بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد وَعَلَى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ علم الحَدِيث دراية ورِوَايَة من أشرف العلوم وأجلها، بل هُوَ أجلها عَلَى الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هُوَ أصل الدِّين ومنبع الطَّرِيق المستقيم، فالحديث هُوَ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ منه شارح لكتاب الله تَعَالَى مبين لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
وعلم الحَدِيث تتفرع تحتهُ علوم كثيرة، ومن تِلْكَ العلوم: علم مصطلح الحَدِيث: وَهُوَ العلم الذي يكشف عَنْ مصطلحات المحدّثين التي يتداولونها فِي مصنفاتهم ودروسهم. وَكَانَ من أحسن تِلْكَ الكتُب كِتابُ الحافظ أبي عَمْرو عُثْمَان ابن عبد الرَّحْمَانِ الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ) المسمى "مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيث" (٢)، قَالَ الحافظ ابن حَجَر: «هذب فنونه وأملاه شيئًا بعد شئ، فلهذا لَمْ يحصل ترتيبه عَلَى الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخَطِيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع فِي كتابه مَا تفرق فِي غيره، فلهذا عكف النَّاس عَلَيْهِ، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم لَهُ
_________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) طبع بتحقيقنا عَنْ دار الكتب العلمية بيروت ٢٠٠٢.
[ ١ / ٥ ]
ومُخْتَصَر ومستدرك عَلَيْهِ ومقتصر ومعارض لَهُ ومنتصر» (١).
وكَانَ من أحسن تِلْكَ الكتب التي اعتنت بكتاب ابن الصلاح كِتَابُ الحافظ العراقي " شرح التبصرة والتذكرة " (٢)، إذ نظم الحافظ العراقي كِتَاب ابن الصلاح بألفية من الشعر سماها: " التبصرة والتذكرة " ثُمَّ شَرح الألفية بكتابه: " شَرْح التبصرة والتذكرة ". ومنذ ظهور ذَلِكَ الكتاب النفيس اهتم العلماء بهذَا النظم والشرح.
ومن أولئك الذين اعتنوا "بشرح التبصرة والتذكرة " الحافظ ابن حَجَر العسقلاني، وهذا الكتاب الذي بَيْنَ يديك، إنما هُوَ من نتاج ابن حَجَر، جمعه ورتبه تلميذه النجيب البقاعي وأضاف عَلَيْهِ؛ حَتَّى خرج بِهَذه الحلة الطيبة المباركة.
إذ صرح البقاعي نفسه فِي أول مقدمته فَقَالَ: «قيدت فِيهَا مَا استفدته من تحقيق تلميذه، شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر أبي الفضل شِهَابِ الدِّين أحمد بن عَلَيِّ بن حَجَر الكناني العسقلاني، ثُمَّ المصري الشَّافِعِيّ قاضي القضاة بالديار المصرية أيام سماعي لبحثها عَلَيْهِ، بارك الله فِي حياته وأدام عموم النفع ببركاته سميتها "النكت الوفية بما فِي شَرْح الألفية"، واعلم أن مَا كَانَ فيها من بحثي صدرته فِي الغالب بقلت، وختمته بقولي: والله أعلم » (٣). ومن يطالع الكتاب لأول وهلة يجد أن مَا لَمْ يصدره بـ: «قُلْتُ» أكثر بكثير مِمَّا صدره بـ «قلت». مِمَّا يدلنا عَلَى أن غالب الكتاب منقول عَنْ لسان الحافظ ابن حَجَر زيادة عَلَى النصوص الكثيرة التي صرح فِيهَا بالنقل عَنْهُ.
ولأهمية هَذَا الكتاب ونفاسته ومعرفتي بقيمته العلمية من خلال تحقيقينا
_________________
(١) نزهة النَّظَرِ: ٤٦ - ٥١ تحقيق علي الحلبي.
(٢) طبع بتحقيقنا عَنْ دار الكتب العلمية ٢٠٠٢.
(٣) ويظهر لمن يطالع الكتاب أن ما صدره بـ (قلت)، وختمه بـ (الله أعلم) لا يمثل عُشر الكتاب.
[ ١ / ٦ ]
" لشرح التبصرة والتذكرة " أردت إخراج هَذَا الكتاب من حيز المخطوط إِلىَ عالم المطبوعات، وقد منّ الله عَلَيَّ بأن وقفت عَلَى أربع نسخ خطيّة من الكتاب. إحداهما نسخة نفيسة مقروءة عَلَى المؤلف، وعليها خطه فِي مواضع كثيرة من حواشي المخطوط، وقد كتبها الشيخ العالم شِهَاب الدِّين أحمد بن مُحَمَّد بن عُمَرَ الحمصي سنة (٨٨٠هـ) وبعد: فهذا كِتَابُ: " النكت الوفية بما فِي شَرْح الألفية " للبقاعي، أقدمه لمحبي المصطفى - ﷺ - السائرين عَلَى هديه الراجين شفاعته يَوْم القيامة، قد خدمته الخدمة التي توازي تعلقي بسنة سيدنا المصطفى - ﷺ -، وبذلت فِيهِ مَا وسعني من جهد ومال ووقت، ولم أبخل عَلَيْهِ بشيء من الوقت، وَكَانَ الوقت الذي قضيته فِيهِ كله مباركًا.
وكتب
ماهر بن ياسين بن فحل الدكتور
شيخ دار الحديث في العراق
٢٦/ شعبان /١٤٢٥
[ ١ / ٧ ]
البقاعي وكتابه النكت
اسمه ونسبه (١):
هُوَ إبراهيم بن عُمَرَ بن حَسَن الرباط بن أبي بَكْر البقاعيُّ الشَّافِعِيُّ، برهان الدِّين أبو الحَسَن.
ولادته (٢):
ولد إبراهيم بن عُمَرَ بن الحسن البقاعي سنة (٨٠٩ هـ) فِي قرية «خربة روحا» من عمل البقاع (٣) في سوريا.
وقد ذكر البقاعي ولادته بقوله: «فِي ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى وعشرين وثمان مئة أوقع ناس من قريتنا (خربة روحا) من البقاع يقال لَهُم: بنو مزاحم بأقاربي بني الحسن من القرية المذكورة فقتلوا تسعة أنفس وضُربتُ أنا بالسيف ثلاث ضربات، إحداها فِي رأسي فجرحتني وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة» (٤).
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ١٠١، ووجيز الكلام فِي الذيل عَلَى دول الإسلام للسخاوي ٣/ ٩٠٩، ونظم العقيان فِي أعيان الأعيان لجلال الدِّين السيوطي: ٢٤، وشذرات الذهب فِي أخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي ٧/ ٣٣٩، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع لمحمد بن علي الشوكاني ١/ ١٩، وتاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ١٦٨، والأعلام للزركلي ١/ ٥٦. وانظر: مقدمة كتاب الإعلام بسن الهجرة إلى الشام للبقاعي: ٥٥.
(٢) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠١، ونظم العقيان فِي أعيان الأعيان: ٢٤، وشذرات الذهب ٧/ ٣٣٩، والبدر الطالع ١/ ١٩، وتاريخ آداب اللغة العربية ٣/ ١٦٨، والأعلام ١/ ٥٦.
(٣) البقاع: جمع بقعة موضع يقال لَهَا: بقاع كلب، قريب من دمشق، وهو أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق، فِيهَا قرى كثيرة ومياه غزيرة نميرة. انظر: مراصد الاطلاع ١/ ٢١١.
(٤) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
[ ١ / ٩ ]
فبناءً عَلَى هَذَا الكلام تكون سنة ولادته (٨٠٩ هـ).
طلبه للعلم (١):
بدأ البقاعي طلبه للعلم بعد بلوغه الثانية عشرة من عمره وَكَانَ أول طلبه للعلم فِي دمشق بعد أن غادر قريته بقاع.
وهاهو البقاعي يحدثنا عَنْ طلبه للعلم بقوله: «فخرجنا من القرية المذكورة - خربة روحا - واستمرينا نتنقل فِي قرى وادي التيم والعرقوب وغيرهما إِلىَ أن أراد الله تَعَالَى بإقبال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدي إِلىَ دمشق» (٢).
فقد درس القراءات عَلَى بَعْض المشايخ، ثُمَّ درسها عَلَى يد الشيخ الشمس الجزري لما قدم إِلىَ دمشق سنة (٨٢٧ هـ) وقد أخذ الحَدِيث عَن الحافظ ابن حَجَر، ودرس الفقه عَلَى يد الشيخ التقي بن قاضي شهبة.
وقد استمر البقاعي فِي طلب العلم، فقد لازم القاياني والونائي وأخذ العلم عن سائر شيوخ عصره، حَتَّى مهر وبرع فِي العلم والفنون.
ودأب البقاعي فِي طلبه الحَدِيث، ورحل من أجل ذَلِكَ. فقد سمع من البرهان الحلبي والبرهان الواسطي، والتدمري، والمجد البرماوي، والبدر البوصري، وخلق يجمعهم معجمه الذي سماه " عنوان الزمان بتراجم الشيوخ الأقران ".
شيوخه:
أخذ البقاعي العلم عَلَى يد عدد من الشيوخ، نذكرهم عَلَى سبيل الذكر لاَ الحصر مرتبين حسب وفياتهم، ولم أتوسع فِي الكلام عنهم إلاَّ شيخه ابن حَجَر:
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠٢، ونظم العقيان فِي أعيان الأعيان: ٢٤، وشذرات الذهب ٧/ ٣٤٠، والبدر الطالع ١/ ١٩ - ٢٠.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٠ ]
أولًا: شمس الدِّين أبو الخير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلَيّ بن يُوسُف المعروف بابن الجزري الشَّافِعِيّ. (١) مقرئ المماليك الإسلامية، ولد بدمشق وتفقه بها ولهج بطلب الحديث والقراءات وبرز فيها، وعمر للقراء مدرسة سماها دار القرآن، وأقرأ الناس وعين لقضاء الشام مرة ولم يتم ذلك لعارض، توفي بشيراز فِي ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، ودفن بمدرسته التي بناها.
ثانيًا: تاج الدِّين مُحَمَّد بن ناصر الدِّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُسْلِم ابن عَلَيِّ بن أبي الجود الغرابيلي. قال ابن حجر: ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة، حيث كان جده لأمه حاكمًا ونقله أبوه إلى الكرك عمل أمرتها، ثم تحول به إلى القدس سنة سبع عشرة، فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب والمختصر الأصلي، وغيرها، توفي بالقاهرة فِي جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وثمان مئة (٢).
ثالثًا: شمس الدِّين مُحَمَّد بن عَلَيِّ بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب القاياتي (٣) -والقايات بلد قرب الفيوم وإليها نسب - ثم القاهري الشافعي قاضي القضاة ومحقق الوقت وعلامة الأفاق، برع في الفقه والعربية والأصليين والمعاني، وسمع الحديث وحدّث باليسير، وولي تدريس البرقوقية والأشرفية، وغيرها، توفي ليلة الاثنين الثامن عشر من المحرم سنة خمسين وثمانمئة بالقاهرة.
رابعًا: تقي الدِّين أبو بَكْر بن شِهَابِ الدِّين أحمد بن مُحَمَّد بن قاضي شهبة الشَّافِعِيّ، صاحب طبقات الشافعية، كان إمامًا علامة تفقه بوالده وغيره، وسمع من
_________________
(١) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٢٠٤ - ٢٠٦، والأعلام ٧/ ٤٥، ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٢١٥، ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٩٦.
(٣) انظر: نظم العقيان فِي أعيان الأعيان: ١٥٤، وشذرات الذهب ٧/ ٢٦٨، ومعجم المؤلفين ١١/ ٦١.
[ ١ / ١١ ]
أكابر أهل عصره، وأفتى ودرس وجمع وصنف، من مصنفاته: " شرح المنهاج "، و" لباب التهذيب "، و" الذيل على تاريخ ابن كثير "، وغير ذلك، توفي ليلة الْجُمُعَةِ ثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمان مئة (١).
خامسًا: شِهَابٍ الدِّين أبو الفضل أحمد بن عَلَيِّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلَيِّ ابن أحمد بن حَجَر الكناني العسقلاني الشَّافِعِيّ.
ولد فِي شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمئة عَلَى شاطئ النيل بمصر القديمة.
نشأ الحافظ ابن حَجَر يتيمًا، إذ مات أبوه فِي رجب سنة سبع وسبعين وسبعمئة، وماتت أمه قبل ذَلِكَ وَهُوَ طفل، وَكَانَ أبوه قد أوصى بِهِ إِلىَ رجلين ممن كَانَت بينه وبينهم مودة هما: زكي الدِّين أبو بَكْرِ بن نور الدِّين عَلَيٍّ الخروبي وَكَانَ تاجرًا كبيرًا بمصر. وثانيهما: العلامة شمس الدِّين بن القطان، الذي كَانَ لَهُ بوالده اختصاص فنشأ في كنف الوصاية فِي غاية العفة والصيانة، وَكَانَ الحافظ ابن حَجَر قد راهق ولم تعرف لَهُ صبوة ولم تضبط لَهُ زلة.
حفظ القرآن وَهُوَ ابن تسع سنين، وصلى بالناس التراويح إمامًا فِي المسجد الحرام، وَهُوَ ابن اثنتي عشرة سنة إبان مجاورته مَعَ وصيه الخروبي بمكة المكرمة، وحفظ بعد رجوعه إِلىَ مصر " عُمْدَة الأحكام " لعبد الغني المقدسي، و"الحاوي الصَّغِير" للقزويني، و"مُخْتَصَر ابن الحاجب الأصلي " و" الملحة " وغيرها.
وَكَانَ قد أُعطي حافظة قوية، فكان يحفظ كل يَوْمٍ نصف حزب من القرآن، وَكَانَ فِي غالب أيامه يصحح الصحيفة من " الحاوي الصَّغِير "، ثُمَّ يقرؤها مرة أخرى، ثُمَّ يعرضها فِي الثالثة حفظًا، لازم كثيرًا من الشيوخ من المحدّثين والفقهاء والقراء
_________________
(١) انظر: نظم العقيان فِي أعيان الأعيان: ٩٤، وشذرات الذهب ٧/ ٢٦٩، والأعلام ٢/ ٦١، ومعجم المؤلفين ٣/ ٥٧ - ٥٨.
[ ١ / ١٢ ]
واللغويين والأدباء، واستفاد من علومهم، وحبب إليه الحَدِيث النبوي فأقبل بكليته عَلَيْهِ وأخذ عَنْ مشايخ عصره، ولازم الحافظ العراقي عشر سنين وتخرج بِهِ وانتفع بملازمته. كَمَا لازم شيوخًا آخرين فِي الحَدِيث وفي فنون أخرى.
كَانَ ابن حَجَر واحدًا من هؤلاء الأفاضل الشغوفين بالعلم والتضلع فيه، فجال فِي طلب العلم فِي مصر والشام والحجاز واليمن، والتقى بعدد كبير من العلماء فِي هذه البلدان، وحمل عنهم شيئًا كثيرًا من العلم، واستفاد مِنْهُم وأفاد.
اهتم الحافظ ابن حَجَر بذكر شيوخه، وذكر أسمائهم فِي كثير من كتبه، وأعطى عنهم معلومات قيمة إِلىَ جانب ذَلِكَ فقد أفرد ذكرهم فِي كتابين عظيمين:
الأول: " المجمع المؤسس للمعجم المفهرس " ترجم فِيهِ لشيوخه وذكر مروياتهم بالسماع، أو الإجازة، أو الإفادة عنهم.
وَالثَّانِيَ: " المعجم المفهرس " وَهُوَ فهرس لمرويات الحافظ، ذكر فِيهِ شيوخه خلال ذِكرهِ لأسانيده فِي الكتب والأجزاء والمسانيد.
بلغ عدد شيوخه - سماعًا وإجازة وإفادة - نَحْوَ الخمس مئة شيخ عَلَى اختلاف بَيْنَ كتبِ التراجم.
وتتلمذ عَلَى يد الحافظ ابن حَجَر عدد كبير، قد توافدوا عَلَى مجالسه من كل حدب وصوب، وكثر طلبته حَتَّى كَانَ رؤوس علماء كل مذهب من تلامذته، حَتَّى ضاقت بهم مجالسه وامتلأت بجموعهم مدارسه.
بلغت مصنفات الحافظ ابن حَجَر أكثر من اثنين وثلاثين ومئة تصنيف من أهمها:
أ- فَتْح البَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ.
ب-تَهْذِيب التَّهْذِيب.
ج- لسان الميزان.
[ ١ / ١٣ ]
د- التلخيص الحبير.
هـ - الدرر الكامنة.
وتغليق التعليق.
ز- إنباء الغمر بأنباء العمر.
توفي ﵀ بعد حياة حافلة بالعلم النافع والعمل الصالح، فِي أواخر شهر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة (١).
سادسًا: علاء الدين أبو الفتوح عَلَيّ بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي ولد في القاهر في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وسبع مئة، ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه، وتفقه بعلماء عصره كالسراج البلقيني، وولده جلال الدين، والعز بن جماعة، وغيرهم، برع في الفقه والأصول والعربية والبيان والقراءات، وشارك في عدة علوم، وتصدى للإفتاء والتدريس والأشغال وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الأعيان، توفي في محرم سنة ست وخمسين وثمانمئة (٢).
سابعًا: المشدالي (٣) محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الصمد، أبو عبد الله مفتي بجاية (بالمغرب) وخطيبها، من مصنفاته: تكملة " حاشية الوانوغي على المدونة "، و" مختصر البيان " لابن رشد، و" الفتاوى " توفي سنة خمس وستين وثمانمئة (٤).
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب ٧/ ٢٧٠ - ٢٧٣، والبدر الطالع ١/ ٦١.
(٢) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ١٣٠، وشذرات الذهب ٧/ ٢٨٩.
(٣) ورد في الأعلام ٧/ ٥، ومعجم المؤلفين ١١/ ١٤٤ بلفظ المشذالي بالذال المعجمة.
(٤) ورد في الأعلام ٧/ ٥، ومعجم المؤلفين ١١/ ١٤٤. بأنه توفي في سنة (٨٦٦ هـ). وانظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ١٦٠.
[ ١ / ١٤ ]
ثامنًا: أبو الفضل كمال الدين بن بهادر بن محمد بن محمد المؤمني الشافعي من فضلاء الشافعية، ولد في طرابلس المغرب، وتعلم بالقاهرة وأقام فيها إلى أن توفي، له مصنفات منها: " فتوح النصر في تاريخ ملوك مصر "، ورسالة في ترجمة شيخه جلال الدين المحلي، و" الدرة المضية في الأعمال الجيبية "، وغير ذلك، توفي سنة سبع وسبعين وثمانمئة (١).
تاسعًا: تقي الدين أبو بكر بن محمد الحمصي المنبجي الحنبلي، قال العليمي: قرأ " العمدة " للشيخ الموفق و" النظم " للصرصري، ثم قرأ " المقنع " و" أصول الطوفي " و" ألفية ابن مالك "، وحفظ القرآن، واشتغل بالمنطق والمعاني والبيان وأتقن الفرائض والجبر والمقابلة، وتفقه على ابن قندس وأذن له في الإفتاء، وكان مشتغلًا بالعلم، ويسافر بالتجارة، وصحب القاضي عز الدين الكناني بالديار المصرية، توفي بالقاهرة في رجب سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة (٢).
تلامذته:
تتلمذ على يد البقاعي طلاب كثيرون أخذوا عنه وتأثروا بعلومه نذكر عددًا منهم على سبيل الذكر لا الحصر مرتبين حسب وفياتهم.
أولًا: محيي الدين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد بن عمر الرحلة مؤرخ دمشق وأحد محدثيها، قرأ على البرهان البقاعي مصنفه المسمى بـ" الإيذان "، وأجاز له به وبما تجوز له، وعنه روايته، وشيوخه كثيرون ذكرهم في تواريخه، وألف كتبًا كثيرة منها: " الدارس في تواريخ المدارس "، و" تذكرة الأخوان في حوادث الزمان "، و" تحفة البررة في الأحاديث المعتبرة"، وغير ذلك، توفي سنة سبع وعشرين وتسعمئة (٣).
_________________
(١) انظر: الأعلام ٧/ ٤٨ - ٤٩، ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٩٧.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٣٣٤.
(٣) انظر: شذرات الذهب ٨/ ١٥٣، والأعلام ٤/ ٤٣، ومعجم المؤلفين ٥/ ٣٠١.
[ ١ / ١٥ ]
ثانيًا: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عثمان الأنصاري الحمصي الدمشقي الشافعي المعتني بالحديث والعلم، وأخذ عن جماعة من الشاميين والمصريين وفوض إليه القضاء قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور، ثم سافر إلى مصر وفوض إليه القضاء أيضًا قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وكان يخطب مكانه بقلعة الجيل، وكان الغوري يميل إلى خطبته، ويختار تقديمه لفصاحته ونداوة صوته، ثم رجح إلى دمشق وخطب بجامعها عن قاضي قضاة الشافعية اللولوي بن الفرفور توفي يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وتسع مئة ودفن بباب الفراديس (١).
ثالثًا: رضي الدين أبو الفضل محمد بن رضي الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشَّافِعِيّ كان ﵀ ممن قطع عمره في العلم طلبًا وإفادة وجمعًا وتصنيفًا، أفتى ودرس وولي القضاء نيابة عن قريبه القطب الخيضري، وسنه آنذاك دون العشرين سنة، من مؤلفاته: " الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع " في الأصول، وألفية في التصوف سماها " الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد "، وغير ذلك، توفي سنة خمس وثلاثين وتسعمئة ودفن بمقبرة الشيخ رسلان (٢).
رابعًا: شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني الشافعي ولد سنة ستين وثمانمئة بدلجة، وحفظ القرآن العظيم بها، ثم دخل القاهرة فقرأ
" التنبيه" وغيره على علمائها، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها نحو ثلاثين سنة، وأخذ عن البرهان البقاعي، وغيره، وسافر إلى بلاد الروم واجتمع بسلطانها أبي زيد وحج من بلاد الشام، ثم عاد إلى القاهرة، كتب شرحًا على
_________________
(١) انظر: شذرات الذهب ٨/ ٢٠١، والأعلام ١/ ٢٣٣، ومعجم المؤلفين ٢/ ١٣٨.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٨/ ٢٠٩، ومعجم المؤلفين ١١/ ١٨٤.
[ ١ / ١٦ ]
" الخزرجية "، وشرحًا على " الأربعين النووية " وغيرها، توفي بالقاهرة سنة سبع وأربعين وتسعمئة (١).
مصنفاته (٢):
صنف البقاعي تصانيف متنوعة وكثيرة، منها:
١. عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران.
٢. عنوان العنوان وهو مختصر عنوان الزمان.
٣. أسواق الأشواق اختصر به مصارع العشاق.
٤. الباحة في علمي الحساب والمساحة.
٥. الإباحة في شرح الباحة في علم الحساب والمساحة.
٦. أخبار الجلاد في فتح البلاد.
٧. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٣) يعرف بمناسبات البقاعي، أو تفسير البقاعي.
٨. بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة ورقة.
٩. جواهر البحار في نظم سيرة المختار.
١٠. الإعلام بسن الهجرة إلى الشام، وهو كتاب مطبوع متداول.
١١. مصرع التصوف.
_________________
(١) انظر: شذرات الذهب ٨/ ٢٧٠، والأعلام ٧/ ٥٦ - ٥٧، ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٦٥.
(٢) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤، وتاريخ آداب اللغة العربية ٣/ ١٦٨، والأعلام ١/ ٥٦، ومعجم المؤلفين ١/ ٧١.
(٣) ورد اسم هذا المصنف عند الحافظ جلال الدين السيوطي باسم الجوهر والدرر في مناسبة الآي والسور. انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤.
[ ١ / ١٧ ]
١٢. تهذيب الجمل في مختصر نهاية الأمل في المنطق - للخونجي - (١)
١٣. مختصر في السيرة النبوية والثلاثة الخلفاء.
١٤. القول المفيد في أصول التجويد، وهو مطبوع.
١٥. سر الروح اختصره من كتاب الروح لابن القيم الجوزية، وهو مطبوع ومتداول.
١٦. مصارع النظر للأشواق على مقاصد السور.
١٧. النكت الوفية بما فِي شرح الألفية (٢).
١٨. النكت على شرح العقائد.
١٩. كناية القارئ في رواية أبي عمرو.
٢٠. الاطلاع على حجة الوداع.
٢١. إشعار الواعي بأشعار البقاعي وهو ديوان شعر (٣).
٢٠. تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن العربي، وبسبب هذا التأليف تناولته الألسن، وكثر الرد عليه. فممن رد عليه السيوطي بكتابه تنبيه الغبي بتبرئة ابن العربي.
ثناء العلماء عليه:
كان لتبكير البقاعي ﵀ في طلب العلم، ولما خلفه لنا من ثروة هائلة من المصنفات في شتى العلوم، الأثر البالغ في نفوس العلماء، فراحوا يثنون عليه بالأقوال الحسان، وفيما يأتي ذكر لبعض أقوالهم:
_________________
(١) انظر: كشف الظنون ١/ ٦٠٢.
(٢) وهو الذي بين يديك.
(٣) انظر: أشعار البقاعي في كتاب نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٥.
[ ١ / ١٨ ]
أولًا: جلال الدين السيوطي: فقد وصفه بأنه: «علامة محدّث حافظ، وبأنه مهر وبرع في الفنون وله تصانيف كثيرة حسنة» (١).
ثانيًا: ابن عماد الحنبلي: فقد وصفه بأنه: «المحدّث المفسر الإمام العلامة المؤرخ، وبأنه كان من أعاجيب الدهر وحسناته» (٢).
ثالثًا: محمد بن علي الشوكاني: فقد وصفه بأنه: «من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف وأنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول» (٣).
نقد العلماء له والكلام عليه:
أولًا: السخاوي: فقد وصفه بقوله: « ولكن أضله التيه، وحب الشرف والسمعة، وأنزل نفسه محلًا لم ينته لعشره بحيث زعم أنه قيم العصرين بكتاب الله وسنة رسوله، وأنه أبدى ببديهته جوابًا مكث التقي السبكي واقفًا عنه أربعين سنة، وإنه لا يخرج عن الكتاب والسنة بل هو متطبع بأطباع الصحابة مع رميه للناس بما يقابله الله عَلَيْهِ، حتى أنه طعن في حافظ الشام ابن ناصر الدين إلى غيره من الأكابر كالقاياتي والنويري، وما سلم منه أحد وليس بثقة ولا صدوق» (٤).
وقد انتقده السخاوي أيضًا في كتابه " الضوء اللامع " عندما ترجم له فقد ملأ ترجمته بالسب والعيب والانتقاص والمثالب فقد قال عنه: «وركب البحر في عدة غزوات، ورابط غير مرة، الله أعلم بنيته في ذلك كله، وأنه رمى الناس بالقذف والفسق والكذب والجهل، وذكر ألفاظ لا تصدر من عاقل وأمورًا متناقضة وأفعالًا
_________________
(١) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٣٤٠.
(٣) انظر: البدر الطالع ١/ ٢٠.
(٤) انظر: وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام للسخاوي ٣/ ٩٠٩ - ٩١١.
[ ١ / ١٩ ]
سيئة وحقدًا تامًا وما علمت أحدًا سلم من أذاه لا الشيوخ ولا الأقران ولا من يليهم من كل بلد دخله» (١).
ثانيًا: السيوطي: انتقده السيوطي بسبب تأليفه لكتاب " تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن العربي " فقد رد عليه السيوطي بكتابه "تنبيه الغبي بتبرئة ابن العربي" (٢).
وفاته:
توفي برهان الدين البقاعي ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين وثمان مئة، بعد أن تفتت كبده من مكابدة الشدائد ومناهدة العظائم، وصلى عليه من الغد بالجامع الأموي، ودفن بالحميرية خارج دمشق من جهة قبر عاتكة (٣).
وقد رثى نفسه في حياته لموته فقال (٤):
نعم إنني عما قريب لميت ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
كأني بي أنعى إليك وعندها ترى خبرًا صمت له الآذانِ
فلا حسد يبقى إليك وَلاَ قلى فتنطق من مدحي بأي معانِ
وتنظر أوصافي فتعلم أنها علت عن مدان في أعز مكانِ
ويمسي رجال قد تهدم ركنهم فمدمعهم لي دائم الهملانِ
فكم من عزيز بي يذل جماحه ويطمع فيه ذو شقا وهوان
فيا رب من يفاجا بهوان بوده ولو كنت موجودًا إليه دعاني
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) نقلًا من كتاب شذرات الذهب ٧/ ٣٤٠.
(٣) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠٧، وكشف الظنون ٢/ ٥٧٤، وشذرات الذهب ٧/ ٣٤٠، والبدر الطالع ١/ ٢١، وتاريخ آداب اللغة العربية ٣/ ١٦٨، والأعلام ١/ ٥٦، ومعجم المؤلفين ١/ ٧١.
(٤) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠٧ - ١٠٨، والبدر الطالع ١/ ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٢٠ ]
ويا رب شخص قد دهته مصيبة لها القلب أمسى دائم الخفقانِ
فيطلب من يجلو صداها فلا يرى ولو كنت جلتها يدي ولساني
وكم ظالم نالته مني غضاضة لنصرة مظلوم ضعيف جنانِ
وكم خطة سامت ذويها معرة أعيذت بضرب من يدي وطعانِ
فإن يرثني من كنت أجمع شمله بتشتيت شملي مَا الوفاء رثاني
وإلا نعاني كل خلق ترفعت به هممي عن شائن وبكاني
[ ١ / ٢١ ]
دراسة كتاب " النكت الوفية بما في شرح الألفية "
لعلنا لا نغادرُ أرضَ الواقعِ والحقيقةِ إذا قلنا: أنَّ شرحَ الحافظِ العراقيِّ منْ أكثرِ الشروحِ أصالةً في مادتهِ العلميةِ، وأوفرِها إغناءً لجوانبِ البحثِ العلميِّ، فقدْ حوى الكتابُ الكثيرَ من النقولاتِ لأئمةِ هذا الفنِّ وعُمَدِهِ فاستغنى بها، وأجادَ وأفادَ مع الأصالة التامة والإبداع الفائق والأسلوب الرصين؛ حتى أصبح هذا الكتَاب منَ المراجعِ الجليلةِ لعلمِ مصطلحِ الحديثِ، ولا غنيةَ لطَالبِ العلمِ عنهُ.
ولا ريبَ أن لا حفظَ لكتابٍ عن الخطأِ والتحريفِ والتصحيفِ خلا كتاب اللهِ تعالى، فمنَ البَدهي أنْ يعتري هذا الجهد البشري - الذي لا يخلوا من نقصٍ جُبِلَت عليهِ فطرة النَّاس التي فطرهم اللهُ عليها -بعضَ الهناتِ هنا وهناكَ، وفي هذا يقولُ العمادُ الأصبهانيُّ: «إنَّهُ لا يكتبُ إنسانٌ كتابًا في يومهِ إلا قالَ في غدهِ: لو غُيِّرَ هذا لكانَ أحسن، ولو زِيدَ هذا لكانَ يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكانَ أفضل، ولو تُركَ هذا لكانَ أجمل، وهذا منْ أعظمِ العبرِ، وهو دليلٌ على استيلاءِ النقصِ على جملةِ البشرِ»، وقدْ دأبَ أهلُ العلمِ الفضلاءِ في تتبعِ أمهاتِ الكتبِ نفيًا لما جاءَ فيها من تقصيرٍ، وتصحيحًا لبعضِ ما شابها من أخطاءٍ خدمةً لدينِ اللهِ، وابتغاءً لمرضاتهِ جلَّ في علاه المتمثل بخدمَةِ سنةِ الرسولِ - ﷺ - الدليل الثاني منْ أدلةِ الدينِ الحنيفِ؛ لذا جاءَ كتابُ " النكتِ الوفيةِ بما في شرح الألفية " للعلامةِ البقاعيِّ على هذا النهجِ، وهذا المنوالِ ليُتممَ فوائدَ هذا الشَّرحِ الجليلِ العلمية، ويحل بعضَ ما غمضَ وأبهم من عباراتِهِ وجملِهِ، فاكًا لكلِّ لبسٍ قد يَظهرُ للقارئ حولها، ومستدركًا لبعضِ ما وردَ فيهِ منَ الهفواتِ التي لا يخلوا منها عملُ إنسانٍ -وكما قدَّمت قبلَ قليلٍ - ومنبهًا على جوانب علميةٍ فريدةٍ حواهَا هذا السفرُ العظيمُ، وفيما يأتي أوجزُ بعضَ هذهِ السماتِ التي تمتعَ بها كتابُ " النكتِ الوفيةِ بما في شرح الألفية " وبعضَ ما امتازَ بهِ، فأقول وبالله التوفيق:
[ ١ / ٢٢ ]
١ - تَضمَّنَ كتاب " النكتِ الوفيةِ بما في شرح الألفية " اعتراضات على بعضِ الأبياتِ الشعريةِ من ألفيةِ الإمامِ العراقيِّ موردًا ما يراهُ أولى بالنَّظمِ وأتم للفائدةِ وأشمل، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٨٠ و١٣٤ و١٣٩ و٣١٥ و٣٤٨ و٣٦٣ و٤٤٥ و٤٥٧ و٥٤١ و٥٤٤ و٦١٥ و٢/ ١٠ و٦٢ و١٠١ و١٤٤ و١٤٧ و٢٣٥ و٢٧٧.
٢ - لم يتقيد العلامةُ البقاعيُّ في حرفيةِ النقلِ حينما ينقلُ من الكتبِ الأخرى مستدلًا بهذه النقولاتِ أو موضحًا لرأيٍ أو عبارةٍ، بل تصرَّفَ في كثيرٍ منَ الأحيانِ، ولكن مع المحافظةِ على روحِ النَّصِ والتقيدِ بمعناه، وكثيرًا ما كانَ يصرِّحُ بذلكَ عقبَ انتهاءِ نقلهِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٦٨ و٨٩ و١٥٣ و٢٠٨ و٤٤٢ و٢/ ١٤١.
٣ - نقلَ كثيرًا من الفوائدِ العلميةِ في علمِ مصطلحِ الحديثِ ومناهجِ المحدّثينَ عن شيخهِ الحافظِ ابن حجر، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٧٥ و٧٧ و٨٩ و١٢٤
و١٢٦ و١٤١ و١٤٢ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٨ و١٤٩ و١٥٦ و١٥٩ و١٦٨ - ١٦٩ و٢٩١ و٤٠٩، وبعضها لا نجده عند غير البقاعي مما يعطينا مادة علمية إضافية عن الحافظ ابن حجر.
٤ - أورد العلامة البقاعي في " النكت الوفية بما في شرح الألفية " ذكرًا لكثيرٍ منْ نوادرِ الكتبِ والتي لم تصلْ إلينا لسبب ما، ناقلًا منها عباراتٍ متنوعةٍ، واصفًا بعضها بأبرزِ سماتها وموضحًا أثرهَا العلمي، انظر على سبيل المثالِ: ١/ ٦٣ و٨٧ و٩٠ و١٠٢ و١٧٠ و٢٠٣ و٣١٧ و٥٤١.
٥ - تكررت في كتابهِ عبارات: «وبخطِّ بعضِ أصحابنا»، و«قالَ بعضُ أصحابنا»، و«قالَ صاحبنا»، وقد أبهمَ فيها اسمَ منْ نقلَ عنه، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٧٧ و١١٥ و١١٦ و١٢٠ و١٢١ و١٨٤ و٣١٣ و٣١٤ و٣٣٣
[ ١ / ٢٣ ]
و٦١٥ و٦١٨ و٦٢٨ و٦٥٨ و٦٦٤ و٢/ ٣٥ و٤٣٥، وفي بعض الأماكن يترجح الظن أنه أراد السخاوي، ولعله أبهمه لما حصل بينهما من جفوة، والله أعلم.
٦ - ردَّ في كتابِهِ هذا على كثيرٍ منَ الاعتراضاتِ التي اعُترضَ فيها على ابن الصَّلاحِ على بعضِ ما أوردهُ في كتابهِ " معرفة أنواعِ علمِ الحديثِ "، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٧٩ و٨٦ و١٣٥ و١٣٨ و١٣٩ و٣١٢ و٢/ ٦٩.
٧ - تَعقبَ شيخَه الحافظ ابن حجر في عدةِ مواطنَ مِنْ هذا الكتابِ بعدَ أنْ ينقلَ رأيهُ في بعض المسائل، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٣٦٧.
٨ - استطردَ كثيرًا في ذكرِ الفوائدِ اللغويةِ والبلاغيةِ، وأخذَ ينقلُ الكثيرَ من العباراتِ من معاجمِ اللغةِ والغريبِ، مبينًا وموضحًا لما استُعجمَ أو أُبهمَ من الكلماتِ أو العباراتِ؛ مما أثرى هذا الكتابَ بمادةٍ لغويةٍ جميلةٍ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٦٥ و٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٢ و١٣٥ و١٤٧ و٢٦٤ و٢٨٣ - ٢٨٩ و٣١٧ و٣٥٨ و٣٨٥ و٤٠٥ و٤٥٥ و٤٩٩ - ٥٠٠ و٥٠٩ و٥١٢ و٥٢٥ و٥٣٨ و٥٤٣ و٥٤٩ و٥٥٠ و٥٥٩ و٥٧٥ و٥٧٦ و٥٩٢ و٦٠٠ و٢/ ٣٤ و٦٥ و٦٧ و٦٨ و٨٢ و٨٦ - ٩٠ و٩٨ و١٠٦ و١٣٣ و١٣٤ و١٤١ و١٤٢ و١٤٧ و١٦٤ و١٧١ و١٧٣ و١٨٠ و١٨٤ و٢٢٥ و٢٢٦ و٢٥٤ و٣١٤ و٣١٦ و٣٢٠ و٣٤٥ و٣٧٢ و٣٨١ و٤٣٧ و٤٤٨ و٤٤٩ و٤٥٥.
٩ - ذكرَ بعضَ الفوائد الأصوليةِ، والقواعد الفقهيةِ في أصولِ الفقهِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٩٠ و١٦٥ و١٧٤ و٢٩٢ و٣٢٧ و٣٤٤ و٤١٨ و٥٨٨.
١٠ - أوردَ بعضَ العباراتِ المنطقيةِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ١٣٩ و٤١٧ و٥٩٠ و٥٩١.
١١ - أوردَ عبارات جميلةٍ في المصطلحِ لخَّصَ فيها الكثيرَ من الكلامِ، وترى فيها
[ ١ / ٢٤ ]
خلاصة ما استقرَّ عليهِ علمُ مصطلحِ الحديثِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٨١ و١٧١ و٣٠٧ و٥٨٨ و٦٢٥.
١٢ - أوردَ مسائلَ لنفسهِ عرضها أو سألَ عنها شيخَهُ ابن حجرٍ، وأوردَ بعدها أجوبةَ الحافظِ ابن حجرٍ عليها. انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ١١٣ و٣٤٨ و٤٥٣ و٤٨٨ - ٤٨٩.
١٣ - نَقلَ عبارات من كتابِ العراقيِّ " الشرح الكبير "، وهو مِنَ الكتب النفيسةِ التي ألفها الحافظُ العراقيُّ وفُقدتْ ولم تصلْ إلينَا - وكما تَقدمَ تبيانُهُ - انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ١٠٨ و١٥٤ و١٦٠ و١٦٦ و١٨٦ و٢٠١ و٢٨٢ و٦٦١.
١٤ - أوردَ عبارات أو أحاديث من كتبٍ موجودةٍ ومطبوعةٍ، وحينَ الرجوع إليها كنَّا لا نَرى هذهِ العبارات فلعلها مما سَقطَ من مخطوطاتِ تلكَ الكتبِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ١١٨ و٤٦٤.
١٥ - قامَ بإيضاحِ عبارات أو أسماء وردتْ في " شرح التبصرةِ والتذكرةِ " عن طريقِ إيرادِ ما يوضحها من كتابِ "التقييد والإيضاح" ولقدْ أكثرَ المصنِّفُ من هذا، وهو صنيعٌ حسنٌ؛ لأنَّ أولى ما يزيلُ إبهامَ عبارات إي كاتبٍ هو الكاتبُ نفسه، وانظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ١٣٧ و٣٧٠ و٣٨٩ و٤٠٢ و٤٠٣ و٤٢٣ و٤٥٢ و٥١٣ و٥١٧ و٥٧٧ و٥٩٥ و٥٩٧ و٦٠٢ و٦٢٨ و٦٣٤ و٢/ ٩ و٢٣ و٢٥ و٣٠ و٤١ و٥٣ و٥٦ و٥٧ و٧٢ و٩٤ و١١٣ و٤٤٦ و٤٧٤.
١٦ - نَقلَ اعتراضاتِ شيخِهِ الحافظِ ابن حجر على بعضِ الأبياتِ الشعريةِ من ألفيةِ العراقيِّ، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٢١٦.
١٧ - قَامَ بضبطِ بعضِ الأسماءِ في كتابهِ وخاصةً تلكَ التي فيها خلاف أو وقعَ فيها تصحيف، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٢٥٣ و٢٦٢ و٣٧١ و٣٧٢ و٤٤٤
[ ١ / ٢٥ ]
و٥٥٩ و٥٦٣ و٥٦٦ و٦٣٢ و٢/ ٢٣٧ و٣١٤.
١٨ - أوضحَ أسماءَ بعضِ العلماءِ أو الشخصياتِ الذينَ وردَ ذكرهم في الشرحِ من غيرِ إيضاحٍ أو ترجمةٍ لهم، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٣٣٤ و٣٧٠ و٤١٩ و٥٢٣ و٥٦٠ و٥٧٣ و٦١٦ و٦١٧ و٦١٨ و٦١٩ و٢/ ٣٠ و٦٠ و٦٢ و٧١ و١٠١ و١٤٤ و١٦٧ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٩ و٣٩٢ و٤٧٢ و٤٨٨.
١٩ - نَقلَ في مواطنَ كثيرةٍ من كتابِهِ استدراكاتٍ لشيخِهِ البرهان الحلبي وقد أوردَ بعضًا منها على شكلِ أبياتٍ شعريةٍ، وانظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨٦ و٤٠١ و٢/ ٩١ و١٩٧ - ١٩٨.
٢٠ - تكلمَ في كتابِه هذا عن بعضِ الفرقِ الإسلاميةِ، موضحًا سماتها، وبعض معالمها الرئيسةِ، وأبرز رجالاتها، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٥٥١ و٥٥٢ و٥٥٣ و٥٦٢ و٦٥٦ و٦٥٧.
٢١ - وجدت بينَ ثنايا كتابِهِ هذا بعض العباراتِ الفلسفيةِ وخاصةً فيما يخصُّ القولَ في الإيمانياتِ والعقائدِ ومعظمها لا يركنُ إلى دليلٍ نقليٍّ إنما هو العقلُ والظنُّ لا غير، وهذا مما يعابُ عليهِ - ﵀ وغفرَ لهُ -، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٦٤٩ - ٦٥٢.
٢٢ - غالب مادة الكتاب من الحافظ ابن حجر، لكنه بتعبير البقاعي أخذه من شيخه الحافظ ابن حجر في الدرس، وبعضه على سبيل المذاكرة والسؤال.
٢٣ - لم يكن البقاعي يملك بعض الكتب عند تأليفه هذا الكتاب، من ذلك أنه كان يستخدم لاختصار علوم الحديث لابن كثير نقولات بعض أصحابه.
٢٤ - كان البقاعي كثير الاعتماد على شيخه الحافظ ابن حجر في نقولاته في بعض الأشياء من بعض كتبه، وربما قلده أحيانًا ببعض الغلط، وكان عليه في بعض أن يرجع إلى المصادر الأصلية.
[ ١ / ٢٦ ]
٢٥ - لم تكن عناية البقاعي قاصرة على تأليف الكتاب فحسب، بل إنه درس الكتاب، وقرئ عليه، كما كتب هو ذلك نفسه وبخطه على نسخة أوقاف بغداد، انظر على سبيل المثال: ١/ ٧٨ و١٦٢ و٣٠٥ و٣٥٨ و٤١٤
و٤٤٠ و٤٧٠ و٥٠٢ و٥٢٢ و٦٠٥ و٦٥٢، وكتب الناسخ في الحاشية: «بلغ على المؤلف» انظر: ١/ ٢٨٠ و٣١٥ و٤١٢ و٢/ ١٤٨.
٢٦ - ألف البقاعي هذا الكتاب في حياة الحافظ ابن حجر، انظر دليل ذلك ١/ ١٣٠، وكذلك مما يعلم من مقدمة البقاعي نفسه.
٢٧ - تضمن الكتاب فوائد عزيزة ونفيسة ودراسات جادة قلّ أن نجد مثلها مبسوطًا في موضع آخر، انظر على سبيل المثال ١/ ٣٥١ و٤٥٩ - ٤٦٠.
٢٨ - كان يتصرف في أسماء الكتب فعلى سبيل المثال كتاب " التقييد والإيضاح " كان يسميه (النكت)، مع أنه صرح في المجلد الأول صفحة ٧٦ أن اسم الكتاب " التقييد والإيضاح ".
٢٩ - أضاف عددًا من الأبيات على الألفية في أماكن متفرقة من نظمه ومن نظم غيره.
هذا ما تيسر لي بإيجاز سريع، والذي يطالع الكتاب من أوله إلى آخره مع تعليقاتي واستدراكاتي عليه سيجد الكثير من الملاحظات المتعددة، إذ لكل مقام مقال.
[ ١ / ٢٧ ]
نشأة علم مصطلح الحديث وتطوره حتى زمن البقاعي
إن علم مصطلح الحديث له أهمية كبيرة؛ إذ به يعرف صحيح الحديث من ضعيفه، وعدله من معوجه؛ ولعل أهمية ذلك تدرك من أهمية الحديث النبوي الشريف، الذي هو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم الذي هو أصل الدين، ومنبع الطريق المستقيم. ومصطلح الحديث يبين من خلاله الحديث المعل من السليم والصحيح من الضعيف والموقوف من المرفوع والمقبول من المردود، وعليه يقوم استنباط الأحكام من السنة الطاهرة وبواسطة هذا العلم الجليل - الذي تفرد به المسلمون - يتم حسن الاقتداء بالرسول - ﷺ -، وقد نشأ هذا العلم الشريف مبكرًا بعد ظهور الرواية، وقد وردت عن التابعين ومن بعدهم عبارات من هذا الفن، كما ورد من قول محمد بن سيرين: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (١). وقال عبد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (٢). لكن وجود مثل هذه العبارات لم يكن مؤلفًا عند السابقين بمؤلفات خاصة، فقد سبق تدوين الحديث التدوين بعلم مصطلح الحديث، ولا غرابة أن يكون علم مصطلح الحديث متأخرًا في التدوين عن علم الحديث، وربما أن المتقدمين جدًا لم يريدوا إفراد هذا الفن بالتصنيف لعدم حاجتهم إليه آنذاك، وقد احتيج إليه فيما بعد، فبدئ بالتدوين في هذا العلم الشريف، فكان أول من ألف فيه الإمام الشافعي المتوفى سنة (٢٠٤ هـ) في كتابه " الرسالة " إذ تكلم عن شروط الحديث الصحيح، وشروط الراوي العدل، وبحث الكلام عن الحديث
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٥.
(٢) المصدر نفسه.
[ ١ / ٢٨ ]
المرسل وشروطه، وتكلم عن الانقطاع في الحديث، وتكلم عن جمع السنة، وأنكر على من رد الحديث وتكلم عن تثبيت خبر الواحد وشروط الحفظ، وتكلم عن الرواية بالمعنى، وعن التدليس ومن عرف به، وتكلم عن زيادة التوثيق في الرواية بطلب إسناد آخر، وتكلم عن أصول الرواية (١).
ثم تلاه في التأليف في هذا الفن الحميدي عبد الله بن الزبير المتوفى سنة (٢١٩ هـ) وهو صاحب المسند وشيخ البخاري، إذ يظهر من سوق الخطيب في كفايته بإسناد واحد إلى الحميدي عدة مسائل في المصطلح أن له رسالة في علم مصطلح الحديث.
ثم تبع هذين العالمين الجليلين في الكتابة في قضايا المصطلح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة (٢٦١ هـ) فضمّن كتابه " الجامع " مقدمة نفيسة تكلم فيها عن بعض القضايا المهمة في علم مصطلح الحديث؛ إذ تكلم عن تقسيم الأخبار، وعن تقسيم طبقات الرواة من حيث الحفظ والإتقان، وتكلم عن الحديث المنكر، وعن تفرد الرواة، وعن حكم الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة، وتكلم عن وجوب الرواية عن الثقات، وترك الكذابين والتحذير من الكذب على
_________________
(١) قلت في مقدمتي لمسند الإمام الشافعي ١/ ٢٤: «والشافعي من العلماء الأوائل الذين كتبوا في علم المصطلح، ووضعوا تعاريف لبعض ما اصطلح عليه المحدّثون، كما ورد بعض ذلك في كتابه " الرسالة "»، وفي سبري لكتب مصطلح الحديث نجد ذكر الإمام الشافعي كثيرًا انظر على سبيل المثال طبعتنا لشرح التبصرة والتذكرة الجزء الأول: ١٠٧ و١٠٨ و١١٥ و١٥٨ و١٨٥ و١٨٦ و١٩٧ و٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠ و٢١١ و٢٣٨ و٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤٢ و٢٤٥ و٢٤٦ و٢٦٦ و٢٨١ و٢٨٢ و٢٨٣ و٢٨٤ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٧ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٩ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٦٤ و٣٦٧ و٣٩٤ و٣٩٨ و٤١٧ و٤١٨ و٤٣٢ و٤٤٠ و٤٥٩ و٥٠٣. والجزء الثاني: ٢٠ و٢٨ و٢٩ و٣٥ و٣٩ و٩٧ و٩٨ و٩٩ و١٠٨ و١٢٠ و١٣٨ و٢١٢ و٢٧٦ و٣١٧.
[ ١ / ٢٩ ]
رسول الله - ﷺ -، ونصب الأدلة على ذلك، وساق ما يدل على التغليط في النهي عن الرواية عن الكذابين والضعفاء، والتساهل في الرواية عن كل ما يسمع فتكلم عن أهمية الإسناد، وعن وجوب جرح الرواة الضعفاء، وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة، ثم تكلم بإسهاب وتفصيل عن صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن، حتى أثخن في الجواب عمن اشترط ثبوت اللقيا فيه، وكذلك كتابه " التمييز " لا يخل من بعض قضايا مصطلح الحديث بسبب أن مسلمًا مشهور ومعروف بتبسيط العلم مما أداه إلى شرح بعض المصطلحات.
ثم تبعه بالكلام عن بعض قضايا المصطلح أبو داود السجستاني المتوفى سنة (٢٧٥ هـ) في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه، إذ تكلم عن المراسيل وعن حكمها، وتكلم عن عدد السنن عن النبي - ﷺ -، وتكلم عن الاحتجاج بالحديث الغريب، وعن حكم الاحتجاج بالحديث الشاذ، وتكلم عن الحديث الصحيح، وعن المنقطع والمدلس، ومثّل لذلك، وتكلم عن صيغ السماع والحديث المعلول. وما ذكرته في كلامه عن هذه الأنواع إنما هي رموز.
ثم تبع هؤلاء في التأليف الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة (٢٧٩ هـ) تلميذ الإمام البخاري وخريجه في كتابه النفيس " العلل الصغير " (١)، وهذا الكتاب ألفه الترمذي ووضعه في آخر " الجامع الكبير " (٢)، تكلم فيه هذا الإمام الجهبذ الجليل عن قضايا مهمة في مصطلح الحديث، فقد تكلم عن أنواع التحمل، وخص الإجازة بتوسع، وتكلم عن مسألة الرواية باللفظ والرواية
_________________
(١) يبدو لي أن وسم هذا الكتاب بالصغير، تعريف وصفي لم يكن من قبل الإمام الترمذي، إنما من قبل من جاء بعده، من أجل التمييز بين هذا الكتاب والعلل الكبير.
(٢) رأى بعضهم أن الترمذي وضعه في آخر "الجامع" ولم يضعه في البداية تأدبًا مع كلام النبي - ﷺ -، حتى لا يكون كلامه قبل كلام النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٣٠ ]
بالمعنى، وتكلم على زيادة الثقة، ونقل اختلاف العلماء في جواز الكلام على الرجل جرحًا وتعديلًا، ثم رجح وجوب نقد الرجال؛ لأنه السبيل الوحيد إلى معرفة ما يقبل وما يرد من الحديث النبوي الشريف، وقسم أجناس الرواة من حيث الضبط وعدمه وتكلم عن تفاوت الرواة في ذلك، وتكلم عن مفهوم الحديث الحسن عنده، وعن مفهوم الحديث الغريب، وتكلم عن المعلل والمرسل مع ذكر بعض أسباب رد المحدّثين له، وكتابه " الجامع الكبير " فيه كثير من القضايا المهمة في مصطلح الحديث.
ثم جاء من بعدهم الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي المتوفى سنة (٣٢١ هـ) إذ ألف رسالة في الفرق بين التحديث والإخبار، والفرق بين المعنعن والمؤنن، وهي موجودة في " شرح مشكل الآثار "، ثم جاء من بعدهم الحافظ محمد ابن حبان البستي المتوفى سنة (٣٥٤ هـ) إذ كتب بعضًا من مسائل مصطلح الحديث في عدد من كتبه فقد ذكر في مقدمة كتابه " الثقات " الرواة اللذين يجوز الاحتجاج بخبرهم وساق شروطهم، ثم قال: «فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل، يجوز الاحتجاج بخبره».
ثم ذكر شروط الموثق عنده. أما كتابه " المجروحين " فقد ذكر في مقدمته أنواع الجرح، فكانت عشرين، أما كتابه الأعظم " الصحيح على التقاسيم والأنواع " فقد ضمنه بعض قضايا المصطلح المهمة في مقدمته النفيسة، إذ أجمل شرطه في عنوان الكتاب، ثم بسط كلامه عن هذه الشروط ودافع عن منهجه في التصحيح، ثم تكلم عن أقسام الأخبار من حيث طرقها، وتكلم عن اختلاف الرفع والوقف، والوصل والإرسال، وتكلم على زيادات الثقات في الأسانيد والمتون، ثم تكلم عن رواية أهل البدع، وعن حكم الرواية عنهم، وتكلم عن المختلطين وعن حكم الرواية عنهم،
[ ١ / ٣١ ]
وتكلم عن المدلسين، وعن عدالة الصحابة.
ثم جاء من بعدهم القاضي الحسن بن عبد الرحمان الرامهرمزي المتوفى سنة (٣٦٠ هـ)، فألف كتابه النافع الماتع " المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي " وهو كتاب غير مختص لجمع أنواع علوم الحديث كلها، ولم يقصد من وضعه ذلك، إنما هو كتاب متصل بسنن الرواية والطلب والكتابة ومناهجها، فهو يبحث في أبوابه الأولى في مقدمات عن علم مصطلح الحديث ثم أوصاف طالب الحديث وبعض شروطه وما يتعلق به، ثم تكلم عن العالي والنازل من الأسانيد وما يتعلق به من الرحلة وعدمها، ثم تكلم عمن جمع بين الرواية وتكلم بإجادة وتفصيل عن طرق التحمل وصيغ الأداء ثم تكلم عن اللحن والرواية بالمعنى والمعارضة والمذاكرة والمنافسة وغيرها، واعتمد على نقل الأخبار عن السلف الماضين بالأسانيد، حتى امتدحه أئمة هذا الشأن في صنيعه في هذا الكتاب، فقد قال فيه الذهبي: «مصنف كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وما أحسنه من كتاب، قيل: إن السلفي كان لا يكاد يفارق كمه، يعني في بعض عمره» (١).
ثم جاء من بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة (٤٠٥ هـ)، فألف كتابه " معرفة علوم الحديث " وكتابه هذا أنفس بكثير من كتاب الرامهرمزي، وأكثر جودة؛ لاستيعابه أغلب أنواع علم الحديث وتقسيمه ذلك وتفصيله لأنواعه حتى عده بعضهم أنه رائد التأليف في مصطلح الحديث.
ثم جاء من بعده الحافظ أبو نعيم أحمد بن علي الأصفهاني المتوفى سنة (٤٣٠ هـ)، فزاد على ما كتب الحاكم وتعقبه في بعض الأمور، بكتاب أسماه:
" المستخرج على كتاب الحاكم " لكنه لم يبلغ الغاية فيه فأبقى فيه - كما يقول
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٣.
[ ١ / ٣٢ ]
ابن حجر - أشياء للمتعقب.
ثم جاء من بعده الحافظ أبو يعلى الخليلي المتوفى سنة (٤٤٦ هـ)، فألف كتابه " الإرشاد في معرفة علماء الحديث "، وقد ذكر في مقدمة هذا الكتاب شيئًا من دقائق علم مصطلح الحديث، فتكلم عن الحديث الصحيح، وشرح شيئًا عن العلة، وتكلم عن الشذوذ وعن الأفراد وعن المنكر والشاذ، وتحدث عن العلو والنزول، وتحدث عن طبقات الحفاظ وأئمة هذا الشأن، ونقاد الأثر، وطبقات فقهاء الصحابة وغيرهم (١).
ثم جاء من بعدهم الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي المتوفى سنة (٤٦٣ هـ)، فصنف في قوانين الرواية كتابه المسمى " الكفاية في علم الرواية " كما كتب في أدب الرواية كتابًا سماه " الجامع لآداب الشيخ والسامع "، وكان للخطيب البغدادي دور واسع في مصطلح الحديث، وألف كتبًا مستقلةً قي أغلب فنون علم مصطلح الحديث، وبذلك أجمع المنصفون على أن كل من جاء بعده كان عالة على كتبه.
ثم جاء من بعدهم الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة (٥٠٧ هـ) فألف كتابًا في العلو والنزول (٢).
ثم ألف القاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ) كتاب " الإلماع "، وأبو حفص الميانشي المتوفى سنة (٥٨١ هـ) جزءاَ لطيفًا سماه " ما لا يسع المحدّث
جهله ".
هذه هي المؤلفات التي تناولت علم مصطلح الحديث واستمر الحال عليها حتى جاء الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري المولود سنة
_________________
(١) وتضمن الكلام عن هذه المقدمات من ١/ ١٧٥ - ١٨٥.
(٢) كشف الظنون ٢/ ١٦٦١.
[ ١ / ٣٣ ]
(٥٧٧هـ) والمتوفي سنة (٦٤٣ هـ) نزيل دمشق، فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية ما تفرق في مؤلفات من سبقه، وضم إليه ما يجب ضمه من الفوائد، وذلك في كتابه النفيس " معرفة أنواع علم الحديث "، وهو من أجل كتب مصطلح الحديث وأحسنها، وكان هذا الكتاب حدثًا جديدًا ومحورًا دارت في فلكه تصانيف كل من أتى بعده، وأنه واسطة عقدها، ومصدر ما تفرع عنها، ولم يكن لمن بعده سوى إعادة الترتيب في بعض الأحيان، أو التسهيل عن طريق الاختصار أو النظم، أو إيضاح بعض مقاصده، وقد رزق الله تعالى كتاب ابن الصلاح القبول بين الناس، حتى صار مدرس من يروم الدخول بهذا الشأن ولا يتوصل إليه إلا عن طريقه فهو المفتاح لما أغلق من معانيه، والشارح بما أجمل من مبانيه.
وقد اعتنى من جاء من بعد ابن الصلاح أشد العناية بكتابه حتى قال ابن حجر: «فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر»، وكان من أفضل ما اعتنى بهذا الكتاب صنيع الحافظ العراقي إذ خدمه مرات عديدة كان أجلها حينما نظم الكتاب ثم شرح النظم بكتابه النفيس " شرح التبصرة والتذكرة " وقد بينت في مقدمتي لشرح التبصرة والتذكرة قيمة الشرح وطريقة الشارح (١)، ولنفاسة كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " وأهميته خدمه البقاعي الخدمة التي تليق به وبمكانة مؤلفه، وقد تصدى لما أشكل من نظم الألفية أو شرحها مستفيدًا بشكل أساسي من مباحثاته مع شيخه الحافظ ابن حجر، واستدرك عليه بعض المواطن التي لم يوضحها الحافظ العراقي، وما وقع في أبياتها من انكسار الوزن أو صعوبة التعبير، ولا أريد أن أطيل بوصف كتاب البقاعي فقد بينت ذلك في الدراسة عنه؛ لكن الذي أريده هو أن كتاب البقاعي متمم لفوائد وعوائد كتاب " شرح التبصرة والتذكرة "، الذي هو امتداد لحسن صنيع الحافظ ابن الصلاح.
_________________
(١) والدراسة تضمنت الفصل الثاني من الدراسة من صفحة ٤٣ من المجلد الأول إلى صفحة ٧٣.
[ ١ / ٣٤ ]
وصف النسخ المعتمدة فِي التحقيق
اعتمدت فِي تحقيقي لكتاب " النكت الوفية بما فِي شَرْح الألفية " عَلَى أربع نسخ خطية:
الأولى: نسخة من محفوظات مكتبة الأوقاف العامة فِي بغداد تحت الرقم
[١٥٧٠] وهي نسخة عتيقة واضحة ومقروءة خطها نسخي عادي، تقع فِي (٣٠٠) ورقة، في كل صفحة (١٩) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا، تبدأ من أول الكتاب وتنتهي ببحث التسميع، كُتبت فِي حياة البقاعي سنة (٨٨٠هـ)، وعليها خطه فِي مواضع كثيرة، قد أشرت لَهَا فِي المواضع التي وَرَدَ فِيهَا. (انظر على سبيل المثال: ١/ ٧٨ و١٦٢ و٣٠٥ و٣٥٨ ٤١٤ و٤٤٠ و٤٧٠ و٥٠٢ و٥٢٢ و٦٠٥ و٦٥٢، وكتب الناسخ في الحاشية بلغ على المؤلف. انظر: ١/ ٢٨٠ و٣١٥ و٤١٢ و٢/ ١٤٨) وهي مقروءة عَلَيْهِ، وصاحبها شِهَاب الدِّين أحمد الحمصي الشَّافِعِيّ، وهي التي جعلتها أصلًا ورمزت لَهَا بالرمز (أ)، وهذه النسخة نفيسة جدًا، تعرف نفاستها من خلال السماعات الكثيرة الموجودة على الحواشي بخط البقاعي، وكذلك قلة الأخطاء الإملائية، مع ندرة التحريف والسقط، إلا في بعض الأماكن التي طمست بسبب الرطوبة وغيرها.
وقد وضح لي من خلال عملي بهذه النسخة المتقنة أن كاتبها كان ممارسًا وعالمًا بشأن النسخ والمخطوطات إذ وجدت في مرات عديدة صنيعه صنيع الجهابذة لاستخدامه مصطلحات أهل العلم المتقنين في التعامل مع المخطوطات ففي صفحة ٣٠٨ من الجزء الأول حينما سها فقدم وأخر في كلمتين وضع فوق كل كلمة حرف الميم إشارة إلى أن الصواب أن هذا مؤخر وهذا مقدم وكان يصحح على الكلمة المشكل إشارة إلى صحتها انظر: ١/ ٣٠٨، وكان يضبب أحيانًا على
[ ١ / ٣٥ ]
الكلمة المشكلة انظر الموضع السابق، بل كان من مزيد دقته وجودت قريحته وشدة إتقانه أنه كان يكتب حرفًا صغيرًا تحت الحرف الذي يخشى اشتباهه بحرف يشبهه، وكان أحيانًا يضع علامة الإهمال على الحرف المهمل إشارة إلى أنه مهمل غير معجم، وقد وضح في كثير من الأماكن بعض العبارات كأن يقال: الشيخ فيكتب فوقها بحرف صغير: «أي: العراقي» أو يقال شيخنا فيكتب: «أي: ابن حجر» وغيرها كثير كذلك شرح الناسخ كثيرًا من المصطلحات التي كانت ترد في الكتاب من غريب ونحوه، بل كان في بعض الأحيان ينقل في الحاشية فوائد عن شيخه البقاعي كما جاء في ١/ ٤١٩: «قال شيخنا: كان عنده ثمانون فراشًا للمحدّثين يحررون معه السند» على أن هذه الفائدة قد جاءت في متن الكتاب في المجلد الثاني صفحة ٣٩٧ ومن فوائده أيضًا أنه علق في صفحة ٤٦٧ من الجزء الأول فقال في الحاشية: «المنكر يقابله المعروف، والشاذ يقابله المحفوظ»، وفي المجلد الأول صفحة ٦١٧ عرف الوجادة، وإن مما يحزن أن هذه النسخة ليست كاملة بل هي تمثل الجزء الأكبر من الكتاب وتنتهي في مطبوعتنا هذه في الجزء الثاني صفحة ١٩٤ وجاء في آخر النسخة: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى / ٣٠١أ /: «صفة رواية الحديث وآدابه»، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، فرغ منْ كتابته، فِي يوم الأحد المبارك الخامس من شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة ثمانين وثمان مئة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم».
الثانية: نسخة من محفوظات دار المخطوطات العراقية تحت الرقم [٨٦٦٨] وهي نسخة جيدة واضحة ومقروءة، خطها نسخي عادي كُتَبت قبل (٨٥١هـ)، وجاء
[ ١ / ٣٦ ]
في بعض حواشي هذه النسخة ما يدل على نفاستها وجودتها ففي صفحة ٣٢٠ من الجزء الأول: «وكلام الحاكم ظاهر فيه»، وجاء فسي نسخة (ب) فوق كلمة «يأباه» «لا» ثم كتب في الحاشية: «ضرب عليها شيخنا، وجعل موضعها ظاهر فيه» وهذا إن دل على شيء دلّ على أن ناسخ النسخة هو تلميذ للبقاعي وأن النسخة مقرؤة عليه، وكذا جاءت في النسخة حواش أخر، وقد نقلت بعضها في الهامش انظر على سبيل المثال: ١/ ٣٧٨ و٤٠٣، ومع ذلك فالنسخة لم تخل من سقوطات يسيرة، ومما يؤسف له كذلك أنها ناقصة من أولها ومن آخرها وقد أشرت إلى ذلك في موطن النقص وتقع في (١٢٧) ورقة وهي تبدأ في مطبوعتنا ١/ ٣١٢ وتنتهي بـ ٢/ ١٦١، ورمزت لها بالرمز (ب)
الثالثة: نسخة من محفوظات جامعة برنستون الأمريكية، تحت الرقم (٣٩٤٣) فلم ضمن مجموع (ق١٠ هـ)، وخطها نسخي جيد، حصل فيها سقط كثير وتصحيف، ويوجد عليها عدد من التملكات، عدد أوراقها (٤١) ورقة، في كل صفحة (١٩) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا، تبدأ من أول الكتاب، وتنتهي في مبحث الضعيف، وهي في المطبوع تنتهي في ١/ ٣١١ وقد رمزت لها بالرمز (ك).
الرابعة: نسخة من محفوظات مكتبة فيض الله أفندي في استانبول تحت الرقم (٢٥٢)، وقد حصلت على نسخة من صورتها المحفوظة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية (٤٣٠١) فلم، خطها نسخي جيد وواضح مع قلة الأخطاء الإملائية، إلا أنه وقع فيها بعض التصحيفات والسقط، عدد أوراقها (٢٧٥) ورقة في كل صفحة (٢١) سطرًا، وفي كل سطر (١٢) كلمة تقريبًا، تبدأ من أول الكتاب،
[ ١ / ٣٧ ]
وتنتهي بنوع المسلسل، وجاء في آخرها: «انتهى ما وجد مكتوبًا في سادس شوال المبارك» ورمزت لها بالرمز (ف).
[ ١ / ٣٨ ]
منهج التحقيق
١ - حاولت ضبط النص قدر المستطاع معتمدًا عَلَى النسخ الأربع، مَعَ مراجعة الكتب المساعدة.
٢ - اعتمدت على نسخة (أ) كأصل في تحقيق هذا الكتاب، إلا أنني لم أجمد على هذه النسخة، إنما غيّرت ما ارتأيت أنه صواب، وأكملت نقص الكتاب من نسخة (ف)، التي تفردت بالزيادة، وأشرت إلى نهاية الصفحات في النسخة (أ) بعد أن أعطيتها رمزًا، هكذا: (١/أ)، (١/ب)، وكذا فعلت في النسخة (ف) في الزيادة التي أضفتها.
٣ - خرجت الآيات الكريمات من موطنها من المصحف، مَعَ الإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية.
٤ - خرجت الأحاديث النبوية الكريمة تخريجًا متوسطًا، وبينت فِي الأعم الأغلب مَا فِيهَا من نكت حديثية، ونبهت عَلَى مواطن الضعف، وكوامن العِلَل.
٥ - خرجت أكثر النقولات عَنْ أهل العلم، وذلك بعزوها إلى كتبهم.
٦ - فِي غالب الأحيان يذكر البقاعي عِنْدَ نقله أبيات الألفية جُزْء من الأبيات ثُمَّ يَقُولُ: الأبيات، أو البيتين، أو الْبَيْت اختصارًا، وقد نقلت ذَلِكَ من تحقيقنا
" لشرح التبصرة والتذكرة "، إذ لاَ داعي للاختصار، عَلَى أنّا اعتمدنا ثلاث نسخ خطيّة فِي ضبط متن الألفية، وقد فصلنا الكلام عَنْهَا فِي مقدمتنا
" لشرح التبصرة والتذكرة ".
٧ - ترجمت لبعض الأعلام المبهمين الذين ذكرهم المصنف في هذا الكتاب، وعرفت بالأمكنة والفرق والكلمات الغريبة على وجه الإيجاز والاختصار.
٨ - قدمت للكتاب بمقدمة أراها مناسبة كمدخل إليه.
[ ١ / ٣٩ ]
٩ - وضعت كلام العراقي بين قوسين كبيرين، وباللون الأسود الغامق.
هكذا: قوله ().
١٠ - أضفت بعض العناوين، مع الإشارة إليها، وجعلتها باللون الأسود الغامق وهي نادرة جدًا.
١١ - ذكرت بعض التعليقات الواردة في الحاشية، في الهامش.
١٢ - صنعت الفهارس اللازمة التي تخدم الكتاب.
١٣ - قمت بشكل النص شكلًا متوسطًا.
١٤ - علقت عَلَى بَعْض المواطن التي أعتقد أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان.
[ ١ / ٤٠ ]
صور المخطوطات
[ ١ / ٤١ ]
المتن المحقق
مقدمة المصنف
[بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (١)
وصلّى اللهُ على سيدِنَا محمدٍ وآلهِ وصحبِهِ وسلمَ.
قالَ الشيخُ الإمامُ العالِمُ العَلامَةُ، الحَبْرُ، البحرُ، الفَهَّامَةُ، المحقِقُ، المدَققُ، الرحلةُ، الحافِظُ، الأوحَدُ، الأمَّةُ، المُتقِنُ، الضابطُ، المجاهدُ، المرابطُ، برهانُ الدّينِ، لسانُ المتكلمينَ، عُمدَةُ المفتِينَ، محيي سنةِ سيدِ المرسلينَ، أبو الحسنِ إبراهيمُ - جعلَ اللهُ علمهُ قائدًا لهُ إلى جنّاتِ النعيمِ، وخالصًا لوجههِ الكريمِ - البقاعِيُّ الشافعيُّ -﵁ وأرضاهُ-، وجعلَ الجنةَ مثوانا ومثواهُ] (٢).
الحمدُ للهِ الذي مَنْ أسندَ إليه ضعيفَ عزمه قوَّاهُ، ومنْ أنزلَ بجنابهِ موضوع قدره علاَّهُ، ومنْ أرسلَ إلى بابهِ صحيحَ عملِهِ قَبِلَهُ وارتضاهُ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ المتواترُ فضلهُ وآلاهُ، العزيز، فما انقطع إليهِ ذليلٌ إلاَّ وصلهُ ووالاهُ، وأشهدُ أنَّ سيدنا محمدًا - ﷺ - (٣) عبدهُ الأوَّاهُ، ورسولُهُ المقطوعُ بشرفهِ المشهورُ علاهُ، المرفوعُ مَنْ تابعه، الموقوفُ مَنْ نَاواهُ - صلى الله وسلَّمَ عليه (٤) وعلى آلهِ وصحبهِ ومَنْ آواهُ- أتمَ سلامٍ وأزكى صلاةٍ (٥).
_________________
(١) زاد بعدها في (ك): «رب زدني علمًا يا كريم».
(٢) ما بين المعكوفتين جاء في أول نسخة (أ)، وجاء في نسخة (ف): «بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن يا كريم، قال أفقر الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر ابن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي، نزيل القاهرة المعزيه، عامله الله بألطافه الجلية والخفية ووالديه وجميع المسلمين، آمين».
(٣) لم ترد في (ك)، و(ف).
(٤) كلمة: «وسلم» لم ترد في (ك).
(٥) ضمن البقاعي - ﵀ - خطبة كتابه بعض مفردات من مصطلح الحديث استئناسًا وصلة لموضوع كتابه، مما زاد خطبة الكتاب رونقًا وجمالًا، وهو صنيع العراقي في كتابه " شرح التبصرة والتذكرة "، والذي يسمى ببراعة الاستهلال، وسيأتي قريبًا إن شاء الله إشارة البقاعي - ﵀ - لذلك.
[ ١ / ٥١ ]
أما بعدُ:
فهذِهِ فوائد ونكتٌ وأبحاثٌ، تتعلقُ بالألفيةِ (١) الحديثيةِ وبشرحِها (٢) (٣)، - كلاهما لشيخِ الحفاظِ زينِ الدينِ أبي الفضلِ عبدِ الرحيمِ بنِ الحسينِ العراقيِّ، سقى اللهُ عهدهُ وثراهُ - في مصطلحِ أهل الحديثِ.
قيدتُ فيها ما استفدتهُ مِنْ تحقيقِ تلميذهِ (٤) شيخِنا شيخِ الإسلامِ حافظِ العصرِ، أبي الفضلِ شهابِ الدينِ، أحمد بنِ عليِّ بن حجرٍ الكنانيِّ العسقلانيِّ، ثمَّ المصريِّ الشافعيِّ، قاضي القضاة بالديارِ (٥) / ٢أ / المصريةِ أيامَ سماعِي لبحثها عليهِ، باركَ اللهُ في حياتهِ (٦)، وأدامَ عُمُومَ النفعِ ببركاتهِ، سميتها: «النكتَ الوفيةَ بما في شرحِ الألفيةِ».
واعلمْ أنَّ ما كانَ فيها مِنْ بحثي صدّرتهُ في الغالبِ (٧) بـ: «قلتُ» وختمتهُ بقولِي: «واللهُ أعلمُ» (٨)، وما نقلتهُ عنْ (٩) غيرِ شيخنا مِنْ بعضِ الكتبِ، عزوتهُ إليهِ، وما عدَا ذَلِكَ- وهوَ جلُّ الأمرِ- فهوَ مِنْ كلامِ شيخنا (١٠)، فإنْ كانَ مِنْ بحثهِ فإني
_________________
(١) وهي التبصرة والتذكرة.
(٢) في (أ) و(ف): «وشرحها».
(٣) وهو المسمى بشرح التبصرة والتذكرة، وقد حققناه التحقيق الذي يليق بمكانة المؤلف ونفاسة الكتاب، وقد طبع في دار الكتب العلمية عام ٢٠٠٢ في مجلدين ضخمين.
(٤) كلمة: «تلميذه» لم ترد في (ك).
(٥) انظر ترجمته في المقدمة.
(٦) وهذا دليل على أن تأليف هذا الكتاب في حياة الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - وهو مما يزيد الثقة بنقول البقاعي عنه.
(٧) عبارة: «في الغالب» لم ترد في (ك).
(٨) عبارة: «وختمتهُ بقولِي: «واللهُ أعلمُ»» لم ترد في (ك).
(٩) في (ك): «من».
(١٠) وهذا مما يقوي أهمية الكتاب، ويدل على نفاسته.
[ ١ / ٥٢ ]
عبّرتُ عنهُ بعدَ انفصالي عنْ مكانِ الدرسِ بحسبِ فهمي، وإنْ كانَ ناقلًا لهُ فإني كتبتُ اسمَ المنقولِ عنهُ مِنْ لفظهِ في الحالِ، وعبّرتُ عنْ مقولهِ كما تقدمَ، فإن ظفرتَ بمخالفةٍ لشيءٍ مِنْ ذَلِكَ عمّنْ (١) هوَ أوثقُ مني، فقدْ علمتَ عذري، وأما (٢) الاعتذارُ عنْ شيخنا فهوَ أنَّ النقلَ حالةَ المذاكرةِ قدْ يُتساهلُ فيهِ، واللهُ الموفقُ.
قولهُ: (الحمدُ للهِ الذي قبلَ بصحيحِ النيةِ حسنَ العملِ) (٣) إلى آخرها استعملَ فيه (٤) أسماءَ أنواعِ الحديثِ لبراعةِ الاستهلالِ (٥)، وذكرها بمعانٍ غيرِ معانيها الاصطلاحيةِ أحسنُ وأدخلُ في البراعة مما لو استعملها بالمعاني الاصطلاحية، نحوُ أنْ يقولَ - كما فعلَ بعضُهم -: الحمدُ للهِ الذي منحَ أهلَ الحديثِ خدمةَ السنةِ.
قلتُ: قولهُ: (على مراسيلَ) (٦) هوَ جمعُ مرسالٍ، وهيَ الناقةُ السهلةُ السيرِ (٧). استعارهُ للإلطاف، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (أسندَ في بابهِ) (٨)، أي: على، يقالُ (٩): أسندَ في الجبلِ (١٠)، بمعنى: صعد (١١) في سَنَدهِ - بالتحريكِ - وهو أصلهُ، وماعلا عنْ سفحهِ، وأسندتهُ
_________________
(١) في (ك): «ممن».
(٢) في (ك): «وإنما».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٤) في (أ): «فيها».
(٥) انظر عنْ مصطلح براعة الاستهلال: الإيضاح في علوم البلاغة: ٢٤٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٧) انظر: الصحاح مادة (رسل).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٩) عبارة: «في بابه أي: على، يقال» لم ترد في (ك)، وورد عوضًا عنها عبارة: «قال شيخنا».
(١٠) زاد بعدها في (ك): «قاص».
(١١) في (ك): «استند».
[ ١ / ٥٣ ]
أنا، قاصرٌ متعدٍ. (١)
قلتُ: قولهُ: (شذَّ) (٢)، أي: خرجَ، يُقالُ: شذَّ يَشِذُّ ويَشُذّ شذًا وشذوذًا: نَدَرَ عنِ الجمهورِ، وشذهُ هو لازمٌ متعدٍ. (٣)
قولهُ: (جنابهِ) (٤) هو الفناءُ والناحية (٥).
قولهُ: (مقاطيعَ) (٦) مِنْ / ٢ب / إضافةِ الشيءِ إلى فاعلهِ، أي: الذينَ قطعهم حبهُ عن مَنْ سواهُ، واللهُ أعلمُ (٧).
قولهُ: (فموضوعُهُمْ) (٨) استعملهُ بثلاثةِ معانٍ: منطقي وحديثي، والثالث المسوق لهُ الكلامُ، وهوَ أنّ (٩) مَنْ وضعَ علماءُ الفنِّ - الذينَ وصلهُمُ اللهُ - (١٠) رتبتهُ بجرحٍ لا ترتفعُ بعدَ ذَلِكَ، ومَنْ عكسوا حالتهُ، لمْ تزلْ معكوسةً، فلا تنتظمُ، ولا يقبلُ ما يأتي بهِ، وإليهِ أشارَ بمقلوبهم، وفيهِ مِنْ زيادةِ الحسنِ أنّهُ جناسُ
القلب.
_________________
(١) ينظر في معنى المسند لغة: لسان العرب مادة (سند)، والتاج مادة (سند).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٣) الشاذ لغة: المنفرد، وشذ الرجل: إذ انفرد عن أصحابهِ. وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ. ومنهُ شاذ من القياس، وهذا مما يشذ عن الأصول، وكلمة شاذة وهكذا. ينظر: الصحاح مادة (شذّ)، وتاج العروس (شذّ).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٥) انظر: الصحاح مادة (جنب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٧) من قوله: «في سنده بالتحريك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٩) لم ترد في (أ).
(١٠) عبارة: «الذين وصلهم الله» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٥٤ ]
قلتُ: قولهُ: (الفردُ) (١) منْ مَحاسنهِ أنّهُ في سجعهِ التّوحِيدُ ما يأتي لهُ إلاَّ نوعٌ واحدٌ، وهو معنى الوحدانيةِ.
قولهُ: (واكتملَ) (٢) أشارَ بالافتعالِ إلى أنّهُ: ما كملَ إلاّ بعلاجٍ كبيرٍ.
قولهُ: (معضلاتِ الأمورِ) (٣) سيأتي في فنِّ المعضلِ بيانُ أنّهُ يصحُ أنْ يكونَ بفتحِ الضادِ؛ ليتآخى معَ ما تقدمهُ مِنْ أسماءِ الأنواعِ.
وقولهُ: (فعلمُ الحديثِ خطيرٌ وقعهُ) (٤) الفاءُ فيهِ على توهمِ أما، أو تقديرِ شرطٍ، والخطيرُ: الشريفُ والرفيعُ، والوقعُ: المكانُ المرتفعُ منَ الجبلِ، أي: رفيعٌ، أو شريفٌ ارتفاعهُ، والمرادُ أنَّ أثرهُ في العِظمِ كأثرِ الثقيلِ الصلبِ الواقعِ مِنْ علوٍ، واللهُ أعلمُ. (٥)
قولهُ (٦): (عليهِ مدارُ أكثرِ (٧) الأحكامِ) (٨) إن قيلَ: إنّما مدارُ الأحكامِ على نفسِ الحديثِ، لا على العلمِ باصطلاحهِ، قيلَ: بل على العلمِ باعتبارِ أنّهُ لا يعرفُ حالَ الحديثِ ليعملَ بهِ إلا بمعرفةِ العلمِ، فهوَ آلةٌ لابدَّ منها، والمتوقفُ على المتوقفِ على الشيءِ متوقفٌ على ذَلِكَ الشيء (٩)، والمرادُ بعلمِ الحديثِ في قولهِ:
«فعلمُ الحديثِ خطيرٌ وقعهُ» ليسَ مجردَ هذا الاصطلاح، بل معَ المشتملِ على أحوالِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٥) من قوله: «قلت: قوله: الفرد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) زاد بعدها في (ك): «عن علم الحديث».
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٩) عبارة: «والمتوقف على المتوقف » إلى هنا لم ترد في (ك).
[ ١ / ٥٥ ]
الرجالِ، والعللِ، والغريبِ / ٣أ /، ونحوِ ذَلِكَ مما يصيرُ بهِ الرجلُ نقادًا
جهبذًا، كما سيأتي في تعريفهِ (١)، ولأهلِ هذا العلمِ اصطلاحٌ يُعبِّرونَ بهِ عن مقاصدهمْ، إذا حكموا على متنٍ منَ المتونِ بشيءٍ.
وهذهِ الألفيةُ في علمِ هذا الاصطلاحِ المنسوبِ إلى أئمةِ علمِ الحديثِ.
قولهُ: (ألَّفْتُها) (٢) الأولى: للعددِ، أي: جعلتها ألفًا، وربما يُناقشُ فيهِ بأنَّ كل شطرٍ مِنَ الرجزِ إذا استعملَ هكذا بيتٌ، وقد يجابُ بأنَّ المرادَ ألفٌ مزدوجٌ، واللهُ أعلمُ.
والثانيةُ: بمعنى: صنفتها، أي: ضممتُ صنفًا إلى صنفٍ.
قولهُ: (رأيتهُ كبيرَ الحجمِ) (٣)، أي: ظننتُ أنّهُ إذا كَمُلَ يكونُ كبيرًا، وإلا فهوَ لمْ يوجدْ منهُ إلا قطعةٌ يسيرةٌ وصلَ فيها إلى الضعيفِ.
قولهُ: (غير مفرطٍ) (٤) يجوزُ خفضُ «غَير» صفةً لـ «شرحِ»، ونصبهُ على الحالِ مِنْ ضميرِ المصنّفِ في «شرعتُ»، أو من ضميرِ الشرحِ في
«متوسطِ»، ولفظةُ «مفرط» الأولى رأيتها في بعضِ النسخِ مشددةً مِنَ التفريطِ، والثانيةُ مخففةٌ مِنَ الإفراط، والأحسنُ العكسُ لوجهينِ:
الأولُ: القربُ مِنْ موازنةِ متوسطٍ.
والثاني: أنْ يكونَ تعلقهُ بما كثرَ، فأملَّ، ولا قصرَ، فأخلَّ، على طريقِ اللفِ والنشرِ المرتبِ، أي: غير مبالغٍ في الكلامِ، ولا مسهبٍ فيحصلُ لطالبهِ مللٌ، ولا متهاونٍ بتركِ شيءٍ مِنَ الأنواعِ، فيخلُ ببعضِ المقاصدِ.
_________________
(١) عبارة: «كما سيأتي في تعريفه» لم ترد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٨.
[ ١ / ٥٦ ]
قوله: (معَ فوائد) (١) حالٌ مِنْ ضميرِ «متوسط»، أي (٢): حال كونِهِ كذا، وحالُ كونهِ مصاحبًا لفوائدَ زائدةٍ على شرحِ الكتابِ.
قولهُ:
١ - يَقُوْلُ رَاجِي رَبّهِ المُقْتَدِرِ عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسيْنِ الأَثَريْ
٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذي الآلاءِ على امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ
٣ - ثُمَّ صَلاَةٍ وسَلامٍ دَائِمِ على نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ
٤ - فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ
٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ
٦ - لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ وَزِدْتُهَا عِلْمًَا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ
٧ - فَحَيْثُ جَاءَ الفِعْلُ والضَّميْرُ لِواحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُوْرُ (٣)
٨ - كَـ (قَالَ) أوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ مَا أُرِيْدُ إلاَّ ابْنَ الصَّلاحِ مُبْهَمَا
٩ - وَإِنْ يَكُنْ لاثْنَيْنِ نَحْوُ (الْتَزَمَا) فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا
١٠ - وَاللهَ أرجُوْ في أُمُوْرِي كُلِّهَا مُعْتَصِمًَا في صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا
لا يقالُ: ابتدأ بغيرِ الحمدِ في خطبةِ هذا النّظمِ؛ لأنّهُ يُقال: إن قولَهُ: «مِنْ بعدِ» يدفعُ ذَلِكَ، على (٤) أنَّ صاحبَ /٣ب/ الشرعِ - ﷺ - الذي حثّنا على الابتداءِ بالحمدِ، أشارَ لنا إلى أنَّ الابتداءَ بالتعريفِ بالمكتوبِ منهُ، والمكتوب إليهِ، لا يكونُ مخلًا بهِ، فكانَ يرسلُ - ﷺ - الكتبَ فيكتبُ في أولها: مِنْ محمدٍ رسولِ الله إلى فلانٍ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٨.
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) معنى البيت لا يكتمل إلاّ بالبيت الذي بعدهُ، وهو عَيْبٌ عند العروضيين ويُسَمَّى بـ «التضمين».
(٤) عبارة: «إنّ قوله «من بعد» يدفع ذلك على» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٥٧ ]
يذكر ذَلِكَ قبلَ الحمدِ.
روى الطبراني (١)، وأبو نعيمٍ في "الحليةِ " (٢)، عن معاذٍ - ﵁ -: أنَّ النّبيَّ - ﷺ - أرسلَ إليهِ يُعزيهِ بابنهِ: مِنْ محمدٍ رسولِ اللهِ إلى معاذِ بن جبلٍ، سلامٌ عليكَ، فإني أحمدُ إليكَ اللهَ الحديثَ.
وفي "الصحيحينِ" (٣) حديثُ ابنِ عباسٍ - ﵄-: «منْ محمدٍ رسولِ اللهِ إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على منِ اتبعَ الهدى». (٤)
فكان التعريفُ بالمرسلِ والمرسلِ إليهِ قائمٌ مقامَ ما لو دفعَ المرسِلُ الكتابَ إلى المرسَلِ إليهِ مِنْ يدهِ، وقالَ لهُ: هذا كتابي إليكَ، فاقرأهُ، فكما لا يكونُ قولهُ لذلكَ مخلًا بالابتداءِ بالحمدِ، كذلكَ لا تكونُ كتابتهُ في أولِ الكتابِ مخلةً، على أنَّ التسميةَ مِنْ أفرادِ الحمدِ؛ فإنّهُ الثناءُ بالجميلِ، وقد ابتدأ بها قبلَ ذَلِكَ، ولو لمْ يكن كذلكَ كانَ قولهُ: «ربهُ المقتدرِ» حمدًا لما تقدمَ (٥).
_________________
(١) معجم الطبراني ٢٠/ ١٢٩ (٣٢٤)، وهو حديث موضوع لايصح فإن في سنده مجاشع بن عمرو كذاب (الميزان ٣/ ٤٣٦)، ومن أوهام الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٧٣ أنه قال: «غريب حسن، إلا أن مجاشع بن عمرو ليس مِنْ شرط هذا الكتاب» فتعقبه الذهبي بقوله: «ذا من وضع مجاشع».
(٢) حلية الأولياء ١/ ٢٤٣ وقال عقبه: «كل هذه الروايات ضعيفة لا تثبت، فإن وفاة ابن معاذ كانت بعد وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، وإنما كتب إليه بعض الصحابة فوهم الراوي، فنسبها للنبي - ﷺ -».
(٣) صحيح البخاري ١/ ٥ (٧) و١/ ٢٠ (٥١) و٣/ ٢٣٦ (٢٨١) و٤/ ٢٢ (٢٨٠٤) و٤/ ٥٤ (٢٩٤٠) و٤/ ١٢٣ (٣١٧٤) و٤/ ٦٦ (٢٩٧٨) و٩/ ٩٤ (٧١٩٦)، وصحيح مسلم ٥/ ١٦٣ (١٧٧٣) (٧٤).
(٤) من قوله: «روى الطبراني » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) من قوله: «على أن التسمية » إلى هنا لم يرد في (ك)، وورد عوضًا عنه عبارة: «والله أعلم».
[ ١ / ٥٨ ]
قولهُ: (الأثري) (١) نسبةً إلى الأثرِ (٢) وهوَ لغةً: البقيةُ، ويطلقُ على ما يُروى بسندٍ سواءٌ كانَ مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أو موقوفًا، وعنْ خطِّ شيخِنا أَنَّ بعضَ الفقهاءِ قصرهُ على الموقوفِ كما سيأتي، انتهى (٣).
والمرادُ بهِ علمُ الأثرِ كما يقالُ: الأصولي، والمرادُ بهِ العالمُ بعلمِ الأصولِ، فالمرادُ بالأثرِ في هذهِ النسبةِ جميعُ ما يبحثُ عنهُ في علمِ الحديثِ، تسميةً للشيءِ باسمِ جزءهِ، كالمحدثِ سواءًا.
وأما إذا أطلقَ / ٤أ / الأثرُ فهوَ المأثورُ عن الصحابيِ فَمَنْ دونهُ، وكذا الحديثُ خاصٌّ بما أضيفَ إلى النبي - ﷺ -، فقولُ المصنفِ: إنَّ الأثرَ هو الحديثُ (٤)، يحملُ على أَنَّ المرادَ علمُ الأثرِ - علمُ الحديثِ (٥) - ونسبتهُ للأثرِ دونَ غيرهِ مِنْ براعةِ الاستهلالِ، أي: هذا العلم الذي أنا شارعٌ فيهِ هوَ علمُ الحديثِ والآثارِ.
قولهُ: (مِنْ بعدِ حَمدِ) (٦)، أي: إنّما قلتُ هذا البيتَ الذي قدمتهُ في الوضعِ بعدَ أنْ حمدتُ اللهَ تعالى.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١).
(٢) انظر: الأنساب ١/ ٨١، واللباب ١/ ٢٨.
(٣) قال ابن حجر في نكته ١/ ٥١٣، وبتحقيقي: ٢٩٤: «هذا وقد وجد في عبارة الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في مواضع، والأثر في الأصل: العلامة والبقية والرواية، ونقل النووي عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف معًا، ويؤيده تسمية أبي جعفر الطبري كتابه " تهذيب الآثار " وهو مقصور على المرفوعات، وإنما يورد فيه الموقوفات تبعًا. وأما كتاب " شرح معاني الآثار " للطحاوي فمشتمل على المرفوع والموقوف - أيضًا - والله تعالى الموفق». وانظر: الرسالة للإمام الشافعي الفقرات (٥٩٧) و(١٤٦٨)، ونكت الزركشي ١/ ٤١٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٨.
(٥) من قوله: «نسبة إلى الأثر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢).
[ ١ / ٥٩ ]
قولهُ: (جلَّ عنَ إحصاءِ) (١) أصلُ هذا أَنَّ العربَ كانتْ إذا تفاخرَ منهمُ اثنانِ، أخذوا حصًا، فكلما ذكرَ واحدٌ منهمْ منقبةً لعشيرتهِ، أو نفسهِ، ألقى حصاةً؛ لأنهم كانوا غالبًا لا يكتبونَ (٢)، فإذا فرغوا المفاخرة عَدّوا الحصى، فمنْ كانتْ حصاهُ أكثرَ، قضوا لهُ بالفخرِ والسؤددِ.
قلتُ: ومنهُ قولُ الأعشى:
ولستُ بالأكثرِ منهم حصى وإنّما العزةُ للكاثرِ (٣)
واللهُ أعلمُ. (٤)
قولهُ: (ثمَّ صلاةٍ) (٥) عطفَ بـ «ثمَّ» المقتضيةِ للترتيبِ معَ المهلَةِ، إشارةً إلى أنّهُ أثنى على اللهِ سبحانهُ زيادةً على ما ذكرَ (٦) بينهما، كما كان ﵊ يفعلُ في خطبهِ (٧).
قولهُ: (وسلامٍ دائم) (٨) أفردَهُ باعتبارِ الفعلِ، أي: ثمَّ بعدَ تلفظٍ مني دائمٍ بصلاةٍ وسلامٍ، أو ثم صلاةٌ وسلامٌ دائمٌ كلٌ منهما.
قولهُ: (على نبيّ الخيرِ) (٩) ذكرَ النّبيَّ دونَ الرسولِ، وإنْ كانتِ الرسالةُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢).
(٢) في (ك): «لا يكتبون غالبًا».
(٣) ديوان الأعشى: ٩٤.
(٤) من قوله: «قلت: ومنه قول الأعشى » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التبصرة والتذكرة (٣).
(٦) جملة: «سبحانه زيادة على ما ذكر» لم ترد في (ف).
(٧) من قوله: «زيادة على ما ذكر » إلى هنا لم يرد في (ك) وورد عوضًا عنها كلمة: «بينهما» فقط.
(٨) التبصرة والتذكرة (٣).
(٩) التبصرة والتذكرة (٣).
[ ١ / ٦٠ ]
تستلزمُ النبوةَ؛ لأنَّ الرسولَ يشملُ الرسولَ (١) الملكيَّ والبشريَّ، وإنْ كانَ المقامُ يخصهُ بالبشريِّ، لكنْ لما ذكرَ «المراحم»، وكانَ الخبرُ ورد بقولهِ: «أنا نبيُّ الرحمةِ»، وفي روايةٍ «المرحمةِ» (٢) (٣) ذكرَ النبيَّ، والمقامُ يعرف /٤ب/ أنّهُ الرسولُ المبعوثُ إلى الخلقِ أجمعينَ، وهوَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلب - ﷺ -.
وروايةُ «الملحمةَ»، قال شيخُنا: رويته في الجزءِ الثاني منَ الأولِ مِنْ "فوائدِ أبي عمرو بنِ السّماكِ"، مِنْ طريقِ الضحاكِ، عنِ ابنِ عباسٍ -﵄- رفعهُ: «إنَّ اللهَ بعثني مرحمةً وملحمةً » الحديثَ (٤) (٥).
_________________
(١) كلمة «الرسول» لم ترد في (ف).
(٢) عبارة: «وفي روايةٍ المرحمةِ» لم ترد في (ك).
(٣) الذي في " صحيح مسلم " ٧/ ٩٠ (٢٣٥٥) من حديث أبي موسى الأشعري، قال: كان النبي (يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». وهو عند الطيالسي (٤٩٢)، وابن سعد في " الطبقات " ١/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٣١٦٨٤)، وأحمد ٤/ ٣٩٥ و٤٠٤ و٤٠٧، والطحاوي في " شرح المشكل " (١١٥٢)، والحاكم في " المستدرك " ٢/ ٦٠٤، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ١٥٦. والحديث صحيح «متفق عليه» من حديث جبير بن مطعم، وهو مخرج عندي بتوسع في كتاب " شمائل النبي (" (٣٦٦). وهو صحيح أيضًا، من حديث حذيفة بن اليمان، عند أحمد ٥/ ٤٠٥، والترمذي في " الشمائل " (٣٦٧) و(٣٦٨).
(٤) من قوله: «ورواية الملحمة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٣٢٧، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٤/ ٣٠٢، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٢/ ٢٣٧ مِنْ طريق سلام بن سليمان، قال: حدثنا حمزة الزيات، =
[ ١ / ٦١ ]
قولهُ: (فهذهِ) (١) هذا مقولٌ بقول (٢)، والفاءُ فيهِ جوابٌ لشرطٍ محذوفٍ، تقديرهُ: يقولُ فلانٌ مِنْ بعدِ كذا: أيها الطالبُ إنْ كنتَ تبحثُ عن علمِ اصطلاحِ أهلِ الحديثِ الذي لم يَبقَ منهُ إلا رسمٌ دارسٌ، فهذهِ المقاصدُ المهمةُ التي نظمتها مِنْ كتابِ ابنِ الصلاحِ، توضحُ لكَ مِنْ علمِ الحديثِ رسمهُ الذي خفي عليكَ.
قلتُ: قولهُ: (منْ علمِ الحديثِ) (٣) هو علمٌ يُبحثُ فيهِ عن سنّةِ النّبيّ - ﷺ -
إسنادًا، ومتنًا، لفظًا، ومعنى، مِنْ حيثُ القبول والردّ، وما يتبعُ ذَلِكَ مِنْ كيفيةِ تَحمُّلِ
_________________
(١) = عن الأجلح بن عبد الله، عن الضحاك، عن ابن عباس، به. وأخرجه: الدارقطني في " الغرائب والأفراد " كما في " أطراف الغرائب والأفراد "
(٢) ، وقال: «غريب مِنْ حديث الزيات، عن الأجلح بن عبد الله، تفرد به سلام ابن سليمان المدائني عنه» وسلام هذا هو سلام بن سليمان بن سوار، أبو العباس الثقفي المدائني. قال أبو حاتم: «ليس بالقوي». وقال ابن عدي: «منكر الحديث» وقال أيضًا: «عامة ما يرويه حسان إلا أنه لا يتابع عليه». وقال العقيلي: «في حديثه عن الثقات مناكير». انظر: الضعفاء الكبير ٢/ ١٦١، والكامل ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٨، وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٨. وأخرجه: أبو نعيم في الحلية ٤/ ٧٢ مِنْ طريق الحسين بن حفص، قال: حدثنا سفيان، عن أبي موسى اليماني، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، به. وقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب مِنْ حديث الثوري، تفرد به الحسن». وأبو موسى اليماني مجهول، قال الذهبي: «ما روى عنه غير الثوري، ولعله إسرائيل بن موسى، وإلاّ فهو مجهول».
(٣) التبصرة والتذكرة (٤).
(٤) عبارة: «هذا مقول بقول» لم ترد في (ك).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤).
[ ١ / ٦٢ ]
الحديثِ وروايتهِ، وكيفيةِ ضبطهِ وكتابتهِ، وآدابِ راويهِ وطالبهِ، أو يقالُ - وهوَ أخصرُ -: إنه علمٌ يعرفُ منهُ حالُ الراوي، والمروي مِنْ حيثُ الرواية (١).
وموضوعهُ بالذاتِ: الأحاديثُ النبويةُ مِنْ حيث الرواية.
وبالعرضِ: كلّ مروي؛ فإنّهُ يبحثُ فيهِ عن عوارضهِ اللاحقةِ لهُ مِنْ حيثُ الرواية.
وفائدتهُ: معرفةُ ما يقبلُ مِنْ ذَلِكَ ليعملَ بهِ، وما يردُّ ليجتنبَ.
ثمَّ رأيتُ الإمامَ شمسَ الدينِ محمدَ بنَ إبراهيمَ بنِ ساعدٍ الأنصاريَّ المعروفَ بابنِ الأكفانيِّ الشافعيّ قالَ في كتابهِ "إرشاد القاصدِ" (٢) الذي تكلمَ فيهِ على أنواعِ العلومِ، وتعاريفها، وما /٥أ/ صُنفَ فيها مِنْ محاسنِ الكتبِ:
علمُ الحديثِ الخاص بالروايةِ: علمٌ يشتملُ على نقلِ أقوالِ النبيِّ - ﷺ -، وأفعالهِ، وروايتها، وضبطها، وتحريرِ ألفاظها.
وعلمُ الحديثِ الخاصّ بالدرايةِ: علمٌ تعرفُ منه حقيقةُ الروايةِ، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحالُ الرواةِ، وشروطهمْ، وأصنافُ المروياتِ، وما يتعلقُ بها. انتهى.
_________________
(١) قال ابن حجر في كتابه " النكت " ١/ ٢٢٥ وبتحقيقي: ٥٥: «وأولى التعاريف لعلم الحديث؛ معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي»، وهذا يتعلق بعلم الحديث درايةً. وانظر تفصيل هذا في البحر الذي زخر ١/ ٢٢٦، وتدريب الراوي ١/ ٤٠.
(٢) قال العلامة حاجي خليفة في كتابه " كشف الظنون " ١/ ٦٦: «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد للشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني السنجاري المتوفي سنة أربع وتسعين وسبعمئة، مختصرًا أوله: الحمد لله الذي خلق الإنسان وفضله الخ ذكر فيه أنواع العلوم وأصنافها وهو مأخذ مفتاح السعادة لطاشكبري زادة، وجملة ما فيه ستون علمًا منها عشرة أصلية، سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامه، وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنْزل وذكر في جملة العلوم أربعمئة تصنيف».
[ ١ / ٦٣ ]
فحقيقةُ الروايةِ: نقلُ السُّنّةِ ونحوها، وإسنادُ ذَلِكَ إلى منْ عزيَ إليهِ بتحديثٍ، أو إخبارٍ، أو غيرِ ذَلِكَ.
وشروطُها: تَحمُّلُ راويها لما يرويهِ بنوعٍ مِنْ أنواعِ التحمّلِ، مِنْ سماعٍ، أو عرضٍ، أو إجازةٍ بكتابةٍ أو مشافهةٍ، ونحوِ ذَلِكَ.
وأنواعُها: الاتصالُ والانقطاعُ، ونحوهما.
وأحكامها: القبولُ، والردّ.
وحالُ الرواةِ: العدالةُ، والجرحُ.
وشروطهم في التحمّلِ، إنْ كان بالسماعِ، وكانَ الراوي ممنْ يسمعُ، فكونهُ مُصغيًا للمسموعِ غَير غافلٍ، ولا مُشتغلٍ بشيءٍ، وإنْ كان ممنْ لا يصحُ سماعهُ، فكونهُ بحيث يمكنُ سماعهُ عادةً، وإنْ كانَ بالإجازةِ، فكونهُ معينًا مثلًا، وفي الأداءِ كونُ الراوي مسلمًا عاقلًا خاليًا عنْ بدعةٍ هو داعيةٌ إليها، ونحو ذَلِكَ.
وأصنافُ المرويات: المصنفات مِن المسانيدِ، والمعاجمِ، والأجزاءِ، وغيرها، أحاديثَ، وآثارًا، وأشعارًا، وغيرها.
وما يتعلقُ بها هوَ: معرفةُ اصطلاحِ أهلها.
ثمَّ رأيتُ الإمام شمسَ الدينِ محمدَ بنَ يوسف الكرمانيَّ الشافعيَّ قالَ (١) في مقدمةِ شرحهِ للبخاري: «واعلم أَنَّ علمَ الحديثِ موضوعهُ: ذاتُ رسولِ اللهِ
/ ٥ب / - ﷺ - مِنْ حيثُ إنّهُ رسولُ اللهِ، وحدُّهُ: هو علمٌ يعرفُ بهِ أقوالُ
رسولِ الله - ﷺ -، وأفعالهُ، وأحوالهُ، وغايتهُ: هوَ (٢) الفوزُ بسعادةِ الدارينِ» (٣).
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «لم يرتض الشيخ كلام الكرماني كما ستراه».
(٢) لم ترد في شرح الكرماني.
(٣) شرح الكرماني ١/ ١٢.
[ ١ / ٦٤ ]
وكأنَّ مرادهُ بالعلمِ نفسَ الاطلاعِ على الحديثِ فقطْ، وليسَ موضوعهُ إلا الدين؛ فإنّهُ يبحثُ فيهِ عن عوارضهِ الذاتيةِ، ولمْ يُقيّدِ المعرفة بحيثيةِ النقد، فدخلَ في تعريفهِ الاستنباطُ.
وأما علمُ الاصطلاحِ، فغايتهُ: معرفةُ الصحيحِ مِنْ غيرهِ، واللهُ أعلمُ (١).
قولهُ: (الآلاء) (٢) مرادُ الشيخِ بقولهِ: «وقيلَ»: كذا حكايةُ الخلافِ، لا أَنَّ ما بعد «قيلَ» ضعيفٌ.
وحكى النوويُّ (٣) أيضًا ألىً مثل نضوٍ (٤)، ورخوٍ، وحَكى شيخنا قاضي القضاة إلى مثل حرفِ الجرِّ.
قالَ ابنُ الأثيرِ في " النهايةِ " (٥): «الآلاءُ: النعمُ، واحدها (٦): ألىً بالفتحِ والقصرِ، وقدْ تُكسر الهمزة». انتهى. (٧)
_________________
(١) من قوله: «قلت: قوله: من علم الحديث » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) التبصرة والتذكرة (٢).
(٣) هو أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ولد سنة (٦٣١) هـ، وتوفي سنة (٦٧٦) هـ، له مؤلفات نافعة منها: المجموع، والروضة، وشرح صحيح مسلم. انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي: ٥١٣.
(٤) في (ك): «صنو».
(٥) النهاية ١/ ٦٣.
(٦) في (ف): «وأصلها».
(٧) من قوله: «قال ابن الأثير » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٦٥ ]
وأنشدنا (١) في ذَلِكَ شيخنا (٢) لابنِ الوردي في أبياتٍ يُعاتبُ فيها ابن الزملكاني:
قالَ: أنا من قلتُ: لا إنَّ مِنْ للابتداءِ أنتَ كذا قالَ: لا
أنا إلى قلت: إلي نعمةٍ وجمعُها الآلاءُ عندَ الملا
أينَ هي النّعمةُ في (٣) قاطعٍ بقربهِ ما حَقَّ أنْ يوصلا
قلتُ: وزادَ في "القاموسِ": «ألْي -بفتحٍ وسكونٍ- كظَبْي، وأُلْو - بضم وسكونٍ - كحُلْوٍ». وتمثيلُ المصنفِ في صورةِ الفتحِ، وتركُ التنوينِ بقفى ليسَ بجيدٍ؛ فإنَّ قفى مُنَونٌ، فَحقّهُ أَن يقول: كعُلى مثلًا، واللهُ أعلمُ (٤).
قولهُ: (تبصرةً) (٥) مفعولٌ لأجلهِ.
قولهُ: (المبتدي) (٦)، أي: في معرفة الاصطلاحِ، والمنتهي فيهِ، اللذينِ لم يُسنِدَا شيئًا، وتبصرةً للمسندِ / ٦أ / المبتدئِ في هذا العلمِ، وتذكرةً للمسندِ المنتهي فيهِ.
وحاصلهُ: أنها تذكرةٌ وتبصرةٌ للمبتدي والمنتهي، سواءٌ كانا مسندينِ أمْ لا؛ لئلا يتوهمَ أَنَّ المسنِدَ لا يصيرُ مسنِدًا، حتى يحتوي على فنونِ هذا العلمِ، فلا يكونُ محتاجًا إلى هذهِ " الألفيةِ " (٧).
_________________
(١) في (ك): «وأنشد».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) في (ف): «من».
(٤) من قوله: «في أبيات يعاتب » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التبصرة والتذكرة (٥).
(٦) التبصرة والتذكرة (٥)، ولفظه: «للمبتدي».
(٧) قال السيوطي: «المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم بهِ أو ليس لهُ إلاّ مجرد الرواية وأما المحدث فهو أرفع». تدريب الراوي ١/ ٤٣.
[ ١ / ٦٦ ]
قولهُ: (لخصتُ) (١) إنْ قيلَ: تأكيدهُ بـ «أجمعَ» يدلُّ على أنّهُ لم يحذفْ منهُ شيئًا، معَ أنّهُ قد حذفَ كثيرًا مِنَ الأمثلةِ والتعاليلِ، قيلَ: حقيقةُ التلخيصِ أنْ يستوفي مقاصدَ الكتابِ الملخصِ بكلامٍ أوجزَ، فربما توهمَ أنّهُ إذا قال ابن الصّلاحِ، أنَّ المرادَ معظمُ كتابهِ (٢)، فأكدَّ بـ «أجمعَ»؛ ليدلَّ على أنّهُ لم يحذفْ مِنْ مقاصدهِ شيئًا، وإنما كانَ يردُ عليهِ لو قالَ: اختصرتُ؛ لأنَّ الاختصارَ أعمُّ مِن التلخيصِ، فتارةً يكونُ اقتصارًا على بعضِ الأصلِ معَ استيفاءِ المقاصدِ كالتلخيصِ، وتارةً مع حذفِ بعضِ المقاصدِ (٣)، وتارةً يكونُ موفيًا بجميعِ الأصلِ مِنَ المقاصدِ، وغيرها (٤) بكلامٍ وجيزٍ، فإذا قالَ: اختصرتُ كانَ مترددًا بينَ المعاني الثلاثِ (٥)، فإذا أكدَّ بـ «أجمعَ» اختص بالثالثِ (٦)، وهو أنّهُ لمْ يحذفْ شيئًا مِنْ معانيهِ، لا مقصدًا، ولا مثالًا، ولا غيرهما.
قلتُ: هذا العرفُ، وكلامُ أهلِ اللغةِ لا يأباهُ.
قالَ ابنُ فارس في "المجملِ": «لخّصتُ الشيءَ: إذا بينتهُ في كتابةٍ، أو غيرها» (٧).
وقال الفارابي في "ديوانِ الأدبِ" في بابِ التفعيلِ: «لخّصَ القصةَ، أي: شرحها». وقالَ عبدُ الحقِّ (٨) في كتابِ " الواعي في حديثِ عليٍّ - ﵁ - ":
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦).
(٢) في (ك): «ابن الصلاح».
(٣) عبارة: «وتارة مع حذف بعض المقاصد» لم ترد في (ك).
(٤) عبارة: «من المقاصد وغيرها» لم ترد في (ك).
(٥) في (ك): «المعنيين».
(٦) في (ك): «الثاني».
(٧) مجمل اللغة مادة (لخص).
(٨) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الإشبيلي، المعروف بابن الخراط، له مصنفات منها: الجمع بين الصحيحين، والأحكام الوسطى، والرقاق، والواعي في حديث علي - ﵁ -، وغيرها، توفي سنة (٥٨١) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٩٨، وشذرات الذهب ٤/ ٢٧١.
[ ١ / ٦٧ ]
«قعد ليلخّصَ ما التبسَ على غيرهِ، لخّصت الشيءَ تلخيصًا: بينتهُ».
وقالَ في "القاموسِ" (١): «التلخيصُ: التبيينُ والشرحُ، والتلخيصُ لَخَصَ (٢) البعير لَخْصًا: نظر إلى شحمِ / ٦ب / عَينهِ منحُورًا»، وذَلِكَ أَن يشقَّ جلدةَ العينِ فينظرَ أيرى شحمًا، أم لا.
وعبارةُ ابنِ القطاعِ (٣) في " الأفعالِ " (٤): «لخصَ البعيرَ لخصًا: نظرَ إلى عينهِ بعدَ نحرهِ ممتحنًا سِمنهُ، فالمادةُ (٥) كما ترى تدورُ على البيانِ أخذًا مِنْ لخص البعير، وتارةً يكونُ بحذفِ الفضولِ، واختصارِ الطولِ، وتقريبِ الألفاظِ؛ ليسهلَ الحفظُ، فيتصرف الذهنُ، فإنَّ الوعي قبلَ الفهمِ، وتارةً يكونُ بفتحِ المقفلِ ونشرِ المطوي، لكنهُ صارَ في العُرفِ مختصًا بالأولِ (٦).
وأما الاختصارُ فقالَ في " القاموس ": «الخصرُ وسطُ الإنسان، وأخمص القدمِ، وما بينَ أصلِ الفوقِ والرِّيشِ» (٧). وقالَ في " المجملِ": «الاختصارُ في
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (لخص).
(٢) كتب ناسخ (أ) فوقها: «خف» دليل على أنَّ الكلمة مخففة وغير مثقلة.
(٣) هو علي بن جعفر بن علي بن محمد أبو القاسم القطاع السعدي المعروف بابن الصقلي الأديب اللغوي نزيل مصر ولد سنة (٤٣٣) هـ، وتوفي سنة (٥١٥) هـ، له مصنفات منها: الأفعال، وأبنية الأسماء وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٣٣ - ٤٣٤، وشذرات الذهب ٤/ ٤٥.
(٤) الذي وجدته في كتاب الأفعال ٣/ ١٤٠: «ولخصت العين لخصًا ورم ما حولها، والضرع كثر لحمه؛ فلا يكاد اللبن يخرج منه».
(٥) كتب ناسخ (أ) تحت هذه الكلمة: «أي: لخص». لتوضيح المراد وهذا دليل على اهتمام الناسخ.
(٦) كتب ناسخ (أ) تحتها موضحًا: «أي: التلخيص».
(٧) القاموس المحيط مادة (خصر).
[ ١ / ٦٨ ]
الكلامِ تركُ فضولهِ، واستيجازُ معانيهِ» (١). وقالَ في " ديوانِ الأدبِ ": «اختصرَ الكلام إذا أخذَ منهُ ما يردهُ إلى الإيجازِ، واختصرَ الطريقِ إذا أخذ أقرب مآخذه». وقالَ في " القاموسِ ": «واختصرَ: حَذَفَ الفضولَ، والطريقَ سلكَ أقربهُ، وفي الحَزِّ (٢) ما استأصلهُ، واختصرَ السورة قرأها، وتركَ آية سجدتها لئلا يسجدَ، أو أفردَ آيتها فقرأ بها ليسجدَ فيها، وقرأ آيةً، أو آيتينِ مِنْ آخرِ السورةِ في
الصلاةِ» (٣)، فمادتهُ تدورُ على الدقةِ والتوسطِ، مِنْ خصرِ الإنسانِ وما شاكلهُ، وهذا المعنى (٤) تارةً يكون بحذفِ بعضِ الشيءِ مع استيفاءِ معناهُ، أخذًا منِ اختصارِ الطريقِ، وتارةً بالاقتصارِ على البعضِ بعد حذفِ مالا دلالةَ للباقي عليهِ أخذًا مِنِ اختصارِ السورةِ.
وقالَ الإمامُ أبو نصر بنُ الصباغِ (٥) في أولِ " الشاملِ ": «والاختصارُ: إيجازُ اللفظ مِنْ غيرِ إخلال المعنى. واشتقاقُهُ منَ الجمعِ، ولهذا سميتِ المخصرةُ /٧أ/ لاجتماعِ المتكيءِ عليها، والخاصرةُ لاجتماع البدنِ عليها، فكأنّهُ يجمعُ معنى الكثيرِ في القليلِ مِن اللفظِ، والاختصارُ محمودٌ؛ لأنَّ النبي - ﷺ - تَمَدَّحَ بِهِ، فقالَ: «أُوتيتُ جوامعَ الكلمِ، واختصر لي الكلام اختصارًا» (٦)، وقد أعجزَ اللهُ تعالى العربَ بقولهِ:
_________________
(١) مجمل اللغة مادة (خصر).
(٢) في جميع النسخ الخطية «الجز»، والمثبت من " القاموس المحيط ".
(٣) القاموس المحيط مادة (خصر).
(٤) عبارة: «وهذا المعنى» لم تردفي (أ) و(ك).
(٥) هو أبو نصر الصباغ عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، شيخ الشافعية، الفقيه المعروف بابن الصباغ، له تصانيف منها: الشامل، والكامل، وغيرها، توفي سنة (٤٧٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٦٤، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٥.
(٦) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ١/ ١٥ بهذا اللفظ، وقال: «رواه العسكري في الأمثال عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا بهذا اللفظِ لكن في سنده من لم يعرف». = وأخرجه: عبد الرزاق (١٠١٦٣)، ومن طريقه البيهقي في " شعب الإيمان " (٥٢٠٢) عن معمر، =
[ ١ / ٦٩ ]
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) فإنَّهُ أقلُّ لفظًا، وأجمعُ معنى مِنْ قولهم: القتلُ أنفى للقتلِ (٢)، ورُويَ عنْ علي بن أبي طالبٍ - ﵁ -، قالَ: «خيرُ الكلامِ، ما قلَّ ودَلَّ، ولم يَطُلْ فَيُمَلَّ»». انتهى.
وكلامهُ (٣) كلهُ راجعٌ إلى المعنى الأولِ مما دارت عليه المادة، وهو الثالث في كلام شيخنا (٤).
قولهُ: (عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ المسنديُّ) (٥) هو ابنُ محمد بنِ عبدِ اللهِ بن جعفرَ ابنِ اليمانِ بنِ الأخنسِ أبو جعفرَ الجعفيُّ؛ نُسبَ إلى ذَلِكَ؛ لجمعهِ الحديثَ المسندَ، والإمعانِ في تتبعهِ، فإنَّهُ كانَ في وقتِ الطلبِ يتتبعُ المسانيدَ، ولا يرغبُ في المقاطيعِ والمراسيلِ (٦)، وقال الحاكمُ: «إنّهُ أولُ منْ جمعَ مسندَ الصحابةِ على التراجمِ بما وراءَ النهرِ» (٧). واليمانُ في نسبهِ هوَ الذي أسلمَ على يدهِ المغيرةُ بنُ بردزبه جدُّ الإمامِ البخاريِّ، وبردزبه: هو الزراعُ بالفارسيةِ.
_________________
(١) = عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - بلفظ: «إنما بعثت فاتحًا، وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم، وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصارًا، فلا يهلكنكم المهوكون». وفيه قصة. وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (١٤٣٦) من طريق الأحنف بن قيس، والمقدسي في المختارة (١١٥) من طريق خالد بن عرفطة؛ كلاهما عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، بنحوه.
(٢) البقرة: ١٧٩.
(٣) انظر في ذلك: البحر المحيط ٢/ ١٨ - ١٩.
(٤) كتب ناسخ (أ) موضحًا: «أي ابن الصباغ».
(٥) من قوله: «مما دارت» إلى هنا لم يرد في (أ) و(ك).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٠.
(٧) انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٧٠ (٣٥٢٤).
(٨) نقله ابن رجب في شرح علل الترمذي ١/ ٣٤٤، والحافظ ابن حجر في التقريب (٣٥٨٥).
[ ١ / ٧٠ ]
قولهُ: (ابنَ الصلاحِ) (١)، أي: كتابُ ابنِ الصلاحِ وهوَ الحافظُ العلامةُ تقيُّ الدينِ أبو عَمرٍو عثمانُ بنُ الصلاحِ عبد الرحمانِ بنُ عثمانَ بنِ موسى الكرديُّ الشهرزوريُّ الموصليُّ الشافعيُّ (٢)، ولد سنةَ سبعٍ وسبعينَ وخمسِ مئةٍ، وتوفي سادس عشري (٣) شهر (٤) ربيعِ الآخرِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئةٍ.
وقد أخبرني بكتابهِ شِفاهًا الصالحُ الفاضلُ الرحلةُ زينُ الدينِ عبدُ الرحمانِ بن العلامةِ سراجِ الدينِ عمرَ بنِ عبد الرحمانِ المقدسيّ الحنبليّ، عنِ الحافظِ صلاحِ الدينِ خليلِ /٧ب/ بنِ كيكلدي العلائي، قالَ: أخبرنا بجميعهِ محمدُ بنُ يوسفَ بنِ المهتارِ، قالَ: أخبرنا بهِ مؤلفهُ الحافظُ العلامةُ تقيُ الدينِ بنُ الصلاحِ سماعًا عليهِ في الخامسةِ مِنْ عمري.
وأخبرنا "بالألفيةِ" نظمهِ وشرحِهَا و" النُكَتِ " عليهِ، وغيرها مِنْ مصنفاتِ الشيخِ: شيخُنا حافظُ عصرهِ قاضي القضاةِ أبو الفضلِ شهابُ الدينِ أحمدُ بن حجرٍ -﵀- سماعًا عليهِ للألفيةِ، وشرحها في البحثِ غيرَ مرةٍ، وإجازةً لما فاتَ إنْ كانَ، ولغيرهِ عنِ المصنفِ حافظِ عصرهِ زينِ الدينِ عبدِ الرحيمِ بنِ الحسينِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦).
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، ومرآة الجنان ٤/ ٨٤ - ٨٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، وطبقات الحفاظ: ٤٩٩، والدارس ١/ ١٦، وطبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٧٧، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١، والأعلام ٤/ ٤٠٧، وقد فصلنا ترجمته في مقدمتنا لمعرفة أنواع علم الحديث: ١١ - ٦١.
(٣) هكذا في جميع النسخ.
(٤) كلمة: «شهر» لم ترد في (أ) و(ك).
[ ١ / ٧١ ]
العراقيِّ -﵀ - بقراءتهِ عليهِ " للألفيةِ "، ولشرحها، و" للنكتِ على ابنِ الصلاحِ " والباقي إجازةً إنْ لم يكنْ سماعًا.
قلتُ: قولهُ: (بطريق أولى) (١) إضافةٌ بيانيةٌ، أي: طريق هوَ أولى بالدلالةِ على ذَلِكَ مما مضى، فكأنّهُ قالَ بالطريقِ الأولى، وأما قولهم: بطريقِ الأولى فيخلُ لما بطريقِ الدلالةِ، أو الإيضاحِ، أو البيانِ الأولى، مما مضى في الدلالةِ على ذَلِكَ الشيءِ، واللهُ أعلمُ. (٢)
قولهُ: (رأيتُ أنْ أجمَعَها هُنا) (٣) إنْ قيلَ: كثير مِن الزياداتِ التي هي على هذا النحو لم تذكر هنا، قيلَ: إنّهُ حسنٌ برأي الشيخِ، ووقعَ اختيارهُ على جمعها، فأخذَ يسردُها شيئًا فشيئًا بقولهِ: ومنها ومنها، فذكر ما نشطَ لهُ، ثمَّ تركَ الباقي، اعتمادًا على ذكرهِ لهُ - (٤) في تضاعيفِ الشرحِ.
قولهُ: (في هامشِ الكتابِ) (٥) قالَ في "القاموسِ": «الهامشُ: حاشيةُ الكتابِ، مُولدٌ» (٦). انتهى.
قلتُ: ومادتهُ تدورُ على الجمعِ. قالَ في " القاموسِ ": «الهمش الجمعُ ونوعٌ مِنَ الحلبِ والعضِ، وهمشَ كضربَ وعلمَ: أكثرَ الكلامَ» (٧)، وقالَ ابنُ
/ ٨أ / القطاعِ: «همشَ القومُ همشةً وهمشًا: تَحركوا معَ كلامٍ، وهمشوا همشًا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠١.
(٢) من قوله: «قلت: هذا العرف » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠١.
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠١.
(٦) القاموس المحيط مادة (همش).
(٧) القاموس المحيط مادة (همش).
[ ١ / ٧٢ ]
كذلكَ» (١)، وقالَ الإمامُ عبدُ الحقِّ: «همشَ القومُ وتهامشوا: تحركوا، ودخلَ بعضهمْ في بعضٍ، والاهتماشُ الحكُّ». انتهى.
فكأنَّ الحاشيةَ لما جمعتِ الكتابةَ، وأحاطتْ بها مِنْ جوانبها الأربعِ بحيثُ لا يخرجُ منها شيءٌ، ولا يدخلُ فيها شيءٌ سميتْ بذلكَ.
قولهُ: (في الراءِ والزايِ) (٢) ونقل أنَّ ابنَ ماهانَ رواهُ الجُذامي -بالجيمِ والذالِ -، واللهُ أعلمُ. (٣)
قولهُ: (فحيثُ جاءَ الفعلُ) (٤) أي: المُجرد عن ضميرٍ بارزٍ لواحدٍ والضميرُ، أي: وحيثُ جاءَ الضميرُ المجردُ عنِ الفعلِ نحو (٥): لهُ، وبهِ، وعنهُ، فالواوُ في قولهِ: «والضميرُ» للعطفِ لا للحالِ، ومثَّلَ للفعلِ فقط بقولهِ: «كقالَ».
قولهُ في حكمِ الصحيحينِ والتعليق (٦): (لما قد أسندا) (٧) ونحوها مما هو قافيةٌ موهمٌ لإرادةِ ابنِ الصلاحِ على أَنَّ ألفهُ (٨) للإطلاقِ.
ولإرادةِ الشيخينِ (٩) البخاريِّ ومسلمٍ على أَنَّ ألفهُ للتثنيةِ فلا يعرفُ المرادُ منهُ إلا بالقرائن، والقرينةُ في «أسند» أَنَّ ابنَ الصلاحِ ليسَ لهُ مسندٌ، بخلافِ «التزما»،
_________________
(١) الأفعال ٣/ ٣٥٢ (همش).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠١.
(٣) من قوله: «قوله: رأيت أن أجمعها » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧).
(٥) في (ف) و(ك): «مثل»، وقد أشار إليها ناسخ الأصل بقوله: «في نسخة: مثل».
(٦) عبارة: «في حكم الصحيحين والتعليق» لم ترد في (ك).
(٧) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٨) لم ترد في (ك).
(٩) لم ترد في (ك).
[ ١ / ٧٣ ]
فإنّهُ مشكلٌ، لإمكانِ (١) أنْ يكونَ التزمَ شيئًا مِنَ الأشياءِ في بعض كتبهِ، ومن مثلهِ قولهُ في قسمِ المنقطعِ: (وقيلَ ما لمْ يتصل وقالا بأنه الأقربُ لا
استعمالا) (٢) والألفُ في قالَ للإطلاقِ.
قلتُ: قولهُ: (فيما بعدُ قد حققهُ) (٣) إنَّما لفظهُ في التنبيهاتِ التي بعدَ المقلوبِ فيما بعدهُ حَققهُ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ في (مبهمًا): (ويجوزُ كسرها) (٤)، أي: على أنَّهُ حالٌ منَ الناظمِ والفتحُ على أنّهُ حالٌ مِنِ ابنِ الصلاحِ.
قولهُ: (مرويهما) (٥) مثلهُ قولهُ في المؤتلفِ والمختلفِ: (ومِنْ هنا لمالكٍ، ولهما) (٦).
قولهُ: / ٨ ب /
أَقْسَامُ الْحَدِيْثِ (٧)
١١ - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ
١٢ - فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَادِ
١٣ - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي
_________________
(١) في (ك): «فإنَّه يمكن».
(٢) التبصرة والتذكرة (١٣٣).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٢، وهو إشارة إلى جزء مِنَ البيت (٢٥٢)، ولفظه : «فالشيخ فيما بعده حققهُ»، أي: والشيخ ابن الصلاح، وانظر: فتح الباقي ١/ ٣٠٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٢، وهو إشارة إلى جزء مِنَ البيت (٣٧).
(٦) التبصرة والتذكرة (٨٩٣).
(٧) من قوله: «ومن مثله » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٧٤ ]
الحديثُ مِنْ حيثُ هو حديثٌ لا يخلو عن أحدِ أمرينِ: إمّا أنْ يكونَ مقبولًا، أو مردودًا.
الثاني: الضعيفُ بأنواعهِ، ذكرهُ هنا بحسبِ التقسيمِ إجمالًا، ثم يفصلهُ بعدَ ذَلِكَ، ويذكرُ أقسامهُ، وأوهاها الموضوعُ، والأولُ إما أنْ يشملَ مِنْ أوصافِ القبول على أعلاها، أو أدناها، فالأولُ: الصحيحُ، والثاني: الحسنُ (١)، فإنْ قيلَ: لِمَ خصَّ المقبولَ بالتقسيمِ هنا؟ قيلَ: لأنّهُ الأصلُ، ومدارُ العملِ عليهِ، والحاجةُ تدعو فيهِ إلى الترجيحِ بخلافِ المردودِ، فإنا إذا علمنا حديثًا ضعيفًا تركنا العملَ بهِ، فإنْ كانَ موضوعًا فهوَ في التحقيقِ ليسَ مِنْ هذا العلمِ؛ لأنّهُ ليسَ مِنْ كلامِ النبي - ﷺ -، ومعَ ذلكَ فسيأتي الكلامُ على بقيةِ أنواعِ الضعيفِ، كالمقلوبِ والمضطربِ.
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «الحديثُ عندَ أهلهِ ينقسمُ إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ» (٢) فوافقهُ الشيخُ في البداءةِ بالصحيحِ؛ لأنّهُ المقصودُ بالذاتِ (٣)، وقدّمَ الضعيفَ على الحسنِ لأجلِ الوزنِ.
وأيضًا فلهُ نكتةٌ حسنةٌ، وهي أنّهُ قسَّمَ الخبرَ إلى القسمينِ، ثمَّ فرَّعَ عن الأولِ نوعًا آخر، ويزدادُ هذا التوجيه حسنًا عندَ منْ جعلَ الحسنَ مِنْ أنواعِ الصحيحِ كابنِ خزيمةَ (٤)، فإنّهُ على طريقتهمْ إنَّما ذكرَ القسمينِ: المقبولَ، والمردودَ.
_________________
(١) في (ك): «الحسن لذاته».
(٢) معرفة أنواع علوم الحديث: ٧٩.
(٣) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) هذا مما استفاده البقاعي من شيخه الحافظ ابن حجر، وقد علقت على هذه المسألة عند تحقيقي لكتاب مختصر المختصر، فقلت في المقدمة ١/ ٧٢: «ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: أنَّ ابن خزيمة لا يفرد الحسن عن الصحيح، وتبع ابن حجر بعضهم على ذلك. والذي يبدو لي أنَّهُ لا ينبغي للحافظ ابن حجر أن يذكر مثل هذا لاسيما وأن قضية الحكم على الأحاديث بالحسن أو الصحة قضية اجتهادية تختلف أنظار المحدِّثين فيها، ومع ذلك فقد قمت باستقراء الأحاديث الحسان التي في كتاب ابن خزيمة، ثم سرت هناك أرقامها، وقد بلغت
(٥) حديثًا.
[ ١ / ٧٥ ]
وغايتهُ: أنّهُ سمى المقبولَ باسمينِ، باعتبارِ أعلى درجاتهِ وأدناها، وذكرَ أعلى مراتبِ المردودِ وهوَ الضعيفُ المطلقُ، ومنعهُ مِنْ ذكر أدناها، وهو الموضوعُ ما تقدمَ مِنْ أنّهُ في التحقيقِ ليسَ حديثًا، وأحسنُ مِنْ هذا التقديرِ أَنَّ الحسنَ / ٩أ / لما كانَ ينْزعُ إلى كلٍّ من الصحيح والضعيفِ، خُصَّ بالذكرِ، أما نزعهُ إلى الصحيحِ فباعتبارِ اشتراطِ عدالةِ رواةِ الحسنِ لذاتهِ وضبطهم، معَ باقي شروطِ الصحيحِ، وإنْ كانَ ضبطهم موصوفًا بكونهِ أخفَّ مِنْ ضبطِ رواةِ الصحيحِ، وأما نزعهُ إلى
الضعيف؛ فإنَّ الحسنَ لغيرهِ هو مالهُ سندانِ فأكثرُ، كلُ ضعيفٍ متماسكٍ فهوَ موصوفٌ بالضعفِ قبلَ معرفةِ ما يعضدهُ مطلقًا، وبعد ذَلِكَ باعتبارِ كل سَندٍ على انفرادهِ، وبالحسنِ باعتبارِ المجموعِ.
وقد اعترضَ على ابنِ الصلاحِ في إطلاقِ النقلِ عنْ أهلِ الحديث أنهمْ قسموا الحديثَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، بأنَّ بعضَهم اقتصرَ على قسمينِ: صحيحٍ وضعيفٍ، قالَ: وقد ذكرَ المصنفُ هذا الخلافَ في النوعِ الثاني في التاسعِ منَ التفريعاتِ المذكورة فيهِ فقالَ: «منْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يفردُ نوعَ الحسنِ، ويجعلهُ مندرجًا في أنواعِ الصحيحِ، لاندراجهِ في أنواعِ ما يحتجُّ بهِ، قالَ: وهوَ الظاهرُ مِنْ كلامِ أبي عبدِ اللهِ الحاكمِ في تصرفاتهِ» (١) إلى آخر كلامهِ، فكان ينبغي الاحترازُ عن هذا الخلافِ هنا.
قالَ الشيخُ في " النكتِ " وهيَ (٢) " التقييدُ والإيضاحُ لما أطلقَ وأغلقَ مِنْ كلامِ ابنِ الصلاحِ ": «والجوابُ: أَنَّ ما نقلهُ المصنفُ عن أهلِ الحديثِ قد نقلهُ عنهم الخطابيُّ (٣) في خطبةِ " معالمِ السننِ " (٤)، ثم ذكرَ عبارتهُ، وقالَ: ولم أرَ منْ سبقَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) جاء في الحاشية (أ): «اسم الكتاب».
(٣) هو أبو سليمان حَمد بن محمد بن إبراهيم البستي صاحب التصانيف البديعة، توفي سنة (٣٨٨هـ). انظر: البداية والنهاية ١١/ ٢٣٦، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠١٨.
(٤) معالم السنن ١/ ٦.
[ ١ / ٧٦ ]
الخطابيَّ إلى تقسيمهِ إلى ذَلِكَ، وإن كانَ في كلامِ المتقدمينَ ذكرُ الحسنِ، وهو موجودٌ في كلامِ الشافعيِّ، والبخاريِّ، وجماعةٍ، ولكنَّ الخطابيَّ نقلَ التقسيمَ عنْ أهلِ الحديثِ، وهوَ إمامٌ ثقةٌ، فتبعهُ /٩ب/ المصنفُ على ذَلِكَ هنا، ثم حكى الخلاف في الموضعِ الذي ذكرهُ، فلمْ يهملْ حكايةَ الخلافِ» (١). انتهى.
ونبَّهَ شيخنا على أَنَّ مرادَ الشافعي، والبخاريِّ بالحسنِ: الصحيحُ، لا أَنَّ الحسنَ عندهما نوعٌ برأسه، بل للصحيحِ عندهمُ اسمانِ (٢)، واللهُ أعلمُ.
وبخطِّ بعضِ أصحابنا أَنَّ ابنَ كثيرٍ اعترضَ عليهِ في كتابهِ " علومِ الحديثِ " بأنَّ «هذا التقسيمَ إنْ كانَ بالنسبةِ إلى ما في نفسِ الأمرِ فليسَ إلاَّ صحيحٌ
وكذبٌ (٣)، وإنْ كانَ بالنسبةِ إلى اصطلاحِ المحدّثينَ، فالحديثُ ينقسمُ عندهم إلى أكثرَ مِنْ ذلكَ» (٤).
وأجابَ بأن المرادَ الاصطلاحُ، وأنَّ تخصيصَ الثلاثةِ؛ لأنَّ الكلَّ يرجعُ إليها (٥) وقد نوعَ ابنُ الصلاحِ الحديثَ في أولِ كتابهِ إلى خمسةٍ وستين نوعًا وسردها (٦). قالَ شيخُ الإسلامِ سراجُ الدينِ البلقينيُّ في " محاسنِ الاصطلاحِ " (٧) (٨): «وقالَ - أي:
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١٩.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٤٢٤ وبتحقيقي: ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) في " اختصار علوم الحديث ": «أو ضعيف».
(٤) اختصار علوم الحديث ١/ ٩٩ وبتحقيقي: ٧٦. أقول: هذا اعتراض الحافظ ابن كثير، وقد نوقش فيه، ووجّه مراد ابن الصلاح، فانظر: نكت الزركشي ١/ ٩١، ومحاسن الاصطلاح: ٨٢، والتقييد والإيضاح: ١٩.
(٥) من قوله: «وقد اعترض على ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٥ - ٧٨.
(٧) جاء في حاشية (أ): «وهو نكت على ابن الصلاح».
(٨) محاسن الاصطلاح: ٩ (ط دار الكتب العلمية).
[ ١ / ٧٧ ]
ابنُ الصلاحِ -: «إنَّ ذَلِكَ ليس بآخر الممكن فإنّهُ قابلٌ للتنويعِ لما لا يحصى»» (١).
قلتُ: وعللَ ذَلِكَ بأنْ قالَ: «إذ لا تحصى أحوالُ رواةِ الحديثِ وصفاتُهم ولا أحوالُ متونِ الحديثِ وصفاتها، وما مِنْ حالةٍ منها، ولا صفةٍ إلا وهي بصددِ أنْ تفردَ بالذكرِ وأهلها (٢) فإذا هيَ نوعٌ على حياله، ولكنهُ نصبٌ مِنْ غير إربٍ» (٣). قالَ الشيخُ سراجُ الدينِ (٤): «ولو أَنَّ الشيخَ (٥) ذكرَ بجانبِ كلِ نوعٍ ما يليقُ بهِ لكانَ أحسنَ، كأنْ يذكر بجانبِ المسندِ المنقطعَ، والمرسلَ، والمعضلَ، وأيضًا فقدْ ذكرَ أمورًا يمكنُ تداخلها، وزدنا في الأنواعِ خمسة تكملة السبعين (٦)، وهي روايةُ الصحابةِ بعضهم عنْ بعضٍ، روايةُ التابعينَ بعضهم عن بعضٍ، معرفةُ منِ اشتركَ مِنْ رجالِ الإسنادِ في فقهٍ، أو بلدٍ، أو إقليمٍ، أو غير ذلكَ، معرفةُ أسبابِ الحديثِ، معرفةُ التأريخِ المتعلقِ بالمتونِ». انتهى (٧).
قولهُ: (فالأولُ) (٨) ذكرَ للصحيحِ خمسةَ شروطٍ /١٠أ / منها ثلاثةٌ وجوديةٌ، وهيَ: الاتصالُ، وعدالةُ الراوي، وهي ترجعُ إلى الدينِ، وضبطهُ وهوَ يرجعُ إلى
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٨.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: يفردون».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٨.
(٤) من قوله: «قلت: وعلل ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) جاء في الحاشية (أ): «الجواب عن ابن الصلاح أنه أملى كتابه إملاءً».
(٦) محاسن الاصطلاح: ٦١٢ وما بعدها.
(٧) جاء في حاشية (أ) بخطِّ البقاعي ما يأتي: «بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الحمصي الشافعي، وسمع الجماعة وكتب مؤلفه إبراهيم البقاعي». وهذا مما يجعلنا نثق بالنسخة التي بين أيدينا، والشيخ شهاب الدين هوَ أحمد بن محمد بن عمر الحمصي العلامة الخطيب البليغ المحدّث المؤرخ القاضي الحمصي الأصل الدمشقي الشافعي توفي عام (٩٣٤ هـ). انظر: الكواكب السائرة ٢/ ٩٧.
(٨) التبصرة والتذكرة (١٢).
[ ١ / ٧٨ ]
الحفظِ، والفطنةِ، واثنانِ عدميانِ وهما: عدمُ الشذوذِ وعدمُ العلةِ القادحةِ، وينبغي أنْ يقيدها بكونها خفيةً ليوفي بمعنى كلامِ ابنِ الصلاحِ (١)، أو يقولَ: ولا معلل فيدخلَ القيدانِ: القدحُ والخفاءُ؛ لأنَّ المعللَ هو ما فيهِ علةٌ قادحةٌ خفيةٌ، لايكونُ معللًا إلا إذا اشتملَ على علةٍ موصوفةٍ بالوصفينِ معًا، وبهذا علمتَ أنَّهُ لا اعتراضَ على كلامِ ابنِ الصلاحِ، فإنَّهُ قالَ: «أما الحديثُ الصحيحُ: فهوَ الحديثُ المسندُ الذي يتصلُ إسنادهُ بنقلِ العدلِ الضابطِ عنِ العدلِ الضابطِ إلى منتهاهُ (٢) ولا يكونُ شاذًا ولا معللًا، وفي هذهِ الأوصافِ احترازٌ عنِ المرسلِ والمنقطعِ، والمعضلِ، والشاذِّ، وما فيهِ علةٌ قادحةٌ، وما في راويه نوعُ جرحٍ» (٣). انتهى (٤).
فإنْ قيلَ: العلةُ ضارةٌ ظاهرةً كانت، أو خفيةً، قيلَ: مسلمٌ، لكنْ لا تخلو العلةُ الظاهرةُ عنْ أنْ تكونَ راجعةً إلى ضعفِ الراوي، أو إلى عدمِ اتصالِ السندِ، وقد تقدمَ الاحترازُ عنهُ بقولهِ: الذي يتصلُ إسنادهُ بنقلِ العدلِ الضابطِ، فإذا عُدِمَ أحدهما
_________________
(١) عبارة: «ليوفي بمعنى كلام ابن الصلاح» لم ترد في (ك).
(٢) من قوله: «أما الحديث الصحيح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٩. أقول: تعقب بعض الناس - على ما حكاه ابن حجر ١/ ٢٣٤ وبتحقيقي: ٦٣ - ابن الصلاح بأن في تعريفه تكرارًا، كان بإمكانه اجتنابه لو قال: المسند المتصل .. الخ، فيغني عن تكرار لفظ الإسناد. وأجاب عن هذا: بأنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه. والمختار في وصف المسند: أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد. فعلى هذا لا بد مِن التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح. وانظر محترزات وقيود ومناقشات هذا التعريف: الاقتراح: ١٥٢، ونكت الزركشي ١/ ٩٧، والتقييد والإيضاح: ٢٠، ونكت ابن حجر ١/ ٢٣٥ وبتحقيقي: ٦٤، والبحر الذي زخر ١/ ٣١٠.
(٤) من قوله: «وفي هذه الأوصاف » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٧٩ ]
عدمًا ظاهرًا سمي باسمهِ مِنْ انقطاعٍ، أوضعفٍ، ونحوهما مِنْ أولِ وهلةٍ، فلا تكونُ العلةُ أمرًا زائدًا، إلا إذا كانتْ مع قدحها خَفِيةً.
قولهُ: (ضابطُ الفؤادِ) (١) يمكنُ أنْ يكونَ الفؤادُ قيدًا يدخلُ منْ لم يكنْ لسانهُ ضابطًا، بأنْ كانَ يسبقُ إلى الخطأ، ثمَّ يردهُ حفظهُ إلى الصوابِ، لكنْ يخلُّ التقييدُ بهِ بضابطِ الكتابِ، وفي الحدِّ نقصٌ آخرُ، وهوَ أنّهُ يدخل /١٠ ب / فيهِ الحسنُ لذاتهِ مِنْ جهةِ عدمِ تقييدِ الضبطِ بالتمامِ، فلو قالَ:
فأَولُ الأنواعِ ما قد اتصلْ إسنادهُ بنقلِ عدلٍ قدْ كملْ
في ضبطهِ عنْ مثلهِ قدْ نقلا ولمْ يكنْ شَاذًا ولا معللا
لشملَ ضبطَ الحفظِ والكتابِ، ومنعَ مِنْ دخولِ الحسنِ بتقييدِ الضبطِ بالكمالِ، وتبعَ عبارةَ ابنِ الصلاحِ في المعللِ، فسلمَ منِ الاعتراضِ بأنّهُ أهملَ قيدَ الخفاءِ.
قولهُ: (فتوذي) (٢) تصريحٌ بالواقعِ، أي: فإنَّ العلةَ إذا كانتْ قادحةً فإنها تؤذي، فالفاءُ سببيةٌ، وعطفهُ العلةَ بالواوِ تقديرهُ: مِنْ غيرِ كذا، ومنْ غيرِ كذا، حتى إنّهُ إذا وُجِدَ واحدٌ منهما ضرَّ، فالواوُ جمعتْ بينَ الشذوذِ والعلةِ في وجوبِ الانتفاءِ عن الصحيحِ، فالشرطُ انتفاؤُهما معًا، وانتفاءُ (٣) كلٍ منهما (٤)، وربما وجدَ في بعضِ النسخِ «أو علةٍ» بأو، ولا يبعدُ أنْ يكونَ أُوِّلَ (٥) على المراد.
قلتُ: لأنَّ الشرطَ حينئذٍ انتفاءُ الأحدِ المبهمِ الأعمِّ مِنْ كلٍّ منهما بخصوصهِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (١٣).
(٣) في (ف): «وانتقال».
(٤) عبارة: «فالشرط انتفاؤهما معًا، وانتفاء كلٍ منهما» لم ترد في (ك).
(٥) في (ف): «أدل».
[ ١ / ٨٠ ]
ولا يصدقُ ذَلِكَ إلا بانتفائهما معًا، واللهُ أعلمُ. (١)
قولُهُ: (فلم يشترط) (٢) واعتراض على الخطابيِّ بأنَّهُ لمْ يذكرِ الضبطَ في الحدِّ، وهو (٣) غيرُ واردٍ؛ لأنَّ الحيثيةَ مرعيةٌ، فالمرادُ بعدلِ الروايةِ عدلٌ يضبطُ مرويهُ، كما أنَّ عدلَ الشهادةِ يشترطُ فيهِ معَ العدالةِ أَنْ يكونَ ضابطًا لما يشهدُ بهِ؛ فالمغَفَّلُ متوقَّفٌ فيهِ روايةً، وشهادةً، وإنْ كانَ عدلًا في الدينِ؛ فمنْ يكونُ كثيرَ الخطأ فاحشَ الغلطِ، لا يكونُ عدلًا في شهادةٍ، ولا رواية، فالاقتصارُ على العدالةِ حينئذٍ كافٍ عن التقييد بالضبطِ؛ ولذا لم يعترضهُ ابنُ دقيق العيدِ. (٤)
قولهُ /١١أ /: (وفحشَ) (٥) في قولهِ: (منْ كَثُرَ الخطأُ في حديثهِ وفحشَ) تأكيد للكثرةِ، وقد يقالُ: إنّهُ تأسيسٌ، ويكونُ المرادُ بالكثرةِ أمرًا نسبيًا فمنْ حفظَ ثلاثةَ آلافٍ مثلًا، فأخطأ في خمسينَ منها، فقدْ أخطأَ في كثيرٍ، لكنْ لم يَفحُشْ غلطهُ بالنسبةِ إلى ما حفظَ.
قولهُ: (استحقَ التركَ، وإنْ كانَ عدلًا) (٦)، أي: في دينهِ، وهذا مسلّمٌ لكنْ منْ كانَ فاحشَ الغلطِ لايصفهُ المحدثونَ بأنّهُ عدلٌ، هذا هوَ الموجودُ في استعمالهم كما مضى (٧) تحقيقهُ، قالَ شيخنا: «زادَ أهلُ الحديثِ قيدي عدم الشذوذِ والعلةِ؛ لأنَّ أحدًا لايقولُ: إنَّ الحديثَ يعملُ بهِ وإنْ وجدتْ فيهِ علةٌ قادحةٌ، غايتهُ: أنَّ
_________________
(١) من قوله: «قلت: لأن الشرط » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٣.
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) من قوله: «فمن يكون كثير الخطأ » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٣.
(٧) عبارة: «كما مضى» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٨١ ]
بعضَ العللِ التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاءُ، فهمْ إنما يخالفونهم في تسميةِ بعضِ العلل علةً، لا في أَنَّ العلةَ توجدُ ولا تقدحُ، فأهلُ الحديثِ يشترطونَ في الحديثِ الذي اجتمعتْ فيهِ الأوصافُ مزيدَ تفتيشٍ حتى يغلبَ على الظنِّ أنَّهُ سالمٌ مِن الشذوذِ والعلةِ، والفقهاءُ لا يشترطونَ ذَلِكَ بل متى اجتمعتِ الأوصافُ
الثلاثةُ (١) سموهُ صحيحًا، ثمَّ متى ظهرَ شاذًا ردوهُ، قالَ: فلا خلافَ بينهما في المآلِ، وإنما الخلافُ في تسميتهِ في الحالِ بعدَ وجودِ الأوصافِ الثلاثةِ، والفريقانِ
مُجمِعونَ (٢) على أَنَّ العلةَ القادحةَ متى وُجدتْ ضرَّتْ، وتعليلُ ابنِ دقيق العيدِ في قولهِ: «فإنَّ كثيرًا مِن العللِ» (٣) إلى آخرهِ يرشدُ إلى ذَلِكَ فإنّهُ إنما يقدحُ في استثناءِ ما فيهِ علةٌ غيرُ مقيدةٍ بأنها قادحةٌ، ومَنْ قالَ: «غيرَ معللٍ» لم يرد عليهِ شيءٌ؛ لأنَّ المعللَ ما /١١ب/ فيهِ علةٌ قادحةٌ كما مضى، ولمْ يتعقب ابنُ دقيق العيدِ استثناءَ الشاذِّ، وهوَ أولى بالتعقبِ مِن المعللِ؛ لأنَّ حقيقتهُ ما خالفَ فيهِ الثقةُ مُنْ هوَ أولى منهُ بحيثُ لا يتهيأُ الجمعُ بينَ الروايتينِ فقبولها (٤) مع كونِ إحداهما تنافي الأخرى لا يصحُّ، فلا بدَّ مِنْ راجحٍ هوَ السالمُ منَ الشذوذِ، ومِنْ مرجوحٍ هوَ الشاذُ (٥)، والمرجوحيةُ لا تُنافي الصحةَ.
فغايتهُ: أنْ يكونَ مِنْ باب صحيحٍ وأصحَ فيعملُ بالأصحِ الذي هوَ الراجحُ دونَ المرجوحِ الذي هوَ صحيحٌ للمعارضةِ، لا لكونهِ غير صحيحٍ، وهذا كما في الناسخِ والمنسوخِ سواء، طريقُ كلٍ منهما صحيحٌ، لكنْ قامَ مانعٌ منَ العملِ بالمنسوخِ، ولايلزمُ منهُ أنْ يكونَ غيرَ صحيحٍ». انتهى.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «وهي الوجودية».
(٢) في (ك): «مجموعون».
(٣) الاقتراح: ١٥٤.
(٤) جاء في حاشية (أ): «يعني قبول الروايتين».
(٥) عبارة: «ومن مرجوح هو الشاذ» لم ترد في (ف).
[ ١ / ٨٢ ]
فقدَ تحررَ: أَنَّ مرادهم بالصحيحِ الذي يجبُ العملُ بهِ، أو أنَّهم حكموا على الشاذِ بالوهمِ فصار ضعيفًا حكمًا لتحقيقِ مظنةِ الضعفِ فيهِ، وحينئذٍ لا يردُ شيءٌ، واللهُ أعلمُ (١).
قالَ شيخُنا (٢): «وبعضُ أهلِ الحديثِ يشترطُ العددَ في الروايةِ، حتى ادّعى ابنُ العربيِ، في أوائلِ " شرحِ البخاريِّ " (٣) أَنَّ ذَلِكَ شرطُ البخاريِّ، وتعقبهُ ابنُ رشيدٍ (٤) في كتابِ " ترجمانِ التراجمِ "، وحكاهُ أبو محمدٍ الجويني عن بعضِ أصحابِ الحديثِ، وحكى الحازميُّ (٥) عنِ الحاكمِ (٦)، وهوَ مِنْ أجلِّ علماءِ الحديثِ أَنَّ شرطَ (٧) الشيخينِ العددُ، وقالَ الحافظُ أبو حفصٍ
_________________
(١) من قوله: «وتعليل ابن دقيق العيد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) عبارة: «في أوائل شرح البخاري» لم ترد في (ك).
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس الفهري مجد الدين السبتي، ولد سنة (٦٥٧هـ)، وتوفي سنة (٧٢١هـ) من تصانيفه " إفادة النصيح في رواية الصحيح "، و"إيضاح المذاهب فيمن يطلق عليه اسم الصاحب "، و" ترجمان التراجم على أبواب البخاري "، وغيرها. انظر: الوافي بالوفيات ٤/ ٢٨٤، وهدية العارفين ٦/ ١٤٤.
(٥) شروط الأئمة الخمسة: ٢٤. والحازمي: هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمداني، تفقه في مذهب الشافعي، وله مؤلفات نافعة، منها: " عجالة المبتدئ "، و"المؤتلف والمختلف"، و"الناسخ والمنسوخ"، مات سنة (٥٨٤هـ). انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩٢، والبداية والنهاية ١٢/ ٣٣٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٦٣.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم: ٦٢.
(٧) جاء في حاشية (أ): «هذا الشرط وهو العدد في الرواية والذي يعلو وهو كون الراوي معروفًا بطلب العلم، قالَ شيخنا المؤلف: إنَّهُ لا يعمل بهذين الشرطين؛ لأنَّ أول حديث في البخاريّ وآخر حديث فيهِ لم يرو إلاّ واحد عن آخر عن واحد إلى آخره، وكذلك الذي في آخره فليعلم». =
[ ١ / ٨٣ ]
الميانشيُّ (١): «إنَّ شرطهما في الصحيحينِ أنْ لا يدخلا فيهِ إلا ما صحَّ، وهو ما رواهُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - اثنانِ فصاعدًا، وما نقلهُ عن كلِّ واحدٍ منَ / ١٢أ / الصحابةِ أربعةٌ مِن التابعينَ فأكثرُ، وأنْ يكونَ عنْ كلِ واحدٍ منَ التابعينَ أكثرُ منْ
أربعةٍ» (٢»).
وقد علم بهذا أَنَّ اشتراطَ العددِ ليسَ خاصًا ببعضِ المعتزلةِ كما قالَ
الشيخُ (٣) (٤)، ومؤاخذةُ ابنِ دقيقِ العيدِ لابنِ الصلاحِ وقعتْ على قولهِ: بين أهلِ الحديثِ، فهوَ يقولُ: لأي معنىً يخصهُ بأهلِ الحديثِ؟ فإنَّ هذهِ أصعبُ الشروطِ فمنْ لايشترطُ السلامةَ منَ العلةِ والشذوذِ يصححُ هذا مِنْ بابِ الأولى، فكانَ ينبغي أنْ يقولَ: هذا هوَ الحديثُ الصحيحُ إجماعًا (٥)، ولا يخفى (٦) أَنَّ هذا لا يتوجهُ عليهِ
_________________
(١) = قالَ ماهر: وهذا دليل على أنَّ النسخة كانت بيد أحد تلاميذ البقاعي المهتمين بالعلم، وهو دليل على جودة النسخة وإتقانها، والحمد لله على توفيقه.
