في معرفة الضُّعفاء
[أمور ينبغي مراعاتها في الكلام في الرُّواة]:
[(١) الورع التَّام والخبرة بالحديث وعلله ورجاله]:
* والكلام في الرُّواة يحتاج إلى وَرَعٍ تامٍّ، وبراءةٍ من الهوى والمَيْل، وخِبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعلله ورجاله.
[(٢) تحرير عبارات الجرح والتَّعديل]:
* ز: ثمَّ نحن نفتقر إلى تحرير (^١) عبارات التَّعديل والجَرح، وما بين ذلك من العبارات المتجاذَبة.
* ثمَّ أهمُّ من ذلك أن نعلم بالاستقراء التَّامِّ: عُرْفَ ذلك الإمام الجِهْبِذ، واصطلاحَه، ومقاصدَه بعباراته.
فكثيرًا ما يقول البخاريُّ (^٢): «سكتوا عنه»، وظاهرها أنَّهم ما تعرَّضوا له بجرحٍ ولا تعديل، وعلمنا معتقده (^٣) بها بالاستقراء (^٤): أنَّها بمعنى «تركوه».
وكذا عادته إذا قال: «فيه نظر»، بمعنى (^٥) أنَّه متَّهم أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالًا من الضَّعيف (^٦).
_________________
(١) «تحرير» ليست في م.
(٢) المثبت من م، وفي الأصل: «بعباراته الكثير أما يقول البخاري».
(٣) كذا في الأصل، ولم تتَّضح في م بسبب وقوع خُرْم، ولعلَّها: «مقصده».
(٤) وصف ابنُ حجرٍ في «النُّزهة» (ص ١٣٨) المصنِّفَ بأنَّه من أهل الاستقراء التَّام في علم الرِّجال.
(٥) في م: «تعيَّن».
(٦) قال الحافظان المزيُّ والذَّهبيُّ: «هو نظير قولنا: متروكٌ أو مطروح»، نقله الزَّركشيُّ في «النُّكت على مقدِّمة ابن الصَّلاح» (١/ ١٠١٨).
[ ١٠٣ ]
وبالاستقراء إذا قال أبو حاتمٍ: «ليس بالقويِّ» يريد بها أنَّ هذا الشَّيخ لم يبلغ درجة القويَّ الثَّبت.
والبخاريُّ قد يُطلِق على الشَّيخ: «ليس بالقوي» ويريد أنَّه ضعيف.
[(٣) النَّظر في حال الجارح من حيث الحِدَّة أو التَّساهل أو الاعتدال]:
* ومن ثَمَّ قيل في حكَّام (^١) الجرح والتَّعديل: فيهم (^٢) من نَفَسُه حادٌّ في الجَرح (^٣)، وفيهم من هو معتدل، وفيهم من هو متساهل.
فالحادُّ فيهم: يحيى بن سعيد، وابنُ معين، وأبو حاتمٍ، وابن خِراشٍ، وغيرُهم (^٤).
والمعتدل فيهم: أحمد بن حنبلٍ، والبخاريُّ، وأبو زُرْعة (^٥).
_________________
(١) في الأصل: «حكاية»، والمثبت من م و«الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٢٤٥)، وهو المناسب للسِّياق، وسيأتي استعمال المصنِّف هذا اللَّفظ في قوله: «… وحكَّام القسط»، وقوله: «والحاكم منهم يتكلَّم بحسب اجتهاده».
(٢) في الأصل: «فمنهم»، والمثبت من م و«الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٢٤٥).
(٣) متعنِّتٌ في التَّوثيق، متثبِّتٌ في الجَرْح، يغمز الرَّاوي بالغلطتين والثَّلاث، ويُليِّن بذلك حديثَه، فهذا إذا وثَّق شخصًا، فعَضَّ على قوله بناجذَيك، وتمسَّك بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلًا فانظر هل وافقه غيرُه على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يُوثِّق ذاك أحدٌ من الحذَّاق؛ فهو ضعيف، وإن وثَّقه أحدٌ فهذا الذي قالوا فيه: لا يُقبَل تجريحُه إلَّا مفسَّرًا، قاله المصنِّف في جزء «ذكر من يُعتمد عليه في الجرح والتَّعديل» (ص ١٧٢).
