بسم الله الرحمن الرحيم (^١)
* الحديث الصَّحيح:
[تعريف الحديث الصحيح]:
* هو ما دار على عدلٍ مُتقِنٍ واتَّصل سندُه.
فإن كان مرسَلًا ففي الاحتجاج به اختلافٌ.
وزاد أهلُ الحديث: سلامتَه من الشُّذوذ والعلَّة، وفيه نظرٌ على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيرًا من العلل يأبَوْنها (^٢) (^٣).
_________________
(١) في الأصل بعد البسملة: «ربِّ زدني علمًا، ووفِّق يا كريم، قال الإمام العالم العلَّامة، الرُّحلة المحقِّق، بحر الفوائد ومَعْدِن الفرائد، عمدة الحفَّاظ والمحدِّثين، وعُدَّة الأئمَّة المحقِّقين، وآخر المجتهدين، شمس الدِّين محمَّد بن عثمان الذَّهبي، ﵀ ونفعنا بعلومه وجميع المسلمين»، والمصنِّف نُسِب هنا إلى جدِّه، وإلَّا فهو محمَّد بن أحمد بن عثمان. وفي م بعد البسملة أيضًا: «صلَّى الله على سيِّدنا ومولانا محمَّد وآل محمَّد وآله [كذا] وصحبه …، قال الشَّيخ رُحلة الآفاق، عمدة المحدِّثين، شمس الدِّين، أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الذَّهبيُّ … رحمة الله عليه»، وموضع النَّقط مخروم. وفي ب: «بسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على محمَّد وآله وصحبه، أمَّا بعد: فقال الإمام شمس الدين محمَّد بن أحمد الذَّهبيُّ الدمشقيُّ».
(٢) في ب: «يأبَوْنَ أنَّها علَّة».
(٣) كما إذا أثبت الرَّاوي عن شيخه شيئًا، فنفاه من هو أحفظ، أو أكثرُ عددًا، أو أكثرُ ملازمةً منه؛ فإنَّ الفقيه والأصوليَّ يقولان: المُثبِت مقدَّمٌ على النَّافي، فيُقبَل، والمحدِّثون يُسمُّونه شاذًّا، قاله في «فتح المغيث» (١/ ٢٦).
[ ٤٥ ]
فالمجمَع على صحَّته إذن: المتَّصل السَّالم من الشُّذوذ والعلَّة، وأن يكون رواته ذوي ضبطٍ وعدالةٍ ز: وعدم تدليس. •
[مراتب الصَّحيح المجمع عليه]:
* فأعلى مراتب المجمَع عليه:
مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر (^١).
ز: أو: منصورٌ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبد الله (^٢).
أو: الزُّهريُّ، عن سالمٍ (^٣)، عن أبيه (^٤).
أو: أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (^٥).
_________________
(١) وهو أصحُّ الأسانيد عند البخاري، كما في «المعرفة» للحاكم (ص ٢٣٥).
(٢) أي: منصور بن المُعْتَمِر السُّلَميُّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعيِّ، عن علقمةَ بن قيسٍ النَّخعيِّ، عن عبد الله بن مسعودٍ -﵁-، وهو أصحُّ أسانيد ابن مسعود، كما في «المعرفة» للحاكم (ص ٢٣٩)، فعلى هذا: أصحُّ ذلك: شعبة وسفيان عن منصور، وعنهما يحيى القطَّان وعبدُ الرَّحمن بن مَهْدي، وعنهما عليُّ بن المديني، وعنه أبو عبد الله البخاريُّ، قاله المصنِّف في «السِّير» (٤/ ٦٠)، وقال (٩/ ١٥٨): «أصحُّ إسنادٍ بالعراق وغيرِها: أحمد بن حنبلٍ، عن وكيعٍ، عن سفيان، عن منصور …»، وقال: «وفي (المسند) بهذا السَّند عدَّة متون»، وجعل ابنُ معينٍ (الأعمش) مكان (منصور)، وعدَّه أصحَّ الأسانيد.
(٣) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب.
(٤) وهو أصحُّ الأسانيد عند أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، كما في «المعرفة» للحاكم (ص ٢٣٧)، و«علوم الحديث» لابن الصَّلاح (ص ١٥).
(٥) وهو أصحُّ الأسانيد عن أبي هريرة عند البخاريِّ، حكاه عنه الحاكم في «المعرفة» (ص ٢٣٦).
[ ٤٦ ]
ثمَّ بعده:
معمرٌ، عن همَّامٍ، عن أبي هريرة (^١).
أو: ابنُ أبي عَرُوْبةَ (^٢)، عن قَتادةَ، عن أنس.
أو: ابنُ جُرَيجٍ (^٣)، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ.
وأمثالُه.
ثمَّ بعده في المرتبة:
اللَّيث وزُهَيرٌ، عن أبي الزُّبَير، عن جابر (^٤).
أو: سِمَاكٌ، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس (^٥).
أو: أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي إسحاق (^٦)، عن البراء.
_________________
(١) وهو أصحُّ أسانيد اليمانيِّين، كما في «المعرفة» للحاكم (ص ٢٣٩)، وسيأتي الكلام على هذه النُّسخة (ص ٦٢).
(٢) هو سعيد بن أبي عَرُوْبة مِهْران اليَشْكُريُّ مولاهم.
(٣) أي: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرِيجٍ الأُمَويُّ مولاهم، عن عَطاء بن أبي رَبَاح القرشيِّ مولاهم، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٤) أي: اللَّيثُ بن سعدٍ الفَهْميُّ، وأبو خيثمةَ زُهَيرُ بن معاويةَ الجُعْفيُّ، عن أبي الزُّبير المكِّي - واسمه محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس -، عن جابر بن عبد الله -﵁-.
(٥) نسخَةُ عِدَّة أحاديث، فلا هي على شرط مسلمٍ لإعراضه عن عِكرمة، ولا هي على شرط البخاريِّ لإعراضه عن سِماك، ولا ينبغي أن تُعَدَّ صحيحة؛ لأنَّ سماكًا إنَّما تُكُلِّم فيه من أجلها، قاله المصنِّف في «السِّير» (٥/ ٢٤٨).
(٦) السَّبِيعي، واسمه عمرو بن عبد الله.
[ ٤٧ ]
أو: العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه (^١)، عن أبي هريرة.
ونحوُ ذلك من أفراد البخاريِّ أو مسلم. •
* الحسن:
[تعريف الحسن]:
* وفي تحرير معناه اضطراب.
[(١) تعريف الخطَّابي]:
* فقال الخطابيُّ -﵀-: «هو ما عُرِف مَخْرَجُه واشتَهَر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامَّة الفقهاء» (^٢).
وهذه عبارةٌ ليست على صناعة الحدود والتَّعريفات؛ والصَّحيح مُنْطَبِقٌ ذلك عليه أيضًا (^٣) (^٤).
لكنْ مرادُه ممَّا لم يبلغ درجة الصَّحيح؛ فالحسن: (^٥) ما ارتقى
_________________
(١) عبد الرَّحمن بن يعقوب الجُهَنيُّ.
(٢) «عامة» ليست في م، وهي موجودة في «معالم السُّنن» (١/ ٦).
(٣) في م: «إذ الصَّحيح مُنْطَبِقٌ عليه»، وفي ب: «إذ الصَّحيح ينطلق ذلك».
(٤) فإنَّ الصَّحيح أيضًا قد عُرِف مخرجُه واشتهر رجاله، فيدخل الصَّحيح في حدِّ الحسن. «الاقتراح» (ص ١٩١).
(٥) في الأصل: «فأقول: الحسن»، في ب: «فيُقال: الحسن»، والمثبت من م، وهو الأليق؛ لأنَّه توضيحٌ لقوله في توجيه تعريف الخطَّابي: «لكن مراده ممَّا يبلغ درجة الصَّحيح»، وما في النُّسختين يُوهِم إنشاء تعريفٍ للمصنِّف، ومحلُّه اللَّائق أن يكون بعد الفراغ من إيراد تعريفات مَن سبقه، وعادة المصنِّف أنَّه إذا أراد إنشاء كلامٍ لنفسه أن يُصدِّره بـ «قلتُ»، ويؤيِّد ذلك ما سيذكره المصنِّف من قطع الطَّمع عن أن يكون للحديث الحسن قاعدةٌ تندرج فيها كلُّ الأحاديث الحسان.
[ ٤٨ ]
عن درجة الضَّعيف، ولم يبلغ درجة الصِّحَّة.
وإن شئتَ: (^١) الحسنُ ما سَلِم من ضعف الرُّواة، فهو حينئذٍ داخلٌ في قسم الصَّحيح، فحينئذٍ يكون الصَّحيحُ مراتبَ كما قدَّمنا، والحسنُ ذا رُتبةٍ دون تلك المراتب، فجاء الحسن مثلًا في آخر مراتب الصَّحيح (^٢).
[(٢) تعريف التِّرمذي]:
* ز: وأمَّا التِّرمذيُّ فهو أوَّل من خصَّ هذا النَّوعَ باسم الحَسَن •، وذكر أنَّه يريد به: «أن يسلم راوِيْهِ من أن يكون متَّهمًا، وأن يسلم من الشُّذوذ، وأن يُروَى نحوُه من غير وجه» (^٣).
وهذا مشكلٌ أيضًا على ما يقول فيه: «حسنٌ غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه».
_________________
(١) في ب زيادة: «قلت».