(٢) هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي، له كراس في علم الحديث أسماه " ما لا يسع المحدّث جهله "، توفي بمكة سنة (٥٨١هـ). العبر ٣/ ٨٣، والأعلام ٥/ ٥٣. والميانشي: نسبة إلى ميانش قرية من قرى المهدية بإفريقية. انظر: معجم البلدان ٨/ ٣٥٢، وتاج العروس مادة (موش). وجاء في بعض مصادر ترجمته: «الميانجي» وهي نسبة إلى «ميانج» موضع بالشام. انظر: الأنساب ٤/ ٣٨١، ومعجم البلدان ٨/ ٣٥١. وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٢٤٠، وبتحقيقي: ٦٨.
(٣) ما لا يسع المحدّث جهله: ٢٧.
(٤) من قوله: «وتعقبه ابن رشيد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) انظر: التقييد والإيضاح: ٢١.
(٦) انظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح: ١٨٧.
(٧) زاد بعدها في (ك): «عليك».
[ ١ / ٨٤ ]
مع مخالفةِ منِ اشترطَ العددَ منَ المعتزلةِ وغيرهم (١)، بل المتوجهُ أَنَّ يخصَّ نفيَّ الخلافِ بالجمهورِ (٢) وكانَ مالكٌ - ﵀ - يشترطُ للقبولِ أمرًا آخرَ، وهوَ كونُ الراوي معروفًا بطلبِ الحديثِ موصوفًا بينَ أهلهِ؛ وعلى هذا لايسلمُ قولُ ابنِ الصلاحِ: «بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ» (٣).
قولهُ: (أنْ يكونَ جامعًا مانعًا) (٤) يعني: ومتى لم يقيدْ بالإجماعِ (٥) خرجَ عنهُ المرسلُ (٦) عندَ مَنْ يصححهُ ونحوهُ على رأي الفقهاءِ، فلمْ يجمع وإنْ كانَ
مانعًا (٧).
قلتُ: وقد تبينَ أنَّهُ دخلَ فيهِ الحسنُ لذاتهِ كما مضى (٨)، وحديثُ منْ لم يكنْ مشهورًا بالروايةِ.
ومالكٌ يخالفُ فيهِ فلمْ يمنعْ، وإنْ أجيبَ عنهُ بأنَّهُ حد على رأيِّ أهلِ الحديثِ لم يفدْ إلا أنْ يرادَ جمهورهم.
والحاصلُ: أَنَّ ابن دقيقِ العيدِ اعترضَ على عبارةِ ابنِ الصلاحِ بشيئينِ: أحدهما: إنَّ تقييدهُ بأهلِ الحديثِ لا يفيدُ، بل ينقصُ مِنَ المعنى شيئًا ينبغي تحصيلهُ، وهوَ أَنَّ الحديثَ الجامعَ لهذهِ الأوصافِ صحيحٌ عند مَن لا يشترطُ /١٢ب/ بعضَ هذهِ الشروطِ مِنَ الفقهاءِ منْ بابِ الأولى.
_________________
(١) انظر: نكت الحافظ ابن حجر ١/ ٢٤١ - ٢٤٢ وبتحقيقي: ٦٩ - ٧٠.
(٢) من قوله: «من المعتزلة وغيرهم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٤.
(٥) عبارة: «لم يقيد بالإجماع» لم ترد في (ك).
(٦) في (أ): «المراسيل».
(٧) عبارة: «وإن كان مانعًا» لم ترد في (ك).
(٨) عبارة: «الحسن لذاته كما مضى، و» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٨٥ ]
والثاني: إنَّ تعريفهُ غيرُ جامعٍ؛ لخروجِ المرسلِ، وابنُ الصلاحِ قد صرَّحَ بأَنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ يصححهُ كمالكٍ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في قبولها الاعتراضينِ؛ فإنَّهُ قالَ بعدَ التعريفِ بما ذكرَ: «فهذا هوَ الحديثُ الذي يحكمُ لهُ بالصحةِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ، وقدْ يختلفونَ في صحَّةِ بعضِ الأحاديثِ؛ لاختلافهمْ في وجودِ هذهِ الأوصافِ فيهِ، أو لاختلافهمْ في اشتراطِ بعضِ هذه الأوصافِ كما في المرسلِ» (١).
وقالَ الشيخُ في " النكت" (٢): «اعترض عليهِ -أي: في تعريفهِ للصحيحِ - بأنَّ منْ يقبلُ المرسلَ لا يشترطُ أنْ يكونَ مسندًا، وأيضًا اشتراطُ سلامتهِ مِن الشذوذِ والعلةِ إنما زادها (٣) أهلُ الحديثِ كما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " قالَ: وفي هذينِ الشرطينِ نظرٌ (٤) ». إلى آخر كلامهِ.
والجوابُ: أَنَّ مَنْ يصنفُ في علمِ الحديثِ إنما يذكرُ الحدَّ مِنْ عندِ أهلهِ، لامنْ عند غيرهمْ مِنْ أهلِ علمٍ آخرَ، وفي " مقدمةِ مسلمٍ ": «أَنَّ المرسلَ في أصلِ قولنا، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ليسَ بحجةٍ» (٥)، وكونُ الفقهاءِ. والأصوليينَ لا يشترطونَ في الصحيحِ هذينِ الشرطينِ، لا يُفسدُ الحدَّ عندَ مَنْ يشترطهما، على أَنَّ المصنفَ قدِ احترزَ عنْ خلافهمْ، وقالَ بعدَ أنْ فرغَ منَ الحدِّ، وما يحترزُ بهِ عنهُ
: «فهذا هوَ الحديثُ» إلى آخرِ ما نقلتهُ أنا عنهُ آنفًا، قالَ: فقدِ احترزَ المصنفُ عما اعترضَ بهِ عليهِ فلمْ يبقَ للاعتراضِ وجهٌ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
(٢) التقييد والإيضاح: ٢٠.
(٣) في جميع النسخ الخطية: «زاده»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ".
(٤) الاقتراح: ١٥٣.
(٥) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٣٠.
[ ١ / ٨٦ ]
وقولهُ: (بلا خلاف) (١) إنما قيد نفيَّ الخلافِ بأهلِ / ١٣أ / الحديثِ؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الحديثِ قد يشترطونَ شروطًا زائدةً على هذهِ كاشتراطِ العددِ في الروايةِ كما في الشهادةِ، ثمَّ قالَ: على أنَّهُ قد حكيَ أيضًا عن بعضِ أصحابِ الحديثِ.
قالَ البيهقي في "رسالتهِ إلى أبي محمدٍ الجويني": «رأيتُ في "الفصولِ" التي أملاها الشيخُ حكايةً عنْ بعضِ أصحابِ الحديثِ أنَّهُ يشترطُ في قبولِ الأخبارِ، أنْ يرويَ عدلانِ عنْ عدلينِ حتى يتصلِ مثنى مثنى برسولِ اللهِ - ﷺ - ولمَ يذكرْ قائلهُ» إلى آخر كلامهِ، وكانَ البيهقيُّ رآهُ في كلامِ أبي محمدٍ الجويني، فنبههُ على أنَّهُ لايعرفُ عن أهلِ الحديثِ.
وقولهُ: (وقد يختلفونَ) (٢) إلى آخرهِ، يريدُ بقولهِ: «هذهِ الأوصافُ أوصافُ القبولِ التي ذكرها في حدِّ الصحيحِ، وإنما نبهتُ على ذلكَ، وإنْ كانَ واضحًا؛ لأني رأيتُ بعضهمْ قد اعترضَ عليهِ، فقالَ: إنَّهُ يعني الأوصافَ المتقدمةَ مِنْ إرسالٍ، وانقطاعٍ، وعضلٍ، وشذوذٍ، وشبهها، قالَ: وفيهِ نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّ أحدًا لم يذكرْ أَنَّ المعضلَ، والشاذَّ، والمنقطعَ صحيحٌ، وهذا الاعتراضُ ليسَ بصحيحِ؛ فإنَّهُ إنما أرادَ أوصافَ القبولِ كما قدمتهُ، وعلى تقديرِ أنْ يكونَ أرادَ ما زعمَ فمنْ يحتجُّ بالمرسلِ لا يتقيدُ بكونهِ أرسلهُ التابعيُ، بل لو أرسلهُ أتباعُ التابعينَ احتجَّ بهِ، وهوَ عندهُ صحيحٌ، وإنْ كانَ معضلًا، وكذلكَ منْ يحتجُّ بالمرسلِ يحتجُّ بالمنقطعِ، بلِ المنقطع والمرسلُ عندَ المتقدمينَ واحدٌ، وقالَ أبو يعلى الخليليُّ القزوينيُّ في " الإرشادِ " (٣):
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٢١.
(٣) انظر: الإرشاد ١/ ١٧٤ وما بعدها.
[ ١ / ٨٧ ]
«إن الشاذَّ ينقسمُ إلى صحيحٍ، ومردودٍ» / ١٣ب / فقولُ هذا المعترضِ أَنَّ أحدًا لايقولُ في الشاذِّ أنَّهُ صحيحٌ مردودٌ بقولِ الخليليِّ المذكورِ، واللهُ أعلمُ» (١). انتهى كلامُ " النكتِ " (٢).
قولهُ:
١٤ - وَبالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا في ظَاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ
١٥ - إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ بِأنّهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا، وَقَدْ
١٦ - خَاضَ (٣) بهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِكُ عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
١٧ - مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ الشَّافِعِي قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ
الجارُ في «بالصحيحِ»، يتعلقُ بـ «قصدوا» و«في ظاهرٍ» يتعلقُ بمحذوفٍ، و«القطعُ» معطوفٌ على ذَلِكَ المحذوفِ معَ متعلقهِ، تقديرهُ: وقصدَ النقاد بالصحيحِ والضعيفِ في قولهمْ: هذا حديثٌ صحيحٌ، هذا حديثٌ ضعيفٌ، الصحةَ، والضعفَ في ظاهرِ الحكمِ، ولمْ يقصدوا القطعَ بصحتهِ، وضعفهِ.
قلتُ: أو هوَ معطوفٌ على محلٍ في ظاهرٍ، أي: قصدوا الصحةَ ظاهرًا لا قطعًا، واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ الصلاحِ: «ومتى قالوا: هذا حديثٌ صحيحٌ، فمعناهُ: أنَّهُ اتصلَ سندهُ مع سائرِ الأوصافِ المذكورةِ، وليسَ مِنْ شرطهِ أنْ يكونَ مقطوعًا بهِ في نفسِ الأمرِ؛ إذ منهُ ما ينفردُ بروايتهِ عدلٌ واحدٌ، وليسَ منَ الأخبارِ التي أجمعتِ الأمةُ على تلقيها بالقبولِ» (٤). انتهى.
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٢١.
(٢) من قوله: «والحاصل: أن ابن دقيق العيد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) في النفائس: «خُصّ» والوزن بها مستقيم.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
[ ١ / ٨٨ ]
وهو موافقٌ لقولِ الشافعيِّ في " الرسالةِ " (١) في بابِ تثبيتِ خبرِ الواحدِ: «إنَّهُ لو شكَّ فيهِ شاكٌ، قلنا: ليس لكَ عالمًا أنْ تشكَ، كما ليسَ لكَ إلا أنْ تقضيَ بشهادةِ العددِ، وإنْ أمكنَ فيهمُ الغلطُ، ولكنْ تقضي بذلكَ على الظاهرِ منْ صدقهمْ، واللهُ وليُ ما غابَ عنكَ منهمْ» (٢).
قولهُ: (خلافًا لمنْ قالَ: إنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ الظاهر) (٣) قالَ شيخنا: «إنما يكونُ ذَلِكَ مخالفًا، لو قيلَ: يفيدُ العلمَ، وأطلقَ، فأما الظاهرُ وهو غلبةُ الظنِّ على صحتهِ، فلا خلافَ في أنَّهُ يفيدهُ / ١٤أ /، لكنْ حكوا في الأصولِ عنْ أحمدَ وقومٍ منْ أهلِ الحديثِ القولَ بأنَّهُ يفيدُ العلمَ اليقينيَّ، فاللهُ أعلمُ بمرادِ الكرابيسيِّ (٤)؛ فإنَّ العبارة المذكورةَ هنا عنهُ لا تصرح بالمقصودِ، وقد نُقِلَ عن أبي بكرٍ القفالِ (٥) مثلها، وأُوِّلَ ذَلِكَ بغالبِ الظنِّ؛ لأنَّ العلمَ لا يتفاوتُ، وبهذا التأويلِ صرَّح ابنُ فوركَ (٦)،
_________________
(١) الرسالة (١٢٦١) وفي النقل تصرف.
(٢) من قوله: «قلت: أو هو معطوف » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥.
(٤) هو الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي الشافعي، فقيه أصولي محدّث، توفي سنة (٢٤٥هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٧٩.
(٥) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله، المروزي الخراساني، أبو بكر القفال، توفي سنة (٤١٧هـ) وقد سمي بالقفال؛ لأنّه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره وبرع في صناعتها حتى صنع قفلًا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبات، فلما صار ابن ثلاثين سنة، آنس من نفسه ذكاءً مفرطًا وأحب الفقه، فأقبل على قراءته حتى برع فيه، وصار يضرب به المثل، وهو صاحب طريقة الخراسانيين في الفقه. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٦) هو محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني المتكلم صاحب التصانيف في الأصول والعلم، توفي سنة (٤٠٦هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٤، وشذرات الذهب ٣/ ١٨١.
[ ١ / ٨٩ ]
والصيرفيُ (١)، وممنْ نقلَ إفادتهُ العلمَ عنِ الكرابيسيِّ: ابنُ عبدِ البرِ، وابنُ حزمٍ، عنْ داودَ، والحارثِ بنِ أسدٍ، وحكاهُ ابنُ خويز مندادُ، عن مالكٍ، وفي نقلهِ عن الحارثِ نظرٌ، فقدْ صَرَّحَ في كتابهِ " فهم السننِ " -بخلافهِ، وما حكاهُ ابنُ خويز مندادُ عن مالكٍ نازعهُ فيهِ المازريُّ، وقالَ: لم نعثرْ لمالكٍ فيهِ على نصٍّ، وممنْ نقلهُ عنْ أحمدَ الباجيُّ، وحكى أبو الحسنِ السهيليُّ (٢) مِن الشافعيةِ في كتابهِ " أدبِ الجدلِ ": أَنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ بشرطِ أَنَّ يكونَ في إسنادهِ إمامٌ مثلُ مالكٍ وأحمدَ، وسفيانَ، وإلا فلا يوجبهُ، وهذا غريبٌ.
ونقلَ الشيخُ أبو إسحاقَ في " التبصرةِ " عن بعضِ أهلِ الحديثِ أَنَّ منها-أي: أخبارِ الآحادِ- ما يوجبُ العلمَ كحديثِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وما أشبههُ.
قالَ بعضُ المتأخرينَ: ويحتملُ أنْ يكونَ هذا هوَ القولَ الذي حكاهُ السهيليُّ.
قولهُ: (هذا الباب) (٣)، أي: بابُ تحريرِ معاني العلمِ، والظنِّ والشكِّ، وما شاكلها (٤).
قولهُ: (نعمْ، إنْ أخرجهُ الشيخانِ، أو أحدهما، فاختارَ ابنُ الصلاحِ القطعَ بصحتهِ) (٥)، أي: اختار أنَّهُ يفيدُ العلمَ النظريَّ، أي: علمنا بسببِ احتفافهِ بالقرائن،
_________________
(١) الصَّيرَفي: بفتح الصاد وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء وفي آخرها فاء هذه نسبة معروفة لمن يبيع الذهب وهم الصيارفة، ونسب إلى هذه النسبة أبو بكر محمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المعروف، بغدادي له تصانيف في أصول الفقه، وكان فهمًا عالمًا. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ٥٨، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٢٨.
(٢) جاء في حاشية (أ): «وما هو شارح السير، فإن هذا شافعي وشارح السير مالكي».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥.
(٤) من قوله: «فإن العبارة المذكورة هنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ١ / ٩٠ ]
أَنَّ النبي /١٤ب/ - ﷺ - قالهُ علمًا يقينيًا نظريًا كما سيأتي في قولهِ: (واقطعْ بصحةٍ لما قد أسندا) (١).
قولهُ: (لجوازِ صدقِ الكاذبِ) (٢)، أي: فيما ضعفَ؛ بسببِ كذبِ راويهِ، وإصابة منْ هوَ كثيرُ الخطأ فيما ردَّ بسببِ كثرةِ خطأ ناقلهِ، ونحو ذَلِكَ مِنْ أسبابِ الضعفِ.
قولهُ: (في كلِّ فردٍ فردٍ) (٣)، أي: في كلِّ واحدٍ واحدٍ مِنْ رجالِ الإسناد الكائنينَ مِنْ ترجمةٍ واحدةٍ.
قولهُ: (بالنسبةِ) (٤)، أي: يعزُّ وجودُ أعلى الصفاتِ مِنَ الضبطِ، والعدالةِ، والاتصال، وعدمِ العلةِ، والشذوذِ في راوٍ بسببِ نسبتهِ إلى جميعِ الرواةِ الموجودينَ في عصرهِ، أي: لا يتحققُ، أو يظنُ أَنَّ هذا الراويَ حازَ أعلى الصفاتِ حتى يوازيَ بينهُ وبينَ كلِّ فردٍ فردٍ مِنْ جميعِ أهلِ عصرهِ، ويعلمَ أنَّهُ أعلى من كل منهمْ في كلِ صفةٍ مِنْ تلكَ الصفاتِ، وهذا يستحيل عادةً.
قولهُ: (فاضطربتْ أقوالهمْ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «الصحيحُ يتنوعُ إلى متفقٍ عليهِ، ومختلفٍ فيهِ (٦) كما سبقَ ذكرهُ» (٧)، أي: في قولهِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦ و«فردٍ» الثانية مجرورة بالمجاورة.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦.
(٦) انظر تفصيل ذَلِكَ في: المدخل إلى كتاب الإكليل: ٢٩ - ٤٣، ونكت الزركشي ١/ ١٢٥ - ١٢٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
[ ١ / ٩١ ]
الحديثِ (١): «ويتنوعُ إلى مشهورٍ، وغريبٍ، وبينَ ذَلِكَ، ثم إنَّ درجاتِ الصحيحِ تتفاوتُ في القوةِ بحسبِ تمكنِ الحديثِ مِنَ الصفاتِ المذكورةِ التي تنبني الصحةُ عليها، وتنقسمُ باعتبارِ ذلكَ إلى أقسامٍ، يُستعصى إحصاؤها على العادِّ الحاصرِ، ولهذا نرى الإمساكَ عنِ الحكمِ لإسنادٍ، أو حديثٍ بأنَّهُ الأصحُ على الإطلاق (٢)، على أَنَّ جماعةً مِنْ أئمةِ الحديثِ خاضوا غمرة (٣) ذَلِكَ، فاضطربتْ أقوالُهم (٤») (٥)، أي: ولو كانَ استقراء منِ استقرأ منهم تامًا لما اضطربتْ الأقوالُ، غايتهم: أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم غلبَ على ظنهِ في إسنادٍ ما أنَّهُ أصحُّ (٦) باعتباركثرةِ ممارستهِ لحديثِ رجالِ ذلكَ الإسناد، فحكمَ بأصحيتهِ لذلكَ، أو / ١٥ أ / لأمرٍ آخرَ ككونِ السندِ
_________________
(١) رجع النص إلى ابن الصلاح.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦: «القول المعتمد عليه المختار: أنه لا يطلق على إسناد معين بأنه أصح الأسانيد مطلقًا؛ لأن تفاوت مراتب الصحة مترتب على تمكن الإسناد مِنْ شروط الصحة؛ ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل فرد فرد مِنْ ترجمة واحدة بالنسبة لجميع الرواة». وانظر: نكت الزركشي ١/ ١٣١ - ١٥٧، والتقييد والإيضاح: ٢٢، ونكت ابن حجر ١/ ٢٤٧ - ٢٦٢، وبتحقيقي: ٧٣ فما بعدها.
(٣) خاضوا، أي: اقتحموا. تاج العروس مادة (خوض). والغمر مِن الماء: خلاف الضحل، وهو الذي يعلو منْ يدخله ويغطيه. وغمر البحر: معظمه، والغمرة الشدة، والماء الكثير، انظر: لسان العرب مادة (غمر)، والمعجم الوسيط مادة (غمر). وبين السيوطي في شرح ألفية العراقي معنى هذا فقال: «أي: مشوا فيه، مِنْ تشبيه المعقول بالمحسوس، للإشارة إلى أَنَّ المتكلم في ذَلِكَ كالخائض في الماء، الماشي في غير مظنة المشي، وهو يؤذن بعدم التمكن، ولهذا اختلفوا فيه على أقوال كثيرة».
(٤) من قوله: «عبارة ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠ - ٨١.
(٦) عبارة: «أنه أصح» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٩٢ ]
حجازيًا، وكانَ جماعةٌ لا يقدمونَ على حديثِ الحجازِ شيئًا، حتى قالَ مالكٌ: «إذا خرجَ الحديثُ عنِ الحجازِ انقطعَ نخاعهُ» (١)، أو كما قالَ. هكذا حفظتهُ عن شيخنا، ثمَّ رأيتُ في كتابِ (٢) " ذمِّ الكلامِ " لشيخِ الإسلامِ الأنصاريِّ هذا الكلامَ عنِ الشافعيِّ، ولفظهُ: «إذا لم يوجدْ للحديثِ في الحجازِ أصلٌ ذهبَ نخاعهُ» (٣)، وعنهُ (٤) أنَّهُ قالَ: «كلُّ حديثٍ جاءَ منَ العراقِ وليسَ لهُ أصلٌ في الحجازِ فلا تقبلهُ، وإنْ كانَ صحيحًا، ما أريدُ إلا نصيحتكَ» (٥)، فاللهُ أعلمُ.
وقد اعترضَ على ابنِ الصلاحِ بأنَّ الحاكمَ وغيرهُ، ذكروا أَنَّ هذا بالنسبةِ إلى الأمصارِ، أو إلى الأشخاصِ، وإذا كانَ كذلكَ، فلا يبقى خلافٌ بينَ هذهِ الأقوالِ. قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٦): «وليسَ (٧) بجيدٍ؛ لأَنَّ الحاكمَ لم يقلْ: إِنَّ الخلافَ مقيدٌ بذَلِكَ، بل قالَ: لا ينبغي أنْ يطلقَ ذَلِكَ وينبغي أَنَّ يقيدَ بذلكَ (٨) فهذا لا ينفي الخلافَ المتقدمَ، وأيضًا ولو قيدناهُ بالأشخاصِ، فالخلافُ موجودٌ، فيقالُ: أصحُّ أسانيدِ عليٍّ - ﵁ - كذا، وقيلَ: كذا، وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عمر -﵄ - كذا، وقيلَ كذا، فالخلافُ موجودٌ، واللهُ أعلمُ». انتهى.
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي ١/ ٨٥.
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) تدريب الراوي ١/ ٨٥.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: عن الشافعي».
(٥) تدريب الراوي ١/ ٨٥.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٢.
(٧) كتب ناسخ (أ) في الحاشية: «أي: الاعتراض».
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: بالنسبة إلى الأمصار أو إلى الأشخاص».
[ ١ / ٩٣ ]
قولهُ: (وهذا قولُ البخاريِّ) (١) بخطِ بعضِ أصحابنا، رواهُ عنهُ الحاكمُ في " علوم الحديثِ " (٢)، والخطيبُ في " الكفايةِ " (٣) بإسنادينِ صحيحينِ، وروى الخطيبُ في "الكفاية" (٤) عن يحيى بن بكيرٍ أنَّهُ قالَ لأبي زرعةَ الرازيِّ: «يا أبا زرعةَ ليسَ ذا زعزعة عنْ زوبعةٍ إنما ترفعُ السترَ فتنظر إلى النبي - ﷺ - والصحابةِ، حدثنا مالكٌ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ ﵄» (٥).
قولهُ: (الأستاذ أبو منصورٍ التميمي) (٦) أنهُ أجلُّ الأسانيدِ هذا مُسَلَّمٌ، لكنْ لا ينهضُ دليلًا على الأصحيةِ؛ لأنها أخصُّ، والأجليةُ تكونُ مِنْ / ١٥ب / جهاتٍ عديدةٍ، والشافعيُّ -﵀--وإنْ كانَ قد حازَ الكمالَ في شروطِ الصحةِ، وزادَ على ذَلِكَ بما آتاهُ اللهُ تعالى منَ العلمِ الذي لا يجارى فيهِ، والفطنةِ التي كأنها الكشفُ، لكنْ غيرهُ يشاركهُ في الضبطِ الذي هوَ محطُّ الصحةِ، ويزيدُ بكثرةِ ممارسةِ حديثِ مالكٍ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ: «أثبتُ الناسِ في مالكٍ القعنبيُّ» (٧)، أي: باعتبارِ قدرٍ زائدٍ على كمالِ الضبطِ وهو طولُ الملازمة لهُ، وكثرةُ الممارسةِ لحديثهِ، فالشافعيُّ -﵀- أخذَ عن مالكٍ في أوائلِ عمرهِ، وكانتْ قراءتهُ عليهِ مِنْ أوائلِ قراءتهِ للحديثِ، ولمْ يلازمهُ ملازمةَ القعنبيِّ وابنِ وهبٍ، ولا قريبًا منها.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٧.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٣.
(٣) الكفاية (٥٦٣ت، ٣٩٨ هـ).
(٤) الكفاية (٥٦٥ ت، ٣٩٩ هـ).
(٥) من قوله: «وقد اعترض على ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٧.
(٧) تقريب التهذيب (٣٦٢٠).
[ ١ / ٩٤ ]
قلتُ (١): فقولُ البلقينيِّ في كتابهِ " محاسنِ الاصطلاحِ " (٢): «لا يقالُ: فالقعنبيُّ -وابنُ وهبٍ لهما القعددُ (٣) في الروايةِ عن مالكٍ؛ لأنا نقولُ: وأينَ تقعُ رتبتهما مِنْ رتبة الإمام (٤) الشافعيِّ» (٥)، فيهِ نظرٌ؛ لما علمتَ من (٦) أَنَّ الترجيحَ فيهما إنما هوَ باعتبارِ طولِ الملازمةِ، وكثرةِ الممارسةِ، وهذا لا ينقصُ مِنْ مقدارِ الشافعيِّ. وأما زيادةُ إتقانِ الشافعيِّ فلا يشك فيها مَنْ لهُ علمٌ بأخبارِ الناسِ، فقدْ كانَ أكابرُ المحدّثينَ يأتونهُ، فيذاكرونهُ بأحاديثَ أشكلتْ عليهم، فيبينُ لهم ما أشكلَ، ويوقفهم على عللٍ غامضةٍ، فيقومونَ وهم يتعجبونَ منهُ، كما هوَ مشهورٌ في ترجمتهِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: «سمعتُ " الموطأَ " منَ الشّافعيِّ»، وذَلِكَ بعدَ سماعهِ لهُ مِنْ عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي، ووجود الرواةِ لهُ عنْ مالكٍ بكثرةٍ، وقالَ: «سمعتهُ منهُ لأنيِّ رأيتهُ فيهِ ثبتًا، فعللَ إعادتهُ لسماعهِ وتخصيصها بالشافعي بأمرٍ يرجعُ إلى الثبتِ» (٧) فتعليله بذلكَ أقلُ ما يفهمُ منهُ: أَنَّ الشّافعيَّ مساوٍ لابنِ مهديٍّ في الثبتِ في حديثِ مالكٍ إنْ لم نقلْ: إنَّهُ يقتضي زيادتهُ عليهِ في الثبتِ، إذ لو كانَ مساويًا / ١٦ أ / لكانتِ الإعادةُ تحصيلًا للحاصلِ، وقولُ أحمدَ: «رأيتهُ فيهِ ثبتًا» وَرَدَ على سؤالٍ، فلا يكونُ لتقييدهِ بقيد مفهومًا.
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) عبارة: «في كتابه محاسن الاصطلاح» لم ترد في (ك).
(٣) أي: الأصالة والرسوخ.
(٤) لم ترد في (ك) و(ف).
(٥) محاسن الاصطلاح: ٨٦.
(٦) لم ترد في (أ) و(ك).
(٧) انظر: تدريب الراوي ١/ ٨٠.
[ ١ / ٩٥ ]
قالَ البلقينيُّ: «وأبو حنيفةَ وإنْ روى عنْ -مالكٍ -كما ذكرهُ الدارقطني- فلمْ تشتهرْ روايتهُ عنهُ، كاشتهارِ روايةِ الشافعيِّ» (١) انتهى (٢).
وأبو منصورٍ التميميُّ البغداديُّ القائلُ هذا كانَ منَ الجامعينَ لفنونِ العلمِ منَ الفقهِ، والأصولِ، والأدبِ، والنحو، والحسابِ، وغيرها، ماتَ سنة سبعٍ وعشرينَ وأربعِ مئةٍ (٣).
قولهُ: (قلتُ: وعنهُ أحمدُ) (٤) ينازعُ فيهِ أيضًا: بمثل ما تقدمَ في حقِّ الشافعيِّ سواء، فيسلَّم أَنَّ أحمدَ أجلُّ الرواةِ عنِ الشافعيِّ، وأثبتُ في حدِ ذاتهِ، لكنَّ غيرَهُ أثبتُ منهُ في حديثِ الشافعيِّ، باعتبارِ زيادتهِ عليهِ في طولِ الممارسةِ كالربيعِ مثلًا، واللهُ أعلمُ.
قالَ شيخُنا: «وابن الصلاحِ يرى أَنَّ خوضهمْ في ذَلِكَ لا فائدةَ فيه (٥)، وهوَ حسنٌ بالنسبةِ إلى ابتغاء الإمساكِ عنْ مثلِ ذلكَ (٦)، ولكنْ وإنْ كنا نمنعُ الإقدامَ على الجزمِ بأنَّ سندًا أصحُ الأسانيدِ، فلهُ عندي فائدةٌ جليلةٌ تدخلُ في الترجيحِ، وهي أنا استفدنا مِنْ مجموعِ أقوالهمْ أَنَّ غيرَ ما حكموا بأصحيتهِ مرجوحٌ بالنسبةِ إليهِ، ولم
_________________
(١) محاسن الاصطلاح: ٨٦.
(٢) زاد الحافظ ابن حجر في نكته: ٨٢ بتحقيقي: «لأن أبا حنيفة لم تثبت روايته عن مالك، وإنما أورده الدارقطني والخطيب في الرواة عنه؛ لروايتين وقعت لهما عنه بإسنادين فيهما مقال. وهما لم يلتزما في كتابيهما الصحة وعلى تقدير الثبوت فلا يحسن - أيضًا - الإيراد؛ لأن من يروي عن رجل حديثًا أو حديثين على سبيل المذاكرة، لا يفاضل في الرواية عنه بينه وبين من روى عنه ألوفًا».
(٣) من قوله: «وأبو منصور التميمي البغدادي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التبصرة والتذكرة (١٧).
(٥) في (ك): «له».
(٦) عبارة: «وهو حسن بالنسبة إلى ابتغاء الإمساك عن مثل ذلك» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٩٦ ]
يخالفهم غيرهم، فصارتْ مرجوحيةُ ما سكتوا عنهُ إجماعًا، فإذا وجدنا حديثًا قالَ أحدُ منْ تكلمَ في ذَلِكَ: إنَّه أصحُّ الأسانيدِ يخالفهُ حديثٌ لم يقلْ أحدٌ: إنَّهُ أصحُّ رجَّحنا الأولَ؛ لأنَّ الكلَّ اتفقوا على كونِ (١) الثاني مرجوحًا بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، ويرجحُ ما قالَ اثنانِ منهمْ: إنَّهُ أصح، على ما قالَ فيهِ ذَلِكَ واحدٌ رتبتهُ لا تساوي رتبتهما في النقدِ والإتقانِ» (٢).
قولهُ: (ووقعَ لنا بهذهِ الترجمة حديثٌ واحدٌ) (٣) هو أربعة أحاديثَ أخرجها البخاريُ (٤) في أربعةِ مواضعَ، وأخرجها مسلمٌ (٥) مِنْ حديثِ مالكٍ إلا النهيَ عن حبلِ /١٦ب / الحبلةِ، فأخرجهُ مِنْ وجهٍ آخرَ (٦). (٧)
_________________
(١) في (ك): «أن».
(٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨، وبتحقيقي: ٧٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٧.
(٤) صحيح البخاري ٣/ ٩٠ (٢١٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، ولفظه: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». وأخرجه في: ٣/ ٩١ (٢١٤٢) من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ولفظه: «نهى عن النجش». وأخرجه في: ٣/ ٩٥ (٢١٦٥) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، ولفظه: «لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق». وأخرجه في: ٣/ ٩٦ (٢١٧١) من طريق إسماعيل، ولفظه: «نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلًا».
(٥) صحيح مسلم ٤/ ١٣٨ (١٤١٢) و٥/ ٥ (١٥١٦) و١٥ (١٥٤٢).
(٦) مسلم ٥/ ٣ (١٥١٤)، قال: حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح، قالا: أخبرنا الليث ح، وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن نافع، عن عبد الله، به.
(٧) من قوله: «قوله: ووقع لنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٩٧ ]
قولهُ:
١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حنبلٍ بالزُّهْرِي عَنْ سَالِمٍ أَيْ: عَنْ أبيهِ البَرِّ
١٩ - وَقِيْلَ: زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيْريْنَ عَنِ السَّلْمَاني عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذي الشَّانِ
٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
(وجزمَ ابنُ حنبل بالزهريِّ (١» (٢) ربما أشعر لفظَ «جزمَ» بأنَّ غيرَ أحمدَ ترددَ فيهِ، فلو (٣) قالَ: وذهبَ ابنُ حنبل للزهريِّ (٤) كانَ أولى، وقالَ صاحبنا العلامةُ أبو القاسمِ النويريُّ: «بل يقولُ: إسحاقُ، معَ أحمدَ قالا: الزهري، فينبهُ على قولِ إسحاقَ مِنْ غيرِ زيادةٍ في الأبياتِ».
قولهُ: (عنْ زينِ العابدينَ) (٥) إلى آخرهِ لو (٦) قالَ: وهو عليٌ، عنْ أبيهِ الحسينِ، إلى آخرهِ، وأسقطَ لفظَ الحسينِ بعدَ عليٍ كانَ أولى منْ حيثُ أَنَّ المبتدئَ ومنْ في حكمهِ ربما ظنَّ أنَّ الضميرَ في أبيهِ يعودُ على أقربِ مذكورٍ - وهو الحسينُ -، فيزيد على ظنهِ النسبَ واحدًا، ويصيرُ هكذا: عليُ بنُ الحسينِ بنِ الحسينِ مرتينِ.
_________________
(١) عبارة: «وجزم ابن حنبل بالزهري» لم ترد في (ك).
(٢) التبصرة والتذكرة (١٨).
(٣) «فلو» لم ترد في (أ).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠.
(٦) «لو» لم ترد في (أ).
[ ١ / ٩٨ ]
قولهُ: (وروي أيضًا عنْ أبي بكر بنِ أبي شيبةَ) (١) جزمَ في عبدِ الرزاقِ؛ لأَنَّ الإسناد إليهِ صحيحٌ، ومرَّض في هذا؛ لأنَّ الإسناد إليهِ فيهِ (٢) رجلٌ مبهم (٣).
قولهُ: (بالحديثِ) (٤) أهلُ الحديثِ يطلقونَ على السندِ وحدهُ حديثًا.
قولهُ (إنَّ ضميرَ «عنهُ» يعودُ على عليِ بنِ أبي طالبٍ) (٥) - ﵁ - واضحٌ عندَ منْ لهُ خبرةٌ بالفنِّ مِنْ حيثُ إنَّ عبيدةَ بنَ عمرٍو، ويقالُ: ابن قيسِ بنِ عمروٍ السلمانيّ المراديّ الكوفيّ مشهورٌ بالروايةِ عنهُ، ولم يجتمعْ بالنبيِّ - ﷺ -، وأما غيرُ الخبيرِ فربما ظنَّ أَنَّ الضميرَ للنبي - ﷺ - (٦) مِنْ جهةِ أَنَّ ابنَ سيرينَ تابعيٌ، وأَنَّ عبيدةَ - راوي عليٍّ - مخضرمٌ، أدركَ الجاهليةَ، وأسلمَ قبلَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ - بسنتينِ، فربما ظنَّ أنَّهُ صحابيٌ لكبرِ سنهِ، وقِدَمِ أخبارهِ (٧).
قولهُ: (إلا أَنَّ ابنَ المدينيِّ قالَ: أجودها) (٨) إنْ قيلَ: يكونُ الإسناد جيدًا باعتبارِ / ١٧أ / اشتهارِ رواتهِ بالعلمِ، أوِ الصلاحِ، أو نحوِ ذَلِكَ، ومعَ ذَلِكَ فقدْ يكونُ غيرهمْ أضبطَ منهمْ، وأحفظَ، قيلَ: ليسَ الأمرُ كذلكَ، وإنما هذا تفننٌ في العبارةِ، لا مغايرةَ بينهما عندَ منْ تتبع مواقعَ استعمالهمْ، فهم (٩) إذا قالوا: هذا حديثٌ جيدٌ، أرادوا أنَّهُ قويٌ، فلا يريدونَ الجودةَ إلا بمعنى أمرٍ يرجعُ إلى الضبطِ، وإنْ كانَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠.
(٢) «فيه» لم ترد في (ف).
(٣) من قوله: «قوله: وروي أيضًا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، وعبارته: «للحديث».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، وساقه بالمعنى.
(٦) من قوله: «من حيث أن عبيدة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) من قوله: «مخضرم أدرك الجاهلية » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠. وانظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤.
(٩) «فهم» لم ترد في (ف).
[ ١ / ٩٩ ]
الجهبذُ منهمْ لا يعدل عنْ صحيحٍ إلى جيدٍ إلا لنكتةٍ، كأنْ يرتقيَ الحديثُ عندهُ عن الحسنِ لذاتهِ، ويترددَ في بلوغهِ الصحيح بلا مِرية، كما في " جامعِ الترمذيِّ " (١) في الطبِّ: «حديثٌ جيدٌ حسنٌ» (٢)، فالوصف بجيد، وإنْ كانَ أنزلَ رتبةً مِنَ الوصفِ بصحيحٍ، فإنَّ أفعلَ (٣) التفضيل منهُ، مساويةٌ لأقوى، وأثبتَ، ونحوِ ذَلِكَ، وهو بمعنى أصحَّ سواء، كذا قالَ شيخُنا، وفيهِ نظرٌ لا يخفى (٤)، واللهُ أعلمُ.
تنبيه: وكذلكَ لفظُ ابنِ معينٍ، قالَ: «أجودها الأعمشُ، عنْ إبراهيمَ، عنْ علقمةَ، عنْ عبدِ اللهِ»، وكذا نقلَ الحاكمُ (٥) عنْ أحمدَ بصيغةِ أجودَ.
_________________
(١) ذكر الترمذي ذَلِكَ عقب حديث رقم (٢٠٣٧)، وقال: «هذا حديث جيد غريب». إلاَّ أنَّ ما موجود في النسخة المطبوعة من الجامع الكبير بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف قول الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وأشار الدكتور بشار في الهامش إلى اتفاق ثلاث نسخ من النسخ التي اعتمدها في التحقيق على اللفظ الأول؛ ولكنه أثبت اللفظ الثاني استنادًا إلى وجود هذه اللفظة في نسخة رابعة، وكذلك موافقة الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء لهذا النقل. وما ذهب إليه الدكتور من إثبات اللفظ الثاني مجانب للصواب؛ ذَلِكَ لأننا وجدنا في النسخة الخطية الخاصة بنا من الجامع الكبير أنَّ فيها إثبات اللفظ الأول، وهذه النسخة هي نسخة الكروخي (ت ٥٤٨ هـ)، والتي مكننا من تصويرها أخونا الشيخ الفاضل عبد الرحمان الفقيه - جزاه الله خيرًا - وهي من أنفس نسخ الكتاب وأجودها، ولو كانَ في الوقت فسحة لحققنا الكتاب على هذه النسخة النفيسة، وغيرها من النسخ العتيقة المتقنة.
(٢) من قوله: «كما في جامع الترمذي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: مِنْ أجود».
(٤) عبارة: «كذا قال شيخنا، وفيه نظر لا يخفى» لم ترد في (ك) و(ف).
(٥) معرفة علوم الحديث: ٥٤.
[ ١ / ١٠٠ ]
قالَ البلقينيُّ (١): «وفي كتابِ الحاكمِ: قالَ إنسانٌ ليحيى لما قال ذَلِكَ: الأعمشُ مثل الزهريِّ، فقالَ: برأتُ مِنَ الأعمشِ أنْ يكونَ مثلَ الزهريِّ، الزهريُّ (٢) يرى العرضَ، والإجازةَ، وكانَ يعملُ لبني أميةَ، وذكرَ الأعمشَ، فمدحهُ، وقالَ: فقيرٌ صبورٌ، مجانبٌ للسلطانِ، وذكرَ علمهُ بالقرآنِ، وورعه، وقالَ رجلٌ منهم لم يعينهُ - أي: الحاكم -: أجودُ الأسانيدِ شعبةُ، عنْ قتادةَ، عن ابنِ المسيبِ (٣)، عنْ عامرٍ -- أخي أمِّ سلمةَ - عنها. ومنْ ذَلِكَ يعلمُ: أَنَّ الجودةَ يعبرُ بها عنِ الصحةِ، وفي " جامعِ الترمذيِّ " في الطبِّ: «هذا حديثٌ جيدٌ»» (٤). انتهى كلامُ البلقينيِّ ملخصًا.
قولهُ: (أقوالُ /١٧ب/ أُخرُ ذكرتها في " الشرحِ الكبيرِ " (٥» (٦) جملتها مع ما هنا عشرةٌ، فقيلَ: يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عنْ أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقيلَ: شعبةُ، عن قتادةَ، عنْ سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عامرٍ أخي أمِّ سلمةَ، عنْ أمِّ سلمةَ. حكاهما الحاكمُ (٧).
_________________
(١) زاد بعدها في (ك): «وقال».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) زاد بعدها في (ك): «عن أم سلمة» وهو خطأ.
(٤) انظر: محاسن الاصطلاح: ٨٥.
(٥) وذلك لأن الحافظ العراقي شرح الألفية في أول الأمر شرحًا مبسوطًا عرف بالشرح الكبير ثم رأى أنه كبير فشرع في شرح أخصر منه، وهذا هو الشرح المسمى "شرح التبصرة والتذكرة " وأشار في لحظ الألحاظ: ٢٣٠ إلى أنه كتب منه نحوًا من ستة كراريس - أي: الشرح الكبير - وقد سبق للمصنف البقاعي في أول الكتاب أن الشرح الكبير لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة، وصل فيها العراقي إلى الضعيف.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١١.
(٧) معرفة علوم الحديث: ٥٤.
[ ١ / ١٠١ ]
وفي المتصلِ، والمنقطعِ للبرديجيِّ، قالَ: «الأحاديثُ الصحاحِ التي أجمعَ أهلُ الحديثِ على صحتها منْ جهةِ النقلِ، فذكرَ بعضَ ما هنا، ثمَّ قالَ: وقيلَ: الزهريُّ، عن أبي سلمةَ، عنْ أبي هريرةَ، منْ روايةِ الأوزاعيِّ، وهشامٍ، ما لمْ يقعِ الاختلافُ والاضطرابُ».
وفي "المحاسنِ " (١): «قالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ في حديثِ مسددٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: كأنها الدنانيرُ، ثمَّ قالَ: كأنكَ تسمعها منَ النبيِّ - ﷺ -»، فهذه أربعةٌ، وفي الشرحِ ستةٌ، وتمكنُ الزيادةُ (٢).
قولهُ: (في ترجمةٍ (٣» (٤) الجارُ فيهِ (٥) متعلق بمحذوفٍ، وكذا في قولهِ: (لصحابيٍّ) (٦)، أي: وَلُمْ منْ جعلَ هذا الحكمَ الكائنَ في ترجمةٍ واحدةٍ، كائنةً لصحابيٍ واحدٍ عامًا لجميعِ الأسانيدِ، فيقالُ مثلًا: مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، أصحُّ الأسانيد، أي: أسانيدِ الدنيا الواصلةُ إلى جميعِ الصحابةِ، بل ينبغي أنْ يخصَّ هذا الحكمَ في هذهِ الترجمةِ بأسانيد ذَلِكَ الصحابيِّ، فيقالُ مثلًا في مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: إنهُ أصحُّ الأسانيدِ الواصلةِ إلى ابنِ عمرَ، فلا يمنعُ حينئذٍ أَن يكونَ إسنادٌ يصلُ إلى أبي بكر - ﵁ - (٧) مثلًا وهوَ أصح منهُ، أو /١٨أ /مساوٍ لهُ.
قولهُ: (فنقولُ: وباللهِ التوفيقِ) (٨) هوَ مِنْ كلامِ الحاكمِ (٩).
_________________
(١) محاسن الاصطلاح: ٨٧.
(٢) من قوله: «قوله: أقوال أخر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) زاد بعدها في (ك): «واحدة».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١١.
(٥) «فيه» لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١١.
(٧) عبارة: «- ﵁ -» لم ترد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١١.
(٩) معرفة علوم الحديث: ٥٥.
[ ١ / ١٠٢ ]
قولهُ (أهل البيتِ) (١)، أي: إذا زدنا واحدًا مِنْ أهلِ البيتِ على الإسناد المتقدمِ، حتى لا يكونَ مخالفًا لعبدِ الرزاقِ: الزهريُ، عن زين العابدينَ؛ لأنَّ الزهريَّ ليسَ مِنْ أهلِ البيتِ.
تنبيهٌ: اعلمْ أَنَّ هذا السندَ سقطَ منهُ واحدٌ فإنَّ محمدًا والد جعفرَ، هو ابنُ زينِ العابدينَ عليِّ (٢) بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ - ﵃ - (٣)، فإنْ كانَ الضميرُ في «جدّهِ»، يعودُ إلى قولهِ: «أبيهِ»، فيكونُ جدّهُ هو الحسينُ، ومحمدٌ (٤) لم يسمعْ (٥) منهُ، فقدْ كانَ يومَ قَتلِ الحسينِ في عاشوراءَ سنةَ إحدى وستينَ، في السنةِ الخامسةِ مِنْ عمرِهِ (٦)، وإنْ كانَ يعودُ على جعفرَ حتى يكونَ المرادُ بالجدِّ زينَ العابدين، فكذلكَ زينُ العابدين لم يسمعْ من جدهِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ - ﵃ -.
قلتُ: ولعلَّ الساقطَ «عنْ أبيهِ» بعدَ: «عنْ جدّهِ»، فيصيرُ جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيهِ محمدٍ، عن جدّهِ جعفرَ زينِ العابدينَ علي بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن أبيهِ الحسينِ، عن عليٍ - ﵃ -، واللهُ أعلمُ (٧)، فليحررْ لفظ الحاكمِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١١.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «زين العابدين بن علي» وهو تحريف لا شك؛ لأنَّ «زين العابدين» هو «علي» نفسه. انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٥/ ٢٣٧ (٤٦٣٩)، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٣٨٦.
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) في (ك): «وهو».
(٥) انظر: جامع الترمذي عقب (١٥١٩)، وتهذيب الكمال ٦/ ٤٤٢.
(٦) من قوله: «فقد كان يوم قتل » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) من قوله: «زين العابدين لم يسمع من جده » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١٠٣ ]
وقالَ البزارُ في "مسندهِ" (١): «إنَّ رواية علي بنِ الحسينِ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أصحُّ إسنادًا يروى عن سعد بنِ أبي وقاصٍ - ﵁ -».
قالَ: كان بعضُ أصحابنا، ونقل النوويُّ عنِ البخاري (٢) أَنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هريرةَ: أبو الزنادِ، عنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - (٣).
قولهُ: (مشبكةٌ بالذهبِ) (٤)، أي: ترجمةُ عائشةَ -﵂- مِنْ جهةِ ما حازهُ رواتها / ١٨ب / مِنَ الفقهِ، والضبطِ، وجَلالةِ القدرِ.
قولهُ: (عنْ منصورٍ) (٥) هوَ ابنُ المعتمرِ (٦).
قولهُ: (عنِ الصحابةِ) (٧) موهمٌ جدًا، وذَلِكَ أَنَّ حسانَ أكثرُ روايتِهِ عنِ الصحابةِ مرسلةٌ، وروايتهُ عنهمْ متصلةً قليلةٌ جدًا (٨).
_________________
(١) البحر الزخار ٣/ ٢٧٧ عقب (١٠٦٥).
(٢) في (ف): «الصحابي».
(٣) من قوله: «وقال البزار » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٢.
(٦) عبارة: «قوله: عن منصور هو ابن المعتمر» لم ترد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٢، وقلنا في التعليق عليه: «فيه نظر؛ فإن حسان ابن عطية ليسَ لهُ كبير رواية عن الصحابة، بل عده ابن حبان في ثقاته (٦/ ٢٢٣) ضمن أتباع التابعين، وذكر الإمام المزي في تهذيب الكمال ٢/ ١٠٠ (١١٧٨) في ضمن من روى عنه عن الصحابة أبا الدرداء، وقال: «لم يدركه»، وأبا واقد الليثي، وقال: «لم يسمع منه»، وأبا أمامة الباهلي صدي بن عجلان. ولم نجد في الكتب رواية عن أبي أمامة سوى حديث واحد عند الترمذي برقم (٢٠٢٧)، ولم يصرح فيه بالسماع منه، وقال الترمذي: «حسن غريب» فلعله سمعه بواسطة، فقد جعله ابن حجر في التقريب (١٢٠٤) مِنَ الطبقة الرابعة، وهم الذين جل روايتهم عن كبار التابعين. فعلى هذا لا ينبغي أَن يعد هذا الضرب من أصح الأسانيد».
(٨) عبارة: «وروايته عنهم متصلة قليلة جدًا» لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٠٤ ]
وقولهُ: في (الخراسانيينَ) (١) كذَلِكَ؛ لأنَّ الترجمةَ التي ذكرها لهمْ صحيفةٌ (٢) لم يروها إلا زيدُ بنُ الحبابِ، وهو مختلفٌ فيهِ، لكنْ في هذهِ الصحيفةِ أحاديثُ تروى مفرقةً مِنْ غير طريقِ زيدٍ.
قولهُ: في بعضِ التراجمِ (أصحُّ) (٣) وفي بعضها: (أثبتُ) تفننٌ في العبارةِ، والمرادُ بهما واحدٌ، واللهُ أعلمُ.
قالَ البلقينيُّ: «ولا يقالُ (٤) فيما سبقَ منَ النقولِ (٥): في الترجيحِ (٦) نظرٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ إنما هوَ بالنسبةِ إلى ذَلِكَ الصحابيِّ الذي ذُكر، لا إلى صحةِ الأسانيدِ المطلقةِ، كما أوضحهُ الحاكمُ» (٧) يعني: فينتفي الاضطرابُ الذي ذكرهُ ابنُ الصلاحِ في قولهِ: «فاضطربتْ أقوالهمْ» (٨) لأنا نقولُ: الحاكمُ نقلَ تلكَ الأمورَ كلها كما تقدّمَ.
ونقلَ عن البخاريِّ، بعدَ قولهِ: أصحُ الأسانيدِ كلها مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ -: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هريرةَ: أبو الزنادِ، عن الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ.
ونُقلَ عن ابن بطةَ، عن بعضِ شيوخهِ، عن سليمانَ بنِ داودَ الشاذكوني: أصح
_________________
(١) ينظر بلا بد: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٣، والتعليق عليه.
(٢) جاء في حاشية (أ): «الصحيفة عبارة عند المحدّثين أن تكون أحاديث كثيرة على سند واحد».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٣، وهكذا اتفقت عندنا أصول شرح التبصرة.
(٤) زاد بعدها في (ف): «لا يقال».
(٥) في المحاسن: «القول».
(٦) في (ك): «التراجيح».
(٧) محاسن الاصطلاح: ٨٦.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٨١.
[ ١ / ١٠٥ ]
الأسانيدِ كلها: يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عنْ أبي هريرةَ (١). يعني: فقدْ عمم البخاريُّ أولًا، ثم خصَّ أسانيدَ أبي هريرةَ، وكذا الشاذكوني عمَّ بقولهِ كلها يعني: فثبتَ النظرُ الذي نفى البلقينيُّ أنْ يكونَ منتفٍ (٢)، ثم قالَ: ولمَ يذكرْ -- يعني: الحاكمَ- الأصحَ عن عليٍّ بالنسبةِ إلى الكوفةِ، وقالَ /١٩أ/ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، وذكرحديثًا رواهُ عنْ أبيهِ، عن يحيى، عنْ سفيانَ، عنْ سليمانَ، [عن إبراهيم] (٣) التيميِّ، عن الحارثِ بنِ سويدٍ (٤)، فقالَ: قالَ أبي: ليسَ بالكوفةِ عن عليٍّ أصحُّ مِنْ هذا (٥). وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ في حديثِ مسددٍ، عنْ يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ: كأنها الدنانيرُ، كأنكَ تسمعها منَ النبي - ﷺ - (٦). قالَ الحاكمُ: أوهَى أسانيدِ أهلِ البيتِ: عمرو بنُ شمر، عن جابرٍ الجعفي، عن الحارثِ، عن عليٍّ.
وأوهى أسانيدِ الصِّدِّيقِ: صدقةُ بنُ موسى الدقيقيُّ، عن فرقدٍ السبخيِّ، عنْ مرةَ الطيبِ، عن أبي بكرٍ. وأوهى أسانيدِ العمريينَ: محمدُ بنُ القاسمِ بنِ عبدِ اللهِ ابن عمر بن حفص بن عاصم بنِ عمرَ، عنْ أبيهِ، عن جدهِ؛ فإنَّ محمدًا والقاسمَ وعبدَ اللهِ لا يُحتجُّ بهم.
وأوهى أسانيدِ أبي هريرةَ: السري بنُ إسماعيلَ، عن داودَ بنِ يزيدَ الأوديِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ.
وأوهى أسانيدِ عائشةَ -﵂ (٧) -: نسخة عندَ البصرِيينَ عنِ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٥٣ - ٥٤.
(٢) عبارة: «يعني: فثبت النظر الذي نفى البلقيني أن يكون منتف» لم ترد في (ك) و(ف).
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في جميع النسخ الخطية، وأثبت من مسند الإمام أحمد.
(٤) كتب ناسخ (ف) في الحاشية: «لعله علي».
(٥) مسند الإمام أحمد ١/ ٨٣.
(٦) انظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٢٢ (١٣٦٨).
(٧) لم ترد في (ف).
[ ١ / ١٠٦ ]
الحارثِ بن شبلٍ، عن أمِّ النعمانِ الكنديةِ، عنْ عائشةَ.
وأوهى أسانيدِ ابنِ مسعودٍ: شريكُ، عن أبي فزارةَ، عنْ أبي زيدٍ، عنْ عبدِ اللهِ، وليسَ بأبي فزارةَ راشدُ بنُ كيسانَ؛ فذاكَ كوفيٌ ثقةٌ.
وأوهى أسانيدِ أنسٍ: داودُ بنُ المحبر بنِ قحذم، عن أبيهِ، عن أبانَ بنِ أبي عياشٍ، عن أنسٍ.
وأوهى أسانيدِ المكيينَ: عبدُ اللهِ بنُ ميمونَ القداحُ (١)، عن شهاب بنِ خراشٍ، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ الخوزيِّ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ. وفي هذا أيضًا ما /١٩ب / تقدمَ (٢)، وهو يؤيدهُ.
وأوهى أسانيدِ المصريينَ: أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاجِ بنِ رشدينَ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ، عن جده، عن قرةَ بنِ عبدِ الرحمان، عنْ كلِ منْ روى عنهُ، فإنها نسخةٌ كبيرةٌ.
وأوهى أسانيدِ الشاميينَ: محمدُ بنُ قيسٍ المصلوبُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زحر، عن علي بنِ زيدٍ، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ.
وأوهى أسانيدِ الخراسانيينَ: عبدُ اللهِ بنُ عبد الرحمانِ بنِ مليحةَ، عنْ نهشلِ ابنِ سعيدٍ، عنِ الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ.
قالَ الحاكمُ النيسابوريُّ: وابنُ مليحَة، ونهشلُ نيسابوريانِ، وإنما ذكرتهما في الجرحِ مِنْ بينِ سائرِ كورِ خراسانَ ليعلمَ أني لمْ أُحابِ في أكثرِ ما ذكرتهُ (٣). انتهى.
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) جاء في حاشية (أ): «وهو قوله في الخراسانيين إلى آخره».
(٣) معرفة علوم الحديث: ٥٦ - ٥٨.
[ ١ / ١٠٧ ]
قالَ العراقيُّ في ما وجدَ مِنْ "شرحهِ الكبيرِ": «إنَّ ذكرَ أوهى الأسانيدِ في قسمِ الضعيفِ أليق». وصدقَ ﵀. (١)
قولهُ:
أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
٢٢ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْح مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ
٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
لما كانَ يتكلمُ على الصحيحِ ناسبَ أَن يذكرَ الأصحَّ، فتكلمَ أولًا على أصحِ الأسانيدِ مطلقًا، ثم انتقلَ إلى أخصَّ منهُ، وهو أصحُّ (٢) الأسانيدِ بالنسبةِ إلى صحابي واحدٍ، ثمَّ انتقلَ إلى أخصَّ مِنْ ذَلِكَ وهوَ أصحُّ كتبِ الحديثِ، فإنَّ مَنْ أفردَ الصحيحَ بالتصنيفِ قومٌ قليلٌ، كالشيخينِ، ومنِ استخرجَ على كتابيهما، أو استدركَ، وكابنِ خزيمةَ؛ إذْ صَنفَ في الصحيحِ، وابنِ حبانَ وأبي عوانةَ، فالجميعُ لا يبلغونَ عشرينَ، فمصنفاتهمْ يسيرةٌ بالنسبةِ إلى أسانيدِ صحابي ممنْ ذكرَ، فإنَّ الأسانيدَ إلى كلٍّ منهمْ كثيرةٌ، فلأجلِ حسنِ هذا الترتيبِ خالفَ ترتيب ابنِ الصلاحِ، وقدمَ هذا على مسألةِ إمكانِ التصحيحِ في /٢٠أ / هذهِ الأعصارِ.
وقولهُ: (أولُ) (٣) إلى آخرهِ، لا يُظن أنَّهُ مخالفٌ للترجمةِ؛ لأنها معقودةٌ لبيانِ الأولويةِ بالصحةِ لا لبيانِ الأوليةِ؛ فإنَّهُ قد بينَ الأصحَّ بقولهِ: (وخصَّ بالترجيحِ) (٤) فوفى بما ترجمَ عليهِ، وزادَ.
_________________
(١) عبارة: «﵀» لم ترد في (أ).
(٢) في (ك): «أخص».
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٢).
[ ١ / ١٠٨ ]
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «أولُ مَنْ صنفَ الصحيحَ: البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الجعفيُّ مولاهم (١)، وتلاهُ أبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ النيسابوريُّ القشيريُّ مِنْ أنفسهم (٢)، ومسلمٌ مع أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ، واستفادَ منهُ، يشاركهُ في كثيرٍ مِنْ شيوخهِ إلى أَن قالَ -: ثمَّ إن كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابينِ صحيحًا، وأكثرهما فوائدَ» (٣).
وقولُ الشيخِ: (أولُ) (٤) موافقٌ لقولِ ابنِ الصلاحِ: «وتلاهُ أبو الحسينِ» (٥) في أَنَّ البخاريَّ صنفَ "صحيحهُ" قبلَ "صحيحِ مسلمٍ".
وقالَ الشيخُ في "النكتِ": «اعترضَ عليهِ (٦) بقولِ أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سلمةَ: كنتُ معَ مسلمِ بنِ الحجاجِ في تأليفِ هذا الكتابِ سنة خمسٍ ومئتينِ، هكذا رأيتهُ بخطِّ الذي اعترضَ على ابنِ الصلاحِ سنةَ خمس بسينٍ فقطْ، وأرادَ بذلكَ أَنَّ تصنيف مسلمٍ لكتابهِ قديمٌ، فلا يكونُ تاليًا لكتابِ البخاريِّ، وقدْ تصحفَ التاريخُ عليهِ، وإنما هوَ سنةُ خمسينٍ ومئتينِ بزيادةِ الياءِ والنونِ، وذَلِكَ باطلٌ (٧) قطعًا؛ لأَنَّ
_________________
(١) قال العراقي في التقييد: ٢٥: «اعترض عليه بأن مالكًا صنف الصحيح قبله. والجواب: أَنَّ مالكًا - ﵀- لم يفرد الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف، كما ذكره ابن عبد البر، فلم يفرد الصحيح إذن، والله أعلم». ولمزيد الفائدة انظر: نكت الزركشي ١/ ١٦١، ونكت ابن حجر ١/ ٢٧٦ - ٢٨١.
(٢) أي: مِنْ بني قشير، لا مِنْ مواليهم، كما في حاشية محاسن الاصطلاح: ٨٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥. وانظر في المفاضلة بين الصحيحين: نكت الزركشي ١/ ١٦٥، ونكت ابن حجر ١/ ٢٨١، والبحر الذي زخر ٢/ ٥٣٠.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٤.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: على ابن الصلاح».
(٧) كتب ناسخ (أ) موضحًا: «أي الاعتراض».
[ ١ / ١٠٩ ]
مولدَ مسلمٍ - ﵀ - سنةَ أربعٍ ومئتينِ، بلِ البخاريُّ لم يكنْ في التأريخِ المذكورِ صنّفَ، فضلًا عنْ مسلمٍ، فإنَّ بينهما في العمرِ عشرَ سنينَ. ولدَ البخاريّ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئةٍ» (١) انتهى. وقالَ بعضُ أصحابنا: قالَ الحافظُ أبو عليٍّ / ٢٠ب / سعيدُ بنِ عثمانَ بنِ سعيدِ بنِ السكنِ في خطبةِ كتابهِ المسمى "بالسننِ الصحاحِ المأثورةِ ": «أولُ منْ نصبَ نفسه لطلبِ صحيحِ الآثارِ البخاريُّ وتابعهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُ» (٢).
والألفُ واللامُ في قولهِ (الصحيحُ) (٣) عهديةٌ للصحيحِ الذي قدمَ تعريفهُ، فلا يردُّ قول منْ قالَ: كتابُ مالكٍ أسبقُ معَ كونهُ صحيحًا، فلا يكونانِ أولَ منْ صنفَ في الصحيحِ؛ فإنَّ كتابهُ وإنْ كانَ (٤) قصدَ فيهِ جمعَ الصحيحِ، لكنْ إنما جمعَ الصحيحَ عندهُ، لا الصحيحَ الذي عرفناهُ؛ لأنه يرى المراسيلَ والبلاغاتِ صحيحةً، فيوردها مواردَ الاحتجاجِ، والصحيحُ الذي سلفَ تعريفهُ مشروطٌ فيهِ الاتصالُ.
قالَ الشيخُ في " النكت ": «ومن بلاغاتهِ أحاديثُ لا تُعرفُ، كما ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِ، فلمْ يفردِ الصحيحَ إذن، واللهُ أعلمُ» (٥) (٦).
وسوقُ المصنفِ - فيما يصلحُ أَنْ يكون دليلًا للمعترضِ - بكون كتاب (٧) مالكٍ صحيح (٨) الرواية التي عبرَ الشافعيُّ فيها بأصحَّ، أولى مِنْ سوقِ ابنِ الصلاحِ
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٢٥.
(٢) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٤) «كان» لم ترد في (ف).
(٥) من قوله: «قال الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٥.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) في (ف): «صحيحًا» وهو خطأ.
[ ١ / ١١٠ ]
الروايةَ التي فيها أكثرُ صوابًا؛ لأنَّ أكثريةَ الصوابِ يمكنُ أنْ تحملَ على استنباطِ الفقهِ، أو غيرِ ذَلِكَ مما لا يرجعُ إلى صحةِ جميعِ ما ساقهُ منَ الحديثِ، وإلى الروايةِ التي ساقها المصنفُ أشارَ ابنُ الصلاحِ بقولهِ: «ومنهمْ مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ» (١) فإنْ قيلَ: قد صنعَ البخاريُّ في إخراجِ التعاليقِ صنيعَ مالكٍ في البلاغاتِ، قيلَ: نعمْ، لكنَّ مالكًا ساقَ الكلَّ مساقَ المسندِ في الاحتجاجِ بهِ لكونهِ صحيحًا، وأما البخاريُّ فلمْ يوردْها موردَ المسانيدِ، فهيَ عندهُ ليستْ مقصودةً بالذاتِ، بدليلِ أنَّهُ سمَّى كتابهُ " الجامعَ /٢١أ / المسندَ الصحيحَ "، فما رأينا فيهِ مما ليسَ بمسندٍ علمنا أنَّهُ لمْ يرد بذكرهِ كونهُ صحيحًا، بلْ قصدَ أمرًا آخرَ، ومقاصدهُ في ذَلِكَ مختلفةٌ، تُعرفُ بكثرةِ ممارسةِ كلامهِ، وشرحُ شيخنا حافظِ العصرِ وافٍ ببيانها، ولأجلِ هذا لم يعترضْ أحدٌ ممنِ انتقدَ عليهِ بشيء منها.
قالَ شيخنا: «والذي حرّكَ عزمهُ لتصنيفِ الصحيحِ، وقوَّاه عليهِ، ما رواهُ إبراهيم بنُ معقلٍ النسفيُّ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: كنا عندَ إسحاقَ بنِ راهويهِ (٢)، فقالَ: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيحِ سنةِ النبيِّ - ﷺ -، قال: فوقعَ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٤. وانظر عن هذا اللفظ: نكت الزركشي ١/ ١٦٥، ونكت ابن حجر ١/ ٢٨١، وحاشية محققة محاسن الاصطلاح: ٩٠.
(٢) قال الزركشي في نكته ١/ ١٢٩: «يجوز في (راهويه) فتح الهاء والواو وإسكان الياء، ويجوز ضم الهاء وإسكان الواو وفتح الياء، وهذا الثاني هو المختار، وعن الحافظ جمال الدين المزي أنه قال: غالب ما عند المحدّثين (فعلويه) -بضم ما قبل الواو - إلا (راهويه) فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو». وانظر: الأنساب ٣/ ٣٧، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨، وتدريب الراوي ١/ ٣٣٨. أما معناه فقد قال الزركشي ١/ ١٣١: «واعلم أن (راهويه) لقب لجده، وسمي بذلك؛ لأنّه ولد في الطريق، والرهو: الطريق، وكان أبوه يكره أَنَّ يسمى به». وانظر: تهذيب الكمال ١/ ١٧٦.
[ ١ / ١١١ ]
ذَلِكَ في قلبي، فأخذتُ في جمعِ الجامعِ الصحيحِ».
وروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ فارسٍ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: رأيتُ النّبيَّ - ﷺ - وكأني واقفٌ بينَ يديهِ، وبيدي مروحةٌ أذبُّ عنهُ، فسألتُ بعضُ المعبِّرينَ، فقالَ لي: أنتَ تذبُّ عنهُ الكذبَ، فهو حملني على إخراج الصحيحِ (١) (٢).
قولهُ: (وخصَّ بالترجيحِ) (٣)، أي: وخصَّ مصنَّفهُ - بفتحِ النونِ - (٤) بترجيحهِ على غيرهِ منَ المصنفاتِ، أعني: ترجيحَ الناسِ لهُ، وترجيحهمْ لهُ، أي حكمهم بأنَّهُ أرجحُ من كلِّ كتابٍ مصنفٍ، مقصورٍ عليهِ، لا يتعداهُ إلى غيرهِ، فلمْ يصرحْ أحدٌ بأنَّ غيرهُ أرجحُ منهُ باعتبارِ الصحةِ، إلا ما قالَ الحاكمُ في " التاريخِ ": «سمعتُ أبا عمرٍو بنِ أبي جعفرَ يقولُ: سمعتُ أبا العباسِ بنِ سعيدِ بنِ عقدةَ، وسألتهُ عنْ محمدِ بنِ إسماعيل، ومسلمِ بنِ الحجاجِ، أيهما أعلمُ؟ فقالَ: كانَ (٥) محمدُ بنُ إسماعيلَ عالمًا، ومسلمٌ عالمٌ. فكررتُ عليهِ مرارًا، وهو (٦) يجيبني بمثلِ هذا الجوابِ، ثمَّ قالَ لي (٧): يا أبا عمرٍو، قد يقعُ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ الغلطُ في أهلِ / ٢١ب / الشامِ؛ وذلكَ أنَّهُ أخذَ كتبهمْ، فنقلَ منها، فربما ذكرَ الواحدَ منهم بكنيتهِ، ويذكرهُ في موضعٍ آخرَ باسمهِ، ويتوهمُ أنهما اثنانِ، فأما مسلمٌ فقلَّ ما يقعُ لهُ الغلطُ في العللِ؛ لأنَّهُ كتبَ المسانيدَ ولمْ يكتبِ المقاطيعَ والمراسيلَ» (٨).
_________________
(١) هدي الساري: ٩.
(٢) من قوله: «قال شيخنا: والذي حركَ عزمه » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٤) عبارة: «بفتح النون» لم ترد في (ك).
(٥) من قوله: «محمد بن إسماعيل» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٦) «هو» لم ترد في (ك).
(٧) «لي» لم ترد في (ك).
(٨) انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٥.
[ ١ / ١١٢ ]
وهذا بعدَ تسليمِ كونِ ذَلِكَ يقعُ للبخاريِّ في كتابهِ " الصحيحِ " يحتاجُ لجوابٍ، لكنْ سألتُ شيخنا عنْ ذَلِكَ فقال: «إنما أشارَ بهِ (١) إلى كتابهِ " التاريخِ "».
وأما قولُ المصنفِ: (وبعضُ الغربِ معَ أبي عليٍّ (٢) فضلوا ذا) (٣) فمبني على ما فهموهُ مِنْ أَنَّ عبارةَ أبي عليٍ تدلُّ على الترجيحِ دلالةً صريحةً (٤)، وليسَ هي كذَلِكَ؛ فإنهُ عبرَ بقولهِ: «ما تحتَ أديمِ السماءِ أصحُّ مِنْ كتابِ مسلمٍ» (٥)، وهذا محمولٌ على نفيِ الأرجحيةِ في الصحةِ حملًا ظاهرًا (٦)، لا على نفي ما يساويهِ فيها، كما حررهُ شيخنا في " شرحِ النخبةِ " (٧)، واقتضاهُ بحثُ المصنفِ في مثلهِ، فإنَّهُ قالَ في " الشرحِ الكبيرِ " في عبدِ الرحمانِ بنِ القاسمِ، عن أبيهِ، عنْ عائشةَ، أَنَّ يحيى بنَ معينٍ قالَ: «ليسَ إسناد أثبتَ منْ هذا»، ثمَّ قالَ: فهذا يقتضي أَنَّ ذَلِكَ المتقدم. يعني: الأعمشَ، عنْ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، ليس أصحَّ مِنْ هذا، فأما المساواةُ فلا يتعينُ نفيها، فتأملهُ.
_________________
(١) «به» لم ترد في (ك).
(٢) الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري شيخ الحاكم، له ترجمة جيدة في السير ١٦/ ٥١ - ٥٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٣).
(٤) عبارة: «دلالة صريحة» لم ترد في (ك).
(٥) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠١ وللعلماء في توجيه هذا الكلام مباحثات. انظر: صيانة صحيح مسلم: ٦٩، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٥، وهدي الساري: ١٢، والنزهة: ٨٦، وتدريب الراوي ١/ ٩٣ - ٩٥.
(٦) عبارة: «حملًا ظاهرًا» لم ترد في (ك).
(٧) نزهة النظر: ٨٦.
[ ١ / ١١٣ ]
وقالَ فيهِ (١) أيضًا بعدَ ذَلِكَ، وساق أَنَّ مسلمًا قالَ في إسنادٍ ذاكَرهُ بهِ أحمدُ ابنُ سلمةَ: «لا يكونُ في الأسانيدِ أشرفُ مِنْ هذا». قالَ: فهذا يقتضي أنهُ لا أرجحَ مِنْ هذا الإسناد، فأما نفيُ المساواةِ فلا، كما تقدمَ. انتهى.
قالَ شيخُنا: «ويؤيدُ هذا البحثَ قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: ما بالبصرةِ أعلمُ - أو قالَ - أثبتُ منْ بشرِ بنِ المفضلِ / ٢٢أ /، أما مثلهُ فعسى.
فهذا يدلُّ على أَنَّ عرفهم في ذَلِكَ الزمانِ ماشٍ على قانونِ اللغةِ، وأنهم يفهمونَ منْ تعبيرِ أحدهم بهذهِ الصيغةِ، ما يفهمُ مِنْ تعبيرِ النبيِّ - ﷺ - بها في قولهِ الذي رواه الترمذيُّ (٢) وابنُ ماجه (٣) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - ﵄ - (٤): «ما أظلتِ الخضراءُ، ولا أقّلتِ الغبراءُ مِنْ ذي لهجةٍ أصدقَ مِنْ أبي ذرٍّ» مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لا يقتضي رجحانهُ في الصدقِ على الصِّدِّيقِ مثلًا، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي في الشرح الكبير».
(٢) جامع الترمذي (٣٨٠١) وقال: «هذا حديث حسن».
(٣) سنن ابن ماجه (١٦٥). وأخرجه مِنْ هذا الوجه أيضًا: ابن سعد ٤/ ٢٢٨، وأحمد ٢/ ١٦٣ و١٧٥ و٢٢٣، والحاكم ٣/ ٣٤٢. وعلى الرغم مِنْ تحسين الإمام الترمذي لهذا الحديث، فإن في سندهِ عثمان بن عمير ضعيف. والحديث له طرق أخرى يتقوى بها، منها: حديث أبي ذر أخرجه: الترمذي (٣٨٠٢)، وابن حبان (٧١٣٢)، والحاكم ٣/ ٣٤٢. وورد مِنْ حديث أبي الدرداءِ عند ابن سعد ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة (٣٢٢٥٦)، والبزار (٢٧١٣) والحاكم ٣/ ٣٤٢. وورد مِنْ حديث أبي هريرة عند ابن سعد ٤/ ٢٢٨ ومن حديث علي عند أبي نعيم في الحلية ٤/ ١٧٢ وورد مِنْ مراسيل ابن سيرين عند ابن سعد ٤/ ٢٢٨. وهذه الطرق وإن كانت جميعها لا تخلو مِنْ مقال، إلاّ أَنَّ مجموعها يعطي قوة.
(٤) من قوله: «الذي رواه الترمذي » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١١٤ ]
وقالَ الطحاوي في "بيانِ المشكلِ ": «فكأنَّ الذي في هذا الحديثِ إثباتُ مراتبِ أعلى الصدقِ لأبي ذرٍّ - ﵁ -، وليسَ فيهِ نفيُ غيرهِ مِنْ تلكَ المرتبةِ، إنّما فيهِ نفيُ غيرهِ أَنْ يكونَ في مرتبةٍ مِنْ مراتبِ الصدقِ أعلى منها» (١). انتهى (٢).
وعلى هذا يحملُ قولُ مَنْ نحى هذا المنحى في العبارةِ.
قالَ بعضُ أصحابنا: قال النوويُّ: «ورُوِّينا عنِ الإمامِ أبي عبدِ الرحمانِ النسائيِّ أنَّهُ قالَ: ما في هذهِ الكتبِ كلِّها أجودُ مِنْ كتابِ البخاريِّ» (٣) (٤). انتهى. وأما قولُ الطبني: إنَّ بعضَ مشايخهِ كانَ يفضلُ " صحيحَ مسلمٍ " (٥)، فالتفضيلُ لا ينحصرُ في الأصحيةِ، فيحملُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ، وعلى جمعِ مسلمٍ لطرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ، فتجتمعُ ألفاظُ الحديثِ جميعها؛ ولأجلِ ذَلِكَ جعلَ الحميديُّ، وعبدُ الحقِّ لفظَ مسلمٍ أصلًا في جمعهما بين "الصحيحينِ"، ثمَّ يُبينانِ ما خالفَ ذلكَ منْ لفظِ البخاريِّ، فإنَّ نقلَ الحديثِ منْ موضعٍ واحد أهونُ (٦).
هذا هوَ اللائقُ بالانفصالِ عن ذَلِكَ.
_________________
(١) شرح مشكل الآثار ٢/ ١٢ عقب (٥٣٤).
(٢) من قوله: «وقال الطحاوي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح صحيح مسلم ١/ ١٦.
(٤) من قوله: «وقال بعض أصحابنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) انظر: إكمال المعلم ١/ ٨٠.
(٦) هذا الكلام فيه نظر بالنسبة للحميدي؛ إذ إنه قال في مقدمة كتابه " الجمع بين الصحيحين " ١/ ٧٥: «وربما أوردنا المتن من ذلك بلفظ أحدهما، فإن اختلفا في اللفظ واتفقا في المعنى أوردناه باللفظ الأتم، وإن كانت عند أحدهما فيه زيادة وإن قلت، نبهنا عليها، وتوخينا الاجتهاد في ذلك » فهذا يدل على عدم التزام الحميدي لما نسب له البقاعي هنا، ولعل البقاعي قلد غيره في ذلك. أما كتاب عبد الحق فلم نطلع عليه لنحكم فيه.
[ ١ / ١١٥ ]
قالَ بعضُ أصحابنا وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ في "تأريخهِ"-- في ترجمةِ مسلمٍ، وذكرَ كتابهُ في "الصحيحِ" -: «لم يصنعْ أحدٌ مثلهُ» (١). انتهى (٢).
وأما توحيدُ (٣) / ٢٢ب / الجوابِ عنْ قولِ أبي عليٍّ والمغاربةِ، وجعلهما مِنْ وادٍ واحدٍ في قولِ ابنِ الصلاحِ مشيرًا إلى قولِ أبي عليٍ: «فهذا وقولُ منْ فضلَ مِنْ شيوخِ (٤) المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ، إنْ كانَ المرادُ بهِ (٥) » (٦) إلى آخرهِ، وكذا صنيعُ منْ جاءَ بعدهُ، فليسَ بجيدٍ؛ فإنَّهُ إذا سلمَ أَنَّ قولَ أبي عليٍّ يقتضي الأرجحيةَ كما فهمَ ابنُ الصلاحِ، ومن تبعهُ مِنْ مختصري كتابهِ (٧)، لم يحسنْ أَن يحملَ بعدَ ذَلِكَ على الأرجحية مِنْ حيثُ إنَّهُ لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ؛ فإنَّ أبا عليٍّ عبرَ بأصحَّ، وهيَ لا تحملُ على الأرجحيةِ مِنْ جهةِ غيرِ الصحةِ.
قلتُ: بلَ يحسنُ ذَلِكَ، وإنْ كانتْ لا تحملُ على الأرجحيةِ إلا مِنْ جهةِ الصحةِ، لأنَّا إذا قابلنا جملةَ كتابٍ متمحضٍ للصحيحِ بجملةِ آخرَ ليسَ كذلكَ، كانَ أزيدَ منهُ مِنْ جهةِ الصحةِ بهذا الاعتبارِ بلا شكٍّ (٨)، ووراء ذلكَ أنَّهْ يمكنُ أَن تكونَ عبارةُ شيخِ الطبني كعبارةِ أبي عليٍّ، ففهمَ الطبني منها ما فهمهُ غيرُ شيخنا، ومنْ نحى نحوهُ (٩) مِنْ عبارةِ أبي عليٍّ، حيثُ صرحوا بأنَّ أبا عليٍّ قالَ: إنَّ " صحيحَ
_________________
(١) جاء في حاشيةِ (أ): «أي: في جودة الترتيب».
(٢) من قوله: «قال بعض أصحابنا وقال مسلمة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي جعلهما واحدًا».
(٤) في (ك): «أهل».
(٥) من قوله: «كتاب مسلم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥.
(٧) عني بذلك النووي؛ إذ ذكر ذلك في كتابه الإرشاد ١/ ١١٧ - ١١٨، وابن كثير الذي ذكر ذلك أيضًا في كتابه اختصار علوم الحديث: ٢٥، وبتحقيقي: ٨٠.
(٨) من قوله: «بل يحسن ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٩) عبارة: «ومن نحى نحوه» لم ترد في (ك).
[ ١ / ١١٦ ]
مسلمٍ " أصحُّ كما هوَ في عبارةِ الشيخِ محيي الدينِ (١)، وقاضي القضاةِ بدرِ الدينِ بنِ جماعةٍ في مختصريهما لابن الصلاحِ، فصرَّحَ الطبنيُّ حينئذٍ بالتفضيلِ، فإنْ كان الأمرُ كذلكَ كانَ بحثُ شيخنا (٢)، وشيخهِ في "الشرحِ الكبيرِ " فيما تقتضيهِ صيغةُ أفعلَ جوابًا لهُ، لكنْ لا بدَّ أنْ تعرفَ أَنَّ ذَلِكَ غيرُ متعينٍ في هذهِ الصيغةِ، أي: أنها دائمًا لا تنفي إلا الرجحانَ، بلِ الحقُّ أنها تارةً تستعملُ على مقتضى أصلِ اللغةِ فتنفي / ٢٣ أ / الزيادة فقط (٣)، وتارةً على مقتضى ما شاعَ مِنَ العرُفِ، فتنتفي المساواةُ.
وقولُ الإمامِ أحمدَ يدلُ على هذا؛ لأنَّ معناها لو كانَ متعينًا في الأمرِ الأولِ ما احتاجَ إلى الاستدراكِ. وقد حققَ الشيخُ سعدُ الدينِ التفتازانيُّ هذا المبحثَ في الكلامِ على الإمامةِ في أواخرِ "شرحِ المقاصدِ" فقالَ في الحديثِ الذي ذكرهُ المحبُ الطبريُّ في كتابِ " مناقبِ العشرةِ " عنِ الدارقطني و"المخلص الذهبيّ " (٤) عنْ أبي الدرداءِ - ﵁ -: أنَّهُ قالَ: رآني النبيُّ - ﷺ - أمشي أمام أبي بكرٍ فقالَ: «يا أبا الدرداءِ، تمشي أمامَ منْ هوَ خيرٌ منكَ في الدنيا والآخرةِ! ما طلعتْ شمسٌ، ولا غربتْ على أحدٍ بعدَ النبيينَ -أفضل مِنْ أبي بكرٍ» (٥) - ﵁ -، قالَ (٦)
_________________
(١) عبارة النووي في التقريب: ٧٩ بتحقيقنا: «البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد، وقيل: مسلم أصح».
(٢) انظر: هدي الساري: ١٥ - ١٦.
(٣) من قوله: «تارة تستعمل» إلى هنا مكرر في نسخة (أ).
(٤) جاء في حاشية (أ): «اسم كتاب يقال له فوائد مخلص الذهبي، وليس هو الذهبي المعروف».
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (١٢٢٤)، وخيثمة بن سليمان في " حديثه " ١/ ١٣٣ من طريق بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، به. وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٩/ ٤٤، وقال: «رواه الطبراني وفيه بقية وهو مدلس، وبقية رجاله وثقوا».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: الشيخ سعد الدين».
[ ١ / ١١٧ ]
ما نصهُ: «ومثلُ هذا الكلامِ وإنْ كانَ ظاهرهُ نفيَ أفضليةِ الغير، لكنْ إنما ينساقُ لإثباتِ أفضليةِ المذكورِ». ولهذا أفادَ أَنَّ أبا بكر أفضلُ مِنْ أبي الدرداء، والسر في ذَلِكَ أَنَّ الغالب مِنْ حالِ كلِّ اثنينِ هوَ التفاضلُ دونَ التساوي، فإذا نفى أفضليةَ أحدهما ثبتَ أفضلية الآخرِ، وبمثلِ هذا ينحلُّ الإشكالُ المشهورُ على قولهِ - ﷺ -، أي: فيما رواهُ مسلمٌ (١) وهذا لفظهُ، وأبو داودَ (٢)، والترمذيُّ (٣) والنسائيُّ (٤) وغيرُهم (٥) عن أبي هريرةَ: أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: «منْ قالَ حينَ يصبحُ، وحينُ يمسي: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، مئةَ مرةٍ، لمْ يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضل مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ قالَ مثلَ ذَلِكَ، أو زادَ عليهِ».
فالاستثناءُ بظاهرهِ مِنَ النفيِ، وبالتحقيقِ منَ الإثباتِ يعني: ويصيرُ ذلكَ كالحديثِ الذي رواهُ / ٢٣ ب / البزارُ (٦) مِنْ رواية جابرٍ الجعفيِّ، عن أبي المنذرِ الجهنيِّ - ﵁ -، قالَ: قلتُ: يانبيَ اللهِ، علِّمني أفضلَ الكلامِ، قالَ: «يا أبا المنذرِ، قلْ: لا إلهَ إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، يُحيي ويميتُ، بيدهِ الخيرُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، مئةَ مرةٍ (٧) في كل يومٍ؛ فإنكَ يومئذٍ أفضلُ الناسِ عملًا، إلا منْ قالَ مثلَ ما قلتَ» (٨)، فتأملْ هذا الفصلَ؛ فإنَّهُ بديعٌ.
_________________
(١) صحيح مسلم ٨/ ٦٩ (٢٦٩٢).
(٢) سنن أبي داود (٥٠٩١).
(٣) جامع الترمذي (٣٤٦٩).
(٤) في " الكبرى " (١٠٤٠٣)، وفي " عمل اليوم والليلة " (٥٦٨)، وبسند آخر في " الكبرى " و" عمل اليوم والليلة " كما في " تحفة الأشراف " ٩/ ٣٨٥ (١٢٥٦٠).
(٥) منهم البيهقي في " الدعوات الكبير " (١١٩)، وفي " الأسماء والصفات " ١/ ١٧٧.
(٦) لم أجده في المطبوع من " مسند البزار "، وهو في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٨٦ وقال: «رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف».
(٧) «مرة» لم ترد في (ف).
(٨) من قوله: «لكن لا بدَّ أن تعرف أنّ ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١١٨ ]
قولهُ: (الطُبني) (١) - بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الموحدةِ، وقبلَ ياءِ النسبِ نونٌ - ضبطهُ ابنُ السمعانيِّ (٢) -، وقيلَ: بضمِ الموحدةِ حكاهُ ابنُ الأثيرِ في مختصرِ "النهايةِ" (٣)، وهي بلدةٌ بالمغربِ ينسبُ إليها جماعةٌ.
قولهُ: (لمْ يمازجهُ (٤) غيرُ الصحيحِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَ هذا: «فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خطبتهِ إلا الحديث الصحيح مسرودًا، غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابهِ منَ الأشياءِ التي لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ، فهذا لا بأسَ بهِ، وليسَ يلزمُ منهُ أَنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتابِ البخاريِّ» (٦) إلى آخرهِ، وسيأتي بقيةُ الكلامِ على هذا قريبًا (٧).
قولهُ: (وعلى كلِ حالٍ، فكتاباهما أصحُّ كتبِ الحديثِ) (٨) شبيهٌ بما قلنا فيما صرحَ بأنَّهُ أصحُّ الأسانيدِ مطلقًا، أو مقيدًا مِنْ أنَّهُ يُستفادُ منهُ أرجحيتهُ على ما عداهُ بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، وعدمِ منْ يخالفهم، فإنَّ منْ صرَّحَ بترجيحِ كتابِ البخاريِّ، ومن توقفَ، أو احتملَ كلامهُ تفضيلَ مسلمٍ مُجمعونَ على أَنَّ الكتابينِ أصحُّ مِنْ غيرهما، فهما (٩) بالنسبةِ إلى القولينِ، وسكوت بقيةِ / ٢٤أ / الأمّةِ عليهما
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٤.
(٢) الأنساب ٣/ ٢٥٦.
(٣) اللباب ٢/ ٢٧٥.
(٤) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: مسلم».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٤.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥.
(٧) من قوله: «قوله: الطبني بضم المهملة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرةِ ١/ ١١٤.
(٩) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي الكتابين».
[ ١ / ١١٩ ]
كما مضى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ ينتجُ أنهما أصحُّ منْ غيرهما.
قولهُ: (قبلَ وجودِ الكتابينِ) (١) قالَ بعضُ أصحابنا: «كانَ إذ ذاكَ موجودٌ منَ المصنفاتِ " السننَ " لابنِ جريجٍ، وابن إسحاقَ (٢) غير السيرةِ، ولأبي قرةَ موسى بنِ طارقٍ الزبيدي بفتحِ الزاي، ومصنفُ عبدِ الرزاقِ بنِ همامٍ وغيرها» (٣).
قولهُ: (لو نفعَ) (٤) جوابهُ محذوفٌ، تقديرُ الكلامِ: وفضلَ بعضُ أهلِ الغربِ مصاحبًا في التفضيلِ لأبي عليٍّ كتاب مسلمٍ، فيكونُ أصحَّ مِنْ كتابِ
البخاري، فلو نفعَ تفضيلهم بموافقةِ العلماءِ لهم وقبولهم لقولهم؛ لعملَ بهِ، أو لَقُضِي بأنَّهُ أفضلُ (٥)، لكنهُ لم ينفعْ، فلمْ يعملْ بهِ، أو فلم يكنْ أفضلَ (٦)؛ لأنَّ العلماء ردوا ظاهرَ ذلكَ (٧)، وأوَّلوا كلامهم. ومنَ الرَّادِّينَ مَنْ لم يستدلَّ لقولهِ اعتمادًا على نظرِ الفطنِ الممارسِ للفنِّ في شروطِ الصحةِ في الكتابينِ، واستقراءِ استعمالِ الرجلينِ (٨) لها، كابنِ الصلاحِ حيثُ قالَ: «وإنْ كانَ المرادُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحًا،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٥. وقد قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري: ١٠: «وعلم أَنَّ الشافعي إنما أطلق على الموطأ أفضلية الصحة، بالنسبةِ إلى الجوامع الموجودة في زمنه، كجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، وغير ذَلِكَ، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه».
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي والسنن لابن إسحاق».
(٣) من قوله: «قوله: قبل وجود الكتابين » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٣).
(٥) عبارة: «لقولهم لعمل به أو لقضي بأنه أفضل» لم ترد في (ك).
(٦) عبارة: «فلم يعمل به أو فلم يكن أفضل» لم ترد في (ك).
(٧) «ذلك» لم ترد في (ف).
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: البخاري ومسلم».
[ ١ / ١٢٠ ]
فهذا مردودٌ على منْ تقوَّلهُ» (١)، ومنهم من برهنَ على أرجحيةِ كتابِ البخاريّ كشيخِنا في " شرح النخبة " (٢)، وغيرهِ، مِن ذَلِكَ أَنَّ البخاريَّ اشترطَ في إخراجه الحديثَ في كتابهِ هذا، أنْ يكونَ الراوي لَقِيَ شيخه، ومسلمٌ يكتفي بمجردِ المعاصرةِ (٣).
قولهُ: (لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ) (٤)، أي: غيرُ الحديثِ الصحيحِ، إنْ قيلَ: فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ روى (٥) بعدَ الخطبةِ في كتابِ الصلاةِ بإسنادٍ إلى يحيى بنِ أبي كثيرٍ: أنَّهُ قالَ: «لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجسمِ» (٦) فقد مزجهُ بغيرِ الأحاديثِ كما قالهُ في " النكت " (٧)، فالجوابُ: أنَّهُ نادرٌ فلا حكمَ لهُ.
قالَ شيخنا: «وقالَ ابنُ / ٢٤ب / الملقنِ: رأيتُ بعضَ المتأخرينَ قالَ: إنَّ الكتابينِ سواءٌ، فعلى هذا هو قولٌ ثالثٌ، وحكاهُ الطوفيُّ في " شرحِ الأربعينَ "، ومالَ إليهِ القرطبيُّ في مختصرهِ للبخاريِّ».
قالَ بعضُ أصحابنا: وقالَ أبو العباسِ أحمدُ بنُ عمرَ القرطبيُّ لما ذكرَ البخاريَّ ومسلمًا في خطبةِ كتابهِ " المفهمِ " (٨): «والحاصلُ من معرفةِ أحوالهما أنهما فرسا
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥.
(٢) نزهة النظر: ٨٧ وما بعدها.
(٣) انظر في تجلية هذه المسألة: نكت الزركشي ١/ ١٦٥، ونكت ابن حجر ١/ ٢٨١، ونزهة النظر: ٨٧ - ٨٨، والبحر الذي زخر ٢/ ٥٣٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٤.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: مسلم».
(٦) صحيح مسلم ١/ ٤٢٨ (٦١٢) (١٧٥) ط فؤاد، ولفظه: «لا يستطاع العلم براحة الجسم».
(٧) التقييد والإيضاح: ٢٦.
(٨) جاء في حاشية (أ): «في شرح مسلم».
[ ١ / ١٢١ ]
رهانٍ، وأنهما ليسَ لأحدٍ من جنسهما بمسابقتهما، ولا مساوقتهما يدانِ» (١).
وقالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامعِ " (٢) حينَ ذكرَ الابتداء بسماعِ الأمهاتِ مِنْ كتبِ الأثرِ، والأصولِ الجامعةِ للسننِ: «وأما أحقها بالتقديمِ الجامعُ، والمسندُ الصحيحانِ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، ومسلمِ بن الحجاجِ». وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " (٣): «لم نجدْ في الأئمةِ الماضينَ مَنْ أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ، إلا هذينِ الإمامينِ».
وقالَ أبو محمدٍ عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الرحمانِ الإشبيليُّ الحافظُ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ ": «وقد اشتهرا في الصحةِ شهرةً لايطعنُ عليها وتضمنا منَ الأخبارِ، ما لجأ الناسُ في الأكثرِ إليها، وحسبكَ مِنْ هذينِ الكتابينِ أنهما إنما يعرفانِ بالصحيحينِ». (٤)
قولهُ: في الشرحِ (مَنْ صنفَ في جمعِ الصحيح) (٥) قيلَ: فائدةُ زيادة لفظة جمع إخراجِ غيرِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ إذا كتبَ شيئًا صحيحًا، وأدرجَ فيهِ شيئًا (٦) غيرَ صحيحٍ لم يصدقْ أنَّهُ صنَّفَ في جمعِ الصحيحِ، وعندي أنهُ لا فرقَ بينَ وجودِ هذهِ اللفظةِ وعدمِها، كما في النظمِ مِنْ قولهِ: (أولُ (٧) منْ صنفَ في
_________________
(١) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٧٠.
(٢) جاء في حاشية (أ): «في آداب الراوي والسامع»، وهو فيهِ في ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٣) الجمع بين الصحيحين: ٧٣ - ٧٤. ونصه: «ووسم كل واحد منهما كتابه بالصحيح، ولم يتقدمهما إلى ذَلِكَ أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التسمية في جميع ما جمعه أحد سواهما، فيما علمناه».
(٤) من قوله: «قوله: لم يمازجهُ غير الصحيح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٥.
(٦) عبارة: «صحيحًا، وأدرج فيه شيئًا» لم ترد في (ك).
(٧) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٢٢ ]
الصحيحِ) (١) وأنَّ كلا العبارتينِ غيرُ صريحٍ في تجريد / ٢٥أ / الصحيحِ؛ فإنَّ مَنْ كتبَ الصحيحَ وضمَّ إليهِ قليلًا مِنْ غيرهِ، كما فعلَ مالكٌ (٢)، لا يخرجُ عنْ كونهِ صنفَ في الصحيحِ، أو في جمعِ الصحيحِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «أولُ مَنْ صنفَ (٣) الصحيحَ» (٤) كما تقّدمَ، أي: جعلهُ أصنافًا، وهيَ غيرُ صريحةٍ في أَنَّ المرادَ: أولُ منْ أفردَ الصحيحَ عنْ غيرهِ (٥)، فلو قالَ:
أَولُ منْ صَنَّفَ في الصَحِيحِ فقطْ محمدٌ وبالترجيحِ
خُصَّ فمسلمٌ وبعضُ الغَربِ معْ
كَانَ أَحسنَ.
قَولُه: (فقد بينتهُ في " الشرحِ الكبيرِ ") قالَ شيخنا (٦): «أولُ مَنْ صنفَ في العلمِ، وبوَّبه ابنُ جريج بمكةَ، ومالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ بالمدينة، فإنَّ ابن أبي ذئبٍ صنفَ موطأً، أكبر من "موطأ مالكٍ" بأضعافٍ حتى قيلَ لمالكٍ: ما الفائدةُ في تصنيفكَ؟ فقالَ: «ما كانَ للهِ بَقيَ» والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عروبةَ، والربيعُ بنُ صبيحٍ بالبصرةِ، ومعمرٌ باليمنِ».
قالَ (٧): «وكانَ هؤلاءِ في عصرٍ واحدٍ، فلا ندري أيهم سبقَ؟»، وهكذا في "شرحِ المصنفِ الكبيرِ"، وقالَ: «وخالدُ بنُ جميلٍ الذي يقالُ لهُ: العبدُ، ومعمرُ ابنُ راشدٍ باليمنِ»، وساقَ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٢) عبارة: «كما فعل مالك» لم ترد في (ك).
(٣) «صنف» لم ترد في (ف).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٤.
(٥) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) انظر: هدي الساري: ٨.
(٧) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٢٣ ]
عبارةَ أبي محمدِ بنِ خلادٍ الرامهرمزي في كتابهِ " المحدّثِ الفاصلِ " (١) في ذَلِكَ، ثمَّ قالَ: «والحاصلُ من كلامهِ، وكلامِ غيرهِ أَنَّ أولَ مَنْ صنفَ بمكةَ، ابنُ جريجٍ، وبالمدينةِ ابنُ إسحاقَ، أو مالكٌ، وبالبصرةِ الربيعُ بنُ صبيحٍ، أو سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، وبالكوفةِ الثوريُّ، وبالشامِ الأوزاعيُّ، وبواسطٍ هشيمٌ، وباليمنِ معمرٌ، وبالريِّ جريرٌ، يعني: ابنَ عبدِ الحميدِ، وبخراسانَ ابنُ المباركِ». انتهى. (٢) / ٢٥ب /
قالَ شيخنا (٣): «وهذا بالنسبةِ إلى ما يفهمُ منْ لفظِ تصنيفِ منْ جعلَ الشيءَ أصنافًا، وأما جمعُ حديثٍ إلى مثلهِ، ونحوُ ذَلِكَ في بابٍ واحدٍ فقدَ سبقَ إليهِ الشعبيُّ، فإنَّهُ رُويَ عنهُ أنَّهُ قالَ: هذا بابٌ من الطلاقِ جسيمٌ، وساقَ فيهِ أحاديثَ». انتهى.
قلتُ: ورأيتُ في ترجمةِ الحلاجِ مِنْ "تاريخِ الخطيبِ": أَنَّ القاضي أبا عمرَ المالكيَّ توقفَ في أمرهِ حتى قُرىء في كتابٍ لهُ: أمر رُتبهِ، وجعله قائمًا مقامَ الحجِّ، فقالَ لهُ (٤): مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ مِنْ كتابِ "الإخلاصِ" للحسنِ فقالَ: كذبتَ ياحلالَ الدمِ، فقدْ سمعنا كتابَ " الإخلاصِ" للحسنِ، ولم يكنْ فيهِ شيء مِنْ هذا، ثمَّ حكمَ بقتلهِ (٥)، فهذا إقرارٌ مِنْ أبي عمرَ على أَنَّ الحسنَ لهُ كتابُ " الإخلاصِ" فهوَ أولُ مَنْ صنفَ مطلقًا (٦)، والله أعلم (٧).
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «بين الراوي والواعي هكذا سماه» أقول: وهو فيه: ٦١١ الفقرة
(٢) ، وما بعدها.
(٣) من قوله: «وهكذا في شرح المصنف الكبير » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) عبارة: «رتبه، وجعله قائمًا مقام الحج فقال له» لم ترد في (ف).
(٦) تأريخ بغداد ٨/ ٧١٨ طبعة دار الغرب، والنص ساقط مِن الطبعة القديمة.
(٧) من قوله: «انتهى. قلت: ورأيت في ترجمة الحلاج » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) لم ترد في (أ).
[ ١ / ١٢٤ ]
قولهُ:
٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ
٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْفِ
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي
٢٨ - أَرْبَعَةُ الآلافِ والمُكَرَّرُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفًا ذَكَرُوا
الضميرُ البارزُ في (يعماهُ) (١) عائدٌ إلى الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ.
قولهُ: (إياهما بأحاديثَ) (٢) قالَ بعضُ أصحابنا: منها حديثُ المرأةِ التي شربتْ بولَ النبيِّ - ﷺ - (٣) وهي أم أيمنَ -﵂- (٤).
قولهُ في النظم (٥): (ورُدَّ) إنما كانَ مردودًا؛ لحملهم كلامه على أنهُ يعني: كتابيهما، كما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، ويوضحُ الردَّ أَنَّ " مستدركَ الحاكمِ " كتابٌ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٤).
(٢) شرح التبصرة والتذكرةِ ١/ ١١٥.
(٣) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٥/ (٢٣٠)، والحاكم في " المستدرك " ٤/ ٦٣ - ٦٤، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٦٧ من طريق أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي: عن أم أيمن، قالت: قام رسول الله مِن الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت مِن الليل، وأنا عطشانة، فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي - ﷺ - قالَ: يا أم أيمن قومي فأريقي ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها، قالت: فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أما إنكِ لا تتجعين بطنك أبدًا». وهو ضعيف؛ لضعف أبي مالك النخعي؛ ولانقطاعه فإن نبيحًا لم يلحق أم أيمن.
(٤) من قوله: «قوله: إياهما بأحاديثَ » إلى هنا لم يرد في (ك)
(٥) «في النظم» لم ترد في (أ) و(ك).
[ ١ / ١٢٥ ]
كبيرٌ يشتملُ على شيءٍ كثيرٍ مما فاتهما، وإنْ كانَ عليهِ في بعضهِ مقالٌ، فإنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ، قالهُ ابنُ الصلاحِ (١) (٢).
قالَ شيخنا: «والذي ظهرَ لي مِنْ كلامهِ أنَّه غيرُ مريد للكتابينِ (٣) وإنما أرادَ مدحَ الرجلينِ بكثرةِ الاطلاعِ والمعرفةِ، لكنْ / ٢٦أ / لما كانَ غيرُ لائقٍ أَنْ يوصفَ أحدٌ مِنَ الأمةِ بأنَّهُ جمعَ الحديث جميعهُ حفظًا، وإتقانًا، حتى ذُكِرَ عنِ الشافعيِّ أنَّهُ قالَ: مَن ادّعى أَنَّ السُنّةَ اجتمعتْ كلها عندَ رجلٍ واحدٍ فسقَ، ومن قالَ: إنَّ شيئًا منها فاتَ الأمةَ فَسَقَ.
فحينئذٍ عبَّر عما أراد منَ المدحِ بقولهِ: قلَّ ما يفوتهما منهُ، أي: قَلَّ حديثٌ يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا معرفتهُ، أو نقولُ: سلمنا أَنَّ المرادَ الكتابانِ، لكنَّ المرادَ بقولهِ: مما يثبتُ منَ الحديثِ: الثبوتُ على شرطهما، لا مطلقُ الصحيحِ. نعمْ، قولُ الشيخِ محيي الدينِ: إنَّهُ لمْ يفتِ الأصولَ الخمسةَ إلا اليسير (٤) منازعٌ، فيهِ إلا أنْ يتمهلَ لهُ أَنَّ ما فاتها يسيرٌ (٥) بالنسبةِ إلى مافيها، أي: أقل مما فيها، ولو كانَ أقلَّ منهُ مثلًا بألفِ حديثٍ، فيتوجهُ حينئذٍ، وستأتي ترجمةُ ابنِ الأخرمِ في معرفةِ مَنْ تقبلُ روايتهُ، ومن تردُّ» (٦).
قلتُ: وقولُ البخاريِّ: «وتركتُ منَ الصحاحِ لحالِ الطولِ» (٧). رواهُ عنهُ
_________________
(١) من قوله: «ويوضح الردّ أن مستدرك الحاكم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٦.
(٣) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٨٠.
(٤) التقريب: ٧٩.
(٥) جاء في حاشية (أ): «الأصول الخمسة».
(٦) من قوله: «وستأتي ترجمة ابن الأخرم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) رواه ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٢٦، وفي " أسماء منْ روى عنهم البخاري " (٤ / أ)، والخطيب في " تأريخ بغداد " ٢/ ٨ - ٩، والحازمي في " شروط الأئمة الخمسة ": ٦٢ - ٦٣.
[ ١ / ١٢٦ ]
إبراهيمُ بنُ معقلٍ النسفيُّ (١)، ربما أشعرَ بقلةِ ما بَقيَ، وإنَّ قولهُ: «أحفظ مئةَ إلف حديثٍ صحيحٍ» (٢) ليسَ على ظاهرهِ، بلِ المرادُ بالمكرراتِ، والموقُوفَاتِ، لكنْ قالَ البلقينيُّ: «نقلَ الحازميُّ (٣) لفظَ البخاريِّ، وفيهِ: وما تركتُ مِن الصحاحِ أكثرُ» (٤). انتهى.
وكذا رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ، قالَ: «لم أُخرِجْ في هذا الكتابِ إلاّ صحيحًا، وما تركتُ مِن الصحيحِ أكثر»، قالَ الإسماعيليُّ: «لأنَّهُ لو أخرجَ كلّ صحيحٍ عندهُ لجمَعَ في البابِ الواحدِ حديثَ جماعةٍ منَ الصحابةِ، ولذكرَ طريقَ كل واحد منهمْ إذا صحتْ، فيصيرُ (٥) كتابًا /٢٦ب/ كبيرًا جدًا».
قالَ شيخُنا العلامةُ تاجُ الدينِ بنُ الغرابيليِّ: «قولُ الإسماعيلي هذا يؤيد قولَ مَنْ قال: إنَّ مقصود البخاريِّ مِنْ قولهِ: «أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ» أنَّ ذلكَ بالتكرارِ وغيرهِ» (٦). قالَ شيخنا: «ولقد كانَ استيعابُ الأحاديثِ سهلًا، لو أرادَ القادرُ على كل شيءٍ، وذَلِكَ بأنْ يجمعَ الأولُ منهم ما وصلَ إليهِ، ثمَّ يذكرَ مَنْ بعده ما اطلعَ عليهِ مما فاتهُ مِنْ حديثٍ مستقلٍ، أو زيادةٍ في الأحاديثِ التي ذكرها، فيكونُ كالذيلِ عليهِ، وكذا منْ بعده فلا يمضي كثيرٌ مِن الزمانِ، إلا وقد استوعبَ (٧)، وصارت تلكَ المصنَّفاتُ كالمصنَّفِ الواحدِ، ولعمري، لقد كانَ هذا في غايةِ الحسنِ
_________________
(١) من قوله: «لحال الطول » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) أسنده إليه ابن عدي في مقدمة " الكامل " ١/ ٢٢٦، والخطيب في " تأريخه " ٢/ ٢٥، والحازمي في " شروط الأئمة الخمسة ": ٦١، وابن نقطة في " التقييد ": ٣٣.
(٣) زاد بعدها في (ك): «من».
(٤) محاسن الاصطلاح: ٩١.
(٥) جاء في حاشية (أ): «الأصول الخمسة».
(٦) من قوله: «انتهى. وكذا رواه الحافظ أبو بكر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) في (ك): «استوعبته».
[ ١ / ١٢٧ ]
والسَّدادِ، ولكنْ قدرَ اللهُ، وما شاءَ فعلَ».
قولهُ: (وقالَ مسلمٌ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ (٢) عنهُ: «ليس كل شيءٍ عندي صحيحٌ وضعتهُ ها هنا - يعني: في كتابهِ " الصحيحِ " - (٣) إنما وضعتُ هاهنا ما أجمعوا عليهِ» (٤) أراد واللهُ أعلمُ أنَّهُ لم يضعْ في كتابهِ إلا الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها شرائط الصحيحِ» (٥) (٦).
قولهُ: (يريدُ ما وَجَدَ عندهُ فيها) (٧)، أي: يريدُ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها، وهي عبارةُ ابنِ الصلاحِ كما عرفتَ (٨)، قالَ البلقينيُّ: «وقيلَ: أرادَ مسلمٌ بقولهِ: «ما أجمعوا عليهِ» أربعةً: أحمدَ بنَ حنبلٍ، ويحيى بن يحيى، وعثمانَ ابنَ أبي شيبةَ، وسعيدَ بنَ منصورٍ الخراسانيَّ (٩»). انتهى. أي: ولم يردْ إجماعَ جميعِ الأمةِ كما هو المتبادرُ للفهمِ، لكن لم يُبيّنْ برهانَ هذا القولِ.
قولهُ: (وفيهِ ما فيهِ) (١٠) هذا كنايةٌ عن ضعفِ ما تعقّبهُ، وتقديرهُ: وهذا
/ ٢٧أ / الكلامُ موجودٌ فيه مِن الضعفِ (١١) ما هو موجودٌ فيهِ منهُ، ويكون المرادُ بها
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥ - ٨٦.
(٣) هذه الجملة الاعتراضية مِن ابن الصلاح.
(٤) صحيح مسلم ٢/ ١٥ عقب (٤٠٤).
(٥) من قوله: «قوله: وقال مسلم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) إلى هنا انتهى كلام ابن الصلاح.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٦.
(٨) عبارة: «وهي عبارة ابن الصلاح كما عرفت» لم ترد في (ك).
(٩) محاسن الاصطلاح: ٩١. وفي شرح مراد الإمام مسلم انظر تعليقنا المطول على كتاب معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح: ٨٦.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٢٦).
(١١) جاء في حاشية (أ): «أي: التفخيم»، ومن ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غشِيَهُمْ﴾.
[ ١ / ١٢٨ ]
التهويلَ، أو الظهورَ، كأنَّهُ لما كان كالمشاهدِ في وضوحهِ لم يحتجْ إلى بيانهِ.
قولهُ: (عُشر ألفِ ألفٍ) (١) عبارة ابنِ الصلاحِ: «قالَ البخاريُّ: أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ» (٢) (٣).
قولهُ: (بالتكرارِ) (٤) متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديرُ الكلامِ: ولعلَّ البخاريَّ أرادَ أَنَّ الصحيحَ الذي يحفظهُ بلغَ مئةَ ألفٍ حالَ كونهِ مستعينًا في ذَلِكَ بتكرارِ الأحاديثِ وبالموقوفاتِ، أي: يعدُّ المكررَ بالأسانيدِ أحاديثَ بحسبِ التكرارِ، ويعدُّ الموقوفَ.
قالَ شيخنا: «إنْ قيلَ: احتمالُ إرادةِ المكررِ لا يقدحُ في الدليلِ؛ لأنَّهُ احتمالٌ ضعيفٌ، ولا يوقفُ الدليل إلا الاحتمال الأرجح، أو المساوي، قيل: جَرت عادةُ جهابذةِ المحدِّثينَ أَنَّ يُسمّوا الحديثَ الواحدَ باعتبارِ سندينِ حديثينِ، وما زادَ بحسبهِ، وكذا الآثارُ، ويؤيدُ أَنَّ هذا هوَ المرادُ أنَّ الأحاديثَ الصحاحَ التي بينَ أظهرِنا، بل وغيرُ الصحاحِ، لو تتبعتْ منَ المسانيدِ، والجوامعِ، والسننِ، والأجزاءِ، وغيرها، لما بلغت مئةَ ألف بلا تكرارٍ، بل ولا خمسينَ ألفًا، ويبعدُ كلَّ البعدِ، بل لا يمكنُ عادةً أنْ يكونَ رجلٌ واحدٌ حفظَ ما فاتَ الأمةَ جمعه، فإنَّهُ إنما حفظَ مِنْ أصولِ مشايخهِ وهي موجودةٌ، أو أكثرها، سلمنا أنَّهُ حفظَ مِنَ الصدورِ مالم يكن مكتوبًا، لكنْ يتعذرُ عادةً أنْ لا يكونَ هو كتبَ ذَلِكَ، فيوجدُ بعدهُ، سلمنا، لكن هو أورعُ مِنْ أنْ يكتمهُ، ولو حدَّثَ بهِ لحملَ عنه، فوجدَ، فتعينَ الحملُ على ما قلنا، ومنِ ادعى غيرَ ذَلِكَ فعليهِ البيانُ».
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٦).
(٢) من قوله: «قوله: عشر ألف ألف » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٦.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٧).
[ ١ / ١٢٩ ]
قولهُ: (وفي البخاريِّ) (١) إلى آخرهِ /٢٧ب/ قال شيخنا - باركَ اللهُ في حياتهِ - (٢): «ساقَ المصنفُ هذا مَساقَ فائدةٍ زائدةٍ، وليسَ ذَلِكَ مرادَ ابنِ الصلاحِ، بل هو تتمةُ قدحهِ في كلامِ ابنِ الأخرمِ، وحاصلهُ: أنَّهُ يقولُ معنى كلامِ ابنِ الأخرمِ: قَلَّ ما فاتهما في كتابيهما مِنَ الصحيحِ، وقولهُ مردودٌ، بل فاتهما أكثرُ مما خَرَّجاه؛ لقولِ البخاريِّ: «أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ»، وكتابهُ ليسَ فيهِ بالنسبةِ إلى المئةِ ألفٌ إلاَّ يسيرٌ؛ فإنَّ جميعَ ما فيهِ أربعةُ آلاف حديثٍ بغيرِ تكرارٍ، ومع التكرارِ نحوَ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يكون فيهِ كذلكَ؛ وأينَ تقع نسبةُ المجموعِ مِنَ المئةِ الألف؟ فأينَ قولُ ابنِ الأخرمِ: أنَّهُ لم يفتهما إلا القليلُ، بل قد اتضحَ أنَّهُ فاتهما الكثيرُ مِنْ محفوظ البخاري، فكيفَ بمحفوظِ غيرهِ مِنَ الأمةِ، وقد تقدمَ الجوابُ عن هذا».
قولهُ: (وهو مسلَّمٌ في روايةِ الفربري) (٣) إلى آخرهِ، عبارتهُ في "النكتِ": «وأنقصُ الرواياتِ روايةُ إبراهيمَ بنِ معقلٍ، فإنها تنقصُ عن روايةِ الفربري ثلاث مئةِ حديثٍ (٤») (٥).
قالَ شيخنا: «هذا القولُ غيرُ مسلّمٍ؛ فإنهم إنما قالوا هذا تقليدًا للحموي، فإنهُ كتبَ البخاريَّ، ورواهُ عن الفربري، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ، ثمَّ جمع الجملةَ، وقلدهُ كلُّ (٦) منْ جاءَ بعدهُ نظرًا منهمْ إلى أنَّهُ راوي الكتابِ، ولهُ بهِ العنايةُ التامةُ، وربما
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٧).
(٢) وهذا دليل واضح على أن البقاعي ألف هذا الكتاب في حياة شيخه الحافظ ابن حجر -رحمهما الله-.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٧.
(٤) من قوله: «عبارته في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٢٧.
(٦) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٣٠ ]
أفهمَ مُفاضلتهم بينَ الرواياتِ أنهمْ لم يقولوا ذَلِكَ تقليدًا، وليس كذلكَ؛ لأَنَّ حمادَ بنَ شاكرٍ فاتهُ من آخرِ البخاريِّ فوتٌ، فلمْ يروهِ، فعدوهُ فبلغَ مئتي حديثٍ، فقالوا: روايتهُ ناقصةٌ عن روايةِ الفربري هذا القدرِ، وفاتَ ابنَ معقل أكثرُ مِنْ حماد، فعدوهُ كما فعلوا في روايةِ حمادٍ».
قالَ: «وفي ذَلِكَ / ٢٨ أ / نظرٌ، فإنَّ روايةَ الثلاثةِ مُتفقةٌ في الكتابةِ، وإنما اختلفت في أَنَّ الفربري سمعَ الجميعَ (١)، وإبراهيمُ وحمادُ فاتهما سماعُ (٢) القدرِ المذكورِ منْ أوآخرِ الكتابِ فقط، وقد بيّن شيئًا مِنْ ذلكَ أبو عليٍّ الجيانيُّ (٣)، ووقع لي أصلٌ أصيلٌ مِنْ نسخةِ النسفي متواليًا، إلا إنَّ في آخرهِ نقصًا منَ الأصلِ، وقالَ: إلى هنا انتهى سماعُ النسفي» (٤).
قال شيخنا (٥): «ثمَّ لما شرعتُ في "مقدمةِ شرحِ البخاري" قلدتهُ - يعني: الحموي (٦) - كما قلدوهُ إلى كتابِ السلمِ، فوجدتهُ قالَ: إنَّ فيهِ ثلاثينَ حديثًا، أو نحوها - الشكُّ مني -، قالَ: فاستكثرتُها بالنسبةِ إلى البابِ، فعددتُها فوجدتهُا قد نقصتْ عما قالَ كثيرًا، فرجعتُ عن تقليدهِ، وعددت محررًا بحسبِ طاقتي فبلغتْ أحاديثهُ بالمكررِ سوى المعلقاتِ والمتابعاتِ سبعةَ آلافٍ وثلاثَ مئة وسبعةً وتسعينَ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: سماعًا لا رواية».
(٢) «سماع» لم ترد في (ف).
(٣) انظر: تقييد المهمل وتمييز المشكل ١/ ٥٩ - ٦٤ بتحقيق صديقنا الشيخ علي العمران (حفظه الله).
(٤) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وبتحقيقي: ١١٠، وانظر: نكت الزركشي ١/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٥) من قوله: «قال: وفي ذلك نظر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) عبارة: «يعني الحموي» لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٣١ ]
حديثًا، وبلغَ ما فيهِ منَ التعاليقِ ألفًا وثلاثَ مئةٍ وأَحَدًا وأربعينَ حديثًا (١)، وبلغَ ما فيهِ مِنَ المتابعاتِ والتنبيهِ على اختلافِ الرواياتِ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وثمانينَ حديثًا، فجميعُ ما في الكتابِ على هذا بالمكررِ تسعةُ آلافٍ واثنانِ وثمانونَ حديثًا، وهذهِ العدةُ خارجةٌ عنِ الموقوفاتِ على الصحابةِ، والمقطوعاتِ على التابعينَ فمَن بعدهم، وبلغت أحاديثهُ (٢) بلا تكرارٍ ألفينِ وخمسَ مئةٍ وثلاثةً وعشرينَ حديثًا، هكذا حفظتهُ مِنْ تقديرهِ، ورأيتهُ في خطِّ بعضِ فضلاءِ أصحابِنا، أعني: العدةَ بلا تكرارٍ، ثم رأيتُ عن بعضِ الحواشي المنسوبةِ إليهِ ما يخالفهُ / ٢٨ ب / يسيرًا، فراجعتُ نسختي مِنْ مقدمتهِ، وقد قرأتُها عليهِ، فرأيتُ فيها ما نصهُ بعدَ أنْ عدَّ حديثَ كلِّ صحابيٍّ في البخاريِّ على حدةٍ: فجميعُ ما في صحيحِ البخاريِّ منَ المتونِ الموصولةِ بلا تكريرٍ على التحريرِ ألفَا حديثٍ وستُمئةِ حديثٍ وحديثانِ، ومنَ المتونِ المعلقةِ المرفوعةِ التي لم يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ منَ الجامعِ المذكورِ مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ حديثًا؛ فجميعُ ذلكَ ألفا حديثٍ وسبعُ مئةِ حديثٍ وواحدٌ وستونَ حديثًا، فاللهُ أعلم».
وممنْ نَقلَ عنْ خطِّ شيخِنا أنَّ الجوزقيَّ قالَ: «إنَّ عدةَ الأحاديثِ التي اتفقَ الشيخانِ عليها ألفا حديثٍ ومئتا حديثٍ» (٣)، وذَكرَ نحو هذا القاضي أبو بكرٍ بنُ العربيِّ، فقالَ: «أحاديثُ الأحكامِ التي اشتمل عليها "الصحيحانِ" نحو ألفي حديثٍ»، وقالَ أبو حفصٍ الميانجيُّ في كتابِ "ما لا يسعُ المحدِّث جهلهُ":
_________________
(١) من قوله: «وبلغ ما فيه» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) من قوله: «بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) نقل ابن حجر في النكت ١/ ٢٩٨، وبتحقيقي: ١١٣ عن الجوزقي أنه قال في المتفق: «إن جملة ما اتفق الشيخان على إخراجه من المتون في كتابيهما ألفان وثلاثمئة وستة وعشرون حديثًا».
[ ١ / ١٣٢ ]
«اشتمل كتابُ البخاريِّ على سبعةِ الآفٍ وستمئةٍ ونيّفٍ (١)، واشتمل كتابُ مسلمٍ على ثمانيةِ الآفِ حديثٍ» (٢)، وقالَ الشيخُ في "النكتِ" (٣): «ولم يذكرْ ابنُ الصلاحِ عدةَ أحاديثِ مسلمٍ، وقدْ ذكرها النوويُّ منْ زياداتهِ في "التقريبِ والتيسيرِ"، فقالَ: «إنَّ عدةَ أحاديثهِ نحوُ أربعةِ الآفٍ بإسقاطِ المكررِ» (٤)، ولم يذكرْ عدتهُ بالمكررِ، وهو يزيدُ على عدةِ كتابِ البخاريِّ؛ لكثرةِ طرقهِ، وقدْ رأيتُ عنْ أبي الفضلِ أحمدَ ابنِ سلمةَ أنَّهُ اثنا عشرَ ألفَ حديثٍ (٥») (٦).
قولهُ:
٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ
٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِي (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ
إنْ كانتِ الألفُ واللامُ للعهدِ، والمرادُ / ٢٩أ / الصحيحُ الذي تقدّمَ حدُّهُ لم
_________________
(١) بعد هذا كلام ليس بالقليل في ما لا يسع المحدِّث جهله، حذفه البقاعي.
(٢) ما لا يسع المحدِّث جهله: ١٠ (طبعة السامرائي).
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٧.
(٤) التقريب: ٣٤ (طبعة الخن).
(٥) من قوله: «هكذا حفظته من تقديره » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) قال ابن حجر في النكت ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، وبتحقيقي: ١١١ - ١١٢: «وعندي في هذا نظر وإنما لم يتعرض المؤلف (يعني: ابن الصلاح) لذلك؛ لأنه لم يقصد ذكر عدّة ما في البخاري حتى يستدرك عليه عدّة ما في كتاب مسلم، بل السبب في ذكر المؤلف لعدة ما في البخاري أنه جعله من جملة البحث في أن الصحيح الذي ليس في الصحيحين غير قليل خلاف لقول ابن الأخرم؛ لأن المؤلف رتب بحثه على مقدمتين إحداهما: أن البخاري قال: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح»، والأخرى: أن جملة ما في كتابه بالمكرر سبعة آلاف ومئتان وخمسةٌ وسبعون حديثًا. فينتج أن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما أخرجه ».
[ ١ / ١٣٣ ]
يصح؛ لأنَّ منْ ذُكِرَ كابنِ خزيمةَ يُسمِّي الحسنَ صحيحًا، وإنْ كانت جنسيةً، والمرادُ ما هو أعمُّ، فلم ينصب على ذَلِكَ قرينةً ترشدُ إليهِ، بل كلامهُ فيما قَبلَهُ وَفيمَا بعدهُ يأباهُ، واللهُ أعلمُ.
هذا وصنيعُ المصنفِ في نظمهما (١) غيرُ جيدٍ، فإنَّهُ ذكرَ في الشرحِ أنَّهُ تَعمّدَ حذفَ تقييدِ التنصيصِ على الصحةِ بالتصانيفِ المعتمدةِ، فلم يمشِ على اختيارِ ابن الصلاحِ في أنَّه لا يمكنُ التصحيحُ في هذا الزمانِ، ولا على اختيارِ غيرهِ في أَنَّ ذَلِكَ ممكنٌ، والمصنفُ ممنْ يرى الثانيَ، ولا يرى صحةَ جميعِ ما في ابنِ حبانَ، وابن خزيمةَ (٢)؛ لأنهما يُسميانِ الحسنَ صحيحًا، والمصنفُ يفرقُ، فصارَ ما تضمنهُ البيتانِ اختيارًا مُلفّقًا مِنْ مذهبينِ، وكانَ ينبغي نظمُ كلامِ ابنِ الصلاحِ بأنْ يقالَ:
يؤخذُ منْ مصنفٍ يعتمدُ نصَّ عليهِ (٣) أو كتاب يفردُ فيهِ الصحيحُ (كابنِ حبانَ) الزكي (وابن خزيمةَ) وكالمستدركِ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي البيتين».
(٢) كتاب ابن خزيمة هو مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ -، وقد حوى هذا الكتاب بين دفتيه (٣٠٧٩) حديثًا وهي كلها صحيحة عند ابن خزيمة إلا ما ضعفهُ منها أو توقف فيه أو صدر المتن على السند ومجموع تلك الأحاديث (١٤٣) حديثًا، لكن من خلال دراستي المستفيضة للكتاب وجدتُ الأحاديث الصحيحة بلغت (٢٦٥٠) حديثًا، أما الأحاديث الضعيفة فقد بلغت (٤٢٩) حديثًا، وارجع في تفصيلِ هذه الدراسات في مقدمتي لكتاب مختصر المختصر، أما الكلام عن عدم تفريق ابن خزيمة بين الصحيح والحسن فهذا لا ينبغي ذكره كما سبق؛ لأن التصحيح والتحسين من الأمور الاجتهادية، على أن الأحاديث الحسان في كتاب ابن خزيمة بلغت (١٥٢) حديثًا.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي ذاك المصنف».
[ ١ / ١٣٤ ]
ويكونَ الضميرُ في: يؤخذُ، عائدًا إلى الصحيحِ الموصوفِ في الترجمةِ، وهي قولهُ: (الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ) (١) وقيَّدَ بالمصنَّفاتِ؛ ليُخرِجَ الأجزاءَ المنثورةَ، وبالمعتمدةِ؛ ليُخرِجَ المصنفاتِ التي لم تشتهرْ، فلم يقطعْ بنسبتِها إلى مصنِّفيها، وسيأتي ما في ذَلِكَ قريبًا، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في جميعِ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ قالَ: «ثم إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ على ما في الكتابينِ (٢) يتلقاهَا طالبها مما اشتملَ عليهِ أحدُ المصنفاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ لأئمةِ الحديثِ، كأبي داودَ » (٣) إلى آخرِ كلامهِ، فقيدَ بالأمرينِ.
قولهُ: (ينصُ) (٤)، أي: يرفعُ، يقالُ: نصَّ فلانٌ /٢٩ب/ الأمرَ، ونصَّ عليهِ. قال في "الصحاحِ " (٥): «نصصتُ الحديثَ إلى فلانٍ، أي: رفعتهُ إليهِ».
وقالَ في "القاموسِ": «والنصُّ التوقيفُ، والتعيينُ، ومنتهى كلِ شيء، والإسنادُ إلى الرئيسِ الأكبرِ، ورفعُ الحديثِ» (٦).
وقالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ ": «نصَّ الحديثَ نَصًا: رفعهُ إلى المحدِّث عنهُ، والعروسَ رفعَها على المنصةِ، وهو كرسيُّها، والشيءَ حرّكهُ، والدابةَ حثثتها» (٧).
وقالَ الهرويُّ في "الغريبينِ": «النصُّ: التحريكُ حتى يستخرجَ مِنَ الناقةِ أَقصى
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٨.
(٢) يراجع ما كتبهُ الزركشي في نكته ١/ ١٩٤، والعراقي في التقييد: ٢٧، وابن حجر في نكته ١/ ٢٨٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٨.
(٥) لم أجدهُ في موضعه.
(٦) انظر: القاموس مادة (نص)، وفي النقل تصرف.
(٧) لم أجده في موضعه من الأفعال.
[ ١ / ١٣٥ ]
سيرها، والنصُّ أصلهُ منتهى الأشياءِ، وغايتها ومبلغُ أقصاها، ويقالُ: نصصتُ الرجلَ: إذا استقصيتُ مسألتهُ عن الشيء حتى تستخرج كلَّ ما عندهُ»، وقال ابنُ فارسٍ، والزبيديُّ، والقزازُ: «ونصُّ كلِ شيءٍ منها منتهاه».
وقالَ القزّازُ: «نصصتُ الحديثَ: إذا أظهرتهُ، وقيلَ: أصلُ النصِّ: رفعكَ الشيءَ، والماشطةُ تنصُّ العروسَ التي ترفعُها على المنصةِ، وهي تنتص عليها». انتهى.
ولم يذكرْ أحدٌ مِنْ أهلِ اللغةِ كما ترى ما يقتضي تعدية النصِّ بـ «على» كما هو أكثرُ استعمالِ الفقهاءِ، ووجهُ تخريجهِ: أَنَّ المتكلمَ يحذفُ المفعولَ ويجعلهُ نسيًا، فكأَنَّهُ قيلَ: أوقعَ النص على كذا، والأصلُ في المعنى رفع الحديثِ، أو البيان على كذا، أو استقصى الكلامَ عليهِ، أو وقفَ الطالبين عليهِ.
قولهُ: (والترمذي والنسائي) (١) قال ابنُ الصلاحِ بعده: «منصوصًا على صحتهِ فيها، ولا يكفي في ذَلِكَ مجردُ كونهِ موجودًا في كتابِ أبي داودَ، وكتابِ /٣٠أ / الترمذي، وكتابِ النسائي، وسائرِ منْ جمعَ في كتابهِ بينَ الصحيحِ، وغيره. ويكفي مجردُ كونهِ موجودًا في كتبِ مَن اشترطَ منهمُ الصحيحَ، فيما جمعهُ، كَكِتابِ ابنِ خزيمةَ (٢)، وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ ..» (٣) إلى آخره.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٨.
(٢) لكن يستثنى من ذلك ما ضعّفه ابن خزيمة أو توقف فيه بقوله: «إن صح الخبر» أو: «إن ثبت الخبر» أو ما صدر فيه المتن على السند.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٧، وقال الزركشي في نكته ١/ ١٩٥: «وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات بناء على اعتقاده السابق أنه ليس لأحد التصحيح في هذه الأعصار، وقد وافقه النووي هنا ذهولًا عن اختياره السابق».
[ ١ / ١٣٦ ]
قولهُ: (على الصوابِ) (١) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «ولا يشترطُ في معرفةِ الصحيحِ الزائدِ على ما في الصحيحينِ أَنَّ ينصَّ الأئمةُ المذكورونَ، وغيرهم على صحتها في كتبهم المعتمدةِ المشتهرةِ، كما قيدهُ المصنفُ، بل لو نصَّ أحدٌ منهمْ على صحتهِ بالإسنادِ الصحيح إليهِ (٢)، كما في " سؤالاتِ يحيى بنِ معينٍ "،
و" سؤالاتِ الإمامِ أحمدَ "، وغيرهما. كفى ذَلِكَ في صحتهِ، وهذا واضحٌ» (٣). انتهى.
وقد مضى ما فيهِ (٤).
قولهُ: (في غيرِ تصنيفٍ مشهورٍ) (٥)، قالَ في " النكتِ ": «كما لا يكتفى في التصحيحِ بوجودِ أصلِ الحديثِ بإسنادٍ صحيحٍ (٦») (٧).
قولهُ: (على تساهلٍ) (٨) متعلقٌ بـ «خُذْ» المقدرةِ، مِنْ جهةِ أنّهْ حالٌ مما تعدتْ إليهِ بحرفِ الجرِّ (٩)، أي: وخُذْ زيادةَ الصحيحِ مِنَ "المستدركِ"، حالَ كونهِ (١٠) على تساهلٍ، أي (١١): " المستدركُ "، وإنما كرّرَ أداةَ التشبيهِ في قولهِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٩.
(٢) لم ترد في التقييد.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): «مِنْ كونه (بلفظ) مِنْ كلامه وكلام ابن الصلاح».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٩.
(٦) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح واضحة في جميع ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) التقييد والإيضاح: ٢٨.
(٨) التبصرة والتذكرة (٣١).
(٩) عبارة: «من جهة أنه حال مما تعدت إليه بحرف الجر» لم ترد في (ك).
(١٠) عبارة: «حال كونه» لم ترد في (ك).
(١١) في (ك): «في».
[ ١ / ١٣٧ ]
(وكالمستدركِ) ليختصَّ بهِ تعلّقُ الجارِّ في قولهِ: (على تساهلٍ) (١) وهذهِ العبارةُ أحسنُ مِنْ قولهِ في الشرحِ: وإنما قيّدَ (٢) تعلّقَ الجارِّ إلى آخرهِ (٣)؛ لأنَّ تعبيرَهُ عن ذَلِكَ مقلوبٌ، فتأملهُ.
قولهُ: (وقالَ ما انفرد) (٤)، أي: وقالَ ابنُ الصلاحِ: «الحديثُ الذي انفردَ الحاكمُ بتصحيحهِ حسنٌ، إلا إن ظهرتْ فيهِ علةٌ» (٥)، ثمّ اعترضَ عليهِ بقولهِ: (والحقُ) (٦) .. إلى آخرهِ، وهو قولُ البدرِ بنِ جماعةٍ في مختصرِ ابنِ الصلاحِ، كما نَقلهُ عنهُ في /٣٠ب / "النكتِ (٧) " (٨)، وهو مناقشٌ في ذَلِكَ مِنْ وجوهٍ:
الأولُ: أَنَّ ابنَ الصلاحِ لم يحصرْهُ في كونهُ حسنًا، وإنما قالَ: إنهُ دائرٌ بينَ الصحةِ والحسنِ فيحتجُّ بهِ؛ لأَنَّ أسوأَ الأحوالِ أنْ يكونَ حسنًا كما هو واضحٌ مِنْ قولهِ: «إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ (٩) الحسنِ، يحتجُّ بهِ» (١٠).
الثاني: أَنَّ ابنَ الصلاح قد حكمَ بما يليقُ على مقتضى مذهبهِ، فحكمَ بضعفِ ما فيهِ علةٌ، وبالاحتجاجِ بما انفردَ بتصحيحهِ، ولم تظهرْ فيهِ علةٌ، وامتنعَ مِنْ إطلاقِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣١).
(٢) جاء في حاشية (أ): «حاصله انه كرر أداة التشبيه للتقييد، لا عكسه».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠.
(٤) التبصرة والتذكرة (٣١)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠.
(٦) التبصرة والتذكرة (٣٢).
(٧) من قوله: «قول البدر ابن جماعة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) التقييد والإيضاح: ٣٠.
(٩) لم ترد في (ك).
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠.
[ ١ / ١٣٨ ]
الصحةِ عليهِ؛ لأنَّ الحاكمَ متساهلٌ، فلم يعتمدهُ، وهوَ قد سدَّ بابَ التصحيحِ على نفسهِ، وغيرهِ في زمانهِ (١)، ولم يزحزحهُ عن رتبةِ الاحتجاجِ بهِ؛ لأنهُ لم يسد بابَ التحسينِ كما سيأتي أنَّ كلامهُ يُفهِمُ ذَلِكَ (٢) فهوَ دائرٌ بينَ المرتبتينِ لم ينزلْ عنهما.
الثالثُ: سَلَّمنا أنه جزمَ بأنهُ حسنٌ، ولايحسنُ الاعتراضُ عليهِ؛ لأنَّ قولَهُ ذَلِكَ مبنيٌ على سدّهِ بابَ التصحيحِ في هذا الزمانِ، ومنَ المعلومِ أَنَّ مَنْ قرر أصلًا، ثمَّ فرّعَ عليهِ لا يناقشُ في التفريعِ إلا إنْ خالفَ فيهِ أصلَه، وإنما يناقشُ في الأصلِ إنْ كانَ فيهِ مناقشةٌ، فإذا بطلَ بطلَت تفاريعهُ كلها، فلو قالَ:
بهِ حجة لا أنْ بعلةٍ يرد
وحذف البيتَ الآخر كانَ أحسنَ، ولا يضرُّ تسكينُ هائهِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ مثلَ ذَلِكَ على نيةِ الوقفِ.
قولهُ: (والبستيُّ يداني الحاكما) (٣) هذا ردٌّ على منِ اعترضَ على ابنِ الصلاحِ لفهمهِ كلامهُ على غيرِ مرادِه، فإنَّ عبارةَ / ٣١ أ / ابنِ الصلاحِ: «واعتنى الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظِ بالزيادةِ في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في الصحيحينِ، وجمعَ ذَلِكَ في كتابٍ سماهُ " المستدركَ"، أودعهُ ما ليسَ في واحدٍ منَ الصحيحينِ، مما رآهُ على شرطِ الشيخينِ، قد أخرجاهُ عن روايةٍ في كتابيهما، أو
_________________
(١) الصحيح أن ابن الصلاح لم يرد سد باب التصحيح والتضعيف وإنما أراد التعسير في الأمر، وأنه لا يتمكن له كل أحد، وفي كلام ابن الصلاح تنبيه على أن الإقدام بالحكم على تصحيح الأحاديث قضية تنبني عليها تبعة خطيرة أمام الله تعالى وفيها تحذير ضمني لكل من يُريد ولوج ميدان الحكم على الأحاديث النبوية؛ لأن الحكم على الحديث إثبات شرعٍ أو نفي شرعٍ؛ لأن السنة مصدر مهمٍ من مصادر الأحكام يستنبط من صحيحها الحلال والحرام.
(٢) «ذلك» لم ترد في (ك).
(٣) التبصرة والتذكرة (٣٢).
[ ١ / ١٣٩ ]
على شرطِ البخاريِّ وحده، أو على شرطِ مسلمٍ وحدَهُ، وما أدى اجتهادهُ إلى تصحيحهِ، وإنْ لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما (١)، وهو واسعُ الخطو في شرطِ الصحيحِ، متساهلٌ في القضاءِ بهِ، (٢) فالأولى أنْ نتوسطَ في أمرهِ فنقول: ما حكمَ بصحتهِ، ولم نجد ذَلِكَ فيهِ لغيرهِ منَ الأئمةِ، إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ الحسنِ، يحتجُّ بهِ، ويعملُ بهِ إلا أنْ يظهرَ بهِ (٣) علةٌ توجبُ ضعفهُ (٤)، ويقاربهُ في حكمه (٥) " صحيحُ أبي حاتمِ بنِ حبانَ البستيِّ "» (٦). ففهمَ هذا المعترضُ مِنْ هذهِ العبارةِ ترجيحَ كتابِ الحاكمِ على كتاب ابن حبانَ فقالَ: «أما صحيحُ ابنِ حبانَ فَمنْ عرفَ شرطه، واعتبرَ كلامهُ، عرفَ سموهُ على كتابِ الحاكمِ» (٧) فردَّ عليهِ الشيخُ، بأنَّ المرادَ: «أَنَّ ابن حبانَ يقاربُ الحاكمَ في التساهلِ، فالحاكمُ أشدُّ تساهلًا منهُ» (٨). قالَ في " النكتِ ": «وهو كذلكَ» (٩) أي أَنَّ عندَ البستيِّ تساهلًا، ولكنه
_________________
(١) ينظر تعليقنا المطول على معرفة أنواع علم الحديث: ٨٨ - ٩٠.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥، ونكت ابن حجر ١/ ٣١٤ - ٣١٩.
(٣) في معرفة أنواع علم الحديث: «تظهر فيه».
(٤) قال ابن جماعة: «الحق أَنَّ يتتبع، ويحكم عليه بما يليق بحاله مِن الحسن، أو الصحة، أو الضعف». قالَ العراقي في التقييد والإيضاح: ٣٠: «وهذا هو الصواب». وانظر: نكت الزركشي ١/ ٢٢٦، والبحر الذي زخر ٢/ ٨٤٥ - ٨٤٦.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: في التساهل».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠. انظر: التقييد والإيضاح: ٣٠ - ٣١.
(٧) عني بذلك والله أعلم: الزركشي؛ إذ قال الزركشي في نكته ١/ ٢٢٦: «أي يقاربه فيما ذكر، وليس كما قال، بل صحيح ابن حبان أصح منه بكثير». وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٩٤: «وابن حبان ليس يقاربه، بل هو أصح منه بكثير»، وذكر ابن كثير ذلك أيضًا في اختصار علوم الحديث ١/ ١٠٩، وبتحقيقي: ٨٢.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
(٩) التقييد والإيضاح: ٣١.
[ ١ / ١٤٠ ]
أقلُّ مِنْ تساهلِ الحاكمِ، وهذا غيرُ مُسلّم، بل (١) ليسَ عندَ البستيّ تساهلٌ، وإنما غايتهُ: أنَّهُ يسمي الحسنَ صحيحًا، فإنْ كانت نسبتهُ إلى التساهلِ باعتبارِ وجدانِ الحسنِ في كتابهِ، فهي مشاحةٌ في الاصطلاحِ، وإن كانت باعتبارِ خفّةِ شروطهِ، فإنَّهُ يخرجُ في الصحيحِ ما كانَ راويهِ (٢) ثقةً، غيرَ مدلسٍ /٣١ب/، سمع مَنْ فوقه، وسمعَ منهُ الآخذُ عنهُ، ولا يكونُ هناكَ إرسالٌ ولا انقطاعٌ، وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديلٌ، وكانَ كلٌ مِنْ شيخهِ، والراوي عنهُ ثقةً، ولم يأتِ بحديثٍ منكرٍ، فهوَ عندهُ ثقةٌ (٣)، وفي كتابهِ " الثقاتِ " (٤) كثيرٌ ممنْ هذه حالهُ، ولأجلِ هذا ربما اعترضَ عليهِ في جعلهم ثقاتٍ من لم يعرفْ اصطلاحه (٥)، ولا اعتراضَ عليهِ (٦)؛ فإنَّه لا يشاحح عليهِ في ذلكَ، وهذا دونَ شرطِ الحاكمِ: أَنْ يخرجَ عن رواةٍ خرَّجَ لمثلهم الشيخانِ في "الصحيحِ".
فالجوابُ: أَنَّ ابنَ حبانَ وَفَى بالتزامِ شروطهِ، ولم يُوَفِّ الحاكمُ، قالَ البلقينيُّ: «فإنَّ فيهِ الضعيفَ، والموضوعَ أيضًا، وقد بيّنَ ذلكَ الحافظُ الذهبيُّ (٧)، وجمعَ منهُ (٨) جزءًا منَ الموضوعاتِ يقاربُ مئةَ حديثٍ» (٩).
قال شيخنا: «إنما وقعَ للحاكمِ التساهلُ، إما لأنهُ سوَّدَ الكتابَ لينُقحهُ،
_________________
(١) من قوله: «من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) في (ف): «رواية».
(٣) انظر في شرط ابن حبان: الإحسان ١/ ١٥١.
(٤) انظر على سبيل المثال في كتاب الثقات ٤/ ٣١٨ و٦/ ١٤٦ و١٦٨ و١٧٨.
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ٥٠ - ٥١.
(٦) من قوله: «في جعلهم ثقات» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٨) لم ترد في (ك).
(٩) محاسن الاصطلاح: ٩٤.
[ ١ / ١٤١ ]
فأعجلتهُ المنيةُ، أو لغيرِ ذَلِكَ، قالَ: ومما يؤيدُ الأولَ أني وجدتُ في قريبِ نصفِ الجزءِ الثاني من تجزئةِ ستة مِنَ المستدركِ: إلى هنا انتهى إملاءُ الحاكمِ، قالَ: وما عدا ذَلِكَ مِنَ الكتابِ لا يوجدُ عنهُ إلا بطريقِ الإجازةِ، فَمِن أكبرِ أصحابهِ، وأكثرِ الناسِ له ملازمةً البيهقيُّ، وهو (١) إذا ساقَ عنهُ مِنْ غيرِ المُملَى شيئًا لا يذكرهُ إلا بالإجازةِ. قالَ: والتساهلُ في القدرِ المُملَى قليلٌ جدًا بالنسبةِ إلى ما بعده».
قالَ البلقينيُّ: «وإيرادُ كونِ الرجلِ لم يخرجْ لهُ منِ استدركَ عليهِ لا يلتفتُ إليهِ؛ لأنَّهُ لم يلتزمِ العينَ، بل الشبهَ» (٢).
قلتُ: وشيخنا -والحقُّ / ٣٢أ / معهُ - لايوافقُ على هذا، بل يقولُ: إنّ مرادَهُ بالمثلِ في قولهِ: «خرَّجَ لمثلها الشيخانِ» أعمُّ مِنَ العينِ والشبهِ. وصنيعهُ يوضحُ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ إذا رَوَى حديثًا بإسنادٍ خرَّجَ لرواتهِ البخاريُّ، قال: صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ولو كانَ مرادُهُ بالمثلِ معناهُ الحقيقيَّ، لَزمَهُ في كلِّ إسنادٍ جَمَعَ شرطَ البخاريِّ أَن يقولَ: إنَّهُ على شرطهما؛ لأَنَّ شرطَهُ أصعبُ مِنْ شرطِ مُسلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بسطٍ عندَ شرحِ قولهِ: (وأرفع الصحيح مرويهما) (٣) في قولهِ: (وليسَ ذلكَ منهم بجيدٍ) (٤).
قولهُ في الشرحِ: (ما انفردَ بتصحيحه، لا بتخريجهِ فقط) (٥)، أي: هذا (٦) الحكمُ. وهو كونهُ يحتجُّ بهِ لترددهِ بينَ الصحةِ والحسنِ، إنما هو فيما حكم بصحتهِ، وانفردَ بذلكَ، فلم يوجد تصحيحهُ في كلامِ غيرهِ بالشرطِ المذكورِ،
_________________
(١) في (ف): «وهذا».
(٢) محاسن الاصطلاح: ٩٤.
(٣) التبصرة والتذكرة (٣٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠.
(٦) في (ف): «لهذا».
[ ١ / ١٤٢ ]
لا فيما انفردَ بتخريجهِ فقط (١)، أي: مِنْ غيرِ حكمٍ عليهِ بالصحةِ، فإنَّهُ لا يحتجُّ بهِ، واللهُ أعلمُ.
فائدةٌ: قالَ البلقينيُّ: «ويوجدُ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ" منَ الأسانيدِ، والمتونِ شيءٌ كثيرٌ ليسَ في الصحيحينِ، ولا في السننِ أيضًا، وهي أربعةٌ:
" سننُ أبي داودَ "، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابن ماجه، وكذلكَ يوجدُ في "مسندِ البزّارِ"، وابنِ منيعٍ، والمعاجمِ للطبرانيِّ، وغيرهِ، و" مسندِ أبي يعلى "، والأجزاءِ (٢) ما (٣) يتمكنُ العارفُ بهذا الشأنِ منَ (٤) الحكمِ بصحةِ كثيرٍ منهُ بعدَ النظرِ الشديدِ، وقد كانَ الحاكمُ والخطيبُ يقولانِ في كتابِ السننِ للنسائيِّ: إنَّهُ صحيحٌ، وإنَّ له شرطًا في الرجالِ أشدَّ مِنْ شرطِ مسلمٍ (٥)، وكلُّ ذَلِكَ فيهِ تساهلٌ، والأولُ غيرُ مُسلّمٍ لما (٦) فيهِ مِن الرجالِ المجروحينَ، والأحاديثِ الضعيفةِ، وكانَ / ٣٢ب / الحافظُ أبو موسى المدينيُّ يقولُ عن "مسندِ الإمامِ أحمدَ": إنَّهُ صحيحٌ، وذلكَ مردودٌ؛ ففيهِ أحاديثُ كثيرةٌ ضعيفةٌ، وسيأتي شيءٌ مِنْ ذَلِكَ بزيادةٍ أخرى في ترتيبِ الاختصارِ. انتهى» (٧).
قولهُ: (قالَ الحازمي) (٨)، أي: الإمام أبو بكرٍ محمدُ بنُ مُوسى في كتابِ " شروطِ الأئمةِ " (٩) (١٠): «إن قيلَ: لا ينهضُ هذا دليلًا على المرادِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: حيث ينص على صحته إمام معتمد في مصنفاتهم المعتمدة».
(٢) سقطت مِنْ مطبوع المحاسن.
(٣) في المحاسن: «مما».
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) انظر: شروط الأئمة الستة: ٢٦.
(٦) «لما» لم ترد في (أ).
(٧) محاسن الاصطلاح: ٩٤ - ٩٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
(٩) من قوله: «أي الإمام أبو بكر محمد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(١٠) شروط الأئمة الخمسة: ٤٤.
[ ١ / ١٤٣ ]
الحاكمُ معَ ذَلِكَ قد اجتهدَ في المستدركِ بنفسهِ وغيرهِ، واستروحَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ إلى أنْ جاءَ المستدركُ أقلَّ تساهلًا، قيلَ: الأصلُ عدمُ هذا، واستعمالُ كلٍ منهما مبلغَ علمهِ في كتابهِ، والواقعُ أَنَّ الكتابينِ كذلكَ».
قولهُ:
الْمُسْتَخْرَجَاتُ
٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي عَوَانَةٍ) (١) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ
٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا إذْ خَالَفتْ لَفْظًا وَمَعْنىً رُبَّمَا
٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا
لو مَثَّلَ الشيخُ بأبي نعيمٍ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الأصبهانيِّ كانَ أولى؛ لانفرادهِ عن من (٢) ذكرهُ بالاستخراجِ على كلٍ مِن الصحيحينِ؛ فكأن يقولُ: «نعيمًا» موضعَ «عوانةَ». والإسماعيليُ أبو بكرِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ (٣)، والبَرْقانيُّ (٤) أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ (٥)، وأبو عوانةَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الإسفرايينيُّ.
_________________
(١) صُرِف لضرورة الوزن.
(٢) «من» لم ترد في (ف).
(٣) هو الإمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني المتوفى سنة
(٤) هـ. انظر: تاريخ جرجان: ١٠٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٧.
(٥) نسبة إلى بَرْقان بفتح أوله وبعضهم يقول بكسره. انظر: معجم البلدان ١/ ٣٠٦.
(٦) هو الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي المعروف بالبرقاني توفي سنة (٤٢٥) هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٣، والأنساب ١/ ٣٣٧.
[ ١ / ١٤٤ ]
قولهُ (١): (المستخرجُ موضوعهُ) إلى آخرهِ (٢)، ظاهرهُ أنَّهُ لا يُسمَّى مُستخرجًا إلا إنْ كانَ على الصحيحِ، وأنَّه لم يُستخرَجْ إلا على الصحيحِ، وليسَ كذلكَ، فقدِ استخرجَ على "سننِ أبي داودَ" محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمنَ، وعلى الترمذيِّ أبو عليٍّ الطوسيُّ، واستخرجَ أبو نعيمٍ على " التوحيدِ " لابن خزيمةَ (٣). وعُذرُ المصنِّفِ في ذَلِكَ: أَنَّ كلامهُ سابقًا ولاحقًا في الصحيحِ، وحقُّ العبارةِ
أَن يقالَ: موضوعهُ أنْ يأتي المصنِّفُ إلى كتابٍ مِنْ كُتبِ / ٣٣أ / الحديثِ، فيخرجَ إلى آخرهِ.
قولهُ: (موضوعهُ) (٤) ليسَ المرادُ الموضوعَ المصطلحَ عليهِ، إنما المرادُ حقيقةُ المستخرجِ ومعناه، وأمّا موضوعه بحسبِ الاصطلاحِ: فأحاديثُ الكتابِ الذي استخرج عليهِ، فموضوعُ مُستخرَجِ أبي نُعيمٍ على البخاريِّ: كتابُ البخاريِّ أسانيدهُ ومتونهُ؛ لأنَّهُ يبحثُ في المستخرج عن كلٍ منهما.
قولهُ: (أو منْ فوقهُ) (٥) قالَ شيخُنا: «إذا اجتمعَ المستخرجُ مع صاحبِ الأصلِ في مَنْ فوقَ شيخهِ لا يُسمَّى مستخرجًا، إلا إذا لم يجدْ طريقًا توصلُهُ إلى شيخهِ، وتفيدُ ما تفيدهُ الطريقُ التي أوصلتهُ إلى مَنْ فوقه. وحاصلهُ: أنَّهُ يشترطُ أنْ لا يصلَ إلى الأبعدِ معَ وجودِ السندِ إلى الأقربِ إلا لعذرٍ مِنْ علوٍ، أو زيادةِ حكمٍ مهمٍ، أو نحوِ ذلكَ، ولذلكَ يقولُ أبو عوانةَ في "مستخرجهِ على صحيحِ مسلمٍ" بعد أنْ يسوقَ طُرقَ مسلمٍ كلَّها: «مِنْ هنا لمخرجهِ»، ثمَّ يسوق أسانيدَ يجتمعُ فيها مع مسلمٍ فيمنْ فوقَ ذلكَ، وربما قالَ: «مِنْ هنا لم يخرجاه». قالَ: ولا نظن أنَّهُ يعني
_________________
(١) من قوله: «لو مثل الشيخ بأبي نعيمٍ » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
(٣) انظر: البحر الذي زخر ٣/ ٩٠٣ - ٩٠٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
[ ١ / ١٤٥ ]
البخاريَّ ومسلمًا، فإني استقرأتُ صنيعَهُ في ذَلِكَ، فوجدتهُ إنما يعني مسلمًا وأبا الفضلِ أحمدَ بنَ سلمةَ (١)؛ فإنَّهُ كانَ قرينَ مسلمٍ، وصنّفَ مثلَ مسلمٍ، وربما أسقطَ المستخرجُ أحاديثَ لم يجدْ له بها سندًا يرتضيهِ، وربما ذكرها مِنْ طريقِ صاحبِ الكتابِ» (٢).
قولهُ: (إذ) (٣) تعليليةٌ؛ لأَنَّ الأصلَ في المستخرجِ أنْ يخالفَ في الألفاظِ، وربما وافقَ، فإذا خالفَ فتارةً يخالفُ في المعنى أيضًا، وتارةً يوافقُ / ٣٣ ب /.
قولهُ: (ربما متعلقٌ بمخالفةِ المعنى فقط) (٤) قالَ شيخُنا: «يمكنُ أنْ يتعلقَ بالشيئينِ؛ لأنهمُ اختلفوا في «رُبَّ» هل هي للتقليلِ أو للتكثيرِ؟ والأصحُ أنها لا تختصُ بأحدهما، كما قالَ في "جمعِ الجوامعِ" (٥) بل تكونُ لهذا تارةً، ولهذا أخرى (٦)، فإذا جعلناها هنا (٧) للتكثيرِ، رددناها إلى الألفاظِ، أو للتقليلِ رددناها إلى المعاني، فيكونُ تقديرُ الكلامِ حينئذٍ: إذ خالفت لفظًا، أو معنى (٨) كثيرًا وقليلًا. وتكونُ مِن استعمالِ المشتركِ في مَعنييهِ (٩)، لفًا ونشرًا مرتبًا.
_________________
(١) هو أحمد بن سلمة بن عبد الله، أبو الفضل البزاز المعدل النيسابوري أحد الحفاظ المتقنين قال الذهبي: «له مستخرج كهيئة صحيح مسلم» توفي سنة (٢٨٦) هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ١٨٦، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٧.
(٢) انظر: البحر الذي زخر ٣/ ٨٩٨.
(٣) التبصرة والتذكرة (٣٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٢.
(٥) انظر: تشنيف المسامع بجمع الجوامع ١/ ٢٦٦.
(٦) قال ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١١٨: «ترد للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا».
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) في (ف): «ومعنى».
