكون محفوظا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس.
[ ٣٠٨ ]
قال البيهقي: (١) خالف عبدالواحد (٢) العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي - ﷺ - لا من قوله، وانفرد عبدالواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ" (٣)
وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة عبدالواحد في ميزان الاعتدال، وأشار إلى تجنب صاحبي الصحيحين إخراجه لكونه مما اُستنكر عليه فقال: "عبد الواحد بن زياد أبو بشر العبدي البصري، أحد المشاهير احتجا به في الصحيحين، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله
- ﷺ -: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح. (٤)
وقد أعلّه البيهقي بمخالفة عبدالواحد للعدد الكثير.
نخلص مما سبق:
المخالفة من الاختلاف وهي ضد الاتفاق، والمراد بمخالفة الراوي هي أن يروي عن شيخه حديثًا يُغاير ما رواه غيره من الثقات عن الشيخ ذاته، وتكون هذه المغايرة أو الاختلاف في السند أو في المتن، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة، وتكثر المخالفة أو تقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ أو قلتهم.
_________________
(١) لم أجد هذا القول بنصه إنما بمعناه، وقد ذكرته عند تخريج الحديث.
(٢) عبدالواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبوزرعة، وأبوحاتم، والعجلي، وذكره العقيلي في الضعفاء، قال ابن حجر: ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، توفي سنة ١٧٦ هـ. ينظر: العجلى، معرفة الثقات ٢/ ١٠٧ (١١٤٣)، العقيلي، الضعفاء الكبير، ٣/ ٥٥ (١٠١٥)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٦/ ٢١ (١٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٧ (٤٢٤٠).
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧١.
(٤) الذهبي، الميزان، ٢/ ٦٧٢ (٥٢٨٧).
[ ٣٠٩ ]
وقد عدّ الشافعي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه شذوذًا، ووافقه على ذلك: الأثرم، والنووي في كتابه المجموع، وابن الملقن في كتابه التذكرة، وابن حجر - مع توسّعه بإضافة الراوي الصدوق؛ ليصبح الشاذ عنده مخالفة المقبول لمن هو أولى منه-، وتبعه السخاوي، والسيوطي، ومثّلوا للشذوذ بأمثلة يُخالف فيها الراوي المقبول (الثقة أو الصدوق) غيره من الثقات.
القيد الثاني: التفرد:
ومعناه في اللغة: مأخوذ من الفَردُ، وهو ما كان وحده، والذي لا نظير له، و(تَفَرَّدَ) بكذا و(اسْتَفْرَدَه) انفرد به. (١)
اصطلاحا:
لم يُفرد له تعريف مستقل في كتب مصطلح الحديث (٢)، وقد اجتهد بعض الباحثين في تعريفه، فعرّفه الدكتور عبدالجواد - في رسالته الموسومة ب (التفرّد في رواية الحديث) - بقوله: "التفرد: ما يأتي من طريق راوٍ واحد، دون أن يشركه غيره من الرواة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، مع المخالفة أو دونها، بزيادة فيه أو بدون زيادة، في المتن أو السند، ثقة ضابطًا كان الراوي أو دون ذلك" (٣)
_________________
(١) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠.
(٢) "يجب التأكيد هنا على صعوبة الوقوف على تعريف جامع مانع للتفرد عند المحدثين، وذلك لأنه مما يدخل في كثير من أبواب الحديث وأنواعه كدخوله في نوع الغريب، والشاذ، والمنكر، والمعلل، وفي أبواب زيادة الثقة وفي غيرها " زهار، التفرد، ١٢٠. وليس هناك في كتب علوم الحديث تعريف لمسألة التفرُّد كمصطلح خاص إنما يجري ذكره في كتب العلل والرجال والتواريخ بالإضافة إلى تناول بعض جوانبه ضمن مسائل مصطلح الحديث. ينظر: حمام، التفرد، ٨٢.
(٣) حمام، المرجع السابق، ٩٠.
[ ٣١٠ ]
واختصره الدكتور عبدالله زهّار في كتابه (التفرد عند المحدثين) بقوله: "هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سندًا أو متنًا" (١).
والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مؤشر على علة قد تكون موجودة، (٢) وفي هذا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كَثُر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه،
وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٣)
_________________
(١) زهار، المرجع السابق، ١٢٤.
(٢) "هو علامة يتتبعها المحدثون للوصول إلى خفايا العلل، فالأصل في الرواية عند المحدثين وجود المتابعات والشواهد التي تؤيد الرواية وتساندها، وأما التفرد فهو خلاف الأصل، وهو يثير في نفس الناقد الارتياب، ويجعله يفتش فيما وراء هذا التفرد عن علة أو خلل أو وهم في الرواية، لا سيما في تفردات الثقات، إذ العلل في أحاديث الثقات أغمض وأخفى، فالغالب على حديثه القبول والصحة، ولا يسهل الوقوف على ما فيه من العلة الخفية "حمام، المرجع السابق، ١٤٦. ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد ٩٠.
