المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٣٦٥ ]
المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:
الأفراد جمع فرد، وهو أصل يدل على الوحدة، من ذلك الفرد وهو الوتر، أو الذي لا نظير له. (١)
المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
قال ابن الصلاح - تحت النوع السابع عشر (معرفة الأفراد) -: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لكن أفردته بترجمة كما أفرده (الحاكم أبو عبدالله)، ولما بقي منه" (٢)، فالأفراد متعلّق بأنواع عدة من علوم الحديث (٣)، والحاكم هو أقدم من أفرده بالذكر مستقلًا عن الأنواع الأخرى من أنواع علوم الحديث، والله أعلم.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الخامس والعشرين: "معرفة الأفراد من الأحاديث، وهو على ثلاثة أنواع: فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله - ﷺ - يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي (٤)، والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من
_________________
(١) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠، ابن سيده، المحكم، ٩/ ٣٠٦، الرازي، مختار الصحاح، ٢٣٦.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.
(٣) خاصة: نوعي الشاذ، والمنكر- وقد سبق تفصيلهما في الفصل الرابع والخامس من هذا البحث، - وكذلك تعلّقه بنوع زيادة الثقة، والمعلل وسيأتي بيانهما في الفصول اللاحقة بإذن الله.
(٤) مثّل لهذا النوع بسبعة أمثلة. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٦ - ٩٩.
[ ٣٦٦ ]
الأئمة، (١) فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه (٢) " (٣)
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):
ذكر الخليلي أنواع الحديث الفرد (٤)، فقال: وأما الأفراد: فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة، أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه (٥) ،
- ومن الأفراد الذي يتفرد به ضعيف، وضعه على الأئمة، والحفاظ (٦) ،
- وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله، وإن لم يتهم بالكذب (٧) ،
- ونوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه، ولا توثيقه ، وهذا فرد شاذ (٨).
_________________
(١) مثّل له بثلاثة أمثلة ثم قال الحاكم: "هذا النوع من الأفراد يكثر، ولا يمكن ذكره لكثرته، وهو عند أهل الصناعة متعارف" المرجع السابق، ١٠٠.
(٢) مثّل له بسبعة أمثلة. ينظر: المرجع السابق، ١٠٠ - ١٠٢.
(٣) ينظر: المرجع السابق، ٩٦ - ١٠٢ باختصار.
(٤) ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٦٧ - ١٧٣ باختصار.
(٥) مثّل له بمثال انفرد مالك بإسناده عن ابن شهاب، والحديث مخرّج في الصحيحين، ثم قال: " فهذا وأشباهه من الأسانيد متفق عليها". ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٦) مثّل له بمثال لحديث استنكر تفرّد راويه الضعيف فقال: "وهذا منكر بهذا الإسناد، ما له أصل من حديث ابن شهاب، ولا من حديث مالك، والحمل فيه على ابن غزوان". ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٦٩.
(٧) مثّل له بمثال عقّب عليه بقوله: "لم يروه عن مالك، إلا محمد بن الحسن بن زبالة، وليس بالقوي، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا، وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه، فعساه قرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة، فظن هذا أن ذلك من كلام النبي - ﷺ -، فحمله على ذلك. ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن، ولا إتقان" ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٠.
(٨) هذا النوع من الأفراد وصفه الخليلي بالشذوذ، وعقّب عليه بقوله: "وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام غير أبي زكير، وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع". ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٢ - ١٧٣.
[ ٣٦٧ ]
تعريف ابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ):
قال ابن طاهر المقدسي: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:
النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورًا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة (١) والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في الكتابين.
والنوع الثاني من الأفراد: أحاديثُ يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، فينفرد عن بعض رواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيره من طريق يصح، وإن كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن (شيخ (شيخه (جماعة «٢)،
إلا أنه من رواية هذا المنفرد عن شيخه لم يروه عنه (غيره (. (٣)
والنوع الثالث: أحاديث يتفرد بزيادة ألفاظ فيها واحد عن شيخه، لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ، فينسب إليه التفرد بها، وينظر في حاله.
والنوع الرابع: متونٌ اشتهرت عن جماعة من الصحابة أو عن واحد منهم، فيُروَى ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يُعرف به إلا من طريق هذا الواحد، ولم يتابعه عليه غيره.
والنوع الخامس من التفرد: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسننٌ يتفرد بالعمل بها أهل مِصْرٍ لا يُعْمَل بها في غير مصرهم " (٤)
_________________
(١) سبق بيان المراد بشهرة الراوي، والتفصيل في أنواعها في مبحثين سابقين، الأول مبحث في بيان الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح، والثاني في بيان الشهرة بالصدق في فصل الحديث الحسن.
(٢) كلمتا (شيخ، وجماعة) غير موجودتين في النسخ المطبوعة للأطراف، وإنما تمت إضافتها من نسخة النفح الشذي إذ بهما يكون المعنى أكثر وضوحًا. ينظر: ابن سيّد الناس، النفح الشذي، ١/ ٣٠٧.
(٣) هناك اختلاف يسير في الصياغة بين الطبعات، وقد اعتمدت تحقيق جابر السريِّع.
