يمكن الجمع الموسوعي للأحاديث النبوية على طريقتين:
أ - طريقة التصنيف الموضوعي على المتون: ويشكل على هذا أنَّ جمع أحكام الأسانيد وعللها لا يُمكن إلحاقها إلاَّ باعتبار ترتيب الأسانيد، وهو غيرُ مرعيّ فيها.
ب - طريقة الجمع باعتبار الأسانيد: على طريقة فنِّ كتب الأطراف، وهو المنضبط، وهو الذي مشى عليه المتقدِّمون في تصنيف كتب الأطراف، وهو المعتمدُ لأنَّ مدارَ السُّنَّة على الإسناد.
ومراحل الجمع الموسوعي تتمُّ على النحو التالي:
١ - تعيين أسماء أصحاب المسانيد: ثم ترتيب الرواة عنهم هجائيًا.
ويُعتمد في ذلك على الكتب التالية:
أ - «تحفة الأشراف» للحافظ المِزّي.
ب - «جامع المسانيد والسنن» للحافظ ابن كثير.
ج - «أطراف مسند الإمام أحمد» للحافظ ابن حجر العسقلاني.
د - «إتحاف المهرة» له أيضًا.
ثم تُستقرأ كتب الصحابة، وأهمها «الإصابة» للحافظ ابن حجر، ويُؤخذ منها أسماء أصحاب المسانيد، بدون اعتبار تقسيمات الحافظ ابن حجر في «الإصابة»، بل يُتبع في ذلك الترتيب الهجائي.
٢ - وضع سلاسل الأسانيد: بدءًا بالصحابة، ثم التابعين، ثم أتباعهم، ثم الطبقة الرابعة، ويُراعى في ذلك المكثرون والمتوسطون، دون المقلِّين.
[ ١٠١ ]
ثم ترقيم هذه السلاسل بأرقام متميزة أصلية للصحابي، ثم فرعية للتابعي، ثم فرعية ثانية لتابع التابعي، ثم فرعية ثالثة للطبقة الرابعة، وهكذا حتى يتمّ ترقيم هذه السلاسل بأرقامٍ ثابتةٍ أصليةٍ للصحابي ومَنْ له روايةٌ عن النبي ﷺ، وفرعيةٍ لغيرهم.
٣ - التوثق من النصوص: وذلك بمقابلة الكتب المدخلة على مخطوطاتها المعتمدة، حسب أصول فنِّ التحقيق وإخراج النصوص، وهو من عمل «لجنة مقابلة المطبوعات مع مخطوطاتها المعتمدة» .
ويمكن الاكتفاء في الحالة الراهنة بالكتب المحققة الموثقة، والتي اعتمدها العلماء، واعتبرتها الساحة العلمية.
وقد تيسَّر لي خلال عملي في تحقيق المخطوطات وإشرافي على مركز خدمة السنة ورئاسة قسم التحقيق فيه؛ الوقوفُ على نماذج كثيرة، وقع فيها التحريف والسقط، في الأصول المخطوطة والمطبوعة، أو في بعضها.
وقد جمعتُ هذه النماذج في مبحث بعنوان: «وجوب مقابلة المطبوعات بمخطوطاتها وبكتب الأطراف التي تضمنتها»، ونظرًا لضيق صفحات هذا البحث لم أستطع إلحاقه فيه.
وهذا المبحث يُحتِّمُ على القائمين بالجمع الموسوعي، مقابلة المصنَّفات الحديثية مع أصولها الخطية والكتب المستقاة منها، لتكون نقيَّة من الأخطاء والسقط.
وهذه أهمُّ النقاط التي تندرج تحتها هذه الأخطاء، ليتبيَّن أهمية هذا المبحث ومكانته، وهي:
[ ١٠٢ ]
أ - نقص حديث من المطبوع مع وجوده في الأصل المخطوط.
ب - نقص حديث من طبعة مع وجوده في طبعة أخرى.
ج - نقص حديث من المخطوط والمطبوع واستدراكه من كتب أخرى فرعية استقت منه المادة العلمية ككتب الأطراف.
د - وقوع سقط في بعض أسانيد الكتب المطبوعة.
هـ - اتفاق المخطوط والمطبوع على سقط معين.
واتفاق المخطوط والمطبوع وكتب الأطراف على سقط أو تحريف معين.
ز - وقوع سقط في الإسناد لغفلة المحقق عن لَحَقٍ في حاشية المخطوط.
ح - استدراك المحقق زيادات خاطئة في الإسناد.
ط - حكم المحقق على الحديث بالقبول مع وجود سقط وانقطاع في الإسناد.