(٤) كالنَّسائيِّ والجوزجاني والأزْدي، كما في جزء «ذكر من يُعتمَد عليه في الجرح والتَّعديل» (ص ١٧٢)، و«الميزان» (١/ ٤٠٠ و١/ ٩٥).
(٥) وابن عدي، كما في جزء «ذكر من يُعتمَد عليه في الجرح والتَّعديل» (ص ١٧٢).
[ ١٠٤ ]
والمتساهل كالتِّرمذيِّ، والحاكم، والدَّارقطنيِّ في بعض الأوقات (^١).
[(٤) النَّظر في حال المجروح مع الجارح]:
* وقد يكون نَفَسُ الإمام فيما وافق مذهبَه أو في حال شيخه ألطفَ منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للأنبياء والصِّدِّيقين وحكَّام القِسْط (^٢).
ولكنْ هذا الدِّينُ مؤيَّدٌ محفوظٌ من الله تعالى، لم يُجمِع علماؤه على ضلالة، لا عمدًا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة (^٣)، وإنَّما يقع اختلاف عباراتهم (^٤) في مراتب القوَّة أو مراتب الضَّعف.
_________________
(١) وابن حبَّان والبيهقي، كما في جزء «ذكر من يُعتمَد عليه في الجرح والتَّعديل» (ص ١٧٢)، و«الميزان» (٣/ ١٨٤).
(٢) إثبات العصمة للصِّدِّيقين وحكَّام القسط يخالفُه قول المصنِّف نفسِه في «السِّير» (٧/ ٤٠): «لسنا ندَّعي في أئمَّة الجرح والتَّعديل العصمةَ من الغلط النَّادر، ولا من الكلام بنَفَسٍ حادٍّ فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة»، وقال في «الميزان» (١/ ٤٧): «فإنَّا لا ندَّعي العصمة من السَّهو والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء».
(٣) أي: لم يجمع العلماء على توثيق ضعيف، ولا تضعيف ثقة، فهو كقولهم: هذا لا يختلف فيه اثنان، ويؤيِّد ذلك قولُ المصنِّف في سباق هذه الجملة: «لم يجمع علماؤه على ضلالة»، وقوله في «السِّير» (١١/ ٨٢): «وإذا اتَّفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ؛ فتمسَّك به، واعْضَضْ عليه بناجذَيك، ولا تتجاوزه فتندم، ومن شذَّ منهم فلا عِبْرةَ به»، وانظر: حاشية «الرَّفع والتَّكميل» (ص ٢٨٦).
(٤) في الأصل: «اختلافهم»، والمثبت من م، وهو موافقٌ لما نقله الكمال الشُّمُنِّي عن المصنِّف في «نتيجة النَّظر» (ص ٢٥٦).
[ ١٠٥ ]
والحاكم (^١) منهم يتكلَّم بحسب اجتهاده وقوَّة معارفه، فإن بَدَر (^٢) خطؤه في نقده (^٣) فله أجرٌ واحدٌ (^٤)، والله الموفِّق.
[حكم رواية المبتدع]:
* وهذا فيما إذا تكلَّموا في نقد شيخٍ ووزنه (^٥) في حفظه وغلطه، فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب (^٦):
فمنهم: من بدعته غليظة (^٧)، ومنهم: من بدعته دون ذلك (^٨).
ومنهم: الدَّاعي إلى بدعته، ومنهم: الكافُّ، وما بين ذلك.
فمتى جمع الغِلَظَ والدَّعوة؛ تُجُنِّب الأخذُ عنه.
ومتى جمع الخِفَّة والكَفَّ؛ أخذوا عنه وقَبِلوه.
فالغِلَظ: كغلاة الخوارج والجهميَّة والرَّافضة.
_________________
(١) وقع في «نتيحة النَّظر» (ص ٢٥٦) نقلًا عن المصنِّف: «والواحد».
(٢) أي: ظَهَر، والبادرة: الخطأ، كما في «المصباح» (ب د ر).
(٣) في م: «نقد».
(٤) يُشير إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - مرفوعًا: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثمَّ أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثمَّ أخطأ؛ فله أجرٌ» رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦).
