المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٤٩٢ ]
المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:
المُدْرَج: بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من (أدرج).
والإدراج: لَفُّ الشيء في الشيء، ودَرَج الشيء في الشيء يدرُجُهُ دَرْجًا، وأدرجه: طواه وأدخله.
ومنه: أدرج الميت في الكفن والقبر: أدخله.
وأدرج الكتاب في الكتاب: أدخله، ودَرْجُ الكتاب: طيه وداخله. (١)
فمعنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء.
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
أشار السخاوي إلى المناسبة من ذكر الحديث المدرج بعد كلٍ من المعلل والمضطرب بقوله: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح" (٢) وهو المضطرب، ولما كان مما يُعلُّ به كذلك إدخال متن ونحوه في متن، ناسب إردافه بالمدرج. (٣)
_________________
(١) ينظر مادة (درج): الأزهري، تهذيب اللغة، ١٠/ ٣٣٩، ابن سيده، المحكم، ٧/ ٣٢٠، الزبيدي، تاج العروس، ٥/ ٥٥٥.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.
(٣) ينظر: المرجع السابق، ١/ ٢٩٧. بينما ذهب الزركشي إلى أن الأولى ذكر المدرج ضمن أنواع التدليس، فقال: "وأما تدليس المتون فهو الذي يسميه المحدثون المدرج وهو أن يدرج في كلام النبي - ﷺ - كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام النبي - ﷺ - وقد ذكره المصنف في النوع العشرين وكان ذكره هنا أنسب." الزركشي، النكت، ١/ ٥٦، ٢/ ١١٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٣.
[ ٤٩٣ ]
فالمدرج نوع من أنواع المعلول، ولا يُعدّ الكشف عن علة الإدراج في الحديث مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا يُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية. (١).
وإطلاق وصف الإدراج على بعض الأحاديث موجود في كلام الأئمة النقاد (٢)، ولعل أقدم من ذكر حدًّا للمدرج هو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع الثالث عشر: "معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - ". (٣)
تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
لقد صنَّف الخطيب البغدادي كتابًا في الأحاديث المدرجة، واسمه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ذكر فيه أنواعًا وأقسامًا للحديث المدرج (٤)، فقال:
هذا كتاب ذكرت فيه أحاديث يشكل شأنها على جماعة من أصحاب الحديث والأثر، فمنها: أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة، فصار الكل مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
_________________
(١) ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠١٦، حمزة عبدالله مليباري، الحديث المعلول قواعد وضوابط، ٨١.
(٢) لعل أول من استعمل مصطلح المدرج هو ابن المديني. ينظر: شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، المدرج وعلاقته بمباحث المصطلح الأخرى، ٢ - ١٠. ينظر: ابن المديني، العلل، ٧٧ ح (١١٦)، الترمذي، العلل، ٢٠٩ ح (٣٧٤)، ٣٧٨ ح (٧٠٤)، ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٢٣٢ ح (١٩٤١)، الدارقطني، العلل، ٢/ ٩٥ ح (١٣٧)، ٣/ ٥٧ ح (٢٨٣)، ٥/ ١٢٨ ح (٧٦٦).
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩، ليس المدرج خاصًا بما يُدرج في الحديث من كلام الصحابي كما يظهر، وإنما يريد التنويه بنوع منه، وهو ما كان من كلام الصحابة؛ ليدل على أن المدرج من كلام غيرهم له الحكم نفسه، ولعل في بقية كلامه (وتخليص كلام غيره من كلامه) ما يدل على هذا، والأمثلة التي ساقها تؤكد هذا، فقد ذكر مثالين: الأول: ما كان مدرجا من قول الصحابي وهو حديث ابن مسعود في التشهد. والثاني: ما كان مدرجا من قول من بعد الصحابي وهو حديث قتادة في الاستسعاء. ينظر: القضاة، قوفي، المدرج، ٤ - ٥ باختصار.
(٤) الزهراني، من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ١/ ٢٥.
[ ٤٩٤ ]
ومنها: ما كان متن الحديث عند راويه بإسناد غيرُ لفظةٍ منه أو ألفاظ فإنها عنده بإسناد آخر فلم يبين ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد.
ومنها: ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر.
ومنها: ما كان بعض الصحابة يروي متنه عن صحابي آخر عن رسول الله - ﷺ - فوصل بمتن يرويه الصحابي الأول عن رسول الله - ﷺ -.
ومنها: ما كان يرويه المحدث عن جماعة اشتركوا في روايته فاتفقوا غير واحد منهم خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق. (١)
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث (٢) - ثم أتبعها بذكر تعريف المدرج، وأشار إلى الفرق بين النوعين، فقال: النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه ، وهذا النوع: (هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلا أنه لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي - ﷺ -، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة).
وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي - ﷺ - ولم يُميِّز بينهما، فَيُظَنُّ أن جميعه لفظ النبي - ﷺ -. (٣)
تعريف ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ):
أشار ابن القطان إلى المراد من الإدراج، والموقف من الحديث المدرج بقوله: "كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة" (٤).
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: الزهراني، ١/ ١٠٠ - ١٠١ باختصار.
(٢) حيث قال في تعريفها: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله." ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥.
(٣) ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ باختصار.
(٤) ثم أردف بقوله: " وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب." بيان الوهم، ٥/ ٣٨٧.
[ ٤٩٥ ]
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
لقد ذكر ابن الصلاح أقسام المدرج، فقال: (١) معرفة المدرج في الحديث، وهو أقسام:
منها: ما أدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي - أو: من بعده - عقيب (٢) ما يرويه من الحديث كلامًا من عند نفسه فيرويه من بعده موصولًا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله - ﷺ -. (٣)
- ومن أقسام المدرج: أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني ويروي جميعه بالإسناد الأول. (٤)
ومنها: أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد. (٥)
ومنها: أن يروي الراوي حديثًا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق (٦).
_________________
(١) ينظر: علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨.
(٢) استدرك على ابن الصلاح وقوع الإدراج في أول المتن ووسطه كل من الزركشي، الأبناسي، وابن الملقن، والعراقي، واستشهدوا بما ذكره الخطيب البغدادي وبعض الأمثلة على ذلك. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٤١، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢١٦، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢٨، العراقي، التقييد، ١٢٨.
(٣) مثّل له بحديث ابن مسعود في التشهد الأخير في الصلاة. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، ٩٦. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦)، والدارقطني في سننه، ٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣).
(٤) ومثّل له بحديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، ٩٧. الحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ١/ ١٩٤ ح (٧٢٩)، وأحمد في مسنده، ٣١/ ١٤٠ - ١٤١ ح (١٨٨٤٧).
(٥) مثّل له بحديث أنس في النهي عن التباغض والتحاسد. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق. والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٧٣٩ ح (٨١)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦.
(٦) مثّل له بحديث ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم ..». ينظر: المرجع السابق، ٩٨. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ٢٠٠ ح (٤١٣١)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، ٥/ ١٩٠ ح (٣١٨٣)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ - نحوه. هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل." الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٨١٩ ح (٩٣).