(٢) وبهذا يظهر لك أنَّ الحسن قسمٌ داخلٌ في الصَّحيح، وأنَّ الحديث النَّبويَّ قسمان ليس إلَّا: صحيحٌ، وهو على مراتب، وضعيفٌ، وهو على مراتب، قاله المصنِّف في «السِّير» (٧/ ٣٣٩)، وذكر أنَّ الحَسَن باصطلاحنا مولَّدٌ حادثٌ، وأنَّه في عُرْف السَّلف قسمٌ من أقسام الصَّحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاريُّ، ويُمشِّيه مسلمٌ، وبالعكس. «السِّير» (١٣/ ٢١٤).
(٣) شرح علل التِّرمذي (١/ ٣٤٠)، ونصُّ كلام التِّرمذي: «وما ذكرنا في هذا الكتاب: (حديثٌ حسنٌ)، فإنَّما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كلُّ حديثٍ يُروَى لا يكون في إسناده متَّهمٌ بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجهٍ نحوُ ذلك؛ فهو عندنا حديثٌ حسنٌ»، قال المصنِّف في «التَّاريخ» (٢/ ٣٩٧): «وتحسين التِّرمذيِّ لا يكفي في الاحتجاج بالحديث»، ثمَّ أورد نصَّ تعريف التِّرمذي مُعلِّلًا به لذلك.
[ ٤٩ ]
[(٣) تعريف ابن الجوزي]:
* وقيل: الحسن ما ضعفُه محتمَلٌ، ويسوغ العمل به (^١).
فهذا أيضًا ليس مضبوطًا بضابطٍ يتميَّز به الضَّعفُ المحتمَل (^٢).
[(٤) تعريف ابن الصَّلاح]:
* وقال ابن الصَّلاح -﵀-: «إنَّ الحسن قسمان:
أحدهما: ما لا يخلو سندُه من مستورٍ لم تتحقَّق أهليتُه، لكنَّه غيرُ مغفَّلٍ ولا خطَّاءٍ ولا متَّهم (^٣)، ويكون المتنُ مع ذلك عُرِف مثلُه أو نحوُه من وجهٍ آخر (^٤) اعتضد به (^٥).
وثانيهما: أن يكون راوِيْهِ مشهورًا بالصِّدق والأمانة، لكنَّه لم يبلغ درجة رجال الصَّحيح؛ لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدُّ تفرُّده منكرًا، مع عدم الشُّذوذ والعلَّة» (^٦).
فهذا عليه مؤاخذات.
_________________
(١) والقائل هو ابن الجوزي في مقدِّمة «الموضوعات» (١/ ١٤)، ونصُّ كلامه - وهو يذكر أقسام الحديث -: «القسم الرَّابع: ما فيه ضعفٌ قريبٌ محتمَلٌ، وهذا هو الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به».
(٢) وإذا اضطرب هذا الوصفُ، لم يحصل التَّعريف المميِّز للحقيقة «الاقتراح» (ص ١٩٥).
(٣) بالكذب في الحديث، أي: لم يظهر منه تعمُّد الكذب في الحديث، ولا سببٌ آخر مفسِّقٌ «علوم الحديث» لابن الصَّلاح (ص ٣١).
(٤) «من وجهٍ آخر» زيادة من م وب، وهي ثابتة في «علوم الحديث» (ص ٣١).
(٥) فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكرًا «علوم الحديث» (ص ٣١).
(٦) علوم الحديث (ص ٣١).
[ ٥٠ ]
[ليس للحسن قاعدة مطَّردة]:
* ز: وقد قلتُ لك (^١): إنَّ الحسن ما قَصُر سندُه قليلًا عن رتبة الصَّحيح، وسيظهر لك بأمثلة.
* ثمَّ لا تطمع بأنَّ للحسن قاعدةً تندرج كلُّ الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياسٍ من ذلك (^٢)، فكم من حديثٍ تردَّدَ فيه الحفَّاظ، هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ؟ بل الحافظ الواحد يتغيَّر اجتهاده في الحديث الواحد، يومًا يَصِفُه بالصِّحَّة، ويومًا يصفه بالحُسْن، وربَّما استضعفه.
وهذا حقٌّ؛ فإنَّ الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقِّيَه إلى رتبة الصَّحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعفٌ ما؛ إذ الحسن لا ينفكُّ عن ضعفٍ ما (^٣)، ولو انفكَّ عن ذلك لصحَّ باتِّفاقٍ. •
_________________
(١) في حاشية ب: «هذا في توجيه كلام الخطَّابي بقوله: مرادُه ما لم يبلغ درجة الصَّحيح».
(٢) قال البُلْقِينيُّ في «المحاسن» (ص ١٧٦): «نوع الحَسَن لمَّا توسَّط بين الصَّحيح والضَّعيف عند النَّاظر؛ كأنَّ شيئًا ينقدح في نفس الحافظ، قد تَقْصُر عبارته عنه، كما قيل في الاستحسان، فلذلك صَعُب تعريفه»، وسُئِل ابنُ حجرٍ عن رأيه في هذه الجملة من كلام المصنِّف، فأجاب عن ذلك في «الأسئلة الفائقة» (ص ٦٣) - ونقله السَّخاويُّ في «الجواهر والدُّرر» (٢/ ٩١٣) -، ومحصَّل جوابه: أنَّه يمكن ضبط الحسن، لا كما قال الذَّهبيُّ.
(٣) «إذ الحسن لا ينفك عن ضعفٍ ما» ليست في م وب.
[ ٥١ ]
[قول التِّرمذي: «حسن صحيح»]:
* وقول التِّرمذيِّ: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح»، عليه إشكال؛ لأنَّ الحسن قاصرٌ عن الصَّحيح، ففي الجمع بين التَّسميتين (^١) لحديثٍ واحدٍ مجاذَبة (^٢).
- وأجيب عن هذا بشيءٍ لا ينهض، بأنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد، فيكون قد رُوي بإسنادٍ صحيحٍ، وبإسنادٍ حسن (^٣) (^٤).
وحقيقة ذلك - أن لو كان كذلك - أن يُقال: حديثٌ حسنٌ وصحيحٌ، فكيف العمل في حديثٍ يقول فيه: «حسنٌ صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه»؟! فهذا يُبطل قول مَن قال: أن يكون ذلك بإسنادين (^٥).
- ويسوغ (^٦) أن يكون مرادُه بالحُسْن المعنى اللُّغويَّ لا الاصطلاحي (^٧)، وهو إقبال النُّفوس وإصغاء الأسماع إلى حُسْن
_________________
(١) المثبت من م وب، وفي الأصل محتملة، ولعلَّها: «السَّمتين».
(٢) أي: جمعٌ بين نفي ذلك القصور وعدمه «الاقتراح» (ص ١٩٧).
(٣) «بإسنادٍ صحيح» ليست في م، وفي ب: «أي يكون الحديث مرويًّا بإسنادٍ حسن، وبإسنادٍ صحيح».
(٤) وهذا جواب ابن الصَّلاح في «علوم الحديث» (ص ٣٩).
(٥) «وحقيقة ذلك … إلخ» وردت في ب على نحوٍ مختصر، ونصُّها: «وحينئذٍ لو قيل: (حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) لبطل هذا الجواب».
(٦) المثبت من م وب، وفي الأصل: «فيسوغ».
(٧) سوَّغ المصنِّف أن يكون هذا مرادَ التِّرمذي، وأمَّا ابن الصَّلاح فعمَّم ولم يخصَّ التِّرمذيَّ بذلك، فقال في «علوم الحديث» (ص ٣٩): «على أنَّه غير مُستَنكَرٍ أن يكون بعضُ من قال ذلك أراد بالحُسْن معناه اللُّغوي».
[ ٥٢ ]
متنه وجَزالة لفظه، وما فيه من الثَّواب والخير، فكثيرٌ من المتون النَّبويَّة بهذه المثابة.
قال شيخنا ابن وَهْبٍ (^١): «فعلى هذا يلزم إطلاق الحَسَن على بعض (الموضوعات)، ولا قائل بهذا (^٢)».
- ثمَّ قال: «فأقول: لا يُشترط في الحَسَن قيدُ القصور عن الصَّحيح، وإنَّما جاء القصور إذا اقتُصِر على (حديثٌ حسَنٌ)، فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار، لا من حيث حقيقتُه وذاتُه (^٣)».
ثمَّ قال: «فللرُّواة صفاتٌ تقتضي قبول الرِّواية، ولتلك الصِّفات درجاتٌ بعضها فوق بعض، كالتَّيقُّظ والحفظ والإتقان.
فوجود الدَّرجة الدُّنيا كالصِّدق مثلًا وعدم التُّهَمة، لا يُنافيه وجودُ ما هو أعلى منه من الإتقان والحفظ، فإذا وُجِدت الدَّرجةُ العليا، لم ينافِ ذلك وجودَ الدُّنيا، كالحفظ مع الصِّدق، فصحَّ أن يُقال: (حسنٌ) باعتبار الدُّنيا (^٤)، (صحيح) باعتبار العليا (^٥).
_________________
(١) وهو ابنُ دقيق العيد.
(٢) من أهل الحديث إذا جرَوا على اصطلاحهم «الاقتراح» (ص ١٩٩).
(٣) في م وب: «حقيقة ذاتِه» وقد شُكِلت التَّاءُ في م بالكسر، والأصل موافقٌ لـ «الاقتراح» (ص ١٩٩).
(٤) وهي الصِّدق مثلًا «الاقتراح» (ص ٢٠٠).