(٩) عبارة: «من استعمال المشترك في معنييه» لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٤٦ ]
قلتُ: والأحسنُ أنْ تقرأَ «رُبَما» (١) مخففةً؛ لئلا تفحشَ المخالفةُ حينئذٍ (٢) في القافيةِ، لا يقالُ: إنَّ إعرابَ هذا البيتِ مشكلٌ، لأنَّ (رُبَّ) لها صدرُ الكلامِ (٣)، فكيفَ يتقدّمُ متعلقُها عليها؟ لأنّا نقولُ: نقلَ الرضيُّ عن ابنِ السراجِ أَنَّ النحاةَ كالمجمعينَ على أَنَّ (رُبَّ) جواب لكلامٍ (٤)، إمّا ظاهرٌ أو مقدرٌ فهيَ في الأصلِ: موضوعةٌ لجوابِ فعلٍ ماضٍ منفيٍ (٥)، وقالَ: إن الفعلَ قد يحذفُ بعدها عندَ القرينةِ، فحينئذٍ يكونُ المعنى على التعجبِ هنا، كأنهُ لما نهى عن عزوِ ألفاظِ متونِ المستخرجاتِ إلى الكتابِ المستخرجِ عليهِ؛ لأنَّ المستخرجاتِ خالفتهُ لفظًا ومعنىً، استبعدَ السامعُ هذا؛ لأنَّ المستخرجَ عليهِ نفسُ المستخرجِ، فكيفَ يكونُ استخراجُ الشيءِ موجبًا لتغيرهِ، فقالَ: ما خالفتُ في شيء مِنْ ذلكَ فقالَ: ربما خالفتَ هذا على ما قررهُ شيخُنا، وعلى ما قررهُ المصنِّفُ يكونُ ذلكَ خاصًا بالمعنى؛ لأنَّ الاستبعادَ فيهِ أشدُّ.
قولهُ: (بمقابلتهِ / ٣٤أ / عليهِ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «فليسَ لكَ أنْ تنقلَ حديثًا منها، وتقولَ هوَ على هذا الوجهِ في كتابِ البخاريِّ، أو كتابِ مسلمٍ، إلا أنْ تُقابلَ لفظَهُ، أو يكونَ الذي خرَّجهُ قد قالَ: أخرجهُ البخاريُّ بهذا اللفظِ (٧) بخلافِ الكُتبِ المختصرةِ من "الصحيحينِ"، فإنَّ مصنِّفيها نقلوا فيها ألفاظَ "الصحيحينِ"،
_________________
(١) كتب ناسخ نسخة (أ) فوقها: «خف».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) انظر: مغني اللبيب ١/ ١١٩.
(٤) في (ف): «الكلام».
(٥) انظر: تاج العروس ٢/ ٤٧٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٢.
(٧) انظر: نكت الحافظ ابن حجر ١/ ٣١٠.
[ ١ / ١٤٧ ]
أو أحدهما (١) غيرَ أَنَّ "الجمعَ بينَ الصحيحينِ" للحميديِّ الأندلسيِّ منها يشتملُ على زيادةِ تتماتٍ لبعضِ الأحاديثِ، كما قدَّمنا ذكرَهُ (٢)، فربما نقلَ ..» (٣) إلى آخرهِ.
قولهُ: (فقط) (٤)، أي: متعلق بهذا القسمِ وحدَهُ، وهو ما انضمَّ فيهِ إلى مخالفةِ اللفظِ مخالفةُ المعنى، ولم يرد أَنَّ مخالفةَ المعنى قد توجدُ بدونِ مخالفةِ اللفظِ، بدليلِ قولهِ قبلُ: (وربما وقعتِ المخالفةُ أيضًا في المعنى) (٥) فقولهُ: «أيضًا» يفهمُ أَنَّ ذلك مضمومٌ إلى ما قدّمهُ مِنْ مخالفةِ اللفظِ، واللهُ الموفقُ (٦).
قولهُ: (لأنها خارجةٌ مِنْ مَخرجِ الصحيحِ) (٧) قالَ شيخُنا: «هذا مُسلّمٌ في الرجلِ الذي التقى فيهِ إسنادُ المستخرجِ، وإسنادُ مصنفِ الأصلِ، وفيمنْ بعدهُ، وأما مَنْ بينَ المستخرِجِ وبينَ ذلكَ الرجلِ، فيحتاجُ إلى نَقدٍ؛ لأنَّ المستخرجَ لم يلتزمِ الصحةَ في ذلكَ، وإنما جلُّ قصدهِ العلوُ، فإنْ حَصَلَ وَقعَ على غرضهِ، فإنْ (٨) كانَ مع ذَلِكَ صحيحًا، أو فيهِ زيادةٌ أو نحو ذَلِكَ، فهوَ زيادةُ حسنٍ حصلتْ اتفاقًا، وإلا
_________________
(١) انظر: نكت الحافظ ابن حجر ١/ ٣١٢، وبتحقيقي: ١٢٤.
(٢) انظر: نكت الزركشي ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٩١ - ٩٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٢.
(٦) من قوله: «لا يقال: إنّ إعراب هذا البيت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٢. أقول: قد قلت في تعليقي هناك: «فيه نظر، فالأمر ليس على هذا الإطلاق الذي أطلقه المصنف، ومن قبله ابن الصلاح، ومن اعتنى بكتابه، إذ ينبغي اجتماع شرائط الصحة بين المخرج وبين الراوي الذي اجتمع به مع صاحب الكتاب، وقد خرج بعض أصحاب المستخرجات لبعض الضعفاء».
(٨) في (ف): «وإن».
[ ١ / ١٤٨ ]
فليسَ ذلكَ مِنْ همتهِ، واللهُ أعلمُ. قالَ: وربما لم يقعْ لهُ بعض الأحاديثِ إلاَّ بنزولٍ، فيرويهِ كذلكَ، وربما لم يقعْ لهُ إلا مِنْ طريقِ المصنِّفِ، فيسوقهُ مِنْ طريقهِ / ٣٤ب / اضطرارًا؛ لإتمامِ الكتابِ، وجلُّ قصدهِ الأولُ كما قرّرنا، قالَ: وقد وقعَ لابنِ الصلاحِ هنا فيما فرَّ منهُ مِنْ عدمِ التصحيحِ في هذا الزمانِ (١)؛ لأنَّهُ أطلقَ تصحيحَ هذهِ الزياداتِ، فشَملَ ذلكَ ما نصَّ عليهِ إمامٌ معتمدٌ، أو وجدَ في كتابِ مَنِ التزمَ الصحةَ، وما ليسَ كذلكَ، ثمَّ عللهُ بتعليلٍ هوَ أخصُّ مِنْ دعواهُ، وهو قوله:
«لأنها خارجةٌ مِنْ مخرجِ الصحيحِ» (٢)، فإنَّهُ قد تقدّمَ أنها لا تتعلقُ بمخرجِ الصحيحِ إلا مِنْ ملتقى الإسنادِ إلى منتهاهُ» (٣).
قولهُ: (فلو رواه أبو نعيمٍ مثلًا مِنْ طريقِ مسلمٍ) (٤) يوجدُ في كثيرٍ مِنَ النسخِ: البخاري، وكذا في الثلاثةِ الألفاظِ بعدهُ.
قالَ شيخنا: «كانت كذلكَ، ثمَّ التمسنا منَ المصنفِ تغييرَها، فغيَّرها لأجلِ صحةِ المثالِ الذي مثَّلَ بهِ، فإنَّ البخاريَّ لم يخرجْ لأبي داودَ الطيالسيِّ في "صحيحهِ" إلا تعليقًا (٥) (٦). قالَ: ولو مثَّلَ بمن أخرجا له لكانَ أولى، فعبدُ الرزاقِ لو رَوَى أبو نعيمٍ عنهُ حديثًا مِنْ طريقِ البخاريِّ أو مسلمٍ، لم يصل إليهِ إلا بأربعةٍ، وإذا
_________________
(١) وقد سبق قولي بأن ابن الصلاح لم يرد غلق باب التصحيح إنما أراد تعسير الأمر وصعوبته، وأنه دين يجب أنْ يحتاط له.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٢.
(٣) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٩٢ وما بعدها.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٣.
(٥) عبارة: «إلا تعليقًا» لم ترد في (ك).
(٦) انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري ١/ ١٦٩ عقب (٦٦٤) و٢/ ١٥٨ (١٤٩٥) و٦/ ٣ (٤٤١٦).
[ ١ / ١٤٩ ]
رواهُ عن الطبراني، عنِ الدبَريِّ (١) - بالموحدةِ المفتوحةِ عنه -، وصلَ باثنينِ كما ترى.
قولهُ: (إلا هاتينِ) (٢) أما في كتابِ "علومِ الحديثِ " فمسلَّمٌ، وإلا فقد ذكرَ الفائدةَ التي زادها الشيخُ في مقدمةِ "شرحهِ لمسلمٍ". قال: ويشكلُ (٣) على ذَلِكَ بأنَّ اللامَ في قولهِ: «خارجةٌ مِنْ مخرجِ الصحيحِ» للعهدِ، أي: صحيحِ البخاريِّ أو مسلمٍ، ويمتنعُ معهُ زيادةُ العددِ على ما في الصحيحِ، فإنّا قد شرطنا في الاستخراج أنْ يصلَ المستخرجُ إلى شيخِ / ٣٥ أ / المصنِّفِ، أو مَنْ فوقهُ، فلم يأتِ المستخرجُ إلا بسندِ ذلكَ المصنفِ، فامتنعَ التعددُ. قالَ: والانفصالُ عَنهُ بأنَّ شيخَ المصنِّفِ قد يضمُ (٤) في طريقِ المستخرجِ شخصًا آخرَ فأكثرَ، معَ الذي حدَّثَ (٥) مصنِّفُ الصحيحِ عنه فيأتي التعددُ، وربما ساقَ له طرقًا أخرى إلى الصحابي بعدَ فراغهِ مِنْ استخراجهِ، كما قدَّمنا عن أبي عوانةَ. قالَ: وقد أبلغتُ الفوائدَ إلى عشرٍ أو أكثرَ، فمنها: أنْ يكونَ مصنِّفُ الصحيحِ رَوَى عن مختلطٍ ولم يُبَيّنْ هل سماعُ ذلكَ الحديثِ منه في هذهِ الروايةِ قبلَ الاختلاط، أو بعده؟ فيبينهُ المستخرجُ، إما تصريحًا، أو بأنْ يرويهُ عنهُ مِنْ طريقِ منْ لم يسمعْ منهُ إلا قبلَ الاختلاطِ، ومنها: أَن يُروَى في "الصحيحِ" عن مدلسٍ بالعنعنةِ، فيرويهِ المستخرِجُ بالتصريحِ بالسماعِ فهاتانِ فائدتانِ جليلتانِ، وإنْ كنا لا نتوقفُ في صحةِ ما رُوِيَ في الصحيحِ مِنْ ذلكَ،
_________________
(١) وهو الشيخ العالم أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم بن عباد الصنعاني الدَّبَري راوية عبد الرزاق وسمع تصانيفه منه، توفي سنة (٢٨٥) هـ. انظر: الأنساب ٢/ ٢١٦، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٤١٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٣.
(٣) في (ف): «ويشكك».
(٤) من قوله: «قال: والانفصال» إلى هنا تكرر في (ف).
(٥) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٥٠ ]
غيرَ مبينٍ، ونقولُ: لو لم يطّلعْ مصنِّفهُ مِن البخاريِّ، أو مسلمٍ أنهُ روى عنهُ قبلَ الاختلاطِ، وأَنَّ المدلسَ سمعَ (١)، لم يخرجاهَ، فقد سألَ السبكيُّ المزيَّ: هل وُجِدَ لكلِ ما روياهُ بالعنعنةِ طرقٌ مصرحٌ فيها بالتحديثِ؟ فقالَ: كثير مِنْ ذلكَ لم يوجدْ، وما يسعنا إلا تحسينُ الظنِ. ومنها: أَنْ يروى عن مبهمٍ كأن يقولا: حدثنا فلانٌ، أو رجلٌ، أو فلانٌ وغيرهُ، أو غيرُ واحدٍ، أو نحو ذلكَ، فيعينهُ المستخرجُ.
ومنها: أَن يرويَ عن مهملٍ نحوَ حدثنا محمدٌ / ٣٥ ب / مِنْ غيرِ ذكرِ ما يميزهُ عن غيرهِ منَ المحمدينَ، ويكونُ في مشايخِ مَنْ رواهُ كذلكَ، مَن يشاركهُ في الاسمِ، فيميزهُ المستخرجُ (٢).
ثم نَقلَ شيخُنا عن الحافظِ شمسِ الدينِ بنِ ناصرِ الدينِ أنَّهُ نيّفَ (٣) بالفوائدِ عن الخمسَ عشرَةَ (٤)، فأفكرَ مليًا، ثم قالَ: عندي ما يزيدُ على ذلكَ بكثيرٍ، وهوَ أَنَّ كلَّ علةٍ أُعلَ بها حديثٌ في أحدِ الصحيحينِ، جاءت روايةُ المستخرجِ سالمةً منها، فهي مِنْ فوائدِ المستخرجِ، وذَلِكَ كثيرٌ جدًا، واللهُ الموفقُ.
قولهُ: (والأصلَ يعني البيهقي) (٥) لا شكَّ أَنَّ الأحسنَ تركُ هذا، والاعتناء بالبيانِ فرارًا مِنْ إيقاعِ منْ لا يعرفُ الاصطلاحَ في اللبسِ، بتوهمهِ أَنَّ هذا لفظُ البخاريِّ مثلًا، ولا شكَّ أَنَّ الملامةَ (٦) في إطلاقِ ذَلِكَ على الفقيهِ أشدُّ منها على المحدِّثِ.
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٣٢١ - ٣٢٣، وبتحقيقي: ١٣٢ - ١٣٤.
(٣) في (أ): «يقف».
(٤) في جميع النسخ: «الخمسة عشر»، وهذا خلاف القاعدة.
(٥) التبصرة والتذكرة (٣٦).
(٦) في (ف): «الملازمة».
[ ١ / ١٥١ ]
وقد نبّهَ ابنُ دقيقِ العيدِ على هذا بتفصيلٍ حسنٍ، وهو: أنَّكَ إذا كنتَ في مقامِ الروايةِ، فلكَ أنْ تقولَ: أخرجهُ البخاريُّ مثلًا، ولو كانَ مخالفًا، فإنَّهُ قد عرفَ أَنَّ جلَّ قصدِ المحدِّث السندُ، والعثورُ على أصلِ الحديثِ دونَ ما إذا كنتَ في مقامِ الاحتجاجِ، فمنْ روى في المعاجمِ، والمشيخات، ونحوها فلا حرجَ عليهِ في الإطلاق، بخلافِ مَنْ أوردَ ذلكَ في الكتبِ المبوبةِ، لا سيَّما إنْ كانَ الصالحُ للترجمةِ قطعةً زائدةً على ما في الصحيحِ. وهذا نظرٌ بديعٌ، فما أحسنَ فهمَ الأشياءِ بحسبِ الإيماءِ إلى المقاصدِ! رحمَ اللهُ ابنَ حبانَ! حيثُ نظرَ مثلَ هذا النظرِ وفصَّلَ كهذا التفصيلِ، / ٣٦ أ / وإنْ لم يكنْ في هذا المهيعِ، فقالَ في الترجيح: «إنَّ المخالفةَ بينَ الروايتينِ (١)، إنْ كانتْ في السندِ رجَّحنا قولَ المحدِّث على قولِ الفقيهِ؛ لأنَّهُ بالسندِ أقعدُ، وإنْ كانت في المتنِ فبالعكسِ؛ لأنَّ الفقيهَ أكثرُ عنايةً بالمتنِ؛ ولهذا ربما ذكرَ المحدِّثُ بعدَ السندِ طرفًا يسيرًا منَ المتنِ (٢)، ثمَّ قالَ: الحديثَ، والفقيهُ ربما حذفَ السندَ» (٣).
قلتُ: فإذا كانَ الذي دلَّ على الحكمِ إنما هو قطعةٌ مِنَ الحديثِ، ليسَ في ألفاظِها تخالفٌ في واحدٍ مِنَ الكتابينِ، فإنْ ذكرت تلكَ القطعةَ فقطْ (٤)، فلا شكَّ في حسنِ العزوِ، وإنْ ذكرَ جميعَ الحديثَ، فينبغي أيضًا أن يسوغَ العزو، كما لو لم يقعْ في شيءٍ مِنَ الحديثِ، ولو وقعَ التخالفُ في بقيتهِ؛ لأنَّ المقصودَ بالذاتِ في ذلكَ المقامِ إنما هو القطعةُ التي سيقَ الحديثُ للاحتجاجِ بها.
_________________
(١) في (ف): «الراوين».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) ذكر ابن حبان ما يؤيد هذا الكلام في معرض كلامه عن زيادات الألفاظ والأسانيد في مقدمة صحيحه ١/ ١٥٩.
(٤) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٥٢ ]
قولهُ: (وليتَ إذ زادَ الحميديْ ميزا) (١) قالَ: قد حصلَ هذا المُتَمَنَّى (٢) - وللهِ الحمدُ - مِنَ الحُميديِّ إجمالًا، وتفصيلًا، أمّا إجمالًا فقالَ في خطبةِ الجمعِ: «وربما زدتُ زياداتٍ مِنْ تتماتٍ، وشرحٍ لبعضِ ألفاظِ الحديثِ، ونحوِ ذَلِكَ وقفتُ عليها في كتبِ مَن اعتنى بالصحيحِ كالإسماعيليِّ، والبرقانيِّ» (٣).
وأمّا تفصيلًا فعلى قسمينِ: جلي، وخفي، أمّا الجليُّ: فيسوقُ الحديثَ، ثمَّ يقولُ في أثنائهِ: إلى هنا انتهتْ روايةُ البخاريِّ مثلًا، ومن هنا زادهُ البرقانيُّ مثلًا، وأمّا الخفيُ: فإنَّهُ يسوقُ الحديثَ كاملًا أصلًا وزيادةً، ثمَّ يقولُ: أما مِنْ أولهِ إلى كيتَ وكيتَ (٤) فرواهُ فلانٌ، وما عدا ذلكَ زادهُ فلانٌ، أو يقولُ (٥): لفظة كذا
/ ٣٦ ب / زادها فلانٌ، ونحو ذلكَ.
وكلامُ ابنِ الصلاحِ واقعٌ على الثاني، وتعبيرهُ يميز في قولهِ: «فربما نقلَ منْ لا يميزُ» (٦)، يشعرُ بأنَّ هذا مرادُهُ، وإلا لقالَ: فربما نقلَ الناقلُ (٧)، ونحو ذلكَ مِنَ العباراتِ الدالةِ على التعميمِ، وإنما يقعُ مَنْ لا يميزُ في ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ينظرُ الحديثَ كاملًا فيعزوهُ إلى البخاريِّ مثلًا، منْ غيرِ أنْ ينظرَ ما بعدهُ، فيخطئَ (٨).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣٦).
(٢) في (ف): «التمني».
(٣) الجمع بين الصحيحين ١/ ٧٤ - ٧٥، ونقله هنا باختصار.
(٤) «وكيت» لم ترد في (ك).
(٥) من قوله: «أما من أوله» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٢.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٣٠٠ - ٣١٠، وبتحقيقي: ١١٥ - ١٢٣.
[ ١ / ١٥٣ ]
قولهُ: (خلاف ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ) (١)، أي: فإنَّهُ لما ذكرَ مِنْ أينَ تؤخذُ الزيادةُ على الصحيحِ فقالَ: إمّا بالتنصيصِ على صحتها مِنَ الكتبِ المشهورةِ، أو بوجودها في كتابٍ اشترطَ مصنِّفهُ الصحةَ، ثمَّ قالَ: وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ ومسلمٍ، مِنْ تتمةٍ لمحذوفٍ، أو زيادةِ شرحٍ في كثيرٍ مِنْ أحاديثِ الصحيحينِ، قالَ: وكثيرٌ مِنْ هذا موجودٌ في الجمعِ بين الصحيحينِ للحميديِّ، فظاهرُ هذا أَنَّ ما وقعَ فيهِ منَ الزياداتِ محكومٌ بصحتهِ.
هذا كلامُه في " الشرحِ الكبيرِ " وهو كذلكَ. ولا مناقشةَ على (٢) ابنِ الصلاحِ (٣) فيهِ؛ لأنَّهُ جارٍ على ما أصلَ منْ أَنَّ زياداتِ المستخرجاتِ صحيحةٌ، وما في " الجمعِ " للحميديِّ منها، وإنما يناقشُ في الأصلِ كما مضى، فيبطل الفرعُ بإبطالهِ.
قولهُ:
مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ
٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا
٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي
٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
ثمَ قالَ: (اعلمْ أَنَّ درجاتِ الصحيحِ) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ في السابعِ منَ الفوائدِ المتعلقةِ بالصحيحِ: «وإذا انتهى الأمرُ في معرفةِ الصحيحِ إلى ما خَرَّجهُ الأئمةُ في
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٥.
(٢) «على» لم ترد في (ف).
(٣) في (ك) بدل: «على ابن الصلاح» «عليه».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٥.
[ ١ / ١٥٤ ]
تصانيفهم الكافلةِ ببيانِ ذلكَ كما سبقَ ذكرهُ، فالحاجةُ ماسةٌ إلى التنبيهِ على أقسامهِ باعتبارِ ذلكَ (١) / ٣٧أ /:
فأولها: صحيحٌ أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ جميعًا.
الثاني: صحيحٌ انفردَ بهِ البخاريُّ، أي: عنْ مسلمٍ.
الثالثُ: صحيحٌ انفردَ بهِ مسلمٌ، أي عن البخاريِّ » إلى آخرهِ.
ثمَّ قالَ: «وأعلاها: الأولُ وهوَ الذي يقولُ فيهِ أهلُ الحديثِ كثيرًا: صحيحٌ متفقٌ عليهِ. يطلقونَ ذلكَ، وَيَعنونَ بهِ اتفاقَ البخاريِّ ومسلمٍ، لا اتفاق الأمّةِ عليهِ، لكنَّ اتفاقَ الأمةِ عليهِ لازمٌ مِنْ ذلكَ، وحاصلٌ معهُ؛ لاتفاقِ الأمّة على تلقي ما اتفقا عليهِ بالقبولِ، وهذا القسمُ جميعهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٢) » (٣) إلى آخرهِ (٤).
قولهُ: (والرابعُ: ما هوَ على شرطهما) (٥) إنْ قيلَ: ما وجهُ تأخيرِ هذا عما أخرجهُ أحدهما؟ قيلَ: الذي أخرجهُ أحدهما تلقّتهُ الأمةُ بالقبولِ، بخلافِ ما كانَ على شرطهما، ولم يخرجاه، وإنْ كانَ قد يعرضُ للمفوقِ (٦) ما يجعلهُ فائقًا، كأنْ يتفقا على حديثٍ غريبٍ، ويخرجُ مسلمٌ مثلًا، أو غيرُه حديثًا يبلغُ مبلغَ التواترِ، فلا
_________________
(١) ينظر في تعقب العلماء لابن الصلاح في هذا: نكت الزركشي ١/ ٢٤، ونكت ابن حجر ١/ ٣٦٣، وبتحقيقي: ١٦٤، وتوجيه النظر ١/ ٢٩٠.
(٢) ينظر عن مسألة إفادة أحاديث الصحيحين لليقين أو الظن: نكت الزركشي ١/ ٢٧٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٠١، ونكت ابن حجر: ١/ ٣٧١ وبتحقيقي: ١٧٢ - ١٧٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٦ - ٩٧.
(٤) من قوله: «قوله: مراتب الصحيح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٥.
(٦) جاء في حاشية (أ): «اسم مفعول مِنْ فاق».
[ ١ / ١٥٥ ]
شكَّ في أرجحيتهِ، ولا يقدحُ (١) في قولنا: ما اتفقا عليهِ أعلى؛ لأنَّهُ باعتبارِ الإجمالِ (٢).
قولهُ: (ما هو صحيحٌ عندَ غيرهما) (٣)، أي: باستيفاءِ الشروطِ التي ذَكرَها في حدِّ الصحيحِ، وأوردَ على هذا خمسةَ أقسامٍ أُخَرَ:
أولها: المتواترُ فيكونُ أعلى الأقسامِ.
الثاني: المشهورُ الذي فَقَدَ بعضَ شروطِ التواترِ.
الثالثُ: ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وبعدَ هذا ما اتفقا عليهِ إلى آخر السبعةِ التي ذكروها.
الرابعُ مما أوردَ - وهوَ الحاديَ عشرَ -: ما فَقَدَ شرطًا، كالاتّصالِ مثلًا عندَ منْ يعدهُ صحيحًا.
الخامسُ - وهو الثاني عشرَ -: ما فَقَدَ تمامَ / ٣٧ ب / الضبطِ، ونحوه مما ينزله إلى رتبةِ الحسنِ عندَ منْ يُسمّيهِ صحيحًا.
قالَ شيخُنا: «ولا يردُ منها إلا المشهورُ، وهوَ إيرادُ الحافظِ صلاحِ الدينِ العلائيِّ، وأنا متوقفٌ في رتبتهِ، هل هي قبل (٤) ما اتفقا عليهِ أو بعدهُ؟ وأما المتواترُ فلا يردُ؛ لأنَّهُ لا يشترطُ فيهِ عدالةُ الراوي، وكلامنا في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ، سَلّمنا ورودَهُ، ولا يوجدُ متواترٌ إلا وهو فيهما، أو في أحدهما.
_________________
(١) في (ف): «ولا يقع».
(٢) قال الزركشي في النكت ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧: «ويدل لذلك أنهم قد يقدمون بعض ما رواهُ مسلم على ما رواه البخاري لمرجح اقتضى ذلك، ومن رجح كتاب البخاري على مسلم إنما أراد ترجيح الجملة على الجملة لا كل واحد واحد من أحاديثه على كل واحد من أحاديث الآخر».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٦.
(٤) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٥٦ ]
وأمّا ما أخرجهُ الستةُ وهوَ إيرادُ الحافظِ علاءِ الدينِ مغلطاي، فلا يردُ أيضًا؛ لأنَّهُ قسمٌ، لا قسيمٌ، فإنَّ ما أخرجاهُ لا يخلو إمّا أنْ ينفردا بهِ، أو يوافقَهما عليهِ غيرُهما، فهو حينئذٍ قسمٌ مندرجٌ تحتهُ، وتلكَ الأقسامُ متباينةٌ من كلِ وجهٍ، فلا يردُ عليها إلا ما كانَ مباينًا لكلٍ منها. قال: وعلى طريقِ التنَزلِ فكانَ ينبغي أنْ يقالَ: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلاَّ واحدًا منهم، وكذا ما أخرجهُ الأئمةُ الذينَ التزموا الصحةَ، ونحو هذا إلى أنْ تنتشرَ الأقسامُ، فتكثرَ حتى يعسرَ حصرها».
قلتُ: الذي يظهرُ لي - ولم أفهمْ غيرَهُ بعدَ محاورةٍ كبيرةٍ (١) من شيخنا - أَنَّ هذا واردٌ؛ لأنَّ قولَنا: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلا واحدًا وِزَان (٢) قولنا ما أخرجهُ الشيخانِ، ثمَّ ما أخرجهُ أحدُهما، وقولنا: ما أخرجهُ الشيخانِ دونَ ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وزان قولنا: ما أخرجهُ أحدُ الشيخينِ دونَ ما اتفقا عليهِ، واللهُ أعلمُ.
لكن قالَ شيخنا (٣) في " النكتِ ": «منْ لم يشترطْ / ٣٨ أ / في كتابهِ الصحيحَ لا يزيدُ تخريجهُ للحديثِ قوةً، نعم ما اتفقَ الستةُ على توثيقِ رواتهِ، أولى بالصحةِ مما اختلفوا فيهِ، وانِ اتفقَ عليهِ الشيخانِ»، وكلامهُ غيرُ مسلمٍ، أولًا وآخرًا، أما أولًا؛ فلأنَّ أصحابَ السننِ، وإنْ لم يشترطُوا الصحيحَ، فإنّ لركونِ نفوسِ الأمةِ إليهم، وطمأنينتها بهم (٤) وقعًا عظيمًا، يفيدُ ما أخرجوه في كتبهم قوةً إذا صحَّ سندُهُ لجلالتهم في النفوسِ، والقطعِ بإمامتهم، معَ كونِ كتبهم مبوبة، فهم فيما أخرجوهُ فيها في معرضِ الاحتجاجِ بهِ، وأمّا آخرًا؛ فلأنَّ إجماعهم على توثيقِ الرجالِ لايعادُ؛ لاتفاقِ
_________________
(١) في (ك) و(ف): «كثيرة».
(٢) هكذا في جميع النسخ.
(٣) في (ف): «الشيخ».
(٤) «بهم» لم ترد في (ف).
[ ١ / ١٥٧ ]
الأمة على صحةِ المتونِ، واللهُ أعلمُ. (١)
وأما الاثنانِ الآخرانِ فلا يردانِ، لأنَّ الكلامَ في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ. وفائدةُ هذا التقسيمِ تظهرُ عندَ الترجيحِ.
قولهُ: (لأنَّ النسائيَّ) (٢) قلتُ: هما أخرجا منْ أجمعَ على ثقتهِ إلى حينِ تصنيفهما، والنسائيُّ ضعف بعدَ وجودِ الكتابينِ، فلا يقدحُ ذلكَ؛ لأنهما لم (٣) يلتزما أنَّهُ لا يأتي أحدٌ (٤) بعدهما يخالفُ في ذلكَ (٥)، فقالَ شيخنا: «تضعيفُ النسائيِّ إن كَانَ باجتهادهِ، أو نقلهِ عنُ معاصرٍ، فيأتي قولكَ هذا، وإن كانَ ينقلُ عن متقدمٍ فلا، قالَ: والواقعُ في نفس الأَمرِ أَنَّ نقلَ التضعيفِ موجودٌ عن منْ تقدمَ على عصرِهما، ويُمكنُ أَنْ يُجابَ عنِ ابنِ طاهرٍ بأنَّ ما قالهُ هوَ الأصلُ الذي يُبنى عليهِ أمرهما، وَقد يخرجانِ عنهُ لمرجح يقومُ مقامهُ».
قوله: (هذا حاصلُ كلامهِ) (٦) قالَ شيخنا: / ٣٨ب/ «كلامهُ أبسطُ مِنْ هذا، وهوَ أنَّهُ عمد إلى الزهري لكثرةِ أصحابه، فجعلهم خمسَ طبقاتٍ:
_________________
(١) من قوله: «لكن قال شيخنا في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٦.
(٣) «لم» لم ترد في (ك).
(٤) في (ك): «أحدهما».
(٥) وحتى لو كان تضعيف النسائي في محله، فإن هذا لا يقدح في الصحيحين؛ لأن حديث الضعيف ليس كله خطأ، وإنما فيه الصحيح والخطأ، والشيخان ينتقيان من أحاديث من في حفظه شيء، مما عُلم أن هذا الراوي لم يخطأ فيه، بل هو من صحيح حديثه وذلك بالموازنة والمقارنة، والنظر الثاقب، والاطلاع الواسع، وليس ذلك لكل أحد. وانظر في ذلك: صيانة صحيح مسلم: ٩٦، وشرح مسلم للنووي ١/ ٢٥، وهدي الساري: ٥٥٠ و٥٥٧ و٥٦٢ - ٥٦٣، وراجع تعليقنا على شرح التبصرة ١/ ١٢٦، وكتابي أثر علل الحديث: ١٩.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٧.
[ ١ / ١٥٨ ]
الأُولى: مَنْ طالت ملازمتهُ لهُ، بل ما انفكَّ عنهُ حتى كانَ يُزَامله على الراحلةِ في السفرِ، وَيلازمهُ في الحضر مع الإتقانِ التامِّ.
الثانيةُ: مَنْ هم دونَ هؤلاءِ في الإتقانِ، وَالملازمةِ.
الثالثة: مَنْ لم يلازم أَصلًا، أَو إلا يسيرًا مع إتقانٍ، وَلكنهُ دونَ إتقانِ منْ قبلهُ.
الرابعةُ: مَنْ يطلقُ عليهِ اسمُ الصدقِ، ولم يَسلمْ مِنْ غوائلِ الجرحِ.
الخامسةُ: الضعفاءُ.
فالبخاريُّ يخرجُ حديثَ الطبقةِ الأولى، وعن أعيانِ الطبقةِ الثانيةِ، وإنْ أخرجَ عنِ الثالثةِ فيقلُّ جدًا، ويتلابقُ فيهِ بحيثُ إنَّهُ لا يسوقهُ مساقَ الكتابِ بحدثنا، وأخبرَنا، بل يقولُ: روى فلانٌ، وقالَ فلانٌ، وتابعهُ فلانٌ، ونحوَ ذَلِكَ، قالَ: وهذا مما رُجِّحَ بهِ البخاريُّ على مسلمٍ؛ فإنَّ مسلمًا يخرجُ حديثَ الطبقةِ الأولى إنْ وجدَ، ثمَّ حديث الثانيةِ كاملًا، ثمَّ عن أعيانِ الثالثةِ، ثمَّ يقلُّ جدًا عن الرابعةِ، ويؤخرُ حديثهمْ، فيجعلهُ على وجهِ المتابعةِ، لكنهُ يسوقُ الكلَّ مساقًا واحدًا بحدّثنا وأخبرنا، فلا يميزه إلا عارفٌ بالفنِ بأمورٍ خارجيةٍ. قالَ: وأيضًا فإنَّ (١) البخاريَّ إذا أخرجَ عن منْ تكلمَ في حديثهِ أقلّ جدًا مما يخرجُ عنهُ، وأكثرهم منْ مشايخهِ، أو مَن قَرُبَ منهم، فيغلبُ على الظنِّ أنَّهُ أطلعَ (٢) على صحةِ ذَلِكَ الخبرِ الذي يخرجهُ عن أحدهم بأمورٍ خارجيةٍ / ٣٩ أ / ومسلمٌ بخلافِ ذَلِكَ، قالَ: ويأتي في كلامِ الحازميِّ أيضًا ما تقدمَ في كلامِ ابنِ طاهرٍ مِنْ أَنَّ هذا الذي قررهُ هوَ الأصلُ، وقد يخرجانِ عنهُ لمصلحةٍ يرَيانها» (٣).
_________________
(١) «فإن» لم ترد في (ف).
(٢) في (ف): «أطلق».
(٣) شروط الأئمة الخمسة: ٥٧ - ٦٠، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.
[ ١ / ١٥٩ ]
قوله: (إذا كانَ طويلَ الملازمةِ) (١)، أي: لأنَّ طولَ ملازمتهِ تجبرُ وهنه؛ لأنَّهُ يعرفُ بذلكَ صحيحَ حديثِ منْ لازمهُ مِنْ سقيمهِ، ويسمعُ الحديثَ الواحدَ منه مرارًا كثيرةً، فتصيرُ له ملكةٌ قويةٌ بحديثهِ (٢).
قلتُ: قولهُ: (كحمادِ بنِ سلمةَ) (٣) قالَ المصنفُ في " الشرحِ الكبيرِ " بعدَ كلامِ ابنِ طاهر، ثم قالَ: «فإنْ كانَ للصحابي راويانِ فصاعدًا فحسنٌ، وإنْ لم يكنْ له إلا راوٍ واحدٌ، وصحَّ ذَلِكَ الطريقُ إلى ذَلِكَ الراوي أخرجاه، إلا أَنَّ مسلمًا أخرجَ حديثَ قومٍ تركَ البخاريُّ حديثهم لشبهةٍ وقعتْ في نفسهِ، كحمادِ ابنِ سلمةَ، وسهيلِ بنِ أبي صالحٍ، وداودَ بنِ أبي هندٍ (٤)، وأبي الزبيرِ (٥) والعلاءِ بنِ عبدِ الرحمانِ (٦)، وغيرهم».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٧.
(٢) زاد في (ك): «والله أعلم».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٧.
(٤) قال ابن حبان في " الثقات " ٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩: «وكان داود من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه، ولا يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير يخطيء، والوهم القليل يهم حتى يفحش ذلك منه؛ لأن هذا مما لا ينفك منه البشر، ولو ما كنا سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك جماعة من ثقات الأئمة؛ لأنهم لم يكونوا معصومين من الخطأ، بل الصواب في هذا ترك من فحش ذلك منه، والاحتجاج بمن كان منه ما لا ينفك منه بشر». وانظر: تهذيب الكمال ٢/ ٤٣٠.
(٥) قيل لشعبة: مَالَكَ تركت حديث أبي الزبير؟ قال: «رأيته يزن ويسترجح في الميزان» قال ابن حبان في الثقات ٥/ ٣٥٢: «ولم ينصف من قدح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك من أجله» وانظر: الجرح والتعديل ٨/ ٨٧ - ٨٩، وتهذيب الكمال ٦/ ٥٠٣ - ٥٠٥.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٤٦٧ - ٤٦٨، والثقات لابن حبان ٥/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٦٠ ]
والبخاريُّ لَما تكلمَ في هؤلاءِ بما لا يزيلُ العدالةَ والثقةَ تركَ إخراجَ حديثهم استغناءً بغيرهم، فتكلموا في سُهيلِ بنِ أبي صالحٍ في سماعهِ مِنْ أبيهِ، فقيلَ: صحيفةٌ (١)، وتكلموا في حمادٍ بأنَّهُ أدخلَ في حديثهِ ما ليس منهُ، وعندَ مسلمٍ ما صحَّ هذا التكلمُ، فأخرجَ أحاديثهم؛ لإزالةِ الشبهةِ عندهُ.
وقالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ " بعدَ أَنْ نقلَ عن جماعةٍ مِنَ الأئمةِ الثناءَ العظيمَ على حمادٍ بالعلمِ، والثقةِ، والتصلّبِ في السنةِ، والدينِ، والولايةِ حتى إنَّه لو قيلَ له: إنَّكَ /٣٩ ب/ تموتُ غدًا ما قدر أن يزيد في العملِ شيئًا، وأنَّهُ أثبتُ الناسِ في ثابتٍ حتى قالَ ابنُ معينٍ: منْ خالفَ حمادَ بنَ سلمةَ في ثابتٍ، فالقولُ قولُ حمادٍ (٢). وقالَ ابنُ حبانَ: «كانَ منَ العبادِ المجابي الدعوة، ولم يُصِبْ مَنْ جَانَبَ حديثَهُ. واحتجَّ في كتابهِ بأبي بكرِ بنِ عياشٍ، فإنْ كانَ تركهُ إياهُ لما كانَ يخطئُ، فغيرهُ منْ أقرانِه مثلُ الثوري وشعبةَ كانوا يخطئونَ؛ فإنْ زعمَ أَنَّ خطأهُ قد كثرَ حتى (٣) تغيرَ، فقد كانَ ذَلِكَ في أبي بكرِ بنِ عياشٍ موجودًا، ولم يكنْ مِنْ أقرانِ حمادِ بنِ سلمةَ بالبصرةِ مثلهُ في الفضلِ، والدينِ، والنسكِ، والعلمِ، والكتبةِ، والجمعِ، والصلابةِ في السنةِ، والقمعِ لأهلِ البدعِ» (٤). وقد (٥) عرَّضَ ابنُ حبانَ بالبخاريِّ لمجانبتهِ حماد بنِ سلمةَ، واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ عن ذَلِكَ لما ذكرَ أَنَّ مسلمًا أخرجَ أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريُّ حديثهم، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ إمامٌ كبيرٌ مدحهُ الأئمةُ، وأطنبوا لما تكلمَ بعضُ منتحلي المعرفةِ أَنَّ بعضَ الكَذَبَةِ أدخلَ في حديثهِ ما ليسَ منهُ، لم يخرجْ عنهُ البخاريُّ معتمدًا عليهِ، بل استشهدَ بهِ في مواضعَ؛
_________________
(١) انظر: الثقات ٦/ ٤١٧ - ٤١٨، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٣.
(٢) تهذيب التهذيب ٣/ ١٢ وما بعدها.
(٣) في الثقات: «من»، وفي (ف): «حين».
(٤) الثقات ٦/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٥) عاد الكلام هنا لابن حجر.
[ ١ / ١٦١ ]
ليبيّنَ أنَّهُ ثقةٌ، وأخرجَ أحاديثَهُ التي يرويها مِنْ حديثِ أقرانهِ كشعبةَ، وحماد بنِ زيد، وأبي عوانةَ، وغيرهم ومسلمٌ اعتمدَ عليهُ؛ لأنَّهُ رأى جماعةً مِنْ أصحابهِ القدماءِ والمتأخرينَ لم يختلفوا عليهِ.
وقالَ الحاكمُ: «لم يخرجْ مسلمٌ لحمادِ بنِ سلمةَ في الأصولِ إلا منْ حديثهِ عن ثابتٍ، وقد خرَّجَ لهُ في الشواهدِ عن طائفةٍ».
وقالَ البيهقيُّ (١): هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلا أنَّهُ (٢) / ٤٠أ / لما كبرَ (٣) ساءَ حفظهُ، فلذا تركهُ البخاريُّ، وأما مسلمٌ فاجتهدَ، وأخرج مِنْ حديثهِ عن ثابتٍ ما سمعَ منهُ قبلَ تغيّرهِ، وما سوى حديثهِ عن ثابتٍ لا يبلغُ اثني عشرَ حديثًا أخرجه في الشواهدِ، ثمَّ قالَ شيخُنا: وهوَ كما قالَ ابنُ المديني: منْ تكلمَ في حمادِ ابنِ سلمةَ فاتهموهُ في الدّينِ (٤)، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (قالَ: إنَّهُ أودعهُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ كما مضى: «أودعهُ ما ليسَ في واحدٍ مِنَ الصحيحينِ».
وقال في "النكتِ": «ليسَ كذلكَ، فقدَ أودعهُ أحاديثَ مخرجةً في الصحيحِ، وهمًا منه في ذلكَ، وهي أحاديثُ كثيرةٌ، منها حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآنِ ..» الحديث رواهُ الحاكمُ (٦) في مناقبِ
_________________
(١) لم ترد في جميع النسخ وأثبته من " تهذيب التهذيب ".
(٢) جاء في حاشية (أ) من خطّ البقاعي: «بلغ الله به المأمول شهاب الدين الحمصي الشافعي قراءة بحث وتنقيب وتنقير، كتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي».
(٣) جاء في حاشية (أ): «كبر في السن وكبر في القدر».
(٤) هذا القول راجع لابن عدي؛ إذ ذكر ذلك في الكامل ٣/ ٦٤، وانظر: تهذيب التهذيب ٣/ ١٢ - ١٥، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٢٠ - ٢١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٨.
(٦) المستدرك ١/ ١٢٧ وقد قالَ عقبه: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».
[ ١ / ١٦٢ ]
أبي سعيدٍ الخدري، وقد أخرجهُ مسلمٌ في "صحيحه" (١) وقد بينَ الحافظ أبو عبد اللهِ الذهبيُّ في " مختصرِ المستدركِ " (٢) كثيرًا منَ الأحاديثِ التي أخرجها في "المستدركِ"، وهي في الصحيحِ (٣») (٤).
قولهُ: (وليسَ ذلكَ منهم بجيدٍ) (٥) قالَ (٦): بل قد (٧) أجادوا وأصابوا؛ لأنَّ الحاكمَ استعملَ كلمة: «مثل» فيما هوَ أعمُّ مِنْ أَن يكونَ حقيقةً، أو مجازًا في الأسانيدِ، أو في المتونِ، دلَّ على ذلكَ صنيعهُ فإنَّهُ تارةً يقولُ: على شرطهما، وتارةً يقولُ: على شرطِ البخاريِّ، وتارةً: على شرطِ مسلمٍ، وتارةً: صحيح الإسنادِ، ولا يعزهُ إلى شرط واحد منهما، وأيضًا فلو كانَ مقصودُهُ بكلمةِ: «مثل» معناها الحقيقي، حتى يكونَ المرادُ احتجَّ بغيرها ممن فيهمَ منَ الصفاتِ (٨) منَ العدالةِ وسائرِ الشروطِ مثل ما في الرواةِ الذينَ خرَّجا عنهم، لم يقلْ قطُ: على شرطِ /٤٠ب/ البخاريِّ، فإنَّ شرطَ مسلمٍ دونهُ، فما كانَ على شرطهِ (٩) فهو على شرطهما؛ لأنَّهُ حوى شرطَ مسلمٍ وزادَ، وكأنَّ المصنِّفَّ يقولُ: لأي شيءٍ حمل ابنُ الصلاحِ، ومن تبعهُ كلمةَ: «مثل» في كلامِ الحاكمِ على أحدِ معنييها، وهو المجازيُ حتى يكونَ
_________________
(١) صحيح مسلم ٨/ ٢٢٩ (٣٠٠٤) (٧٢).
(٢) انظر على سبيل المثال لا الحصر: " تلخيص المستدرك " ١/ ١٠ و٤٢٢ و٤٩٧ و٥٢٨ و٥٣٠ و٥٤٦.
(٣) من قوله: «قلت: قوله: كحماد بن سلمة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٩ - ٣٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٨.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر».
(٧) لم ترد في (ك) و(ف).
(٨) عبارة: «من الصفات» لم ترد في (ك).
(٩) جاء في حاشية (أ): «أي: البخاري».
[ ١ / ١٦٣ ]
الرواةُ أعيانَ الرواةِ الذينَ رويا عنهم، وجعلوها (١) خارجةً مخرجَ ما في قولكَ: مثلُكَ لا يفعلُ كذا، أي: أنتَ.
وقد علمت دليلَ ما قالوه، قالَ -أي: ابنُ حجرٍ (٢) -: «ووراءَ ذَلِكَ كله، أَن يُروَى إسنادٌ ملفقٌ مِنْ رجالهما، كأنْ يُقالَ: سماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فسماكٌ على شرطِ مسلمٍ فقطْ، لم يخرجْ له البخاريُّ، وعكرمةُ انفردَ بهِ البخاريُّ، والحقُّ أَنَّ هذا ليسَ على شرطِ واحدٍ منهما، وأدقُّ مِنْ هذا أَنْ يرويا عن أناسٍ
ثقاتٍ، ضُعِّفُوا في أناسٍ مخصوصينَ مِنْ غيرِ حديثِ الذينَ ضُعِّفُوا فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ مِنْ طريقِ منْ ضُعِّفُوا فيهِ برجالٍ كلهم في أحدِ الكتابينِ، أو فيهما، فنسبتهُ أنَّهُ على شرطِ منْ خرجَ لهُ غلطٌ، كأنْ يُقالَ في هشيمٍ، عنِ الزهري، كل مِنْ هشيمٍ والزهريِّ أخرجا له، فهو على شرطِهما، فيقال: بل ليسَ على شرط واحدٍ منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيمٍ مِنْ غيرِ حديثِ الزهري فإنَّهُ ضعِّفَ فيهِ؛ لأنَّهُ كان رحلَ إليهِ، فأخذَ عنهُ عشرينَ حديثًا فلقيهُ صاحبٌ لهُ - وهو راجعٌ - فسألهُ: رَوِّنِيهِ، وكانَ ثمَّ ريحٌ شديدةٌ، فذهبتْ بالأوراقِ مِنْ يدِ الرجلِ فصارَ هشيمٌ يُحدِّثُ / ٤١ أ / بما علقَ منها بذهنهِ مِنْ حفظهِ، ولم يكن أتقنَ حفظَها؛ فوهمَ في أشياءَ منها؛ ضُعِّف في الزهريِّ بسببها (٣)، وكذا همامٌ (٤) ضعيفٌ في ابنِ جريجٍ، مع أَنَّ كلًا
_________________
(١) في (ف) «وجعلوا».
(٢) عبارة: «أي: ابن حجر» لم ترد في (ك) و(ف).
(٣) هذه القصة ساقها الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٤/ ٨٧، والذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٣٠٨ وقال الذهبي: «هو لين في الزهري». وانظر: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٢٠.
(٤) وهو همام بن يحيى بن دينار العوذي المحملي البصري. انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٤٢٥ (٧١٩٧)، وميزان الاعتدال ٤/ ٣٠٩.
[ ١ / ١٦٤ ]
منهما (١) أخرجَ (٢) له (٣)، لكن لم يخرجا له عن ابنِ جريجٍ شيئًا، فعلى منْ يعزو (٤) إلى شرطهما، أو شرطِ أحدهما أَنْ يسوقَ ذَلِكَ السندَ بنسقِ (٥) ما (٦) رتبهُ بهِ مَنْ نسبهُ إلى شرطهِ، ولو في موضعٍ مِنْ كتابهِ، فيكون حينئذٍ معَ أمننِا مِنْ ضعفِ رواتهِ، قد أَمِنَّا مِنْ وجودِ علّةٍ فيهِ أو قادحٍ منَ القوادحِ؛ فإنَّ الراوي قد يكونُ ضعيفًا في راوٍ ثقة في غيرهِ كما تقدّمَ، ومن إغفالِ هذا القيدِ أُتي الحاكمُ، وغيرُه ممنْ خرجوا على شرطهما فهوَ مزلّةٌ عظيمةٌ، واللهُ الموفقُ (٧).
قولهُ: (صرحَ في خطبةِ كتابهِ) (٨) عجبٌ معَ قولهِ: (ويحتملُ أَنْ يرادَ ) (٩) إلى آخرهِ، فإنَّ الصريحَ ما لا يحتملُ غيره، كذا قيلَ، وليسَ كذلكَ، فإنَّ الذي لا يحتملُ غيرَ ما ذكرَ لهُ هو النصُّ، وأما الصريحُ فهوَ الظاهرُ، لكنَّ الاحتمالَ الآخرَ لا يعتدُّ بهِ (١٠)، والعذرُ (١١) عنِ المصنفِ أنَّهُ رأى الحملَ على الحقيقةِ - أي: في المثلِ (١٢) - هو الأصلُ، وجعلَ غيرهُ كالعدمِ (١٣).
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: البخاري ومسلم».
(٢) في (ف): «أخرجا».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: لهمام».
(٤) في (ف): «لم يعزو».
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) من قوله: «فيكون حينئذٍ مع أمننا من ضعف » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٨ - ١٢٩، وانظر: المستدرك ١/ ٣.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٩ وتعليقنا عليه.
(١٠) عبارة: «لكن الاحتمال الآخر لا يعتد به» لم ترد في (ف).
(١١) من قوله: «كذا قيل وليس كذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(١٢) عبارة: «أي: في المثل» لم ترد في (ك) و(ف).
(١٣) جاء في حاشية (أ): «وهو أن يراد بالمثل العين».
[ ١ / ١٦٥ ]
وعبارتهُ في " النكتِ " سالمةٌ مِنْ مثلِ هذا، فإنَّه قال - بعد أن قررَ ما فهمهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، والذهبي عنِ الحاكمِ -: «ولكنْ ظاهرُ كلامِ الحاكمِ المذكورِ - يعني: ما نقلهُ عن خطبةِ "المستدركِ" (١) - يخالفُ ما فهموه عنهُ، واللهُ أعلمُ (٢») (٣).
قولهُ: (وفيهِ نظرٌ) (٤) وجهُ النظرِ أنا إذا سلمنا أَنَّ الضميرَ في مثلها يعودُ على الأحاديثِ، لا يلزمُ منهُ أَنَّ المماثلةَ لا تحصلُ إلاَّ /٤١ب/ بالروايةِ عن أعيانِ الرواةِ الذينَ أخرجا لهم، أو أحدهما، بل تكفي المماثلةُ، أي: الموازاةُ في الصحةِ.
قلتُ: قوله: (وقد بينتُ المثليةَ في " الشرحِ الكبيرِ ") (٥) عبارتهُ فيهِ:
«ثمَّ ما المرادُ بالمثلية عندهما، أو عندَ غيرهما، فقد يكونُ بعضُ منْ لم يخرج عنهُ في " الصحيحِ" مثل منْ خرجَ عنهُ فيهِ، أو أعلى منهُ عند غيرِ الشيخينِ، ولا يكونُ الأمرُ عندهما على ذلكَ، فالظاهرُ أنَّ المعتبرَ وجودُ المثليةِ عندهما، ثم المثليةُ عندهما تعرفُ إمّا بتنصيصِهما على أَنَّ فلانًا مثلُ فلانٍ، أو أرفعُ منهُ، وقَلَّ ما يوجدُ ذلكَ، وإمّا بالألفاظِ الدالةِ على مراتبِ التعديلِ، كأنْ يقولا في بعضِ مَنِ احتجا بهِ: ثقةٌ، أو ثبتٌ، أو صدوقٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو غير ذلكَ مِنْ ألفاظِ التوثيقِ، ثمَّ وجدنا عنهما أنهما قالا ذلكَ أو أعلى منهُ في بعضِ منْ لم يحتجا بهِ في كتابيهما، فيستدلُ بذلكَ على أنَّهُ عندهما في رتبةِ من احتجا بهِ؛ لأنَّ مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتها ألفاظُ التعديلِ والجرحِ. ولكنْ هنا أمرٌ فيهِ غموضٌ لا بدَّ مِنَ الإشارةِ إليهِ، وذلكَ أنهم لا يكتفونَ في
_________________
(١) جملة اعتراضية مِنَ البقاعي ﵀.
(٢) من قوله: «وعبارته في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) التقييد والإيضاح: ٣٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٩.
[ ١ / ١٦٦ ]
التصحيحِ بمجردِ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ، مِنْ غيرِ نظرٍ إلى غيرهِ، بل ينظرونَ في حاله معَ منْ رَوَى عنه، في كثرةِ ملازمتهِ له، أو قلتها، أو كونه مِنْ بلدهِ ممارسًا لحديثهِ، أو غريبًا منْ بلدِ منْ أخذَ عنهُ، وهذهِ أمورٌ تظهرُ بتصفّحِ كلامهم، وعملهم في ذلكَ (١)، واللهُ تعالى أعلمُ».
قوله:
٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
/ ٤٢أ / لما ذكرَ أصحَّ كُتبِ الحديثِ، والصحيحَ الزائدَ على " الصحيحينِ "، والمستخرجاتِ، ثمَّ ما يتعلقُ بذلكَ منَ المراتبِ، أشعرَ بانحصارِ الصحيحِ في ذَلِكَ؛ فأشعرَ بسدِّ بابِ التصحيحِ في هذه الأزمنةِ فصرحَ بهِ.
قالَ شيخُنا: «وهذا - أي ردُّ الشيخِ عليهِ، أي: العراقيِّ على ابنِ الصلاحِ (٢) - غيرُ جيدٍ، لأنَّهُ دفعٌ غيرُ مستندٍ إلى دليلٍ، ودعَوَى لا برهانَ عليها، والذي ينبغي أَنَّ تبرزَ علةُ كلِ قولٍ، ويبرهنَ على رجحانِ أحدهما، فأقولُ (٣) وباللهِ التوفيقِ: مقدمةُ عبارةِ ابنِ الصلاحِ: «لأنَّهُ ما مِنْ إسنادٍ مِنْ ذَلِكَ إلا وتجدُ في رجالهِ من اعتمدَ في روايتهِ على ما في كتابهِ عريًا عما يشترطُ في الصحيحِ مِن الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ؛ فإنَّ الأمرَ إذًا في معرفةِ الصحيحِ (٤) والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتمدةِ المشهورةِ التي يؤمنُ فيها لشُهرتها منَ التغييرِ والتحريفِ، وصارَ معظمُ المقصودِ بما يتداولُ مِنَ الأسانيدِ خارجًا عن ذَلِكَ إبقاء
_________________
(١) من قوله: «قلت: قوله: وقد بينت المثلية » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) من قوله: «لما ذكر أصح كتب الحديث » إلى هنا لم يرد في (ك)، والجملة الاعتراضية لم ترد في (ف).
(٣) كتب ناسخ (أ): «أي: ابن حجرٍ».
(٤) من قوله: «من الحفظ والضبط» إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ١٦٧ ]
سلسلةِ الإسنادِ التي خصتْ بها هذه الأمةُ» (١). انتهى (٢).
يمكنُ أنْ يكونَ احترزَ بقولهِ مجرد اعتبارِ الأسانيدِ عنِ المتواترِ، فإنَّهُ يجزمُ بالحكمِ بصحتهِ بالأسانيدِ، معَ ما انضمَّ إليها منَ القرائنِ التي أفادتِ القطعَ بصدقِ نقلتهِ، لا بالأسانيدِ فقط. وقولُ الشيخِ (٣): (عريا عن الضبطِ، والإتقانِ) (٤) قاصرٌ عن قولِ ابنِ /٤٢ ب/ الصلاحِ: «عريًا عما يشترطُ في الصحيحِ من الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ»، فقولهُ: «في الصحيحِ» يفهمُ أنَّهُ لا يمنعُ الاستقلالَ بالجزمِ بالحكمِ بالحسنِ لكنَّ قولهُ عقبهُ: «فآلَ الأمرُ -إذن- في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما (٥) نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ » (٦) إلى آخره، يمنعُ هذا المفهومَ ويوضحُ أَنَّ مرادهُ بالصحيحِ هنا المحتجُ بهِ.
وقوله: (مِنَ الحفظِ ) (٧) إلى آخره، قال شيخنا: «كنتُ أظنهُ مجردَ خطابه ثم ظهرَ لي أنَّهُ يشيرُ بذلكَ إلى أَنَّ الضبطَ الذي قدمهُ في حدِّ الصحيحِ ضبطان:
ضبطُ صدرٍ، وضبطُ كتابٍ، فأشارَ إلى الأولِ بالحفظِ، وإلى الثاني بالضبطِ، والإتقانُ يتعلقُ بكلٍ منهما، وهوَ إشارةٌ إلى تمامِ الذي ذكرناه في الحدِّ، واقتصرَ هو في الحدِّ على ذكرِ الضبطِ، وأرادَ بهِ الشيئينِ (٨)؛ لأنَّ الحدودَ يناسبها الإيجاز من تشبيه لا نسلمُ (٩) أنهُ ما من إسنادٍ إلى آخره؛ لأنَّ هذا النفيَ يحتاجُ إلى استقراءٍ تامٍ،
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣، وتعليقنا عليه.
(٢) من قوله: «مقدمة عبارة ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٩.
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٩.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: الحفظ والضبط».
(٩) عبارة: «من تشبيه لا نسلم» غير مقروءة في (ك).
[ ١ / ١٦٨ ]
وأنى يكونُ ذلكَ، وأيضًا ففي الأحاديثِ ما هوَ مسلسلٌ بالحفاظِ، لكن يدفعُ هذا بأنَّهُ لا يردُ عليهِ إلاَّ حديثٌ ليسَ محكومًا بصحتهِ إجمالًا، ولا تفصيلًا، ورجال سنده كلهم ثقاتٌ، وهذا لا يوجدُ، ومن ادّعى الوجودَ فليبينْ، فنسلمُ حينئذٍ تمامَ استقراءِ ابنِ الصلاحِ، ولا نسلمُ تعذرَ التصحيحِ، فإنَّ شروطَ الصحيحِ التي أحدها الضبطُ ليست مقصودةً لذاتها في شخصٍ معينٍ، وإنما المقصودُ حصولُ معانيها في السندِ، فالمقصودُ منَ الضبطِ الوثوقُ بأنَّ هذا سمعَ هذا الحديثَ مثلًا / ٤٣ أ / من شيخهِ، وهو ممن يصحُ تحمله وأداؤهُ، وهذا حاصلٌ إنْ شاء اللهُ تعالى، أما إذا كانَ ضابطًا فلا بأسَ، وإلا فليسَ الاعتمادُ على قوله، إنما الاعتمادُ على من ضبطَ سماعهُ، وأثبتهُ في طبقةِ السماعِ، أو على خطهِ مثلًا، وتصحيحُ الشيخِ الضابط لهُ؛ فإنّ قولَ الضابطِ الثقةِ الذي أثبته: هذا سمعَ (١) الكتابَ الفلانيَّ مثلًا من فلانٍ، قائمٌ مقامَ قولِ بعضِ الحفاظِ فيما عنعنهُ المدلسُ:
هذا الحديثُ سمعهُ هذا المدلسُ من شيخهِ، وإذا وجدَ ذلكَ فلا نزاعَ في الحكمِ باتصالهِ وصحتهِ إنْ كانَ شيخُ المدلسِ ومن فوقه من رجالِ الصحيحِ، فليكن ضبطُ مثبتِ الطبقةِ لهذا العري كذلكَ، ويوضحُ لكَ (٢) ذلكَ إخراجُ البخاريِّ في صحيحهِ عمنْ تكلمَ فيهِ من مشايخهِ؛ لمعرفته صحة ما يخرجهُ عنه بأمورٍ خارجيةٍ عرفها بكثرةِ ممارستهِ لحديثِ ذلكَ الشيخِ، ومنِ ادّعى فرقًا فليبينْ. قالَ: وهذا عامٌ في الكتبِ المشهورةِ، والأجزاءِ المنثورةِ، وتختصُ الكتبُ الستةُ (٣) المشهورةُ كأبي داودَ مثلًا بأنا لا نحتاجُ فيها إلى إسنادٍ خاصٍ منا إلى مصنفيها، فإنّهُ تواترَ عندنا أنَّ هذا الكتابَ تصنيفُ أبي داودَ مثلًا حتى لو أنكرَ ذلكَ منكرٌ، حصلَ لطلابِ هذا الفنِ
_________________
(١) في (ك): «أسم».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) لم ترد في (أ) و(ك).
[ ١ / ١٦٩ ]
منَ الاستخفافِ بعقلهِ، ما يحصلُ لو قالَ: لم يكنْ في الأرضِ بلدٌ تسمى بغداد، وعنِ الإمامِ نجمِ الدينِ الزاهديِّ من أئمةِ الحنفيةِ (١) - أنّهُ قالَ في " القِنيةِ " (٢): «إنّ الكتبَ المشهورة لا يُحتاجُ فيها إلى إسنادٍ خاصٍ، بل يقطعُ بنسبتها إلى من اشتهرت /٤٣ب/ عنهُ».
وفي الركنِ الثاني وهو المقضي بهِ من البابِ الخامسِ من القسمِ الأولِ من كتابِ " تبصرةِ الحكامِ " لابنِ فرحون المالكيِّ (٣) الجزمُ بذلكَ. ونقلهُ عن سلطانِ العلماءِ الشيخِ عز الدّينِ بنِ عبدِ السلامِ (٤) عن اتفاقِ العلماءِ قالَ: ومنِ اعتقدَ أن الناسَ اتفقوا على الخطأ في ذلكَ، فهو أولى بالخطأ منهم. وقد رجعَ الشرعُ إلى أقوالِ الأطباءِ في صورٍ، وليست كتبهم في الأصلِ إلا عن قومٍ كفارٍ. ولكن لما بَعُدَ
_________________
(١) وهو نجم الدين أبو الرجا مختار بن محمود بن محمد الغزميني الخوارزمي الفقيه الحنفي المعروف بالزاهدي له مصنفات عديدة منها: شرح القدوري، والفرائض، وزاد الأئمة. توفي سنة
(٢) هـ. انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٦٥٨/ ٣٧٠، وهدية العارفين ٦/ ٤٢٣.
(٣) قال حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٣٥٧: «قال المولى تركلي: «والقنية وإن كانت فوق الكتب الغير معتبرة وقد نقل عنها بعض العلماء في كتبهم لكنها مشهورة عند العلماء بضعف الرواية وأن صاحبها معتزلي ذكر في أولها أنه استصفاها من منية الفقهاء لأستاذه بديع ابن أبي منصور العراقي وسماها قنية المنية لتتمم الغنية ورقم أسامي الكتب والمفتين بأول حروفها ».
(٤) وهو القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي من مصنفاته تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات، وكشف النقاب الحاجب على مختصر ابن الحاجب. توفي سنة (٧٩٩ هـ). انظر: ذيل التقييد لأبي الطيب ١/ ٤٣٥، وشذرات الذهب ٦/ ٣٥٧، وهدية العارفين ٥/ ١٨.
(٥) وهو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الحسن بن محمد بن مهذب السلمي عز الدين الفقيه الشافعي صاحب المصنفات العديدة منها أمالي في تفسير القرآن، والإمام في أدلة الأحكام، توفي سنة (٦٦٠ هـ). انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٦٦٠/ ٤١٦، وهدية العارفين ٥/ ٥٨٠.
[ ١ / ١٧٠ ]
التدليسُ فيها جازَ. ونُقلَ نحو ذلكَ عن ابنِ الصلاحِ، والضميريِّ، والعراقيِّ. قالَ القرافيُّ: وعلى هذا تحرمُ الفتيا منَ الكتبِ الغريبةِ التي لم تشتهرْ حتى تتظافرَ عليها الخواطرُ، ويُعلمَ صحةُ ما فيها، وسوّى ابنُ فرحونَ بينَ الكتبِ المشهورةِ، وبينَ الحواشي التي بخطِّ من يوثقُ بهِ، وما فيها موجودٌ في الأمهاتِ، وعزا ذلكَ إلى عملِ العلماءِ في اعتمادهم عليها. وقالَ: وذلكَ موجودٌ في كلامِ القاضي عياضٍ، والقاضي أبي الأصبغِ بنِ سهلٍ، وغيرهما. انتهى ما في " التبصرةِ " (١). فلا يحتاجُ حينئذٍ إلى اعتبارِ رجالِ الإسنادِ الذي يرادُ تصحيحهُ إلا من أبي داودَ فصاعدًا. وأولئكَ يوجدُ فيهمُ الضابطونَ المتقنونَ الحفّاظُ بكثرةٍ. قالَ: وإلى كونِ المصنّفاتِ المشهورةِ تواترتْ نسبتُها إلى مصنّفيها نظر ابن الصلاح في تحريرهِ الحكمَ بصحةِ ما نصَّ أحدُ الأئمةِ في مصنفهِ المشهورِ على تصحيحهِ، وهذا واضحٌ من قولهِ: «فآلَ الأمرُ إذن في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ في تصانيفِهم المعتمدةِ المشهورةِ التي يؤمن فيها؛ لشهرتها من التغييرِ والتحريفِ» (٢) فنلزمهُ من هنا بالمصيرِ إلى ما قلنا من إمكانِ التصحيحِ. أو بالفرقِ، فنقولُ: الإسنادُ الذي وَصلَ إلينا بهِ قولُ ذلكَ المصنفِ: هذا حديثٌ صحيحٌ، هوَ الذي وصلَ إلينا بهِ جميع ذلكَ الكتابِ، فإمّا أنْ نعتبرَهُ في كلِ فردٍ فرد (٣) من أحاديثهِ، وأحكامهِ على بعضِ الأحاديثِ بالصحةِ، وإمّا أنْ لا نعتبرَهُ أصلًا، ويكونَ الاعتمادُ في جزمِنا بنسبتهِ إلى مصنفهِ ما حصلَ من شهرتهِ، ولا فرقَ في هذا بينَ الأحاديثِ والحكمِ عليها، واللهُ الموفقُ.
_________________
(١) من قوله: «وعن الإمام نجم الدين الزهدي » إلى هنا لم يرد في (ك)، ومن قوله: «وفي الركن الثاني» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٣) لم ترد في (ك).
[ ١ / ١٧١ ]
وقولهُ: «فإنّا لا نتجاسرُ على جزمِ الحكمِ بصحتهِ» (١) يقتضي أنَّهُ لا يمنعُ أن يقالَ هذا صحيحٌ فيما أظنُّ وما أشبهَ ذلكَ مما يشعرُ بالترددِ. وقولُ الشيخِ (٢):
«فقد صحّحَ غيرُ واحد ..» (٣) إلى آخرهِ لا ينهضُ دليلًا على ابنِ الصلاحِ فَأنعِمْ تأمّلَ هذا الفصلَ فإنّهُ من النفائسِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (كأبي الحسنِ بنِ القطانِ) (٤) قالَ الشّيخُ في "النكتِ ": «فَمِنَ المعاصرينَ / ٤٤ أ / لابنِ الصلاحِ أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ القطانِ (٥) - أي: الفاسي - صاحبُ كتابِ "بيانِ الوهمِ والإيهامِ " وقد صحّحَ في كتابهِ المذكورِ عدّةَ أحاديثَ، منها حديثُ ابنِ عمرَ: «أنّهُ كان يتوضأُ ونعلاهُ في رجليهِ، ويمسحُ عليهما، ويقولُ: كذلكَ كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يفعلُ» (٦) أخرجهُ أبو بكرٍ البزارُ (٧) في "مسندهِ"، وقالَ ابنُ القطانِ: إنّهُ حديثٌ صحيحٌ (٨)، ومنها حديثُ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٢) يعني العراقي.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة١/ ١٣٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٠.
(٥) توفي في سنة (٦٢٨ هـ)، وانظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٠٦، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٧.
(٦) بيان الوهم والإيهام (١٥٦٩) و(٢٤٣٢).
(٧) لم أقف عليه في المطبوع من مسند البزار، وسرد سنده ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٢٢ إذ قالَ: «قال أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر» فذكره، وقال: «قال-أي البزار-: هذا حديث لا نعلمه رواه عن نافع إلاَّ ابن أبي ذئب، ولا نعلم رواه عنه إلاَّ روح، وإنما كان يمسح عليهما؛ لأنَّه توضأ من غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا انتهى كلام البزار. وقد سلم صحة الحديث، وذلك ما أردنا».
(٨) بيان الوهم والإيهام ٤/ ١٢٥ و٥/ ٢٢٢.
[ ١ / ١٧٢ ]
أنسٍ: «كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ينتظرونَ الصلاةَ فيضعونَ جُنُوبَهم، فمنهم من ينامُ، ثمَّ يقومُ إلى الصلاةِ» رواه هكذا قاسمُ بنُ أصبغَ وصححه ابنُ القطانِ، فقال: وهو كما ترى صحيحٌ (١). وتوفي ابنُ القطانِ هذا وهوَ على قضاءِ سِجِلْماسةَ (٢) من المغربِ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وست مئة (٣)، ذَكرهُ ابنُ الأبار في " التكملةِ ".
وممن صحّحَ أيضًا من المعاصرينَ له الحافظُ (٤) ضياءُ الدينِ محمدُ بنُ عبدِ الواحد المقدسيُّ، فجمعَ كتابًا سمّاه "المختارة " (٥) التزمَ فيهِ الصحةَ، وذكرَ فيهِ أحاديثَ لم يُسبقْ إلى تصحيحها، فيما أعلمُ، وتوفي الضياءُ المقدسيُّ في السنةِ التي ماتَ فيها ابنُ الصلاحِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئةٍ (٦)، وصحّحَ الحافظُ زكيُ الدينِ عبدُ العظيمِ بنُ عبدِ القويِ المنذريُّ حديثًا في جزءٍ له جمعَ فيهِ ما وردَ فيهِ: «غفرَ لهُ ما تقدّمَ من ذنبهِ، وما تأخّرَ»، وتوفي الزكي عبدُ العظيمِ سنةَ ستٍ وخمسينَ وست مئةٍ (٧)، ثمّ صحّحَ الطبقةُ التي تلي هذهِ أيضًا، فصححَ أيضًا (٨) الحافظُ شرفُ الدينِ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ / ٤٤ب / الدمياطيُّ حديثَ جابرٍ مرفوعًا: «ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ له» في جزءٍ جَمعهُ في ذلكَ، أوردَهُ من روايةِ عبدِ الرحمانِ بنِ أبي الموّال، عن
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٥٨٩ (٢٨٠٦) وسرد إسناد قاسم بن أصبغ.
(٢) بكسر أوله وثانيه، وسكون اللام، وبعد الألف سين مهملة: مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيام. مراصد الاطلاع ٢/ ٦٩٤.
(٣) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦٢٨): ٣٢١.
(٤) في (ف): «الحفاظ».
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: الأحاديث».
(٦) انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٦٤٣/ ٢٠٨ - ٢١٤.
(٧) انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٦٥٦/ ٢٦٨ - ١٧٠.
(٨) لم ترد في (ف).
[ ١ / ١٧٣ ]
محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ، ومن هذه الطريقِ رواهُ البيهقيُّ في " شُعبِ الإيمانِ " (١)، وإنما المعروفُ روايةُ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ، عنِ أبي الزبير (٢)، كما رواهُ ابنُ ماجه (٣)، وضعفهُ النوويُ، وغيره من هذا الوجهِ، وطريقُ ابنِ عباسٍ (٤) أصحُّ من طريقِ جابرٍ، ثمَّ صححت الطبقةُ التي تلي هذهِ وهم شيوخُنا، فصَحّحَ الشيخُ تقيُ الدينِ السبكيُّ حديثَ ابنِ عمرَ في الزيادةِ في تصنيفهِ المشهورِ كما أخبرني بهِ، ولم يزلْ ذلكَ دأبُ من بلغَ أهليةَ ذلكَ منهم، إلا أنَّ منهم من لا يقبلُ ذاكَ منهم، وكذا كانَ المتقدمونَ ربما صحّحَ بعضُهم، فأُنكِرَ عليهِ تصحيحُهُ، واللهُ أعلمُ (٥») (٦).
قولهُ: (حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعلِيْق) (٧) عطفهُ «التعليقَ» من عطفِ الخاصِّ على العامِ، وصرّحَ بهِ؛ لأنَّ الصحة والضعفَ يتجاذبانهِ، فمنْ حيثُ ضمهُ إلى
_________________
(١) شعب الإيمان (٤١٢٨)، وأخرجه من هذا الطريق أيضًا الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٠/ ١٦٦.
(٢) في (أ) و(ف): «ابن المنكدر» والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) سنن ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (١٤١٣٧)، والطبراني في " الأوسط " (٨٤٩)، والبيهقي ٥/ ١٤٨، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ١٧٩ من طريق عبد الله بن مؤمل، به. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٣٨١٥) من طريق حمزة الزيات، والبيهقي ٥/ ٢٠٢ من طريق إبراهيم بن طهمان، كلاهما عن أبي الزبير، به. وانظر: التلخيص الحبير ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١ (١٠٧٦).
(٤) حديث ابن عباس أخرجه: الدارقطني ٢/ ٢٨٩، والحاكم في " المستدرك " ١/ ٤٧٣ من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
(٥) من قوله: «والله أعلم. قوله: كأبي الحسن بن القطان » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٣ - ٢٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٤.
[ ١ / ١٧٤ ]
الصحيحِ يظنُّ بهِ الصحةَ، ومن حيثُ قطعهُ وسوقهُ غير مساقِ الكتابِ يظنُّ بهِ غيرُ ذلكَ.
قولهُ: (واقطعْ بصحةٍ لما) (١) قالَ شيخُنا: لو قالَ: «الذي» موضع «لما» كانَ أرشق.
قلتُ: لا يقالُ: قوله: (وقيلَ ظنًا) (٢) غيرُ متوارد معَ (واقطع بصحة) (٣) على محلٍ واحدٍ؛ لأنَّ القطعَ في نفسِ الحديثِ، والظن في مفاده وما تضمنهُ من المعنى، ويشهدُ لذلكَ قولُ ابنِ الصلاحِ إنَّهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٤)، والعلمُ اليقينيُ النظريُ واقعٌ بهِ (٥) فَجَعَلَهُما دعوتينِ:
الأولى: ترجعُ إلى الصحةِ.
والثانيةُ: إلى المفادِ بالخبرِ / ٤٥أ /؛ لأنَّ من المفادِ بالخبرِ الذي أسنداهُ نسبتهُ إلى من عُزِيَ إليه، وليسَ المرادُ بالصحةِ إلا هذا، وهو مطابقةُ هذهِ النسبةِ للواقعِ، وهذا هو المرادُ من قولهم: «العلمُ النظريُ واقعٌ بهِ بغيرِ شكٍ» (٦)؛ لأنَّ مدلولَ ألفاظِ المتنِ تارةً تكونُ نصًا (٧) صريحًا في المعنى لا يحتمل غيره، وتارةً لا تكون، فلو كان المرادُ غيرَ صحةِ النسبةِ إلى القائلِ لفصلُوا، فقالوا: يفيدُ العلمَ إنْ كانَ صريحًا (٨) في المرادِ، وإلاّ لم يفدْ، والله أعلمُ (٩).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي بصحة نسبتهِ إلى من عزي إليه».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٧) «نصًا» لم ترد في (ف).
(٨) في (أ): «نصًا».
(٩) من قوله: «قلت: لا يقال قوله: وقيل ظنًا » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١٧٥ ]
قوله: (مضعف) (١) صفةٌ لبعضٍ، أي: في الصحيحينِ بعضُ شيءٍ من الحديثِ، والأثر مضعفٍ قد ذكرَ فيهما، ولو قيلَ: «مضعفًا» بالنصبِ لطرقه احتمالُ أنْ يكونَ المعنى رَوَى حالَ كونهِ منبهًا (٢) على ضعفهِ (٣).
قولهُ: (ولهما بلا سندٍ أشيا ..) (٤) إلى آخرهِ، يَدُلُّكَ على أنَّ مرادَهُ التعليقُ قرينة قولهِ: «فإنْ يجزم فصحح»، ويدخلُ في هذا من غيرِ احتياجٍ إلى تقديرِ محذوفِ ما حذفا جميع سندهِ، كأن يقالَ: وقالَ فلانٌ كذا وكذا، ويُذكَر شيءٌ من مَقولِ ذلكَ الرجل، أو يقالُ: وقالَ النّبيُّ - ﷺ - كذا. ويدخلُ فيهِ معَ تقديرِ ما قطعَ سندهُ مما يليهما، وذكرَ بعضه من الأثناء فحينئذٍ يكونُ المرادُ بلا سندٍ كاملٍ (٥).
قولهُ: (بأنَّهُ لا يفيدُ في أصلهِ إلا الظنَّ) (٦) يعني: بأصلهِ الصحيح من حيثُ هو قبلَ احتفافهِ بتلقّي الأمةِ، أو غيرهِ منَ القرائنِ فإذا سُلمَ ذلكَ، صار الصحيحُ المتلقّى بالقبولِ (٧) والصحيحُ المجردُ سواء في الأرجحيةِ، وهذا مما لا يكونُ (٨).
_________________
(١) انظر: التبصرة والتذكرة (٤٢).
(٢) جاء في حاشية (أ): «وما نبه على ضعفه لا البخاري ولا مسلم».
(٣) وهذا احتمال وإن ورد غير لازم، وانظر: تعليقنا على متن الألفية.
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٢).
(٥) من قوله: «قوله: ولهما بلا سند أشيا » إلى هنا، جاء في (ك) بعد قوله: «ولا في شيءٍ من حاله» وما في (أ) و(ف) أصحّ؛ لأنه جاء على الترتيب.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٤. وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) من قوله: «قوله: بأنه لا يفيد في أصله » إلى هنا، جاء في (ك) بعد قوله: «أو هيئة يزول بها الإشكال، والله أعلم» وما في (أ) أصحّ؛ لأنه جاء على الترتيب.
[ ١ / ١٧٦ ]
قولهُ: (لأنَّ ظنّ من هوَ معصومٌ) (١) /٤٥ ب/، أي: هذهِ الأمةُ معصومةٌ فيما أجمعت عليهِ. قالَ شيخُنا: «إنما أجمعوا على الحكمِ بصحتهِ، بمعنى أنّهُ ليسَ فيهِ ما يضعفُ بهِ، بسببِ فقدِ شرطٍ من شروطِ الصحيحِ، بل جميعُ ما فيهِ جامعٌ للشرائطِ في الظاهرِ، وهذا لا يقتضي القطعَ بالصحةِ، بمعنى أنَّ رواتَهُ لم يَهِمْ (٢) أحدٌ منهم في نفسِ الأمرِ مثلًا، وهو حينئذٍ من خبرِ الآحادِ الذي احتفَّ بالقرائنِ، فيفيدُ العلمَ النظريَّ؛ لأنّهُ لا نزاعَ في أنّهُ أرجحُ من صحيحٍ لم يحصل له هذا التلقي، واللهُ أعلمُ.
وعلى تقديرِ تسليم أنّهُ مقطوعٌ بصحتهِ ينبغي استثناءُ ما يتنافى مفهوماه، كما استثنى ما ضَعّفهُ بعضُ الحفّاظِ، لأنَّ الصحيحَ في نفسِ الأمرِ لا يقعُ فيهِ الاختلافُ، إلا أنْ يقالَ: التعارضُ إنما هو بالنسبةِ إلى أفهامنا في حيّز الاختيارِ (٣). وقد يظهرُ للمجتهدِ نفسهِ (٤) في غيرِ ذلكَ الوقتِ أو لغيرهِ وجهُ الجمعِ وعلى تقديرِ أنْ لا يظهرَ، فيحتملُ أنْ (٥) يكونَ ذلكَ لإسقاطِ بعضِ الرواةِ لفظةً، أو هيئةً، يزولُ بها الإشكالُ، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (لا يخطىءُ) (٦) مُسلّمٌ، وهي لم يخطئُ ظنها (٧) في الموافقةِ على صحتهِ بمعنى أنّهُ مُستجمعٌ للشرائطِ في الظاهرِ، فأفادَ تلقّيهم لَهُ (٨) بالقبولِ وجوبَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٢) جاء في حاشية (أ): «من وهم يهم».
(٣) في (ف): «الاعتبار».
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) زاد بعدها في (ك): «لا».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) لم ترد في (ف).
[ ١ / ١٧٧ ]
العملِ بما في الصحيحينِ مُطلقًا من غيرِ نظرٍ فيهِ بخلافِ ما في غيرِهما، فإنّهُ لا يُعملُ بهِ حتى يُنظرَ فيهِ، وتوجدَ فيهِ شروطُ الصحيحِ.
قولهُ: (ابنُ طاهرٍ المقدسي) (١) حُكِيَ عن ابنِ الملقنِ أنَّهُ قالَ: «وأغربَ ابنُ طاهرٍ فنقلَ / ٤٦ أ / في كتابهِ " صفوةِ التصوفِ " الإجماعَ أيضًا على ما كانَ على شرطِهما» (٢).
قوله: (المحققونَ، والأكثرونَ) (٣) قلتُ: تتمةُ كلامِ النوويِّ (٤): لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا تفيدُ إلا الظنَّ، ولا يلزمُ من إجماعِ الأمةِ على العملِ بما فيها إجماعُهم على أنَّهُ مقطوعٌ بأنَّهُ من كلامِ رسولِ اللهِ - ﷺ -. قالَ: وقدِ اشتدَّ إنكارُ ابنِ برهانَ الإمامِ على من قالَ بما قالهُ الشيخُ، وبالغَ في تغليطهِ. قالَ الشّيخُ (٥) في " النكتِ ": «وقد عابَ الشيخُ عزُ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ على ابنِ الصلاحِ هذا، وذكرَ أنَّ بعضَ المعتزلةِ يرونَ أنَّ الأمةَ إذا عَملتْ بحديثٍ اقتضى ذلك القطعَ بصحتهِ، قال: وهو مذهبٌ رديءٌ» (٦)، قالَ بعضُ أصحابِنَا: وقالَ ابنُ كثيرٍ - بعدَ أن نَقلَ كلامَ ابنِ الصلاحِ -: «وهذا جيدٌ»، ثمَّ نقلَ كلامَ النوويِّ، وقالَ: «قلتُ: وأنا معَ ابنِ الصلاحِ فيما عوَّلَ عليهِ، وأرشدَ إليهِ» (٧) وقالَ شيخُنا: «كلامُ النوويِّ (٨) مسلّمٌ من جهةِ الأكثرينَ، وأمّا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٢) من قوله: «فأفاد تلقيهم له بالقبول » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٤) انظر: التقريب مع التدريب ١/ ١٣٢.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٦) التقييد والإيضاح: ٤١ - ٤٢.
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ١٢٦، وبتحقيقي: ٩٥.
(٨) من قوله: «قلت: تتمة كلام النووي » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١٧٨ ]
المحققونَ فلا، فقد وافقَ ابنَ الصلاحِ محققونَ أيضًا منهم: الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفراييني، والقاضي أبو بكر بنُ فورك» (١).
قولهُ: (ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ أنّ ما أسنداهُ) (٢)، أي: أو أحدهما، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ عقبَ ما تقدّمَ من نقلِ الشيخِ عنهُ: «والأمةُ في إجماعِها معصومةٌ من الخطأ، ولهذا (٣) كان الإجماعُ المبني (٤) على الاجتهادِ حجةً مقطوعًا بها، وأكثرُ إجماعاتِ العلماءِ كذلكَ. وهذهِ نكتةٌ نفيسةٌ نافعةٌ، ومن فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ، أو مسلمٌ /٤٦ب/ مُندرجٌ في قبيلِ ما يقطعُ بصحتهِ؛ لتلقّي الأمةِ كلَّ واحدٍ من كتابيهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصّلناهُ من حالهما فيما سبقَ سوى أحرفٍ ..» (٥) إلى آخره.
قوله: (سوى أحرفٍ يسيرةٍ) (٦) قالَ في "النكتِ": «قد أجابَ عنها العلماءُ بأجوبةٍ، ومعَ ذلكَ فليست بيسيرةٍ، بل هي مواضع كثيرةٌ، وقد جمعتُها في تصنيفٍ مع الجوابِ عنها (٧») (٨).
_________________
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٤٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٣) بعد هذا في (ف): «ولما».
(٤) في (ف): «المبتني».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧، وعلقت هناك بقولي: «هي ليست باليسيرة، فقد بلغت انتقادات الدارقطني وحده (٢١٨)، وهذا فيما سوى ما انتقده أبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل بن عمار، وأبو علي الجياني ..».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٧) من قوله: «قوله: ولما ذكر ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) التقييد والإيضاح: ٤٢.
[ ١ / ١٧٩ ]
قولهُ: (كالدارقطني) (١) قالَ شيخُنا: «الدارقطني ضَعّفَ من أحاديثِهما مئتينِ وعشرةً، يختصُ البخاريُّ بثمانينَ، واشتركا في ثلاثينَ، وانفردَ مسلمٌ بمئةٍ (٢). قالَ: وقد ضعفَ غيره أيضًا غيرَ هذهِ الأحاديثِ». وقالَ النوويُّ في خطبةِ " شرحِ صحيحِ البخاري ": «إنَّ ما ضُعّفَ من أحاديثِهما مبنيٌ على عللٍ ليست بقادحةٍ» (٣)، قالَ: فكأنَّهُ مالَ بهذا إلى أنّهُ ليسَ فيهما ضعيفٌ. وكلامه في خطبةِ " شرحِ مسلمٍ " يقتضي تقريرَ قولِ من ضعّفَ (٤). قال شيخُنا: «وأظنُّ هذا بالنسبةِ إلى مقامِ الرجلينِ، وأنّ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٢) اختلفت هذه الإحصائية قليلًا في كلام ابن حجر في هدي الساري: ٥٠٦ إذ قال: «وعدة ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مئة وعشرة أحاديث منها ما وافقه مسلم على تخريجه وهو اثنان وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية وسبعون حديثًا» فذكر هنا أن ما تفرد بتخريجه البخاري ثمانية وسبعين حديثًا في حين نقل المؤلف أنها ثمانون، وأن ما اشترك بتخريجه مع مسلم اثنان وثلاثون في حين ذكر المؤلف عنه أنها ثلاثون، وكذلك فإنه لم يذكر عدد الأحاديث التي تفرد بتخريجها مسلم.
(٣) نقل ابن حجر كلام النووي في هدي الساري: ٥٠٥ إذ قال: «وقال في مقدمة شرح البخاري: فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدّثين ضعيفة جدًا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك».
(٤) ونص كلام النووي في شرح صحيح مسلم ١/ ٢٧: «وقد استدرك جماعةٌ على البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها، ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد ألف الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع وذلك في مئتي حديث مما في الكتابين، ولأبي مسعود الدمشقي عليهما استدراك أكثره على الرواة عنهما، وفيه ما يلزمهما، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره »، وعبارة: «وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره » مشعرة أن الإمام النووي لا يزال على رأيه المتقدم الذي نقله ابن حجر من أنها اعتراضات لا يطعن فيها على البخاري ومسلم وأن ما اعترض عليهما قد رد كله أو أكثره، لا كما ذهب إليه البقاعي من أنه يدفع عن البخاري ويقرر على مسلم وكما سيأتي.
[ ١ / ١٨٠ ]
الشّيخَ يدفعُ عنِ البخاريِ، ويقررُ على مسلمٍ».
قوله: (لا يحتمل مخرجًا) (١)، أي: لا يكونُ له مكانٌ يحتملُ أنْ يخرجَ منهُ، فيمشي بينَ الناسِ، وذلكَ كنايةٌ عن تقبلهِ، والإقبالِ على العملِ بهِ، والإذعانِ له (٢).
قوله: (الإسراءُ) (٣) تجوزٌ عنِ المعراجِ؛ فإنَّ الحديثَ المشارَ إليهِ لم تذكرْ فيهِ قصةُ الإسراءِ، وكأنّه ذكره (٤) باعتبارِ معناه اللغوي، وهو مطلقُ السيرِ بالليلِ.
قولهُ: (والآفةُ فيهِ من شَرِيكٍ) (٥) قالَ شيخُنا: «الحديثُ (٦) هو عن أنسٍ: «أنّ النّبيّ - ﷺ - جاءهُ ثلاثةُ نفر قبل أنْ يُوحَى إليه، وهوَ / ٤٧أ / نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقالَ أولُهم: أيّهم هوَ؟ فقالَ أوسطُهم: هوَ خيرهُم، فقالَ آخرُهم: خذوا خيرَهم، فكانت تلكَ الليلةُ فلم يَرَهم حتى أتوهُ ليلةً أخرى فيما يرى قلبهُ، وتنامُ عينهُ، ولا ينامُ قلبه، وكذلكَ الأنبياءُ تنامُ أعينُهم، ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلّموهُ حتى احتملوهُ، فَوضعُوهُ عندَ بئرِ زمزم، فتولاهُ منهم جبريلُ، فشقَّ جبريلُ ما بينَ نحرِه إلى لبتهِ (٧)، قالَ: ثمَّ عرجَ بهِ » الحديث (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٢) من قوله: «قوله: لا يحتمل مخرجًا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦.
(٤) «ذكره» لم ترد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦.
(٦) جاء في حاشية (أ): «في آخر البخاري في باب ما جاءَ في قول الله: «وكلم الله موسى تكليما».
(٧) زاد بعدها في (ك) و(ف): «حتى».
(٨) رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أخرجها: البخاري في " صحيحهِ "٤/ ٢٣٢ (٣٥٧٠) و٩/ ١٨٢ (٧٥١٧) وفي " خلق أفعال العباد "، له: ٢٦ و٦٩، ومسلم في " صحيحه " ١/ ١٠٢ (١٦٢) (٢٦٢).
[ ١ / ١٨١ ]
فأنكرَ في هذا الحديثِ ذكرَ المعراجِ، وشقَ الصدرِ قبلَ الوحي.
والجوابُ: أنَّ الحديثَ لم يتضمنْ ذلكَ؛ فإنَّ قوله: «ثم جاءوا» لا مانعَ من أنْ يكونَ زمنُ المجيءِ الثاني بعدَ تلكَ الليلةِ بدهرٍ طويلٍ، أوحيَ إليهِ في أثنائهِ، وليسَ في الحديثِ ما يُعينُ أنَّ المجيءَ الثاني كان (١) في تلكَ الليلةِ، أو الليلةِ التي تليها (٢)، وأما شقُّ الصدرِ فعلى تقديرِ تسليمِ أنّ ذلكَ قبلَ الوحي، فلا مانعَ منهُ، فقد شُقَّ صدرُهُ الشريفُ خمسَ مراتٍ في بلادِ بني سعدٍ، وهوَ في حدودِ الثلاثِ سنينَ، وعندَ المراهقةِ لما فَقَدهُ جدُّهُ عبدُ المطلبِ، وطافَ بالبيتِ، وتوسّلَ في ردّهِ عليهِ وأنشدَ تلكَ الأبياتِ الدالية التي فيها رد راكبي محمدًا، وعندَ الإسراءِ بروحهِ في المنامِ، وعند الإسراءِ بالروحِ والجسدِ في اليقظةِ، والخامسةُ أظنها عندَ البعثِ. وشَقُّ الصدرِ في حديثِ الإسراءِ في كتابِ البخاريِّ من روايةِ شريكٍ أيضًا (٣) / ٤٧ ب /.
قوله: (عن أبي زميل) (٤) هو بضمِ الزاي، واسمه سماكُ بنُ الوليدِ الحنفيُّ، ليسَ بهِ بأسٌ (٥) (٦).
وقوله: (هذا حديثٌ موضوعٌ لا شكَ في وضعهِ) (٧) قالَ شيخنا: «أمّا عكرمةُ فلا شكَّ في ثقتهِ وإمامتهِ، وأمانتهِ، والتجاسرُ على الحكمِ عليهِ بأنّهُ يضعُ شديدٌ لا سيّما وما قالهُ يمكنُ أنْ يوجهَ بأنها بنتٌ أخرى اسمها أمُّ حبيبةَ، لكنْ يعكر
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) انظر: فتح الباري ١٣/ ٥٨٧ عقب (٧٥١٧).
(٣) انظر: فتح الباري ١٣/ ٥٨٨ عقب (٧٥١٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦.
(٥) من قوله: «وشق الصدر في حديث الإسراء » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) انظر: التقريب (٢٦٢٨).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦.
[ ١ / ١٨٢ ]
عليهِ قولُ النبيِّ - ﷺ - في جوابِ ذلكَ: «نعم» (١)، أو بأنّهُ أرادَ أن يجددَ نكاحَ أمِّ حبيبةَ أمِ المؤمنينَ -﵂-؛ لكونِ النكاحِ الأولِ كانَ بغيرِ إرادته، ويغبرُ في (٢) وجههِ.
قولهُ: (عندي) (٣) وعلى تقديرِ عدمِ توجيههِ بوجهٍ واضح، فالذي ينبغي أن يقالَ في حقِّ عكرمةَ: وَهمَ في حديثهِ، أخطأَ، خالفهُ الحفّاظُ، ونحو ذلكَ من العباراتِ، ولا يقدحُ ذلكَ في مطلقِ حفظهِ، ولا في شيءٍ من حالهِ.
قوله: (وقد أفردتُ كتابًا) (٤) قالَ شيخُنا: «هذا الكتابُ لم يبيضْ، وعُدمَت مسودتُه» (٥) (٦).
قولُهُ: (بعدَ مقدمةِ الكتابِ) (٧) احترزَ بهِ عن قوله في المقدمةِ: وقالت عائشةُ -﵂- (٨): «أَمَرنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم» (٩).
_________________
(١) الحديث هو ما رواه عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال للنبي - ﷺ -: ثلاث أعطنيهنَّ، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال: نعم .. الحديث، وهو في صحيح مسلم ٧/ ١٧١ (٢٥٠١). وانظر في توجيه الإيرادات الواردة حول الحديث في شرح صحيح مسلم ٨/ ٢٤٧ عقب (٢٥٠١) للنووي.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: عليه بعض غبار».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧.
(٥) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٣٨٠، وبتحقيقي: ١٨٠.
(٦) من قوله: «قوله: وقد أفردت كتابًا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧.
(٨) عبارة: «﵂» لم ترد في (ك).
(٩) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٦ ط فؤاد، و١/ ٥ ط الإستانبولية والحديث أخرجه أحمد في الزهد
(١٠) ، وأبو داود (٤٨٤٢)، وأبو يعلى (٤٨٢٦)، وابن خزيمة كما في إتحاف المهرة=
[ ١ / ١٨٣ ]
قوله: (وفيهِ) (١)، أي: في مُسلمٍ (٢) مواضعُ أُخَرُ يسيرةٌ، قال شيخُنا: «عدتُها، اثنا عشرَ فهي بالموضعِ الذي ما ذكرهُ إلا تعليقًا ثلاثةَ عشرَ (٣). قالَ: وقد بيَّنها الرشيدُ العطارُ في "الغررِ المجموعةِ " وحررتُها في الكلامِ على مقدمةِ "شرحِ مسلمٍ"». انتهى.
وبخطِّ بعضِ أصحابنا عن ابنِ كثيرٍ: أنها أربعةَ عشرَ (٤)، وأنَّ أبا عليٍّ الغساني ذكرها. انتهى.
وكذا عَدَّها الشيخُ في " النكتِ " أربعةَ عشرَ (٥) فقالَ: «فيها بعدَ حديث أبي الجهيمِ، وقالَ مسلمٌ في البيوعِ (٦): «ورَوَى الليثُ بنُ سعدٍ، حدّثني جعفرُ بنُ ربيعةَ، عن عبدِ الرحمانِ بنِ هرمزَ، عن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ / ٤٨ أ / بن مالكٍ، عن كعبِ بنِ مالكٍ: أنَّه كانَ لهُ مالٌ على عبدِ اللهِ بنِ أبي حدردَ الأسلميِّ ..» الحديثَ، وقالَ في الحدودِ (٧): «وَرَوَى الليثُ أيضًا عن عبدِ الرحمانِ بنِ خالدِ بنِ مسافرٍ، عن
_________________
(١) = ١٧/ ٥٧٤ (٢٢٨٢١) والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٤٨، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم (٥٧) من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة ﵂، به. وقد صحح هذا الحديث الحاكم في معرفة علوم الحديث، وابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٠ والصواب أن إسناده ضعيف لانقطاعه فإن ميمون بن أبي شبيب لم يدرك عائشة ﵂. انظر تعليقي على الذيل على صحيح ابن خزيمة (٣٣٠٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧.
(٣) عبارة: «أي في مسلم» لم ترد في (ك).
(٤) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٣٤٤، وبتحقيقي: ١٥٠وتعليقي عليه.
(٥) انظر: اختصار علوم الحديث ١/ ١٢١، وبتحقيقي: ٨٩.
(٦) التقييد والإيضاح: ٣٣.
(٧) صحيح مسلم ٥/ ٣١ (١٥٥٨) (٢١).
(٨) صحيح مسلم ٥/ ١١٦ (١٦٩١) (١٦).
[ ١ / ١٨٤ ]
ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ مثله». وهذان الحديثانِ (١) قد رَوَاهما مسلمٌ قبلَ هذينِ الطريقينِ متصلًا، ثمَّ عقبهما لهذينِ (٢) الإسنادينِ المعلقينِ فعلى هذا ليسَ في كتابِ مسلمٍ - بعدَ المقدمةِ - حديثٌ معلقٌ، لم يوصلْهُ إلاَّ حديث أبي الجهيمِ المذكورِ، وفيهِ بقيةُ أربعةَ عشرَ موضعًا رواهُ متصلًا، ثمَّ عقبهُ بقولهِ: ورواهُ فلانٌ، وقد جَمَعها الرشيدُ العطارُ في " الغُررِ المجموعةِ "، وقد بينّتُ ذلكَ كلَّهُ في كتابٍ جمعتهُ فيما تُكُلِمَ فيهِ من أحاديثِ الصحيحينِ بضعفٍ، أو انقطاعٍ، واللهُ أعلمُ (٣») (٤).
قولهُ: (وهذا ليسَ من بابِ التعليقِ) (٥) قالَ شيخُنا (٦): «بلى، قد ذَكرَهُ أصحابُ "الأطرافِ" في المعلقِ» (٧).
قلتُ: واستدلاله (٨) على ذلكَ (٩) بأنَّهُ قد يقعُ في السندِ مَن ليسَ مِن شرطهِ، يكفي في ردِ إطلاقهِ (١٠)، ما قالَهُ - بعدَهُ في شرحِ قولهِ: «فإنْ يجزمْ» - من أنَّ المعلقَ تارةً يكونُ صحيحًا، وتارةً يكونُ غيرَ صحيحٍ بالذي جزمَ بهِ، لا مانعَ من إدخالهِ في مقصودِ الكتابِ، واللهُ أعلمُ (١١).
_________________
(١) بعد هذا في التقييد: «الأخيران».
(٢) في " التقييد والإيضاح ": «بهذين».
(٣) من قوله: «قال: وقد بينها الرشيد العطار » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التقييد والإيضاح: ٣٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧.
(٦) لم ترد في (ك).
(٧) تحفة الأشراف ٨/ ٣١٠ (١١١٣٠).
(٨) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: العراقي».
(٩) جاء في حاشية (أ): «أي: على أنَّه ليس من باب التعليق».
(١٠) لم ترد في (ف).
(١١) من قوله: «قلت: واستدلاله على ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك)، وعبارة: «بالذي جزم به، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب» لم ترد في (ف).
[ ١ / ١٨٥ ]
قالَ: وكذا ذَكُروا فيهِ قولَه: حُدِّثتُ عن فلانٍ، وهو في قوةِ قولهِ: حَدَّثَني مُحدثٌ عن فلانٍ، وإذا كانَ كذلكَ؛ فهوَ مما فيهِ مبهمٌ، لا منَ التعليقِ.
قولهُ: (فإنْ يجزم فصحح) (١) قالَ في " الشرحِ الكبيرِ " كقولهِ في المغازي: قالَ أبو هريرةَ: «صليتُ مع النبي - ﷺ -» (٢). انتهى.
لكن ليسَ ذلكَ - وإن حُكِمَ بصحتهِ - من نمطِ الصحيحِ المسندِ فيهِ؛ لأنَّه وَسَمَ كتابه بـ" الجامعِ المسندِ الصحيحِ ". نبّهَ عليهِ ابنُ كثيرٍ (٣). واعترضَ بعضُهم بأنَّ البخاريَّ ربما جَزَمَ بالشيءِ ولا يكونُ صحيحًا، كقولهِ في كتابِ التوحيدِ في بابِ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٤) إثرَ حديثِ أبي سعيدٍ «.. الناسُ يصعقونَ يومَ القيامةِ، فإذا أنا بموسى» قالَ: وقالَ الماجشونُ: /٤٨ب/ عن عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: «فأكونُ أولَ مَن بُعثَ» (٥) قالَ: ورَدَّ البخاريُّ على نفسه بنفسهِ، فذكر في أحاديثِ الأنبياءِ حديثَ الماجشونِ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ، عنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ (٦)، وكذا رواهُ مسلمٌ (٧)، والنسائيُّ (٨) ثمَّ قالَ: قالَ أبو مسعودٍ: إنما يُعرفُ عن الماجشونِ، عن ابن الفضلِ، عن الأعرجِ، ذكرهُ الشيخُ في " النكتِ " (٩) وقالَ: «إنَّ ذلكَ لا يُظنُّ بالبخاريِّ، فلا يمكنُ أنْ يجزمَ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٢).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٤٧ عقب (٤١٣٧).
(٣) اختصار علوم الحديث: ١/ ١٢٢ وبتحقيقي: ٩٠.
(٤) هود: ٧.
(٥) صحيح البخاري ٩/ ١٥٤ (٧٤٢٨).
(٦) " صحيح البخاري " ٤/ ١٩٣ (٣٤١٤).
(٧) " صحيح مسلم " ٧/ ١٠٠ (٢٣٧٣) (١٥٩).
(٨) في " الكبرى " (١١٤٦١) وفي التفسير، له (٤٧٨).
(٩) انظر: التقييد والإيضاح ٣٥ - ٣٦.
[ ١ / ١٨٦ ]
بشيءٍ إلا وهو صحيحٌ عندهُ. وقولُ البخاريِّ في التوحيدِ: وقالَ الماجشونُ إلى آخرهِ صحيحٌ عندهُ بهذا السندِ، وكونهُ رواهُ في أحاديثِ الأنبياءِ متصلًا، فجعلَ مكانَ أبي سلمةَ الأعرجَ، لا يدلُ على ضعفِ الطريقِ التي فيها أبو سلمةَ، ولا مانعَ من أنْ يكونَ عندَ الماجشونِ في هذا الحديثِ إسنادانِ، وأنَّ شيخَهُ عبدَ اللهِ بنَ الفضلِ سَمعهُ من شيخينِ: من الأعرجِ، ومن أبي سلمةَ، فرواهُ مرةً عن هذا، ومرةً عن هذا. ويكونُ الإسنادُ الذي وَصَلَهُ بهِ البخاريُّ أصحَّ منَ الإسنادِ الذي علّقهُ بهِ، ولا نحكمُ على البخاريِّ بالوهمِ، والغلطِ، بقولِ أبي مسعودٍ الدمشقيِّ: إنَّه إنما يعرفُ عن الأعرجِ، فقد عرفهُ البخاريُ عنهما، وَوَصلهُ مرةً عن هذا، وعلّقهُ مرةً عن هذا؛ لأمرٍ اقتضى ذَلِكَ، فما وُصِلَ إسنادُهُ صحيحٌ، وما عَلّقهُ وجزمَ بهِ يُحكمُ له أيضًا بالصحةِ، واللهُ أعلمُ (١») (٢).
قولهُ: (واتصالهِ من موضعِ التعليقِ) (٣)، أي: فقد يكونُ غيرُ متصلٍ.
قالَ البخاريُّ: وقالَ طاووس: قال معاذٌ: ائتوني بعرضِ ثيابٍ خميص، أو لبيس أهون عليكم، وخيرٌ لأصحابِ محمدٍ - ﷺ - (٤) في المدينةِ. فطاووس لم /٤٩أ/ يسمعْ من معاذٍ (٥)؛ ولهذهِ العلةِ ونحوها لا ينبغي الاحتجاجُ بهِ، إلاّ إذا نظرَ الإسنادُ من المعلقِ عنه إلى منتهاهُ، فوجدَ صحيحًا، وقد توهمَ بعضُ الفقهاءِ أنَّهُ محكومٌ بصحتهِ مطلقًا، فيقولونَ في تصانيفهم: أخرجه البخاريُّ تعليقًا جازمًا بهِ. وهذا كما وقعَ لهم في الاحتجاجِ بما سكتَ عليهِ أبو داودَ، لقولهِ: إنَّ ما سَكتُّ عليهِ صالحٌ.
_________________
(١) من قوله: «قوله: فإن يجزم فصحح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) التقييد والإيضاح: ٣٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٨.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) انظر: علل الحديث لابن المديني: ٨٨. وقد تسهل بعض العلماء في هذا الانقطاع خاصة لاهتمام طاووس بفقه معاذ حتى قال الشافعي: «طاووس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه» نصب الراية ٢/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
وخفيَ عليهم أنَّهُ يريدُ بـ (صالحٍ) أعمَّ منَ الصلاحيةِ للاعتبارِ، أو الاحتجاجِ (١)، وأشدُّ من هذا أنْ يكونَ إنما سكتَ عليهِ في الموضعِ الذي نقلوهُ منهُ؛ لتبيينهِ حاله في موضعٍ آخرَ، ووراءَ ذلكَ (٢) كله أنَّهُ يحتجُ بالضعيفِ إذا لم يجد في البابِ غيرَهُ على طريقةِ الإمامِ أحمدَ، فإنَّ ذلكَ عندهُ أولى من رأي الرجالِ (٣).
قوله: (فهذا ليسَ من شرطهِ) (٤)، أي: لأنَّهُ لا يحتجُ ببهزٍ؛ لأنَّهُ لما أبرزَهُ جزمَ، فقالَ: «وقال بهزٌ» (٥)، لصحةِ
_________________
(١) كلام البقاعي هنا تحقيق جد، وانظر بلا بد في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٢ هامش (٤) و١/ ١٦٣ هامش (٣)، والله الموفق.
(٢) في (ف): «هذا».
(٣) هذا نظر جيد من البقاعي - ﵀ - إذ لا يستفاد من سكوت أبي داود في تقوية الأحاديث، وذلك لعدة أمور يطول المقام في سردها، منها: اختلاف روايات سنن أبي داود، ففي بعض الروايات من أقوال أبي داود ما ليس في الأخرى، ثم إن أبا داود قد يضعف الحديث بالراوي، فإذا جاء هذا الراوي بحديث آخر يسكت أحيانًا؛ لأنه تقدم الكلام عليه عنده، ثم إن أبا عبيد الآجري في سؤالاته ينقل كثيرًا من تضعيف أبي داود لبعض الأحاديث، وهو قد سكت عنها في سننه. وقد أطال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ١/ ٤٣٢ - ٤٤٥ وبتحقيقي: ٢٢٦ - ٢٣٧ في بحث هذه المسألة، وذكر أمثلة كثيرة من الأحاديث الضعيفة التي سكت عنها أبو داود. فينبغي التنبيه على: أن سكوت أبي داود لا يستفيد منه كل أحد، فقد قال الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٤٣٩: «فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه: أن ينظر: هل لذلك الحديث متابع، فيعتضد به، أو غريب، فيتوقف فيه؟».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٨، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٦.
(٥) " صحيح البخاري " ١/ ٧٨ عقب (٢٧٧). وقد وصله عبد الرزاق (١١٠٦)، وأحمد ٥/ ٣ و٤، وأبو داود (٤٠١٧)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والترمذي (٢٧٦٩) و(٢٧٩٤)، والنسائي في " الكبرى " (٨٩٧٢)، والحاكم ٤/ ١٧٩، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٢١، والبيهقي ١/ ١٩٩، والخطيب في " تأريخه " ٣/ ٢٦١. وقال اللكنوي في ظفر الأماني: ١٦٤: «هو حديث حسن مشهور».
[ ١ / ١٨٨ ]
الإسنادِ (١) منه إليه، ولما طواهُ في السندِ، مرَّضَ، فقالَ: «ويذكرُ عن معاويةَ بنِ حيدةَ: لاتهجرْ إلاَّ في البيتِ» (٢)، فمعاويةُ جدُّ بهزٍ، فهوَ بهزُ بنُ حكيمِ بنِ معاويةَ.
واعتُرضَ على ابنِ الصلاحِ في ضمهِ حديثَ جرهدَ (٣) إلى حديثِ بهزٍ، بأنَّ حديثَ جرهدَ صحيحٌ.
قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «وعلى تقدير صحتهِ (٤) ليسَ عليهِ ردٌّ؛ لأنَّهُ لم ينفِ صحته مطلقًا، بل كونه من شرطِ البخاريِّ، فإنَّهُ لما مثَّل بهِ وبحديثِ بهزٍ قال: فهذا
_________________
(١) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: من البخاري».
(٢) صحيح البخاري ٧/ ٤١ عقب (٥٢٠١).
(٣) وهو قول البخاري: «باب ما يذكر في الفخذ، ويروى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد ابن جحش، عن النبي - ﷺ -: الفخذ عورة». وهو في " صحيح البخاري " ١/ ١٠٣ عقب (٣٧٠). وحديث ابن عباس أخرجه: أحمد ١/ ٢٧٥، والترمذي (٢٧٩٦)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٤٧٤، والبيهقي ٢/ ٢٢٨ من طريق أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، مرفوعًا. وسنده ضعيف؛ لضعف أبي يحيى القتات. وحديث جرهد أخرجه: عبد الرزاق (١١١٥) و(١٩٨٨)، والحميدي (٨٥٧)، وابن أبي شيبة (٢٦٦٩٢)، وأحمد ٣/ ٤٧٨ و٤٧٩، والدارمي (٢٦٥٠)، والبخاري في " تأريخه الكبير " ٢/ ٢٢٩ (٢٣٥٤) (ط دار الكتب العلمية)، وأبو داود (٤٠١٤)، والترمذي (٢٧٩٥)، والطحاوي في " شرح المشكل " (١٧٠١) و(١٧٠٢) وفي " شرح معاني الآثار "، له ١/ ٤٧٥، وابن حبان (١٧١٠)، والطبراني في " الكبير " (٢١٣٨) إلى (٢١٥١)، والدارقطني ١/ ٢٢٤، والبيهقي ٢/ ٢٢٨. وحديثه مضطرب جدًا؛ قال ابن عبد البر في " الاستيعاب " ١/ ٢٥٥ متحدثًا عن جرهد: «لا تكاد تثبت له صحبة، روى عن النبي - ﷺ -: «الفخذ عورة»، وقد رواه غيره جماعة. وحديثه مضطرب». وانظر فيه: بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٣٨ (١٠٨٢) و(١٠٨٣) فقد أطال النفس فيه، ونصب الراية ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٢٤٣ - ٢٤٦.
(٤) في التقييد: «وعلى تقدير صحة حديث جرهد».
[ ١ / ١٨٩ ]
قطعًا ليسَ من شرطهِ (١)، على أنا لا نُسلّمُ أيضًا صحته؛ لما فيهِ من الاضطرابِ في إسنادهِ، فقيلَ: عن زرعةَ بنِ عبدِ الرحمانِ بن جرهد، عنْ أبيهِ، عنْ جدهِ.
وقيلَ: عن زرعةَ، عن جده، ولم يذكرْ أباهُ.
وقيلَ: عن أبيهِ، عن النبيِ - ﷺ -، لم يذكر جدهُ.
وقيلَ: عن زرعةَ /٤٩ب/ بنِ مسلمِ بنِ جرهدَ، عن أبيه، عن جدهِ.
وقيلَ: عن زرعةَ بنِ مسلمٍ، عن جدهِ، ولم يذكرْ أباهُ.
وقيلَ: عن ابنِ جرهدَ، عن أبيهِ، ولم يسمَّ.
وقيلَ: عن عبدِ اللهِ بنِ جرهد، عن أبيه. وقد أخرجهُ أبو داود وسكتَ عليهِ (٢)، والترمذيُّ من طرقٍ، وحسنهُ، وقالَ في بعضِ طرقهِ: «وما أرى إسنادَهُ بمتصلٍ» (٣)، وقالَ البخاريُّ في " صحيحهِ ": «حديثُ أنسٍ أسندُ، وحديثُ جرهدَ أحوطُ» (٤).
قولهُ: (استعمالها في الضعيفِ أكثرُ) (٥) وكذا تعبيرُ ابنِ الصلاحِ بقولهِ: «لأنَّ مثلَ هذهِ العباراتِ تستعملُ في الحديثِ الضعيفِ أيضًا» (٦) يدفعُ الاعتراضَ بأنَّ البخاريَّ قد يخرجُ ما صحَّ بصيغةِ التمريضِ، كقولهِ في بابِ الرُّقَى بفاتحةِ الكتابِ: «ويذكرُ عنِ ابنِ عباسٍ، عن النبي - ﷺ -» (٧) في الرقى بفاتحةِ الكتابِ معَ أنَّهُ أسندَ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٦.
(٢) سنن أبي داود (٤٠١٤).
(٣) الجامع الكبير (٢٧٩٥).
(٤) انتهى كلام العراقي من التقييد ٤٠ - ٤١، وقول البخاري هو في " صحيحه " ١/ ١٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٩.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٤.
(٧) صحيح البخاري ٧/ ١٧٠.
[ ١ / ١٩٠ ]
الحديثَ في البابِ بعده، ولفظه: «فانطلقَ رجلٌ، فقرأَ بفاتحةِ الكتابِ إلى أنْ قالَ: فقالَ النّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجرًا كتابُ اللهِ» (١) ونبّهَ المصنفُ (٢) في "نكتهِ" (٣) على أنَّ البخاريَ قد يصنعُ ذلكَ لغرضٍ آخرَ غير الضعفِ، كما إذا ذَكَرَ الخبرَ بالمعنى لوجودِ الخلافِ في جوازِ الروايةِ بالمعنى، وكما إذا اختصرَهُ للخلافِ في جوازِ ذلكَ.
وخبرُ ابنِ عباسٍ ليسَ فيهِ التصريحُ عنِ النّبيّ - ﷺ - بالرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، وإنما فيهِ تقريرُهُ على ذلكَ، ونسبةُ ذلكَ إليهِ (٤) صريحًا تكونُ نسبةً معنويةً، ويؤيدُ ذلكَ أنَّ البخاريَّ علّقَ بعضَهُ في الإجازةِ، في بابِ ما يُعطَى في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ / ٥٠أ / بلفظهِ، فعبَّرَ بصيغةِ الجزمِ فقالَ: «وقالَ ابنُ عباسٍ عن النّبيّ - ﷺ - (٥): إنَّ (٦) أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجرًا كتابُ اللهِ» (٧)، قالَ المصنِّفُ: «على أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ الموضعُ الذي ذكرهُ البخاريُّ بغيرِ إسنادٍ عنِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا حديثًا آخرَ في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، غيرَ الحديثِ الذي رواهُ، كنحوِ ما وقعَ في حديثِ جابرٍ المذكورِ بعدهُ» (٨)، يعني: مما اعتُرضَ بهِ على ابنِ الصلاحِ، وهوَ قولهُ: ويذكرُ عن جابرٍ أنَّ النّبيَّ - ﷺ - ردَّ على المتصدقِ (٩) صدقتهُ، مع أنَّه صحيحٌ، ولفظهُ: «دبَّر رجلٌ عبدًا
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ١٧٠ (٥٧٣٧).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٣) التقييد والإيضاح: ٣٧.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي إلى النبي - ﷺ -».
(٥) عبارة: «عن النبي - ﷺ -» لم ترد في النسخ الخطية، وأثبتها من صحيح البخاري.
(٦) كلمة: «إن» لم ترد في صحيح البخاري.
(٧) صحيح البخاري ٣/ ١٢١.
(٨) التقييد والإيضاح: ٣٧.
(٩) صحيح البخاري ٣/ ١٥٩.
[ ١ / ١٩١ ]
ليسَ له ملكٌ غيرَهُ، فباعهُ النبيُّ - ﷺ - من نعيمِ بنِ النحامِ» (١).
قالَ الشيخُ: «هو بغيرِ لفظِ بيعِ العبدِ المدبرِ، بل الظاهرُ أنَّ البخاريَّ لم يُرد بردِّ الصدقةِ حديثَ جابر المذكورِ في بيعِ المدبر، بل حديث جابرٍ في الرجلِ الذي دخلَ، والنّبيُّ - ﷺ - يخطبُ، فأَمرَهم فتصدَّقوا عليهِ، فجاءَ في الجمعةِ الثانيةِ، فأمرَ النّبيُّ - ﷺ - بالصدقةِ، فقامَ ذلكَ المتُصدّقُ عليهِ، فتصدّقَ بأحدِ ثوبيهِ، فردّهُ عليهِ النّبيُّ - ﷺ -، وهو حديثٌ ضعيفٌ، رواهُ الدارقطنيُّ (٢») (٣).
ومنَ الاعتراضاتِ قولُه في بابِ ذكرِ العشاءِ والعتمةِ: «ويذكرُ عن أبي مُوسى: كنا نتناوبُ النّبيَّ - ﷺ - عندَ صلاةِ العِشاءِ، فأعتمَ بها» (٤). وقال في بابِ فضلِ العِشاءِ: «حدّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثَنا أبو أسامةَ، عن بريد (٥)، عنِ أبي بردةَ، عن أبي موسى، قال: كنتُ أنا، وأصحابي الذين قدموا /٥٠ب/ معي في السفينةِ نزولًا في بقيعِ بطحانَ، والنّبيُّ - ﷺ - بالمدينةِ، فكانَ يتناوبُ النّبيَّ - ﷺ - عندَ صلاةِ العشاءِ، كلّ ليلةٍ نفرٌ منا، فوافقنا النّبيّ - ﷺ -، ولهُ بعضُ الشغلِ في بعضِ أمرهِ، فأعتمَ بالصلاةِ حتى ابهارّ الليلُ» (٦).
_________________
(١) الحديث أخرجه: أحمد ٣/ ٣٠١ و٣٧٠ و٣٧١ و٣٩٠، والبخاري ٣/ ٩١ (٢١٤١) و٣/ ١٠٩ (٢٢٣٠) و٩/ ٩١ (٧١٨٦)، وأبو داود (٣٩٥٥) و(٣٩٥٦)، والترمذي (١٢١٩) من طرق عن جابر، به.
(٢) سنن الدارقطني ٢/ ١٣ - ١٤ وفيه حديث جابر في الصلاة عند دخول المسجد في الجمعة، ولم يذكر فيه قصة الصدقة، وهذه القصة وردت في حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه أحمد ٣/ ٢٥، وأبو داود (١٦٧٥)، وابن ماجه (١١١٣)، والترمذي (٥١١).
(٣) التقييد والإيضاح: ٣٧ - ٣٨.
(٤) صحيح البخاري ١/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٥) في نسخة (أ) و(ف): «عن بريد بن أبي بردة»، والمثبت من " صحيح البخاري ".
(٦) صحيح البخاري ١/ ١٤٨ (٥٦٧)، وانظر: التقييد والإيضاح: ٣٦.
[ ١ / ١٩٢ ]
فتحررَ أنَّ مرادَ ابنِ الصلاحِ أنّا إذا وجدنا عندَ البخاري حديثًا مذكورًا بصيغةِ التمريضِ، ولم يذكرْهُ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ مسندًا، أو تعليقًا مجزومًا بهِ لم نحكمْ عليهِ بالصحةِ، لا أنا نحكمُ بضَعفهِ بمجرد ذلكَ (١) (٢).
قوله: (يُشعرُ بصحةِ أصله ..) (٣) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدهُ:
«ثمَّ إنَّ ما يتقاعدُ من ذلكَ عن شرطِ الصحيحِ قليلٌ (٤)، يوجدُ في كتابِ البخاريِّ في مواضعَ من تراجمِ الأبوابِ، دونَ مقاصدِ الكتابِ وموضوعهِ، الذي يشعرُ بهِ اسمهُ الذي سماه بهِ وهوَ " الجامعُ المسندُ الصحيحُ المختصرُ من أمورِ سيدِنا (٥) رسولِ اللهِ - ﷺ -، وسننهِ، وأيامهِ ".
وإلى الخصوصِ الذي بينّاهُ يرجعُ مطلقُ قولهِ: «ما أدخلتُ في كتابِ الجامعِ إلاّ ما صحَّ» وكذلكَ مطلقُ قولِ الحافظِ أبي نصرٍ الوائلي السجْزي (٦) أجمعَ أهلُ العلمِ الفقهاءُ وغيرُهم: أنَّ رجلًا لو حلفَ بالطلاقِ أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاري مما رُويَ عنِ النبي - ﷺ - قد صحَّ عنه، ورسولُ اللهِ - ﷺ - قالهُ، لاشكَّ فيهِ، أنَّهُ لا
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٤.
(٢) من قوله: «واعترض على ابن الصلاح في ضمه حديث جرهد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٣).
(٤) قال ابن حجر في نكته ١/ ٣٢٤، وبتحقيقي: ١٣٥: «أقول: بل الذي يتقاعد عن شرط البخاري كثير، ليس بالقليل، إلا أن يريد بالقلة قلة نسبية إلى باقي ما في الكتاب، فيتجه، بل جزم أبو الحسن بن القطان بأن التعاليق التي لم يوصل البخاري إسنادها، ليست على شرطه » إلى آخر كلامه، فانظره، فإنه بحث ماتع.
(٥) لم ترد في معرفة أنواع علم الحديث.
(٦) السجزي -بكسر السين وسكون الجيم -: نسبة إلى سجستان على غير قياس. انظر: الأنساب ٣/ ٢٤٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
يحنثُ (١)، والمرأةُ بحالها في حِبالتهِ (٢)، وكذلكَ ما ذكرهُ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في كتابهِ "الجمع /٥١أ / بينَ الصحيحينِ" من قولهِ: «لم نجد منَ الأئمةِ الماضينَ مَن أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ إلا هذين الإمامينِ» (٣) فإنما المرادُ بكلِ ذلكَ مقاصدُ الكتابِ، وموضوعُه، ومتونُ الأبوابِ، دونَ التراجمِ، ونحوها؛ لأنَّ في بعضها ما ليسَ من ذلكَ قطعًا، مثلَ قولِ البخاريِّ: «بابُ ما يذكرُ في الفخذِ» (٤) .. إلى آخرهِ. وقولهُ في أولِ بابٍ من أبوابِ الغسلِ: «وقالَ بهزٌ» (٥) إلى آخرهِ، فهذا قطعًا ليس من شرطهِ؛ ولذلكَ لم يوردْهُ الحُميديُ في " جمعهِ بينَ الصحيحينِ "، فاعلمْ ذلكَ، فإنَّهُ مهمٌ خافٍ» (٦) ذكرَ هذا في الفائدةِ السادسةِ منَ النوعِ الأولِ.
قالَ شيخُنا: «وقدِ (٧) اعتبرتُ ما في البخاري من هذا فوجدتهُ يفصِّلُ، فإذا أوردَ نحوَ هذا في مقامِ الاحتجاجِ، وسكتَ عليهِ، فإنَّهُ يكونُ محتجًا بهِ صحيحًا، أو حسنًا لذاتهِ كحديثِ بهز، أو لغيرهِ كقولهِ: ويُذكرُ عن عليٍّ: «الدَّيْنُ قبلَ
_________________
(١) الحنث: الخلفُ في اليمين، حنث في يمينه حنثًا: لم يبرَّ فيها. لسان العرب ٢/ ١٥١.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: في عصمته». أقول: الحبالة --بالكسر -: هي ما يصاد بها من أي شيء كانت، والجمع: حبائل، ومنه: ما روي: «النساء حبائل الشيطان» أي: مصايده، والمرادُ هنا: في عصمته، انظر النهاية ١/ ٣٣٣، ولسان العرب ١١/ ١٣٦.
(٣) انظر: الجمع بين الصحيحين: ٧٣ - ٧٤.
(٤) صحيح البخاري ١/ ١٠٣.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٧٨. وانظر تعليقنا على معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥ - ٩٦.
(٦) انتهى كلام ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٤ - ٩٦.
(٧) من قوله: «إلى آخره عبارة ابن الصلاح بعده » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١٩٤ ]
الوصيةِ» (١) لا يُروَى عن عليٍّ إلاَّ من طريقِ الحارثِ، وهوَ ضعيفٌ اتفاقًا، لكن قُوِّيَ بالإجماعِ، فصارَ حسنًا لغيرهِ، فهوَ منحطُّ الرتبةِ عن شرطهِ، فإذا كانَ ضعيفًا نبهَ عليهِ. هذا فعلهُ دائمًا.
قوله: (دونَ التراجمِ ونحوها) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ هنا: «وما ذكرناهُ من الحكمِ في التعليقِ المذكورِ، فذلكَ فيما أوردهُ منهُ أصلًا ومقصودًا، لا فيما أوردهُ في معرضِ الاستشهادِ، فإنَّ الشواهدَ يحتملُ فيها ما ليسَ من شرطِ الصحيحِ، معلقًا كان أو موصولًا» (٣) وقد مضى ما نُقلَ عنهُ في القولةِ قبلها.
قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «وما ذكرهُ الوائليُّ - أي: منَ الحلفِ / ٥١ب / بالطلاقِ على نفي الشكِ عن صحةِ ما في البخاريِّ - (٤) لا يقتضي أنّهُ لا يشكُّ في صحتهِ، ولا أنَّهُ مقطوعٌ بهِ؛ لأنَّ الطلاقَ لا يقعُ بالشكِ، وقد ذكرَ المصنِّفُ هذا في "شرحِ مسلمٍ" (٥) لهُ، فإنَّهُ حَكَى عن إمامِ الحرمينِ أنَّهُ لو حلفَ إنسانٌ بطلاقِ امرأتِهِ:
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٦، وقال ابن حجر في الفتح ٥/ ٤٦٢ عقب (٢٧٤٩): «هذا طرف من حديث أخرجه: أحمد ١/ ٧٩ و١٣١ و١٤٤، والترمذي (٢٠٩٤) و(٢٠٩٥)، وغيرهما من طريق الحارث، وهو الأعور، عن عليّ بن أبي طالب قال: «قضى محمد - ﷺ - أنّ الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤن الوصية قبل الدين ..»، وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي: «إنّ العمل عليه عند أهل العلم». وكأنّ البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلاّ فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به. وانظر بلا بد كتابنا: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٤٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٨.
(٤) ما بين الشارحتين جملة تفسيرية توضيحية من البقاعي -﵀ -.
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٢٠ - ٢١.
[ ١ / ١٩٥ ]
إنَّ ما في كتابِ البخاري ومسلمٍ مما حكمنا بصحتهِ من قولِ النّبيِّ - ﷺ -، لما ألزمتُهُ الطلاقَ، ولا حنثتهُ؛ لإجماعِ علماءِ المسلمينَ على صحتهما، ثمَّ قالَ الشيخُ أبو عمرٍو (١): ولقائلٍ أنْ يقولَ: إنَّهُ لا يحنثُ، ولو لم يجمعِ المسلمونَ على صحتهما؛ للشكِّ في الحنثِ، فإنَّهُ لو حلفَ بذلكَ في حديثٍ ليسَ هذهِ صفتهُ لم يحنثْ، وإنْ كانَ راويهِ فاسقًا، فعدمُ الحنثِ حاصلٌ قبلَ الإجماعِ، فلا يضافُ إلى الإجماعِ، ثمَّ قالَ -: والجوابُ أنَّ المضافَ إلى الإجماعِ هوَ القطعُ بعدمِ الحنثِ ظاهرًا، وباطنًا.
وأمّا عندَ الشكّ فمحكومٌ بهِ ظاهرًا، معَ احتمالِ وجودهِ باطنًا، فعلى هذا يحملُ كلامُ إمامِ الحرمينِ، فهوَ الأليقُ بتحقيقهِ.
وقالَ النوويُّ في "شرحِ مسلمٍ" (٢): ما قالهُ الشيخُ في تأويلِ كلامِ إمامِ الحرمينِ في عدمِ الحنثِ فهوَ بناء على ما اختارهُ الشيخُ، وأما على مذهبِ الأكثرينَ، فيحتملُ أنَّهُ أرادَ أنَّه لا يحنثُ ظاهرًا، ولا يستحبُّ له التزامُ الحنثِ حتى يستحبَّ له الرجعةُ، كما إذا حلفَ بمثلِ ذلكَ في غيرِ الصحيحينِ فإنّا لا نحنثهُ، لكن تستحبُ له الرجعةُ احتياطًا؛ لاحتمالِ الحنثِ، وهو احتمالٌ ظاهرٌ، قالَ: وأمَّا الصحيحانِ فاحتمال الحنثِ فيهما في غايةِ الضعفِ، فلا يستحبُّ له الرجعةُ (٣)؛ لضعفِ احتمالِ موجبها (٤») (٥).
قولهُ: (وإن يكن أولُ الإسنادِ حذفَ) (٦) إلى آخرهِ، نَصَبَ «تعليقًا» إما على نزعِ الخافضِ، أي: عُرفَ بالتعليقِ، أو إنَّهُ /٥٢أ / ضَمَّنَ «عُرفَ» معنى «سمي»،
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «هو ابن الصلاح». ولا يزال الكلام للعراقي.
(٢) شرح صحيح مسلم ١/ ٢١.
(٣) في شرح صحيح مسلم: «المراجعة».
(٤) من قوله: «قوله: دون التراجم ونحوها » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٣٩.
(٦) التبصرة والتذكرة (٤٤).
[ ١ / ١٩٦ ]
فكأنهُ قال: سمي تعليقًا، ولايصحُ نصبهُ على الحالِ، ومسألةُ التعليقِ ذَكَرها ابنُ الصلاحِ في الفرعِ الرابعِ من فروعٍ أتبعها بالمرسلِ والمنقطعِ
والمعضلِ، فقال: «التعليقُ الذي يذكُرهُ أبو عبدِ اللهِ الحُميديُّ صاحبُ " الجمعِ بينَ الصحيحينِ "، وغيرُهُ من المغاربةِ في أحاديثَ منْ " صحيح (١) البخاري " قطع إسنادَها، وقد استعملهُ الدارقطنيُّ (٢) مِن قبلُ صورتُه صورةُ الانقطاعِ، وليسَ حكمُهُ حكمَهُ - أي: المعلق (٣) - ولا خارجًا (٤) مما (٥) وجد ذلكَ فيهِ منهُ من قبيلِ الصحيحِ (٦) إلى قبيلِ الضعيفِ، وذلكَ لما عرفَ من شرطهِ وحكمهِ (٧) على ما نبهنا عليهِ (٨) في الفائدةِ السادسةِ من النوعِ (٩) الأولِ - يعني: ما ذكرتُهُ عنه آنفًا - (١٠)، ولا التفاتَ إلى أبي محمدِ بنِ حزمٍ الظاهريِّ الحافظِ في ردِّهِ (١١) ما أخرجهُ البخاريُّ (١٢) من حديثِ أبي عامرٍ .. إلى آخرهِ، من جهةِ أنَّ البخاريَّ أوردهُ قائلًا فيهِ: «قالَ هشامُ بنُ عمارٍ »
_________________
(١) في (ف): «حديث».
(٢) انظر: الإلزامات: ١٥١ و٢٨٣.
(٣) جملة توضيحية من البقاعي، ولم ترد في (ف).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ولا خرج الذي».
(٥) في (أ) و(ك): «ما».
(٦) زاد بعدها في (ف): «إلى قبيل الصحيح».
(٧) انظر بلابد تعليقنا على معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٩ هامش (٥).
(٨) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: الصحيح».
(٩) في المعرفة: «الفرع».
(١٠) جملة توضيحية من البقاعي.
(١١) انظر: المحلى ٩/ ٥٩.
(١٢) صحيح البخاري ٧/ ١٣٨ (٥٥٩٠).
[ ١ / ١٩٧ ]
وساقهُ بإسنادِهِ، فزعمَ ابنُ حزمٍ أنَّهُ منقطعٌ فيما بينَ البخاري وهشامٍ (١)، وجعلهُ جوابًا عن الاحتجاجِ بهِ على تحريمِ المعازفِ» (٢) إلى آخره.
قال الشيخُ في " النكتِ ": «اعترضَ عليهِ بأنَّ شرطَ البخاريِّ أنْ سمى كتابهُ بالمسندِ الصحيحِ، والصحيحُ هو ما فيهِ منَ المسندِ دونَ مالم يسندهُ، وهذا الاعتراضُ يؤيدهُ قولُ ابنِ القطانِ في "بيانِ الوهمِ والإيهامِ": «إنَّ البخاريَّ فيما يعلّقُ من الأحاديثِ في الأبوابِ غيرُ مبالٍ بضعفِ رواتها، فإنها غيرُ معدودة فيما انتخبَ، وإنما يعدُّ من ذلكَ ما وصلَ الأسانيدَ بهِ، فاعلمْ ذلكَ» (٣). انتهى.
ثمَّ قالَ: «والجوابُ أنَّ المصنفَ إنما يحكمُ بصحتها إلى مَن علّقها عنه إذا ذكرهُ بصيغةِ الجزمِ» (٤). أي: / ٥٢ب / لأنَّ ابنَ الصلاحِ أحالَ على ما قال في الفائدةِ السادسةِ، وعبارتهُ هناكَ: «ما أسندهُ البخاريُّ، ومسلمٌ في كتابيهما بالإسنادِ المتصلِ، فذلكَ الذي حكما بصحتهِ بلا إشكالٍ، وأمَّا الذي حُذفَ من مبتدأ إسنادهِ واحدٌ، أو أكثرُ، وأغلبُ ما وقعَ ذلكَ في كتابِ البخاريِّ (٥)، وهو في كتابِ مسلمٍ
_________________
(١) قال العراقي في التقييد: ٩٠: «إنما قال ابن حزم في المحلى: هذا حديث منقطع لم يتصل فيما بين البخاري وصدقة بن خالد. انتهى. وصدقة بن خالد هو شيخ هشام بن عمار في هذا الحديث، وهذا قريب إلا أن المصنف لا يجوز تغيير الألفاظ في التصانيف، وإن اتفق المعنى».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٥ - ١٤٦.
(٣) التقييد والإيضاح: ٩٠.
(٤) التقييد والإيضاح: ٩٠.
(٥) قال ابن حجر في هدي الساري: ٦٥٩: «فجملة ما في الكتاب من التعاليق ألف وثلاث مئة وواحد وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرر، مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب، ولو من طريق أخرى إلا مئة وستون حديثًا». أقول: ولابن حجر كتاب فريد في بابه، وصل فيه التعاليق التي في صحيح البخاري سماه: تغليق التعليق، ولخصه ابن حجر نفسه في هدي الساري من صفحة ٢١ إلى ٩٨.
[ ١ / ١٩٨ ]
قليلٌ جدًا (١)، ففي بعضه نظرٌ، وينبغي أنْ نقولَ: ما كانَ من ذلكَ، ونحوه بلفظٍ فيهِ جزمٌ، وحكمٌ بهِ على من علقهُ عنهُ، فقد حكمَ بصحتهِ عنهُ (٢») إلى آخرِ كلامهِ في بيانِ حكمِ ذلكَ، وحكمِ الممرضِ. وهذا تصريحٌ منه مما لا يتوجه معهُ عليهِ هذا الاعتراضُ (٣).
قولهُ: (من أولِ إسنادِ البخاريِّ أو مسلمٍ) (٤) مثالٌ لكونهِ في ذكرِ أحكامِ الصحيحينِ وتعليقهما، وإلاّ (٥) فالتعليقُ لا يختصُّ بهما، بل متى وجدنا شخصًا ذكرَ حديثًا، أو أثرًا، وحذفَ إسنادهُ، أو بعضه مما يليهِ، سميناهُ تعليقًا، وقد علّقَ
_________________
(١) بلغت ثلاثة مواضع فقط، وصل اثنان منها في صحيحه، ثم لما احتاج تكرارها علقها، فلم يبق فيه غير حديث واحد غير موصول، وهو حديث أبي الجهيم بن الحارث: «أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جملَ ..» الحديث؛ إذ علقهُ مسلم بلفظِ: «روى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمان بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس: أنّه سمعه يقول: أقبلتُ أنا وعبد الرحمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - حتى دخلنا على أبي الجهيم». صحيح مسلم ١/ ١٩٤ (٣٦٩). وهذا الحديث وصله أحمد ٤/ ١٦٩ من طريق أخرى، وهي طريق الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن الأعرج. ومن طريق الليث وصله: البخاري ١/ ٩٢ (٣٣٧)، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي ١/ ١٦٥، وفي " الكبرى "، له (٣٠٧)، وابن خزيمة (٢٧٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٠٧. فائدة: جميع من وصل الحديث ذكر: عبدالله بن يسار، وانفرد مسلم بقوله: عبد الرحمان بن يسار. وانظر: التقييد والإيضاح: ٣٢ - ٣٣، ونكت ابن حجر ١/ ٣٤٤ - ٣٥٣، وبتحقيقي: ١٤٩ - ١٥٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٢ - ٩٣.
(٣) من قوله: «ومسألة التعليق ذكرها ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤١.
(٥) من قوله: «لكونه في ذكر أحكام » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ١٩٩ ]
أبو داودَ (١)، وغيرهُ.
قولهُ: (إذا قاء فلا يفطر) (٢) وكقولهِ في الطبِ (٣): وقالَ عبادُ بنُ منصورٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَ - ﷺ - «أذنَ لأهلِ بيتٍ من الأنصارِ أنْ يرقوا من الحمة» (٤)، وكقولهِ في هجرةِ (٥) النبي - ﷺ -: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ يزيدٍ، وأبو هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -: «لولا الهجرةُ لكنتُ امرءًا منَ الأنصارِ».
قولهُ: (وقد تقدمَ) (٦)، أي: في شرحِ الأبياتِ قبلَ هذهِ (٧).
قولهُ: (من قطع الاتصالَ) (٨) هو كذلكَ من حيثُ أنَّ تعليقَ الطلاقِ سببٌ لقطعِ العصمةِ، على تقديرِ فعلِ المعلقِ عليهِ، فهو قاطعٌ للعصمةِ في بعضِ الصورِ،
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: سنن أبي داود (٨٨) و(١٨٠) و(٢٣٧) و(٧٢٣) و(١٢٣٦) و(٤٩٦٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢، والحديث في صحيح البخاري ٣/ ٤٢ عقب (١٩٣٧) ولفظه: «وقال لي يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلام، حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم ابن ثوبان، سمع أبا هريرة - ﵁ -: «إذا قاء فلا يفطر» هذا الحديث هكذا لفظه من صحيح البخاري (الطبعة الأميرية) والفتح، وعمدة القارى ١١/ ٣٥. وفي تحفة الأشراف ١٠/ ٢٨٧ حديث (١٤٢٦٥) رقم له برقم التعليق (خت). ولكن ليس فيه عنده «لي» وصنيع الإمام المزي في تحفة الأشراف يرقم برقم التعليق لما ليس فيه: «لي» وما صدره البخاري بعبارة: «لي» فيعده موصولًا. ولعل الإمام العراقي قلد المزي في ذلك.
(٣) صحيح البخاري ٧/ ١٦٦ (٥٧١٩) و(٥٧٢٠) و(٥٧٢١).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ذات السموم».
(٥) صحيح البخاري ٥/ ٧١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢.
(٧) من قوله: «قوله: إذا قاء فلا يفطر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢، والعبارة في الأصل هي لابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٩، وقد اعترض عليه في ذلك، انظر: نكت الزركشي ٢/ ٥٥، ومحاسن الاصطلاح: ١٦٢، ونكت ابن حجر ٢/ ٦٠٣ وبتحقيقي: ٣٧٥.
[ ١ / ٢٠٠ ]
هذا وجهُ الشبهِ، وهو كافٍ؛ إذ لا تلزمُ المساواةُ من كلِّ جهةٍ، وإنْ كانَ بتعليقِ الجدارِ أشبهُ فهدمُ / ٥٣أ / ما تشعبَ من الجدارِ شبيهٌ بحذفِ بعضِ السندِ، والخشب الذي يُحملُ عليهِ في زمانِ التعليقِ شبيهٌ بذلكَ الإسنادِ المحذوفِ، فإنَّه اتصالٌ فيهِ خفاءٌ بالنسبةِ إلى ما كان في الموضعين، واللهُ أعلمُ.
قوله: (ولم أجد) (١) إلى آخره، لم أدرِ ما حملهُ على ذكرِ هذا بالنسبةِ إلى وسطِ الإسنادِ وآخرهِ فإنَّ لكلِ سقطٍ اسمًا يخصهُ، كالعضلِ والقطعِ والإرسالِ، كما يأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأمّا ما لم يجزمْ بهِ، فعدمُ وجدانهِ له لا يقدحُ في تسميتهِ تعليقًا.
قلتُ: قالَ في " الشرحِ الكبيرِ ": «فيقولونَ ذكرهُ البخاريُّ تعليقًا مجزومًا أو تعليقًا ممرضًا، واللهُ أعلمُ» (٢).
قوله: (ذكرهُ في الأطرافِ) (٣) اعلمْ أنَّ المزيَّ وقعَ له فيه (٤) وهمٌ في الأطرافِ بجعلهِ متنَ هذا السندِ: أنَّهُ كانَ على أمِ كلثومٍ بنتِ النبي - ﷺ - ثوبُ حريرٍ (٥)، وليسَ هذا متنهُ، ولو كانَ متنه لم يكن فيهِ دلالةٌ على مسِّ النّبيّ - ﷺ -، ولا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢، والعبارة لابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٩.
(٢) من قوله: «قلت: قال في الشرح الكبير » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢، وانظر تحفة الأشراف ١/ ٣٩٠ حديث (١٥٣٣) والإمام المزي واهم في تعيين هذا المعلق. وقد ناقشهُ الحافظ ابن حجر في النكت الظراف ١/ ٣٩٠، ولو أردت نقله ومناقشته لطال بي المقام. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٩١ عقب (٥٨٣٦»: «ذكره المزي في الأطراف أنه أراد بهذا التعليق - وليس هذا مراد البخاري - فلو كان هذا الحديث مراده لجزم به، لأنه صحيح عنده على شرطه».
(٤) في (أ) و(ك): «منه».
(٥) صحيح البخاري ٧/ ١٩٤.
[ ١ / ٢٠١ ]
أحدٍ منَ الرجالِ له، وإنما مسه (١) حي بمنديل حريرٍ، فجعلَ أصحابُ النّبيّ - ﷺ - يعجبونَ من لينهِ، فقالَ النّبيُّ - ﷺ - «لمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنةِ ألينُ من هذا» (٢) أو كما وردَ.
وكذا استعملهُ النوويُّ في غيرِ المجزومِ فقالَ في " الرياضِ " بعدَ أنْ أوردَ حديثَ عائشةَ -﵂-: «أُمرْنا أنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلهم»: «وقد ذكرهُ مسلمٌ في "صحيحهِ" (٣) تعليقًا، فقالَ: وذكرَ عن عائشةَ قالت: «أمرنا»» (٤). قال الشيخُ في "النكتِ": «وكذا فعلَ غيرُ واحدٍ من الحفاظِ، يقولونَ: ذكرهُ البخاريَ تعليقًا مجزومًا، أو تعليقًا غير مجزومٍ بهِ، إلا أنَّه يجوزُ أنَّ هذا الاصطلاحَ يتحددُ، فلا لومَ على / ٥٣ ب / المصنِّفِ في قولهِ: إنَّهُ لم يجدهُ.
قولهُ: (في حذفِ كل الإسنادِ) (٥) سيأتي في المعضلِ أنَّ ابنَ الصلاحِ قال: «وقولُ المصنفين: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كذا، من قبيلِ المعضلِ (٦») (٧).
قوله: (ولم يذكرِ المزيُّ) (٨) هذا في "الأطرافِ" هو فائدةٌ زائدةٌ (٩)، لا تصلحُ أنْ تكونَ ردًا لشيء من كلامِ ابنِ الصلاحِ؛ فإنَّ عدمَ ذكرِ المزيِّ له، لا يدلُ
_________________
(١) في (ف): «متنه».
(٢) صحيح البخاري ٨/ ١٦٣ (٦٦٤٠).
(٣) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٦، ط. فؤاد، و١/ ٥، ط. الإستانبولية وقد تقدم تخريجه.
(٤) رياض الصالحين: ١٧٤ حديث (٣٦٠).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٣، وعبارته: «ولو حذف الإسناد».
(٦) من قوله: «وكذا استعمله النووي في غير المجزوم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٨ بتصرف شديد.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٣.
(٩) لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢٠٢ ]
على كونهِ غيرَ تعليقٍ، فإنَّه ليس من شرطهِ؛ لأنَّ موضوعَ كتابهِ الأسانيدُ، يبينُ ما فيها منِ اختلافٍ، وغيرِه.
قوله: (فكذي عنعنةٍ) (١) ليس كذلكَ، بل المعتمدُ في ما (٢) قالهُ ما حققهُ الحافظُ الخطيب (٣) من أنها ليست كعن؛ فإنَّ الاصطلاحَ فيها مختلفٌ، فبعضُ أهلِ الفنِّ يستعملُها في السماعِ دائمًا، كحجاجِ بنِ موسى المصيصي (٤) الأعورِ، فإنَّه لا يقولُ فيما سمعهُ من مشايخهِ إلا: «قالَ فلانٌ، دائمًا، وبعضُهم يعكسُ، فلا يستعملُها إلاَّ فيما لم يسمعهُ دائمًا، وبعضُهم يستعملُها تارةً هكذا، وتارةً هكذا، كالبخاري، فلا يحكمُ عليها بحكمٍ مطَّردٍ، بل من كانَ كحجاجٍ حملت في عبارتهِ على السماعِ أبدًا، ومن عكس ذلكَ حملناها على الانقطاعِ أبدًا، ومن كانَ كالبخاري، أو لم نعلمْ حالَهُ لا نحكمُ عليهِ بشيء حتى نعلمَ حقيقةَ الحالِ في الواقعِ بحسبِ كلِ مكانٍ، وهكذا ذكر استعملها أبو قرةَ موسى بنُ طارقٍ في كتابهِ " السننِ في السماعِ " لم يذكرْ سواها فيما سمعَهُ من شيوخه في جميعِ الكتابِ، فمن كانَ كحالهِ، حملناها في كلامهِ على السماعِ، وإلاّ فَصَّلْنا.
وقد عرفَ بتحقيقِ هذا المقامِ منع قولهِ: «فلهُ حكمُ الاتصالِ» (٥) قالَ بعضُ أصحابنا: قالَ شيخُنا حافظُ العصرِ: والذي / ٥٤أ / ظهرَ لي بالاستقراءِ من صنيعِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٥) و(٤٦).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: البغدادي» انظر: الكفاية: ٤٠٨.
(٤) كذا في (أ) و(ف) وتدريب الراوي: «حجاج بن موسى» ولم أقف على ترجمته والذي وقفت على ترجمته هو حجاج بن محمد المصيصي الأعور. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٤٧، والتقريب: (١١٣٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٢٠٣ ]
البخاريِّ أنَّهُ لا يأتي بهذهِ الصيغةِ إلا إذا كان المتنُ ليسَ على شرطهِ في أصلِ موضوعِ كتابهِ، كأنْ يكونَ ظاهرهُ الوقفَ، أو في السندِ من ليسَ على شرطهِ في الاحتجاجِ (١)، فمن أمثلةِ الأولِ قوله في كتابِ النكاحِ، في بابِ ما يحلُّ من النساءِ وما يحرمُ: قال لنا أحمدُ بنُ حنبلٍ: حدّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ، هوَ القطانُ، فذكرَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: «حرمَ من النسبِ سبعٌ، ومنَ الصهرِ سبعٌ » الحديثَ (٢).
فهذا من كلامِ ابنِ عباسٍ، فهوَ موقوفٌ، وإنْ كانَ يمكنُ أن يُتلمح لهُ ما يلحقهُ بالمرفوعِ.
ومن أمثلتهِ قوله في المزارعةِ: قال لنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ: حدّثَنا أبانُ العطارُ، فذكرَ حديثَ أنسٍ: «لا يغرسُ مسلمٌ غرسًا» .. الحديثَ (٣) فأبانُ ليسَ على شرطهِ، كحمادِ بنِ سلمةَ، وعبّر في التخريجِ لكلٍ منهما بهذهِ الصيغةِ لذلكَ.
قولهُ: (يلي النوعَ الحاديَ عشرَ) (٤) هو المعضلُ (٥).
قولهُ: (وبلغني عن بعضِ المتأخرينَ) (٦) هو ابنُ القطانِ (٧).
قولهُ: (المتصلُ من حيثُ الظاهرُ) (٨) إلى آخرهِ، مُسلّمٌ في: «قالَ لنا» ونحوها، فإنَّ ظاهرها الاتصالُ بالنظرِ إلى اللفظِ، ومن حيثُ احتمالُها للإجازةِ يطرقُها احتمالُ الانفصالِ، وأمّا «قالَ» المجردةُ عن ضميرِ المتكلمِ، فهي بعكسِ هذا،
_________________
(١) أورد الحافظ نحو هذا الكلام في مقدمة تغليق التعليق ٢/ ١٠.
(٢) صحيح البخاري ٧/ ١٣ عقب (٥١٠٥) ولفظة: «الحديث» لم ترد في (ف).
(٣) صحيح البخاري ٣/ ١٣٥ (٢٣٢٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٣.
(٥) من قوله: «قال بعض أصحابنا: قال شيخنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٣، وهي عبارة ابن الصلاح في المعرفة: ١٤٨.
(٧) انظر: نكت ابن حجر ٢/ ٦٠٠ وبتحقيقي: ٣٧٢.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ظاهرُها الانفصالُ، ولها حكمُ الاتصالِ من حيثُ احتمالُها لهُ، وبقيةُ ما نَقلَ ابنُ الصلاحِ عن بعضِ المتأخرينَ وقالَ: «متى رأيتَ البخاريَّ يقولُ: وقالَ لي فلانٌ، وقال لنا فلانٌ، فاعلمْ أنَّه إسناد لم يذكرهُ للاحتجاجِ بهِ، وإنما ذكرهُ للاستشهادِ بهِ، وكثيرًا ما يعبرُ المحدّثونَ بهذا اللفظِ عما جرى بينهم في المذاكراتِ، والمناظراتِ، وأحاديثُ المذاكرةِ قلَّ ما يحتجونَ بها» /٥٤ب/ قال (١): «وما ادّعاهُ على البخاري مخالفٌ لما قالهُ مَن هوَ أقدمُ منهُ، وأعرفُ منه (٢) بالبخاريِّ، وهوَ العبدُ الصالحُ أبو جعفر بنُ حمدانَ النيسابوريُّ (٣)، فقد رُوِّينا عنهُ أنَّه قالَ: كلُّ ما في (٤) البخاري: «قال لي فلانٌ» فهوَ عرضٌ ومناولةٌ» (٥).
قولهُ: (قال القعنبي) (٦) كذا بعدهُ في كلامِ ابنِ الصلاحِ: «رَوَى أبو هريرةَ كذا، وكذا ما أشبهَ ذلكَ من العباراتِ، فكلُ ذلكَ حكمٌ منهُ (٧) على مَن ذكرهُ عنهُ بأنَّهُ قد قالَ ذلكَ، ورواهُ، فلن يستجيزَ إطلاق ذلكَ إلاَّ إذا صحَّ عندهُ ذلكَ عنه، ثمَّ إذا كانَ الذي علّقَ الحديثَ عنهُ دونَ الصحابةِ، فالحكمُ بصحتهِ يتوقفُ على اتصالِ الإسنادِ بينهُ، وبينَ الصحابي» (٨)، أي: على الشرطِ الذي تقدمَ في الصحيحِ من الثقةِ والضبطِ إلى آخرِ الشروطِ، ليحترزَ بذلكَ عن مثلِ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٢) لم ترد في (أ) و(ك).
(٣) هو الحافظ أبو جعفر أحمد بن حمدان الحيري النيسابوري الإمام ت (٣١١) هـ. انظر: تأريخ بغداد ٤/ ١١٥، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٩٩، والوافي بالوفيات ٦/ ٣٦٠.
(٤) في (ف): «ما قال».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٨ - ١٤٩، وهذا حكاه الذهبي عن الحاكم: عن ابنه أبي عمرو عنه. سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٠٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤.
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي المعلق».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٣ - ٩٤.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بهزٍ، وأنظاره ممن أبرزه، وليسَ على شرطهِ. وكلامه هذا فيه تسويغٌ للتصحيحِ الذي منعهُ، فتأملهُ. (١)
قوله (٢): (مخالفٌ لكلامهِ الذي قدمناه عنه) (٣)، أي: نقلًا عن التفريعاتِ. (٤) وإنما حملهُ على عدهِ مخالفًا، ظنه أنَّ التعليقَ عندَ ابنِ الصلاحِ خاصٌ بالبخاري، ومسلمٍ، وليسَ كذلكَ. وإنما اقتصرَ على ذكرِهما؛ لأنَّهُ في بحثِ الصحيحِ، فليسَ في كلامهِ اختلافٌ، فإنْ قالَ (٥): عفانٌ مثلًا تعليقٌ بالنسبةِ إلى غيرِ من أخذَ عنهُ، بل وبالنسبةِ إلى من أخذَ عنهُ إذا عرفَ أنَّه لم يسمع ذلكَ (٦) الحديثَ منهُ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في ذلكَ من السادسِ من التفريعاتِ المذكورةِ / ٥٥أ / فإنَّهُ قالَ: «مثالُ ذلكَ قولُه (٧): قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كذا» (٨) إلى أنْ قالَ: «وهكذا إلى شيوخِ شيوخهِ» فرد المحتملِ من كلامهِ إلى الصريحِ أولى من حملهِ على التناقضِ (٩)، واللهُ أعلمُ.
وقولهُ: (حدثَ عنه في مواضعَ من صحيحهِ متصلًا) (١٠) إنما يسلّمُ بالنسبةِ إلى القعنبي، وأما عفانُ فليسَ عندهُ عنهُ (١١) بلا واسطةٍ إلا موضعٌ واحدٌ، اختلفَ فيهِ
_________________
(١) من قوله: «وبقية ما نقل ابن الصلاح » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤.
(٤) عبارة: «أي: نقلًا عن التفريعات» لم ترد في (ك).
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٦) لم ترد في (ك).
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي: المعلق».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٣.
(٩) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح واضحة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤.
(١١) لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢٠٦ ]
على رواةِ البخاري: فبعضهم يقولُ فيهِ: «حدثنا عفانُ» وبعضهم يقولُ: «قالَ عفانُ» (١) وأخرجَ عنه بالوسائطِ كثيرًا (٢) (٣).
قولهُ: (وعلى هذا) (٤) الإشارةُ إلى قولِ ابنِ الصلاحِ: «قال القعنبيُّ: قالَ عفانُ» (٥) بالنسبةِ إلى من أخذَ عنهما.
قولهُ: (وقالَ فلانٌ وهو تدليسٌ) (٦) غيرُ صحيحٍ، وقد تقدّمَ الانفصالُ عن ذلكَ بتفصيلِ الخطيبِ.