[ ٤٩٦ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه:
- فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع (١)، وابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في التنقيح (٢)، إلا أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: "وهو زيادة تقع في المتن ونحوه." (٣)
- ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح - ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٦).
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح، ما يلي:
_________________
(١) ينظر: ١/ ٢٢٧ - ٢٣١. وقد تعقّب ابن الصلاح فيما يخص موضع الإدراج، فقال: "وقد يدرج في أول الحديث وفي وسطه كما نبه عليه الخطيب، وإن قيده الشيخ بالعقب". المرجع السابق، ١/ ٢٢٨.
(٢) ١٦٧ - ١٧١.
(٣) ١٨. قال السخاوي في التوضيح الأبهر (الأسرّ): " (والمدرج: وهو زيادة تقع في المتن) من صلةٍ بآخره، أو غيرها من أوله وأثنائه دون فصلٍ لها عنه، (ونحوه) كأن يسوق سندًا ثم يَعرضُ عارضٌ فيقول كلامًا من قِبلِ نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذاك الكلام هو متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك". ٥٦.
(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٦.
(٥) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٣.
(٦) ينظر: ٥٣ - ٥٤.
[ ٤٩٧ ]
تعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ)، حيث قال: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول - ﷺ -، ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي" (١) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في الموقظة (٢)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) في الاختصار فقال:
"وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك." (٣)، ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإسناد فقال: "وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة." (٤)
ثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فأفرد كلًا من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة (٥):
"ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد."
وأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله:
"وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف
_________________
(١) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.
(٢) ينظر: ٥٣ - ٥٤، تعريفه مختصر بشيء بسيط من تعريف شيخه ابن دقيق العيد، حيث قال: "هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنها من صلب الحديث. ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا."
(٣) ٥٦، ثم أتبعه بقوله: "قد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحِسان والمسانيد وغيرها." وهو يشير بذلك إلى أن حكم الإدراج يتراوح بين الصحة والحسن والضعف.
(٤) المرجع السابق.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٥.
[ ٤٩٨ ]
من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي - ﷺ -، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن." (١)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
إن المتأمل لتعريفات الحديث المدرج يجد أن أغلبها ركّز على ذكر حدّ المدرج في المتن، وإن لم يُصرّح بذلك، فبدءًا من الحاكم ومن تبعه كابن الأثير، وابن دقيق العيد، وتلميذه الذهبي؛ نجدهم اقتصروا في تعريفهم على ما يخُصّ إدراج المتن، وقد أشار بعضهم كابن كثير وابن الملقن إلى أقسام الإدراج الأخرى بإشارة مجملة.
أما الخطيب البغدادي فقد عمد في تصنيفه لكتاب (الفصل للوصل) إلى بيان أنواع الإدراج في الحديث وأقسامه (٢)، والتمثيل لكل قسم، وقد حذا حذوه ابن الصلاح في ذكر أقسام
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٥.
(٢) الإدراج في الحديث على نوعين رئيسيين: إدراج في المتن، وإدراج في السند، ولكل منهما أقسام، حيث يتفق الباحثون والكتاب في مجال علوم الحديث على جعل المدرج على أنواع. لكن تقسيمهم لهذه الأنواع يختلف زيادة ونقصا، كما يختلف باعتبار الحيثيات التي ينبني عليها ذلك التقسيم. وتأسيسا على ما مضى يمكن تقسيم الإدراج من حيث مكان وقوعه إلى نوعين: النوع الأول: الإدراج في المتن، النوع الثاني: الإدراج في السند. ويمكن تقسيم مدرج المتن إلى ثلاثة أقسام، وهذه الأقسام الثلاثة لإدراج المتن منهم من قسّمها باعتبار مكان وقوع الإدراج من المتن، وهي مراتب الإدراج في المتن عند ابن حجر: (إدراج في أول المتن، وإدراج في وسطه، وإدراج في آخره)، بينما ذكر آخر أن أقسام مدرج المتن الثلاثة هي:
(٣) ما كان من قول الصحابي ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -.
(٤) ما كان من قول التابعي ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -.
(٥) ما كان من قول من بعد التابعين ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -. - وبالنسبة لأقسام الإدراج في السند اختلف عددها عند علماء الحديث. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١١، ابن حجر، النزهة، ١١٥، البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧ - ٣٢١، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤١٦ - ٤٢٩، عبدالسميع محمد الأنيس، "الإدراج عند المحدثين" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ٦٨ - ٧٣، محمد مطر الزهراني، "المدرج وأنواعه" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ٢٢ - ٢٨.
[ ٤٩٩ ]
المدرج إلا أنه اقتصر على ذكر أربعة منها، حيث قال ابن حجر: "لم يذكر المصنف من أقسام المدرج إلا أربعة: قسم في المتن وثلاثة في الإسناد، وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام." (١)
وهناك من تبع ابن الصلاح في ذكر أقسام المدرج والتمثيل لها، ومنهم من عرّف المدرج بشكل مجمل دون أن يصرّح بتخصيص نوع منه، بينما ذهب ابن حجر إلى تعريف كُلٍّ من مدرج المتن ومدرج الإسناد على حدة.
وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الحديث المدرج نجدها تضم قيدين أساسيين هما:
- أن يُدخَل في الخبر (٢) ما ليس منه.
- ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.
وفيما يلي بيان ذلك:
قيود الحديث المدرج:
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١١.
(٢) التعبير هنا بلفظ الخبر لأنه أعم وأشمل حيث يشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وقد ذكر ابن حجر في النزهة الفرق بين الخبر والحديث على ثلاثة أقوال:
(٣) الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.
(٤) وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي - ﷺ -، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن ثمة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: (الإخباري)، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: (المُحدِّث).
(٥) وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق: فكل حديث خبر، من غير عكس، وعبر هنا بـ (الخبر) ليكون أشمل." ابن حجر، النزهة، ٣٥ - ٣٦، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩، القاري، شرح النخبة، ١٥٣.
[ ٥٠٠ ]
القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه.
لقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: (ما أُدرِج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته كلاما من عند نفسه ) وقوله: (أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر )، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه.
وقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها: "ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر".
- وأيضًا جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: "معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - ". (١)
- وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: "الإضافة إلى الحديث ما ليس
منه "، فقوله: (ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة (٢)، إذ الإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩.
(٢) ينظر فصل زيادة الثقة، وهو الفصل السابع من هذا البحث.
