المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٣٩٢ ]
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
زيادة الثقة: مركب إضافي من كلمتين، والزيادة من زاد الشيء وازداد أي نما وكَثُر، والزيادة خلاف النقصان (١).
والثقة من وثِق، و"الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثّقت الشيء: أحكمته." (٢)
"ووثِق به يثِق فهو ثِقة إذا ائتمنه" (٣)، فمن معاني الثقة في اللغة: الإحكام والإئتمان. (٤)
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
_________________
(١) ينظر: مادة (ز ي د) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ٤٠، الرازي، المختار، ١٣٩، ابن منظور، اللسان، ٣/ ١٩٨.
(٢) ابن فارس، المرجع السابق، ٦/ ٨٥. مادة (وث ق)
(٣) الرازي، المرجع السابق، ٣٣٢، ابن منظور، المرجع السابق، ١٠/ ٣٧١.
(٤) هذا معنى الثقة في اللغة، والثقة عند المحدثين مرتبة من مراتب تعديل الرواة، فالراوي الثقة عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الأولى من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: "فهو ممن يحتج بحديثه". وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، ونقل عن الخطيب قوله: "أرفع العبارات أن يقال: حجة، أو ثقة"، وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن. وقال الذهبي في الموقظة -موضحًا مراتب الثقة-: "الثقة: من وثقه كثير، ولم يضعف. ودونه: من لم يوثق ولا ضعف. فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين)، فهو موثق بذلك. وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة، فجيد أيضا. وإن صحح له كالدارقطني والحاكم، فأقل أحواله: حسن حديثه. وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ)." وقال الجزائري في توجيه النظر: "الثقة قد يطلق على من كان مقبولا وإن لم يكن تام الضبط". المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٧، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢٢ - ١٢٣، الذهبي، الميزان، ١/ ٤، الذهبي، الموقظة، ٧٨، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧١، ابن حجر، التقريب، ٧٤، الجزائري، التوجيه، ١/ ١٨١.
[ ٣٩٣ ]
مصطلح زيادة الثقة له ارتباط وثيق بالتفرّد والأفراد، (١) فهو صورة من صور التفرّد، وفرع من فروعه، "بل علاقته به علاقة العموم بالخصوص، إذ التفرّد أعم، ومن صوره زيادة الثقة" (٢)؛ ولعل هذا ما دعا ابن كثير - ﵀- في اختصاره لكتاب ابن الصلاح أن يقدّم نوع الأفراد ثم يتبعه بنوع زيادة الثقة (٣) - وذلك على خلاف ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح- وقد احتذيتُ صنيع ابن كثير في ذلك فقدّمت الكلام عن التفرّد والأفراد في الفصل الماضي ثم أتبعته بزيادة الثقة.
وبالنظر في كتب الحديث وعلومه نجد أن "معظم كتب المصطلح، وبخاصة القديمة منها لم تهتم بتعريف زيادة الثقة، وإنما اقتصرت على بيان حكم هذه الزيادات؛ وذلك لوضوحها في أذهان الحفاظ والمحدثين، وأهل هذا الشأن" (٤).
وكان ممن جاء قبل ابن الصلاح من أفردها بالذكر، ومثّل لها تحت نوع مستقل كالإمام الحاكم، أو ذكر حكمها تحت باب مستقل كالخطيب البغدادي كما سيأتي تفصيله.
_________________
(١) سيأتي معنا أن الميانشي عرّف الفرد ومثّل له بزيادة الثقة.
(٢) زهار، التفرد، ٢٢٣، ينظر: حمام، التفرد، ٥١١. وذكر الجديع في كتابه التحرير: أن الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه. فهذان نوعان، فأما الأول فليس مرادًا هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصًا أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٢٢ باختصار.
(٣) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٢٧، قال في خطبة كتابه: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب".
(٤) حمام، التفرد، ٥١١ - ٥١٢.
[ ٣٩٤ ]
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم تحت النوع الحادي والثلاثين- وهو يشير إلى نوع من أنواع زيادات الرواة-: "معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد" (١).
تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
عنون الخطيب بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها" (٢)
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
نجد الميانشي عرّف الفرد بقوله: "ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." (٣) ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (٤)، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، فيكون الفرد وزيادة الثقة عنده بمعنى واحد.
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٣٠. أردف بقوله: "هذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه، وقد كان أبو بكر عبد الله ابن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر ذلك وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد ﵃ أجمعين، " وأتبع ذلك بذكر عشرة أمثلة لهذا النوع ينظر: المرجع السابق، ١٣١ - ١٣٤.
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤. قام بسرد أقوال العلماء ومذاهبهم في حكم زيادة الثقات، ثم ذكر اختياره منها وترجيحه، فقال: "والذي نختاره من هذه الأقوال أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا، " وأتبع ذلك بما يدلّل على صحة اختياره. ينظر: المرجع السابق، ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٣) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.
(٤) ينظر: المازري، المُعْلم، ٢/ ٣٧٣ ح (٧٣٧).
[ ٣٩٥ ]
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث- فقال في تعريف زيادة الثقة: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله." (١)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (٢):
لخّص ابن الصلاح شيئًا مما ذكره الحاكم والخطيب البغدادي فيما يخص زيادة الثقة، فعنّون النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث: بمعرفة زيادات الثقات وحكمها، ثم ذكر بشكل مختصر من اهتم من العلماء بهذه الزيادات (زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث) (٣)، وحكمها عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين، ثم توصّل إلى تقسيم ما ينفرد به الثقات بشكل عام، فقال:
"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥. ثم أشار إلى حكم الزيادة -مستفيدًا ذلك من كتاب المستصفى للغزالي-: "إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفَّاظ قُبِلَ. فكذلك الزيادة " ابن الأثير، المرجع السابق، ١/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) "لم يذكر تعريفًا لها، ولم يُبيّن مفهومها، وإنما شرع مباشرة في تفصيل الكلام على حكمها، وتبعه على ذلك النووي، وابن جماعة، وغيرهما، ومردُّ ذلك وضوح المسألة عندهم، أو لكون هذا النوع مفرعًا عن أنواع أخرى، وقسيمًا لها، كالشاذ والمنكر، فهذه الأنواع متكاملة، وبتكاملها يتضح معناها وينجلي." حمام، التفرد، ٥١٥.