(٣) ابن رجب، العلل، ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣. "لا يضر تفرد الراوي بالحديث إذا كان المتفرد عدلا ضابطا ولم يخالف من هو أكثر حفظا أو عددا. قال الإمام مسلم: "للزهري نحو من تسعين حديثا يرويها عن النبي - ﷺ - لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد". وقال ابن حجر: "وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، وإذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد". ينظر: مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ٣/ ١٢٦٨ ح (١٦٤٧)، ابن حجر، الفتح، ٥/ ١١. وهذا إذا كان الراوي مُبرّزًا في الحفظ. أما إذا لم يكن كذلك، أو قليل الطلب، أو إذا روى عن المشهورين ما لا يعرفه ملازموهم، فأن تفرده عندئذ يوجب النظر والتأني. ونحن حين ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقاد كثيرا ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد، والتفرد بحد ذاته ليس علة لكنه يكشف عن العلة بل قد يكون أحيانا من أسباب العلة. فالتفرد من أهم المسائل الحديثية وأغمضها إذ تتميز بدورها الفعال في إلقاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علة أو وهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل الحديثي نجد أن المحدثين قد أفردوا هذا النوع بالتصنيف، فالتفرد لا يؤخذ ضابطا لرد روايات الثقات بل له أحوال مختلفة، حتى رواية الضعيف لا يرد ما ينفرد به مطلقا، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صح من حديثه، وقد روى الإمام البخاري ومسلم عمّن في حفظه شيء لما ثبت لديهما أنه من صحيح حديثه، ومثل هذا لا يستطيعه كل أحد. والتفرد إذا كان بالطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة فإنه لا يضر، وكذلك الحال في طبقة كبار التابعين، وذلك إذا كان المتفرد عدلا ضابطا، أما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة، لا سيما إذا كان عن الرواة المكثرين الذين يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرد عنه، وكيف كانت ملازمته له، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما، وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عامة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم، ولم يكونوا يطلقون فيه حكما مطّردا بالقبول إذا كان ثقة أو بالرد إذا كان ضعيفا، وإنما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث؛ وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم وألزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم. ينظر: فحل، علل الحديث، ١٣١ - ١٣٧. باختصار.
[ ٣١١ ]
وممن قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:
الإمام الحاكم، وخصَّه - في تعريفه المختصر للشاذ- بتفرد الثقة (١)؛ إلا أن المتأمل لسياق كلامه يفهم منه أن الشذوذ يُطلق على التفرّد الذي فيه علة لم يُهتدَ إليها، فهو يفرّق بين
الشاذ والمعلل بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته، قال ابن الصلاح مُعقّبًا- بعد نقله لتعريف الشاذ عند الحاكم-: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وُقِف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك" (٢).
وقال البقاعي نقلًا عن شيخه -ابن حجر-: "أَسْقَطَ من قول الحاكم قيدًا لابد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك". (٣)
قال السخاوي مُعقِّبًا على ما سبق: "وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (٤) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تَقصُر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض
_________________
(١) حيث قال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة"، وذلك بعد قوله: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم" الحاكم، علوم الحديث، ١١٩. قال ابن حجر في النكت: "والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم، وأخص منه الكلام الحاكم؛ لأنه يقول: إنه تفرد الثقة، فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ." ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٧.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٧.
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٥.
(٤) أي: الشاذ مع المعلل.
[ ٣١٢ ]
الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ - كما نُسِب لشيخنا- أدق من المعلل بكثير." (١)؛ لذا حين اُستُشكِل على تعريف الحاكم - ما تفرّد به العدل الحافظ الضابط مما حُكِم بصحته، وأُخرِج في الصحيح، - أجاب البقاعي بقوله:
"وأما الحاكم فبعد علمك بالقيد الذي قاله تعلم أنه لا يرد عليه ذلك؛ لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ (٢)، وما شاكله لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه" (٣).
وبهذا يُستنتج "أنّ للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:
١ - تفرد ثقة.
٢ - وينقدح في نفس الناقد أنه غلط.
وعليه فإذا كان هناك حديث فرد، ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم" (٤).
فالحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذًا مردودًا، فقد قال في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة» (٥)
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٦.
(٢) يقصد ابن الصلاح، حيث مثّل لتفرد الثقات بحديث: «إنما الأعمال بالنيات» -أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، ١/ ٦ ح (١)، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة ٣/ ١٥١٥ ح (١٩٠٧) -وحديث: «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وهبته» - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العتق، باب بيع الولاء ٣/ ١٤٧ ح (٢٥٣٥)، ومسلم في صحيحه كتاب العتق، باب النهي عن بيع الولاء ٢/ ١١٤٥ ح (١٥٠٦) - وحديث: «أن النبي - ﷺ - دخل مكة وعلى رأسه المغفر». ثم قال: "فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة. وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٧ - ٧٨.
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٦.
(٤) الأثري، الحديث الشاذ، ٤١.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الإيمان، ١/ ٩١ ح (١٠٠).
[ ٣١٣ ]
"هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير (١)، والتفرد من الثقات مقبول".
وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:
المثال الأول: حديث معاذ بن جبل - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب» (٢).
