في آداب المحدِّث
* آداب المحدِّث:
[تصحيح النِّيَّة]:
* تصحيح النِّيَّة من طالب العلم مُتعَيِّنة (^١):
- ز: فمن طلب الحديث للمكاثرة أو للمفاخرة، أو ليروي، أو ليتناول (^٢) الوظائف، أو ليُثنَى عليه وعلى معرفته؛ فقد خسر.
- وإن طلَبَه لله، وللعمل به، وللقُرْبة بكثرة الصَّلاة على نبيِّه -ﷺ- ولنفع النَّاس؛ فقد فاز.
- وإن كانت النِّيَّة ممزوجةً بالأمرين؛ فالحكم للغالب.
- وإن كان طلَبَه لفَرْط المحبَّة فيه، مع قطع النَّظر عن الأجْر وعن بني آدم؛ فهذا كثيرٌ ما يعتري طلبةَ العلوم، فلعلَّ النِّيَّة أن يرزقها اللهُ بعدُ.
وأيضًا فمن طَلَب العلم للآخرة كسَرَهُ العلم وخشع لله، واستكان وتواضع، ومن طلبه للدُّنيا تكبَّر به وتكثَّر (^٣) وتجبَّر وازدرى بالمسلمين العامَّة، وكان عاقبةُ أمره إلى سَفَالٍ وحَقَارة. •
فليحتسِب المحدِّث بحديثه (^٤)؛ رجاءَ الدُّخول في قوله -ﷺ-:
_________________
(١) كذا في النُّسخ.
(٢) في م: «لينال».
(٣) في م: «تكثَّر به وتكبَّر».
(٤) في م: «بتحديثه».
[ ٨٦ ]
«نضَّر الله امْرَأً سَمِع مقالتي فوعاها، ثمَّ أدَّاها إلى من لم يسمعها» (^١).
[بذل النَّفس للطَّلبة]:
* وليبذل نفسَه للطَّلبة الأخيار، لا سيما إذا انفرد.
[الامتناع من الرِّواية عند التَّغيُّر]:
* ولْيَمتنع (^٢) مع الهَرَم وتغيُّر الذِّهن، ز: ولْيَعهد إلى أهله وإخوانه حال صحَّته: أنَّكم متى رأيتموني تغيَّرتُ فامنعوني من الرِّواية.
فمن تغيَّر بسوء حفظٍ، وله أحاديث معدودةٌ قد أدمن في دُرْبتها (^٣)؛ فلا بأس بتحديثه بها زمن تغيُّره.
ولا بأس بأن يُجيز مرويَّاته حالَ تغيُّره؛ فإنَّ أصولَه مضبوطةٌ ما تغيَّرت، وهو فقد وعَى (^٤) ما أجاز، فإن اختلط وخَرِف امتُنِع من أخذ الإجازة منه. •
[ترك التَّحديث مع وجود من هو أولى]:
* ومن الأدب: أن لا يُحدِّث مع وجود من هو أولى منه لدينه وإتقانه (^٥)، وأن لا يُحدِّث بشيءٍ يرويه غيرُه أعلى منه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٧/ ٣٠١ رقم ١٦٧٣٨) بهذا اللَّفظ من حديث جُبَير بن مُطْعِم -﵁-، وهو مرويٌّ عن جمعٍ من الصَّحابة.
(٢) في م: «وليسمع»، وهو خطأ.
(٣) أي: واظبها ولازمها، كما في «المصباح» (د م ن).
(٤) «وهو فقد» هذا الأسلوب مستعملٌ عند المصنِّف، كما في «تاريخه» (١١/ ١٣٦ و١٥/ ٦٠١)، ومستعملٌ عند غيره أيضًا.
(٥) في «الاقتراح» (ص ٢٤٧): «لسِنِّه أو لغير ذلك».
[ ٨٧ ]
[دلالة المبتدئين على المهم فالمهم وعدم غشِّهم]:
ز: وأن لا يَغُشَّ المبتدئين، بل يدلُّهم على المهمِّ فالمهمِّ (^١)، فالدِّين النَّصيحة.