(٤) المقدسي، أطراف الغرائب والأفراد، ١/ ٥٣. أردف النوع الخامس بقوله: "وليس هذا النوع مما أراده الدارقطني، ولا ذكره في هذا الكتاب إلا أنا ذكرناه في بابه. ولكل نوع من هذه الأنواع شواهد وأدلة لم نذكرها للاختصار والمتبحر يعلم ذلك في أثناء هذا الكتاب". وذلك في الطبعة الأخرى التي هي بتحقيق: جابر بن عبدالله السريَّع ١/ ٢٩ - ٣٠. وقد شرح هذه الأنواع ومثّل لها ابن سيد الناس في شرحه لجامع الترمذي، ينظر ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٣٠٧ - ٣١٢. وحكم الحديث الفرد عند ابن سيّد الناس: -إذا لم يخالف فيه الراوي غيره- يأتي على ثلاثة أحوال ترجع إلى مرتبة الراوي في الحفظ والثقة، وهي: صحيح إذا كان المتفرد بالرواية من الحفاظ، وحسن إذا كان المتفرد من الثقات، ومردود إذا كان الراوي مستورًا. ينظر: المرجع السابق، ١/ ٢٥٢.
[ ٣٦٨ ]
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
قال الميانشي: "وأما المُفرَد (١)، فهو: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (٢).
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
قال ابن الأثير: "ومن الغرائب: الأفراد، (٣) وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي - ﷺ -، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (٤).
_________________
(١) قال المحقق: "كذا في المطبوع والمخطوط، والجادة: الفرد. ينظر: هوامش الكتاب صـ ٣٩.
(٢) الميانشي، ما لا يسع المحدث جهله، ٢٩. ثم أردفه بقوله: "وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه. وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية".
(٣) على الرغم أن ابن الأثير نقل كثيراّ مما ذكره في أصول الحديث عن الحاكم، ونقل عنه أنواع الغريب إلا أنه دمج معها نوع الأفراد، فجعل الأفراد ضمن أنواع الغريب ولم يفردها بنوع مستقل كما فعل الحاكم، واقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد. ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من الأفراد كما ذكر ابن الصلاح بقوله: "وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٧٠.
(٤) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥. ثم مثّل لذلك بقوله: "مثل ما حدث حماد بن سلمة عن أبي العُشَرَاء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنت في فخذها أجزأ عنك» والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الضحايا، باب ما جاء في ذبيحة المتردية ٣/ ١٠٣ ح (٢٨٢٥)، والترمذي في سننه كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق ٣/ ١٢٧ ح (١٤٨١).
[ ٣٦٩ ]
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد
وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة، وحكمه قريب من حكم القسم الأول. ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أول أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو: لم يروه عن فلان غير فلان - وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.
ولسنا نطول بأمثلة ذلك؛ فإنه مفهوم دونها. وليس في شيء من هذا ما يقتضي الحكم بضعف الحديث، إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يروه إلا واحد من أهل مكة أو واحد من البصريين ونحوه، ويضيفه إليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيلة إليها مجازا" (١).
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨ - ٨٩.
[ ٣٧٠ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
غالب من جاء بعد ابن الصلاح لخّص كلامه في الأفراد وبيان أقسامها، كالنووي (١) (ت ٦٧٦ هـ)، وابن جماعة (٢) (ت ٧٣٣ هـ)، والطيبي (٣) (ت ٧٤٣ هـ)، وابن كثير (٤) (ت ٧٧٤ هـ)، والعراقي (٥) (ت ٨٠٦ هـ).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
تعريف ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه التذكرة حيث لم يخرج عمّا ذكره ابن الصلاح أو أشار إليه في كتابه إلا أنه أفرد كلًا من الفرد والغريب بتعريف مستقل فقال:
"الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه (٦) " (٧)، وكأنه يُشير بذلك إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. (٨)
_________________
(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٣. حيث لخّص تعريف ابن الصلاح، وفي شرحه على مسلم ذكر أنواع الحديث الفرد وبيّن أن له أربعة أحوال فقال: "وإذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال: - حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف، ويسمى شاذا ومنكرا - وحال يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا. - وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا. - وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا ومنكرا مردودا. فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود، والمقبول ضربان فرد لا يخالف وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه. والمردود أيضا ضربان فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في روايه من الحفظ والاتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، ١/ ٣٤.
(٢) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥١.
(٣) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٥٣.
(٤) ينظر: ابن كثير، علوم الحديث، ٥٢.
(٥) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٦٨ - ٢٧١، وذكر أمثلة للأفراد.
(٦) قال البقاعي: "قوله: (ممن يُجمَع حديثه البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٩، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٥. وقد ذكر الخطيب البغدادي عددًا ممن يُجمع حديثهم منهم: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأعمش، والأوزاعي، والزهري إلخ. وقال الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث: "ذكر النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ، والمذاكرة، والتبرك بهم." الحاكم، علوم الحديث، ٢٤٠. ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٧، السخاوي، شرح التبصرة، ٢/ ٥٧ - ٥٨،
(٧) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.
(٨) قال السخاوي في شرحه لتذكرة ابن الملقن: " (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يجمع حديثه) وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا، فكل غريب فرد ولا عكس." السخاوي، التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن، ٤٨. من إضافات فضيلة المناقش: أن اسم الكتاب الصحيح حسب الرجوع إلى المخطوطات هو (التوضيح الأسرّ).
[ ٣٧١ ]
أما ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فقد ساوى بين الفرد والغريب، وجعلهما مترادفين، وأشار إلى أن وجه المغايرة بينهما في كثرة الاستعمال وقلته، فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون:
١ - في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. (١)
٢ - أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد.
فالأول: الفرد المطلق (٢).