ثم قال مُعلِّقًا عليه: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها" ثم ذكر قول قتيبة بن سعيد -فيمن كتب عنه هذا الحديث-فقال: "على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث "
ثم عقّب الحاكم بقوله: "فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب،
_________________
(١) مالك بن سعير بن الخمس التميمى الكوفي، أبو محمد، ويقال أبو الأحوص، قال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر: لا بأس به. مات سنة ١٩٨ هـ وقيل: ٢٠٠ هـ أو بعدها بقليل. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٨/ ٢٠٩ (٩٢٤)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٦٢، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥١)، ابن حجر، التقريب، ٥١٧ (٦٤٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين ٢/ ٧ ح (١٢٢٠) وقال: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، والترمذي في سننه كتاب السفر، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين ١/ ٦٩٠ - ٦٩١ ح (٥٥٣ - ٥٥٤) وقال: وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وأحمد في مسنده ٣٦/ ٤١٣ ح (٢٢٠٩٤)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين (٤/ ٤٦٥) ح (١٥٩٣)، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: عليه علامة سبعة من الحفاظ كتبوا عني هذا الحديث: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة حتى عد سبعة، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب صلاة المسافر، باب الجمع بين الصلاتين في السفر ٣/ ٣٢٣ ح (٥٥٢٨) تفرد به قتيبة بن سعيد عن ليث عن يزيد.
[ ٣١٤ ]
وحدثنا به، عن أبي عبدالرحمن النسائي، وهو إمام عصره، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبدالرحمن، ولا أبو علي للحديث علة " (١).
قال الذهبي معقّبًا على كلام الحاكم "بل رووه في كتبهم واستغربه بعضهم" (٢). وقال أيضًا مستدركًا بأن النسائي لم يُخرج هذا الحديث من طريق قتيبة "وأما النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته" (٣).
قال أبو داود - عقب إخراجه للحديث-: "ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده" (٤) وقال الترمذي أيضًا بعد إخراجه للحديث: "وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي - ﷺ - جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء" (٥)
وقد أعلّ هذا الحديث عدد من الأئمة النقاد:
قال ابن أبي حاتم: "وسمعت أبي يقول: كتبت عن قتيبة حديثا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عن النبي - ﷺ -: أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين. قال أبي: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، عن
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.
(٢) الذهبي، السير، ١١/ ٢٣.
(٣) المرجع السابق ١١/ ٢٢.
(٤) أبو داود، السنن، ٢/ ٧ ح (١٢٢٠)
(٥) الترمذي، السنن، ١/ ٦٩٠ ح (٥٥٤)
[ ٣١٥ ]
هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث" (١).
وقال الدارقطني في العلل: "وحدث به قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ أن النبي - ﷺ - كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا الحديث.
كذلك حدث به جماعة من الرفعاء، عن قتيبة. ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم" (٢).
قال ابن حجر في فتح الباري: "والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة حكاه الحاكم في علوم الحديث" (٣).
فالحديث معلول بتفرد قتيبة، وأنه دخل عليه حديث في حديث كما جاء عن أبي حاتم، أو أدخله عليه بعض الضعفاء كما نُقل عن البخاري، والمثال مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً؛ إلا أنه بعد التمعن والنظر وصف الحديث بالوضع (٤)، حيث قال: "فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن
_________________
(١) ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ١٠٤ ح (٢٤٥).
(٢) الدارقطني، العلل، ٦/ ٤٢ ح (٩٦٥).
(٣) ابن حجر، الفتح، ٢/ ٥٨٣.
(٤) يطلق بعض الأئمة وصف (الكذب أو الوضع) على الخطأ الجديع، التحرير، ١/ ٥٣٩.
[ ٣١٦ ]
سعيد، ثقة، مأمون، " ثم ذكر بإسناده عن البخاري قوله: "قلت لقتيبة بن سعيد: مع من
كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟، فقال: كتبته مع خالد المدايني، قال: البخاري، وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ".
"وهذا الكلام يدل على أن الشاذ عند الحاكم، حديث مخالف للمعروف، أو المحفوظ، وأنه حديث مشتمل على نوع من الخلل أو العلة غير أنه لا يعثر على علته أو يصعب جدًا الوقوف على سبب الخطأ وموضع العلة فيه، وسبب ذلك هو أنه ليس له إلا إسناد واحد.
ولو كان هذا الحديث ليس مُشكِلًا عند الحاكم لما كلّف نفسه النظر فيما يُعِل به الحديث، ولما أخذ يتتبع حلقات الإسناد يتفحصها لعله يقف على شيء يكون مفسرًا للإشكال، أو مفصحًا عن العلة المظنونة أو المتحسَّسة. وكذلك فعل في المثال الثاني." (١)
والمثال الثاني- الذي ذكره الحاكم كمثال للشاذ-: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في صلاة الظهر: يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" (٢)
قال الخطيب البغدادي: "هذا حديث غريب من حديث الثوري عن أبي الزبير عن جابر تفرد بروايته عنه محمد بن كثير العبدي، ولم يروه عن ابن كثير غير أحمد بن سيار المروزي، ولا نعلم رواه عن أحمد بن سيار إلا المحبوبي" (٣).
_________________
(١) اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، ١٥.