(٣) اعترض مغلطاي على ابن الصلاح بقوله: "وفيه نظر من حيث: إن النوع إنما هو مبني على الزيادات في الروايات أما الزيادات من الفقهاء التي من غير رواية فليس هذا النوع من بابها". وأُجيب على اعتراضه بأن المراد: الألفاظ الفقهية والزيادات التي يُستنبط منها الأحكام الفقهية كزيادة لفظة (تربتها) في حديث التيمم، وليس المراد ما زاده الفقهاء دون المحدثين، فذلك يدخل في نوع المدرج. المراجع: مغلطاي، الإصلاح، ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.
[ ٣٩٦ ]
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا (١) لما رواه سائر الثقات؛ فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ.
الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلًا لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا؛ فهذا مقبول. وقد ادعى "الخطيب" فيه اتفاق العلماء عليه. وسبق مثاله في نوع الشاذ.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث." (٢)
ثم ختم هذا النوع بالإشارة إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها، فقال:
"وأما زيادة الوصل مع الإرسال؛ فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدحٍ في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل، (٣) والله أعلم." (٤)
_________________
(١) ملاحظة: في الفرق بين المخالفة والمنافاة المراجع: ابن حجر، النزهة، ٨٢، البقاعي، النكت، ١/ ٣٨٣، الأثري، الحديث الشاذ، ١٥، أحمد عمر بازمول، المقترب في بيان المضطرب، ٧٩ - ٨٠.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٥ - ٨٦. ثم أتبع ذلك بذكر أمثلة على القسم الثالث، سيأتي ذكرها في تحرير التعريف.
(٣) "ما قاله النسائي وغيرُه من أنَّ مَنْ أرسل معه زيادة علم على من وصَلَ؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل، فإذا جاء الإرسال عُلِم أن مع المرسل زيادة علم، وقد رجَّحه ابن القطان وغيره، مُعارَضٌ بأن الإرسال نقصٌ في الحفظ، وذلك لما جُبِلَ عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبيَّن أن النظر الصحيح، أن زيادة العلم إنما هي مع من أسند". البلقيني، المحاسن، ١٩١.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.
[ ٣٩٧ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه وما ذكره من أقسام لتفرّد الثقات بشكل عام، وتعقّبه فيما نقله عن الترمذي من تفرّد الإمام مالك - بزيادة (من المسلمين) في حديث زكاة الفطر (١) -، بأن مالكًا لم يتفرّد بهذه الزيادة، حيث قال السخاوي: "شُوحِح (٢) ابن الصلاح في التمثيل به" (٣)، وكان ممن تعقّبه في ذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٦)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع فقد ذكر لمالك اثني عشر مُتابِعًا (٧)، وأسهب في ذكر المذاهب والأقوال في حكم الزيادة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين (٨)، بينما اكتفى في التذكرة بقوله: "وزيادة الثقات: والجمهور على قبولها." (٩)
_________________
(١) والحديث بتمامه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ٢/ ١٣٠ ح (١٥٠٤)، ومسلم في صحيحه كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين ٢/ ٦٧٧ ح (٩٨٤) كلاهما من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵃ -: «أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين».
(٢) شاحّ فلان أي خاصمه وجادله وماحكه. ينظر: المعجم الوسيط، ١/ ٤٧٤.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦٦.
(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٢ - ٤٣. وحكم بقبول القسم الثالث الذي سكت عن حكمه ابن الصلاح، حيث قال: "والصحيح قبول هذا الأخير، ومثله الشيخ أيضًا بزيادة مالك في حديث الفطرة (من المسلمين)، ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، والله أعلم".
(٥) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٨.
(٦) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٥٠ - ٢٥٦.
(٧) ذكر محقق الكتاب بعد تتبعه لطرق هذه المتابعات بأن الصالح منها للمتابعة سبع متابعات. ينظر: الجديع في حاشية تحقيقه لكتاب المقنع لابن الملقن، ١/ ٢٠٦.
(٨) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٩١ - ٢٠٨.
(٩) ابن الملقن، التذكرة، ٢٠.
[ ٣٩٨ ]
وذكر العراقي (ت ٨٠٦ هـ) أن ابن الصلاح حين نقل كلام الترمذي أسقط آخره، وأن الترمذي لم يُصرّح بتفرد مالك بهذه الزيادة دون غيره من الرواة، وإنما قيّد وصف المتفرّد بكونه من الحفاظ دون غيره ممن روى هذه الزيادة (١)، إلا أن ابن حجر برّر صنيع ابن الصلاح بقوله: "راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة (٢) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف ، وفي (كتاب العلل المفرد) (٣) قد قيّد كما حكاه عنه شيخنا- يقصد العراقي-.
فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل، والله أعلم." (٤)
وقد نقل البقاعي تصريح ابن حجر بأن ما شُوحِح به ابن الصلاح لا يصلح اعتراضًا عليه، فقال في النكت: "على أنه لا يصلح اعتراضا على ابن الصلاح؛ فإنه قال: (انفرد من بين الثقات) يعني: أنه لم يروها من الثقات غيره، وإلا لم يكن لقوله: (من بين الثقات) كبير فائدة، وكان حذفه أخصر، وأدل على الإطلاق " (٥). وهناك من اختصر كلام ابن الصلاح دون استدراك كالطّيبي (٦) (ت ٧٤٣ هـ)، وهناك من استدرك عليه ما ذكره من تقسيم تحت نوع زيادة الثقة، لكون ما ذكره يضم أنواع الأفراد بشكل عام، وليس خاصًا بزيادة الثقة فقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في نكته:
_________________
(١) حيث قال: "فلم يذكر التفرد مطلقا عن مالك، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لم يعتمد على حفظه فأسقط المصنف آخر كلامه وعلى كل تقدير فلم ينفرد مالك بهذه الزيادة بل تابعه عليها جماعة من الثقات". العراقي، التقييد، ١١١ - ١١٢.
(٢) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر، ٢/ ٥٤ - ٥٥ ح (٦٧٦).
(٣) ينظر: سنن الترمذي، ٦/ ٢٥٥.
(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩٧.
(٥) البقاعي، النكت، ١/ ٤٩٠.
(٦) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٦٢ - ٦٣.