(٥) وهي الحفظ والإتقان «الاقتراح» (ص ٢٠٠).
[ ٥٣ ]
ويَلزم على ذلك أن يكون كلُّ صحيحٍ حسنًا، فيَلتزِم ذلك (^١)، وعليه عبارات المتقدِّمين، قد يقولون فيما صحَّ (^٢): (هذا حديثٌ حسن)» (^٣).
[مراتب الحسن]:
* ز: قلت: فأعلى مراتب الحسن:
بهزُ بن حَكِيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه (^٤).
_________________
(١) «ويلزم على هذا … إلى هنا» ليست في م.
(٢) في ب: «فإنهم قد يقولون فيما صح».
(٣) قوله: «فيَلتزِم ذلك» فيه غموض، ونصُّ «الاقتراح» (ص ٢٠٠): «ويَلتزِم ذلك ويؤيِّده: ورود قولهم: هذا حديثٌ حسنٌ في الأحاديث الصَّحيحة، وهذا موجودٌ في كلام المتقدِّمين»، ونقل مغلطاي في «إصلاحه» (ص ١٠٦) نصَّ «الافتراح» بلفظ: «ويلزمه ويؤيِّده»، ونقله البُلْقِينِيُّ في «المحاسن» (ص ١٨٦) والزَّركشيُّ في «نكته» (٢/ ٣٨٨) بلفظ: «ويلتزمه …»، ونقله جماعةٌ من غير هذه اللَّفظة، منهم العراقيُّ في «شرح ألفيَّته» (١/ ١٧٣) وفي «التَّقييد والإيضاح» (ص ٤٦) وابنُ الوزير في «تنقيح الأنظار» (ص ٩٧)، وذكر ابن حجرٍ في «النُّكت» (١/ ٤٧٨) أنَّ الجواب الذي ذكره ابن دقيق العيد أقوى الأجوبة.
(٤) أي: بهز بن حَكِيم بن معاوية بن حَيْدة القُشَيْريُّ، عن أبيه حَكِيم، عن جدِّه معاوية -﵁-.
[ ٥٤ ]
وعمرُو (^١) بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه (^٢).
ومحمَّدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ (^٣)، عن أبي هريرة.
وابنُ إسحاقَ، عن محمَّد بن إبراهيمَ التَّيمي.
وأمثالُ ذلك.
وهو قسمٌ متجاذَبٌ بين الصِّحَّة والحُسْن، فإنَّ عدَّةً من الحفَّاظ يصحِّحون هذه الطُّرق، وينعتونها بأنَّها من أدنى مراتب الصَّحيح.
* ثمَّ بعد ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ يُتنازَع فيها، بعضهم يُحسِّنها، وبعضهم يُضعِّفها (^٤)، كحديث الحارث بن عبد الله (^٥)، وعاصم بن ضَمْرة، وحجَّاج بن أرْطَاة، وخُصَيفٍ (^٦)، ودَرَّاجٍ أبي السَمْح، وخلقٍ سواهم. •
* الضَّعيف:
[تعريف الضَّعيف]:
* ز: ما نَقَص عن درجة الحَسَن قليلًا.
[تردُّد حديث رواةٍ بين الحُسن والضَّعف]:
ومن ثَمَّ تُرُدِّد في حديث أُناس، هل يبلغ حديثُهم إلى درجة الحَسَن أم لا؟
* وبلا رَيبٍ فخلقٌ كثيرٌ من المتوسِّطين في الرِّواية بهذه
_________________
(١) في الأصل سَقْطُ عدَّةِ صفحاتٍ بعد هذا الموضع.
(٢) أي: عمرو بن شُعَيبِ بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه شُعَيب، عن جدِّ شعيبٍ: عبد الله -﵁-.
(٣) ابن عبد الرَّحمن بن عوف -﵁-.
(٤) يعني: ولم يُقَل بصحَّته، قاله السَّخاويُّ في «شرح التَّقريب» (ص ٦٨).
(٥) أي: الأعور.
(٦) هو خُصَيف بن عبد الرَّحمن الجَزَريُّ.
[ ٥٥ ]
المثابة، فآخر مراتب الحَسَن هي أوَّل مراتب الضَّعيف، أعني الضَّعيف الذي هو في السُّنن وفي كتب الفقهاء، ورُواتُه ليسوا بالمتروكين، كابن لَهِيعة، وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، وأبي بكر بن أبي مريمَ الحِمْصي، وفَرَج بن فَضَالة، ورِشْدِين (^١)، وخلقٍ.
* المطروح: (^٢)
[تعريف المطروح]:
* هو ما انحطَّ عن رتبة الضَّعيف (^٣).
[مظانُّ وجود المطروح]:
* ويُروى في بعض المسانيد الطِّوال وفي الأجزاء، بل وفي «سنن ابن ماجه» (^٤) و«جامع أبي عيسى» (^٥).
_________________
(١) هو رِشْدِين بن سعدٍ المهري.
(٢) في ب: «المنكر»!.
(٣) وارتفع عن الموضوع، كما في «الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ١٨٣)، و«فتح المغيث» (٢/ ١٣٢)، وقال في «الشَّرح المختصر للعقود» (ص ٢٧): «وتفرَّد أبو عبد الله الذَّهبيُّ فيما أعلم بتلقيبه هكذا، وكأنَّه مأخوذٌ من قولهم: (فلانٌ مطروح الحديث)، وهذا هو أخبار المتروكين»، وقال السَّخاويُّ: «وقد أثبته الذَّهبيُّ نوعًا مستقلًّا … قال شيخنا: وهو المتروك على التَّحقيق، يعني الذي زاده في (نخبته) و(توضيحها)، وعرَّفه بالمتَّهم راويه بالكذب»، وعبَّر عنه المصنِّف في مبحث الموضوع بـ (السَّاقط) و(المطَّرح).
(٤) وإنَّما غضَّ من رتبة (سننه) ما في الكتاب من مناكير، وقليلٍ من الموضوعات، قاله المصنِّف في «السِّير» (١٣/ ٢٧٩)، وذكر أنَّ فيه نحو ثلاثين حديثًا مطَّرحًا ساقطًا، وأمَّا الأحاديث التي لا تقوم بها الحجَّة فكثيرة، لعلَّها نحو الألف.
(٥) وبإخراج التِّرمذيِّ لحديث المصلوب والكلبيِّ وأمثالهما؛ انحطَّت رتبة «جامعه» عن رتبة سنن أبي داود والنَّسائي، قاله المصنِّف في «تاريخه» (٣/ ٩٦١).
[ ٥٦ ]
[أمثلة على الحديث المطروح]:
* مثل: عمرو بن شِمْر (^١)، عن جابرٍ الجُعفي، عن الحارث (^٢)، عن علي (^٣).
وكصدقةَ الدَّقِيْقِي، عن فَرْقَد (^٤)، عن مُرَّة الطَّيِّب، عن أبي بكر (^٥).
وجُوَيْبِر (^٦)، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس.
وحفص بن عمرَ (^٧) العَدَني، عن الحَكَم بن أبان، عن عكرمة (^٨).
وأشباه ذلك من أحاديث المتروكين والتَّلْفَى، وبعضهم أمثل (^٩) من بعض. •
_________________
(١) بكسر المعجمة وسكون الميم، كما في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٥٢).
(٢) أي: ابن عبد الله الأعور.
(٣) وهذا أوهى أسانيد أهل البيت، كما في «المعرفة» للحاكم (ص ٢٤٠) و«الاقتراح» (ص ٢٠٢).
(٤) أي: ابن يعقوب السَّبَخِي.
(٥) وهذا أوهى أسانيد الصِّدِّيق، كما في «المعرفة» (ص ٢٤١) و«الاقتراح» (ص ٢٠٢).
(٦) أي: جُوَيْبِر بن سعيدٍ الأزديِّ، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِمٍ الهلاليِّ، عن عبد الله بن عبَّاسٍ - ﵄ -.
(٧) في م: «عمرو»، وهو تصحيف.
(٨) أي: عن ابن عبَّاس، وهو أوهى أسانيد اليمانيين، كما في «المعرفة» (ص ٢٤٢) و«الاقتراح» (ص ٢٠٦).
(٩) في ب: «أضل».
[ ٥٧ ]
* الموضوع:
[تعريف الموضوع ومثاله]:
* ز: ما كان متنه مخالفًا للقواعد وراويه كذَّابٌ (^١).
كـ «أربعين الوَدْعانيَّة» (^٢)، وكـ «نسخة عليٍّ الرِّضا» المكذوبة عليه (^٣).
[مراتب الموضوع]:
* وهو مراتب:
- منه ما اتَّفقوا على أنَّه كذب، ويُعْرَف ذلك: بإقرار واضعه، وبتجرِبة الكذِب منه، ونحوِ ذلك.
- ومنه ما الأكثرون على أنَّه موضوع، والآخرون يقولون: هو
_________________
(١) جمْعُ المصنِّف في تعريف الموضوع بين كذب الرَّاوي ومخالفة القواعد يُراد به ما يُقطَع بوضعه؛ «فإنَّ تفرُّد الكذَّاب - بل الوضَّاع - ولو كان بعد الاستقصاء في التَّفتيش من حافظٍ متبحِّرٍ تامِّ الاستقراء؛ غيرُ مستلزمٍ للوضع [أي: في نفس الأمر لا في الحكم بالظَّاهر]، بل لا بدَّ معه من انضمام شيءٍ من قرائن الوضع»، أفاده السَّخاويُّ في «فتح المغيث» (٢/ ١٠٢).