[ ٥٠١ ]
- ويظهر أيضًا اشتراط هذا القيد - في الحديث المدرج- في قول ابن دقيق العيد: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول - ﷺ -، "، وتبعه الذهبي، وابن كثير كذلك بقوله: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي"، وكذلك ابن حجر بقوله: "أن يقع في المتن كلام ليس منه "، فقد نصّ على كون الزيادة في الإدراج ليست من متن الحديث، وذكر أيضًا بأن مدرج الإسناد ناتج عن مخالفة الراوي بتغيير سياق الإسناد، وهذا التغيير كذلك إدخالٌ في الإسناد ما ليس منه، وللإدراج صور متعددة حسب موقعه في الإسناد أو المتن، وصور ذلك على النحو الآتي:
صور الإدراج في السند:
قسَّم الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح على ثلاثة منها، وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وملخصها ما يلي (١):
١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها. (٢)
_________________
(١) ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ١٠٠ - ١٠١، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨، ابن حجر، النزهة، ١١٥، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٢ - ٨٣٥ باختصار.
(٢) "مثاله: ما رواه عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: «يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ٢٠٠ ح (٤١٣١)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، ٥/ ١٩٠ ح (٣١٨٣)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ - نحوه. هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل."، والخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٨١٩ ح (٩٣).
[ ٥٠٢ ]
٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني. (١)
٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، (٢) فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، (٣) قال ابن حجر:
"وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس" (٤).
٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، (٥) فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. (٦)
_________________
(١) مثاله: حديث ابن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -، وفي آخره: «أنه جاء في الشتاء، فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب».- والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ١/ ١٩٤ ح (٧٢٩)، وأحمد في مسنده، ٣١/ ١٤٠ - ١٤١ ح (١٨٨٤٧) - والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة الصلاة خاصة، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه، فرواه عن عاصم، عن عبدالجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٧.
(٢) "الفرق بينه وبين النوع الثاني أن الطرف المدرج في النوع الثاني هو عن شيخ مغاير لشيخه في بقية المتن، وهنا فإن شيخه في كليهما واحد." الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٣٥ (الحاشية).
(٣) "مثال ذلك: حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس - ﵁ - في قصة العرنيين وأن النبي - ﷺ - قال لهم: «لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٤، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٥. والحديث أخرجه النسائي في سننه كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس ابن مالك فيه، ٧/ ٩٦ ح (٤٠٣٠)، وأحمد في مسنده ١٩/ ٩٧ ح (١٢٠٤٢).
(٤) ابن حجر، المرجع السابق. "الفرق بينهما أن في التدليس يكون الإيهام مقصودًا بخلاف الإدراج." السليماني، الجواهر، ٣٤٦.
(٥) يفترق عن القسم الثاني والثالث: أن القسمين السابقين، الذي تم إدراجه هو طرف المتن فقط، وهو حديث واحد من رواية نفس الراوي بإسنادين مختلفين، وهنا أُدرج فيه متن آخر ليس من رواية الراوي، وهما حديثان مختلفان. ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٤٧.
(٦) مثاله: "رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا. .» الحديث. فقوله: (لا تنافسوا) أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر، رواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة فيه: «لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٧. والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٧٣٩ ح (٨١)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦. "فحديث مالك مختلف الإسناد، رواه سعيد بن أبي مريم عنه مدرجًا بعضه في بعض دون أن يميّز بينها." مليباري، المعلول، ٨٦.
[ ٥٠٣ ]
٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. (١)
هذا فيما يخص صور الإدراج في السند.
أما الإدراج في المتن فقد ذكر ابن حجر أنه على مراتب ثلاث (٢) هي:
١ - أن يقع الإدراج في أول المتن. (٣)
٢ - أن يقع الإدراج في وسط المتن. (٤)
_________________
(١) "وقع لشيخ زاهد ثقة بالكوفة، يقال له ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، فكان يقرأ عليه حديث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي - ﷺ -، فلما بصر به ورأى عليه أثر الخشوع، قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. فظن ثابت، أن ما تكلم به شريك من قبل نفسه، هو حديث عن النبي - ﷺ - بهذا الإسناد، فرواه عن شريك بعده، وسمع منه الكبار، وسرقه جماعة من الضعفاء، فرووه عن شريك" الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٠ - ١٧١.
(٢) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢.
(٣) مثال ما وقع الإدراج في أول المتن: حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فقوله: (أسبغوا الوضوء)، مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: «أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: ويل للأعقاب من النار» كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، ١/ ٤٤ ح (١٦٥). ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٤١، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢١٩، العراقي، التقييد، ١/ ١٢٨، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧
(٤) مثال ما وقع الإدراج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه - كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، ١/ ٢٦٩ ح (٥٣٦) - من طريق عبدالحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مس ذكره، أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». قال الدارقطني كذا رواه عبدالحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: «من مس ذكره فليتوضأ». قال وكان عروة يقول: «إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ». وقال الخطيب: عبدالحميد تفرد بذكر الأنثيين والرفغين وليس من كلام رسول الله - ﷺ - وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وقد بين ذلك حماد وأيوب. مع أن عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في الكبير- ٢٤/ ٢٠٠ ح (٥١٠) - من رواية أبي كامل الجحدري ولفظه: «إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». ورواه الدارقطني أيضا - في سننه كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، ١/ ٢٧٠ ح (٥٣٩) - من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه الرفغ. ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ٣٤٤ ح (٢٢)، الزركشي، المرجع السابق، ٢/ ٢٤٢، الأبناسي، المرجع السابق ١/ ٢٢٠، العراقي، المرجع السابق ١/ ١٣٠، ابن حجر، المرجع السابق ٢/ ٨٣٠، السيوطي، المرجع السابق ١/ ٣١٨.
[ ٥٠٤ ]
٣ - أن يقع الإدراج في آخر المتن. (١)
ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي (٢) أو التابعي (٣) أو من بعده (٤).
_________________
(١) قال ابن الصلاح: "ومن أمثلته المشهورة: ما رويناه في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - علمه التشهد في الصلاة فقال: «قل: التحيات لله فذكر التشهد، .. وفي آخره: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد»، هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله: فإذا قلت هذا إلى آخره، وإنما هذا من كلام ابن مسعود، لا من كلام رسول الله - ﷺ -. ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية الحسن بن الحر كذلك، واتفق حسين الجعفي وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكر هذا الكلام في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره، عن ابن مسعود على ذلك، ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضا." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٦. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦)، والدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه ٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣). ينظر: الأبناسي، المرجع السابق ١/ ٢١٦، السيوطي، المرجع السابق ١/ ٣١٥.
(٢) مثال: "ما وقع في المتن من كلام الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مدرجا في كلام النبي - ﷺ -: حديث ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك». رواه البخاري - في صحيحه كتاب العتق، باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، ٣/ ١٤٩ ح (٢٥٤٨) - عن بشر بن محمد عن ابن المبارك. فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي - ﷺ - إذ يمتنع عليه أن يتمنى أن يصير مملوكا - وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة - ﵁ - أدرج في المتن. وقد بينه حيان بن موسى عن ابن المبارك، فساق الحديث إلى قوله "أجران" فقال فيه: "والذي نفس أبي هريرة بيده .. " إلى آخره". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٣. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، ٣/ ١٢٨٤ ح (١٦٦٥) مبيّنًا الجزء المدرج من كلام أبي هريرة - ﵁ -
(٣) مثال: "ما وقع من كلام التابعين، فمن بعدهم: حديث عد الأسماء الحسنى فيما رواه الترمذي - في سننه، كتاب الدعوات ٥/ ٤١١ ح (٣٥٠٧) - واستغربه من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - فإن الحديث الصحيح من طريق شعبة عن أبي الزناد دون ذكر الأسماء." ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨٢٠.