قوله: (وكذلكَ مسلم) (٧) غيرُ صحيحٍ، فإنَّ مسلمًا لا يستعملُ «قالَ» (٨) فيما يرويهِ عن شيوخهِ، قالَ الشّيخُ في " النكتِ ": «وهو مردودٌ عليهِ
- أي: ابنِ منده - (٩)، ولم يوافقهُ عليهِ أحدٌ علمتُه، والدليلُ على بطلانِ كلامه أنَّه ضمَّ مع البخاريِّ مسلمًا في ذلكَ، ولم يقل مسلمٌ في " صحيحهِ " بعدَ المقدمةِ عن أحدٍ من شيوخه: قالَ فلانٌ، وإنما رَوَى عنهم بالتصريحِ، فهذا يدلُّك على توهينِ كلامِ ابنِ
_________________
(١) وقع هذا في حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: قال: «قلت كما قال النبي - ﷺ -: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة » فقد ورد في صحيح البخاري بصيغة: «حدثنا عفان» وورد في تحفة الأشراف بصيغة: «قال عفان» قال ابن حجر في النكت: «وقع في رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة: حدثنا عفان، وكذا في سماعنا من طريق أبي الوقت». تحفة الأشراف مع النكت الظراف (١٠٤٧٢).
(٢) عبارة: «وأخرج عنه بالوسائط كثيرًا» لم ترد في (ك).
(٣) انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري ٩/ ١١٧ (٧٢٩٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٤.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٥ وهو كلام ابن منده.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٥ وهو كلام ابن منده أيضًا.
(٨) لم ترد في (ك).
(٩) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
[ ١ / ٢٠٧ ]
منده، لكنْ سيأتي في النوعِ الحاديَ عشرَ ما يدلكَ على أنَّ البخاريَّ قد يذكرُ الشيءَ عن بعضِ شيوخهِ، ويكونُ بينهما واسطةٌ» (١)، وقال في الموضعِ المذكورِ: «ويشكلُ على ما ذكرهُ المصنفُ - أي: من أنَّ ما عبرَ فيهِ البخاريُّ عن شيخٍ له بـ «قالَ» فهوَ متصلٌ - (٢) أنَّ / ٥٥ب / البخاريَّ قال في "صحيحهِ" في كتابِ الجنائزِ، في بابِ ما جاءَ في قاتلِ النفسِ: وقالَ حجاجُ بنُ منهالٍ: حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبُ في هذا المسجدِ، فما نسيناهُ .. الحديثَ (٣). فحجاجُ بنُ منهالٍ أحدُ شيوخِ البخاريِّ، قد سمعَ منهُ أحاديثَ، وقد علّقَ عنهُ هذا الحديثَ، ولم يسمعهُ منهُ، وبينهُ وبينهُ واسطةٌ، بدليلِ أنَّه أوردهُ في بابِ ما ذكر عن بني إسرائيلَ، فقالَ: حدثنا محمدٌ، حدثنا حجاج، حدثنا جرير، عنِ الحسنِ حدثنا جندب .. فذكرَ الحديثَ (٤)، فهذا يدلُّ على أنَّهُ لم يسمعهُ من حجاجٍ، وهذا تدليسٌ. فلا ينبغي أنْ يحملَ ما علّقه عن شيوخهِ على السماعِ منهم، ويجوزُ أنْ يقالَ: إنَّ البخاريَّ أخذَه عن حجاجِ بنِ منهالٍ بالمناولةِ، أو في حالِ المذاكرةِ، على الخلافِ الذي ذكرهُ ابنُ الصلاحِ، وسمعه ممن سمعهُ منهُ، فلم يستحسنِ التصريح باتصالهِ بينهُ وبينَ حجاجٍ، لما وقعَ من تحمّلهِ، وقد صحَّ
عنه (٥) بواسطةِ الذي حدّثهُ بهِ عنهُ، فأتى بهِ في موضعٍ بصيغةِ التعليقِ، وفي موضعٍ آخرَ بزيادةِ الواسطةِ. وعلى هذا فلا يُسمَّى ما وقعَ منَ البخاريِّ على هذا التقديرِ تدليسًا». (٦) انتهى. وسيأتي في التدليس عن الخطيبِ جوابٌ آخرُ.
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٣٤.
(٢) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٢٠ (١٣٦٤).
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٨ (٣٤٦٣).
(٥) في التقييد: «عنده».
(٦) التقييد والإيضاح: ٩١.
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال الشيخُ (١): «وعلى كلِّ حالٍ فهوَ محكومٌ بصحتهِ؛ لكونهِ أتى بهِ (٢) بصيغةِ الجزمِ، كما تقدّمَ فيما قاله ابنُ حزمٍ في حديثِ البخاريِّ عن هشامِ بنِ عمارٍ بحديثِ المعازفِ: مِن أنَّه ليسَ متصلًا عندَ البخاريِّ يمكنُ أنْ يكونَ البخاريُّ أخذَهُ عن هشامٍ مناولةً، أو في المذاكرةِ؛ فلم يصرّح فيهِ بالسماعِ» (٣).
وقولهُ: (إنَّهُ لا / ٥٦أ / يصحُّ، وإنَّهُ موضوع) (٤) مردودٌ عليهِ، فقد وَصَلهُ غيرُ البخاريِّ من طريقِ هشامِ بنِ عمارٍ، ومن طريقِ غيرهِ، فقالَ الإسماعيليُّ: إلى آخرهِ (٥)، واختلفَ في محمدٍ شيخِ البخاري في حديثِ جندبَ، فقيلَ: هو محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ، وهوَ الظاهرُ، فإنَّهُ رَوَى عن حجاجِ بنِ منهالٍ، والبخاريُّ عادتهُ لا ينسبهُ إذا رَوَى عنهُ، إمّا لكونهِ من أقرانهِ، وإمّا لما جرى بينهما، وقيلَ: هو محمدُ بنُ جعفرَ السمنانيُّ. ثمَّ قالَ: وقد يجابُ عن المصنفِ بما ذَكرهُ هنا عقبَ الإنكارِ على ابنِ حزمٍ، وهوَ قولهُ: «والبخاري قد يفعلُ مثلَ ذلكَ؛ لكونِ ذلكَ الحديثِ معروفًا من جهةِ الثقاتِ عن ذلكَ الشخصِ الذي علّقهُ عنهُ، وقد يفعلُ ذلكَ، لكونهِ قد ذكرَ الحديثَ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ متصلًا، وقد يفعلُ ذلكَ لغيرِ ذلكَ من الأسبابِ التي لا يصحبُها خللُ الانقطاعِ» (٦). انتهى.
فحديثُ النهي عن المعازفِ من بابِ ما هوَ معروفٌ من جهةِ الثقاتِ عن هشامٍ كما تقدمَ، وحديثُ جندبَ من بابِ ما ذكرهُ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ
مسندًا. (٧)
_________________
(١) يعني: العراقي.
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) التقييد والإيضاح: ٩١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦ بتصرف والكلام عائد لابن حزم في المحلى ٩/ ٥٩.
(٥) جاء في حاشية (أ): «تقدم»، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٧.
(٧) من قوله: «قال الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٠٩ ]
قوله: (وأخطأ في ذلكَ من وجوه) (١)، أي: منها قولهُ: «لم يتصلْ ما بينَ البخاريِّ، وصدقةَ بنِ خالدٍ» (٢) وإنما حقُّ العبارةِ على مراده ما بينَ البخاريِّ وبينَ هشامٍ، لكن هذا على تقديرِ أَنْ تكونَ هذه عبارةُ ابنِ حزمِ، والذي نقل ابنُ الصلاحِ عنهُ في التفريعاتِ في فنِّ المعضلِ أَنَّهُ قالَ: «منقطع فيما بينَ البخاريِّ، وهشامٍ» (٣) وَاللفظُ الذي ذَكرهُ الشيخُ عزاهُ إلى "المحلى"، وجعلهُ اعتراضًا على ابنِ الصلاحِ، فقالَ: «إنما قالَ ابنُ حزمٍ في " المحلى": هذا حديثٌ منقطعٌ فذَكَرهُ، ثم قالَ: وصدقةُ بنُ خالدٍ هو شيخُ هشامِ / ٥٦ب / بنِ عمارٍ في هذا الحديثِ، وهذا قريبٌ إلاَّ أَنَّ المصنِّفَ (٤) لا يجوّزُ تغييرَ (٥) الألفاظِ في التصانيفِ، وإنِ اتفقَ المعنى» (٦). انتهى.
وَيمكنُ أنْ يكونَ ابنُ حزمٍ عبَّر بما ذَكرهُ ابنُ الصلاحِ في غيرِ "المحلى" (٧).
الثاني: حكمُهُ عليهِ بعدمِ الاتصالِ، وقد وُصِلَ من طرقٍ، والمدارُ في الصحة على الاتصالِ بالثقاتِ، لا على الاتصالِ من جهةِ البخاري، وفي صحيحهِ قال بعضُ أصحابنا: قالَ ابنُ كثيرٍ: «رواهُ أحمدُ في "مسندهِ" (٨)، وأبو داودَ في "سننهِ" (٩)، وخرجهُ البَرْقانيُّ في "صحيحهِ"، وغيرُ واحدٍ مسندًا متصلًا إلى هشامِ بنِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦.
(٢) أي: ابن حزم، وقوله في المحلى ٩/ ٥٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٦.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٥) في (ف): «تفسير».
(٦) التقييد والإيضاح: ٩٠.
(٧) من قوله: «لكن هذا على تقدير » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) مسند الإمام أحمد ٥/ ٣٤٢ - ومن طريقه أبو داود (٣٦٨٨) - من طريق مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمان بن غنم، عن أبي مالك.
(٩) سنن أبي داود (٤٠٣٩) من طريق بشر بن بكر، عن عبد الرحمان بن يزيد بن خالد، عن عطية بن قيس، عن عبد الرحمان بن غنم الأشعري، عن أبي مالك، به.
[ ١ / ٢١٠ ]
عمارٍ» (١)، وقالَ ابنُ عبدِ الهادي: «ورواهُ الطبرانيُّ (٢) عن موسى بنِ سهلِ الجوني البصري، عن هشامٍ» (٣).
الثالث: قوله: (ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ) (٤) وقد صحَّ.
قولهُ: (لا يصحبها خللُ الانقطاعِ) (٥) قالَ الشيخُ في "النكتِ ": «وقد اعترضَ على المصنِّفِ (٦) بأنَّ حديثَ جندبَ الذي ذَكرهُ في الجنائزِ صحبهُ خللُ الانقطاعِ، بأنَّهُ لم يأخذهُ عن حجاجٍ، والجوابُ عنِ المصنِّفِ: أنَّهُ لا يصحبها خللُ الانقطاعِ في الجملةِ، بأنْ يكونَ الحديثُ معروفَ الاتصالِ، إمّا في كتابهِ في موضعٍ آخرَ، كحديثِ جندبَ، أوفي غيرِ كتابهِ، كحديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ، فإنَّهُ إنما جزمَ بهِ حيثُ علمَ اتصالهُ، وصحتهُ في نفسِ الأمرِ، كما تقدّمَ، واللهُ أعلمُ» (٧).
قوله: (وقالَ الطبرانيُّ في "مسندِ الشاميينَ") (٨) قالَ في " النكتِ " بعدَ هشامِ بنِ عمارٍ، حدّثَنا صدقةُ بنُ خالدٍ: «وقالَ أبو داودَ في "سننهِ" (٩): حدّثَنا
عبدُ الوهابِ بنُ نجدةَ، حدّثَنا بشرُ بنُ بكرٍ (١٠)؛ كلاهما -يعني: صدقةَ وبشرَ- (١١)
_________________
(١) اختصار علوم الحديث ١/ ١٢٤، وبتحقيقي: ٩٣.
(٢) في المعجم الكبير (٣٤١٧).
(٣) من قوله: «والمدار في الصحة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٧.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي على ابن الصلاح».
(٧) التقييد والإيضاح: ٩٢.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦، وانظر: مسند الشاميين ١/ ٣٣٤ (٥٨٨).
(٩) سنن أبي داود (٤٠٣٩).
(١٠) في (أ): «بكير» وهو تصحيف، والصواب ما أثبته من سنن أبي داود، وتحفة الأشراف (١٢١٦١)، والتقييد الإيضاح.
(١١) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
[ ١ / ٢١١ ]
عن عبدِ الرحمانِ بن يزيدَ بنِ جابرٍ بإسنادهِ» (١). انتهى.
ففي هذا بيانُ اتصالهِ (٢) من جهةِ غيرِ هشامٍ.
/ ٥٧أ / نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ (٣)
قولهُ: (نقلُ الحديثِ منَ الكتبِ المعتمدةِ) (٤) الألفُ واللامُ في قولهِ:
«المعتمدة» لما عهدَ من اشتراطهِ في الحكمِ بالصحةِ، أنْ ينصَّ عليها الأئمةُ المعتمدونَ في مصنفاتهم المعتمدةِ، أي: المقطوعِ بصحةِ نسبتها إلى قائليها، ويدلُّ على ذلكَ قولهُ: «وأخذُ حديث من كتابٍ منَ الكتبِ المعتمَدةِ، شرطه أنْ يكونَ ذلكَ الكتابُ مقابلًا» (٥) فجعلَ شرطَ المقابلةِ، بعدَ كونهِ معتمَدًا، فعلمَ أنَّ مرادَهُ بالاعتمادِ غيرُ ما ينشأُ عن المقابلةِ، وهو اشتهارُ النسبةِ إلى مَن صنَّفهُ.
ويوضحُ لكَ ذلكَ أنَّ ابنَ الصلاحِ لا (٦) يسوغُ تصحيحَ مالم يصححْهُ الأئمةُ المعتمَدونَ في كتبِهم المعتمَدةِ، ولا شكَّ أنَّهُ لا يجيزُ العملَ والاحتجاجَ إلا بما صحَّ، أو حسنَ، ومتى لم تُحملِ اللامُ على هذا العهدِ، لزمَ منهُ جوازُ تصحيحِ مالم يصححوهُ، فتأملهُ جدًا.
ثمَّ راجعتُ كلامَ ابنِ الصلاحِ، فرأيتُهُ يكادُ يكونُ صريحًا في ذلكَ، فإنَّه قالَ في الثامنةِ منَ الفوائدِ المتعلقةِ بالصحيحِ (٧): «إذا ظهرَ ما قدمناهُ: انحصار طريقِ معرفةِ الصحيحِ، والحسنِ الآنَ في مراجعةِ الصحيحينِ، وغيرِهما من الكتبِ
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٩٢.
(٢) في (ف): «إيصاله».
(٣) من قوله: «قوله: لا يصحبها خلل الانقطاع » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٧ بتصرف يسير.
(٦) لم ترد في (ك).
(٧) عبارة: «في الثامنة من الفوائد المتعلقة بالصحيح» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢١٢ ]
المعتمَدةِ، فسبيلُ مَن أرادَ العملَ، أو الاحتجاجَ بذلكَ » (١) إلى آخرهِ.
قولهُ: (إنْ كانَ ممن يسوغُ له العملُ بالحديثِ) (٢)، أي: من غيرِ مراجعةِ غيرهِ بأنْ يكونَ عالمًا بمعنى ذلكَ الحديثِ، له ملكةٌ يَقوَى بها على معرفةِ المطلوبِ منهُ في ذلكَ، ولا يقالُ: إنَّ مفهومَ هذا أنَّ مَن أخذَ حديثًا لغيرِ عملٍ، ولا احتجاجٍ، يجوزُ له أخذهُ من غيرِ مقابلةٍ، لأنّا نقولُ: أخذهُ حينئذٍ يكونُ للروايةِ، وسيأتي اشتراطُ المقابلةِ لذلكَ.
قوله: (بمقابلةِ ثقةٍ) (٣)، أي: يحصل / ٥٧ب / للناقلِ الوثوقُ بهِ، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ بعدَ قولهِ: «إذا كانَ ممن يسوغُ لهُ العملُ بالحديثِ، أو الاحتجاجُ بهِ لذي (٤) مذهبٍ أنْ يرجعَ إلى أصلٍ قد قابلهُ هوَ، أو ثقةٌ غيرهُ بأصولٍ صحيحةٍ (٥) » إلى آخره. وعبارتهُ غيرُ صريحةٍ في أنَّه يشترطُ ذلكَ، بل هي محمولةٌ -كما قال النوويُّ في "شرحِ مقدمةِ مسلمٍ" - (٦) على الاستحبابِ، والاستظهارِ (٧).
قوله: (أصولٌ صحيحةٌ متعددةٌ مرويةٌ برواياتٍ متنوعةٍ) (٨)، أي: مِثلَ البخاريِّ مثلًا، فإنَّه إذا أرادَ نقلَ حديثٍ من روايةِ أبي الوقتِ منهُ، اشترطَ عند ابنِ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٧.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: صاحب».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٨.
(٦) مقدمة شرح صحيح مسلم ١/ ١٥.
(٧) من قوله: «قوله: بمقابلة ثقة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٧، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٨. وقد عقب النووي في الإرشاد ١/ ١٣٦على قول ابن الصلاح فقال: «وهذا محمول على الاستحباب، ولا يشترط تعداد النسخ، وتنوع الروايات؛ فإن الأصل الصحيح تحصل به الثقة».
[ ١ / ٢١٣ ]
الصلاحِ أنْ يحضرَ ثلاثةَ أصولٍ، فأكثرَ تكونُ رواياتُها متنوعةً، كأنْ يكونَ أحدُها مرويًا عن كريمةَ، والآخرُ عن أبي ذرٍّ، والآخرُ بروايةِ الأصيلي، ثمَّ يقابله عليها،
فما اجتمعتْ عليهِ، تحققَ أنَّ البخاريَّ قالهُ، فيسوغُ له حينئذٍ نقله، وما اختلفَ فيهِ توقفَ فيهِ؛ لأنَّ في بعضِها زيادةً على بعضٍ ونقصًا، ولو كانتِ الأصولُ جميعها بروايةِ أبي الوقتِ لم يكتفِ بها، إلا إذا كانتْ مرويةً عن أبي الوقتِ بطرقٍ متنوعةٍ. هذا ما يظهرُ من كلامهِ، ويوضحهُ تمامهُ بقولهِ: «ليحصلَ له بذلكَ - مع اشتهارِ هذهِ الكتبِ، وبُعْدِها عن أنْ تقصدَ بالتبديلِ والتحريفِ - الثقة بصحةِ ما اتفقت عليهِ تلكَ الأصولُ، واللهُ أعلمُ» (١). انتهى.
فإنها إذا كانتْ روايةُ رجلٍ واحدٍ قلَّ الوثوقُ، وأمكنَ أنْ يكونَ دخلَ عليهِ لبسٌ في كتابتهِ، أو سماعه (٢)، لكنْ بقيَ وراءَ ذلكَ أنَّ مفهومَ كلامهِ أنَّ الذي لم تتفقْ عليهِ الرواياتُ المتنوعةُ / ٥٨أ / لايسوغُ له العملُ بهِ، ولا الاحتجاجُ بهِ، وإذا كان كذلكَ، فليتَ شعري ما الذي يعملُ عندهُ، هل يقولُ: إنَّه ينتقلُ إلى
القياسِ؟ إنْ قالَ بهِ فقد أجازهُ معَ وجودِ نصٍّ صحيحٍ، ومَعاذَ اللهِ من ذلكَ، وإنْ قالَ غير ذلكَ، فما هو؟ ثمَّ (٣) إنْ كانَ مرادُهُ باتفاق النسخِ الاتفاقَ في اللفظِ، كَثُرَ المختلفُ فيهِ جدًا، وإنْ كانَ المرادُ في المعنى، فقد سَهُلَ الأمرُ قليلًا، فإنْ (٤) لم يكنْ لذلكَ الكتابِ إلا طريقٌ واحدٌ، اكتفى فيهِ بأصولٍ منْ غيرِ قيدٍ زائدٍ، وإلا ضاعتْ أكثرُ الأحاديثِ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٨.
(٢) في (ف): «أو إسماعه».
(٣) لم ترد في (أ).
(٤) في (ك): «قال».
[ ١ / ٢١٤ ]
قوله: (بأصلٍ معتمدٍ) (١)، أي: مظنونٌ اعتمادهُ محققٌ، أي: غالبٌ على الظنِّ اعتمادهُ كأنْ يرى نسخًا (٢) بخطِّ شخصٍ من أهلِ العلمِ فيظنَّ أنها معتمدةٌ، وهو مع ذلكَ يجوزُ فيها الغلطُ، ثمَّ يقابلها، فيصحّ ظنهُ، فيترجح ذلكَ الظنُّ حتى يقاربَ التحققَ باعتمادِها.
قولهُ: (فينبغي) (٣) يحتملُ استعمالَ «ينبغي» في الوجوبِ (٤)، ولا تعارضَ حينئذٍ بينَ كلاميهِ، سَلّمنا أنَّ المرادَ بها هنا الاستحباب، لكنْ فرقٌ بينَ أصلِ الحكمِ ووصفهِ، فالاختلافُ في متنِ الحديثِ راجعٌ إلى أصلِ الحكمِ، بحيثُ يوجبُ تغييرَ الحكمِ بسببِ المخالفةِ، بخلافِ وصفِ الحديثِ بكونهِ صحيحًا، أو حسنًا، فإنَّ ذلكَ لا يقتضي إسقاطَ ما وقعَ فيهِ هذا الاختلافُ، فإنَّه إنْ كانَ حسنًا جزمًا ساغَ العملُ بهِ، وإنْ كانَ صحيحًا جزمًا فأولى، وإنْ جُمِعَ اللفظانِ، وكانَ ذلكَ باعتبارِ إسنادينِ فكذلكَ، أو باعتبارِ سندٍ واحدٍ للترددِ، فلا ينخفضُ عن درجةِ الحسنِ، وهوَ المرادُ، فهوَ محتجٌّ بهِ على كلِّ حالٍ. وأخصرُ من هذهِ العبارةِ أنْ يُقالَ: يفرقُ بينَ المخالفةِ في حديثِ النبيِّ - ﷺ -، فيحتاطُ في مقابلته، وبينَ المخالفةِ / ٥٨ب / في كلامِ غيرهِ، فالأمرُ فيهِ أسهلُ.
قوله:
٤٩ - قُلْتُ: (وَلابْنِ خَيْرٍ) امْتِنَاعُ جَزْمٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إجْمَاعُ
قال شيخُنا: «لو قالَ:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٧.
(٢) في (ف): «نسخة».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٧، وهو كلام ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
(٤) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٣٨٤، وبتحقيقي: ١٨٣.
[ ١ / ٢١٥ ]
قلتُ:
حَكَى ابنُ خير امتناعًا نقل سوى مرويه إجماعًا
كانَ أحسنَ».
ثم إنَّ قولَ الناظمِ: «إنَّ «امتناع جزمِ» مبتدأ، و«إجماعُ» خبره» يحتاجُ إلى تتمةٍ، وهوَ أنَّ هذا المبتدأَ والخبرَ في محلِ رفعٍ بالابتداءِ، وخبرُ ذلكَ لابنِ خير، ويكونُ حينئذٍ الحكمُ على لفظِ الجملةِ، أي: هذا الكلامُ لابنِ خير (١)، وإلا تخيلَ أنَّ «لابنِ خير» أجنبيٌّ (٢)، وأنَّه فَصَلَ بهِ (٣) بينَ المعطوفِ، وهوَ «امتناعُ»، وبينَ (٤) حرفِ العطفِ وهوَ الواوُ (٥)، وأمّا على هذا التقديرِ فيصيرُ العاطفُ داخلًا على الخبرِ المتقدمِ (٦)، أو يقالُ: لابنِ خير متعلقٌ بقولهِ:
«إجماعُ»، واللامُ للاختصاصِ، أي: إجماعٌ مختصٌ، نقلهُ بابنِ خير، فهوَ من تعلّقِ الخبرِ، فلم يَفصلْ بينَ المعطوفِ - الذي هوَ «امتناعٌ» - وحرفِ العطفِ أجنبي، أو يقالُ: إنَّهُ متعلّقٌ بوصفِ الخبرِ، ويكونُ (٧) تقديرُ الكلامِ: وامتناعُ نقلٍ سوى مرويهِ إجماعٌ منقولٌ لابنِ خير، وكانت أولًا «نقل» ثمَّ غيرها الناظمُ بقولهِ
«جزم».
هذا ما يتعلّقُ بلفظهِ، وأمّا معناه، فإنَّهُ مشكلٌ جدًا، منطوقًا ومفهومًا، وقد نقلهُ الشّيخُ ساكتًا عنهُ، وكأنَّهُ ارتضاهُ (٨).
_________________
(١) من قوله: «ويكون حينئذٍ الحكم » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) عبارة: «أنّ لابن خير أجنبي و» لم ترد في (ك).
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) «بين» لم ترد في (ك).
(٥) زاد بعدها في (ك): «وبقوله: لابن خير» وأراها مقحمة.
(٦) في (ك): «المقدم».
(٧) من قوله: «أو يقال لابن خير متعلق » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) عبارة: «وقد نقله الشيخ ساكتًا عنه وكأنه ارتضاه» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢١٦ ]
أما منطوقًا؛ فإنَّهُ صرّحَ في أنَّهُ لا يسوغُ لأحدٍ الجزمُ بما وجدهُ منَ الأحاديثِ الصحيحةِ التي ليسَ له بها روايةٌ أصلًا.
وأمّا مفهومًا؛ فإنَّهُ يقتضي أنَّه (١) إذا وَجَدَ حديثًا لهُ بهِ روايةٌ ساغَ له الجزمُ بهِ، سواءٌ كانَ ضعيفًا، أو غيرَ ضعيفٍ، وهذا لا يوافقُ عليهِ أحدٌ، ولكنَّ تعليلهُ بحديثِ: «مَن كَذبَ عليَّ» (٢) يرشدُ إلى أنَّ كلامَهُ ليسَ على ظاهرهِ،
_________________
(١) لم ترد في (أ).
(٢) الحديث صحيح متواتر، ورد عن عدة من الصحابة - ﵃ - منهم:
(٣) جابر بن عبد الله، عند أحمد ٣/ ٢٨٠، والدارمي (٢٣٧)، وابن ماجه (٣٣).
(٤) وخالد بن عرفطة، عند أحمد ٥/ ٢٩٢.
(٥) وزيد بن أرقم، عند أحمد ٤/ ٣٦٦.
(٦) أبو سعيد الخدري، عند أحمد ٣/ ١٢ و٢١ و٣٩ و٤٤ و٤٦ و٥٦، ومسلم ٨/ ٢٢٩ عقب (٣٠٠٤).
(٧) وسلمة بن الأكوع، عند أحمد ٤/ ٤٧ و٥٠، والبخاري ١/ ٣٨ عقب (١٠٩).
(٨) وابن عباس، عند أحمد ١/ ٢٣٣ و٢٦٩، والدارمي (٢٣٨)، والترمذي (٢٩٥٠) و(٢٩٥١).
(٩) وعبد الله بن عمرو، عند أحمد ٢/ ١٧١.
(١٠) وابن مسعود، عند أحمد ١/ ٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٤، والترمذي (٢٦٥٩).
(١١) وعقبة بن عامر، عند أحمد ٤/ ١٥٦.
(١٢) وعلي بن أبي طالب، عند أحمد ١/ ١٣٠.
(١٣) ومعاوية بن أبي سفيان، عند أحمد ٤/ ١٠٠.
(١٤) ويعلى بن مرة، عند الدارمي (٢٤٠).
(١٥) والمغيرة بن شعبة، عند البخاري ٢/ ١٠٢ (١٢٩١)، ومسلم ١/ ١٠ عقب (٤).
(١٦) وأبو هريرة، عند أحمد ٢/ ٤١٣، والدارمي (٥٩٩)، والبخاري ١/ ٣٨ (١١٠) و٨/ ٥٤ (٦١٩٧)، ومسلم ١/ ٨ (٣). قلت: وألف في ذلك الطبراني جزءًا شمل طرق هذا الحديث، وقد رواها جميعها ابن الجوزي في تقدمة الموضوعات ١/ ٥٥ - ٩٣، وبسط الكلام في تخريجها اللكنوي في الآثار المرفوعة: ٢١ - ٣٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
وأنَّ (١) مرادَهُ الزجرُ / ٥٩أ / عن الجزمِ بما لم يعرف كونهُ محتجًا بهِ، وسكتَ عن بيانِ حالهِ، أما إذا نقلهُ بصيغةِ التمريضِ، أوغيرها، ثمَّ بيَّنَ حالَهُ من صحةٍ وسقمٍ، فإنَّه لا يمنعُ من ذلكَ، وكأنَّ ابنَ خير أرادَ هذا المعنى، فانقلبَ عليهِ التعبيرُ عنهُ.
ولو قالَ: «حتى يكونَ عندهُ محتجًا بهِ (٢») بدلَ قوله: «مرويًا » إلى آخره لكانَ حسنًا، وكانَ النظمُ حينئذٍ يكونُ: جزمٍ بغير ثابت إجماعًا (٣).
واعلمْ أنَّ شهرةَ الكتابِ، كموطأ مالكٍ مثلًا -ولو لم تصل نسبتُهُ إلى مصنفهِ إلى حدِّ التواترِ - أقوى من وجودهِ له مرويًا بطريقٍ واحدٍ، أو بطريقِ الإجازةِ، أو الوجادةِ مثلًا؛ إذ المقصودُ الوثوقُ بكونهِ محتجًا بهِ (٤).
_________________
(١) عبارة: «كلامه ليس على ظاهره، وأنّ» لم ترد في (ك).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) من قوله: «وسكت عن بيان حاله » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢١٨ ]
قولهُ:
القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ (١)
٥٠ - وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجًا وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
٥١ - (حَمْدٌ) وَقَالَ (التّرمِذِيُّ): مَا سَلِمْ مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ
٥٢ - بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
٥٣ - وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
قوله: (اختلفَ أقوالُ أئمةِ الحديثِ) (٢) غيرُ مُسلَّمٍ، فليسَ (٣) بينَ أقوالهمِ اختلافٌ، فإنَّ الخطابيَ والترمذيَّ ما تواردا على شيءٍ واحدٍ، بل كلٌّ منهما عرَّفَ نوعًا منهُ (٤)، وأما ابنُ الجوزي فالظاهرُ أنَّهُ لم يردِ الحدَّ، وإنما أرادَ الوصفَ بصفةٍ
_________________
(١) انظر في الحسن: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٩، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٣٧ - ١٥٢، والتقريب: ٤٢ - ٤٩، والاقتراح: ١٩١، ورسوم التحديث: ٦١، والمنهل الروي: ٣٥، والخلاصة: ٣٨، والموقظة: ٢٦، واختصار علوم الحديث ١/ ١٢٩ وبتحقيقي: ٩٦، والشذا الفياح ١/ ١٠٦، والمقنع ١/ ٨٣، ومحاسن الاصطلاح: ٣٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٩، وتنقيح الأنظار: ٦٤، ونزهة النظر: ٤٦، والمختصر: ٧٣، وفتح المغيث ١/ ٦١، وألفية السيوطي: ١٥ - ١٩، والبحر الذي زخر ٣/ ٩٥٠، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٤٥، وفتح الباقي ١/ ١٤٢، وتوضيح الأفكار ١/ ١٥٤، وظفر الأماني: ١٧٤، وشرح شرح نخبة الفكر: ٢٩٣، واليواقيت والدرر ١/ ٣٨٨، وقواعد التحديث: ١٠٥، ولمحات في أصول الحديث: ١٥٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥١.
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٣٨٧، وبتحقيقي: ١٨٥.
[ ١ / ٢١٩ ]
تقربُ الحسنَ منَ التمييزِ، ورسم الخطابيُّ (حمدٌ) (١) بغيرِ ألفٍ وغلطَ كثيرونَ فقالوهُ (أحمدُ) بألفٍ، وحدُّ الخطابيِّ واقعٌ على الحسنِ لذاتهِ (٢).
قوله: (ما عرف مخرجه) (٣)، أي: رجالهُ الذينَ يدورُ عليهم، فكلُّ واحدٍ من رجالِ السندِ مخرجٌ خرجَ منه الحديثُ.
وقولهُ: (وعليهِ مدارُ) (٤) إلى آخرهِ، كلامٌ كاشفٌ، لا أنَّهُ داخلٌ في الحدِّ قال الشيخُ في " النكتِ ": «ما حكاهُ من صيغةِ كلامِ الخطابيِّ قدِ اعترضَ عليهِ فيهِ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ رشيدٍ فيما حكاهُ الحافظُ أبو الفتحِ اليعمريُّ في "شرحِ الترمذيِّ" (٥) / ٥٩ب / فقالَ: إنَّهُ رآهُ بخطِّ الحافظِ أبي عليٍّ الجياني ما عُرفَ مخرجُهُ واستقرَ حالهُ، أي: بالسينِ المهملةِ، وبالقافِ، وبالحاءِ المهملةِ، دونَ راءٍ في أولهِ. قال ابنُ رشيدٍ: وأنا بخطِّ الجيانيِّ عارفٌ (٦»). انتهى.
قال الشيخُ: «وما اعترضَ بهِ ابنُ رشيدٍ مردودٌ، فإنَّ الخطابيَّ قد قالَ ذلكَ في خطبةِ كتابه "معالمِ السننِ" (٧)، وهوَ في النسخِ الصحيحةِ المسموعةِ، كما ذكرَ المصنِّفُ. «واشتهرَ رجالهُ»، وليسَ لقولهِ: «واستقرَ حالهُ» كبيرُ معنىً، واللهُ أعلمُ» (٨) (٩).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥١).
(٢) جاء في حاشية (أ): «والترمذي عرف الحسن لغيره» انظر: نكت ابن حجر ١/ ٣٨٧ وبتحقيقي: ١٨٥ - ١٨٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٥) النفح الشذي ١/ ٢٦٧.
(٦) التقييد والإيضاح: ٤٣.
(٧) معالم السنن ١/ ٦.
(٨) من قوله: «قال الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٩) التقييد والإيضاح: ٤٤.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قوله: (بعض المتأخرينَ) (١) إنما عزاهُ، ولم يجزمْ بهِ من عندِ نفسهِ، لتخصيصِ هذا المتأخرِ الاحتراز بهذينِ النوعينِ، وينبغي تعميمُ الاحترازِ في كلِّ مالم يتصل سندهُ، ويمكنُ الاعتناءُ بهذا المتأخرِ، فيعممُ كلامهُ بأنْ يقالَ: إنَّهُ لم يردّ بالانقطاعِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل أرادَ كلَّ خللٍ ظاهرٍ في السندِ من جهةِ الاتصالِ، وأرادَ بالتدليسِ كلَّ خللٍ خفيِّ من تلكَ الجهةِ، فالمنقطعُ لم يعرف مخرجهُ؛ لأنَّ موضعَ الانقطاعِ لم يعرفِ الراوي الساقطَ منهُ، الذي خرجَ عنه الحديثُ.
قوله: (قبل أن يتبينَ تدليسه) (٢) هو مصدرٌ، مرادٌ بهِ اسمُ المفعولِ، أي: قبلَ أن يتبينَ مُدلَّسُهُ (٣)، أي: الراوي الذي دَلّسَ المدلِسُ ذلكَ الحديثَ عنه، فإذا تبيّنَ أنَّهُ لم يسمع من ذلكَ الذي عنعنهُ عنه، وصرّحَ بالواسطةِ، فقد تبيّنَ تدليسُه، وإذا بينَ الواسطةَ اعتبرناها، فإن أبرزَها بالعنعنةِ أيضًا، كان كأنَّهُ لم يبيّنْ، فيوقفُ حتى يبينَ السماعَ، وإنْ أبرزَها بصيغةٍ من صيغِ السماعِ، فيعتبرُ حالُ الواسطةِ / ٦٠ أ / في الشهرةِ بالصدقِ، وعدمها.
قولهُ: (وأيضًا فالصحيحُ قد عرفَ مخرجه ) (٤) إلى آخره.
قال شيخُنا: «يعتنى بالخطابيِّ، فيقالُ: الحيثيةُ هنا مرعيةٌ؛ لأنَّهُ قد عرفَ الصحيحَ والضعيفَ، فينْزلُ حدَّ الحسنِ على مالم يكن ذكرهُ في حدِّ واحدٍ منهما، وهوَ الأمرُ المتوسطُ بينهما فـ «عرفَ مخرجهُ» بمعنى: لم يفقد سندُهُ الاتصالَ ظاهرًا، كالانقطاعِ، والإرسالِ، ونحوهما، ولا خفيًا، كالتدليسِ، «واشتهرَ رجالهُ» يعني: بالصفاتِ المتوسطةِ بينَ صفاتِ الصحيحِ والضعيفِ، فلا يشترطُ أنْ يبلغوا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: الشخص».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢، وهو كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٩١.
[ ١ / ٢٢١ ]
الاتقانَ المشروطَ في رواة الصحيحِ، بل يكونُ إتقانُهم دونَ ذلكَ، ولا ينْزلونَ في خفةِ الضبطِ إلى القدرِ الموصلِ إلى الضعيفِ. وذكرَ الشيخُ في " النكت " (١) أنَّ قولَ الخطابيِّ: «ما عرفَ مخرجه» كقولِ الترمذيِّ: «ويُروَى نحوه من غيرِ وجهٍ». وقول الخطابيِّ: «اشتهرَ رجالهُ» يعني بالسلامةِ من وصمةِ الكذبِ، هوَ كقولِ الترمذيِّ: «ولا يكونُ في إسناده مَن يُتهمُ بالكذبِ»، وزادَ الترمذيُّ: «ولايكونُ شاذًا».
ولا حاجةَ إلى ذكرهِ؛ لأنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ، فكأنَّهُ كررهُ بلفظٍ متباينٍ، فلا إشكالَ فيما قالاه. ثم اعترضَ (٢) عليهِ بأنَّ كلامَ الخطابيِّ لا يدلُّ على ما قالهُ أصلًا، وأنَّ ما رآهُ (٣) في كلامِ بعضِ الفضلاءِ (٤) بأنَّهُ احترازٌ عن المرسلِ ونحوهِ أحسنُ؛ لأنَّ المرسلَ الذي سَقطَ بعضُ إسناده، وكذا المدلَّسُ الذي سقطَ منهُ بعضهُ، لا يعرفُ فيهما مخرجُ الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يُدرَى مَن سَقطَ من إسنادهِ، بخلافِ مَن أبرزَ جميعَ رجالهِ، فقد عرفَ مخرج الحديثِ من أينَ؟» (٥).
انتهى. / ٦٠ب /.
قلتُ: وقد يُروَى الحديثُ من وجوهٍ كثيرةٍ متباينةٍ، ويكونُ في كلٍ منها سَقطٌ، فتكونُ مجهولةَ المخرجِ.
وقولهُ: (إنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ) (٦) ممنوعٌ، فإنَّه ما يخالفُ الثقةُ فيهِ مَن هوَ أوثقُ منهُ، فقد عرفَ مخرجهُ، وقد يكونُ راويهِ متعددًا، ويخالفهم مَن هوَ في
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٤٤.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر» والاعتراض للعراقي.
(٣) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: العراقي».
(٤) جاء في حاشية (أ): «وهو المعبر عنه في الشرح ببعض المتأخرين».
(٥) التقييد والإيضاح: ٤٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢ بالمعنى.
[ ١ / ٢٢٢ ]
مثلِ عددهم، وهم أوثقُ منهم، واللهُ أعلمُ. (١)
قولهُ: (أي: ابن دقيقِ العيدِ ذكرَ من بعد) (٢) إلى آخره. هذا اعتراضٌ على بحثه الثاني، وهو قولهُ: (وأيضًا فالصحيحُ) (٣) إلى آخرهِ.
قالَ شيخُنا: «والجوابُ عنِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّهُ إنما ذكرَ هذا البحثَ وهو قوله: إنَّ الصحيحَ أخصُّ استطرادًا، وجوابًا عن جمعِ الترمذيِّ وصفي الصحةِ والحُسْنِ لحديثٍ واحدٍ، فذكرَ لذلكَ احتمالاتٍ يصححُ بها كلامهُ منها العمومُ والخصوصُ.
وأما مناقشتهُ للخطابيِّ ففي بابِ الحسنِ. والقاعدةُ: أنَّ ما ذكرَ بحثًا لا يلزمُ الباحث اختيارهُ، وأن ما ذكر في بابهِ هوَ المعتمدُ؛ فالحاصلُ: أنَّهُ لا ينسبُ إليهِ (٤) تناقضٌ» (٥).
قولهُ: (مُخِلٌّ للحدِّ) (٦) صحيحٌ إلا عندَ التجوزِ، وهو حاصلٌ هنا، فالصحيحُ إنما يطلق عليهِ الحسنُ مجازًا باعتبارِ ما كانَ؛ لأنَّ مطلقَ الضبطِ مشترطٌ فيهِ وفي الحسنِ، ثمَّ يشترطُ في الصحيحِ تمامَ ضبطِ راويهِ، فإذا أطلقَ عليهِ «الحسنُ» فبالنظر إليهِ باعتبارِ مطلقِ الضبطِ، ووجودُ الدرجةِ الدنيا، لا ينافي الدرجةَ العليا، كما سيأتي عند قوله: «كلُّ صحيحٍ حسنٌ، لا ينعكسُ» وإنْ لم يُرْعَ فيهِ المجاز، فهوَ مباينٌ للحسنِ؛ لأنَّ الضبطَ المشترطَ فيهِ غيرُ الضبطِ المشترطِ في الحسنِ، فليسَ نسبتهُ منَ الحسنِ، كنسبةِ الإنسانِ من مطلقِ الحيوانِ؛ لأنَّ القدرَ الجامعَ بينهما / ٦١أ / - وهوَ
_________________
(١) من قوله: «وذكر الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٤) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي ابن دقيق العيد».
(٥) انظر: الاقتراح: ١٩٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
[ ١ / ٢٢٣ ]
الحياةُ - موجودٌ في كلٍّ من الإنسانِ والفرسِ مثلًا، على حدٍ سواءٍ، لا كذلكَ الضبطُ الذي في الصحيحِ والحسنِ، والقولُ فيهما كالقولِ في الواجبِ والمباحِ، فكما أنَّ منْ قالَ: إنَّ المباحَ جنسٌ للواجبِ، يقالُ له: يلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ النوعَ - وهوَ الواجبُ - يستلزمُ التخييرَ في فعلهِ وتركهِ، فكذلكَ يلزمُ من قالَ: إنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ، أنْ يقولَ: إنَّ النوعَ - وهو الصحيحُ --يستلزمُ وجودَ خفةِ الضبطِ في راويهِ، وكما أنَّهُ لما قالَ: «هما مأذون في فعلهما واختصَّ الواجبُ بقيدٍ زائدٍ وهو أنَّهُ ممنوعٌ من تركهِ» رُدَّ عليهِ: بأنَّهُ تَرَكَ فصلَ المباحِ، وهوَ أنَّهُ مأذونٌ في تركهِ، فكذلكَ من جعلَ الحسنَ جنسًا للصحيحِ؛ لأنهما يشترطُ في راويهما الضبطُ. واختصَّ الصحيح باشتراطِ مزيدِ الضبطِ في الراوي، يردُ عليهِ: بأنَّهُ تركَ فصلَ الحسنِ، وهو اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ عن ضبطِ الصحيحِ، وكما أنَّ الواجبَ والمباحَ نوعانِ تحتَ الحكمِ، فكذلكَ الصحيحُ والحسنُ نوعانِ للمقبولِ، فإنَّهُ يشملهما؛ لأنَّهُ خبرٌ متصلُ السندِ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلهِ، أو عدولٍ يعضدُ بعضُهم بعضًا، غير شاذٍ ولا معللٍ، واللهُ أعلمُ.
قال شيخنا: «والترمذيُّ عرَّفَ الحسنَ لغيرهِ، وادّعاءُ ابنِ المواقِ (١) أنَّهُ لم يميزْ ممنوعٌ، فإنهُ ميّزهُ بشيئينِ: أحدهما: أنْ يكونَ راويهِ قاصرًا عن درجةِ راوي
_________________
(١) وهو محمد بن يحيى بن أبي بكر، أبو عبد الله بن المواق، مراكشي قال ابن عبد الملك: «كان فقيهًا، حافظًا، مقيدًا، ضابطًا، متقنًا، ناقدًا، محققًا»، وهو تلميذ ابن القطان، له كتاب " بغية النقاد "، و" شيوخ الدارقطني "، و" شرح مقدمة مسلم " توفي سنة (٦٤٨ هـ). وقد وهم صاحب كشف الظنون فخلط بين ابن المواق هذا، وابن مواق آخر اسمه: محمد بن يوسف المتوفى سنة (٨٩٧ هـ)، وهو شارح مختصر الخليل المسمى " التاج والإكليل ". انظر: نيل الابتهاج: ٣٢٤، وكشف الظنون ١/ ٢٥١، والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ٤/ ٢٣١. وقد ذكر ابن سيد الناس كلام ابن المواق في كتابه النفح الشذي ١/ ٢٨٩.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الصحيحِ، بل عن درجةِ راوي الحسنِ لذاته، وهو أنْ يكونَ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، فيدخلَ فيهِ المستورُ والمجهولُ، ونحو ذلكَ. وراوي الصحيحِ لا بدَّ وأنْ يكونَ ثقةً، وراوي الحسنِ لذاتهِ لا بدَّ وأنْ يكونَ / ٦١ ب / موصوفًا بالضبطِ، ولا يكفي كونهُ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، وقد ذكرَ هذا ابنُ المواقِ في نفسِ اعتراضهِ بقولهِ: بل ثقاتٍ، ولم يُتنبهْ له، فإنَّ الترمذيَّ لم يعدلْ عن قوله: «ثقات» وهي كلمةٌ واحدة إلى قولهِ: «لا يكونُ في إسنادهِ من يتهمُ بالكذبِ» إلا لإرادةِ قصورِ رواتهِ عن وصفِ الثقةِ، كما هي عادةُ البلغاءِ في المخاطباتِ.
والثاني: أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ نحوَهُ، وهذا الذي استدركهُ عليهِ ابنُ سيدِ الناسِ (١).
قولهُ: (قال أبو عيسى الترمذيُّ) (٢) لم يبينِ ابنُ الصلاحِ من أينَ نقلَ هذا، فاعترضَ عليهِ الحافظ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقالَ - كما حكاه الشيخُ عنهُ في " النكتِ "- (٣): «هذا إنْ كانَ قد رُويَ عنِ الترمذيِّ أنَّهُ قالهُ، ففي أي كتابٍ له قاله؟ وأين إسنادهُ عنهُ؟ وإنْ كانَ فُهمَ من اصطلاحهِ في كتابهِ "الجامعِ"، فليسَ ذلكَ بصحيحٍ! فإنَّه يقولُ في كثيرٍ منَ الأحاديثِ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ» (٤). قال الشيخُ: «وهذا الإنكارُ عجيبٌ، فإنَّهُ في آخرِ "العللِ" (٥) التي في آخرِ "الجامعِ"، وهيَ داخلةٌ في سماعنا، وسماعِ المنكرِ لذلكَ، وسماعِ الناسِ. نَعَم، ليست في رواية كثيرٍ من المغاربةِ، فإنَّهُ وقعت لهم روايةُ المباركِ ابنِ
_________________
(١) النفح الشذي ١/ ٢٩١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٣) التقييد والإيضاح: ٤٥.
(٤) اختصار علوم الحديث ١/ ١٣٠، وبتحقيقي: ٩٧ - ٩٨.
(٥) العلل آخر الجامع ٦/ ٢٥١ وعبارته: «كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن».
[ ١ / ٢٢٥ ]
عبدِ الجبارِ الصيرفيِّ (١)، وليست في روايتهِ عن أبي يعلى أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ (٢)، وليست في روايةِ أبي يعلى عن أبي علي (٣) السنجيِّ (٤)، وليست في روايةِ أبي عليٍّ، عن أبي العباسِ المحبوبيِّ (٥) صاحبِ الترمذيِّ، ولكنها في روايةِ عبدِ الجبارِ بنِ محمدٍ الجراحي (٦)، عن المحبوبيِّ، ثمَّ اتصلت عنهُ بالسماعِ إلى زماننا لمصرَ والشامِ، وغيرهما منَ البلادِ الإسلاميةِ /٦٢أ / ولكنِ استشكلَ أبو الفتحِ اليعمريُّ في " شرحِ الترمذيِّ " أنَّهُ لو قالَ قائلٌ: إنَّ هذا إنما اصطلحَ عليهِ الترمذيُّ (٧)، كون هذا
_________________
(١) وهو أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله البغدادي الصيرفي توفي سنة (٥٠٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢١٣، وشذرات الذهب ٣/ ٤١٢.
(٢) وهو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر أبو يعلى المعروف بابن زوج الحرة توفي سنة (٤٣٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٢٧٠، وتاريخ الإسلام وفيات (٤٣٨): ٤٥٦.
(٣) «علي» لم ترد في (ف).
(٤) وهو أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة السنجي ورد بغداد وحدث بجامع الترمذي عن أبي العباس المحبوبي وسمع منه أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ٤٢٣، والأنساب ٣/ ٦٦.
(٥) وهو الإمام المحدث محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي، أبو العباس المروزي راوي جامع أبي عيسى الترمذي. توفي سنة (٣٤٦ هـ). انظر: الأنساب ٤/ ٢٤١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٣٧.
(٦) وهو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الجراح بن الجنيد ابن هشام المرزباني الجراحي المروزي. توفي سنة (٤١٢ هـ). وهو راوي كتاب أبي عيسى الترمذي عن صاحبه المحبوبي. انظر: الأنساب ١/ ٣٩٧، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٥٧.
(٧) من قوله: «في شرح الترمذي» إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٢٢٦ ]
الحدِّ الذي ذكرهُ الترمذيُّ اصطلاحًا عامًا لأهل الحديثِ ثم سَاقَ عِبارتَه، ثمَّ قالَ: فقَيَّدَ التِرمذيُّ تَفسيرَ الحَسنِ بما ذَكرهُ في كتَابِ " الجَامعِ "، فَلذلكَ قَال أبو الفَتحِ اليَعمريُّ في " شَرحِ التِرمذيِّ " (١): إنَّهُ لو قَال قائَلٌ: إنَّ هَذا إنمَا اصطَلحَ عليهِ التِرمذيُّ في كتَابِه هَذا، ولَم يَنقلْهُ اصطِلاحًا عَامًا، كانَ لَه ذلِكَ»؛ فَعلى هَذا لا يُنقَلُ عَنِ التِرمذيِّ حدُّ الحَديثِ الحسَنِ بذلِكَ مُطلقًا في الاصطلاحِ العَام (٢») (٣). وبخَطِّ بَعضِ أصحَابِنا أَنَّ شَيخَنا أَفادَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ لبَعضِ مشَايخِ التِرمذيِّ.
قَولهُ: (ابن المواقِ) (٤)، أي: في كتَابهِ " بغيَةِ النُّقادِ " (٥) (٦).
قَولهُ: (صِفةٌ لا تَخصُّ هَذا القِسمَ) (٧)، أي: الحَسنَ مِن حَيثُ هوَ حَسنٌ، لا (٨) يخصُّ هَذا القِسمَ الذي اندَرجَ تحتَ حَدِّ التِرمذيِّ.
_________________
(١) النفح الشذي ١/ ٢٠٥، وانظر تعليق الدكتور أحمد معبد عليه فإنه في غاية النفاسة.
(٢) جاء في حاشية (أ): «بل مخصصًا له بالحسن لغيره».
(٣) التقييد والإيضاح: ٤٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٢.
(٥) قال الدكتور أحمد معبد عبد الكريم في تعليقه على كتاب النفح الشذي: «كتاب له تعقب فيه كتاب " بيان الوهم والإيهام " لشيخه ابن القطان، ويسمى كتابه " بغية النقاد فيما أخل به كتاب البيان أو أغفله أو ألم به فما تمَّمه وأكمله " وللجزء الأول من هذا الكتاب نسخة «ميكروفيلمية» بمكتبة الحرم المكي برقم ٥١ حديث وقد اطلعت على صورة الكتاب فوجدته ناقصًا من أوله ولم أستطع تحديد مقدار النقص، لكنه عمومًا ليس قليلًا، ومنه نسخة بدير الإسكوريال بإسبانيا تحت رقم (١٧٤٩) يبدو أن نسخة الحرم المكي مصورة عنها».
(٦) من قوله: «قوله: قال أبو عيسى الترمذي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٣.
(٨) «لا» لم ترد في (أ).
[ ١ / ٢٢٧ ]
قَولهُ: (وَلم يُشتَرط ذلِكَ في الصَحيحِ) (١) قَال الشَيخُ في " النُكتِ ": «هَكذا اعتَرضَ أبو الفَتحِ عَلى ابنِ المواقِ بهذا في مُقدمَةِ شَرحِ الترمذيِّ (٢)، ثُم خالفَ ذلكَ في أثناءِ الشَرحِ عِندَ حَديثِ عَائشةَ -﵂- كَانَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: «إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ (٣») (٤).
قَولُهُ: (فَتأملْهُ) (٥) حَصلَ التَأمُّلُ، وَظهَر أَنَّ ابنَ سَيِّدِ النَّاسِ فَهِمَ مُرادَ التِرمذيِّ، وأَنَّهُ يشتَرِطُ في الحَسَنِ الذِي اعترضَ ابنُ المواقِ على حَدِّ مَجيئِهِ من وَجهٍ آخَرَ، وَهوَ الحَسنُ لِغيرهِ، وهوَ الذي يَقولُ فِيهِ التِرمذِيُّ: «حَديثٌ حسَنٌ» مِن غَيرِ وَصفٍ آخرَ، وَلا يشتَرِطُ ذَلِكَ في الحَسنِ لذاتِهِ، وَهو الذِي قَد يَصفهُ بكونِه صَحيحًَا، وبكونِه غَرِيبًا، وَنحو ذلكَ، وَاللهُ أعلمُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٣، وانظر النفح الشذي ١/ ٢٩١.
(٢) النفح الشذي ١/ ٢٩١.
(٣) من قوله: «قوله: ولم يشترط ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التقييد والإيضاح: ٦١، والحديث في جامع الترمذي (٧). وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (٧)، وأحمد ٦/ ١٥٥، والدارمي (٦٨٦)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، وابن ماجه (٣٠٠)، والنسائي في " الكبرى " (٩٩٠٧) وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٧٦)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن الجارود (٤٢)، وابن حبان (١٤٤٤)، والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧، والبغوي (١٨٨). وفي خصوص الكلام عن الحديث، وصنيع اليعمري، انظر تفصيل تحقيق محقق النفح الشذي ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٢٢٨ ]
قَولهُ: (وَهوَ إيرادٌ على التِرمذيِّ) (١) إلى آخرِهِ / ٦٢ب/ جَوابُ ابنِ سَيّدِ النَّاسِ هوَ المعتَمدُ، فإنَّهُ إذا حَسَّنَ الفردَ، أرادَ الحسَنَ لذاتِهِ، وإذا حَسَّنَ المعتضد فَإنما حَسنهُ لمجمُوعِ الطُرقِ، فَهوَ الحسَنُ لغيرِه. حَديثُ «إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ» أخرجه مَع التِرمذِيِّ أصحَابُ السُننِ الثَلاثَةِ (٢).
قَولُهُ: (وأجَابَ أبو الفَتحِ) (٣)، أي: في شَرحهِ للتِرمذيِّ، وقال: «الغَريبُ على أقَسامٍ: غَريبٌ سَندًا وَمتنًَا، وَمتنًا لا سَندًا، وسنَدًا لا متنًا، وغريبُ (٤) بَعضِ السَندِ فَقط، وغريبُ بَعضِ المتنِ فَقط، وكلُّها قد ترتقي إلى درجةِ الصحَةِ - إنْ نَهضَ (٥) راويهَا بما حمَل - أو تنحطُّ عَن ذلكَ بحَسبِ انحطاطِهِ، وَليسَ فِيهَا مَا يقبل الحسنَ منفرِدًا بهِ (٦) إلا الغَريبُ سَندًا، لا متنًا، إذا سَلِمَ راويهِ منَ الانحطاطِ عَن درجِة الحَسنِ، وَسَواءٌ قُيدَتْ غَرابتهُ بَراوٍ مُعينٍ، كَقولهِ: غَريبٌ مِن حَديثِ فلانٍ عن فلانٍ، لا نعرفهُ إلا مِن هَذا الوَجهِ، أو لَم يقيدْ» - أي: فإنَّ المتنَ يَكونُ قَد رُويَ مِن وَجهٍ آخرَ يجبرُ ما في السَندِ مِن الوَهنِ (٧) - قالَ: «وأمّا غَرابةُ بَعضِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٣.
(٢) تقدم تخريجه. وقد ورد في الباب أحاديث ضعيفة من حديث أنس، وابن عمر، وابن عباس، وأبي ذر، كما ذكره المباركفوري في تحفة الأحوذي ١/ ٥١، لكنها ضعيفة، ولذلك قال عبد الرحمان بن أبي حاتم في العلل: ١/ ٤٣ (٩٣): «سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب: حديث عائشة».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٣.
(٤) في (أ): «وهو غريب» بزيادة كلمة «هو» وهذا خطأ.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: كان ثقة».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: بالحسن».
(٧) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
[ ١ / ٢٢٩ ]
المتنِ - وَهيَ الزِيادةُ المتَصِلَةُ بِالحَديثِ - فلا يتَأتى فِيهَا التَحسِينُ؛ لأنَّ غرابتَها رَاجِعةٌ إلى المتنِ»، أي: وَقد فرضنَا أنَّهُ ما رُويَ إلا مِن وَجهٍ واحِدٍ، فلا تتَأتَى إرادةُ التِرمذيِّ لَه -قَال (١): «فَقد تبيّنَ أَنَّ الغَريبَ قَد يَقبلُ الوصفَ بِالصحَةِ، أو بالحسنِ، أو بهمَا مَعًا عَلى ما تقَدمَ، وَكما يأتِي عَندهُ (٢) أيَضًا، أَو لا يقبلُ الوَصفَ بواحِدٍ مِنهمَا، فلا يورَدُ على الغَريبِ الموصُوفِ بوصفٍ آخرَ (٣) إلا مَن وَجدهُ مَوصُوفًا بهِ في القِسمِ الذِي يمتَنِعُ وَصفُه بهِ، كَما بينَاه (٤) / ٦٣ أ / وَما أَخَالهُ (٥) يجدهُ» (٦)، وَاللهُ أعلمُ (٧).
قَولُه: (لَيس مَضبوطًا) (٨) رُبَّمَا يعتني بابنِ الجَوزيِّ بمثلِ ما اعتَنى بالخَطَّابِيِّ، ويقَالُ: بل هوَ مَضبوطٌ؛ إنْ كانَ عرف الصَحيحَ والضَعيفَ بِالحَيثيةِ، وَهيَ: أَنَّ ضَعفَهُ بالنِسبةِ إلى الصَحيحِ، واحتمالُه بالنسَبةِ إلى الضَعيفِ، أي: فَيكونُ متوسِطًا بينَهما، لا يَعلو إلى رتبةِ الصَحيحِ؛ لِما فيهِ مِن الضَعفِ، وَلا ينحَطُّ إلى رتبةِ الضَعيفِ؛ لما فِيهِ مِن قلةِ الضَعفِ، ويؤيدُ ذلِكَ أَنَّهُ قالَ عَقبَ ما نُقِلَ عنهُ: «ويَصلحُ
_________________
(١) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي الترمذي».
(٣) يعني: من الصحة أو الحسن.
(٤) يعني القسم الخامس، وهو غريب بعض المتن، حيث ذكر أنه لا يتأتى فيه التحسين - يعني: لغيره -.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي أظنه».
(٦) النفح الشذي ١/ ٣٠٤ - ٣٠٦.
(٧) من قوله: «حديث: إذا خرج من الخلاء » إلى هنا لم يرد في (ك)، وعبارة: «والله أعلم» لم ترد في (ف).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٤، وهذا الكلام لابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٩٥.
[ ١ / ٢٣٠ ]
للعملِ بهِ» (١) فَوصفَهُ بِوصفٍ هَو بَينَ بَينَ؛ فإنَّ الصَحيحَ يوصَفُ بأنَّه يَجبُ العَملُ بهِ، والضَعيفُ أعلى ما يقالُ فيهِ: يُعملُ بهِ في الفَضائلِ، لا مطلَقًا (٢)، واللهُ أعلَمُ.
قَولُه: (وليسَ في كَلام اِلتِرمذيِّ والخَطَّابي) (٣) إلى آخرهِ، بل فيهِ ما يميزُ؛ لأنَّ الحسَنَ نَوعانِ، وكلُّ واحِدٍ منهمَا عَرفَ نَوعًا، كما سَيأتي في كَلامِ ابنِ الصَلاحِ في المقَولةِ الآتِيةِ.
قَولُه: (وَما بكلِ قَولٍ) (٤) إلى آخرِه، إنْ قُدِرَ النَظمُ هَكذَا، احتَملَ أنْ يكونَ الحَدُّ حصلَ بالمجَموعِ؛ لأنَّ نفيَ حُصولِ الحَدِّ بكلِّ وَاحدٍ لا ينفِي حُصولَهُ بِالمجموعِ، وَالكلامُ صَحِيحٌ على هَذا التَقديرِ، فَإنَّ الحدَّ لنوعي الحسن لم يَحصلْ بكلِ واحدٍ، وَإنما حصَل باثنينِ منَ الحُدودِ، أي: لم يَحصل بكلِ واحدٍ منهمَا، بل حصَلَ بكليهِمَا، وَإنْ جَعلَ تقدِيرَ النَظمِ، ومَا بمَجموع (٥) هذِه الحُدودِ حصلَ حَدًا تنفي أنْ يحصلَ الحَدُّ بواحدٍ منهمَا مِن بابِ الأَولى، إلا أنْ يقالَ: إنَّما نفى حُصولَهُ بِالمجَموعِ مِن حيثُ هو مَجموعٌ.
قَولهُ: (وزادَ كونه ما عللا) (٦) إلى آخره، نَفيُ العِلة، والنكارةِ / ٦٣ ب / زَيادةٌ على كُلٍ منهمَا، وَنفيُ الشُذوذِ يَختصُّ بالخَطَّابي، فإنَّ التِرمذيَّ شَرَطَ نفيَهُ
_________________
(١) انظر: الموضوعات ١/ ٣٥.
(٢) من قوله: «ويؤيد ذلك أنه قال عقب » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٤، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٤.
(٥) في (ف): «لمجموع».
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
في (١) نفَسِ حَدهِ. قالَ: وليسَت هذهِ الزيادةُ ضروريةً، بِحيثُ يخَتلُّ الكَلامُ بدونِها، بل غايتُهَا أنْ تكونَ شَرحًا؛ لأنَّ قولَ الخَطابيِّ: «ما عُرفَ مخرجُهُ» يُخرِجُ المْعلَّلَ فإنَّهُ لم يُعرفْ مَخرجُه، والشَاذُّ قِسمٌ من أقسَامِ المعلَلِ، والمنكرُ مُعللٌ على كلِّ حالٍ، أمّا عندَ مَن يسوِي بينهُ وبينَ الشَاذِّ كابنِ الصَلاحِ، فَالقولُ فِيهِ كَالقولِ فيهِ.
وَأمَّا عندَ مَن يشترِطُ أن تكونَ المخالَفةُ وقَعت بينَ ضَعيفَينِ، أحدُهمَا أقوى منَ الآخرِ فَكذلكَ؛ لأنَّهُ مَعلولٌ، وأيضًا فإنَّهُ يَخرجُ بقولِهِ: «وَاشتَهر رجالُهُ».
وَأمَّا بِالنسبةِ إلى كَلامِ الترمذِيِّ فإنَّهُ احتَرزَ عَنِ الشَاذِّ والمنكَرِ مثلهُ، وَالمعلولُ بعلَّةٍ غير الشُذوذِ والنكارةِ مما يَدخلُ في حَدِّ الترمذِيِّ: مِن المرسَلِ والمنقَطعِ، ونحوهِمَا، إذا اعتضَد قَويَ.
قَولُه: (قسمَانِ: أحدُهما) (٢) إلى آخرِه، اعترضَ عليهِ الشَيخُ تَقيُّ الدينِ ابنُ دَقيقِ العِيدِ في " الاقتراح " (٣) إجمالًا، فَقالَ بعدَ أنْ حَكَى كلامَهُ: «وَعليهِ فيهِ مؤاخَذاتٌ ومنَاقشَاتٌ». نقَل ذلكَ الشَيخُ في " النُكتِ " (٤)، ثُمَّ قالَ: «وقَالَ بَعضُ المتأخرِينَ (٥): يردُ على القِسمِ الأَولِ المنقطِعُ والمرسَلُ الذي في رجالِهِ مَستورٌ،
_________________
(١) في (ف): «عن».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠، وقد اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات، أوردها الزركشي مع أجوبته عنها، انظرها في نكته ١/ ٣١٣ - ٣١٧.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٩٦ وعبارته: «وهذا كلام فيه مباحثات ومناقشات على بعض الألفاظ».
(٤) التقييد والإيضاح: ٤٧.
(٥) عني بذلك القاضي بدر الدين بن جماعة؛ إذ ذكر ذلك في مختصره كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في نكته ١/ ٤٠٦ وبتحقيقي: ٢٠٢.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ورُويَ مِثله أو نَحوهُ مِن وجهٍ آخرَ، وَيردُ على الثَاني المرسَلُ الذي اشتهَر رَاويهِ بما ذُكرَ. قَال: فالأحسن أن يقالَ الحسَن: ما في إسنادِهِ المتصل مستورٌ، لهَ به شَاهِد، أو مشهور قَاصِر عن دَرجةِ الاتقانِ، وَخلا مِن /٦٤أ / العلةِ والشُذوذِ». انتهَى.
وَعندِي أَنَّهُ لا يردُ عليهِ (١) شَيءٌ؛ لأنَّهُ لم يسلُك بما ذكرَ مَسلكَ التعريفِ، وَإنما بَيَّنَ القدرَ الذِي نزلَ بهِ الحسَنُ عَن درجةِ الصَحيحِ (٢)، وجَعلهُ شَرحًا لكَلامِ الترمذِيِّ والخَطّابيِّ.
وَالترمذيُّ قد حَكمَ على ما عَرفَ بهِ بأنَّهُ لا يكونُ في إسنادِه مَن يتهمُ بالكَذبِ، وهَذا فرعُ معرِفةِ الاتصَالِ، فالسَاقِط فِي المنَقطعِ والمرسَلِ لا يَسوغُ الحكمُ عليهِ بتُهمَةٍ بكذبٍ.، وَلا عَدمِها؛ لأنَّ الحكمَ على الشَيء فَرعُ تَصورِهِ، وَالخطَّابيُ اشترطَ مَعرِفةَ المَخرجِ، والمرسَلُ لَم يُعرفْ (٣) مَخرجُه، وَاللهُ أعلَمُ (٤).
قَولُه: (ويعتبرُ في كُلِّ هذا مع سَلامتهِ) (٥) إلى آخرِه، شَرحٌ لكَلامِ الخَطَّابيِّ، وَقد تَقدمَ ما فيهِ.
وَاعلمْ أَنَّهُ كانَ ينبغِي لَهُ (٦) أنْ يُقدِّمَ الكَلامَ على حَدِّ الخَطَّابيِّ مِن وجوهٍ: مِنهَا:
أَنَّهُ قدّمَ ذكرَهُ في المقولَةِ التي قَبلهَا.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٢) عبارة: «بين القدر الذي نزل به الحسن عن درجة الصحيح» لم ترد في (ف).
(٣) في (ف): «ما عرف».
(٤) من قوله: «قوله: قسمان أحدهما » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠١.
(٦) لم ترد في (ك).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ومنهَا: أَنَّهُ هوَ الحَسنُ لذاتِهِ.
ومنهَا: أنّ بعضَ أهلِ الحَديثِ يُسميهِ صَحيحًَا.
قَولُه: (مُقتصِرًا كلُّ واحدٍ مِنهمَا) (١) إلى آخرِه، لا نُسلِّمُ ذلكَ، أَمَّا الخَطابيُّ فإنَّهُ قَصدَ إلى ذِكرِ كُلٍّ من الصَحيحِ والحسَنِ بالأصَالةِ، وَغايتُه: أَنَّهُ سَكتَ عمَّا عداهما، فلا يُنسبُ إلى غفلَةٍ، ولا إشكالٍ، وَربمَا لا يوافِقُ على تَسميةِ الحسَنِ لغيرِه حسَنًَا (٢)؛ لأنَّهُ بالنظرِ إلى ذاتِه ضَعيفٌ، وإنَّما يوصَفُ بالحسَنِ في المآلِ، وكذا الكَلامُ على تَركهِ، وتركِ غَيرِه حَد الصَحيحِ لِغَيرهِ.
وأمَّا الترمذيُّ: فلا ينسبُ إلى الغَفلةِ؛ لأنَّهُ يستَعملُ الحسَنَ لذاتِه في المواضِع التي يَقولُ فيهَا: «حَسنٌ غريبٌ» ونحو ذلِكَ، ويمكنُ أنْ يدّعيَ فيهِ: أَنَّهُ عَرف مَا رأى أَنَّه مشكلٌ؛ لأنَّهُ يخرِّجُ الحدِيثَ أَحيانًا، ويقولُ: «فلانٌ ضَعيفٌ» لشَخصٍ في سَندهِ، ثمَّ يقولُ: «هَذا حَديثٌ حسَنٌ» فَخشِيَ أنْ يشكلَ / ٦٤ ب / ذلكَ على النَاظِر، فَيعترِضَ عَليهِ (٣) بأنَّهُ يُحسِّنُ ما يصرحُ بضَعفِ راويهِ، أوِ انقطَاعِهِ، ونحوِ ذَلكَ، فَعرَّفَهُ أَنَّهُ إِنما حَسَّنهُ لكونِهِ اعتَضدَ بتعددِ طُرقِهِ.
قَولُه: (مَصدرُ أمعنَ مِن قَولِ الفقهَاءِ) (٤) كَانَ ينبغِي أَنْ يَقوُلَ: وِمنهُ قولُ الفقهَاءِ؛ لأنَّ المرجِعَ كَلامُ العَربِ، لا قَولُ الفقهَاءِ، قلتُ: وأقربُ ممَّا ذكرهُ أنْ يكونَ منَ الإطالةِ والإكثَارِ. قَالَ في " القاموسِ ": «المعنُ: الطويلُ وَالكَثيرُ، فَمعنى أَمعنتُ النَظرَ: أطلتُهُ، وأكثرتُه، أي: استَقصيتُ فِيهِ، وبالَغتُ جِدًا،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠١.
(٢) من قوله: «ولا إشكال» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وَاللهُ أعلَمُ» (١).
وَقالَ الشّيخُ في " النُكتِ ": «وَقد أنكرَ بَعضُ العُلماءِ المتأخرِينَ لفظَ الإمعانِ، وَقالَ: إنَّه ليسَ عَربيًا، وكذلِكَ قَولُ الفقهَاءِ في التَيمُمِ: أَمعنَ في الطَلبِ، ونحو ذلكَ، وَقد نَظرتُ في ذلِكَ، فَوجدتُه مأخُوذًا مِن أمعنَ الفَرسُ في عَدْوِهِ، أو مِن أمعنَ الماءُ، إذا استنبطَهُ وأخرجَهُ، وَقد حَكَى الأزهرِيُّ في " تَهذيبِ اللغَةِ " (٢) عنِ الليثِ بنِ المظَفرِ: أمعنَ الفَرسُ، وَغيرُه: إذا تَباعدَ في عدوهِ، وَكذا قالَ الجَوهريُّ في "الصحَاحِ"، (٣) وَحكَى الأزهرِيُّ أيضًا: أمعنَ الماءَ إذا أَجراهُ، ويحتَملُ أَنَّهُ مِن أمعنَ إذا أكثرَ، وهو مِنَ الأضدادِ. قال أبو عَمرٍو: المعنُ القَليلُ، وَالمعنُ الكثيرُ، وَالمعنُ الطويلُ، وَالمعنُ القَصيرُ، وَالمعنُ الإقرارُ بالحقِ، وَالمعنُ الجُحودُ والكفرُ للنِّعَمِ، والمعنُ الماءُ الظاهرُ» (٤). انتهَى.
قلتُ: وَمادتُه - بأي تَرتيبٍ كانَ - تدورُ على المعنِ بمعنى المطَرِ والماءِ، وَتارةً يَكونُ كَثيرًا، وَيجرِي فيتبَاعدُ، وتارةً يكونُ قَليلًا، وتارةً يكونُ سَهلًا يَسيرًا. وهو في نَفسهِ خَيرٌ، ومنهُ / ٦٥أ / المعروفُ، وتارةً يعترفُ بهِ، فَيوجبُ الانقيادَ، وتارةً يجحَدُ، وتارةً يَمنعُ، وتارةً يبدلُ، وَيلزمُه النِعمة، فَينشأُ عَنها العِزُّ، وَالمنعةُ (٥)،
وَالنقمَةُ، وَالخضرةُ، والسَوادُ، فتشبَّهُ به الظُلمةُ، وَاللهُ الموفِقُ (٦).
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (معن).
(٢) تهذيب اللغة مادة (معن).
(٣) الصحاح ٦/ ٢٢٠٥.
(٤) التقييد والإيضاح: ٤٦، وانظر معجم مقاييس اللغة ٥/ ٣٥٥، وأساس البلاغة مادة (معن)، ولسان العرب مادة (معن)، والزاهر ٢/ ٥٩٢، ونكت الزركشي ١/ ٣١٢.
(٥) في (ف): «النعمة».
(٦) من قوله: «قلت: وأقرب ممّا ذكره أن يكون » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقَولُه: (فَفي التَهذيبِ) (١)، أي: للأزهري (٢).
قَولُهُ: (وَالفقهَاءُ) (٣) هَذا بقيةُ كَلامِ الخَطَّابي في الحَدِّ المتقدّمِ، وَفصلُه عَنه فدلَّ على أَنَّهُ فَهِم (٤) أنَّهُ ليسَ مِن تمامِ الحَدِّ، بل موضحٌ لَه، وَهو كذلِكَ.
قَولُه: (العلمَاء) (٥) أَعمُّ مِن الفقهَاءِ؛ فَيشملُ المحدِّثينَ، وَالأُصوليينَ وَغيرَهُم، وَإنما خَصَّهُ بجلِّهِم؛ لأنَّ مِن أهلِ الحَديثِ مَن شَدّدَ، فَردَّ بكلِّ عِلةٍ، سَواءٌ كَانت قادِحةً أَم لا، فقد رُوِيَ عن ابنِ أبي حَاتِمٍ: أنَّه قال: سَألتُ أبي عَن حَديثٍ، فقالَ: إسنَادُهُ حَسنٌ، فَقلتُ: يُحتجُّ بهِ؟ فَقالَ: لا.
وَقولُه: (يستَعملُه) (٦)، أي: يعمَلُ بهِ، فالاستعمالُ أخصُّ مِنَ القبول.
قَولهُ: (يتقاصَرُ) (٧) عِبارةُ ابنِ الصَلاحِ: «يتقاصَرُ عنِ الصَحيحِ (٨) في
أَنَّ الصَحيحَ مِن شَرطِه: أَنْ يكونَ جَميعُ رواتِه قد ثَبتت عَدالتُهم، وضَبطُهم، وإتقانهُم؛ إمَّا بالنَقلِ الصَريحِ، أو بطريقِ الاستفَاضَةِ على ما سَنُبينُه إنْ شَاءَ اللهُ تعالى - أي: فِيمَن تقبلُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦.
(٢) تهذيب اللغة ٣/ ١٦.
(٣) التبصرة التذكرة (٥٦).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٥) التبصرة والتذكرة (٥٦).
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٦).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦.
(٨) قال الزركشي ١/ ٣١٨: «يعني: من جهة الرتبة، حتى ولو تعارض حسن وصحيح، قدم الصحيح، وإلا فهما مستويان في الاحتجاج بهما - كما سيأتي في التاسع من كلامه - وكان ينبغي له تقديم التاسع إلى هاهنا، فإنه أنسب».
[ ١ / ٢٣٦ ]
روايتُه، وَمَن تُردُّ- (١) - وذلِكَ غَيرُ مُشتَرطٍ في الحَسنِ؛ فَإنَّهُ يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ، وغير ذلكَ ممَّا تَقدّمَ شَرحُه، وإذا استَبعدَ » (٢) إلى آخرِه (٣)، قَال الشّيخُ في " النُكتِ ": «اعتُرِضَ علَيهِ بأنَّ جَميعَ رُواةِ الصَحيحِ لا توجَدُ فِيهِم هَذهِ الشُروطُ إلا في النزرِ اليسيرِ، قَال: والجَوابُ: أَنَّ العَدالةَ تَثبت إمَّا بالتَنصيصِ عَليهَا، كالمصَرحِ بتوثِيقهِم، وهم كَثيرونَ، أو بتَخرِيجِ / ٦٥ب / مَن التَزمَ الصَحةَ في كتَابٍ (٤) لَه، فَالعدالةُ أيضًَا تَثبتُ بذلِكَ، وَكذلكَ الضَبطُ والإتقَانُ دَرجاتُه متَفاوتةٌ، فلا يُشتَرطُ أعلى وُجوهِ الضَبطِ كَمالكٍ وَشعبةَ، بلِ المرادُ بالضَبطِ أَنْ لا يكونَ مُغفَلًا كثِيرَ الغَلطِ، وذلِكَ بأنْ يعتبرَ حَديثُه بحَديثِ أَهلِ الضَبطِ والإتقَانِ، فَإنْ وافقَهم غَالبًا فَهوَ ضَابطٌ، كمَا ذَكرهُ المصنِّفُ في المسأَلةِ الثَانيةِ مِن النَوعِ الثَالثِ والعشرينَ (٥) - يَعني: مَن تُقبلُ روايتُه، ومَن تُردُّ (٦) - وَإذا كانَ كذلكَ فَلا مانعَ مِن وجودِ هَذهِ الصِفَاتِ في رواةِ صَحيحِ الأحَاديثِ» (٧).
وَقَولُه: في الحسَنِ: (يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ) (٨) فيهِ نَظرٌ؛ إذ لَم يُسبقِ اشتِراطُ مَجيئهِ مِن وجوهٍ، بل مِن غَيرِ وَجهٍ، كما
_________________
(١) جملة: «أي: فيمن تقبل روايته ومن ترد» من البقاعي.
(٢) جاء في حاشية (أ): «يأتي في القولة الثانية في الشرح».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٢.
(٤) في (ف): «كتابه».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٧.
(٦) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٧) التقييد والإيضاح: ٤٧ - ٤٨.
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٧ بتصرف.
[ ١ / ٢٣٧ ]
سَبقَ ذلكَ في كَلامِ التِرمذِي، وَعلى هَذا مَجيئهُ مِن وجهَينِ كَافٍ في حَدِّ الحسَنِ، واللهُ أعلَم. انتهى. (١)
وَسَيأتي في شَرحِ قَولهِ: (طُرقٍ أخرى) (٢) وُقوعهُ فيما اعترضَ بهِ هنا على ابنِ الصلاحِ، على أنَّهُ لا اعتراضَ هنا على ابنِ الصلاحِ بالنسبةِ إلى كلامِ شرحِ الترمذيِّ؛ فإنَّ الذي في كلامهِ أنَّ الحسنَ لغيرهِ يُروَى منْ وجوهٍ أقلها ثلاثةٌ: المعضود منْ وجهٍ، والعاضدُ الذي يكونُ نحوَهُ يُروَى منْ غيرِ وجهٍ منْ وجهينِ فأكثرَ، أضممت طريقي عاضدٍ إلى طريقِ المعضودِ، وكانتْ ثلاثة، لكنهُ مخالفٌ لنصِّ الشّافعيِّ في المرسلِ، فإنَّهُ صرَّحَ بأنَّهُ يُكتفَى فيهِ بوجهٍ واحدٍ يعضدهُ (٣) (٤).
قَولُه: (ومِن أهلِ الحَديثِ مَن لا يفردُ نوعَ الحسَنِ) (٥)، أي: بَل يجعَلُ الحَديثَ قِسمَينِ: مَقبولًا، ومَردودًا، ويُسمِّي المقبولَ صَحيحًَا، لأنَّه كُلَّه محتجٌ بهِ، والمردودَ ضَعيفًَا، وَكما أَنَّ الضَعيفَ أنواعٌ، فَكذلكَ الصَحِيحُ بَعضُه أصَحُّ مِن بَعضٍ.
قَولهُ: (وهو الظَاهِرُ مِن كَلامِ الحَاكِمِ) (٦) قَال شَيخُنا: «وكذلِكَ شَيخُه ابنُ حِبانَ، وَشيخُ ابنِ حبانَ ابنُ خُزيمَةَ».
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٠.
(٣) من قوله: «قوله: يتقاصر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) من قوله: «على أنَّه لا اعتراض» إلى هنا سقط من (أ)، واستدركه الناسخ بالحاشية ملحوقًا، وقد عسر علينا قراءته؛ لعدم وضوحه ودقة حرف الحاشية، وكذلك سقط من (ف) وجاء بدلًا عنه: «من وجوه، بل من غير وجه كما سبق ذلك في كلام الترمذي، وعلى هذا مجيئه».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١١٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٧، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١١٠.
[ ١ / ٢٣٨ ]
قَولُه: (فَإنْ يقل يحتجُّ بالضَعيفِ) (١) هذا إيرادٌ على القَولِ بالاحتجَاجِ بالحسَنِ، كأنَّه قيلَ: أنتمُ احتجَجتُم بِالحسَنِ، وَقد قُلتُم: إنَّهُ نَوعانِ: حَسنٌ لذاتِه، وَلا إشكالَ عَليهِ، وَحسَنٌ لغيرِه، وَهوَ / ٦٦ أ / مَا يكونُ في إسنادِه من ضَعفٍ بالجهَالةِ، أو سُوء الحفظِ، وَنحوِ ذلكَ، ويعتضدُ بمجيئهِ مِن وجهٍ آخرَ، ولو كانَ الوجهُ الآخَرُ مُسَاويًا للأَولِ في الضَعفِ؛ وَعلى هذا يَلزمُ الاحتجَاجُ بالضَعيفِ، أمَّا الطَريقُ الأُولى، فالأمرُ فيهَا وَاضِحٌ، وأمَّا الثانِيةُ فَعلى تَقديرِ كَونِها مُساويةً للأُولى، فَحينئذٍ ضعيفٌ انضَمَّ إلى ضَعيفٍ.
قلنا (٢): مُسلَّمٌ، وَلكنْ ضعيفَانِ يغلبان قويًا، والقوةُ جَاءت مِن الصُورةِ المجموعَةِ. وَأيضًا فإنَّا مَا ردَدنا المستُورَ لضَعفِه، بل لاحتمالِ ضَعفِه، وَعدمِ تحقُقِ صفَةِ الضَبطِ فيهِ، ولا رَدَدنا سَيِّءَ الحِفظِ؛ لأَنَّه لم يَحفظْ؛ بل لاحتمَالِ أَنَّهُ لَم يَحفَظ، فإذا اعتضَد بمَجيئِهِ مِن طريقٍ أخرى، ولو كانَ راويهَا في دَرجتِهِ غلبَ على الظَنِّ أَنَّهُ حفظَ، والعبرةُ في هَذا العلمِ بالظنِّ، وَأحسَنُ ما يدفَع بهِ هذا الإيرادَ المتواترُ، فإنَّه يُفيدُ (٣) القَطعَ مع أَنَّهُ آحادٌ انضمَت، وَربمَا كانَ كلٌ مِن أفرادِه في غَايةِ الضَعفِ.
قَولُه: (مِن هَذهِ البُيوتِ) (٤) أصلَحهُ الشَيخُ فقالَ: «الأبيَات»؛ لِكَونهِ جَمع قلةٍ، فَإنَّهُ مِن الثلاثَةِ إلى العَشرةِ (٥)، وكَذا غيَّرَ قولَهُ فيمَا يَأتي: (بل ذلِكَ مُتفاوتٌ)
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٨).
(٢) في (أ): «قلت».
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) المثبت في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨: «الأبيات»، وهو كذلك ورد لدينا في ثلاث نسخ من النسخ الخطية التي اعتمدناها، وورد عندنا في حينها في إحدى النسخ، وهي نسخة (ص): «البيوت».
(٥) انظر: شرح ابن عقيل ٤/ ١١٤ - ١١٧.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فقالَ: (يختَلفُ) (١) نَقلَ هَذا شيخُنا الحافِظُ برهانُ الدِّينِ الحَلَبيُّ (٢) (٣).
قَولُه: (مِنَ الفقهَاءِ الشَافِعيةِ) (٤) إنما خَصَّهُ بالشَافِعيةِ؛ لأنَّ غيرَهُم يحتَجُّ بالمرسَلِ مُطلَقًا، أو يردُّ مطلَقًا، والشافعيُّ لا يحتجُّ بهِ إلا إذا انضمَّ إليهِ مرسلٌ أو مسندٌ، فكما أَنَّ الانضمامَ هنا أفادَ، فكذلكَ في خبرِ المستورِ (٥).
وغايةُ هذا: أَنَّهُ إلزامٌ للشافعيةِ، وأمّا الحجةُ (٦) العامةُ لهم ولغيرهم فهيَ ما تقدّمَ / ٦٦ ب / آنفًا، وإليهِ أشَارَ بقولهِ: (بأنْ يكونَ ضعفهُ ناشئًا من ضعفِ حفظهِ) (٧) إلى آخرِ كلامهِ.
وقَوله: (جاء نحوه مسندًا) (٨) اعترضَ بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، وأجابَ الإمامُ فخرُ الدينِ في " المحصُولِ " (٩): بأنَّ المرادَ مسندٌ لا يقومُ بهِ لوِ انفردَ حجةٌ، وبهذا يجابُ عن قولِ ابنِ الحاجبِ، وعلى الثاني، أي: واعترض على قولِ منِ احتجَّ بالمرسلِ عندَ اعتضاده بالمسندِ، بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، قالَ: وهوَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨، وقلنا هناك: «في (ف) و(ع) و(س) و(ن): «يتفاوت»، وما أثبته من (ق) و(ص)، وهو الذي غيَّره المصنف بأخرة كما نبه عليه البقاعي ».
(٢) من قوله: «قوله: من هذه البيوت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): «وهو الحلبي المعروف بالتنوخي شارح الشفا».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨.
(٥) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٤٠٨، وبتحقيقي: ٢٠٣.
(٦) «الحجة» لم ترد في (ف).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨.
(٩) المحصول ٤/ ٤٦١، وانظر: نكت ابن حجر ٢/ ٥٦٧، وبتحقيقي: ٣٤١.
[ ١ / ٢٤٠ ]
واردٌ، فقد وضحَ بكلامِ الفخرِ عدمُ ورودهِ. وأجابَ غيرُ الإمامِ فخرِ الدينِ بأنَّ ثمرتهُ تظهرُ عندَ ما لو عارضهُ مسندٌ مثلهُ فردٌ (١)، فإنا نرجحُ هذا المسندَ الذي عاضده المرسلُ، فيصيرُ تقديرُ كلامِ الشّافعي حينئذٍ (٢) بأنْ يقالَ: المرسلُ إذا عضدهُ مسندٌ، فإنْ كانَ صالحًا للاحتجاجِ بهِ وحدهُ ظهرتِ الثمرةُ عندَ الترجيحِ، وإنْ كانَ لا تقومُ بهِ حجةٌ لوِ انفردَ، فهوَ الذي يعضده (٣) المرسل مطلقًا، ويرتقي كلٌّ منهما بالآخرِ إلى درجةِ الاحتجاجِ بهِ.
قال شيخُنا: «لكنْ كلامُ الشّافعي ربما يأتي شمولُ العاضدِ المسندَ للضعيفِ، فإنَّه قالَ - كما ذكرهُ الشيخُ عندَ قولهِ: «لكنْ إذا صحَّ لنا مخرجهُ» - ما نصهُ
: «والمنقطعُ مختلفٌ فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - منَ التابعينَ، فحدّثَ حديثًا منقطعًا » إلى أَنْ قالَ: «فإن شَركَهُ الحفّاظُ المأمونونَ، فأَسندوهُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - بمثلِ معنى (٤) ما رَوَى ..» (٥) إلى آخرهِ. فقولهُ: «الحفّاظُ المأمونونَ» يخرجُ الإسنادَ الضعيفَ / ٦٧ أ /؛ لأنَّ الحفاظَ المأمونينَ إذا شركوا التابعيَّ الذي أرسل كانوا أيضًا تابعينَ.
قلتُ: وفيهِ نظرٌ؛ لجوازِ أَنْ يرويَ المأمونونَ من التابعينَ عن تابعينَ ضعافٍ، فيكونُ السندُ الموصولُ ضعيفًا؛ لضعفِ من بعد المأمونينَ.
_________________
(١) عني بذلك النووي، والله أعلم، إذ ذكر ذلك في إرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٧١.
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) في (ف): «يعاضد».
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) الرسالة للشافعي الفقرات: (١٢٦٣) - (١٢٦٥).
[ ١ / ٢٤١ ]
واعترضَ الشّيخُ في " النكتِ " على ابنِ الصلاحِ، من حيثُ إنَّهُ لم يقيد التابعيَّ، والشّافعيُّ قيدهُ بالكبارِ منهم كما سيأتي نقلُ ذلكَ عنهُ في بحثِ المرسلِ. قالَ: «فإطلاقُ الشيخِ النقلَ عن الشّافعيّ ليسَ بجيدٍ، وقد تبعهُ على ذلكَ الشيخُ محيي الدينِ في عامةِ كتبهِ، ثمَّ تنبهَ لذلكَ في شرحِ " الوسيطِ " المسمى بـ" التنقيحِ "، وهو من آخرِ تصانيفهِ، فقالَ فيهِ: وأما الحديثُ المرسلُ فليسَ بحجةٍ عندَنا، إلا أنَّ الشافعيَّ قال: «يجوزُ الاحتجاجُ بمرسلِ الكبارِ منَ التابعينَ، بشرطِ أنْ يعتضدَ بأحدِ أمورٍ أربعةٍ » فذكرها. (١)
وقولُ النوويِّ هنا: يجوزُ الاحتجاجُ، أخذهُ من عبارةِ الشافعي في قولهِ: «أحببنا أنْ نقبلَ مرسلهُ» (٢)، وقد قالَ البيهقيُّ في "المدخلِ": «إنَّ قولَ الشافعي: «أحببنا» أرادَ بهِ اخترنا» (٣). انتهى.
- قالَ -: وعلى هذا، فلا يلزمُ أنْ يكونَ الاحتجاجُ بهِ جائزًا فقط، بل يقالُ: اختارَ الشّافعيُّ الاحتجاجَ بالمرسلِ الموصوفِ بمَا ذكرَ، أمّا كونه على سبيلِ الجوازِ، أو الوجوبِ، فلا يدلُّ عليهِ كلامهُ، واللهُ أعلمُ (٤») (٥).
قوله: (من أخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ التابعيِّ الأولِ) (٦)، أي: فلو جاءَ مرسلٌ آخرُ بنحوهِ، أرسله مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ هذا التابعيِّ، لم يكنْ عاضدًا؛
_________________
(١) انظر: إرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٧٥ - ١٧٩.
(٢) الرسالة الفقرة (١٢٧٤) بتحقيقي، وانظر عن شروط الشافعي في قبول المرسل: نكت الزركشي ١/ ٤١٩، والتقييد والإيضاح: ٤٨، ونكت ابن حجر ١/ ٤٠٨ وبتحقيقي: ٢٠٣.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من المدخل، ولعله مما سقط منه.
(٤) من قوله: «قال شيخنا: لكن كلام الشافعي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٥٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٢٤٢ ]
لأنَّهُ يطرقهُ احتمالُ أنْ تكونَ تسميته غيرَ ذلكَ / ٦٧ ب / التابعي من قبيلِ الاضطرابِ والاختلافِ منَ الرواةِ، فإذا كانَ الذي أرسلَ لم يأخذْ عن أصحابِ هذا التابعي لم يجىءْ هذا الاحتمالُ. قالَ شيخُنا: «وهذا كلامُ (١) منْ طالتْ ممارستهُ لهذا الفنِّ، وكَثُرَ استعمالُه إياهُ، ودامَ تصرفُه في أنواعِ فنونه، حتى صار مالكَ قيادهِ، وجهبذَ نقادهِ. قالَ: ومثالُ ذلكَ أنْ يرويَ عقيلٌ، عنِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن النبي - ﷺ - حديثًا، ويرويهِ بعينهِ أو معناهُ يونسُ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، فلا يكونُ هذا عاضدًا لذلكَ المروي عن سعيدٍ؛ لاحتمالِ اختلافِ الرواةِ على الزهريِّ، وأنْ يكونَ الزهريُّ إنما رواهُ من إحدى الطريقينِ فقط، فلو رواهُ أحدٌ من الرواةِ عنِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عددناه عاضدًا؛ لابتعادِ (٢) احتمالِ الاختلافِ على مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ التابعيِّ الأولِ، وهم رواةُ الزهريِّ الآخذِ عن سعيدٍ. هكذا قالَ شيخُنا، والذي يظهرُ لي أَنَّهُ الأقربُ إلى مرادِ الشافعيِّ أَنْ يحملَ الرجالَ على الشيوخِ، فيكونَ المعنى: أرسلهُ مَن أخذَ العلمَ عن غيرِ شيوخِ التابعيِّ الأَولِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ الساقطُ من المرسلِ الأولِ تابعيًا ضعيفًا، فإذا أرسله هذا الثاني الذي لم يروِ عن أحدٍ من شيوخِ الأولِ، علمَ أَنَّ شيخه فيهِ غيرُ شيخِ الأولِ، فعلمَ أَنَّهُ وجهٌ آخرُ.
قولُه: (من وجهٍ آخرَ) (٣) قال (٤) بعده: «وذكرنا له أيضًا ما حكاه الإمامُ أبو المظفرِ السمعانيُّ، وغيرُه عن بعضِ أصحابِ الشافعيِّ، من أَنَّهُ تقبلُ روايةُ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: الشافعي».
(٢) في (ف): «لانتفاء».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
[ ١ / ٢٤٣ ]
المستورِ / ٦٨أ / وإنْ لم تقبل شهادةُ المستورِ (١)؛ ولذلكَ وجهٌ متجهٌ، كيفَ وإنا لم نكتفِ في الحديثِ الحسنِ بمجردِ روايةِ المستورِ على ما سبقَ آنفًا، واللهُ أعلمُ» (٢).
قولُه: (ثم قال في جوابِ سؤالٍ آخرَ) (٣) الضميرُ في «قالَ» لابن الصلاحِ، وصدرُ ذلكَ السؤال: «لعلَ الباحثَ الفهمَ يقولُ: إنا نجدُ أحاديثَ محكومًا بضعفها، مع كونها قد رُوِيَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدةٍ، مثلَ حديثِ: «الأذنانِ منَ الرأسِ» (٤) ونحوهِ، فهلاَّ جعلتُم ذلكَ وأمثالهُ من نوعِ الحسنِ؟ لأنَّ
_________________
(١) قال الزركشي ١/ ٣١٩: «لم أجده في القواطع لابن السمعاني، لكن نقله المازري في شرح البرهان عن ابن فورك».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨.
(٤) هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة منهم: أبو أمامة: أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٨ و٢٦٤ و٢٦٨، وأبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧)، وابن ماجه (٤٤٤)، والطحاوي ١/ ٣٣، والطبراني في " الكبير " ٨/ ١٢١، والدارقطني ١/ ١٠٣، والبيهقي ١/ ٦٦. وأبو هريرة: أخرجه ابن ماجه (٤٤٥)، وأبو يعلى (٦٣٧٠)، وابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١١٠، والدارقطني ١/ ١٠١. وعبد الله بن زيد: أخرجه ابن ماجه (٤٤٣)، والبيهقي ١/ ٦٥. وعبد الله بن عمر: أخرجه الدارقطني ١/ ٩٧. وعائشة: أخرجه الدارقطني ١/ ١٠٠. وعبد الله بن عباس: أخرجه الدارقطني ١/ ٩٩. وهو مروي من حديث غيرهم. قال ابن حجر في النكت ١/ ٤١٥، وبتحقيقي: ٢١٠ بعد أن أورد الروايات، وتكلم عليها: «وإذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق، علم أن للحديث أصلًا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه، والله أعلم». وانظر عنه: نكت الزركشي ١/ ٣٢٠، والتقييد: ٥٠، ونكت ابن حجر ١/ ٤٠٩، وبتحقيقي: ٢٠٤ - ٢٠٥.
[ ١ / ٢٤٤ ]
بعضَ ذلكَ عضدَ بعضًا كما قلتم في نوعِ الحسنِ على ما سبقَ آنفًا، وجوابُ ذلكَ: أَنَّه ليسَ كلُّ ضعيفٍ » (١) إلى آخرهِ.
قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «اعتُرضَ عليهِ بأنَّ هذا الحديثَ رواهُ ابنُ حبانَ في "صحيحهِ"، والجوابُ: أنَّ ابنَ حبانَ أخرجهُ من روايةِ شهرِ بنِ حوشب، عن أبي أمامةَ (٢)، وشهرٌ ضعفهُ الجمهورُ (٣) ومعَ هذا فهوَ من قولِ أبي أمامة موقوفًا عليهِ، وقد بيّنهُ أبو داودَ في "سننهِ" (٤) عقبَ تخريجهِ له عن سليمانَ بنِ حربٍ، قال: «يقولها أبو أمامةَ، وقالَ حمادُ بنُ زيدٍ: فلا أدري أهوَ من قولِ النبي - ﷺ -، أو أبي أمامةَ؟» وكذا ذكرَ الترمذيُّ قولَ حمادِ بنِ زيدٍ، ثمَّ قالَ الترمذيُّ: «هذا حديثٌ ليسَ إسناده بذاكَ القائمِ (٥»). انتهى.
وقد رُوِيَ من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ، جمعهمُ ابنُ الجوزيِّ في " العللِ المتناهيةِ "، وضعّفها كلَّها، واللهُ أعلمُ» (٦). انتهى كلامُ " النكت ".
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) كذلك قال الزركشي في نكته ١/ ٣٢٦، وتعقبهما الحافظ ابن حجر في نكته ١/ ٤١٤ - ٤١٥، وبتحقيقي: ٢١٠ فقال: «فيه نظر، بل ليس هو في صحيح ابن حبان البتة، لا من طريق أبي أمامة، ولا من طريق غيره، بل لم يخرج ابن حبان في صحيحه لشهر بن حوشب».
(٣) انظر: الكامل ٥/ ٥٧، وتهذيب الكمال ٣/ ٤٠٩ (٢٧٦٧)، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٣
(٤) انظر: سنن أبي داود عقب (١٣٤).
(٥) كلام الترمذي في جامعه ١/ ٨٧ عقب (٣٧).
(٦) التقييد والإيضاح: ٥١. وقد تعقب الحافظ ابن حجر في نكته ١/ ٤١٠، وبتحقيقي: ٢٠٥ شيخه العراقي فقال: «قد راجعت كتاب " العلل المتناهية " لابن الجوزي، فلم أره تعرض لهذا الحديث، بل رأيته في كتاب " التحقيق " له قد احتج به، وقواه».
[ ١ / ٢٤٥ ]
كذا جمعَ فيهِ الحافظُ أبو محمودٍ القدسيُّ شيئًا ذكرَ فيهِ ورودَهُ من رواياتٍ شتى، وقال: «إنَّ ادّعاءَ ابنِ الصلاحِ أَنَّهُ مما لا ينجبرُ ضعفهُ / ٦٨ب/ بالعاضد منازعٌ فيهِ؛ لأنَّ ضعفهُ ليسَ من جهةِ فسقٍ في واحدٍ من رواته بكذبٍ، ولا غيره، وكذا ما يعضدُهُ، وأوردَ طرقًا لا يخلو واحدٌ منها عن علةٍ»، ثمَّ نُقلَ عن ابنِ دقيقِ العيدِ أَنَّهُ قالَ: «فإنْ توقّف تصحيحُه عندَ أحدٍ على ذكرِ طريقٍ لا علةَ فيها، ولا كلامَ في رواتها، فقد نتوقّفُ (١) في ذلكِ، لكنَّ اعتبارَ ذلكَ صعبٌ ينتقضُ عليهم في كثيرٍ مما استحسنوهُ وصححوهُ من هذا الوجهِ». انتهى. وهو مُسلّمٌ لولا أَنَّ سليمانَ بنَ حربٍ وقفهُ عن حمادٍ، كما هوَ عندَ أبي داودَ. وسليمانُ ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حافظٌ (٢)، ونقلَ جزمَهُ بذلك الإمامُ أبو الحسنِ الدارقطنيُّ وهو جبلُ الحفظِ والإتقانِ (٣)، فلولا ذلكَ لأفادتهُ الطرقُ المذكورةُ قوةً في المتابعاتِ والشواهدِ، لكنَّ ضعفَها لا ينهضُ لمدافعةِ هذينِ الجبلينِ، ولا واحدٍ منهما، لا سيَّما عندَ مَن (٤) قالوا: إنَّ الواقفَ مقدمٌ على الرافعِ، كما قيلَ: إنَّ النوويَّ قالَ: إنَّ الخطيبَ حكاهُ عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ (٥)، فاستمرَّ حديثُ أبي أمامةَ على ضعفهِ، ولم يوجد من حديثِ غيرهِ ما يستقلُّ بإفادةِ الحكمِ، وما رواهُ ابنُ ماجه (٦) عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ - ﵁ -: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: «الأذنان منَ الرأسِ»، وإنْ كانَ ليسَ في رواتهِ مَن يُنظرُ في حالهِ إلاّ
_________________
(١) في (ف): «يتوقف».
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٢٦٩ (٢٤٨٦).
(٣) سنن الدارقطني ١/ ١٠٣.
(٤) أشار ناسخ (أ) في الحاشية إلى أنّ في نسخة: «اللذين».
(٥) نقل النووي ذلك عن الخطيب في الحكم للمرسل إذا تعارض الوصل والإرسال انظر: الكفاية: ٤١١، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٠١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٦) سنن ابن ماجه (٤٤٣).
[ ١ / ٢٤٦ ]
سويدَ بنَ سعيدٍ، فإنهمْ قالوا: إنَّه لما عَمِيَ صارَ يتلقنُ، فاشتدَّ اضطرابُ حديثهِ، وهو وإنْ كانَ قد أخرجَ لهُ مسلمٌ محتملٌ لأنْ يكونَ لم يخرجْ له إلا ما عَرفَ أَنَّهُ لم يتلَقَّنْ فيهِ (١)، مع أَنَّ / ٦٩أ / شيخَنا حافظَ عصرهِ قالَ في " تخريجِ أحاديثِ الرافعي ": «إنَّهُ بيَّنَ (٢) في كتابهِ في المدرجِ أَنَّهُ مدرجٌ، وإنْ كانَ قد قوَّاهُ
المنذريُّ، وابنُ دقيقِ العيدِ» (٣).
قلتُ: ومنِ استظهرَ لعدمِ الإدراجِ بأنَّهُ روي تارةً مفتتحًا بما للأذنينِ منهُ (٤)، وتارةً مقتصرًا عليهِ، مجاب بأنَّ ذلكَ من ثمراتِ القولِ بالروايةِ بالمعنى، فقدّمَ الراوي، وأخَّرَ، وأسقطَ، واقتصرَ، وخفيَ عليهِ أمرُ الإدراجِ، فإنَّ من شأنِ العللِ الخفاء إلا على الجهابذةِ النقادِ، ويعارضهُ أيضًا فيضعفهُ ما رواهُ البيهقيُّ (٥) عنهُ: «أَنَّ النبي - ﷺ - أَخذَ لأذنيهِ ماءً خلاف الماءِ الذي أخذَ لرأسهِ»، وهو عند أبي داود عنه أيضًا (٦)، فدلَّ على أنهما ليسا منَ الرأس، وأَنهما عضوانِ مستقلانِ، فإنَّ المرادَ بذلكَ أَنهما في المسحِ أصلٌ، لا تبعٌ لشيءٍ، لا أنهما يطلقُ عليهما مسمى الرأسِ أولًا، وكذا ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ أَنسٍ - ﵁ -، فلا معارضَ حينئذٍ لقولِ الشافعيِّ -﵀ -: «وليست الأَذنانِ منَ الوجهِ، فتغسلانِ، ولا منَ الرأسِ، فيجزي مسحهُ عليهما، فهما سنةٌ على حيالهما» (٧).
_________________
(١) ينظر في سويد بن سعيد: تهذيب الكمال ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٢) في (ف): «تبين».
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: الحديث».
(٥) السنن الكبرى ١/ ٦٥.
(٦) عبارة: «وهو عند أبي داود عنه أيضًا» من (ف) فقط.
(٧) من قوله: «هكذا قال شيخنا، والذي يظهر لي أنه الأقرب » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٤٧ ]
قوله: (وذلكَ كالضعفِ الذي ينشأ ) (١) إلى آخره، مرادهُ - واللهُ أعلمُ - بالشاذِّ (٢) هنا ما راويهِ ضعيفٌ بعيدٌ عن درجةِ من يحتجُّ بهِ، وهوَ الذي قال: إنَّهُ الشاذُّ المنكرُ، كما سيأتي في بابه، وإنما خصصناهُ بذلكَ؛ لأنَّ كلامهُ هنا في ضعفٍ لا ينجبرُ بالعاضد، وعلى كل حالٍ كانَ ذِكرُهُ الشاذَّ فقط يُفهمُ أَنَّ المتهمَ بالكذبِ لا يجبرُ من بابِ الأولى، على أَنَّ هذا الضعيفَ الواهي ربما كَثُرَتْ طرقهُ حتى أوصلته إلى درجةِ راويهِ المستورِ، والسيِّءِ الحفظِ، بحيثُ إنَّ ذلكَ / ٦٩ب / الحديثَ إذا كانَ مرويًا بإسنادٍ آخرَ فيهِ ضعفٌ قريبٌ محتملٌ، فإنَّهُ يرتقي بمجموعِ ذلكَ إلى مرتبةِ الحسنِ، وقد جعلنا مجموعَ تلكَ الطرقِ الواهيةِ بمنْزلةِ الطريقِ التي فيها ضعفٌ يسيرٌ، فصارَ ذلكَ بمنْزلةِ طريقينِ، كلٌّ منهما ضعفه يسيرٌ، واللهُ أعلمُ.
قوله:
٦٢ - والحَسَنُ الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ رَاوِيهِ، إذَا أَتَى لَهْ
٦٣ - طُرُقٌ اخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ صَحَّحْتُهُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ)
٦٤ - إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو) عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
ذكرَ في هذهِ الأبياتِ أَنَّ الحسنَ لذاتهِ إذا اعتضد صار صحيحًا، وهذا هوَ الصحيحُ لغيرهِ.
وعليهِ في فعلهِ وقولهِ مؤاخذاتٌ:
الأولى: إنَّهُ إنْ نظر إلى كونِ أصلهِ حسنًا حتى يسوغَ له وضعهُ في بابِ الحسنِ، لَزمهُ أنْ يذكرَ الحسنَ لغيرهِ في بابِ الضعيفِ نظرًا إلى أصلهِ، وإنْ نظرَ إلى مآلهِ، لزمهُ ذكره في بابِ الصحيحِ. ويجابُ بأنَّ الشيخَ أبا عمرٍو - ﵀ -
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٩.
(٢) في (ف): «بالشاهد».
[ ١ / ٢٤٨ ]
أملى الكتابَ شيئًا فشيئًا في دارِ الحديثِ (١) الأشرفيةِ بدمشقَ، فذهلَ عنهُ في بابِ الصحيحِ لذاتهِ، فاستدركهُ هنا، ورأى في ذكرهِ ما يغني الفطنَ عن ذكرِ الحسنِ لغيرهِ في قسمِ الضعيفِ، وأيضًا فالذي حملهُ على ذكرِ الحسنِ لغيرهِ هنا، وعدمِ ذكرهِ في الضعيفِ إرادةُ جمعِ المقبولِ في بابٍ واحدٍ، ولو أخّرهُ إلى الضعيفِ لفاتهُ ذلكَ، بخلافِ الصحيح لغيرهِ؛ فإنَّه معَ مراعاةِ أصلهِ لم يخرجْهُ ذلكَ عن بابِ المقبولِ.
الثانيةُ: قوله: (طرقٌ) (٢) جمعُ كثرةٍ، ولا يشترطُ في جعلهِ صحيحًا مجيئهُ من طرقٍ كثيرةٍ. فإن قيل: هذهِ الصيغةُ تطلقُ أيضًا (٣) في القلةِ، قيلَ: سلّمنا، ولا بدَّ حينئذٍ من أربعةِ طرقٍ: الطريق التي نريدُ أنْ نرقيها إلى الصحةِ، وثلاثةٍ غيرها؛ لأنَّهُ وصفَ طرقًا / ٧٠ أ / بقولِهِ: «أخرى»، أي: غيرَ تلكَ الطريقِ، ولا يشترطُ ذلكَ. فإنِ اعتنى بهِ فقيلَ: إنَّ (٤) أقلَّ الجمعِ اثنانِ، قيلَ: فيكونُ أقلُّ ما يرقى إلى الصحةِ طريقينِ معَ تلكَ الطريقِ، وهذا (٥) غيرُ مسلّمٍ أيضًا، بل أقلُ ما يجبرها طريقٌ، ويشترطُ أن تكونَ مساويةً لها، أو أعلى بشرطِ القصورِ عن درجةِ الصحةِ إنْ كانَ الحكمُ على المتنِ، لكنَّ عبارتهُ فيها حسنٌ من حيثُ إنها تشملُ ما إذا توبعَ بطرقٍ دونه، فإذا
_________________
(١) وتأسيًا بهذه الدار المباركة انشأت - بفضل الله ومنه وكرمه - دار الحديث في العراق في ٢٣/ ربيع الأول / ١٤٢٤ هـ، أسأل الله أن يكتب بها النفع للإسلام والمسلمين، وأن يعينني فيها على نشر عقيدة التوحيد. وأن ينفعني بها يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٣).
(٣) من قوله: «في جعله صحيحًا» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) في (ف): «وهو».
[ ١ / ٢٤٩ ]
انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ، صارت حسنةً للغيرِ، فترتقي بها تلكَ الطريقُ الحسنةُ لذاتها إلى الصحةِ، فإنَّهُ انضمَّ حسنٌ إلى مثلهِ، ولا يضرُّ كونُ أحدهما لذاتهِ والآخر لغيرهِ، وتكونُ هذهِ أقل مراتبِ الصحةِ، ولعلَ هذا هوَ الحاملُ للشيخِ على (١) ذكرِ هذا النوعِ هنا، فإنَّهُ تنازع فيهِ الصحيح باعتبارِ مآلهِ، والحسن باعتبارِ أصلهِ، والضعيف باعتبارِ أصلهِ أيضًا، لما بيناهُ من أَنَّ الحسنَ لغيرهِ يرقى أيضًا، فلما تنازعتهُ الأنواعُ الثلاثةُ قصد إلى ذكرهِ في أوسطها، والعبارةُ المخلصةُ أنْ يقالَ: إذا رُوِيَ من غيرِ وجهٍ نحوهُ، كما قالَ الترمذيُّ في الحسنِ لغيرهِ، وكما قالَ فيهِ أيضًا ابنُ الصلاحِ: «بأنْ رُوِيَ مثلُهُ أو نحوهُ من وجهٍ آخرَ، أو أكثرَ» (٢). بل نحنُ هناكَ إلى تكثيرِ الطرقِ أحوجُ؛ لأنها ثمَّ ضعافٌ، وهنا يحتجُّ بكلٍ منها على انفراده.
قلتُ: وعبارةُ ابنِ الصلاحِ هنا: «إذا كانَ راوي الحديثِ متأخرًا عن درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ، غيرَ أنَّه منَ المشهورينَ بالصدقِ والسترِ، ورُوِيَ معَ ذلكَ حديثُهُ من غيرِ وجهٍ، فقدِ اجتمعتْ له القوةُ منَ / ٧٠ب / الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثه من درجة الحسنِ إلى درجةِ الصحيحِ. مثالُه حديثُ محمدِ بنِ عمرو » (٣) إلى آخره، فقوله: «من المشهورينَ بالصدقِ والسترِ» دونَ قولِ الشيخِ: «مشهورٌ بالصدقِ، والعدالةِ» (٤) وقوله بعد ذلكَ: «فلما انضمَّ إلى ذلك كونه رويَ من أوجهٍ أخر» (٥) ناقلًا له عن ابنِ الصلاحِ بلفظِ الجمعِ، مخالفٌ لما رأيته في كتابِ ابنِ الصلاحِ في نسخةٍ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ، وعليها خطُّ الشيخِ زينِ الدينِ بقراءتهِ لها
_________________
(١) زاد بعدها في (ك): «ما».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٠.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
[ ١ / ٢٥٠ ]
عليهِ بلفظ: «من وجهٍ آخرَ» (١) بالإفرادِ. وقد اعترضَ هو نفسه في " النكتِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ في اشتراطِ الروايةِ من وجوهٍ، كما سبقَ عندَ قوله: «يتقاصرُ عنِ الصحيحِ (٣») (٤) فلو قالَ الشيخُ: «طريقٌ أخرى» لاتَّزَنَ البيتُ وسَلِمَ، وفُهِمَ منه التصحيحُ بطريقين فصاعدًا من بابِ الأولى، واللهُ أعلمُ.
وإنما قيد «نحوها» ليفهمَ منهُ أَنَّ المتنَ إذا كانَ بلفظهِ سواءً كانَ أولى بالتصحيح.
الثالثةُ: تمثيلهُ بحديثِ: «لولا أَنْ أشقَّ على أمتي (٥») والمؤاخذةُ في قوله:
«كمتن» أشدُّ، فإنَّ الحديثَ نفسَهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ، وإنما كانَ ينبغي التمثيلُ بحسنٍ مساوٍ له في مرتبةِ الحسنِ، سواءً كانَ الحسنُ لذاتهِ، أو لغيرهِ، فيفهمُ منهُ استفادةُ تصحيحِ الحديثِ إذا توبعَ بأحسنَ منهُ، أو بصحيحٍ من بابِ الأولى، وأيضًا فإنَّ (٦) المتابعةَ القاصرةَ إنما تعتبرُ إذا لم يعارضها معارضٌ، كأنْ يروي عن شيخهِ مَن يخالفُهُ، وهنا قد روى عن شيخِ محمدِ بنِ عمروٍ من خالفهُ، وذكرَ في الحديثِ قصةً. ومنَ القواعدِ أَنَّ الراويينِ إذا اختلفا قُدّمَ الذي ذكرَ قصةً في حديثهِ؛ لأنَّ ذِكرَها مظنةٌ لزيادةِ ضبطهِ / ٧١ أ / فرَوَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهني، قالَ: «كانَ السواكُ من أذنهِ بمنْزلةِ القلمِ من أذنِ الكاتبِ، لا يقومُ
_________________
(١) ذكرنا في تعليقنا على كتاب معرفة أنواع علم الحديث أن في نسخة (ب): «وجه آخر» بالإفراد وهذا دليل على اختلاف النسخ في كتاب ابن الصلاح.
(٢) التقييد والإيضاح: ٤٨.
(٣) من قوله: «وعبارة ابن الصلاح هنا» إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٢.
(٥) عبارة: «على أمتي» لم ترد في (ك) و(ف).
(٦) لم ترد في (ك) و(ف).
[ ١ / ٢٥١ ]
إلى صلاةٍ إلا استنَّ » (١) فذكره، فخالف وذكرَ قصةً، ولم يتابع أحدٌ محمدَ بنَ عمرٍو في روايته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٢)، ورواهُ الناسُ عن أبي هريرةَ من غيرِ طريقِ أبي سلمةَ (٣)، فهي متابعةٌ لأبي سلمةَ لا للراوي عنهُ محمدِ بنِ عمرٍو، فلو سلّمنا من شيءٍ آخرَ رجّحنا روايةَ محمدِ بنِ إسحاقَ، لكنْ إنما صححنا طريقَ محمدِ ابنِ عمرٍو؛ لأنَّ الترمذيَّ (٤) قالَ: إنَّهُ سألَ البخاريَّ عن ذلكَ، فصححَ أَنَّ الحديثَ عندَ أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ وعن أبي هريرةَ، لا لمجردِ متابعةِ مَن تابعَ أبا سلمةَ.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٤/ ١١٤ و١١٦ و٥/ ١٩٣، وأبو داود (٤٧)، والترمذي (٢٣)، والنسائي في "الكبرى" (٣٠٤١) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث. وأخرجه: أحمد ٤/ ١١٦ من طريق حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير. كلاهما: عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، به.
(٢) أخرجه: أحمد ٢/ ٢٥٨ و٢٨٧ و٣٩٩ و٤٢٩، والترمذي (٢٢)، والنسائي في "الكبرى"
(٣) ، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٤٤، والطبراني في " الأوسط " (٧٤٢٠)، والبيهقي ١/ ٣٧ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
(٤) منهم: حميد بن عبد الرحمان عند أحمد ٢/ ٤٦٠ و٥١٧، والنسائي في "الكبرى" (٣٠٤٣). وسعيد بن أبي سعيد المقبري عند أحمد ٢/ ٢٥٠ و٢٨٧ و٤٣٣، وابن ماجه (٢٨٧).
(٥) قال الترمذي: «فسألت محمدًا عن هذا الحديث أيهما أصح؟ فقال: حديث زيد بن خالد أصح»، قال أبو عيسى: «وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضًا؛ لأنّ الحديث معروف من حديث أبي هريرة، وفي حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة؛ وكلاهما عندي صحيح». العلل الكبير ١/ ١٠٦ (١٠).
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقوله: (فصحَّ هذا الإسنادُ) (١)، أي: لأنَّ عدالةَ راويهِ (٢) معروفةٌ، وضبطهُ لهذا الحديثِ قد ثبتَ بالمتابعِ، فصار ضابطًا بالنسبةِ إلى هذا الحديثِ، وهذا كما أنا نثبت السماعَ لبعضِ العامةِ في هذا الزمانِ بشهادةِ الضابطِ الثقةِ المعروفِ الخطِّ له بالسماعِ في طبقةِ السماعِ، وإنْ كان هو لا يعرفُ شيئًا، ولا يقبلُ في شيءٍ (٣).
قولهُ: (ليسَ لمطلقِ هذا الحديثِ) (٤)، أي: لفظةُ الحديثِ تشملُ المتنَ والسندَ، فلا تقل مثالُ الحسنِ (٥) الذي يُروَى (٦) من غيرِ طريقٍ، فيصححُ حديثَ
«لولا أن أشقَّ» (٧) بل قيدهُ بكونهِ من طريقِ محمدِ بنِ عمرٍو؛ لأنَّ المتنَ نفسهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ (٨).
قوله: (أم صبية) (٩) بالصادِ المهملةِ، والباءِ الموحدةِ، مصغرٌ، وربما وقعَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٠، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
(٢) في (ف): «رواته».
(٣) من قوله: «وقوله: فصح هذا الإسناد » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦١.
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) في (ف): «روي».
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) صحيح البخاري ٢/ ٥ (٨٨٧) و٩/ ١٠٥ (٧٢٤٠)، وصحيح مسلم ١/ ١٥١ (٢٥٢) (٤٢) من حديث الأعرج، عن أبي هريرة. قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦١: «وهو متفق عليه من طريق الأعرج».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦١.
[ ١ / ٢٥٣ ]
في بعضِ النسخِ غيرُ ذلكَ (١)، وهو خطأ، قال بعضُ أصحابنا: كان في " الشرحِ الكبيرِ " مولى «أمِّ حبيبة» يعني: بحاءٍ مهملةٍ / ٧١ب / مفتوحةٍ، وموحدتينِ، ثمَّ أصلحهُ بخطهِ «صبيةٌ» بالصادِ المهملةِ، وعلم تحتَ الصادِ بصادٍ صغيرةٍ، وشددَ التحتانيةَ، فعلَ ذلكَ في موضعينِ، ووقعَ لهُ موضعُ ثالثٌ «صبيةٌ» سالمًا عنِ الإصلاحِ (٢).
قولهُ:
٦٥ - قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَنِ
٦٦ - فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ
٦٧ - وَمَا بهِ وَهَنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
٦٨ - فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَحْ وَسَكَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ
٦٩ - و(ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ- : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
_________________
(١) قلنا في تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦١: «هكذا مجودة الضبط في (س) و(ق). وفي (ف) و(ع) ونسخة (ن) و(ص): «أم حبيبة» بالحاء المهملة، وهو محض خطأ، وما أثبتناه هو الصواب كما في تحفة الأشراف ١٠/ ٢٨٠ (١٤٢٤٣) وهو الموافق لتهذيب الكمال وفروعه. والحديث في السنن الكبرى للنسائي (٣٠٤٠)، وفي مسند أحمد ١/ ١٢٠، وسنن الدارمي (١٤٩٢)، وشرح معاني الآثار للطحاوي ١/ ٤٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٣ وفي سنن النسائي: «عطاء مولى أم سلمة» وهو تحريف آخر ».
(٢) من قوله: «قال بعض أصحابنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٥٤ ]
ذكرَ في هذهِ الأبياتِ مظنةَ (١) الحسنِ، كما ذكرَ في الصحيحِ مظانهُ (٢) حيثُ قالَ: «الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ» (٣).
وأولُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذهِ المسألةِ: «كتابُ أبي عيسى الترمذيِّ أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسنِ، وهو الذي نوهَ باسمهِ، وأكثرَ من ذكرهِ في " جامعهِ "، ويوجدُ في متفرقاتٍ من كلامِ بعضِ مشايخهِ، والطبقةِ التي قبلهُ، كأحمدَ بنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، وغيرهما (٤). وتختلفُ النسخُ من كتابِ الترمذيِّ في قولهِ: «هذا حديثٌ حسنٌ»، و«هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ» ونحو ذلكَ (٥) ونصَّ الدارقطنيُّ في " سننهِ " على كثيرٍ من ذلكَ (٦).
_________________
(١) قال في الصحاح: «مظنةُ الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع المظان» الصحاح ٦/ ٢١٦٠، وقال في اللسان: «المظان جمع مظنة - بكسر الظاء - وهي موضع الشيء ومعدنه، مفعلة من الظن بمعنى: العلم» لسان العرب مادة «ظنن».
(٢) زاد بعدها في (ك): «لأنه».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٨.
(٤) وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم منهما، كالشافعي، ومالك، بل من هو أقدم، كإبراهيم النخعي، وشعبة، وعلي بن المديني، وغيرهم. ولكن الملاحظ على تعابيرهم: أن منهم من أراد المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لم يرده. انظر: نكت الزركشي ١/ ٣٣١، والتقييد والإيضاح: ٥٢، ونكت ابن حجر ١/ ٤٢٤، وبتحقيقي: ٢١٨ - ٢١٩.
(٥) نقل الزركشي ١/ ٣٣٤ عن ابن دقيق العيد أنه قال: «إن النسخ من كتاب الترمذي تختلف في قوله: حسن صحيح أو حسن، وأكثر ما يعتمده المتأخرون رواية الكروخي، وهي مخالفة في التصحيح لرواية المبارك بن عبد الجبار».
(٦) أي: من الحسن، إذ قال في بعض الأحاديث: «إسناده حسن». انظر على سبيل المثال: سنن الدارقطني ١/ ٤٠ و٦٤، وقال في مواضع: «إسناد حسن». انظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٥ و٤٨ و٥٦ و٣١٨ و٣٣٥ و٣٥١ و٢/ ١٧٠ و١٨٨ و١٩٤ و٣/ ٣٢ =
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومن مظانهِ» (١) إلى آخره. استدركَ الشيخُ في " النكتِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ، فقالَ: «وقد وجدَ التعبيرُ بهِ في شيوخِ الطبقةِ التي قبلهُ أيضًا، كالشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى (٣) - فقال في كتابِ " اختلافِ الحديثِ " عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ: «لقد ارتقيتُ على ظهرِ بيتٍ لنا » الحديثَ: «حديثُ ابنِ عمرَ مسندٌ حسنُ
الإسنادِ» (٤)، وقالَ فيهِ أيضًا: «وسمعتُ من يروي بإسنادٍ حسنٍ أنَّ أبا بكرةَ ذكرَ للنبي - ﷺ -: أنَّه ركعَ دونَ الصفِ » (٥) الحديثَ، قالَ: «وقدِ اعترضَ أيضًا على المصنفِ في قولهِ: إنَّ الترمذيَّ «أكثرَ من ذكرهِ في "جامعهِ"» (٦) بأنَّ يعقوبَ ابنَ شيبةَ في "مسندهِ"، وأبا علي الطوسيَّ شيخِ أبي حاتم أكثرا / ٧٢أ / من قولهما: حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وهذا الاعتراضُ ليسَ بجيدٍ، لأنَّ الترمذيَّ أولُ من أكثر من ذلكَ. ويعقوبُ
_________________
(١) = و١٧٢. وقال في مواضع أخرى: هذا إسناد حسن صحيح. انظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٤٢ و٢/ ١٥٦ و١٥٧ و١٧٥. وقال في ٢/ ١٩٨: «إسناده صحيح حسن». وقال في موضع آخر ٢/ ١٦٩: «إسناد حسن ثابت». وانظر: نكت الزركشي ١/ ٣٣٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
(٣) التقييد والإيضاح: ٥٢.
(٤) وكأحمد بن حنبل؛ إذ ذكر ابن حجر في نكته ١/ ٤٢٥، وبتحقيقي: ٢١٩ - ٢٢٠. أن الخلال قال: حدثنا أحمد بن أصرم: أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة -﵂- في مسِّ الذكر، فقال: هو حديث حسن.
(٥) اختلاف الحديث: ١٦٥، وقد تعقب العراقي تلميذه الحافظ ابن حجر فقال في نكته ١/ ٤٢٥، وبتحقيقي: ٢١٩: «حكم الشافعي على حديث ابن عمر -﵄- بكونه حسنًا خلاف الاصطلاح، بل هو صحيح متفق على صحته».
(٦) اختلاف الحديث: ١٣٠ - ١٣١.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وأبو عليٍ إنما صنفا كتابيهما بعدَ الترمذيِّ، وكأنَ كتابَ أبي علي الطوسيِّ مخرجٌ على كتابِ الترمذيِّ، لكنهُ شاركهُ في كثيرٍ من شيوخهِ، واللهُ
أعلمُ» (١).
وقولُ ابنِ الصلاحِ: «عرفناهُ بأنَّهُ منَ الحسنِ عندَ أبي داودَ» (٢)، وموافقةُ الشيخِ له في نظمهِ وشرحهِ (٣) ليسَ بجيدٍ (٤)، فليسَ بمسلّمٍ (٥) أَنَّ كلَّ ما سكتَ عليهِ أبو داودَ يكونُ حسنًا، بل هو وهمٌ آتٍ (٦) من جهةِ أنَّ أبا داودَ يريدُ بقولهِ:
«صالحٌ» الصلاحيةَ للاحتجاجِ، ومنْ فهمَ أنَّ «أصحَّ» في قولهِ: «وبعضها أصحُّ من بعضٍ» تقتضي اشتراكًا في الصحةِ، وكذا قوله: «إنَّهُ يذكرُ في كلِّ بابٍ أصحَّ ما عرفهُ فيهِ» وليسَ الأمرُ في ذلكَ كذلكَ (٧). أما من جهةِ قولهِ: «صالحٌ»؛ فلأنَّهُ كما يحتملُ أنْ يريدَ صلاحيته للاحتجاجِ، فكذا يحتمل أنْ يريدَ صلاحيتهُ للاعتبارِ؛ فإنَّ أبا داودَ قال في الرسالةِ التي أرسلها إلى مَن سألهُ عنِ اصطلاحهِ في كتابهِ: «ذكرتُ فيهِ الصحيحَ، وما يشبههُ، ويقاربهُ، وما فيهِ وهنٌ شديدٌ بينته، وما لا فصالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعضٍ» (٨)، واشتملَ هذا الكلامُ على خمسةِ أنواعٍ:
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في نكته ١/ ٤٢٦ وبتحقيقي: ٢٢٠: «وأما على بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده ».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٦.
(٣) انظر: التبصرة والتذكرة (٦٨)، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣.
(٤) من قوله: «وأول كلام ابن الصلاح في هذه المسألة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي لأنه ليس بمسلّم».
(٦) في (ف): «أتى».
(٧) عبارة: «وليس الأمر في ذلك كذلك» لم ترد في (ك).
(٨) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ١/ ٣٥ (مع بذل المجهود).
[ ١ / ٢٥٧ ]
الأولُ: الصحيحُ، ويجوزُ أنْ يريدَ بهِ الصحيحَ لذاتهِ.
والثاني: مشبهه، ويمكنُ أنْ يريدَ به الصحيحَ لغيرهِ.
والثالثُ: مقاربهُ، ويحتملُ أنْ يريدَ بهِ الحسنَ لذاتهِ.
والرابعُ: الذي فيهِ وهنٌ شديدٌ.
وقولهُ: «وما لا» يفهمُ منهُ الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، فهو قسمٌ خامسٌ، فإنْ لم يعتضد كانَ صالحًا للاعتبارِ فقط، وإنْ اعتضدَ صار حسنًا لغيره / ٧٢ ب/، أي: الهيئةَ المجموعةَ، وصلحَ للاحتجاجِ، وكانَ قسمًا سادسًا، وعلى تقديرِ تسليمِ أنَّ مرادهُ صالحٌ للاحتجاجِ، لا يستلزمُ الحكمَ بتحسينِ مَا سكتَ عليهِ (١)، فإنَّهُ يرى الاحتجاجَ بالضعيفِ إذا لم يجدْ في البابِ غيرَهُ، كما سيأتي اقتداءً بأحمدَ - ﵁ - قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: «سألتُ أبي (٢) عنْ شخصينِ في مصر منَ الأمصارِ، أحدهما: محدِّثٌ لايدري صحيح الحديثِ منْ سقيمهِ، والآخرُ: فقيهٌ يفتي بالرأيِّ، فنَزلتْ نازلةٌ، مَن يُستَفتَى فيها؟ قالَ: المحدِّثُ الموصوفُ» (٣) على أنَّهُ قدْ نقلَ عنِ الشافعيِّ ما يقاربُ ذلكَ، فإنَّ الماورديَّ حكى أنَّهُ يحتجُّ بالمرسلِ بشروطهِ في سبعةِ مواطنَ، وعدَّ منها ستةً هي موجودةٌ في كلامِ الشافعيِّ، وعدَّ سابعًا: وهوَ أنْ لا يوجدَ في البابِ غيره قالَ شيخُنَا: «وهذا لم نرهُ في كلامِ الشافعيِّ».
وأما منْ جهةِ: «أصح» فلا يخفى عليكَ أنَّ تصريحهُ بأنَّه يحتجُ بالضعيفِ يوضحُ أنَّ مرادهَ المفاضلةُ بينهما في الاحتجاجِ، أي: وبعضها أقوى في بابِ الاحتجاجِ منْ بعضِ، لا المشاركةَ في نفسِ الصحةِ.
_________________
(١) كتب ناسخ (أ) في الحاشية موضحًا: «إنه أبو داود».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٧٠.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وعن ابنِ كثيرٍ ما حاصلهُ أنَّ قولهُ: «بعضها أصحُّ منْ بعضٍ» يقتضي الصحةَ، إلاَّ أنْ يجابَ بأنَّهُ على رأيِّ المتقدمينَ في تسميةِ الحسنِ صحيحًا، أو أنَّ المرادَ بالأصحيةِ الأمرُ (١) النسبيُّ، أي: أنَّ بعضها أقلّ وَهْنًا منْ بعضٍ (٢)، فظهرَ بهذا أنَّ مرادهُ بـ «صالح» المعنى العامِ، أي: صالحٍ للاحتجاجِ إنْ لمْ يكنْ في البابِ غيرهُ، أو كانَ في البابِ غيرهُ، واعتضدَ، وصالحٌ للاعتبار إنْ كانَ في البابِ غيرهُ، ولم / ٧٣ أ / يعتضد، وأنَّ «أصحَّ» ليست على بابها.
وقولهُ: (وقد يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنٍ ) (٣) إلى آخرهِ، قالَ شيخُنا: «ويمكنُ أنْ يكونَ فيهِ ما ليسَ بحسنٍ عندَ أبي داودَ نفسهِ، وهو الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، ويقالُ لابنِ الصلاحِ: إذا جازَ ذلكَ، فكيفَ يطلقُ عليهِ اسمُ الحسن؟ وإنْ قلتَ: حسنٌ عندهُ، فمن أينَ ذلكَ؟ والحالُ أنَّ قولَهُ: «صالح» يصلحُ لأنْ يجعلَ متعلقه الاحتجاجَ والاعتبار، واعتراضُ ابنِ رشيدٍ على قولهِ بأنَّه من الحسنِ عندَ أبي داودَ متجهٌ كما قالَ الشيخُ، وجوابُ الشيخِ يردهُ احتمالُ أنْ يكونَ ذلكَ الحديثُ ضعيفًا، فأينَ الاحتياطُ؟».
قلتُ: ونقلَ عن ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: «ويُروَى عن أبي داودَ أنَّهُ قالَ: وما سكتُّ عنهُ فهوَ حسنٌ» (٤). انتهى.
_________________
(١) «الأمر» من (ف) فقط.
(٢) من قوله: «وعن ابن كثير ما حاصله » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣.
(٤) اختصار علوم الحديث ١/ ١٣٦، وبتحقيقي: ١٠٢.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وعلى تقديرِ صحةِ الروايةِ عنهُ بذلكَ يطرقهُ احتمالُ أنَّهُ حسنٌ للاحتجاجِ بهِ، وأنَّ ما يسكتُ عنه قد يكونُ ضعيفًا ليسَ في البابِ غيره، فيكونُ مما يحتجُّ بهِ عنده، فلا يفيدُ ذلكَ الحسنَ الاصطلاحيَّ.
قولهُ: (وقد ذكرته بعدَ هذا بسبعةِ أبياتٍ) (١) ضربَ الشيخُ في " شرحهِ الكبيرِ " على أبياتٍ، وجعل بدلها «بيوت» وما أدري لم صَنعَ ذلكَ؟ ثم رأيتُ عن شيخنا الإمامِ برهانِ الدينِ أنها كانت في هذا " الشرحِ الصغيرِ " أيضًا «بيوتٌ» فأصلحها بعدَ قراءته لهُ عليهِ " أبيات "، وكأنَّهُ يكونُ السبعةُ عددًا قليلًا كما تقدّمَ، وأفعالٌ من جموعِ القلةِ (٢).
وقولهُ: (قالَ أبو الفتحِ اليعمري) (٣)، أي: في " شرحهِ لجامعِ الترمذيِّ "، (٤) واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (كما عبرَ هو عن نفسهِ) (٥) قال الشيخُ في النكتِ (٦): «وهكذا / ٧٣ب / رأيتُ الحافظَ أبا عبدِ اللهِ بنَ المواقِ يفعلُ في كتابهِ " بغيةِ النقادِ "، ويقولُ في الحديثِ الذي سكتَ عليهِ أبو داودَ: هذا حديثٌ صالحٌ». انتهى.
قال بعضُ أصحابنا: وقد مشى الشيخُ على ما قالهُ ابنُ الصلاحِ فإنَّهُ أخرجَ في تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ (٧) حديثَ أسامةَ بن زيدٍ الليثي، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣.
(٢) انظر عن جموع القلة: شرح ابن عقيل ٢/ ٤٥٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤.
(٤) انظر: النفح الشذي ١/ ٢١٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤.
(٦) التقييد والإيضاح: ٥٣.
(٧) تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٤٣٢ (٤٩٦) وقال فيه: «وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في التلخيص وسكت عليه أبو داود » ولم يذكر ما ذكر المؤلف هنا.
[ ١ / ٢٦٠ ]
أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو -﵄-، عنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: «مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ » فذكرَ الحديثَ. وفي آخره: «ومَن لغا، وتَخطَّى رقابَ الناسِ، كانت لهُ ظهرًا» قالَ: «وإسنادهُ حسنٌ سكتَ عليهِ أبو داودَ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وإنِ اختلفوا في الاحتجاجِ بهِ، فقدِ احتجَّ بهِ مسلمٌ». انتهى.
قلتُ: ولم يحسّنهُ الشيخُ لأجلِ سكوتِ أبي داودَ فقط حتى يكونَ موافقًا له، وإنما أداهُ اجتهادهُ إلى تحسينهِ، ولما كانَ النقادُ قدِ اختلفوا فيهِ، احتاجَ إلى ترجيحِ ماذهبَ إليهِ، فاستدلَّ لهُ باحتجاجِ مسلمٍ بهِ، وبسكوتِ أبي داودَ، فأفادَ الأولُ قوته، والثاني: أنَّهُ ليسَ فيهِ وهنٌ شديدٌ، فثبتَ لهُ مُدّعاهُ، وهوَ كذلكَ، فإنَّ شيخَنا وصفَ زيدًا في "تقريبِ التهذيبِ" (١) بأنَّهُ صدوقٌ يَهِمُ (٢)، وليسَ بينَ هذهِ المرتبةِ ومرتبةِ من يقولُ فيهِ: «ثقةٌ» أو «ثبتٌ» إلا مرتبةٌ واحدةٌ، وحديثُ هذا الضربِ حسنٌ لذاتهِ، واللهُ أعلمُ. (٣)
قولهُ:
٧٠ - وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما)
٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا
٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ)
٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ
٧٤ - هَلاَّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ) بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ
_________________
(١) تقريب التهذيب (٣١٧).
(٢) كتب ناسخ (أ) فوقها: «خف».
(٣) من قوله: «قلت: ونقل عن ابن كثير أنه قال » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٦١ ]
«اليعمري» بالفتحِ نسبةً إلى يعمر (١) - بالضمِ والفتحِ - ابنُ شَدَّاخ - بفتحِ المعجمةِ، وتشديدِ المهملةِ، وآخره معجمةٌ- من بني ليثٍ، ويرجعونَ لبني مضر
/ ٧٤ أ / قوله: (وعملهُ في ذلكَ شبيهٌ) (٢) يوجدُ في بعضِ النسخِ: «بذلكَ» وكذلكِ كانتْ أولًا، ثمَّ جَعلَها الشيخُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البرهانِ الشرحَ عليهِ «في ذلكَ» (٣).
قوله: (أنَّه (٤) اجتنبَ الضعيفَ) (٥) معمولُ المصدرِ في قولهِ: (بعمل مسلمٍ) (٦) أي: عملُ مسلمٍ هو أنَّهُ اجتنبَ إلى آخره، فعملُ أبي داودَ شبيهٌ بعملهِ في هذا (٧)، وحاصلُ اعتراضِ ابنِ سيّدِ الناسِ أنَّهُ يلزمُ ابنَ الصلاحِ أنْ يقولَ: إنَّ في " صحيحِ مسلمٍ " غيرَ الصحيحِ، أو إنَّ كلَّ ما في " سنن أبي داود "
صحيحٌ (٨).
والجوابُ من أوجهٍ:
الأولُ: لا نُسلّمُ أنَّ العملينِ متشابهانِ منَ الحيثيةِ التي ذكرها، وليسَ بينهما
_________________
(١) انظر: الأنساب ٤/ ٥٣٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٥.
(٣) من قوله: «قوله: وعمله في ذلك شبيه » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٥.
(٧) عبارة: «فعمل أبي داود شبيهٌ بعمله في هذا» لم ترد في (ك).
(٨) انظر: النفح الشذي ١/ ٢١١.
[ ١ / ٢٦٢ ]
اشتباهٌ، إلا في (١) أنَّ كلًا يأتي (٢) بثلاثةِ أقسامٍ، وهي في " سننِ أبي داودَ " راجعةٌ إلى متونِ الحديثِ، وفي مسلمٍ إلى رجالِ الحديثِ، وليسَ بينَ ضعفِ الرجلِ وصحةِ حديثهِ منافاةٌ، كما سيأتي تحريرهُ، بل قد يكونُ حديثهُ صحيحًا؛ لاعتضادهِ من طرقٍ أخرى، وهذا عملُ مسلمٍ. فأينَ هوَ ممن قسمَ الحديثَ نفسَهُ في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ؟
الثاني: بعدَ تسليم ما قالهُ منِ اتحادِ العملينِ، هوَ ما ذكرهُ الشيخُ (٣) في " الشرحِ " من أنَّ مسلمًا التزمَ الصحةَ في كتابهِ دونَ أبي داودَ.
الثالثُ: أنَّ أبا داودَ قالَ: «وما كانَ فيهِ وهنٌ شديدٌ بيّنتهُ»، ففهمَ من تقييدهِ بشديدٍ: أنَّ ثَمَّ شيئًا فيهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ، لم يلتزمْ بيانهُ.
الرابعُ: - وهو أرضاها - أنَّ مسلمًا إنما يروي عن الطبقةِ الثالثةِ في المتابعاتِ، ويعتني حينئذٍ بتكثيرِ الطرقِ، بحيثُ ينجبرُ ذلكَ القصورُ الذي في روايةِ ذلكَ الراوي الذي من الطبقة الثانيةِ، ومعَ ذلكَ / ٧٤ ب / فإنَّهُ يقلُّ من حديثهم جدًا، بحيثُ إنَّه ليسَ في كتابهِ لليثِ بنِ أبي سليمٍ وأنظارهِ إلاَّ نحو عشرةِ أحاديثَ.
وأما أبو داودَ فإنَّ صنيعهُ في ذلكَ مخالفٌ لصنيعهِ في الأمرينِ معًا: يسوقُ أحاديثَ نحو هؤلاءِ للاحتجاجِ، ويكثرُ منها جدًا، بحيثُ إنَّ كتابه طافحٌ بذلكَ، ووراءَ هذا كله أنَّ مسلمًا لا يذكرُ حديثًا لأهلِ هذهِ الطبقةِ (٤)، وهو يجده عندَ الطبقةِ
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) في (ف): «أتى».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي»، وكلامه في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٦.
(٤) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي: الثالثة».
[ ١ / ٢٦٣ ]
الأولى مثالُ ذلكَ: ابنُ عونٍ وعوفٌ الأعرابيُّ، كلاهما رَوَى عن ابنِ سيرينَ، وابنِ عونٍ منَ الطبقةِ الأولى، والأعرابيُّ منَ الثانيةِ، فلا يروي مسلمٌ عنهُ، وعن أمثالهِ شيئًا، وهو يجدهُ لابنِ عونٍ وأمثالهِ. ومرادهُ بالإتيانِ بحديثِ الطبقةِ الثالثةِ تقويةُ حديثِ الطبقةِ الثانيةِ، بحيثُ يرقيهِ إلى درجةِ الأولى (١).
فالحاصل أنَّ عمدةَ مسلمٍ (٢) أهلُ الطبقةِ الأولى، فإنْ لم يجدها أتى بالثانيةِ، فإنْ لم يجد لمن ساقَ حديثهُ منهمُ متابعًا من تلكَ الطبقةِ أتى بمتابعةٍ منَ الثالثةِ، فبينَ العملينِ فرقٌ كبيرٌ كما ترى، واللهُ الموفقُ.
قولهُ: (فتحرّجَ) (٣) تفعّلٌ منَ الحرجِ، بمهملتينِ وجيمٍ، أي: أزالَ الحرجَ، وهوَ الضيقُ الواقعُ من تلكَ الجهةِ، فتركهُ واجتنبهُ، فلم يأتِ بشيء من حديثهم؛ لئلا يلزمهُ بذلكَ ضيقٌ بقلةِ الوثوق بكتابهِ؛ لطردِ احتمالِ الضعفِ في كلِّ حديثٍ منهُ (٤).
وقوله: (أصحُّ) (٥) لا تنهضُ له بهِ حجةٌ، وذلكَ؛ لأنَّ إطلاقَ «أفعلَ» يكون حينئذٍ بحسبِ الأكثرِ؛ لأنَّ غيرَ الصحيحِ أقلُّ، والعربُ تقولُ: هذا / ٧٥ أ / أجلى من هذا، ويكونُ في الثاني الجلو وغيرهِ، أو أنَّ أصحَّ ليست على بابها، وأهلُ هذا الشأنِ يكثرونَ من استعمالها كذلكَ، فهذا الترمذيُّ يكثرُ من أنْ يرويَ عن ضعيفٍ حديثًا، ثمَّ يرويَ آخرُ عن غيرِ ضعيفٍ، ويقولُ: هذا أصحُّ من حديثِ فلانٍ، أو
_________________
(١) عبارة: «درجة الأولى» لم ترد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٥، وهو كلام أبي الفتح اليعمري في النفح الشذي ١/ ٢١٣.
(٤) من قوله: «قوله: فتحرج » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٦، وهو كلام أبي الفتح اليعمري في النفح الشذي ١/ ٢١٣.
[ ١ / ٢٦٤ ]
يكونُ ضمنَ «أصحُّ» معنى «أولى»، أو «أرجحُ» ونحو ذلكَ، وقد تقدمَ قريبًا ما ينفعُ هنا.
قولهُ: (ويحتاج إلى نقلٍ) (١) قال الشيخُ في " النكتِ ": «إنَّ بعضَ من اختصر كتابَ ابنِ الصلاحِ تعقبهُ بتعقبٍ آخرَ، وهو الحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقال: «إنَّ الرواياتِ لسننِ أبي داودَ كثيرةٌ، ويوجدُ في بعضها ما ليسَ في الأخرى، ولأبي عبيدٍ الآجري عنهُ (٢) أسئلةٌ في الجرحِ والتعديلِ، والتصحيحِ، والتعليلِ، كتابٌ مفيدٌ، ومن ذلكَ أحاديثُ، ورجالٌ قد ذكرها في سننهِ، فقولُ ابنِ الصلاحِ: «ما سكتَ عنهُ فهو حسنٌ» (٣) ما سكتَ عليهِ في سننهِ فقط أو مطلقًا؟ هذا مما ينبغي التنبيهُ عليهِ، والتيقظُ لهُ». انتهى كلامهُ (٤)، وهو كلامٌ عجيبٌ!! وكيفَ يحسنُ هذا الاستفسارُ بعدَ قولِ ابنِ الصلاحِ: «إنَّ من مظانِّ الحسنِ سننَ أبي داودَ» (٥) فكيفَ يحتمل حملَ كلامهِ على الإطلاقِ في " السننِ " وغيرها.
وكذلكَ لفظُ أبي داودَ صريحٌ فيهِ؛ فإنَّهُ قالَ في رسالته: «ذكرتُ في كتابي هَذا الصحيحَ ..» (٦) إلى آخر كلامه. وأمَّا قولُ ابنِ كثيرٍ: «مِن ذلكَ أحاديثُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٦.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أبي داود».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٦.
(٤) اختصار علوم الحديث: ١/ ١٣٧، وبتحقيقي: ١٠٢ - ١٠٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥ - ١٠٦.
(٦) لم أقف على قول أبي داود هذا في الرسالة المطبوعة مع بذل المجهود ولا المطبوعة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة فلعله سقط من النسخة الخطية المعتمدة عند صاحب بذل المجهود وعند الشيخ عبد الفتاح، وقد تظافرت العديد من كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة. انظر: التقييد والإيضاح: ٥٥، وفتح المغيث ١/ ٧٧، وكشف الظنون ٢/ ١٠٠٥. =
[ ١ / ٢٦٥ ]
ورجالٌ قَد ذكرها في "سننهِ"» إنْ اراد بهِ أنَّهُ ضعَّفَ أحاديثَ ورجالًا في "سؤالاتِ الآجري"، وسكتَ عليها في " السننِ"، فلا يلزمُ مِن ذكرهِ / ٧٥ ب / لها في السؤالاتِ بضعفٍ أنْ يكونَ الضعفُ شديدًا؛ فإنَّهُ يسكتُ في "سننهِ" على الضعفِ الذي ليسَ بشديدٍ، كما ذكرهُ هو. نَعمْ، إنْ ذكر في السؤالاتِ أحاديثَ أو رجالًا بضعفٍ شديدٍ، وسكتَ عليها في "السننِ" فهو واردٌ عليهِ، ويحتاجُ حينئذٍ إلى جوابٍ، واللهُ أعلمُ» (١).
قوله: (أي على كتابِ أبي داودَ) (٢) جوّزَ في " الشرحِ الكبيرِ ": أنْ يكونَ ضميرُ «عليهِ» لأبي داودَ نفسهِ، وقدّمهُ على ما جوّزهُ هنا (٣).
قوله:
٧٥ - وَ(البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصَابحَا إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
٧٦ - أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
_________________
(١) = وقد رواه الخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٥٧ من طريق ابن داسة، عنه من غير عزو إلى الرسالة، والذي يدل عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة الخمسة ٦٧ - ٦٨: أن هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود؛ فإنه نقل نصًا من الرسالة ثم قال عقبه: «وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنه قال: سمعت أبا داود يقول » فذكره، وهذا هو مقصد ابن الصلاح فإنه قال: «روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح » ثم قال: «وروينا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصح ما عرف» وهذا النقل موجود في رسالته: ٣٠ ط. عبد الفتاح أبو غدة.
(٢) التقييد والإيضاح: ٥٤ - ٥٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٦.
(٤) من قوله: «وتقدم قريبًا ما ينفع هنا » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٦٦ ]
قال التبريزيُّ ما معناه: «لا أزالُ أتعجبُ من الشيخينِ - يعني: ابنَ الصلاحِ والنوويَّ حيثُ تبعَ عبارتهُ في " مختصرهِ " - في اعتراضِهما على البغويِّ، معَ أنَّهُ منَ المقررِ أنَّهُ لا مشاحةَ في الاصطلاحِ». (١)
قالَ شيخُنا: «وعندي أنَّ ابنَ الصلاحِ لم يسقْ كلامَه اعتراضًا على البغويِّ، وإنما أرادَ أنْ يعرفَ أنَّ البغويَّ اصطلحَ لنفسهِ أنْ يسميَ السننَ الأربعةَ الحسانَ؛ ليغتني بذلكَ عَن أنْ يقولَ عقب كلِّ حديثٍ يخرجهُ منها: «أخرجهُ (٢) أصحابُ السننِ، أو بعضُهم»، وكلامُه (٣) يكادُ يكونُ صريحًا في ذلكَ، حيثُ قالَ: «هَذا اصطلاحٌ لا يعرفُ» (٤). فبيّنَ أنَّهُ اصطلاحٌ، وأنَّهُ حادثٌ، ثمَّ قالَ: «وليسَ الحسنُ عندَ أهلِ الحديثِ عبارةً عن ذلكَ - حتى لا (٥) يظنَّ ظانٌ أنَّهُ ليسَ فيها إلا الحسنُ الذي تقدّمَ تعريفه، ثمَّ صرّحَ بما أفهمهُ كلامهُ، فقالَ -: وهذهِ الكتبُ تشتملُ على حسنٍ، وغيرِ حسنٍ كما سبقَ بيانُه». (٦») (٧).
قالَ شيخُنا: «فالحاصل أنا لا نسلّمُ أنَّ البغويَّ أرادَ الحسنَ المقدمَ تعريفُه، ولا نسلّمُ أنَّ ابنَ الصلاحِ اعترضَ عليهِ / ٧٦ أ / سلّمنا ذلكَ من الجانبينِ، ولا نسلّمُ أنَّ الاعتراضَ صحيحٌ، بل الجوابُ: أنَّ ما فيها منَ الصحيحينِ قد عُلِمتْ صحتُهُ من
_________________
(١) انظر: نكت الزركشي ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣، ونكت ابن حجر ١/ ٤٤٦، وبتحقيقي: ٢٣٨.
(٢) في (ف): «خرجه».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٧.
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) من قوله: «ثم صرح بما أفهمه كلامه » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
قولهِ منَ الصحاحِ، وما فيها مِن غيرهِما فقد ذَكرَ في الخطبةِ (١): أنَّه يحذفُ منهُ ما كانَ وهنُهُ شديدًا، ويبيّنُ ما كانَ منهُ غريبًا، فالذي يبقى بعدَ هذهِ الأقسامِ غالبُه حسنٌ، بلِ الضعيف فيهِ نادرٌ جدًّا؛ فالحكمُ على الجميعِ بالتحسينِ باعتبارِ الغلبةِ حينئذٍ، كما هوَ الجوابُ عن إطلاقِ مَن أطلقَ على الأربعةِ أو بعضِها الصحةَ، وليسَ ذلكَ بمنكرٍ».
وقال الشيخُ في " النكتِ ": «وأجابَ بعضهم بأنَّ البغويَّ بيّنَ في كتابهِ " المصابيحِ " عقبَ كلِّ حديثٍ كونه صحيحًا، أو حسنًا، أو غريبًا» (٢).
قلتُ: ليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ من الحسنِ، فيما أوردهُ منَ السننِ، وإنما يبيّنُ الغريبَ غالبًا، وقد يبيّنُ الضعيفَ، ولذلكَ قالَ في خطبةِ كتابهِ:
«وما كانَ فيها من ضعيفٍ، أو غريبٍ، أشرتُ إليهِ». (٣) انتهى.
فالإيرادُ باقٍ في مزجهِ صحيحَ ما في السننِ بما فيها من الحسنِ، وكأنَّه سكتَ عن بيانِ ذلكَ؛ لاشتراكهما في الاحتجاجِ بهِ، واللهُ أعلمُ (٤).
قوله:
٧٧ - كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
٧٨ - في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ مِنْ رَأيٍ اقوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
٧٩ - وَالنَّسَئي (٥) يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَليْهِ تَرْكًَا، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
_________________
(١) انظر: مصابيح السنة ١/ ٢ و١٨٩.
(٢) التقييد والإيضاح: ٥٥.
(٣) انظر: مصابيح السنة ١/ ٢.
(٤) من قوله: «وقال الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) قَصَدَ النَّسائي وإنما قال: «النسئي»؛ لضرورة الوزن.
[ ١ / ٢٦٨ ]
أبو داودَ إنما يرى الضعيفَ أقوى من رأي الرجالِ؛ إذا كانَ صالحًا؛ لأنْ يجبرَ، وكانَ مندرجًا تحتَ أصلٍ عام، وهوَ قولُ الإمامِ أحمدَ، فإنَّهُ قالَ: «إنَّ ضعيفَ الحديثِ أحبُّ إليهِ من رأي الرجالِ» (١) ووجهه الاتفاق على أنَّهُ لا يُعدلُ إلى القياسِ إلا بعدَ عدمِ النص. فإنْ قيلَ: هذا ليسَ بنصِّ صحيحٍ، قلنا: أليسَ غايتهُ أنْ يكونَ من كلامِ النبي - ﷺ -، ولا / ٧٦ ب / خلافَ حينئذٍ بينَ أحدٍ منَ المسلمينَ في وجوبِ العملِ بهِ، ما لم يمنعْ مانعٌ، والقياسُ غايتُه أنْ يوافقَ الصوابَ، فيجيءَ الخلافُ في جوازه، ولا شكَّ أنَّ احتمالَ كونِ النبي - ﷺ - قالهُ أرجحُ منِ احتمالِ كونه قالَ ما أدّى إليهِ القياسُ. وأيضًا فالقياسُ - ولو وافقَ الصوابَ - لا يجوزُ أنْ يقالَ: إنَّهُ قالهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -، بخلافِ الحديثِ الضعيفِ على تقديرِ
صحتهِ.
ولا فرقَ في هذا القولِ بينَ الأحكامِ وغيرها.