والثاني: الفرد النسبي، سُمِّي بذلك لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا، ويقل إطلاق الفردية عليه، لأن الغريب والفرد
_________________
(١) "أصل السند: هو طرفه الذي فيه الصحابي، والصحابي حلقة من حلقات السند، أي إذا تفرد الصحابي برواية الحديث، فإن الحديث يسمى غريبا غرابة مطلقة، وأما ما فهمه الملَّا علي القاري من كلام الحافظ ابن حجر من أن تفرد الصحابي لا يعد غرابة، وتعليله ذلك بأنه ليس في الصحابة ما يوجب قدحا، أو أن الصحابة كلهم عدول. فما أظن أن ابن حجر أراد ذلك، والله أعلم، وعلى كل حال، فما قاله الملا علي القاري هو رأي لبعض أهل الحديث." الطحان، تيسير المصطلح، ٣٩. ينظر: القاري، شرح النخبة، ٢٣، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٤٩٠.
(٢) ذكر أمثلة له فقال: "كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك." ابن حجر، النزهة، ٦٥.
[ ٣٧٢ ]
مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (١)
وتراوح موقف بعض تلامذة ابن حجر بين التصريح بموافقته وترجيح مذهبه فيما ذهب إليه من ترادف الأفراد والغرائب كالسخاوي (٢)، وبين الإشارة إلى هذا المذهب دون ترجيح أو تعقيب كالبقاعي (٣)،
والأنصاري (٤)، وبين من جعل الغرائب قسمًا خاصًا من أقسام الأفراد التي تضمه وتضم غيره - تبعًا لابن الصلاح- كالسيوطي (٥).
_________________
(١) ابن حجر، المرجع السابق، ٦٤ - ٦٦.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٣.
(٣) البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٧. فالبقاعي ينقل عن شيخه ابن حجر، ولم يعقّب، ولعل عدم تعقيبه دليل موافقة لما أورده، فقد نقل عن شيخه بأن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال - بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يجمع حديثه كما قيده به ابن منده أولا فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، وابن منده ما وقع به الانفراد من ذلك، فإنه حد الغريب منه، مخصص له بما انفرد به الراوي عن إمام يجمع حديثه، والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا." ينظر: البقاعي، المرجع السابق باختصار.
(٤) الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٨. حيث قال عند شرحه لنوع الغريب: "وقد علم من كلام الناظم: أن الغريب عند غير ابن منده قسمان: مطلق، ونسبي، وهو على وزان الأفراد السابق بيانه في بابه، حتى قيل: إنه لا فرق بين البابين."
(٥) قال السيوطي في ألفيته- تحت نوع الأفراد: " الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ " ثم ذكر الأنواع التالية: "الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر" وقال: الأول المطلق فردا، السيوطي، الألفية، ٢٣ - ٢٤. قال الشارح: "والمعنى: أن الغريب هو الفرد المطلق الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط، .. " الأثيوبي، شرح أَلفيَّة السُّيوطي ١/ ٢٠٨.
[ ٣٧٣ ]
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، قال السخاوي في شرحه لألفية العراقي - عند ذكره لمناسبة نوع المتابعات والشواهد لما قبلها، وذلك بعد مجيئها عقب الشاذ والمنكر-: "لما انتهى الشاذ والمنكر المجتمعان في الانفراد، أُردِفا ببيان الطريق المبين للانفراد وعدمه، ولكنه لو أُخِّر عن الأفراد والغريب الآتيين، كان أنسب" (١).
وقال كذلك في بداية نوع الأفراد: "ومناسبته لما قبله واضحة، ولكن لو ضُمَّ إلى المنكر والشاذ - كما قدمنا - كان أنسب" (٢)، ونجد أن السخاوي - في كلامه السابق عن الأفراد والغريب- صرّح إلى أن الأنسب هو ضم النوعين، وذلك حين ابتدأ ذكر مناسبة نوع الغريب لما قبله فقال: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (٣)، وهو بذلك يحتذي حذو شيخه ابن حجر الذي قال بترادف مصطلح الأفراد والغريب.
وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الأفراد أو ذكر لأنواعه، نجدها تدور في غالبها حول محورين:
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٥.
(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٦٨.
(٣) السخاوي، المرجع السابق، ٤/ ٣.
[ ٣٧٤ ]
- أحدهما: من جهة أقسام الحديث الفرد وتنوعه بين مطلق ونسبي، ومدى اتفاقهم على هذا التقسيم.
- والثاني: من جهة علاقة مصطلح الأفراد بالغريب.
المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:
فقد قسّم ابن الصلاح الأفراد إلى قسمين: فرد مطلق، وفرد نسبي.
أما القسم الأول: وهو التفرّد المطلق: فقد قيّده بالانفراد بالرواية دون متابعة أو مشاركة، سواء كان التفرّد بأصل الحديث أو جزء منه، وسواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة (١)، ولم يقيّد موضع التفرّد من السند إنما أطلق موضع التفرّد دون تحديد، فقال: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقًا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد، وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا." (٢) ويقصد بأقسامه وأحكامه ما ذكره في الأنواع التي سبقت الفرد من الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ويختلف حكم الحديث الفرد فيها حسب مرتبة راويه من الثقة والضبط، واحتمال التفرّد منه أو عدم احتماله.