(٤) مثال: "ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة - ﵃ -،: حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في قصة مرضه بمكة واستئذان النبي - ﷺ - في الوصية، وفيه: لكن البائس سعد بن خولة - يرثي له رسول الله - ﷺ - إن مات بمكة فإن قوله: "يرثي له .. " إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه." المرجع السابق، ٢/ ٨٢١. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، ٢/ ٨١ ح (١٢٩٥)، ومسلم في صحيحه كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٠ ح (١٦٢٨).
[ ٥٠٥ ]
- وتتفاوت أمثلة هذه المراتب بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث (١)، بل إنه ذهب إلى أنه لم يجد للتمثيل على الإدراج في أول السند غيرَ مثالين (٢)، ووافقه من
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢.
(٢) قال ابن حجر في النكت: "وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالا آخر إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار، عن هشام بن حسان " المرجع السابق، ٢/ ٨٢٤. ولعله يقصد ما صح إدراجه عنده، وإلا فإن أمثلة مدرج المتن في كتاب الخطيب والتي عددها ٤٧ حديثًا (كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني) منها سبعة أحاديث من المدرج في أول المتن وأرقامها: (٥، ٦، ٨، ١٤، ١٥، ٣٦، ٧٤)، وثامن مختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، ورقمه: (١٨)، ولم يذكر سوى مثالين من المدرج في وسط المتن (٣٢، ٧٣). ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة. ويُشكل قول ابن حجر بأنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين. ينظر: ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ١٩٦، ٣/ ٩٦، ٤/ ٤٣٧. فلعل مقصود ابن حجر بأنه فتّش ولم يجد سوى مثالين، أي: مما صح عنده، ويعضد هذا قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مُسلَّمٍ له إدراجه." وقال الباحث محمد الرعود: "وأرى أن الحق ما قاله الحافظ ابن حجر، إذ أنني بحثت في البخاري وغير البخاري فوجدت الإدراج أول المتن قليلًا جدًا ووسطه أكثر " ثم ذكر مثالين للمدرج في أول المتن: - الأول: حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أن أبا سعيد الخدري - ﵁ -، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، ١/ ١٢٥ ح (٦٠٩). - الثاني: حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «بئس ما لأحدهم أن يقول نَسِيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّيا من صدور الرجال من النَّعَمِ» - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، ٦/ ١٩٣ ح (٥٠٣٢) - وذكر أن الخطيب قال: "ورفع جميع هذا الحديث عن الأعمش خطأ، وإيقاف جميعه أيضا عنه خطأ "، وأن الحافظ ابن حجر رجّح رفعه جميعه. وعقّب الباحث -بعد ذكره للأمثلة- بقوله: "هذا ما استطعت أن أجده من مدرج الحديث في أول النص في صحيح البخاري، ولعل هناك أمثلة في غير البخاري". المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ٢١٦ ح (١٥)، الذهبي، الموقظة، ٥٤، ابن حجر، فتح الباري، ٩/ ٨٢، محمّد عبدالرزاق الرعود، المدرج في الحديث النبوي الشريف، ١٦٢ - ١٦٦.
[ ٥٠٦ ]
تلامذته فيما ذهب إليه: البقاعي (١)، والسخاوي (٢)، وزكريا الأنصاري (٣) الذي اعتبر ذلك كافيًا لإسقاط القول بأن المدرج في الأول أكثر منه في الأثناء، ولعله يقصد بذلك قرينه السيوطي كما جاء في كتابه التدريب حيث قال: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه; لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث." (٤)
وما ذهب إليه السيوطي قد يُشكل من جهتين:
- الأولى: من جهة معارضته لما ذهب إليه شيخه من كون أمثلة الإدراج في أول المتن نادرة؛ بينما ذهب السيوطي لكونها أكثر من الأمثلة في وسط المتن.
- الثانية: من جهة تعارضه مع ما أورده هو بعد ذلك القول؛ حيث نجده قد ذكر مثالا واحدا للمدرج في أول السند، وثلاثة أمثلة للمدرج في الوسط، وعقّب بكون الأمثلة عليه كثيرة (٥).
ويمكن الإجابة على هذا الإشكال على النحو الآتي:
- من جهة معارضته إلى ما ذهب إليه شيخه، فيمكن توجيه ما ذهب إليه السيوطي -من كون أمثلة الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه- بالنظر إلى عدد الأمثلة الواردة في
_________________
(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.
(٢) حيث قال: "فهو مثال لما الإدراج في أوله وهو نادر جدا، حتى قال شيخنا: إنه لم يجد غيره إلا ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي.". السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٠
(٣) الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧٨.
(٤) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧.
(٥) المرجع السابق، ١/ ٣١٩.
[ ٥٠٧ ]
كتاب الخطيب؛ حيث نجد أن المجموع الكلي لمدرج المتن سبعة وأربعون حديثًا (١)، يمثّل المدرج في أول المتن سبعة أحاديث، وواحد مختلف بين كون الإدراج في أوله أو آخره، (٢) أي بنسبة: ١٧%، ويقابلها مثالين للمدرج في الوسط، (٣) أي بنسبة: ٤%.
وكذلك في الجزء الذي لخّصه السيوطي من مدرج المتن من كتاب ابن حجر- والذي هو في الأساس تهذيب وترتيب لكتاب الخطيب (٤) - فعدة الأحاديث التي اقتصر عليها السيوطي من تلخيصه لكتاب ابن حجر واحد وأربعون حديثًا، عدد الأحاديث المدرجة في أولها
أربعة أحاديث (٥)، أي: بنسبة ١٠% تقريبًا، وعدد مدرج الوسط ثلاثة أحاديث (٦)، أي: بنسبة ٧% تقريبًا، وهذه النسب تؤيّد ما ذهب إليه السيوطي بداية من كون المدرج في أوله أكثر من المدرج في وسطه.
- ومن جهة تعارض ما ذهب إليه السيوطي بداية مع ما أورده هو بعد ذلك:
فإن السيوطي بعد أن ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) قام بإلحاق زياداته على مدرج المتن؛ بحيث أصبح مجموع أحاديث الكتاب سبعين حديثًا، وعدد ما أضافه من مدرج
_________________
(١) كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني. ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة.
(٢) أرقام الأحاديث السبعة من المدرج في أول المتن هي: (٥، ٦، ٨، ١٤، ١٥، ٣٦، ٧٤). والثامن المختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، رقمه: (١٨). ينظر: المرجع السابق.
(٣) أرقام المثالين من المدرج في وسط المتن هما: (٣٢، ٧٣). ينظر: المرجع السابق.