(٥) أي: درجته، وهذا التَّعبير مستعملٌ عند المصنِّف في مواضع، كما في «التَّذكرة» (١/ ١٢٩) (١/ ١٨١)، و«السِّير» (٦/ ٢٥٧) (٧/ ٩٥).
(٦) في م: «فهو مراتب».
(٧) وهي البدعة الكبرى، كما في «الميزان» (١/ ٤٩).
(٨) وهي البدعة الصُّغرى، كما في «الميزان» (١/ ٤٩).
[ ١٠٦ ]
والخِفَّة: كالتَّشيُّع والإرجاء (^١).
وأمَّا من استحلَّ الكذب نصْرًا لرأيه - كالخطَّابيَّة (^٢) - فبالأولى ردُّ حديثه. •
[آفات تدخل على المتكلِّمين في الجرح]:
[(١) اختلاف العقائد]:
* قال شيخنا ابنُ وَهْبٍ:
«العقائد أوجبت تكفيرَ البعض للبعض (^٣)، أو التَّبديع، وأوجبت العصبيَّة، ونشأ من ذلك الطَّعنُ بالتَّكفير والتَّبديع.
وهو كثيرٌ في الطَّبقة المتوسِّطة من المتقدِّمين.
والذي تقرَّر عندنا: أنَّه لا تُعتبر المذاهب في الرِّواية، ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة (^٤)، إلَّا بإنكار متواترٍ من الشَّريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضمَّ إليه الورعُ والضَّبطُ والتَّقوى؛ فقد حصل
_________________
(١) وجميع تصرُّفات أئمَّة الحديث تُؤْذِن بأنَّ المبتدع إذا لم تُبِح بدعتُه خروجَه من دائرة الإسلام، ولم تُبِح دمه؛ فإنَّ قبول ما رواه سائغ، وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتَّضح لي منها أنَّ من دخل في بدعة، ولم يُعدَّ من رؤوسها، ولا أمعن فيها؛ يُقبَل حديثُه، قاله المصنِّف في «السِّير» (٧/ ١٥٤).
(٢) وهي فرقةٌ من الرَّوافض، منسوبةٌ إلى أبي الخطَّاب محمَّد بن أبي الأجْدَع الأسَدي، عُرِفوا باستحلال الكذب، بل سائر المحَّرمات، والتَّديُّنِ بشهادة الزُّور لموافقيهم. انظر: «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (١/ ٧٦)، و«فِرَق الشِّيعة» للنَّوْبَختي (ص ٥٢).
(٣) «للبعض» ليست في م.
(٤) المثبت من م وهو الموافق لـ «الاقتراح» (٢٩٢)، وفي الأصل: «ولا تكفير أهل القبلة».
[ ١٠٧ ]
معتمَد الرِّواية، وهذا مذهب الشَّافعيِّ -﵁-، حيث يقول: (أقبلُ شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطَّابيَّة من الرَّوافض) (^١)» (^٢).
* قال شيخنا: «وهل تُقبَل رواية المبتدع فيما يُؤيِّد به مذهبه؟ فمن رأى ردَّ الشَّهادة بالتُّهَمة لم يقبل.
* ومن كان داعيةً متجاهرًا ببدعته؛ فليُتْرَك إهانةً له وإخمادًا لمذهبه، اللهمَّ إلَّا أن يكون عنده أثرٌ تفرَّد به، فنُقدِّم سماعَه منه.
وينبغي أن نتفقَّد حالَ الجارح مع من تَكلَّم فيه باعتبار الأهواء، فإن لاحَ لك انحرافُ الجارح، ووجدتَ توثيقَ المجروح من جهةٍ أخرى؛ فلا تحفِلْ بالمُنحرِف (^٣) وبغمزه المبهم (^٤)، وإن لم تجد توثيق المغموز فتأنَّ وترفَّق» (^٥).
[(٢) الاختلاف بين المتصوِّفة وأهل العلم الظَّاهر]:
* قال شيخُنا ابنُ وَهْبٍ -﵀-:
(ومن ذلك (^٦): الاختلافُ الواقع بين المتصوِّفة وأهل العلم الظَّاهر (^٧)، فقد وقع بينهم تنافرٌ أوجب كلام بعضهم في بعض.
_________________
(١) حكاه عنه بمعناه: الخطيبُ في «الكفاية» (١/ ٣٠٣).