[ ٣٩٩ ]
"هذا التقسيم ليس على وجهه، فإن الأول والثاني لا مدخل لهما في زيادة الثقة بحسب الاصطلاح؛ فإن المسألة مترجمة بأن يروي الحديث جماعة ويتفرد بعضهم بزيادة فيه، والقسمان قد فرضهما في أصل الحديث لا في الزيادة فيه، وإنما هما قسما الشاذ بعينه على ما ذكره هناك فلا معنى لتكراره، وإدخاله مسألة في أخرى، " (١) وقد تعقّب محقق الكتاب استدراك الزركشي بأن: "ابن الصلاح إنما قسم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام، وليس المتفرد به دائمًا زيادة فقد يكون غيرها؛ ولذلك صرّح ابن الصلاح في القسمين الأول والثاني بأنهما من نوع الشاذ. وإنما أراد استقراء أحوال التفرد وزيادة الثقة قسم منه، ولذلك لم يمثل للأول والثاني ومثّل للثالث الذي هو بيت القصيد عنده" (٢)؛ بينما وجّه أحد الباحثين تقسيم ابن الصلاح بكونه ليس خاصًا بموضوع (زيادة الثقة) بل هو تقسيم لما ينفرد به الثقة من الخبر المستقل بشكل عام، مع انطباق هذا التقسيم على زيادة الثقة، بحيث يمكن أن يُقال بأن تقسيم ابن الصلاح هذا يُعتبر تقسيم (زيادة الثقة) بالنظر إلى قبولها وردّها، وبالنظر إلى نفس الزيادة من حيث المخالفة، أو عدمها، أو المخالفة من وجه دون وجه. وعلى ضوء ذلك يمكن أن تتنوع زيادة الثقة إلى ثلاثة أنواع:
١ - زيادة ليست فيها مخالفة أصلًا.
٢ - زيادة خالفت من بعض الوجوه.
٣ - زيادة خالفت من كل وجه. (٣)
وكان من أبرز التعاريف لزيادة الثقة بعد ابن الصلاح:
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٢/ ١٨٩.
(٢) ينظر: المرجع السابق، حاشية التحقيق للدكتور: زين العابدين بلافريج.
(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقات وموقف المحدثين والفقهاء منها، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ باختصار.
[ ٤٠٠ ]
تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (١) حيث قال: "إذا تفرَّد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة".
وقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): "وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة." (٢)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
سبق الإشارة إلى التداخل الكبير بين مصطلح الأفراد وزيادة الثقة، بل إن زيادة الثقة صورة من صور التفرد، ذكرها ابن الصلاح في النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث ثم أتبعها بذكر نوع الأفراد قائلًا: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، " (٣) أي أن مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع
أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، وحين اختصر ابن كثير كتاب ابن الصلاح وجد أن
_________________
(١) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٥٢ - ٥٣. ملاحظة: وجدت أثناء قراءتي في مختصر ابن كثير وشرحه وجود اختلاف في صياغة آخر عبارة في هذا النوع أدى إلى تغيير المعنى، ففي المختصر (ص: ٥٣) وطبعة دار الكتب العلمية للباعث الحثيث (ص: ٦٢) وردت العبارة على هذا النحو: "وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول زيادة الثقة." وفي طبعة مكتبة المعارف للباعث الحثيث تحقيق: علي حسن عبدالحميد. (ص: ١٩٥) كانت العبارة على هذا النحو: "أن الخلاف في الوصل والإرسال، بخلاف قبول زيادة الثقة." وأشار المحقق في الهامش إلى اختلاف النسخ. ولا يخفى أن العبارتين متناقضيتن في معناهما، فأحدهما تثبت التشابه في حكم الزيادة سواء كانت في المتن أو الإسناد، والأخرى تنفيه، ولعل العبارة الثانية أقرب للصواب حيث يأتي أثناء تحرير التعريفات بيان أن ابن الصلاح يُفرّق بين حكم الزيادة في المتن والإسناد، فبينما رجّح قبول الزيادة من الثقة في الإسناد، جعل الزيادة في المتن على ثلاثة أقسام.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.
[ ٤٠١ ]
تقديم الأفراد على زيادة الثقة أنسب، فقال في خطبة كتابه: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب". (١)
وقد أشار ابن حجر إلى السبب من أن ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح لم يكن بالشكل المتناسب، وذلك لكونه كان يُملي هذا الكتاب على تلامذته "شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب" (٢)؛ لذا نجد ابن الصلاح في هذا النوع ذكر الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ومثّل لها بزيادة الوصل مع الإرسال، واكتفى بذلك ولم يذكر لزيادة الثقة حدًا أو تعريفًا، وبالنظر إلى ما ذُكر في نوع زيادة الثقة ممن جاء قبل ابن الصلاح أو بعده، فلعل أبرز ما ذُكر من قيود لزيادة الثقة هي:
- القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:
فحين ذُكِر نوع زيادات الرواة في كتب علوم الحديث، هناك من قيّد وصف الراوي الزائد في الحديث بوصف الثقة، وهناك من لم يصرّح بهذا القيد لكن سياق الكلام يدل عليه، بل ويقتضيه؛ حيث الزيادة في الحديث لا يكون لها أثر ما لم يكن راويها في حيّز القبول، "فالزيادات في الأحاديث تكون من الثقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضعيف غير
مقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلا سواء زاد أم لم يزد" (٣)، بل نجد أئمة الحديث يشترطون
_________________
(١) ابن كثير، الاختصار، ٢٧.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٣٤.
(٣) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣٢٠.
[ ٤٠٢ ]
في قبول الزيادة من الرواة كونهم من الحفاظ المتقنين، حيث قال الإمام مسلم "والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم" (١).
وقال الترمذي: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه" (٢).
ونقل ابن حجر عن ابن خزيمة قوله: "لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته". (٣)
وزاد ابن حبان شرطًا وهو أن يكون الراوي فقيها في حال كانت الزيادة في متن الحديث، فقال: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات؛ فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلمَ أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يَشُك فيه أنه أزاله عن سَننِه، أو غيَّره عن معناه أم لا؟ " (٤)
_________________
(١) مسلم، التمييز، ١٨٩.
(٢) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٥٥.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٩.