(٤) كتاب ابن حجر المسمّى تقريب المنهج بترتيب المدرج، قال السيوطي في مقدمة كتابه المدرج إلى المدرج: "هذا جزء لطيف سميته المدرج إلى المدرج لخصته من تقريب المنهج بترتيب المدرج لشيخ الإسلام والحفاظ أبي الفضل ابن حجر إلا أني أقتصرت فيه على مدرج المتن دون مدرج الإسناد" السيوطي، المدرج إلى المدرج، ١٧. وكتاب ابن حجر مفقود كما أشار بذلك محققا كتاب الفصل للوصل للخطيب البغدادي. ينظر: ١/ ٤٤ طبعة دار الهجرة تحقيق: محمد الزهراني، ١/ ٣٢ طبعة دار ابن الجوزي تحقيق: الأنيس.
(٥) أرقام هذه الأحاديث: (٣، ٣٢، ٣٦، ٤١). ينظر: السيوطي، المدرج.
(٦) أرقام هذه الأحاديث: (٢، ٢٥، ٢٩). ينظر: المرجع السابق.
[ ٥٠٨ ]
الوسط تسعة أحاديث - علمًا أن سبعة منها استفادها من فتح الباري لابن حجر (١) - ليصبح مجموع الأحاديث المدرجة في الوسط اثنا عشر حديثًا (٢) أي بنسبة ١٧%؛ بينما لم يضف في زياداته أي مثال على المدرج في أوله، فانخفضت نسبته إلى ٦% من المجموع الكلي لأحاديث الكتاب البالغ عددها سبعون حديثًا.
ولعل السيوطي ذكر ذلك، أي: قوله: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ; " (٣) قبل أن يؤلّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج)؛ لأنه لم يُشر إليه في التدريب، بل ذكر مُصنَّف الخطيب، وتلخيص ابن حجر له فقط.
- وعلى كل حال فهم متفقون على أن النسبة الغالبة للإدراج في المتون من نصيب المدرج في آخره، (٤) ولعل اختلافهم في نسبة الإدراج في أوله ووسطه اختلاف بين نِسَبٍ متقاربة
يحسمه ما ذكره ابن الوزير في كتابه التنقيح، حيث بدأ بذكر المدرج في الآخر ثم الأول ثم الوسط، ثم عقّب بقوله: "وهي متقاربة، وأكثرها وقوعًا الأول" (٥)، وأوضح مقصوده الصنعاني بقوله: "وهو الإدراج في آخره." (٦)
_________________
(١) أرقام هذه الأحاديث في كتاب المدرج إلى المدرج للسيوطي، هي: (٤٣، ٤٤، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥٢، ٥٦).
(٢) أرقامها: (٢، ٢٥، ٢٩، ٤٣، ٤٤، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥٢، ٥٥، ٥٦، ٦٤).
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧.
(٤) قال العراقي معللًا اقتصار ابن الصلاح في نوع مدرج المتن على المدرج في آخره بقوله: "واعلم أن ابن الصلاح قيد هذا القسم من المدرج بكونه أدرج عقب الحديث. وقد ذكر الخطيب في المدرج ما أدخل في أول الحديث، أو في وسطه ؛ لأن الغالب في المدرجات ذكرها عقب الحديث." العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٧.
(٥) ابن الوزير، التنقيح، ١٦٨.
(٦) الصنعاني، التوضيح، ٢/ ٤٧١. ينظر: العوني، شرح الموقظة، ١٤٨.
[ ٥٠٩ ]
- ولو دققنا لوجدنا أنهم خصّوا بالأكثرية في أمثلة مدرج المتن- بعد المدرج في آخره- المدرج في وسط المتن لتفسير الغريب، حيث قال السخاوي: "ثم قد يكون تفسير الغريب في الخبر، وهو الأكثر; كحديث النهي عن نكاح الشغار (١)، " (٢)، وكذلك جاء قول السيوطي بأكثرية أمثلة مدرج الوسط في المتن بعد أن ذكر عددًا من الأمثلة المدرجة؛
لتفسير غريب الحديث (٣)، ويؤيد ذلك قول الجزائري: "وأما المدرج في أثناء الحديث فهو كثير إذا نظر إلى ما أدرج لتفسير الألفاظ الغريبة." (٤)
- ولعل تفاوت الأمثلة يتعلّق بمدى اتفاق العلماء ونقاد الحديث على إثبات الإدراج ونفيه، حيث نجد ابن دقيق العيد يقول بتضعيف القول بالإدراج في أول الحديث ووسطه، فقال: "مما يَقوَى فيه أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي - ﷺ - متصلا بآخره.
ومما قد يَضعُف فيه: أن يكون مدرجًا في أثناء لفظ الرسول - ﷺ -. لا سيما أن كان مقدمًا على اللفظ المروي، أو معطوفًا عليه بواو العطف، " (٥)
_________________
(١) عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار» والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب الشغار، ٧/ ١٢ ح (٥١١٢)، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه ٢/ ١٠٣٤ ح (١٤١٥). "وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما." ينظر: ابن الأثير، النهاية، ٢/ ٤٨٢.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٧.
(٣) ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٨ - ٣١٩.
(٤) الجزائري، التوجيه، ١/ ٤١٠.
(٥) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.، ينظر: الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢٢٠.
[ ٥١٠ ]
وقال تلميذه الذهبي: "ويبعد الإدراج في وسط المتن" (١)، "بمعنى: أنه يندر، لا أنه لا يقع" (٢)؛ إلا أن ابن حجر يرى أن تضعيف ابن دقيق العيد فيه نظر، وعقّب بقوله: "إنه إذا ثبت بطريقه أن ذلك من كلام بعض الرواة لا مانع من الحكم عليه بالإدراج.
وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر، فإن سبب ذلك الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك." (٣)
- ثم إن الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، تتعدد وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:
١ - أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الحديث النبوي (٤)، فيحملها عنه بعض الرواة من غير تفصيل لتفسير تلك الألفاظ.
"كحديث الزهري، عن عائشة -﵂-: «كان النبي - ﷺ - يتحنث في غار حراء - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد » (٥)،
_________________
(١) الذهبي، الموقظة، ٥٤. "هنا يشير إلى قرينة تضعف القول بالإدراج، وهو إذا كانت اللفظة في أثناء المتن، وأُضيف قيدًا: ولم تكن من باب الشرح والتفسير. فهذه قرينة تُضعِف القول بالإدراج، ولكنها لا تنفيه أبدًا" العوني، شرح الموقظة، ١٤٧.
(٢) سليم، شرح الموقظة، ١٣١.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٨ - ٨٢٩، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٠.
(٤) "أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث. وإدراج الزيادة من هذا يُبيَّن عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به. وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة." الجديع، التحرير، ٢/ ٦٨٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ١/ ٧ ح (٣)، وفي كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، ٦/ ١٧٣ ح (٤٩٥٣).