(٢) الاقتراح (ص ٢٩١).
(٣) أي: لا تُبالِه ولا تهتمَّ به، كما في «المصباح» (ح ف ل).
(٤) في م: «المتَّهم»، والمثبت موافقٌ لـ «الاقتراح».
(٥) الاقتراح (ص ٢٩٣).
(٦) أي: الآفات الدَّاخلة على المتكلِّمين في الجَرح.
(٧) عبَّر ابنُ السُّبكيِّ في نقله كلام ابن دقيق العيد في «طبقاته» (٢/ ١٩) عن أهل العلم الظَّاهر بـ (أصحاب الحديث)، وقال: «وهذا في الحقيقة داخلٌ في قسم مخالفة العقائد، وإن عدَّه ابنُ دقيق العيد غيرَه»، وما ذهبت إليه الصُّوفية من تقسيم العلم إلى حقيقة وهو العلم الباطن، وإلى شريعة وهو العلم الظَّاهر؛ باطلٌ لا أصل له.
[ ١٠٨ ]
وهذه غَمْرةٌ (^١) لا يَخلُص منها إلَّا العالمُ الوافي بشواهد الشَّريعة، ولا أحصر ذلك في العلم بالفروع، فإنَّ كثيرًا من أحوال المحقِّقين من الصُّوفيَّة (^٢) لا يفي بتمييز حقِّه من باطِلِه علمُ الفروع، بل لا بدَّ معه (^٣) من معرفة القواعد الأصوليَّة، والتَّمييز بين الواجب والجائز، والمستحيل عقلًا والمستحيل عادة.
وهو مقامٌ خَطِر؛ إذ القادح في مُحِقِّ (^٤) الصُّوفيَّة داخلٌ في حديث: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» (^٥)، والتَّارك لإنكار الباطل ممَّا سمعه من بعضهم تاركٌ للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
[(٣) الجهل بمراتب العلوم]:
* ومن ذلك: الكلامُ بسبب الجهل بمراتب العلوم، فيُحتاج إليه في المتأخِّرين أكثر (^٦)، فقد انتشرت علومٌ للأوائل، وفيها حقٌّ
_________________
(١) غَمْرة الشَّيء: شِدَّتُه ومُنْهَمَكُه «تاج العروس» (غ م ر).
(٢) في م: «فإنَّ كثيرًا من الصُّوفيَّة».
(٣) «معه» زيادة من «م»، وفي «الاقتراح»: «مع ذلك».
(٤) في م: «محقِّق».
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) من حديث معاذ -﵁- بلفظ: «وإنَّ من عادى لله وليًّا؛ فقد بارز الله بالمحاربة»، وأصله عند البخاريِّ (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة -﵁- بلفظ: «فقد آذنتُه بالحرب»، وانظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٣٣٠).
(٦) والمتقدِّمون قد استراحوا من هذا الوجه؛ لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم «الاقتراح» (ص ٣٠٠).
[ ١٠٩ ]
كالحساب والهندسة والطِّب، وباطلٌ كالقول في الطَّبيعيَّات وكثيرٍ من الإلهيَّات وأحكام (^١) النُّجوم.
فيحتاج القادح أن يكون مميِّزًا بين الحقِّ والباطل، لئلا (^٢) يُكفِّر من ليس بكافر أو يقبل رواية الكافر.
[(٤) عدم الورع والأخذ بالتَّوهُّم]:
* ومنه: الخللُ الواقع بسبب عدم الوَرَع والأخذِ بالتَّوهُّم والقرائن التي قد تتخلَّف، قال -ﷺ-: «الظَّنُّ أكذب الحديث» (^٣)، فلا بدَّ من العلم والتَّقوى في الجَرح، فلصعوبة اجتماع هذه الشَّرائط في المُزكِّين؛ عَظُم خطرُ الجرح والتَّعديل) (^٤).
_________________
(١) في م: «كأحكام»، والمثبت موافق لـ «الاقتراح» (ص ٢٩٩).
(٢) المثبت من م، وهو الموافق لـ «الاقتراح»، وفي الأصل: «فلا».
(٣) رواه البخاريُّ (٥١٤٣) ومسلم (٢٥٦٣).
(٤) الاقتراح (ص ٢٩٧).
[ ١١٠ ]