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن أحمد بن عثمان المروزي ٢/ ١٦١ (١٦١).
(٣) المرجع السابق.
[ ٣١٧ ]
ويصدق على هذا المثال تعريف الحاكم للشاذ حيث قال: "وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن، إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر
أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها، ولا نعلم أحدا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان، وحده، تفرد به " (١)
فقد صرّح بأنه لم يقف على علة للحديث، لكن قوله: "وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها" يدل على ما انقدح في نفسه من وجود علة لكنها لم تظهر له.
"فالمعروف بين الحفاظ أن هذا الحديث هو من أفراد إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير، وليس في متنه ذكر صلاة الظهر (٢)، وقد تكلّم فيه الحفاظ أيضًا (٣).
فهذا الحديث يخالف ما يحفظه المحدثون من أن الحديث حديث ابن طهمان (٤) عن أبي الزبير، ويُخالف أيضًا في ذكر صلاة الظهر في متنه، فلم ترد في حديث آخر، وليست كذلك في حديث ابن طهمان المعروف بهذا الحديث.
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٢١.
(٢) تنبيه: العلة هنا في زيادة لفظ (صلاة الظهر)، وليس في حكم رفع اليدين عند التكبير، فهو ثابت بالسنة الصحيحة، ففي حديث ابن عمر - ﵃ -، قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود». أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة، ١/ ١٤٨ ح (٧٣٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، والركوع، وفي الرفع من الركوع، ١/ ٢٩٢ ح (٣٩٠). كلاهما من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.
(٣) نُقل عن الحافظ أحمد بن علي السليماني -في ترجمة إبراهيم بن طهمان- قوله: "أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في "رفع اليدين". الذهبي، الميزان، ١/ ٣٨ (١١٦)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ١٣٠ (٢٣١)
(٤) من إضافات فضيلة المناقش: أخرجه ابن ماجه (٨٦٨) عن محمد بن يحيى، والسراج في مسنده (٩٢) عن أبي بكر الأعين، وابن عبدالبر في التمهيد (٩/ ٢١٧) من طريق أبي بكر الأثرم، ثلاثتهم (محمد بن يحيى، وأبو بكر الأعين، والأثرم) عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله: كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ويقول: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل مثل ذلك، ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أذنيه. وأخرج البخاري في رفع اليدين (١٠٩) عن عبدالله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن طاوس، أن ابن عباس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تحاذي أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائمًا فعل مثل ذلك. ورواية أبي عامر العقدي أصح؛ لكونه أوثق من أبي حذيفة، ولأن أبا حذيفة سلك الجادة.
[ ٣١٨ ]
فالحديث ليس له أصل متابع عند المحدثين، أي لا يعرفونه، ولا يحفظونه بهذا السياق، وليس له متابعة، وحقُّ مثل هذا الحديث أن توجد له المتابعات لشهرة سفيان، وأبي الزبير.
وقد نُقل عن بعض الحفاظ تعليلهم الحديث بأن محمد بن كثير أخطأ فجعل سفيان الثوري مكان ابن طهمان، لكن الحاكم ردّ ذلك؛ لكون محمد بن كثير ليس له رواية عن ابن طهمان حتى يخلط بينه وبين الثوري، فالحاكم يُقرّ بوجود علّة فيه، لكنه لم يوافق على هذا التعليل." (١)
المثال الثالث: حديث أنس - ﵁ - قال: «كان قيس بن سعد - ﵁ - من النبي - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرط من الأمير» (٢)، يعني ينظر في أموره ثم قال الحاكم: "وهذا الحديث شاذ بمرة، فإن رواته ثقات، وليس له أصل عن أنس، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر." (٣)
قال ابن حجر في النكت: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في التسمية" (٤). ولعل ما يدل
_________________
(١) حمام، التفرّد، ٣٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه ٩/ ٦٥ ح (٧١٥٥)، والترمذي في سننه كتاب المناقب، باب ما جاء في مناقب قيس بن سعد بن عبادة ٦/ ١٧٣ ح (٣٨٥٠) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري.
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١٢٢. "لم يتلمس الحاكم علة لهذا الحديث، وكأنه - والله أعلم - رآه خاليًا من الإشكال إلا التفرد؛ ولذلك لم يبحث في سنده عن علة كما بحث في المثالين السابقين وكأنه يشير بهذه الأمثلة إلى أن الشاذ منه ما هو مردود كالمثالين الأولين، وما هو مقبول كالمثال الثالث، والله أعلم.". اللحياني، الحديث الشاذ، ١٦.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١. "حاول بعضهم الجواب عن الحاكم فقال إن مقتضى كلامه أن في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، فلا يكون الشذوذ عنده منافيا للصحة مطلقا، ويدل على ذلك أنه ذكر في أمثلة الشاذ حديثا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، ويؤيد ذلك ما ذكره الحاكم في الشاذ من أنه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، وما في الصحيحين من ذلك ليس مما ينقدح في نفس الناقد أنه غلط." الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥١٣.