وفي المسألةِ قولٌ ثانٍ، وهوَ تركُ العملِ بهِ مطلقًا. قالهَ القاضي أبو بكرِ بنُ العربي. والصحيحُ التفصيلُ، فيستحبُ العملُ بهِ في الفضائلِ إلا أنْ يكونَ موضوعًا، ولا يعملُ بهِ في الأحكامِ إلا أنْ يكونَ في العملِ بهِ احتياطٌ وورعٌ. ذكرهُ النوويُّ في أولِ "الأذكارِ " (٢)، وعزاهُ للعلماءِ من المحدّثينَ والفقهاءِ وغيرِهم. لكنْ لا يَعتقدُ عندَ العمل بهِ ثبوتَهُ؛ لئلا يكونَ مُتقوّلًا على رسولِ اللهِ - ﷺ -، بل يعتقدُ الاحتياطَ، أو أنَّهُ لا مانعَ منهُ لاندراجهِ تحتَ أصلٍ معمولٍ بهِ. (٣)
_________________
(١) من قوله: «وكان مندرجًا تحت أصل عام » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) الأذكار: ٨.
(٣) من قوله: «ولا فرق في هذا القول » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٦٩ ]
قوله: (أنْ يخرجَ عن كلِّ من لم يجمع على تركهِ) (١). تتمةُ كلامهِ: «قالَ ابنُ مَندَه: وكذلكَ أبو داودَ السجستانيُّ يأخذُ مأخذهُ، ويخرجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يجد في البابِ غيرهُ. فقوله: يأخذُ مأخذهُ، ظاهرٌ في أنَّهُ يخرجُ من لم يجمعْ على تركهِ».
وقوله: و(يخرجُ) (٢): كلامٌ آخر مستأنفٌ، زادَ بهِ على النسائي.
قال شيخُنا الحافظ برهانُ الدينِ (٣): «فعرضتُ هذا على المصنفِ، فوافقَ عليهِ، فنظمتهُ في / ٧٧ أ / بيتٍ، فقلتُ:
وقالَ في الأزديِّ أيضًا مثلَهُ كذا لهُ وشيخُنَا أهملَهُ
- وقالَ -: فقولي: وقالَ -أي: ابنُ منده - وقولُ الأزديِّ هوَ أبو داودَ، وقولُ كذا لهُ، أي: لابنِ الصلاحِ، وشيخُنا - أي: العراقيُّ -». انتهى ما وجدتهُ عنهُ.
وما نُقِلَ عنِ النَّسائيِّ، وعنْ أبي داودَ كذا (٤) فهمهُ شيخُنَا البرهانُ (٥) غيرَ مقيدٍ بكتابٍ، فكيفَ يحملهُ المصنفُ على ما هوَ ظاهرُ صنعهِ في النظمِ والشرحِ (٦) على أنَّ المرادَ أنَّ ذَلِكَ صُنعُ النَّسائيِّ (٧) في كتابِ "السننِ"، فإنَّهُ يمكنُ أنْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٧، وانظر: شروط الأئمة الستة: ١٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٩).
(٣) وهو الشيخ الإمام الحافظ إبراهيم بن محمد بن خليل، أبو الوفاء الحلبي، سبط ابن العجمي من كتبه: "نهاية السول في رواية الستة الأصول، و" شرح سنن ابن ماجه "، و" الذيل على كتاب الميزان للذهبي " توفي سنة (٨٤١ هـ). انظر: الضوء اللامع ١/ ١٣٨، وشذرات الذهب ٧/ ٢٣٧.
(٤) في (ف): «كما».
(٥) من قوله: «تتمة كلامه قال ابن منده » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) عبارة: «المصنف على ما هو ظاهر صنعه في النظم والشرح» لم ترد في (ك).
(٧) في (ك): «صنعه».
[ ١ / ٢٧٠ ]
يكونَ هذا مذهبهُ لكنهُ تجوَّزَ في "سننهِ"، وهو الواقعُ، فإنَّهُ إذا أخرجَ فيهِ عنْ ضعيفٍ يعتذرُ بأنْ يقولَ: إنما أخرجتُ حديثَ فلانٍ للتنبيهِ عليهِ، أو لئلا يسقطَ (١) منَ التبين، ونحو ذَلِكَ، وقدْ نقلَ الدارقطنيُّ عنْ شيخِهِ أبي طالبٍ أحمدَ بنِ نصرٍ أنَّهُ قالَ: «منْ يصبرُ على ما صبرَ عليهِ النَّسائيُّ، عندهُ من (٢) حديثِ ابنِ لهيعةَ بعلوٍّ، ولم يخرجْ منهُ حديثًا واحدًا» (٣)، ونقلَ ابنُ طاهرٍ عنْ سعدٍ الزنجانيِّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لأبي عبدِ الرحمانِ شرطًا في الرجالِ أقوى منْ شرطِ البخاريِّ ومسلمٍ» (٤). قالَ شيخُنَا: «ومعَ ذلكَ فالظاهِرُ أنَّهُ يُريدُ إجماعًا خاصًا عنْ طائفةٍ مخصوصةٍ، لا إجماعَ جميعِ المسلمينَ» (٥).
وقولهُ:
٨٠ - وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلًا صَرِيْحَا
قولهُ: (حيثُ قالَ) (٦) يعني: السلفيَّ في الكتبِ الخمسةِ: هي ما عدا كتابِ ابنِ ماجه، وأَولُ مَنْ ضمَّ ابنَ ماجه إليها ابنُ طاهرٍ المقدسيُّ، فلمْ يُقلَّد في ذلكَ، فلما (٧) ضمَّهُ الشيخُ عبدُ الغنيِّ إليها في كتابهِ / ٧٧ب / " الكمال" تابعَهُ النَّاسُ.
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك) و(ف).
(٣) انظر: شروط الأئمة الستة: ٢٧.
(٤) شروط الأئمة الستة: ٢٦.
(٥) من قوله: «قال شيخنا: ومع ذلك فالظاهر » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٨.
(٧) زاد بعدها في (ف): «صح».
[ ١ / ٢٧١ ]
قولهُ: (اتفقَ على صحتهَا) (١)، أي: صحةِ أحاديثِها، لا يقالُ: المرادُ صحةُ نسبتها إلى مُصنفيها (٢) كما اعتذر بهِ بعضهمْ؛ لأنَّهُ لا (٣) اختصاصَ لها بذلكَ، بل كلُّ كتابٍ اشتهرَ كـ " الموطأ " و" مسندِ أحمدَ " وعبدِ بنِ حميدٍ ونحوِها، فهوَ كذلكَ، فليسَ حينئذٍ لهذه الخمسةِ مزيةٌ، ويحملُ قولُ السلفيِّ، ومنْ والاهُ على الأكثريةِ، ومنْ وصفَ النَّسائيَّ بالصحيحِ: الحاكمُ (٤)، وأبو أحمدَ بنُ عديٍّ، وأبو عليٍّ النيسابوريُّ (٥)، ولمْ يصلْ إلى ابنِ السكنِ إلاَّ الصحيحانِ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ فوصفها بالصحةِ.
عبارةُ ابنِ الصلاحِ في أول هذه المسألةِ: «مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يفردُ نوع الحسنِ ويجعلهُ مندرجًا في أنواعِ الصحيحِ؛ لاندراجهِ في أنواعِ ما يحتجُّ بهِ، (٦) وهو
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٨.
(٢) جاء في حاشية (أ): «بل المراد صحة أحاديثها».
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٤٨١، وبتحقيقي: ٢٦٦.
(٦) بل قالَ شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: «قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عن أحدٍ قبله». ثم قالَ: «وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه وهو الواهي». مجموع الفتاوى ١٨/ ١٧و١٨. وانظر: ١٨/ ١٤٠ منه. وقال العراقي في التقييد: ١٩: «لم أرَ من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذَلِكَ، وإن كانَ في كلام المتقدمين ذكر الحسن». وقال ابن حجر في نكته ١/ ٤٧٩، وبتحقيقي: ٢٦٤: «وهذا ينبغي أن يقيد به إطلاقه في أول الكلام على نوع الصحيح، وهو قوله: الحديث ينقسم عندَ أهله إلى صحيح وحسن وضعيف».
[ ١ / ٢٧٢ ]
الظاهرُ منْ كلامِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ الحافظِ في تصرفاتهِ، وإليهِ يومىءُ في تسميتهِ كتابِ الترمذيِّ بـ " الجامعِ الصحيحِ " (١)، ثمَّ يسمِّي الواصفينَ لها أو لبعضِها بالصحيحِ، وقالَ: وهذا تساهلٌ؛ لأنَّ فيها ما صرحوا بكونهِ ضعيفًا، أو منكرًا، أو غيرَ (٢) ذلكَ منْ أنواعِ الضعيفِ، وصرَّحَ (٣) أبو داودَ فيما قدَّمنَا روايتَهُ عنه بانقسامِ ما في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ، والترمذيُّ مصرِّحٌ فيما في كتابهِ بالتمييزِ بينَ الصحيحِ والحسنِ، ثمَّ إنَّ من يُسمي الحسنَ صحيحًا لا ينكرُ أنَّهُ دونَ الصحيحِ المقدَّمِ المبيَّنِ أولًا، فهذا إذن اختلافٌ في العبارةِ دونَ المعنى، والله أعلم» (٤).
قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٥): «وإنما قالَ السِّلفيُّ بصحةِ أصولهِا، كذا ذكرهُ في مقدمةِ الخطابيِّ، فقالَ: وكتابُ أبي داودَ فهوَ أحدُ الكتبِ الخمسةِ التي اتفقَ أهلُ
/ ٧٨أ / الحلِّ والعقد منَ الفقهاءِ، وحفاظِ الحديثِ الأعلامِ النبهاءِ على قبولها، والحكمِ بصحةِ أصولها. انتهى.
ولا يلزمُ من كونِ الشيء له أصلٌ صحيحٌ أنْ يكونَ هو صحيحًا، فقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ - عندَ ذكرِ التعليقِ -: «أنَّ مالم يكنْ في لفظهِ جزمٌ مثلَ رُوي، فليسَ في شيء منهُ حكمٌ منهُ بصحةِ ذلكَ عنهُ، قالَ: ومعَ ذلكَ فإيرادهُ له في أثناءِ الصحيحِ مشعرٌ بصحةِ أصله» (٦). انتهى.
_________________
(١) انظر: النفح الشذي ١/ ١٨٩. وقالَ ابن حجر في نكته ١/ ٤٧٩، وبتحقيقي: ٢٦٥ : «إنما جعله يومىء إليه؛ لأن ذَلِكَ مقتضاه، وذلك أن كتاب الترمذي مشتمل على الأنواع الثلاثة، لكن المقبول فيهِ --وهو الصحيح والحسن- أكثر من المردود، فحكم للجميع بالصحة بمقتضى الغلبة». وانظر: ١/ ٤٧٩ - ٤٨١، وبتحقيقي: ٢٦٥ - ٢٦٧ منه.
(٢) في (ف): «نحو».
(٣) في (ف): «وخرَّج».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١١١.
(٥) التقييد والإيضاح: ٦٢.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٤.
[ ١ / ٢٧٣ ]
فَلَم يحكم في هذا بصحةٍ، مع كونهِ له أصلٌ صحيحٌ». انتهى.
وعنِ ابنِ كثيرٍ: «أنَّ في الترمذيِّ أحاديثَ كثيرةً منكرةً، وفي النسائيِّ رجالٌ مجهولونَ إمّا عينًا، أو حالًا، وفيهم المجروحُ، وفيهِ أحاديثُ ضعيفةٌ، ومعللةٌ، ومنكرةٌ» (١) (٢).
قولهُ:
٨١ - وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلاَ عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى
٨٢ - كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و(أحْمَدَا) وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا
أي: ودونَ السننِ المرتَّبة (٣) على الأبوابِ من (٤) الستةِ وغيرها في رتبةِ الاحتجاجِ الكتبُ المجموعةُ على المسانيدِ، فإنَّ من شأنِ المسندِ أنْ يذكرَ فيهِ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ جميعه، فيُدعى الحديثُ فيهِ الدعوةَ الجفلَى، أي: العامةَ للضعيفِ وغيرهِ، بخلافِ المرتّبِ على الأبوابِ؛ فإنَّ شأنهُ أنْ يُساقَ الحديثُ فيهِ للاحتجاجِ، والمحتجُّ من شأنهِ أنْ لا يوردَ لإثباتِ دعواهُ إلا المقبولَ، فالمبوِّبُ إذا قالَ: بابُ كيتَ وكيتَ فكأنَّهُ قالَ: أنا أدّعي أنَّ الحكمَ في المسألةِ الفلانيةِ كذا وكذا، بدليلِ ما حَدّثَنا فلانٌ، عن فلانٍ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قالَ كذا وكذا. هكذا قالَ (٥)، وليسَ بمسلّمٍ لهُ ذلكَ طردًا، ولاعكسًا. نَعَم هذا هوَ الأصلُ، لكنْ قد ينعكسُ الأمرُ، فينتقي صاحبُ المسندِ، فلا يذكرُ إلاّ مقبولًا، كما صنعَ الإمامُ أحمدُ، / ٧٨ ب / فإنَّهُ قالَ: «انتقيته من سبعِمئةِ ألفٍ وخمسينَ ألفَ
_________________
(١) من قوله: «عبارة ابن الصلاح في أول هذه المسألة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) اختصار علوم الحديث: ١/ ١١٦ - ١١٧ وبتحقيقي: ٨٥.
(٣) في (ك): «المرتبة».
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: الكتب الستة».
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
[ ١ / ٢٧٤ ]
حديثٍ» (١) فما كانَ ينبغي لهُ أنْ يمثلَ بهِ لما دونَ السننِ، وإنْ كانَ المصنِّفُ قد قالَ في " النكتِ " (٢): «إنَّ فيهِ الموضوعَ» فإنَّ شيخَنا (٣) قد نَفَى ذلكَ، وصنَّفَ كتابًا في الذبِّ عنِ المسندِ (٤)، وكذا البزارُ انتقى "مسندهُ" وإذا ذكرَ فيهِ ضعيفًا بيَّنَ حالَهُ في بعضِ الأحاديث وربما اعتذرَ عن إيرادهِ بأنَّهُ ما وَجدَ في البابِ غيرَه أو بغيرِ ذلكَ.
وإسحاقُ بنُ راهويهِ يخرجُ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ويجمعُ المبوبَ كابنِ ماجه، فيذكرُ ماله تعلقٌ بترجمةِ ذلكَ البابِ ضعيفًا كانَ، أو غيرَهُ، لا سيَّما إذا قالَ: ما جاءَ في كيت وكيتَ. فإنْ قيلَ: إنما الضميرُ في «دونها» للكتبِ الخمسةِ فقط، قيلَ: لو كانَ كذلكَ لما قابلها بالمسانيدِ بل كانَ يقولُ: ودونها غيرها منَ المرتبِ على الأبوابِ ودونَ الكلِّ المسانيدُ.
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ الذي نظم الشيخُ كلامهُ: «كتبُ المسانيدِ (٥) غيرُ ملتحقةٍ بالكتبِ الخمسةِ التي هي " الصحيحانِ "، و" سننُ أبي داودَ "، و" سننُ النسائيِّ "،
_________________
(١) خصائص مسند أحمد: ١٣.
(٢) التقييد والإيضاح: ٥٧.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر».
(٤) وهو كتاب " القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ".
(٥) قال الزركشي في نكته ١/ ٣٤٣: «يجوز لك إثبات الياء في الجمع، ويجوز حذفها، وكذلك مراسيل ومراسل، والأولى الحذف، قال تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَه﴾. والإثبات عند البصريين موقوف على السماع، وعند الكوفيين جائز، ذكر ذلك سيبويه في أول كتابه في باب الضرورات وأنشد: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدنانير تنقاد الصياريف وجعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه﴾. قال: وقياسه معاذر؛ لكنه أشبع الكسرة فتولدت الياء». انظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٢٨، ومحاسن الاصطلاح: ٤٢ - ٤٣، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٠٥.
[ ١ / ٢٧٥ ]
و" جامعُ الترمذيِّ "، وما جرى مجراها في الاحتجاجِ بها، والركونِ إلى ما يوردُ فيها مطلقًا " كمسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ " (١) و" مسندِ عبيدِ اللهِ بنِ
موسى " (٢)، و" مسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ "، و" مسندِ إسحاقَ بن راهويهِ "، و" مسندِ عبدِ بنِ حميدٍ "، و" مسندِ الدارميِّ " (٣)، و" مسندِ أبي يعلى الموصلي "، و" مسندِ الحسنِ بنِ سفيانَ "، و" مسندِ البزارِ أبي بكرٍ " (٤)، وأشباهها. فهذه عادتُهم / ٧٩ أ / فيها أن يخرجوا في مسندِ كلِّ صحابيٍّ ما رووهُ من حديثهِ غير متقيدين بأنْ يكونَ حديثُهُ (٥) محتجًا بهِ (٦)، فلهذا تأخرت مرتبتُها - يعني: المسانيدَ (٧) وإن جلّتْ لجلالةِ مؤلفيها - عن مرتبةِ الكتبِ
_________________
(١) قال الزركشي في " نكته " ١/ ٣٤٨: «هو سليمان بن داود، وليس المسند له، وإنما هو ليونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي، سمعه في أصفهان منه، فنسبه إليه».
(٢) قال الزركشي في " نكته " ١/ ٣٤٩: «هو أحد شيوخ البخاري، قال ابن الجوزي في المشكل: أول من صنف المسند على تراجم الرجال عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي، قلت (القائل هو الزركشي): ولهذا صدر المصنف بالتمثيل بهما».
(٣) قال الزركشي في "نكته" ١/ ٣٥٠: «ينتقد على المصنف في ذكره هنا من وجهين: أحدهما: أن مسند الدارمي مرتب على الأبواب لا على المسانيد، إلا أن يقصد الاسم المشهور به. الثاني: جعله دون الكتب الخمسة، وقد أطلق جماعة عليه اسم الصحيح».
(٤) قال الزركشي في " نكته " ١/ ٣٦٦: «هو يبين فيه الكلام على علل الأحاديث والمتابعات والتفردات، قال الدارقطني: لكنه يخطىء». ونقل السيوطي في " البحر الذي زخر " ٣/ ١٢٠١ عن أبي الحسن الشاري في فهرسته أنه قال: «مسند البزار عندي من أحسن المسندات لما اشتمل عليه من الكلام على علل الحديث، وإن كان قد تكلم بعض الناس في البزار بما لم يعتمد عليه أهل التحقيق».
(٥) في معرفة أنواع علم الحديث: «حديثًا».
(٦) من قوله: «كتب المسانيد غير ملتحقة » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) عبارة: «يعني: المسانيد» لم ترد في (ف).
[ ١ / ٢٧٦ ]
الخمسةِ، وما التحقَ بها منَ الكتبِ المصنفةِ على الأبوابِ، واللهُ أعلمُ» (١).
فقد تبيّنَ أنَّ قولَ الشيخِ في رتبةِ الصحةِ غيرُ جيدٍ؛ لأنَّ ابنَ الصلاحِ عبرَ بالاحتجاجِ، وهوَ أعمُّ منَ الصحةِ؛ لشموله الحسنَ.
وعبارةُ الشيخِ في " نكته " على هذا الموضعِ: «اعترضَ على المصنفِ بالنسبةِ إلى صحةِ بعضِ هذه المسانيدِ، بأنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ شرطَ في مسندهِ أنْ لا يخرجَ إلا حديثًا صحيحًا عندهُ. قالهُ أبو موسى المدينيُّ (٢)، وبأنَّ إسحاقَ بنَ راهويهِ يخرجُّ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ذكرهُ عنهُ أبو زرعةَ الرازيُّ (٣)، وبأنَّ
" مسندَ الدارميِّ " أطلقَ عليهِ اسمَ الصحيحِ غيرُ واحدٍ منَ الحفّاظِ، وبأنَّ " مسندَ البزارِ " بيّن فيهِ الصحيحَ وغيرَهُ. انتهى ما اعترضَ بهِ عليهِ.
والجوابُ: أنا لا نسلّم أنَّ أحمدَ اشترطَ الصحةَ في كتابهِ، والذي رواهُ أبو موسى المدينيُّ بسنده إليهِ أنَّهُ سُئلَ عن حديثٍ، فقالَ: «انظروهُ إنْ كانَ في المسندِ (٤)، وإلا فليسَ بحجةٍ» (٥)، وهذا ليسَ صريحًا في أنَّ جميعَ ما فيهِ حجةٌ، بل فيهِ أنَّ ما ليسَ في كتابهِ ليسَ بحجةٍ. على أنَّ ثمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحِ، وليس في "مسندِ أحمدَ". منها حديثُ عائشةَ في قصةِ أمِّ زرعٍ (٦).
وأمّا وجودُ الضعيفِ فيهِ فهوَ محققٌ، بل فيهِ أحاديثُ موضوعةٌ، وقد جمعتُها في جزءٍ، وقد ضَعّفَ الإمامُ أحمدُ (٧) نفسُهُ أحاديثَ فيهِ، فمن ذلكَ: / ٧٩ ب /
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) خصائص المسند: ١٦.
(٣) انظر: نكت الزركشي ١/ ٣٦٦.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: فهو حجة».
(٥) خصائص المسند: ١٣، وانظر: المقصد الأحمد: ٣١، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٣٢٩.
(٦) أخرجه: البخاري ٧/ ٣٤ (٥١٨٩)، ومسلم ٧/ ١٣٩ (٣٤٤٨) من طريق هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة به، وانظر بلا بد تحقيقي لشمائل النبي - ﷺ -: ١٤٧ - ١٥٢.
(٧) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٢٧٧ ]
حديثُ عائشةَ مرفوعًا: «رأيتُ عبدَ الرحمان بنَ عوفٍ يدخلُ الجنةَ حبوًا» (١) وفي إسنادهِ عمارةُ، وهو ابنُ زاذانَ. قالَ الإمامُ أحمدُ: «هذا الحديثُ كذبٌ منكرٌ. قالَ: وعمارةُ يروي أحاديثَ مناكيرَ (٢)، وقد أوردَ ابنُ الجوزيِّ هذا الحديثَ في " الموضوعاتِ " (٣)، وحَكَى كلامَ الإمامِ أحمدَ المذكورَ، وذكرَ ابنُ الجوزيِّ أيضًا في " الموضوعاتِ " مما في المسندِ حديث عمرَ: «ليكوننَّ في هذه الأمةِ رجلٌ يقالُ له: الوليدُ» (٤)، وحديثُ أنسٍ: «ما مِن مُعَمَّرٍ يُعمَّرُ في الإسلامِ أربعينَ سنةً إلا صَرفَ اللهُ عنهُ أنواعًا منَ البلاءِ: الجنونَ، والجذامَ، والبرصَ» (٥)، وحديثُ أنسٍ: «عسقلانُ إحدى العروستينِ، يُبعثُ منها يومَ القيامةِ سبعونَ ألفًا لا حسابَ عليهم» (٦)، وحديثُ ابنِ عمرَ: «منِ احتكر الطعامَ أربعينَ ليلةً فقد برىء منَ اللهِ » الحديثَ (٧). وفي الحكمِ بوضعهِ نظرٌ، وقد صححهُ الحاكمُ (٨)، وفيهِ (٩) أيضًا منَ المناكيرِ حديثُ بريدةَ: «كونوا في بعثِ خراسانَ، ثمَّ انزلوا مدينةَ مرو، فإنَّهُ بناها ذو
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٦/ ١١٥.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦ (٤٧٧٣)، وقارن مع علل الإمام أحمد ٢/ ١٦٥.
(٣) الموضوعات ٢/ ١٣.
(٤) الموضوعات ٢/ ٤٦. والحديث في " المسند " ١/ ١٨، وانظر النكت لابن حجر ١/ ٤٥٥ - ٤٥٩، وبتحقيقي: ٢٤٧ - ٢٥٠.
(٥) الموضوعات ١/ ١٧٩، والحديث في " المسند " ٣/ ٢١٧ مرفوعًا، وفي ٢/ ٨٩ موقوفًا.
(٦) الموضوعات ٢/ ٥٣، والحديث في "المسند" ٣/ ٢٢٥، وساقه ابن عدي في الكامل ١/ ٤٨٢ في مناكير إسماعيل بن عياش. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣٩: «هذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعًا»، وقال الذهبي في الميزان ٤/ ٣١٤: «حديث باطل».
(٧) هو في المسند ٢/ ٣٣.
(٨) في مستدركه ٢/ ١٢، وقد تعقبه الذهبي فقال: «عمرو: تركوه، وأصبح: فيه لين».
(٩) في (ف): «وبما فيه».
[ ١ / ٢٧٨ ]
القرنينِ» (١) ولعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ في "المسندِ" أيضًا زياداتٌ، فيها الضعيفُ والموضوعُ، فمنَ الموضوعِ حديثُ سعدِ بنِ مالكٍ (٢)، وحديثُ ابنِ عمرَ أيضًا في «سدِّ الأبوابِ إلاّ بابَ عليٍّ» (٣) ذكرهما ابنُ الجوزي أيضًا في " الموضوعاتِ " (٤) وقالَ: إنهما من وضعِ الرافضةِ.
وأما "مسندُ إسحاقَ بنِ راهويه" ففيهِ الضعيفُ، ولا يلزمُ من كونهِ يخرجُ أمثلَ ما يجدُ للصحابي أنْ يكونَ جميعُ ما خرجهُ صحيحًا، بل هوَ أمثلُ بالنسبةِ لما تركهُ، ومما فيهِ منَ الضعيفِ: حديثُ سليمانَ بنِ نافعٍ العبدي / ٨٠ أ /، عن أبيهِ قال: «وفدَ المنذرُ بنُ ساوى منَ البحرينِ حتى أتى مدينةَ النبي - ﷺ - ومعهُ أناسٌ، وأنا غُليمٌ أمسكُ جِمالَهم، فسلّموا على النبي - ﷺ -، ووضعَ المنذرُ سلاحَهُ، ولبسَ ثيابهُ، ومسحَ لحيتهُ بدهنٍ، وأنا معَ الجِمالِ أنظرُ، فكأني أنظرُ إلى نبي اللهِ - ﷺ - كما أنظرُ إليكَ». قالَ: «وماتَ وهو ابنُ عِشرينَ ومئةٍ» (٥) قال صاحب (٦) " الميزانِ ": «سليمانُ غيرُ معروفٍ، وهوَ يقتضي أنَّ نافعًا عاشَ إلى دولةِ هشامٍ» (٧). انتهى.
_________________
(١) الموضوعات ٢/ ٥٨، والحديث في " مسند الإمام أحمد " ٥/ ٣٥٧.
(٢) قال ابن حجر في النكت ١/ ٤٦٥، وبتحقيقي: ٢٥٤: «أما حديث سعد بن مالك في ذلك - أي: حديث سد الأبواب - فهو من رواية أحمد أيضًا، لا من رواية ابنه، وإسناده حسن» قلت: انظر المسند ١/ ١٧٥.
(٣) المسند ٢/ ٢٦.
(٤) الموضوعات ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
(٥) أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٩٩٦)، ومن طريقه أبو نعيم في " معرفة الصحابة "
(٦) عن موسى بن هارون، عن إسحاق بن راهويه، عن سليمان بن نافع، به. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/ ٣٩٠ وقال: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه سليمان بن نافع العبدي ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا توثيقًا وبقية رجاله ثقات».
(٧) جاء في حاشية (أ): «هو الذهبي».
(٨) انظر: الميزان ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
[ ١ / ٢٧٩ ]
والمعروفُ أنَّ آخرَ الصحابةِ موتًا أبو الطفيلِ (١) كما قالهُ مسلمٌ (٢) وغيرُه، واللهُ أعلمُ.
وأما "مسندُ الدارميِّ" فلا يخفى ما فيهِ من الضعيفِ لحالِ رواتهِ، أو لإرسالهِ، وذلكَ كثيرٌ كما تقدّمَ.
وأما " مسندُ البزارِ " فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ منَ الضعيفِ إلا قليلًا، إلا أنَّهُ يتكلمُ في تفرّدِ بعضِ رواةِ الحديثِ، ومتابعةِ غيرهِ عليهِ، واللهُ أعلمُ». (٣) انتهى.
وعنِ ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: «وأما قولُ الحافظِ أبي موسى محمدِ بنِ أبي بكرٍ المدينيِّ عن " مسندِ الإمامِ أحمدَ ": إنَّهُ صحيحٌ (٤)، فقولٌ ضعيفٌ، فإنَّ فيهِ أحاديثَ ضعيفةً، بل وموضوعةً (٥)، كأحاديث فضائلِ مروَ، وعسقلانَ، والبرثِ الأحمرِ عندَ حمصَ، وغيرِ ذلكَ، كما نبهَ عليهِ طائفةٌ منَ الحفاظِ، قالَ: وقد فاتَهُ في كتابهِ هذا - معَ أنَّهُ لا يوازيهِ كتابٌ مسندٌ في كثرتهِ وحسنِ سياقهِ - أحاديثُ كثيرةٌ جدًا، بل قد قيلَ: إنَّهُ لم يقع له (٦) جماعةٌ من الصحابةِ الذينَ في الصحيحينِ قريبًا من مئتينِ (٧») (٨) (٩).
_________________
(١) الميزان ٢/ ٢٢٧.
(٢) صحيح مسلم ٧/ ٨٤ عقب (٢٣٤٠) (٩٨).
(٣) التقييد والإيضاح: ٥٦ - ٥٨.
(٤) في خصائص المسند: ٢٤.
(٥) قال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة ": ٦: «الحق أن أحاديثه جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا، وبقي بعده بقية».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: الرواية عن جماعة».
(٧) جاء في حاشية (أ): «بلغ على المؤلف»، وهذا دليلٌ على قراءة هذه النسخة على مؤلفها البقاعي -﵀-، والحمد لله على توفيقه.
(٨) اختصار علوم الحديث ١/ ١١٧ - ١١٩، وبتحقيقي: ٨٦.
(٩) من قوله: «فقد تبين أن قول الشيخ في رتبة الصحة » إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٨٠ ]
قوله: (ويقالُ: إنهُ أولُ مسندٍ صنِّفَ) (١) الذي حمل قائلَ هذا القولِ عليهِ تقدّمُ عصر أبي / ٨٠ ب / داودَ على أعصارِ منْ صنَّفَ المسانيدَ، وظَنَّ أنَّهُ هوَ الذي صنَّفهُ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ ليسَ مِنْ تصنيفِ أبي داودَ، وإنَّما هوَ جمعُ بعض الحفّاظِ الخراسانيينَ، جمعَ فيهِ ما رواهُ يونسُ (٢) بنُ حبيبَ خاصةً عنْ أبي داودَ، ولأبي داودَ منَ الأحاديثِ التي لم تدخلْ هذا المسندَ قدره أو أكثر، بلْ قدْ شذَّ عنهُ كثيرٌ منْ روايةِ يونسَ، عنْ أبي داودَ، قالَ: وشبيهٌ بهذا " مسندُ الشافعيِّ " فإنَّهُ ليسَ تصنيفهُ، وإنما لَقَطَهُ بعضُ الحفّاظِ النيسابوريينَ منْ مسموعِ الأصمِّ منَ " الأمِّ " وسمعهُ عليهِ، فإنَّهُ كانَ سمعَ " الأمَّ "، أو غالبها على الربيعِ، عن الشافعيِّ (٣)،
وعَمَّرَ، فكانَ آخرُ مَنْ رَوَى عنهُ، وحصلَ لهُ صممٌ، فكانَ في السماعِ عليهِ مشقةٌ (٤).
قولهُ: (فيدعى) (٥) فاؤهُ سببيةٌ، أي: فبسببِ جعلهِ على المسانيدِ لَزِمَ أنْ يدعي الحديثَ إليهِ الجفلا؛ لأنَّهُ إذا ذكرَ صحابيًا، فكأنَّهُ قالَ: ذكرُ ما لهذا الصحابيِّ منَ الحديثِ (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٠. قلت: قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: ٦١: «وقيل: وهو أول مسند صنف، ورد بأن هذا صحيح لو كان هو الجامع له؛ لتقدمه، لكن الجامع له غيره، وهو بعض حفاظ خراسان، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة، وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر».
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) زاد بعدها في (ك): «- ﵁ -».
(٤) ذكر السيوطي هذا الكلام في البحر الذي زخر ٣/ ١٢٠٢ - ١٢٠٤ وعزاه إلى العراقي. وقد فصلت الكلام عن مسند الإمام الشافعي تفصيلًا وافرًا عند تحقيقي لمسند الإمام الشافعي بترتيب سنجر فراجعه تجد فائدة.
(٥) التبصرة والتذكرة (٨١).
(٦) من قوله: «قوله: فيدعى » إلى هنا وردت في (ك) بعد قوله: «والمنقطعة والمعضلة والمقطوعة، والله أعلم» وما في (أ) أصح؛ لأنه جاء على الترتيب.
[ ١ / ٢٨١ ]
قولهُ: (وعده للدارمي) (١) أجابَ بعضُهم عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ دارميًا آخرَ، قالَ: فذكرَ الشيخُ أنَّهُ وجدَ حاشيةً بخطِ ابنِ الصلاحِ أنَّهُ أرادَ بالدارميِّ: عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمانِ، فانتفى ذلكَ.
قلتُ: لكنْ قدْ قالَ الخطيبُ - فيما رأيتهُ بخطِ المصنفِ في القطعةِ التي وجدتُها منْ " شرحهِ الكبيرِ "- في ترجمةِ الدارميِّ (٢): «إنَّهُ صنَّفَ المسندَ،
والتفسيرَ، والجامعَ» (٣) فلعلَ ابنَ الصلاحِ اطّلعَ على المسندِ، ودَرسَت نسخُهُ بعدَ ذلكَ، فلمْ نرَ شيئًا منها، كغيرهِ منَ الكتبِ التي لم نرَ / ٨١أ / غيرَ أسمائها، والله أعلم.
قالَ شيخُنا: «وأما هذا السننُ المسمى بـ " مسندِ الدارميِّ " فإنّهُ ليسَ دونَ السننِ في المرتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكانَ أولى منِ (٤) ابنِ ماجه، فإنَّهُ أمثلُ منهُ بكثيرٍ». قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٥): «واشتهرَ تسميتهُ بالمسندِ، كما سَمَّى البخاريُّ كتابَهُ: "المسندَ الجامعَ الصحيحَ" وإنْ كانَ مرتبًا على الأبوابِ؛ لكونِ أحاديثهِ مسندة، إلاَّ أنَّ " مسندَ الدارميِّ " كثيرُ الأحاديثِ المرسلةِ، والمنقطعةِ، والمعضلةِ، والمقطوعةِ» واللهُ أعلمُ (٦).
قولهُ: (كنى بهِ عنْ كونِ المسانيدِ) (٧) كانَ منْ حقِ العبارةِ أنْ يقالَ فيها: كنى بهِ عنْ سببِ كونِ المسانيدِ .. إلى آخرهِ، هكذا كانتْ في نسختي، ثمَّ رأيتُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٨٢).
(٢) زاد بعدها في (ك): «هذا».
(٣) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩.
(٤) عبارة: «إلى الخمسة لكان أولى من» لم ترد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٥٦.
(٦) من قوله: «قال الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٠.
[ ١ / ٢٨٢ ]
في غيرها: «كنّى بهِ عنْ بيانِ كونِ ..» إلى آخرهِ، فاستقامَ حينئذٍ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ الدعاءَ الجفَلَى مبينٌ لنزولِ رتبةِ المسندِ؛ لأنَّهُ بصددِ أنْ يذكرَ كلَّ حديثٍ رُوِيَ عنِ الصحابيِّ مسندًا، كيفَ كانَ. (١)
قولهُ: (فإنَّ الدعوةَ عندَ العربِ على قسمينِ) (٢) الدعوةُ عندَهمْ على أقسامٍ كثيرةٍ، وأمّا الذي على قسمينِ فهوَ المدعوُّ، فتارةً يكونُ عامًا، وتارةً يكونُ خاصًا.
قلتُ: كذا قالَ شيخُنَا، والذي يظهرُ أنَّ كلامَ المصنِّفِ أحسنُ، وأنَّ (٣) الذي هوَ أنواعٌ إنما هوَ الطعامُ المدعوُّ إليهِ، والاسمُ العامُّ لجميعِ أنواعهِ الماديةِ، وأمّا الدعوةُ بفتحِ الدالِ وضمِهَا، التي هي منْ (٤) دعاءِ الناسِ إلى الطعامِ، فهي قسمانِ: خاصةٌ وعامةٌ، وهذا أمرٌ لغويٌّ، يرجعُ فيهِ إلى كلامِ أهلِ اللغةِ، وها أنا أذكرُ لكَ / ٨١ب / ما رأيتُهُ من ذلكَ عنِ الإمامِ أبي الفتحِ عثمانَ بنِ جنّي، وفي " القاموسِ " للإمامِ مجدِ الدينِ الفيروزآبادي، وكتابِ " الأسماءِ والصفاتِ " للحسنِ بنِ عبدِ اللهِ العسكري، وما كانَ عنِ ابنِ جنّي فمن خطّهِ نقلتُهُ، قالَ: قالَ أبو عبيدٍ: سمعتُ أبا زيدٍ يقولُ: يُسمَّى الطعامُ الذي يصنعُ عندَ العرسِ: الوليمة، والذي عندَ الإملاكِ: النّقيعة، نَقعتُ نقوعًا، وأَولمتُ إيلامًا. «العسكري» الوليمةُ: ما يُطعمُ في الإملاكِ. «القاموسُ»: والوليمةُ: طعامُ العُرْسِ، أو كلُّ طعامٍ صُنِعَ لدعوةٍ وغيرِها، وأَولَمَ: صَنعَها. (٥) «ابنُ جني والفرّاءُ». والنقيعةُ: ما صنعهُ الرجلُ عندَ قدومهِ من سفرٍ، يقالُ: أنقعتُ إنقاعًا «القاموس» في مادةِ «نقعَ» وكسَفينةٍ: طعامُ القادمِ من سَفرٍ، وكلُّ
_________________
(١) من قوله: «هكذا كانت في نسختي » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٠.
(٣) زيادة من (ف) فقط.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) القاموس المحيط مادة «ولم».
[ ١ / ٢٨٣ ]
جزورٍ جُزِرَتْ للضيافةِ، وطعامُ الرجلِ ليلةَ يملكُ (١).
«ابن جني»: وعندَ البناءِ يبنيهِ الرجلُ في دارهِ «العسكري»: وعندَ بناءِ الدورِ. الوَكِيرةُ وقد وكّرتُ تَوكيرًا. «القاموس»: والوَكرَةُ - وتُحرّكُ --والوَكِيرُ والوَكِيرةُ: طعامٌ يُعمَلُ لفَراغِ البُنيانِ، وقد وَكَر لهم كوَعَدَ (٢).
«ابن جني». وعندَ الخِتانِ إعذارٌ.
«القاموس»: العِذارُ: طعامُ البناءِ، والخِتانِ، وأنْ تستفيدَ شيئًا جديدًا، فتتخذَ طعامًا تدعو إليهِ إخوانك كالإعذارِ، والعَذيرةِ، والعَذيرِ فيهما (٣).
«ابنُ جني» وعندَ الولادةِ الخُرسُ، فأمّا الذي تَطعمُهُ النفساءُ نَفسها، فهوَ الخُرسَةُ، وقد خَرستُ، أي: تخريسًا. «القاموس»: الخُرسُ بالضمِ: طعامُ الولادةِ / ٨٢أ / وبهاءٍ: طعامُ النُّفساءِ، وخَرّسَ على المرأةِ تخريسًا أطعمَ في ولادتِها، وتَخرَّسَتْ هي اتخذتْهُ لنفسِها، ومنهُ: «تَخَرَّسِي يا نَفسُ، لا مُخَرِّسَةَ لكِ» قالتهُ امرأةٌ وَلَدتْ ولم يكنْ لها مَنْ يهتَمُّ لها، يُضربُ في اعتناءِ المرءِ بنفسهِ (٤). «ابنُ جني»: وكلُّ طعامٍ بعدُ صُنعَ لدعوةٍ فهوَ مَأدُبةٌ ومَأدَبةٌ، وقد آدَبتُ أودِبُ إئدابًا. غيرهُ، أي: غير أبي عبيدٍ، وأدَبتُ أَدبًَا.
«العسكري»: والمأدُبةُ: الدّعوةُ. «القاموس»: الأَدْبُ بالفتحِ -أي: ثمَّ سُكونٍ-: مصدرُ أَدَبَهُ يَأدِبُهُ: دعاهُ إلى طعامهِ، كآدبّهُ إئدابًا، وأَدَبَ يأدِبُ أَدَبًا مُحرّكةً، عَمِلَ مَأدَبةً، والأُدْبَةُ بالضمِ والمأدُبَةُ والمأدَبَةُ: طعامٌ صُنعَ لدعوةٍ أو عُرسٍ. (٥)
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (نقع).
(٢) القاموس المحيط مادة (وكر).
(٣) القاموس المحيط مادة (عذر).
(٤) القاموس المحيط مادة (خرس).
(٥) القاموس المحيط مادة (أدب).
[ ١ / ٢٨٤ ]
«ابنُ جني: أبو زيدٍ» يقالُ للطعامِ الذي يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء: السُّلفةُ واللُّهنةُ، وقد سَلَّفتُ للقومِ، ولهّنتُ لهم، أي: تسليفًا، وتلهينًا.
«القاموس»: والسُّلفةُ: بالضمِّ، اللَّمْجَةُ، أي: بالضمِّ والجيمِ، وهي ما يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء (١)، والتَّسليفُ: أكلُ السُّلفَةِ (٢)، واللهنةُ: بالضمِّ، ما يُهديهِ المسافرُ، واللُّمجةُ (٣). «العسكري»: واللُّهنةُ ما يهديهِ الرجلُ إذا قدمَ من سفرٍ، يقالُ: لهنونا مما عندَكم.
وقالَ أبو زيدٍ: اللهنةُ ما يتعللُ بهِ الضيفُ قبلَ الطعامِ. «ابنُ جنيِّ»: الأمويُّ: ولهجتُهم أيضًا بمعناهُ، أي: تلهيجًا. «القاموسُ»: واللُّهجَةُ - أي: بالضمِّ - اللمجَةُ، ولهجتهم تلهيجًا أطعمتهم إياها (٤). «ابنُ جني»: غيره - أي: غير أبي زيدٍ -: القَفِيّ، أي: بوزنِ غَني: الذي يُكرمُ بهِ الرجلُ، يقالُ: قفوتهُ.
«القاموس»: والقفيّ كغني الضّيفُ المُكرمُ، وما يكرمُ بهِ من الطعامِ وأَقفَى / ٨٢ ب / أكَلَها. (٥) «العسكري»: والخبيرةُ، الدعوةُ على عقيقةِ الغلامِ.
«القاموس»: والخُبْرةُ بالضمِ - أي: والخاءِ المعجمةِ والموحدةِ -: الطعامُ واللّحمُ، وما قُدّمَ من شيءٍ، وطعام يحملُهُ المسافرُ في سُفرتهِ (٦)، والحُترَةُ أي: بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الفوقانيةِ الوكيرةُ كالحتيرةِ، وحتّرَ لهم تحتيرًا: اتخذَ لهم وَكِيرةً (٧)، ثمَّ قالَ: والحثرةُ -أي: بمهملةٍ ثمَّ مثلثة- الوكيرةُ والعقيقُ
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (لمج).
(٢) القاموس المحيط مادة (سلف).
(٣) القاموس المحيط مادة (لهن).
(٤) القاموس المحيط مادة (لهج).
(٥) القاموس المحيط مادة (قفا).
(٦) القاموس المحيط مادة (خبر).
(٧) القاموس المحيط مادة (حتر).
[ ١ / ٢٨٥ ]
شَعَرُ كلِّ مولودٍ من الناسِ والبهائمِ، كالعِقَّةِ بالكسرِ، وكسَفينةٍ، والعقيقةُ أيضًا الشاةُ التي تذبحُ عندَ حلقِ شَعَرِ المولودِ (١)، وغُرْلَةُ الصبيِّ، وعقَّ عنِ المولودِ ذبَحَ عنهُ.
«القاموسُ» أيضًا، و«العسكريُ»: والوَضِيمةُ طعامُ المأتمِ. «القاموسُ»: حذقَ الصبيُّ القرآنَ والعملَ كضَرَبَ وعملَ (٢) حَذْقًا وحذاقًا وحَذاقةً ويُكسرُ (٣) الكلُّ، والحِذاقةُ بالكسرِ الاسمُ، تَعلَّمهُ كلَّهُ، ومَهَرَ فيهِ، ويومُ حذاقهِ يومُ ختمهِ للقرآنِ. (٤) وقالَ: التُّحفةُ بالضمِ البرُّ واللّطفُ والطُّرفةُ جمعه تُحَفٌ، وقد أتحفتهُ تحفةً (٥).
والنُّزلُ بضمتينِ المنزلُ، وما هيىءَ للضيفِ أنْ ينْزلَ عليهِ كالنزلِ جمعه أنزالُ، والطعامُ ذو البركةِ كالنَّزيلِ، والفضلُ والعطاءُ والبركةُ. والقومُ النازلونَ (٦). وقرَى الضيفَ يقريهِ قِرىً بالكسرِ والقصرِ، والفتح والمدّ أضافهُ كاقتراهُ، واستقرَى واقتري وأقرَى: طلبَ ضيافةً، وهو مقرى للضيفِ ومِقراءٌ، وهي مقراةٌ، ومقراءٌ. والمقراةُ أيضًا: القصعةُ يقرى فيها، والمقَاري القُدورُ (٧). وقد نظمَ بعضُ الفضلاءِ أكثرَ ذلكَ، فقالَ:
أسَامي الطعامِ اثنانِ من بعد عشرةٍ سأسرُدُها مقرونةً ببيانِ
وليمةُ عُرْس ثم خُرسُ ولادةٍ عقيقةُ مولودٍ وكيرةُ باني
وضيمةُ ذي موتٍ نقيعةُ قادمٍ عذيرةُ أو إعذارُ يوم خِتانِ
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (عقق).
(٢) في القاموس: (وعلم).
(٣) في المخطوط: «بكسر» والصواب ما أثبته كما في القاموس.
(٤) القاموس المحيط مادة (حذق).
(٥) القاموس المحيط مادة (تحف).
(٦) القاموس المحيط مادة (نزل).
(٧) القاموس المحيط مادة (قرى).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ومأدبةُ الخلانِ لا سبب لها حِذاقُ صغيرٍ يوم ختمِ قرانِ
وعاشرُها في النّظمِ تحفةُ زائرٍ قِرى الضيفِ مع نُزلٍ له بقرانِ (١)
وقد (٢) علمتَ من كلامِ العسكري و«القاموسِ» أنَّ قولهُ: «لا سببَ لها» معناه: أنها غيرُ مقيدةٍ بسببٍ، دونَ سببٍ، لا بمعنى أنها مقيدةٌ بنفي السببِ، فهي أعمُّ الكل. انتهى.
وكلٌ من هذهِ الأنواعِ ينقسمُ إلى قسمي الدعوةِ الخاصِّ والعامِّ: فالدعوةُ العامةُ الجفلى بجيمٍ وفاءٍ محرّكًا، ومادتها تدورُ على التقطّعِ والتبدّدِ، فالمرمي يلزمهُ ذلكَ، وكذا الكثيرُ في الغالبِ، وكذا المسرعُ ينقطعُ، ويفترقُ من كلِّ ما يمرُّ عليهِ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِ في كتابهِ " الواعي ": «جَفلتُ المتاعَ، أي: رميتُ بعضَه على بعضٍ، ويقالُ: انجفلَ القومُ كلَّهم، أي: تقطّعوا وتبدّدوا، وفي صفةِ الدجّالِ: جُفالُ الشَّعْرِ، أي: كثيرهُ».
قال أبو عبدِ اللهِ: الجفالُ: الكثيرُ من الشَّعْرِ، والجفالةُ: الجمعُ الكثيرُ من الناسِ. وقال قاسمٌ: الجفالُ الصوفُ.
قال أبو عبدِ اللهِ: يقالُ: جفلَ الرجلُ وأجفلَ إذا أسرعَ في عَدْوِهِ خوفًا، فهوَ جافلٌ ومجفِلٌ، ويقالُ: فلانٌ يدعو الجفلى إذا كانَ يعمُّ بالدعوةِ، أي: هوَ يدعو الكثيرَ من الناسِ، ويقالُ: الأجفَلَى، وتروى كذلكَ في شِعرِ طرفةَ، أي: المذكور، وهي لغةٌ، وقد أنكرها بعضَهم.
وقال ابنُ فارسٍ في " المجملِ ": «والجفلى أن تدعو الناسَ إلى طعامِكَ عامةً من غيرِ اختصاصٍ» (٣).
_________________
(١) البيت الأخير من المقطوعة الشعرية لم يرد في (ف).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) مجمل اللغة مادة (جفل).
[ ١ / ٢٨٧ ]
وفي " القاموسِ ": ودعاهم الجفلى محرّكةً، والأَجفَلَى، أي: بجماعتِهم وعامتِهم، والأجفَلَى / ٨٣ ب / الجماعةُ من كلِّ شيءٍ. (١) وقال العسكريُّ: والجفَلَى والأجفَلَى أن تدعو القومَ كلَّهم، والنَّقَرَى - أي: بنونٍ وقاف ومهملةٍ مُحرّكًا مقصورًا - أنْ تخصَّ قومًا دونَ قومٍ، وقدِ انتقرَ.
في " القاموسِ ": ودعوتهم النَّقرَى، أي: دعوةً خاصةً، وهو أنْ يدعوَ بعضًا دونَ بعضٍ، وهوَ الانتقارُ أيضًا. (٢)
وقالَ عبدُ الحقِّ في " الواعي ": «ونَقرَ الرجلُ باسمِ صاحبهِ ينقرُ إذا دعاهُ استخصاصًا (٣) لهُ، وكذا إذا سمّاه من بينهم، وقدِ انتقرَ انتقارًا إذا فعلَ ذلكَ، وهي النَّقَرَى، وفلانٌ يدعو النَّقَرَى إذا خصَّ في دعوتهِ، والانتقارُ الاختصاصُ».
وقالَ ابنُ فارسٍ: «نَقَرت بالرجلِ إذا دعوتَهُ إليكَ من بينِ الجماعةِ، ومنه النَّقَرى» (٤) انتهى.
وهوَ مأخوذٌ من قولهم: رجلٌ نقّارٌ ومنقِرٌ إذا كانَ ينقرُ عنِ الأمورِ والأخبارِ، أي: يبحثُ، والمادةُ كلَّها تدورُ على الحفر منَ النقيرِ، وهو النكتةُ التي في ظهرِ النواةِ، ومنهُ تنبتُ النخلةُ.
والآدبُ -اسمُ فاعل من الأدبِ- في البيتِ بفتحٍ ثمَّ سكونٍ، وهوَ الدعوةُ إلى الطعامِ.
قال ابنُ فارسٍ في " المجمل ": «والأدْبُ دعاءُ الناسِ إلى طعامِكَ، والآدِبُ الداعي إليهِ» (٥) انتهى.
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (جفل).
(٢) القاموس المحيط مادة (نقر).
(٣) هكذا في الأصل.
(٤) مجمل اللغة مادة (نقر).
(٥) مجمل اللغة مادة (أدب).
[ ١ / ٢٨٨ ]
وقد تقدّمَ بسطُ ذلكَ. والمشتاةُ بفتحِ الميمِ الشِتاءُ. قالهُ ابنُ فارسٍ في " المجملِ "، والفارابي في " ديوانِ الأدبِ ". واستشهدَ عليِهِ في " المجملِ " ببيتِ طرفةَ هذا، وقالَ: «قالَ الخليلُ: الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، أي: بفتحِ الميمِ، مقصورٌ» (١).
وقالَ في " ديوانِ الأدبِ " في بابِ مَفعَل بفتحِ الميمِ والعينِ منَ الراوي: المَشتَى: الشتاءُ. وقال في " القاموسِ ": الشتاءُ ككساءٍ آخرُ (٢) أرباعِ الأزمنةِ الأولى (٣)، واللهُ أعلمُ (٤).
قوله:
٨٣ - والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
٨٤ - وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
/ ٨٤ أ / قال شيخنا: «أعيانا توجيهُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذا الفصلِ؛ فإنَّ آخرَهُ يدفعُ أولَهُ. مفهومُ قولهِ: «غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ » (٥) إلى آخرهِ، عدمُ التفصيلِ (٦)، وإنما يحكمُ على الحديثِ بالصحةِ دائمًا إذا صححَ المعتمدُ إسنادهُ، ولم يعقبهُ بقادحٍ، وصدرُ كلامهِ مصرّحٌ بالتفصيلِ (٧): وهو أنّا نصححُ الإسنادَ حينئذٍ دونَ المتنِ، ولا يتخيلُ أبدًا أنَّ الكلامَ الأولَ فيمن لا يعتمدُ، والثاني: فيمن يعتمدُ؛
_________________
(١) مجمل اللغة مادة (شتو).
(٢) في القاموس مادة (أحد).
(٣) القاموس المحيط مادة (شتا).
(٤) من قوله: «قلت: كذا قال شيخنا والذي يظهر» إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٦) كتب ناسخ (أ) صادًا صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد، وهذا دليل على جودة قريحته.
(٧) كتب ناسخ (أ) صادًا صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد.
[ ١ / ٢٨٩ ]
لأنَّ غيرَ المعتمدِ لا يعتمدُ في الحكمِ على الإسنادِ ولا غيره. (١) اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: إنَّ مرادَهُ بالمعتمدِ الغايةُ في العمدةِ، وهمُ النّقادُ الذينَ لهم اليدُ الطولَى في معرفةِ العللِ، فإنهم قليلٌ جدًا، وغالبُ المحدّثينَ - وإنْ سُمّوا حُفّاظًا - لا يبلغونَ هذهِ الدرجةَ، فَهُم وإن كانت فيهم أهليةُ التصحيحِ والتضعيفِ، لا يصلونَ إلى رتبةِ أولئكَ، فيكونُ المعنى أنَّ الناقدَ إذا قالَ: «صحيحُ الإسنادِ» ولم يعقبهُ بقادحٍ، فكأنَّهُ قالَ: فتّشتُ فلم أجدْ لهذا الحديثِ علةً، وقد فرضَ أنَّهُ ناقدٌ، وأنَّ فيهِ ملكةَ المعرفةِ التامةِ، وقد علمتَ فيما مضى في بحثِ الصحيحِ أنَّ عدمَ اطلاعهِ بعدَ الفحصِ كافٍ في نفي (٢) الشذوذِ والعلةِ، إذ ليسَ المرادُ انتفاءَهما في نفسِ الأمرِ؛ فإنَّ ذلكَ مما يَقصُرُ عنهُ علمُ البشرِ، فانحلَّ ذلكَ إلى أنَّ قولهُ تارةً: «صحيحٌ» وأخرى: «صحيحُ الإسنادِ» تفننٌ في العبارةِ، ليسَ غير؛ إذ قد اتضحَ أنَّ عدمَ وجدانِ الناقدِ العلةَ والشذوذَ بعدَ الفحصِ كافٍ في التصحيحِ، أو يقالُ: إنَّ المفهومَ لقولهِ: «المصنف» لا لقولهِ: «المعتمد» ويكونُ معناهُ أنَّ المعتمدَ الذي / ٨٤ ب / لم يبلغْ درجةَ التصنيفِ إذا قالَ: «صحيحُ الإسنادِ» لا نستفيدُ منهُ صحةَ المتنِ، ولو لم يعقبهُ بقادحٍ، وكذا الذي بلغَ أهليةَ التصنيفِ، لكنْ قالَ ذلكَ في غيرِ تصنيفٍ».
قلتُ: وقد كنتُ أرى أنَّ كلامَ ابنِ الصلاحِ فيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ، إذا رتَّبَ اتضحَ المعنى، وتقديره: حكمُ المصنفِ المعتمدِ على إسنادٍ بالصحةِ من غيرِ تعقيبٍ بقادحٍ حكمٌ للمتنِ أيضًا بالصحةِ، غير أنَّهُ دونَ حكمهِ على المتنِ بالصحةِ من أولِ الأمرِ.
وأظُنُّ أنَّ ابنَ الصلاحِ أرادَ هذا المعنى، فلم توفِ بهِ عبارتُهُ، وهذا لا يُنقِصُ من جلالتهِ -﵀-، ثمَّ ظهرَ لي أنَّ الكلامَ صحيحٌ موفٍ بالمعنى، ما فيهِ تقديمٌ
_________________
(١) نكت ابن حجر ١/ ٤٧٤، وبتحقيقي: ٢٥٩.
(٢) من قوله: «وقد علمت فيما مضى» إلى هنا لم يرد في (ك).
[ ١ / ٢٩٠ ]
ولا تأخيرٌ، فالجملةُ الأولى (١) ادّعَى فيها أنَّ الحكمَ على الحديثِ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ دونَ الحكمِ عليهِ بأنَّهُ نفسَهُ صحيحٌ، فهذا كما ترى ظاهرهُ القول منه باشتراكهما في الصحةِ، غير أنَّ أحدَهما أعلى؛ لطروقهِ احتمالَ كونِ المصنفِ أرادَ أنَّ السندَ صحيحٌ، وأنَّ المتنَ شاذٌ، أو معللٌ.
والجملةُ الثانيةُ من كلامه، وهي قولهُ: «غيرَ أنَّ المصنفَ » إلى آخره، كالتعليلِ لتصحيحِ الحديثِ الذي قيل فيهِ: «صحيحُ الإسنادِ» معَ أنَّهُ قد قررَ أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ صحةِ المتنِ، وصحةِ السندِ.
قالَ شيخُنا: «والذي (٢) لا أشكُّ فيهِ أنَّ الإمامَ منهم لا يعدلُ عن قولهِ: «صحيح» إلى قوله: «صحيح الإسنادِ» إلا لأمرٍ ما» (٣).
قلتُ: وقد بانَ لكَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ، واللهُ أعلمُ.
قال: وأكثرُ من يستعملُ ذلكَ / ٨٥ أ / الحاكمُ في " مستدركهِ " فتارةً يقول: «صحيح على شرطهما»، وتارةً: «على شرطِ أحدِهما»، وتارةً يقولُ:
«صحيحُ الإسنادِ، ولا علة له»، وتارةً: «صحيح الإسنادِ» ويسكتُ.
قال (٤): وثمَّ مناقشةٌ أخرى في قوله: «لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ هوَ الأصلُ والظاهرُ» (٥) فإنَّهُ هنا حكمَ بالصحةِ من غيرِ بحثٍ عن عدمِ العلةِ، وجعلَ في قسمِ الصحيحِ انتفاءَ العلةِ شرطًا لهُ، وقضيةُ كونِ عدمها فيه شرطًا أنْ يبحثَ عن حالهِ حتى يغلبَ على الظنِّ أنَّه لا علةَ لهُ.
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي ابن حجر».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
قلتُ (١): وحاصلُ الاعتراضِ أنَّهُ اكتفى هنا بالعدمِ، وجعلَ الشرطَ هناكَ إثباتَ العدمِ، والفرقُ بينَ الأمرينِ مقررٌ في بحثِ الموجبةِ المعدولةِ، والسالبةِ البسيطةِ من علمِ الميزانِ، وعندي: أنَّه (٢) لا منافاةَ بينَ الموضعينِ.
وقولهُ: (لأنَّ الأصلَ) (٣)، أي: الأصلَ هنا، وفي كلِّ مدعٍ العدمُ حتى يثبتَ الوجودُ. والظاهرُ هنا - أي: المغلبُ على الظنِّ - عدمُ العلةِ والقادح، من شذوذٍ ونحوه، لأجلِ سكوتِ هذا الإمامِ المعتمدِ الذي من شأنه البحثُ والإرشادُ، وعندهُ (٤) غايةُ الملكةِ لذلكَ، فهوَ لم يصححْ إسنادَهُ إلا بعدَ أنْ بحثَ، فلم يجدْ علةً ولا قادحًا، فلم يَمِلِ ابنُ الصلاحِ إلى تصحيحِ ما وصفَ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ إلا لظنِّ أنَّ هذا الإمامَ المعتمدَ بحثَ عنِ القادحِ فلم يجد، وهذا معنى ما تقدّمَ (٥).
وقد عرفَ أنَّ الشرطَ غلبةُ الظنِ، لا القطعُ في نفسِ الأمرِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ:
٨٥ - وَاسْتُشْكِلَ الحسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظًا يُرِدْ فَقُلْ: صِفِ
٨٦ - بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وصِفْ؟
٨٧ - وَ(لأبي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَحِ
٨٨ - وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
٨٩ - وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَادِ
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) عبارة: «وعندي أنه» أبدلها في (ك) بـ «قلت».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧١، والعبارة تعود لقول ابن الصلاح: «لأن عدم العلة والقادح هو الأصل». معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٤) في (ك): «وغيره».
(٥) جاء في حاشية (أ): «في الصحيح من أنه لابد من البحث».
[ ١ / ٢٩٢ ]
قوله: (كقولِ الترمذيِّ وغيرهِ) (١) إنما قالَ: «وغيرهِ» حتى لا يظنَّ أنَّ الجمعَ بينَ / ٨٥ب / الوصفينِ إنما وقعَ في كلامه فقط، فقد جاء في كلامِ غيرهِ، كعلي بنِ المديني، ويعقوبَ بنِ شيبةَ.
قوله: (إذا كانَ حسنَ اللفظِ أنه حسنٌ) (٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ بعد ذلكَ: «وذلكَ لا يقوله أحدٌ من المحدّثينَ (٣) إذا جروا على اصطلاحهم» (٤). نقلهُ عنهُ الشيخُ في " النكت " (٥)، ثمَّ قالَ: «قلتُ: قد أطلقوا على الحديثِ الضعيفِ بأنَّهُ حسنٌ، وأرادُوا حسنَ اللفظِ، لا المعنى الاصطلاحي، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ " بيانِ آدابِ العلمِ " حديثَ معاذ بنِ جبلٍ مرفوعًا: «تعلّموا العلمَ؛ فإنَّ تعلّمَهُ للهِ خشيةٌ، وطلبهُ عبادةٌ، ومذاكرتهُ تسبيحٌ، والبحثَ عنهُ جهادٌ، وتعلمهُ لمن لا يعلمهُ صدقةٌ، وبذلهُ لأهلهِ قربةٌ؛ لأنَّهُ معالمُ الحلالِ والحرامِ، ومنارُ سُبُلِ (٦) أهلِ الجنةِ، وهو الأنس في الوحشةِ، والصاحبُ في الغربةِ، والمحدثُ في الخلوةِ، والدليلُ على السراءِ والضراءِ، والسلاحُ على الأعداءِ، والزينُ عندَ الأخِلاءِ، يرفعُ اللهُ بهِ أقوامًا، فيجعلهم في الخيرِ قادةً، وأئمةً تُقتصُ آثارُهم، ويُقتدَى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغبُ الملائكةُ في خلّتِهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفرُ لهمُ كلُّ رطْبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحرِ وهوامُهُ، وسباعُ البرِّ وأنعامُهُ؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلوبِ منَ الجهلِ؛ ومصابيحُ الأبصارِ منَ الظلمِ، يبلغُ العبدُ بالعلمِ منازلَ الأخيارِ، والدرجاتِ العلى في
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٢، وهي عبارة ابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٩٩.
(٣) في الاقتراح: «أهل الحديث».
(٤) الاقتراح: ١٩٩.
(٥) التقييد والإيضاح: ٦٠ - ٦١.
(٦) في التقييد: «سبيل»، وفي جامع بيان العلم «سبل» كما هو في المخطوط.
[ ١ / ٢٩٣ ]
الدنيا والآخرةِ، التفكرُ فيهِ يعدلُ الصيامَ، ومدارستُهُ تَعدلُ القيامَ، بهِ تُوصَلُ الأرحامُ، وبهِ يُعرَفُ الحلالُ / ٨٦أ / منَ الحرامِ، هوَ إمامُ العملِ، والعملُ تابعُهُ، يُلهَمُهُ السَّعداءُ، ويُحرَمُهُ الأشقياءُ» (١). قالَ ابنُ عبد البرِّ: وهو حديثٌ حسنٌ جدًا، ولكن ليسَ له إسنادٌ قويٌّ (٢). انتهى كلامُهُ.
فأرادَ بالحسنِ حسنَ اللفظِ قطعًا، فإنَّهُ من روايةِ موسى بنِ محمدٍ البلقاويِّ، عن عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العَمِّي. والبلقاويُّ هذا كذابٌ كذبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ (٣)، ونَسبَهُ ابنُ حبانَ (٤) والعقيلي (٥) إلى وضعِ الحديثِ - والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مما صنعت يداهُ - وعبدُ الرحيم بنُ زيدٍ العَمِّي متروكٌ أيضًا (٦) ورُوِّينا عن أميةَ بنِ خالدٍ قالَ: «قلتُ لشعبةَ: تُحدِّثُ عن محمدِ ابنِ عبيدِ اللهِ العرزمي، وتدعُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، وقد كانَ حسنَ الحديثِ؟ قالَ: من حسنِها فررتُ» (٧) انتهى. ولابنِ دقيقِ العيدِ أنْ ينفصلَ عن ذلكَ بقولهِ: «إذا جروا على اصطلاحهم» (٨)، والإلزام
_________________
(١) جامع بيان العلم ١/ ٥٤ - ٥٥، وكذلك أسنده من قبله أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٣٩.
(٢) جامع بيان العلم ١/ ٥٥، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٨٩: «قوله: حسن، أراد به الحسن المعنوي، لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث ».
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ١٨٥ (٧١٥).
(٤) المجروحين ٢/ ٢٥٠ (٩١٦).
(٥) الضعفاء الكبير ٤/ ١٦٩.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٥/ ٤٠١ (١٦٠٣)، والتأريخ الكبير ٦/ ١٠٤، والتأريخ الصغير ٢/ ٢٥٤، والضعفاء للنسائي (٢٦٨)، وتهذيب الكمال ٤/ ٤٩٥ (٣٩٩٤)، وانظر كلام الحافظ العراقي في تخاريج الإحياء ١٠/ ٨٩.
(٧) أسنده: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٢٥، والسمعاني في " أدب الإملاء ": ٥٩، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥٥٦ (٤١٢٠).
(٨) الاقتراح: ١٩٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الصحيحُ ما (١) قالَه شيخُنا من أنَّهُ (٢) كان يلزمُ على قوله (٣): أنْ لا يوصفَ حديثٌ بصفةٍ إلاّ والحسنُ تابعه، فإنَّ كلَّ أحاديثِ النبي - ﷺ - حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلما رأينا الذي وقعَ هذا في كلامه كثيرًا يفرقُ، فتارةً يقولُ: «حسنٌ» ويطلقُ، وتارةً يقولُ: «صحيحٌ» فقط، وتارةً يقولُ: «حسنٌ صحيحٌ»، وتارةً يقولُ: «صحيحٌ (٤) غريبٌ» ونحوُ ذلكَ، عرفنا أنَّهُ لا محالةَ جارٍ معَ الاصطلاحِ، وأيضًا فهو قد قالَ في " العللِ " في آخرِ كتابهِ: «وماقلنا في كتابنا حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا بهِ حسنَ إسناده عندنا» (٥) فقد صرحَ بأنَّه إنما أرادَ حسنَ الإسنادِ، فانتفى أنْ يريدَ / ٨٦ب / حسنَ اللفظِ، فقلتُ: يمكنُ أن يجيبَ مدعي هذا بما أجبتمُ بهِ من أنَّ هذا الكلامَ خاصٌّ بما يقولُ فيهِ: «حسنٌ» من غيرِ صفةٍ أخرى، فقالَ: بل هذا شاملٌ للجميعِ، والذي يختصُّ بما يخصهُ بقولهِ: «حسن» (٦) هوَ الكلامُ الذي بعدَ هذا، وهو قولهُ: «كلُّ حديثٍ يروى ..» (٧) إلى آخرهِ، وإنما يَرِدُ تحسينُ أهلِ هذا الشأنِ للفظِ الضعيفِ مقيدًا، كما يقولُ ابنُ عبدِ البرِّ أحيانًا: «حديثٌ حسن اللفظِ، وليسَ لهَ إسنادٌ قائم» (٨).
قوله: (وهذا معنى قوله (٩): فكيفَ إنْ فردٌ) (١٠) قال الشّيخُ في
_________________
(١) من قوله: «قال ابن دقيق العيد بعد ذلك » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) عبارة: «من أنه» لم ترد في (ك).
(٣) عبارة: «على قوله» لم ترد في (ك).
(٤) عبارة: «فقط، وتارة يقول: حسن صحيح، وتارة يقول: صحيح» لم ترد في (ك).
(٥) العلل آخر الجامع ٦/ ٢٥١.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: الذي أراد به حسن الإسناد».
(٧) العلل آخر الجامع ٦/ ٢٥١.
(٨) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٤، وانظر: نكت ابن حجر ١/ ٤٧٥، وبتحقيقي: ٢٦١.
(٩) «قوله» لم ترد في (ف).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٢٩٥ ]
" النكتِ " (١): «وقد أجابَ بعضُ المتأخرينَ (٢) عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّ الترمذيَّ حيثُ قالَ هذا يريدُ بهِ تفردَ أحدِ الرواةِ بهِ عنِ الآخرِ، لا التفردَ المطلقَ. قالَ: ويوضحُ ذلكَ ما ذكرهُ في الفتنِ (٣) من حديث خالدٍ الحذّاءِ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ يرفعه: «من أشارَ إلى أخيهِ بحديدةٍ ..» الحديثَ، قال فيهِ: «هذا (٤) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ»، فاستغربهُ من حديثِ خالدٍ، لا مطلقًا. انتهى. وهذا الجوابُ لا يتمشى في المواضع التي يقولُ فيها: لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ، (٥) كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمان» هكذا قالَ الشيخُ، وستعرفُ ما فيهِ فيما يليهِ (٦).
قوله: (كحديثِ العلاءِ) (٧) ليسَ مثالًا صحيحًا، فإنَّ قولَ الترمذيِّ: «على هذا اللفظِ» يشعرُ بأنَّهُ رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ على غيرِ هذا اللفظِ، وهوَ كذلكِ، فإنَّ أصلهُ: «لا تَقدمّوا رمضانَ بصومِ يومٍ، ولا يومينِ» (٨) وهو مروٍ من غيرِ هذهِ
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٥٨ - ٥٩.
(٢) انظر: نكت الزركشي ١/ ٣٦٧، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٤٩ - ١٢٥٠، وتعليقنا على كتاب معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٣) الجامع الكبير ٤/ ٣٦ (٢١٦٢)، والحديث أخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٢٥٦ و٥٠٥، ومسلم ٨/ ٣٤ (٢٦١٦) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به.
(٤) في " التقييد والإيضاح ": «هكذا» خطأ.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: عن هذا الراوي».
(٦) من قوله: «قوله: وهذا معنى قوله » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٢. وحديث العلاء هذا رواه الترمذي في " الجامع الكبير "
(٨) من طريقه، عن أبيه، عن أبي هريرة: «إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا».
(٩) من هذا الوجه أخرجه: البخاري ٣/ ٣٥ (١٩١٤)، ومسلم ٣/ ١٢٥ (١٠٨٢) (٢١)، ولمزيد من التخريج انظر تحقيقي على " مسند الشافعي " حديث (٦٠٩).
[ ١ / ٢٩٦ ]
الطريقِ، وللترمذيِّ في تعبيره عن ذلكَ أنواعٌ من التقييداتِ (١) / ٨٧ أ / لا يتنبهونَ لها، كأنْ يقولَ: «غريبٌ من هذا الوجهِ» (٢)، «غريبٌ بهذا السياقِ»، «لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ بهذا التمامِ» (٣)، ونحوُ ذلكَ، فلا يمنعُ أنْ يكونَ رويَ من وجهٍ آخرَ، أو أوجهٍ أُخرَ من غيرِ ذلكَ الوجهِ، وبغيرِ ذلكَ السياقِ، وبغيرِ ذلكَ التمامِ. ووراءَ ذلكَ كله أنَّهُ إذا اقتصر على قوله: «غريبٌ» احتملَ أنْ يكونَ مرادهُ الغرابةَ النسبيةَ، أي: إنَّ ذلكَ الراوي تفرّدَ بهِ عن شيخه، وذلكَ مثل قوله: «غريبٌ من هذا الوجهِ» فلا يمتنعُ أنْ يكونَ رواهُ العددُ الكثيرُ عن غيرِ ذلكَ الشيخِ، فليتنبه لذلكَ كلهِ.
قوله: (ولأبي الفتحِ) (٤) قال شيخنا: «حاصلُ جوابِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّ قولهم: «حسنٌ صحيحٌ» مثلُ قولهم: «هذا الراوي صدوقٌ ضابطٌ»؛ فإنَّ صدوقًا فقط قاصرٌ عن أوصافِ رجالِ الصحيحِ، وضابطًا من أوصافهم، فكما أنَّ الجمعَ بينَ هذينِ الوصفينِ لا يضرُّ ولا يشكلُ، فكذلكَ الجمعُ بينَ الحسنِ والصحةِ. وظاهرُ قولهِ: «وأمّا إن ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ، فالحسنُ حاصلٌ» إنَّ مرادَهُ بالحسنِ هنا غيرُ المعنى الاصطلاحيِّ؛ لأنَّ الاستعمالَ الشائعَ في مثلِ «إنْ كانَ كذا فكذا، وأمّا إن كانَ كذا فكذا»، أنَّ ما بعدَ «أمّا» غيرُ ما قبلها، لكنَّ قولهُ: «لأنَّ وجودَ
_________________
(١) في (ك): «التقديرات».
(٢) انظر على سبيل المثال: الجامع الكبير (٥٨) و(٣٦٠) و(٤٢٨) و(٦١٤) و(١٠٤٦) و(١١٨٨) و(١٣٠٣) و(١٣٢٦) و(١٦٨١) و(٢١٧١) و(٢٦٢٥) و(٢٨٤٢) و(٣٠٣٢) و(٣٣٧١) و(٣٥٣٨).
(٣) في الجامع الكبير عبارة: «لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه» دون قوله: «بهذا التمام» انظر على سبيل المثال: (١٩٦) و(٤٧٣) و(٦٠٤) و(١٢٥٧) و(١٤٠٤) و(١٨٣٢) و(٢١٨٥) و(٢٤٠٥) و(٢٦٥٤) و(٢٩١٦) و(٣٢٠٢) و(٣٥٠) و(٣٨٦٢).
(٤) التبصرة والتذكرة (٨٧).
[ ١ / ٢٩٧ ]
الدرجةِ العليا » (١) إلى آخرهِ ينفي ذلك، ويشعرُ بأنَّ المرادَ المعنى الاصطلاحيُّ، وحينئذٍ يقال: إنْ كان الضبطُ الذي في راوي الحسنِ هو عينُ (٢) الضبطِ الذي في راوي الصحيحِ، فالجوابُ مسلمٌ، وإنْ كانَ غيرهُ - وهوَ الحقُّ - فليسَ جوابًا صحيحًا، فإنَّ الضبطَ / ٨٧ ب / الذي في راوي الحسنِ مشترطٌ فيهِ القصورُ، والذي في راوي الصحيحِ مشترطٌ فيهِ التمامُ، فهما حقيقتانِ مختلفتانِ، وهذا مثلُ قولِ مَن جعلَ المباحَ جنسًا للواجبِ؛ لكونِ كلٍّ منهما مأذونًا فيهِ، والجوابُ بما قالَ ابنُ الحاجب: «قلنا: تركتم فصلَ المباحِ، أي: وهو عدمُ الذمِّ لتاركهِ»، وهذا كذلكَ سواءٌ من جعلهُ جنسًا للصحيحِ؛ للاجتماعِ في القبولِ، غفلَ (٣) عن فصلِ الحسنِ، وهوَ اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ، وقد تقدّمَ بأبسط من هذا، لكنْ يعتنى بابنِ دقيقِ العيدِ بأنَّ مرادهُ أنَّ الحسنَ حيثُ انفردَ يقصدُ معناه الاصطلاحيُّ، وهوَ المشترطُ فيهِ ذلكَ القصورُ، وإذا لم ينفرد يجوزُ أنْ يُرادَ المعنى الاصطلاحيُّ أيضًا، ويلاحظُ فيهِ القصورُ، لكنْ لا يلاحظُ أنَّهُ على وجهِ الشرطِ حتى يمتنعَ ارتفاعه عن تلكَ الدرجةِ، وهذا كما تراهُ بحث بحثه، والباحثُ قد يجوزُ في توجيهِ الكلامِ ما لا يعتقدُ أنه الظاهرُ من معناهُ، فضلًا عن أنْ يعتقدَ أنَّهُ الحقُّ.
قوله: (ويلزمُ على هذا ) (٤) إلى آخرهِ يشعرُ بعدمِ رضاهُ له، والمعتمدُ ما قدمهُ في أولِ فصلِ الحسنِ في اعتراضهِ على الخطابيِّ منِ اشتراطِ كونِ الحسنِ قاصرًا عن رتبةِ الصحيحِ (٥)، فإنَّ ذاكَ الكلامَ في محلهِ، والقاعدةُ: أنَّ ما ذُكرَ في محلهِ هوَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٣، والكلام لابن دقيق العيد. انظر: الاقتراح: ٢٠٠.
(٢) في (ك): «غير».
(٣) في (ك): «عندي».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٣.
(٥) الاقتراح: ١٩١ - ١٩٢.
[ ١ / ٢٩٨ ]
المعتمدُ، فاللائقُ ردُّ هذا الكلامِ إلى ذاكَ، لا (١) كما فعلَ التبريزيُّ حيثُ أرادَ ردَّ ذلكَ إلى هذا (٢).
قال شيخنا: «هذا (٣) ما يتعلقُ بما أوردهُ في النظمِ منَ الأجوبةِ، وبقي جوابٌ رابعٌ / ٨٨ أ /: وهوَ التوسطُ بينَ كلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنِ دقيقِ العيدِ، فيخصُّ جواب ابنِ الصلاحِ بما يكونُ لهُ إسنادانِ فصاعدًا، وجواب ابنِ دقيقِ العيد بما يكونُ فردًا.
وجوابٌ خامسٌ - وهو الذي ارتضاهُ (٤) (٥)، ولا غبارَ عليهِ -: وهوَ أنَّ الحديثَ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فالوصفُ راجعٌ إلى الحديثِ باعتبارِ الإسنادينِ، أو الأسانيدِ، كأنَّه قيلَ: «حديثٌ حسنٌ بالإسنادِ الفلاني، صحيحٌ بالإسنادِ الفلاني»، وإنْ كانَ الحديثُ فردًا فالوصفُ وقعَ بحسبِ اختلافِ النقادِ في راويهِ، فيرى المجتهدُ منهمُ - كالترمذيِّ - بعضهم يقولُ: صدوقٌ مثلًا، وبعضهم يقولُ: ثقةٌ، ولا يترجّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما، أو يترجحُ، ولكنهُ أرادَ أنْ يشيرَ إلى كلامِ الناسِ فيهِ، فيقولَ: «حسنٌ صحيحٌ»، أي: حسنٌ عندَ قومٍ؛ لأنَّ راويهِ عندَهم صدوقٌ،
_________________
(١) لم ترد في (ك).
(٢) إذ قال التبريزي فيما نقله عنه العراقي في شرح التبصرة ١/ ١٥٢، وفي التقييد والإيضاح: ٤٤: «فيه نظر؛ لأنه ذكر من بعد أن الصحيح أخص من الحسن، قال: ودخول الخاص في حد العام ضروري والتقييد بما يخرجه للحد»، قال العراقي: «وهو اعتراض متجه». قال ابن حجر في نكته ١/ ٤٠٥ وبتحقيقي: ٢٠٠: «بين الصحيح والحسن خصوص وعموم من وجهٍ، وذلك بين واضح لمن تدبره، فلا يرد اعتراض التبريزي؛ إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجهٍ أن يكون أخص منه مطلقًا حتى يدخل الصحيح في الحسن ».
(٣) عبارة: «قال شيخنا: هذا» لم ترد في (ف).
(٤) في (ك) و(ف): «ارتضيه».
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر».
[ ١ / ٢٩٩ ]
صحيحٌ عندَ آخرينَ؛ لأنَّ راويهِ عندهم ثقةٌ، وهوَ نظيرُ قولِ الفقيهِ: في المسألةِ قولانِ، أو بحسبِ ترددِ المجتهدِ نفسهِ في الراوي، فتارةً يؤديهِ اجتهادهُ باعتبارِ حديثهِ وعرضهِ على حديثِ الحفّاظِ، ونحو ذلكَ إلى قصورِ ضبطهِ، وتارةً إلى تمامهِ، فكأنهُ حينئذٍ قالَ: حسنٌ أو صحيحٌ، وغايتهُ: أنَّه حذفَ كلمة «أو»، وحذفُها شائعٌ في كلامِهم، كما في أثرِ عمرَ - ﵁ - في " الصحيحِ " في أوائلِ كتابِ الصلاةِ (١): «صلى في قميصٍ وإزارٍ، في تبان ورداءٍ، في كذا وكذا » (٢) إلى آخرهِ، وكما في حديثِ عدي بنِ حاتمٍ رفعهُ: «تصدّقَ رجلٌ من درهمهِ، من دينارهِ، من صاعِ تمرهِ» (٣) إلى آخرهِ، ذكرهُ ابنُ مالكٍ في " شواهدِ / ٨٨ ب / التوضيحِ " (٤) وهذا الحديثُ رواهُ مسلمٌ في الزكاةِ عن جريرِ بن عبدِ اللهِ - ﵁ -: «أنَّ ناسًا من الأعرابِ جاءوا، فرأى سوءَ حالهم، فخطبَ الناسَ، ثم حثَّهُم على الصدقةِ» (٥)، وقالَ هذا الكلام.
في " صحيحِ مسلمٍ " أيضًا في البرِ والصلةِ عن أبي هريرةَ - ﵁ -، أنَّ النّبيَّ - ﷺ - قالَ: «اللهمَّ إني أتخذُ عندكَ عهدًا، فأيُ المسلمينَ آذيتُهُ، شتمتُهُ، لعنتُهُ، جلدتُه، فاجعلها لَه صلاةً، وزكاةً، وقُربةً» (٦).
_________________
(١) عبارة: «في أوائل كتاب الصلاة» لم ترد في (ف).
(٢) صحيح البخاري ١/ ١٠٢ عقب (٣٦٥).
(٣) أخرج الطبراني في " الأوسط " (٩٤٨١) بنحو هذا من حديث عدي بن حاتم، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٣/ ١٠٦ - ١٠٧وقال: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسن ابن أبي جعفر الجفري، وهو ضعيف».
(٤) شواهد التوضيح: ١١٧.
(٥) صحيح مسلم ٣/ ٨٦ (١٠١٧) (٦٩).
(٦) صحيح مسلم ٨/ ٢٦ (٢٦٠١) (٩٣).
[ ١ / ٣٠٠ ]
وروى أبو داودَ (١) والنسائيُّ (٢) وابنُ حبان في "صحيحهِ" (٣) عن عمارِ بنِ ياسرٍ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «إنَّ الرجلَ لينصرفُ، وما كُتبَ لهُ إلا عُشرُ صلاتهِ، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نصفُها».
ورَوَى أبو يعلى (٤) - قالَ المنذريُّ: ورجالهُ محتجٌ بهم في الصحيحِ - عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: ذكرتُ قيامَ الليلِ فقالَ بعضُهم: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «نِصفُهُ، ثُلثُه، ربعُه، فواقَ حلبِ ناقةٍ، فواقَ حلبِ شاةٍ» (٥) ويتفرعُ على هذا الجوابِ سؤال مَن أجابَ فيهِ من غيرِ تفصيلٍ أخطأَ، وهوَ أن يقالَ: أي ما أرفع: ما يقالُ فيهِ: «صحيحٌ» فقط، أو ما يقالُ فيهِ: «حسنٌ صحيحٌ»؟ والجوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فما جُمِعَ الوصفانِ فيهِ أعلى مِمَّا لم يكُن لهُ إلا إسنادٌ واحدٌ صحيحٌ؛ لأنَّهُ زادَ عليهِ بالطريقِ الحسنةِ، وإنْ كانَ فردًا، فما أفردَ وصفهُ بالصحةِ أعلى؛ لأنهُ لا تَردُّدَ فيهِ، واللهُ أعلمُ.
وقد ذكرَ / ٨٩ أ / الشيخُ في "النكتِ" (٦) عن الحافظِ عمادِ الدينِ إسماعيلَ ابنِ كثيرٍ جوابًا وردَّهُ، فقالَ: «أجابَ بما حاصلهُ: أنَّ الجمعَ في حديثٍ واحدٍ بينَ الصحةِ والحُسنِ درجةٌ متوسطةٌ بينَ الصحيحِ والحسنِ، فقالَ: والذي يظهرُ (٧) أنَّهُ يُشربُ الحُكمَ بالصحةِ على الحديثِ بالحسنِ، كما يُشربُ الحسنَ بالصحةِ، قالَ:
_________________
(١) في سننه (٧٩٦).
(٢) في الكبرى (٦١٢).
(٣) كما في الإحسان (١٨٨٩).
(٤) في مسنده (٢٦٧٧).
(٥) من قوله: «وكما في حديث عدي بن حاتم رفعه » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) التقييد والإيضاح: ٦١ - ٦٢.
(٧) في اختصار علوم الحديث: «لي».
[ ١ / ٣٠١ ]
فعلى هذا يكونُ ما يقولُ فيه: حسنٌ صحيحٌ، أعلى رتبةً عندهُ من الحسنِ ودونِ الصحيحِ، ويكونُ حكمهُ على الحديثِ بالصحةِ المحضةِ أقوى من حكمهِ عليهِ بالصحةِ مع الحسنِ (١). انتهى».
قالَ الشيخُ (٢): «وهذا الذي ظهرَ لهُ تحكمٌ، لا دليلَ عليهِ، وهو بعيدٌ من فهمِ معنى كلامِ الترمذي» (٣)، انتهى.
وقد ظهرَ بما حررهُ شيخُنا أنَّهُ ليسِ ببعيدٍ، فإنَّهُ واقعٌ على ما هو فردٌ، واللهُ أعلمُ (٤).
قولُه: (ويؤيدُه قولهم: حَسنٌ) (٥) ليسَ كذلكَ، فإنَّ المتقدمين الذين أطلقوا وصفَ الحسنِ على ما هو صحيحٌ كالشافعيِّ وغيرهِ، لمْ يكن تقررَ عندهم الاصطلاحُ على أنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصحيحِ، ولو تقرّرَ لما خالفوهُ.
قولهُ: (وأوردوا ) (٦) إلى آخره، هذا الاعتراضُ لا يردُ على واحدٍ من ابنِ دقيقِ العيدِ، وابنِ المواقِ إنْ سُلِّمَ (٧) أنَّ وجودَ الدرجةِ الدُنيا لا تنافي العُليا؛ لأنَّ الحسنَ الذي اشترطَ فيهِ أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ هوَ الحسنُ لغيرهِ، فكلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ، لم يقلْ واحدٌ منهما: كُلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ ولغيرهِ، ولا قالَ: كلُّ حسنٍ صحيحٌ، حتى يشملَ الحسنَ بقسميهِ، بل السور لَم يرِد إلاَّ على الصحيحِ؛ فشملَ
_________________
(١) اختصار علوم الحديث: ١/ ١٤٠ - ١٤١ وبتحقيقي: ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٣) التقييد والإيضاح: ٦٢.
(٤) من قوله: «وقد ذكر الشيخ في النكت » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٣، وهو كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح: ٢٠٠.
(٦) التبصرة والتذكرة (٨٩).
(٧) عبارة: «إن سلم» لم ترد في (ك).
[ ١ / ٣٠٢ ]
كُلَّ صحيحٍ، وإذا صحَّ وصفهُ بأحدِ نوعي الحسنِ كَفَى، ولا يضُرُّ / ٨٩ب / تخلفُ وصفهِ بالنوعِ الآخرِ؛ لأنَّ السورلم يرد على الحسنِ حتى يشمل كلًا من نوعيهِ، واللهُ أعلمُ.
ولو كانَ ابنُ سيّدِ الناسِ يعتقدُ أنَّ الترمذيَّ يشترطُ في كُل حسنٍ أنْ يُروى من غيرِ وجهٍ، لاعتذرَ عنهُ بذلك، لكنَّهُ قدمَ أنَّ الترمذيَّ إنَّما قالَ ذلك في نوعٍ من الحسنِ (١).
قولُه: (كحديثِ الأعمالِ بالنياتِ) (٢) هذهِ أمثلةٌ للأفرادِ الصحيحةِ، فهذا (٣) تفردَ به عمرُ عنِ النبيِّ - ﷺ -، وتفرّدَ بهِ عنهُ علقمةُ، واستمرَّ التفردُ إلى يحيى ابنِ سعيدٍ.
وحديثُ السفرِ تفرّدَ بهِ مالكٌ (٤).
_________________
(١) انظر: النفح الشذي ١/ ٢٠٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٤، والحديث في صحيح البخاري ١/ ٢ (١) و٢١ (٥٤) و٣/ ١٩٠ (٢٥٢٩) و٥/ ٧٢ (٣٨٩٨) و٧/ ٤ (٥٠٧٠)، وصحيح مسلم ٦/ ٤٨
(٣) ، وللتوسع في تخريجه يراجع تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة.
(٤) عبارة: «هذه أمثلة للأفراد الصحيحة فهذا» لم ترد في (ك).
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (٢٨٠٥) رواية الليثي، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله». ومن طريق مالك أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٦ و٤٤٥، والبخاري ٣/ ١٠ (١٨٠٤)، و٤/ ٧١ (٣٠٠١)، و٧/ ١٠٠ (٥٤٢٩)، وابن ماجه (٢٨٨٢). وأخرجه: ابن ماجه (٢٨٨٢) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ويعقوب بن حميد صدوق له أوهام. انظر: التقريب (٧٨١٥). وأخرجه أيضًا: أحمد في " مسنده " ٢/ ٤٩٦ من طريق أبي عبد الله البكري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. وأبو عبد الله البكري: مجهول. انظر: الجرح والتعديل ٩/ ٤٤٩ (١٩٢١). وقد عنى المصنف بالتفرد هنا هو التفرد النسبي أي التفرد بالصحة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
: (القسم الثالث: الضعيف)
وحديثُ الولاءِ تفرّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ (١).
قولُه: (إذا لم يبلغْ رتبةَ الصحيحِ) (٢) إنما عبّرَ بهذا، ولم يقُل: «إذا كانَ في روايةِ مستورٍ» كما مضى؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ في الحديثِ الموصوفِ بالصحةِ والحسنِ، لكنْ (٣) كانَ منْ حقهِ أنْ يقول: إذا لم يبلغْ رتبةَ الحسنِ لذاتهِ، فإنَّ الحسنَ لذاتهِ لَم يبلغ رتبةَ الصحيحِ، ولا يشترطُ أنْ يُروَى من وجهٍ آخرَ.
قولُه: (القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ) (٤) في عبارةِ ابنِ الصلاحِ ضبطٌ للذهنِ، وتنبيهٌ على فوائِد، قالَ: «كُلُّ حديثٍ لم تجتمع فيهِ صفاتُ الحديثِ الصحيحِ، ولا
_________________
(١) أخرجه: الطيالسي (١٨٨٥)، وعبد الرزاق (١٦١٣٨)، والحميدي (٦٣٩)، وأحمد ٢/ ٩ و٧٩ و١٠٧، والبخاري ٣/ ١٩٢ (٢٥٣٥) و٨/ ١٩٢ (٦٧٥٦)، ومسلم ٤/ ٢١٦ (١٥٠٦)، وأبو داود (٢٩١٩)، وابن ماجه (٢٧٤٧)، والترمذي (١٢٣٦) و(٢١٢٦)، والنسائي ٧/ ٣٠٦، وابن الجارود (٩٧٨) جميعهم من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته. وأخرجه: ابن ماجه (٢٧٤٨) من طريق يحيى بن سُليم الطائفي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. وهذه وهم. قال الترمذي عقب حديث (١٢٣٦): «قد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - وهو وهم. وهم فيه يحيى بن سليم».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٥.
(٣) من قوله: «إنما عبر بهذا ولم يقل » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) انظر: في الضعيف: معرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٣، والتقريب: ٤٩، والاقتراح: ٢٠١، ورسوم التحديث: ٦٢، والمنهل الروي: ٣٨، والخلاصة: ٤٤، والموقظة: ٣٣، واختصار علوم الحديث ١/ ١٤٢ وبتحقيقي: ١٠٥، والشذا الفياح ١/ ١٣٣، والمقنع ١/ ١٠٣، ومحاسن الاصطلاح: ٤٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٦، وتنقيح الأنظار: ١٠١، =
[ ١ / ٣٠٤ ]
صفاتُ الحديثِ الحسنِ -المذكوراتِ فيما تقدّم- فهو حديثٌ ضعيفٌ (١) وأطنبَ أبو حاتِم بنُ حبانَ البستيُّ في تقسيمهِ، فبلغَ بهِ خمسينَ قسمًا إلا واحدًا (٢)، وما ذكرتهُ ضابطٌ جامعٌ لجميعِ ذلكَ، وسبيلُ من أرادَ البسطَ أنْ يعمدَ إلى صفةٍ معينةٍ منها، فيجعلَ ما عُدمتْ فيه من غيرِ أنْ يخلفَها جابرٌ - على حسبِ ما تقرّرَ في نوعِ الحسنِ- قسمًا واحدًا، ثمَّ ما عُدمت فيه تلكَ الصفةُ مع صفةٍ أخرى (٣) /٩٠أ / معينة قسمًا ثانيًا، ثم ما عُدِمتْ فيهِ مع صفتينِ معينتينِ قسمًا ثالثًا، وهكذا إلى أنْ تُستوفَى الصفاتُ المذكوراتُ جُمَعَ، ثم يعودُ ويعيّنُ منَ الابتداءِ صفةً غيرَ التي عينها أولًا، ويجعل ما عُدمت فيهِ وحدَها قسمًا، ثمَّ القسم الآخر ما عُدِمت فيهِ مع صفةٍ أخرى. ولتكنِ
_________________
(١) = والمختصر: ١١٧، وفتح المغيث ١/ ٩٣، وألفية السيوطي: ١٩ - ٢١، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٨٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٥٧، وفتح الباقي ١/ ١٦٧، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٤٦، وظفر الأماني: ٢٠٦، واليواقيت والدرر ١/ ٤٨٢، وقواعد التحديث: ١٠٨، وتوجيه النظر ٢/ ٥٤٦، ولمحات في أصول الحديث: ١٩٢.
(٢) للعلماء مباحثات ومناقشات حول هذا التعريف، انظرها في: نكت الزركشي ١/ ٣٨٩، والتقييد والإيضاح: ٦٣، ونكت ابن حجر ١/ ٤٩١ وبتحقيقي: ٢٧٦ - ٢٧٧، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٨٣.
(٣) قال ابن حجر في نكته ١/ ٤٩٢ وبتحقيقي: ٢٧٧ - ٢٧٨: «لم أقف على كلام ابن حبان في ذلك». وقال الزركشي في نكته١/ ٣٩١: «أي: في أول كتابه في الضعفاء». قال ابن حجر مستدركًا على الزركشي في مقالته هذه، ومشيرًا إلى عدم أصابته: «لم يصب في ذَلِكَ، فإن الذي قسمه ابن حبان في مقدمة الضعفاء له تقسيم الأسباب الموجبة لتضعيف الرواة، لا تقسيم الحديث الضعيف، ثم إنه أبلغ الأسباب المذكورة عشرين قسمًا، لا تسعة وأربعين، والحاصل: أن الموضع الذي ذكر ابن حبان فيه ذلك ما عرفنا مظنته، والله الموفق».
(٤) جاء في الحاشية من نسخة (أ) بخطِّ البقاعي ما يأتي: «بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الحمصي الشافعي، وسمع الجماعة، وكتب مؤلفه إبراهيم البقاعي».
[ ١ / ٣٠٥ ]
الصفةُ الأخرى غيرَ المبدوءِ بها، لكونِ ذلكَ سبقَ في أقسامِ عدمِ الصفةِ الأولى، وهكذا هَلمَّ جرًَّا (١) إلى آخرِ الصفاتِ.
ثمَّ ما عُدمَ فيهِ جميعُ الصفاتِ هو القسمُ الأخِرُ (٢) الأرذلُ. وما كانَ منَ الصفاتِ لَهُ شروطٌ فاعملْ في شروطهِ نحو ذلك، فتتضاعفُ بذلكَ الأقسامُ.
والذي لهُ لقبٌ خاصٌّ معروفٌ منَ أقسامِ ذلكَ: الموضوعُ، والمقلوبُ، والشاذُّ، والمعللُ، والمضطربُ، والمرسلُ، والمنقطعُ، والمعضلُ - في أنواعٍ - سيأتي عليها الشرحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
والملحوظُ في ما نوردهُ منَ الأنواعِ: عمومُ أنواعِ علومِ الحديثِ، لا خُصوص أنواعِ التقسيمِ الذي فرغنا الآنَ من أقسامِه» (٣).
قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): «فجعلَ المصنفُ ما عدمَ منهُ هذهِ الصفاتُ هو القسم الأرذل، وخالفَ ذلك في النوعِ الحادي والعشرينَ - أي: وهو
الموضوعُ - (٥) فقالَ: «اعلمْ أنَّ الحديثَ الموضوعَ شرُّ الأحاديثِ الضعيفةِ» (٦) وما
_________________
(١) هذا التعبير يقال لاستدامة الأمر واتصاله. يقال: كان عامًا أوَّل كذا وكذا وهلم جرًا. وانظر في تفصيل اشتقاق هذا التعبير وانتصاب «جرًا»: الزاهر ١/ ٤٧٦، ولسان العرب ٤/ ١٣١، ونكت الزركشي ١/ ٣٩٢، ونكت ابن حجر ١/ ٥٠٣، وبتحقيقي: ٢٨٥، وتاج العروس ١٥/ ٤١٢، والمعجم الوسيط ١/ ١١٦.
(٢) قال الحافظ العراقي في التقييد: ٦٣: «بقصر الهمز على وزن الفخذ، وهو بمعنى الأرذل». وقيل: بمد الهمز أيضًا. انظر تفصيل ذلك في: لسان العرب ٤/ ١٥، ونكت الزركشي ١/ ٣٩٣، وتاج العروس ١٠/ ٣٨.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٣.
(٤) التقييد والإيضاح: ٦٣.
(٥) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٦) في هذا الموضع على ابن الصلاح تعقبات، نقلناها في تحقيقنا لمعرفة أنواع علم الحديث: ٢٠١.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ذكرهُ هناك هوَ الصوابُ: أنَّ شرَّ أقسامِ الضعيفِ الموضوعُ؛ لأنَّهُ كذبٌ، بخلافِ ما عدمَ فيهِ الصفاتُ المذكورةُ، فإنَّه لا يلزمُ من فقدِها كونهُ كذبًا». انتهى.
وسيأتي في الموضوعِ أنَّهُ لا اعتراضَ على ابنِ الصلاحِ، فإنَّ كلامَهُ لا يقتضي أنَّ القسمَ الأرذلَ /٩٠ ب / يلزمُ أنْ يكونَ كذبًا، بل إنَّهُ قسمٌ تحتهُ نوعانِ: مطلقُ الضعفِ الواهي، والموضوعُ، وبيَّن في الموضوعِ أنَّهُ شرُّ النوعينِ (١).
قَولُه:
٩٠ - أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي:
٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا
٩٢ - سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا
٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي
الشروطُ ستةٌ: وهي الضبطُ، والعدالةُ، والاتصالُ، وفقدُ الشذوذِ، وفقدُ العلةِ، ووجود (٢) العاضدِ عندَ الاحتياجِ إليه.
فالأولُ يتنازعه الصحيحُ والحسنُ، فما كانَ في أعلاهُ فهوَ صحيحٌ، وما كانَ في (٣) أدناهُ فهوَ حسنٌ.
والسادسُ يختصُّ بهِ (٤) الحسنُ والأربعةُ الباقيةُ يشتركانِ فيها، فإذا أردتَ تقسيمَ الضعيفِ بحسبِ ما يفقدهُ من هذهِ الشروطِ، انحصرَ في ستةِ أقسامٍ.
_________________
(١) من قوله: «قوله: القسم الثالث: الضعيف » إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) في جميع النسخ الخطية: «عدم»، وكذا نقله الصنعاني عن البقاعي في " توضيح الأفكار " ١/ ٢٤٨، وهو تحريف، والصواب ما أثبته، والله أعلم.
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وطريقُ الحصرِ أنَّ الخبرَ لا يخلو إمَّا أنْ يفقدَ شرطًا من هذهِ الشروطِ، أو شرطينِ، أو ثلاثةً، أو أربعةً، أو خمسةً، أو الكُلَّ، وهي ستةٌ، إذا نوعتَ ما يدخُل تحت هذهِ الستةِ بلغَ بالسبرِ والتقسيمِ ثلاثًا وستينَ (١) صورةً.
فالقسمُ الأولُ: وهو ما فقدَ شرطًا شرطًا، تحتهُ ستُّ صورٍ: الأولى: ما فقد الخبرُ فيها الشرطَ الأولَ. الثانيةُ: ما فقدَ الثاني. الثالثة: ما فقدَ الثالثَ. الرابعةُ: ما فقدَ الرابعَ. الخامسةُ: ما فقدَ الخامسَ. السادسةُ: ما فقدَ السادسَ.
الثاني: ما فقدَ شرطينِ شرطينِ (٢) تحتهُ خمسَ عشرةَ صورةً: الأولى: ما فقدَ الأول والثاني. الثانيةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ. الثالثةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والخامسَ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والسادسَ / ٩١ أ / السادسةُ: ما فقدَ الثانيَ والثالثَ. السابعةُ: ما فقدهُ مع الرابعِ. الثامنةُ: ما فقدهُ مع الخامسِ. التاسعةُ: ما فقدهُ مع السادسِ. العاشرةُ: ما فقدَ الثالثَ والرابعَ. الحاديةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع الخامسِ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع السادسِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقد الرابعَ والخامسَ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع السادسِ. الخامسةَ عشرةَ: ما فقدَ الخامسَ والسادسَ، صارت إحدى وعشرين.
الثالثُ: وهو ما فقدَ ثلاثةً ثلاثةً (٣)، تحتهُ عشرون صورةً: الأولى: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ (٤). الثانيةُ: ما فقدهُما مع الرابعِ، الثالثةُ: ما فقدهُما مع الخامسِ.
_________________
(١) في (ف): «ثلاثة وستين».
(٢) ضبب عليها الناسخ لنسخة (أ)، وهو دليل صحتها.
(٣) صحح عليها الناسخ لنسخة (أ).
(٤) كان في نسخة (أ): «الثالث والثاني»، وكتب الناسخ فوق كل واحدة حرف (م) دليل على أنه مقدم ومؤخر.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الرابعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والرابعَ. السادسةُ: ما فقدهُما مع الخامسِ. السابعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. الثامنةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ والخامسَ. التاسعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. العاشرةُ: ما فقدَ الأولَ والخامسَ والسادسَ. الحاديةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والرابعَ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع الخامسةِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والرابعَ والخامسَ. الخامسةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. السادسةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والخامسَ والسادسَ. السابعة عشرةَ: ما فقدَ /٩١ ب/ الثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثامنةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. التاسعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثالثَ والخامسَ والسادسَ. العشرونَ: ما فقدَ الرابعَ والخامسَ (١) والسادسَ. صارت إحدى وأربعين صورةً.
الرابع: وهو ما فقدَ أربعةً أربعةً، تحتهُ خمسَ عشرةَ صورةً كالثاني، الأولى: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ والرابعَ. الثانيةُ: ما فقدها مع الخامسِ. الثالثة: ما فقدها مع السادسِ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والرابعَ والخامسَ. الخامسةُ: ما فقدها مع السادسِ. السادسةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والخامسَ والسادسَ. السابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثامنةُ: ما فقدَها مع السادسِ. التاسعةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والخامسَ والسادسَ. العاشرةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ والخامسَ والسادسَ (٢). الحاديةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدها مع السادسِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والخامسَ والسادسَ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والرابعَ والخامسَ والسادسَ. الخامسةَ عشرة: ما فقدَ
_________________
(١) عبارة: «ما فقد الرابع والخامس» تكررت في (ف).
(٢) في (ف): «ما فقد الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس».
[ ١ / ٣٠٩ ]
الثالثَ وما بعدهُ. صارت سِتًا وخمسينَ صورةً.
القسمُ الخامسُ: وهو ما فقدَ خمسةً خمسةً، تحتهُ ستُّ صورٍ: الأولى: ما / ٩٢ أ / فقدَ الخمسةَ الأولى. الثانيةُ: ما فقدَ الأربعةَ الأولى والسادسَ. الثالثةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ والخامسَ والسادسَ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والرابعَ وما بعدهُ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ وما بعدهُ. السادسةُ: ما فقدَ الثاني وما بعدهُ. صارتِ اثنتينِ وستينَ صورةً.
السادسُ: تحتهُ صورةٌ واحدةٌ، وهي: ما فقدَ الستةَ. فتلكَ ثلاثٌ وستونَ صورةً، يتفرع منها صورٌ كثيرةٌ بالطريقِ التي ذكرها المصنفُ، وهي أنَّك تأخُذ ما يدخلُ تحتَ فقدِ الاتصالِ مثلًا، فتجدهُ أربعةً: وهي المعلقُ، والمرسلُ، والمعضلُ، والمنقطعُ، فتصير الصورةُ الواحدةُ صورًا كثيرةً، وعلى هذا المنوالِ ينسجُ. ومن هنا يُعلمُ أنَّ قولَ الشيخِ: «فما فقدَ فيهِ الاتصالُ قسمٌ، ويدخلُ تحتهُ قسمانِ» (١) معترضُ الظاهرِ، حيثُ أفهمَ الانحصارَ في القسمينِ، واللهُ أعلمُ.
وقدْ وضعتُ لهذهِ الصور الثلاثِ والستينَ جدولًا يضبطُها ويسهلُها، كنَيتُ فيهِ عنِ الشرطِ الأولِ بالألفِ، وعنِ الثاني بالباءِ، وعنِ الثالثِ بالجيمِ، وعنِ الرابعِ بالدالِ، وعنِ الخامسِ بالهاءِ، وعنِ السادسِ بالواوِ، وقدمتُ فيهِ الصورةَ الأخيرةَ، وهو هذا /٩٢ ب/:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧.
[ ١ / ٣١٠ ]
أب ج د هـ و|أ |ب |ج |د |هـ |و
أب |أج |أد |أه |أو |ب ج |ب د
ب هـ |ب و|ج د |ج هـ |ج و|ده |د
وه و|أب ج (١) |أب د |أب هـ | أب و|أج د |أج هـ
أج و|أد هـ |أد و|أهو |ب ج د |ب ج هـ |ب ج
وب د هـ |ب د و|ب هـ و|ج د هـ |ج د و|ج هـ و|د هـ
وأ ب ج د | أب ج هـ |أب ج و|أب د هـ |أب د و|أب هـ و|أج د هـ
أج د و|أج هـ و|أد هـ و|ب ج د هـ |ب ج د و|ب ج هـ و|ب د هـ
وج د هـ و|أب ج د هـ |أب ج د و|أب ج هـ و|أب د هـ و|أج د هـ و|ب ج د هـ و(٢)
قالَ شيخُنا: «وأنا أرى هذا التقسيمَ تعَبًا، ليسَ وراءهُ أربٌ، فإنَّه لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ لأجلِ معرفةِ ما كانَ من أقسامِ الضعيفِ أضعفُ من بعضٍ، أو لا، فإنْ كانَ الأولُ فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ أنْ يعرفَ أنَّ (٣) ما فقدَ منَ الشروطِ أكثر أضعفُ أو لا، فإنْ كانَ الأولُ، فليسَ كذلكَ؛ لأنَّ لنا ما يفقدُ شرطًا واحدًا ويكونُ أضعف مما يفقدُ الشروطَ الخمسةَ الأُخَر، وهو ما يفقدُ راويهِ (٤) بعضَ ما تقومُ بهِ العدالةُ وهو
_________________
(١) في (ك): «أج د» وهو خطأ.
(٢) إلى هنا انتهت نسخة (ك)، والجدول لم يرد في (ف).
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) في (ف): «رواية».
[ ١ / ٣١١ ]
الصدقُ، وإنْ كانَ الثاني فما هوَ، وإن كانَ الثاني وهو أنْ يكونَ لأمرٍ آخرَ غير معرفةِ الأضعفِ فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ تخصيصِ كلِّ قسمٍ باسمٍ أو لا، فإنْ كانَ الأولُ فليسَ كذلكَ؛ فإنَّهم لم يُسمُّوا من ذلكَ / ٩٣أ / إلا القليلَ كالمعضلِ والمرسلِ ونحوهما، وإنْ كانَ الثاني فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ معرفةِ كم تبلغ قسمًا بالبسطِ، أو لا، فإنْ كانَ الأول؛ فهذهِ (١) ثمرة مرة، وإنْ كانَ الثاني فما هوَ (٢)؟!».
قولُه في الشرحِ: (وقولُ ابنِ الصلاحِ ..) (٣) إلى آخرهِ، اعتراضهُ عليهِ غيرُ متجهٍ؛ لأنَّهُ يمكنُ أنْ لا يجمعَ صفاتِ الحسنِ، ويكونُ صحيحًا، وذلكَ أنَّهُ قد تحرّرَ فيما (٤) سلفَ أنَّها مباينةٌ لشروطِ الصحيحِ، فإذا انتفى الضبطُ المقيّدُ بالقصورِ، لم يمتنع أن يكونَ الضبطُ الموصوفُ بالتمامِ، وإذا انتفى كونُ الراوي مستورًا (٥) أو مجهولًا لَمْ يمتنع وجودُ الثقةِ الضابطِ، وعلى هذا. نَعَم عبارةُ الشيخِ (٦) هي التي لا يُحتاجُ معها إلى ذكرِ الصحيحِ من أجلِ تعبيرهِ بـ «يبلغ»، وهيَ ملاحظٌ فيها كونُ البالغِ كانَ قبلُ قاصرًا عن تلكَ الرتبةِ التي بلغها، ويكونُ معناها: ما قَصُرَ عن رتبةِ الحسنِ.
قولُه: (لأنَّ ما قصُرَ) (٧) منَ الغرائبِ فإنَّهُ لا يصلحُ تعليلًا لردِّ قولِ ابنِ الصلاحِ، إلا إذا عبَّرَ بأنَّهُ القاصرُ عن رتبةِ الحسنِ، أو ما في معنى ذلكَ.
_________________
(١) من هنا تبدأ نسخة (ب).
(٢) انظر: تدريب الراوي ١/ ١٧٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٦.
(٤) زاد بعدها في (ب): «قد».
(٥) وضع ناسخ (أ) فوق السين علامة الإهمال من أجل تمييزها عن الشين المعجمة.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٣١٢ ]
وتعبيرهُ بـ «لَم يجمعْ» لا «بِما قصرَ»، أو «لم (١) يبلُغْ»، لكنّ هذا كلَّهُ بناءٌ من الشيخِ (٢) على أنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ بدليلِ قولِهِ: «وإن كانَ بعضُهمْ ..» إلى آخرهِ، ولو سُلِّمَ لَه هذا لكانَ الاعتراضُ متجهًا؛ لأنَّهُ إذا انتفى العامُّ، انتفى الخاصُّ، لكِن قدْ مضى إفسادهُ.
قولُه: (حيثُ لَم ينجبرِ المرسلُ) (٣) قالَ شيخُنا: «المنقطعُ ونحوهُ كذلكَ، فكانَ الصوابُ حَذفَ القيدِ؛ لئلا يُفهَمَ اختصاصهُ بهِ-أي: بالمُرسَل- (٤) أو يُقيدُ
/ ٩٣ب / المنقطعُ بذلكَ أيضًا، وكأنَّهُ أرادَ بالانقطاعِ المعنى اللغوي، حتى يشملَ المعضلَ ونحوَهُ؛ فلذا لَم يقيدهُ لكونِ المعضلِ لا ينجبرُ بتعددِ طُرقهِ».
وعن شيخنا: أنَّ الأَوْلَى ذِكرُ كُلٍّ منهما، وتقييدُ المنقطعِ. وبخطِّ بعضِ أصحابنا: فيهِ نظرٌ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الساقطُ لا يصلحُ للاعتبار، فلا ينجبرُ.
قولُه: (وأدخلَتِ الياءُ لضرورةِ القافيةِ) (٥) ليسَ كذلكَ، فإنَّ هذهِ الياءَ ليستْ لامَ الفعلِ التي تذهبُ من آخرِ الأمرِ، بل هيَ ياءُ الإطلاقِ.
قولُه: (السابعُ والثلاثونَ) (٦) هذا القسمُ هوَ الثالثُ والثلاثونَ، فليتأملْ، فإنَّ المرادَ بقولهِ: «كذلكَ»: كثير الخطأ، ولا يظنُّ أنَّ المرادَ المغفل الذي ليسَ بعدل؛ لأنَّه سيقولُ: إنَّ الشاذَّ لا يُجامعُ الضعيفَ. أفادهُ بعضُ أصحابِنا فيما رأيتُه بخطهِ.
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي العراقي».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٦.
(٤) عبارة: «أي: المرسل» لم ترد في (ب) و(ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩.
[ ١ / ٣١٣ ]
قولُه: (لا يمكنُ اجتماعُ ذلكَ على الصحيحِ) (١) ليسَ كذلكَ، بل يمكنُ؛ لأنَّ تفرّدَ الثقةِ لا يمنعُ أنْ يكونَ غيرُهُ منْ رواةِ ذلكَ الحديثِ ضعيفًا، أو مستورًا، ونحو ذلكَ.
وفائدةُ ذلكَ: كثرةُ الضعفِ؛ لكثرةِ الأسبابِ، وهذا مثلُ ما مضى في قولهِ في فقدِ الشرطِ الثاني وهو العدالةُ: «الحاديَ عشرَ: مرسلٌ فيهِ شاذٌّ» فإنَّ وصفهُ بالضعفِ إنّما جاءَ من جهةِ احتمالِ كونِ المرسلِ عنهُ ضعيفًا، فعلى هذا الاحتمالِ يكونُ قدِ اجتمعَ الشذوذُ والراوي الضعيفُ، وكذا قولُه: «الخامسَ عشرَ: مرسلٌ شاذٌّ فيهِ عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخطأ» فإنّهُ لا يمكنُ وصفُ المغفَّلِ الكثيرِ الخطأ بالثقةِ / ٩٤ أ /؛ لأنّها (٢) عبارةٌ عن جمعِ العدالةِ والضبطِ. وهذا وإنْ كانَ عدلًا، فهوَ غيرُ ضابطٍ إلى غيرِ ذلكَ، وهوَ إذا لم يكنْ ثقةً كانَ ضعيفًا، واللهُ أعلمُ.
وبخطِّ بعضِ أصحابنا: لكنْ يُقالُ: إذا كانَ في السندِ ضعيفٌ (٣)، يُحال ما في الخبرِ من تغييرٍ عليهِ، إلا إنْ عُرِفَ من خارجٍ أنَّ المخالفةَ منَ الثقةِ.
قولُه: (تفردُ الثقةِ) (٤) يعني: مع مخالفةِ الناسِ لهُ، كما سيأتي في موضعهِ.
قولُه: (وعَدَّهُ البستيّ ..) (٥) إلى آخرهِ. قالَ شيخُنا: «الذي اطّلعَ عليهِ ابنُ الصلاحِ لَم يقَع لنا فيما رأيناهُ من كتبِ ابنِ حبّانَ، ولهُ كتابُ "الضعفاءِ" وضعَ لهُ مقدمةً، قسَّمَ فيها الرواةَ إلى نحوِ عشرينَ قسمًا (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩.
(٢) جاء في حاشية (ب): «أي: الثقة».
(٣) من قوله: «والله أعلم» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٩.
(٥) انظر: التبصرة والتذكرة (٩٤).
(٦) النكت لابن حجر ١/ ٤٩٢ وبتحقيقي: ٢٧٧، وانظر: مقدمة كتاب المجروحين ١/ ٦٢.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقولُ الشيخِ: (وعدَّهُ .. لتسعةٍ) كأنَّهُ ضمَّن «عدَّ» معنى «عَدّي». فعدَّاهُ باللامِ التي بمعنى «إلى». قالَ: ولو قالَ: وعدَّهُ البستِيُّ فيما أوعَى مُستوعبًا خمسينَ إلا نَوعَا لكانَ أحسنَ، من جهةِ زوالِ ما في تعدية «عَدَّه» بحرفِ الجرِّ من الثقلِ على السمعِ، ومن جهةِ السلامةِ من إمكانِ تصحيفِ تسعةٍ بسبعةٍ - بتقديمِ السِّين ثمَّ موحدةٍ - ومن جهة موافقة عبارةِ ابنِ الصلاحِ، فإنَّهُ قالَ: «وأطنبَ أبو حاتمِ بنِ حبَّانَ البستيُّ في تقسيمهِ فبلغَ بهِ خمسينَ قسمًا إلا واحدًا» (١). ويكونُ فيهِ من وُجوه الحسنِ أيضًا موافقةُ القرآنِ العظيمِ في قولهِ تعالى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٢) (٣).
قولهُ: المرفوع (٤)
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٢.
(٢) العنكبوت: ١٤.
(٣) جاء في حاشية (أ): «بلغ على المؤلف».
(٤) انظر في المرفوع: الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١٦، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٧، والتقريب: ٥٠ - ٥١، والاقتراح: ٢١٠، ورسوم التحديث: ٦٤، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحديث ١/ ١٤٦ وبتحقيقي: ١٠٨، والشذا الفياح ١/ ١٣٩، والمقنع ١/ ٧٣، ومحاسن الاصطلاح: ٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٠، وتنقيح الأنظار: ١٠٤، ونزهة النظر: ٨٧، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث ١/ ٩٨، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦١، وفتح الباقي ١/ ١٧١، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٥٤، وظفر الأماني: ٢٢٧، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦٠٣، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٢٤، وقواعد التحديث: ١٢٣، ولمحات في أصول الحديث: ٢١١.
[ ١ / ٣١٥ ]
٩٥ - وَسَمِّ مَرْفُوْعًا مُضَافًا لِلنَّبي وَاشتَرَطَ (الخَطِيْبُ) رَفْعَ الصَّاحِبِ
٩٦ - وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذي الإرْسَالِ فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ
فرضَ ابنُ الصلاحِ سائلًا قالَ لهُ: أنتَ قدْ قلتَ: إنَّ أهلَ هذا الشأنِ قسَّموهُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: صحيحٍ، وحسنٍ، وضعيفٍ، فما هذهِ الأنواع التي تذكرها بعدَ ذلكَ، أهيَ عندَ غيرِ أهلهِ، أم اصطلاحٌ جديدٌ، أم ما ذاكَ؟ / ٩٤ ب / فقالَ:
«الملحوظُ فيما نوردهُ منَ الأنواعِ: عمومُ أنواعِ علومِ الحديثِ، لا خصوصُ أنواعِ التقسيمِ الذي فرغنَا الآنَ من شرحِ أقسامهِ» (١).
قالَ شيخُنا: «وقبلَ الخوضِ في ذلكَ نقولُ: الكلامُ في هذهِ الأنواعِ كلها لا يخلو إمّا أنْ يكونَ صفةً للإسنادِ، أو للمتنِ، أو حكمًا على أحدهما.
فالأولُ: كالمعلَّقِ، والمنقطعِ، والمعضلِ.
والثاني: كالمرفوعِ، والمقطوعِ.
والثالثُ: كالصحيحِ (٢)، والحسنِ، والضعيفِ.
فإذا وصفنا الإسنادَ بصفةٍ تخصُّه كأنْ يُقالَ: منقطعٌ مثلًا، لم يُنظرْ إلى الحديثِ أصلًا، بل تارةً يكونُ صحيحًا، وتارةً يكونُ حسنًا، وتارةً يكونُ ضعيفًا. وإذا وصفنا المتنَ بصفةٍ تخصُّه، كأنْ يُقالَ: مرفوعٌ، لمْ يُنظرْ إلى السندِ أصلًا، بلْ سواءٌ كانَ منقطعًا، أم مُعضلًا، أم غيرَ ذلكَ».
قولُه: (مضافًا للنبيِّ) (٣)، أي: سواء أضافهُ الصحابيُّ، أم التابعيُّ، أم منْ بعدهُ إلى اليومِ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٣.
(٢) في (ف): «الصحيح».
(٣) التبصرة والتذكرة (٩٥).
[ ١ / ٣١٦ ]
قولُه: (واشترطَ الخطيبُ) (١)، قالَ شيخُنا: «لَمْ يشترطِ الخطيبُ (٢) ذلكَ، والذي حملَ الشيخَ على قولهِ هذا عنهُ، هوَ ظاهرُ هذهِ العبارةِ التي ساقها عنهُ. وعندي أنَّ كلامهُ إنَّما خرجَ مخرجَ الغالبِ؛ إذ غالبُ ما يُضافُ إلى النبيِّ - ﷺ - هوَ من إضافةِ الصحابيِّ».
وقولُه: (ومنْ يقابلهُ) (٣)، أي: كأنْ يقول: أرسلهُ فلانٌ، ورفعهُ فلانٌ، فإنَّهُ يريدُ بقولهِ: «ورفعهُ»: وصلَهُ. فالنظرُ حينئذٍ في معنى رفعه إلى المعنى اللغويِّ، لا الاصطلاحي.
قالَ في " القاموسِ " (٤): «فرُشٌ مرفوعةٌ، أي: بعضُها فوقَ (٥) بعضٍ، أو مقربةٌ لَهمْ»، وقالَ عبدُ الحقِّ (٦) في "الواعي" (٧): «رفعتُ فلانًا إلى الحاكمِ، إذا قدّمتهُ إليهِ، ورفعتُ هذا الأمرَ إلى السلطانِ إذا بلّغتهُ إياهُ، ورفعتُ الشيءَ رفعًا قربتُهُ / ٩٥ أ / من غيرهِ، وفي التنزيلِ: ﴿وفُرشٍ مرفوعةٍ﴾ (٨)، أي: مُقربةٍ إليهم». انتهى.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٩٥).
(٢) عبارة الخطيب كما جاءت في الكفاية: ٢١، هي: «والمرفوع: ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول - ﷺ -، أو فعله».
(٣) التبصرة والتذكرة (٩٦).
(٤) القاموس المحيط مادة: «رفع».
(٥) في جميع النسخ الخطية: «في»، والتصويب من " القاموس المحيط ".
(٦) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الإشبيلي، المعروف بابن الخراط، له مصنفات منها: الجمع بين الصحيحين، والرقاق، والمعتل في الحديث، وغيرها، توفي سنة (٥٨١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٩٨، وشذرات الذهب ٤/ ٢٧١.
(٧) اسم الكتاب كما ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٩٩٦، هو: «الواعي في حديث علي رضي الله تعالى عنه» ولم أقف عليه.
(٨) الواقعة: ٣٤.
[ ١ / ٣١٧ ]
والذي اضطرنا إلى هذا أنَّهُ لا يمكن أنْ يكونَ الرفعُ بالمعنى الاصطلاحيِّ مقابلًا للإرسالِ؛ لأنَّهُ من صفاتِ المتنِ، والإرسالُ من صفاتِ الإسنادِ، فتعيَّنَ حينئذٍ أنْ يُعنى بهِ المتصل، أي: من عندِ التابعي، سواءٌ كانَ ما دونهُ متصلًا، أم منقطعًا، أم مُعضلًا، أم غيرَ ذلكَ.
قولُه: (ما أضيفَ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «هوَ ما أضيفَ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - خاصةً، ولا يقعُ مطلقهُ على غيرِ ذلكَ، نحو الموقوفِ على الصحابةِ، وغيرهم» (٢).
المسند (٣)
قولُه:
٩٧ - وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ لَوْ مَعَ وَقفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ
٩٨ - وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا شَرْطٌ بِهِ (الحَاكِمُ) فِيهِ قَطَعَا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٦.
(٣) انظر في المسند: معرفة علوم الحديث: ١٧، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٨٩، والتمهيد ١/ ٢١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١٣، وجامع الأصول ١/ ١٠٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٤ - ١٥٦، والتقريب: ٤٩ - ٥٠، والاقتراح: ٢١١، ورسوم التحديث: ٦٤، والمنهل الروي: ٣٩، والخلاصة: ٤٥، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث ١/ ١٤٤ وبتحقيقي: ١٠٦، والشذا الفياح: ١٣٧، والمقنع ١/ ١٠٩، ومحاسن الاصطلاح: ٤٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨١، وتنقيح الأنظار: ١٠٥، ونزهة النظر: ٩٦، والمختصر: ١١٨، وفتح المغيث ١/ ٩٩، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦٢، وفتح الباقي ١/ ١٧٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٥٨، وظفر الأماني: ٢٢٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦٠٩، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٢٨، وقواعد التحديث: ١٢٣، ولمحات في أصول الحديث: ٢٧٢.
[ ١ / ٣١٨ ]
قولُه: (لو مع وقف) (١) قالَ شيخُنا: «الذي أظنّهُ أنَّ هذا من تتمَّةِ كلامِ الخطيبِ، وظنَّ الشيخُ أنَّهُ من عندِ ابنِ الصلاحِ، فأفصحَ في الشرحِ بهِ».
قلتُ: والظاهرُ مع الشيخِ (٢)، فإنَّ ابنَ الصلاحِ قالَ: «ذكرَ أبو بكرٍ الخطيبُ أنَّ المسنَدَ عندَ أهلِ الحديثِ: هو الذي اتصلّ إسنادهُ من أولِّهِ إلى منتهاهُ، وأكثر ما يُستعملُ (٣) ..» إلى آخرهِ، فلو كانَ من تتمَّةِ كلامِ الخطيبِ لكررَ (أنَّ) فقالَ: «وأنَّ أكثر ما يُستعملُ ..» أو كانَ يُعبرُ بـ «قالَ» موضِعَ «ذَكَرَ» فينتظم الكلامُ.
وبما قررهُ الشيخُ (٤) يندفعُ ما ذكرَ في " النكتِ " أنَّهُ اعترضَ بهِ على ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ ليس في كلامِ الخطيبِ: «دونَ ما جاءَ عن الصحابةِ وغيرهم» لا في "الكفايةِ"، ولا في "الجامعِ" (٥).
وقولُه: (لو مع وقفٍ) (٦) ليس الوقفُ شرطًا في قولهِ: «وُصِلَ»، فواو العطفِ محذوفةٌ منهُ، كما حُذِفت في نظائرهِ، والتقديرُ: ولو كانَ مع وقفٍ، فإنَّهُ يُسمى مُسندًا أيضًا على هذا القولِ.
وقولُه: (الحاكمُ فيهِ قطعا) (٧) يشعرُ بأنَّ الحاكمَ يشترطُ أنْ يكونَ متصلًا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٩٧).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي العراقي».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٤، وقول الخطيب في الكفاية (٥٨ ت، ٢١هـ)، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٨٩.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٥) التقييد والإيضاح: ٦٤.
(٦) التبصرة والتذكرة (٩٧).
(٧) التبصرة والتذكرة (٩٨).
[ ١ / ٣١٩ ]
/ ٩٥ ب / بصيغةٍ صريحةٍ، أو ما يقومُ مقامها، وكلامُ الحاكمِ ظاهرٌ فيه (١)، فإنَّهُ قالَ: «المسنَدُ ما أضيفَ إلى النبيِّ - ﷺ - بسندٍ يظهرُ فيهِ الاتصالُ» (٢)، فقولهُ
: «يظهرُ فيهِ» يدخلُ فيهِ عنعنةُ المدلسِ، والإرسالُ الخفيُّ، ونحوُهما ممَّا ظاهرهُ الاتصالُ، وقد يفتشُ فيوجدُ منقطعًا (٣).
وكلامُ ابنِ الصباغِ (٤) منَ الخطيبِ مأخوذٌ، فهوَ من تلامذتهِ، وكلُّ ما يلزمُ على قولِ الخطيبِ يلزمهُ بلا فرقٍ، نُقلَ عن شيخنا البرهانِ (٥)، وهوَ ظاهرٌ.
قوله: (فيدخلُ فيهِ المقطوعُ، وهوَ قولُ التابعيِّ ..) (٦) إلى آخرهِ، مُنافٍ لقولهِ بعدَ ذلكَ في تعريفِ المتصلِ: «ولمْ يروا أنْ يدخلَ المقطوعُ» (٧)، ويجمعُ بينَ كلاميهِ (٨) بأنَّ الباحثَ يلزمُ خصمَهُ بما يقتضيهِ كلامُهُ، وإنْ كانَ لا يراهُ، ولا شكَّ
_________________
(١) هكذا في نسخة (أ)، وفي نسخة (ب) و(ف): «يأباه»، وكتب ناسخ (ب) فوقها «لا»، ثمَّ كتب في الحاشية: «ضرب عليها شيخنا وجعل موضعها (ظاهر فيه) فليتأمل»، وكذلك سقطت من (ف) عبارة: «يشترط أن يكون متصلًا بصيغة صريحة، أو ما يقوم مقامها، وكلام الحاكم ظاهر فيه».
(٢) معرفة علوم الحديث: ١٧.
(٣) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٥٠٨، وبتحقيقي: ٢٩٠.
(٤) هو أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، شيخ الشافعية، الفقيه المعروف بابن الصباغ، له تصانيف منها: الشامل، والكامل، وغيرها، توفي سنة (٤٧٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٦٤، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٥.
(٥) هو أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي، المعروف بسبط ابن العجمي، تتلمذ له الحافظ ابن حجر والبقاعي وغيرهم، له مصنفات كثيرة منها: حاشية يسيرة على الألفية وشرحها للعراقي، وغير ذلك، توفي سنة (٨٤١ هـ). انظر: الضوء اللامع ١/ ١٣٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٢.
(٧) التبصرة والتذكرة (١٠٠).
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
[ ١ / ٣٢٠ ]
أنَّ قولَ الخطيبِ (١): «ما اتصلَ إسنادهُ إلى منتهاهُ» يشملُ ما لو اتصلَ سندهُ مثلًا إلى نحوِ مالكٍ، وانقطعَ عندهُ، فكأنَّهُ يقولُ: إنَّ عبارةَ الخطيبِ قاصرةٌ يدخلُ فيها ما صرَّحوا بأنَّه لا يدخلُ في المتصلِ، فكان من حقهِ أنْ يُخرجَهُ بأنْ يقولَ: ما اتصلَ إسنادهُ إلى من فوقَ التابعي، أو نحو ذلكَ من العباراتِ، هكذا قالَ شيخُنا.
وللخطيبِ أنْ يقولَ: إني إنَّما أُكلمُ القومَ بلسانهم، لا بلسانِ أهلِ اللغةِ، فكيفَ يدخلُ المقطوعُ (٢)؟
قالَ: ومحصِّلُ هذا أنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ جعلَ المسندَ من صفاتِ المتنِ، وهو القولُ الأولُ (٣)، فإذا قيلَ: «هذا حديثٌ مسندٌ» علمنا أنَّهُ مضافٌ إلى النبيِّ
- ﷺ -، ثمَّ قد يكونُ معضلًا، أو مرسلًا، إلى غيرِ ذلكَ.
قالَ بعضُ أصحابنا (٤): وكلامُ الدارَقطنيِّ منطبقٌ عليهِ، حيثُ قالَ في جوابِ سؤالِ الحاكمِ / ٩٦ أ / عن سعيدِ بنِ عبيد اللهِ الثقفيِّ: «هذا ابنُ عبيدِ اللهِ ابنِ جبيرِ بن حيةَ، وليسَ بالقويِّ، يحدّثُ بأحاديثَ يسندُها، ويقِفها غيرُهُ» (٥). انتهى.
وبعضُهم جعلهُ من صفاتِ الإسنادِ، وهوَ القولُ الثاني، فإذا قيلَ: «هذا مسندٌ» علمنا أنَّهُ لا بدَّ وأنْ يكونَ متصلَ الإسنادِ، ثمَّ قدْ يكونُ موقوفًا، وقد يكونُ مرفوعًا.
_________________
(١) في (ف): «الخطابي».
(٢) من قوله: «هكذا» إلى هنا سقط من (أ) و(ب) و(ف)، وألحق بالحاشية مع ذكر علامة التصحيح.
(٣) إلى هذا القول ذهب ابن عبد البر، إذ عرّف المسند بأنّه: «ما رفع إلى النبي - ﷺ - خاصة». التمهيد ١/ ٢١.
(٤) منهم السخاوي ﵀. انظر: فتح المغيث ١/ ١١٨.
(٥) سؤالات الحاكم للدارقطني: ٢١٥.
[ ١ / ٣٢١ ]
وبعضُهم نظرَ إليهِ بحسبِ المتنِ والإسنادِ معًا، وهو قولُ الحاكمِ (١)، وهو الذي اختارهُ (٢)، ولهُ ترجيحانِ: الأولُ: أنَّ المسندَ في القولينِ الأولينِ يكونُ مرادفًا لغيرهِ (٣)، والأصلُ عَدَمُ الترادفِ، وإنَّ كلَّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ يخصُّ نوعًا من الأنواعِ.
الترجيح الثاني: أنَّهُ الموافقُ لاستعمالاتهم، وبيانهُ: أنَّ الشخصَ منهُم إذا جمعَ مسندًا، وأخرجَ فيهِ موقوفًا، أو ظاهرَ الانقطاعِ، ونحوَ ذلكَ اعترضوا عليه، وقالوا: أخرجهُ في مسندهِ وهو موقوفٌ، أو منقطِعٌ، ونحو ذلكَ، أو اعتذروا عنهُ بأنْ قالوا: ظنَّ فلانًا صحابيًا فأخرجَ حديثهُ في مسندهِ، وليس بصحابي، ونحو ذلكَ. ولا يزالون يُخرجونَ في المسانيدِ معنعناتِ المدلسينَ، فلا يُنكرُ ذلكَ أحدٌ؛ فإنَّ معنعنَ المدلسِ ظاهرهُ الاتصالُ، وإنْ كانَ في الواقعِ بخلافِ ذلكَ، من حيثُ كونه نقلَ ذلكَ الحديثَ عن شيخهِ الذي قد (٤) عرفَ لقاؤهُ إياهُ، وسماعهُ منهُ، ومن تأمَّلَ (٥) كلامَهُم ولاحظَ صنيعَهُم اتضحَ لهُ ذلكَ.
قولُه: (وبهِ جزمَ الحاكمُ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وبهذا قطعَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، ولمْ يذكُرْ في كتابهِ غيرَهُ» (٧). انتهى.
لكنَّ الحاكمَ ما اشترطَ إلاّ ظهورَ / ٩٦ ب / الاتصالِ، فيدخلُ فيهِ المعنعنُ منَ المدلسِ، كما مضى آنفًا.
_________________
(١) وبه قال: أبو عمرو الداني، وأبو الحسن بن الحصار، وابن دقيق العيد، كما قال ابن حجر ﵀. انظر: الاقتراح: ٢١١، والنكت لابن حجر ١/ ٥٠٧ وبتحقيقي: ٢٨٨.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي ابن حجر».
(٣) زاد بعدها في (ب): «إلى المرفوع المعضل».
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) في (ب): «تأول»، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الأصوب.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٢، وانظر: معرفة علوم الحديث للحاكم: ١٧ - ١٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٥.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقدْ خالفَ الشيخُ ترتيبَ ابنِ الصلاحِ، فإنَّ ابنَ الصلاحِ (١) ذكرَ المسندَ أولًا؛ لأنّهُ جمعَ بينَ الطريقِ والغايةِ، وهي المتنُ، فكان الاهتمامُ بهِ أشدَّ، ثمَّ قدَّمَ المتصلَ على المرفوعِ؛ لأنَّ معرفةَ الطريقِ قبلَ معرفةِ ما جعلَ الطريق لأجلهِ، ثمَّ ذكرَ المرفوعَ؛ لأنَّهُ الأصلُ، ومناسبةُ تقديمِ الموقوفِ على المقطوعِ واضحةٌ، وأمَّا الشيخُ (٢) فإنَّهُ ذكرَ المرفوعَ؛ لأنَّهُ هوَ المقصودُ من هذا العلمِ، وهوَ أيضًا أعمُّ منَ المسندِ، ولا بدَّ من معرفةِ العامِّ قبلَ معرفةِ الخاصِّ، وثَنَّى بالمسندِ؛ لأنَّهُ جمعَ الإسنادَ والمتنَ، ولأنَّهُ ينْزعُ إلى كلٍّ ممَّا هوَ بينهما، ثمَّ ثلثَ بالمتصلِ؛ لأنّهُ معرفةُ الطريقِ، ولمْ يبقَ إلا هيَ؛ لتقدمِ معرفةِ المتنِ خاصةً على المركبِ منهُ، ومنَ الطريقِ، والباقي واضحٌ.
المتصل والموصول (٣)
قولُه:
٩٩ - وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلاَ فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُوْلا
١٠٠ - سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
_________________
(١) في (ف): «فابن الصلاح».
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٣) انظر في المتصل والموصول: التمهيد ١/ ٢٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١٥، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٦، والتقريب: ٥٠، والاقتراح: ٢١١، ورسوم التحديث: ٦٤، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث ١/ ١٤٥، وبتحقيقي: ١٠٧، والشذا الفياح: ١/ ١٣٨، والمقنع ١/ ١١٢، ومحاسن الاصطلاح: ٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٣، وتنقيح الأنظار: ١٠٧، ونزهة النظر: ٣٩، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث١/ ١٠٢، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦٣، وفتح الباقي ١/ ١٧٦، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦٠، وظفر الأماني: ٢٢٦، وشرح شرح نخبة الفكر: ٢٥٠، واليواقيت والدرر ١/ ٣٣٩، وقواعد التحديث: ١٢٣، ولمحات في أصول الحديث: ٢٧٥.
[ ١ / ٣٢٣ ]
جعلوا «المتصلَ» و«الموصولَ» (١) بمعنىً واحدٍ، وهو أنْ يَسْلَمَ السندُ منِ ابتدائهِ إلى انتهائهِ منَ السقطِ حقيقةً وحكمًا، حتى يُخرجَ عن ذلكَ معنعنَاتُ
المدلسينَ؛ فإنَّها محكومٌ عليها بالانقطاعِ، إلاَّ إنْ فتَّشَ، فبانَ الاتصالُ.
فالمتصلُ والموصولُ من صفاتِ الإسنادِ، ولمْ يفعلوا ذلكَ في المنقطعِ والمقطوعِ، بل غايروا، فجعلوا المنقطعَ من مباحثِ الإسنادِ، والمقطوعَ من مباحثِ المتنِ.
قولُه: (متصلًا موصولًا) (٢) مُرادُه: وموصولًا، يعني: أنَّهُما اسمانِ لشيءٍ واحدٍ مترادفانِ، لكنَّ النظمَ ضاقَ عن / ٩٧ أ / إثباتِ واوِ العطفِ.
قولُه: (ولمْ يروا أنْ يدخلَ المقطوعُ) (٣) كالشرحِ لعبارةِ ابنِ الصلاحِ، والتصريح بمفهومِها، وإنَّما فرُّوا منَ الاصطلاحِ على أنْ يسمُّوا نوعًا واحدًا متصلًا مقطوعًا؛ لنفورِ الطبعِ من وصفِ شيءٍ واحدٍ بوصفينِ متضادَّينِ لغةً.
الموقوف (٤)
قولُه:
١٠١ - وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٥١٠ وبتحقيقي: ٢٩١ - ٢٩٢: «ويقال له: المؤتصل - بالفك والهمز - وهي عبارة الشافعي في " الأم " في مواضع. وقال ابن الحاجب في التصريف له: هي لغة الشافعي».
(٢) التبصرة والتذكرة (٩٩).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٠٠).
(٤) انظر في الموقوف: معرفة علوم الحديث: ١٩، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١٧، والإرشاد ١/ ١٥٨، والتقريب: ٥١ - ٥٣، والاقتراح: ٢٠٩، ورسوم التحديث: ٦٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٦٤، والموقظة: ٤١، واختصار علوم =
[ ١ / ٣٢٤ ]
١٠٢ - وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَرْ وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبَرْ
قولُه: (بصاحبٍ) (١)، أي: على بعضِ أصحابِ النبي - ﷺ -، أي: جعلتهُ مقصورًا عليهِ، لمْ تتجاوز بهِ إلى من سواهُ.
قولُه: (وصلتَ أو قطعتهُ) (٢) غيرُ محتاجٍ إليهِ؛ لأنَّهُ لما جعلَ اتصالَ السندِ شرطًا في تسميةِ الموقوفِ متصلًا؛ عُلمَ أنَّهُ إذا زالَ الشرطُ فزالَ المشروطُ وهوَ التسميةُ بالمتصلِ، بقيت التسميةُ بالموقوفِ، سواءٌ كانَ منقطعًا، أو معلقًا، أو غيرَ ذلكَ مما دخلَ تحتَ عدمِ الاتصالِ، وفي قولهِ: «سواءٌ الموقوفُ» التصريحُ بأنَّ الموقوفَ قد يكونُ متصلًا.
قولُه: (ما قصرتهُ بواحدٍ منَ الصحابةِ، قولًا لهُ، أو فعلًا، أو نحوهما) (٣) غيرُ مانعٍ، إذ قد (٤) يردُ على طردهِ ما ليسَ للرأي فيهِ مجالٌ من ذلكَ، فإنَّهُ فعلُ الصحابي قطعًا، وقولُه في الظاهرِ وهوَ غيرُ موقوفٍ حكمًا، بل محكومٌ برفعهِ،
_________________
(١) = الحديث ١/ ١٤٧، وبتحقيقي: ١٠٩، والشذا الفياح: ١/ ١٤٠، والمقنع ١/ ١١٣، ومحاسن الاصطلاح: ٥١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٤، وتنقيح الأنظار ١٠٨، ونزهة النظر: ٩٢، والمختصر: ١٤٥، وفتح المغيث ١/ ١٠٣، وألفية السيوطي: ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦٤، وفتح الباقي ١/ ١٧٧، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦١، وظفر الأماني: ٣٢٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦٠٣، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٢٤، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٧١.
(٢) التبصرة والتذكرة (١٠١).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٠١).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٤.
(٥) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٣٢٥ ]
فالتعريفُ أعمُّ من المعرفِ (١)، فينبغي أنْ يزادَ فيهِ بعدَ قولهِ: «نحوهما»: ما (٢) للرأي فيهِ مجالٌ؛ ليصيرَ مساويًا للمعرفِ.
قولُه: (عنِ الصحابةِ) (٣) قالَ ابنُ كثيرٍ فيما نُقلَ عنهُ: «وهوَ الذي يسميهِ كثيرٌ منَ الفقهاءِ والمحدّثينَ أثرًا» (٤).
المقطوع (٥)
قوله:
١٠٣ - وَسَمِّ بِالمَقْطُوْعِ قَوْلَ التَّابِعي وَفِعْلَهُ، وَقَدْ رَأى (للشَّافِعِي)
١٠٤ - تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقطِعِ قُلْتُ: وَعَكسُهُ اصطِلاحُ (البَردَعِي)
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «وهو الموقوف».
(٢) في (ف): «مما».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٤.
(٤) اختصار علوم الحديث ١/ ١٤٧، وبتحقيقي: ١٠٩.
(٥) انظر في المقطوع: الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٩١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١٩، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٦٦، والتقريب: ٥٣، والاقتراح: ٢٠٩، ورسوم التحديث: ٦٨، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، واختصار علوم الحديث ١/ ١٤٩ وبتحقيقي: ١١٠، والشذا الفياح: ١/ ١٤١، والمقنع ١/ ١١٦، ومحاسن الاصطلاح: ٥٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٥، وتنقيح الأنظار: ١١٢، ونزهة النظر: ٩٤، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث ١/ ١٠٥، وألفية السيوطي: ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦٥، وفتح الباقي ١/ ١٧٨، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٤٩، وظفر الأماني: ٣٤٢، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦٠٥، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٢٢.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الشّافعيُّ قالَ ذلكَ / ٩٧ ب / قبلَ استقرارِ الاصطلاحِ، وكذا وصفُهُ لبعضِ الأحاديثِ التي على شرطِ الشيخينِ بأنّهُ حسنٌ، فإنَّ ذلكَ يقعُ في عبارتِهِ - ﵀ -.
قولُه: (ووجدتهُ أيضًا في كلامِ الحُميدي) (١) كالشرحِ لقولِ ابنِ الصلاحِ: وغيرهما.
قولهُ:
١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ نَحْوُ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ
١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ عَلى الصَّحِيْحِ، وَهْوَ قَوْلُ الأكْثَرِ
لما تقدّمَ أنَّ المرفوعَ ما أضيفَ إلى النبيِّ - ﷺ -، والموقوفَ ما اقتُصرَ فيهِ على الصحابيِّ، أخذَ في التنبيهِ على صِيغٍ يقتصرُ بها على الصحابيِّ، فيكونُ حُكمُها حكمَ الإضافة إلى النبيِّ - ﷺ -. إذا قالَ الصحابيُّ: «منَ السُنّةِ كذا» انصرفَ إلى سنةِ النبيِّ - ﷺ - (٢). ويطرقهُ احتمالُ أنْ يكونَ أرادَ بهِ سُنةَ البلدِ، أو سُنةَ الخلفاءِ الراشدينَ، أو أحدِهم، فإنَّهُ يلزمُ اتباعُ ذلكَ، قالَ - ﷺ - كما أخرجهُ أحمدُ (٣)، وأبو داودَ (٤)، والترمذيُّ (٥)، وابنُ ماجه (٦) عنِ العرباضِ بنِ ساريةَ - ﵁ -: «عليكُم بسنتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشدينَ»، فإذا كانَ الصحابيُّ مجتهدًا وهوَ في مقامِ الاحتجاجِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٦.
(٢) وهو قول الجمهور. انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٨، وإرشاد الفحول: ٢٣٣.
(٣) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦.
(٤) سنن أبي داود (٤٦٠٧).
(٥) جامع الترمذي (٢٦٧٦).
(٦) سنن ابن ماجه (٤٣) و(٤٤).
[ ١ / ٣٢٧ ]
والفتوى بعُد احتمالُ أنْ يريدَ سُنةَ غيرِ النبي - ﷺ -؛ لأنَّهُ لا يقلدُ مجتهدًا مثلَهُ، وكذا كُلما قَرُبَ عصرُ القائلِ من رسولِ اللهِ - ﷺ -، فالاحتمالُ في قولِ عمرَ مثلًا أضعفُ من الاحتمالِ في قولِ عثمانَ -﵄-، وخصَّ بعضُهم (١) الخلافَ بغيرِ أبي بكرٍ - ﵁ -، قالَ: أمَّا إذا قالَ أبو بكرٍ - ﵁ -: «من السنةِ كذا»، فإنّما يريدُ النبي - ﷺ - جزمًا؛ لأنَّهُ لا / ٩٨ أ / سُنةَ إذ ذاكَ غيرُ سنتهِ.
وضابطهُ: أنَّهُ كلّما قربَ العهدُ بَعُدَ الاحتمالُ، وكلّما بعُدَ العهدُ قرُبَ الاحتمالُ وقويَ. هذا توجيهُهُ (٢). والشيخُ (٣) - ﵀ - لم يبيِّنْ وجهَ واحدٍ منَ القولينِ، وإنَّما رجحَ بالكثرةِ، وجزمَ الرافعيُّ في البابِ الثالثِ منَ التيممِ في قولِ ابنِ عباسٍ -﵄-: «منَ السُنةِ أنْ لا يصلَّى بالتيممِ إلا مكتوبةٌ واحدةٌ» (٤) بأنَّ السُنةَ في كلامِ الصحابيِّ تنصرفُ إلى سُنةِ النبي - ﷺ -. (٥)
وقالَ الإسنوي في " المهمِّاتِ " (٦): إنَّهُ رأى المسألةَ كذلكَ في " الأمِّ " في
_________________
(١) بهذا قال ابن الأثير في جامع الأصول ١/ ٩٤، وسيأتي لاحقًا.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٥٢٥ وبتحقيقي: ٣٠٦: «وأجيب بأن احتمال إرادة النبي - ﷺ - أظهر لوجهين: أحدهما: أن إسناد ذلك إلى سنة النبي - ﷺ - هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى. الثاني: أن سنة النبي - ﷺ - أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنته، والظاهر من مقصود الصحابي - ﵁ - إنما هو بيان الشريعة ونقلها، فكان إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع، والله أعلم».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (٨٣٠)، والدارقطني ١/ ١٨٥، والبيهقي ١/ ٢٢٢.
(٥) الشرح الكبير ٢/ ٣٤١.
(٦) اسم هذا الكتاب هو: المهمات على الروضة، في الفروع، وقد حصل عليه تتمات وتعقبات وتعليقات وحواش وغيرها، من عدد من العلماء. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٩١٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
بابِ عددِ كفنِ الميتِ، قالَ: لكن رأيتُ في " شرحِ المختصرِ " للداوودي، وهو المعروفُ بالصيدلانيِّ: أنَّ هذا هو القديمُ، قالَ: والجديدُ أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، ذكرَ ذلكَ في كتابِ الجناياتِ في بابِ أسنانِ إبلِ الخطأ، وقد بسطتُ ذلكَ في " شرح منهاج الأصولِ ". انتهى.
قلتُ: وسياقهُ في " الأمِّ " (١) يدلُّ على أنَّهُ مذهبهُ في الجديدِ، فإنَّهُ قالَ في التكبيرِ على الميتِ، وما يُفعلُ بعدَ كلِّ تكبيرةٍ: «وابنُ عباسٍ والضحاكُ بنُ قيسٍ - ﵃ - رجلانِ من أصحابِ النبي - ﷺ -، لا يقولانِ: السُّنة (٢) إلا لِسنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - إن
شاء اللهُ.
أخبرنا بعضُ أصحابنا عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن الزُهري، عن أبي أمامةَ - ﵁ - قالَ: «السُنةُ أنْ يُقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ» (٣)، قالَ (٤) الشافعيُّ: وأصحابُ النبيِّ - ﷺ - لا يقولونَ: السُنّة (٥) والحق إلا لسُنةِ رسولِ اللهِ / ٩٨ ب / - ﷺ - إنْ شاءَ اللهُ». هذا نصُّهُ بحروفهِ.
_________________
(١) الأم ١/ ٢٧١.
(٢) لم ترد في (ف) وجاء بدلها بياض.
(٣) أخرجه: الشافعي في " الأم " ١/ ٢٧١، والنسائي ٤/ ٧٥، وابن حزم في " المحلى " ٥/ ١٢٩ و١٠/ ٩٦ من طريق الليث، بهذا الإسناد. وأخرجه: عبد الرزاق (٦٤٢٨)، وابن الجارود في " المنتقى " (٥٤٠)، والحاكم في " المستدرك " ١/ ٣٦٠ من طرق عن الزهري، به. وأخرجه: الشافعي في " الأم " ١/ ٢٧٠، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٥٠٠، والبيهقي ٤/ ٣٩، بلفظ: «عن أبي أمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ».
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) في (ف): «بالسنة».
[ ١ / ٣٢٩ ]
قولُه: (فالأصحُّ أنّهُ مسندٌ مرفوعٌ) (١) نُقلَ عن شيخنا: أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ حَكَى فيهِ الاتفاقَ، واستبعدهُ بأنَّ للشافعيِّ قولينِ في أصلِ المسألةِ، وذهبَ غيرُهُ أيضًا (٢) إلى أنَّهُ غير مرفوع، كما سيأتي في كلامِ الشيخِ.
قولُه: (إلا سنةَ رسولِ اللهِ - ﷺ -) (٣) قالَ صاحبُنا العلاَّمةُ شمسُ الدينِ بنُ حسَّانَ (٤) فيما قرأتُه بخطهِ: غيرَ أنَّ اللفظَ لا يُعزى إلى النبي - ﷺ -، فقَد نهى أحمدُ بنُ حنبلٍ الفريابيَّ (٥)، وكذا نهى ابنُ المباركِ عيسى بنَ يونسَ الرمليَّ عن رفعِ حديثِ أبي هريرةَ المُخرّجِ عندَ أبي داودَ (٦)، والترمذيِّ (٧)، قالَ: «حذفُ السلامِ سنةٌ» لفظُ الترمذيِّ، وقالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقالَ أبو داودَ: عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «حذفُ السلامِ سنةٌ» (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٧.
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٨.
(٤) هو محمد بن محمد بن علي بن محمد بن حسان الشمس بن الشمس الموصلي الأصل المقدسي ثم القاهري الشافعي، لازم ابن حجر أتم ملازمة، وأخذ عنه الكثير، وقيد عنه حواش مفيدة التقطها البقاعي وغيره، توفي سنة (٨٥٥) هـ. انظر: الضوء اللامع ٩/ ١٥٢.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الفريابي الضبي، نزيل قيسارية الساحل من أرض فلسطين، كان رجلًا صالحًا، قال فيه ابن زنجويه: «ما رأيت أورع من الفريابي» توفي سنة (٢١٢) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٤، وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٧٦.
(٦) في " سننه " (١٠٠٤).
(٧) في " الجامع الكبير " (٢٩٧).
(٨) أخرجه: أحمد ٢/ ٥٣٢، وابن خزيمة (٧٣٤) و(٧٣٥)، والحاكم ١/ ٢٣١، والبيهقي ٢/ ١٨٠ من طرق عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وإسناده ضعيف؛ لضعف قرة بن عبدالرحمان، ورفعه منكر، والصواب في الحديث =
[ ١ / ٣٣٠ ]
قالَ المؤلِفُ في " تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ الكبيرِ" (١) بعدَ ذكرهِ الحديثَ: «قلتُ: يعني: نهاه أنْ يعزوَ اللفظَ إلى النبيِّ - ﷺ -، وإلا فقولُ الصحابيِّ: «السنةُ كذا» لهُ حكمُ المرفوعِ على الصحيحِ عندَ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ، قالَ: وقد ضعفَ أبو الحَسنِ بنُ القطانِ هذا الحديثَ بـ «قُرَّةَ بنِ عبدِ الرحمانِ»». انتهى.
قولُه: (وما يجبُ اتباعهُ) (٢) إنْ قيلَ: ليسَ كُلُّ ما كانَ سنةَ النبيِّ - ﷺ - يجبُ فعلُهُ، قيلَ: لمْ يقلِ المصنفُ ذلكَ، وإنَّما قالَ: «يجبُ اتباعهُ» ولا شكَّ في وجوبِ اتباعِ كلِّ ما بلغَ درجةَ الاحتجاجِ من سنةِ النبي - ﷺ - / ٩٩ أ / ولو باعتقادِ أنَّهُ حقٌّ، وظاهر قولهم: إنَّهُ إذا أفصحَ بالمرادِ، فقالَ: سُنةُ النبي - ﷺ - ينتفي الاحتمالُ، وليسَ ذلكَ في كُلِّ صورةٍ، فينبغي أنْ تفقهَ (٣) الكلامَ في سياقهِ، ونحو ذلكَ، فإنَّ مثلَ ما أخرجهُ الدارَقطنيُّ (٤) من حديثِ عمرو بنِ العاصِ (٥) - ﵁ - أنَّهُ قالَ: «لا تلبسوا علينا سُنةَ نبينا - ﷺ - عدةُ أمِّ الولدِ شهرانِ» (٦) يطرقهُ احتمالُ أنْ لا يكونَ عندهُ نصٌّ صريحٌ في خصوصِ عدةِ أمِّ الولدِ، بل قالَ ذلكَ قياسًا على سُنةٍ مُحققةٍ عندَهُ، وأرادَ: لا تَلبسوا علينا ما لا نشكُّ فيهِ، مِن أنَّ هذهِ تُشبهُ تلكَ.