(٢) وهي أربعون حديثًا وضعها زيد بن رِفاعة، وسرقها منه قاضي المَوْصِل أبو نصْرٍ محمَّد بن عليِّ بن وَدْعان، انظر: «الميزان» (٢/ ٥٠ و٢/ ٩٦ و٤/ ٢١٤) و«اللِّسان» (٣/ ٤٧٥ و٣/ ٥٥٤ و٧/ ٣٨١)، وهي مطبوعة في المكتب الإسلامي بتحقيق الشَّيخ علي حسن علي عبد الحميد.
(٣) وهو عليٌّ الرِّضا ابن موسى الكاظم ابن جعفرٍ الصَّادق الهاشميُّ العَلَويُّ، قال المصنِّف في «تاريخه» (٥/ ١٢٨): «وقد كذبت الرَّافضة على عليٍّ الرِّضا وآبائه أحاديث ونسخًا هو بريءٌ من عُهْدتها، ومُنزَّهٌ من قولها» وقال في «الميزان» (٢/ ٣٥٣) في ترجمة عبد الله بن أحمد بن عامر: «عن أبيه، عن عليٍّ الرِّضا، عن آبائه، بتلك النُّسخة الموضوعة الباطلة، ما تنفكُّ عن وضعه أو وضع أبيه».
[ ٥٨ ]
حديثٌ ساقطٌ مطَّرَح، ولا نجْسُر (^١) أن نسمِّيَه موضوعًا.
- ومنه ما الجمهور على وَهْنه وسقوطه، والبعض على أنَّه كذب. •
[ملكة أئمَّة النَّقد في كشف الموضوع]:
* ولهم في نقد ذلك طرقٌ متعدِّدة، وإدمانٌ قويٌّ تضيق عنه عباراتهم، من جنس ما يُؤتاه الصَّيْرَفيُّ الجِهْبِذ (^٢) في نقد الذَّهب والفضَّة، أو الجوهريُّ لنقد الجواهرِ والفصوصِ وتقويمِها.
ز: فلكثرة ممارستهم للألفاظ النَّبويَّة، إذا جاءهم لفظٌ ركيكٌ بمعنًى مخالفٍ للقواعد (^٣)، أو لمجازفةٍ في التَّرغيب والتَّرهيب أو الفضائل، وكان بإسنادٍ مظلم، أو بإسنادٍ مضيءٍ كالشَّمس في أثنائه رجلٌ كذَّابٌ وضَّاعٌ = فيهيج بهم حالٌ (^٤) بأنَّ هذا مختلَقٌ ما قاله الرَّسول -ﷺ-، وتتواطأ أقوالهم فيه على شيءٍ واحد. •
[إقرار الرَّاوي بالوضع]:
* وقال شيخنا ابن دقيق العِيد: «إقرار الرَّاوي بالوضع كافٍ في وضعه (^٥)، ولكنَّه ليس بقاطعٍ في كونه موضوعًا؛ لجواز أن
_________________
(١) أي: لا نجترئ، كما في «القاموس» (ج س ر).
(٢) «الجهبذ» غير واضحةٍ في م.
(٣) المثبت من ب، والذي يظهر من م: «للقوي»، وهذه صورتها:
(٤) في ب: «فيهيج حالُه».
(٥) أي: في الحكم عليه بالوضع، وعبارة «الاقتراح»: «كافٍ في ردِّه».
[ ٥٩ ]
يكذب في الإقرار» (^١).
ز: قلتُ: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التَّجويز والاحتمال البعيد؛ لوقعنا في الوسوسة والسَّفسَطة (^٢) (^٣).
نعم، كثيرٌ من الأحاديث التي وُسِمت بالوضع لا دليل على وضعها (^٤)، كما أنَّ كثيرًا من الموضوعات لا يُرتاب في كذبها. •
* المرسل:
[تعريف المرسَل]:
* عَلَمٌ على ما سَقَط ذِكْرُ الصَّحابيِّ من إسناده، فيقول التَّابعيُّ: قال رسول الله -ﷺ-.
[أنواع المرسل باعتبار درجته]:
* ز: ويقع في المراسيل الأنواعُ الخمسةُ الماضية.
[مرسل التَّابعيِّ الكبير]:
* فمن صِحاح المراسيل: مُرسَل سعيد بن المسيَّب، ومرسل
_________________
(١) الاقتراح (ص ٢٢٩).
(٢) والسَّفسَطة: المغالطة، كما في «الكليَّات» للكفوي (ص ٨٤٩).
(٣) قال ابن حجرٍ في «نزهة النَّظر» (ص ٨٩): «وفهم منه بعضهم أنَّه لا يُعمَل بذلك الإقرار أصلًا، وليس ذلك مراده، وإنَّما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفيُ الحكم؛ لأنَّ الحكم يقع بالظَّنِّ الغالب، وهو هنا كذلك»، قال ابن أبي شريف في «حاشيته» (ص ٨٧): «قوله: (وفهم منه بعضهم) كأنَّه يعني الذَّهبيَّ في مقدِّمته في الاصطلاح المسمَّاة بالموقظة»، وانظر: اليواقيت والدُّرر (٢/ ٣٩)، وما ذكره ابن حجرٍ ظاهرٌ في مراد ابن دقيق العيد.
(٤) «نعم، كثير من الأحاديث … إلخ» زيادة من ب و«الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ١٨٦).
[ ٦٠ ]
مسروق (^١)، ومرسل الصُّنَابِحيِّ (^٢)، ومرسل قيس بن أبي حازم (^٣)، ونحو ذلك؛ فإنَّ المرسَل إذا صحَّ إلى تابعيٍّ كبير فهو حجَّةٌ عند خلقٍ من الفقهاء.
فإن كان في الرُّواة ضعيفٌ إلى مثل ابن المسيَّب؛ ضَعُف الحديث من قِبَل ذلك الرَّجل.
وإن كان متروكًا أو ساقطًا؛ وَهَنَ الحديثُ وطُرِح.
ويوجد في المراسيل موضوعات.
[مرسل التَّابعي المتوسط]:
* نعم، وإن صحَّ الإسناد (^٤) إلى تابعيٍّ متوسِّط الطَّبقة - كمراسيل مجاهد، وإبراهيمَ (^٥)، والشَّعْبِي -؛ فهو مرسَلٌ جيِّدٌ لا بأس به، يقبله قومٌ، ويردُّه آخرون.
* ومن أوهى المراسيل عندهم: مرسل الحسن.
[مرسل التَّابعي الصَّغير]:
* وأوهى من ذلك: مرسل الزُّهْريِّ (^٦)، وقتادةَ، وحُمَيدٍ
_________________
(١) «ومرسل مسروق» زيادة من ب.
(٢) هو عبد الرَّحمن بن عُسَيلة، أبو عبد الله الصُّنَابِحيُّ، قدم المدينة بعد موت النَّبيِّ -ﷺ- بخمسة أيَّام.
(٣) انتهى السَّقط الواقع في الأصل قبل: «أبي حازم».
(٤) في م وب: «الحديث».
(٥) أي: ابن يزيد النَّخَعي.
(٦) مراسيل الزُّهريِّ كالمعضل؛ لأنَّه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظنَّ به أنَّه أسقط الصَّحابيَّ فقط، ولو كان عنده عن صحابيٍّ لأوضحه، ولما عجز عن وصله، قاله المصنِّف في «السِّير» (٥/ ٣٣٩).
[ ٦١ ]
الطويل من صغار التَّابعين.
وغالبُ المحقِّقين يعُدُّون مرسلات هؤلاء مُعْضَلاتٍ ومنقطِعات؛ فإنَّ غالب روايات هؤلاء عن تابعيٍّ كبيرٍ عن صحابي، فالظَّنُّ بمُرسِله أنه قد أسقط من إسناده اثنين. •
* والمُعضَل:
[تعريف المعضل والمنقطع]:
* هو (^١) ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا.
وكذلك:
* المنقطع (^٢):
* ز: فهذا النَّوع قلَّ من احتجَّ به.
[بلاغات مالك أجود من بعض المراسيل]:
* وأجوَد ذلك: ما قال فيه مالكٌ: بلغني أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: كذا وكذا (^٣)؛ فإنَّ مالكًا متثبِّتٌ، فلعلَّ بلاغاته أقوى من مراسيل مثل حُمَيد وقتادة. •
_________________
(١) «هو» زيادة من م.
(٢) ظاهر صنيع المصنِّف أنَّ «المنقطع» عنده مرادفٌ لـ «المُعضَل»، وأمَّا في «الاقتراح» (ص ٢٠٩) فعرَّفه بقوله: «وما سقط منه رجلٌ في أثنائه يُسمَّى بـ (المنقطع)».
(٣) في م: «أنَّه بلغه أنَّ رسول الله -ﷺ- …»
[ ٦٢ ]
* الموقوف:
[تعريف الموقوف]:
* هو ما أُسنِدَ إلى الصَّحابيِّ من قوله أو فعله.
ومُقابِله:
* المرفوع:
[تعريف المرفوع]:
* وهو ما نُسِب إلى النَّبيِّ -ﷺ- من قوله أو فعله (^١).
* الموصول (^٢):
[تعريف الموصول]:
* ما اتَّصل سنده وسلم من الانقطاع.
ز: ويصدق على المرفوع والموقوف. •
* المسنَدُ:
[تعريف المسنَد]:
* هو ما اتَّصل سنده بذكر النَّبيِّ -ﷺ-.