[ ٣١٩ ]
على كون الحاكم موافقًا على صحته: استدلاله بمعنى الحديث في المستدرك، وذلك بعد أن أخرج حديثا من رواية قيس بن سعد، وأعقبه بقوله: "ثم يعرف من فضل قيس بن سعد - ﵁ - أنه خدم النبي - ﷺ - حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرط" (١).
ومما يؤيد أيضًا ما ذهب إليه ابن حجر- من إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على أحاديث حكم عليها بالصحة- ما ذكره الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل، حين ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وذكر منها:
القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب، واستشهد بعدد من الأمثلة منها حديث عائشة ﵂ أنها قالت: طُّبَّ (٢) رسول الله - ﷺ - حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. (٣) ثم قال: "هذا الحديث مخرج في الصحيح وهو شاذ بمرة " (٤).
والقسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم (بها (إلا عنهم. (٥)
_________________
(١) الحاكم، المستدرك، ٤/ ٣٢٣ ح (٧٧٨٧).
(٢) طُبَّ: أي سُحِر، كنَّوا بالطب عن السحر، تفاؤلا بالبُرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. ينظر: ابن الأثير، النهاية، ٣/ ١١٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٤/ ١٢٢ ح (٣٢٦٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السحر ٤/ ١٧١٩ ح (٢١٨٩).
(٤) ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٩ باختصار.
(٥) ومثّل لذلك برواية: "عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني عن أبيه عن جده.
[ ٣٢٠ ]
قال الحاكم ﵀: "جماعتهم صحابيون، وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء" (١) ثم ألحق في آخر الكتاب رموز هذه الأقسام فقال: "وأنا ممتثل بمشيئة الله سبحانه ما رسمه بعلامات تدل على كل حديث منها على ما شرحته في أول هذه الرسالة (٢) ، وعلامة القسم الرابع من الصحيح والإشارة فيه أنه براو واحد به ثقة واحد: (صف) (٣).
وعلامة القسم الخامس من الصحيح والإشارة فيه أنها أخبار رواتها ثقات وهي شواذ (بلا «٤) شواهد: (صش) (٥) " (٦).
فالمثال الثالث - الذي ذكره الحاكم- للشاذ يُعدّ من الغرائب الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه، فيصدق عليه شق من تعريف الحاكم كونه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة؛ إلا أن تخريج البخاري له في الصحيح يدل على خلوه من العلل المنافية للصحة، وقد عدّ ابن حجر إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على هذا الحديث إطلاقًا لفظيًا، ولا يُراد به ردّ الحديث.
"ومما سبق يمكننا القول إن الغريب عند الحاكم هو ما كان على نحو المثال الثالث وهو ما يتفرد به الثقة، ولم ينقدح في نفس الناقد أن به علة.
ويكون الشاذ ما تفرد به الثقة وانقدح في نفس الناقد أن به علة، مع عدم وقوفه عليها.
وهذا الشاذ عنده - هو الشاذ المردود.
_________________
(١) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ٤٠ باختصار.
(٢) ثم قال: "وكل حديث يخلو عن علامة من هذه العلامات المبينة فإنه من رواية المجروحين".
(٣) رمز للصحيح الذي تفرّد به ثقة واحد.
(٤) النفي موجود في طبعة دار ابن حزم، بتحقيق السّلوم ١٧٠، وهو ساقط من طبعة دار الدعوة بتحقيق: فؤاد عبدالمنعم، والنفي موافق للمعنى، إذ الشذوذ يعني التفرد بلا شواهد ولا متابعات.
(٥) رمز للصحيح الشاذ.
(٦) الحاكم، المرجع السابق، ٧١.
[ ٣٢١ ]
والحاكم ﵀ لم يفصح عن هذا التقسيم كما هو ظاهر، ولكن كلامه في كتاب المعرفة والمدخل وتصرفه في المستدرك يجعلنا نذهب هذا المذهب في فهم كلامه ومعرفة مصطلحه.
وهذا يعني أن الشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه.
وهو قسمان:
١ - شاذ مقبول وهو ما يرادف الغريب عنده، وهو ما تفرد به الثقة ولم ينقدح في نفس العارف لهذا العلم أن به علة.
وهذا النوع هو الذي صحح الحاكم أمثاله في المستدرك مع النص على شذوذه.
فمن ذلك قوله في حديث: "إسناده صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة" (١).
ومنه أيضًا قوله في حديث آخر: "هذا حديث شاذ صحيح الإسناد" (٢).
وعلى هذا يحمل قوله: "ولعل متوهمًا يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة، التي ليس لها إلا إسناد واحد، ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها" (٣).
٢ - شاذ مردود، وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.
وعلى هذا يحمل المثال الأول والثاني اللذان ذكرهما الحاكم للشاذ." (٤)
وممن قال كذلك بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد: الخليلي -وهو تلميذ الحاكم- وذلك في كتابه الإرشاد، ولم يقيّد التفرّد بالثقة بل جعله مُطلقًا؛ ليشمل الثقة وغيره، فقال: "الذي
_________________
(١) ينظر: الحاكم، المستدرك، ١/ ٢٨٩ ح (٦٤٢).
(٢) المرجع السابق، ١/ ٤١٢ ح (١٠٢٧).
(٣) المرجع السابق، ١/ ٧٠ ح (٥٢).