- أما القسم الثاني: التفرد النسبي: وإنما سُميّ نسبيًا؛ لكون التفرد فيه ليس مطلقًا بل بالنسبة لطريق معين، أو بالنسبة لصفة في أحد الرواة أو لجهة معينة أو بالنسبة لأهل بلد معين، حيث قال: "وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة،
وحكمه قريب من حكم القسم الأول، ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو لم يروه عن فلان
_________________
(١) سبق بيان ذلك في قيد التفرّد في فصل الحديث الشاذ والمنكر.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.
[ ٣٧٥ ]
غير فلان - وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك " (١).
وما ذكره الحاكم من أنواع الفرد تدخل ضمن هذا التقسيم، حيث قال:
"معرفة الأفراد من الأحاديث وهو على ثلاثة أنواع:
فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله - ﷺ - يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي، والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (٢).
وحين اعترض مغلطاي على تقسيم ابن الصلاح، وأراد منه كما تبع الحاكم في إفراد هذا المصطلح بالذكر أن يتبعه كذلك في تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أنواع، فقال: "كان ينبغي له إذ يتبع الحاكم في أفراده أن يتبعه في تقسيمه " (٣)
أجاب على اعتراضه ابن حجر فقال: "وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.
والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعًا:
_________________
(١) المرجع السابق. ينظر في تقسيم الأفراد لمطلق ونسبي غالب كتب الحديث بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو نكّت عليه، ومن ذلك: النووي، التقريب، ٤٣، ابن جماعة، المنهل، ٥١، الطيبي، الخلاصة، ٥٣، ابن كثير، علوم الحديث، ٥٢، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦٨.
(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٦ - ١٠٢ باختصار.
(٣) مغلطاي، الإصلاح، ٢/ ٢٧١ - ١٧٢.
[ ٣٧٦ ]
أحدهما: تفرد شخص عن شخص.
ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.
ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.
رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى " (١)
وقال الزركشي - مُلحقًا أنواع الأفراد عند الحاكم إلى ما تندرج تحته من الفرد المطلق أو النسبي-: "وقسم الحاكم التفرد ثلاثة أقسام: الأول: تفرد أهل مدينة عن صحابي، الثاني: تفرد رجل واحد عن إمام من الأئمة، الثالث: تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى. والأول والثالث يدخلان تحت الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة." (٢).
ويُلاحظ أن الزركشي أدرج القسم الأول من الأقسام التي ذكرها الحاكم - وهو: تفرد أهل مدينة عن صحابي- ضمن الفرد النسبي (٣)، حيث مثّل الحاكم لهذا النوع بأمثلة منها: حديث عائشة ﵂ أنها: "لما توفي سعد بن أبي وقاص (٤)،
قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء (٥) وأخيه (٦) في المسجد" (٧).
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥ باختصار.
(٢) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٠٠.
(٤) سعد بن مالك بن أُهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، أبو إسحاق ابن أبي وقاص، من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، روى الكثير عن النبي - ﷺ -. مات سنة: ٧ أو ٨ للهجرة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٢٧٥ (٨٩١)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٢٨٦ (٣٢٠٨).
(٥) سهيل بن البيضاء، واسم أمه البيضاء دعد بنت الجحدم، وهو أخو سهل، وصفوان ابني بيضاء، يعرفون بأمهم، وأبوهم وهب بن ربيعة بن من بني النضر بن كنانة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، فجمع الهجرتين جميعا، ثم شهد بدرا وغيرها، ومات بالمدينة في حياة النبي - ﷺ - سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣١٤ (١٠٧٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٥١٣ (٣٥٧٨).
(٦) سهل بن بيضاء أخو سهيل وصفوان، أمهم البيضاء، كان ممن قام في نقض الصّحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، ومات بالمدينة وصلّى عليه النبيّ - ﷺ - وعلى أخيه سهيل في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٠٧ (١٠٤٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٦٩ (٢٢٨٣)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٤٩٠ (٣٥٣٧).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٩ ح (٩٧٣).
[ ٣٧٧ ]
قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، ". (١)
- بينما نجد ابن حجر في كتابه النكت ذكر هذا المثال كمثال للنوع الثاني من الفرد المطلق، وهو: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٢)، فقال: "ومثال النوع الثاني: حديث عائشة - ﵂ - "في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء - ﵁ - " له طريقان عنها (٣) رواتها كلهم مدنيون. قال الحاكم: "تفرد أهل المدينة بهذه السنة." (٤)
- ولعل ما أشار إليه السخاوي في شرحه لألفية العراقي يوضح بعض التداخل في أمثلة الفرد النسبي مع المطلق، فقال -قاصدًا أمثلة الفرد النسبي-: "والحاصل أن القسم الثاني
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٩٧.
(٢) قال السخاوي: "وصنف أبو داود (السنن) التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد; كحديث طلق في مس الذكر، قال: إنه تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة." السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.
(٣) أخرج مسلم في صحيحه حديث الصلاة على سهيل بن البيضاء من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير، ومن طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن كلاهما عن عائشة ﵂. ينظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩ ح (٩٧٣).