(٤) صحيح ابن حبان، ١/ ١١٩، وعلل ذلك بقوله: "لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط. وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ". ينظر كذلك: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٩٣ - ٩٤.
[ ٤٠٣ ]
وهذا الشرط "مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان." (١).
ونجد ابن حجر في النزهة يحدد مرتبة راوي الزيادة المقبولة بأنه من كان في مرتبة رواة الصحيح أو الحسن، ثم زاد زيادة فقال: "وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة " (٢)، فالثقة "قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط" (٣).
وبالرغم من أن الحاكم حين ذكر نوع الزيادات أطلق ذكرها دون تقييد بوصف الراوي الزائد بدرجة القبول، وذكر ضمن أمثلته زيادات للثقات وغيرهم، إلا أنه حين تكون الزيادة من ثقة فهو ينبّه على ذلك في الغالب (٤)، بل إنه صرّح في النوع الثالث عشر من الأنواع التي ذكرها في كتابه هذا: بأن الزيادة من الثقة مقبولة (٥)، ونجده يبني كتابه المستدرك على ذلك.
_________________
(١) الجديع، التحرير، ٢/ ٦٩٦، "وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه". سليم، زيادة الثقة في الأسانيد والمتن، ٨٨.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ٨٢.
(٣) الجزائري، التوجيه، ١/ ١٨١.
(٤) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٣١ - ١٣٥. فبعد أن ذكر المثال الأول قال: "هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك ابن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان" وبعد المثال الرابع قال: "هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم، عن محمد بن جابر، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء، عن همام بن يحيى، وهما ثقتان." وبعد المثال السادس قال: "هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم ابن موسى الرازي، وهو ثقة، مأمون". وبعد المثال التاسع قال: هذا حديث رواه الناس عن أيوب، فلم يذكر الزيادة من تثنية «قد قامت الصلاة»، غير سماك بن عطية البصري، وهو ثقة". أما المثال العاشر فقد تفرّد به أنس بن مالك وهو إمام في الحديث.
(٥) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ٤٠.
[ ٤٠٤ ]
فأكّد في خطبة كتابه: "أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة" (١)، ونجده كثيرًا ما يكرر قوله: "فأنا على الأصل الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون" (٢).
- القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:
ذكر ابن رجب تعريفه لزيادة الثقة بعد أن أكّد على أن مبحث زيادة الثقة إنما يتطرق لزيادة بعض الرواة فيما إذا كان مخرج الحديث واحدًا (من رواية صحابي واحد)، حيث قال: "فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد" (٣).
وما ذهب إليه ابن رجب - من اشتراط اتحاد المخرج أو السند فيما يزيده الرواة على الحديث؛ لتدخل هذه الزيادة تحت مسمّى زيادة الثقة- أيّده ابن حجر بقوله:
"وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - إذا روى الحديث
_________________
(١) الحاكم، المستدرك، ١/ ٤٢.
(٢) المرجع السابق، (١/ ١٦١) ح (٢٩١)، ينظر كذلك: (١/ ١٠١) ح (١٢٤)، (١/ ١٩١) ح (٣٧٠)، (١/ ٤٦٤) ح (١١٩٤)، (١/ ٧٥٣) ح (٢٠٧٤)، (٢/ ٦٧) ح (٢٣٤٧)، (٢/ ٢١٠) ح (٢٧٨٣)، (٢/ ٥٧٧) ح (٣٩٥٥)، (٤/ ٢٥٨) ح (٧٥٦٦).
(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.
[ ٤٠٥ ]
جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة " (١)
وقال أيضًا: "واعلم أن هذا كله إذا كان للمتن سند واحد. أما إذا كان له سندان، فلا يجري فيه هذا الخلاف." (٢) ذكر ذلك أثناء مناقشته مسألة (تعارض الإرسال والاتصال والرفع والوقف).
ويترتب على هذا القيد: كون الراوي صاحب الزيادة من طبقة التابعين فمن بعدهم؛ لأن زيادة الصحابي على الصحابي لا تدخل ضمن زيادة الثقة إنما هما حديثان مستقلان (٣)، وهذا ما أوضحه قول ابن رجب: "فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد" (٤).
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩٢.
(٢) المرجع السابق، ٢/ ٦١١.
(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقات، ٧٩. مثّل ابن حجر لذلك بقوله: "أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وإن الله تعالى يقول له - بعد أن يتمنى ما يتمنى - لك ذلك ومثله معه، وقال أبو سعيد الخدري: «أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لك ذلك وعشرة أمثاله» أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب فضل السجود، ١/ ١٦٠ ح (٨٠٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ١/ ١٦٨ ح (١٨٣). وكحديث ابن عمر - ﵃ -: «الحمى من فيح جهنم فأبردها بالماء» متفق عليه- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق، باب صفة النار ٤/ ١٢١ ح (٣٢٦٤)، ومسلم في صحيحه كتاب السلام، باب لكل داء دواء ٤/ ١٧٣١ ح (٢٢٠٩) - وفي حديث ابن عباس - ﵃ - عند البخاري: «فأبردوها بماء زمزم» ٤/ ١٢٠ ح (٣٢٦١)." ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢.
(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.
[ ٤٠٦ ]
قال ابن حجر: "الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنما هو في زيادة (بعض الرواة) من التابعين فمن بعدهم." (١)
وقال السخاوي: " (واقبل) أيها الطالب (زيادات الثقات) من التابعين، فمن بعدهم" (٢).
- القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:
لم تتفق تعريفات هذا النوع على عدد رواة الزيادة هل هو واحد أو أكثر، فبعضها نصّ على كون راوي الزيادة واحدًا، حيث جاء في نوع الزيادات عند الحاكم قوله: "ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" - إلا أنه في أمثلته ذكر في المثال الأول تفرّد راويان ثقتان (٣) - وتبعه في التقييد بمجيء الزيادة من راوٍ واحد: ابن الأثير، وابن كثير.
بينما أفادت بعض التعريفات احتمال ورود الزيادة عن أكثر من راوِ، ومن ذلك: ما جاء عن الميانشي، وكذلك ما ذكره ابن رجب في تعريفه، حيث قال: "فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (٤)
"وذِكرُ كلمة (بعض) في التعريف تومئ إلى أن هناك حالتين للزيادة:
الحالة الأولى: أن ينفرد بالزيادة راوٍ واحد، لم يتابعه عليها غيره من الرواة الذين رووا أصل الحديث، وهذا هو المفهوم الشائع والمتبادر لزيادة الثقة، وهو الأصل فيها.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦١، وقال في تتمة هذا النوع: "الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر، إذا صح السند مقبولة بالاتفاق." المرجع السابق، ٢٦٨.