(٤) اللحياني، الحديث الشاذ، ١٦ - ١٧.
[ ٣٢٢ ]
عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به" (١).
وقد فُهم من ذلك أنه يُسوّي بين الشاذ والفرد المطلق (٢) إلا أن ابن رجب كان له تعقيب يوضح مراد الخليلي لمعنى الشاذ فقال:
"ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره.
فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، " إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم". (٣)
قال العراقي: "الخليلى يجعل تفرد الراوي الثقة شاذا صحيحا، وتفرد الراوي غير الثقة شاذا ضعيفا" (٤)؛ إلا أن المتأمل لما ذكره الخليلي يجد هذا الإطلاق من العراقي - ﵀- غير دقيق، فالأفراد على أنواع عند الخليلي كما ذكر في كتابه الإرشاد (٥) - وأشار إلى ذلك أيضًا ابن رجب في النقل السابق- فهناك تفرد الحافظ الثقة المشهور وهو صحيح،
وتفرّد الضعيف المتهم بالوضع فهو موضوع، وتفرّد كثير الغلط فهو منكر أو متروك،
_________________
(١) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٢) "والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم". ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٥٢.
(٣) ابن رجب، العلل، ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ باختصار.
(٤) العراقي، التقييد، ١٠١. "والذي يبدو لي: أن الخليلي يفرق بين ثقة مبرز في الحفظ فيحتمل تفرده، وبين ثقة لا يحتمل تفرده فحل، علل الحديث، ٢٨١. تعليق المؤلف في الحاشية.
(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٧ - ١٧٣.
[ ٣٢٣ ]
وتفرّد من لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه فهو الشاذ، ويتوقف فيه فلا يُحكم بصحته ولا بضعفه، فبالنظر إلى هذه الأقسام الأربعة مع ما ذكره في تعريف الشاذ يمكن استنتاج ما يلي:
"أن الخليلي لم يقصد في تعريفه أن كل تفرّد يُعدّ شاذًا (١)، فهو لم يتعرض في تعريفه لتفرد الحافظ المشهور الثقة أو الإمام، إذ حكم بصحة تفرده حين ذكر أقسام التفرّد، وحين عرّف الشاذ ذكر تفرّد شيخ ثقة، وقال: يتوقف فيه، وهذا يوافق كلامه على القسم الرابع من تقسيمه للأفراد والذي مثّل له بحديث (أبي زُكَير) (٢) وقال عنه: شيخ صالح، وقال: لا يُحكم بصحته ولا بضعفه؛ أي: أنه توقف فيه أيضًا.
وتحدث كذلك في تعريفه للشاذ عن تفرّد شيخ غير ثقة، وحكم برد حديثه، وهذا يوافق كلامه على القسمين الثاني والثالث من تقسيمه للأفراد، والتي حكم عليها بالردّ. والله أعلم". (٣)
وبعد أن عرّف الخليلي الشاذ لم يذكر أمثلة عليه، إنما أطلق وصف الشذوذ على أحد أقسام الفرد التي سبقت ذكره لمعنى الشذوذ، فقال:
"نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه " ثم أخرج بإسناده إلى عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول:
عاش ابن آدم حتى أكل الجديد
_________________
(١) "قلت: والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم، أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطا؛ لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح". البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٦.
(٢) يحيى بن محمد بن قيس المحاربي الضرير، أبو محمد المدني، نزيل البصرة، لقبه أبو زُكير بالتصغير، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة إلا حديثين حدث بهما، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد، فلما كثر ذلك منه صار غير محتج به إلا عند الوفاق وإن اعتبر بما لم يخالف الأثبات في حديثه فلا ضير، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ٤/ ٤٢٧ (٢٠٥٥)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٩/ ١٨٤ (٧٦٤)، ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١١٩، ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٤ (٢١٤١)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٥ (٦٢٤١)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٦ (٧٦٣٩).
(٣) ينظر: الأثري، الحديث الشاذ، ٣٩ - ٤٠ بتصرف يسير.
[ ٣٢٤ ]
بالخَلِق!». (١) وأعقبه بقوله: "وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام، غير أبي زكير. وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع". (٢)
"فهذا النوع من الأفراد الذي سمّاه الخليلي فردًا شاذًا، هو ما تفرّد به شيخ ليس على درجة من الضبط والإتقان حتى يُقبل ما يَتفرّد به كما تُقبَل تفردات الأئمة الحفاظ، ولا هو ساقطٍ واهٍ فيُرد حديثه ويُضعّف مباشرة، ولو كان للحديث أصل شاهد أو متابعة، أو كان معروفًا محفوظًا عند المحدثين لانتفى تفرّده، وجُبِر الضعف الذي فيه، حيث تفرد به من لا يُحتمل تفرّده." (٣)
والمثال السابق تفرّد به أبو زكير، وقد اُختلف في توثيقه، وأُنكِر عليه روايته لهذا الحديث (٤)، وقد سمّاه الخليلي فردًا شاذًا.