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥. قال السليماني: "قسّم الحافظ الفرد المطلق إلى قسمين، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره، وبين بعض صور النسبي. ونقل المناوي عن بعضهم أنه لا فرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في (اليواقيت والدرر)، وصرّح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي تشترك في بعض أنواع المطلق، كما في (فتح المغيث). وذكر بعضهم أن بعض الروايات تكون مطلقة من جهة، ونسبية من جهة، مع أنها رواية واحدة، وحصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم" السليماني، الجواهر، ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٣٧٨ ]
أنواع، منها ما يشترك الأول معه فيه ; كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط. (١)
وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد " (٢) ذكر هذه النتيجة بعد أن أسبقها بشرحه لعبارات الألفية فقال: " (فإن يريدوا) أي: القائلون بقولهم هذا وما أشبهه (واحدا من أهلها) بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحدًا فقط وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد (تجوزا) كما يُضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا (فاجعله من أولها) أي: الصور المذكورة في الباب، وهو الفرد المطلق." (٣)
ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله: "إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، " (٤)
- وبالنسبة لأقسام الأفراد عند المقدسي، فالقسم الأول عنده يدخل في التفرد المطلق، وقد أشار فيه إلى التفرّد في أصل السند- ولعل ابن حجر تبعه في ذلك حين عرّف الفرد
_________________
(١) مثال ذلك: حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -: إن قوله: «ومسح رأسه بماء غير فضل يده» - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٢١١ ح (٢٣٦) - فقد نقل السخاوي عن الحاكم قوله: سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد. ثم عقّب بقوله: "فإنه لم يروه من أهل مصر إلا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري، عن أبيه عنه، فأطلق الحاكم أهل البلد وأراد واحدا منهم." ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ بتصرّف.
(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧١، ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٥٧.
(٣) السخاوي، المرجع السابق.
(٤) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٨، السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧٢.
[ ٣٧٩ ]
المطلق، واختار تقييد موضع التفرّد بأصل السند، وذلك في كتابه النزهة (١)، - بينما الأنواع الأخرى عند المقدسي تفرّدات وغرائب نسبيّة.
- وأما ابن الأثير - فعلى الرغم من كونه لخّص ما ذكره الحاكم في كتابه- إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين للأفراد فقال: "ومن الغرائب: الأفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي - ﷺ -، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (٢)، فالأول يتراوح في دخوله تحت الفرد النسبي كما صرّح الزركشي (٣)، وبين اعتباره نوعًا من الفرد المطلق حسب المثال الذي استشهد
به ابن حجر لتفرّد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٤)، أما القسم الثاني الذي ذكره ابن الأثير فإنه يتبع الفرد المطلق.
- وأما الخليلي فقد ذكر أنواع الأفراد حسب مرتبة الراوي المتفرّد من الثقة وعدمها، ولم يُشر لجهة الإطلاق في التفرّد أو النسبية، وإن كانت الأنواع التي ذكرها في مجملها لا تخلو من أن تندرج تحت واحدٍ منهما.
- وكذلك الميانشي ذكر نوعًا واحدًا للفرد، أطلق فيه موضع التفرد، وحدد مرتبة راويه بكونه ثقة، وأردفه بما يشير إلى أنه يقصد بالفرد زيادة الثقة، فقال "وأما المفرد: فهو ما
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٦٤ - ٦٦. بينما نجده في كتابه النكت على ابن الصلاح أطلق موضع التفرّد، وجعل الفرد المطلق على قسمين فقال: "الفرد إما مطلق وإما نسبي، وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين: أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث. والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم. والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد " ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤ باختصار.
(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.
(٣) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥.
[ ٣٨٠ ]
انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (١)، فإذا قصد تفرّده بالحديث مُطلقًا بحيث لم يروه أحدٌ سواه لا عن شيخه ولا عن غيره، فهذا فرد مطلق، وإن خصّ التفرّد بالرواية عن الشيخ دون باقي تلامذته، بينما رُوي الحديث عن شيوخ آخرين، فهذا تفرّد نسبي.
- وغالب من جاء بعد ابن الصلاح ممن لخّص كتابه تابعوه في هذه التقسيم إلى مطلق ونسبي، وهذا شبه اتفاق بينهم على هذه القسمة، وإنما حدّد موضع التفرد - في الفرد المطلق- ابن حجر في كتابه النزهة فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي." - وقصد بذلك أن يرويه عن الصحابي تابعي واحد، - وقد أوضح ذلك بالأمثلة التي ذكرها، وفيها يتفرّد
التابعي في روايته عن الصحابي (٢)، وأشار أيضًا إلى أن هذا التفرد قد يستمر في الطبقات التي تلي التابعي فقال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم "، هذا فيما يخص الفرد المطلق، (٣) بينما أشار إلى أن موضع التفرد في الفرد النسبي يكون في الطبقة التي تلي التابعين فقال: "أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن
_________________
(١) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.
(٢) فقال: "كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك." ابن حجر، النزهة، ٦٥، ومن مظان الأفراد كذلك المعجم الصغير للطبراني كما ذكر السخاوي في الفتح. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.
(٣) "إن كان التفرد في أصل السند أو في كل السند، فهو الفرد المطلق، وإلا فهو الفرد النسبي." أبو شبهة، الوسيط، ٣٦٩.
[ ٣٨١ ]
الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي " (١).
وقد علّق الدكتور الزهار على تخصيص ابن حجر لموضع التفرد بقوله: "بالنظر إلى تعريفات باقي الحفاظ للفرد المطلق يتضح أن الحافظ ابن حجر رأى التخصيص في إطلاق التفرد في طبقة معينة وهي أصل السند، وذهب الباقون إلى جعله مطلق التفرد." (٢) ولعل لابن حجر سلفًا فيما ذهب إليه، وذلك فيما ذكره المقدسي في النوع الأول من الغرائب والأفراد حيث قال: "النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في
الكتابين " (٣) حيث خصص موضع التفرّد بتفرد التابعي عن الصحابي، بل وأتبعه أيضًا بتفرد من بعده - أي: تابع التابعي- عنه بالرواية، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم " (٤)، وتحديد موضع التفرّد من السند إنما ذكره ابن حجر في كتابه النخبة وفي شرحه عليها وهو النزهة، بينما نجده أطلق موضع
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٦٤ - ٦٦.