فإن دلَّهم على مُعَمَّرٍ عامِّيٍّ وعَلِم قصورهم في إقامة مرويَّات العامِّي؛ نَصَحهم ودلَّهم على عارفٍ يسمعون بقراءته، أو حضر مع العامِّيِّ وروى بنزولٍ؛ جمعًا بين الفوائد. •
[مراعاة آداب مجلس التَّحديث]:
* ورُوِي أنَّ مالكًا -﵀- كان يغتسل للتَّحديث، ويتبخَّر، ويتطيَّب، ويلبَس ثيابه الحسنة، ويلزم الوقار والسَّكينة، ويزْبُر (^٢) من يرفع صوته (^٣).
[ترتيل الحديث وترك الإسراع المذموم فيه]:
* ويُرتِّلُ الحديث (^٤)، وقد تسمَّح النَّاس في هذه الأعصار بالإسراع المذموم، الذي يخفى معه بعضُ الألفاظ، والسَّماع هكذا لا مزيَّة (^٥) له على الإجازة، بل الإجازة صدقٌ، وقولُك: «سمعتُ أو قرأتُ هذا الجزءَ كلَّه» مع التَّمتمة ودمج بعض الكلمات؛ كَذِبٌ.
وقد قال النَّسائيُّ في عِدَّة أماكنَ من «صحيحه» (^٦): «وذكر
_________________
(١) «فالمهم» زيادة من م.
(٢) أي: يزْجُر وينْهَر، كما في «المصباح» (ز ب ر).
(٣) رواه الخطيب في «الجامع» (١/ ٤٠٦).
(٤) أي: يتمهَّل في قراءته، يقال: رتَّلْتُ القرآن ترتيلًا: تمهَّلتُ في القراءة ولم أعجل، كما في «المصباح» (ر ت ل).
(٥) في الأصل: «مِيْزة»، والمثبت من م.
(٦) ويعني به كتابه «المجتبى»، وهو المشهور بـ «السُّنن الصُّغرى»، ووَصَفه المصنِّف بالصِّحَّة تبعًا لجماعةٍ، كابن عديٍّ والدَّارقطنيِّ والحاكم والخطيب وغيرهم، كما في «النُّكت» لابن حجر (١/ ٤٨١) و«القول المعتبر» للسَّخاوي (ص ٤٩).
[ ٨٨ ]
كلمةً معناها كذا وكذا» (^١).
[عَقْد مجالس الإملاء]:
* وكان الحُفَّاظ يعقدون مجالس للإملاء، ز: وهذا قد عُدِم اليوم (^٢) •، والسَّماع بالإملاء يكون محقَّقًا ببيان الألفاظ للمُسْمِع (^٣) والسَّامع (^٤).
* ولْيَتجنَّب رواية المشكلات ممَّا لا تحمَّله قلوبُ العامَّة، ز: فإن روى ذلك فليكن في مجالسَ خاصة. •
* ويحرم عليه روايةُ الموضوع وروايةُ المطروح، إلَّا أن يُبيِّنه للنَّاس ليحذروه.
_________________
(١) في «الاقتراح» (ص ٢٤٩): «ولم يكن المتقدِّمون على هذا التَّساهل، هذا أبو عبد الرَّحمن النَّسائيُّ يقول … الخ»، والمراد: أنَّ ما شكَّ النَّسائيُّ في لفظه فإنَّه يسبقه بقوله: «وذَكَر كلمةً معناها»، قال السَّخاويُّ: «لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيِّدًا وعَلِمَها» «فتح المغيث» (٢/ ٣٧٩)، ومن أمثلة ذلك في «المجتبى»: (٤٣٨ و٨٨٦ و٢١٣٤ و٣٧٠٤).
(٢) أي: في زمان المصنِّف، ثمَّ أحياه من بعده جماعة، كالعراقيِّ وابنه وابن حجر. «فتح المغيث» (٣/ ٢٥١)، «تدريب الرَّاوي» (٢/ ٧٠٥).
(٣) في م: «للمستمع».
(٤) بيان اللَّفظ للسَّامع يكون في حال في إملاء الشَّيخ، وبيانه للمُسْمِع - وهو الشَّيخ المملي - يكون في المقابلة بعد الفراغ من الإملاء، وهذا معنى قوله في «الاقتراح» (ص ٢٥٠): «ولأنَّ السَّماع يكون محقَّقًا متبيِّن الألفاظ، مع العادة في قراءته للمقابلة بعد الإملاء».
[ ٨٩ ]