٤ - إدخال وإفراغ المادة العلمية في كتب السنة النبوية المسندة: ويُبدأ في ذلك بمسند الإمام أحمد بن حنبل، لأنه أوسع دواوين الإسلام استيعابًا وشمولًا، ثم من بعده: يُبدأ بالأقدم ثم الأحدث، وهكذا دواليك.
وبذلك يتمُّ استيعاب جميع الأحاديث التي وردت في كتب السُّنَّة، على اختلاف أسانيدها وألفاظها، مع تعليقات وتعقيبات المصنِّفين، مع ذكر عناوين كتب وأبواب وأجزاء وأرقام صفحات هذه النصوص كما وردت في المصنَّفات الحديثية، مع الالتزام بترتيب النصوص حسب أقدمية وفيات المصنِّفين.
٥ - ترقيم أحاديث الموسوعة الحديثية بعد استقرارها ترقيمًا تسلسليًا: من أول الموسوعة إلى آخرها، وعلى غراره يكون التعامل مع الحديث
[ ١٠٣ ]
من حيث التخريجُ والإحالةُ والربط.
٦ - إلحاق علل الأحاديث بأسانيدها: ثم الحكم على هذه الأسانيد من حيث القبول أو الردّ، وذلك بالرجوع إلى كتب الأحكام والعلل والرجال.
٧ - مرحلة الجمع لطرق متن الحديث الواحد: ووصفه بالألقاب المعروفة في قواعد هذا الفنّ (المصطلح)، من حيث: الغريب - العزيز - المشهور - المتواتر وهكذا. ثم جمع المتابعات والشواهد لهذا الحديث.
٨ - وضع شجرة أسانيد للحديث الواحد في المتابعات: ويتمُّ فيه تبيين مدار الأسانيد بين الروايات المختلفة للحديث الواحد، مع إيراد المتون الأخرى، ثم المتابعات التي تُضيف معنىً زائدًا في الحديث، كسبب لورود هذا الحديث، أو لزيادة حكم فقهي وهكذا.
وكذلك إيراد التعليقات والتعقيبات التي وردت في مصادر الموسوعة الحديثية، والتي تتعلَّق بالحكم على هذه الأحاديث من حيث الأسانيد والمتون.
ويُراعى في هذا العمل الالتزام بترتيب النصوص حسب أقدمية وفيات المصنِّفين.
٩ - ترتيب الأسانيد هجائيًا باعتبارِ شيوخ المصنِّفين ومن فوقهم.
١٠ - غاية الجمع الموسوعي: بعد المراحل المتقدمة وإعطاء كُلِّ طريق حقَّها من الأحكام، من حيث صفاتُ الإسناد، والاتصال وعدمه، والقبول والردّ: صفة إضافة الحديث إلى رسول الله ﷺ، بغضّ النظر عن الإسناد، وجمع هذه الطرق كلّها تحت ظلّ هذا الحديث.
فبهذا الاعتبار يُمكن حصر عدد الأحاديث بأقلّ من عشرة آلاف حديث.
[ ١٠٤ ]
فقد أورد الحافظُ الذهبيُّ في «سير أعلام النبلاء» (١١/١٨٧) قول أبي زُرْعة بأنَّ الإمام أحمد يحفظ ألفَ ألفِ حديث، ثم عقَّب عليه قائلًا: «فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يَعُدُّون في ذلك: المُكَرَّر، والأَثَر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك. وإلاَّ فالمتونُ المرفوعة لا تبلغ عشر معشار ذلك» .
وقال الحافظ ابن حجر في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (١): «فقد ذكر أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي في كتاب التمييزِ له عن الثَّوْري وشُعْبة ويحيى بن سعيد القطَّان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم: أنَّ جملةَ الأحاديثِ المسندة عن النبي ﷺ - يعني الصحيحة بلا تكرير - أربعةُ آلاف وأربعُ مئة حديث. وعن إسحاق بن راهويه: أنه سبعة آلاف ونيف» .
١١ - مرحلة التصنيف الموضوعي (الحديثي والفقهي): وهو من عمل «لجنة التبويب الموضوعي» .
١٢ - كيفية وجود الحديث في الموسوعة: يكون وجود الحديث الواحد في الموسوعة الحديثية على الصور التالية:
أ - كما هو في مصادره.
ب - على شكل جمع الأسانيد ككتب الأطراف.
ج - تجريد متنه من الإسناد، كما هو في مصادره، لبيان المفارقات في المتون المجموعة.
والجدير بالذكر أن كُلَّ ما تقدم من التقعيد والتقسيم والاقتراح أمرٌ نظري، قد يتطور أو يتغيّر بعضه، تبعًا للسير الميداني في الأعمال العلمية والفنية.
_________________
(١) ١/٢٩٩.
[ ١٠٥ ]