(٢) زهار، التفرد، ١٣٨.
(٣) المقدسي، الأطراف، ١/ ٢٩.
(٤) ابن حجر، المرجع السابق.
[ ٣٨٢ ]
التفرّد وتابع ابن الصلاح في ذلك في كتابه النكت على ابن الصلاح، بل وأشار إلى أن للمطلق أقسامًا، وجعل من ضمنها تفرّد أهل البلد بالرواية دون غيرهم. (١)
نخلص مما سبق:
أن معظم تعريفات الحديث الفرد أو الأفراد، وما جاء في تفصيل بعضهم لأنواعها يشمل في غالبه الفرد المطلق والنسبي (٢)، وإن لم يُشر قائلها لذلك، فهي في مجملها لا تخلو من هذين القسمين، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحديث إلى فرد مطلق ونسبي لا تعلّق به مباشرة من حيث الحكم على الحديث بالصحة والضعف، وإنما القبول والرد، وتصحيح الروايات وتضعيفها
متعلّق باعتبارات أخرى لا مدخل للتفرّد المطلق أو النسبي فيها، ولكنه من القرائن المهمة في عملية النقد الحديثي. (٣)
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥. "الذي ذهب إليه لم أجده لغيره من المحدثين، ولم أرَ من قسّم المطلق هذين القسمين، مطلق أهل البلد ومطلق الراوي المنفرد " حمام، التفرد، ٢٣١.
(٢) بل دعا ذلك بعض المعاصرين إلى الإشارة أن الفائدة من التوسّع بذكر الأمثلة على هذه الأقسام قليلة من الفائدة العلمية، فقال: "حصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم". السليماني، الجواهر، ٣٢١. ولعل من أبرز الفوائد بيان ما يجتمع فيه إطلاق الفردية والغرابة من هذه الأنواع، وما يختصّ به نوع الفرد عن الغريب.
(٣) ينظر مباحث حكم الحديث الفرد المطلق والفرد النسبي في كتاب التفرد لعبدالجواد حمام، ٢٣١ - ٢٤٣، عتر، منهج النقد، ٤٠١. وقد ذكر القاسمي أقسام الفرد المطلق ثم قال: "فتحصل أن الفرد المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضًا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. -وقد استفاد هذا التقسيم من النووي في شرحه على مسلم، ١/ ٣٤ - ثم ألحقه بأقسام الفرد النسبي، وقال: "ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد فيكون من الفرد المطلق. أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبًا." القاسمي، قواعد التحديث، ١٢٨. "فتلخص من هذا أن الحديث الفرد يدور على سبعة أضرب وأحوال، أربعة منها مندرجة ضمن الفرد المطلق، والثلاثة الباقية تندرج ضمن الفرد النسبي، والحكم على كل نوع منها يرجع إلى قرائن أخرى، على اختلاف في ذلك بين المحدثين، " زهار، التفرد، ١٤٢.
[ ٣٨٣ ]
المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:
مصطلح الأفراد من المصطلحات المتداخلة مع أنواع عدة من علوم الحديث (١)، وبالنظر إلى تعريفات من سبق ابن الصلاح نجد من أفرد هذا النوع بالذكر، ومنهم من ذكره مع الغرائب أو الغريب، وجعلهما نوعًا واحدًا، ومنهم من ذكره كنوعين متتالين يظهر فيهما التداخل.
ومن جاء بعد ابن الصلاح كذلك هناك من ميّز بينهما، وهناك من جعلهما نوعًا واحدًا.
- أما الحاكم فقد ميّز الغريب عن الأفراد (٢)، وذكر كلًا منهما في نوع ظاهره الاستقلال، وجعلهما متتالين، وكأنه يشير إلى ما بينهما من علاقة وطيدة مما جعل ابن الأثير في
مقدمة جامعه (٣) بعد أن نقل عن الحاكم أنواع الغريب الثلاثة -التي ذكرها في كتابه علوم الحديث (٤) - يدمج الأفراد بالغريب، وذكرها كقسم منه، إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد، ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من
_________________
(١) علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: "هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى (يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك) وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب ". ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.
(٢) ينظر: حمام، التفرد، ٢٧٤. وقد اعتبر المؤلف أن كل نوع منهما مستقلٌّ عن الآخر، وأن لكل منهما تقسيمًا لا ينطبق على الآخر.
(٣) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.
(٤) هي: غرائب الصحيح، وغرائب الشيوخ، وغرائب المتون، علما بأن أغلب مقدمة ابن الأثير في أصول الحديث مختصرة من كتاب الحاكم (معرفة علوم الحديث).
[ ٣٨٤ ]
الأفراد كما صرّح بذلك ابن الصلاح حيث قال: "وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه" (١).
وهذا الصنيع من ابن الأثير - رغم كونه نقل واختصر غالب مقدمته من كتاب علوم الحديث للحاكم- يدل على أنه فهم أن فصل الحاكم بين الغريب والفرد، وإفراد كل نوع بالذكر إنما هو فصل في ظاهر الأمر وليس في حقيقته، وأن مساحة الاشتراك بين النوعين كبيرة، واقتصر على ذكر أنواع الفرد المشتركة مع الغريب دون النوع الثالث، والذي أشار الحاكم إلى ندرة وجوده وفهمه، فقال: "فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (٢).