(٣) حيث قال الحاكم بعد أن ذكر المثال الأول: "هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان." الحاكم، علوم الحديث، ١٣١.
(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.
[ ٤٠٧ ]
الحالة الثانية: أن يروي الزيادة أكثر من واحد، بأن توجد لهذه الزيادة متابعة، لكن تبقى الزيادة في حكم الانفراد؛ لأن الأكثر من رواة الحديث لم يذكروها." (١)
وقد مثّل الترمذي لزيادة الثقة بزيادة مالك في حديث زكاة الفطر، فقال:
"ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير».
قال: وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين.
وروى أيوب السختيانى، وعبيدالله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه " (٢)
قال ابن رجب مُعقّبًا: "ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها." (٣)
وقد كان لأحد الباحثين رأي في التفريق بين مجيء الزيادة من راوٍ واحد ومجيئها عن أكثر من راو، واعتبار الأول زيادة ثقة بينما الثاني مختلف الحديث (٤)، فقال:
"وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه.
_________________
(١) حمام، التفرد، ٥١٨.
(٢) سنن الترمذي، ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٢.
(٤) مختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر. ينظر: النووي، التقريب، ٩٠، ابن جماعة، المنهل، ٦٠، ابن الملقن، التذكرة، ١٩، ابن حجر، النزهة، ٩١.
[ ٤٠٨ ]
وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه." (١)
وقد تعقّبه بعض الباحثين فعُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، "فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد تأتي من ثقات آخرين كما أخبر بذلك العلماء، وإلا لما كان للقرائن التي تُحيط بتلك الزيادة واعتد بها العلماء أي فائدة أو قيمة تذكر.
فالعلماء مثلًا: اعتدّوا بالمتابعة مثلًا كقرينة لقبول زيادة الثقة، وهذا بدوره يدل على أن الثقة لم يتفرد بتلك الزيادة لوحده " (٢)
"وأما احتمال كون الشيخ قد حدّث به على الوجهين فلا يتأتّى هنا، ذلك أننا هنا لا نتكلم عن روايتين متكافئتين قوة أو عددًا؛ إنما عن رواية أو روايتين فيها زيادة لم تذكرها روايات أخرى كثيرة، فهنا باعتبار الكثرة، وقلة من روى الزيادة، تبقى في حكم زيادة الثقة، ولا تدخل باب المختلف، والله أعلم." (٣)
فكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحدًا، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد. (٤)
هذا فيما يخص أبرز القيود التي تطرقت لها تعريفات زيادة الثقة قبل وبعد ابن الصلاح، أما ابن الصلاح فإنه لم يذكر حداّ ولا تعريفًا لزيادة الثقة إلا أنه اهتم بذكر حكمها، وأشار إلى الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها
_________________
(١) المحمدي، الشاذ والمنكر، ١٥٣.
(٢) مستورة المطيري، زيادة الثقة وأثر القرائن في قبولها أو ردها عند المحدثين، ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) حمام، التفرد، ٥٢٠.
(٤) بيكر، زيادة الثقات، ١/ ٨٠، ينظر كذلك: حمام، المرجع السابق، ٥١٧، سليم، زيادة الثقة، ١١.
[ ٤٠٩ ]
لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ممثّلًا لها بزيادة الوصل مع الإرسال.
مما دعا إلى التطرّق لموضوع: محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد: (١)
الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:
يُعدّ من المحاور الرئيسية التي تطرّق إليها نوع زيادة الثقة عند ابن الصلاح (محلّ ورود الزيادة في المتن أو السند)، وفيما يخص تقسيم زيادات الثقات إلى أقسام حسب محلّ ورود هذه الزيادة في المتن أو الإسناد، فلعل هذا ظاهر في كتب وأبحاث المعاصرين،
_________________
(١) حكم زيادة الثقة من حيث القبول أو الرد: لقد استفاضت كتب علوم الحديث وأصول الفقه في ذكر مذاهب العلماء في زيادة الثقة، وقد جمعها الباحث شوكت - في رسالته- فوجد أنها في مجملها تعود إلى أربعة أقوال:
(٢) قبول زيادة الثقة مطلقًا.
(٣) ردها مطلقًا.
(٤) اعتبار بعض الشروط في قبولها، وهي شروط تتعلّق (بالراوي، والمروي، وحال التلقّي).
(٥) ليس هناك حكم مطّرد على الزيادة من القبول أو الرد؛ بل تُلاحظ القرائن لكل زيادة على انفرادها. ثم ناقش هذه الأقوال، وكانت نتيجتها: أما القول الأول بقبول الزيادة مطلقا: فقد نُوزع فيه وظهر خطأ هذا الإطلاق، وكذلك القول بردّ الزيادة مطلقًا غير مرضي؛ حيث يؤدي إلى طرح كثير من الأحاديث التي ورد فيها زيادات تفيد أحكامًا. والقول الثالث وما ذُكر فيه من شروط قد يُعتبر بعضها في قبول الزيادة أو ردها؛ بل هذه الشروط تعتبر من القرائن التي يُشير إليها القول الرابع، وهو القول الوسط في قبول الزيادة أو ردها، وهو ما رجّحه الباحث، ولخّص عبدالجواد حمام الأقوال في حكم زيادة الثقة بقوله: "أن الزيادة تُقبل بشرطين: الأول: أن يكون راويها من العدالة والضبط والإتقان ما تحتمل منه هذه الزيادة. الثاني: أن تخلو هذه الزيادة بعد الدراسة والنظر من أي قرينة أو أمارة على خطئها وعدم صحتها. فبهذا الأصل وهو القَبول، مع هذين الشرطين تجتمع كل الأقوال السابقة، وتلتقي آراء المحدثين المختلفة"، "وهذا هو الصواب وهو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة كبيرة". وفي بحث الدكتورة مستورة المطيري في بيان أثر هذه القرائن من حيث قبول الزيادة أو ردّها، قالت: "رأيت في هذا البحث أن أُشير إلى دور القرائن والمرجحات وأهميتها في قبول زيادة الثقة، وأبين أن هذا المنهج هو الذي انتهجه وسار عليه معظم العلماء سواء منهم القدامى والمعاصرين". المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤ - ٤٢٦، ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٩، ابن حجر، النزهة، ٨٢ - ٨٤، السخاوي، فتح المغيث، ٢٦٦، بيكر، زيادة الثقات، ١/ ١١٠ - ١٧٤ باختصار، حمام، التفرد، ٥٧٢، الفحل، أثر الاختلاف، ٣٣٣، أميرة الصاعدي، القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين، ٢٢٧ - ٢٣٠، المطيري، زيادة الثقة، ٢٧٣.