وقيل: يدخل في المسند كلُّ ما ذُكِر فيه النَّبيُّ -ﷺ-، وإن كان في أثناء سنده انقطاع.
* الشَّاذُّ:
[تعريف الشَّاذ]:
* هو ما خالف رواية الثِّقاتِ (^٣)، أو ما (^٤) انفرد به من لا
_________________
(١) أو تقريره، كما في «الاقتراح» (ص ٢١٠).
(٢) في ب: «المتصل»، والأصل موافقٌ لـ «الاقتراح» (ص ٢١١).
(٣) المثبت من م وهو الموافق لـ «الاقتراح» (ص ٢١١)، وفي الأصل: «راوِيْهِ»، وفي ب: «رواته».
(٤) «ما» زيادة من م وب.
[ ٦٣ ]
يَحتمِل حالُه قبولَ تَفرُّده.
* المنكَرُ (^١):
[تعريف المنكر]:
* هو ما انفرد الرَّاوي الضَّعيف به، ز: وقد يُعَدُّ تفَرُّدُ الصَّدُوقِ منكرًا (^٢). •
* الغريب:
[تعريف الغريب]:
* ز: ضدُّ المشهور. •
[أنوع الغريب]:
* فتارةً ترجع غرابته إلى المتن، وتارة إلى السَّنَد.
* ز: فالغَريب صادقٌ على ما صحَّ، وعلى ما لم يصح. •
[أنواع التَّفرُّد]:
* والتَّفرُّد:
- يكون لما انفرد به الرَّاوي إسنادًا أو متنًا.
_________________
(١) قال السَّخاويُّ في «فتح المغيث» (٢/ ١٢): «وأمَّا جمع الذَّهبيِّ بينهما [أي: الشاذِّ والمنكر] في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون لعدم الفرق بينهما، ويحتمل غيره».
(٢) قال المصنِّف في «الميزان» (٣/ ١٥١): «وإنَّ تفرُّد الصَّدوق ومن دونه يُعدُّ منكرًا»، وقال أيضًا (١/ ٣٣٩): «وأمَّا من وثِّق، ومثل أحمد الإمام يتوقَّف فيه، ومثل أبي حاتمٍ يقول: صالح الحديث؛ فلا نرقِّيه إلى رتبة الثِّقة، فتفرُّد هذا يُعدُّ منكرًا»، ومثال ذلك: رافع بن سلمة بن زياد، قال في «الميزان» (٢/ ٣٦٢): «ورافعٌ متوسِّطٌ صالح الأمر، ممَّن إذا تفرَّد بشيءٍ عُدَّ منكرًا»، ومحمَّد بن إسحاق، قال في «الميزان» (٤/ ٥١): «ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإنَّ في حفظه شيئًا، وقد احتجَّ به أئمَّة».
[ ٦٤ ]
- ويكون لما تفرَّد به عن شيخٍ معيَّنٍ، كما يُقال: لم يروِه عن سفيان إلا ابنُ مَهدي، ولم يروِه عن ابن جُرَيجٍ إلا ابنُ المبارك (^١).
* المسلسل:
[تعريف المسلسل ومثاله]:
* ما كان سنده على صفةٍ واحدةٍ في طبقاته.
كما سُلْسِل بـ «سمعتُ» (^٢)، أو كما سُلْسِل بالأوَّليَّة إلى سفيان (^٣).
[حكم المسلسلات]:
* ز: وعامَّة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة؛ لكذب رواتها (^٤).
_________________
(١) فإذا قلنا: تفرَّد به فلانٌ عن فلان؛ احتمل أن يكون منفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرَّد به عن هذا المعيَّن، ويكون مرويًّا من غير جهة ذلك المعيَّن، فتنبَّه لذلك؛ فإنَّه قد تقع المؤاخذة على قومٍ من المتكلِّمين على الأحاديث، ويكون له وجهٌ كما ذكرنا. «الاقتراح» (ص ٢١٤).
(٢) ذكره في «الاقتراح» (ص ٢١٤) مثالًا على (المسلسل في جميع طبقاته)، وأخرجه السُّيوطيُّ في «جياد المسلسلات» (ص ١٦٣).
(٣) ذكره «الاقتراح» (ص ٢١٤) مثالًا على (المسلسل في أكثر طبقاته)، وأخرجه المصنِّف في «السِّير» (١٧/ ٦٥٦)، وللمصنِّف جزءٌ في جمع طرقه سمَّاه: «العذب السَّلسل في الحديث المسلسل»، ذكره ابن حجرٍ في «المجمع المؤسس» (٢/ ١٧١) والسَّخاويُّ في «فتح المغيث» (٣/ ٤٣٨).
(٤) محلُّ الوهاء والبُطلان: وصف التَّسلسل لا أصل المتن، ذكره ابن الصَّلاح في «علوم الحديث» (ص ٢٧٦).
[ ٦٥ ]
[أقوى المسلسلات]:
وأقواها: المسلسل بقراءة الصَّف (^١)، والمسلسل بالدِّمشقيين (^٢)، والمسلسل بالمِصريِّين (^٣)، والمسلسل بالمحمَّدِينَ إلى ابن شهاب (^٤). •
* المعنعن:
[تعريف المعنعن]:
* ما إسناده فلانٌ عن فلان.
[حكم المعنعن]:
* فمن (^٥) النَّاس من قال: لا يثبت حتَّى يصحَّ لقاءُ الرَّاوي لشَيْخه يومًا ما (^٦).
وَمنهم من اكتفى بمجرَّد إمكان اللُّقِيِّ (^٧)، وهو مذهبُ مسلم،
_________________
(١) أخرجه التِّرمذيُّ (٣٣٠٩).
(٢) وهو حديث أبي ذرٍّ -﵁- فيما يرويه النَّبيُّ -ﷺ- عن ربِّه ﵎: «يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي …» أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، قال النَّووي في «أذكاره» (ص ٧١٦): «رجال إسناده منِّي إلى أبي ذرٍّ كلُّهم دمشقيُّون، ودخل أبو ذرٍّ -﵁- دمشق، فاجتمع في هذا الحديث جملٌ من الفوائد، منها: … تسلسله بالدِّمشقيين».
(٣) وهو (حديث البطاقة)، أخرجه مسلسَلًا السَّخاويُّ في «الجواهر المكلَّلة» (ص ١٣٣)، والسُّيوطيُّ في «جياد المسلسلات» (ص ٢٤٧).
(٤) وهو حديث أمِّ سلمة مرفوعًا: «استرقوا لها؛ فإنَّ بها النَّظْرة»، أخرجه مسلسَلًا المصنِّف في «السِّير» (١٧/ ٦٦٤)، والسَّخاويُّ في «الجواهر المكلَّلة» (ص ١٥٣).
(٥) في الأصل: «ومن النَّاس»، والمثبت من م وب.
(٦) وإنَّما يقول ذلك أبو عبد الله البخاريُّ، وشيخُه عليُّ بن المديني، وهو الأصوب والأقوى. قاله المصنِّف في «السِّير» (١٢/ ٥٧٣).
(٧) في الزَّمن «الاقتراح» (ص ٢١٦).
[ ٦٦ ]
وقد بالغ في الرَّدِّ على مخالِفه (^١).
[اشتراط عدم التدليس في الرَّاوي المُعنْعِن]:
* ثمَّ بتقدير تيقُّن اللِّقاء، يُشترط أن لا يكون الرَّاوي عن شيخه مدلِّسًا؛ فإن لم يكن حملناه على الاتِّصال، فإن كان مدلِّسًا، فالأظهرُ أنَّه لا يُحمَل على السَّماع.
[التَّدليس عن الثِّقات أو عن الضُّعفاء]:
* ز: ثمَّ إن كان المدلِّس عن شيخه ذا تدليسٍ عن الثِّقات؛ فلا بأس.
وإن كان ذا تدليسٍ عن الضُّعفاءِ؛ فمردود، فإذا قال الوليد أو بقيَّة (^٢): «عن الأوزاعي» فَواهٍ؛ فإنَّهما يُدلِّسان كثيرًا عن الهَلْكَى، ولهذا يتَّقي أصحابُ الصِّحاح حديثَ الوليد، فما جاء إسنادُه بصيغة: «عن ابن جُرَيْج»، أو: «عن الأوزاعي» تجنَّبوه.
[عُسْر نقد بعض المرويَّات في حق المتأخِّرين]:
* وهذا في زماننا يعسُر نقدُه على المحدِّث؛ فإنَّ أولئك الأئمَّة - كالبخاريِّ وأبي حاتمٍ وأبي داود - عايَنُوا الأصول، وعرفوا عِلَلَها، وأمَّا نحن فطالت علينا الأسانيدُ، وفُقِدت العباراتُ المتيَقَّنةُ (^٣)، وبمثل هذا ونحوه دخَل الدَّاخِلُ على الحاكم في تَصرُّفه في «المستدرَك». •
_________________
(١) وادَّعى الإجماع عليه «صحيح مسلم» (١/ ٢٢).
(٢) يعني الوليدَ بن مسلمٍ الدِّمشقيَّ، وبقيَّةَ بن الوليد الحِمْصيَّ.
(٣) مراد المصنِّف - والله أعلم -: أنَّه يجب التَّسليم للأئمَّة المتقدِّمين في أحكامهم على الأحاديث؛ لأنَّهم عاصروا الرُّواة، وعاينوا أصولهم، وتيقَّنوا عبارات الأداء التي استعملوها كالتَّصريح بالسَّماع أو العنعنة، وهذا ما لا يمكن للمتأخِّرين إدراكُه.