قال الدكتور صبحي الصالح - بعد أن ذكر نوع الغريب واستشهد على أنواعه بالأمثلة-: "وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم
الحديث وهو معرفة الأفراد، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد" (٣).
- أما ابن طاهر المقدسي فقد جمع بين الأفراد والغرائب، وعدّهما نوعًا واحدًا له أقسام فقال: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع: " (٤) ثم عدّد هذه الأنواع، ويُفهم من ذلك أنه يسوّي بين الأفراد والغرائب، ولعله ومن سار على نهجه يُعدُّ سلفًا لابن حجر في
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٧٠.
(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٠٠.
(٣) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، ٢٢٩.
(٤) ابن طاهر المقدسي، أطراف الغرائب، ١/ ٢٩ - ٣٠.
[ ٣٨٥ ]
اعتباره ترادف مصطلحي الغريب والفرد، وأنه قد يُطلق أحدهما على الآخر، فيقال: أغرب به فلان، وتفرّد به فلان.
وقد أشار إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة الاستعمال أو كثرته، فقال: "الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (١)
- وقد احتذى السخاوي حذو شيخه ابن حجر حيث صرّح بترادف مصطلح الأفراد والغريب حين ذكر أن الأنسب هو ضم النوعين إلى بعضهما، فقال - في مقدمة شرحه لنوع الغريب-: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (٢).
- وقد نقل بعض تلامذة ابن حجر كالبقاعي والأنصاري عن شيخهما ابن حجر ما ذكره من أن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال البقاعي- بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يُجمَع حديثه كما قيده به ابن منده أولًا فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا." (٣)
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٦٤ - ٦٦.
(٢) السخاوي، فتح المغيث ٤/ ٣.
(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٧ باختصار، الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٨.
[ ٣٨٦ ]
فابن منده إنما خصّ الغريب بجزء مما استقرّ عليه تعريف الغريب عند ابن حجر ومن وافقه، وأن ما يتفرّد به الراوي عمن يروي عنه بشكل عام يعدّه ابن منده فردًا لا غريبًا وإنما الغريب عنده خاص بما كان تفرداّ عن إمام يُجمع حديثه.
فالبقاعي وكذلك الأنصاري ينقلان عن شيخهما ابن حجر، ولم يعقّبا، ولعل عدم تعقيبهما دليل موافقة لما ذهب إليه من ترادف الفرد والغريب.
- وفي مقابل من اعتبر ترادف المصطلحين فهناك من فرّق بينهما، فأفرد كل نوع بتعريف مستقلّ:
- كابن الملقن، ويُشبه ظاهر تعريفه ما ذهب إليه ابن منده من التفريق بين الغريب والفرد، حيث جعل لكل منهما تعريفًا مستقلًا فقال- في كتابه التذكرة-: "الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه." (١)، وهو بذلك يُشير إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. قال السخاوي شارحًا كلام ابن الملقن: " (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يُجمع حديثه)
وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة (٢) أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا (٣)، فكل غريب فرد ولا عكس." (٤)
_________________
(١) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.
(٢) ضرب ذلك كمثال للفرد النسبي بتفرّد أهل بلد بالرواية عن شيخ ونحوه، ومثّل لهم بتفرد أهل مكة.
(٣) فإذا كان المتفرد من أهل البلد واحدًا اجتمعت فيه الغرابة والفردية، وإذا كان المتفرّد أكثر من واحد إلا انهم من بلد واحد، فيُعدُّ هذا من الفرد النسبي، ولا يصح إطلاق الغرابة عليه.
(٤) السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، ٤٨.
[ ٣٨٧ ]
- وممن فرّق كذلك بين المصطلحين، وجعل لكل منهما تعريفًا مستقلًا في ظاهره الميانشي حيث قال: "وأما المفرد: فهو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية" (١).
فقد خصَّ الميانشي الفردَ بتفرّد الثقة، وأعقب كلامه بما يدل على أن المقصود بالفرد عنده زيادة الثقة، (٢) وعرّف الغريب بكونه انفراد وشذوذ في الرواية من راوة مُقلّين في الرواية، فيُثير شذوذهم وانفرادهم الغرابة.
- وهناك من لم يذكر الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث، واكتفى بذكر الغريب، ومنهم: ابن دقيق العيد في الاقتراح (٣) (ت ٧٠٢ هـ) فلم يذكر في كتابه نوع الأفراد، بل اقتصر
على ذكر الغريب بعد ذكره لنوعيّ الشاذ والمنكر، ولعل في ذلك إشارة منه إلى ترادف الغريب والفرد أو كون الأفراد داخلة ضمن هذه الأنواع فلا حاجة إلى إفرادها بالذكر.
وتبعه الذهبي في كتابه الموقظة (٤) (ت ٧٤٨ هـ) إلا أنه تحدث عن الأفراد بشكل مبثوث ضمن مباحث الكتاب، وحكم ما لو انفرد ثقة أو ما دونه (٥).
_________________
(١) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.
(٢) فقال: "وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه." المرجع السابق.
(٣) حيث قال: "الرابع عشر الغريب: وهو تارة ترجع غرابته إلى اللفظ، وتارة ترجع إلى الإسناد، ثم تارة يكون غريبا مطلقا، بأن ينفرد راوٍ بإسناده كله، وتارة يكون غريبا عن شخصٍ معيَّنٍ، ويكون معروفا عن غيره. فإذا قيل: هذا غريبٌ من حديث فلان عن فلان، احتمل الوجهين جميعًا. وكذلك إذا قلنا: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعيَّن، ويكون مرويًّا من غير جهة ذلك المعيَّن فتنبّه لذلك ". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧ - ١٨.