[ ٤١٠ ]
بينما حين يُتتبّع ذلك عند من سبق فإن ما يتعلّق بزيادات الإسناد، وحكمها يكون - في الغالب- مبثوثًا بين أنواع أخرى من علوم الحديث. (١)
- فقد أفرد الحاكم زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية) (٢)،
ومثّل لها بعشرة أمثلة (٣) ضمّت زيادات للثقات وغيرهم، ولعله لذلك لم يذكر - حكم الزيادة في المتن- في هذا النوع، وإنما أشار إلى قَبولها من الثقة في نوع سابق في ترتيب كتابه (٤)، هذا فيما يخص الزيادة في المتن.
أما الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أن الحاكم في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد (٥)، يُضاف إليه ما
_________________
(١) "قد خصّ كثير من أهل العلم الكلام على الزيادات بما وقع في المتون كما فعل الحاكم وغيره، وذكروا ما يقع من الزيادات في الأسانيد ضمن أبواب أخرى كـ (الشاذ والمنكر والمزيد في متصل الأسانيد والمعلل)، ومنهم من جمع الكلام على الصنفين جميعًا كالحافظ ابن رجب وغيره." سليم، زيادة الثقة، ١١ - ١٢.
(٢) "التقييد بـ (ألفاظ فقهية) غير سديد، إذ وردت هناك زيادات لا صلة لها بالفقه البتة، وإنما هي تفيد فوائد أخرى، مثل: رفع الإشكال، أو زيادة بيان وتوضيح، وغير ذلك" بيكر، زيادة الثقات، ٧٨. "والظاهر أن الحاكم إنما يتكلم عن نوع خاص من الزيادات التي لها تعلّق بالأحكام، ويشهد لذلك الأمثلة التي ساقها فكلها في مواضيع فقهية" حمام، التفرد، ٥١٣. والمراد: الألفاظ الفقهية والزيادات التي يُستنبط منها الأحكام الفقهية، وليس ما زاده الفقهاء دون المحدثين، فذلك يدخل في نوع المدرج. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.
(٣) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٣٠ - ١٣٥.
(٤) في النوع الثالث عشر، وهو نوع معرفة المدرج. ينظر: المرجع السابق، ٤٠.
(٥) قال الحاكم في"القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه. ومثاله: حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» الحاكم، الإكليل، ٤٧. والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلّف عن الجماعة ١/ ٢٦٠ ح (٧٩٣)، والحاكم في المستدرك كتاب الطهارة ١/ ٣٧٢ ح (٨٩٣).
[ ٤١١ ]
ذكره في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، (١) إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد. (٢)
أشار إلى ذلك ابن رجب حيث قال في شرح العلل: "وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ - أيضًا -
وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في المستدرك." (٣)
فكلام الحاكم في مواضع كثيرة من (المستدرك) صريح في أنه يقبل وصل المرسل ورفع الموقوف، إذا كانا من ثقة، مهما كان شأن المُرسِل أو المُوقِف، وعلى هذا بنى الكتاب.
_________________
(١) مثّل تحت الجنس الثاني من أجناس العلل (بتعارض الوصل مع الإرسال)، وفي الجنس العاشر (بتعارض الوقف مع الرفع) وعدّ ذلك مما يُعلل به الحديث. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٤ - ١١٨.
(٢) نقل الزركشي في كتابه النكت عن العلائي قوله: "ومنهم من قبل الزيادة من الثقة مطلقا، سواء اتحد المجلس أو تعدد، كثر الساكتون أو تساووا، فمن هؤلاء: ابن حبان والحاكم فقد أخرجا في كتابيهما اللذين التزما فيهما الصحة كثيرا من الأحاديث المتضمنة للزيادة التي يتفرد بها راو واحد وخالف فيها العدد والأحفظ." الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٦، والأمثلة في كتابه المستدرك كثيرة ينظر: الحاكم، المستدرك،: ١/ ٥٤ ح (٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٥)، ١/ ٣٢٧ ح (٧٥٥)، ١/ ٣٩٢ ح (٩٥٩)، ١/ ٤٣٢ ح (١٠٨٧)، ١/ ٦٢٣ ح (١٦٦٤ - ١٦٦٥)، ١/ ٧٤٢ ح (٢٠٤٢)، ٢/ ١٩ ح (٢١٨٢)، ٢/ ١٧٤ ح (٢٦٨٠).
(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧. ينظر: سليم، زيادة الثقة، ٧٣ - ٧٤.
[ ٤١٢ ]
أما النصوص القليلة التي توهم أنه يُشترط في قبول الزيادة أن يكون راويها أحفظ من راوي النقص، كقوله عن حديث رواه: "أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة" (١)، فيمكن توجيهها على النحو الآتي:
أن مثل هذه النصوص لا حكم لها فيما نحن بصدده، ولا يستفاد منها قيد يُقيَّد به كلام الحاكم المطلق في قبول الزيادة؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن هذه النصوص نادرة جدّا في الكتاب؛ فلا تقاوم النصوص المطلقة التي تكررت كثيرًا، إلى الحد الذي لا يصلح معه تقييدها بهذه النصوص القليلة النادرة.
الآخر: أن هذه النصوص وصف لما هو كائن، وليست شرطًا يوضع لقبول زيادة الثقة، (٢)
وقبول الزيادة في الإسناد هو الذي جرى عليه الحاكم في رواياته في (المستدرك) وتعليقاته عليها، وتصحيحاته لها. (٣)
- والخطيب البغدادي حين عنون أحد أبواب كتابه الكفاية بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها" (٤)، فإنه عنى بالزيادة: الزيادة في المتن، وذلك
_________________
(١) الحاكم، المستدرك، ١/ ١٨١ ح (٣٤٣).