[ ٦٧ ]
* التَّدليس (^١):
[تعريف التَّدليس]:
* ما رواه الرَّجل عن آخرَ لم يسمعْه منه (^٢)، ز: أو لم يُدْرِكْه •:
فإن صرَّح (^٣) وقال: «حدَّثنا»؛ فهذا كذَّاب (^٤).
وإن قال: «عن»؛ احتُمِلَ ذلك (^٥)، ز: ونُظِر في طبقته هل يُدرِك من هو فوقه؟
- فإن كان لقِيَهُ؛ فقد قرَّرناهُ (^٦).
- وإن لم يكن لقِيَهُ وأمكن أن يكون معاصِرَهُ، فهو محلُّ تردُّد (^٧)، وإن لم يكن (^٨)؛ فمنقطع (^٩)، كـ (قتادة عن أبي هريرة) (^١٠). •
_________________
(١) في ب: «المدلَّس»، والمثبت موافقٌ لـ «الاقتراح» (ص ٢١٧).
(٢) في ب: «ما لم يسمعه منه».
(٣) في ب زيادة: «بالاتصال»، ووُضِع عليها (ظ) إشارةً إلى الإشكال.
(٤) لا يُسمَّى بالتَّدليس «الاقتراح» (ص ٢١٧).
(٥) أي: احتُمِل كونُ صنيعِه تدليسًا، وجزم في «الاقتراح» (ص ٢١٨) أنَّه في هذه الحال يُسمَّى تدليسًا، فلم يحتج إلى التَّفصيل الذي أورده المصنِّف.
(٦) أي: أنَّه يُسمَّى تدليسًا.
(٧) أيُسمَّى تدليسًا أم لا؟
(٨) في ب: «أي: ممكنًا ذلك»، ولعلَّها كانت حاشية، أدخلها النَّاسخ في النَّص.
(٩) ولا يُسمَّى تدليسًا.
(١٠) حاصل كلام المصنِّف: أنَّ محلَّ التَّدليس ما روي بـ (عن) ونحوها، وأنَّ له صورتين: إحداهما: أن تكون روايته عمَّن لقيه. والثَّانية: أنَّ تكون روايته عمَّن أمكن أن يكون معاصره ولم يلقه، فهذه محلُّ تردُّدٍ في تسميتها تدليسًا.
[ ٦٨ ]
[حكم «قال» حكم «عن»]:
* وحُكمُ «قَالَ»: حُكمُ «عَنْ».
[أغراض التَّدليس]:
* ولهم في ذلك أغراضٌ:
- فإن كان لو صرَّح بمن حدَّثه عن المسمَّى، لعُرِف ضعفُه؛ فهذا غَرَضٌ مذمومٌ، وجنايةٌ على السُّنَّة، ومن يُعاني ذلك جُرِح به؛ فإنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ (^١).
- وإن فَعَله طلبًا للعُلوِّ فقط.
- أو إيهامًا لتكثير الشُّيوخ، بأن يُسمِّيَ الشَّيخَ مرَّة ويُكنِّيَه أخرى، وينسبَه إلى صنعَةٍ أو بلدٍ لا يكاد يُعرَف به، وأمثالِ ذلك، كما يقول (^٢): «حدَّثنا البخاريُّ» ويقصد مَنْ يُبخِّر النَّاس، أو: «حدَّثنا عليٌّ بما وراء النَّهر» ويعني نهرًا (^٣)، أو: «حدَّثنا بزَبِيد»
_________________
(١) قال المصنِّف في «الميزان» (١/ ٣١٦): «صحَّ هذا … عن جماعةٍ كبارٍ فعلُه، وهذه بليَّةٌ منهم، ولكنَّهم فعلوا ذلك باجتهادٍ، وما جوَّزوا على ذلك الشَّخص الذي يُسقِطون ذِكْرَه بالتَّدليس أنَّه تعمَّد الكذب، هذا أمثل ما يُعتذر به عنهم».
(٢) في الأصل: «تقول … وتقصد … وتريد» والمثبت من م وب و«الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٤٥٩).
(٣) أي: غير نهر جَيْحُون، كما في «الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٤٥٩)؛ فإنَّ كل ما كان من تلك النَّاحية فهو (ما وراء النَّهر)، انظر: «تاج العروس» (ج ح ن).
[ ٦٩ ]
ويريد موضعًا بقُوْص (^١)، أو: «حدَّثنا بحَرَّان» (^٢) ويريد قرية المَرْج (^٣) (^٤).
= فهذا محتَمَلٌ، والورع تركُه.
[من أمثلة التَّدليس]:
* ومن أمثلة التَّدليس (^٥): (الحسن عن أبي هريرة)، ز: وجمهورهم على أنَّه منقطعٌ لم يلقه (^٦) •، وقد رُوي عن الحسن قال: «حدَّثنا أبو هريرة»، فقيل: عنى بـ «حدَّثنا» أهلَ بلده.
[مفسدة التَّدليس]:
* وقد يُؤدِّي تدليسُ الأسماء إلى جَهالة الرَّاوي الثِّقة، فيُرَدُّ خبرُه الصَّحيح، فهذه مفسدة، ز: ولكنَّها في غير «جامع البخاريِّ» ونحوه، الذي تقرَّر أنَّ موضوعَه للصِّحاح، فإنَّ الرَّجل قد قال في «جامعه»: «حدَّثنا عبدُ الله» وأراد به: ابنَ صالحٍ المصري (^٧)،
_________________
(١) فـ (زَبِيد) مدينةٌ مشهورةٌ باليمن، و(قُوْص) مدينةٌ كبيرةٌ في صعيد مصر، كما في «معجم البلدان» (٤/ ٤١٣).
(٢) وهي مدينة عظيمة مشهورة على طريق المَوْصل والشَّام والرُّوم، كما في «معجم البلدان» (٢/ ٢٣٥).
(٣) أي: قريةً بمَرْج دمشق، كما في «الشَّرح المطوَّل على العقود» (ص ٤٥٩)، ومَرْج دمشق هو مَرْج رَاهِط، وهو أشهر المروج في الشِّعر، فإذا قالوه مفردًا فإيَّاه يعنُون، قاله في «معجم البلدان» (٥/ ١٠١)، وانظر: (٣/ ٢١).
(٤) وهذه الثَّلاثة أمثلةٌ لتدليس الأماكن، وهو داخل في تدليس الشُّيوخ، كما في «الشَّرح المطوَّل على العقود» (ص ٤٥٩).
(٥) الخفيِّ جدًّا «الاقتراح» (ص ٢١٩).
(٦) «لم يلقه» زيادة من م وب.
(٧) «المصري» زيادة من ب.
[ ٧٠ ]
وقال: «حدَّثنا يعقوب» وأراد به: ابنَ كاسبٍ، وفيهما لِيْنٌ. •
وبكلِّ حالٍ التَّدليس منافٍ للإخلاص؛ لما فيه من التَّزيُّن (^١).
* المضطرب (^٢):
[تعريف المضطرب]:
* ما رُوِي على أوجهٍ مختلفة، فيعتَلُّ الحديث (^٣).
[مخالفة الواهي للثَّبْت]:
* فإن كانت العلَّةُ غيرَ مُؤثِّرة، بأن يرويَه الثَّبْتُ على وجهٍ ومخالفُه واهٍ؛ فليس بمعلول، ز: وقد ساق الدَّارقطنيُّ كثيرًا من هذا النَّمَط في كتاب «العلل»، فلم يُصِب؛ لأنَّ الحُكْم للثَّبْت.
فإن كان الثَّبْتُ أرسله مثلًا، والواهي وصَلَه؛ فلا عِبْرة بوصله (^٤)؛ لأمرين: لضعف راويه، ولأنَّه معلولٌ بإرسال الثَّبْت له.
ثمَّ اعلم أنَّ أكثر المتكلَّم فيهم، ما ضعَّفهم الحفَّاظ إلَّا (^٥) لمخالفتهم للأثبات.
_________________
(١) هو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، قاله المصنِّف في «السِّير» (٧/ ٤٦٠).
(٢) في ب: «المعلَّل»، والمثبت موافقٌ لـ «الاقتراح» (ص ٢٢٢).
(٣) عرَّفه في «الاقتراح» بقوله: «ما روي على وجوهٍ مختلفة»، ثمَّ قال: «وهو أحد أسباب التَّعليل عندهم»، فيُفهَم منه أنَّ قول المصنِّف: «فيعتَلُّ الحديث» ليس من حدِّ المضطرب.
(٤) المثبت من م وب، وفي الأصل: «لوصله».
(٥) في م وب: «النُّقَّاد»، وسقطت: «إلا» من م.
[ ٧١ ]
[مخالفة جماعة الأثبات للثَّبْت]:
* وإن كان الحديث قد رواه الثَّبْتُ بإسنادٍ، أو وَقَفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يُخالفونه = فالعبرة بما اجتمع عليه ثقاتٌ؛ فإنَّ الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجَّح ظهور غلطه، فلا تعليلَ، والعبرة بالجماعة. •
[تصحيح الوجهين]:
* وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، ولم يترجَّح الحكم لأحدهما على الآخر؛ ز: فهذا الضَّرب يَسوقُ البخاريُّ ومسلمٌ الوجهين في كتابيهما، وبالأَولى (^١) سَوْقُهما لما اختلفا في لفظه (^٢) إذا أمكن جمع معناه. •
ومن أمثلة اختلاف الحافِظَين: أن يُسمِّي أحدهما في الإسناد ثقة، ويُبدِله الآخر بثقةٍ آخر، أو يقول أحدهما: «عن رجل»، ويقول الآخر: «عن فلان»، فيُسمِّي ذلك المبْهَم، فهذا لا يضرُّ في الصِّحَّة.