_________________
(١) = الوقف كما نص عليه الدارقطني. وأخرجه: ابن خزيمة عقب الحديث (٧٣٥)، والحاكم ١/ ٢٣١، والبيهقي ٢/ ١٨٠ من طرق عن الأوزاعي، به موقوفًا، وهو الصواب.
(٢) تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١/ ٣٥٤ (٤٠٠).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٨.
(٤) في (ف): «يتفقه».
(٥) سنن الدارقطني ٣/ ٣٠٩ وفيه: «عدتها عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا».
(٦) في (ف): «العاصي».
(٧) أخرجه: أحمد ٤/ ٢٠٣، وأبو داود (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، وابن الجارود في " المنتقى " (٧٦٩)، وأبو يعلى (٧٣٣٨)، وابن حبان (٤٣٠٠)، والحاكم ٢/ ٢٠٩، وابن حزم في " المحلى " ١٠/ ٣٠٤، والبيهقي ٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ١ / ٣٣١ ]
قولُه: (وغيرهما) (١) نُقلَ عن شيخنا أنَّهُ قالَ: كأبي بكرٍ الرازيِّ منَ الحنفيةِ، وابنِ حَزمٍ منَ الظاهريةِ (٢).
قولُه: (فلا يُحمَل على سُنَّتهِ) (٣) ينبغي أنْ يُقيدَ الاختلافَ بما إذا كانَ في غيرِ محلِ الاحتجاجِ، أمَّا إذا ساقهُ مساقَ الاحتجاجِ فَلا؛ لأنَّ المجتهدَ لا يُقلدُ مثلهُ،
فلا يُريدُ إلا سُنةَ النَبي - ﷺ -. وكَذا قَولُهُ: «أُمرنَا، ونُهينَا».
قَولهُ: (مِن نوعِ المرفوعِ، والمسندِ) (٤) إنَّما يَأتِي الحكمُ على ذلك بأنَّهُ مُسنَدٌ إذا قلنَا: إنَّ المسنَد مرادفٌ للمَرفوعِ.
قولهُ: (وخالفَ في ذلِكَ فَريقٌ) (٥) فقَالوا: ليسَ مِن نَوعِ المرفوعِ؛ لأنَّهُ يَطرُقهُ (٦) احتمالُ كونِ غَيرِ النَبي - ﷺ - هوَ الآمِرُ، مِن خليفةٍ ونَحوِهِ.
قَولُهِ: (وَجزمَ بهِ) (٧)، أي: بقولِ هَذا الفَريقِ، وهوَ أنَّهُ ليسَ مِن قبيل المرفوعِ. قالَ شَيخُنا البُرهانُ -﵀-: هَذا الخلافُ رأيتُه في كَلامِ بَعضِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٨.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٢٣ وبتحقيقي: ٣٠٤. وهو قول كثير من العلماء كأبي بكر الإسماعيلي من الشافعية والغزالي وجماعة من الأصوليين، وأكثر مالكية بغداد، وحكاه إمام الحرمين عن المحققين، وذكر الزركشي أنه قول إمام الحرمين، بل حكى ابن فورك وسليم الرازي وابن القطان والصيدلاني: أنه الجديد من مذهب الشافعي، وكذا نسبه المازري إلى قولي الشافعي. ينظر: البرهان ١/ ٦٤٩، والمنخول: ٢٧٨، والتبصرة في أصول الفقه: ٢٣١، وإحكام الأحكام ٢/ ٨٧، والإبهاج ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩.
(٦) في (ف): «لا يطرقه».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
العُلماءِ أنَّهُ في غيرِ الصِدِّيق - ﵁ -، وأمَّا الصدِيقُ فَمتى قالَ ذلِكَ، كَانَ مَرفوعًا بلا خِلافٍ، قالَ: وِما قالهُ ظاهِرٌ حَسَنٌ، ورأيتُ مَعناهُ بِخطِّ بَعضِ الفُضلاءِ معزوًَّا لمقدِّمةِ /٩٩ ب/ "جامِعِ الأُصولِ" في الفَرعِ (١) الثالثِ في الكلامِ في مَراتبِ الأخبارِ (٢) انتَهى. وقَد مَضَى معنَى أصلِهِ في أول الكلامِ (٣).
قُلتُ: ولفظُ (٤) صَاحبِ "الجامعِ": وقالَ بَعضُهم: في هذا تفصيل، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ الراوِي الصِدِّيقَ - ﵁ -، فَيُحمَلُ على أنَّ الآمِرَ النَبيُّ - ﷺ -؛ لأنَّ أبا بكرٍ لا يقولُ: «أُمِرنَا» إلا والآمرُ النَبيُّ - ﷺ -؛ لأنَّ غيرَهُ لا يَأمرُهُ، ولا يَلتزمُ أَمرَ غيرِهِ، ولا تأمَّرَ عليهِ أحدٌ مِنَ الصَحابةِ (٥) - ﵃ -.
قولهُ: (أُمِرَ بلال) (٦) كانَ ينبغِي التَمثيلُ بِغيرهِ، فَقد نُقلَ أنَّهُ عندَ أَبي عوانةَ (٧) بإبرازِ الفاعِل.
قولهُ: (ولا فرقَ بينَ أنْ يقولَ ذلكَ في زَمنِ النبي - ﷺ - أو بعدهُ) (٨)، أي:
_________________
(١) المثبت من (أ) وفي نسخه (ب): «في الفصل». وما أثبته هو الموافق لما في "جامع الأصول ".
(٢) انظر: جامع الأصول ١/ ٩٠.
(٣) عبارة: «وقد مضى معنى أصله في أول الكلام» لم ترد في (ف).
(٤) كلمة «ولفظ» لم ترد في (ف).
(٥) جامع الأصول ١/ ٩٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩. وهو جزء من حديث نصه: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» أخرجه: البخاري ١/ ١٥٧ (٦٠٣) و١٥٨ (٦٠٦)، ومسلم ٢/ ٢
(٧) ، وأبو داود (٥٠٨)، وابن ماجه (٧٢٩)، والترمذي (١٩٣)، والنسائي ٢/ ٣ من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٨) مسند أبي عوانة ١/ ٣٢٨.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٣.
[ ١ / ٣٣٣ ]
لأنَّ احتمالَ أنْ يكونَ النبيُ - ﷺ - نَصبَ أميرًا على سريةٍ أو غيرِهَا، فأمرُهُم يَطرقُهُ، وإنْ كانَ بَعيدًا.
قولُهُ: (داودَ) (١) هو الظَاهِري.
قولُهُ: (فَلا أعلمُ فيهِ خِلافًا) (٢)، أي: في كونهِ مَرفوعًا؛ فَالاستثناءُ حِينئذٍ غيرُ سائغٍ على تقديرِ كونهِ مُتصلًا، فَإنَّ المستثنى وهو كونُه حجةً، ليسَ مِن جنسِ المستثَنى مِنهُ، وهو كونُه مرفوعًا.
قولهُ: (إلا أنْ يُريدُوا بكونِهِ لا يَكونُ حُجَّة، أَي: في الوجوبِ) (٣).
قالَ (٤): هَذا مرادُهُم بغيرِ شكٍّ؛ لأنَّهُ يَطرقهُ احتمالُ أنْ يكونَ الأمرُ للندبِ.
قولهُ: (تعليلُهُ) (٥)، أي: ابنِ الصباغِ.
قولهُ: (كانَ لهُ وَجهٌ) (٦) أي في الجملةِ، لا أنَّهُ وجهٌ صحيحٌ، فإنَّ الحقَّ: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - مِن أهل اللسانِ عارفونَ بمواقعِ الكلامِ العربيِّ، فلا يقولُ أحدُهُم: «أمَرَنا رسولُ الله - ﷺ -» إلا وقَد عَلِمَ أنَّ النبي - ﷺ - وجَّهَ الخِطابَ بصيغةِ «افعلْ» (٧).
وَسألَ (٨) سائِلٌ: هل يُستثنَى مِنَ الصحابةِ مَن لَم يكنْ عَربيًا حَتى /١٠٠ أ/ لا يدلَّ قولهُ ذلكَ على الوجوبِ؟ فقالَ: نَعَم.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٠.
(٤) كتب ناسخ (أ): تحتها: «أي: ابن حجر».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٠.
(٧) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٢٢ وبتحقيقي: ٣٠٣.
(٨) كتب ناسخ (أ) تحتها: «ابن حجر».
[ ١ / ٣٣٤ ]
قولهُ:
١٠٧ - وَقَوْلُهُ (كُنَّا نَرَى) إنْ كانَ مَعْ عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ
١٠٨ - وَقِيْلَ: لا، أوْ لا فَلا، كَذاكَ لَه و(لِلخَطِيْبِ) قُلْتُ: لكِنْ جَعَلَهْ
١٠٩ - مَرفُوعًا (الحَاكِمُ) و(الرَّازِيُّ ابنُ الخَطِيْبِ)، وَهُوَ القَوِيُّ
تَضَمنت ثلاثةَ أقوالٍ: أولُها: مُفصَلٌ، والاثنانِ مطلقانِ.
القولُ الأولُ: وهو الذِي اختارهُ ابنُ الصلاحِ (١)، والخطيبُ (٢) أنَّهُ إنْ أضافهُ إلى عَصرِ النَبي - ﷺ - كانَ مَرفوعًا. ومفهومهُ: أنَّهُ إنْ لَم يضفْهُ إليهِ لَم يكن مَرفوعًا، وإنَّما صَرحَ بهذا المَفهومِ في قولِهِ: «أوْ لا فَلا» ليرتبَ عليهِ القولَ الثالثَ.
القولُ الثانِي (٣): أنَّهُ لا يكونُ مرفوعًا مُطلقًا، سَواءٌ أُضيفَ إلى عَصرِ النبي - ﷺ -، أَو لا، والضميرُ في قولهِ: «قلتُ، لكن جَعلهْ» لِما لَم يَكُن مضافًا إلى عَصرِ النبي - ﷺ -، المفهومِ من قولهِ: إنْ كانَ معَ عَصر النبي - ﷺ -، والمصرحِ بهِ في قولهِ: «أوْ لا، فَلا»، أي.
القولُ الثالثُ (٤): الرَفع مطلقًا، وَلو لَم يضف إلى عَصرِ النبي - ﷺ -، وهوَ قولُ الحَاكمِ (٥) وَالرازِي (٦).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٠.
(٢) الكفاية: ٤٢٣. وهو قول النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم ١/ ٣١ وقد عزاه إلى الجمهور من المحدثين، وأصحاب الفقه والأصول، واختاره أيضًا الحافظ ابن حجر، وقال: «فالأكثر على أن ذلك مرفوع». نزهة النظر: ٨٩.
(٣) هذا القول حكاه ابن الصلاح بلاغًا عن الإسماعيلي. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٠.
(٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري». النكت لابن حجر ٢/ ٥١٥ وبتحقيقي: ٢٩٦.
(٥) انظر: معرفة علوم الحديث: ٢٢.
(٦) انظر: المحصول ٤/ ٤٤٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقولهُ: (وَقيلَ لا) (١) مُعترض (٢)، حَقُّهُ أنْ يُؤخرَ عَن قولهِ «أوْ لا، فَلا»، فتقديرُهُ أنْ يُقالَ: قولُ الصحابيِّ: «كنَّا نَرى كذا وكذا» فيهِ للعلماءِ ثلاثةُ أقوالٍ:
القولُ الأولُ: إنْ كانَ قولهُ: «كنا نرى» مَذكورًا معَ إضافتهِ إلى عصرِ النَّبيِّ، فهوَ من قبيلِ المرفوعِ، وإنْ لَم يَكن مُضافًا إلى عصرِ النبي - ﷺ -، فليسَ بمرفوعٍ، هَكذا قالَ ابنُ الصَلاحِ والخطيبُ.
القولُ الثَاني: لا يكونُ مَرفوعًا مُطلقًا، سَواءٌ أُضيفَ، أو لَم يُضفْ.
القَولُ الثالثُ: أنْ يَجعلَ ما / ١٠٠ ب / لَم يُضف إلى عصرهِ - ﷺ - مرفوعًا، كَما قالَ الحَاكمُ والرازي، فيكون ما أُضيفَ أولَى بالرَفعِ.
قالَ ابنُ الصَلاحِ: «ومن هذا القَبيلِ -أي: قَبيلِ إضافتهِ إلى زَمانهِ - ﷺ - (٣) قولُ الصَحابِي: «كُنَّا لا نرى بأسًا بكَذا، ورسولُ الله - ﷺ - فيِنا» أو «كانَ يُقالُ: كَذا وكَذا على عَهدهِ» أو «كَانوا يفعلونَ كَذا وكَذا في حياتهِ - ﷺ -»، فَكلُ ذلِكَ وشِبهُهُ مرفوعٌ مُسندٌ، مُخرَّجٌ في كُتبِ المسانيدِ (٤).
قولُهُ: (الحاكمُ وغيرهُ من أهلِ الحديثِ) (٥)، أي: وَهم الجمهورُ، كَما نُقلَ عَن عبارةِ الشيخِ مُحيي الدِين النوويِّ (٦).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٠٨).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: جملة اعتراضية».
(٣) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٠ - ١٢١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٦) عبارة الإمام النووي في " الإرشاد " ١/ ١٥٩: «فالصحيح الذي عليه الاعتماد والعمل، أنه مرفوع، وبهذا قطع الحاكم أبو عبد الله والجماهير». وعبارته في شرحه لصحيح مسلم ١/ ٢٣: «وهو المذهب الصحيح الظاهر».
[ ١ / ٣٣٦ ]
قولهُ: (لأنَّ ظاهِرَ ذلِكَ ..) (١) إلى آخرهِ، أي: لأنَّ دواعِيَهم كانت متوفرةً على سؤالِه - ﷺ - عَن جميعِ الأُمور التي كَانوا يفعلونَها وإنْ قَلَّتْ، إذا لم تكنْ ممَّا عَرفوا حُكمهُ، حَتى إنَّ بعضهُم كانَ يَفعلُ الشيءَ المُباح، كالتقبيلِ في الصيامِ في بعضِ الصُورِ (٢)، فَلا يقدرُ أَنْ ينامَ، لا يقرُّ لهُ قرارٌ حتَّى يُرسِلَ يَسألُ عَن ذلكَ، فَيخبرهُ أزواجُ النَبي - ﷺ - أنَّ النبي - ﷺ - يَفعلُهُ، فلا يزدهُ ذلكَ إلا قَلقًا، ويَقولُ: يُحِلُّ اللهُ تعالى (٣) لِرسولهِ - ﷺ - ما شاءَ، فَلا يَرجعُ دونَ أنْ ينصَّ النبيُّ - ﷺ - على أَنَّ ذلكَ لا يختصُّ بهِ - ﷺ -، وأنَّهُ حلالٌ لغيرهِ، ولا يقالُ: إنَّهُ مرفوعٌ ولو لَم يطَّلِع عليهِ؛ لأنَّهُ لو لَم يكنْ جائِزًا لَم يُقرهُم اللهُ عليهِ، ولا أطْلعَ نبيَهُ - ﷺ - / ١٠١أ / على ذلكَ؛ لأنَّهُ لا يُنسبُ إليهِ إلا مَا أطْلعَ عليهِ، ولو احتمالًا، فحينئذٍ يكونُ مرفوعًا حكمًا، وإنْ كانَ يحتملُ مع ما تقدّمَ أَن يُريدَ قائلهُ: «كُنَّا نرى»: إجماعَ الصحابةِ. ويُحتملُ أنْ يُريدَ نفسَهُ وَمَنْ وافقهُ، وإنْ لم يكنْ جميعَ الصحابةِ. لكن يُرجِّحُ الأولَ أَنَّ إضافتَهمْ الأشياءَ - لا سِيَّما مَا يتعلقُ بالتحليلِ والتحريمِ - إلى النبي - ﷺ - هوَ المستعملُ الكثيرُ الفاشي بينَهم، واستنادُهم إلى إجماعِ الصحابةِ نَادرٌ جدًَّا.
وأيضًا: فإنَّ الصحابيَّ لا يَجزمُ بالإجماعِ؛ لأنَّهُ لا يَتأتَى لَه الفحصُ عَن أقوالِ جميعِ الصحابةِ مَع تشتُتِهم في البلادِ.
وأيضًا: فَإنَّ داعيتَهُ ليسَت مُتوفرةً على السُؤالِ عن أَقوالِ الصحابةِ مثلهُ، إنَّما يسألُ عَن أعلى الأمورِ، وهو ما يُضافُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، بِخلافِ التَابعينَ، فإنَّ دواعيَهم مُتوفرةٌ على الرحلَةِ إلى الصحابةِ في جميعِ الأقطارِ، والفَحصِ عَن أقوالِهم،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٢) عبارة: «في بعض الصور» لم ترد في (ف).
(٣) «تعالى» لم ترد في (ب).
[ ١ / ٣٣٧ ]
وأحوالِهم، فاضمحلَّ استنادهُ إلى الإجماعِ ونحوهِ، فترجحَ الأولُ ترجُّحًا ظَاهرًا. ومقابِلُهُ - وهو القولُ الثاني -شاذٌّ، كَما أَنَّ مقابلَ القولِ الثالثِ خِلافٌ كثيرٌ فَاشٍ (١).
قولهُ: (فَإنَّها - أي: السُننَ المرفوعةَ - أَقوالُهُ، وأفعالهُ، وتقريرهُ) (٢) إنْ أرادَ السُننَ التي يتلقَى مِنها الأحكامَ، كَما يَقصدهُ الأصوليونَ؛ فإنَّهم لا يبحثونَ إلا عمَّا يتفرعُ عليهِ الأحكامُ، فَلا اعتراضَ عليهِ، وإنْ أَرادَ مُطلقَ الأحاديثِ المرفوعةِ، وَهوَ الظَاهر مِن كَلامهِ؛ فإنَّ وظيفةَ المحدّثِ أنْ يُبيّنَ المرفوعَ مِن غيرهِ، سَواءٌ أفادَ حُكمًا، أم لا، فَيردُ / ١٠١ ب / عليهِ مَا ليسَ كذلكَ، ممَّا ليسَ فيهِ قولٌ، ولا فعلٌ، ولا تقريرٌ، كقولِ أَبي جُحيفة - ﵁ -: «رأيتُ النبيَّ - ﷺ - وكانَ الحسنُ بنُ عليّ ﵄ يُشبهُهُ» أَخرجهُ البخَاريُّ (٣) في صِفةِ النبي - ﷺ -.
وَكذا الأحاديثُ التي فيها ذِكر صِفةِ النبي - ﷺ - مِن أنَّهُ كانَ أَزهرَ اللَّونِ (٤)، أنورَ المتجردِ (٥)، أشكلَ العينينِ (٦)، أقنى الأنفِ (٧)، ضَليعَ (٨) الفَمِ (٩)، ونحو ذلكَ، فإنَّ مثلَ هَذا مرفوعٌ اتفاقًا، وليسَ فيهِ وَاحدٌ منَ الثلاثةِ.
_________________
(١) من قوله: «كما أن» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٢٢٧ (٣٥٤٣).
(٤) أي: الأبيض المستنير: والزهر والزهرة: البياض النيِّر، وهو أحسن الألوان. النهاية ٢/ ٣٢١.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي التعري»، وفي النهاية ١/ ٢٥٦: أي: ما جُرّد عنه الثياب من جسده وكشف، يريد أنه كان مشرق الجسد.
(٦) أي: بياضهما شيء من حمرة، وهو محمود محبوب. النهاية ٢/ ٤٩٥.
(٧) أي: طوله ورقّة أرنبته مع حَدَب في وسطه. النهاية ٤/ ١١٦.
(٨) جاء في حاشية (أ): «العرب تفتخر بكبر الفم».
(٩) انظر: شمائل النبي - ﷺ -: ٣٦ - ٣٨ (٧) (٨)، ومعناه: عظيمه، وقيل: واسعه، والعرب تمدح عظم الفم وتذم صغره. النهاية ٣/ ٩٦.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قولهُ: (وَسكوتهُ عنِ الإنكارِ) (١) إن قِيلَ: كانَ مِن حقهِ حَذفُ الواوِ، أو يقولُ: وهو سُكوتهُ؛ لأنَّ ذلكَ هوَ التقريرُ، قِيلَ: المرادُ بالتقرير هُنا أنْ يُحسِّنَ فِعلَ الفاعلِ، أو قولَ القائلِ بأنْ يَقولَ: نِعمَ ما فعلتَ، أو قلت، أو أحسنتَ، ونحوَ ذلكَ.
قولهُ: (وبلغني عنِ البَرْقانِيِّ (٢) ..) إلى آخرهِ (٣)، يَجمعُ بينهُ وبينَ كَلامِ غيرهِ بأنْ يحملَ على ما حملَ عليهِ ابنُ الصَلاحِ كَلامَ الخَطيبِ الآتي في القولةِ بعدَها مِن أنَّهُ يُريدُ ليسَ مرفوعًا لفظًا، وكذا ما تقدّمَ عنِ الإمامِ أحمدَ في قولِهم: «مِنَ السُنةِ كَذا»، فَيكون المعنى: أنَّ البَرقاني سألَ الإسماعيليَّ (٤) هَل هو مرفوعٌ؟ فأنكرَ ذلكَ، أي: أنكرَ هذا الإطلاقَ، فإنَّ لَفظَ «مرفوعٍ» إذا أُطلقَ، انصرفَ إلى كونهِ مُضافًا إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - صريحًا، ولو سألهُ ما حُكمُ هذا؟ لقَال لهُ: حُكمُه الرفعُ، فكلامهُ حينئذٍ موافقٌ ليسَ فيهِ مخالفةٌ.
وقرأ بعضُ أصحابِنا / ١٠٢أ / السَامعينَ في حاشيةِ كتابهِ: أنَّ الشيخَ أبا إسحاقَ الشيرازيَّ فَصَّل، فقالَ: «إنْ كانَ ذلكَ الأمرُ الذي أضافهُ إلى عصرِ النَّبي - ﷺ - منَ الأمورِ المشهورةِ، التي لا تخفَى عنهُ - ﷺ - غالبًا، كانَ حكمُهُ الرفعَ، وإلاّ فَلا».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٢) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي، ثم البرقاني الشافعي، صاحب التصانيف، قال فيه الخطيب: «ما رأيت شيخًا أثبت منه»، توفي سنة (٤٢٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٦، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٦٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٤) هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، صاحب الصحيح، وشيخ الشافعية، قال الحاكم: «كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدّثين والفقهاء»، توفي سنة (٣٧١) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٢، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٧.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فقالَ شيخُنَا: «مَا تقدّمَ هوَ المعتمدُ لِما بينَّا منَ العللِ، لكنْ يَنفعُنا هذا التفصيلُ في الترجيحِ، فَإذا تَعارضَ حديثانِ من هذا القبيلِ، أحدُهمَا منَ الأمورِ المشهورةِ التي لا تخفَى غَالبًا، والآخرُ بِخلافِهِ، رجَّحنَا الأولَ».
قلتُ: بل يَنبغي إنْ لمْ يكن الثَاني أرجحَ أن يكونا على الاستواءِ؛ فإنَّ الأمورَ التي لا تخفى غَالبًا يتَّكلونَ (١) على شِيوعِهَا، فلا يَسألونهُ عنها - ﷺ - (٢)، وقد لا يطَّلعُ عليهَا، بِخلافِ الأُمورِ الخَفيةِ، فَإنَّ دَواعيَهم تتوفرُ على سُؤالهِ - ﷺ - عَنهَا.
قولهُ: (كقولِ ابنِ عُمرَ -﵄-: كنَّا نقولُ ورسولُ الله - ﷺ - حَيٌّ: «أفضلُ الأمَّةِ بعدَ نبيها » الحديثَ) (٣).
قلتُ: في "مُسندِ أحمدَ" من حديثِ ابنِ عُمرَ أيضًا: «كنَّا نَقولُ في زمنِ رسولِ الله - ﷺ -: رسولُ الله - ﷺ - خَيرُ النَّاسِ، ثمَّ أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمرُ، وَلقد أُعطيَ ابنُ أبي طالبٍ ثلاثَ خِصالٍ، لأنْ تكونَ لي واحدةٌ مِنهنَّ أحَبُ إليَّ مِن حُمُر النِعم »
الحديث (٤)، فَساقهُ بلفظ: «ثمَّ» لكن لَيسَ فيهِ التَصريحُ باطّلاعِهِ - ﷺ - عليهِ.
قولُهُ: (في "المعجمِ الكَبيرِ") (٥) قالَ صَاحِبُنا العلاَّمةُ / ١٠٢ب / شَمسُ الدينِ محمدُ بنُ حسَّانَ القُدسِيُّ فيما رأيتُهُ بِخطِّهِ، وهوَ عندهُ في "الأوسطِ" بلفظِ: «فَيبلغ ذلكَ رسول اللهِ - ﷺ - فلا ينكرهُ عَلينَا» (٦) وعندَ أبي يَعلى بلفظ: «فيبلغ ذلكَ رسولَ اللهِ - ﷺ - فلا يُنكرهُ» (٧)، وفي فَضائِلِ عُثمانَ روايةُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ بلفظِ:
_________________
(١) في (ف): «يتكلمون».
(٢) في نسخة (أ): «- ﷺ - عنها».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩١.
(٤) مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٦ (٤٧٩٧).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢، والمعجم الكبير (١٣١٣٢).
(٦) المعجم الأوسط (٨٦٩٧).
(٧) مسند أبي يعلى (٥٦٠٤).
[ ١ / ٣٤٠ ]
«كُنَّا نتحدثُ على عهدِ رسولِ اللهِ أَنَّ خيرَ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نَبيِّهَا أَبو بكرٍ، ثُمَّ عمرُ، ثُمَّ عثمانُ، فَيبلغ ذلكَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فلا يُنكرهُ» (١). انتهى.
قولهُ: (فجزما بأنَّهُ مِن قبيلِ الموقوفِ) (٢)، أي: لأنَّهُ لوكانَ في عَصرِ النَّبيّ - ﷺ - لَنصَّ عليهِ، فَسكوتهُ عَنهُ دَالٌ على إسنادِهِ إلى إجماعِ الصَحابةِ، أو أهلِ بلدة مِنهُم.
قالَ المصَنّفُ في " النُكتِ ": «وتبعَ المصَنّفُ في ذلكَ الخَطيبَ، فَإنَّهُ كذلكَ جَزمَ بهِ في " الكفايةِ " (٣)، وَالخِلافُ في المسألةِ مشهورٌ، واختلفَ في (٤) كَلامِ الأئمةِ أيضًا في الصحيحِ، وقد حَكى النوويُّ الخِلافَ في مقدمةِ "شَرحِ مُسلمٍ" (٥) وَحكَى ما جزمَ بهِ المصنفُ (٦) عنِ الجمهورِ منَ المحدّثينَ، وأصحابِ الفقهِ
والأُصولِ» (٧).
قولهُ: (الحاكم) (٨)، أي: في "علومِ الحَديثِ" (٩)، (والرازِيُّ) (١٠)، أي: في "المحصولِ" (١١).
_________________
(١) فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (٨٥٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢.
(٣) الكفاية (٥٩٤ - ٥٩٥ ت، ٤٢٣ هـ).
(٤) هكذا في جميع النسخ الخطية، وفي التقييد بلا «في».
(٥) مقدمة شرح صحيح مسلم ١/ ٢٣.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي»، وهو خطأ فالمراد هو ابن الصلاح.
(٧) التقييد والإيضاح: ٦٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢.
(٩) معرفة علوم الحديث: ٢٢.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢.
(١١) المحصول ٢/ ٢٢١.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقولهُ: (جَعلاهُ مِن قَبيلِ المرفوعِ) (١) لِما تَقدّمَ مِن نُدرةِ استنادهِم إلى الإجماعِ، وكثرةِ إسنادهِم الأمورَ إليهِ - ﷺ -.
قولهُ: (ومقتضى كَلام البيضاوِي ..) (٢) إلى آخرهِ، أي: فَإنَّهُ قَالَ ما معناهُ: أقوالُ الصَحابةِ -رضيَ / ١٠٣ أ / اللهُ عَنهم- سَبعةٌ، ثُمَّ قالَ: السابعةُ: «كُنَّا نَرى في عهدهِ» (٣). والمختصرُون يُشاحونَ أنفسَهم في حَرفٍ ونَحوهِ، فلا يَزيدونَ كَلمةً إلا ولَها معنى، فلو لم يَكنْ قولهُ: «في عهدهِ» قيدًا لم يَقلْهُ، وكانَ معَ حذفهِ يفهمُ أنَّ ما أضيفَ إلى عهدهِ - ﷺ - مرفوعٌ من بابِ الأولى.
قولهُ: (وهوَ قَويٌ مِن حيثُ المعنَى) (٤)، أي: مِن حَيثُ إنَّ ظاهرَ ذلكَ يَنصرفُ إلى الصَحابةِ، وإنَّ الشارعَ - ﷺ - اطّلعَ على ذلكَ، فأقرّهُ، أو سكتَ عليهِ؛ لأنَّ بذلكَ يَنقطعُ النِزاعُ، وينقادُ الخَصمُ المُحتج عَليهِ للحُكمِ.
وعبَارةُ النَووي في مقدمةِ "شرح المهذَبِ" (٥): «وظاهرُ استعمالِ كثيرٍ من المحدّثينَ وأصحابِنا في كتبِ الفقهِ أنَّهُ مرفوعٌ مُطلقًا، سواءٌ أضافهُ، أو لَم يُضفهُ، وهذا قوي، فَإنَّ الظاهِرَ مِن قولهِ: «كنَّا نفعلُ» و(٦) «كانوا يَفعلونَ» الاحتجاج بهِ على وجهٍ يُحتج بهِ، ولا يكونُ ذلكَ إلا في زَمنِ رَسولِ اللهِ - ﷺ - ويُبلغهُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٣) انظر: منهاج الأصول ٢/ ٢٥٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٣.
(٥) المجموع ١/ ٦٠.
(٦) في (ب): «أو»، وما أثبته من (أ).
[ ١ / ٣٤٢ ]
وعَن " شرحِ مسلمٍ " (١) عَن آخرينَ: «إنَّ ذلكَ الفِعلَ إنْ كانَ مِمَّا لا يخفَى غَالبًا كانَ مرفوعًا، وإلا كَانَ مَوقوفًا، وبِهذا قَطعَ الشَيخُ أبو إسحاقَ الشيرازي». انتهى.
قالَ شَيخُنا -﵀-: «ولم يتعرضِ الشيخُ، ولا ابنُ الصلاحِ لقولِهم: «ما كنَّا نَرى بالأمرِ الفُلانِي بأسًا» وكذلكَ جَميعُ العِباراتِ المُصدرةِ بالنَفي، وذلكَ موجودٌ في عباراتِهِم، وحُكمُهُ حكمُ ما تقدَّمَ».
قُلتُ: بل قَد ذَكَرَ الشيخُ لهُ مثالًا، وهوَ قولُ عائشةَ -﵂-: «كانتِ اليدُ لا تُقطعُ في الشيءِ التافهِ» (٢)، وعزاهُ لابنِ الصَباغِ (٣) / ١٠٣ ب /. وتقدّمَ أيضًا عنِ ابنِ الصَلاحِ: «كنَّا لا نَرى بأسًا بِكَذا» (٤) وسَكتَ ابنُ الصَلاحِ عَن قولِ التابعي: «كُنَّا نَفعلُ كَذا»، ونحوهِ، وعن قَولهِ: «أمرنا بكذا» وقوله: «من السُنةِ كَذا» وذَكَرَها الشَيخُ في "النُكَتِ" قالَ: «فأمَّا المسألةُ الأُولى: فَإذا قالَ التابعيُ: «كنا نفعلُ» فليسَ بمرفوعٍ قَطعًا، وهل هُو موقوفٌ؟ لا يخلُو أمَّا أَنْ يُضيفَه إلى زمنِ الصَحابةِ، أم لا. فإنْ لَم يُضفهُ إلى زَمنِهم، فَليسَ بموقوفٍ أيضًا، بل هوَ مقطوعٌ، وإنْ أضافهُ إلى زَمنهِم فَيحتملُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ موقوفٌ؛ لأنَّ الظاهرَ اطلاعُهم على ذلكَ، وتقريرُهم، ويحتملُ أنْ يقالَ: ليسَ بموقوفٍ أيضًا؛ لأنَّ تقريرَ الصحابي قَد لا يُنسبُ إليهِ، بِخلافِ تقريرِ النَبي - ﷺ -، فَإنَّهُ أحدُ وجوهِ السُننِ.
_________________
(١) ١/ ٣١.
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٨١٠٥)، وابن حزم في " المحلى " ١١/ ٣٥٢ من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٩٥٩)، وابن أبي شيبة (٢٨١٠١)، والبيهقي ٨/ ٢٥٥ من طرق عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وهو أرجح.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢، والنكت لابن حجر ٢/ ٥١٨ وبتحقيقي: ٢٩٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٠.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وأمَّا إذا قالَ التابعيُّ: «كَانوا يَفعلونَ كَذا» فقالَ النَوويُّ في "شَرحِ مُسلِمٍ" (١): «إنَّهُ لا يَدلُّ على فعل جَميعِ الأُمةِ، بل على البَعضِ، فَلا حُجةَ فِيهِ، إلا أنْ يُصرحَ بنقلهِ عَن أهل الإجماعِ، فيكونَ نَقلًا للإجماعِ، وفي ثُبوتهِ بخبرِ الواحدِ خِلافٌ».
وأمَّا المسألةُ الثانيةُ: فإذا قالَ التَابعيُّ: «أُمرنا بكَذا»، أو «نُهينا عَن كَذا» فَجزمَ أبو نَصرِ بنُ الصباغِ في كِتاب "العُدةِ في أُصولِ الفقهِ" أنَّهُ مُرسلٌ، وذكرَ الغزاليُّ في "المستصفَى" (٢) فيهِ احتمالينِ مِن غيرِ ترجيحٍ: هل يكونُ موقوفًا، أو مرفوعًا مُرسلًا؟ وحَكى ابنُ الصباغِ في "العُدةٍ" وجهينِ فِيما إذا قالَ ذلكَ سَعيدُ
/ ١٠٤ أ / ابنُ المُسَيّبِ، هل يكونُ ذلكَ حُجةً، أَم لا (٣)؟.
وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: إذا قالَ التَابعيُّ: «منَ السُنةِ كَذا»، كَقولِ عُبيدِ اللهِ ابنِ عَبدِ اللهِ بن عُتبةَ: «السُنةُ تكبيرُ الإمامِ يومَ الفِطرِ، ويوم الأضحَى، حينَ يَجلسُ على المنبرِ قبلَ الخُطبةِ تَسعَ تكبيراتٍ»، رواهُ البيهقيُّ في "سُننهِ" (٤)، فَهل هوَ مُرسلٌ مرفوعٌ، أو موقوفٌ متصلٌ؟ فيهِ وَجهانِ لأصحابِ الشافِعي، حكاهُما النوويُّ في "شَرحِ مُسلمٍ" (٥)، و"شَرح المهذَّبِ" (٦)، و"شرحِ الوسيطِ"، قالَ: «والصَحيحُ أَنَّهُ موقوفٌ». انتهى.
وحكى الدَاوودِيُّ في "شَرحِ مختَصرِ المُزني": أنَّ الشَافعيَّ كانَ يرى في القديمِ أَنَّ ذلكَ مرفوعٌ، إذا صَدرَ من الصحابي أو التابعي، ثُمَّ رجعَ عنهُ؛ لأنَّهم قَد
_________________
(١) شرح صحيح مسلم ١/ ٢٤.
(٢) المستصفى ١/ ١٣١.
(٣) نقله الزركشي في " البحر المحيط " ٤/ ٣٧٩.
(٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٩٩.
(٥) ١/ ٣١.
(٦) ١/ ٤٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
يطلقونهُ، ويريدونَ به سُنةَ البلدِ. انتهى (١).
وما حكاهُ الداوودِيُّ مِن رجوعِ الشافعيِّ عن ذلكَ فيما إذا قالهُ الصحابيُّ لَم يوافِق عَليهِ، فَقدِ احتجَّ بهِ في مواضعَ منَ الجديدِ، فيمكنُ أنْ يحملَ قولهُ: «ثُمَّ رجعَ عَنهُ»، أي: عمّا إذا قالهُ التابعيُّ، واللهُ أعلمُ (٢).
قولهُ:
١١٠ - لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ المُصْطَفَى يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ) مِمَّا وُقِفَا
١١١ - حُكْمًا لَدَى (الحَاكِمِ) و(الخَطِيْبِ) وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْبِ
هَذا اعتراضٌ على الخطيبِ، والحَاكمِ، وإلزامٌ لَهما بالتناقضِ، فَإنَّهُ قَدْ (٣) تقدّمَ عنِ الخطيبِ أَنَّهُ ممَن يَحكمُ على ما أُضيفَ إلى عصرهِ - ﷺ - بالرفعِ. والتناقضُ في كَلامِ الحاكِمِ أظهرُ، فَإنَّهُ يَحكمُ بالرفعِ على مَالم يُضف إلى عصرِهِ - ﷺ - أيضًا، فكيفَ مَا لا يَحتملُ عدم اطلاعهِ - ﷺ - عليهِ إلا / ١٠٤ ب / احتمالًا واهيًا، فقالَ قَائل: يحتملُ احتمالًا قويًا أنْ يكونَ إنَّما كانَ يُقرعُ بعدَ موتهِ - ﷺ -، فقالَ: (٤) الاحتمالاتُ هُنا ثلاثةٌ:
أن يكونَ في عصرهِ؛ وَهوَ في ذلكَ البيتِ ليسَ إلا، وهُوَ الظاهرُ.
وأنْ يكونَ في عصرِهِ، وليسَ هوَ في البيتِ وَهوَ مرفوعٌ على هذينِ الاحتمالينِ؛ لأنَّهُ مُضافٌ إلى عهدهِ - ﷺ -.
وأن يكونَ بعدَ عصرهِ، فيكونَ الخَلافُ كثيرًا فَاشيًا في أنَّهُ ليسَ مَرفوعًا، وهَذا احتمالٌ مِن ثلاثةٍ (٥)، فَضعفَ بِهذا الاعتبارِ.
_________________
(١) حكاه الزركشي في البحر المحيط ٤/ ٣٧٨ عن الصيدلاني.
(٢) التقييد والإيضاح: ٦٨.
(٣) لم ترد في (أ).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر».
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: ثلاث احتمالات».
[ ١ / ٣٤٥ ]
وأيضًا: فإنَّهُ لو كانَ بعدَ عصرهِ - ﷺ - لَم يطلقْ، بلَ كانَ يُقيدهُ ببيتِ عائشةَ -﵂- مَثلًا، أو غيرِها مِن نِسائهِ - ﷺ - ورضي عَنهُنَّ.
وأيضًا: فإنَّهم بعدَ موتهِ - ﷺ - وإنْ كانوا في الأدبِ معهُ - ﷺ - في الدرجةِ العُليا، لكنهُم لا يبلغونَ فيهِ ما كانوا يبلغونَ في الحياةِ، ألا تَرى قولَ عروة بنِ الزُبيرِ لعائشةَ -﵂- مِن وراءِ الحُجرةِ: يا أُمتاهُ ألا تنظرينَ إلى ما يقولُ أبو عبدِ الرحمان -يعني: ابنَ عمَر﵄. . . الحديثَ في الاعتمارِ في رجبَ، أخرجهُ مُسلمٌ (١) وغيرهُ (٢). وأيضًا: فلو كانَ بعدَ عصرهِ - ﷺ - لَم يَخصُّهُ بالصحابةِ، بل إضافةُ هَذا الأدبِ إلى التَابعينَ أَولى.
وأيضًا: فَإنَّهم أكثرُ اختلافًا إلى أمهاتِ المؤمنينَ منَ الصحابةِ، لأجلِ استفتائهنَّ -﵅-.
وقولُ الشيخِ في نظمهِ: «حُكمَا» ليسَ بجيدٍ، فإنَّ ذلكَ / ١٠٥ أ / ليسَ في عبارةِ الحَاكمِ، ولا ابنِ الصَلاحِ، معَ إمكانِ تأويلِهَا، كمَا قال ابنُ الصلاحِ، فالتصرفُ فيهَا بما يُقوي الاعتراضَ ويوجبُ التناقضَ غيرُ حسنٍ، فكانَ ينبغي أنْ يقالَ: «مما وقَفا لفظًا»، ويقالَ: «والرفعُ عندَ الكل».
قولهُ: (في نظيرهِ) (٣)، أي: فِي حَديثِ جابرٍ: «كُنا نعزلُ» كَما مرَّ آنفًا.
قولهُ: (وهذا الحَديثُ رواهُ المغيرةُ بنُ شُعبةَ - ﵁ -) (٤) قالَ شَيخُنا:
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٦١ (١٢٥٥) (٢١٩).
(٢) وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ٧٢ و٦/ ٥٥ و١٥٧، والبخاري ٣/ ٣ (١٧٧٧) مختصرًا، وابن ماجه (٢٩٩٨)، والترمذي (٩٣٦)، والنسائي في " الكبرى " (٤٢٢٢) من طريق عروة ابن الزبير، به.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٣.
[ ١ / ٣٤٦ ]
«تَعبَ الناسُ في التفتيشِ على روايتهِ من حديثِ المغيرةِ، فلم يظفروا بها، وإنَّما هو من حديثِ أنسٍ - ﵁ -، كذلكَ». أخرجهُ البخاريُّ في "الأدبِ المفردِ" (١)، والشيخُ تبعَ في عزوهِ إلى المغيرةِ ابنَ الصَلاحِ (٢)، وهوَ تَبعَ الحاكمَ في "علومِ الحديثِ" (٣)، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ثم تأولناهُ لهُ) (٤) مما يؤيدُ هذا التأويلَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - مذكورٌ لَفظًا في هذا الحديثِ، فيتبادرُ إلى الذِهنِ حينئذٍ أنَّهُ مرفوعٌ لفظًا، فاحتاجَ الحَاكمُ والخطيبُ إلى استثنائهِ من ذلكَ؛ نفيًا لهذا الاحتمالِ، ويبقى كونهُ مرفوعًا حُكمًا داخلًا في كلامِهمَا في أشكالِ (٥) ذلكَ، مُقضيًا بأنَّ حكمهُ الرفعُ.
قولهُ: (وإنَّما جعلناهُ مرفوعًا من حيثُ المعنى) (٦)، أي: وكذلكَ كلُّ ما تقدمَ من أقوالِ الصحابةِ: «السنةُ كَذا، وأُمرنا بكَذا، وكنَّا نَرى كَذا» موقوفٌ لفظًا، وهو موجودٌ في كلامِ ابنِ الصَلاحِ في هَذا الموضعِ، فَحذفُهُ ليسَ بجيدٍ.
قولهُ:
١١٢ - وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي رَفْعًَا فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَابِ
_________________
(١) الأدب المفرد (١٠٨٠)، وكذلك في التأريخ الكبير ١/ ٢٢٨، وأخرجه أيضًا: أبو نعيم في "أخبار أصفهان" ٢/ ١١٠ و٣٦٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢١، وانظر تعليقنا المطول عليه.
(٣) معرفة علوم الحديث: ١٩ من طريق كيسان مولى هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن المغيرة، به. وكيسان هذا: مجهول الحال، لم يوثقه سوى ابن حبان في ثقاته ٧/ ٣٥٨ على عادته في توثيق المجاهيل.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٤.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: أمثال».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٤.
[ ١ / ٣٤٧ ]
سُئلَ (١) ما موقعُ الفاء في قولهِ: «فمَحمولٌ»، فقالَ: الناظِم يتسامحُ فيهِ
/ ١٠٥ ب / فَقلتُ: قَد تشعر بتفصيل، فتكونُ مقصودةً لهُ، كأنَّ القائلَ: «إنَّ تفسيرَ الصحابةِ مرفوعٌ» أجمل قولهُ، ومن حقهِ أنْ يَفصلَ فيقولَ: تفسيرُ الصحابةِ لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ للرأي فيهِ مَجالٌ، أو لا، فالأولُ: لا يكونُ مرفوعًا، والثاني: لا يَخلُو إمَّا أنْ لا يؤخذَ عن غيرِ النَبي - ﷺ - نَحو أسبابِ النُزولِ، أو لا.
والثاني: لا يكونُ مرفوعًا؛ لاحتمالِ أخذهِ عَن أهلِ الكتابِ، والأولُ: مرفوعٌ فلم يرتضهِ، فَليتأمل، ولو قالَ الشيخُ: «في الرفعِ محمولٌ» لاتَّزَنَ، وإنَّما كانَ التفسيرُ المتعلقُ بأسبابِ النُزولِ مرفوعًا؛ لأنَّهم شاهدُوا النُزولَ، وتلقُوا عنهُ - ﷺ - القرآنَ.
قولهُ: (ونحوَ ذلكَ) (٢) عَطفٌ على قولهِ: «تفسيرُ» وشبيهُ ذلكَ هوَ ما لا يمكنُ أنْ يؤخذ إلا عنِ النَّبي - ﷺ - مثلُ بيانِ أسماءِ من نزلتْ فيهِم الآيةُ، وكَذا كلُّ ما لا مجالَ للرأي فيهِ، إذا كان الصحابيُّ ممَّن لم يأخذْ عن أهلِ الكتابِ، فَنظمُ الشيخِ حينئذٍ غَيرُ وافٍ بكلامِ ابن الصلاحِ، حيث لم يأتِ بما يدلُّ على قولهِ: «ونحو ذلكَ»، فلو قال:
رافعًا إذا ما كانَ كالأسبابِ
لَوَفى.
قولهُ: (على إضافةِ شيءٍ) (٣)، أي: لا حكمًا، ولا قولًا.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن حجر».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٥.
[ ١ / ٣٤٨ ]
قولُهُ:
١١٣ - وَقَوْلُهُمْ (يَرْفَعُهُ) (يَبْلُغُ بِهْ) روَايَةً يَنْمِيْهِ رَفْعٌ فَانْتَبِهْ
١١٤ - وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلٌ قُلْتُ: مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوْا
١١٥ - تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ نَحْوُ (أُمِرْنَا) مِنْهُ (للغَزَالِيْ)
١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا يُقَالُ رَأيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٧ - مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ مَنْ أتَى (فَالحَاكِمُ) الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا
١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ
١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، (فَالخَطِيْبُ) رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ
قُلتُ: إيرادهُ هَذا أولَ الفروعِ أليق، حتى يبقى قولُ الصَحابي صريحًا.
وقولهُ: «تأويلًا في فَصلٍ واحدٍ»، قالَ شيخُنا: «ولم يذكروا رواهُ بلفظِ الماضي، وقد وقعتْ / ١٠٦ أ / في عِباراتهِم، ولا ذكروا ما حُكم هذِهِ الصِيغِ لو قِيلت عَن النبي - ﷺ -، قالَ: وقد ظفرتُ لذلكَ بمثالٍ في "مُسندِ البزارِ" (١) عَن النبي - ﷺ - يرويهِ، أي: عن ربهِ - ﷿ - فهوَ حينئذٍ منَ الأحاديثِ القُدسيةِ» (٢).
قولهُ: (قلتُ: من السُنةِ ..) (٣) إلى آخرهِ، كان إيرادهُ عِند قوله:
١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ نَحْوَ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ
١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ عَلى الصَّحِيْحِ، وهوَ قَوْلُ الأكْثَرِ
أولى، وإنْ كانَ له هنا مناسبةٌ ما، وهوَ ذِكرُ التابعيِّ.
قولهُ: (حُكمُ المرفوعِ) (٤) قالَ صاحبُنا العلاَّمةُ شَمسُ الدينِ بنُ حسَّانَ فيمَا
_________________
(١) انظر: كشف الأستار الحديث (٧٨١)، وذكره.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٣٩ وبتحقيقي: ٣١٥.
(٣) التبصرة والتذكرة (١١٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٥.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وجدتهُ بخطِّهِ: قالَ النوويُّ (١): «كلُهُ مرفوعٌ متصلٌ بلا خِلافٍ»، وأخرجَ البخاريُّ (٢) عَن عليٍّ هوَ ابنُ المديني، عن سفيانَ (٣)، عنِ الزُهري، عن سعيدِ بنِ المُسيبِ، عن أبي هُريرةَ روايةً: «الفطرةُ خَمسٌ، أو خَمسٌ منَ الفطرةِ: الخِتانُ، والاستحدادُ، ونتفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظافرِ، وقصُ الشاربِ»، ووقعَ في روايةِ مسددٍ، عن سفيانَ، عن أبي داودَ (٤) يَبلغُ بهِ النبيَ - ﷺ -، وفي روايةِ أبي بكر بنِ أبي شيبةَ عن سفيانَ - عندَ مسلمٍ - (٥) قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وبيَّنَ أحمدُ (٦) في روايتهِ أَنَّ سفيانَ كانَ تارةً يُكني، وتارةً يُصرِحُ.
قولهُ: (الشِفاءُ في ثلاثٍ. . .) الحديث (٧)، إن قيلَ: قولهُ: «وأنهى أمتي عن الكي» يَدلُّ على الرفعِ، فَلا يَحتاجُ إلى قولهِ: «رفعَ الحديثَ»، قيل: إنَّما يَدلُّ ذلكَ على رفعِ النَهي عَنِ الكَي، فيبقَى مَا عدا ذلكَ، ويكونُ كأنَّهُ قِيلَ: وقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «أنهى (٨) أمتي عَن الكَي».
_________________
(١) انظر: الإرشاد ١/ ٦٤.
(٢) في صحيحه ٧/ ٢٠٦ (٥٨٨٩).
(٣) يعني: ابن عيينة.
(٤) هكذا في جميع النسخ الخطية ولعل الصواب «عند أبي داود»، والحديث في سننه (٤١٩٨).
(٥) في صحيحه ١/ ١٥٢ (٢٥٧) (٤٩)، وهو في المصنف لابن أبي شيبة (٢٠٤٧) و(٢٦٤٦٠).
(٦) في مسنده ٢/ ٢٣٩ (٧٢٦١) قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -؛ وقال سفيان مرةً: رواية فذكره. وأخرج هذا الحديث أيضًا: الحميدي (٩٣٦)، ومسلم ١/ ١٥٢ (٢٥٧) (٤٩)، وابن ماجه (٢٩٢)، والنسائي ١/ ١٥ وفي "الكبرى"، له (٩) من طريق سفيان، به.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٥، والحديث في: صحيح البخاري ٧/ ١٥٨ (٥٦٨٠) و٧/ ١٥٩ (٥٦٨١)، ومسند أحمد ١/ ٢٤٥، وسنن ابن ماجه (٣٤٩١)، ومعجم الطبراني الكبير (١٢٢٤١)، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٣٤١.
(٨) في (ب): «وأنهى» بزيادة الواو.
[ ١ / ٣٥٠ ]
قولهُ: (على ذراعِهِ / ١٠٦ ب / اليُسرى في الصلاةِ) (١) هذا الحُكمُ مما خالَفَ مَالكًا فيهِ أصحابُهُ، معَ كونهِ في "الموطأ" (٢).
قولُهُ: (وقد رواهُ البخَاريُّ مِن طَريقِ القعنبي) (٣) ليسَ بجيدٍ، فَإنَّ عادتَهم أنْ يقولوا: «مِن طريق» فِيمن بينَ المُخرج (٤) وبينهُ وَاسطةٌ، فكان ينبغي أنْ يقولَ: «عن القَعنبي».
قولهُ: (فَصرحَ برفعهِ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ بعدَ إيرادهِ بعضَ هذهِ الأحاديثِ: «فكلُ هَذا وأمثالهُ كِنايةٌ عَن رفعِ الصحابي الحديثَ إلى رسول اللهِ - ﷺ -، وحكم ذلكَ » (٦) إلى آخرهِ.
قولهُ: (فهو مرسلٌ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وإذا قالَ الراوي عن التابعيِّ: يرفعُ الحديثَ، أو يبلغُ بهِ، فذلكَ أيضًا مرفوعٌ، ولكنهُ مرفوعٌ مرسلٌ (٨»).
قولهُ: (قلتُ: منَ السُنةِ) (٩) هذهِ العبارةِ أولى بالاحتمالِ من «أُمرنا»، وممَّا يؤيدُهُ قولُ الزُهريِّ لمن سَألهُ عن قولِ سالمٍ للحجاجِ: «إنْ كنتَ تُريدُ السُنةَ فافعل كَذا» يُريدُ سُنةَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال: «وهل يَعنونَ بذلكَ إلا سُنتَهُ»، وكانَ ذلكَ مقررٌ عندهُم، لا يحتاجُ إلى تأملٍ، ولا توقفٍ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٦.
(٢) انظر الموطأ (٤٣٧) رواية يحيى.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٦.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي البخاري».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٧.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٥، وانظر بلا بد تعليقنا عليه.
(٩) التبصرة والتذكرة (١١٤).
[ ١ / ٣٥١ ]
قولهُ: (ثُمَّ رَجعَ عنهُ) (١) تقدّمَ في أولِ هذهِ الفروعِ عن الشافعي من كلامهِ في بابِ الجنائزِ منَ "الأمِّ" ما يدلُ على أنَّهُ مذهبهُ في الجديدِ بالنسبةِ إلى الصحابي، ولم يرجع عنهُ (٢)، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (يمكنُ أنْ يُجابَ بأنَّ قولهُ: «يَرفعُ الحديثَ» تصريحٌ بالرفعِ) (٣) يخدشهُ أنَّ هذهِ الألفاظَ واردةٌ قبلَ تقرير الاصطلاحِ، على أنَّ الرفعَ لِما يُضافُ إلى النبي - ﷺ - بِسندٍ يَظهرُ فيهِ الاتصالُ / ١٠٧ أ /، فقولكَ تصريحٌ بالرفعِ مُسلّمٌ، لكنْ مَا المرادُ إلا الرفعُ اللغويُّ، ويصدقُ بأنْ يرفعهُ التابعيُ إلى الصحابةِ فيرويهِ عن بعضهِم، بل وبأنْ يرويه عن تَابعي أكبر منهُ، فأينَ الصراحة في الرفعِ الاصطلاحِي؟ وهَذا بِخلافِ ما إذا قالَ التابعيُ ذلكَ عنِ الصحابيِّ؛ فإنَّهُ يكونُ مرفوعًا؛ لضعفِ الاحتمالِ ثمة؛ لأنَّهُ يرجح رُجحانًا واضحًا أنَّ الصحابيَّ لا يرفعُ إلا إلى أعلى الناسِ، وهوَ صاحبُ الشَرعِ - ﷺ -، ويضعفُ احتمالُ غيرهِ، بِخلافِ هَذا الحالِ في حَقِّ التابعي؛ فَإنَّ الاحتمالينِ فيهِ على حَدٍّ سَواءٍ، أو مُتقاربانِ.
قولهُ: (هَل يكونُ حُجةً؟) (٤) كونهُ حُجة مبنيٌّ على الحُكمِ بإرسالهِ؛ لأنَّ مراسيلَ ابنِ المسيبِ حُجةٌ، وإنما جاءَ الوجهُ الثاني؛ لأنَّ هَذا وإنْ جَزمَ بكونهِ مُرسَلًا يَطرقُهُ احتمالُ الوَقفِ، فَضَعُفَ، بِخلافِ المرفوعِ صريحًا، فَإنَّهُ مُرسلٌ قَطعًا.
قولهُ:
١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا يُقَالُ رَأيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٧ - مَا قَالَ في "المَحْصُوْلِ" نَحْوُ مَنْ أتَى (فَالحَاكِمُ) الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٧.
(٢) جاء في حاشية (أ): «إلا من جهة التابعي».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٣٥٢ ]
قولهُ: (في "المحصولِ") (١) كانَ ينبغي عَزوهُ لمن هُو أقدمُ من صاحبِ "المحصول" وأجلُّ، فَإنَّهُ موجودٌ كَما هو في الشرحِ في كلامِهِم (٢)، حَتَّى نُقلَ عن الإمامِ الشافعي، فَإني رأيتُ عن شَيخِنا البُرهان الحلبيِّ أنَّ الجمالَ الإسنويَّ قالَ: إن الشَافعيَّ قالَ في كتابِ "اختلافِ الحديثِ": رُوِيَ عن علي - ﵁ -: «أنَّهُ صَلى في ليلةٍ ستَ ركعاتٍ، في كلِّ ركعةٍ ستُ سجداتٍ» (٣)، وقالَ (٤): «لو ثبتَ ذلكَ عن عليٍّ لَقلتُ بهِ، فإنَّهُ لا مجالَ للقياسِ فيهِ، والظاهرُ أنَّهُ فعلهُ (٥) توقيفًا»، فنظمَ /١٠٧ ب / ذلكَ شيخُنا فقالَ:
قلتُ: (٦) حكى فقيهُ مصرَ الإسنوي نصًا بهِ عنِ الإمام الشافعيِّ
هكذا رأيتُ عن شيخِنا، فراجعتُ "اختلافَ الحديثِ"، فَلم أَجدْ ذلكَ فيهِ، ووجدتُ مِمَّا يُقاربهُ في «بابِ الخِلافِ في أنَّ الغُسلَ لا يجبُ إلا بِخروجِ المَاء»: أنَّ شَخصًا ناظرهُ في ذلكَ، فقالَ لهُ: أمَّا قولُ عائشةَ -﵂ (٧) -: «فعلتُهُ - أي: الغُسل - مِن مسِّ الختانِ الختان أنا ورسولُ اللهِ - ﷺ -، فاغتسلنا» (٨) فَقد يَكونُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١١٧).
(٢) عبارة: «في كلامهم» لم ترد في (ف).
(٣) أخرجه: الشافعي في " الأم " ٧/ ١٧٧، والبيهقي ٣/ ٣٤٣.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي الشافعي».
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي علي - ﵁ -».
(٦) «قد» من (ف) فقط.
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) أخرجه: ابن أبي شيبة (٩٣٠)، وأحمد ٦/ ١٦١، وابن ماجه (٦٠٨)، والترمذي (١٠٨)، والنسائي ١/ ١٩٦، وأبو يعلى (٤٩٢٥)، وابن الجارود (٩٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٥٥، وابن حبان (١١٧٥) و(١١٧٦) و(١١٨٥)، والرامهرمزي في " المحدث الفاصل ": ٤٧٤، والدارقطني ١/ ١١١، والبيهقي ١/ ١٦٤ وفي " المعرفة "، له (٢٥٣) و(٢٥٤)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٢٣/ ١٠٤.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تطوعًا مِنهمَا بالغُسلِ.
قالَ الشافعيُ: فقلتُ لهُ: الأغلبُ (١) أنَّ عائشةَ لا تقولُ: «إذا مسَّ الختانُ الختانَ فَقد وجبَ الغُسلُ» إلا خَبرًا، وتقولُ: «فعلتهُ أنَا ورسولُ اللهِ - ﷺ -
فاغتسلنا» إلا خَبرًا عَن رسولِ اللهِ - ﷺ - بوجوبِ الغُسلِ منهُ، قالَ: فيحتملُ أَنْ يكونَ لمَّا رأتِ النبيَ - ﷺ - اغتسلَ اغتسلتْ رَأتهُ وَاجبًا، ولم تَسمع مِن النبي - ﷺ - إيجابَهُ، قُلتُ: نَعمْ، قالَ: فَليسَ هَذا بخبرٍ عَن النبي - ﷺ -، فَقلتُ: الأغلبُ أنَّهُ خبرٌ عنهُ. (٢) انتهى.
ومن أمثلتهِ الحَسنةِ ما قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ في كتابِ "قيام الليلِ": «حدّثنا مُحمدُ بنُ يحيى، حدثَنا مؤملُ بنُ الفَضلِ، حدّثَنا عيسى بنُ يونسَ، عن أبي مالِكٍ - يعني: النَخعي-، حدثنا زيادُ بنُ فياضٍ، عنَ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ -﵄- قالَ: «التقى ملكانِ في صلاةِ /١٠٨ أ/ المغربِ، فقالَ أحدهُما لصاحبهِ: اصعَد بِنا، فقالَ: إنَّ صَاحبي لَم يُصلِ، قالَ: فَمِن أجل ذلِكَ يُكرهُ أن يُؤخرَ المغرب»».
ولو قالَ شيخُنا البُرهان:
قُلتُ: وَعن فقيهِ مِصرَ البارعِ نَصٌّ بهِ عن الإمامِ الشَافعيِّ
لكانَ أحلى.
قولُهُ: (نَحوَ مَن أتى) (٣) هَذا المثال ليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّهُ يُمكنُ أنْ يُقال مِن جهةِ الرَأي، فَإنَّ الحديثَ جاءَ في بعضِ طرقهِ تَقييد الكُفرِ بأن يصدقهُ، والعرَّافُ يَدّعي عِلمَ الغيبِ، فَمن صدَّقهُ في هَذهِ الدَعوى، فَقد كذبَ بقولِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
_________________
(١) في (ب): «ألا علمت».
(٢) اختلاف الحديث: ٦٣.
(٣) التبصرة والتذكرة (١١٧).
[ ١ / ٣٥٤ ]
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (١) وَمَن كذَّبَ بحرفٍ مِن القُرآنِ فَقد كفرَ.
وأيضًا: فَقد أخبرَ النّبيُّ - ﷺ - أنَّهم: «لَيسُوا بشيءٍ»، وأنَّهم كَذَبَةٌ، فَمن صَدَّقهُم فَقد كفرَ بتكذيبهِ - ﷺ -، ومن أتى السَاحِرَ مُصدِّقًا بِسحرهِ، أي: مؤمنًا بأنَّهُ حَقٌّ، أو أنَّهُ يؤثرُ بطبعهِ، فَقد كَذبَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ..﴾ الآية كلها (٢) ثُمَّ إنَّ القولَ السَديدَ في أصلِ المسألةِ: أنَّ ما يأتي عن الصَحابةِ مِمّا لا مجالَ للرأي فيهِ، إنْ كانَ حُكمًا مِنَ الأحكامِ فهوَ مرفوعٌ؛ لأنَّ الأحكامَ لا تؤخذُ إلا بالاجتهادِ، أو بقولِ مَن لهُ الشرعُ، وقد فَرضنا أنَّهُ ممَّا لا يُجتهدُ فيهِ، فانحصر في أنَّهُ مِن قولهِ - ﷺ -.
وإنْ لم يَكنْ مِن الأحكامِ، فَإنْ كانَ ذلِكَ الصَحابي لم يأخذ عنِ الإسرائيلياتِ فكذلك؛ لأنَّ ما لا مجالَ للرأي فيهِ، لا بدَّ للصحابي فيهِ مِن مُوقِّفٍ، فيكونُ النبيُّ - ﷺ -، إذ / ١٠٨ ب / المسألةُ مفروضةٌ فيمَن لم يأخذ عن أهلِ الكِتابِ، وإلا فموقوفٌ؛ لاحتمال أنْ يكونَ سَمعهُ مِن أهلِ الكتابِ، وما يَرِد عن أهلِ الكتابِ ينحصِرُ في ثلاثةِ أقسامِ:
أنْ يكونَ شرعُنا قَد جَاءَ بتصديقهِ، فالعمل بشَرعِنا حينئذٍ، أو بتكذيبهِ، فلا يَحلُّ نقلهُ مَسكوتًا عنهُ، أو يكونَ شَرعُنا سَاكتًا عنهُ، فهذا هوَ الذِي نقلهُ بعضُ الصَحابةِ عن أهلِ الكِتابِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ صِدقًا، وَيحتملُ أيضًا أنْ يكونَ قَد بدّلَ، فيكذبُ.
ففِي البخارِي: عَن معاويةَ - ﵁ - أنَّهُ قالَ: «أصدقُ هؤلاءِ الذينَ يحدثونَنا عَن أهلِ الكتابِ كَعبٌ (٣)، ومعَ ذلِكَ فإنا لَنبلوا عَليهِ الكذب» (٤).
_________________
(١) النمل: ٦٥.
(٢) البقرة: ١٠٢.
(٣) يعني: كعب الأحبار.
(٤) صحيح البخاري ٩/ ١٣٦ (٧٣٦١) معلقًا.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قالَ شيخُنا: «يعني: إنَّ الخَبرِ الذي ينقلهُ، وفيهِ إخبارٌ ببعضِ ما يأتي، قد لا يقعُ كما في الخبرِ؛ لِكونهم قَد بدَّلوهُ، ولَم يطلعْ كَعبٌ على ذَلِكَ، لا أنَّهُ نَفسهُ يكذبُ، فإنهُ ثقةٌ مأمونٌ - ﵀ -».
قلتُ: فَإنْ قِيل: كيفَ يؤخَذُ عن بني إسرائيلَ، أو يُنقلُ مِن كتبهم، وَقد رَوَى البُخاريُّ في التفسيرِ (١) والاعتصامِ (٢) مِن "صَحيحهِ" عَن أبي هُريرةَ - ﵁ - قالَ: «كانَ أهلُ الكتابِ يَقرؤونَ التوراةَ بالعبرانيةِ، ويفسرونَها بالعربيةِ لأهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تُصَدِقوا أهلَ الكِتابِ، ولا تكذبوهُم، و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ..﴾ (٣) الآية». وللبغويِّ في تفسيرِ قولهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) بسندٍ لا بأسَ بهِ / ١٠٩ أ / عن أبي نَملةَ الأنصاريِّ - ﵁ -: أنَّهُ بينَا هوَ جالِسٌ عندَ النَبي - ﷺ - جاءهُ رَجل مِن اليَهودِ، وَمُرَّ بجنازةٍ، فقالَ: يا مُحمَّدُ، هل تتكلمُ هَذهِ الجَنازةُ؟ فقالَ رسولُ الله - ﷺ -
: «اللهُ أعلمُ»، فقالَ اليَهوديُّ: إنها تتَكلمُ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا حدّثكُم بهِ أهلُ الكتابِ فلا تصدقُوهم، ولا تكذبوهُم، وقولوا: آمنَّا باللهِ وَكُتبهِ وَرسُلهِ، فإنْ كانَ باطلًا لَم تُصدقوهُ، وإنْ كانَ حَقًا لم تكذبوهُ» (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٢٥ (٤٤٨٥).
(٢) صحيح البخاري ٩/ ١٣٦ (٧٣٦٢).
(٣) البقرة: ١٣٦.
(٤) العنكبوت: ٤٦.
(٥) تفسير البغوي (١٦٣٣)، وهو في "شرح السنة" كذلك (١٢٤). والحديث في: جامع معمر (٢٠٠٥٩)، ومسند أحمد ٤/ ١٣٦، وسنن أبي داود
(٦) ، وصحيح ابن حبان (٦٢٥٧)، ومعجم الطبراني الكبير ٢٢/ (٨٧٤) و(٨٧٥) و(٨٧٨) و(٨٧٩)، وسنن البيهقي الكبرى ٢/ ١٠.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ولأحمدَ (١)، والدارمي (٢) والبَيهقي في "الشّعبِ" (٣) عَن جابرٍ: أنَّ عمرَ -﵄- أتى النَبيَّ - ﷺ - فقالَ: إنَّا نَسمعُ أحاديثَ مِن يهودٍ، فتعجبنا (٤)، أفتَرى أن نكتبَ بعضَها؟ فقالَ: «أَمُتَهوِّكونَ أنتُم كَما تَهوَّكتِ اليهودُ والنصارى؟ لَقدِ جِئتُكم بهَا بيضاءَ نقيةً، ولَو كانَ موسى حَيًا لَما وَسِعَهُ إلاّ اتباعِي».
وَلفظُ الدَارمي: عن جابرٍ - ﵁ -: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - أتى رسولَ اللهِ - ﷺ - بنسخةٍ منَ التوراةِ فقالَ: يارسولَ اللهِ، هذهِ نُسخةٌ مِن التوراةِ، فسكتَ، فجعلَ يقرأُ، ووجهُ رسولِ اللهِ - ﷺ - يتغيرُ، فقالَ أبو بكرٍ - ﵁ - (٥): ثكلتكَ الثواكلُ، ما تَرى ما بوجهِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ فنظرَ عُمرُ إلى وجهِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: أعوذُ باللهِ مِن غضبِ اللهِ، وغَضَبِ رسولِ اللهِ - ﷺ - /١٠٩ ب/، رَضينَا باللهِ رَبًا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمَّدٍ نَبيًا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «والذِي نَفسُ محمدٍ بيدهِ، لو بَدا لكُم مُوسى، فاتبعتموهُ وتركتُموني، لضللتُم عن سَواءِ السَبيلِ، ولو كانَ حيًَّا وَأدركَ نُبوتِي لاتبّعَني»، وفي سَندهِ مجالدُ بن سَعيدٍ، وَليسَ بالقوي، وَقَد تَغَيَّر في آخرِ عُمرهِ (٦).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٨٧.
(٢) سنن الدارمي (٤٣٥).
(٣) شعب الإيمان (١٧٧). والحديث أخرجه: أبو عبيد في "غريب الحديث" ٣/ ٢٨ - ٢٩، وابن أبي شيبة (٢٦٤١٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٥٠)، والبزار كما في "كشف الأستار" (١٢٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" ٢/ ٤٢، والبغوي في "شرح السنة"
(٤) في (ب): «تعجبنا».
(٥) «عنه» لم ترد في (أ).
(٦) انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٣٥.
[ ١ / ٣٥٧ ]
قولُهُ: (مُتهوكونَ) قالَ ابنُ فارسٍ: «الهَوَكُ: الحُمقُ والتهوكُ: الوقوعُ في الأشياءِ» (١). وقالَ ابنُ القطاعِ: «هَوَكَ هَوَكًا: حَمُقَ، وأيضًا: تَحيَّرَ» (٢). وَقال عَبدُ الحقِ في "الواعِي": «والهَوَكُ والتَهَوُّكُ: الحيرةُ في الأمورِ».
وقولُهُ: (أمتهوكونَ)، أي: أمتحيرونَ، ورَجلٌ هوَّاكٌ وَمتهوكٌ، إذا كانَ يقعُ في الأُمورِ بحمقٍ، والأهوكُ: الأهوجُ، وأصلُهُ الذي يتهوكُ في الأُمورِ، أي: يتحيرُ فِيهَا (٣). وللدارمي (٤) أيضًا: عن يَحيى بنِ جَعدةَ مُرسلًا قالَ: أُتِيَ النَبيُّ - ﷺ - بكتفٍ فيهِ كِتابٌ، فقالَ: «كَفى بقومٍ ضَلالًا أنْ يرغَبوا عما جاءَ بهِ نبيُهُم، إلى ما جَاءَ بهِ نبيٌ غيرُ نبيهِم، أو كتابٌ غيرُ كتابِهم» فأنزلَ اللهُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ .. (﴾ الآيةَ (٥) (٦). فَالجوابُ: أَنَّ هَذهِ الأحاديثَ الناهيةَ تحملُ على تَصديقِهم فيمَا لَم يكن في شَرعِنا ما يصدقُه، أو يكذبهُ، جَمعًا بينهَا وبينَ احتجاجِهِ - ﷺ - بالتوراةِ في قِصةِ الزَاني، كَما في الصَحيحَينِ (٧)، عَن ابنِ عُمرَ -﵄-.
_________________
(١) مجمل اللغة لابن فارس مادة (هوك).
(٢) الأفعال لابن القطاع ٣/ ٣٥٢.
(٣) انظر: لسان العرب مادة (هوك)، وتاج العروس مادة (هوك).
(٤) سنن الدارمي (٤٨٤).
(٥) العنكبوت: ٥١.
(٦) جاء في حاشية (أ) من خطِّ البقاعي: «بلغ الله المأمول شهاب الدين الحمصي الشافعي قراءة بحث، وسمع الجماعة، وكتبه إبراهيم البقاعي لطف الله به».
(٧) الحديث في: صحيح البخاري ٨/ ٢١٣ - ٢١٤ (٦٨٤١)، وفي صحيح مسلم ٥/ ١٢١ (١٦٩٩) (٢٦) وللحديث طرق أخرى في الصحيحين وغيرهما.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقوله - ﷺ -: «بَلِّغوا عَني ولو آيةً / ١١٠أ / وحَدِّثوا عَن بني إسرائيلَ ولا حرجَ» كَما في البخارِي (١) في «ذكرِ بَني إسرائِيلَ»، والترمذيِّ (٢)، والدَارمِي (٣)، عَن عَبداللهِ بنِ عَمرو - ﵄-.
وقولهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، وَقولُهُ تَعالى (٥): ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٦) وَعلى هَذا يتنَزلُ قولُ الخَطَّابي في حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - (٧): «هَذا الحديثُ أصلٌ في وجوبِ التوقفِ عمَّا يشكلُ في (٨) الأمورِ، فلا يُقضَى عليهِ بصحةٍ، ولا بطلانٍ، ولا بتحليلٍ، ولا تَحريمٍ» (٩). انتهى.
وأوضَحُ دَليلٍ على ذلِكَ قولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١٠)، أي: شاهِدًا وَرقيبًا، فَما صَدَّقهُ صَدقناهُ، وما كذَّبهُ كَذبناهُ (١١). على أنَّهُ قَد نُقل عَن كَثيرٍ مِن الصَحابةِ - رضي الله
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٧ (٣٤٦١).
(٢) جامع الترمذي (٢٦٦٩).
(٣) سنن الدارمي (٥٤٨). وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ١٥٩ و٢٠٢ و٢١٤ جميعهم مِن طريق حسان بنِ عطية، عَن أبي كبشة، عَن عبد الله بنِ عمرو - ﵁ -، فذكره.
(٤) آل عمران: ٩٣.
(٥) «تعالى» لم ترد في (ب) و(ف).
(٦) آل عمران: ٣.
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) في (ف): «من».
(٩) أعلام الحديث ٣/ ١٨٠١.
(١٠) المائدة: ٤٨.
(١١) انظر: تفسير البغوي ٢/ ٥٧.
[ ١ / ٣٥٩ ]
عنهم السَماع مِن أهلِ الكتابِ، والنقل عَنهم (١)، ولهذا فَرقَ المحدثونَ كَما ترى في هَذهِ المسألةِ بينَ ما يكونُ راويهِ مِمَّن حملَ عَن أهل الكِتابِ، فَلا يُحكمُ لهُ بالرَفعِ، وبينَ غَيرِه فَيحكَم لَهُ بهِ، فلعلهُم حَملوا النَهي فِي الحَديثِ الأَولِ والثاني على التنْزيهِ، أو أنَّ ذلِكَ الحكم كانَ قَبلَ أنْ يتمَّ نزولُ الكتابِ المُهيمنِ ويَكملَ الدينُ، فيعرفَ بهِ (٢) الصِدق مِن الكَذبِ. وَقيدَوا نَهي الحَديث الثالث، وما بعدهُ على تقديرِ الصحَةِ بحياتهِ - ﷺ -، خَوفًا مِن تَشعبِ الأَمرِ قبلَ تقررِ / ١١٠ ب / الدِينِ باتباعِ مَا لم يأذَنْ بهِ اللهُ، أو ما نَهى الله عَنهُ، وَلفظُ الدارمِي ظاهِرٌ في ذلك، وفِرارًا منْ دخولِ اللَبسِ على مِن كانَ يقولُ عِنادًا: إنَّما يُعلمُهُ بشر، أو التسبب في وجدانِ المَطعنِ لَهُم بأنْ يقولُوا: إنَّهُ يتعلمُ مِن أهلِ الكِتابِ، فَلمَّا تقررَ الشَرعُ، وكَملَ الدينُ، وَتمَّ إنزالُ الكتَابِ مُهيمنًا على كُلِّ كتابٍ، زالت هَذهِ الاحتمالاتُ كُلُها.
وأما غَضبُهُ وتغيرُ وَجهِه - ﷺ - فَقد يكونُ مِن فعلِ المكروهِ، بَل ومن خِلافِ الأَولَى إذا صَدر مِن عالِي المرتبةِ، كتَطويلِ مُعاذٍ - ﵁ - الصلاةَ، ومِنَ التَقصيرِ في فَهمِ الأَمرِ الواضِحِ، كَالذي سَألَ عَن ضَالةِ الأبلِ، بَل ولمجردِ الوعظِ، ونَحو ذلِكَ، واللهُ الهادِي.
قالَ شيخُنا شَيخُ الإسلامِ ابنُ حَجرٍ في أواخرِ شَرحهِ للبخَارِي - بعدَ أنْ ذكرَ بعضَ (٣) ما ذَكرَه أصحابُ الشَافِعي في الزجرِ عَن استفتاءِ الكتابيين كَما هوَ مشهورٌ في بابِ الأحداثِ، وفي بابِ السِيرِ -: «والأولَى في هَذهِ المسألةِ التَفرقةُ بينَ مَن لَم يتمكنْ، ويصير منَ الراسخينَ في الإيمانِ، فَلا يجوزُ لَه النَظرُ في شيء مِن ذلِكَ، بخِلافِ الراسِخِ فيجوزُ لهُ، ولا سيمَا عندَ الاحتياجِ إلى الرَدِّ على المخالِفِ،
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٦٨.
(٢) في (ب) و(أ): «بها»، وأشار ناسخ (أ) إلى الصواب في الحاشية.
(٣) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٣٦٠ ]
ويَدلُ على ذلِكَ نَقلُ الأئمةِ قَديمًا وَحديثًا مِن التوراةِ، والزامهمُ اليَهودَ بالتصديقِ بِمحمدٍ - ﷺ - / ١١١ أ / بما يَستخرجونهُ مِن كِتابِهِم، وَلولا اعتقادُهُم جَوازَ النَظرِ فيهِ، لَما فَعلوه، وَتوارَدوا عليهِ». (١) انتهَى.
وَإذا تُؤمِلَ كلامُ أئمتِنا وإمامِهم أرشدَ إلى ذلِكَ، قالَ الشافِعي -﵀- في " الأمِّ " (٢) في بابِ تَرجمتِهِ كتبِ الأعاجمِ مَا نصُه: «وَما وجِدَ مِن كتبهِم فَهو مَغنمٌ كُلهُ، وَينبغِي للإمامِ أنْ يدعوَ مَن يترجمهُ، فإنْ كانَ عِلمًا مِن طِبٍّ أو غَيرهِ لا مكروهَ فيهِ باعَهُ، كَما يبيعُ ما سِواهُ مِنَ المغانمِ، وإنْ كانَ كتابَ شِركٍ شَقوا الكِتابَ فانتفَعوا بأوعيتِهِ وأداتهِ، فباعهَا، ولا وجهَ لتحريقهِ، ولا دفنهِ قبلَ أن يعلَمَ مَا هوَ».
فهو كما ترى قَد عمَّ، ولَم يَخصَّ توراةً، ولا غيرَهَا، وَقيدَ ما يشقُ بكونهِ كتابَ شِركٍ، وأباحَ الانتفاعَ بمَا لا مكروهَ فيهِ، وَجعلَ مِعيارَ ذلِكَ النَظرَ، وزجرَ عَن إتلافِهِ قبلَ معرفتهِ، فَكلُّ ما صدّقَهُ كتابُنا، بَل ما لَم يكذبهُ لا مكروهَ فيهِ، وَكلُّ مَن نصَّ على التوراة والإنجيل، منَ الأصحابِ عَلَّلَ ذلِكَ بالتَبديلِ، فَيجعلُ ذلِكَ هوَ المَدار، وَادعاؤهُ في الكلِّ مكابرةٌ؛ فَيخصُّ بما بُدِّلَ مِنهَا بشهادةِ الذِكرِ الحَكيمِ.
وقالَ البغويُّ: «إنَّهُ يجوزُ للجنبِ قراءتهمَا» وَأوضحُ منهُ في جوازِ مطالعتهِما وَاحترامِهمَا نَقْلُ الشيخِ محيي الدِينِ النَوويِّ في " شرحِ المهذَبِ " (٣) عَن المتولي: «أنَّهُ إنْ ظنَّ أنَّ فيهمَا شيئًا غيرَ مبدلٍ، كُرِهَ مسُّهُ - أي: للمحدثِ - ولا يحرمُ» / ١١١ب / وأقرّهُ عليهِ، واللهُ الموفقُ.
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٦٤٤.
(٢) ٤/ ٢٦٣.
(٣) المجموع ٢/ ٨٧.
[ ١ / ٣٦١ ]
قولُهُ: (تَحسينًَا للظنِّ بهِ) (١)، أي: أنَّ الصحابيَّ الذِي لَم يُعرفْ أنَّهُ أخذَ عَن أهلِ الكِتابِ يُحسنُ الظنُّ بهِ، ويحملُ حالُهُ على أنَّهُ كَفَّ عَن السَماعِ مِنهُم، والروايةِ عَنهم؛ لتنفيرِ النبي - ﷺ - عَنهُم.
قولُهُ: (فَيقول عَهِدنَاهُم) (٢) يَعني: أنَّ ابنَ حزمٍ يقولُ في هَذهِ المسألةِ بالوقفِ، مشيًا معَ اللفظِ، فإذا رَأى القائلينَ بالرَفعِ تَركوا حَديثًا مِن هَذهِ يُلزمهُم بذلِكَ التناقُض، فَيقولُ: عَهِدناهُم يقولونَ: «لا يقالُ مثلُ هَذا مِن قبلِ الرَأي»، يعني: فلأي شيء لا يعمَلونَ بهَذا الحَديثِ.
قولُهُ: (ولإنكارهِ وَجهٌ) (٣) إذا قيلَ بالتفصيلِ المتقدِمِ، انتَفى أنْ يكونَ لإنكارهِ وَجهٌ.
قولُهُ: (فَلعلَ بعضَ ذلِكَ سَمِعهُ ذلِكَ الصَحابيُ) (٤) قَد علمت أَنَّ هَذا لا يجرِي إلا في حَقِّ مَن نُقلَ أنَّهُ أخذَ عَن أَهلِ الكِتابِ، وأمَّا مَن جُهلَ حَالهُ فَيحسن الظنُّ بهِ، كَما قالَ الإمامُ، ولا يحمَل ذلِكَ إلا على سَماعهِ لَه مِن النَّبي - ﷺ -، فإنْ كانَ منقولًا عَنهُ التنفيرُ عَن أهلِ الكِتابِ، والزجرِ عَن السَماعِ مِنهُم، فَهوَ أحرَى بأنْ يحكُمَ عَلى ما قالَهُ بالرَفعِ.
قولُهُ: (كَما سَيأتي) (٥)، أي: في روايةِ الأكابرِ عَن الأصاغِرِ (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٠.
(٦) من قوله: «قوله: (كما سيأتي») إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٣٦٢ ]
قولُهُ:
١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) (١) (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ
١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، (فَالخَطِيْبُ) رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ
الأحسنُ تحريكُ هَاءِ التأنيثِ، وَسكونُها قَبيحٌ؛ لأنَّهُ يَصيرُ في القَافيةِ سِنادُ الردفِ (٢) فَـ «هريرةُ» مردفٌ، و«البصرة» غَيرُ مردف.
قولُهُ: (عَجيب) (٣) هوَ عجيبٌ! لأنَّ ابنَ سيرينَ قَد صَرحَ - كَما فِي الشَرحِ - بأنَّ كلَّ ما يَرويهِ / ١١٢أ / عَن أبي هُريرةَ فَهو مرفوعٌ، فانتَفى التعجبُ مِن الحُكمِ على ما كررَ فيهِ «قالَ»، بل وَمِنَ الحُكمِ على ما لَم يكرر فيهِ، فَإنَّهُ لم يُقيد.
قالَ شيخُنا: «فَلو قالَ: «وَذا تجريب» كانَ أحسن؛ لأنَّ هَذا الاصطلاحَ لم يُعرفْ إلاّ لمحمدِ بنِ سيرينَ مِن أهلِ البَصرةِ».
وَقلتُ أَنا: لو قالَ وَ«ذا قَريبٍ» لكانَ (٤) أحسنَ؛ لأنَّ هذا أقربُ في كونهِ مرفوعًا مِمَّا تقدّمَ، ولا سِيَّما إذا انضمَّ إلى ذلِكَ كونُه لا مجالَ للرَأيِ فيهِ، وَوراءَ هَذا أنَّهُ لا تعجبَ منَ الشَيخِ؛ فَإنَّ تصريحَ ابنِ سيرينَ بما أرادَ لا يخرجُ ذلِكَ عنِ العجبِ، فإنَّهُ أمرٌ خارِجٌ عَن أشكالِه (٥)، ويَخفَى سببُهُ على مَن لَم يعرفِ
المرادَ، وهم الأكثرُ (٦)، والمثالانِ اللذانِ أوردَهمَا لا يحتاجُ فيهمَا إلى شَيء مِن هَذا، فإنَّ كلًا مِنهمَا قَد وردَ مسندًا.
_________________
(١) بكسر آخره للوزن.
(٢) السِّنَاد: هو اختلاف الردفين، وقيل: هو كل عيب يلحق القافية، أي عيب كان، وقيل غير ذلك. تاج العروس مادة (سند). أما الردف: فهو حرف ساكن من حروف المَد واللين، يقع قبل حرف الرَّوِيِّ، ليس بينهما شيء. تاج العروس مادة (ردف).
(٣) التبصرة والتذكرة (١١٩).
(٤) في (ب): «كانَ».
(٥) أي: أمثاله.
(٦) من قوله: «ووراء هذا» إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٣٦٣ ]
قولُهُ: (الحمال بسَندِه) (١) قالَ شَيخُنا: «ليسَ بينَ الحمالِ وبينَ حَمادِ بنِ زيدٍ غيرُ وَاحِدٍ فَلو أبرزهُ الشيخُ كانَ أولَى، معَ عدمِ الإخلالِ بالاختصارِ، لَكن كأنَّ (٢) الشيخَ (٣) كتَبهُ مِن حفظِهِ، فَلم يستحضِرِ الواسطَةَ».
المرسل (٤)
قولُهُ: (المُرسَلُ).
قلتُ: هوَ مِنَ الرسالةِ، وأصلُهَا الإطلاقُ إلى ما بينكَ وبينهُ بونٌ، فَلمَّا كانَ بينَ المرسِلِ والمرسَلِ إليهِ وَاسِطةٌ هِي المُرسَلُ عنه، كانَ كأنَّهُ قَد أرسَلَ الحَديثَ إليهِ بتِلكَ الأداةِ التي أضافَهُ بها إليهِ، فَأشبهَ البَعيدَ الذِي وَصلتَ ما بينَكَ وبينهُ برسولٍ بَلّغهُ عنكَ ما تُريدُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠١.
(٢) في (ف): «قال».
(٣) جاءَ في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٤) انظر في المرسل: معرفة علوم الحديث: ٢٥، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ١٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٢٦، وجامع الأصول ١/ ١١٥، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٦٧ - ١٧٩، والمجموع شرح المهذب ١/ ٦٠، والاقتراح: ٢٠٨، والتقريب: ٥٤ - ٥٧، ورسوم التحديث: ٦٨، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، والموقظة: ٣٨، وجامع التحصيل: ٢٣ وما بعدها، واختصار علوم الحديث ١/ ١٥٣ وبتحقيقي: ١١٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٣، والشذا الفياح ١/ ١٤٧، والمقنع ١/ ١٢٩، ومحاسن الاصطلاح: ٥٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٢، وتنقيح الأنظار: ١٢١، ونزهة النظر: ٦٢، والمختصر: ١٢٨، وفتح المغيث ١/ ١٢٨، وألفية السيوطي: ٢٥ - ٢٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٧٢، وفتح الباقي ١/ ١٩٤، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، وظفر الأماني: ٣٤٣، وشرح شرح نخبة الفكر: ٣٩٩، واليواقيت والدرر ١/ ٤٩٨، وقواعد التحديث: ١٣٣، ولمحات في أصول الحديث: ٢٢٥.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قولُهُ: (مرفوعُ تَابعٍ ) (١) إلى آخرهِ، دَخلَ في التعريفِ ما إذا سمعَ الكافِرُ مِن النَبي - ﷺ -، ثُمَّ لَم يُسلِم حَتى ماتَ رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ فإنَّهُ تَابعيٌ اتفاقًا، فَمقتضَى التَعريفِ أنْ يَكونَ حديثُهُ الذِي سَمعَه منهُ - ﷺ - مُرسلًا. وليسَ كَذلِكَ، بَل هوَ موصُولٌ، لا خِلافَ في الاحتجَاجِ بهِ / ١١٢ ب / وَذلِكَ كَالتنَّوخِيِّ رَسولِ هِرقلَ - وَفي روايةٍ قَيصَرَ- (٢) فَقد أَخرجَ حدِيثَهُ الإمامُ أحمَدُ (٣) وأبو يَعلَى (٤) في مُسندَيهِمَا، وسَاقاهُ مَساقَ الأحاديثِ المُسندةِ مِن حديثِ أحدِ ثِقاتِ التابعينَ: سعيدِ ابنِ أبي راشدٍ: أنَّهُ حدثهُ أنَّهُ قدِمَ على رسولِ اللهِ - ﷺ - في تبوكَ، وَكانتْ (٥) لهُ معهُ قِصةٌ طويلةٌ، مِنها: نَظرُه إلى خاتِم النبوةِ، وَمنهَا: أنَّهُ - ﷺ - قالَ لَهُ: «وكتبت إلى قَيصَر، فرفعَ كِتابي، فلا يزال النَّاسُ يذكرُ كلمتهُ ما كانَ في العيشِ خَير». وفي روايةِ أحمدَ: «وَكتبتُ إلى صاحبكَ بصحيفةٍ فأمسكهَا، فلا يزالُ النَّاسُ يجدونَ منهُ بأسًا ما دامَ في العيشِ خَيرٌ».
وَيخرجُ منهُ (٦): ما أضافهُ الصَحابيُ الذِي أُحضرَ إلى النَبي - ﷺ - غيرَ مميزٍ، كَعبيدِ اللهِ بنِ عَدي بنِ الخِيار، الذِي مثلَ بهِ كِبارَ التابعينَ؛ فَإنَّ أباهُ قُتِلَ يومَ بَدرٍ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٢٠).
(٢) جاءَ في حاشية (أ): «أي رسول قيصر».
(٣) مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٤١.
(٤) مسند أبي يعلى (١٥٩٧)، وأخرجه أيضًا: أبو عبيد في " الأموال " (٦٢٩)، وحميد بن زنجويه في " الأموال " (٩٦١)، والفسوي في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٢٩٨، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ٤/ ٧٤ و٧٥، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٢٦٦. وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٨/ ٢٣٤ - ٢٣٦ وقال: «رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى ثقات ورجال عبد الله بنِ أحمد كذلك».
(٥) جاءَ في حاشية (أ): «أي التنوخي».
(٦) جَاءَ في حاشية (أ): «أي المرسل».
[ ١ / ٣٦٥ ]
كَافِرًا على ما قالَ ابنُ ماكُولا (١).
وعدَّ ابنُ سعدٍ (٢) أباه في مسلِمَةِ الفَتحِ، وكمحمدِ بنِ أبي بكرٍ الصِدِّيقِ - ﵄- فإنَّهُ ولدَ عامَ حجةِ الوَداعِ.
فَعلى مُقتضَى التَعريفِ لا يكونُ مرسلًا، بل مَوصولًا؛ لأنَّهُ مِن إضافةِ صَحابي إلى النَبي - ﷺ -، وليسَ كذلِكَ، بل هوَ مُرسَلٌ، يجيء فيهِ مَا يجيءُ في المراسِيلِ، وَلا يُقالُ: إنَّهُ مقبولٌ كمراسِيلِ الصَحابةِ؛ لأنَّ روايةَ الصَحابةِ إمَّا أنْ تكونَ عَن النَبي - ﷺ -، أو عَن صَحابيٍّ آخرَ، وَالكلُّ مقبولٌ، واحتمالُ كونِ الصَحابيِ الذي أدركَ وَسَمعَ، يروي عَن التابعينَ بَعيدٌ جِدًا، على أنَّ ذلِكَ استُقرئ فَلم يَبلُغ / ١١٣ أ / عشرةَ أحاديثَ، بخلافِ مَراسيلِ هَؤلاءِ، فإنَّها عَنِ (٣) التابعينَ بكثرةِ، فَقوي احتمالُ أنْ يكونَ السَاقِطُ غيرَ صَحابيٍّ، وَجاءَ احتمالُ كونِهِ غيرَ ثقةٍ.
ولا يقالُ: إنَّ ما جزمَ بهِ يقبلُ قَطعًا؛ لأنَّهُ صحَّ عِندهُ؛ لأنَّ السَاقِطَ قَد يكونُ ثقةً عندهُ، ولا يكونُ ثقةً عِندنا، فَلو أبرزَهُ لأمكنَ أنْ نَطّلِعَ فيهِ على جرحٍ، فلو قالَ: «مرفوع تابعي، أو مَن في حكمهِ لَم يَسمعْهُ مِن النَّبي - ﷺ -» لَسَلِمَ، وسَيأتي حُكمُ مراسيلِ الحَسنِ البَصريِ في الكَلامِ على المَوضوعِ (٤).
قولُهُ: (أو سَقط راوٍ) (٥) عَطف على مَرفوعٍ بتقديرِ مضافٍ، أي: المرسَلِ
_________________
(١) الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٤٣.
(٢) نص على ذلِكَ شيخ المصنف ابن حجر في الإصابة ٢/ ٤٦٩ وزاد على ذلِكَ بأن العجلي جعله في الصحابة أيضًا. ولكن في " الطبقات الكبرى " لابن سعد ٢/ ١٨ ذكره فيمن قتل مِن المشركين يوم بدر فلعل هذا تقليد مِن المصنف لما ذهب إليه شيخه ابن حجر، والله أعلم.
(٣) في (ب): «مِن».
(٤) من قوله: «وسيأتي حكم مراسيل » إلى هنا لم يرد في (ب).
(٥) التبصرة والتذكرة (١٢١).
[ ١ / ٣٦٦ ]
مرفوع التَابعي، أو ذو سَقط راوٍ (١) مِن السَند (٢). وَجعلَ راويًا اسمَ جنسٍ، بدليلِ تفسيرِهِ إياهُ في الشرحِ بقولِهِ: «مَا سقطَ رَاوٍ مِن إسنادِهِ فأكثرُ».
قالَ شيخُنا: «وهَذا القولُ ظاهرُه مُشكِلٌ جدًَّا، فإنَّهُ يقتضِي أنَّهُ لو قالَ أحدٌ في هَذا الزَمانِ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كَذا يُقبلُ، ولو أسقطَ جَميعَ السَندِ عندَ مَن يقبلُ المرسلَ، وما أظنُّ أحدًا يَقولُ بِهذا، فيغلبُ على الظَنِّ أنَّهُ مقيدٌ بالقرونِ الثَلاثةِ، كَما رُويَ عَن أبي حَنيفةَ (٣) - ﵀ -».
قلتُ: لكنَّ قولَهُ: «مِن إسنادِه» يأبى ذلِكَ؛ فإنَّ «مِن» فيهِ للتَبعيضِ، فلا بدَّ مِن إبقاءِ شيء منَ السَندِ، واللهُ أعلمُ.
وَقول مَن قالَ: «المرسَلُ قولُ غيرِ الصَحابي: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -» (٤) محمولٌ (٥) على أنَّ المراد بالغيرِ التابعيُّ لِما تَقدّمَ.
قولُهُ: (فالمشهورُ أنَّهُ مارفعهُ) (٦)، أي: وَلو حُكمًَا.
قولُهُ: (مِن كبارِ التابعينَ) (٧) مثَّلَ بثلاثةِ أنفُسٍ، كُلٌ مِنهُم مِن طَبقةٍ، فعبيدُ اللهِ لَهُ رؤيةٌ فَهوَ صَحابيٌ مِن جهتِهَا، وَتابعيٌ مِن جهةِ الرِوايةِ، وقيسُ بنُ أبي حازمٍ البجَلي / ١١٣ ب / مُخضرمٌ، ما أسلمَ إلا بعدَ موتِ النَبي - ﷺ -، على أنَّ لأبيهِ صُحبةً، وَسعيدٌ (٨) تَابعيٌّ بكلِ اعتبارٍ. هَكذ حفظتُ هَذا عَن شَيخِنا: أنَّ ابنَ الخِيارِ لَهُ رؤيةٌ،
_________________
(١) في (ب): «راوية».
(٢) في (ف): «سنده».
(٣) انظر: جامع التحصيل: ٢٩.
(٤) قال الحافظ ابن حجر: «بهذا التعريف أطلق ابن الحاجب وقبله الآمدي والشيخ الموفق، وغيرهم». النكت لابن حجر ٢/ ٥٤٤ وبتحقيقي: ٣٢١.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن المسيب».
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقَد قالَ المصنِفُ في "النُكتِ": إنَّهُ اعترضَ (١) على ابنِ الصَلاحِ بأنَّ عُبيدَ اللهِ ذُكرَ في جملةِ الصَحابةِ، قالَ: «وهَذا الاعتراضُ ليسَ بِصَحيحٍ؛ لأنَّهُم إنَّما (٢) ذكروهُ جَريًَا على قَاعدتِهم في ذكرِ مَن عَاصَرَه؛ لأنَّ عُبيدَ اللهِ وُلِدَ في حَياتِهِ - ﷺ -، وَلم يُنقَل أنَّهُ رَأى النبيَّ - ﷺ -، كَما ذكَروا قيسَ بنَ أبي حَازمٍ (٣) وأمثالَهُ مِمن لَم يَرَ النَبيَّ - ﷺ -؛ لِكونِهم عَاصَروهُ، على القَولِ (٤) الضَعيفِ في حَدِّ الصَحابي، وإنما رَوَى عبيدُ اللهِ بنُ عَدي عنِ الصَحابةِ: عُمرَ، وعثمانَ، وعلي، في آخرينَ (٥)، ولم يسمَع مِن أبي بكرٍ، فَضلًا عَنِ النَبي - ﷺ -» (٦).
قولُهُ: (كالزهرِي وَأبي حَازمٍ) (٧) هوَ سَلمةُ بنُ دينارٍ، وَليسَ هوَ قَريبًا لقيسٍ.
قولُهُ: (بل هيَ مُنقطِعةٌ) (٨) كانَ ينَبغي «مُعضلةٌ»؛ فإنَّ المرسَلَ والمنقطِعَ، وإنِ اشتَركا في أنَّ (٩) السَاقِطَ مِن كلٍ منهمَا واحِدٌ، لكنَّهُ صَرحَ بالمغايرةِ بينَهما، فالمنقطِعُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ قبلَ الصَحابِي، والمرسَلُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ هوَ الصَحابيُ. والفَرضُ أَنَّ التَابعيَ أسقَطَ مَن بَينهُ وَبينَ النَبي - ﷺ -، والظاهِرُ أنَّ ذلِكَ
_________________
(١) من المعترضين ابن الملقن في "المقنع" ١/ ١٢٩.
(٢) لَم ترد في (ب)، وهي من (أ) و(ف)، وهي موجودة في التقييد.
(٣) وممن ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" ٣/ ٢٤٧، وصرح بأنَّهُ لَم ير النبي - ﷺ -، وابن حبان في "ثقاته" ٥/ ٣٠٧، وكذا ذكره الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" ٢/ ١٩ (١٩٧)، وقال : «لم ير النبي - ﷺ -».
(٤) في (ب): «الوجه»، وما أثبته من (أ) و(ف)، وهو الموافق للتقييد.
(٥) تهذيب الكمال ٥/ ٥٢ (٤٢٥٣).
(٦) التقييد والإيضاح: ٧١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٩) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٣٦٨ ]
تَابعيٌّ وَصَحابيٌّ؛ لأنَّ فرضَ المَسألةِ أنَّهُ تَابعيٌّ صَغيرٌ يكثرُ الروايةَ عَن التابعينَ؛ فصارَ السَاقِطُ اثنينِ مُتواليينِ، فَانطبقَ عليهِ تَعريفُ المعضَلِ.
قالَ ابنُ / ١١٤ أ / الصَلاحِ: «وهَذا المَذهبُ فَرعٌ لمذهبِ مَن لا يُسمي المنقطِعَ قبلَ الوصولِ إلى التابعي مُرسَلًا» (١). وأَمَّا مَن يسميهِ مُرسلًا، سَواءٌ كانَ انقطاعهُ بسُقوطِ اثنينِ مُتواليينِ فَأكثرَ (٢)، أم لا، فَهذا عِندهُ مرسَلٌ؛ لأنَّ المُرادَ بالتَابعي في قولهِ: «قبل الوصولِ إلى التابعي» مَن ليسَ بينهُ وبينَ النَبي - ﷺ - واسطةٌ في ذلِكَ الحَديثِ إلا الصَحابي. وأسانيدُ هَؤلاءِ الصِغارِ يحتملُ أنْ يكونَ سَقطَ فِيهَا قبلَ ذلِكَ التَابعِي واحدٌ فأكثرُ احتمالًا قويًا، فتكونُ منقطعةً كيفَ ما كانَ السَقطُ، على أنَّ الصَوابَ -كَما قالَ المصنِفُ في "النُكتِ" - أن يقولَ: «قبلَ الوصُولِ إلى الصَحابي، فإنَّهُ لو سَقطَ التَابعيُ أيضًا كانَ مُنقطعًا، لا مُرسَلًا عندَ هَؤلاءِ، ولكن هَكذا وَقعَ في عِبارةِ الحَاكمِ، فَتبعهُ عليهِ» (٣).
قولُهُ: (ولم يلقوا مِن الصَحابةِ إلا الواحِدَ والاثنينِ) (٤) ليسَ ذلِكَ قيدًا، بل وَلو لَقوا أكثرَ مِن ذلِكَ؛ فإنَّ العِبرةَ بكثرةِ الروايةِ عَنِ التابعينِ، لا بكثرةِ لِقاءِ الصَحابةِ،
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٨، وقد قالَ البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٣٥: «فيهِ نظر: فهذا المذهب أصل يتفرع عليهِ أنَّهُ لا يسمى المنقطع قبل الوصول إلى التابعي مرسلًا». وقال الحافظ ابن حجر في " نكته " ١/ ٥٦٠ جامعًا بين القولين: «يظهر لي أن ابن الصلاح لما رأى كثرة القائلين مِن المحدثين بأن المنقطع لا يسمى مرسلًا؛ لأن المرسل يختص عندهم بما ظن منهُ سقوط الصحابي فقط، جعل قول من قال منهم: إن رواية التابعي الصغير إنما تسمى منقطعة لا مرسلة مفرعًا عَنهُ؛ لأنه يظن أنَّهُ سقط منهُ الصحابي والتابعي أيضًا».
(٢) وهم الحنفية، وإمام الحرمين ومن تابعه، كما قال العلائي في " جامع التحصيل ": ٣٢.
(٣) التقييد والإيضاح: ٧١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٣٦٩ ]
والكَبيرُ مَن رأى أكابِرَ الصَحابةِ، والصَغيرُ مَن لَم ير إلاّ أصاغرَهُم، لا كَما يُفهمُهُ كَلامُهُ.
قولُهُ: (ابن عباد) (١) قالَ في "النُكتِ": «بكسرِ العَينِ، وتَخفيفِ الموحدَةِ، وقال: سَمعَ منهُم كُلهم، ثُمَّ استثَنى عبدَ اللهِ بنَ جَعفرَ، وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ» (٢) كَما ذُكِرَ (٣) في الشرحِ.
قولُهُ: (وعبدُ الرحمانِ بنُ أزهرَ) (٤) قالَ في "النُكتِ": «وَقالَ ابنُ حزمٍ: إنَّهُ لَم يسمَع أيضًا مِن عبدِ الرَحمانِ بنِ أزهرَ، ثُمَّ حكَى عَن أحمدَ بنِ صَالِحٍ المصرِي أنَّهُ قالَ: لَم يسمَع منهُ فيمَا أَرى، ولَم يدركهُ. قلتُ (٥): وكذا قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: ما أراهُ سمعَ منهُ / ١١٤ب / قالَ: وَمعمرُ وأسامةُ يقولانِ عَنهُ: إنَّهُ سَمعَ منهُ، وَلم يصنعَا عِندي شَيئًا (٦)، ثُمَّ قالَ: وسمعَ مِن جماعةٍ آخرينَ (٧) مختلفٌ في صحبتِهم، فَعدَّ مِنهُم: أبا أمامةَ بنَ سهلِ بنِ حنيفٍ، وقالَ: فهؤلاءِ سَبعةَ عشرَ ما بينَ صحابيٍ، ومختَلفٍ في صحبتهِ» (٨) كَذا قالَ! غيرَ أنَّ الذينَ ذكر في "الشَرحِ"، و"النُكتِ" إنما هم سِتةَ عَشرَ، ثُمَّ قالَ: «وَقد تنبهَ المصنِفُ لِهذا الاعتراضِ، فأملى حاشيةً على هَذا المكَانِ مِن كتابهِ، فَقالَ: قولُهُ: «الواحدُ والاثنينِ» كالمثالِ، وإلاّ فَالزهريُّ قَد
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٧٢.
(٣) في (أ): «ذكرهُ»، وأما في (ب) فكانت «ذكره»، ثمَّ حذف الهاء، وضمَّ الذال، وكسر الكاف.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٤.
(٥) القائل الحافظ العراقي، وما زال الكلام لَهُ.
(٦) انظر: المراسيل: ١٩٠ - ١٩١.
(٧) في (ب): «أخرى».
(٨) التقييد والإيضاح: ٧٢، وفي آخر النقل تصرف.
[ ١ / ٣٧٠ ]
قيلَ: إنَّهُ رأى عَشرة منَ الصَحابةِ، وسَمعَ مِنهُم: أنسًا، وسهلَ ابنَ سعدٍ، والسائبَ بنَ يزيدَ، ومحمودَ بنَ الربيعِ، وسُنينًا أبا جميلةَ، وغيرَهم، وَهوَ مع ذلِكَ أكثرُ روايتِهِ عَن التابعينَ، واللهُ أعلمُ» (١).
قولُهُ: (فَقد لَقيَ مِن الصَحابةِ) (٢) اعتراضٌ غير متمكنٍ؛ لأنَّ لقاءهُ لَهم لَم يرفعْهُ عَن رتبةِ مَن لقيَ الواحِدَ والاثنينِ فقَط بالنسبةِ إلى الروايةِ كَما تقدّمَ، على أنَّ بعضَهم رآهم رؤيةً مجردةً مِن غيرِ سماعٍ، فَقد اختلفَ في سماعهِ مِن عبدِ الله بنِ عمرَ كَما قالَ الشيخُ، بل واختلفَ في لقائهِ لَهُ، وسماعه مِن ابنِ جعفرَ بَعيدٌ، واختلفَ في سماعهِ مِن عبدِ الرحمانِ بنِ أزهرَ، وبعضُهم لَم يسمعْ مِن النبي - ﷺ - شَيئًا، أو إنما سَمعَ حَرفًا أو حرفينِ، فَسهلُ بنُ سَعدٍ هوَ السَاعديُّ، أدركَ مِن حياةِ النبيّ - ﷺ - خَمسَ عشرةَ سنةً. (٣)
وربيعةُ بنُ عباد / ١١٥ أ / - بكسرِ المهملةِ، وتخفيفِ الموحدةِ - الديلي رأى النبي - ﷺ - في سوقِ عكاظٍ في العرضِ على القبائلِ. (٤)
وعبدُ اللهِ بنُ جعفرَ بن أبي طالبٍ ابن ابنِ عمِّ النبيِّ - ﷺ - ولدَ بالحبشةِ في الهجرةِ إليهَا، وأدركَ مِن حياة النَبيِّ - ﷺ - عشرَ سنينَ (٥).
والسائبُ بنُ يزيدَ هوَ الكِنديُّ، وقيلَ: أزديُّ، وقيل: غيرُ ذلِكَ، يعرف بابنِ أختِ النمر (٦)، رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «حُجَّ بي معَ النبي - ﷺ -، وأنا
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٧٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣.
(٣) انظر: الإصابة ٢/ ٤٠٧.
(٤) انظر: الإصابة ٢/ ١٦٢.
(٥) انظر: الإصابة ٣/ ١٧٠.
(٦) انظر: الإصابة ٢/ ٢٩٤.
[ ١ / ٣٧١ ]
ابنُ ستِ سنينَ (١») (٢).
وسنينُ - بمهملةٍ ونونينِ مُصغرٌ - أبو جَميلة (٣) -بفتحِ الجيمِ- ابنُ فرقد السلمي، ويقالُ: الضَمري (٤). وعبدُ الله بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ السلميِ العنْزي -بسكونِ النونِ -حليفُ بني عَدي، كانَ عندَ وفاةِ النبي - ﷺ - ابنُ خمسٍ، أو أربعِ سنينَ (٥).
وأبو الطُفيلِ هوَ عامِرُ، وقيلَ: عمرُو بنُ واثلةَ -بالمثلثةِ- الليثي، وُلِدَ عامَ أحدٍ، فأدركَ نَحوَ ثماني سنينَ. (٦)
ومحمودُ بنُ الربيعِ الخزرجي (٧) عَقِلَ منَ النبي - ﷺ - مجةً (٨) مجَّها مِن بئرٍ
_________________
(١) هكذا في جميع النسخ، وكذا جاء في الإصابة، فقد تبع البقاعي ابن حجر في ذلك، ولعل الصواب: «سبع سنين» كما جاء في مصادر التخريج، والله أعلم.
(٢) ورد الحديث بعدّة ألفاظ، كما جاء في مصادر التخريج، فقد ورد بلفظ: «حج بي أبي»، وبلفظ: «حُجَّ بي»، وبلفظ: «حجَّ يزيد»، وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " عقب الحديث (١٨٥٨): «وقال ابن سعد، عن الواقدي، عن حاتم «حججت بي أمي» وللفاكهي من وجه آخر، عن محمد بن يوسف، عن السائب «حج بي أبي» ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه». أخرجه: أحمد ٣/ ٤٤٩، والبخاري ٣/ ٢٤ (١٨٥٨)، والفاكهي في " أخبار مكة " (٨١٥)، والترمذي (٩٢٦) و(٢١٦١)، والطبراني في " الكبير " (٦٦٧٨)، والحاكم ٣/ ٦٣٧.
(٣) في جميع النسخ: «أبو جميل»، والتصويب ممّا سبق، والإصابة.
(٤) انظر: الإصابة ٢/ ٤٠٣.
(٥) انظر: الإصابة ٣/ ٢٢٨.
(٦) انظر: الإصابة ٣/ ١٣٠.
(٧) انظر: الإصابة ٥/ ٩٤.
(٨) قال الحافظ ابن حجر في الفتح عقب الحديث (٧٧): «مجة: بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا يسمى مجًا إلاّ إن كان على بعد. وفعله النبي - ﷺ - مع محمود إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة».
[ ١ / ٣٧٢ ]
كانت في دارِهِم (١).
والمسورُ بنُ مخرمةَ الزُهري أدركَ نَحوَ ثماني سنينَ. (٢)
وعبدُ الرحمانِ بنُ أزهرَ الزُهري، رُوِيَ أنَّهُ كانَ في فتحِ مكةَ محتلمًا، ولهُ حديثٌ واحدٌ (٣). هَذا ما في الزُهري.
ويعترضُ على العبارةِ أيضًا بأبي حَازمٍ، فَقد قيلَ: إنَّهُ لَقيَ جماعةً منَ الصحابةِ، مِنهم: أبو هريرةَ، وابن عمرَ (٤)، وابنُ الزبيرِ، والحسينُ بنُ علي - ﵃ -.
قولُهُ: (فعلى هَذا المرسَلُ والمنقطعُ واحدٌ) (٥)، أي: والمعضلُ.
قولُهُ: (وبهِ قطعَ الخطيبُ) (٦) قالَ النوويُّ / ١١٥ ب / - على ما نُقلَ عَنهُ -: «وَجماعةٌ مِن المحدثينَ».
قولُهُ: (وَعلى هَذا فيكونُ قَولًا رابعًا) (٧) ليسَ كذلِكَ، بلِ التحقيقُ أنَّهُ مقيدٌ للقولِ الثالثِ، كأنَّهُ لما قالوا: «ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ فأكثرُ» قالَ: بشرطِ أنْ لا يكونَ تَدليسًا بأنْ لا يكونَ للراوي سَماعٌ مِمَّن فوقَه (٨)، فيحملُ ذلِكَ الإطلاقُ على كلامهِ،
_________________
(١) أخرجه: البخاري ١/ ٢٩ (٧٧) و١/ ٥٩ (١٨٩) و٨/ ٩٥ (٦٣٥٤)، وابن ماجه
(٢) و(٧٥٤)، والنسائي في "الكبرى" (٥٨٦٥) و(١٠٩٤٧) وفي "عمل اليوم والليلة"، له (١١٠٨)، وابن خزيمة (١٧٠٩).
(٣) انظر: الإصابة ٥/ ١٤٢.
(٤) انظر: الإصابة ٣/ ٣٢٠.
(٥) في (ف): «وابن عمرو».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ ٢٠٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٥.
(٩) عبارة: «بأن لا يكون للراوي سماع ممن فوقه» لم ترد في (ب).
[ ١ / ٣٧٣ ]
وإنَّما القولُ الرابعُ الذِي لا بدَّ منهُ: قولُ مَن يسوي بينَ المرسلِ والمنقطعِ، فَيقولُ: المرسلُ ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ واحدٌ، وهَذا موجودٌ في استعمالِ أهل الحديثِ، فَقد رَوَى البخاريُّ خَبرًا عَن إبراهيمَ النخعي، والضَحاكِ المشْرَقي، عَن أبي سَعيدٍ، ثُمَّ قالَ: إبراهيمُ، عَن أبي سعيدِ مرسلٌ (١).
وعبارةُ ابنِ الحَاجِب في " مختصرهِ " (٢): «المرسلُ قولُ غيرِ الصَحابي: قالَ - ﷺ -» (٣). قالَ بعضُ أصحابِنا: كَما حكاهُ ابنُ كثيرٍ شاهدًا لتناولهِ غيرَ التَابعي (٤)، فَعلى هَذا يُعدُّ قولًا آخرَ، فَتأملْ.
قولُهُ:
١٢٢ - وَاحتَجَّ (مَالِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا
١٢٣ - وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ
١٢٤ - وَصَاحِبُ التَّمهيدِ عَنهُمْ نَقَلَهْ وَ(مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ
مَضمونُ هذهِ الأبياتِ ليسَ مِن مباحثِ هَذا الفنِّ، ولذلكَ لَم يستقصِ تفاريعهُ.
والحنفيةُ لا يقبلونَ المرسلَ إلاّ إذا كانَ مرسِلُه مِن أهلِ القُرونِ الثلاثةِ الفاضلةِ، فإنْ كانَ مِن غيرها لَم يقبلوهُ؛ لقولهِ - ﷺ - في حديثِ عمرَ - ﵁ -: «ثُمَّ يفشُو الكذِبُ» أخرجهُ النسائي (٥) بسندٍ صحيحٍ، وَهوَ في
_________________
(١) انظر: جامع التحصيل: ٣١.
(٢) ١/ ٧٦١.
(٣) قال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ٥٨: «فائدة: قول ابن الحاجب وغيره من الأصوليين: المرسل: قول غير الصحابي، قال رسول الله - ﷺ -. لا يعم صورة سقوط الرجل قبل التابعي، ولا سقوطه مع التابعي إذا ذكر الصحابي، فيظهر بذاك توقف في نسبة ذلك إلى المعروف في أصول الفقه».
(٤) انظر: اختصار علوم الحديث ١/ ١٥٤ وبتحقيقي: ١١٥.
(٥) السنن الكبرى (٩٢٢٥). وأخرجه أيضًا: أحمد ١/ ١٨، والترمذي (٢١٦٥).
[ ١ / ٣٧٤ ]
"الصحيحينِ" (١) وغيرهِمَا (٢) عَن عمران بنِ حصينٍ وأبي هريرةَ بلفظِ: «خيرُ أمتي قَرني، ثُمَّ الذينَ يلونَهم، ثُمَّ الذين يلونهم، ثُمَّ الذينَ يلونَهم»، وفي روايةٍ: «فلا أدري أذكرَ بعدَ قرنهِ قَرنينِ (٣)، أو ثلاثًا، ثُمَّ ذكرَ قومًا يَشهدونَ / ١١٦ أ / ولا يُستشهَدونَ، ويخونونَ ولا يُؤتمنونَ، وينذرونَ ولا يفونَ» وَهوَ بمعنى: يفشُو الكذبُ، واللهُ أعلم.
وَقالَ أبو الوليد (٤) الباجيُّ منَ المالكيةِ، وأبو بكرٍ الرازيُّ منَ الحنفيةِ: لا يقبلُ المرسلُ إلا مِمن عُرِفَ أنَّهُ لا يرسلُ إلاَّ عَن ثقةٍ إجماعًا (٥). ومَذهبُ أحمدَ - ﵁ - (٦) في رواية عنه: قَبول المرسلِ ما لَم يُعارضْ مُسندًا، وَهذا مِن فروعِ عَملهِ
_________________
(١) اللفظ لعمران، وحديثه في صحيح البخاري ٣/ ٢٢٤ (٢٦٥١) و٥/ ٢ (٣٦٥٠) و٨/ ١١٣ (٦٤٢٨) و٨/ ١٧٦ (٦٦٩٥)، وصحيح مسلم ٧/ ١٨٥ (٢٥٣٥) (٢١٤) و٧/ ١٨٦ (٢٥٣٥) (٢١٤). أمَّا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ٧/ ١٨٥ (٢٥٣٤) (٢١٣) ولم أقف عليه في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث عمران أخرجه: أحمد ٤/ ٤٢٧ و٤٣٦، والنسائي ٧/ ١٧ وفي "الكبرى"، له (٤٧٥١) من طريق شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب، عن عمران، فذكره. وحديث أبي هريرة أخرجه: الطيالسي (٢٥٥٠)، وأحمد ٢/ ٢٢٨ و٤١٠ و٤٧٩، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٥).
(٣) في (ب): «مرتين».
(٤) في جميع النسخ الخطية: «أبو بكر» وهو تحريف، والصواب ما أثبته، فهو: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي الأندلسي القرطبي الباجي الذهبي، صاحب التصانيف، توفي سنة (٤٧٤) هـ. انظر: الإكمال ١/ ٤٦٨، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٣٥، وشذرات الذهب ٣/ ٣٤٤.
(٥) انظر: جامع التحصيل: ٤٢، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٥٢ وبتحقيقي: ٣٢٩.
(٦) في (ب) و(ف): «﵀».
[ ١ / ٣٧٥ ]
بالضعيفِ الذِي لَم يجِد في البابِ غَيرَه، فلا أدرِي لِمَ لَمْ يُنَبِّه (١) على مذهبهِ (٢) فيهِ؟! لكنْ وردَ عنهُ روايةٌ بالرّدِ، والأولُ أشهرُ، نقلَ ذلكَ عَنه جماعةٌ مِن الشافعيةِ (٣).
وعن شيخنِا البرهانِ أَنهُ نقلهُ عنهُ مِنَ الحنابلةِ الشيخُ شمسُ الدينِ ابنُ قيمِ الجوزيةِ. (٤) قالَ: وألفَ فيهِ ابنُ عبدِ الهادي (٥)، قالَ شيخنا البرهان: ونظمتهُ في بيتٍ، فقلتُ:
قُلتُ عَزَى لأحمدَ بنَ حنبلٍ شَيعتُه احتجاجَه بالمرسلِ
انتهى.
والشافعيُ يقبلُهُ بالشروطِ السبعةِ المذكورةِ عَنهُ (٦)، فلا يعلمُ أحدٌ ردَّ المرسَلَ مطلقًا، بل ذكر عَن بعضِهم أنَّهُ قَواهُ على المسندِ، وقال: مَن أسندَ لكَ فَقد أحالكَ، ومن أرسلَ فَقد تكفَّلَ لكَ (٧).
نَعم، شَذَّ أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكرٍ البَاقلاني فردّا كلَّ مرسلٍ، حتى مراسيلَ الصحابةِ (٨).
_________________
(١) جَاءَ في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٢) جَاءَ في حاشية (أ): «أي: أحمد».
(٣) انظر: شرح جمع الجوامع للجلال المحلي ٢/ ٢٠٢.
(٤) إعلام الموقعين ١/ ٣١.
(٥) هو الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المقدسي الحنبلي، تفقه بابن مسلم، وتردد إلى ابن تيمية، ومهر في الفقه والأصول والعربية، توفي سنة (٧٤٤ هـ). انظر: طبقات الحفاظ (١١٤٧)، وشذرات الذهب ٦/ ١٤١.
(٦) انظر: الرسالة: ٤٦٢.
(٧) انظر: التمهيد ١/ ٣، وجامع التحصيل: ٣٤، وهو مذهب فاسد.
(٨) انظر: جامع التحصيل: ٣٦، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧ وبتحقيقي: ٣٢٣، ولمحات في أصول الحديث: ٢٣٢.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قولُهُ: (إلى أنَّ المرسلَ ضعيفٌ) (١) يعني: مطلقَ المرسلِ، وإلا فَقد يكونُ حسنًا، وذلكَ إذا تقوّى وَاعتضدَ.
وعبارةُ ابنِ الصَلاحِ: «ومَا ذكرناهُ مِن سقوطِ الاحتجاجِ / ١١٦ ب / بالمرسلِ والحكمِ بضعفهِ، هُوَ المذهبُ الذِي استقرَّ عليهِ آراءُ جماهيرِ حُفّاظِ الحَديث، وَنقّادِ الأثرِ (٢)، وتَداولوه في تصانيفهِم» (٣).
وَلما ذكرَ ما نقلَ عَن مُسلمٍ (٤)، سُئِلَ شَيخُنا عنِ الذِي بحثَ مسلمٌ معهُ مَن هوَ؟ فقالَ: عليُ بنُ المَدِيني (٥)، وَإنَّما اتجهتْ نِسبةُ ردِّ المرسلِ إلى مُسلمٍ؛ لأنَّ خَصمهُ نقلَ اتفاقَ المحدّثينَ على ردِّهِ، ثُمَّ نقض (٦) جميعَ كلامهِ، غيرَ هَذا الموضعِ منهُ، فَلولا أنَّ ذلِكَ شَائعٌ عِندهُم لَردهُ عليهِ بأنَّ هَذا لا يعرفُ، أو قَد قالَ فلانٌ بخلافهِ، أو نَحوَ ذلِكَ.
قلتُ: قَولهُ: (وقالَ مسلمٌ) (٧) قول مسلمٍ إنما هوَ في ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ، سواءٌ كانَ بعدَ التابعي، أو قَبلَه، فيعمُّ المرسَلَ والمنقطعَ.
قولُهُ: (خَصمه الذِي ردَّ عليهِ) (٨) الضَميرُ المستترُ لمسلمٍ، والمجرورُ لـ «الذي»، أي: هَذا الكلامُ ذكرهُ مسلمٌ عَن خصمهِ الذِي ردَّ مسلمٌ عليهِ اشتراطَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٦.
(٢) اعترض بعض العلماء. منهم: العلامة مغلطاي على هذه الدعوى، وادّعى أن الجمهور على خلافه، وقد نقل اعتراضه، وأجاب عنه الزركشي في نكته ١/ ٤٩١، وابن حجر ٢/ ٥٦٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٠.
(٤) الجامع الصحيح ١/ ٢٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٦.
(٥) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٩٥ وبتحقيقي: ٣٦٦.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي مسلم».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٦.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثبوتِ اللقي في الإسنادِ المعنعنِ؛ وذلكَ لأنَّهُ (١) حُكِيَ عَن بعضِ الناسِ: أنَّهُ لا تقبلُ الأخبار المعنعنة عَن الثقاتِ، إلا إذا نقلَ أنَّ الراويَ لَقي مَن رَوَى عَنهُ بالعنعنةِ ونحوِها ولو مرةً منَ الدهرِ، وَلو لَم ينقَل أنَّهُ سمعَ منهُ، وأمَّا إذا لَم يُنقلْ لُقيّهُ لَهُ فإنَّهُ يوقَف خَبرُه، ولو كانَ العلمُ حَاصلًا بإمكانِ لقائهِ لَهُ؛ لإدراكهِ حَياته (٢).
والضَميرُ في قولهِ: «قلتهُ» للاشتراطِ، أي: فإنْ قالَ هَذا الخَصمُ، قلتُ: اشتراطُ ثبوت اللقاءِ.
ولفظُ مسلمٍ (٣): «وَقد تَكلّمَ بعضُ منتحلي الحَديثِ مِن أهلِ عصرِنَا بقولٍ، لو ضربنَا / ١١٧ أ / عَن حكايتهِ صَفحًا، لكانَ رأيًا (٤) مَتينًا - إلى أنْ قالَ: - زعمَ أنَّ كلَ إسنادٍ لحديثِ فيهِ فلانٌ عَن فلانٍ، وقد أحاطَ العلمُ بأنَّهما قَد كانا في عَصرٍ واحدٍ، وجائز أنْ يكونَ الحديثُ الذِي رَوَى الراوي عَمَّن رَوَى عَنهُ قَد سمِعَهُ منهُ، وشَافههُ بهِ، غيرَ أنَّهُ لا يعلمُ لَهُ منهُ سَماعًا، وَلم نَجد في شيءٍ منَ الروايات أنَّهما التقيا قطُّ، أو تَشافها بحديثٍ، أنَّ الحجةَ لا تقومُ عِندهُ بكلِ خبرٍ جاءَ هَذا المجيء حَتى يكونَ عندهُ العلمُ بأنَّهما قدِ اجتَمعا مِن دهرهما مرةً فَصاعدًا، وتشافهَا بالحديثِ بينَهما، أو يردَ خبرٌ فيهِ بيانُ اجتماعِهمَا، أو تلاقِيهمَا مرةً من دهرهما، فَما فوقَها». انتهى. وَفي أولهِ اختصارٌ.
قولُهُ:
١٢٥ - لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
_________________
(١) في (ب) و(ف): «أنه».
(٢) انظر: جامع التحصيل: ١١٨ وما بعدها.
(٣) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٢٢ وما بعدها (طبعة إستانبول)، و١/ ٢٨ وما بعدها (طبعة محمد فؤاد)، وفي النقل اختصار شديد.
(٤) في (ب): «راويًا» خطأ.
[ ١ / ٣٧٨ ]
١٢٦ - مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
١٢٧ - و(الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيَّدَا وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا
١٢٨ - وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظِ
حُكِيَ عَن شَيخِنا البرهَانِ الحلَبي أنَّهُ قالَ: بقيَ على شيخِنا في كلامِ الشافعي الذِي ساقهُ في جوازِ العَملِ بالمرسلِ شرطانِ آخرانِ، وَقد نظمتُهما فقلتُ:
أو كانَ قول واحد مِن صَحْبِ خير الأنامِ عَجَمٍ وَعُرْبِ
أو كانَ فتوى جُل أهلِ العلمِ وشيخُنا أهملَهُ في النظمِ (١)
أي: أهملَ المذكورَ، وَهوَ الشَرطانِ المذكورَانِ.
قولُهُ: (المرسِل الأولُ) (٢) هوَ بكسرِ السينِ، يوضحُهُ قولُ الشافِعي «مَن أخذ العلمَ عَن غيرِ رجالِ التَابعي الأولِ» (٣).
قولُهُ: (هوَ مجزومٌ ) (٤) إلى آخرهِ، الشاهِدُ في قولهِ: «تصبك» وَهوَ فعلُ الشَرطِ، فإنَّ جزمهُ بـ «إذا» يدلُ على جزمِهَا للجزاءِ؛ لأنَّهُ ليسَ لنا أداةٌ تجزمُ الشَرطَ فَقط، بل متى صَحَّ / ١١٧ ب / جَزمها لَهُ جُزِمَ الجَزاءُ، وبالعكسِ، ولو جعلَ الشيخُ «متى» موضِعَ «إذا» لكانَ جَاريًا على الكثيرِ (٥) الفَاشي، وَلم يَحتجْ إلى أنْ يخرجَهُ على مذهبِ الكُوفيينَ، أو كانَ يبقِي «إذا» ويسقطُ «الهاءَ» ويقولُ: «يقبلُ» مَرفوعًا.
_________________
(١) وردت هذه الأبيات في " فتح المغيث " ١/ ١٦٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٣) الرسالة (١٢٦٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٥) في (ب): «الكبير».
[ ١ / ٣٧٩ ]
قولُهُ: (الخصاصَةُ) (١) هي الفَقرُ، وكَذا الخَصاصُ.
قولُهُ: (فَتجَمل) (٢) بالجيمِ، أي: فأظهِرِ الجميلَ، ولا تشكُ حالَكَ إلى غَيرِ الذِي خلقكَ.
وَقولهُ: (إلى آخرِ البيوتِ الأربعةِ) (٣) يَعني: مِن أولِ هَذهِ المقولةِ، وقد أصلحهُ الشيخُ بأنْ قالَ: «الأبيات». قالهُ شَيخُنا البرهَان.
قولُهُ: (في نوعِ الحَسنِ) (٤) تَتمَةُ كلامِ ابنِ الصَلاحِ هُنا: «ولهَذا احتجَّ الشّافِعيُّ بمرسلاتِ سَعيدِ بنِ المسيبِ؛ فَإنها وُجدَت مسانيدَ مِن وجوهٍ أُخرَ، ولا يختص ذلِكَ عِندهُ بإرسالِ ابنِ المسيبِ كَما سَبقَ، وَمن أنكر هَذا زاعمًا أنَّ الاعتمادَ حينئذٍ يَقعُ على المسنَدِ دونَ المرسلِ، فَيقع لغوًَا لا حَاجَةَ إليهِ؛ فَجوابُه: بالمسندِ يتبينُ صِحة الإسنادِ الذِي فيهِ الإرسالُ، حَتى يحكمَ لَهُ معَ إرسالهِ بأنَّهُ إسنادٌ صحيحٌ، تقومُ بهِ الحُجةُ على ما مَهدْنا سبيلهُ في النَوعِ الثَاني، وإنَّما ينكرُ هَذا مَن لا مذاقَ لَهُ في هَذا الشأنِ» (٥). انتهى.
وسَيأتي لَهُ مزيدُ بيانٍ في حَاشيةِ قولهِ: «فإنْ يقل فالمسندُ المعتمدُ» معَ ما سبقَ في نوعِ الحَسنِ.
قولُهُ: (إنَّه حَكَى هناكَ) (٦)، أي: ابنُ الصَلاحِ ذكرَ كَلامَ الشَافعيِّ في نَوعِ الحَسنِ، والنَاظِم أسقطهُ، وَنبهَ عليهِ بقولِهِ: «كَما يجيءُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قولُهُ: (ووجهُ الاعتراضِ عليهِ) (١) لا يقالُ: الجَوابُ عَنهُ أنَّهُ أرشدَ إلى / ١١٨ أ / بقيةِ كَلامِ الشَافِعي، ليعلمَ بقيةَ الشُروطِ؛ لأنا نقولُ: العَادةُ في مثلِ هَذا أنْ يكونَ الكَلامُ المطويُ لا حاجةَ إليهِ في المسألةِ المَذكورةِ.
قَولُه: (كبارُ التابعينَ) (٢) الظاهرُ أنَّ المعيارَ إنَّما هوَ كَونُ جل رواية التَابِعي عَن الصحابةِ، ولو كانَ صَغيرًا، وَأمَّا إذا كانَ جُلُّ روايتهِ عَن التابعينَ؛ فإنَّه لا يقبلُ مرسلُه ولو كانَ كبيرًا (٣)، وإلى ذلِكَ يرشد كَلامُ الشّافِعي الآتي في قولهِ: «والآخر: كثرةُ الإحالةِ » إلى آخرِه.
قولُهُ: (معَ وجودِ الشَرطينِ) (٤)، أي: فَهذهِ الثلاثةُ شُروطٍ معتبرةٌ، معَ كلِ قرينةٍ منَ السبعِ، التي قَوَّى بهَا الشّافِعي المرسَلَ (٥).
قولُهُ: (بإسنادَيهما إليهِ) (٦) عجيبٌ! أمَّا أولًا: فإنَّ كلًا منَ الطَريقينِ ينتهي إلى الأصمِّ (٧)، فالإسنادَان ينتهيانِ حينئذٍ إلى الأصمِّ، ومِن ثَمَّ إلى الشّافِعي طريقٌ واحدَةٌ وهيَ: الربيعُ عنِ الشّافِعيّ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩.
(٣) في (ب): «كثيرًا».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩.
(٥) انظر الرسالة فقرة (١٢٦٣) وما بعدها.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩.
(٧) هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان النيسابوري الأصم، ولَد المحدّث الحافظ أبي الفضل الورّاق، كان حسن الأخلاق كريمًا ينسخ بالأجرة، ورحل إليه خلق كثير، قال الحاكم: «ما رأيت الرحالة في بلد أكثر منهم إليه، توفي سنة (٣٤٦) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٥٢، وشذرات الذهب ٢/ ٣٧٣.
[ ١ / ٣٨١ ]
وأمَّا ثانيًا: فإنَّ بينَ كلٍ منَ الخَطيبِ والبَيهقِي، وَبينَ الأصمِّ واحدًا فقط، (١) فلو أبرزهُ لم يخل بالاختصارِ، أو كانَ يقولُ: عَن شَيخِهما بدلَ بإسنادَيهما (٢).
وقول الشّافِعي: «على صحةِ مَا قبل (٣) عَنهُ» (٤) لفظُه «قبل» في مثلِ هَذا الموضعِ مراد بهَا: أخذَ، وحمَلَ، وَرَوى.
قولُهُ: (فلا أعلمُ واحِدًا) (٥)، أي: منهُم (يُقبَل) بالضمَ على البناءِ للمجهولِ (مرسلُهُ) مرفوعٌ لنيابتِهِ عَنِ الفَاعلِ.
قولُهُ: (أحببنا أن نقبلَ مرسلَهُ) (٦) قالَ الشّافِعي بعدَ هَذا: «ثُمَّ لا تنتهض (٧) الحجَةُ بهِ انتهاضَها (٨) بالحديثِ المسنَدِ» وكانَ ينبغِي للشيخِ أنْ لا يحذفَ ذلِكَ.
قولُهُ: (لَم يسمِّ إلا ثقةً) (٩) لا يُقال: كانَ ينبغي الاكتفاءُ بهَذا الشَرطِ، / ١١٨ب / ولا يُحتاجُ إلى تقييدِ كَونهِ مِن كبارِ التابعينَ، لأنَّا نَقولُ: إذا كانَ مِن صغارِهم، أو كثرت روايتهُ عنِ التابعين (١٠)، وإنْ كانَ كبيرًا، غلب على الظنِّ أنَّ (١١)
_________________
(١) انظر: كلام الشافعي في الكفاية: ٤٠٥.
(٢) في (ب): «بإسنادهما».
(٣) الذي في الرسالة فقرة (١٢٦٥): «من قبل».
(٤) الرسالة فقرة (١٢٦٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٠.
(٧) في (ف): «تنتقض».
(٨) في (ف): «انتقاضها».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١١.
(١٠) في (ف): «التابعي».
(١١) «أنَّ» من (ف) فقط.
[ ١ / ٣٨٢ ]
بينهُ وبينَ الصحابةِ اثنينِ، فإذا سَلِم لَنا كونُ شَيخِه ثقةً، لَم ندرِ مَا حالُ شَيخِ شَيخهِ.
قالَ شَيخُنا: «لكن معَ وجودِ الشَرطينِ، وهما: كونهُ إذا سَمَّى لا يسمِي إلا ثِقةً، وكونهُ مِن كبارِ التابعينَ، ينبغي أنْ لا يحتَاج إلى عاضِدٍ».
قولُهُ: (فليحمل النظم ) (١) إلى آخرِه، الظَاهِرُ أنَّ المحمَلَ الأولَ أظهرُ وأرجحُ؛ لأنَّ الكلامَ في المرسلِ، وَهوَ إنَّما رد للجهلِ بهذا (٢) المحذوف، فإذا عُلم أنَّهُ لا يحذفُ إلاَّ ثقةً تقوّى بذلِكَ، ولا يَضرُّ كونُهُ يروي المسنداتِ عَن الضعفاءِ؛ لأنَّه بإبرازِ رجالِ المسندِ تَخلّصَ منَ العُهدةِ. وتقديرُ البيتِ في قولهِ: «وافقهم إلا بنقصِ لَفظ» وافقهم (٣)، فإنْ خالفَهم رُدَّ مُرسلُه، إلا إذا كَانت مخالفتُه بالنقصِ، وَهلِ المرادُ بالمخالفةِ المنافاةُ، أو مَا هوَ أعمُّ حتى يَدخلَ ما إذا وَردَ أحدُهُما مُطلقًا، والآخرُ مُقيدًا، ونحوهُ؟
الظَاهرُ أنَّ المرادَ ما هوَ أَعمُّ، فإنْ زادَ أحدُهُما زيادةً مستقِلةً، فحكمُها حكمُ الحَديثِ المستقِلِ، فيتوقفُ فيها حَتى تعتضدَ.
قولُهُ:
١٢٩. فإنْ يُقَلْ: فالمسندُ المعتَمدُ فقُلْ: دليلان به يعتضدُ
سَبقَ بيانُه، وأنَّ الفخرَ الرازي حَملَهُ على ما إذا كانَ المسندُ أيضًا لا يقومُ بنفسِهِ، فكلٌ مِنهمَا حينئذٍ يعتضدُ بالآخرِ، وأنَّ المختارَ أنْ يُركبَ مِن كلامهِ وكلامِ ابنِ الصلاحِ الذِي سبقَ قريبًا جَوابُهُ، فيقالُ: فائدتُه تظهرُ بأنْ ينظرَ، فإنْ كانَ ضَعيفًا يصلحُ لأنْ يَنجبرَ / ١١٩ أ / فَهمَا (٤) حينئذٍ كالمرسلينِ، كلٌ منهما يعتضد بالآخرِ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١١.
(٢) في (أ): «هذا».
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) في (ف): «فيهما».
[ ١ / ٣٨٣ ]
كَما تقدّمَ في كلامِ الشافِعي، وإنْ كانَ فوقَ ذلِكَ أفادَنا المسندُ أنَّ ذلِكَ السَاقِطَ فِي طَريقِ المرسَلِ مَقبولٌ، ثُمَّ يرجحُ هَذا المسندُ بانضمامِ المرسَلِ إليهِ على مسندٍ آخرَ في رتبتِهِ لَم يعتضِد.
قالَ شَيخُنا: وقولُ الشافِعي: «فإنْ شَركَهُ الحفَّاظُ المأمونونَ (١») لا يشملُ ما إذا كانَ المسندُ ضَعيفًا، وقَد تَقدمَ مَا فيهِ عندَ قولهِ: «فإنْ يقل يحتجُ بالضعيفِ».
قولُهُ: (تبيَّنَّا صحةَ المرسلِ) (٢)، أي: صحةَ ذلك الموضعِ، السَاقطِ منهُ مَا بينَ التَابِعي وبينَ النبي - ﷺ -، وأنَّ ذلِكَ السَاقِطَ مقبولٌ، وَهذا كَما ترى يتعلقُ بالطريقِ.
وأمَّا المتنُ فربمَّا عارضَهُ شيءٌ، فَيرجحُ حينئذٍ بمَا عَضدَ بهِ، وَقد عُرفَ أنَّ مذهبَ الشافِعي في المرسَلِ - بل وَمطلقِ الانقطاعِ - أعدلُ المذاهبِ؛ لأنَّ قولَ النبي - ﷺ - في الحديثِ الصحيحِ: «ثُمَّ يَفشو الكذِبُ» يدلُ على أنَّ الكذِبَ كانَ موجودًا، والذي يكونُ بعدَ القرونِ الثلاثةِ فَشوُه وَانتشارُه.
قالَ شَيخُنا في خطبةِ كتابهِ "لسانِ الميزانِ": «وقد حَكَى القاضِي عبدُ اللهِ ابنُ عيسَى بنِ لَهيعةَ (٣)، عَن شيخٍ منَ الخوارجِ أنَّهُ سَمِعَهُ يقولُ بعدَ ما تابَ: إنَّ هَذهِ الأحاديثَ دِينٌ، فانظروا عَمن تأخذونَ دينَكُم، فَإنَّا كنَّا إذا هَوينا أمرًا صيَّرناهُ حَديثًا. حدَّثَ بهَا عبدُ الرحمانِ بنُ مَهدي الإمامُ، عنِ ابنِ لَهيعَةَ، فَهي من قديمِ حَديثهِ الصحيحِ. وهذهِ والله / ١١٩ ب / قَاصمةُ الظَهرِ للمحتجينَ بالمراسيلِ؛ إذ بدعةُ الخوارجِ كَانت في صدرِ الإسلامِ، والصَحابةُ - ﵃ - متوافرونَ، ثُمَّ في عَصرِ التَابعينَ فَمن بَعدَهم. فَربما سمعَ الرجلُ السُنّي - يَعني: مِن أحدٍ مِنهُم (٤) - فَحدّثَ بهِ،
_________________
(١) في (ف): «المأمونين».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٢.
(٣) كذا في (أ) و(ب) ولسان الميزان، وفي (ف): «عبد الله بن لهيعة».
(٤) ما بين الشارحتين جملة توضيحية مِن البقاعي.
[ ١ / ٣٨٤ ]
ولم يذكرْ مَن حَدَّثهُ بهِ، تحسِينًا للظنِّ بهِ، فيحملهُ عَنهُ غيرهُ، ويجيءُ الذِي يحتجُ بالمقاطيعِ فَيحتجُ بهِ، ويكونُ أصلهُ ما ذكرتُ، فلا حَولَ وَلا قوةَ إلا باللهِ». ثمَّ قالَ: «وقالَ حمادُ بنُ سلمةَ: حَدَّثني شَيخٌ لَهُم - يَعني: الرافضةَ - قالَ: كنَّا إذا اجتمعنا، فَاستحسَنّا شيئًا جعلناهُ حديثًا. وقالَ مُسَبِّحُ (١) بنُ الجَهمِ الأسلَميُّ التَابِعي: كانَ رجلٌ منَّا في الأهواءِ مدةً، ثُمَّ صارَ إلى الجماعةِ، وقالَ لنا (٢): أنشدكُم اللهَ أنْ تَسمعوا (٣) مَن أحدِ مِن أصحابِ الأَهواءِ؛ فإنّا واللهِ كنَّا نروي لكُمُ الباطِلَ، ونَحتَسبُ الخيرَ في إضلالِكُم. وقالَ زهيرُ بنُ معاويةَ: حَدَّثنا محرزُ أبو رجَاء، وكان يرى (٤) القدر، فَتابَ منهُ فقالَ: لا ترووا عَن أحدٍ مِن أهلِ القدرِ شَيئًا، فواللهِ لَقد كنَّا نضعُ (٥) الأحاديثَ، ندخل بهَا الناسَ في القَدرِ، نَحتَسبُ بهَا، فالحكمُ للهِ. (٦)
قولُهُ:
١٣٠ - وَرَسَمُوا مُنْقَطِعًا عَنْ رَجُلِ وَفي الأصُوْلِ نَعْتُهُ: بِالمُرْسَلِ
مَعنى «رَسموا» سَمُّوا مِن الرَسم، وَهوَ الأثرُ، والمادةُ تدورُ على الإعلامِ، قالَ في "القاموسِ" (٧): «الرَسمُ الأثرُ، وبقيتهُ، والروسمُ الداهيةُ، وطابعٌ يطبع بهِ رأس الخَابيةِ، كالراسومِ، والعلامةِ، وثوبٌ مُرسَّم كمعظّم (٨) مخطّط». وقالَ ابنُ الصلاحِ
_________________
(١) في لسان الميزان الطبعة القديمة: «مسيح» بالياء.
(٢) لم ترد في (ب)، وهي من (أ) و(ف) واللسان.
(٣) قوله: «أن تسمعوا »، أي: أنشدكم الله أن لا تسمعوا ، على غرار قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي لئلا تضِلُّوا.
(٤) في (ب): «يروي».
(٥) في (ب): «نصنع».
(٦) لسان الميزان ١/ ٢٠٣ - ٢٠٥.
(٧) القاموس المحيط مادة (رسم) باختصار.
(٨) في (ف): «كعظم».
[ ١ / ٣٨٥ ]
- بعدَ ما نقلَ عَن الحاكمِ - (١): «وَهوَ في بعضِ / ١٢٠ أ / المصنفاتِ المعتبرةِ في أصولِ الفِقهِ (٢)، معدودٌ في أنواعِ المرسَلِ» (٣).
وعن شيخِنا الحافظِ بُرهانِ الدينِ: أنَّ جمهورَ أهلِ الحَديثِ على أنَّ «عَن رجلٍ» متصلٌ، في إسنادهِ مجهولٌ، وقَد نَظَمَهُ فقالَ:
قلتُ الأصحُ أنَّهُ متصِل لكنَّ في إسنادِهِ مَن يُجهلُ
وَهَذا هُوَ التحقيقُ، أنَّ هَذا ليسَ مُرسلًا ولا منقطعًا؛ لأنهُ لا ينطبقُ عليهِ تَعريفُ واحدٍ منهما، بل هوَ مُتصِلٌ، في إسنادهِ راوٍ مبهمٌ، وهَذا إذا لَم يُعنعنْ كَما إذا قيل (٤): «رجلٌ قالَ: حَدثني فلانٌ»، فإنْ عنعنَ الرجلُ المبهمُ لَم يُحكَمْ عليهِ بالاتصالِ؛ و(٥) لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلِكَ المبهَمُ مدلِسًا، فيقالُ: هَذا ظاهرُهُ
_________________
(١) ص ٢٨، وتابعه على هَذا تلميذه البيهقي في "سننه الكبرى" ٣/ ٣٣٣ و٤/ ٥٤ و٧/ ١٣٤. قال ابن الملقن في "المقنع" ١/ ١٣٣: «وتبع الحاكم ابن القطان، فقالَ: إنه منقطع». وانظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٠٨ (٢٤٢١). وما نقله عن الحاكم لم ينقله على وجهه، إذ شرط الحاكم لتسميته منقطعًا عدم التصريح باسمه في طريق أخرى. فأهمل ابن الصلاح هذا القيد، وحمّل الحاكم تبعة ذلك، وهو عدم تسميته مرسلًا، ثُمَّ لو سلمنا جدلًا بأن الحاكم لا يسميه مرسلًا بل منقطعًا، فلا تمنع تسميته بالمنقطع من تسميته مرسلًا، فإن الحاكم صرّح في بدء النوع التاسع (٢٧) بالتغاير بينهما فقال: «معرفة أنواع المنقطع من حديث وهو غير المرسل».
(٢) أراد به كتاب " البرهان " لإمام الحرمين: إذ قال فيه ١/ ٦٣٣: «وقول الراوي: أخبرني رجل، أو عدل موثوق به، من المرسل أيضًا». وانظر بلا بد: تعليقنا على معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٩ هامش (٣).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٩ - ١٣٠.
(٤) في (ب): «أقبل».
(٥) الواو لم ترد في (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٨٦ ]
الاتصالُ، فيهِ مبهمٌ (١). وعبارةُ الشَيخِ في " النُكتِ ": «اقتصرَ المصنِّفُ (٢) على هَذينِ القَولينِ - أي: إنهُ مرسَلٌ أو منقطعٌ - (٣) وَكلٌّ مِن القَولينِ خلافُ ما عليهِ الأكثر؛ فإنَّ الأكثرينَ ذَهبوا إلى أنَّ هَذا متصلٌ، في إسنادهِ مَجهولٌ» ثُمَّ قالَ: «وما ذكرهُ المصنِّفُ عَن بعضِ المصنفاتِ المعتبرةِ، ولَم يُسمِّهِ فالظاهرُ أنهُ أرادَ بهِ "البرهانَ" لإمامِ الحَرمينِ (٤») ثُمَّ قالَ: «وما ذكرهُ المصنِّفُ عَن بعضِ كُتبِ الأصولِ قَد فَعلهُ أبو داودَ في كِتابِ "المراسيلِ" (٥)، فيروي في بعضها ما أبهمَ فيهِ الرجلُ؛ ويجعلهُ مرسلًا؛ بل زادَ البيهقيُّ على هَذا في "سُننهِ" (٦) فجعلَ ما رواهُ التابعيُّ عَن رجلٍ منَ الصَحابةِ لَم يسمَّ مرسلًا، وليسَ هَذا منهُ بجيدٍ، اللهمَّ إلا إنْ كانَ يسميهِ مرسلًا، ويجعلُه حُجةً كمراسيلِ الصَحابةِ فهوَ قَريبٌ. وقد /١٢٠ ب/ روى البخاريُ، عَن الحميدي، قالَ: إذا صحَّ الإسنادُ عَن الثقاتِ إلى رَجلٍ مِن أصحابِ النَبي - ﷺ - فهوَ حُجةٌ، وإنْ لَم يسمَّ ذَلِكَ الرجلُ، وقالَ الأثرمُ (٧): قلتُ لأبي عبدِ اللهِ -يعني:
_________________
(١) جاء في حاشية نسخة (ب): قال السخاوي: «وكذا قيد القول بإطلاق الجهالة بما إذا لم يجيء مسمى في رواية أخرى، وإذا كان كذلك فلا ينبغي المبادرة إلى الحكم عليه بالجهالة، إلا بعد التفتيش لما ينشأ عنه من توقف الفقيه عن الاستدلال به للحكم، مع كونه مسمى في رواية أخرى، وليس بإسناده ولا متنه ما يمنع كونه حجة» فتح المغيث ١/ ١٦٨ - ١٦٩، وانظر: جامع التحصيل: ٩٦، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٦١ وبتحقيقي: ٣٣٦.
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي ابن الصلاح».
(٣) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٤) انظر: البرهان ١/ ٤٠٧.
(٥) انظر على سبيل المثال حديث (١٣٩).
(٦) انظر على سبيل المثال: السنن الكبرى ٣/ ٣٣٣ و٤/ ٥٤ و٧/ ١٣٤.
(٧) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الإسكافي الأثرم الطائي، وقيل: الكلبي، أحد الأعلام، ومصنف " السنن "، وتلميذ الإمام أحمد، له مصنف في علل الحديث، اختُلِفَ في سنة وفاته، قال الذهبي: أظنه مات بعد الستين ومئتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٢٣، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أحمدَ بنَ حنبلٍ -: إذا قالَ رَجلٌ مِن التابعينَ: حَدّثَني رجلٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ - ﷺ - ولم يُسمِّهِ، فالحديث صَحيحٌ؟ قالَ: نَعم (١). وَقد ذكرَ المصنِّفُ في آخرِ هَذا النوعِ التَاسعِ أن الجَهالةَ بالصحابيِّ غَيرُ قادحةٍ؛ لأنَّهم كلَهم عدولٌ (٢). وحكاهُ الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الكريمِ الحَلبيُّ (٣) في كتابِ "القِدحِ المعلى" عَن أكثرِ العُلماءِ. انتهى (٤). نَعَم، فَرّقَ أبو بكرٍ الصَيرفِيُّ مِن الشافعيةِ في كتابِ "الدلائلِ" بين أنْ يرويه التَابِعيُّ عَن الصَحابيِّ مُعنعنًا، أو معَ التَصريحِ بالسماعِ، فقالَ: وإذا قالَ في الحديثِ بعضُ التابعينَ: عَن رجلٍ منْ أصحابِ النَبي - ﷺ -، لا يقبلُ؛ لأنِّي لَم (٥) أعلم، سَمعَ التَابِعيُّ مِن ذَلِكَ الرجلِ، إذ قَد يُحدِّثُ التَابِعيُّ عَن رجلٍ وعن رجلينِ عَن الصَحابيِّ، ولا أدرِي هل أمكنَ لقاء ذَلِكَ الرجلِ أم لا؟ فَلو علمتُ إمكانَهُ منهُ لجعلتُه كمدركِ العَصرِ. قالَ: وإذا قالَ سمعتُ رَجلًا مِن أصحابِ النبي - ﷺ - قُبِلَ؛ لأنَّ الكلَّ عدولٌ. انتهى كلامُ الصَيرفي. وَهوَ حَسنٌ متجهٌ، وكلامُ مَن أطلقَ قَبولَه، محمولٌ على هَذا التفصيلِ واللهُ أعلمُ» (٦) انتهى كَلامُ الشَيخِ في "النكتِ".
ولا يتجهُ كَلامُ الصَيرفي إلا بعدَ تَقييدِ المعنعنِ بكونهِ مُدلسًا. وقَولهُ في إمكانِ التقائِهِ يدلُ على اكتفائهِ بالمعاصرةِ، وقد عرفت أنَّ الصَحيحَ خلافهُ (٧)، واللهُ
الموفق.
_________________
(١) أسنده إليه الخطيب في الكفاية (٥٨٥ ت، ٤١٥ هـ).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٢.
(٣) في (ف): «الحليمي» خطأ.
(٤) لم ترد في التقييد.
(٥) في التقييد: «لا».
(٦) التقييد والإيضاح: ٧٣ - ٧٤.
(٧) من قوله: «قوله: في إمكان التقائه » إلى هنا لم يرد في (ب) و(ف).
[ ١ / ٣٨٨ ]
قولُهُ: (وفِي / ١٢١ أ / البُرهانِ لإمامِ الحَرمينِ ..) (١) إلى آخرهِ، هوَ مِن فروعِ تَسميةِ المنقطعِ مرسَلًا، بعدَ تسليم أنَّ هَذا مِن المنقطِعِ.
قولُهُ: (التي (٢) لَم يسمَّ حاملها) (٣) أي: إنهُ يحتملُ أن يكونَ ذَلِكَ الكتابُ جوابًا، وذلكَ الحَامِلُ رسول المكتوبِ إليهِ، أعيدَ الجوابُ على يدهِ، وَهوَ كَافرٌ.
قولُهُ: (إذا سَمى الأصلَ باسمٍ لا يعرفُ بهِ) (٤) يدخلُ فيهِ «المهملُ»، كَما إذا قالَ: حَدثني محمدٌ مثلًا، وفي مشَايخهِ جَماعةٌ كلٌ مِنهُم اسمهُ محمدٌ، وبعضُهم ضعيفٌ، و«المجهول»، كَما إذا قالَ: حَدثني فلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانيُّ باسمهِ، واسمِ أبيهِ ونَسبهِ مَثلًا، وكانَ معَ هَذا مجهولًا، لا يعرفُ.
قولُهُ: (كالمرسَلِ) (٥) في أنَّهُ مردودٌ إلاّ إن اعتضدَ.
قولُهُ: (قلتُ ) (٦) إلى آخرهِ، مُنْصَبٌّ إلى هَذهِ الصُورةِ الأخيرةِ.
قولُهُ (٧):
١٣١ - أمَّا الَّذِي أرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلى الصَّوَابِ
(يسمَّى في أصولِ الفِقهِ) (٨) قالَ الشَيخُ في "النكتِ": «اعتُرضَ عليهِ بأنَّ المحدّثينَ أيضًا يذكرونَ مراسيلَ الصحابَةِ، فَما وجهُ تخصيصهِ بأصولِ الفِقهِ؟
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٢.
(٢) في (ب): «الذي»، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لشرح التبصرة.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
(٧) زاد بعدها في (ف): «في قوله».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والجوابُ: أنَّ المحدّثينَ وإن ذكروا مراسِيلَ الصَحابةِ، فَإنَّهم لَم يختلِفوا في الاحتجاجِ بهَا، وأما الأصوليونَ فَقد اختلَفوا فيهَا» (١) ثُمَّ ذكر قولَ الأستاذِ (٢)، وأنَّ عَامَة أهلِ الأصولِ خَالفوهُ، فاحتجوا بهَا.