(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٤٣.
(٥) فقد بيّن في كتابه الموقظة أقسام الرواة من حيث تفرّدهم فقال: "فهؤلاء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح. وإن كان من الأتباع، قيل: صحيح غريب. وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة. ومن كان بعدهم: فأين ما ينفرد به؟، ما علمتُه، وقد يوجد. ثم اليقظ، الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلق عليه أنه: ثقة، وهم جمهور رجال "الصحيحين" فتابعيهم، إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في (الصحاح). وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق (الغرابة) مع (الصحة) في حديث أتباع الثقات. وقد يوجد بعض ذلك في (الصحاح) دون بعض. وقد يُسمّي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هُشيم، وحفص بن غياث: منكرا. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: (هذا منكر) ".ينظر: الذهبي، المرجع السابق ٧٧ - ٧٨.
[ ٣٨٨ ]
نخلص مما سبق:
أن التداخل بين مصطلح الفرد والغريب تداخل كبير، وقد تعددت مذاهب العلماء في بيان العلاقة بينهما، ما بين علاقة عموم أحدهما وخصوص الآخر، وما بين علاقة الترادف واعتبارهما نوعًا واحدًا، والإشارة إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة استعمال أحدهما أو كثرتها في موطن دون آخر.
قال الدكتور نور الدين عتر: "ومن هذا يظهر تقارب هذين النوعين: الغريب والفرد من بعضها، حتى اختلف فيهما المحدثون هل هما نوع واحد أو نوعان مفترقان. والأولى جعلهما نوعين لما عرفت من عدم دخول بعض الأفراد في الحديث الغريب، مثل أفراد البلدان وأفراد القبائل." (١)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- يُفهم من تعريف ابن الصلاح أن الأفراد أو التفرّد حالة من الحالات التي تعرض للحديث (٢)، وأنها على قسمين تفرد مطلق، أو تفرّد نسبي.
_________________
(١) عتر، منهج النقد، ٤٠١.
(٢) الحديث الفرد فيه شيء من التعميم، فهو من حيث التعريف شامل لكل ما يتفرد به الراوي، ومصطلح الفرد يمكن أن يتداخل مع المصطلحات الأخرى، فالفرد حالة عامة، يمكن أن يكون فردًا خالف فيه الثقة الثقات فيدخل في نوع الشاذ، ويمكن أن يكون فردًا خالف فيه الضعيف من هو أرجح منه، ويمكن أن يكون فردًا زاد فيه راويه الثقة شيئًا على غيره من الرواة فيكون من قيبل زيادة الثقة، وهكذا. فالحديث الفرد إنما يدل على وقوع حالة تفرد مجردة، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، أما الأنواع الأخرى ففيها دلالة واضحة على التفرد مع معنى زائد عليه، كالمخالفة، أو الزيادة، أو الرد، ونحو ذلك .. ". ينظر: حمام، المرجع السابق، ٢١٩ - ٢٢٠ باختصار. وقد علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: "هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى - يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك- وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب " ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.
[ ٣٨٩ ]
حيث "لم يتصدّ كثيرٌ من المحدثين الذين دونوا في علوم الحديث لتعريف (الحديث الفرد) بصورته العامة، بل كانوا يبوبون له في مصنفاتهم، ثم يَلِجون مباشرة في تقسيمه، والكلام على نوعيه المطلق والنسبي، والتمثيل له، والحكم عليه، كما فعل الحاكم، وابن الصلاح، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم
وقد عرّف بعضهم -وإن كان قليلًا- (الحديث الفرد) منهم الميانشي " (١)
- ونجد أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقسامًا تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح البعض بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتميز مصطلح الأفراد بتداخله مع مصطلح الغريب، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعًا واحدًا أو التفريق بينهما:
- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كصنيع الحاكم.
- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.
- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.
_________________
(١) ينظر: حمام، المرجع السابق، ٢١٧ باختصار.
[ ٣٩٠ ]
- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.
- وهناك من جعلهما نوعًا واحدًا وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.
إن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، وعن درجة الراوي المتفرد وحاله، وبغض النظر هل يستغرب الحفاظ هذا التفرّد، ويتحفّظون عليه، أم أنه سائغ مقبول لديهم لا غبار عليه، وبغض النظر هل كانت فيه مخالفة أم لا، كل هذا داخل في حقيقة الحديث الفرد.
أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغربًا، أو استقلالًا بالرواية تثير عند الحفاظ شيئًا من الاستغراب
إذًا: الحديث الفرد أعم من الحديث الغريب، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وكل غريب يسمّى فردًا، وليس كل فرد يسمى غريبًا، هذا من حيث الماهية والجوهر، فماهية الفرد أعم وأشمل من ماهية الغريب، وليست هي ذاتها، (١) والله أعلم.
إلى هنا انتهى تحرير مصطلح الأفراد، ولأن زيادة الثقة صورة من صور التفرّد؛ رأيت من المناسب أن يتبعها في ترتيب فصول البحث، فإلى الفصل السابع، وتحرير مصطلح زيادة الثقة.
_________________
(١) حمام، التفرد، ٣١٢ - ٣١٣. باختصار.
[ ٣٩١ ]