(٢) وربما يتضح هذا الأمر من معرفة المقصود بالمقارنة في قول الحاكم: "أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة"، فمن أوقفه هو أبو جناب الكلبي، واسمه يحيى بن أبي حيّة، وهو ضعيف، وقد قال عنه الحاكم: "وأبو جناب من لا يحتج بروايته في هذا الكتاب" أما من رفعه فهو شيبان بن فروخ وهو صدوق حسن الحديث. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٩١ (٢٣١٧)، ٢/ ٣٦٤ (٦١٥٤)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٩ (٢٨٢٤)، ٥٨٩ (٧٥٢٢). علي، الإمام الحاكم، ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٣) ينظر: علي، الإمام الحاكم، ٢٤٨ - ٢٥٠ باختصار.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤.
[ ٤١٣ ]
يُفهم مما أورده تحت عنوان الباب من مناقشة حكم هذه الزيادة من جهة تعلّقها بحكم شرعي أو لا، أو من جهة تعلّق الزيادة بلفظ الحديث أو معناها
أما ما يتعلّق بالزيادة في الأسانيد فقد أفرد أبوابًا لذلك منها ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: "باب القول فيما روي من الأخبار مرسلا ومتصلا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟ " (١)، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلًا ضابطًا للرواية، فقال:
"ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية، فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، " (٢)
وقال تحت "باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى، ما حكمه؟ والأخذ بالمرفوع أولى، لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولا ومقطوعا، وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لا يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لازم، والله أعلم" (٣)، حيث أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ
_________________
(١) المرجع السابق، ٤٠٩.
(٢) المرجع السابق، ٤١١.
(٣) المرجع السابق، ٤١٧.
[ ٤١٤ ]
زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد (١)، فقال:
"وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وقسمه قسمين:
أحدهما: ما حُكِم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.
والثاني: ما حُكِم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) " (٢).
- وأما ابن الأثير فقد عنى بالزيادة: زيادة المتون، حيث صرّح بذلك حين عرّفها بكونها زيادة تُرفع إلى النبي - ﷺ - وتُجعل من قوله (٣)، ثمّ فرّق بينها وبين المُدرج (٤).
_________________
(١) ونوع المزيد في متصل الأسانيد: هو أن يُزاد في الإسناد رجلًا فأكثر غلطًا. شريطة أن يكون ظاهر الإسناد الاتصال، وكان الذي لم يزد أتقن ممن زاد، وصرح في موضع الزيادة بالسماع. ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٩٩، ابن الملقن، التذكرة، ٢٠، ابن حجر، النزهة، ١١٧.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧ - ٦٣٨.
(٣) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥.
(٤) قال الحاكم: " معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - "، وذكر ابن الصلاح أقسام الحديث المدرج، ومنها:
(٥) ما أدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب ما يرويه من الحديث كلاما من عند نفسه، فيرويه من بعده موصولا بالحديث غير فاصل بينهما.
(٦) أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد ثان، فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول، ويحذف الإسناد الثاني، ويروي جميعه بالإسناد الأول.
(٧) أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر، مخالف للأول في الإسناد.
(٨) أن يروي الراوي حديثا عن جماعة، بينهم اختلاف في إسناده، فلا يذكر الاختلاف، بل يدرج روايتهم على الاتفاق. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٣٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨.
[ ٤١٥ ]
وحكم بقبولها عند الأكثر، فقال: "إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى" (١)
- أما ابن الصلاح فقد بدأ بذكر الزيادة في المتن ضمن ما ينفرد به الثقة عمومًا، وعمد إلى تقسيمها إلى أقسام حسب موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات (٢)، ثم أشار إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها (٣)، وفرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقًا (٤)، حيث قال: "فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع؛ لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه." (٥)
بينما هناك من يعدُّ تعارض الوصل والإرسال أو الوقف والرفع من أجناس العلل التي تُعلَّل بها الروايات - كما سبق عند الحاكم- فيعدّ الإرسال أو الوقف قادحًا في الوصل والرفع، بينما الزيادة في المتن لا تُعدّ كذلك، قال الزركشي: "الإرسال علة في السند فكان وجودها - أي الزيادة في الإسناد- قادحا في الوصل وليست الزيادة في المتن كذلك " (٦)
_________________
(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٣
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٥ - ٨٦.
(٣) ينظر: المرجع السابق، ٨٨.
(٤) المطيري، زيادة الثقة، ٢٩٠.
(٥) المرجع السابق، ٧٢.
(٦) الزركشي، النكت، ٢/ ١٨٨.
[ ٤١٦ ]
قال عمرو عبدالمنعم - في كتابه زيادة الثقة-: "فرق كبير بين ما يزيده الثقة في الإسناد وما يزيده في المتن، بخلاف من أطلق قبول (زيادة الثقة) فلم يُفرِّق بين الأسانيد والمتون، " (١).
وقال في موضع آخر:
"فالاختلاف على راوٍ في السند بزيادة أو نقصان بخلاف الاختلاف عليه في المتن في زيادة لفظة أو جملة، من جهة: أن الثقة إذا انفرد برواية حديث لم يأت به غيره، فهو صحيح محتج به إذا استوفى شروط الصحة لا سيما انتفاء الشذوذ والعلة، فقبول ما تفرّد به من الزيادة في الحديث أولى إن كانت هذه الزيادة مما يُحتمل من مثله، ولا تستنكر عليه، بخلاف أن يروي الحديث بسند زائد أو ناقص فيخالف فيه من هو أولى منه بقبول روايته، فحينئذ تُردُّ روايته ويُحكم عليها بالشذوذ " (٢)
فالزيادة في المتن تُعلَّل في حال ثبت شذوذها، قال الحافظ ابن حجر:
"ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع.
أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر" (٣)
- ولقد ذهب ابن حبان في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهبًا خاصًا، ففرّق بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في
_________________
(١) سليم، زيادة الثقة، ٣٢.
(٢) المرجع السابق، ٧٩.
(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٧.