فأمَّا إذا اختلف جماعةٌ فيه، وأتوا به على أقوالٍ عدَّة؛ فهذا يُوْهِن الحديث، ويدلُّ على أنَّ راويَه لم يُتْقِنه (^٣).
نعم، لو حدَّث به على ثلاثة أوجهٍ ترجع إلى وجهٍ واحد؛
_________________
(١) في م: «والأولى».
(٢) في ب زيادة: «أن يجمَع»، ورُمِز فوقها بـ (ظ) إشارةً إلى الإشكال.
(٣) في م: «رواته لم تتقنه»، وكلا المعنيين صحيح؛ لأنَّ الاضطراب قد يكون من الشَّيخ، وقد يكون من الرُّواة عنه.
[ ٧٢ ]
فهذا ليس بمُعتَلٍّ، كأن يقول مالك: «عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرة»، ويقول عُقَيلٌ: «عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة»، ويرويه ابن عُيينة: «عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سَلَمة معًا».
* المُدرَج:
[تعريف المدرج]:
* هي ألفاظٌ تقع من بعض الرُّواة متَّصلةً بالمتن، لا يَبِينُ للسَّامع إلَّا أنَّها من صُلْب الحديث، ويدلُّ دليلٌ على أنَّها من لفظ راوٍ.
[طريق معرفة الإدراج]:
بأن يأتي الحديث من بعض الطُّرق بعبارةٍ تفصِل هذا من هذا، وهذا طريقٌ ظنِّيٌّ (^١)، فإن ضعُف (^٢) توقَّفنا أو رجَّحنا أنَّها من المتن.
ويبعد الإدراج في وسط المتن (^٣)، كما لو قال: «من مسَّ أنثييه وذَكَرَه فليتوضَّأ» (^٤) (^٥).
_________________
(١) قد يقوى قوَّةً صالحةً في بعض المواضع، وقد يضعف «الاقتراح» (ص ٢٢٤).
(٢) في ب تحت «ضَعُف» بخطِّ النَّاسخ نفسه: «أي: هذا الظنُّ».
(٣) عبارة «الاقتراح» (ص ٢٢٥): «وممَّا قد يضعُف فيه: أن يكون مدرَجًا في أثناء لفظ الرَّسول -ﷺ-، لا سيَّما إذا كان مقدَّمًا على اللَّفظ المرويِّ، أو معطوفًا عليه بواو العطف».
(٤) أخرجه بهذا اللَّفظ ابنُ شاهين في كتاب «الأبواب» - كما في «النُّكت الوفيَّة» (١/ ٥٤١) -.
(٥) بتقديم لفظ (الأنثيين) على (الذَّكَر)، فهاهنا يضعف الإدراج؛ لما فيه من اتِّصال هذه اللَّفظة بالعامل، الذي هو من لفظ رسول الله -ﷺ-. «الاقتراح» (ص ٢٢٥).
[ ٧٣ ]
[تصنيف الخطيب في المدرج]:
* ز: وقد صنَّف فيه الخطيبُ تصنيفًا كبيرًا (^١) (^٢)، وكثيرٌ منه غيرُ مُسلَّمٍ له إدراجه. •
* ألفاظ الأداء:
[«حدَّثنا» و«سمعت»]:
* فـ «حدَّثنا» و«سمعتُ» لما سَمِع من لفظ الشَّيخ، واصطُلِح على أنَّ «حدَّثني» لما سمعتَ منه وحدَك، و«حدَّثنا» لما سمعتَه مع غيرك، وبعضهم سوَّغ «حدَّثنا» فيما يقرؤه هو على الشَّيخ (^٣).
[«أخبرنا»]:
* وأمَّا «أخبرنا» فصادقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشَّيخ، أو قرأه هو، أو قرأه آخر على الشَّيخ وهو يسمع.
فلفظ الإخبار أعمُّ من التَّحديث (^٤)، و«أخبرني» للمنفرد.
[تسوية المحقِّقين بين «حدَّثنا» و«أخبرنا»]:
* وسوَّى المحقِّقون - كمالكٍ والبخاريِّ - بين «حدَّثنا» و«أخبرنا» (^٥) (^٦)، والأمر في ذلك واسعٌ.
_________________
(١) «كبيرًا» زيادة من م.
(٢) واسم كتابه: «الفصل للوَصْل المُدرَج في النَّقل»، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور محمَّد بن مطر الزَّهراني -﵀-، في دار هجر.
(٣) وهو بعيدٌ من الوضع اللُّغوي. «الاقتراح» (ص ٢٢٦).
(٤) فكلُّ تحديثٍ إخبارٌ، ولا ينعكس. «الاقتراح» (ص ٢٢٦).
(٥) في م وب زيادة: «وسمعتُ»، والأصل موافقٌ لـ «الاقتراح» (ص ٢٢٧).
(٦) فكلٌّ من اللَّفظين عندهم يُستَعمل فيما سُمِع من لفظ الشَّيخ، وفيما قُرِئ عليه وهو يسمع. «الإلماع» (ص ١١٦).
[ ٧٤ ]
[«أنبأنا»]:
* فأمَّا «أنبأنا» (^١) فكذلك (^٢)، لكنَّها غلبت في عُرْف المتأخِّرين على الإجازة.
[ترادف الحديث والخبر والنَّبأ لغة]:
* ز: وقولُه تعالى: ﴿قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣] دالٌّ على التَّساوي، فالحديث والخبر والنَّبأ مترادفات (^٣). •
[من اصطلاحات المغاربة في الإجازة]:
* وأمَّا المغاربة فيُطلِقون «أخبرنا» على ما هو إجازة، ز: حتَّى إنَّ بعضهم يُطلِق في الإجازة «حدَّثنا»، وهذا تدليس (^٤).
[«قال لنا»]:
* ومن النَّاس من عدَّ «قال لنا» إجازةً ومناولة (^٥).
[من صور التَّدليس في ألفاظ الأداء]:
* ومن التَّدليس: أن يقول المحدِّث عن الشَّيخ الذي سَمِعه في أماكنَ لم يسمعها: «قُرِئ على فلان: أخبرك فلانٌ»، فربَّما
_________________
(١) في ب زيادة: «وأنا»، وهي اختصار «أخبرنا»، وإثباتها خطأ؛ لتقدُّم الكلام على (أخبرنا)، ولأنَّه سيأتي بعد جملٍ بيانُ أنَّ استعمال (أخبرنا) في الإجازة مصطلحٌ لبعض المغاربة، ويؤيِّد ذلك أنَّها لم ترد في «الاقتراح».
(٢) فالمتقدِّمون يُطلِقونها بمعنى (أخبرنا) أو (حدَّثنا). «الاقتراح» (ص ٢٢٧).
(٣) أي: في اللُّغة، ووجه الدَّلالة من الآية في قوله تعالى في صدر الآية: ﴿وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾، فسمَّى الحديث نبأً، والحديث بمعنى الخبر؛ لقوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾، وانظر: «الإلماع» (ص ١٣٠).
(٤) قبيحٌ، كما في «تاريخ الإسلام» (١٤/ ١١٣).
(٥) قال أبو جعفرٍ الحِيْريُّ: «كلُّ ما قال البخاريُّ: (قال لي فلانٌ)؛ فهو عرضٌ ومناولة»، وقال ابن منده: «أخرج البخاريُّ في كتبه الصَّحيحة وغيرها (قال لنا فلانٌ)، وهي إجازة» انظر: «الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٥١٧).
[ ٧٥ ]
فعل ذلك الدَّارقطنيُّ يقول: «قُرِئ على أبي القاسم البغوي: أخبرك فلانٌ» (^١)، وقال أبو نُعَيم: «قُرِئ على عبد الله (^٢) بن جعفر بن فارس، حدثنا هارون بن سليمان» (^٣).
* ومن ذلك: «أخبرنا فلانٌ من كتابه»، رأيتُ ابنَ مُسْدِي (^٤) يفعله، وهذا لا ينبغي؛ فإنَّه تدليس، والصَّواب قولُك (^٥): «في كتابه» (^٦) (^٧).
_________________
(١) نسب ذلك إليه ابنُ طاهرٍ في «أطراف الأفراد» (١/ ٣٢).
(٢) في م وب: «أبي عبد الله»، وهو تصحيف.
(٣) قال المصنِّف في «السِّير» (١٧/ ٤٦١): «رأيتُه يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارسٍ - الذي سمع منه كثيرًا وهو أكبر شيخ له -: (أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قُرِئ عليه)، فيُوْهِم أنَّه سمعه، ويكون ممَّا هو له بالإجازة، ثمَّ إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهبٌ معروفٌ قد غلب استعماله على محدِّثي الأندلس، وتوسَّعوا فيه، وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في … الشُّيوخ الذين قد عُلِم أنَّه ما سمع منهم بل له منهم إجازة؛ كان له سائغًا، والأحوط تجنُّبه»، انظر: «فتح المغيث» (٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨).