قولُهُ: (إذ قَد سَمعَ جماعةٌ مِن الصَحابةِ مِن بعضِ التَابعينَ) (٣) استقرئ ما وقعَ مِن روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ، فلَم يوجدْ فيهِ حكمٌ مِن الأحكامِ، وإنما ذَلِكَ مجردُ قَصصٍ وأخبارٍ، هَكذا حَفظتُ مِن شيخِنا، وقالَ شيخُهُ المصنِّفُ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما / ١٢١ب / هوَ بحسبِ الأكثرِ (٤).
قالَ في " النكتِ ": «وقد صنَّفَ الحافِظُ أبو بكر الخطيبُ، وغيرهُ في روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ، فبلغوا جَمعًا كَثيرًا، إلا أنَّ الجوابَ عَن ذَلِكَ: أن روايةَ الصَحابةِ عَن التابعينَ (٥)، غالبُها ليست أحاديثَ مرفوعةً، وإنما هيَ مِن الإسرائيلياتِ، أو حكاياتٍ، أو موقوفاتٍ، وبلَغني أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ أنكرَ أنْ يكونَ قَد وَجَدَ شَيئًا مِن روايةِ الصَحابةِ، عَن التابعينَ، عَن الصَحابةِ، عَن النَبي - ﷺ -، فرأيتُ أنْ أَذكرَ هنا ما وقعَ لي مِن ذَلِكَ للفائدةِ، فمِن ذَلِكَ:
حَديثُ سهلِ بنِ سَعدٍ، عنْ مروانَ بنِ الحَكمِ، عَن زيدِ بنِ ثابتٍ: «أنَّ النَبي - ﷺ - أملى عليهِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) فجاءَ ابنُ أمِّ مكتومٍ »
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٧٩ - ٨٠.
(٢) عنى بهِ الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٤) وقد جمع العراقي في كتابهِ "التقييد والإيضاح" العديد من هذه الروايات فانظرها في صفحة ٧٦ - ٧٩.
(٥) من قوله: «فبلغوا جمعًا كثيرًا » إلى هنا سقط من (ف).
(٦) النساء: ٩٥.
[ ١ / ٣٩٠ ]
الحَديثَ رواهُ البخاريُّ (١)، والنَسائِيُّ (٢)، والتِرمذيُّ (٣)، وقالَ: «حَسنٌ صحيحٌ».
وحديثُ السَائبِ بنِ يزيدَ، عَن عبد الرحمانِ بنِ عبدٍ (٤) القَارِيّ، عَن عمرَ ابنِ الخَطابِ - ﵁ -، عَن النَبي - ﷺ - قالَ: «مَن نامَ عَن حَزبهِ، أو عَن شَيءٍ منهُ، فقرأهُ ما بينَ صلاةِ الفَجرِ إلى صَلاةِ الظُهرِ، كُتبَ لَهُ كأنَّما قَرأهُ منَ الليلِ». رواهُ مسلمٌ (٥)، وأصحابُ السُننِ الأربعةِ (٦).
وحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عنْ أمِّ كلثوم بنتِ أبي بكرٍ الصديقِ، عَن عائشةَ - ﵃ - (٧) أنَّ رجلًا سألَ النَبيَّ - ﷺ - عَن الرجلِ يجامعُ ثُمَّ يُكسِلُ (٨)، هَل عليهمَا مِن غُسلٍ؟ - وعائشةُ جَالِسةٌ- فقالَ: «إنّي لأفعلُ ذَلِكَ أنا وهذهِ، ثُمَّ نغتسلُ». أخرجهُ مسلمٌ (٩).
وحديثُ عَمرو بنِ / ١٢٢ أ / الحَارثِ المصطلقِي، عَن ابنِ أَخي زينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، عَن زينب امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (١٠)، قالت: خَطبَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: «يا معشرَ النِساءِ تَصدقنَ، وَلو مِن حليكنَّ، فإنكنَّ أكثرُ أهلِ
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٣٠ (٢٨٣٢) و٦/ ٥٩ (٤٥٩٢).
(٢) المجتبى ٦/ ٩.
(٣) الجامع الكبير (٣٠٣٣).
(٤) في (أ): «عبيد» خطأ. والمثبت من (ب) و(ف).
(٥) صحيح مسلم ٢/ ١٧١ (٧٤٧).
(٦) سنن أبي داود (١٣١٣)، وابن ماجه (١٣٤٣)، وجامع الترمذي (٥٨١)، والمجتبى ٣/ ٢٥٩.
(٧) عبارة «- ﵃ -» لَم ترد في (ب) و(ف) وهي في التقييد.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي لَم ينزل».
(٩) صحيح مسلم ١/ ١٨٧ (٣٥٠).
(١٠) عبارة: «عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود» لم ترد في (ف).
[ ١ / ٣٩١ ]
جَهنمَ يومَ القِيامَةِ» رواهُ التِرمذيُّ (١)، والنَسائِيُّ (٢)، والحديثُ متفقٌ عليهِ (٣) مِن غيرِ ذكرِ ابنِ أخي زينبَ، جَعلاهُ مِن روايةِ عمرو بنِ الحَارثِ، عَن زينبَ نفسها، واللهُ أعلمُ.
وحديثُ يَعلى بنِ أميةَ، عَن عنبسةَ بنِ أبي سُفيانَ، عَن أختهِ أمِّ حبيبةَ عَن النبي - ﷺ - قالَ: «مَن صَلّى ثنتي عَشرةَ ركعةً بالنهارِ، أو بالليلِ بُنِيَ لهُ بيتٌ في الجنةِ» رواهُ النسائيُّ (٤).
وحَديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عَن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ أَبي بكرٍ الصديقِ، عَن عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «ألم تَرَي أنَّ قومَكِ حينَ بنوا الكعبةَ قَصروا عَن قواعدِ إبراهيم » الحديثَ. رواهُ الخطيبُ في كتابِ "روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينِ" بإسنادٍ صَحيحٍ، والحديثُ متفقٌ عَليه (٥) مِن طريقِ مالكٍ، عَن ابْنِ شِهابٍ، عَن سالمِ بْنِ عبدِ اللهِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ أَبِي بكرٍ أخبرَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، عَن عائشةَ بذلكَ، فجعلهُ مِن روايةِ سَالمٍ، عنَ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، وهذا يشهدُ لصحةِ طَريقِ الخَطيبِ، أنَّ ابنَ عمرَ سَمعهُ مِن عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) جامع الترمذي (٦٣٥).
(٢) السنن الكبرى (٩٢٠٠). وأخرجه أيضًا: أحمد ٦/ ٣٦٣، وابن ماجه (١٨٣٤).
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٥٠ (١٤٦٦)، وصحيح مسلم ٣/ ٨٠ (١٠٠٠) (٤٥)
(٤) . وأخرجه أيضًا: الترمذي (٦٣٦) وقال: «أبو معاوية وهم في حديثه، فقال: عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب. والصحيح إنما هو عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب».
(٥) السنن الكبرى (١٤٧٠).
(٦) صحيح البخاري ٢/ ١٧٩ (١٥٨٣)، وصحيح مسلم ٤/ ٧٩ (١٣٣٣).
[ ١ / ٣٩٢ ]
وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن صفيةَ بنتِ أبي عبيدٍ، عَن عائشةَ: «أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - رخصَ للنساءِ فِي الخُفينِ / ١٢٢ ب / عندَ الإحرامِ». رواهُ الخطيبُ فِي الكتابِ المذكورِ، والحديثُ عندَ أبي دَاودَ (١) من طريقِ ابنِ إسحاقَ، قَالَ: ذكرتُ لابنِ شهَابٍ فقَالَ: حَدثني سَالمٌ، أنَّ عبدَ اللهِ كَانَ يصنعُ ذَلِكَ - يَعني: قطع الخُفينِ للمرأةِ المحرمةِ - ثُمَّ حَدثتهُ صفيةُ بنتُ أَبِي عبيدٍ، أنَّ عَائِشَة حَدثتها: «أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ كَانَ رَخصَ للنساءِ فِي الخفينِ» فَتركَ ذَلِكَ.
وحَديثُ جابرِ بْنِ عبدِ اللهِ، عَن أَبِي عَمروٍ مَولى عَائِشَة - واسمهُ ذكوانُ - عَن عَائِشَة: «أنَّ النَبي - ﷺ - كَانَ يكونُ جنبًا فَيريدُ الرقادَ، فَيتوضأ وَضوءهُ للصَلاةِ، ثُمَّ يرقدُ» رَواه أحمد فِي "مسندهِ" (٢)، وفي إسنادهِ ابنُ لَهيعةَ (٣).
وحَديث (٤) ابنِ عباسٍ قَالَ: «أتى عليَّ زمانٌ وأنا أقول: أولادُ المسلمينَ مَعَ المسلمينَ، وأولادُ المشركينَ مَعَ المشركينَ، حَتَّى حَدَّثَنِي فلانٌ، عَن فلانٍ: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ، فَقَالَ: «اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ»، قَالَ: فلقيتُ الرجل فأخبرَني، فأمسكتُ عَن قولِي»، روَاهُ أحمدُ فِي "مسندِهِ" (٥)، وَأبو داود الطيالِسي أَيْضًا فِي "مسندِه" (٦)، وإسناده صحيحٌ، وبيَّنَ راويهِ (٧) عنِ الطيالسي - وهو يونسُ
_________________
(١) سنن أبي داود (١٨٣١).
(٢) مسند الإمام أحمد ٦/ ١٢٠.
(٣) من قوله: «وحديث جابر » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) جاء في حاشية (أ): «البخاري عن ابن عباس -﵄- قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين. وعن أَبي هريرة سأل النَّبيّ عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» ذكره في باب الجنائز.
(٥) مسند الإمام أحمد ٥/ ٣٧ و٤١٠.
(٦) مسند الطيالسي (٥٣٧).
(٧) في (ب) و(ف): «رواية» وهو خطأ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ابنُ حبيبٍ - أنَّ الصحابيَّ المذكورَ فِي هَذَا الحَديثِ، هُوَ أُبي بنُ كعبٍ، وكذا قَالَ الخطيبُ، وترجمَ لَهُ فِي "روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ": عبد الله بن عباسٍ، عَن صاحبٍ لأُبي بنِ كَعبٍ.
وحديثُ ابنِ عمرَ، عَن أسماءَ بنتِ زَيدِ بنِ الخَطابِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ ابنِ أبي عَامرِ: «أنَّ النَبي - ﷺ - أمرَ بالوضوءِ لكلِ صلاةٍ طَاهرًا، أَوْ غيرَ طَاهِرٍ، فَلما شَقَّ ذَلِكَ / ١٢٣ أ / عَليهِم أمرَ بالسِواكِ لكلِ صَلاةٍ»، رواهُ أبو داودَ (١) مِن طريقِ ابنِ إسحاقَ، عَن مُحمدِ بنِ يَحيى بنِ حِبانَ، عَن عبدِ اللهِ بنِ عَبد اللهِ بنِ عُمرَ، قَالَ: قلتُ (٢): أرأيتَ تَوضؤَ ابنِ عمرَ لكلِ صَلاةٍ طاهِرًا، أَوْ غَيرَ طاهِرٍ، عَمَّ ذلكَ؟ قَالَ: حَدثَتْهُ أسماءُ بنتُ زيدِ بنِ الخَطابِ: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ حنظلةَ بنِ أَبِي عَامرٍ حَدَّثَها (٣) فذكرهُ.
وفي روايةٍ عَلقها أبو دَاود، وأسندَهَا الخَطيبُ إِلَى (٤) عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، كَذا أوردهُ الخطيبُ فِي روايةِ ابن عمرَ، عَن أسماءَ، والظاهرُ أنَّهُ مِن روايةِ ابنهِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عَن أسماءَ، وإنْ كانت حَدثَتْ بِهِ ابنَ عمرَ نَفسَهُ، وكذا جَعلَ المزي فِي "تهذيبِ الكَمالِ" (٥) الراويَ عنها عبدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ.
وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن أسماءَ بنتِ زيدِ بنِ الخَطابِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَولا أنْ أشقَّ عَلَى أُمتي لأمرتُهم بالسِواكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ» رواهُ الخَطيبُ فِيهِ (٦).
_________________
(١) سنن أَبي داود (٤٨).
(٢) في (ف): «قلنا».
(٣) فِي (ب): «حدثتها».
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) تهذيب الكمال ٨/ ٥١٧ (٨٣٧٦).
(٦) أي: في كتاب " رواية الصحابة عن التابعين ".
[ ١ / ٣٩٤ ]
وحَديثُ سُليمانَ بنِ صُرد، عَن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مطعمٍ، عَن أبيهِ، قَالَ: تذاكروا غسلَ الجنابةِ عندَ النَبي - ﷺ -، فَقَالَ: «أمَّا أنا فَأفيضُ عَلَى رأسِي ثلاثًا » الحديثَ، رواهُ الخَطيبُ، وَهو متفقٌ عَليهِ (١) مِن روايةِ سليمانَ، عَن جبيرٍ، لَيْسَ فِيهِ نَافعٌ.
وَحديثُ أَبِي الطفيلِ عَن بكرِ بنِ قرواش (٢)، عَن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «شَيطانُ الردهةِ يحدرهُ رجلٌ مِن بجيلةَ » الحديثَ، رواهُ أبو يَعلى الموصلي فِي "مسندهِ" (٣)، قَالَ صَاحبُ "الميزانِ" (٤): «بكرُ بنُ قرواشٍ لا يعرفُ، والحَديثُ منكرٌ».
وحديثُ أَبِي هُريرَةَ، عَن أمِّ / ١٢٣ ب / عبدِ اللهِ بنِ أَبِي ذباب، عَن أمِّ سَلمةَ، سَمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَا ابتلى اللهُ عَبدًا ببلاءٍ وَهُوَ عَلَى طريقةٍ يكرهُهُا، إلا جعلَ اللهُ ذَلِكَ البلاءَ له كفارةٌ» رَواهُ ابنُ أَبِي الدُنيا فِي كتابِ "المرضِ والكفاراتِ" (٥) وَمن طريقهِ الخَطيبُ.
وحَديثُ ابنِ عمرَ، عَن صَفيةَ بنتِ أبي عُبيدٍ، عن (٦) حفصَةَ، عنِ النَبيِّ - ﷺ -: «مَن لَم يُجمعِ الصَومَ قبلَ الصُبحِ فلا صَومَ لهُ» (٧).
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٧٣ (٢٥٤)، وصحيح مسلم ١/ ١٧٧ (٣٢٧).
(٢) جاء في حاشية (أ): «بالقاف».
(٣) مسند أبي يعلى (٧٥٣).
(٤) ميزان الاعتدال ١/ ٣٤٧ (١٢٩١).
(٥) أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٢٨٠، ونسبه إلى ابن أَبي الدنيا، وقال: «وأم عبد الله ابنة أَبي ذباب لا أعرفها».
(٦) «عن» مكررة في (أ).
(٧) لم أجده من هذا الطريق، وهو من حديث عبد الله بن عمر، عن حفصة عند أبي داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي ٤/ ١٩٦ و١٩٧، وابن خزيمة (١٩٣٣) مرفوعًا، لكن الصواب =
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن صفيةَ، عن حفصَةَ، عنهُ - ﷺ -: «لا يُحرِّمُ من الرضاعِ إلاّ عشرُ رضَعاتٍ فَصاعِدًا» رَواهما الخَطيبُ، وفي إسنادِهِمَا مُحمدُ بنُ عمرَ الواقِدي (١).
وحديثُ [أنسٍ] (٢) عَن وقاصِ بنِ ربيعةَ، عَن أبي ذرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - فيمَا يرويهِ عن ربهِ - ﷿ -: «ابنَ آدمَ، إنَّكَ إنْ دنوتَ مِني شِبرًا دنوتُ منكَ ذراعًا ». الحديثَ (٣).
وحديثُ أَبي الطُفيلِ، عَن عبدِ الملك (٤) ابنِ أخِي أَبي ذرٍّ، عن أبي ذرٍّ (٥) قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَخبرني: «أنَّهم لَنْ يُسلطوا على قتلي، وَلَن يفتنونِي عَن ديني » الحديثَ.
وَحديثُ أبِي أُمامةَ، عَن عَنبسةَ بنِ أبي سُفيانَ، عن أمِ حبيبةَ، سَمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «ما مِن رجلٍ مُسلمٍ يحافظُ على أربعِ ركعاتٍ قَبل الظهرِ، وأربعٍ بعدَ
_________________
(١) = أن إسناده معلول بالوقف، ورفعه خطأ والصواب أنه موقوف كما جزم بذلك البخاري في تأريخه الصغير ١/ ١٣٤، ونقله عنه الترمذي في علله الكبير ١/ ٣٤٨، وصوب وقفه كذلك النسائي في الكبرى ٢/ ١١٧ - ١١٨، والدارقطني في العلل ٥/ الورقة ١٦٣ وتفصيل طرقه مع ترجيحاتها مفصل في كتابي الجامع في العلل يسر الله إتمامه وطبعه.
(٢) وهو متروك الحديث. انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٤٥٢، وميزان الاعتدال ٣/ ٦٦٢ (٧٩٩٣).
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من جميع النسخ الخطية، واستدركته من التقييد: ٧٩.
(٤) لم أقف عليه من هذا الوجه.
(٥) في جميع النسخ الخطية: «عبد الرحمان» ولعله تحريف؛ لأنه جاء مخالفًا لما في التقييد، وممّا يؤكد ذلك ما جاء في ترجمة «أبي الطفيل» إذ روى عن: «عبد الملك ابن أخي أبي ذر»، ولم يرو عن أحد اسمه «عبد الرحمان»، والله أعلم. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٣٨ (٣٠٥١).
(٦) عبارة: «عن أبي ذر» لم ترد في (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٩٦ ]
الظُهرِ، فَتمسُهُ النَّارُ». (١)
وحديثُ أبي الطُفيلِ، عَن حلامِ بنِ جَزلٍ، عَن أَبي ذرٍّ مَرفوعًا: «النَّاسُ ثلاثُ طبقاتٍ » الحديثَ.
رَوَى هذهِ الأحاديثَ أيضًا الخَطيبُ بأسانيدَ ضعيفةٍ. فَهذهِ عِشرونَ حَديثًا مِن روايةِ الصَحابةِ، عن التابعينَ، عَنِ الصَحابةِ مَرفوعةً، / ١٢٤ أ / ذكرتُها للفائدةِ، واللهُ أعلَمُ» (٢).
قولهُ: (وَرَوى كعبٌ أيضًا عنِ التابعينَ) (٣) يَعني: فيحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ الذي رَواهُ الصَحابي، عن كعبٍ ونحوهِ، قد رواهُ كعبٌ، عَن تَابعيٍّ آخرَ، لَكنْ لم يوجدْ في سندٍ منَ الأسانيدِ صَحابيٌ شَيخهُ تَابعيٌ، ذلكَ التابعيُ شَيخُه في ذلكَ السندِ تَابعيٌ.
قولهُ: (وفي بعضِ كُتبِ) (٤) قالَ في " النُكتِ ": «وفي بعضِ شروحِ "المنارِ" في الأصولِ للحنفيةِ ..» إلى آخرهِ (٥).
قولهُ (٦): (فَقد قالَ الأستاذُ أبو إسحاقَ) (٧) وكَذا قالَ القاضِي
_________________
(١) لم أقف عليه من هذا الطريق. وهو من طريق عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة عند: أحمد ٦/ ٣٢٥ و٤٢٦، وأبي داود (١٢٦٩)، وابن ماجه (١١٦٠)، والترمذي (٤٢٧) و(٤٢٨)، والنسائي ٣/ ٢٦٤، وابن خزيمة (١١٩١).
(٢) التقييد والإيضاح: ٧٨ - ٧٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٤.
(٥) التقييد والإيضاح: ٨٠، وانظر: أصول السرخسي: ٣٥٩، وأصول البزدوي ٢/ ٤، وقال السرخسي: «لا خلاف بين العلماء في مراسيل الصحابة - ﵃ - أنها حجة».
(٦) لم ترد في (ب) و(ف).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٤.
[ ١ / ٣٩٧ ]
أبو بكرٍ (١) البَاقلاني، وهو عَجيبٌ منَ القَاضِي؛ فإنَّ مالِكًا وَأتباعَهُ يَقبلونَ المرسَلَ مطلقًا، فكيفَ إذا كانَ مرسلُ صحابيٍّ، ونقلَ عنِ ابنِ كَثيرٍ أنَّهُ قالَ: «وذكرَ ابنُ الأثيرِ وَغيرُهُ في ذلِكَ خِلافًا» (٢). وَكذا نقلَ عنهُ أنَّهُ قالَ: «والحافِظُ البيهقيُّ في كتابهِ "السُننِ الكَبيرِ" (٣) وَغيرِه يُسمِّي ما رواهُ التَابعيُّ، عن رَجلٍ منَ الصَحابةِ - يَعني: بلفظِ الإبهامِ- (٤) مُرسلًا (٥)، فإنْ كَانَ يذهبُ معَ هذا إلى أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، فيلزمهُ أنْ يكونَ مرسَلُ الصَحابةِ أيضًا ليسَ بِحجَةٍ» (٦). انتهى.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «هوَ مالكي».
(٢) اختصار علوم الحديث ١/ ١٥٩، وبتحقيقي: ١١٨.
(٣) انظر السنن الكبرى ١/ ١٩، وقارن بمعرفة السنن والآثار ٣/ ٨٤.
(٤) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٥) قال ابن حجر في " نكته " ٢/ ٥٦٤، وبتحقيقي: ٣٣٩: «وقد بالغ صاحب "الجوهر النقي" في الإنكار على البيهقي بسبب ذلك، وهو إنكار متجه». وقال العراقي في " التقييد ": ٧٤ معقبًا على صنيع البيهقي: «وهذا ليس منه بجيد، اللهم إلاّ إن كان يسميه مرسلًا، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة فهو قريب». قلت: هو في كلا الحالين مخالف لما اصطلح عليه أهل الحديث.
(٦) اختصار علوم الحديث ١/ ١٦٠، وبتحقيقي: ١١٩.
[ ١ / ٣٩٨ ]
الْمُنْقَطِعُ (١) وَالْمُعْضَلُ (٢)
قولهُ:
١٣٢ - وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ
١٣٣ - وَقِيْلَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ، وَقَالا: بِأنَّهُ الأقْرَبُ لا استِعمَالا
_________________
(١) انظر في المنقطع: معرفة علوم الحديث: ٢٧ - ٢٩، والكفاية (٥٨ت، ٢١هـ)، والتمهيد ١/ ٢١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٣٢، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٨٠ - ١٨٢، والتقريب: ٥٨، والاقتراح: ٢٠٨، ورسوم التحديث: ٧١، والمنهل الروي: ٤٦ - ٤٧، والخلاصة: ٦٨ - ٦٩، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣١، واختصار علوم الحديث: ١/ ١٦٢ وبتحقيقي: ١١٩، والشذا الفياح ١/ ١٥٧، والمقنع ١/ ١٤١، ومحاسن الاصطلاح: ٦٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٥، وتنقيح الأنظار: ١٣٢، ونزهة النظر: ٦٤، والمختصر: ١٣١ - ١٣٢، وفتح المغيث ١/ ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٧٥، وفتح الباقي ١/ ٢٠٤، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٢٣، وظفر الأماني: ٣٥٤ - ٣٥٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤١٢، واليواقيت والدرر ٢/ ٣، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٣٣.
(٢) انظر في المعضل: معرفة علوم الحديث: ٣٦، والكفاية (٥٨ ت، ٢١ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٣٥، والإرشاد ١/ ١٨٣، والتقريب: ٥٩، والاقتراح: ٢٠٨، ورسوم التحديث: ٧٣، والمنهل الروي: ٤٧، والخلاصة: ٦٨، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣٢، واختصار علوم الحديث ١/ ١٦٧ وبتحقيقي: ١٢٣، والشذا الفياح ١/ ١٥٩، والمقنع ١/ ١٤٥، ومحاسن الاصطلاح: ٦٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٥، وتنقيح الأنظار: ١٣٢، ونزهة النظر: ٦٣، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث ١/ ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٧٥، وفتح الباقي ١/ ٢٠٤، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٢٣، وظفر الأماني: ٣٥٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٠٩، واليواقيت والدرر ٢/ ٣، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٣٥.
[ ١ / ٣٩٩ ]
١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ
١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا
قولهُ: (راوٍ فَقط) (١)، أي: في الموضعِ الواحِدِ؛ وَذلكَ أنَّ الراوِيَ للجنسِ، فَإنَّما تكونُ وحدة السَاقِطِ مِن الرواةِ قَيدًا بالنسبةِ إلى موضعٍ واحِدٍ، وإلاَّ فَلو تَعددتِ المَواضِعُ لَم يضرَّ تعددُ السَاقِطِ في تسميتِهِ مُنقطعًا مَا لم يَتوالَ، فلَو سَقطَ منَ السَندِ اثنانِ فصاعدًا، لا على التَوالي، بل مِن كلِ مَوضعٍ واحِدٌ فَقط، كانَ منقطعًا مِن موضعينِ، أو مواضِعَ (٢)، كما ذُكرَ في الشَرحِ.
قولهُ: (وقالا بأنهُ / ١٢٤ ب / الأقربُ) (٣) رُبَّما التَبسَ فيهِ الأمرُ عَلى مَن لم ينظرْ الشَرحَ، فلا يَدرِي: هل هَذهِ ألفُ الإطلاقِ، فَيصرفُ الضَميرَ إلى ابنِ الصَلاحِ، أو ألف التثنيةِ فيصرفها إلى الشيخين؛ لأنهما منْ أهلِ الاصطلاحِ، وجائزٌ أنْ يقولا إنَّ هذا أقربُ، لكنَّ قرينةَ حكايةِ الاستعمالِ - أي: استعمالُ مَن لَهم الاصطلاحُ - تُبعدُ أنْ يكونَ المرادُ الشَيخينِ لأنَّهما منَ الأقدمينَ، وأولئكَ يندرُ أنْ ينقُلوا الاصطلاح عَنْ غيرهِم؛ فإنَّهم هُم أهلُ الاصطلاحِ.
وَقولهُ: (الأقربُ) (٤)، أي: مِن حَيثُ اللغَةُ.
قولهُ: (اثنانِ فَصاعِدًا) (٥)، أي: معَ التَوالي، كَما في الشَرحِ و«صَاعدًا» مَعمولٌ لِفعلٍ مَحذوفٍ، أي: فَاذهبْ في السُقوطِ صَاعِدًا. وَشرطُ التَوالي لا يُفهمُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٣٢).
(٢) في (ب): «موضع».
(٣) التبصرة والتذكرة (١٣٣).
(٤) التبصرة والتذكرة (١٣٣).
(٥) التبصرة والتذكرة (١٣٤).
[ ١ / ٤٠٠ ]
منَ النَظمِ؛ فكانَ ينبغي التنبيهُ عليهِ بعدَ هذهِ الأبياتِ الأربعةِ بأنْ يقولَ:
أو كانَ سَاقِطًا بموضعين فليسَ مُعضلًا بغيرِ مين
نقلَ هَذا عن شَيخِنا البرهانِ، وهو غَيرُ وافٍ، فَلو قالَ:
والشَرطُ في ساقِطه التَوالي والانفراد ليسَ بالإعضَالِ
لكانَ أحسَنَ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ومِنهُ قِسمٌ ثَانِ) (١) إنْ قيلَ: هوَ داخِل في قولهِ: «اثنانِ فصَاعِدًا» فالجوابُ: المنعُ؛ لأنَّ الضَميرَ في قَولهِ: «منهُ» يَرجعُ إلى السَندِ، فتقديرُ قَولهِ:
«والمعضَلُ السَاقِط مِن إسنادِهِ اثنانِ»، والنّبي - ﷺ - مسندٌ إليهِ، وليسَ هوَ منَ السَندِ، وأيضًا فالإعضالُ مِن مباحثِ الإسنادِ، وإذا ذُكرَ النَّبيُّ - ﷺ - كانَ / ١٢٥ أ / الكَلامُ في الرفعِ، وَهوَ مِن مباحث المتنِ، وكَذا إذا حُذفَ ذِكرُهُ - ﷺ - كانَ الكلامُ فِي الوقفِ، وَهو من مباحثِ المتنِ أيضًا، وَكذا إذا حُذِفَ الصَحابيُّ أيضًا؛ فإنَّهُ يكونُ مَقطوعًا، وهوَ مِن مَباحثِ المتنِ أيضًا (٢)، فَلا يدخلُ ذلِكَ في قولهِ: «اثنانِ فصاعِدًا»؛ لأنَّ ذلكَ كالمستثنَى صريحًا في قواعِد هَذا العِلمِ، حَتى لا يختلطَ البَحثُ في الإسنادِ بالبحثِ في المتنِ، فاحتاجَ أنْ ينصَّ عليهِ؛ لوجودِ صُورةِ سقط اثنينِ معَ التَوالِي.
قولهُ: (وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ) (٣) إلى آخرِه، يقتضي أنَّ المنقطعَ يطلقُ على جميعِ الأنواعِ التي تَرجعُ إلى السَقطِ منَ السَندِ، وَخُصَّ كلٌّ مِنهَا باسمٍ، كالمعضَلِ، والمعلقِ، والمرسَلِ، وأنَّ كلًا منها دَاخِلٌ تحتَ المنقطِعِ دخولَ الأخصِّ تحتَ الأعمِّ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٣٤).
(٢) من قوله: «وكذا إذا حذف الصحابي» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٤٠١ ]
قولهُ: (عَن بعضِهِم) (١) هَذا القَولُ يشبهُ أنْ يكونَ قولَ مَن حدَّ المرسَلَ: بأنَّهُ ما سقطَ من إسنادِهِ رَاوٍ (٢).
قولُهُ: (ما رواهُ من دون التَابعينَ عنِ الصَحابةِ) (٣) يُفهِمُ اشتراطَ الوصولِ إلى الصحابي، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لو ذُكِرَ أثرٌ عمن دونَ الصحابةِ، وسَقَطَ من اثنائهِ رجلٌ سُمِّيَ منقطعًا، ويدخلُ في كلامِ ابنِ الصلاحِ أيضًا ما لو سقطَ منهُ اثنانِ فصاعدًا، ولو معَ التوالي؛ فإنَّهُ قالَ: «من دون التابعينَ» وذلكَ يشملُ من دونهُ بقليلٍ، أو كثيرٍ، ولا يخفى ما فيهِ، اللهمَّ إلا أنْ يُعتنَى بهِ فيقالُ: المثالُ يخصصهُ. واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (والمعضلُ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وهو لقبٌ لنوعٍ خاصٍ منَ المنقطعِ، فكلُّ معضلٍ منقطعٌ، وليسَ كلُّ / ١٢٥ ب / منقطعٍ معضلًا، وقومٌ يُسمونهُ مرسلًا كما سبقَ» (٥).
قولهُ: (من موضعٍ واحدٍ) (٦) قال الشيخُ في " النكتِ ": «وهذا مرادُ المصنِّفِ ويوضحُ مرادَهُ المثالُ الذي مَثّلَ بهِ بعدُ، وهوَ قولهُ: ومثاله ما يرويهِ تابعُ التابعي » (٧) إلى آخرهِ.
قوله: (فهوَ معضَل، بفتحِ الضادِ) (٨) ينبغي أنْ يعلمَ أنَّ ذلكَ غيرُ مطَّردٍ، بل
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٦.
(٢) ينظر كلام الحافظ ابن حجر في النزهة: ٨١ - ٨٢ في التفريق بين المرسل والمنقطع.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٦.
(٤) التبصرة والتذكرة (١٣٤).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٦.
(٧) التقييد والإيضاح: ٨١.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧، والعبارة لابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٦.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قد يستعملونَ لفظة «مُعضِل» بكسرِ الضادِ؛ وذلكَ لأنَّهُ يوجدُ في كلامِهم أحيانًا وصفُ الحديثِ الذي لم يسقطْ من إسنادهِ شيءٌ بأنَّهُ مُعضِلٌ، فهذا إنما يريدونَ بهِ أنَّهُ مُشكِلٌ، فهوَ مكسورُ الضادِ (١).
قلتُ: قولهُ: (وهو اصطلاحٌ مشكلٌ من حيثُ اللغةُ) (٢)، أي: لأنَّ مَفْعَلًا -بفتحِ العينِ - لا يكونُ إلا من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بزيادةِ الهمزةِ، وهذا لازمٌ معَ الزيادةِ. وأجابَ: بأنَّهُ وجدَ لهُ قولهم: «أمرٌ عضيلٌ»، أي: مستغلقٌ شديدٌ.
قلتُ: يريدُ أنَّ من المقررِ: أنَّ «فعيلًا» مبالغةُ فاعلٍ لا يكونُ من رباعي، وإنما يكون من ثلاثي، وهوَ هنا لازمٌ لتفسيرهم لهُ بمستغلقٍ شديدٍ، فيكونُ مثل جليسٍ وكريمٍ، من جلسَ وكَرُمَ، فيقالُ: عضل الأمرُ إذا اشتدَ، كما يقالُ: أعضل، فإذا ثبتَ أنَّه من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بالهمزةِ، فقيلَ: أعضلهُ، كما يقالُ: أكرمهُ، وأجلسهُ، والمعضلُ في الاصطلاحِ من هذا؛ لأنهم أعضلوه، فيصيرُ كما قالوا: ظلم الليلُ وأظلمَ هوَ، وأظلمهُ اللهُ. هذا ما كانَ ظهرَ لي، ثم وجدتُ ما يؤيدُ أنَّهُ مرادهُ، قالَ
_________________
(١) جاء في نسخة (ب): ونقل هذا السخاوي عن ابن حجر فقال: «واعلم أنه قد وقع - كما أفاده شيخنا - التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة، بل الإشكال في معناه، وذكر لذلك أمثلة، ولم يذكر فيها ما رواه الدولابي في "الكنى" من طريق خليد بن دعلج، عن معاوية بن قرة، عن أبيه - ﵁ - رفعه: «من كانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من زكاته»، وقال: هذا معضل معضل يكاد يكون باطلًا، قال شيخنا: فأما أن يكون يطلق على كل من المعنيين، أو يكون المعرف به وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، والواقع في كلام من أُشير إليه بكسرها، ويعنون به المستغلق الشديد أي: الإسناد والمتن، قال: وبالجملة فالتنبيه عليه كان متعينًا». انتهى. وانظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٩، وبتحقيقي: ٣٤٩ - ٣٥٢، وفتح المغيث ١/ ١٧٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٤٠٣ ]
الشيخُ في " النكتِ " (١): «إنَّ المصنِّفَ أملى حينَ / ١٢٦ أ / قراءة الكتابِ عليهِ أنَّ فعيلًا يدلُّ على الثلاثي». قالَ: «فعلى هذا يكونُ لنا عَضَلَ قاصرًا، وأعضلَ متعديًا وقاصرًا، كما قالوا: ظَلَمَ الليلُ، وأظلمَ الليل، وأظلمَ اللهُ الليلَ». انتهى.
قال الشيخُ: «وقد اعترضَ عليهِ (٢) بأنَّ «فعيلًا» لا يكونُ من الثلاثي القاصرِ.
والجوابُ: أنَّه إنما لا يكونُ من الثلاثي القاصرِ إذا كانَ «فعيلٌ» بمعنى «مفعول» فأما إذا كانَ بمعنى «فاعلٍ» فيجيءُ منَ الثلاثي القاصرِ، كقولكَ: حريصٌ من حَرَصَ، وإنما أرادَ المصنِّفُ بقولهم: «عضيلٌ» أنَّهُ بمعنى فاعل، من عَضَلَ الأمرُ فهوَ عاضِلٌ وعضيل، واللهُ أعلمُ.
وقرأتُ بخطِّ الحافظِ شرفِ الدينِ الحسنِ بن عليٍّ الصيرفي على نسخةٍ من كتابِ ابنِ الصلاحِ في هذا الموضعِ: دلنا قولهم: «عضيل» على أنَّ في ماضيه عضل، فيكونُ أعضلهُ منهُ، لا من أعضلَ هوَ، وقد جاءَ: ظلمَ الليلُ، وأظلمَ، وأظلمهُ اللهُ، وغطشَ، وأغطشَ، وأغطشهُ اللهُ» (٣). انتهى.
وغطشَ - بمعجمةٍ، ثمَّ مهملةٍ، ثم معجمةٍ - أي: أظلمَ.
قوله: (ولا التفات في ذلكَ إلى معضِلٍ - بكسرِ الضادِ -) (٤)، أي: التفاتًا يشكل على ما مضى من إثباتِ كونهِ متعديًا، وإنْ كانَ مثلَ «عضيلٍ» في المعنى - أي: في اللزومِ - من جهةِ أنَّ معناهُ مستغلقٌ شديدٌ، ليوجبَ ذلكَ أنَّه غيرُ مُتعدٍ معَ
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٨٢.
(٢) جاء في حاشية (أ): «ابن الصلاح».
(٣) التقييد والإيضاح: ٨٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وجودِ الهمزةِ، فحينئذٍ لا يكونُ للهمزةِ (١) أثرٌ في التعديةِ؛ فلا يصحُ معضَلٌ -بالفتحِ -؛ لأنَّهُ لا يكونُ إلا من متعدٍ، لا التفاتَ إلى ذلكَ؛ لأنَّهُ ليسَ بأولِ فَعلٍ استُعمِلَ لازمًا ومتعديًا، نحوَ: أَسلَمَ الرجلُ، فهوَ مسلمٌ، وأسلمتهُ أنا / ١٢٦ ب / إلى كذا، وآمنَ فهوَ مؤمنٌ، وآمنتهُ أنا من فلانٍ، واللهُ أعلمُ.
هذا توجيهُ كلامهِ، على أني وجدتُ النصَّ في كلامِ أهلِ اللغةِ على أنَّ أعضلَ متعدٍ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِ في كتابهِ " الواعي ": «العضلُ الداهيةُ التي أعضلت، أي: غلبت». وقالَ: «أعضلَ الأمر إذا اشتدَ، وداءٌ عضالٌ، أي: شديدٌ أعيا الأطباء وأعضلهم فلم يقوموا بهِ».
وقالَ صاحبُ " القاموسِ " (٢): «عضَّلَ عليهِ: ضيَّقَ، وبهِ (٣) الأمرُ اشتدَّ، كأعضل وأعضلهُ، وتعضلَ الداءُ الأطباءَ، وأعضلهم، وداءٌ عُضالٌ، كغُرابٍ: مُعْيٍ غالِبٌ». انتهى.
والمادةُ تدورُ على الاشتدادِ، من عضلةِ الساقِ، وهي اللحمةُ التي في باطنهِ. ونقلَ عبدُ الحقِّ، عن قاسمٍ: أنها كلُ لحمٍ اجتمعَ، قالَ: وقالَ الخليلُ: كلُ لحمةٍ اشتملت على عصبةٍ. انتهى.
وتارةً يكونُ الاشتدادُ ناظرًا إلى المنعِ، وتارةً إلى الضيقِ والغلبةِ؛ فالمعنى إذن: أنَّ الذي أَسقطَ من الحديثِ راويينِ متواليينِ شدَّد في المنعِ من فهمِ الساقطِ؛ فإنَّهُ إذا كانَ الساقطُ واحدًا أمكنَ أن يعرفَ من تلميذهِ وشيخهِ، فإذا زادَ السقطُ واحدًا يليهِ زاد الإشكالُ، فهو إذن معضلٌ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ومثلَ أبو نصرٍ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ قبل ذلكَ: «ومثالُه: ما يرويهِ
_________________
(١) زاد بعدها في (ف): «في».
(٢) القاموس المحيط مادة (عضل).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: عضلَ».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٤٠٥ ]
تابعيُّ التابعيِّ قائلًا فيهِ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -، وكذلكَ ما يرويهِ مَن دونَ تابعيِّ التابعيِّ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، أو عن أبي بكرٍ وعمرَ وغيرِهما، غيرَ ذاكرٍ للوسائطِ بينهُ وبينهم» (١) / ١٢٧أ /.
قوله: (يقولُ مالكٌ بلغني عن أبي هريرةَ (٢) - ﵁ -) (٣)، أي: فإنَّهُ وردَ في بعضِ طرقهِ خارجَ "الموطأ": مالكٌ، عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن أبيهِ، عن
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٦.
(٢) هذا البلاغ في الموطأ (رواية يحيى الليثي (٢٨٠٦)، ورواية أبي مصعب الزهري (٢٠٦٤)، ورواية سويد بن سعيد (٧٧٩)، وهو في موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي كما أسنده إليه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧). قلت: وقد روي موصولًا عن مالك: رواه إبراهيم بن طهمان، والنعمان بن عبد السلام. ورواية ابن طهمان: عند الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧، والخليلي في الإرشاد ١/ ١٦٤. ورواية النعمان: عند الخليلي في الإرشاد ١/ ١٦٤ - ١٦٥؛ كلاهما (إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام) عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - الحديث. وقد خولف فيه مالك، فقد أسنده عن محمد بن عجلان: سفيان الثوري، عند الحميدي (١١٥٥)، وأحمد (٢/ ٢٤٧)، ووهيب بن خالد عند أحمد (٢/ ٣٤٢)، وسعيد بن أبي أيوب عند البخاري في الأدب المفرد (١١٩٢)، والليث بن سعد عند البخاري في الأدب المفرد (١٩٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٦)، وسفيان بن عيينة عند البغوي (٢٤٠٣)، لكن هؤلاء (سفيان الثوري، ووهيب، وسعيد بن أبي أيوب، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة) رووه عن ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن العجلان، عن أبي هريرة وروايتهم أصح. فقد توبع محمد بن عجلان على روايته، كما في رواية الجمع، فقد أخرجه مسلم (٥/ ٩٣ حديث (١٦٦٢» من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن العجلان. فلعل هذا هو السبب الذي جعل الإمام مالكًا يذكره بلاغًا في موطئه؛ لأنه لم يضبطه جيدًا، ومن عجب أنّ الدكتور بشار عوّاد لم ينتبه إلى ذلك في تعليقه على موطأ مالك في روايته (رواية أبي مصعب، ورواية يحيى الليثي) بل لم يشر أبدًا إلى الرواية الموصولة من طريق مالك.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٤٠٦ ]
أبي هريرةَ؛ فتبينَ أنَّ الساقطَ اثنانِ متواليانِ، وهذا يؤيدُ ما أسلفنا في الإسنادِ الذي فيهِ راوٍ مبهمٌ مثل «رجل»، من أنَّهُ لا يُسمَّى متصلًا فيهِ مبهمٌ إلا إذا صرَّحَ ذلكَ المبهمُ بالتحديثِ ممن فوقهُ؛ لأنَّ مالكًا أخذَ عن أصحابِ أبي هريرةَ.
وقولهُ هنا: (بلغني) (١) يعني: من مُبَلِّغ، فهو مبهمٌ، فلو لم يشترطِ التحديثَ لقلنا متصلٌ، فإنَّهُ كثيرًا ما يكونُ بينهُ وبينَ أبي هريرةَ واحدٌ فقط، وقد تبيّنَ بخلافِ ذلكَ، وأنَّ بينهما اثنينِ، وبهذا يندفعُ ما استُشكِلَ بهِ قولُ أبي نصرٍ من أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ الساقطُ بينَ مالكٍ وبينَ أبي هريرةَ واحدًا؛ لسماعِ مالكٍ من سعيدٍ المقبري، ونعيمِ المجمرِ، ومحمدِ بنِ المنكدرِ، وغيرِهم من أصحابِ أبي هريرةَ، واللهُ الموفقُ.
قوله: (من قبيلِ المعضلِ) (٢) قالَ ابنُ الصلاحِ: «لما تقدمَ» (٣)، أي: من سقوطِ اثنينِ فصاعدًا من إسنادهِ. انتهى.
وهو من قبيلِ المعلقِ أيضًا، ولا يختصُّ بقولهم: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، بل لو قالَ أحدُهم: قالَ الشافعيُّ، أو مالكٌ مثلًا لكانَ الحكمُ كذلكَ.
قال ابنُ الصلاحِ: «وسماهُ الخطيبُ أبو بكرٍ الحافظُ في بعضِ كلامهِ مرسلًا، وذلكَ على مذهبِ مَن يُسمِّي كلَّ ما لا يتصلُ إسنادهُ مرسلًا كما سبقَ» (٤).
قوله: (ومنه قسمٌ ثانٍ) (٥) هذا له شرطانِ:
أحدهما: أنْ يجيءَ مسندًا من طريقِ ذلكَ الذي وُقِفَ عليهِ. (٦)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٨.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٨.
(٥) التبصرة والتذكرة (١٣٤).
(٦) بدل هذا في (ب): «قوله».
[ ١ / ٤٠٧ ]
/ ١٢٧ ب / والثاني: أنْ يكونَ مما تجوزُ نسبتُه إلى غيرِ النبيِّ - ﷺ -، مثلُ أنْ يكونَ للرأي فيهِ مجالٌ، أو يكونَ مما يمكنُ أخذهُ عنِ الكتابيينِ. فإنْ لم يأتِ مسندًا من طريقِ ذلكَ الرجلِ من وجهٍ من الوجوهِ؛ فإنَّه لا يكونُ معضلًا؛ لأنَّهُ يحتمل أنْ يكونَ قالهُ من عندِ نفسهِ، فلم يتحققْ أنَّهُ سقطَ منهُ اثنانِ، ففاتَ شرطُ التسميةِ، وإنْ كانَ مما لا تجوزُ نسبتهُ إلى غيرِ النبيِّ - ﷺ - كأنْ يقولَ التابعيُّ: «أُسرِيَ بي، ورأيتُ (١) ربي» ونحو ذلكَ مما يعلمُ أنَّهُ عنِ النبيِّ - ﷺ -؛ فهوَ مرفوعٌ حكمًا، وهو معضلٌ بالنظرِ إلى صورتهِ الظاهرةِ في سقوطِ اثنينِ منهُ، ومرسلٌ نظرًا إلى أنَّ النبيَّ - ﷺ - مذكورٌ فيهِ حكمًا، وإنْ لم يصرحِ بهِ.
قولهُ: (باستحقاقِ اسمِ الإعضالِ أولى) (٢)، أي: من اسمِ القطعِ والإرسالِ نظرًا إلى الصورةِ.
الْعَنْعَنَةُ (٣)
قولهُ:
١٣٦ - وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، واللِّقَا عُلِمْ
١٣٧ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجمَاعَا و(مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجتِمَاعَا
١٣٨ - لكِنْ تَعَاصُرًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ طُوْلُ صَحَابَةٍ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ
١٣٩ - مَعْرِفَةَ الرَّاوِي بِالاخْذِ عَنْهُ، وَقيْلَ: كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ
١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ، وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ
_________________
(١) في (ف): «أو رأيت».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٨.
(٣) ينظر في العنعنة: المحدّث الفاصل: ٤٥٠، والتمهيد ١/ ١٢، وإكمال المعلم ١/ ١٦٤، والاقتراح: ٢٠٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٥٥، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٥٨٣ وبتحقيقي: ٣٥٥.
[ ١ / ٤٠٨ ]
١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيجِ
قالَ شيخُنا: «مَن حَكَمَ بالانقطاعِ دائمًا شددَ (١)، ويليهِ مَن شرطَ طولَ الصحبةِ (٢)، ومنِ اكتفى بالمعاصرةِ سهَّلَ (٣)، والمذهبُ الوسطُ الذي ما بعدهُ إلا التعنتُ مذهبُ علي بنِ المديني والبخاري من أنَّهُ يشترطُ اللقاء فقط (٤).
وما أوردهُ مسلمٌ عليهم من أنَّهُ يلزمهم ردُّ المعنعنِ دائمًا لاحتمالِ عدمِ السماعِ ليسَ بواردٍ؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ في غيرِ المدلسِ، ومتى فرضَ أنَّهُ لم يسمع ما عنعنهُ كانَ مدلسًا، فتنتفي المسألةُ من أصلها».
وقوله: (معرفةُ الراوي بالأخذِ عنهُ) (٥) لا يطابقُ قوله / ١٢٨ أ / في الشرحِ: «أنْ يكونَ معروفًا بالروايةِ عنهُ» فإنَّ الأخذَ أخصُّ منَ الروايةِ، فالأخذُ عنِ الشخصِ التلقي منهُ بلا واسطةٍ، والروايةُ عنه النقلُ عنهُ، سواءٌ كانَ بواسطةٍ أم لا؛ فالعبارةُ المساويةُ لما في الشرحِ أنْ يقالَ (٦): معرفةُ الراوي بنقلٍ عنهُ.
_________________
(١) قال العلائي في " جامع التحصيل ": ١١٦: «وهذا القول حكاه ابن الصلاح ولم يسم قائله ونقله قبله القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه " المحدث الفاصل ": ٤٥٠ عن بعض المتأخرين من الفقهاء.
(٢) وهو قول الإمام أبي المظفر بن السمعاني. انظر: قواطع الأدلة ١/ ٣٧٤، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٨٧، وجامع التحصيل: ١١٦.
(٣) وهو قول الإمام مسلم ﵀، وقد ادعى الإجماع عليه كما قال النووي. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٣.
(٤) قال النووي: «وهو مذهب علي بن المديني والبخاري وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين، وهو الصحيح». وسيأتي كلام النووي لاحقًا. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٣. وقال العلائي: «وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني والإمام البخاري وأكثر الأئمة». جامع التحصيل: ١١٦.
(٥) التبصرة والتذكرة (١٣٩).
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: في النظم».
[ ١ / ٤٠٩ ]
قوله: (وللقطعِ نحا البرديجي) (١)، أي: وللقطعِ في الخبرِ الذي رواهُ الراوي بـ «أنَّ» ونحوها منَ الصيغِ المشبهةِ بـ «عن» في كونها تحتملُ عدمَ السماعِ مطلقًا، أي: سواءٌ كانَ قائلُها مدلسًا أو لا، لقيَ مَن رَوَى بها عنه أم لا.
قوله: (من أئمةِ الحديثِ وغيرهم) (٢) قال ابنُ الصلاحِ عقبهُ: «وأودعهُ المشترطونَ للصحيحِ في تصانيفهم فيهِ وقبلوهُ» (٣).
قوله: (بشرطِ سلامةِ الراوي الذي رواهُ بالعنعنةِ منَ التدليسِ) (٤)، أي: فإنْ كانَ مدلسًا لم تقبلْ عنعنتُهُ حتى يتبيَّنَ سماعُه لذلكَ الحديثِ ممن عنعنهُ عنهُ، قالَ الشافعي في بابِ تثبيتِ خبرِ الواحدِ: «وأقبلُ في الحديثِ حدثني فلانٌ، عن فلانٍ إذا لم يكن مدلسًا، ولا أقبلُ في الشهادةِ إلا سمعتُ، أو رأيتُ، أو أشهدني» (٥).
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الصيرفي في شرحهِ (٦): «لأنَّ فلانًا، عن فلانٍ إذا لقيهُ فهوَ على السماعِ حتى يُعرفَ خلافهُ، وليسَ الناسُ على أنَّ عليهم ديونًا حتى يُعلمَ خلافه، فالشهادةُ تختصُ بأنْ يحتاطَ فيها من هذا الوجهِ». وقالَ الشافعيُّ: «فقالَ - يعني: شخصًا ناظرهُ (٧) - فما بالكَ قبلتَ مَن لم تعرفهُ بالتدليسِ أنْ يقولَ: عن، ويمكنُ (٨)
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٤١).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٩.
(٥) الرسالة فقرة (١٠١١).
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي على الرسالة».
(٧) هذه الجملة من البقاعي للتوضيح، وقد ذكرت عند تحقيقنا للرسالة بأن ليس هناك مناظرة حقيقية، وإنما هو تمثيل للإمام الشافعي، حتى يشمل القول ونقيضه، فيكون أثبت للحجة والقوة.
(٨) في الرسالة: «وقد يمكن».
[ ١ / ٤١٠ ]
فيهِ أنْ يكونَ لم يسمعهُ؟ فقلتُ لهُ: المسلمونَ / ١٢٨ ب / العدولُ عدولٌ أصحاءُ الأمرِ في أنفسهم» (١).
وقالَ الصيرفي: «المعنى: أني إذا عرفتُ العدلَ فهو على العدالةِ حتى أعلمَ الجرحَ، وكذلكَ إذا علمتُ السماعَ فهوَ على السماعِ حتى أعلمَ التدليسَ؛ فإذا علمته وقفته، وما لم نجدْ لهُ فهوَ موقوفٌ على الاختبارِ (٢»).
قولهُ: (وبشرطِ ثبوتِ ملاقاتهِ) (٣)، أي: فإنْ لم تثبتْ ملاقاتهُ لمن عنعنَ عنهُ وقفَ الحديث حتى يثبتَ اللقيُّ، فقد عنعنَ أناسٌ عن من لم يلقوه، مثل حديثِ: «كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، والقراءة بالحمد للهِ ربِ العالمينَ، وكانَ إذا ركعَ لم يشخص رأسهُ ولم يصوبهُ، ولكن بينَ ذلكَ، وكانَ إذا رفعَ رأسهُ من الركوعِ لم يسجدْ حتى يستويَ قائمًا، وكانَ إذا رفعَ رأسهُ منَ السجدةِ لم يسجدْ حتى يستويَ جالسًا، وكانَ يقولُ في كلِّ ركعتينِ التحيةَ، وكانَ يفرشُ رجله اليسرى، وينصبُ رجله اليمنى، وكانَ ينهى عن عقبة --وفي روايةٍ: عقب - الشيطانِ، وينهى أنْ يفترشَ الرجلُ ذراعيهِ افتراشَ السبعِ، وكانَ يختمُ الصلاةَ بالتسليمِ».
أوردهُ صاحبُ "العمدةِ" (٤) فيها ظانًا أنَّهُ مما اتفقَ عليهِ الشيخانِ، وإنما رواهُ مسلمٌ (٥) فقط، عن أبي الجوزاءِ أوسِ بنِ عبدِ اللهِ الربعي، عن عائشةَ -﵂-، ولم يلقَها.
قالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ" (٦) عنِ ابنِ عديٍ: «وأبو الجوزاءِ رَوَى عن
_________________
(١) الرسالة فقرة (١٠٢٨) و(١٠٢٩).
(٢) في (ف): «الاختيار».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٩.
(٤) جاء في حاشية (أ): «الحافظ عبد الغني المقدسي»، وانظر: عمدة الأحكام: ٧٢.
(٥) صحيح مسلم ٢/ ٥٤ (٢٤٠) (٤٩٨).
(٦) ١/ ٣٨٤.
[ ١ / ٤١١ ]
الصحابةِ، وأرجو أنَّه لا بأسَ بهِ، ولا تصحُّ روايته عنهم أنَّهُ قد سمعَ منهم، وقولُ البخاري: «في إسنادهِ نظرٌ» يعني: أنهُ لم يسمع من مثلِ ابنِ مسعودٍ، وعائشةَ وغيرِهما، لا أنَّه / ١٢٩ أ / ضعيفٌ عندهُ».
قالَ شيخُنا (١): «وذكرَ ابنُ عبدِ البرِ في "التمهيدِ" أيضًا أنَّهُ لم يسمعْ منها (٢). وقالَ جعفرُ الفريابي في " كتابِ الصلاةِ ": حدثنا مزاحمُ بنُ سعيدٍ (٣)، حدثنا ابنُ المباركِ، حدثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، حدثنا بديلُ العقيليُّ، عن أبي الجوزاءِ، قالَ: أرسلتُ رسولًا إلى عائشةَ -﵂- يسألها فذكرَ الحديثَ - يعني: «كانَ يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ » إلى آخرهِ - (٤) فهذا ظاهرهُ أنَّه لم يشافهها، لكنْ لا مانعَ من جوازِ كونهِ توجهَ (٥) بعدَ ذلكَ، فشافهها على مذهبِ مسلمٍ في إمكانِ اللقاءِ، واللهُ أعلمُ» (٦).
قولهُ: (فقدِ ادعاهُ) (٧) فيهِ نظرٌ، فإنَّ ابن عبدِ البرِ لم يصرّحْ بذلكَ، إنما ادّعى الإجماعَ على قبولهِ كما في " التمهيدِ " (٨)، لكن يلزمُ من ذلكَ أنْ يكونَ متصلًا، وعبارته - كما نقلها (٩) الشيخُ في "النكتِ" (١٠) -: «اعلمْ وفقكَ اللهُ، أني تأملتُ
_________________
(١) القائل هو البقاعي.
(٢) التمهيد ٢٠/ ٢٠٥.
(٣) في جميع النسخ الخطية: «شعبة» وهو تحريف، لأنه جاء مخالفًا لما في التهذيب، ويؤيد ما أثبت ما جاء في سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٠٤ في ترجمة الفريابي، إذ ذكره ضمن شيوخه بهذا الاسم، والله أعلم.
(٤) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٥) بعد هذا في التهذيب: «إليها».
(٦) جاء في حاشية (أ): «بلغ»، وهو دليل على بلوغ المقابلة أو السماع.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٠.
(٨) التمهيد ١/ ١٣.
(٩) في (أ) و(ب): «نقل».
(١٠) التقييد والإيضاح: ٨٣ - ٨٤، وانظر: التمهيد ١/ ١٢ - ١٣.
[ ١ / ٤١٢ ]
أقاويلَ أئمةِ الحديثِ، ونظرتُ في كتبِ مَنِ اشترطَ الصحيحَ في النقلِ منهم، ومن لم يشترطهُ، فوجدتهم أجمعوا على قبولِ الإسنادِ المعنعنِ، لا خلافَ بينهم في ذلكَ إذا جمعَ شروطًا ثلاثةً، وهي: عدالةُ المحدثينَ، ولقاءُ بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً، وأنْ يكونوا بُرَآءً من التدليسِ - ثم قالَ -: وهو قولُ مالكٍ، وعامةِ أهلِ العلمِ». انتهى.
لكنْ نقل عن شيخِنا الحافظِ (١) برهانِ الدينِ الحلبي أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ قال في مقدمةِ " التمهيدِ " (٢): «لا خلافَ في ذلكَ» - أي: في كونهِ متصلًا - بين أئمةِ الحديثِ.
قوله: (وادعى أبو عمرٍو الداني ) (٣) إلى آخره، يُنظرُ كلامُ أبي عمرٍو في كتابه في " القراءاتِ "، هل الشرطُ داخلٌ في الإجماعِ، أو هوَ قَيَّدَ الإجماع من عنده؟
قوله - مستدركًا على أبي عمرٍو -: (لكنْ قد يظهر عدمُ / ١٢٩ ب / اتصاله) (٤)، أي: لا يلزمُ من كونهِ معروفًا بالروايةِ عنهُ أنْ يكونَ متصلًا؛ فإنَّ الشخصَ قد يُكثِرُ النقلَ عن شخصٍ، فيُعرفُ بالروايةِ عنهُ، ولا يكونُ اجتمعَ بهِ أصلًا، أو يكونُ اجتمعَ بهِ، ولم يسمعْ منهُ شيئًا.
قلتُ: والمسألةُ مفروضةٌ فيمن ثبتَ لقاؤهُ، وهو معَ ذلكَ غيرُ مدلسٍ، فمن رَوَى عمن لم يجتمعْ بهِ فقَدْ فَقَدَ الشرطَ الأولَ، فلم يردْ عليهِ الشقُّ الأولُ منَ الاعتراضِ، ومَن رَوَى عن مَن اجتمعَ بهِ، ولم يسمعْ منهُ شيئًا بلفظِ «عن» ونحوها كان مدلسًا، ففاتهُ الشرطُ الثاني؛ فسلمَ منَ الشقِ الثاني، وليسَ طولُ الصحبةِ شرطًا
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) التمهيد ١/ ١٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
لمعرفةِ الراوي بالأخذِ عن الشخصِ، فقد يلقاهُ بعضَ يومٍ ويحملُ عنهُ أحاديثَ، ثم ينشرُها، فيشيعُ أنَّهُ يرويها عنهُ، فيقبلُ الرواةُ إليهِ، ويشتهرُ ذلكَ، وإنما كانَ اجتماعهُ بهِ بعضَ يومٍ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (والبخاريُّ وغيرهما) (١) منهم: أبو بكرٍ الصيرفي الشافعي، والمحققونَ. قالهُ النوويُّ (٢) فيما نقل عنهُ (٣).
قولهُ: (لم يسبقْ قائله إليهِ) (٤) قال ابنُ كثيرٍ - فيما نقل عنهُ -: «قيلَ: إنَّهُ يريدُ البخاريَّ، والظاهرُ أنَّهُ يريدُ عليَّ بنَ المديني، فإنَّهُ يشترطُ ذلكَ في أصلِ صحةِ الحديثِ، وأما البخاريُّ فإنَّهُ لا يشترطهُ في أصل الصحةِ، ولكن التزمَ ذلكَ في كتابهِ " الصحيحِ"» (٥).
قولهُ: (أو تشافها) (٦) وقد التزمَ مسلمٌ منِ اشترطَ اللقاء؛ لاحتمالِ الإرسالِ أنْ يردَ المعنعنَ دائمًا، فقالَ: «فإنْ كانتِ العلةُ في تضعيفِكَ الخبرَ / ١٣٠ أ / وتركِكَ الاحتجاجَ بهِ إمكانُ الإرسالِ فيهِ، لزمكَ أنْ لا تثبتَ إسنادًا معنعنًا حتى ترى فيهِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٠.
(٢) عزاه الإمام النووي في "التقريب": ٦٠ إلى المحققين، وقال في شرحه لصحيح مسلم ١/ ٣٣: «والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث، والفقه والأصول: أنه متصل ». وقال ابن حجر في "النكت" ٢/ ٥٩٥، وبتحقيقي: ٣٦٦: «وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي». وبه قال ابن عبد البر كما في "التمهيد" ١/ ٢٦، وانظر: "الرسالة" للإمام الشافعي فقرة (١٠٣٢).
(٣) جاء في حاشية (أ): «بلغ الشيخ شهاب الدين ابن الحمصي، قراءة على صاحبه بلغ الله به أعلى المنازل، وحلاه بأحلى الفضائل قراءة في البحث، وسمع الجماعة، وكتبه مصنفه إبراهيم ابن عمر البقاعي الشافعي لطف الله به، آمين».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
(٥) اختصار علوم الحديث ١/ ١٦٩، وبتحقيقي: ١٢٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٤١٤ ]
السماعَ من أولهِ إلى آخرهِ». (١) انتهى. وهذا ليسَ بلازمٍ؛ لأنَّ المُعَنْعِنَ لو كانَ بينهُ وبينَ مَن رَوَى عنهُ بعن واسطةٌ كانَ مدلسًا، والمسألةُ مفروضةٌ في غيرِ المدلسِ، كما قالَ شيخنا في " شرحهِ لنخبتهِ " (٢).
وقال ابنُ الصلاحِ في تفريعاتِ هذا الباب: «الثالث: قد ذكرنا ما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ من تعميمِ الحكمِ بالاتصالِ فيما يذكرهُ الراوي عن مَن لقيهُ بأي لفظٍ كانَ، وهكذا أطلقَ أبو بكرٍ الشافعي الصيرفي (٣) ذلِكَ فقالَ: «كلُّ مَن عُلمَ له سماعٌ من إنسانٍ فحدّثَ عنهُ، فهوَ على السماعِ حتى يعلمَ أَنَّهُ لم يسمع منهُ ما
حكاهُ، وكل مَن عُلمَ له لقاءُ إنسانٍ فحدّثَ عنهُ، فحكمهُ هذا الحكم» (٤)، وإنما قالَ هذا فيمن لم يظهرْ تدليسُه.
ومن الحجةِ في ذلِكَ وفي سائرِ البابِ أَنَّهُ لو لم يكن قد سمعهُ منهُ لكانَ بإطلاقهِ الروايةَ عنهُ من غيرِ ذكرِ الواسطةِ بينهُ وبينهُ مدلسًا، والظاهرُ السلامةُ من وصمةِ التدليسِ، والكلامُ فيمن لم يُعرفْ بالتدليسِ.
ومن أمثلةِ ذلِكَ، قوله: قالَ فلانٌ كذا وكذا، مثلُ أنْ يقولَ نافعٌ: قالَ ابنُ عمرَ. وكذلكَ لو قالَ عنهُ: ذكرَ، أو فعلَ، أو حدّثَ، أو كانَ يقولُ كذا وكذا، وما جانسَ ذلِكَ، فكلُ ذلِكَ محمولٌ ظاهرًا على الاتصالِ، وأنَّه تلقى ذلِكَ منهُ من غيرِ واسطةٍ بينهما، مهما ثبتَ لقاؤهُ له على الجملةِ» (٥).
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) نزهة النظر: ٦٦ طبعة عتر.
(٣) هو الإمام الأصولي أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٤٤٩، وطبقات الفقهاء: ١٢٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٨٦.
(٤) قال الزركشيُّ في "نكته" ٢/ ٣٨: «رأيته مصرحًا به في كتابه المسمى بـ (الدلائل والإعلام في أصول الأحكام»).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٤.
[ ١ / ٤١٥ ]
قوله: (وفيما قالهُ مسلمٌ نظرٌ) (١)، أي: لأنهم كثيرًا / ١٣٠ ب / ما يرسلونَ عن من عاصروهُ، ولم يلقوهُ.
قولهُ: (قالَ: وهذا الحكمُ) (٢)، أي: المسألةُ من أصلها وهي العنعنةُ، أي: لأنَّ المتأخرينَ ليسَ لهم اعتناءٌ بأمرِ الروايةِ في الكتبِ العلميةِ، إنما جلُّ مقصودِهم إبداءُ الفوائدِ من غيرِ نظرٍ إلى إسنادٍ.
قوله: (أبو الحسنِ القابسي) (٣) قيلَ: وهو حسنٌ لو رتبَ (٤) هذهِ الأمورَ المزيدةَ كما فعلَ النوويُّ كانَ أحسنَ، فإنَّهُ قالَ (٥) - بعدَ ذكر مذهبِ البخاريِّ وغيرهِ -: «وقد زادَ جماعةٌ من المتأخرينَ على هذا، فاشترطَ أبو الحسنِ
القابسيُّ فذكرهُ، وزادَ أبو المظفرِ السمعاني فاشترطَ طولَ الصحبةِ بينهما، وزادَ أبو عمرٍو الداني » (٦) إلى آخرهِ.
قوله: (إدراكًا بينًا) (٧)، أي: إدراكًا يمكنهُ فيهِ لقاؤه والسماعُ منهُ، وإلاّ فلا فائدةَ في كونهِ أدركهُ (٨) بالسن، ثم ماتَ المرويُّ عنهُ قبلَ تمييزهِ، وهذا
مرادُ مسلمٍ في اكتفائهِ بالمعاصرةِ، ولأجلِ هذا قالَ الشيخُ: «وهذا داخلٌ فيما تقدّمَ» (٩).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
(٤) جاء في حاشية (أ): «ابن الصلاح».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٤.
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٢٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٢.
(٨) في (ف): «إدراكه».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
وكذا مرادُ مَنِ اشترطَ اللقاءَ أنْ يقترنَ باللقاءِ إمكانُ السماعِ، وإلاّ فلو وردَ في القصةِ التي ثبتَ بها اللقاءُ ما يدلُ على عدمِ السماعِ (١) لم يعتدَّ بذلكَ اللقاءِ، وإنما تركوا الاحترازَ عن ذلِكَ؛ لأنَّ المقامَ يدلُ عليهِ، والمتقدمونَ كانوا يكتفونَ في عباراتهم بالإشاراتِ والتلويحاتِ، وما يدلُّ عليهِ المقامُ، ونحو ذلِكَ، وعلى هذا مبنى كلامِ العربِ، وإنما جاءَ الاحترازُ في الألفاظِ، وشدةِ التَّقيُّدِ بها من حينِ ظهورِ المنطقِ في الملةِ الإسلاميةِ؛ لأنَّ مبناهُ على حقائقِ / ١٣١ أ / الأشياءِ، وذلكَ لأنَّ الذي اخترعهُ كانَ يونانيًا، فإذا رأى كلامًا أمسكَ حروفه وبحثَ فيما تدلُّ عليهِ، من غيرِ اعتبارٍ لشيء زائدٍ على تلكَ الألفاظِ. هكذا قالَ شيخُنا، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ المناطقةَ تارةً يحملونَ الكلامَ على القوةِ، وتارةً على الفعلِ، وهذا تارةً يكونُ بالضرورةِ، وتارةً بالإمكانِ. إلى غيرِ ذلكَ مما هو مشهورٌ.
قالَ شيخُنا: «ووجدتُ في بعض الأخبارِ ورودَ «عن» فيما لا يمكنُ أنْ يكونَ الراوي سمعهُ ممن رواهُ عنهُ، وإنْ كانَ لقيهُ وسمعَ منهُ الكثيرَ، أخرجَ (٢) عن أبي إسحاقَ عمرِو بنِ عبدِ اللهِ السبيعي، عن عبدِ اللهِ بنِ خبابِ بنِ الأرّت: أنَّهُ خرجَ عليهِ الحروريةُ فقتلوهُ حتى جرى دمه في النهرِ (٣). فهذا كما تراهُ لا يمكنُ أنْ يكونَ
_________________
(١) من قوله: «وإلا فلو ورد» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) جاء في نسخة (أ) و(ب) فراغ بعد هذا بمقدار كلمتين أو ثلاثة، وكتب فيه «كذا»، وهذا دليل على صحة الفراغ، وهو أنَّ البقاعي ترك فراغًا ليذكر فيه من أخرج الرواية، فكتب ناسخ (أ) و(ب): «كذا» من أجل التدليل أن البياض صحيح في الأصل، وفي نسخة (ف) جاء في الحاشية: «هنا بياض نحو ربع سطر».
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نحو هذه القصة في كتابه " النكت " ٢/ ٥٨٦، وبتحقيقي: ٣٥٨، غير أنه قال: «حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص: أنه خرج عليه خوارج فقتلوه». وقد أخرج الدارقطني في " سننه " ٣/ ١٣٢ نحوها أيضًا: عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي =
[ ١ / ٤١٧ ]
أبو إسحاقَ سمعهُ منِ ابنِ خبابٍ، كما هو ظاهرُ العبارةِ؛ لأنَّهُ هو المقتولُ، فهذا لا يوصفُ بالتدليسِ، وإنْ كانَ أبو إسحاقَ مدلسًا لظهورهِ، فهوَ غيرُ داخلٍ في تعريفِ التدليسِ، فإنَّهُ: أنْ يرويَ الشخصُ عن من لقيهُ شيئًا لم يسمعْهُ منهُ بصيغةٍ محتملةٍ». واللهُ أعلمُ.
قوله: (من قبيلِ المرسلِ والمنقطعِ) (١)، أي: حتى لا يحتج بهِ، نقلَ عنِ النووي أنَّهُ قالَ: «هذا المذهبُ مردودٌ بإجماعِ السلف» (٢) (٣).
قولهُ: (لإجماعهم على أنَّ الإسنادَ المتصلَ بالصحابي ..) (٤) إلى آخرهِ، قياسٌ لحالِ غيرِ الصحابي في إتيانهِ بـ «أنَّ» ونحوها على حالِ الصحابي معَ وجودِ الفارقِ، بوجودِ مانعٍ في الفرعِ، وهوَ احتمالُ / ١٣١ ب / كونِ من ليسَ بصحابيٍّ غير ثقةٍ، ووجود شرطٍ في الأصلِ، وهو ثبوتُ عدالةِ جميعِ الصحابةِ، وفقدهِ في الفرعِ، فإنما قبلوا منَ الصحابي مطلقًا، حتى بالصيغةِ المحتملة؛ لأنَّ أمرَهُ دائرٌ بينَ أنْ يكونَ سمعهُ منَ النبي - ﷺ -، أو من صحابي آخر، والصحابةُ كلهم عدولٌ، فلا يضرُّ الجهلُ بالساقطِ منهم، واحتمالُ كونهِ سمعهُ من بعضِ التابعينَ بعيدٌ جدًا، لا سيما إنْ كانَ في ذلكَ الخبرِ حكمٌ، والحكمُ دائرٌ على غلبةِ الظنِّ فلا يؤثرُ فيهِ هذا الاحتمالُ.
_________________
(١) =الأحوص، فذكر قصة، ثم قال: «فقدموه إلى النهر فذبحوه، كما تذبح الشاة »، والطبراني في " الكبير " (٣٦٢٩) و(٣٦٣٠): عن رجل من عبد القيس، وذكر قصة، ثمّ قال: «فقربوه إلى شط النهر فذبحوه ».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٢٤.
(٤) كتب ناسخ (أ) في الحاشية: «بلغ على المؤلف».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٢.
[ ١ / ٤١٨ ]
وأما غيرُ الصحابي وإنْ كانَ تابعيًا فإنَّهُ يحتملُ احتمالًا قويًا أنْ يكونَ سمعَ معَنعِنهُ أو مُؤنئِنه من غيرِ صحابيٍّ، وأنْ يكونَ ذلكَ المسموعُ منهُ غيرَ ثقةٍ.
قوله:
١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) (١) كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا
١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
١٤٥ - وَمَا حَكَى عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَل) وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّلِ
قوله: (ومثلهُ) (٢)، أي: ومثلُ ما نحا إليهِ البرديجي.
قوله: (ووجدتُ مثل ما حكاه) (٣)، أي: ابنُ عبد البرِّ.
قولهُ: (الفحلُ) (٤) ابنُ الصلاحِ يصفُ هذا الرجلَ بأنَّه فحلٌ (٥)، إشارةً إلى أنَّهُ قد بلغَ الغايةَ من معرفةِ هذا الفنِّ، ويصفُ مسندَهُ بالفحولةِ أيضًا إشارة إلى أنَّهُ في غايةِ التحريرِ.
قوله: (عن محمدِ بنِ الحنفيةِ) (٦) نُسبتْ كذلكَ؛ لأنها من سبي بني حنيفةَ، واسمها خولةُ، قال شيخنا: «وقد بشَّر النبي - ﷺ - عليًا - ﵁ - بابنهِ محمدٍ منها، ففي جزء أحمدَ بنِ كاملٍ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - رأى الحنفيةَ في بيتِ فاطمةَ -﵄- فقال لعليٍّ: «إنَّكَ ستتزوجُ هذهِ، ويولدُ لكَ ولدٌ منها، فسمِّهِ محمدًا» (٧).
_________________
(١) في (ف): «ابن أبي شيبة».
(٢) التبصرة والتذكرة (١٤٢).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٣.
(٥) جاء في حاشية (أ): «قال شيخنا: كان عندهُ ثمانون فراشًا للمحدثين يحررون معه السند».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٣.
(٧) أخرجه: أبو الحسن أحمد بن عثمان الأدمي في "فوائده" (كما في الإصابة) ٤/ ٢٨٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
قوله: (فكانَ نقله لذلكَ مرسلًا) (١)، أي: من حيثُ / ١٣٢ أ / اللفظُ، وإلاّ فالتحريرُ: أنَّ ما أتى بمثلِ هذهِ الصيغةِ إنْ كانَ لم يأتِ إلا كذلكَ فهو مرسلٌ، وإنْ أتى موصولًا من طريقٍ أخرى بعن أو غيرِها منَ الصيغِ؛ فإنَّ الحكمَ للوصلِ، فيحكمُ على تلكَ الطريقِ المرسلةِ بأنها موصولةٌ نظرًا إلى ما بانَ بتلكَ الطريقِ
الأخرى، وهنا قد وصلَ منَ الطريقِ الأولى؛ فيعقوبُ إنما حكمَ على ظاهرِ لفظِ الطريقِ الثانيةِ ليعلمَ منهُ ما شابههُ.
قوله: (فهوَ مرسل صحابي) (٢) من هذا ما ذكرهُ ابنُ الصلاحِ عقبَ قصةِ عمارٍ التي ذكرها ابنُ شيبةَ فقالَ: «ثمَّ إنَّ الخطيبَ (٣) مثَّلَ هذهِ المسألةَ - أي: مسألةَ المؤنئنِ - بحديثِ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عن عمرَ: أنَّهُ سألَ النبيَّ - ﷺ -: «أينامُ أحدنا وهوَ جنبٌ؟ » الحديثَ (٤)، وفي روايةٍ أخرى: عَن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ قالَ: «يا رسولَ اللهِ » الحديثَ (٥). ثُمَّ قالَ -يعني: الخطيبَ-: «ظاهرُ الروايةِ الأولى يوجبُ (٦) أنْ تكونَ مِن مسندِ عمرَ، عنِ النبي - ﷺ -، والثانيةُ ظاهرها يوجبُ أن تكونَ مِن مسندِ ابنِ عمرَ، عنِ النبي - ﷺ - (٧»).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٣) الكفاية (٥٧٤ ت، ٤٠٦ - ٤٠٧ هـ).
(٤) أخرجه: من هذا الطريق بهذا اللفظ: عبد الرزاق (١٠٧٤) و(١٠٧٥) و(١٠٧٧)، وأحمد ١/ ١٦ و٣٥ و٤٤، والنسائي في " الكبرى " (٩٠٥٩) و(٩٠٦٣)، وابن حبان
(٥) أخرجه: من هذا الطريق بهذا اللفظ: البخاري ١/ ٨٠ (٢٨٧)، ومسلم ١/ ١٧٠ (٣٠٦)، وابن حبان (١٢١٥)، والبيهقي ١/ ٢٠٠ و٢٠١، والبغوي (٢٦٤).
(٦) في (ب): «وجب»، وليس بشيء.
(٧) من قوله: «والثانية ظاهرها يوجب » إلى هنا لم يرد في (ب).
[ ١ / ٤٢٠ ]
قالَ ابنُ الصلاحِ: «ليسَ هذا المثالُ مماثلًا لما نحنُ بصددهِ؛ لأنَّ الاعتمادَ فيهِ في الحكم بالاتصالِ على مذهبِ الجمهورِ - أي: في التسويةِ بينَ «أنْ» و«عن» في أنَّ حكمهما الاتصالُ بشرطِ ثبوتِ اللقاءِ والسلامةِ منَ التدليسِ (١) - إنما هو على اللقاءِ والإدراكِ، وذلك في الحديثِ مشتركٌ مترددٌ؛ لتعلّقهِ بالنبي - ﷺ -، وبعمرَ، وصحبةِ الراوي ابنَ عمرَ -﵄- لهما، فاقتضى / ١٣٢ ب / ذلِكَ من جهةِ كونهِ رواهُ عنِ النبي - ﷺ -، ومن جهةٍ أخرى كونه رواهُ عن عمرَ، عنِ النبي - ﷺ -» (٢). انتهى.
وهو يريدُ أَنَّهُ محكومٌ باتصالهِ على كلِّ حالٍ، فليسَ هو مثلُ قصةِ ابنِ الحنفيةِ؛ فإنَّ الروايةَ الثانيةَ محكومٌ بإرسالها، ولولا الروايةُ الأولى لم نعلم اتصالها. هذا ما
قالهُ، وفي فَرْقِهِ (٣) بينهما نظرٌ؛ فإنهما متساويانِ، لأنَّ روايةَ ابنِ عمرَ الثانيةَ محكومٌ بإرسالها من غيرِ شكٍّ، فهي مساويةٌ لروايةِ ابنِ الحنفيةِ الثانيةِ، وإنْ كانَ لروايةِ ابنِ عمرَ (٤) حكمُ الاتصالِ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ أدركَ سؤالَ أبيهِ فلا شكَّ في اتصالهِ، وإلا فهو مرسلُ صحابي، ولهُ حكمُ الاتصالِ، ويتضحُ الفرقُ بينَ الروايةِ الأولى والثانيةِ، وكذا بينَ ما يأتي نقلهُ عن أحمدَ، بأنْ يجعلَ موضعَ «عن» «حدثني» أو «أخبرني».
قولهُ: (فهو منقطعٌ) (٥)، أي: لم يتصل؛ لأنَّهُ حكى عن فعلِ الصحابي، أو قولهِ للنبي - ﷺ - شيئًا ما أدركهُ، ولا يقالُ: إنَّهُ مقطوعٌ؛ لأنَّ المقطوعَ ما قالهُ التابعيُّ من عندِ نفسهِ.
_________________
(١) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٢ - ١٤٣.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: ابنُ الصلاح».
(٤) لم ترد في (ب)، وكانت في أصل (أ): «عمر»، ثمَّ حذفها وأشار إلى اللحق فكتب: «ابن عمر»، وعلّم بعلامة التصحيح.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
[ ١ / ٤٢١ ]
قوله: (كان متصلًا) (١) قالَ في " النكتِ " (٢): «ولو لم يصرحْ بما يقتضي الاتصال إنْ سَلِمَ ذلِكَ التابعيُّ من وصمةِ التدليسِ».
قولهُ: (وأسندها) (٣)، أي: أسندَ حكايتَها إلى الصحابي، قالَ في "النكتِ" (٤): «بلفظِ «عن» أو بلفظِ «أنَّ فلانًا قالَ» أو بلفظِ «قالَ: قالَ فلان» فهي متصلةٌ أيضًا، كروايةِ ابنِ الحنفيةِ الأولى عن عمارٍ، بشرطِ السلامةِ من التدليسِ كما تقدّمَ».
قولهُ / ١٣٣ أ /: (ولابدَّ منِ اعتبارِ السلامةِ من التدليسِ) (٥) هو معنى قوله: «بالشرطِ الذي تقدما».
قوله: (الحديثُ عندَ أبي داودَ مرسل) (٦)، أي: لفظًا، وهوَ متصلٌ حكمًا؛ لأنَّهُ وردَ من طريقٍ أخرى: «عبدُ الرحمانِ بنُ طرفةَ، عن جدهِ، أَنَّهُ قُطعَ أنفُهُ يومَ الكُلابِ» وهو بضمِ الكافِ مخففًا: اسمُ موضعٍ كانتَ بهِ وقعةٌ من وقائعِهم. ورأيتُ عن شيخِنا البرهانِ: أَنَّهُ يومانِ من أيامِ العربِ المشهورةِ: الكلابُ الأولُ، والكلابُ (٧) الثاني، واليومانِ في موضعٍ واحدٍ. وقيلَ: هو اسمُ ماءٍ بينَ البصرةِ والكوفةِ على سبعةِ أيامٍ من اليمامةِ، وكانت بهِ (٨) وقعةٌ في الجاهليةِ (٩).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٨٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٤) التقييد والإيضاح: ٨٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٥.
(٧) «والكلاب» لم ترد في (ف).
(٨) لم ترد في (ب) وهي في (أ) ملحقة في الحاشية مع علامة التصحيح واللحق.
(٩) انظر: معجم البلدان ٧/ ١٤٦.
[ ١ / ٤٢٢ ]
قوله: (كما في هذا الحديثِ) (١) قالَ في " النكتِ " (٢): «وذكرَ - أي: ابنُ المواقِ (٣) - نحوَ ذلِكَ أيضًا في حديثِ أبي قيسٍ: «أنَّ عمرًَا بنَ العاصِ كانَ على سريةٍ » الحديث في التيممِ من عندِ أبي داودَ (٤) أيضًا، وكذلكَ فعلَ غيرهُ فهوَ أمرٌ واضحٌ، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (لم يسند ذلِكَ إلى عائشةَ) (٥) هو واضحٌ في عدمِ الإسنادِ إليها.
«ولا أدركَ القصةَ» أي: الراوي وهو عروةُ لم يدركْ زمنَ قولها ذلِكَ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، قالَ شيخُنا: «الذي أستحضرُه أنَّ الذي سُئِلَ عنه أحمدُ: عن عمرةَ، عن عائشةَ -﵂-: «أنها كانت ترجلُ رأسَ رسولِ الله - ﷺ -» (٦) وفي
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٥.
(٢) التقييد والإيضاح: ٨٦.
(٣) في (ب): «ابنُ أبي المواق» وليس بشيء.
(٤) سنن أبي داود (٣٣٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٦.
(٦) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٨٦٦) برواية يحيى الليثي، وأحمد ٦/ ١٠٤ و٢٦٢ و٢٨١، ومسلم ١/ ١٦٧ (٢٩٧) (٦)، وأبو داود (٢٤٦٧)، والنسائي في "الكبرى" (٣٣٧٤) من طريق مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، به. وأخرجه: أحمد ٦/ ٨١، والبخاري ٣/ ٦٣ (٢٠٢٩)، ومسلم ١/ ١٦٧ (٢٩٧) (٧)، وأبو داود (٢٤٦٨)، وابن ماجه (١٧٧٦)، والترمذي (٨٠٤) و(٨٠٥)، والنسائي في " الكبرى " (٣٣٧٥)، وابن خزيمة (٢٢٣٠) و(٢٢٣١)، والبيهقي ٤/ ٣١٥ و٣٢٠ من طريق الليث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة -﵂-، فذكره. قالَ الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح هكذا رواه غير واحد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة. ورواه بعضهم عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة».
[ ١ / ٤٢٣ ]
لفظٍ: عن عمرةَ أنَّ عائشةَ -﵂- (١): «كانت ترجلُ» فعمرةُ لم تدركْ زمنَ ترجيلها له صلى الله عليه / ١٣٣ ب / وسلمَ (٢)، فإنها تابعيةٌ، وهي بنتُ عبدِ الرحمان بنِ سعدِ بنِ زرارةَ، فهو مرسلٌ لفظًا؛ فإنْ (٣) كانتِ الطريقُ الأولى بينتْ وصله، ولا أستحضر قصةَ عروةَ، فاللهُ أعلمُ».
قوله: (فأسندَ ذلِكَ إليها بالعنعنةِ) (٤) أي: لأنَّ التقديرَ: «عن عائشةَ أنها قالتْ: يا (٥) رسولَ اللهِ» ويوضحُ ذلِكَ أنْ تضعَ موضعَ «عن» «حدثني» فلو قلت في اللفظِ الأولِ: حدثني عروةُ أنَّ عائشةَ -﵂- قالت؛ لانتظمَ الكلامُ، وكانَ ظاهرًا في أنَّ عروةَ أدركَ زمنَ قولها. ولو قلتَ: حدثني عروةُ، قالَ: حدثتني عائشةُ -﵂ - أنّها قالتْ: يا رسولَ اللهِ، لم يكن معناهُ أَنَّهُ أدركَ زمنَ قولها، وإنما هو ظاهرٌ في أَنَّهُ أدركَ تحديثَها (٦) لهُ، وهو كذلكَ.
قولهُ (٧):
١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ
لما تقدّمَ الكلامُ على حكمِ اتصالِ الحديثِ وعدمهِ، إذا كانَ في سندهِ لفظةُ «عن» أرادَ أنْ ينبهَ على أنّا حيثُ حكمنا باتصالِ ما فيهِ «عن» في المتقدمينَ، فاتصاله بالسماعِ بخلافِ المتأخرينَ، فإنَّ اتصاله فيهم إنما هوَ بالإجازةِ.
_________________
(١) من قوله: «أنها كانت ترجل » إلى هنا لم يرد في (ب).
(٢) لم ترد في (أ).
(٣) في (ف): «وإن».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٦.
(٥) «يا» لم ترد في (ف).
(٦) في (ب): «بحديثها».
(٧) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٤٢٤ ]
قوله: (فَظُنّ بهِ أَنَّهُ رواهُ بالإجازةِ) (١) هو فعلُ أمرٍ، وإنما أمرَ بالظنِّ ولم يطلقِ الحكمَ؛ لأنَّ في زمنهِ لَم يكن تقررَ الاصطلاحُ أنَّ ذلكَ للإجازةِ، وإنما كانَ قَد فشا ذلِكَ الاستعمالُ فيهم، وأمّا في هَذا الزمانِ فمتى وجدنا محدثًا قالَ: حدثني فلانٌ - مثلًا - عَن فلانٍ، فإنا نتحققُ أنَّ ذلِكَ إجازةٌ؛ لأنَّ الاصطلاحَ تقرّرَ على ذلِكَ.
قالَ شيخُنا: «وحكمُ «أن» في المتأخرينَ / ١٣٤ أ / أيضًا حكمُ «عن» إذا لم يُحكَ بها الإخبارُ، أو التحديثُ مسندًا إلى ضميرهِ، ونحو ذلِكَ، لكنْ استعمالهُم لها قليلٌ، فإذا قالَ المحدّثُ: أخبرني فلانٌ أنَّ فلانًا قالَ: حدثنا فلانٌ، ونحو ذلِكَ، كانَ المرادُ بـ «أنَّ» الإخبارَ الإجمالي، وهوَ للإجازةِ، فإنْ حُكِيَ بها الإخبارُ بأن يقولَ: حدثنا فلانٌ أن فلانًا أخبرهُ، فهوَ تصريحٌ بالسماعِ، وهذا كلُّه في المشارقةِ. وأما المغاربةُ فالأمرُ عندهم مشكلٌ جدًا في «عن» و«حدثنا»
و«أخبرنا» ونحوِها؛ فإنهم يستعملونَ كلًا من ذلِكَ في السماعِ والإجازةِ، فلا يُحملُ شيءٌ منهُ على السماعِ إلا إذا صرّحَ بأنْ يقولَ: «قراءةً مني عليهِ»، أو
«حدثنا فلانٌ من لفظهِ»، أو نحوَ ذلِكَ».
قوله: (وقَمَن بفتح الميمِ) (٢) أي: ليسلمَ من السنادِ، فإنه لو كسرَ الميمَ على اللغةِ الأخرى لكانَ من سنادِ التوجيهِ، وهوَ اختلافُ حركةِ ما قبلَ الروي المقيدِ، على أنَّ مثلَ هذا السنادِ كَثُرَ في أشعارِ العربِ كثرةً، حملت بعضَ علماءِ العروضِ، على منعِ كونهِ سنادًا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٦.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قولهُ:
تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ (١)
١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالُهُ لِلأكْثَرِ
١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
١٤٩ - بِوَصْلِ «لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ» مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَلِ
١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا
١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا
كانَ الأليقُ ذكرَ هذا ضمنَ زياداتِ الثقاتِ؛ فإنهُ من جملتها؛ فإنَّ الوصلَ يستلزمُ الزيادةَ على الإرسالِ، لكنَّ الرفعَ قد لا يزيدُ على الوقفِ، مثلَ أنْ يرويَ مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عن عمرَ حديثًا موقوفًا عليهِ، فيرويهِ غيرُ مالكٍ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - / ١٣٤ب / فيرفعَهُ، ولا يذكرُ عمرَ - ﵁ -، فهذا كما ترى ليسَ فيهِ زيادةٌ في العددِ على الموقوفِ، بل ربما يقضي للموقوفِ هنا ويقالُ: إنَّ مَن رفعَهُ مشى على الجادةِ، فالذي خالفها معهُ زيادةُ علمٍ، لكنَّ الأغلبَ الزيادةُ، فدمجها بمسألةِ «زياداتِ الثقاتِ» كانَ أنسبَ، ولم يحكِ هنا إلا أربعةَ أقوالٍ، ويمكنُ أنْ تُزَادَ من زياداتِ الثقاتِ، ثم إنَّ ابنَ الصلاحِ خلطَ هنا طريقةَ المحدّثينَ بطريقةِ الأصوليينَ، على أنَّ لحذاقِ (٢) المحدّثينَ في هذهِ المسألةِ نظرًا آخرَ لم يحكهِ، وهوَ الذي لا ينبغي أنْ يُعدلَ عنهُ، وذلكَ أنهم لا يحكمونَ فيها بحكمٍ مطّردٍ، وإنما يدورونَ في ذلِكَ معَ القرائنِ؛ ولذلكَ حكمَ البخاريُّ بوصلِ حديثِ:
_________________
(١) انظر في ذلك: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ١٩٩ - ٢٤٦، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٢٦٤ وما بعدها.
(٢) في (ف): «الحذاق».
[ ١ / ٤٢٦ ]
«لا نكاحَ إلابولي» (١) لا لأنَّهُ زيادةُ ثقةٍ، ولا لأنَّ سفيانَ وشعبةَ اختلفَ عليهما، فروياهُ مرةً مرسلًا، ومرةً متصلًا، والطريقُ التي رُويَ منها مرسلًا إليهما ضعيفةٌ، بل لأنهما وإنْ كانا جبلينِ في الحفظِ فالذينَ (٢) وصلوهُ سبعةٌ، منهم: إسرائيلُ بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السبيعيُّ، عن جدهِ أبي إسحاق، فإذا جعلنا كلًا من شعبةَ وسفيانَ برجلينِ، أو بثلاثةٍ، كانَ الواصلونَ أكثرَ على كلِ حالٍ، وأيضًا فإنَّ يونسَ ابنَ أبي إسحاقَ سمعهُ مع (٣) أبيهِ، من أبي بردةَ، ورواهُ متصلًا، وإسرائيلُ أثبتُ منهما في حديثِ جدهِ؛ لكثرةِ ممارستهِ له، فهذا وجهٌ مرجحٌ، فإذا تأيَّدَ بروايةِ أبيهِ يونسَ، عن أبي بردةَ صارَ / ١٣٥ أ / بمنْزلةِ روايةِ شعبةَ وسفيانَ، فيتعارضانِ ويترجحُ الوصلُ بروايةِ الستةِ الباقينَ، وأيضًا فإن شعبةَ وسفيانَ، سمعاه في مجلسٍ واحدٍ، بدليلِ روايةِ أبي داودَ الطيالسيِّ في "مسندهِ" (٤)، قالَ: حدثنا شعبةُ، قالَ: سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ لأبي إسحاقَ السبيعيِّ: أحدَّثَكَ أبو بردةَ عنِ النبيِّ - ﷺ -؟ فذكرَ الحديثَ. فرجعا كأنهما واحدٌ، فإنّ (٥) شعبةَ إنما رواهُ بالسماعِ على أبي إسحاقَ بقراءةِ سفيانَ، وحَكَمَ الترمذيُّ في "جامعهِ" (٦) بأنَّ روايةَ الذينَ وصلوهُ أصحُّ، قالَ: «لأنَّ سماعَهم من أبي إسحاقَ في أوقاتٍ مختلفةٍ، وإنْ كانَ شعبةُ والثوريُّ أحفظَ وأثبتَ من جميعِ هؤلاءِ، الذينَ رووا عن أبي إسحاقَ هذا الحديثَ؛ لأنَّ شعبةَ والثوريَّ سمعا هذا الحديثَ من أبي إسحاقَ (٧) في مجلسٍ واحدٍ»، ثم استدلَّ بما تقدّمَ عنِ الطيالسي.
_________________
(١) تفصيل تخريجه وطرقه في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٨ وما بعدها.
(٢) في (ب): «فالذي» أما في (أ) فهي: «الذين»، وكتب تحتها علامة «صح».
(٣) في (ب): «من».
(٤) لم أقف عليه في المطبوع من المسند.
(٥) في (ب): «قال»، أما في (أ) فهي «فإن» مجودة الضبط.
(٦) جامع الترمذي عقب (١١٠٢).
(٧) من قوله: «هذا الحديث » إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٤٢٧ ]
وأيضًا فسفيانُ لم يقلْ لأبي إسحاقَ: ولم يحدثك بهِ أبو بردةَ إلا مرسلًا، فهو حدثهُ بهِ عنِ النبيِّ - ﷺ - لكن بواسطةٍ، ولو أبرزَ له الواسطةَ لقالَ له (١): نعم، وهذا كما لو قلت لشيخٍ: أسمعتَ البخاريَّ على (٢) فلانٍ من روايةِ الفربري؟ فقالَ: نعم، فجاءَ آخرُ فقالَ للشيخِ: أسمعتَ البخاريَّ على فلانٍ (٣)، حدثنا فلانّ إلى أنْ يقولَ: حدثنا الفربري، حدثنا البخاري؟ فلا يكونُ بينَ الكلامينِ تعارضٌ، وكأنَّ سفيانَ قالَ لهُ: أسمعتَ الحديثَ من أبي بردةَ؟ فقصدهُ إنما هوَ السؤالُ عن سماعه الحديثَ، / ١٣٥ ب / لا عن كيفيةِ روايتهِ له، واللهُ أعلمُ (٤).
ويؤيدُ ما قالهُ شيخنا: ترجيحُ الدارقطني لإرسالِ حديثِ: «كفى بالمرءِ إثمًا (٥) أنْ يحدّثَ بكلِ ما سمعَ» (٦)، فإنَّهُ اختلفَ فيهِ على شعبةَ: فرواهُ معاذُ بنُ معاذٍ، وابنُ مهديٍّ، وغندرُ، وحفصُ بنُ عمرَ النميري عنهُ، عن خبيبِ بنِ عبدِ الرحمان، عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عنِ النبي - ﷺ - مرسلًا. ورواهُ عليُ بنُ حفصٍ، عن شعبةَ بهِ، فوصلهُ عن أبي هريرة - ﵁ -، فصارَ المرسِلونَ أربعةً والواصلُ واحدًا، فلذلك قالَ الدارقطني: «الصوابُ المرسل عن شعبةَ» انتهى.
فهذا ما عليهِ حذاقُ المحدّثينَ، وإنْ كانَ النوويُّ رجَّحَ الوصلَ (٧) عملًا بما عليهِ الفقهاءُ، والأصوليونَ، وبعضُ أهلِ الحديثِ.
_________________
(١) لم ترد في (ب) و(ف) وهي في (أ) في الحاشية مع علامة اللحق والتصحيح.
(٢) في (ب): «عن».
(٣) من قوله: «من رواية الفربري » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) انظر نحو هذا الكلام في: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٦، وبتحقيقي: ٣٧٨.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) أخرجه: مسلم في مقدمة كتابه ١/ ٨ (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢) عن أبي هريرة متصلًا. وأخرجه: مسلم في مقدمة كتابه ١/ ٨ (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢) عن حفص بن عاصم فذكره مرسلًا.
(٧) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.
[ ١ / ٤٢٨ ]
قولهُ: (كما صححهُ الخطيب) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «وإنْ خالفهُ غيرهُ، سواءٌ كانَ المخالفُ لهُ واحدًا أو جماعةً» (٢).
قوله: (في الفقهِ وأصولهِ) (٣)، نُقلَ عن النوويِّ أَنَّهُ عزاهُ للمحققينَ أيضًا من أصحابِ الحديثِ (٤).
قوله: (الحكمُ لمن أرسلَ) (٥)، وكذا لمن وقفَ. قيلَ: إنَّ النوويَّ قالَ: إنَّ الخطيبَ حكاهُ أيضًا عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ (٦).
قوله: (إنَّ الحكمَ للأكثرِ) (٧) عن "سؤالاتِ الحاكمِ لأبي الحسنِ الدارقطني" (٨): «قلتُ (٩): فخلادُ بنُ يحيى؟ قالَ: خلادٌ ثقةٌ، إنما أخطأ في حديثٍ واحدٍ: حديثِ الثوري، عن إسماعيل، عن عمرِو بنِ حريثٍ، عن عمرَ فرفعهُ، وأوقفهُ الناسُ» وفيها (١٠): «قلتُ: فسعيدُ بنُ عبيدِ اللهِ (١١) الثقفي؟ قالَ: هذا ابنُ عبيدِ اللهِ بن جبيرِ بنِ حيةَ، وليسَ بالقوي، يحدّثُ / ١٣٦ أ / بأحاديثَ يسندها، ويقفها غيره» انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٧، والكفاية (٥٨٠ ت، ٤٤١ هـ).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٧.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٨) سؤالات الحاكم للدارقطني: ٢٠٢.
(٩) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي الحاكم».
(١٠) كتب ناسخ (أ) تحتها: «أي الأسئلة».
(١١) في (ب): «عبد الله» والمثبت هو الصواب. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٥٠ (٣٢٣٤).
[ ١ / ٤٢٩ ]
قالَ بعضُ أصحابنا: فقد ضعفهُ بذلكَ. انتهى.
قلتُ: ولا يظنُّ أَنَّهُ إنما ضعفهُ؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ مَن لَم يوثقْ، وخالفَ الثقاتِ ضعفَ بذلكَ، فإنَّ سعيدًا (١) هَذا قَد وثقهُ مِن قبل الدارقطني، فنقلَ شيخُنا في "تهذيبهِ" (٢): «أنَّ أحمدَ، وابنَ معينٍ، وأبا زرعةَ قالوا: ثقة. قالَ: وقالَ النسائيُّ: ليسَ بهِ بأسٌ. ثمَّ ساقَ ما (٣) عَن الدارقطني، وقالَ: واستنكرَ البخاريُّ لَهُ حديثًا (٤) في "تاريخهِ" (٥»). فلم يبقَ إلا أنَّ الدارقطني قضى للأكثرِ.
قوله: (في مسندهِ وفي عدالتهِ وفي أهليتهِ) (٦) زيادةُ بيانٍ، وإلا فالقدحُ في العدالةِ مستلزمٌ للقدحِ في المسندِ، والأهليةُ هي العدالةُ، وإنما لم يقدح ذلِكَ فيهِ على الأصحِّ، لأنّا لم نردهُ إلا احتياطًا، معَ أَنَّهُ يمكنُ إمكانًا قويًا أن يكونَ الصوابُ معهُ، وأن يكونَ الأحفظُ وَهِمَ.
قولهُ: (لأنَّهُ علمَ ما خفي عليهِ) (٧)، قال (٨) عَقِبَهُ: «ولهذا الفصلِ تعلّقٌ بفصلِ زيادةِ الثقةِ في الحديثِ، وسيأتي» (٩).
قولهُ: (هكذا صححهُ ابنُ الصلاحِ) (١٠) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (١١): «وما
_________________
(١) لم ترد في (ب) أما في (أ) فهي في الحاشية مع علامة اللحق والتصحيح.
(٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٦١.
(٣) هكذا في (أ) و(ب) و(ف)، ولعل بعدها ثمة سقط.
(٤) في (ب) و(ف): «حديثين».
(٥) التاريخ الكبير ٣/ ٤٠٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٣.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٦.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٣.
(١١) التقييد والإيضاح: ٩٥.
[ ١ / ٤٣٠ ]
صححهُ هو الذي رجحه أهلُ الحديثِ»، وعن تخريجهِ لأحاديثِ "الإحياءِ" أَنَّهُ قالَ بعدَ أن أوردَ حديثًا اختلفَ على راويهِ في رفعهِ ووقفهِ: «فالصحيحُ (١) الذي عليهِ الجمهورُ أنَّ الراويَ إذا روى الحديثَ موقوفًا ومرفوعًا، فالحكمُ للرفعِ؛ لأنَّ معهُ في حالةِ الرفعِ زيادةً، وهذا هوَ المرجحُ عندَ أهلِ الحديثِ» ثم ساقَ كلامَ الأصوليينَ. وهذا التفصيلُ عنهم قد يخالفُ ما تقدّمَ / ١٣٦ ب / من حكايتهِ عنهم أنَّ الحكمَ للوصلِ، إلا أنْ يفرقَ بينَ اختلافِ الرواةِ، واختلافِ الراوي الواحدِ.
قولهُ: (وأما الأصوليونَ فصححوا أنَّ الاعتبارَ بما وقعَ منهُ أكثر) (٢) ربما ناقضَ قبولَ الوصلِ، ولو كانَ مَن أرسلَ أكثرَ، وتبيّنا بذلكَ ملاحظتهم القرينة، فقويَ نظرُ المحدّثينَ في دورانِهم معها، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) من قوله: «وعن تخريجه » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤٣١ ]
التدليس (١)
قولهُ:
١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ(أَنْ)
١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالًا، وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ
١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الاعْمَشِ) وكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
التدليسُ: مأخوذٌ منَ الدَّلَسِ - بالتحريكِ - وهو اختلاطُ الظلامِ الذي هو سببٌ لتغطيةِ (٢) الأشياءِ عن البصرِ (٣). قالَ أبو عبدِ الله القزازُفي "ديوانهِ": «ومنهُ التدليسُ في البيعِ، يقالُ: دلسَ فلانٌ على فلانٍ، أي ستر عنهُ العيبَ الذي في متاعهِ، كأنهُ أظلمَ عليهِ الأمر، وأصلهُ
_________________
(١) انظر في التدليس: معرفة علوم الحديث: ١٠٣، والمدخل إلى الإكليل: ٢٠، والكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ)، والتمهيد ١/ ١٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٥٦، وجامع الأصول ١/ ١٦٧، والإرشاد ١/ ٢٠٥، والتقريب: ٦٣، والاقتراح: ٢١٧، ورسوم التحديث: ٧٤، والمنهل الروي: ٧٢، والخلاصة: ٧٤، والموقظة: ٤٧، وجامع التحصيل: ٩٧، واختصار علوم الحديث ١/ ١٧٢ وبتحقيقي: ١٢٩، والشذا الفياح ١/ ١٧٣، والمقنع ١/ ١٥٤، ومحاسن الاصطلاح: ٧٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٤، وتنقيح الأنظار: ١٤٠، ونزهة النظر: ٦٥، ومقدمة طبقات المدلسين: ١٣، والمختصر: ١٣٢، وفتح المغيث ١/ ١٦٩، وألفية السيوطي: ٣٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٨٤، وفتح الباقي ١/ ٢٢٤، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٤٦، وظفر الأماني: ٣٧٣، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤١٦، واليواقيت والدرر ٢/ ١٠، وقواعد التحديث: ١٣٢، ولمحات في أصول الحديث: ٢٣٧.
(٢) في (ب): «تغطية».
(٣) انظر: القاموس المحيط مادة «دلس».
[ ١ / ٤٣٢ ]
مما ذكرنا منَ الدلسِ». انتهى.
وهو في الاصطلاحِ: راجعٌ إلى ذلِكَ من حيثُ إنَّ مَن أسقطَ منَ الإسنادِ شيئًا، فقدَ غطّى ذلِكَ الذي أسقطهُ، وزادَ في التغطيةِ في إتيانهِ بعبارةٍ موهمةٍ، وكذا تدليسُ الشيوخِ؛ فإنَّ الراويَ يغطي الوصفَ الذي يُعرفُ بهِ الشيخُ، أو يغطي الشيخَ بوصفهِ بغيرِ ما يشتهرُ بهِ.
قولهُ: (على ثلاثةِ أقسامٍ) (١) إنْ أرادَ أصلَ التدليسِ فليسَ إلا ما ذكرَ ابنُ الصلاحِ من كونهما اثنينِ: باعتبارِ إسقاطِ الراوي (٢)، أو ذكرهِ وتعميةِ وصفهِ (٣)، وإنْ أرادَ الأنواعَ فهي أكثرُ من ثلاثةٍ، لما يأتي من تدليسِ القطعِ، وتدليسِ العطفِ.
قولهُ: (يسقطُ اسمَ شيخهِ ويرتقي إلى شيخِ شيخهِ) (٤) يعني: بالنسبةِ إلى هذا / ١٣٧ أ / الحديثِ بعينهِ، وإلا فشرطُ هذا الذي سماهُ شيخَ شيخهِ أنْ يكونَ شيخهُ نفسهُ حتى يحصلَ الإيهامُ، وقد يكونُ شيخهُ في هذا الحديثِ تلميذه أو قرينهُ، فالأحسنُ في العبارةِ أنْ يقولَ: «تدليسُ الإسنادِ: أنْ يسندَ عن من لقيهُ ما لم يسمعْ منهُ بلفظٍ موهمٍ». وعبارةُ ابن الصلاحِ: «وهوَ أنْ يرويَ عن مَن لقيهُ ما لم يسمعهُ منهُ موهمًا أَنَّهُ سمعهُ منهُ، أو عن مَن عاصَرهُ (٥) ولم يلقهُ موهمًا أَنَّهُ قد لقيهُ وسمعهُ منهُ، ثمَّ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٤.
(٢) وهو ما يسمّى بتدليس الإسناد.
(٣) وهو ما يسمى بتدليس الشيوخ.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٤.
(٥) هذا ليس من التدليس في شيء، على قول ابن حجر، بل هو من باب المرسل الخفي، وحاصل كلامهم أن من هذا الباب صورًا هي:
(٦) الاتصال: وهو الرواية عمن عاصره وسمع منهُ، ما قد سمعهُ منهُ.
(٧) الانقطاع: وهو الرواية عمن لم يعاصره أصلًا. =
[ ١ / ٤٣٣ ]
قد يكونُ بينهما واحدٌ، وقد يكونُ أكثر» (١) انتهى.
والأولُ حسنٌ، والثاني جعلهُ شيخُنا إرسالًا خفيًا، ولم يجعلهُ تدليسًا، فإنَّ أمرَهُ فيهِ ظهورٌ بالنسبةِ إلى التدليسِ، وقالَ الشيخُ في " النكتِ " (٢): «وقد حدّهُ غيرُ واحدٍ من الحفّاظِ بما هوَ أخصُّ من هذا - وذكرَ تعريفَ ابنِ القطانِ والبزارِ، ثمَّ قالَ -: ويقابلُ هذا القولَ في تضييقِ حدِّ التدليسِ القولُ الآخرُ (٣) الذي حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ " - فذكرهُ ثمَّ قالَ - وما ذكرهُ المصنفُ في حدِّ التدليسِ هوَ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ، وإنما ذكرتُ قولَ البزارِ وابنِ القطانِ - يعني: عليَّ بنَ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ - لئلا يغتر بهما من وقفَ عليهما، فيظنُّ موافقةَ أهلِ هذا الشأنِ لذلكِ، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (لا يقتضي الاتصالَ) (٤)، أي: صريحًا (٥)، أو قريبًا منهُ (٦)، ويقتضيهِ في الجملةِ، ولولا أَنَّهُ يقتضيهِ ما أوهمَ.
وقولهُ: (أو قالَ فلانٌ) (٧) يقتضي أنَّ «عن» و«أنْ» و«قالَ» على حدٍّ سواءٍ
_________________
(١) الإرسال الخفي: وهو الرواية عمن عاصره ولم يسمع منهُ. ٤. التدليس: هو الرواية عمن عاصره وسمع منهُ، ما لم يسمعه منهُ. وانظر: نكت الزركشي ٢/ ٦٨، والتقييد والإيضاح: ٩٧، ونكت ابن حجر ٢/ ٦١٤ وبتحقيقي: ٣٨٥، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٦٠ وما بعدها.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٧.
(٣) التقييد والإيضاح: ٩٧ - ٩٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: في السعة».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٤.
(٦) بعد هذا في (ب): «أو ظاهرًا» وهي موجودة في (أ) لكن عليها علامة الحذف، وفي (ف) لم ترد عبارة: «أي: صريحًا».
(٧) لفظة: «أو قريبًا منه» لم ترد في (ب)، وقد زاد بعدها في (ف): «وظاهرًا».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٤.
[ ١ / ٤٣٤ ]
في هذا / ١٣٧ ب / البابِ، وليسَ كذلكَ، فقد قالَ الخطيبُ في " الكفايةِ " (١) نقلًا عن أهلِ الحديثِ: «إنَّ «قالَ» لا تحملُ على السماعِ أصلًا، إلا إذا عُرفَ من عادةِ الراوي أَنَّهُ لا يستعملُها إلا في السماعِ، كحجاجِ بنِ محمدٍ المصيصي».
قلتُ: وبهذا يُردُّ كلامُ ابنِ منده فيما نسبهُ إلى البخاريِّ من التدليسِ، وتأييدِ قاضي القضاةِ الحافظِ (٢) ولي الدينِ أبي زرعةَ أحمدَ ولد المصنفِ لكلامهِ حيثُ قالَ: «مثالهُ: - أي: التدليس - قالَ البخاري في كتابِ الجنائزِ (٣) في بابِ ما جاءَ في قاتلِ النفسِ: وقالَ حجاجُ بنُ منهالٍ، حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ في هذا المسجدِ فما نسيناهُ، وما نخافُ أنْ يكذبَ جندبٌ على النبي - ﷺ - قالَ: «كانَ برجلٍ جراحٌ فقتلَ نفسَهُ » الحديثَ، فحجاجٌ أحدُ شيوخهِ، سمعَ منهُ، وقد علقَ عنهُ هذا الحديثَ، ولم يسمعهُ منهُ، بدليلِ أَنَّهُ قالَ في بابِ ما ذكرَ عن بني إسرائيلَ (٤): حدثنا محمدٌ (٥)، حدثنا حجاجٌ، حدثنا جريرٌ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ .. فذكرَ الحديثَ، وهذا هوَ التدليسُ. انتهى.
وقد تقدّمَ هذا في التعليقِ عن " النكت " للمصنفِ على ابنِ الصلاحِ، وإنما جعلنا ما نقلهُ الخطيبُ رادًَّا لهذا من حيثُ إنَّهُ إذا كانَ الشائعُ عندَ أهلِ هذا (٦) الفنِّ حملها على الانقطاعِ ممن ليست له عادةٌ مطرّدةٌ، فإطلاقها منهُ فيما لم يسمعهُ جارٍ على الاصطلاحِ، فأنّى يكونُ تدليسًا، ولا سيّما في مَن لم يثبتْ عنهُ أَنَّهُ مدلسٌ.
_________________
(١) لم أقف عليه في المطبوع من الكفاية.
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٢٠ (١٣٦٤).
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٨ (٣٤٦٣).
(٥) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " عقب الحديث (٣٤٦٣): «هو ابن معمر، نسبه ابن السكن، عن الفربري، وقيل: هو الذهلي».
(٦) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٤٣٥ ]
قالَ شيخُنا: «وأما قولهُ: «قالَ لنا» فحكمهُ الاتصالُ، لكنْ إنما يعدلُ / ١٣٨ أ / عن قولهِ: «حدثنا» ونحوهِ لنكتةٍ بديعةٍ، فتارةً يكونُ الحديثُ ظاهرهُ الوقفُ، وهو لم يضع كتابهُ إلا للحديثِ المسندِ، لكن يكونُ فيهِ شائبة الرفعِ إذا دققَ النظر».
وقولهُ: (قد عاصرَ المرويَّ عنهُ) (١) فيهِ خلطٌ للمرسلِ الخفيِّ بالمدلسِ؛ فإنَّ المرسلَ الخفيَّ: هو أنْ يضيفَ الشخصُ إلى من عاصرهُ ولم يلقهُ حديثًا بلفظٍ موهمٍ للسماعِ (٢). فالصوابُ في العبارةِ أنْ يقالَ: وإنما يكونُ تدليسًا إذا كانَ المدلسُ قد لقيَ المرويَّ عنهُ، فيخرجُ المعاصر الذي لم يلقَ، ويدخلُ من سمعَ غيرَ ذلِكَ الحديثِ الذي دلَّسهُ. وتعريفُ أبي الحسنِ القطانِ أقربُ إلى الصوابِ، وهل يعتذرُ عن قولهِ (٣): «عن من قد سمعَ منهُ» بأنَّهُ خارجٌ مخرجَ الغالبِ، والغالبُ أنَّ الاثنينِ إذا التقيا تحدّثا، حتى يدخلَ فيهِ مَن لَقيَ، وثبتَ أَنَّهُ لم يسمعْ، أو يجعلْ قيدًا مخرجًا لهُ، فيلحقُ بالمرسلِ الخفيِّ؟ فيهِ نظرٌ.
وكانَ ينبغي لهُ أنْ يبدلَ قوله: «من غيرِ أنْ يذكرَ أَنَّهُ سمعهُ منهُ» فيقولَ: «بلفظٍ موهمٍ» فإنَّهُ أخصرُ. وعبارةُ الشافعي في " الرسالةِ " (٤) في باب تثبيتِ خبرِ الواحدِ: «ولا تقومُ الحجةُ بخبرِ الخاصةِ حتى يجمعَ أمورًا، منها: أنْ يكونَ - كذا إلى أنْ قالَ - بَرِيًَّا (٥) من أنْ يكونَ مدلسًا، يُحدّثُ عن مَن لَقيَ ما لم يسمعْ منهُ» وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الصيرفيُّ: «إذا عُرفَ بالتدليسِ لم يُقبلْ فيهِ حتى يقولَ: «حدثني» أو «سمعتُ» وذلكَ أَنَّهُ قد كشفَ عن حالِ بعضِهم، فكانَ إذا أظهرَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٥.
(٢) لمزيد تفصيل، انظر: كتاب المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس.
(٣) عبارة: «عن قوله» لم ترد في (ف).
(٤) الرسالة فقرة (١٠٠٠) و(١٠٠١).
(٥) بتسهيل الهمزة وتشديد الياء.
[ ١ / ٤٣٦ ]
مَن سمعهُ كانَ غيرَ ثبتٍ، فيكونُ بينه / ١٣٨ب / وبينَ الثقةِ رجلٌ غيرَ ثقةٍ، وهذهِ النكتةُ في ردِّ المرسلِ؛ لأنَّ الواسطةَ بينَ الثقةِ والثقةِ قد يجوزُ أنْ يكونَ غيرَ ثقةٍ، فإنِ اعتلَّ معتلٌ بأصحابِ النبيِّ - ﷺ -، وأنَّهُ يُحدّثُ بعضُهم عن بعضٍ، وما قالَ ابنُ عباسٍ: «ما كلُّ شيءٍ نحدّثُكم سمعناهُ منَ النبي - ﷺ -، ولكنْ يحدّثُ بعضُنا بعضًا» (١). فإنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - كلَّهم ثقاتٌ لا يُردُّ خبرُ أحدٍ منهم، ولا يكشفُ أحدٌ منهم، ولا يمتحنُ، ثمَّ قالَ: وقالَ قائلٌ: إنَّ مَن حدّثَ بحديثٍ عن مَن لقيَ ما لم يسمعْ منهُ فليسَ بتدليسٍ، وهذا إرسالٌ، قيلَ له: الإرسالُ أنْ يقولَ الرجلُ: قالَ فلانٌ، ومعلومٌ أَنَّهُ لم يلقَ، كقولِ الحسنِ: قالَ النبيُّ - ﷺ -، وكقولِ مالكٍ: قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ، وإذا لَقِيَ الرجلُ الرجلَ وسمعَ منهُ، فإذا حَكَى عنهُ ما لم يسمعْ فإنما يدرجهُ بـ «عن» ليكونَ في الظاهرِ كأنَّهُ سمعهُ منهُ، ألا ترى أنَّ من عُرِفَ بذلكَ وُقِفَ في حديثهِ، فقيلَ له: سمعتَهُ من فلانٍ؟ فيقولُ: لا، أخبرنيهِ فلانٌ، فربما أحالَ على ثقةٍ، وربما أحالَ على غيرِ ثقةٍ، فهذا الضربُ سُمِّيَ تدليسًا، والذي بهِ وقفنا المدلس هوَ الذي رددنا بهِ المرسلَ؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ ممن يرغبُ عن الروايةِ (٢) عنهُ».
قولهُ: (فجعلوا التدليسَ ) (٣) إلى آخره، هذا (٤) هوَ الذي سيأتي تسميته تدليسَ التسويةِ، ويؤيدهُ قوله: «فما سلمَ منَ التدليسِ / ١٣٩ أ / أحدٌ لا مالكٌ ولا غيرهُ» يعني: فإنَّ مالكًا مثلًا يريدُ أنْ يخرجَ من حديثِ ابنِ عباسٍ، ولم يقعْ له إلا من
_________________
(١) روي هذا الأثر من كلام أنس بن مالك، أخرجه: الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" ١/ ١١٧ (١٠٠). وانظر: التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٥٢، وتهذيب الكمال ١/ ٢٩٣.
(٢) عبارة: «عن الرواية» تكررت في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٦.
(٤) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٤٣٧ ]
طريقِ عكرمةَ، وهوَ عندهُ ضعيفٌ فيقولُ: أخبرنا ثورٌ، عنِ ابنِ عباسٍ، ويسقطُ عكرمةَ بينَ ثورٍ وابنِ عباسٍ، وثور لم يدركِ ابنَ عباسٍ.
ومرادُ ابنِ عبدِ البرِّ بهذا ردُّ قولِ مَن سمّاهُ تدليسًا، والتشنيعُ عليهِ؛ فإنَّ الاتفاقَ واقعٌ على أنَّ مالكًا ليسَ مدلسًا، فاقتضى أنَّ التسويةَ ليست تدليسًا، ويؤيدُ ذلِكَ أنَّ ابنَ القطانِ أولُ من اخترعَ اسمَ التسويةِ، ولم يسمِّها تدليسًا، ولا أدخلها في أنواعهِ، هكذا قالَ شيخُنا: إنَّ هذا (١) تدليسُ التسويةِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ قولهُ: «يحدّثُ الرجلُ (٢) عنِ الرجلِ بما لم يسمعْهُ منهُ» (٣) يقتضي أنَّ المحدثَ هوَ الذي حذفَ مَن بينه وبينَ المحدَّثَ عنهُ، وهذا أعمُّ من أنْ يكونَ المحدَّثُ عنهُ شيخهُ أو لا، فغايتهُ أنْ يدخلَ فيهِ المرسلُ الخفي، والمعلقُ، وتدليسُ التسويةِ الحاذف فيهِ غيرُ من وقعَ الإيهام بأنَّهُ سمعَ ممن فوقهُ.
قولهُ: (فيقولُ فلانٌ) (٤) هذا سماهُ شيخنا حافظُ العصرِ تدليس القطعِ، فيكونُ رابعًا، وقد نظَمهُ بعضُهم فقالَ:
وذِكرُهُ الشيخَ وحذفَ الآلة أيضًا منَ التدليسِ في الروايةِ
وزاد شيخُنا تدليسَ العطفِ، فتصيرُ الأقسامُ خمسةً (٥)، ومثَّلهُ بما فعلَ هشيمٌ، فيما نقلَ الخطيبُ أنَّ أصحابَهُ قالوا لهُ: نريدُ أنْ / ١٣٩ ب / تُحدّثَنا اليومَ شيئًا لا يكونُ فيهِ تدليسٌ، فقالَ: خذوا. ثمَّ أملَى عليهم مجلسًا، يقولُ في كلِّ حديثٍ منهُ: حدثنا فلانٌ، وفلانٌ، ثمَّ يسوقُ السند والمتنَ، فلما فرغَ قالَ: هل دلستُ لكمُ اليومَ شيئًا؟
_________________
(١) بعدها في (ب): «ليس».
(٢) لم ترد في (ب).
(٣) التمهيد ١/ ١٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٦.
(٥) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦١٦ - ٦١٧، وبتحقيقي: ٣٨٨ - ٣٨٩.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قالوا: لا. قالَ: بلى، كلُّ ما قلتُ فيهِ: «وفلانٌ» فإني لم أسمعهُ منهُ، فيكونُ تقديرُ الكلامِ حينئذٍ: حدثنا فلانٌ، وفلانٌ رَوَى، قالا: حدثنا فلانٌ. أو حدثنا فلانٌ، ورَوَى فلانٌ، أو وحدثَ فلانٌ، ونحوَ ذلِكَ.
قولهُ: (سمعته منَ الزهري) (١) قالَ العلاّمةُ شمسُ الدينِ محمدُ بنُ حسانَ القدسيُّ فيما قرأتهُ بخطهِ: «ووقعَ لابنِ عيينةَ بإسقاطِ ثلاثةٍ، وذلكَ أَنَّهُ قالَ: الزهريُّ، ثمَّ أفصحَ بالساقطِ فقالَ: عن علي بنِ المديني، عن أبي عاصمٍ، عنِ ابنِ جريجٍ، عنِ الزهريِّ» (٢).
قوله: (مطلقًا) (٣)، أي: بيَّنَ السماعَ، أو لم يبينْ.
قوله: (يقبلُ تدليس ابنِ عيينةَ) (٤)، أي: فيكونُ حكمُهُ حكمَ مراسيلِ سعيدِ بنِ المسيبِ؛ لاشتراكِهما في العلةِ الموجبةِ للقبولِ، وهي أنَّ التفتيشَ أبانَ أنَّ الأمرَ لا يخرجُ عن الثقةِ، فصارَ ذلِكَ سببًا لوقوعِ الظنِّ، وهوَ كافٍ في التصحيحِ كما مرَّ، وقد نظمَ ذلِكَ بعضُ الفضلاءِ فقالَ:
أمّا الإمامُ ابنُ عيينةَ فقدْ اغتفروا تدليسَهُ مِن غيرِ رَدّ
قولهُ: (عن ثقةٍ مثل ثقتهِ) (٥)، أي: مثل ثقة نفس ابنِ عيينةَ.
قولهُ: (كبارُ التابعينَ (٦)؛ فإنهم لا يرسلونَ إلا عن صحابي) (٧) هذا الحصرُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٦.
(٢) انظر: تمام القصة مسندةً في المدخل إلى الإكليل (٢٠ - ٢١)، والكفاية (٥١٢ ت، ٣٥٩ هـ).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٥٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧.
(٦) هكذا في النسخ، والذي في شرح التبصرة: «الصحابة»، ويشير إلى هذا.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧.
[ ١ / ٤٣٩ ]
ممنوعٌ، وإلاَّ لقُبلَتْ مراسيلُهم اتفاقًا، لكنَّ الغالبَ إرسالُهم عن الصحابةِ، وإرسالُهم عن تابعيٍّ كبيرٍ قليلٌ، وعن تابعيٍّ صغيرٍ نادرٌ جدًا (١)، والضعيفُ في كبارِ التابعينَ نادرٌ، فإرسالُهم عن ضعيفٍ نادرٌ جدًا، ثم وجدتُ في نسخةٍ (٢) / ١٤٠ أ / «بمراسيلِ الصحابةِ»، وفي نسخةٍ «بمراسيلِ كبارِ الصحابةِ»، عوضَ «كبارِ التابعينَ»، فكأنَّ الشيخَ غيَّره أخيرًا، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (كانَ تدليسهُ عندَ أهلِ العلمِ مقبولًا) (٣) غير مسلمٍ؛ فإنَّ غايتهُ أنْ يكونَ كالتوثيقِ مبهمًا، كأنْ يقولَ: حدّثني الثقةُ، وقد عرفَ أنَّ ذلِكَ غيرُ مجدٍ؛ لاحتمالِ أنْ يعرفَ غيرهُ من حالهِ ما خفيَ عنهُ.
قلتُ: هذا إذا قالَ: أنا لا أُرسلُ إلا عن ثقةٍ، ولم يفتشْ عنهُ، وأمّا إذا فتشَ، فأبانَ عن مثلِ حالِ ابنِ عيينةَ؛ فإنَّهُ يلتحقُ بهِ.
قوله: (في كتابِ " الدلائلِ ") (٤)، أي: "دلائل الاعلامِ في شرح رسالةِ الشافعي" (٥)، وقولُ الشيخِ: «وهكذا رأيتهُ» يوهمُ أَنَّهُ مصرّحٌ بهِ في كلامِ الصيرفي
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) جاء في حاشية نسخة (أ): «بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين ابن الحمصي الشافعي، بلغ الله به السؤال ونهاية المأمورة قراءة بحث وإتقان، وسمع الجماعة، كان الله لهم وكتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي الشافعي لطف الله به آمين».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧.
(٥) ذكره العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦١، والأبناسي في الشذا الفياح ١/ ٢٥٥، والزركشي في البحر المحيط ١/ ٤ باسم: «الدلائل والاعلام». وذكره ابن النديم في الفهرست: ٢٦٧ باسم: «البيان في دلائل الاعلام على أصول الأحكام»، ووافقه الزركلي في الأعلام ٧/ ٩٦، وزاد: في أصول الفقه. وذكره كحالة في معجم المؤلفين ١٠/ ٢٢٠ باسم: «دلائل الاعلام على أصول الأحكام في أصول الفقه». وذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ٨٧٣ باسم: «دلائل الاعلام». ولم أجد من تعرض لضبط همزة «الاعلام»، والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٠ ]
الذي حكاهُ عنهُ، وليسَ كذلكَ، بل هوَ مفهومه كما ترى.
قوله: (فقيلَ: يردُّ حديثهم مطلقًا) (١) ينبغي: أنْ يفصلَ في شأنهم بتفصيل غيرِ ما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، فيقالُ: إنْ حَملَ الإنسان على التدليسِ ضعفُ الراوي رُدَّ حديثُه؛ لأنَّ تغطيتَهُ محرمةٌ عليهِ؛ لكونها غشًا وغرورًا، وإنْ لم يكن الحاملُ لهُ على التدليسِ ترويجَ الضعيفِ فلا.
قوله: (فإنْ صرحَ بالاتصالِ) (٢) ينبغي أنْ يزيدَ فيهِ: ولم يحملهُ على التدليسِ سترُ الضعيفِ، وترويجُ مرويهِ، قالَ الشافعيُّ في " الرسالةِ " (٣): «وكانَ قولُ الرجلِ سمعتُ فلانًا يقولُ: سمعتُ فلانًا، وقوله: حدثني فلانٌ عن فلانٍ، سواءً عندهم، لا يحدّثُ واحدٌ منهم عن مَن لَقيَ إلا ما سمعَ منهُ، فمَن عرفناهُ بهذا الطريقِ قَبِلنا منهُ: حدّثني فلانٌ عن فلانٍ، ومَن عرفناهُ دلّسَ مرةً فقد أبانَ لنا عورتَهُ في روايتهِ، وليسَ (٤) تلكَ العورةُ بكذبٍ، فيردُّ (٥) بها حديثهُ، ولا على النصيحةِ في الصدقِ فنقبلُ (٦) منهُ ما قَبِلْنا من أهلِ / ١٤٠ ب / النصيحةِ في الصدقِ. فقلنا: لا نقبلُ (٧) من مدلسٍ (٨) حديثًا حتى يقولَ فيهِ: حدثني أو سمعتُ».
قالَ الصيرفيُّ: «لأنَّ قولَ الإنسانِ: «عن فلانٍ» ليسَ بكذبٍ، وإنما فيه (٩)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٨.
(٣) الرسالة فقرة (١٠٣٢) - (١٠٣٥).
(٤) في الرسالة: «ليست».
(٥) في الرسالة: «فنرد».
(٦) في (أ) و(ب): «فيقبل».
(٧) في (أ) و(ب): «يقبل».
(٨) في (ف): «دلس».
(٩) «فيه» من (ف) فقط.
[ ١ / ٤٤١ ]
كتمانُ مَن سمعَ منهُ، فلأنّا احتجنا إلى معرفتهِ أنْ لا يكونَ رضى. قلنا: لسنا نأمنُ منكَ ما جرّبناهُ منَ التدليسِ، فَأَبِنْهُ لنا؛ ليزولَ العيبُ الذي ظهرَ منكَ، وكحاجتِنا إلى معرفةِ المكتومِ ما بينكَ وبينَ مَن لقيتَ، فإذا قالَ: «ليسَ بيننا أحدٌ» قبلنا قولَهُ، وإذا قالَ: بيني وبينهُ إنسانٌ. قلنا: سَمِّهِ لنا لنعرفَ عدلَهُ من جرحِهِ» (١). وقالَ الشيخُ في " نكته " (٢): «وقد ادّعى أبو الحسنِ بنُ القطانِ نفيَ الخلافِ فيهِ - أي: في قبولِ ما صرَّحَ المدلسُ فيهِ بالسماعِ - (٣) فذكرَ في كتابهِ "بيانِ الوهمِ والإيهامِ" (٤) أنَّ يحيى بنَ أبي كثيرٍ كانَ يدلسُ، وأنَّهُ ينبغي أنْ يجريَ في مُعنعَنهِ الخلافُ، ثمَّ قالَ: أمّا إذا صرّحَ بالسماعِ فلا كلامَ فيهِ، فإنَّهُ ثقةٌ حافظٌ صدوقٌ، فيقبلُ منهُ ذلِكَ بلا خلاف. انتهى كلامهُ (٥).
والمشهورُ ما ذكرهُ المصنفُ من إثباتِ الخلافِ، فقد حكاهُ الخطيبُ في "الكفايةِ" (٦) عن فريقٍ منَ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ، وهكذا حكاهُ غيرُهُ، والمثبتُ للخلافِ مقدمٌ على النافي لهُ، واللهُ أعلمُ».
قوله: (في كلامِ بعضهم) (٧) هو الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في "شرحِ المهذبِ " (٨)، فإنَّ الشيخَ قالَ في " نكتهِ " (٩): «زادَ النوويُّ على هذا - أي: حكايةِ
_________________
(١) كلام الصيرفي أظنه قاله في كتابه الذي شرح فيه كتاب الرسالة للإمام الشافعي. انظر: مقدمة كتاب الرسالة: ١٥، تحقيق العلامة أحمد محمد شاكر.
(٢) التقييد والإيضاح: ٩٨ - ٩٩.
(٣) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٤) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٣٧٩ عقب (٣٧٨).
(٥) أي: كلام ابن القطان.
(٦) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٨) المجموع ٤/ ٤٦٦، وقال في شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩: «وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته».
(٩) التقييد والإيضاح: ٩٩ - ١٠٠.
[ ١ / ٤٤٢ ]
القبولِ عن جمهورِ مَن يحتجُّ بالمرسلِ فقط المفهمة لأنَّ البعضَ يردهُ (١) - فحَكَى في "شرحِ المهذبِ " (٢) الاتفاقَ على أنَّ المدلسَ لا يُحتجُّ بخبره إذا عنعنَ، وهذا / ١٤١ أ / منهُ إفراطٌ، وكأنَّ الذي أوقعَ النوويَّ في ذلِكَ، ما ذكرهُ البيهقيُّ في " المدخلِ " (٣) وابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ " (٤) مما يدلُّ على ذلِكَ، أما البيهقيُّ فذكرَ ما في الشرحِ، وأمّا ابنُ عبدِ البرِّ فإنَّهُ لما ذكرَ في مقدمةِ " التمهيدِ " (٥) الحديثَ المعنعنَ، وأنَّهُ يُقبلُ بشروطٍ ثلاثةٍ قالَ: إلا أنْ يكونَ الرجلُ معروفًا بالتدليسِ، فلا يقبلُ حديثهُ حتى يقولَ: «حدثنا» أو «سمعتُ»، قالَ: «فهذا ما لا أعلمُ فيهِ أيضًا خلافًا» (٦). انتهى كلامهُ.
وما ذكرَ منَ الاتفاقِ لعلهُ محمولٌ على اتفاقِ من لا يحتجُّ بالمرسلِ خصوصًا. عبارةُ البيهقي: «فإنَّ لفظَ «سائر» قد يطلقُ، ويرادُ بهِ الباقي لا الجميعُ» والخلافُ معروفٌ في كلامِ غيرهما، وممن حكاهُ الحاكمُ في كتابِ " المدخلِ " فإنَّهُ قسّمَ الصحيحَ إلى عشرةِ أقسامٍ: خمسةٌ متفقٌ عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها، فذكرَ منَ الخمسةِ المختلفِ فيها المراسيلَ (٧)، وأحاديثَ المدلسينَ (٨) إذا لم يذكروا سماعاتهم إلى آخرِ كلامهِ. وحَكَى الخلافَ أيضًا الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِ " الكفايةِ " (٩) فحَكَى عن خلقٍ كثيرٍ من أهلِ العلمِ أنَّ خبرَ المدلسِ مقبولٌ، قالَ:
_________________
(١) جملة توضيحية من البقاعي.
(٢) المجموع ٤/ ٥٤٦، وانظر: شرح صحيح مسلم ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) وهو في الجزء المفقود من هذا الكتاب. انظر: مقدمة كتاب المدخل إلى السنن الكبرى: ٧٥.
(٤) التمهيد ١/ ١٣.
(٥) التمهيد ١/ ١٣.
(٦) التمهيد ١/ ١٢ - ١٣.
(٧) المدخل: ١٨.
(٨) المدخل: ٢٢.
(٩) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
[ ١ / ٤٤٣ ]
وزعموا أنَّ نهايةَ أمرهِ أنْ يكونَ مرسلًا، واللهُ أعلمُ».
قوله: (من لا يحتجُّ بالمرسلِ) (١) قلتُ: أو يخصُّ الاتفاقَ بمن بعدَ القرونِ الثلاثةِ.
قولهُ: (على أنَّ بعضَ من يحتجُّ بالمرسلِ لا يقبلُ عنعنةَ المدلسِ) (٢) ينبغي حملهُ على من يُدلِّسُ بعدَ القرونِ الثلاثةِ، أمّا مَن دلّسَ (٣) منهم فلا فرقَ بينهُ وبينَ المرسلِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (عدة رواة من المدلسينَ) (٤)، أي: رويا / ١٤١ ب / عنهم بالعنعنةِ. قالَ ابنُ الصلاحِ في هذا: «لأنَّ التدليسَ ليسَ كذبًا، وإنما هو ضربٌ منَ الإيهامِ بلفظٍ محتملٍ» (٥).
قوله: (هُشَيم) (٦) مصغرٌ، ابنُ بَشيرٍ - بفتحِ الموحدةِ مكبرٌ -.
قولهُ عنِ النووي: (محمولٌ على ثبوتِ سماعهِ من جهةٍ أخرى (٧» (٨) سأل قاضي القضاةِ شيخُ الإسلامِ تقيُ الدينِ السبكيُّ، شيخَ الزمانِ وحافظَهُ أبا الحجاجِ المزيَّ عن ذلِكَ: هل وجد في الخارجِ التصريح فيهِ بالسماعِ؟ فقالَ: ما ثمَّ لنا إلا تحسينُ الظنِّ، فإنّا نعرفُ عدةَ أحاديثَ من هذا النوعِ ليسَ لها إلا ذلِكَ الطريقُ المعنعنُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٣) في (ف): «ذكر».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٧) التقريب: ٦٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
[ ١ / ٤٤٤ ]
قالَ شيخُنا: «وكشفُ ذلِكَ من فوائدِ المستخرجاتِ، أي: بأنْ يرويَ ذلِكَ الحديثَ من غيرِ تلكَ الطريقِ، فيصرّحَ فيها بالسماعِ في الموضعِ المعنعنِ، واللهُ أعلمُ.
واختيارُ صاحب " الصحيحِ " لطريقِ العنعنةِ على الطريقِ المصرحةِ بالسماعِ لكونِ المصرحةِ ليست على شرطهِ» (١).
قوله: (في " القِدحِ المعلى") (٢)، أي: في الاعتراضِ على " المحلى " لابنِ حزمٍ الظاهري.
قوله:
١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ
١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا
١٦٠ - و(الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّه قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَه
قوله: (يصفُ الشيخ) (٣) سيأتي ما فيهِ.
قوله: (بما لا يعرفُ) (٤) غير جيدٍ، فإنَّهُ لا بدَّ وأنْ يعرفَ بذاكَ الوصفِ في الجملةِ، فلو قالَ:
أنْ يصفَ الشيخَ بشيءٍ ما اشتهر بهِ وبالنيةِ يحصلُ الضرر
كانَ أحسنَ.
_________________
(١) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٣٦، وبتحقيقي: ٤٠٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (١٥٨).
(٤) التبصرة والتذكرة (١٥٨).
[ ١ / ٤٤٥ ]
قوله: (واستصغارا) (١) لو قالَ بدلهُ: واستكبارا، لحصلَ له الجناسُ الخطيُّ، فإنَّ الراويَ الذي يُعمّي ذلِكَ الراويَ بأنْ يصفَهُ بما لم يشتهرْ بهِ إذا فعلَ ذلِكَ استصغارًا لهُ، فقدِ استكبرَ نفسهُ / ١٤٢ أ / عن الروايةِ عنهُ، وإنما جعلهُ خبرًا لكانَ، ولم يجعلهُ مفعولًا له؛ لئلا يفهمَ أَنَّهُ منَ الشرِّ.
و(٢) قوله: (والشافعيُّ أثبته) (٣) كانَ ينبغي جعلُهُ صدرَ هذهِ الأبياتِ.
قوله: (وقالَ: لأن أزني) (٤) ضَبطَهُ بعضُهم بالمهملةِ ثم موحدةٍ مضموم الهمزةِ، قالَ: فإنَّ الربا أخفُّ منَ الزنا. وقالَ: وفيهِ أيضًا مناسبةٌ، وهو أنَّ الربا أصلهُ التكثرُ والزيادةُ، ومَن دلّسَ فقد كثّرَ مرويَهُ بذلكَ الشيخِ الذي ارتقَى إليهِ، وأوهمَ كثرةَ مشايخهِ عندَما عمَّى أوصافَهم.
قالَ شيخُنا: «وقوله: «إنَّ الربا» بالموحدةِ أخفُّ ليسَ كذلكَ، ففي بعضِ الأحاديثِ: «لأن يأكلَ الرجلُ درهمًا واحدًا من ربًا أشدُّ من كذا وكذا زنية» (٥»).
قلتُ: فإنَّهُ ظلمُ الغيرِ، والزنا ظلمُ النفسِ. قالَ: فما بقيَ إلا ما قالَ ابنُ الصلاحِ منَ الحملِ على المبالغةِ في الزجرِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٥٩).
(٢) الواو لم ترد في (ب).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٦٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠.
(٥) روي عن أبي هريرة قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: «الربا سبعونَ حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجلُ أمهُ» أخرجه: هناد في "الزهد" (١١٧٦)، وابن ماجه (٢٢٧٤)، والمروزي في " السنة " (١٠٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٥٢٢) من طريق أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وهو ضعيف؛ لضعف أبي معشر: نجيح ابن عبد الرحمان.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قولهُ: (ودونهُ التدليسُ للشيوخِ) (١) إنْ قيلَ: ليسَ كذلكَ؛ فإنَّ تدليسَ الإسنادِ فيهِ محذورٌ واحدٌ، وَهوَ أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفًا، وبقيةُ الإسنادِ ثقاتٌ، فيتسببُ إلى قبولِ ما لَم يصحَّ عنِ النبي - ﷺ -، وفي هَذا محذورانِ:
أحدهما: أنْ يصفَ ضعيفًا بغير ما يشتهرُ بهِ، مما لعلهُ يشتركُ (٢) بهِ بعضُ من يكونُ في تلكَ الطبقةِ منَ الثقاتِ، فإذا نظرَ الناظرُ ظنَّهُ ذلِكَ الثقةَ فقَبِلَ الحديثَ.
الثاني: أنْ يكونَ ثقةً، فيصفهُ بما لا يعرفُ بهِ، فيصيرُ مجهولًا فيطرحُ ذلكَ المروي، فيكونُ سببًا في تركِ حكمٍ منَ الأحكامِ، وقد حضَّ النبي - ﷺ - / ١٤٢ ب / على التبليغِ، وتوعدَ على الكتمانِ، وهذا في حكمِ مَن كَتمَ، فغايةُ المحذورِ في تدليسِ الإسنادِ أنْ يوازيَ هذينِ المحذورينِ، فيكونانِ سواءً. قيلَ: الحقُّ أن الأولَ أشدُّ، فإنَّ هَذا يعرفهُ الماهرُ مِن أهل الصنعةِ، وذاكَ لا يطّلعُ عليهِ إلاّ مَن قَبِلَهُ، إمَّا باعترافهِ بأنَّهُ لَم يسمعْ هَذا الحديثَ مِن ذلِكَ الشيخِ، أو بأنْ يرويَهُ مرةً أخرى فيدخلَ بينهُ وبينهُ راويًا، وينضمُّ إلى ذلِكَ مِن القرائنِ ما يعرفُ بهِ أنه لَم يسمعهُ مِن شيخهِ الذِي رواهُ عنهُ أولًا باللفظِ المحتملِ إلا بواسطةٍ.
قولُهُ: (قالَ ابنُ الصلاحِ: أمرهُ أخفُّ منهُ) (٣) لو قالَ: الأولُ أشدُّ مِن هَذا لكانَ أولَى؛ لأنهُ ليسَ في واحدٍ منهما خفةٌ، لكن تارةً يطلقونَ «أفعلَ» ولا يريدونَ معناها حقيقةً، إنما يجعلونَ ذلِكَ على سبيلِ الفرضِ، كحديثِ: «لكانَ أنْ يُلقَى في النارِ أحبّ إليهِ مِن أن يعودَ في الكفرِ» (٤)، وليسَ في الإلقاءِ في النارِ شيءٌ مِن
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٥٧).
(٢) في (ف): «يشارك».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٦.
(٤) وَهوَ جزء مِن حديث أنس بنِ مالك - ﵁ - قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ من كن فيهِ وجدَ طعمَ الإيمانِ: منْ كانَ يحبُّ المرءَ لا يحبهُ إلاّ للهِ، ومن كانَ الله ﵎ ورسولهُ =
[ ١ / ٤٤٧ ]
الحبِّ، وإنما المعنى: لو فرضَ أن يكونَ الكفرُ محبوبًا، والنارُ كذلكَ، لكانَ الإلقاءُ في النارِ أحبَّ إليهِ. ثُمَّ ظهرَ لي أنَّ مثل هَذا مجازٌ عَن «أقلِّ» مِن ضدِّ مأخذِ اشتقاقِ أفعل، والعلاقةُ فيهِ الضديةُ، كَما بينتُهُ في كتابي "نظمِ الدررِ في (١) تناسبِ الآي والسورِ" (٢) عند قولهِ تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣) فالمعنى هنا: هَذا أقلُّ شدةً مِن الأولِ، وكذا ما أتى لكَ مِن أمثالهِ، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (وهوَ / ١٤٣ أ / أنْ يصفَ المدلسُ شيخَهُ الذِي سمعَ منهُ ذلِكَ الحديثَ) (٤) لا يختصُّ ذلِكَ بشيخهِ الذِي سَمعَ منهُ، بل لو فعلَ ذلِكَ في شيخِ شيخهِ ومَن فوقه إلى آخرِ السندِ، كانَ حكمُهُ كذلكَ، فكانَ ينبغي لهُ أنْ يقولَ:
«أنْ يصفَ الراوي» مسكنًا؛ لئلا ينكسرَ الوزنُ.
قولُهُ: (السجستاني) (٥) قالَ ابنُ الصلاح: «ورَوَى -يعني: ابنَ مجاهدٍ، - عَن أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ النقّاشِ (٦) المفسرِ فقالَ: حدثنا محمدُ بنُ سندٍ، نسبهُ إلى
_________________
(١) = أحبَّ إليهِ مما سواهما، ومن كانَ أنْ يلقى في النارِ أحبَّ إليهِ منْ أن يرجعَ في الكفرِ بعدَ إذ أنقذهُ اللهُ - ﷿ - منهُ». أخرجه: أحمد ٣/ ١٧٢ و٢٤٨ و٢٧٥، والبخاري ١/ ١٢ (٢١) و٨/ ١٧
(٢) ، ومسلم ١/ ٤٨ (٤٣) (٦٨)، وابن ماجه (٤٠٣٣)، والنسائي ٨/ ٩٦ مِن طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
(٣) في (أ) و(ب): «من» والتصويب من كشف الظنون ٢/ ١٩٦١.
(٤) نظم الدرر ٤/ ٣٥ - ٣٦.
(٥) يوسف: ٣٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(٨) بفتح النون والقاف المشددة، هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرها، وكان أبو بكر المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة فعرف بها، (ت ٣٥١ هـ) ترجمته في: تأريخ بغداد ٢/ ٢٠١، وتأريخ دمشق ٥٢/ ٣٢٠، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٩٨، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٧٣.
[ ١ / ٤٤٨ ]
جدٍّ لهُ» (١).
قولُهُ: (قلتُ: وللمروي أيضًا) (٢) ليستْ زيادةً محضةً، إنما هي كالشرحِ؛ فإنه إذا ضاعَ المرويُّ عنهُ لزمَ منهُ ضياع المرويِّ.
قولُهُ: (باختلافِ المقصدِ) (٣) يجوزُ كسرُ الصادِ على إرادةِ محل القصدِ.
قولُهُ: (وممن يفعلُ ذلِكَ كثيرًا الخطيبُ) (٤) قالَ: ينبغي أنْ يكونَ الخطيبُ قدوةً في ذلكَ، وأنْ يستدلَّ بفعلهِ على جوازهِ، فإنهُ إنَّما يُعمّي على غيرِ أهل الفنِّ،
وأمّا (٥) أهلُهُ فلا يخفَى ذلِكَ عليهم لمعرفتِهم بالتراجمِ، ولم يكنِ الخطيبُ يفعلُهُ إيهامًا للكثرةِ، فإنهُ مكثرٌ منَ الشيوخِ والمروياتِ، والناسُ بعدهُ عيالٌ عليهِ (٦)، وإنما يفعلُ ذلِكَ تفننًا في العبارةِ، وربما أدتْ ضرورةُ التصنيفِ إلى تكرارِ الشيخِ الواحدِ عَن قربٍ، فينوعُ أوصافهُ لئلا يصيرَ مبتذلًا ينفرُ السمعُ منهُ؛ للتكرارِ المحضِ، واللهُ أعلمُ.
قولُ ابنِ الصباغِ: «فَقد غلطَ»، أي: الذِي فعلَ هذهِ الفعلةَ مِن تعميةِ الراوي،
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٨، وقال الزركشي في "نكته" ٢/ ٨١: «يقتضي كراهة ذلك، ولهذا جعله تدليسًا، وحكى ابن المواق في " بغية النقاد " خلافًا في نسبة الرجل إلى جده، واختار التفصيل بين المشهور به فيجوز ذلك، وإلا فلا، لما فيه من إبهام أمرهم، وتعمية طريق معرفتهم».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(٥) من قوله: «هذه الأبيات» إلى هنا سقط من (ب).
(٦) قال ابن نقطة في "التقييد": ١٥٤: «ولا شبهة عند كل لبيب، أن المتأخرين من أصحاب الحديث، عيال على أبي بكر الخطيب».
[ ١ / ٤٤٩ ]
وصورته: أنْ يكونَ شيخُهُ ضعيفًا عند الناسِ، ثقةً عندهُ، فيصفهُ بوصفٍ لا يعرفُ بهِ، /١٤٣ب/ ثُمَّ يقولُ: وَهوَ ثقةٌ، أو ثبتٌ، أو نحو ذلِكَ، ويكونُ مِن أهلِ الجرحِ والتعديلِ، فيقلّدهُ مَن لَم يطّلعْ على حقيقةِ ذلكَ.
قولهُ: (وكفعلِ الخطيبِ) (١)، أي: ويكونُ لإيهامِ الكثرة كفعلِ الخطيبِ.
قولُهُ: (أصلُ التدليسِ) (٢) ليسَ (٣) بجيدٍ؛ فإنَّ التدليسَ مِن حيثُ هوَ (٤) تَشتركُ فيهِ الأقسامُ الثلاثةُ، لكن فُهمَ مرادُهُ بقولهِ: «لا هَذا القسمَ الثاني» فكانَ ينبغي لهُ أنْ يقولَ: أي تدليس الإسنادِ (٥).
قولهُ: (فَقد أجراهُ الشافعيُّ) (٦) قالَ شيخُنا: «قالَ الشافعيُّ (٧): فَمَن عرفناهُ دلَّسَ مرةً فَقد أنبأَ ذلِكَ عَن عُوارٍ في حديثهِ، فإنْ كانَ ثقةً لَم نقبلْ (٨) مِن حديثهِ إلا ما صرّحَ فيهِ» (٩).
قلتُ: وقد تقدّمَ نقلي لَهُ عنِ الشافعيِّ في كِتابِ " الرسالة " قريبًا بلفظِ الشافعي فيها (١٠)، وكأنَّ المصنفَ ما راجعَ "الرسالةَ"، فاحتاجَ إلى نقلهِ مِن كتابِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٢.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) «هو» مكررة في (أ) و(ف).
(٥) في (ف): «للإسناد».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٢.
(٧) «الشافعي» تكررت في (ف).
(٨) في (أ) و(ب): «يقبل».
(٩) الرسالة فقرة (١٠٣٣).
(١٠) جاء في حاشية (أ): «أي: في الرسالة».
[ ١ / ٤٥٠ ]
" المدخلِ " (١).
قولُهُ: (لَم يذكرهُ ابنُ الصلاحِ وَهوَ تدليسُ التسويةِ) (٢) قالَ: عندي أنَّ ما فعلهُ ابنُ الصلاحِ هوَ اللائقُ، والتحقيقُ أنَّهُ ليسَ لنا إلا قسمانِ:
الأولُ: تدليسُ الإسنادِ، والثاني: تدليسُ الشيوخِ.
ويتفرعُ على الأولِ تدليسُ العطفِ (٣)، وتدليسُ الحذفِ (٤). وأما تدليسُ التسويةِ، فيدخلُ في القسمينِ، فتارةً يصفُ شيوخَ السندِ بما لا يعرفونَ بهِ مِن غيرِ إسقاطٍ، فيكونُ تسويةَ الشيوخِ، وتارةً يسقطُ الضعفاءَ، فيكونُ تسويةَ السند، وهذا يُسميهِ القدماءُ: تجوِيدًا، فيقولونَ (٥): جوَّده فلانٌ، يريدونَ ذكرَ مَن فيهِ منَ الأجوادِ، وحذفَ / ١٤٤ أ / الأدنياءَ (٦).
قولُهُ: (ويجعلُ الحديثَ عَن شيخهِ الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني) (٧) قالَ: شرطهُ أنْ يكونَ الثقةُ الأولُ قَد سمعَ مِن الثقةِ الثاني غيرَ هَذا الحديثِ، وأنْ يرويَهُ بلفظٍ محتملٍ، وإلاَّ فليسَ بتدليسٍ. قالَ: ووجهُ كونِ هَذا شرًَّا منَ الأولِ: أنَّ القسمَ الأولَ
_________________
(١) وهو غير موجود في المطبوع من المدخل، مما يدلنا على أن الكتاب كان كاملًا لحد فترة القرن التاسع.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٢.
(٣) وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه، ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيصرح من الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدث بالسماع عن الأول، ونوى القطع، فقال: وفلان، أي حدث فلان. انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦١٧، وبتحقيقي: ٣٨٨.
(٤) ويسمى أيضًا: تدليس القطع، وهو راجع إلى تدليس الإسناد. انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦١٧، وبتحقيقي: ٣٨٩.
(٥) في (ف): «فيكون».
(٦) انظر: تدريب الراوي ١/ ٢٢٦.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٣.
[ ١ / ٤٥١ ]
يحترزُ فيهِ مِن موضعٍ واحدٍ، وَهوَ عنعنةُ ذلِكَ المدلسِ. وأمّا مَن (١) عُرفَ بالتسويةِ فيتحيرُ (٢) الناظرُ في حديثهِ مِن أولِ السندِ إلى آخرهِ؛ فإنَّهُ ما مِن شيخٍ إلاّ ويحتملُ أنْ يكونَ حذفَ دونه أو فوقهُ ضعيفًا.
قولُهُ: (قَد لا يكونُ معروفًا بالتدليسِ) (٣) قالَ في " النكتِ " (٤) عَقِبَهُ: «ويكونُ المدلسُ قَد صرّحَ بسماعهِ مِن هَذا الشيخِ الثقةِ، وَهوَ كذلكَ، فتزولُ تهمةُ تدليسهِ، فيقفُ الواقفُ على هَذا السندِ فلا يرى فيهِ موضعَ علةٍ؛ لأنَّ المدلسَ قَد (٥) صرّحَ باتصالهِ، والثقةُ الأولُ ليسَ مدلسًا، وقد رواهُ عَن ثقةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ بالصحةِ، وفيهِ ما فيهِ منَ الآفةِ التي ذكرناها، وهذا قادحٌ في مَن تعمَّدَ فعلهُ، واللهُ أعلمُ».
قولُهُ: (عَن الأوزاعي عَن نافعٍ ) (٦) إلى آخرهِ، قَد سمعَ الأوزاعيُّ مِن نافعٍ، والزهريِّ، ويحيى بنِ سعيدٍ، ولهذا كانَ تدليسًا.