"والظاهر أن الخليلي أراد بالشاذ أحاديث الشيوخ غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فردًا، ونصّ على كونها صحيحة فأفراد الشيوخ عند الخليلي على مرتبتين:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة، باب أكل البلح بالتمر ٢/ ١١٠٥ ح (٣٣٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الوليمة، باب البلح بالتمر ٦/ ٢٥٠ ح (٦٦٩٠)، والبزار في مسنده ١٨/ ٩٩ ح (٣٢) وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ غير يحيى بن محمد بن قيس، والعقيلي في الضعفاء، ٤/ ٤٢٧ (٢٠٥٥) وذكر أن أبا زكير لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف هذا الحديث إلا من طريقه، والحاكم في المستدرك كتاب الأطعمة ٤/ ١٣٥ ح (٧١٣٨). قال الذهبي في التلخيص: حديث منكر. جميعهم من حديث عائشة.
(٢) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٢ - ١٧٣. قال ابن حجر: "أما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في المستدرك لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكره في "الموضوعات". والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: "إنه منكر". باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين، وقد جزم ابن عدي بأنه تفرد به. وقول الخليلي: إنه شيخ صالح أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون في الديانة. والله أعلم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٠. لكن الحاكم -شيخ الخليلي- صححه في المدخل إلى الإكليل، تحت القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه ثم قال: وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرّجة في الكتابين. ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٩ - ٤٠.
(٣) حمام، التفرد، ٣٧٦.
(٤) قال ابن حبان: "وهذا كلام لا أصل له من حديث النبي - ﷺ - ". ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١٢٠، وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث التي بينتها" وعدّ منها هذا الحديث. ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٤ (٢١٤١).
[ ٣٢٥ ]
١ - ما كان عن شيخ غير ثقة، فما يتفرّد به متروك لا يُقبل، ولا يُحتج به.
٢ - وما كان عن شيخ ثقة فيتوقف في تفرده، ولا يُحتج به، فإن وجد ما يعضدها ويشهد لها زال التوقف، وتقوّت بغيرها." (١)
وممن فُهم من تعريفه للشاذ بأنه التفرّد: الميانشي، حيث قال: "هو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (٢)، وعلّق الزركشي بقوله: "جرى الميانشي على طريق المحدثين." (٣)، ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف.
وكتاب الميانشي مختصر، ولم يذكر أمثلة على ما ذكر ليتضح مقصوده، وبالنظر إلى تعريفه مجردًا يمكن حمله على مذهبين من مذاهب العلماء في الشاذ (٤)، المذهب القائل بتفرّد الثقة مطلقًا، والمذهب المقيّد له بمخالفة الثقات، وإن كان الحمل على الإطلاق أولى، ويؤيد ذلك سرده لتعريف الفرد والغريب والشاذ بشكل متتالٍ، فعرّف الفرد بقوله:
_________________
(١) حمام، المرجع السابق، ٣٨٠ - ٣٨١ بتصرّف.
(٢) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٩.
(٣) قال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جريًا على طريق المحدثين. الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٩.
(٤) وجدت اختلاف بعض الباحثين المعاصرين في توجيه كلامه ﵀، فقال الدكتور عبدالجواد حمام: "هذا التعريف يُظهر أن الشاذ هو تفرد وقع من راوٍ معروف، أي ليس مجهولًا ولا مستورًا، والغالب أنه يقصد الثقة أو نحوه. وهذا الراوي المعروف يأتي بحديث لا يوافقه عليه أصحابه الثقات، ولا يرويه غيره من أقرانه الحفاظ المعروفين بالضبط والتقصي، فهذا الذي يُسمّى شاذًا". بينما اعتبر الدكتور أبو سمحة تعريف الميانشي موافقًا لما قرره الشافعي من أن مراده بقوله: "لا يوافق على روايته المعرفون" هو مخالفة الثقة لما رواه الثقات. المراجع: حمام، التفرد، ٣٩٤، أبو سمحة، المنكر، ١٤٩.
[ ٣٢٦ ]
"ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري (١) -﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (٢)، ثم أتبع ذلك بتعريف الغريب، فقال: "ما شذّ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية"، وأردفه بتعريف الشاذ، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، وبالغريب: تفرّد قليل الرواية، وبالشاذ: تفرد كثير الرواية؛ ليميّز بين الأنواع الثلاثة، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
التفرّد في الرواية هي الانفراد بها دون متابعة أو مشاركة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، وسواءٌ كان الراوي ثقةً أو غير ثقة، والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مظنة لوجودها.
وممن اشترط التفرد في الشذوذ: الحاكم، والخليلي، أما الحاكم فقد قيّد الشاذ بتفرد الثقة بما لا يُتابع عليه، وأضاف - مما يُستنتج من سياق كلامه وأمثلته- بأن هذا التفرد مشوب باستنكار النقاد -وهو نوع أدقُّ من المعلل- إذ ينقدح في ذهنهم وجود علة وإن لم تكن ظاهرة ، فليس كل تفرد من الثقة مردود بل ما ينقدح في ذهن الناقد وجود خطأ في الرواية تقصر عبارته عن بيانه. (٣)
ونُسب للخليلي إطلاق تفرد الراوي بالرواية سواء كان ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن التأمل فيما ذكره، وسياقه يجد أنه ليس على الإطلاق المذكور بل قيّد تعريفه بتفرّد الشيوخ، وسبق تعريفه مثال للفرد الشاذ بسبب تفرّد راوِ وصفه بكونه شيخ لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه.