[ ٥١١ ]
فقوله: (وهو التعبد) تفسير للتحنث." (١) وهو مدرج من كلام الزهري في الحديث.
٢ - أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي - ﷺ -:
"كحديث ابن مسعود في التشهد (٢)، فإنه استنبط من الخبر أنه إذا فرغ من التشهد فقد خرج من الصلاة، ". (٣)
٣ - أن يقصد الراوي إثبات حكم ما، ويستدل على ذلك بقول النبي - ﷺ - فيأتي به بلا فصل، فَيُتَوَهَّم أن الكل حديث. (٤)
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٦، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٧.
(٢) أخرج الإمام أحمد في مسنده قوله: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني، أن عبدالله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبدالله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال: «قل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. مسند أحمد، ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦). وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه-٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣) - ثم قال: "ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، فزاد في آخره كلاما وهو قوله: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي - ﷺ -، وفصله شبابة، عن زهير، وجعله من كلام عبدالله ابن مسعود، وقوله: أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي - ﷺ -، لأن ابن ثوبان، رواه عن الحسن بن الحر، كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد ابن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك، والله أعلم".
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٦، وذكر مثالًا آخر، فقال: "وهكذا حديث عروة، عن بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». فهم عروة من الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، فجعل حكم ما قرب من الذكر كذلك؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، فقال كل منهما ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا." المرجع السابق، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٨.
(٤) يكون الكلام المدرج "كلامًا مستقلًا، وربما يكون حديثًا آخر، كأسبغوا الوضوء، والأمر في أولها سهل; إذ الراوي أعرف بمعنى ما روى." السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٨، ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٠.
[ ٥١٢ ]
ومثاله: حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». (١)
٤ - أن يكون الإدراج نتيجة وهم الراوي أو غفلته (٢)، مثال ذلك: قصة ثابت بن موسى العابد (٣)، في روايته: «من كثرت صلاته بالليل
حسن وجهه بالنهار» (٤). فقد دخل ثابت ابن موسى على شريك بن عبدالله القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله - ﷺ -. فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتًا لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد.
"وهذا ضعف بيِّن وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث" (٥)، وعدّ ابن الصلاح هذا المثال من شبه الوضع، واختار الحافظ العراقي، وتبعه تلميذه ابن حجر أن يُعدَّ هذا النوع من أقسام المدرج. (٦)
_________________
(١) أخرج الخطيب في كتابه الفصل للوصل بإسناده رواية أبي قطن عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار». ١/ ١٥٨ ح (٨). وأخرج البخاري حديث أبي هريرة في صحيحه مبيّنًا الإدراج في أول الحديث، فقال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: «ويل للأعقاب من النار». كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، ١/ ٤٤ ح (١٦٥).
(٢) "أن يكون وهمًا من الثقة، وهو أن يدخل حديثًا في حديث، كأن يسوق إسنادًا، ثم يدخل عليه متنًا مرويًا بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث) " الجديع، التحرير، ٢/ ٦٨٠.
(٣) ثابت بن موسى العابد الضرير، أبو إسماعيل الشيباني الكوفي، قال العقيلي: "حديثه باطل ليس له أصل"، قال ابن حبان: "كان يخطئ كثيرا لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد". مات سنة ٢٢٩ هـ. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ١/ ١٧٦ (٢٢١)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٠٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٨٣ (٦٩٩).
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، ١/ ٤٢٢ ح (١٣٣٣).
(٥) الجديع، التحرير، ٢/ ١٠١٣.
(٦) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦، ابن حجر، النزهة، ١١٥، عتر، منهج النقد، ٤٤٢، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٠.
[ ٥١٣ ]
٥ - اختصار الحديث والرواية بالمعنى، فإن من أسباب الإدراج: "الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك." (١)
القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه.
فالمدرج: "ما أضيف إلى الخبر، من غير كلام صاحبه بلا تمييز" (٢)، وقد تنوعت عباراتهم في بيان هذا القيد بين التنصيص بكون الكلام المدرج موصولًا بالخبر، أو اشتراط عدم الفصل أو التمييز بينهما، حيث جاء عن ابن الصلاح قوله - في أحد أقسام المدرج-: (موصولا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه )، وقال أيضًا - في قسم آخر-: ( فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق)، واشترط ابن قيق العيد كون الزيادة موصولة، وتبعه الذهبي، وأشار إلى ذلك ابن كثير بقوله: (فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك)، ونصّ على عدم الفصل ابن حجر فقال: "يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي - ﷺ -، من غير فصل )، أي: " (بلا فصل ظهر) بين هذا الملحق بعزوه لقائله، وبين كلام النبوة ; بحيث يتوهم أن الجميع مرفوع" (٣)
هذا فيمن جاء بعد ابن الصلاح.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٩. ينظر: الفحل، المرجع السابق. زاد أحد الباحثين سبب من أسباب الإدراج في الحديث، وهو: التمويه والتزوير، وهو من صنيع المتروكين والكذابين، ويأتي بيانه بشكل أوسع في الفصل الثاني عشر، في نوع الموضوع. ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ٤ - ١٣.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٧.، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٤ - ٣١٥، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧٥.
[ ٥١٤ ]
- أما من جاء قبله - كقول الحاكم "معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - ". (١) - فإن كلامه يشير إلى الغرض من بيان هذا النوع؛ ألا وهو حرص العلماء ونقاد الحديث في التمييز بين الأقوال ونسبتها إلى قائلها، إذ يلتبس أمر المدرج على من لا يعلم حقيقة الحال.
وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي - ﷺ - ولم يُميِّز بينهما، أي: لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي - ﷺ -، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة. (٢)
ونص الخطيب على اتصال الكلام المدرج بالخبر، فقال في بعض أقسام المدرج: (أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة)، وقال أيضًا: (فوصل بمتن يرويه الصحابي)، وقوله كذلك: (خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق)
ونصَّ على عدم التمييز في قسم آخر. (فلم يُبيِّن ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد).
وكذلك وصف ابن القطان المدرجَ بأنه: "كل كلام مسوق في السياق"، وسياق الكلام تتابعه (٣)، فلم يُفصل بينهما بفاصل يميّزه؛ لذا نجده أتبعه بقوله: "لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة" (٤)، وقد ذكر العلماء عددًا من الأدلة والقرائن التي
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩.
(٢) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ بتصرف.
(٣) سياق الكلام تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه". المعجم الوسيط، ١/ ٤٦٥.
(٤) ثم أردف بقوله: " وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب." ابن القطان، بيان الوهم، ٥/ ٣٨٧.
[ ٥١٥ ]
يُعرف بها وجود إدراج في متن الحديث أو إسناده، ولمعرفة وجود الإدراج في المتن وجوهٌ وطرقٌ ذكرها ابن حجر في النكت، فقال: (١)
"الأول: أن يستحيل (٢) إضافة ذلك إلى النبي - ﷺ -. (٣)
الثاني: أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي - ﷺ -. (٤)
الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه بأن يضيف الكلام إلى قائله." (٥)
ثم عقّب ابن حجر بالإشارة إلى تباين قوة هذه الطرق في إثبات الإدراج، فقال: "والحكم على هذا القسم الثالث بالإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٦، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٦، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٥، شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، الإدراج أسبابه ووسائل معرفته، ١٤ - ٢٨.