(٤) في الأصل: «ابن مسيَّب»، وفي م: «مسدد» وعليها علامة الإشكال، والتَّصويب من «الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٥٢٨)، فإنَّه ذَكَر صورًا من تدليس الإجازة إذا شافَهَ بها المجيزُ المجازَ له أو كاتبه بها، ثمَّ قال: «وأشدُّ من ذلك تدليسًا: أخبرنا فلانٌ من كتابه، وكان الحافظ أبو بكر بن مُسْدِي يفعله»، وهو الحافظ أبو بكر محمَّد بن يوسف بن مُسْدِي الأندلسي، قال المصنِّف في «تاريخه» (١٥/ ٩١) وابن حجرٍ في «تعريف أهل التَّقديس» (ص ٩٢): «كان يُدلِّس الإجازة»، وأورده ابن حجر في الطَّبقة الأولى.
(٥) في ب: «قوله».
(٦) في م: «من كتابه»، وهو تصحيف.
(٧) والمراد: أنَّ شيخه كتب إليه بهذه الإجازة، وقوله: «من كتابه» يُوْهِم أنَّه سمع شيخه وهو يُحدِّثه من كتابه.
[ ٧٦ ]
* ومن التَّدليس: أن يكون قد حضر «جزءًا» (^١) على شيخ وهو ابن سنتين أو ثلاث، فيقول: «أخبرنا فلان (^٢)»، ولم يقل: «وأنا حاضر»؛ فهذا الحضور العَرِيُّ عن إذن المُسْمِع لا يُفيد اتِّصالًا، بل هو دون الإجازة؛ فإنَّ الإجازة نوعُ اتِّصالٍ عند أئمَّة (^٣).
وحضورُ ابنِ (^٤) عامٍ أو عامين إذا لم يَقترن بإجازةٍ كلا شيء، إلَّا أن يكون حضوره على شيخٍ حافظٍ أو مُحدِّثٍ يَفْهَم (^٥)، فيكون إقراره بكتابة اسم الطِّفل بمنزلة الإذن منه له في الرِّواية (^٦).
[«قال»]:
* ومن صُوَر الأداء: حدَّثنا حَجَّاج بن محمَّد قال: (قال (^٧) ابن جُرَيج)، فصيغة «قال» لا تدلُّ على اتِّصال (^٨).
_________________
(١) في ب: «طفلٌ».
(٢) في ب: «أنبأنا فلان»، ولا يستقيم بها المعنى؛ لأنَّ (أنبأنا) تُستعمل عند المتأخِّرين في الإجازة لا السَّماع.
(٣) «عند أئمَّة» زيادة من م وب.
(٤) «ابن» زيادة من ب، وليست في «الشَّرح المطوَّل للعقود» (ص ٥١٠).
(٥) ضُبطت في الأصل: (يُفْهِم)، وهو خطأ، فإنَّه لا يتأتَّى إفهامُ ابن عامٍ أو عامين الإجازة، وليس ذلك بشرطٍ عندهم، وفي ب: «وهو يَفْهَم ما يُحدِّثه»، ولعلَّها حاشية أدخلها النَّاسخ في النَّص.
(٦) والإجازة أجودُ من الحضور في القوَّة …، أمَّا إذا كان مع الحضور إذنٌ من الشَّيخ في الرِّواية فهو أجود، قاله المصنِّف في «السِّير» (١٨/ ٣٦٩).
(٧) في ب: «قال» مرة واحدة.
(٨) أي: في نفسها، ومع ذلك فهي محمولةٌ على السَّماع بالشَّرط المذكور في المعنعن، وهو إذا عُلِم اللُّقي، وسَلِم من التَّدليس، لا سيَّما من عُرِف من حاله أنَّه لا يروي إلَّا ما سمعه، كحجَّاج بن محمَّدٍ الأعور، فروى كتب ابن جُرَيجٍ بلفظ: (قال ابن جُرَيج)، فحملها النَّاس عنه، واحتجُّوا بها، قاله العراقيُّ في «شرح التَّبصرة والتَّذكرة» (١/ ٣٩٠)، وما سيأتي تفريعٌ على ذلك.
[ ٧٧ ]
* وقد اغتُفِرَت في الصَّحابة، كقول الصَّحابي: «قال رسول الله -ﷺ-»، فحُكْمها الاتِّصال إذا كان ممَّن تُيُقِّن سماعُه من رسول الله -ﷺ-، فإن كان لم يكن له إلَّا مُجرَّدُ رؤية، فقوله: «قال رسول الله -ﷺ-» محمولٌ على الإرسال (^١)، كمحمود بن الرَّبِيع (^٢)، وأبي أُمامة بن سَهْل، وأبي الطُّفَيل (^٣)، ومروان (^٤).
* وكذلك «قال» من التَّابعيِّ المعروف بلقاء ذلك الصَّحابي، كقول عروة: «قالت عائشة»، وكقول ابن سيرين: «قال أبو هريرة» - ﵄ -؛ فحكمه الاتصال.
[مراتب صيغ الأداء]:
* وأرفع من لفظةِ «قال»: لفظةُ «عن»، وأرفع من «عن»:
_________________
(١) لكن لا يُقال إنَّه مقبولٌ كمراسيل الصَّحابة؛ لأنَّ رواية الصَّحابة إمَّا أن تكون عن النَّبيِّ -ﷺ-، أو عن صحابيٍّ آخر، والكلُّ مقبول، واحتمال كون الصَّحابيِّ الذي أدرك وسمع يروي عن التَّابعين بعيدٌ جدًّا، بخلاف مراسيل هؤلاء، فإنَّها عن التَّابعين بكثرة، فقوي احتمال أن يكون السَّاقط غيرَ صحابيٍّ، وجاء احتمال كونه غيرَ ثقة، قاله في «فتح المغيث» (٢/ ٢٧٣).
(٢) «كمحمود» زيادة من م وب.
(٣) واسمه: عامرِ بن واثلة، وهو آخر من ضُبِطت وفاته ممَّن رأى النَّبيَّ -ﷺ-.
(٤) يعني ابنَ الحَكَم القرشيَّ الأُمَويَّ، ولم يصحَّ له سماعٌ من رسول الله -ﷺ-، لكن له رؤيةٌ إن شاء الله، قاله المصنِّف في «تاريخه» (٢/ ٧٠٦).
[ ٧٨ ]
«أخبرنا» و«ذَكَر لنا» و«أنبأنا»، وأرفع من ذلك: «حدثنا» و«سَمِعْتُ».
* وأمَّا في اصطلاح المتأخِّرين، فـ «أنبأنا» و«عن» و«كَتَب إلينا» واحدٌ. •
* المقلوب:
[تعريف المقلوب]:
* هو ما رواه الشَّيخ بإسنادٍ لم يكن كذلك، فيَنْقِلب عليه ويَنِطُّ (^١) من إسناد حديثٍ إلى متنِ آخرَ بعده، ز: أو أن ينقلبَ عليه اسمُ راوٍ، مثل «مُرَّة بن كَعْب» بـ «كَعْب بن مُرَّة»، و«سَعْد بن سِنان» بـ «سِنَان بن سَعْد». •
[حكم من وقع منه القَلْب]:
* فمن فَعَل (^٢) ذلك خطأً؛ فقريبٌ (^٣)، ومَن تعمَّد ذلك وركَّبَ متنًا على إسنادٍ ليس له؛ فهو «سارقُ الحديث»، وهو الذي يُقال في حقِّه: «فلانٌ يسرقُ الحديث»، ومِن ذلك: أن يسرقَ حديثًا ما سمعه، فيدَّعيَ سماعَه من رجل (^٤).
_________________
(١) في «القاموس» (نطط): «نطَّ في الأرض يَنِطُّ: ذَهَب».
(٢) في الأصل وب: «يعُدُّ»، والمثبت من م.
(٣) أُلحِق في ب بين السُّطور: «أن يتفطَّن ويجد الصَّواب»، ولعلَّها حاشية.
(٤) فيُستفاد من هذا أنَّ سرقة الحديث: تركيبُ متنٍ على إسنادٍ ليس له عمدًا، وقال المصنِّف في «تاريخه» (٥/ ٨١٢): «سرقة الحديث: أن يكون محدِّثٌ ينفرد بحديث، فيجيء السَّارق ويدَّعي أنَّه سمعه أيضًا من شيخ ذاك المحدِّث».
[ ٧٩ ]
* ز: وإن سَرَق فأَتى بإسنادٍ ضعيفٍ لمتنٍ لم يثبت سندُه؛ فهو أخفُّ جُرْمًا ممَّن سَرَق حديثًا لم يصحَّ متنُه وركَّب له إسنادًا صحيحًا؛ فإنَّ هذا نوعٌ من الوضع والافتراء، فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام؛ فهو أعظمُ إثمًا، وقد تبوَّأَ بيتًا في جهنَّم (^١).
* وأمَّا سَرِقةُ السَّماع وادِّعاءُ ما لم يَسمع من الكتب والأجزاء، فهذا كذبٌ مجرَّد، ليس من الكذب على الرَّسول -ﷺ-، بل من الكذب على الشُّيوخ، ولن يُفِلحَ مَن تعاناه، وقلَّ مَن سَتَر الله عليه منهم، فمنهم مَن يَفتضِحُ في حياته، ومنهم من يَفتضِحُ بعد وفاته، فنسأل الله السِّتر والعفو. •
* * * * *
_________________
(١) يشير بذلك إلى حديث: «من كَذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ بيتًا في جهنَّم» رواه أحمد بهذا اللَّفظ (٢٨/ ٦٥٧ رقم ١٧٤٥٧)، ولفظ الصَّحيحين: «فليتبوَّأ مقعده من النَّار» البخاري (١١٠) ومسلم (٣).
[ ٨٠ ]