_________________
(١) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازَري المالكي. أبو عبد الله. فقيه محدث وأحد الأئمة الأعلام. مات سنة ٥٣٦ هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، ٤/ ١١٠ (١٦٨٢)، ابن العماد، الشذرات، ٦/ ١٨٧. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٧٧.
(٢) ينظر: المازري، المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٧٣) ح (٧٣٧).
(٣) ينظر: تحقيق كتاب ابن رجب، المرجع السابق ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠، الأثري، الحديث الشاذ، ٤١ - ٤٢.
[ ٣٢٧ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات.
- أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحًا لأحدهم، أو دمجًا فيما بينهم كما فعل ابن الصلاح في جعل الشاذ على قسمين: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.
- ومن جاء بعد ابن الصلاح لم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
- وكانت أبرز القيود التي احتاجت إلى تحرير في تعريف الشاذ هما: المخالفة، والتفرّد.
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.
- وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - ﵀- إلا أنه جعل الشذوذ خاصًا بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
- وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
- وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
[ ٣٢٨ ]
ابن القيم وأشار إلى أن تفرّد الثقة بما لم يروه غيره ليس شذوذًا، وإن سُمّي شذوذًا فهو من باب الاصطلاح الذي لا يوجب رد الحديث به، والنووي في كتابه المجموع، وابن كثير صوّبه كذلك، واقتصر ابن الملقن على ذكره - دون سواه - في كتابه (التذكرة)، واعتمده ابن حجر كتعريف للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق، ومثّل له بما وافق معناه، وسار على نهج شيخه السخاوي وتبعه السيوطي إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة، ومثلوا للشاذ بأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الراوي (الثقة أو الصدوق) لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.
- وأما من قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:
الإمام الحاكم وتبعه تلميذه الخليلي في ذلك مع اختلاف يسير بينهما إذ قيّد الحاكم الشذوذ بتفرد الثقة، بينما أطلقه الخليلي ليعم الثقة وغيره، هذا بشكل عام إلا أن المتأمل لسياق كلام كلٌ منهما وأمثلته يتضح له أمور من ذلك:
- أن الحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذًا مردودًا، بل يشترط له ضمنًا أن ينقدح في ذهن الناقد أن هذا التفرد غلط، وقد تقصر عبارة الناقد عن بيانه، وهذا هو الفرق بين الشاذ والمعلل عند الحاكم، - وصرّح به ابن الأثير من فهمه لكلام الحاكم- بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته.
- وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:
المثال الأول والثاني مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً، أما المثال الثالث: فيصدق عليه وصف الغريب الصحيح، وعُدّ إطلاقه لفظ الشذوذ عليه إطلاقًا لفظيًا.
[ ٣٢٩ ]
وعليه فالشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه، وهو قسمان: شاذ مقبول: وهو ما يرادف الغريب عنده، وشاذ مردود: وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.
- أما الخليلي فالظاهر أنه أراد بالشاذ تفرّد الشيوخ المستورين غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فردًا، ونصّ على كونها صحيحة. (١)
- ويشبه ما ذهب إليه الخليلي من تعريف الشاذ، ما استنتجه ابن سيد الناس من تعريف الترمذي للحسن، وتقييده بنفي الشذوذ؛ ففسّر الشذوذ بناءً على ذلك بقوله: "والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ." (٢) وقال أيضًا -مُظهِرًا تردده بعدم الجزم بمعنى معين للشذوذ عند الترمذي، واحتماله للمعاني السابقة في الشذوذ-: "إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين." (٣)
فقوله بأن تفرّد المستور داخل في مسمى الشاذ، يقارب قول الخليلي في إطلاقه الشاذ على تفرّد الشيخ الذي لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه،
_________________
(١) ينظر: حمام، التفرد، ٣٨٠ - ٣٨١ بتصرّف.
(٢) ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٣) ابن سيد الناس، المرجع السابق، ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
[ ٣٣٠ ]
- وأما الميانشي فقد فرّق بين الفرد والغريب والشاذ، فعرّف كل واحد منهما بتعريف مستقل، فعنى بالشاذ تفرّد كثير الرواية، وبالغريب تفرّد قليل الرواية، وبالمفرد أو الفرد زيادة الثقة.
والمحصلة النهائية أن المحدثين استعملوا الشاذ بمعنيين (١):
الأول: ما رواه الثقة مخالفًا غيره من الثقات.
الثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفردًا به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة.
وحقيقة الشاذ (٢): هو ما لا يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لا يعرفه الآخرون، أو لا يتابعه عليه أحد، والله أعلم.
هذا كان ختام تحرير تعريف الحديث الشاذ، ولأن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ؛ ناسب أن أُلحق فصل الحديث الشاذ بالحديث المنكر.
_________________
(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١١٠ - ١١١١.
(٢) ينظر: حمام، التفرد، ٤٠٦ - ٤٠٩.
[ ٣٣١ ]