(٢) هذا المسلك ذكره الحافظ ابن حجر، وأراه لم يُسبق إليه، والاستحالة المقصودة هي الاستحالة الشرعية التي يُقطع بها أو يكاد. ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ١٩.
(٣) مثاله: "حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده؛ لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي؛ لأحببتُ أن أموت وأنا مملوك» رواه البخاري عن بشر بن محمد عن ابن المبارك به. فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي - ﷺ - إذ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكا، وأيضًا فلم يكن له - ﷺ - أم يَبْرُها، بل هذا من قول أبي هريرة أُدرِج في المتن." ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٣.
(٤) مثاله: "حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من مات وهو لا يشرك بالله شيئا؛ دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا؛ دخل النار» - أخرجه الخطيب في الفصل للوصل ١/ ٢١٧ ح (١٦) - هكذا رواه أحمد بن عبدالجبار العطاردي عن أبي بكر ابن عياش بإسناده، ووهم فيه: فقد رواه الأسود بن عامر شاذان وغيره عن أبي بكر بن عياش بإسناده إلى ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من جعل لله ندًا دخل النار»، وأخرى أقولها، ولم أسمعها منه - ﷺ - «من مات لا يجعل لله ندًّا دخل الجنة». والحديث في (صحيح مسلم) من غير هذا الوجه عن ابن مسعود - ﵁ - ولفظه قال رسول الله - ﷺ - كلمة، وقلتُ أخرى فذكره ". ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨١٣ - ٨١٤.
(٥) مثاله: حديث عبدالله بن خيران عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر - ﵁ - يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر عمر - ﵁ - ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها» قال: فتحسب تطليقة؟ قال: فمه؟».- أخرجه احمد في مسنده من حديث بهز عن شعبة ٩/ ٣١٧ ح (٥٤٣٤)، والخطيب في الفصل للوصل ١/ ١٥٤ ح (٧) - قال الخطيب: هذا مدرج، والصواب أن الاستفهام من قول ابن سيرين، وأن الجواب من ابن عمر - ﵁ - ".ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨١٥ - ٨١٦.
[ ٥١٦ ]
القطع بذلك خلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا الثالث يقع تفسيرًا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث" (١).
وبعد أن ذكر أقسام مدرج الإسناد، أتبعه بقوله: "والطرق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة وتتقوى الرواية المفصلة، بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين" (٢)
وذكر في النزهة عددًا مما يُدرك به وجود إدراج في الحديث بشكل عام سواء في المتن أو في الإسناد فقال: "ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج فيه (٣)، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، " (٤). "ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق". (٥)
_________________
(١) المرجع السابق، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٣. قال ابن دقيق العيد: "وكثيرا ما يستدلون على ذلك، بأن يَرِد الفصل بين كلام الرسول - ﷺ - وكلام الراوي مبينا في بعض الروايات. وهذا طريق ظني قد يَقوَى قوة صالحة في بعض المواضع، وقد يَضعُف. فمما يَقوَى فيه: أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي - ﷺ - متصلا بآخره. ومما قد يضعف فيه: أن يكون مُدرجا في أثناء لفظ الرسول - ﷺ -. لا سيما إن كان مُقدَّما على اللفظ المروي، أو معطوفا عليه بواو العطف" ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٦.
(٣) "لا بد أن تأتي رواية غير مفصلة، ثم تأتي أخرى مصرحة، فيكتفى بها في معرفة الإدراج، وتارة يقتصر عليها، وتارة تؤكد بمجيء الحديث من طريق أخرى محذوفا منه القدر المدرج" البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٨.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١١٦.
(٥) السليماني، الجواهر، ٣٤٣، ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ١٤.
[ ٥١٧ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- معنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء (١).
- المتأمل لتعريفات المدرج في الاصطلاح:
يجد أغلبها اقتصر على تعريف مدرج المتن، وإن لم يُصرَّح بذلك، كتعريف الحاكم وتبعه ابن الأثير، وابن دقيق العيد، والذهبي، وابن كثير، وابن الملقن؛ بينما ذهب قسم منهم إلى
بيان أقسام المدرج وأنواعه كابن الخطيب، ومن سلك مسلكه، كابن الصلاح، ومن جاء بعده ممن اختصر تعريفه كالنووي، وابن جماعة، ثم جاء ابن حجر وأفرد تعريف كُلٍّ من مدرج المتن والإسناد على حدة.
- ولعل اقتصار أغلبهم على تعريف مدرج المتن؛ يبرز أهمية معرفة الإدراج في تمييزه لكلام النبوة من كلام الرواة، فهذا النوع من علوم الحديث شاهد على حرص المحدثين ونقّاد الحديث على تمحيص الروايات وتمييزها، وتخليص حديث رسول الله - ﷺ - مما ليس منه.
- تضمنت أغلب تعريفات المدرج على قيدين أساسين هما:
١ - أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه.
٢ - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.
- ويقع الإدراج في السند وفي المتن، ولكل منهما صور متعددة، فمن صور إدراج السند:
١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.
_________________
(١) "العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وجدنا أن معنى الفعل الثلاثي المجرد (درج) يدور على أمرين:
(٢) طوي الشيء،
(٣) إدخال الشيء في الشيء. وكأن المُدرِج طوى البيان، فلم يوضح تفصيل الأمر في الحديث. أو كأنه أدخل الحديث في الحديث، فالاستعمال الاصطلاحي باق على الوضع اللغوي الأول، ولم يخرج إلى المجاز." الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤١٥.
[ ٥١٨ ]
٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني.
٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل.
٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي.
٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.
- ذلك فيما يخص صور الإدراج في السند، أما الإدراج في المتن:
فإما أن يكون المُدرَج من قول الصحابي، أو التابعي، أو من بعده، ويقع الإدراج في أول المتن، أو وسطه، أو آخره.
- وتتفاوت أمثلته بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث.
وذكر ابن حجر أنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين من المدرج في أول المتن، رغم أن المذكور في الكتاب أكثر من ذلك، ولعل ابن حجر يقصد ما صحّ عنده، ويعضده قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مسلم له إدراجه." (١)
_________________
(١) الذهبي، الموقظة، ٥٤.
[ ٥١٩ ]
وذهب السيوطي بداية إلى أن وقوع الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه، ثم عاد وذكر أن أمثلة الإدراج في الوسط - خاصة المفسِّرة للغريب- كثيرة، ويمكن توجيه ذلك:
بأن نسبة الأحاديث التي وقع الإدراج في أولها في كتاب الخطيب أكثر من المدرجة في وسطها، فلعل ما ذهب إليه لهذا السبب، ثم لما ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) أضاف لمدرج المتن زيادات ضمّت عددًا من مدرج الوسط، بحيث أصبح نسبته ١٧%، مقابل ٦% لمدرج الأول أي تضاعفت نسبة مدرج الوسط إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة مدرج الأول.