[ ٤١٧ ]
المتن فلا، لأن اعتناءه بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر. (١)
"وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه، ولا شك أن توثيق الأئمة للراوي يتناول ضبطه للأسانيد وللمتون جميعًا، فإذا عُلِم منه أنه يروي ما يخالف فيه من هو أوثق منه سواءً بالمعنى الذي يُخلَ، أو باللفظ الذي يحيل على معانٍ أخرى سوى ما روت الأثبات فحينئذ لا يدخرون جهدًا في تليينه أو الكلام فيه، وإن كان ممن يُنسب إلى الحفظ والتثبت." (٢)
- بينما رجّح ابن رجب - بعد أن استعرض الأقوال في حكم زيادة الثقة- وخَلُص إلى: أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة كأحمد وغيره يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًا (٣)، وهو ما رجّحه كذلك ابن حجر نقلًا عن أئمة الحديث المتقدمين (٤) من أنهم يعتبرون الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة.
_________________
(١) فقد قال ابن حبان في مقمة صحيحه: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات، فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويَعلمُه، حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سَننهِ أو غيَّره عن معناه أم لا؟ لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع مُحدِّث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط. وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ." صحيح ابن حبان، ١/ ١١٩، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠١ - ٧٠٢.
(٢) سليم، زيادة الثقة، ٨٨.
(٣) ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧.
(٤) "كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم" ابن حجر، النزهة، ٨٢ - ٨٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢٦٦.
[ ٤١٨ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- ضوابط زيادة الثقة (قيود زيادة الثقة المستنبطة من تعريفاتها):
- إن من القيود ما اتفقت عليه التعريفات، وإن لم يتم التصريح به في بعضها، إلا أن سياق الكلام يدل عليه، أو جاءت الإشارة إليه ضمن شرحهم لقيود التعريف أو التمثيل له، من ذلك:
١) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لا تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يرو الزيادة.
٢) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقًا ولا تدخل في باب زيادة الثقة.
- أما تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على عدد رواة الزيادة، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحدًا، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد.
- وفيما يخص محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد،
وتفريق بعضهم بين الزيادة في المتن والزيادة في الإسناد، فهو على النحو الآتي:
- الحاكم أفرد زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية)، وحكم بقَبولها من الثقة، وكذلك فيما يخص الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد، وما ذكره كذلك في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد.
[ ٤١٩ ]
- الخطيب البغدادي أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد).
- ابن الصلاح فرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقًا.
- ابن حبان ذهب في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهبًا خاصًا، ففرّق في الزيادة بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في المتن فلا، لأن اعتناء المحدِّث بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر.
- بينما رجّح كل من: ابن رجب، وابن حجر أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة المتقدمين فيما يتعلق بزيادة الثقة سواء في المتن أو الإسناد، أنهم يعتبرون الترجيح ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة.
- اعتنت أكثر كتب علوم الحديث ببيان حكم زيادة الثقة في المتن؛ لما لذلك من أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، بينما زيادات الإسناد تفرّق الحديث عنها في أبواب (تعارض الوصل مع الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، والعلل) ونحوها.
وهناك تداخل بين بعض المصطلحات مع زيادة الثقة، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي:
- الفرق بين الأفراد وزيادة الثقة:
"إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم
[ ٤٢٠ ]
- بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته. ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن." (١)
-الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة:
في زيادة الثقة: الزيادة تكون ألفاظ تُستنبط منها أحكام فقهية، لا ما زاده الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدل على المدرج. (٢)
ويضاف إلى ذلك أن: "- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف
- يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلامًا للنبي - ﷺ - ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلامًا للصحابي فما دونه." (٣)
- الفرق بين علم الزوائد وزيادة الثقة:
علم الزوائد: "علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مُصنّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها، من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده". (٤) فالصلة بين علم الزوائد، وزيادة الثقة، أن كتب الزوائد تضم بين دفّتيها أحاديث فيها زيادات للرواة، فإذا كان راوي الزيادة
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١.
(٢) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.
(٣) عفيف سميح مصاروة، زيادة الثقة عند الإمام البخاري دراسة نظرية تطبيقية، ٥٥.
(٤) خلدون الأحدب، علم زوائد الحديث، ١٢.
[ ٤٢١ ]
ثقة، فهي عين زيادة الثقة، (١) وعليه فإن زيادات الثقات إنما هي نوع من الأحاديث المخرّجة في كتب الزوائد.
- الفرق بين مختلف الحديث وزيادة الثقة:
فرّق أحد الباحثين بين زيادة الثقة ومختلف الحديث فقال:
"إن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن الشيخ نفسه وانفرد بها عن أقرانه -رواة الحديث- فهذا الذي يُسمّى زيادة الثقة.
أما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الاختلاف (مختلف الحديث) أي إن: زيادة الثقة إنما تكون من واحد أمام جماعة، أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحد أمام واحد أو أكثر فهذه لا تسمّى زيادة ثقة بل تُسمّى (مختلف الحديث)." (٢)
وقد عُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد يتابعه عليها ثقات آخرين، فتكون الصلة بين نوع (مختلف الحديث) وبين نوع (زيادة الثقة) على النحو الآتي:
إن الزيادات التي تخالف المزيد عليه، أي أصل الحديث؛ فيمكن الجمع أو الترجيح بينهما -أي: بين الزيادة وبين المزيد عليه- فهي تندرج أيضًا تحت نوع (مختلف الحديث). أما الزيادات التي لا تخالف المزيد عليه فلا تدخل في هذا النوع (٣)، والله أعلم.
وبهذا نختم فصل زيادة الثقة، وننتقل إلى الفصل الثامن، وتحرير مصطلح الحديث المعلل، والذي له تعلّق بالمصطلحات السابقة، حيث انتفاء العلة قيدٌ بارزٌ في فصليّ
_________________
(١) ينظر: بيكر، زيادة الثقة، ١/ ٩٠.
(٢) ينظر: المحمدي، الشاذ والمنكر، ٥ - ٦ باختصار.
(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقة، ١/ ٩٤ بتصرف.
[ ٤٢٢ ]
الصحيح والحسن، والتفرّد مظنة العلة، ولا يكتمل تحرير تلك المصطلحات إلا ببيان المراد بالعلة والحديث المعلل.
[ ٤٢٣ ]