وعلى كل حال تظل النسبة الغالبة للإدراج في المتن هي للمدرج في آخره، وهم متفقون على ذلك.
- وتتعدد الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:
أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي - ﷺ -، أو أن يقصد إثبات حكم ما، أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة (وهي أكثرها وقوعًا في وسط المتن)، أو اختصار الحديث وروايته بالمعنى، أو يقع الراوي في الإدراج لوهمه وغفلته.
- يُعرف وجود الإدراج في المتن من وجوه، تتفاوت من حيث قطعية الحكم على الحديث بالإدراج أو غلبة الظن به، وهي:
أن يستحيل إضافة الكلام المُدرَج إلى النبي - ﷺ -، أو أن يصرِّح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي - ﷺ -، فهذان الوجهان قطعيان في الحكم على الحديث بالإدراج كما ذهب إليه ابن حجر.
أما الوجه الثالث، وهو أن يأتي الكلام المدرج مفصولا في روايات أخرى منسوبا إلى قائله، فالحكم به على الإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد.
- يُعرف وجود الإدراج في السند:
[ ٥٢٠ ]
بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو بالتنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق.
- وهذا يؤكد العلاقة بين المدرج والمعلل: (١)
فحين ذكر الحاكم أنواعًا للحديث المعلل -وذلك في معرض المقابلة بينه وبين الشاذ- قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم" (٢)، والإدراج يقع تحت قوله: (دخل حديث في حديث أو وهم فيه)، وعليه: فالمدرج من أنواع الحديث المعلل من عدة نواحي:
- لأنه إدخال في الحديث ما ليس منه.
-ولوقوع الوهم من الراوي في بعض حالاته.
_________________
(١) على الرغم من أن الإدراج في الحديث نوع من العلل، إلا أن الإدراج عند البخاري في صحيحه لا يُعدّ علة قادحة، وذلك أن مدرجات الإمام البخاري يمكن القول أنها تندرج تحت الجوانب التالية:
(٢) أن يخرج البخاري الحديث مدرجًا في مكان: ثم يخرجه في مكان آخر من صحيحه مقتصرًا على القدر المرفوع فقط، مما يقطع بإحاطة البخاري بهذا الأمر، فلا مطعن عليه إذن، أو يُخرِج - أحيانًا - حديثًا مدرجًا في صحيحه ويخرجه في مكان آخر خارج الصحيح موضحًا الإدراج، كما فعل في حديث أبي هريرة: «للعبد المملوك »، فقد فصَّل البخاري في الرواية خارج الصحيح، وبين المرفوع والمدرج، مما يؤكد علمه القطعي بذلك.
(٣) أن يُخرِج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج، فإذا بيَّن موطن الإدراج فيه، فلا يُعاب عليه - حين ذلك.
(٤) أن يُخرِج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفيًا، فغالب الروايات التي وقع فيها إدراج عن البخاري إنما هي لتفسير غريب وبيان لمعنى لفظة أثناء النص، فهو يخرجها دون بيان لموضع الإدراج، وذلك أن الحديث النبوي له سياق خاص، وبصمة معينة، وورود التفسير لكلمة أثناءه أمرٌ واضح أصلًا، فلا مؤاخذة في ذلك للبخاري.
(٥) قد يُترجم البخاري للباب بحديث، ويدرج فيه من كلامه استنباطًا أو تقريرًا لمسألة فقهية أو غير ذلك، فيتوهّم بعض الشراح أنه من صلب الحديث، فأي ذنب للبخاري إذا كان غيره قد وهم ونسب إليه ما لم يفعله.
(٦) وربما حكم بعضهم على لفظ ثابت لرسول الله - ﷺ - بأنه مدرج من كلام غيره دون دليل. ينظر: الرعود، المدرج، ١٤١ - ١٤٣، كافي، منهج البخاري، ٣٣٢ - ٣٣٨.
(٧) الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.
[ ٥٢١ ]
- ولأن الكشف عن علة الإدراج في الحديث لا تتهيأ بيسر وسهولة، بل هي صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا تُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية.
- أما الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة:
إن الإدراج وزيادة الثقة يتفقان: في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.
قال ابن حجر: " الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل" (١)، فزيادة الثقة لم يقم الدليل على إثبات أنها من قول غير النبي - ﷺ -؛ بينما المدرج وقع الدليل على نسبته لغير النبي - ﷺ -. (٢)
- يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلامًا للنبي - ﷺ - ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلامًا للصحابي فما دونه." (٣)
ويضاف إلى ذلك أن: "- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف.
حكم الإدراج:
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري، ٤/ ٤٣٧.
(٢) ينظر: الرعود، المدرج، ١٥٠ - ١٥١.
(٣) مصاروة، زيادة الثقة، ٥٥.
[ ٥٢٢ ]
الإدراج علة يعل بها الحديث، سواء وقعت في المتن أو الإسناد، لذا فتعمد الإدراج حرام، قال ابن الصلاح: "واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور" (١)؛ لما يتضمن ذلك من عزو الشيء لغير قائله.
وأسوأ أنواع الإدراج: ما كان في المتن المرفوع مما لا دخل له في تفسير الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط. (٢) قال السيوطي: "وعندي أن ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة. (٣)
والخلاصة: أن من أدخل ذلك قاصدًا أن يُلبِّس على الناس دينهم؛ فهو مجروح ساقط العدالة، وأما من قصد الاستنباط، أو الاستدلال، أو التفسير، ونحو ذلك؛ فهو مأجور بقصده، وكان الأولى به أن يفصل كلامه من كلام غيره، والله أعلم. (٤)
وبهذه الخلاصة نختم فصل الحديث المدرج، لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وتحرير مصطلح الحديث المقلوب.
_________________
(١) ابن الصلاح: علوم الحديث، ٩٨، تعقّبه الزركشي بقوله: " فيه أمران: أحدهما: لم يبين حكم فاعل ذلك، وقد سبق في التدليس أن الماوردي والروياني وابن السمعاني في القواطع قالوا: (إن فاعله مجروح ساقط العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وكان ملحقا بالكذابين). الثاني: لم يتكلم على تفاوت هذه المراتب، وأقواها في المنع الأول لخلطه المرفوع بالموقوف، ونسبته إلى النبي - ﷺ - ما لم يقله، وأخفها الأخير لرجوع الخلاف إلى الإسناد خاصة، لا سيما إذا كان الكل ثقات." الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥١.
(٢) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٨.
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٢. "والذي أراه أن لا بأس بهذا الاستثناء لا سيما إذا أتي بفصل يبين المدرج، والله أعلم." الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٦ - ٤٤٧.
(٤) ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٤٨ بتصرّف يسير.
[ ٥٢٣ ]