قولهُ: (ضُعفَ الأوزاعي) (٧) قَد وقعَ ما خافهُ الهيثمُ؛ فإنَّ أحمدَ سُئِلَ عنِ الأوزاعيِّ فقالَ: رأيٌ ضعيفٌ، وحديثٌ ضعيفٌ (٨).
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) في (ف): «فيتخير».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٣.
(٤) التقييد والإيضاح: ٩٧.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٤.
(٨) انظر في هذا: سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٣ - ١١٤.
[ ١ / ٤٥٢ ]
قولُهُ: (قالَ الخطيبُ: وكانَ الأعمشُ، والثوريُّ، وبقيةُ يفعلونَ مثلَ هَذا) (١) وقالَ الشيخُ في " نكتهِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ: «وهذا قادحٌ في مَن تعمّدَ فعلهُ». انتهى. وسألتُ / ١٤٤ ب / شيخنا: هل تدليسُ التسويةِ جرحٌ؟، فقالَ: لا شكَّ أنَّهُ جرحٌ؛ فإنَّهُ خيانةٌ لمن ينقلُ إليهم وغرورٌ، قلتُ: فكيفَ
يوصفُ بهِ الثوريُّ والأعمشُ معَ جلالتِهما؟ فقالَ: أحسنُ ما يعتذرُ (٣) بهِ في هَذا البابِ أنَّ مثلَهما لا يفعلُ ذلِكَ إلا في حقِّ مَن يكونُ ثقةً عندهُ، ضعيفًا عندَ
غيرهِ (٤).
قولُهُ (٥): (وقد سماهُ ابنُ القطانِ تدليسَ التسويةِ) (٦) قالَ شيخُنا: «ليسَ كذلكَ، فإنَّ ابنَ القطانِ إنما سمّاهُ «تسويةً» لَم يذكرْ معهُ لفظةَ «التدليسِ»، وإنما يقولُ: «سواهُ فلانٌ»، و«هذهِ تسويةٌ» ونحو هَذا.
والتحقيقُ في هَذا القسمِ، أنْ يقالَ: متى قيل: «تدليسُ التسويةِ» فلا بدَّ أنْ يكونَ كلٌّ منَ الثقاتِ الذينَ حُذفتْ بينهمُ الوسائطُ في ذلِكَ الإسنادِ قَد اجتمعَ الشخصُ منهمُ بشيخِ شيخهِ في ذلِكَ الحديثِ، وإنْ (٧) قيلَ: «تسويةٌ» من غيرِ أنْ يُذكرَ تدليسٌ، فلا يحتاجُ إلى اجتماعِ أحدٍ مِنهُم بمن فوقه، كَما فعلَ مالكٌ ﵀ (٨)، فإنَّهُ لَم يقعْ في التدليسِ أصلًا، ووقعَ في هَذا، فإنَّهُ يروي عَن ثورٍ، عنِ ابنِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٩٧.
(٣) في (ف): «ما يعتد».
(٤) انظر بلا بد: تعليقي على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٧) في (ب) و(ف): «ولإن».
(٨) عبارة: «﵀» لم ترد في (ب).
[ ١ / ٤٥٣ ]
عباسٍ، وثورٌ لَم يلقَ ابنَ عباسٍ، وإنما رَوَى عَن عكرمةَ عنهُ، فأسقطَ مالكٌ عكرمةَ؛ لأنَّهُ غيرُ حجةٍ عندهُ. فإنْ قيلَ: ما الفرقُ بين هَذا القسمِ، وبينَ المنقطعِ؟ قيلَ: هَذا شرطُهُ أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفًا، فهوَ منقطعٌ خاصٌ.
الشَّاذُّ (١)
قولهُ:
١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ
١٦٢ - والحَاكِمُ الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ
١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ (٢) وَالهِبَةِ
١٦٤ - وَقَوْلُ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ تِسْعِينَ فَرْدًا كُلُّهَا قَوِيُّ
١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فًصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ
_________________
(١) انظر في الشاذ: معرفة علوم الحديث: ١١٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٦٣، وجامع الأصول ١/ ١٧٧، والإرشاد ١/ ٢١٣، والتقريب: ٦٧، والاقتراح: ٢١١، ورسوم التحديث: ٧٥، والمنهل الروي: ٥٠، والخلاصة: ٦٩، والموقظة: ٤٢، ونظم الفرائد: ٣٦١، واختصار علوم الحديث ١/ ١٧٩، وبتحقيقي: ١٣٦، والشذا الفياح ١/ ١٨٠، والمقنع ١/ ١٦٥، ومحاسن الاصطلاح: ٨٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٥، وتنقيح الأنظار: ١٥٠، ونزهة النظر: ٨٤، والمختصر: ١٢٤، وفتح المغيث ١/ ١٨٥، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٨٧، وفتح الباقي ١/ ٢٣٢، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٧٧، وظفر الأماني: ٣٥٦، وشرح شرح نخبة الفكر: ٣٣٠، واليواقيت والدرر ١/ ٤٢٠، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٥٣، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٤٥٥.
(٢) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
[ ١ / ٤٥٤ ]
قولهُ: (الملأ) (١) همُ الأشرافُ (٢)، ولاشكَّ أنَّ الشرفَ في كلِ شيءٍ بحسبهِ، فالأشرافُ في هَذا / ١٤٥ أ / الفنِّ همُ حفّاظُهُ، فالشرطُ مخالفةُ الثقةِ لمن هوَ أعلى منهُ صفةً، كأنْ يخالفَ واحدًا هوَ أوثقُ منهُ، أو عددًا كأنْ يخالفَ اثنينِ مساويينِ لَهُ في الثقةِ فأكثرَ.
قولُهُ: (والحاكم) (٣) قالَ شيخُنا: «أسقطَ مِن قولِ الحاكمِ قيدًا لابدَّ منهُ، وَهوَ أنَّهُ قالَ: «وينقدحُ في نفسِ الناقدِ أنَّهُ غلطٌ، ولا يقدرُ على إقامةِ الدليلِ على ذلِكَ» ويؤيدُ هَذا قولهُ: «وذكرَ أنَّهُ يُغايرُ المعللَ»، فظاهرهُ أنَّهُ لا يغايرُهُ إلا مِن هَذهِ الجهةِ، وهي كونُهُ لَم يطّلعْ على علتهِ، وأمّا الردُّ فهما مشتركانِ فيهِ، ويوضحهُ قولُهُ: «والشاذُّ لَم يوقفْ فيهِ على علتهِ كذلكَ»، أي: كالمعلّلِ، يعني: بل وقفَ على علتهِ حدسًا، لكن في نسخِ الشرحِ «علته» بالضميرِ، وفي عبارةِ ابنِ الصلاحِ: «لَم يوقفْ فيهِ على علتهِ» (٤) بالتنكيرِ».
قالَ شيخُنا: «وهذا على هَذا أدقُّ مِن المعلّلِ بكثيرٍ، فلا يتمكنُ مِن الحكمِ بهِ إلا مَن مارسَ الفنَّ غايةَ الممارسةِ، وكانَ في الذروةِ مِن الفهمِ الثاقبِ، ورسوخِ القدمِ في الصناعةِ، فرزقهُ اللهُ تعالى نهايةَ الملكةِ».
وملخصُ الأقوالِ أنَّ الشافعي قيَّدَ بقيدينِ: الثقةِ، والمخالفةِ. والحاكمُ قيَّدَ بالثقةِ فقط - على ما قالَ الشيخُ -، والخليليُّ لَم يُقيِّد بشيءٍ، فهما ناظرانِ إلى الشاذِّ مِن حيثُ اللغةُ (٥)، وادّعيا أنَّ الاصطلاحَ كذلكَ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٦١).
(٢) انظر: لسان العرب مادة (ملأ).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٦٢).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤.
(٥) جاء في حاشية (أ): «وهو مطلق الانفراد».
[ ١ / ٤٥٥ ]
قولُهُ: (وردَ ما قالا) (١)، أي: لأنَّ الصحيحَ قَد تقدّمَ أنَّ مِن جملةِ تعريفهِ أنَّ لا يكونَ شاذًا، فالشاذُ لا يكونُ صحيحًا، ومتى لَم نشترطِ المخالفةَ ورد علينا مما (٢) في الصحيحِ منَ الأحاديثِ الغريبةِ، فيقتضي عدمُ صحتِها، أو التوقف فيها /١٤٥ب/ كَما قالَ الخليلي: «وما كانَ عَن ثقةٍ فيتوقفُ فيهِ، ولا يحتجُّ بهِ» (٣).
وقد حصلَ الاتفاقُ على الحكمِ بصحةِ ما في " الصحيحينِ " غيرَ (٤) المستثنى (٥)، فتكونُ صحيحةً غيرَ صحيحةٍ، أو معمولًا بها متوقفًا فيها، وذلكَ محالٌ، وَهوَ لازمٌ للخليلي.
وأمّا الحاكمُ فبعدَ علمكَ بالقيدِ الذِي قالهُ تَعلمُ أنَّهُ لا يردُ عليهِ ذلِكَ؛ لأنَّ ما في الصحيحِ مِن ذلِكَ مما مثّلَ بهِ الشيخُ، وما شَاكلَهُ لَم يقعْ في قلبِ أحدٍ منَ النقادِ ضعفُهُ.
قلتُ: والظاهرُ أنَّ كلامَ الخليليِّ مقيدٌ بما قيّدَ بهِ الحاكمُ، أو نحو ذلِكَ، وإلا كانَ كلامهُ ساقطًا؛ لأنَّهُ لَم يذكر (٦) فيمنِ اشترطَ العددَ في الصحيحِ.
قولُهُ: (أنَّ مَنْ يقرُبُ مِنْ ضبطٍ) (٧) غيرُ وافٍ بقولِ ابنِ الصلاحِ: «فإنْ كانَ المنفردُ بهِ غيرَ بعيدٍ مِن درجةِ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفردهُ» (٨)؛ لأنَّ الحافظَ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٦٣).
(٢) في (ف): «ما».
(٣) الإرشاد ١/ ١٧٦.
(٤) في (ف): «هو».
(٥) جاء في حاشية (أ): «الذي تكلم عليه الدارقطني».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: الخليلي».
(٧) التبصرة والتذكرة (١٦٥).
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٧.
[ ١ / ٤٥٦ ]
الموصوفَ هوَ التامُّ الضبطِ الذِي تقدّمَ تحريرُ الكلامِ فيهِ في تعريفِ الصحيحِ، فالقريبُ منهُ مَن كانَ ضابطًا، ولكنهُ في أدنى درجاتِ الضبطِ المعتبرِ، فلو
قالَ:
أنَّ مَنْ دانى تمامَ الضبطِ فرده حسنٌ
لَوَفَى، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (مواضعُ التفردِ منهُ) (١) عبارته: «فإنَّهُ حديثٌ فردٌ، تفرّدَ بهِ عمرُ - ﵁ -، عَن رسولِ الله - ﷺ -، ثُمَّ تفرّدَ بهِ عَن عمرَ: علقمةُ بنُ وقاصٍ، ثُمَّ عَن علقمةَ: محمدُ بنُ إبراهيمَ، ثُمَّ عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ (٢) على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ
الحديثِ» (٣). قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): «وقد اعترضَ عليهِ بأمرينِ: أحدهما: أنَّ الخليليَّ والحاكمَ / ١٤٦أ / إنما ذكرا تفرّدَ الثقةِ، فلا يردُ عليهما
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٧.
(٢) أخرجه: ابن المبارك في "الزهد" (١٨٨)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي (٢٨)، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، والبخاري ١/ ٢ (١) و١/ ٢١ (٥٤) و٣/ ١٩٠ (٢٥٢٩) و٥/ ٧٢ (٣٨٩٨) و٧/ ٤ (٥٠٧٠) و٨/ ١٧٥ (٦٦٨٩) و٩/ ٢٩ (٦٩٥٣)، ومسلم ٦/ ٤٨ (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والترمذي (١٦٤٧)، والبزار (٢٥٧)، والنسائي ١/ ٥٨ و٦/ ١٥٨ و٧/ ١٣ وفي " الكبرى "، لَهُ (٧٨) و(٤٧٣٦) و(٥٦٣٠)، وابن الجارود (٦٤)، وابن خزيمة (١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٩٦ وفي "شرح مشكل الآثار"، لَهُ (٥١٠٧) و(٥١٠٨) و(٥١٠٩) و(٥١١٠) و(٥١١١) و(٥١١٢) و(٥١١٣) و(٥١١٤)، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، والدارقطني ١/ ٥٠ - ٥١ وفي "العلل"، لَهُ ٢/ ١٩٤، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١١٧١) و(١١٧٢)، والبيهقي ١/ ٤١ و٢٩٨ و٢/ ١٤ و٤/ ١١٢ و٢٣٥ و٥/ ٣٩ و٦/ ٣٣١ و٧/ ٣٤١، والبغوي في "شرح السنة" (١) و(٢٠٦) مِن طريق يحيى بنِ سعيد، بهذا الإسناد.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤.
(٤) التقييد والإيضاح: ١٠١.
[ ١ / ٤٥٧ ]
تفرّد الحافظِ لما بينهما منَ الفرقانِ (١).
والأمرُ الثاني: أنَّ حديثَ النيةِ لَم ينفرد بهِ عمرُ، بل رواهُ أبو سعيدٍ الخدري وغيرُه، عنِ النبي - ﷺ -، فيما ذكرهُ الدارقطني (٢) وغيرهُ. انتهى ما اعترض بهِ.
والجوابُ عنِ الأولِ: أنَّ الحاكمَ ذكرَ مطلقَ الثقةِ، والخليليَّ ذكرَ مطلقَ الراوي، فيردُ على إطلاقهما تفرّد العدلِ الحافظِ، ولكنَّ الخليليَّ يجعلُ تفرّدَ الراوي الثقةِ شاذًا صحيحًا، وتفرّدَ الراوي غيرِ الثقةِ شاذًا ضعيفًا؛ فلذلكَ استشكلهُ المصنفُ، أي: لأنَّهُ يخصُّ الشاذَّ بالمردودِ. وعَن الثاني: أنَّهُ لَم يصحَّ مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولا غيرهِ سوى عمرَ، وقد أشارَ المصنفُ إلى أنَّهُ قَد قيلَ: إنَّ لهُ غيرَ طريقِ عمرَ بقولهِ: «على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ الحديثِ»، فلم يبقَ للاعتراضِ عليهِ وجهٌ، ثُمَّ إنَّ حديثَ أبي سعيدٍ الذِي ذكرهُ هَذا المعترضُ صرحوا بتغليطِ ابنِ أبي رَوَّادٍ (٣) الذِي رواهُ عَن مالكٍ، وممن وهَّمهُ في ذلِكَ الدارقطنيُّ (٤) وغيرهُ، وإذ قدِ اعترضَ عليهِ في حديثِ عمرَ هَذا، فهلاّ اعترضَ عليهِ في الحديثِ الذِي بعدهُ، فَقد ذكرَ المصنفُ أنَّهُ أوضحُ في التفرّدِ مِن حديثِ عمرَ، وَهوَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ في النهي عَن بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ كَما سيأتي.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: من الفرق».
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٣) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، بفتح الراء وتشديد الواو، صدوق يخطىء وكان مرجئًا أفرط ابن حبان فقال: متروك، من التاسعة، مات سنة (٢٠٦ هـ). التقريب
(٤) في العلل ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ومما يستغربُ حكايتُه في حديثِ عمرَ أنيِّ رأيتُ في " المستخرجِ مِن أحاديثِ الناسِ " لعبدِ الرحمانِ / ١٤٦ ب / بنِ منده: أنَّ حديثَ الأعمالِ بالنياتِ رواهُ سبعةَ عشرَ مِن الصحابةِ، وأنَّهُ رواهُ عَن عمرَ غيرُ علقمةَ (١)، وعن علقمةَ غيرُ محمدِ بنِ إبراهيمَ، وعن محمدِ بنِ إبراهيمَ غيرُ يحيى بن سعيدٍ (٢).
وقد بلغني أنَّ الحافظَ أبا الحجاجِ المزيَّ سُئِلَ عَن كلامِ ابنِ منده هَذا فأنكرهُ واستبعدهُ. وقد تتبعتُ (٣) كلامَ ابنِ منده المذكورَ، فوجدتُ أكثرَ الصحابةِ الذينَ ذكرَ حديثهم في الباب إنما لَهُم أحاديثُ أخرى في مطلقِ النيةِ، كحديثِ: «يبعثونَ على نياتهم» (٤)، وكحديثِ: «ليسَ لهُ مِن غزاتهِ إلا ما نوى» (٥) ونحو ذلِكَ، وهكذا يفعلُ الترمذي في "الجامعِ" (٦) حيثُ يقولُ: «وفي البابِ عَن فلانٍ وفلانٍ»
_________________
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ٢/ ٩٢٦ و٦/ ٢٣٨١: «وأما من تابع علقمة عليه، فذكر أبو أحمد الحاكم أن موسى بن عقبة رواه عن نافع، وعلقمة».
(٢) أخرجه: ابن عساكر ٥٦/ ٣٦ من طريق الربيع بن زياد الضبي، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، قال الدارقطني في "العلل" ٢/ ١٩٢: «وحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة يقال له: سهل بن صقير عن الدراوردي، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمد ابن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي - ﷺ -. ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه، وإنما رواه هؤلاء وغيرهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، لا عن محمد بن عمرو، وإنما رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة، الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير، عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي ابن حجر».
(٤) جزء من حديث، أخرجه: البخاري ٣/ ٨٦ (٢١١٨) من حديث عائشة.
(٥) أخرج نحوه: أحمد ٥/ ٣١٥ و٣٢٠ و٣٢٩، والنسائي ٦/ ٢٤ - ٢٥، والحاكم ٢/ ١٠٩، والبيهقي ٦/ ٣٣١ من حديث عبادة بن الصامت.
(٦) انظر على سبيل المثال: عقب الحديث (١) و(٣) و(٥).
[ ١ / ٤٥٩ ]
فإنَّهُ لا يريد ذلِكَ الحديثَ المعينَ، وإنما يريد أحاديثَ أخرَ يصحُّ أنْ تكتبَ في ذلِكَ البابِ، وإنْ كانَ حديثًا آخرَ غيرَ الذِي يرويهِ في أولِ البابِ، وَهوَ عملٌ صحيحٌ، إلاّ أنَّ كثيرًا مِن الناسِ يفهمونَ منْ ذلكَ: أنَّ من سُمِّي منَ الصحابةِ يروونَ ذلكَ الحديثَ الذي رواه في أولِ البابِ بعينهِ، وليس الأمرُ على ما فهموه، بل قَد يكونُ كذلكَ، وقد يكونُ حديثًا آخرَ يصحُّ إيراده في ذلِكَ البابِ، ثمَّ إني تتبعتُ الأحاديثَ التي ذكرها ابنُ منده، فلم أجدْ منها بلفظِ حديثِ عمرَ، أو قريبًا مِن لفظهِ بمعناهُ إلا حديثًا لأبي سعيدٍ الخدريِّ (١)، وحديثًا لأبي هريرةَ (٢)، وحديثًا لأنسِ ابنِ مالكٍ (٣)، وحديثًا لعلي بنِ أبي طالبٍ (٤)، وكلها ضعيفةٌ، ولذلكَ قالَ / ١٤٧ أ / الحافظُ أبو بكرٍ البزارُ في "مسنده" (٥) بعدَ تخريجه: «لا يصحُّ عنِ النبي - ﷺ - إلا مِن حديثِ عمرَ، ولا عَن
_________________
(١) أخرجه: الدارقطني في "غرائب مالك" (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦/ ٢٣٨١، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١١٧٣)، وابن عساكر في "غرائب مالك"، والخطابي في "معالم السنن" (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦/ ٢٣٨١ من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بنِ يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال الدارقطني: «ولم يتابع عليه. (أي على عبد المجيد) وأما أصحاب مالك الحفاظ عنه، فرووه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة ابن وقاص، عن عمر وهو الصواب» انظر: العلل للدارقطني ٢/ ١٩٣.
(٢) أخرجه: الرشيد العطار (كما في تخرج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦/ ٢٣٨١.
(٣) أخرجه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ٢١٩ من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بنِ إبراهيم، عن أنس. قال ابن عساكر: «المحفوظ حديث محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. وهذا غريب جدًا».
(٤) أخرجه: محمد بن ياسر (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٢/ ٩٢٦.
(٥) قال البزار في "البحر الزخار" ١/ ٣٨٢: «ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - بهذا الإسناد».
[ ١ / ٤٦٠ ]
عمر إلا مِن حديثِ علقمةَ، ولا عن علقمةَ إلا مِن حديثِ محمدِ بنِ إبراهيمَ، ولا عَن محمدِ بنِ إبراهيمَ إلاّ مِن حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ»، واللهُ أعلمُ.
وذكرهُ المصنفُ بعدَ هَذا في النوعِ الثلاثينَ، ونبسطُ الكلامَ عليهِ هناكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى (١).
قولهُ: (وأوضحُ مِن ذلِكَ) (٢)، أي: مِن التمثيلِ بحديثِ الأعمالِ «في ذلكَ» أي: التمثيلِ للشذوذِ، ووجهُ أرجحيتهِ في الوضوحِ: أنَّ حديثَ الأعمالِ وردتْ لهُ متابعاتٌ، فهو ليسَ بفردٍ، وإنْ كانت تلكَ المتابعاتُ كلُّها واهيةً جدًا، بخلافِ حديثِ: «بيعِ الولاءِ» (٣) فلم يردْ لهُ متابعٌ، إلا في قولِ مَن أبدلَ عبدَ اللهِ بعمرٍو، وقد صرّحوا بغلطهِ (٤).
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١٠١ - ١٠٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٧.
(٣) أخرجه: مالك في "الموطأ" «٢٢٦٨) برواية يحيى الليثي)، والشافعي في "مسنده"
(٤) و(١٠٨٨) بتحقيقي، والطيالسي (١٨٨٥)، وعبد الرزاق (١٦١٣٨)، والحميدي (٦٣٩)، وسعيد بن منصور (٢٧٦) وابن أبي شيبة (٣١٥٩٩)، وأحمد ٢/ ٩ و٧٩ و١٠٧، والدارمي (٢٥٧٥) و(٣١٦٠) و(٣١٦١)، والبخاري ٣/ ١٩٢
(٥) و٨/ ١٩٢ (٦٧٥٦)، ومسلم ٤/ ٢١٦ (١٥٠٦) (١٦)، وأبو داود
(٦) ، وابن ماجه (٢٧٤٧)، والترمذي (١٢٣٦) و(٢١٢٦)، والنسائي ٧/ ٣٠٦ وفي "الكبرى"، له (٦٢٥٣) و(٦٢٥٤) و(٦٢٥٥) و(٦٤١٤) و(٦٤١٥) و(٦٤١٦) جميعهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. ولمزيد من التخاريج راجع تعليقنا على مسند الشافعي.
(٧) أخرجه: ابن حبان في "الثقات" ٨/ ٤، والطبراني في "الكبير" (١٣٦٢٥) وفي "الأوسط"، له (٥٠) مِن طريق عمرو بن دينار، عن ابن عمر. قال ابن حبان: «عمرو بن دينار غريب بهذا الحديث».
[ ١ / ٤٦١ ]
وأما حديثُ المِغْفرِ، فَقد قالَ القاضي أبو بكرِ بن العربي في إشبيليةَ (١) لما ادّعوا تفرّدَ مالكٍ بهِ: «قَد كتبتُهُ مِن ثلاثةَ عشرَ طريقًا غيرَ طريقِ مالكٍ» ثمَّ سألوهُ أنْ يملي عليهم ذلِكَ فأبطأَ بهِ، فقالَ قائلُهم:
يا أهلَ حمصَ ومَنْ بها أوصيكُمُ بالبرِّ والتقوى وصيَّةَ مُشْفقِ
فخُذُوا عنِ العَرَبيِّ أسمارَ الدجى وخُذُوا الرِّوايةَ عَن إمامٍ متَّقِ
إنَّ الفتى ذَرِبُ اللسانِ مُهذَّبٌ إنْ لَم يَجِدْ خَبَرًا صحيحًا يَخْلُقِ (٢)
وإنما قالَ: حمص؛ لأنَّ أهلَها نزلوا بإشبيليَّةَ عندما فُتحتْ، فصارتْ تُسمَّى حمص.
قالَ شيخُنا: «فإمّا أنَّه بلغَ ابن العربي / ١٤٧ ب / ذلِكَ فعلمَ تعنتَهم، فحملهُ الحنقُ على كتمانِ ذلِكَ عَنهُم، أو لَم يبلغهُ وعاقه عَن الوفاءِ عائقٌ،
فَقد جمعتُ (٣) طرقَهُ، فوصلتُها إلى سبعةَ عشرَ طريقًا، فظهرَ صدقُ ابنِ العربي» (٤).
قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٥) بعد أنْ أوردَ كلامَ ابنِ الصلاحِ إنَّهُ (٦) ليسَ لكلٍّ منهما إلاّ إسنادٌ واحدٌ تفرّدَ بهِ ثقةٌ (٧): «فيهِ أمرانِ: أحدهما: أنَّ الحديثَ الأولَ -
_________________
(١) قال ياقوت الحموي: «بالكسر ثم السكون وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة ولام وياء خفيفة، مدينة كبيرة عظيمة وليس بالأندلس اليوم أعظم منها تسمى حمص أيضًا». معجم البلدان ١/ ١٥٩.
(٢) هذه الأبيات قالها الشاعر خلف بن خير الأديب. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٠٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٦ - ١٢٩٧.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي ابن حجر».
(٤) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٥٦ وبتحقيقي: ٤٣٥.
(٥) التقييد والإيضاح: ١٠٣ - ١٠٥.
(٦) في (ب) و(ف): «في أنَّهُ».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٦.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وهوَ حديثُ النهي عَن بيعِ الولاءِ وهبتهِ (١) - قَد رُوِيَ مِن غيرِ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، رواهُ الترمذيُّ في كتابِ " العلل المفردِ " (٢) حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ، حدثنا يحيى بنُ سليمٍ، عَن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عَن نافعٍ، عَن ابنِ عمرَ فذكرهُ، ثُمَّ (٣) قالَ (٤): والصحيحُ عَن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، وعبدُ الله بنُ دينارٍ قَد تفرّدَ بهذا الحديثِ عَن ابنِ عمرَ، ويحيى بنُ سليمٍ أخطأ في حديثهِ، وقال الترمذيُّ أيضًا في " الجامعِ ": إنَّ يحيى بنَ سليمٍ وَهِمَ في هَذا الحديثِ. قلت (٥): وقد وردَ مِن غيرِ روايةِ يحيى بنِ سليمٍ، عَن نافعٍ، رواهُ ابنُ عدي في "الكاملِ" (٦) فقالَ: حدثنا عصمةُ بنُ بجماك البخاريُّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ فهدٍ، حدثنا مسلمٌ، عَن محمدِ ابنِ دينارٍ، عَن يونسَ -يعني: ابنَ عبيدٍ-، عَن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ» فذكرهُ، أوردهُ في ترجمةِ إبراهيمَ بنِ فهدِ بنِ حكيمٍ، وقال: «لَم أسمعْهُ إلاَّ مِن عصمةَ عَنهُ - ثُمَّ قالَ: وسائرُ أحاديثِ إبراهيمَ بنِ فهدٍ مناكيرُ، وهوَ مظلمُ الأمرِ، وحَكَى أيضًا أنَّ ابنَ (٧) صاعدٍ، كانَ إذا حدّثَ عَنهُ يقولُ: حدثنا إبراهيم بنُ حكيمٍ، ينسبهُ إلى جدهِ / ١٤٨ أ / لضعفهِ». انتهى.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) العلل الكبير (٣١٨). وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (٢٧٤٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٤/ ٢٩٢ و٥/ ١١٦ من طريق عبيد الله بن عمر، بهذا الإسناد.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) أي: الترمذي.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: العراقي».
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٤٣٦.
(٧) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٤٦٣ ]
والجوابُ عنِ المصنفِ (١): أنه لا يصحُّ أيضًا إلا مِن روايةِ عبدِ الله بنِ دينارٍ، كَما تقدمَ في حديثِ الأعمالِ بالنياتِ، واللهُ أعلمُ.
الأمرُ الثاني: إنَّ حديثَ المغفرِ قَد وردَ مِن عدةِ طرقٍ غيرَ طريقِ مالكٍ (٢): مِن روايةِ ابنِ أخي الزهري، وأبي أويسٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي عامرٍ، ومعمرَ، والأوزاعي، كلهم عنِ الزهري، فأمّا روايةُ ابنِ أخي الزهري عنهُ، فرواها أبو بكرٍ البزار في "مسندهِ" (٣)، وأمّا روايةُ أبي أويسٍ، فرواها ابنُ سعدٍ في " الطبقاتِ " (٤)، وابنُ عدي في " الكاملِ " (٥) في ترجمةِ أبي أويسٍ، فأمّا (٦) روايةُ معمرٍ، فذكرها ابنُ عدي في " الكامل "، وأمّا روايةُ الأوزاعيِّ، فذكرها المزيُّ في " الأطرافِ " (٧)، وقد بيّنتُ ذلِكَ في "شرحِ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٢) الحديث عند مالك في "الموطأ" (١٢٧١) برواية يحيى الليثي، وأخرجه: من طريق مالك الحميدي (١٢١٢)، وابن سعد في "الطبقات" ٢/ ١٣٣ و١٣٩، وأحمد ٣/ ١٠٩ و١٦٤ و١٨٠ و٢٢٤ و٢٣١ و٢٣٢ و٢٤٠، والدارمي (١٩٤٤) و(٢٤٦٠)، والبخاري ٣/ ٢١ (١٨٤٦) و٤/ ٨٢ (٣٠٤٤) و٥/ ٨٨ (٤٢٨٦) و٧/ ٨٨ (٥٨٠٨)، ومسلم ٤/ ١١١ (١٣٥٧)، وأبو داود (٢٦٨٥)، والترمذي (١٦٩٣) وفي " الشمائل "، له (١١٢) و(١١٣) بتحقيقي، وابن ماجه (٢٨٠٥)، والنسائي ٥/ ٢٠٠ و٢٠١ وفي " الكبرى "، له (٣٨٥٠) و(٣٨٥١) و(٨٥٨٤)، وأبو يعلى (٣٥٣٩) و(٣٥٤١) و(٣٥٤٢)، وابن خزيمة (٣٠٦٣)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٢٥٨، وفي "شرح مشكل الآثار" (٤٥١٩) و(٤٥٢٠)، وابن حبان (٣٧١٩) و(٣٨٠٥) و(٣٨٠٦)، والبيهقي ٦/ ٣٢٣ و٧/ ٥٩ و٨/ ٢٠٥، وابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٦٠، والبغوي في "شرح السنة" (٢٠٠٦).
(٣) لم أقف عليه في المطبوع من المسند، وذكره المزي في "تحفة الأشراف" ١/ ٦٥٩ (١٥٢٧).
(٤) الطبقات الكبرى ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٥) الكامل ٥/ ٣٠١.
(٦) في (ف): «وأما».
(٧) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ١/ ٦٥٩ (١٥٢٧).
[ ١ / ٤٦٤ ]
الترمذي". ورَوَى ابنُ مسدي في " معجمِ شيوخهِ" أنَّ أبا بكرٍ بنَ العربيِّ قالَ لأبي جعفرَ بنِ المرخي، حينَ ذكرَ أنهُ لا يعرفُ إلا مِن حديثِ مالكٍ عنِ الزهري: قَد رويتُهُ مِن ثلاثةَ عشرَ طريقًا غيرَ طريقِ (١) مالكٍ، فقالوا لهُ: أفدْنا هذهِ الفوائدَ، فَوعدَهم ولم يخرجْ لَهُم شيئًا، ثُمَّ تعقبَ ابنُ مسدي هذهِ الحكايةَ بأنّ شيخَهُ فيها - وهوَ أبو العباسِ العشاب - كانَ متعصبًا على ابنِ العربي؛ لكونهِ كانَ متعصبًا على ابنِ حزمٍ، واللهُ أعلمُ».
قولُهُ: (وقد قالَ مسلمُ بنُ الحجاجِ) (٢) أي: في بابِ مَن حلفَ باللاتِ والعزى مِن بابِ الأيمانِ والنذورِ (٣).
قولُهُ: (بأسانيدَ جيادٍ) (٤) يتبادرُ منهُ قبولُ نفسِ المتونِ، فلا يقالُ: يحتملُ أنْ يرادَ جودةُ الأسانيدِ / ١٤٨ب / مِن الزهري إلى النبي - ﷺ -، بل الظاهرُ إرادةُ الجودةِ في جميعِ السندِ مِن مسلمٍ .. إلى آخرهِ.
قولُهُ: (على تفصيلٍ نبينه) (٥) ليسَ في هَذا التفصيلِ مِن الشاذِّ إلا ما قالهُ أولًا، وهوَ الذِي عُرفَ بهِ الشافعي، وأمّا الثاني: فهو صحيحٌ غريبٌ، وأمّا الثالثُ: فهوَ حسنٌ لذاتهِ غريبٌ، وأمّا الرابعُ: فإنهُ ضعيفٌ إذا أتى ما يجبرهُ صار حسنًا لغيرهِ، وتسميتهُ لَهُ شاذًا نظرًا إلى محض التفرّدِ، فهوَ نظرٌ لغوي.
قولُهُ: (خارمًا لَهُ) (٦) أي: للخبرِ، فإنهُ لو حصلَ لهُ متابعٌ انجبرَ، فصارَ
_________________
(١) ومن هذه الطرق ما رواه الآجري في "الشريعة": ٩٧ - ٩٨ مِن طريق محمد بن رزيق بن جامع، قال: حدثنا أبو الحسين سفيان بن بشير، قال: حدثنا أنس بن مالك، فذكره.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٨.
(٣) صحيح مسلم ٥/ ٨٢ عقب (١٦٤٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٩.
[ ١ / ٤٦٥ ]
صحيحًا لغيرهِ، فالتفرّدُ هوَ الذِي قَصَرَ بهِ عَن درجةِ الصحيحِ.
قلتُ: قولُهُ: (فينظرُ في هَذا الراوي ) (١) إلى آخرهِ، قولٌ منهُ بإمكانِ التصحيحِ في هَذا الزمانِ، وقد تقدّمَ نفيُهُ لَهُ في شرح قوله: (وعنده التصحيحُ ليسَ يمكنُ) (٢) فكأنهُ نسيَ ما قالَ هناكَ، ولا يقالُ: إنهُ عَنَى قبولَ الخبرِ مِن جهة أنهُ حسنٌ، لا مِن جهةِ الصحةِ؛ لأنهُ لا يكونُ حينئذٍ بينهُ وبينَ منِ استحسنَ حديثهُ فرقٌ، فيتهافتُ الكلامُ، واللهُ أعلمُ.
المنكر (٣)
قولهُ:
١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْجِ
١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ فَهْوَ بِمَعْناهُ كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ
١٦٩ - نَحْوَ «كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ» الخَبَرْ وَمَالِكٍ سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ
١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ «نَزْعِهْ خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ»
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٨.
(٢) التبصرة والتذكرة (٣٩).
(٣) انظر في المنكر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٩، والإرشاد ١/ ٢١٩، والتقريب: ٦٩، والاقتراح: ٢١٢، والمنهل الروي: ٥١، ورسوم التحديث: ٧٧، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث ١/ ١٨٣، وبتحقيقي: ١٤٢، والشذا الفياح ١/ ١٨٥، والمقنع ١/ ١٧٩، ومحاسن الاصطلاح: ٨٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١، وتنقيح الأنظار: ١٥٥، ونزهة النظر: ٥٢، والمختصر: ١٢٥، وفتح المغيث ١/ ١٩٠، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٨٩، وفتح الباقي ١/ ٢٣٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣، وظفر الأماني: ٣٥٦، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٥٤، واليواقيت والدرر ٢/ ٦٢، وقواعد التحديث: ١٣١، والحديث المعلول قواعد وضوابط: ٦٦ - ٧٧، ولمحات في أصول الحديث: ٢٥٨، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٤٦٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قوله (١): (كذا البرديجي) (٢) ما أطلقهُ البرديجيُّ موجودٌ في كلامِ أحمدَ، فإنهُ يصفُ بعضَ ما تفرّدَ بهِ بعضُ الثقاتِ بالمنكرِ، ويحكمُ على بعضِ رجالِ الصحيحينِ أنَّ لَهُم مناكيرَ، لكن يعلمُ مِن استقراءِ كلامهِ أنهُ لابدَّ معَ التفرّدِ مِن أنْ ينقدحَ في النفسِ أنَّ لَهُ علةً / ١٤٩أ /، ولا يقومُ عليها دليلٌ على نحوِ ما تقدّمَ عَن الحاكمِ في الشاذَ، ويؤيدُه قولُ مسلمٍ: «إنَّ المنكرَ أن يَعمدَ الرجلُ إلى مثلِ الزهريِّ في كثرةِ الأصحابِ، فينفردَ مِن بينهم عَنهُ بروايةِ حرفٍ لا يوجدُ عندَ أحدٍ منهم، فمثلُ هَذا يقومُ في النفسِ فيهِ ريبةٌ لمجردِ التفرّدِ، وقد لا يقدرُ على التعبيرِ عنها» (٣).
قولُهُ: (فهوَ بمعناهُ) (٤) أي: فالمنكرُ بمعنى الشاذِّ، ليسَ كذلكَ، بل كلٌّ منهما اسمٌ لشيءٍ مخصوص (٥)، فالشاذُّ: اسمٌ لما خالفَ فيهِ الثقةُ مَن هوَ أوثقُ منهُ، أو تفرّدَ بهِ الخفيفُ الضبطِ. والمنكرُ: اسمٌ لما خالفَ فيهِ الضعيفُ، أي الذِي ينجبرُ إذا تُوبعَ، أو تفرّدَ بهِ الأضعفُ، أي: الذِي لا ينجبرُ وَهيُهُ بمتابعةِ مثلهِ.
قولُهُ: (ومالك) (٦) عطفٌ على «كلوا»، أي: نحوَ كلوا، ونحوَ مالكٍ في تسميةِ ابنِ عثمانَ عمرَ، وهوَ على حذفِ مضافٍ، أي: ونحو تسميةِ مالكٍ، فكأنهُ قيلَ: ما سَمَّى؟ قالَ: سَمَّى ابنَ عثمانَ عمرَ، أو يكونُ التقديرُ: ونحو مالكٍ في أن سَمَّى .. (٧) فالحاصلُ أنَّ مرادَهُ: نحو هَذا الحديثِ، ونحو هَذا السندِ.
_________________
(١) كلمة: «قوله» لم ترد في (أ) و(ب).
(٢) التبصرة والتذكرة (١٦٧).
(٣) انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/ ٧.
(٤) التبصرة والتذكرة (١٦٨).
(٥) جاء في حاشية (أ): «المنكر يقابله المعروف، والشاذ يقابله المحفوظ».
(٦) التبصرة والتذكرة (١٦٩).
(٧) جملة: «أو يكون التقدير ونحو مالك في أن سمى» لم ترد في (ب) و(ف).
[ ١ / ٤٦٧ ]
قولهُ: (لا مِن الوجهِ الذِي رواهُ منهُ ..) (١) إلى آخرهِ، أي: لا يعرفُ إلا عَنهُ، لا بمتابعةٍ تامةٍ، ولا بمتابعةٍ قاصرةٍ، وإلى ذلِكَ أشارَ «بالوجهِ الذِي رواهُ منهُ» ولا بشاهدٍ، وإلى ذلِكَ أشارَ «بالوجهِ الآخرِ».
قولُهُ: (في كلامِ كثيرٍ مِن أهل الحديثِ) (٢) أي: كَما تقدّمَ عَن أحمدَ، ومسلمٍ، ويأتي عَن أبي داودَ.
قولُهُ: (نحو كلوا البلحَ بالتمرِ، فإنَّ ابنَ آدمَ إذا أكلهُ غضبَ الشيطانُ) (٣) وقالَ: «عاشَ (٤) ابنُ آدمَ حتى أكلَ الجديدَ بالخَلقِ» (٥) فيهِ (٦) مِن النكارةِ / ١٤٩ ب / وجهانِ: الأول: تفرّدُ أبي زكيرٍ، وَهوَ غيرُ ضابطٍ، فإنهُ صدوقٌ يخطىءُ (٧) كثيرًا، وَهوَ وإن كانَ في عدادِ مَن ينجبرُ، لكنهُ لما أتى بهذا المتنِ الركيكِ الألفاظِ، البعيدِ مِن القواعدِ، كانَ كأنهُ خالفَ مَن هوَ أقوى
منهُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٢.
(٤) تكررت في (ف) عبارة: «وقال: عاش».
(٥) أخرجه: ابن ماجه (٣٣٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (٦٧٢٤)، وابن حبان في "المجروحين" ٣/ ١٢٠، والعقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٤٢٧، وأبو يعلى (٤٣٩٩)، وابن عدي في "الكامل" ٧/ ٢٦٩٨، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٢١، وفي "معرفة علوم الحديث": ١٠٠ - ١٠١، والخطيب في "تاريخه" ٥/ ٣٥٣ من حديث عائشة ﵂. قال أبو حاتم والذهبي: «منكر» وكذا استنكره العقيلي وابن عدي، وقال ابن حبان: «وهذا الكلام لا أصل له من كلام رسول الله - ﷺ -» وساقه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٣/ ٢٥ - ٢٦، والسيوطي في "اللآليء المصنوعة" ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وذكر أن البلية فيه من أبي زكير.
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) انظر: تهذيب الكمال ٨/ ٨٤ - ٨٥، وميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٥ (٩٦١٦).
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقوله فيهِ: (شيخٌ صالحٌ) (١) أخذهُ مِن الحافظِ أبي يعلى الخليليِّ القزوينيِّ في كتابهِ " الإرشادِ ". (٢) قالهُ الشيخُ في " النكتِ " (٣). قالَ شيخُنا: «والمرادُ أنهُ صالحٌ في دينهِ، وليسَ مرادُهُ ما يتبادرُ إلى الذهنِ مِن أنهُ صالحُ الحديثِ (٤»)، ويؤيدُ ذلِكَ قولهُ: «غير أنَّهُ لَم يبلغْ مبلغَ مَن يحتملُ تفرّدهُ» (٥).
وقوله: (أخرجَ عَنهُ مسلمٌ في كتابهِ) (٦) أي: غيرَ هَذا الحديثِ في موضعٍ واحدٍ، وإنما ساقه متابعةً، كَما قالَ الشارحُ. قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٧): «وقد أطلقَ الأئمةُ عليهِ القولَ بالتضعيفِ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ - في ما رواهُ عَنه (٨) إسحاقُ الكوسجُ -: «ضعيفٌ» (٩). وقالَ أبو حاتمِ بنُ حبانَ: «لا يحتجُّ
بهِ» (١٠). وقالَ العقيليُّ: «لا يتابعُ على حديثهِ» (١١) وأوردَ لَهُ ابنُ عدي أربعةَ أحاديثَ مناكيرَ» (١٢) انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٢.
(٢) هو في الإرشاد ١/ ١٧٣. وعبارة الخليلي فسرها الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٦٨٠ بقوله: «وقول الخليلي: إنه شيخ صالح: أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث، فإذا أطلقوا الصلاح فإنما يريدون به الديانة، واللهُ أعلم».
(٣) التقييد والإيضاح: ١٠٨.
(٤) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٨٠ وبتحقيقي: ٤٥٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٢.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٠٩.
(٨) في (أ) و(ب) و(ف): «عن» والصواب ما أثبت.
(٩) انظر: الجرح والتعديل ٩/ ٢٢٦.
(١٠) المجروحين ٣/ ١١٩ - ١٢٠.
(١١) الضعفاء ٤/ ٤٢٧.
(١٢) الكامل ٩/ ١٠٤ - ١٠٦.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الوجهُ الثاني مِن نكارتهِ (١): ركاكةُ معناهُ، وعدمُ انطباقهِ على محاسنِ الشريعةِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يغضبُ مِن مطلقِ حياةِ ابنِ آدمَ، بل من حياتِهِ مسلمًا مطيعًا، بل ولا يغضبُ مِن حياتِهِ كذلكَ لطمعهِ في إغوائهِ، بل ولا نظرَ لَهُ في غضبهِ إلى الحياةِ أصلًا، إنما نظرُهُ إلى بقائهِ على الطاعةِ، ولو ماتَ عليها لأغضبهُ ذلِكَ، ولو كانَ الأمرُ إليهِ في حياتهِ لسرَّهُ أنْ يمدَ في عمرهِ رجاء استدراجهِ أيضًا (٢)، وأيضًا (٣) فإنهُ علّلَ غضبَهُ / ١٥٠ أ / بجمعِ الجديدِ والعتيقِ، ومجردُ دخولِ زمانِ هَذا على الآخرِ كافٍ مِن غير احتياجٍ إلى أكلهِ لهُ، أو رؤيتهِ، واللهُ أعلمُ.
وتمثيلُ ابنِ الصلاحِ بحديثِ: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ» (٤)، والشيخ بحديثِ: «وضع الخاتمَ عند دخولِ الخلاءِ» (٥)، إنما يصحُّ على طريقتِهما في جعلِ المنكرِ بمعنى الشاذِّ؛ فإنَّ المثالينِ لَم تقع فيهما المخالفةُ إلا بينَ مالكٍ وهمامٍ، ومالكٌ في غايةِ الضبطِ والإتقانِ، وهمامٌ ثقةٌ احتجَّ بهِ الجماعةُ؛ فهما مِن قبيلِ الشاذِّ لا المنكرِ على الرَأي الأسدِّ، ومن الغرائبِ أنَّ مالكًا -﵀ - رَوَى حديثًا مِن طريقِ معاويةَ بنِ الحكمِ السلمي - ﵁ -، عنِ النبي - ﷺ - فخالفَ الحفّاظَ في تسميتهِ، فقالَ عُمرُ بنُ الحكمِ - بضمِ العينِ - كَما وقعَ لَهُ في عمرو بنِ عثمانَ سواءً، ووقعَ لشعبةَ مِن هَذا القبيلِ أنهُ رَوَى عَن شخصٍ آخرَ يُسمَّى عَمرُو بنُ عثمانَ،
_________________
(١) في (ف): «نكاره».
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) جاء في حاشية (أ): «بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الشافعي الحمصي قراءة في البحث وسمع الجماعة كتبه مؤلفه إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي».
(٤) الحديث في موطأ مالك (١٤٧٥) رواية الليثي، وتفصيل تخريجه في تحقيقنا لمعرفة أنواع علم الحديث: ١٧٠ - ١٧١.
(٥) تفصيل تخريجه وطرقه في كتابي: «أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء»: ٨٩ وما بعدها.
[ ١ / ٤٧٠ ]
فخالفَ الناسَ فيهِ، وقالَ: عَن محمدِ بنِ عثمانَ.
قولُهُ: (وذكرَ مسلمٌ في "التمييزِ") (١) هوَ كتابٌ وضعهُ مسلمٌ في العللِ.
قولُهُ: (وفيهِ نظر مِن حيثُ إنَّ هَذا الحديث ليسَ بمنكرٍ) (٢) إلى آخرهِ، اعتراضٌ واهٍ جدًا؛ فإنَّ ابنَ الصلاحِ لَم يدّعِ أنَّ الحديثَ شاذٌ، وإنما قالَ ما نصُّهُ:
«المنكرُ على قسمينِ (٣): مثالُ الأولِ - وهوَ المنفردُ المخالفُ لما رواهُ الثقاتُ - روايةُ مالكٍ ..» (٤) إلى آخرهِ، ولا شكَّ أنَّ المنكرَ بهذا المعنى كَما يُطلقُ على المتنِ يُطلقُ على السندِ، وعلى (٥) موضعٍ منهُ، وهذا منهُ، وَهوَ دَعوَى ابنِ الصلاحِ، وربما أوقعَ صنيعَ الشيخِ في محذورٍ آخرَ، وهوَ أنهُ / ١٥٠ ب / ربما أفهمَ أَنَّهُ يشترطُ الشذوذَ فِي السندِ والمتنِ معًا، حَتَّى يُسمَّى شاذًا، وكذا النكارةُ فيهما حَتَّى يستحقَ اسمَ النكارةِ، وليسَ كذلكَ، بل يكفي شذوذُ أحدهما أو نكارتُهُ، عَلَى أنّ هُشَيمًا قَدْ شذَّ فِي متنهِ أيضًا، فرواهُ عَن الزهريِّ، عَن عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَن أسامةَ، فَقَالَ: «لا يتوارثُ أهلُ ملتينِ» (٦) فخالفَ الناسَ بهذا اللفظِ. ومنَ الغريبِ فِي حديثِ مالكٍ، أنَّ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٤.
(٣) قال ابن حجر في النزهة: ٩٩: «وقد غفل من سوى بينهما».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٢.
(٥) في (ف): «وهو».
(٦) كذا فِي جميع النسخ، والصواب ما ورد في مصادر التخريج: عَن هشيم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عَلِيّ بْن حسين، عَن عَمْرِو بْن عُثْمَان، عَن أسامة، بِهِ. أخرجه: سَعِيد بْن منصور
(٧) ، وأحمد فِي "العلل" ١/ ٣٤١، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي فِي "الكبرى"
(٨) ، والطحاوي ٣/ ٢٦٦، والطبراني فِي "المعجم الكبير" (٣٩١)، وابن عَبْد البر فِي "التمهيد" ٩/ ١٧١ وجميعهم ذكروه بهذا اللفظ عدا رِوَايَة الترمذي فَقَدْ قرن مَعَهُ طريق سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، وأثبت لفظ سُفْيَان عَلَى الصواب. وأخرجه: النسائي فِي "الكبرى" (٦٣٨١) من طريق هشيم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عَلِيّ بْن حسين =
[ ١ / ٤٧١ ]
الرواةَ عنهُ لَمْ يتفقوا، بل رواهُ بعضُهم عنهُ فقالَ: عمرو بنُ عُثْمَانَ - أي: بفتحِ العينِ - فوافقَ الجماعةَ، لكنهُ شذَّ عَن أصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ عَبْد البرّ:
«المحفوظُ عَن مَالِكٍ عُمَرُ بضمِّ العينِ» (١). وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " النكت " (٢): «رواهُ النسائيُّ فِي "سُننهِ" (٣) من رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ المباركِ، وزيدِ بنِ الحبابِ، ومعاويةَ بنِ هِشَامٍ؛ ثلاثتهم عَن مَالِكٍ، فقالوا فِي روايتِهم: عمَرو بن عُثْمَان، كرواية بقيةِ أصْحَابِ الزُّهْرِيّ، لكن قَالَ النسائيُّ بعدَهُ (٤): والصواب من حَدِيْثِ مَالِكٍ: عَن عُمرَ ابْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ولا نعلمُ أحدًا تابعَ مالكًا عَلَى قولهِ: عُمَرَ بن عُثْمَان، انتهى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْد البر فِي "التمهيدِ" (٥): «إنّ يَحْيَى بن بكير، رواهُ عَن مَالِك عَلَى الشكِّ فقالَ فيهِ: عَن عَمْرِو بن عُثْمَانَ، أو عُمَرَ بنِ عُثْمَانَ» قَالَ: «والثابت عَن مالكٍ عُمَرُ بنُ عُثْمَان كما رَوَى يَحْيَى (٦)، وتابَعَهُ القعنبيُّ (٧)، وأكثرُ الرواةِ» (٨) انتهى.
_________________
(١) = وأبان بْن عُثْمَان، كذا قَالَ: عَن أسامة بْن زيد، فذكره. قَالَ النسائي: «هَذَا خطأ»، وَقَالَ عقب (٦٣٨٢) كما فِي التحفة: «وهذا هُوَ الصواب من حَدِيْث هشيم، وهشيم لَمْ يتابع عَلَى قوله: «لا يتوارث أهل ملتين»». وانظر: تحفة الأشراف ١/ ١٧٧ (١١٣).
(٢) التمهيد ٩/ ١٦١.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٠٧ - ١٠٨.
(٤) " السنن الكبرى " (٦٣٧٣) من طريق عبد الله بن المبارك وفي (٦٣٧٤) من طريق زيد بن الحباب، وفي (٦٣٧٥) من طريق معاوية بْن هشام. وأخرجه: الشافعي فِي "الأم" ٤/ ٧٢، وعبد الرحمان بن القاسم عند النسائي في "الكبرى" (٦٣٧٢) كلاهما، عن مالك، وذكرا (عمرو بن عثمان) أيضًا.
(٥) " السنن الكبرى " ٤/ ٨١ عقب (٦٣٧٥) بتصرف، وانظر: تحفة الأشراف ١/ ١٧٦
(٦) التمهيد ٩/ ١٦٠.
(٧) في الموطأ بروايته (١٤٧٥).
(٨) عند المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٤٤٤.
(٩) ومنهم: أبو مصعب الزهري في روايته للموطأ (٣٠٦١)، ومحمد بن الحسن الشيباني فِي روايته =
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقد خالفَ مالكًا فِي ذَلِكَ: ابنُ جريجٍ (١)، وسفيانُ بن عيينةَ (٢)، وهُشَيمُ ابنُ بَشيرٍ (٣)، ويونسُ بنُ يزيدَ (٤)، ومعمرُ / ١٥١ أ / بنُ راشدٍ (٥)، وابنُ الهادِ (٦)، ومحمدُ بنُ أَبِي حفصةَ (٧)، وغيرُهم (٨)، فقالوا: عمرو، وهو الصوابُ، وقد رواهُ سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ (٩)، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عيسى، عَن الزُّهْرِيِّ. فخالفا فِيهِ الفريقينِ معًا،
_________________
(١) = للموطأ (٧٢٨)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي ٣/ ٢٦٥، ومصعب بن عبد الله الزبيري عند ابن عبد البر في "التمهيد" ٩/ ١٦٢، وعمر بن مرزوق عند ابن عبد البر في "التمهيد" ٩/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) عِنْدَ عَبْد الرزاق (٩٨٥٢) و(١٩٣٠٤)، وأحمد ٥/ ٢٠٨، والبخاري ٨/ ١٩٤ (٦٧٦٤)، والبزار (٢٥٨٥)، والبيهقي ٦/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) عِنْدَ الشَّافِعِيّ فِي "المسند" (١٣٤٦) بتحقيقي، وفي "الرسالة" فقرة (٤٧٢)، والحميدي (٥٤١)، وأحمد ٥/ ٢٠٠، والدارمي (٣٠٠٥)، ومسلم ٥/ ٥٩ (١٦١٤) (١)، وأبي داود (٢٩٠٩)، وابن ماجه (٢٧٢٩)، والترمذي (٢١٠٧) و(٢١٠٧م)، وابن أبي عاصم فِي "الآحاد والمثاني" (٤٥٤)، والبزار (٢٥٨١) و(٢٥٨٣)، والمروزي في "السنة" (٣٨٦)، والنسائي فِي "الكبرى" (٦٣٧٦)، وابن الجارود (٩٥٤)، وغيرهم.
(٤) تقدم تخريج طريق هشيم بْن بشير.
(٥) عند ابْن ماجه (٢٧٣٠)، والنسائي فِي "الكبرى" (٦٣٨٠)، والطحاوي ٣/ ٢٦٥، والطبراني (٤١٢) وغيرهم.
(٦) عند أحمد ٥/ ٢٠٨، والدارمي (٣٠٠٢)، والنسائي (٦٣٧٩).
(٧) عند النسائي في "الكبرى" (٦٣٧٧)، والطبراني (٤١٢).
(٨) عند أحمد ٥/ ٢٠١، والبخاري ٥/ ١٨٧ (٤٢٨٢)، والطبراني (٤١٢).
(٩) ومنهم: عقيل بن خالد، عند النسائي (٦٣٧٨)، والطبراني (٤١٢)، وعبد الله بن البديل عند الطيالسي (٦٣١)، وصالح بن كيسان عند الطبراني (٤١٢) ولمزيد من التخاريج راجع تعليقاتنا على مسند الشافعِي، والرسالة له، وتعليقنا على معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح: ١٧٠ - ١٧١.
(١٠) أخرجه: النسائي في "الكبرى" (٦٣٧١)، والطبراني في "الأوسط" (٥٠٠٩) من طريق سفيان الثوري، وأخرجه: النسائي أيضًا (٦٣٧٠) من طريق شعبة؛ كلاهما: (سفيان، وشعبة)، عن عبد الله بن عيسى.
[ ١ / ٤٧٣ ]
فأسقطا منهُ ذِكرَ عَمْرِو بن عثمانَ، وجعلاهُ من رِوَايَة عَلِيّ بن حسينٍ، عَن أسامة، والصوابُ روايةُ الجمهورِ، واللهُ أعلم».
قُلتُ: وهذا يتصورُ مِنْهُ لغز، وَهُوَ أنْ يقالَ لنا: محفوظ يوصف بالشذوذِ، فإنَّ المحفوظَ عَمْرو - بفتحِ العينِ -، ومنْ رواهُ كذلكَ عنْ مالكٍ فقد شَذَّ، واللهُ أعلمُ.
وَقَالَ الشيخُ فِي "النكتِ" (١): «فالمتنُ عَلَى كلِ حالٍ صحيحٌ؛ لأنَّ عُمَرَ وعَمرًا؛ كلاهما ثقةٌ».
قولُهُ: (فهذا إسنادٌ معللٌ) (٢) عبارةُ ابْن الصلاحِ: «فهذا إسنادٌ متصلٌ بنقل العدلِ، عنِ العدلِ، وَهُوَ معللٌ غيرُ صحيحٍ» (٣).
قولُهُ: (يعلى بن عُبَيْد فِيهِ) (٤) أي: فِي الإسنادِ المتقدمِ فِي قولهِ: «فهذا إسنادٌ معللٌ» لا فِي المَتْن. قَوْل أَبِي داود فِي حديثِ همامٍ: «منكرٌ» جارٍ عَلَى قاعدتهِ فِي أَنَّهُ لا يميز بَيْن المنكرِ والشاذِّ تبعًا للإمامِ أحمدَ.
قولُهُ: (ثُمَّ ألقاه) (٥) نقل عَن ابنِ سعدٍ أَنَّهُ أخرجَ فِي "الطبقاتِ" (٦) بهذا السندِ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ نَقَشَ فِي خاتمهِ: «مُحَمدٌ رسولُ اللهِ»، فكان إذا أرادَ الخلاءَ وضعهُ. وقولُ النسائي: «غيرُ محفوظٍ (٧») يعني: أَنَّهُ شاذٌّ، وهذا هُوَ المعتمدُ فِي وصفِ هَذَا الحديثِ.
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١٠٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٦.
(٦) الطبقات ٧/ ٢٢ - ٢٣.
(٧) " السنن الكبرى " ٥/ ٤٥٦ عقب (٩٥٤٢).
[ ١ / ٤٧٤ ]
قولُهُ: (وإنما رَوَى الناسُ عَن ابْن جُرَيْجٍ الحَدِيْثَ الَّذِي أشارَ إليه أبو داودَ ..) (١) إِلَى آخرهِ، يوهمُ أنَّ همامًا تفرّدَ بِهِ، وليسَ كذلكَ، فقدْ وَجدنا لهُ متابعًا عنِ ابنِ جريجٍ أخرجهُ الحَاكِمُ (٢) منْ طريق أَبِي / ١٥١ ب / عَقيلٍ - بفتحِ العينِ - صاحبِ بُهَيةَ - بموحدةٍ وتحتانيةٍ مصغر - واسمهُ: يَحْيَى بن المتوكلِ، [عن ابن جريجٍ] (٣)، عنِ الزهريِّ، بِهِ. ولو كانَ أبو عقيلٍ ثقةً أزالَ عنهُ اسمَ النكارةِ، لكنَّهُ ضعيفٌ، وإنما أخرجهُ الحاكمُ متابعًا لهمامٍ، والذي عَلَى شرطِهما عندَ الحاكمِ حديثُ همامٍ، وليسَ كما ظنَّ، وإنما أُتيَ عليهِ منْ حيثُ إنَّ الشيخينِ أخرجا لجميعِ رواةِ السندِ انفرادًا، وفاتَهُ أَنَّهُ لا يلزمُ أنْ يكونَ عَلَى شرطِهما إلا إذا كَانَ السندُ مركبًا بالهيئةِ الَّتِيْ أخرجاهُ بِهَا، فإنَّ الرجلَ قَدْ يكونُ مَعَ ثقتهِ وجلالتهِ ضعيفًا فِي بعضِ الناسِ، كما مضى تحريرهُ فِي مراتبِ الصحيحِ، وهذا السندُ منْ ذلكَ، فإنَّ همامًا لَقِيَ ابنَ جريجٍ بالبصرةِ، وابن جريجٍ وقعَ لهُ الخطأُ فيما حدّثَ بهِ فِي البصرةِ، فليسَ لهُ حكمُ بقيةِ حديثهِ، وهذهِ فائدةٌ نفيسةٌ. وقولُ الترمذيِّ فيهِ: «حسن» (٤)، أي: بالنظرِ إِلَى كونهِ منْ حديثِ ابنِ جريجٍ بالبصرةِ «صحيحٌ» بالنظرِ إِلَى ابنِ جريجٍ فِي حدِّ ذاتهِ «غريبٌ» أي: لَمْ يردْ إلا منْ هَذَا الوجهِ، وكأنهُ لَمْ يعتدَّ بمتابعةِ أَبِي عقيلٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي "النكتِ" (٥): «إنَّ الترمذيَّ فِي تصحيحهِ أَجرَى الأمرَ عَلَى ظاهرِ الإسنادِ» قَالَ: «وقولُ أَبِي داودَ والنسائيِّ أولَى بالصوابِ، إلا أَنَّهُ قَدْ (٦) وردَ منْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٦.
(٢) " المستدرك " ١/ ١٨٧.
(٣) ما بين المعكوفتين، لم يرد في (أ) و(ب) و(ف)، وأثبته من المستدرك؛ لأن السياق يقتضيه.
(٤) " جامع الترمذي " ٣/ ٣٥٥ عقب (١٧٤٦)، وعبارته: «حسن صحيح غريب».
(٥) التقييد والإيضاح: ١٠٨.
(٦) لم ترد في (ب)، وهي موجودة في (أ) و(ف) والتقييد.
[ ١ / ٤٧٥ ]
غيرِ روايةِ همامٍ، رواهُ الحاكمُ فِي "المستدركِ" (١)، والبيهقيُّ فِي " سُننهِ " (٢)، من رِوَايَة يَحْيَى بنِ المتوكل، عَن ابن جريجٍ. وصححهُ الحاكمُ عَلَى شرطِ الشيخينِ، وضَعَّفَهُ البيهقيُّ فَقَالَ: هَذَا شاهدٌ ضعيفٌ، وكأنّ البيهقيَّ ظنَّ أن يَحْيَى بْنَ المتوكلِ هُوَ أبو عقيلٍ صاحبُ بُهيةَ، وَهُوَ / ١٥٢ أ / ضعيفٌ عندَهم، وليس هُوَ بهِ، وإنما هُوَ باهليٌّ يُكنىَ: أَبَا بكرٍ، ذَكَرهُ ابنُ حبانَ فِي " الثقاتِ " (٣)، ولا يَقدحُ فيهِ قولُ ابنِ معينٍ: لا أعرفهُ، فَقَدْ عرفهُ غيره، ورَوَى عنهُ نحوٌ من عشرينَ نفسًا، إلا أَنَّهُ اشتهرَ تفرُّد همامٍ بهِ عَن ابن جريجٍ، واللهُ أعلم»، انتهى. وقالَ المنذريُّ فِي " مختصرِ السننِ " (٤): «وهمامٌ هَذَا هُوَ: أبو عبدِ اللهِ همامُ بنُ يَحْيَى بنِ دينارٍ الأزديُّ العوذيُّ، مولاهم البصريُّ، وإنْ كانَ قدْ تكلّمَ فيهِ بعضُهم فقدْ اتفقَ الشيخانِ عَلَى الاحتجاجِ بحديثهِ، وقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: همامٌ ثبتٌ فِي كلِ المشايخِ، وقالَ ابْنُ عديٍّ الجرجانيُّ: وهمامٌ أشهرُ وأصدقُ منْ أنْ يذكرَ لهُ حديثٌ منكرٌ، وأحاديثهُ مستقيمةٌ عنْ قتادةَ، وَهُوَ مقدّمٌ أيضًا فِي يَحْيَى بنِ أَبِي كثيرٍ، وعامةُ مَا يرويهِ مستقيمٌ، هَذَا آخرُ كلامهِ. وإذا كانَ حالُ همامٍ كذلكَ فيترجحُ مَا قالهُ الترمذيُّ (٥) وتفرّدهُ بهِ لا يوهنُ الحديثَ وإنما يكونُ غريبًا، والله أعلم».
_________________
(١) " المستدرك " ١/ ١٨٧.
(٢) " السنن الكبرى " ١/ ٩٥.
(٣) " الثقات " ٧/ ٦١٢.
(٤) " مختصر السنن للمنذري " ١/ ٢٦.
(٥) جاء في حاشية (أ): «من أنه حسن صحيح».
[ ١ / ٤٧٦ ]
الاعتبار والمتابعات والشواهد (١)
قولُهُ: (الاعتبارُ والمتابعاتُ والشواهدُ) (٢) لَوْ قَالَ: الاعتبارُ فِي المتابعاتِ والشواهدِ، أو: لأجلِ المتابعاتِ والشواهدِ، لكانَ حسنًا؛ فإنَّ الاعتبارَ هو: تفتيشُ المحدّثِ عَلَى طرقِ الحديثِ؛ لأجلِ معرفةِ المتابعاتِ والشواهدِ، لا أَنَّهُ نوعٌ برأسهِ كما هُوَ المتبادرُ منْ هذهِ العبارةِ، وحقيقتهُ: أنْ تُكثرَ التأمُّلَ؛ فتعبرَ منَ الشيء إِلَى غيرهِ، فتصلَ إِلَى أمورٍ دقيقةٍ فتتعجبَ مِنْهَا، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ تدلُّ عَلَى أنَّ مرادَهُ شرحُ هذهِ الألفاظِ، فالعطفُ إذنْ / ١٥٢ ب / حسنٌ؛ فإنهُ قَالَ: «هذهِ أمورٌ يتداولونها فِي نظرِهم فِي حالِ الحديثِ، هَلْ تفرّد بهِ راويهِ، أو لا (٣)؟».
قولُهُ:
١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ
١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ مُعْتَبَرٍ بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ
١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِدًا، ثُمَّ إذَا
١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ
١٧٥ - مِثَالُهُ «لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا» فَلَفْظَةُ «الدِّبَاغِ» مَا أتَى بِهَا
_________________
(١) انظر في الاعتبار والمتابعات والشواهد: معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٣، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٢١ - ٢٢٤، والتقريب: ٧٠، والمنهل الروي: ٥٩، والخلاصة: ٥٧، واختصار علوم الحديث ١/ ١٨٤ وبتحقيقي: ١٤٣، ومحاسن الاصطلاح: ٨٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٧، والتقييد والإيضاح: ١٠٩، ونزهة النظر: ٥٣، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٨١ وبتحقيقي: ٤٥٧، والمختصر: ١٤٢، وفتح المغيث ١/ ١٥٩، وألفية السيوطي: ٥١ - ٥٢، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٩٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ١١، وظفر الأماني: ٣٢٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٣.
[ ١ / ٤٧٧ ]
١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ (١) ابنُ عُيَيْنَةٍ (٢) وَقَدْ تُوبِعَ عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ
١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا «أَيُّمَا إِهَابِ» فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ في البابِ
قولُهُ: (معتبر بهِ) (٣) يعني: بأنْ يكونَ أهلًا للعضدِ بأنْ يكونَ فيهِ قوةٌ، فلو قالَ: «أهل العضدِ فهو تابعٌ» لكانَ أوضحَ؛ لأنهُ يتبادرُ إِلَى الذهنِ أنَّ معنى معتبرٌ بهِ معنى الاعتبارِ الَّذِي هُوَ السبرُ؛ لقربِ مَا بَيْنَهُمَا. هَذَا من جهةِ كونِ هذا أدلَّ عَلَى المعنى الَّذِي أرادهُ. وأمَّا الَّذِي يظهرُ منْ تصرفاتهم فعدمُ التفرقةِ بينَ الواهي وغيرهِ في تسميةِ مشاركةِ كلٍّ منهما متابعةً، وإنْ كَانَتْ متابعةُ الواهي لا تفيدُ المقصودَ منَ الحديثِ، وَهُوَ الحجيةُ إذا كانتِ الطريقُ الأخرى غيرَ قويةٍ، وكانَ (٤) حقُّهُ حينئذٍ أنْ يقولَ: «طريق أخرى، فَهِي تابع». وإنَّ قولهُ: «وإنْ لَمْ تجد أحدًا تابعهُ عليهِ عنْ شيخهِ، فانظرْ هَلْ تابعَ أحدٌ شيخَ شيخهِ» (٥) فيهِ مؤاخذةٌ، وهي (٦) أنْ لا ننتقلَ إِلَى شيخِ شيخهِ إلا بعدَ فقدِ متابعةِ شيخهِ، فكانَ منْ (٧) حقهِ أنْ يقولَ: فانظر هَلْ تابعَ أحدٌ شيخَهُ؟ فإنْ فقدَ، فانظرْ فِي شيخِ شيخهِ، وكذا إِلَى الآخرِ، كما قالَ فِي النظمِ، وكما فِي مثالِ ابْنِ حبانَ.
قولُهُ: (فالحديثُ إذنْ فردٌ) (٨) أي: مطلقٌ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «فقدْ
_________________
(١) بالدرج؛ لضرورة الوزن.
(٢) صرف للوزن.
(٣) التبصرة والتذكرة (١٧٢).
(٤) في (ف): «فكان».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٨.
(٦) في (ب): «فإنا».
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٨.
[ ١ / ٤٧٨ ]
تحققَ فيهِ التفردُ المطلقُ حينئذٍ، وينقسمُ عندَ ذلكَ إِلَى مردودٍ منكرٍ، وغيرِ مردودٍ كما سبقَ، وإذا قالوا فِي مثلِ هَذَا: تفرّدَ بهِ أبو هريرةَ، وتفرّد بهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ابنُ سيرينَ، وتفرّدَ بهِ عَن ابنِ سيرينَ أيوبُ، وتفرّدَّ بهِ عَن أيوبَ حمادُ بنُ سلمةَ، كانَ فِي ذلكَ / ١٥٣ أ / إشعارٌ بانتفاءِ وجوهِ المتابعاتِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يدخلُ فِي بابِ المتابعةِ والاستشهاد روايةُ من لا يحتجُّ بحديثهِ وحدَهُ، بل يكونُ معدودًا فِي الضعفاءِ، وفي كتابي (١) البخاريِّ ومُسلمٍ جماعةٌ منَ الضعفاءِ ذَكَرَاهُم فِي المتابعاتِ والشواهدِ (٢)، وليسَ كلُّ ضعيفٍ يصلحُ لذلكَ؛ ولهذا يقولُ الدارقطنيُّ وغيرهُ فِي الضعفاء: فلانٌ يعتبرُ (٣) بهِ، وفلانٌ لا يعتبرُ بهِ، وقدْ تقدّمَ التنبيهُ عَلَى نحوِ ذَلِكَ» (٤). - أي فِي قسمِ الْحَسَن -.
قولُهُ: (وقد يسمى) (٥) أي: الحديثُ الَّذِي شُوركَ فيهِ الشيخُ (شاهدًا) (٦) أي: وهي المتابعةُ القاصرةُ، وأمّا المتابعةُ التامةُ، وهي متابعةُ الرَّاوي نفسهِ عنْ شيخهِ فلا يُسمَّى شاهدًا؛ لأنها هِيَ المتابعةُ الحقيقيةُ، ومتى كَانَتِ المشاركةُ فِي ذلكَ
_________________
(١) في (ف): «كتاب».
(٢) لا يقال: عطف الاستشهاد على المتابعة يقتضي تغايرهما، والحاكم في " المدخل " سمى المتابعات شواهد؛ لأنا نقول: المغايرة صادقة، بأن لا يسمى الشواهد متابعات، وأما تسمية المتابعة شاهدًا فهوَ موجود فِي قوله: «ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضًا». أفاده البلقيني في محاسنه: ١٨٣، وانظر: نكت الزركشي ٢/ ١٧١.
(٣) في (ف): «معتبر».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٤ - ١٧٥.
(٥) التبصرة والتذكرة (١٧٣).
(٦) التبصرة والتذكرة (١٧٣).
[ ١ / ٤٧٩ ]
الصحابيِّ فَهِيَ متابعةٌ سواءٌ كانتْ باللفظ أو بالمعنى، تامةً أو قاصرةً (١).
قولُهُ: (ثُمَّ إذا متنٌ بمعناه أتى) (٢) أي: عنْ صحابيٍّ آخرَ. قالَ شيخُنا: «وكذا مَا كَانَ باللفظِ، وإنما تَركَ ذِكرَهُ؛ لأنهُ مفهومُ موافقة، وخصَّ قومٌ المتابعةَ بما كانَ باللفظِ، سواءٌ كانَ منْ روايةِ ذلكَ الصحابيِّ، أو لا، والشاهدُ بما كَانَ بالمعنى» (٣)، كذلكَ قَالَ وَهُوَ الأليق.
قولُهُ: (وقد توبع عَمْرو (٤» (٥) هذهِ متابعةٌ قاصرةٌ، والمتابعة التامةُ: أنْ يتابعَ أحدٌ ابْنَ عيينةَ فِي الروايةِ عَن عَمْرٍو، والإتيانُ بلفظةِ «الدباغِ» وقد ذكرَ شيخُنا مثالًا فِي "شرحِ النخبةِ" (٦) جمعَ المتابعةَ التامةَ والقاصرةَ والشاهدَ، وَهُوَ مَا رواهُ الشَّافِعِيّ فِي "الأم" (٧)، عَن مَالِكٍ، عَن عَبْد الله بنِ دينارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ -﵄- أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ / ١٥٣ ب /: «الشهرُ تسعٌ وعشرونَ، فلا تصوموا حَتَّى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حَتَّى تروهُ، فإنْ غمَّ عليكم؛ فأكملوا العدةَ ثلاثينَ» ورواهُ عدةٌ منْ أصحابِ مالكٍ بلفظِ: «فاقدروا لَهُ» فظنَّ قومٌ أنَّ الشَّافِعِيّ تفرد بقولِهِ: «فأكملوا العدةَ ثلاثينَ» وقد تابعَهُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بنُ مسلمةَ القعنبيُّ، عنْ مالكٍ، كذلك أخرجهُ البخاريُّ (٨)، وله (٩) متابعةٌ قاصرةٌ فِي "صحيحِ
_________________
(١) انظر: نزهة النظر: ٥٤، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٨٢ وبتحقيقي: ٤٥٨.
(٢) التبصرة والتذكرة (١٧٣) و(١٧٤).
(٣) انظر: نزهة النظر: ٥٤، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٨٢ وبتحقيقي: ٤٥٨.
(٤) في (ف): «عمر».
(٥) التبصرة والتذكرة (١٧٦).
(٦) نزهة النظر: ١٠٠ طبعة الحلبي.
(٧) الأم ٢/ ١٠٣.
(٨) صحيح البخاري ٣/ ٣٤ (١٩٠٧).
(٩) جاء في حاشية (أ): «أي للشافعي».
[ ١ / ٤٨٠ ]
ابنِ خزيمةَ" (١) منْ روايةِ عاصمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عنْ أبيه مُحَمَّدِ بن زيدٍ، عَن جدهِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، بلفظ: «فكملوا ثلاثين» (٢)، وفي "صحيحِ مُسْلِمٍ" (٣) منْ روايةِ عبيدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، بلفظِ: «فاقدروا ثلاثين». وأخرجَ النسائيُّ (٤) لَهُ شاهدًا منْ روايةِ مُحَمَّد بن حنين، عَن ابنِ عباسٍ، عَن النبيِّ - ﷺ -. فذكرَ مثلَ حَدِيْث عَبْدِ اللهِ بن دينارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ سواءً، فهذا باللفظِ. وأخرج البخاريُّ (٥) منْ روايةِ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَن أَبِي هريرةَ، بلفظ: «فإن غمي عليكم فأكملوا عدةَ شعبانَ ثلاثينَ» فهذا بالمعنى.
قولُهُ - عَن ابْن حبانَ -: (وإلاَّ فلا) (٦)، أي: وإنْ لَمْ يوجدْ شيءٌ منْ ذلكَ لَمْ يعلمْ أنَّ للحديثِ أصلًا يرجعُ إليهِ، وظاهرُ هَذِهِ العبارةِ مشكلٌ منْ حيثُ إنهُ يوهمُ أَنَّهُ لَوْ رُوِيَ حديثٌ بمثلِ هؤلاءِ الرجالِ لا يقبلُ إذا لَمْ يوجدْ لهُ متابعٌ أصلًا؛ لأنَّ مثلَ هَذِهِ
_________________
(١) مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - لابن خزيمة (١٩٠٩). وأخرجه أيضا: البيهقي ٤/ ٢٠٥ من طريق محمد بن عبيد، عن عاصم، بهذا الإسناد.
(٢) في المطبوع من مختصر المختصر: «فأكملوا ثلاثين».
(٣) صحيح مُسْلِم ٣/ ١٢٢ (١٠٨٠) (٤) و(٥).
(٤) في "المجتبى" ٤/ ١٣٥ وفي "الكبرى"، له (٢٤٣٥). وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق (٧٣٠٢)، والحميدي (٥١٣)، وأحمد ١/ ٣٦٧، والدارمي (١٦٩٣)، وأبو يعلى (٢٣٨٨)، وابن الجارود (٣٧٥) من طريق عمر بن دينار، عن محمد بن حنين، عن ابن عباس، به. وفي بعض المصادر، وفي "تحفة الأشراف" قال: عن محمد بن جبير، وأشار المزي إلى أنه محمد بن جبير. والصواب أنه محمد بْن حنين. انظر فِي ذلك: النكت الظراف بهامش تحفة الأشراف ٥/ ٢٣٠ (٦٤٣٥)، وتعليق الدكتور بشار عواد في تحقيقه لكتاب تحفة الأشراف ٤/ ٦٩٦ (٦٤٣٥).
(٥) صحيح البخاري ٣/ ٣٤ (١٩٠٩).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٩.
[ ١ / ٤٨١ ]
العبارةِ تقالُ فِي استعمالهم فِي ما لا يقبلُ، ولولا تقييدُهُ بالثقاتِ لسَهُلَ الأمرُ، ولولا ذلكَ لقلنا: إنهُ يساعدُ مَنْ قَالَ: إنَّ المتابعةَ لا تكونُ إلا منْ معتبرٍ بهِ، لكنَّ تقييدَهُ منعَ منْ ذلكَ؛ فإنَّ المعتبرَ بهِ قَدْ لا يبلغُ رتبةَ الثقةِ، بأنْ يكونَ فيهِ ضعفٌ يسيرٌ.
قولُهُ: (فمثالُ ماعدمتْ فيهِ المتابعاتُ منْ هَذَا / ١٥٤ أ / الوجهِ) (١) أي: من روايةِ حمادٍ إِلَى آخرهِ.
قولُهُ: (ومنْ حديثِ أيوبَ عن ابنِ سيرينَ) (٢) يتعلّقُ (٣) بقوله بعدهُ: «رواهُ (٤) حمادُ بنُ سلمةَ» وَهُوَ منْ تتمةِ كلامِ ابنِ عديٍّ، فهو معطوفٌ عَلَى الحسنِ بنِ دينارٍ فِي المعنى، أي: وإلاَّ أيوب.
قولُهُ: (ويرويهِ الحسنُ بنُ أَبِي جَعْفَر ..) (٥) إِلَى آخرهِ. قَالَ شيخنا: «هَذَا هُوَ المحفوظُ - يعني: كونهُ عنْ عليٍّ - لكنْ غلطَ فِي رفعهِ، فالمحفوظُ أَنَّهُ من (٦) قوله (٧»).
قولُهُ: (فجعلهُ منْ مسندها) (٨) قَالَ فِي " النكت " (٩): «منْ روايةِ ابْن عباسٍ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٩.
(٣) في (ف): «متعلق».
(٤) في (ف): «ورواه».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٩.
(٦) في (ب): «من فوق قوله».
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي من قول علي».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٠.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٠٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
عَنْهَا، لا منْ روايةِ (١) ابنِ عباسٍ وقد رواهُ مسلمٌ (٢) عَلَى الوجهينِ معًا منْ طريقِ ابنِ عيينةَ، فجعلهُ منْ مسندِ ابنِ عَبَّاسٍ، ومنْ طريقِ ابنِ جريجٍ فجعلهُ منْ مسندِ ميمونةَ».
قولُهُ: (فلهذا مثلتُ بإبراهيمَ) (٣) أي: لأنهُ وافقَ ابنَ عُيَيْنَةَ فِي سندهِ، وخالفَهُ فِي المَتْنِ، فأسقطَ الدِباغَ.
قولُهُ: (أيما إِهابٍ دُبغَ فَقَدْ طهر) (٤) هَذَا لفظُ غيرِ "صحيحِ مُسْلِمٍ"، ولفظُ مُسلمٍ: «إذا دُبغَ الإهابُ فَقَدْ طهر» (٥).
_________________
(١) بعد هذا في التقييد: «مسند».
(٢) صحيح مسلم ١/ ١٩٠ (٣٦٣) (١٠٠) و(١٠١) و(١٠٢) من حديث ابن عباس، وأشار في الرواية الأولى إلى أن أبا بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عمر قالا في حديثهما عن ميمونة ﵂. وفي صحيح مسلم ١/ ١٩٠ (٣٦٤) (١٠٣) من حديث ميمونة ﵂ أيضًا.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦١.
(٥) صحيح مسلم ١/ ١٩١ (٣٦٦) (١٠٥) من حديث عبد الله بن عباس.
[ ١ / ٤٨٣ ]
زيادات الثقات (١)
قولُهُ:
١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ
١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ
١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ فِيْهِ صَرِيْحًَا فَهُوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ
١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ، وَادَّعَى فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا
١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ «جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ» (٢) فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا
١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحًا فَاقْتَضَى تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ
_________________
(١) انظر في زيادات الثقات: معرفة علوم الحديث: ١٣٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٧٦، وجامع الأصول ١/ ١٠٣، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٢٥ - ٢٣١، والتقريب: ٧١ - ٧٢، ورسوم التحديث: ٨٢، والمنهل الروي: ٥٨، والخلاصة: ٥٦، ونظم الفرائد: ٣٧٠، واختصار علوم الحديث ١/ ١٩٠ وبتحقيقي: ١٤٥، والشذا الفياح ١/ ١٩٣، ومحاسن الاصطلاح: ٩٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٢، وتنقيح الأنظار: ١٥٩، ونزهة النظر: ٤٩، والمختصر: ١٧١، وفتح المغيث ١/ ١٩٩، وألفية السيوطي: ٥٣ - ٥٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٩٦، وفتح الباقي ١/ ٢٥٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ١٦، وشرح شرح نخبة الفكر: ٣١٥، واليواقيت والدرر ١/ ٤١٠، وقواعد التحديث: ١٠٧، ولمحات في أصول الحديث: ٢٩٢، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٣٦٣.
(٢) بجعل همزة القطع في «الأرض» همزة وصل «الارض» وتحريك اللام ليستقيم الوزن (وهو من ضرورات الشعر).
[ ١ / ٤٨٤ ]
قولُهُ: (منهم) (١) تقديرهُ: منهم عليهم، أي: اقبلْ زياداتِ الثقاتِ الكائنةَ من أحدِهم عَلَى نفسهِ، بأنْ حدّثَ بحديثٍ مرةً ناقصًا، ومرةً زادَ فيهِ.
(ومنْ سواهم)، أي: واقبلها أيضًا منْ سوى أنفسهم من الثقاتِ بأن يحدّثَ بهِ ثقةٌ عَلَى كيفيةٍ، فيحدّث بهِ ثقةٌ آخرُ فيزيدُ عليهِ.
(وقيلَ: لا منهم) أي: وقيل: لا تقبلُ الزياداتُ من الثقةِ عَلَى نفسهِ.
قولُهُ: (فِيهِ صريحًا) (٢) يعني: منافيًا منافاةً صريحةً بأنْ لا يمكنُ الجمعُ، فلو قَالَ: «وَهُوَ منافٍ» عوض «فيهِ صريحًا». لكان أصرحَ وأحسنَ.
قولُهُ: (فَهي فردٌ) (٣) لَوْ نصبهُ لكان (٤) أحسنَ، ويكون التقديرُ: فَهي نُقِلتْ / ١٥٤ ب / فِي حالِ كونها حديثًا فردًا.
قولُهُ: (والوصلُ والإرسال منْ ذا أخذا) (٥) الإشارة بـ «ذا» إِلَى أصلِ هَذَا النوعِ، وَهُوَ زياداتُ الثقاتِ، لا إِلَى تفصيلِ ابنِ الصلاحِ، ولأجلِ هَذَا أعادَ اسم الإشارةِ؛ فإنهُ كَانَ يمكنهُ أنْ يقولَ: «مِنْهُ أخذا».
قولُهُ: (وردَّ أنَّ مقتضى ) (٦) إِلَى آخرهِ، صعبُ التركيبِ، تقديرهُ - واللهُ أعلمُ -: ورُدَّ هَذَا البحثُ بأنَّ مقتضاهُ عكسُ القضيةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يقتضي قبولَ الوصلِ؛ لأنَّ فِيهِ علمًا زائدًا عَلَى الإرسالِ للذي قلتم إنَّهُ جرحٌ، والجرحُ إنما يقدّمُ عَلَى التعديلِ؛ لأنهُ فِي الغالبِ يكونُ فيه علمٌ زائدٌ عَلَى التعديل، فلما وُجِدَتْ فِيهِ (٧) العلة
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٧٨).
(٢) التبصرة والتذكرة (١٨٠).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٨٢).
(٤) في (ب) و(ف): «كان».
(٥) التبصرة والتذكرة (١٨٣).
(٦) التبصرة والتذكرة (١٨٤).
(٧) جاء فِي حاشية (أ): «أي: في الوصل».
[ ١ / ٤٨٥ ]
التي قُدّمَ منْ أجلها مقابلهُ (١) قُدّمَ هُوَ.
قولُهُ: (الألفاظِ فِي المتونِ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «زياداتُ الألفاظِ الفقهيةِ فِي الأحاديثِ» (٣).
قولُهُ: (ابْن سريج) (٤) بالمهملةِ والجيمِ، وَهُوَ الإمامُ أبو العباسِ، أحدُ أئمةِ الشافعيةِ (٥).
قولُهُ: (سواءٌ تعلقَ بِهَا حكمٌ ) (٦) إِلَى آخرهِ، مقابلُ كلِّ جملةٍ منْ هذهِ قولٌ مفصلٌ بحسبِ مَا يليقُ بكلِّ واحدةٍ مِنْهَا، فمقابلُ الأولى: قول إنها لا تقبلُ إلا إنْ تعلّقَ بِهَا حكمٌ شرعيٌّ. والثانيةُ: أنَّ شرطَ القبولِ أنَ لا تُغيّرَ حكمًا ثابتًا (٧)، وهكذا إِلَى الآخرِ. وقولُ ابْنِ طاهرٍ: «لا خلافَ نجدهُ ..» إِلَى آخرهِ (٨)، أي: لا نجدُ أحدًا منْ أهلِ الفنّ إلا وقد قَبِلَ زيادةَ الثقاتِ، ولو فِي مكانٍ منَ الأماكنِ، فهم مُجمِعونَ بهذا الاعتبارِ بالفعلِ، ولكنّهم مختلِفونَ فِي التفاصيلِ؛ فتجدُ هَذَا يقبلُ فِي مكانٍ لا يقبلُ فيهِ الآخرُ، / ١٥٥ أ / ويقبلُ فِي آخرَ غيره، ومنْ تأمّلَ تصرّفَهم حقَّ التأمُّلِ عَلِمَ أنهم لا يحكمونَ فِي هَذِهِ المسألةِ بحكمٍ كليٍّ، ولكنّهم دائرون فِي أفرادِها مَعَ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «وهو الإرسال».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٢.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٢.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٩٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٢.
(٧) في (ف): «ثانيًا».
(٨) تمام قول ابن طاهر: «لا خلاف تجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة». شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣.
[ ١ / ٤٨٦ ]
القرائنِ، فتارةً يرجّحونَ الوصلَ، وتارةً الإرسالَ، وتارةً روايةَ منْ زادَ، وتارةً روايةَ منْ نقصَ، ونحو ذلكَ، وهذا هُوَ المعتمدُ، وَهُوَ فِعلُ جَهابذةِ النقدِ وأعلامِهم.
قولُهُ: (لا يجوزُ عليهمُ الوهمُ) (١) قالَ الآمديُّ: «إذا دارَ الأمرُ بينَ أنْ يوهمَ مَنِ ادّعى وجودَ شيءٍ، ومَنِ ادّعى عدمَهُ، فتُوهيمُ مُدّعي العدمِ، أو الساكتِ عَن الوجودِ أقربُ».
قُلتُ: لأنّهُ يمكنُ الاعتذارُ عنهُ بأنّ (٢) جزمَهُ بالعدمِ مستنِدٌ إِلَى الخفاءِ، وأمّا مُدّعى الوجودِ فتوهيمُهُ يؤدي إِلَى تكذيبهِ، والفرضُ أَنَّهُ ثقةٌ.
قولُهُ: (فيما إذا روياهُ) (٣) أي: من زادَ ومنْ نقصَ، سواءٌ كانا شخصينِ، أو أكثرَ، فالضميرُ للفريقينِ.
قولُهُ: (لا ممنْ رواهُ ناقصًا) (٤) أي: لأنَّ روايتَهُ ناقصًا أورثتْ شكًَّا ما فِي تلكَ الزيادةِ؛ لأنَّ أصلَ الحديثِ متفقٌ عليهِ عندَ مَنْ زادَ، ومَنْ نقصَ، والزيادة فِي صورةِ المختلفِ فِيهِ، وهذا القولُ قادحٌ فيما سلفَ منْ حكايةِ الاتفاقِ عَلَى قبولِ الزيادةِ من الثقةِ.
قولُهُ: (وتقبل من غيرهِ) (٥) أي: لأنّ روايةَ الشخص لهُ ناقصًا إنْ (٦) أورثتْ شكًَّا فِي روايتهِ لَهُ مرةً أخرى بزيادةٍ، منْ حيثُ إنَّ الإنسانَ مطبوعٌ عَلَى تحسينِ حالهِ، وإِشهار علمهِ (٧)، فاقتصارهُ عَلَى النقصِ يورثُ شكًَّا فِي الزيادةِ، لَمْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣.
(٢) في (ب): «بل».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣.
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) في (ب): «أمره».
[ ١ / ٤٨٧ ]
يورثْ (١) شكًا فيما إذا / ١٥٥ ب / كانتِ الزيادةُ منْ غيرهِ؛ لأنَّ تلكَ العلةَ لا تتمشَّى فِيهِ.
قولُهُ: (إنْ كانتِ الزيادةُ مغيرةً) (٢) أي: لأنَّ المحدّثَ يحكِي لفظَ النبيِّ - ﷺ -، فإذا حكاهُ عَلَى صفةٍ لَمْ تُقبلْ حكايتُهُ لَهُ عَلَى مَا يخالفُها، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (إلاَّ إذا أفادتْ حكمًا) (٣) قلتُ: لأنّ الأحكامَ مدارُ الحديثِ، والراوي ثقةٌ، فلا وجه للردِّ، واللهُ أعلم. فأمّا إذا كانتْ زيادةً لفظيةً، كتأكيدٍ لشيءٍ، أو إطنابٍ فِي مختصرٍ، ونحو ذلكَ؛ فإنها تردُّ.
قُلتُ: لأنهُ تصرفٌ فِي اللفظِ، وليسَ ذلكَ منْ وظيفتهِ، ويشبهُ أنْ يكونَ هَذَا قَوْلَ مَنْ يمنعُ الروايةَ بالمعنى، واللهُ أعلم. والقولُ السادسُ: نقيضُ هَذَا: وَهُوَ أنها إنْ كانتْ زيادةً لفظيةً قُبلتْ.
قلتُ: لأنَّ ذَلِكَ راجعٌ إِلَى التصرفِ فِي الألفاظِ المترجمةِ عنِ المعاني، وذلكَ جائزٌ عَلَى الأصحِّ، واللهُ أعلم. وإنْ كانتْ معنويةً أفادتْ معنىً وحكمًا لَمْ تقبلْ.
قُلتُ: لأنَّ روايتهُ مرةً بدونها أورثتْ شكًَّا فيها، ويحتاطُ فِي المعاني ما لا يحتاطُ فِي الألفاظِ، واللهُ أعلم.
قولُهُ: (اتفاق العلماءِ عليهِ) (٤) قلتُ لشيخِنا: لِمَ لا يكونُ الحكمُ فِي هَذَا أيضًا معَ القرائنِ؟ فقالَ: لأنّ هذهِ الزيادةَ فِي حكمِ خبرٍ مفردٍ، فلا مدخلَ للقرينة فيها بالنسبةِ إِلَى بقيةِ الخبرِ. فَقُلْتُ: فماذا نفعلُ (٥) في كلامِ الشَّافِعِيّ - ﵀- فِي
_________________
(١) في (ف): «تورث».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٤.
(٥) في (ف): «يفعل».
[ ١ / ٤٨٨ ]
قوله: «ومتى خالفَ مَا وصفتُ أضرَّ ذَلِكَ بحديثهِ» (١) ومن جملتهِ أنْ يخالفَ بالزيادةِ؟ فقالَ: كلامهُ هناكَ فِي شخصٍ مَا علمنا حالَهُ، بل نريدُ أنْ نعلمَ حالَهُ منْ هَذَا التفتيشِ، وأمّا هنا فالمسألةُ مفروضةٌ فيمن عُلمتْ ثقتُهُ وأمانتُهُ وحفظُهُ منْ غيرِ / ١٥٦ أ / حديثهِ المبحوثِ عنهُ (٢).
قولُهُ: (مَا يقعُ بينَ هاتينِ المرتبتينِ) (٣) حدٌ صحيحٌ لَوْ سكتَ عليهِ.
قولُهُ: (مثلُ زيادةِ ..) (٤) إِلَى آخرهِ، ليسَ بجيدٍ؛ فإنهُ يدخلُ فِي كلٍ من القسمينِ الماضيينِ؛ فإنَّ اللفظةَ الَّتِي لم يذكرْها سائرُ مَن رَوَى ذلكَ الحديثَ يصلحُ أنْ تكونَ منافيةً، وأنْ لا تكونَ منافيةً أصلًا.
قولُهُ: (من المُسْلِمِين) (٥) هَذَا الحديثُ أخرجهُ الشيخانِ (٦).
قولُهُ: (فذكرَ أبو عيسى الترمذيُّ (٧) أنَّ مالكًا انفردَ ..) (٨) إِلَى آخرهِ، ليسَ كذلكَ، فلفظُ الترمذيِّ: «لا يقولُ فِي هَذَا الحديثِ: «من المُسْلِمِين» كبيرُ أحدٍ غيرُ مالكٍ» (٩). فهوَ كما تراهُ لَمْ ينفِ مَنْ دونَ ذلكَ: لأنّ قولَهُ: «كبيرُ أحدٍ» ينحل إِلَى
_________________
(١) الرسالة فقرة (١٢٧٣).
(٢) سؤاله لشيخه يوحي أنه يرى أن ليس في المسألة قاعدة مطردة إنما ينظر -بالإضافة لما تقدم- إلى القرائن الحافة بالحديث ورواته ويقرر بعد ذلك قبول الزيادة أو ردها. وانظر في تفصيل هذه المسألة كتابنا أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٥.
(٦) صحيح البخاري ٢/ ١٦١ (١٥٠٤)، وصحيح مسلم ٣/ ٦٨ (٩٨٤).
(٧) الجامع الكبير ٢/ ٥٤ عقب (٦٧٦).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٥.
(٩) جامع الترمذي ٢/ ٥٤ عقب (٦٧٦)، وانظر ما سيأتي من قول البقاعي فالذي في جامع =
[ ١ / ٤٨٩ ]
أحدٍ كبيرٍ. هكذا قالَ شيخُنا. ولم أرَ هَذَا اللفظَ فِي الترمذيِّ، ولا فِي "العللِ" الَّتِيْ بآخرهِ، عَلَى أَنَّهُ لا يصلحُ اعتراضًا عَلَى ابْن الصلاح؛ فإنهُ قَالَ: «انفردَ منْ بينِ الثقاتِ» يعني: أَنَّهُ لَمْ يروِها من الثقات غيرُهُ، وإلا لَمْ يكنْ لقولهِ: «منْ بَيْن الثقاتِ» كبيرُ فائدةٍ، وكانَ حذفُه أخصرَ، وأدلَّ عَلَى الإطلاقِ، وبهذا يندفعُ أيضًا اعتراضُ الشيخِ فِي " النكتِ " بمثلِ ذلكَ في قوله: «وكلامُ الترمذيِّ هَذَا ذَكَرَهُ فِي " العلل " (١) التي فِي آخرِ " الجامع "، ولم يصرّحْ بتفرّدِ مالكٍ بِهَا مطلقًا، فَقَالَ: «ورُبَّ حديثٍ إنما يستغربُ لزيادةٍ تكونُ فِي الحديثِ، وإنما يصحُّ إذا كانتْ الزيادةُ ممن يعتمدُ عَلَى حفظهِ، مثل مَا رَوَى مالكُ بنُ أنسٍ فذكرَ الحديثَ، ثُمَّ قَالَ: وزادَ مالكٌ فِي هَذَا الحديثِ «من المسلمينَ» ورَوَى أيوبُ السختيانيُّ وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ هَذَا الحديثَ عنْ نافعٍ، عَن ابنِ عُمرَ، ولم يذكروا فيهِ: «من المُسْلِمِين» وقد رَوَى بعضُهمْ / ١٥٦ ب / عَن نافعٍ مثلَ روايةِ مالكٍ ممن لا يعتمدُ عَلَى حفظهِ». انتهى كلامُ الترمذيِّ. فلم يذكرِ التفرّدَ مطلقًا عن مالكٍ، وإنما قيّدهُ بتفرّدِ الحافظِ كمالكٍ، ثمَّ صرّحَ بأنَّهُ رواهُ غيرُهُ، عن نافعٍ ممن لم يعتمدْ على حفظهِ، فأسقطَ المصنفُ آخرَ كلامهِ، وعلى كلِّ تقديرٍ فَلَمْ ينفردْ مَالِكٌ (٢) بهذه الزيادةِ، بل تابَعَهُ عَلَيْهَا جماعةٌ منَ الثقاتِ: عُمَر بن نافعٍ .. إِلَى آخرِ كلامهِ، ثُمَّ قَالَ: فأمّا روايةُ ابنهِ عُمَرَ فأخرجهاُّ البخاري فِي "صحيحهِ" (٣) من رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ جعفر، عَن عُمَرَ بن نافعٍ، عَن أبيهِ، فقالَ فِيهِ: «منَ المُسْلِمِين»، - قَالَ العلامة شمسُ الدينِ بنُ حسّانَ: «وهو فِي أَبِي داود (٤)
_________________
(١) = الترمذي: «روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نحو حديث أيوب. وزاد فيه من المسلمين. ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه: من المسلمين».
(٢) العلل آخر الجامع ٦/ ٢٥٣.
(٣) «مالك» لم ترد في (ب) وهي من (أ) و(ف) والتقييد.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ١٦١ (١٥٠٣).
(٥) سنن أبي داود (١٦١٢).
[ ١ / ٤٩٠ ]
والنسائيِّ (١»). انتهى. (٢) - وأمّا رِوَايَةُ الضحاكِ بْن عُثْمَانَ: فأخرَجَها مُسْلِمٌ فِي "صحيحهِ" (٣) من رِوَايَةِ ابنِ أبي فديك، قَالَ: أخبرنا الضحاكُ، عَن نَافِعٍ، وَقَالَ فِيهِ أيضًا: «من المُسْلِمِين». وأمّا روايةُ كثيرِ بنِ فرقد: فأخرَجَها الدارقطنيُّ فِي "سننهِ" (٤) والحاكمُ فِي " المستدركِ " (٥) من رِوَايَة الليثِ بنِ سعدٍ، عَن كثيرِ بنِ فرقد، عَن نافعٍ، فقالَ فيها أيضًا: «منَ المُسْلِمِين»، وَقَالَ الحاكمُ بعد تخريجهِ: «هَذَا حديثٌ صحيحٌ عَلَى شرطهما، ولم يخرجاه». انتهى. وكثيرُ بنُ فرقد احتجَ بهِ البخاريُّ، ووثقهُ ابْنُ معينٍ وأبو حاتمٍ (٦). وأمّا روايةُ يونسَ بنِ يزيدَ: فأخرجها أبو جَعْفَر الطحاويُّ فِي " بيانِ المشكل " (٧) من روايةِ يَحْيَى بن أيوبَ، عَنْ يونس بن يزيدَ، أنَّ نافعًا أخبرهُ، فذكر فيهُ: «منَ المسلمينَ» - قَالَ ابنُ حسان: «وَهُوَ عندَ الدارقطنيِّ وأبي داودَ». انتهى (٨) -. وأمّا روايةُ المعلّى بنِ إسماعيلَ: فأخرجها ابنُ حبانَ فِي " صحيحهِ " (٩) / ١٥٧ أ /، والدارقطني فِي " سننهِ" (١٠) منْ روايةِ أرطاةِ بن
_________________
(١) سنن النسائي ٥/ ٤٨، وهي كذلك في "شرح مشكل الآثار" (٣٤٢٦)، وصحيح ابن حبان (٣٣٠٣)، وسنن الدارقطني ٢/ ١٣٩، و"السنن الكبرى" للبيهقي ٤/ ١٦٢، و"شرح السنة" للبغوي (١٥٩٤).
(٢) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي؛ لزيادة تخريج الزيادة.
(٣) صحيح مسلم ٣/ ٦٩ (٩٨٤) (١٦).
(٤) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.
(٥) ١/ ٤١٠، وكذلك أخرجها: البيهقي ٤/ ١٦٢، وابن عبد البر في " التمهيد " ١٤/ ٣١٩.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٧/ ٢١٠، وتهذيب الكمال ٦/ ١٦٠ (٥٥٤١).
(٧) "شرح مشكل الآثار" (٣٤٢٧)، وهي كذلك فِي: "شرح معاني الآثار" ٢/ ٤٤، و"التمهيد" لابن عبد البر ١٤/ ٣١٩.
(٨) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي، وكلمة «انتهى» لم ترد في (ف).
(٩) صحيح ابن حبان (٣٢٩٣).
(١٠) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.
[ ١ / ٤٩١ ]
المنذرِ، عَن المعلى بن إسماعيل، عَن نافعٍ، فَقَالَ فِيهِ: «عنْ كلِّ مسلمٍ»، وأرطاة وثّقه أحمد بن حنبلٍ، ويحيى بنُ معينٍ وغيرُهما (١)، والمعلى بن إسماعيل، قَالَ فيهِ أبو حاتم الرَّازِي: «ليسَ بحديثهِ بأسٌ، صالحُ الحديثِ لَمْ يرو عَنْهُ غيرُ أرطاة (٢») وذكرهُ ابن حبان فِي " الثقات " (٣). وأمّا رِوَايَةُ عبدِ اللهِ بن عُمَرَ: فأخرجها الدارقطنيُّ فِي " سننهِ " (٤) منْ روايةِ رَوْحٍ، وعبد الوهاب، فرقهما، كلاهما عنْ عَبْد الله بن عُمَر، عَن نافعٍ، فَقَالَ فِيهِ: «عَلَى كلِّ مُسْلِم»، وقد رواه أبو مُحَمَّد ابن الجارود فِي " المنتقى" (٥) فقرنَ بينه وبين مالكٍ، فرواهُ منْ طريقِ ابن وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي عبيدُ اللهِ بنُ عُمَر (٦) ومالكٌ، وَقَالَ فيهِ: «منَ المُسْلِمِين». وأمّا الاختلاف فِي زيادتها عَلَى عبيد الله بن عمرَ وأيوب، فَقَدْ ذكرتهُ فِي شرحِ الترمذي (٧)، واللهُ أعلم (٨»). انتهى كلامُ " النكت " (٩). قَالَ ابنُ حسان: «و(١٠) أورده بالزيادةِ الحاكمُ والدارقطنيُّ والطحاويُّ، وبدونها مُسْلِمٌ». وللزيادة شاهدٌ، وَهُوَ حديثُ ابْن عَبَّاس: «فرضَ
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال ١/ ١٦٢.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٢.
(٣) الثقات ٧/ ٤٩٣.
(٤) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠، وهي في " مصنف عبد الرزاق " (٥٧٦٥)، ومسند أحمد ٢/ ١١٤.
(٥) المنتقى (٣٥٦).
(٦) هكذا في النسخ الخطية، وهكذا في المنتقى كلا الطبعتين، والذي يقتضيه السياق: «عبد الله ابن عمر» وكذا جاء في التقييد.
(٧) تفصيلها في تحقيقنا لمعرفة أنواع علم الحديث: ١٧٩ - ١٨٢.
(٨) التقييد والإيضاح: ١١١ - ١١٣.
(٩) عبارة: «انتهى كلام النكت» لم ترد في (ف).
(١٠) الواو لم يرد في (ب) و(ف).
[ ١ / ٤٩٢ ]
رسولُ الله - ﷺ - زكاةَ الفطرِ طهرةً للصائم منَ اللغوِ والرفثِ» أخرجهُ أبو داود (١) والحاكمُ (٢) والدارقطنيُّ (٣). ووجه الدلالةِ منهُ: أنَّ الكافرَ لا طهرةَ لهُ.
قولُهُ: (فهذهِ الزيادةُ) (٤) يعني: «وتربتها طهورًا». (تفرّدَ (٥) بِهَا أبو مالكٍ)، ليسَ كذلكَ، فإنهُ إنْ أرادَ أنّ غيرهُ خالفهُ عنْ ربعيّ، لَمْ يصحَّ لهُ (٦)؛ لأنَّهُ ما رَوَى هَذَا الحديثَ عَن ربعيٍّ / ١٥٧ ب / غيرُهُ، وإنْ أرادَ أَنَّهُ انفردَ بهذهِ اللفظةِ، و(٧) لَمْ توجدْ عندَ أحدٍ ممن رَوَى هَذَا الحديثَ، فليسَ كذلكَ، فَقَدْ رَوَى أحمدُ فِي " مسندهِ " هَذَا الحديثَ منْ حديثِ عليٍّ - ﵁ - بلفظِ: «وجعلَ ترابها لنا طهورًا» (٨)، فَلَمْ يبقَ إلاّ ما قَالَ الشيخُ فِي " نكته " (٩): «إنْ تفردهُ بِهَا بالنسبةِ إِلَى حديثِ حذيفةَ، كما رواهُ مسلمٌ (١٠) منْ روايةِ أَبِي مالكٍ، عنْ ربعي، عنهُ، قال: وقد اعترضَ عَلَى المصنفِ بأنهُ يحتملُ أنْ يريدَ بالتربةِ الأرضَ منْ حيثُ هِيَ أرضٌ، لا التراب، فلا يبقى فيهِ زيادةٌ، ولا مخالفة لمنْ أطلقَ فِي سائرِ الرواياتِ (١١).
_________________
(١) في سننه (١٦٠٩).
(٢) في المستدرك ١/ ٤٠٩.
(٣) فِي سننه ٢/ ١٣٨. وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (١٨٢٧)، والبيهقي ٤/ ١٦٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٦.
(٥) في (أ) و(ب): «انفرد» والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في شرح التبصرة والتذكرة.
(٦) في (ف): «به».
(٧) لم ترد في (ب).
(٨) عند أحمد في " المسند " ١/ ٩٨ و١٥٨.
(٩) التقييد والإيضاح: ١١٤.
(١٠) صحيح مسلم ٢/ ٦٣ - ٦٤ (٥٢٢) (٤).
(١١) المعترض هو العلامة مغلطاي كما جاء في النكت لابن حجر ٢/ ٧٠١ وبتحقيقي: ٤٧٦.
[ ١ / ٤٩٣ ]
والجواب: أنَّ فِي طرقهِ (١) التصريحَ بالترابِ، كما فِي روايةِ البيهقيِّ: «وجعلَ ترابها لنا طهورًا (٢»).» هكذا قَالَ الشيخُ. ومتى جوّزنا طروقَ الاحتمالِ المذكورِ للأولِ جازَ فِي الثاني؛ فإنَّ التربةَ والترابَ واحدٌ، والأحسنُ منعهُ منْ أصلهِ؛ لأنهُ ينحلّ إِلَى أنَّ أرضَ الأرضِ طهورٌ، وَهُوَ تقديرٌ يجلّ عنهُ كلامُ آحادِ البلغاء، فكيفَ بمن أُعطِيَ جوامعَ الكلمِ (٣) - ﷺ - (٤).
قولُهُ: (وسائر الروايات) (٥) أي: روايات حديثِ حذيفةَ لا غيره؛ فإنهُ وردتْ كما تقدّمَ منْ حديثِ عليٍّ - ﵁ -، قَالَ الشيخُ فِي " النكت " (٦): «وذلك فيما رواهُ أحمد فِي "مسندهِ" (٧) منْ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بْن عقيل، عنْ مُحَمَّدِ ابْن عَلِيٍّ الأكبرِ (٨)، أَنَّهُ سمعَ عليَّ بنَ أَبِي طالب - ﵁ - (٩) يقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُعطيتُ مالمْ يُعطَهُ أحدٌ منَ الأنبياء » فذكرَ الحديثَ، وفيه: «وجعل التراب لِي طهورًا»، وهذا إسنادٌ حسنٌ (١٠) / ١٥٨ أ / وقد رواهُ البيهقيُّ أيضًا
_________________
(١) في التقييد: «في بعض طرقه».
(٢) السنن الكبرى ١/ ٢١٣.
(٣) في (ف): «الكلام».
(٤) «- ﷺ -» لم ترد في (ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٦.
(٦) التقييد والإيضاح: ١١٤.
(٧) مسند الإمام أحمد ١/ ٩٨ و١٥٨.
(٨) وهو المشهور بمحمد بن الحنفية.
(٩) «- ﵁ -» لم ترد في (ب) وهي من (أ) و(ف) والتقييد.
(١٠) وهذا منه ﵀ على رأي من حسن الرأي فِي عبد الله بن محمد بْن عقيل، وهو رأي البخاري وتلميذه الترمذي، فقد قال البخاري: «مقارب الحديث»، وقال الترمذي: «صدوق»، إلا أن آخرين ضعفوه منهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، =
[ ١ / ٤٩٤ ]
فِي "سننهِ" (١) منْ هَذَا الوجهِ».
قولُهُ: (إنَّ الحكمَ لمنْ أرسلَ) (٢)، قَالَ ابْن الصلاحِ: «معَ أنَّ وصلَهُ زيادةٌ من الثقةِ (٣») (٤).
الأفراد (٥)
قولُهُ فِي الأفراد:
١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا
١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ
١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلْ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ (بَكْرٍ) الاَّ (٦) وَائِلْ
_________________
(١) = وأحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن سعد، والجوزجاني، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والنسائي، وابن خزيمة، وأبو داود، وابن حبان، والدارقطني.
(٢) سنن البيهقي ١/ ٢١٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٧، وانظر في هذا الموطن: محاسن الاصطلاح: ١٨٦.
(٥) جاء في حاشية (أ): «بلغ على المؤلف».
(٦) انظر في الأفراد: معرفة علوم الحديث: ٩٦، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٨٣، وجامع الأصول ١/ ١٧٥، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣، والتقريب: ٧٣ - ٧٤، والمنهل الروي: ٥١، ورسوم التحديث: ٨٥، والخلاصة: ٤٨، واختصار علوم الحديث ١/ ١٨٩ وبتحقيقي: ١٤٤، والشذا الفياح ١/ ١٩٩، ومحاسن الاصطلاح: ٩٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٨، وتنقيح الأنظار: ١٥٦، ونزهة النظر: ٣٦، والمختصر: ١٢١، وفتح المغيث ١/ ٢٠٥، وألفية السيوطي: ٤٢ - ٤٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٩٨، وفتح الباقي ١/ ٢٥٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٧، وظفر الأماني: ٢٤٢، وشرح شرح نخبة الفكر: ٢٣٢، واليواقيت والدرر ١/ ٢٩٢، وقواعد التحديث: ١٢٨، ولمحات في أصول الحديث: ٢٨٣.
(٧) الأصل في «إلاّ» أن تكون همزتها همزة قطع، لكن الوزن لا يستقيم بها، فأدرجها المصنف ليستقيم الوزن (أي جعلها همزة وصل)، وهذه ضرورة من ضرورات الشعر.
[ ١ / ٤٩٥ ]
١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (ضَمْرَهْ) لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ
١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِدًَا مِنْ أهْلِهَا تَجَوُّزًَا، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا
١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ
١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ
قولُهُ: (فاجعله من أولها) (١)، أي: منْ أولِ الأقسامِ، وَهُوَ الفردُ المطلقُ، كما سيجيءُ.
قولُهُ: (عَن ابنه) (٢) هُوَ من البنوّة، أي: ابْن الرَّاوي عنهُ وائل، فإنَّ بكرًا (٣) رَوَى عنهُ هشامُ بنُ عروةَ، وَهُوَ أكبرُ مِنْهُ، وأبوهُ وائلُ بنُ داودَ (٤) فهو منْ روايةِ الأكابرِ عن الأصاغرِ. وقد رَوَى سفيانُ بنُ عيينةَ أيضًا عنْ بكرٍ، كما رَوَى عَن أبيهِ وائل، ورَوَى عَن الزهريِّ أيضًا.
قولُهُ: (غريبٌ منْ حديثِ بكرِ بنِ وائل عنهُ) (٥) أي: عنِ الزهريِّ (٦).
قولُهُ: (تفردَ بهِ وائلُ بنُ داود) (٧)، أي: عَن ابنه بكرٍ.
قولُهُ: (محمدُ بنُ الصلتِ التَّوزَّيُّ) (٨) بمثناةٍ، وتشديدِ الواو المفتوحةِ (٩)، ثُمَّ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (١٩٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٩.
(٣) هو بكر بن وائل التيمي الكوفي، صدوق من الثانية، توفي قديمًا فروى أبوه عنه. الكاشف ١/ ٢٧٥ ترجمة (٦٣٧)، وتقريب التهذيب (٧٥٢).
(٤) هو وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي، ثقة من السادسة. تقريب التهذيب (٧٣٩٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٩.
(٦) من قوله: «قوله: غريب » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٩.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٩.
(٩) في (أ) و(ف): «مفتوحتين».
[ ١ / ٤٩٦ ]
زايّ. قولُ الدارقطني: «والمحفوظُ » إِلَى آخره. قَالَ شيخُنا: «هذهِ الطريقُ هِيَ المعتمدةُ، ولا يضرنا روايةُ جماعةٍ لهُ عنْ ابنِ عيينةَ، عَن الزهريِّ بلا واسطةٍ».
قولُهُ: (قَالَ شيخنا علاءُ الدينِ ابنُ التركماني (١) ) (٢) إِلَى آخرهِ، إنْ كانَ أرادَ أَنَّهُ تفرّدَ بروايتهِ عنْ عبيدِ اللهِ، عَن أَبِي واقدٍ، فهو صحيحٌ، وإنْ أرادَ أَنَّهُ انفردَ بالحديثِ منْ أصلهِ - وَهُوَ الظاهرُ منْ كلامهِ، وإلاَّ لقالَ: طريقُ أَبِي واقد، ولم يقل: حَدِيْث - فليسَ كذلك بدليلِ روايةِ ابْنِ لهيعةَ، فإنهُ وإنْ كانَ قَدْ ضعفَ لكنْ إنما ضعفَ لأجلِ أنَّ كُتبَهُ احترقتْ، فصارَ يُحدّثُ منْ حفظهِ، فربما غلطَ، فإذا عضدتْ حديثَهُ الشواهدُ ارتقَى إِلَى رتبةِ الصحيح (٣). قَول الحَاكِم: «تفرّدَ بِهَا أهلُ مصرَ» (٤). قَالَ شيخُنا: «لَمْ يروهِ من أهلِ مصرَ إلا / ١٥٨ ب / عَمْرو بن الحارثِ عن حَمزَة بن يَحيَى المَازِنيِّ، فأطلقَ أهلَ البلدِ وأرادَ واحدًا منهم».
قولُهُ: (تفرّدَ بهِ أبو زكيرٍ إِلَى قوله: وأرادَ بهِ واحدًا منهم) (٥) أي: وَهُوَ أبو زكير، وكذا (٦) قولُهُ: «عَن المدنيينَ»، يعني: عَن هشامِ بنِ عروةَ؛ فإنهُ
مدنيٌّ.
_________________
(١) هو علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان قاضي القضاة علاء الدين المارديني، المعروف بابن التركماني الحنفي، له مؤلفات عدة في الحديث وغيره، توفي سنة (٧٤٩ هـ)، وقيل: (٧٥٠ هـ). انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٨٤ - ٨٥، ومعجم المؤلفين ٧/ ١٤٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٠.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤٧٥.
(٤) معرفة علوم الحديث: ٩٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧١.
(٦) من قوله: «قوله: تفرد » إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٤٩٧ ]
المعلل (١)
قولُهُ: (المعلل) (٢) قالَ ابنُ كثيرٍ: «هُوَ فنٌ خفيٌّ عَلَى كثيرٍ منْ علماءِ الحديثِ، حَتَّى قالَ بعضُ حُفّاظهم: معرفتُنا بهذا كهانةٌ عندَ الجاهلِ» (٣) انتهى.
وقالَ ابنُ الصلاحِ: «اعلمْ أنَّ معرفةَ عللِ الحَدِيْثِ منْ أجلِّ علومِ الحديثِ، وأدقِّها، وأشرفِها، وإنما يضطلعُ (٤) بذلك أهلُ الحفظِ والخبرةِ، والفهمِ الثاقبِ» (٥).
قولُهُ: (وذلك موجودٌ فِي كلامِ الترمذيِّ ) (٦) إِلَى آخره. قَالَ شيخُنا: «وفي كلامِ البخاريِّ» كما سيأتي آخرَ شرحِ هَذِهِ الأبيات.
_________________
(١) انظر في الحديث المعلل: معرفة علوم الحديث: ١١٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٨٦، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٣٤ - ٢٤٨، والتقريب: ٧٥ - ٧٧، ورسوم التحديث: ٧٧، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث ١/ ١٩٦ وبتحقيقي: ١٤٩، والشذا الفياح ١/ ٢٠٢، ومحاسن الاصطلاح: ٩٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٢، وتنقيح الأنظار: ١٦٢، ونزهة النظر: ٧٢، والمختصر: ١٣٤، وفتح المغيث ١/ ٢٠٩، وألفية السيوطي: ٥٥ - ٦٦، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٠٠، وفتح الباقي ١/ ٢٦٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٥، وظفر الأماني: ٣٦٣، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٥٨، واليواقيت والدرر ٢/ ٦٤، وقواعد التحديث: ١٣١، ولمحات في أصول الحديث: ٢٦٢، وراجع كتاب: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٢.
(٣) اختصار علوم الحديث ١/ ١٩٦ وبتحقيقي: ١٤٩.
(٤) تضلع: امتلأ ريًا حتى بلغ أضلاعه، والمراد هنا: الامتلاء من العلم، انظر: لسان العرب مادة (ضلع).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٢.
[ ١ / ٤٩٨ ]
قُلتُ: وَقَالَ المصنفُ فِي " نكتهِ عَلَى ابْنِ الصلاحِ " (١): «وحكاهُ جماعةٌ منْ أهلِ اللغةِ منهم: قطربُ فيما حكاهُ اللّبليُّ، والجوهريُّ فِي " الصحاحِ " (٢)، والمطرزيُّ فِي "المغرب"» (٣). قَالَ شيخُنا: «والأولى عندي أنْ يقالَ: معلولٌ؛ لأنها وقعتْ فِي عباراتِ أهلِ الفنِّ كما تقدّمَ، وهي لغةٌ، كما فِي كلامِ أَبِي إسحاقَ، وعلى مَا خرّجهُ سيبويهُ، وقد فَرّ ابنُ الصلاحِ منِ استعمالِ لغةٍ، هِيَ عَلَى زعمهِ رديئةٌ، فوقعَ بقوله: «معلل» فِي أشدِّ منْ ذلكَ باستعمالِ ما ليسَ منْ هذَا البابِ أصلًا، بلْ منْ بابِ التعللِ، الذِي هُوَ التشاغلُ والتلهي».
قولُهُ: (قُلتُ: والأجود) (٤) يُفهمُ أنَّ فِي استعمالِ «معللٍ» جودةً مَا، وليسَ كذلكَ؛ فإنهُ لا يجوزُ أصلًا، فيحمل عَلَى أنَّ مرادَ الشيخِ أَنَّهُ أجودُ منَ «المعلولِ».
قولُهُ: (واستعمل أبو إسحاق) (٥) هُوَ الزجاجُ (٦)، إن شاءَ اللهُ تعالى (٧).
قُلتُ: قولُهُ: (ثُمَّ قَالَ: والمتكلمون) (٨) الضميرُ / ١٥٩ أ / فِي «قالَ» لصاحبِ "المحكم" وكذا فِي (قَالَ: وبالجملة).
قولُهُ: (ولا ثلج) (٩)، وَقَالَ صاحبُ "القاموس" (١٠): «والعِلّة -بالكسرِ-
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١١٦.
(٢) الصحاح مادة (علل).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب: ٣٢٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣.
(٦) انظر ترجمته في: تأريخ بغداد ٦/ ٨٩، ومعجم الأدباء ١/ ١٣٠.
(٧) «تعالى» لم ترد في (ب).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣.
(١٠) القاموس المحيط مادة (علل).
[ ١ / ٤٩٩ ]
المرضُ، علّ يَعِلُّ، واعْتلَّ، وأعلَّه اللهُ، فهو مُعَلٌّ، وعليلٌ، ولا تقل: معلولٌ، والمتكلمون يستعملونها، ولستُ منهُ عَلَى ثلجٍ». والثلجُ - بالمثلثةِ والجيمِ محرّكًا -: الطمأنينةُ، قَالَ فِي مادةِ «ثلج»: «وثلجَتْ نفسي كنَصَرَ وفَرحَ ثلوجًا وثلجًا: اطمأنت» (١).
قولُهُ: (قالوا: وإذا قالوا) (٢) كذا هُوَ فِي جميعِ النُّسخِ الَّتِيْ وقفتُ عَلَيْهَا من هَذَا الشرحِ بلفظِ: «قالوا»، وكذا هُوَ فِي " نكتهِ عَلَى ابنِ الصلاحِ" (٣)، والظاهرُ أَنَّهُ سَبقُ قلمٍ، وأنهُ «قَالَ» والضميرُ فيهِ إما لسيبويهِ، أو لصاحبِ " المحكم ".
قولُهُ: (كما قالوا: حُرِقَ وفُسِلَ) (٤) أي: مبنيينِ للمفعولِ، والقاعدةُ أنَّ مثلَ هَذَا البناءِ لا يكونُ إلا منْ معدّىً، ولا تعديةَ هنا. قَالَ فِي " القاموس " (٥): «الفَسْلُ الرَّذْلُ الذِي لا مروءةَ لهُ، كالمفسولِ، فَسُل كَكَرُمَ وعلمَ وعنِيَ فَسالةً وفُسولةً». وَقَالَ ابْنُ القطاعِ: «وحَرِقَ الرجلُ - أي: كغنيَ -: زالَ حقُّ وركهِ». وَقَالَ الزبيديُّ فِي " مختصر العين ": «والحارقةُ عصبةٌ متصلةٌ بَيْنَ وابلةِ الفخذِ والعضدِ، وإذا انقطعتِ الحارقةُ لَمْ تلتئمْ». وقيلَ: «رجلٌ محروقٌ، وقد حرقَ» وكذا قَالَ عَبْدُ الحقِّ في "الواعي" إلا أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَ وابلة الفخذِ والوركِ» وَقَالَ: «فإذا انقطعتِ الحارقةُ، قيلَ: حَرِقَ الرجلُ فهو محروقٌ، ويقالُ ذَلِكَ إذا زالَ حقُ وركهِ. وحرَّقتُ الرجلَ (٦) تحريقًا: إذا فعلت بهِ ذلكَ». انتهى. والوابلةُ - بالموحدةِ - طرفُ رأسِ
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (ثلج).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤.
(٣) التقييد والإيضاح: ١١٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤، وانظر بلابد تعليقنا هناك.
(٥) القاموس المحيط مادة (فسل).
(٦) من قوله: «فهو محروق » إلى هنا لم يرد في (ب).
[ ١ / ٥٠٠ ]
العضدِ والفخذِ، أو طرفُ الكتفِ، أو عظمٌ فِي مفصلِ الركبةِ، أو مَا التفَّ منْ لحمِ الفخذِ، قاله فِي " القاموس ". (١) فثبتَ أنَّ هذين الفعلينِ لم يستعملا إلا لما لَمْ يسمَّ فاعلهُ، بمعنى جعلَ مِنْهُ (٢) الحرقُ والفسلُ استغناءًا عَن / ١٥٩ ب / معداهما الَّذِي هُوَ حَرَقهُ وفَسَلهُ منْ غيرِ همزةٍ، ولا تضعيفٍ بأفعلتُ أو فعَّلتُ بهمزةِ النقلِ، أو التضعيفِ، والله أعلم.
قولُهُ: (والعلةُ: عبارةٌ ..) (٣) إِلَى آخرهِ.
قُلتُ: فإذا أردتَ تعريفَ المعلولِ منْ هَذَا التعريفِ، قلتَ: هُوَ الخبرُ الَّذِي فيهِ أسبابٌ خفيةٌ طرأتْ عليهِ، فأثّرتْ فِيهِ. قَالَ شيخُنا: «وأحسنُ من هَذَا أنْ يقالَ: هُوَ خبرٌ ظاهرهُ السلامةُ اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادحِ». فَقُلت لَهُ: فحينئذٍ يكفي أنْ يقالَ: مَا اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادحٍ (٤). ويفهمُ منَ التقييدِ بالتفتيش أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ، فقالَ: «لا يلزمُ ذلكَ، بل قَدْ يطلعُ فِي الخبرِ الَّذِي ضعفُهُ ظاهرٌ عَلَى علةٍ خفيةٍ أيضًا، وهذهِ لا يمكنُ أنْ تكونَ قادحةً، فإنها صادفتْهُ ضعيفًا مقدوحًا فيهِ». فَقُلْت: فحينئذٍ يخرجُ هَذَا (٥) منْ هَذَا الحدِّ بالتقييدِ بقادحٍ، فلا يكونُ معلولًا إلاّ إذا قدحتْ فِيهِ العلةُ الخفيةُ.
ويقال أيضًا فِي حدّه: هُوَ خبرٌ ظاهرهُ السلامةُ اطلعَ فيهِ عَلَى قادحٍ. ولا حاجة إِلَى ذكرِ التفتيشِ، فإنهُ يفهمُ منَ العبارةِ، والتقييدِ بظهورِ السلامةِ يخرجُ ما علّتهُ
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (وبل).
(٢) في (ف): «فيه».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤.
(٤) من قوله: «فقلت له: » إلى هنا لم يرد في (ب).
(٥) أي: الحديث الذي ضعفه ظاهر.
[ ١ / ٥٠١ ]
ظاهرةٌ، وجَعلُ الشَّيْخِ ما ذكرهُ تفسيرًا للعلةِ، يُفهمُ أنها لا تسمَّى علةً إلا إذا كانتْ موصوفةً بما ذَكَرَ. قَالَ شيخنا: «وفيه نظرٌ، وإنما هذا تفسيرٌ للمعلولِ، وهذا الوصفُ غيرُ لازمٍ للعلةِ؛ فالعلةُ أعمُّ منْ أنْ تكونَ بهَذَا الوصف أم لا». وعبارةُ ابْن الصلاحِ: «فالحديث المعلول (١): هُوَ الَّذِي اطلعَ فيهِ عَلَى علةٍ تقدحُ فِي صحتهِ، معَ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ مِنْهَا. ويتطرقُ ذَلِكَ إِلَى الإسنادِ الَّذِي رجالهُ ثقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصحةِ منْ حيثُ الظاهرُ (٢). ويستعانُ / ١٦٠ أ / عَلَى إدراكها بتفرّدِ الرَّاوي ..» (٣) إِلَى آخر مَا فِي الشرحِ. وقالَ الحَاكِمُ: «إنما يعلُّ الحديثُ منْ أوجهٍ ليسَ للجرحِ فيها مدخلٌ، فإنَّ حديثَ المجروحِ ساقطٌ - أي: ظاهرُ السقوطِ والمعلولُ يوجدُ فِي حديثِ الثقاتِ؛ لأنهم يحدثونَ بالحديثِ فيخفَى عليهم، والحجةُ فيهِ العلمُ والفهمُ» (٤). قَالَ شيخُنا: «فعلى هَذَا لا يُسمَّى المنقطعُ، ولا المعضلُ، ولا الضعيفُ معلولًا، وإنما يُسمَّى بذلكَ إذا آلَ أمرُهُ إِلَى شيءٍ منْ ذلكَ مَعَ كونِ ظاهرهِ السلامةَ» (٥).
وهذا الفنُّ أغمضُ الأنواعِ وأدقُّها مسلكًا، ولا ينهض بهِ إلا أئمةُ هَذَا الشأنِ وحذاقُهمُ، ولهذا لم يتكلمْ فيهِ إلاَّ أفرادٌ منهم (٦)، وقد تقصرُ عبارةُ الواحدِ منهم، فلا
_________________
(١) الذي في معرفة أنواع علم الحديث: «المعلل».
(٢) جاء في حاشية نسخة (أ): «بلغ قراءة الشيخ شهاب الدين الشافعي نفع الله به قراءة بحث وسمع الجماعة، قاله مؤلفه إبراهيم البقاعي».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٧.
(٤) معرفة علوم الحديث ١١٢ - ١١٣.
(٥) ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نحو هذا الكلام في نكته ٢/ ٧١٠ وبتحقيقي: ٤٨٤، ثم قال: «وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود».
(٦) مثل: علي بن المديني، وأحمد، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. انظر: فتح المغيث ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ٥٠٢ ]
يفصحُ بما قامَ فِي نفسهِ من الترجيحِ، ومن ثمةَ يحيلُ الشافعيُّ مَعَ إمامتهِ عَلَى أئمةِ الحديثِ فِي كتبهِ. فعلى هَذَا فما جَزَمَ الواحدُ منهم بكونهِ معلولًا، ولم يخالفْ، فالأصل أن يُتبعَ، فإن خُولفَ نظرَ في الترجيح بَيْنَهُمَا، ووجوهُ الترجيح كثيرةٌ لا ضابطَ لها بالنسبةِ إِلَى جميعِ الأَحَادِيث، بلْ كلُّ حَدِيْثٍ يقومُ بهِ ترجيحٌ خاصٌّ.
قولُهُ: (وأنشد الأخفش) (١) الشاهدُ فِي قولهِ: «وأومتْ»، أصلهُ: وأومأتْ.
قولُهُ: (وإنْ لَمْ يغلبْ عَلَى ظنهِ صحةُ التعليل ..) (٢) إِلَى آخره، قَالَ ابنُ الصلاحِ: «وكلُ ذلكَ مانعٌ منَ الحكمِ بصحة مَا وجدَ ذلكَ فيهِ» (٣). أي: لا يقالُ كَيْفَ يتوقفُ الجهبذ عنِ الحكمِ بصحتهِ، والحالُ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ، ولم يظهرْ لَهُ فيهِ قادحٌ، بل يتوقفُ عنِ الحكمِ بالصحةِ، ولو لَمْ يغلبْ عَلَى ظنهِ صحةُ كونهِ معلولًا، ويكفي فِي الإعلالِ والإيقافِ عَن الجزمِ بالصحةِ وجودُ الشكِّ، بأنْ تظهرَ قرينةٌ واهيةٌ مانعةٌ من الحكمِ بالصحةِ، وإنْ لَمْ يقدرْ عَلَى التعبير / ١٦٠ ب / عَنْهَا.
وقولُهُ: (التعليل) (٤) عُرفَ مِمَّا مضى أنَّ صوابَهُ: الإعلالُ، ومنْ أمثلةِ المعلولِ أحاديثُ رواها أهلُ الكوفةِ عنْ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ يزيدَ، وذلكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الشامِ رجلانِ كلٌّ منهما يُسمَّى عَبْدَ الرَّحْمَانِ بنَ يزيدَ، وأحدُهما اسمُ جدّهِ جابرٌ وَهُوَ أزديٌّ دارانيٌّ (٥)، ثقةٌ مشهورٌ، رَوَى عَنْهُ الستة (٦)، والآخرُ اسم جدهِ تميمٌ وَهُوَ سلميٌّ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٥.
(٥) عبارة: «أزدي داراني» لم ترد في (ب) و(ف).
(٦) عبارة: «روى عنه الستة» لم ترد في (ب) و(ف).
[ ١ / ٥٠٣ ]
دمشقيٌّ (١) ضعيفٌ، لَيْسَ لَهُ شهرةٌ رَوَى عَنْهُ النسائي، وابنُ ماجه، وليسَ لَهُ في النسائي سوى حديثٍ واحدٍ (٢) فاتفقَ أَنَّهُ قَدِمَ الكوفةَ فحدّثَ بِهَا، فسألوهُ: مَن أنتَ؟ فَقَالَ: عَبْد الرَّحْمَان بن يزيدَ، فظنوهُ ابنَ جابرٍ الثقةَ المشهورَ، فكانَ بعضُهم (٣) إذا رَوَى عنهُ زادَ فِي نسبهِ، فقالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ يزيدَ بْنِ جابرٍ الدمشقيُّ، ويسوقُ الأحاديثَ الَّتِيْ سمعها من ابن تميمٍ، وهي ضعيفةٌ، فيجيءُ الحفَّاظُ فيروونَ تلكَ الأحاديثَ، فيضعفونَ بسببها الراوي لها عن (٤) عَبْدِ الرَّحْمَانِ؛ لأنَّهُ ثقةٌ مشهورٌ. وأمَّا الناقدُ منهم فيعرفُ أنَّ ابنَ جابرٍ لَمْ يرحلْ منْ دمشقَ، فيتحققُ أنَّ المرويَّ عَنْهُ ابنُ تميمٍ، فينسُبُ الضعفَ إليه، ويعلمُ أنَّ الراوي عَنْهُ (٥) غلطَ فِي نسبتهِ إِلَى ابنِ جابرٍ. وعنْ خطِّ شيخِنا، أَنَّهُ قَالَ: «ومنَ الأمثلةِ اللطيفةِ ما ذكرهُ ابنُ أَبِي حاتمٍ فِي حَدِيْثِ حمادِ بنِ سَلَمَةَ، عَن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن ابنِ عُمَرَ رفعه: «من باعَ عبدًا ..» (٦) الحَدِيْث، فَقَالَ: كنتُ أستحسنهُ حَتَّى رأيتَهُ فِي حَدِيْثِ بعضِ الثقاتِ: عنْ عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن الزهريِّ، فعادَ الحديثُ إِلَى الزهريِّ، والزهريُّ إنما رواهُ عنْ سالم، عن أبيه، وَهُوَ معلولٌ؛ لأنَّ نافعًا رواهُ عَن ابْن عُمَرَ منْ قولهِ، وهذا غايةٌ فِي الدقةِ؛ فإنَّ هذهِ الروايةَ فِي الظاهرِ كانتْ متابعةً قويةً لحديث سالمٍ، لكنّها بالتفتيشِ رجعتْ إليهِ (٧»).
_________________
(١) عبارة: «سلمي دمشقي» لم ترد في (ب) و(ف).
(٢) من قوله: «روى عنه النسائي » إلى هنا لم يرد في (ب) و(ف).
(٣) وهؤلاء البعض هم: أبو أسامة «حماد بن أسامة»، وحسين الجعفي. انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦١.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) كلام ابن أبي حاتم الآتي، ورد عقب حديث: «من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». العلل ١/ ٣٧٧ (١١٢٢).
(٧) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٧١٢ - ٧١٣ وبتحقيقي: ٤٨٧.
[ ١ / ٥٠٤ ]
قولُهُ: (ويعتبر بمكانهم) (١)، أي: ويعتبرُ / ١٦١ أ / الخطأُ والصوابُ بمكانِهم منَ الحفظِ.
قولُهُ: (فكثرَ فيهِ لغطهُ ) (٢) الحَدِيْث. تمامُهُ: «فقالَ: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ، قبلَ أنْ يقومَ منْ مقامهِ، غُفِرَ لَهُ مَا وقعَ فِي ذلكَ المجلسِ» (٣).
قولُهُ: (حدَّثنا بِهِ موسى بنَ إسماعيلَ) (٤) هُوَ أبو سلمةَ المنقريُّ. (حَدَّثَنَا وهيبٌ) هُوَ ابنُ خالدٍ الباهليُّ أبو بكرٍ البصريُّ، وشيخهُ سهيل بن أَبِي صالحٍ،
و(عونُ بنُ عَبْد الله) هُوَ ابنُ عتبةَ بن مسعودٍ. قَالَ البخاريُّ: «سمعَ أبا هريرةَ، وابنَ عمرَ، ويقالُ: إنَّ روايتَهُ عَن الصحابةِ مرسلةٌ». ذكرهُ البخاريُّ فيمنْ ماتَ مَا بينَ عشرةَ إِلَى عشرينَ ومئةٍ (٥).
قولُهُ: (وغالبُ ظني أنَّ هذهِ الحكايةَ ليست بصحيحةٍ) (٦) قَالَ شيخُنا: «بل هِيَ صحيحةٌ، وأحمدُ بن حمدونَ القصارُ ثقةٌ حافظٌ كبيرٌ، تُكلِّمَ فيهَ بكلامٍ غيرِ قادحٍ، وَهُوَ المعروفُ: بأبي حامدٍ الأعمشيِّ، نسبة إِلَى الأعمشِ؛ لاعتنائهِ بحديثهِ» (٧).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٦.
(٣) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٦٩ و٤٩٤، والترمذي (٣٤٣٣)، والنسائي في "الكبرى"
(٤) ، وفي "عمل اليوم والليلة"، له (٣٩٧)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤/ ٢٨٩، وابن حبان (٥٩٣)، والطبراني في "الأوسط" (٧٧) و(٦٥٨٠)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٤٧)، والبغوي (١٣٤٠).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٦.
(٦) انظر: التاريخ الصغير ١/ ٣٠٨.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٦.
(٨) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٧١٥ وبتحقيقي: ٤٩٠.
[ ١ / ٥٠٥ ]
قَالَ الحَاكِمُ: «كَانَ من الحفّاظِ، وكانَ مزَّاحًا، وكانَ أبو عَلِيّ النيسابوريُّ، يقولُ: حدثنا أحمدُ بنُ حمدونَ إنْ حلَّتِ الروايةُ عنهُ» قَالَ الحَاكِمُ: «فقلتُ لَهُ: أهَذَا (١) الَّذِي تذكرُهُ فيهِ من جهةِ المُجُونِ، أو لشيءٍ أنكرتهُ؟ فقالَ: لشيءٍ أنكرتُهُ. فقلتُ لَهُ: مثلُ ماذا؟ فذكرَ أحاديثَ، فقلتُ لَهُ: أبو حامدٍ مظلومٌ فيما ذكرتَ كلَّهُ، وحكيتُ للحافظِ أَبِي الحسينِ الحجّاجي ذَلِكَ، فصوّبَ قولي، وَقَالَ: أحاديثُهُ كلُّها مستقيمةٌ»، وذكر أنَّ ابنَ خزيمةَ كَانَ يرجعُ إليهِ فِي حديثِ الأعمشِ، ثُمَّ ساقَ الحاكمُ عدةَ أحاديثَ مِمَّا كانَ يمزحُ بهِ، ثمَ قَالَ: وإنما سقتُ هَذَا لتعرفَ أنَّ الَّذِي أُنكِرَ عليهِ إنما سببهُ المزحُ الَّذِي كانَ فيهِ، فأمّا الانحرافُ عنِ اسمِ أهلِ / ١٦١ ب / الصدقِ فلا. (٢) قَالَ شيخنا: «والحاملُ لشيخنا عَلَى تهمةِ أَبِي حامدٍ استبعادهُ أنْ يكونَ البخاريُّ قَالَ: «لا أعرفُ فِي البابِ إلاّ هَذَا الحديثَ» معَ أنَّ فِي البابِ جملةَ أحاديثَ عنْ جماعةٍ من الصحابةِ غيرِ (٣) أَبِي هريرةَ».
قُلتُ: قَالَ فِي " النكت " (٤): «وهم: أبو برزةَ الأسلميُّ (٥)، ورافعُ بنُ خديجٍ (٦)، وجبيرُ بن مطعم (٧)، والزبيرُ بن العوامِ (٨)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (٩)،
_________________
(١) في (ف): «هذا».
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٣) في (أ) و(ب): «عن».
(٤) التقييد والإيضاح: ١١٨.
(٥) أخرجه: أبو داود (٤٨٥٩)، وأبو يعلى (٧٤٢٦)، والحاكم ١/ ٥٣٧.
(٦) أخرجه: الطبراني في "الكبير" ٤/ ٢٨٧ (٤٤٤٥) وفي "الصغير"، له ١/ ٢٢٢، والحاكم ١/ ٥٣٧، وجود إسناده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٤١٢.
(٧) عزاه العراقي في "تخاريج الإحياء" ٣/ ١١٤١ إلى ابن النجار، وهو عند الطبراني في "الكبير" ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ (١٥٨٦) و(١٥٨٧)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٥٣٧.
(٨) عزاه الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٤١ للطبراني في الصغير والأوسط.
(٩) عزاه الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٤١ للطبراني في والأوسط.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، وأنسُ بنُ مالكٍ، والسائبُ بن يزيدَ، وعائشةُ، وقد بيّنتُ هذهِ الطرقَ كلَّها فِي "تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ" (١) للغزالي». انتهى. رجع إِلَى كلامِ شيخِنا، قَالَ: «والحقُّ أنَّ هذهِ اللفظةَ - وهي قولهُ: «فِي البابِ» - وردتْ عَلَى سبيلِ الخطأ، والآفةُ فيها من الحَاكِمِ حال كتابتهِ فِي " علوم الحَدِيْثِ " (٢)، وقد رواها خارجَ الكتابِ المذكورِ عَلَى الصوابِ، أوردَها عَنْهُ البيهقيُّ في "المدخلِ" (٣) والخطيبُ (٤) وغيرُهما بلفظِ: «لا أعرفُ فِي الدنيا لهذا الإسنادِ إلا هَذَا الحديثَ»، وكذا رواها الخليليُّ في "الإرشاد" (٥)، منْ غيرِ طريقِ الحاكمِ بهذا اللفظِ، موضعَ قوله: «فِي هَذَا الباب»، وهذا هُوَ الصوابُ، وهي عبارةٌ صحيحةٌ غيرُ مدخولةٍ، فلعلَّ الحاكمَ اعتَمدَ فيما نقلهُ فِي " علومِ الحَدِيْثِ " عَلَى حفظهِ فَوَهِمَ».
قوله:
١٩٩ - وَهْيَ تَجِيءُ غَالِبًا في السَّنَدِ تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ
٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا
٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا (عَمْرًا) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا
٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ
٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَسًا يَقُوْلُ: (لا أحْفَظُ شَيْئًا فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ
_________________
(١) تخاريج الإحياء ٢/ ٨١٨ و٨١٩ و٣/ ١١٤٠.
(٢) معرفة علوم الحديث: ١١٣ فقد قال: «هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة». هكذا قال مع أنه أخرج الحديث في "المستدرك" ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧ وقال: «هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة ».
(٣) في الجزء المفقود من هذا الكتاب، وهو الخاص بالمصطلح.
(٤) تأريخ بغداد ٢/ ٢٩ و١٣/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٥) الإرشاد ٣/ ٩٦٠ - ٩٦١ (٢٤٩).
[ ١ / ٥٠٧ ]
الضميرُ فِي «وهي» يعودُ عَلَى العلة القادحةِ الخفيةِ.
قولهُ: (قَدْ تقدحُ فِي صحةِ المَتْن ) (١) إِلَى آخرهِ، كلامٌ لا يضبطُ المرادَ، والكلامُ الضابطُ لهُ أنْ يقالَ: الحديثُ لا يخلو إما أنْ يكونَ فردًا، أو لهُ أكثرُ منْ إسنادٍ، فالأولُ: يلزمُ منَ القدحِ في سندهِ، القدحُ فِي متنهِ، وبالعكسِ. / ١٦٢أ / والثاني: لا يلزمُ منَ القدحِ فِي أحدهما القدحُ فِي الآخرِ (٢).
قوله: (فكالتعليلِ بالإرسالِ والوقفِ) (٣) أي: بشرطِ أنْ يَقوَى ذَلِكَ عَلَى الاتصال والرفعِ، أو يستويا، وأمّا إذا كَانَ الاتصالُ مثلًا أقوى فلا عبرةَ بمخالفهِ. هَذَا مرادُ الشيخِ، وإنْ لَمْ يؤدّهِ كلامُهُ.
قوله: (وأمّا علةُ الإسنادِ الَّتِيْ لا تقدحُ فِي صحةِ المتنِ فكحديثِ ) (٤) إِلَى آخره، إنما لم تقدحْ فِيهِ؛ لأنهُ رُوِيَ من غيرِ هَذِهِ الطريقِ، من روايةِ من هو أحفظُ من يعلى بن عُبيدٍ بما يخالفُ روايتَهُ، فرجّحَ قولَهم عَلَى قوله، فكانتْ روايتُهُ شاذةً، وعلمَ بالتأمّلِ أنَّ سببَ وَهْمِ يعلى أَنَّهُ سلكَ الجادّةَ فِي عَمْرِو بنِ دينارٍ، فَوَهِمَ. قَالَ شيخُنا: «وعبدُ اللهِ ليسَ أخا عَمْرِو».
قولهُ: (هكذا رواه الأئمة منْ أصحابِ سفيانَ) (٥) أفردَ لهُ أبو نعيمٍ جزءًا منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، فبلغَ نحوَ الخمسينَ نفسًا. قَالَ ابنُ الصلاحِ: «وكلاهما -
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٩.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٧٤٦ - ٧٤٨ وبتحقيقي: ٥١٥ - ٥١٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٩.
[ ١ / ٥٠٨ ]
أي: عَمْرٌو وعبد اللهِ- ثقةٌ» (١) أي: فلهذا لَمْ يقدحْ الخلفُ فيها فِي المتنِ.
قُلتُ: قوله (أبدل عَمرًا ) (٢) إِلَى آخرهِ، ليْسَ الأمرُ فِي هَذَا كما ذَكر، وإنما تدخلُ الباءُ هنا عَلَى المأخوذِ، وكأنك قُلتَ: «غيرّ عَمرًا، وأخذ عَبْدَ اللهِ
بدلَهُ»، وهذهِ المادةُ يفترقُ الحالُ فيها بَيْن الإبدالِ والتبديلِ، والاستبدالِ والتبدُّلِ، وغيرِ ذَلِكَ، وهي كثيرةُ الدورِ مشتبهةُ الأمرِ، وقد حقّقها شيخُنا محققُ زمانهِ قاضي الشافعيةِ بالديارِ المصريةِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيّ القاياتيُّ - ﵀ - فقالَ - فيما علّقتهُ عنهُ، وذَكَرَ أكثرَهُ فِي شرحهِ لخطبةِ "منهاجِ" النوويِّ -: اعلمْ أنَّ هَذِهِ المادةَ - أعني: الباءَ والدالَ واللامَ مَعَ / ١٦٢ ب / هَذَا الترتيب -: قدْ يذكرُ معها المتقابلانِ (٣) فقطْ، وقد يذكرُ معهما غيرُهما، وقدْ لا يكونُ كذلكَ. فإنْ اقتصرَ عَلَيْهِمَا: فقدْ يذكرانِ مَعَ التبدل والاستبدالِ، مصحوبًا أحدهما بالباءِ، كما فِي قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٤) وفي قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ ﴾ الآية (٥). فتكون الباءُ داخلةً عَلَى المتروكِ، ويتعدَّى الفعلُ بنفسهِ للمقابلِ المتخذِ. وقد يذكرانِ مَعَ التبديلِ والإبدالِ، وأحدُهما مقرونٌ بالباءِ، فالباءُ داخلةٌ عَلَى الحاصلِ، ويتعدَّ الفعلُ بنفسهِ إِلَى المتروكِ. نقلَ الأزهريُّ، عَن ثعلبَ: بدّلتُ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا أذبتُهُ وسويتُهُ حلقةً، وبدّلتُ الحلقةَ بالخاتمِ: إذا أذبتُها وجعلتُها خاتمًا، وأبدلتَ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا نحيتَ هَذَا، وجعلتَ هَذِهِ مكانَهُ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٠١).
(٣) جاء في حاشية (أ): «مثل: عَمْرو وعبد الله».
(٤) البقرة: ٦١.
(٥) البقرة: ١٠٨.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وحَكَى الهرويُّ فِي "الغريبين" (١): عَن ابنِ عرفةَ - يعني: نفطويهِ -: أَنَّهُ قَالَ: «التبديلُ: تغييرُ الشيء عنْ حالهِ، والإبدالُ: جعلُ الشيءِ مكانَ آخرَ».
وتحقيقهُ: أنَّ معنى التبديلِ: التغييرُ وإنْ لَمْ يؤتَ ببدلٍ، كما ذكر فِي "الصحاحِ" (٢)، وكما هُوَ مقتضَى كلامِ ابنِ عرفةَ. فحيثُ ذكر المتقابلانِ، وقيل: بدَّلتُ هَذَا بذاك رجع حاصل ذَلِكَ: أنك أخذت ذاك وأعطيت هَذَا، فإذا قيلَ: بدّلَ الشيءَ بغيرهِ، فمعناه: غيّر الشيء بغيرهِ، أي: تركَ الأول وأخذ الثاني، فكانت الباءُ داخلةً عَلَى المأخوذ لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيرهِ يرجعُ إِلَى تنحية الشيء / ١٦٣ أ / وجعل غيره مكانهُ، فكانت الباءُ داخلةً عَلَى المتخذ مكان المنحى.
وللتبديلِ - ولو مَعَ الاقتصارِ عَلَى المتقابلينِ - استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى المفعولينِ بنفسهِ، كقولهِ تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٣)،
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ ..﴾ (٤) الآية، بمعنى: يجعلُ الحسناتِ بدلَ السيئاتِ، ويعطيهما بدلَ مَا كَانَ لهما خيرًا، وقد لا يَذكرُ المذهوبَ، كما فِي قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٥)، ومعنى التبدّلِ (٦) والاستبدالِ: أخذُ الشيءِ مكانَ غيرهِ، فإذا قُلتَ: استبدلتُ هَذَا بذاكَ، أو تبدّلتُ هَذَا بذاكَ، رجعَ حاصلُ ذَلِكَ: أنك أخذتَ هَذَا، وتركتَ ذاكَ.
_________________
(١) أي: غريب القرآن والحديث.
(٢) الصحاح مادة (بدل).
(٣) الفرقان: ٧٠.
(٤) الكهف: ٨١.
(٥) النساء: ٥٦.
(٦) في (ب): «التبديل».
[ ١ / ٥١٠ ]
وإنْ لَمْ يقتصرْ عَلَيْهِمَا، بل ذكرَ معهما غيرَهما، وأحدُهما مصحوبٌ بالجارِّ، وذَكرَ التبديلَ، كما فِي قولهِ تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (١) تعدَّى الفعلُ بنفسهِ إِلَى المفعولينِ، يعني: إلى المفعولِ ذَلِكَ لأجلهِ، وإلى المأخوذِ بنفسهِ، وإلى المذهوبِ المبدلِ منهُ بالباء، كما في: «بدّلهُ بخوفهِ أمنًا» معناهُ (٢): أزالَ (٣) خوفَهُ إلى الأمنِ.
وقد يتعدَّى إِلَى المذهوبِ - والحالةُ هذهِ - بمِنْ، كما فِي «بدّلهُ منْ خوفِهِ أمنًا» وللتبديلِ استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى مفعولٍ واحدٍ، مثل: بدلتُ الشيءَ، أي: غيرّتَهُ، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ (٤) عَلَى أنَّ هاهنا مَا يجبُ التنبهُ له، وَهُوَ أنَّ الشيء يكون مأخوذًا بالقياسِ والإضافةِ إِلَى شيءٍ، متروكًا بالقياسِ والإضافةِ إِلَى آخرَ، كما إذا أعطى شخصٌ شخصًا شيئًا، وأخذَ بدلَهُ مِنْهُ، فالشيءُ الأولُ مأخوذٌ للشخصِ / ١٦٣ أ / الثاني، ومتروكٌ للأولِ، والمقابلُ بالعكسِ، فيصحُّ أنْ يعبّر بالتبدّلِ والتبديلِ، ويعتبرَ فِي كلٍّ منهما مَا يناسبهُ، ولإشكالِ المقامِ قَصَدنا إِلَى بعضِ الإطنابِ. انتهى.
فلو قَالَ: «بعمرو وعبد الله» غير مصروفٍ لاستقامَ وزنًا ومعنى.
قوله (٥): (قَالَ ابْن عَبْد البر: وَهُوَ عندهم خطأ) (٦) يعني: زيادةَ ذكرِ «رسولِ الله - ﷺ -» وإنما الصوابُ المحفوظ: «وراءَ أَبِي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ».
_________________
(١) سبأ: ١٦.
(٢) في (ف): «ومعناه».
(٣) في (ب): «زال».
(٤) البقرة: ١٨١.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١.
[ ١ / ٥١١ ]
قوله: (وحديثُ أنسٍ قَدْ أعلهُ الشّافعيُّ) (١) يعني: هَذَا الَّذِي فيهِ التصريحُ بنفيِ البسملةِ.
قوله: (فإنْ قَالَ قائلٌ) (٢) هَذِهِ كيفيةُ التعبير بالسؤالِ الَّذِي أوردهُ الشافعيُّ، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بقوله: «قيل لَهُ».
وقوله: (فذكرهُ) (٣) أي: الحديثَ الَّذِي رواهُ الوليدُ، عن مالكٍ، ذَكرَهُ الشافعيُّ، واختصرَهُ الشيخُ هنا لذكرهِ لَهُ قَبْلُ. والفزاريُّ: هُوَ مروانُ بنُ معاويةَ، والثقفيُّ: هُوَ عبدُ الوهابِ بن عَبْدِ المجيدِ.
قوله: (مؤتفقين) (٤) يعني: فِي روايتِهم لهُ عنْ حُميدٍ، وهذهِ لغةُ الشافعيِّ (٥) - ﵀ - فِي مثلِ هَذِهِ اللفظةِ من كلِّ معتلٍ الفاء أتى بصيغةِ «مُفتعِلٍ» أنْ يفكَّ الإدغامَ، ويعوضَ من فاءِ الكلمةِ الَّتِيْ هِيَ التاءُ الأولى همزةً، ردًا إِلَى الأصلِ، فإنَّ المصدرَ: «الوفاقُ»، وكذا متصل، يَقُول فِيهِ: مؤتصل، إذ مصدرهُ «الوصلُ» والواو قَدْ يبدلونها همزةً، مثل: «وُقّتَتْ»، هُوَ من الوقتِ، وقُرِىءَ: «أُقتتْ» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١.
(٥) انظر: الرسالة مع تعليقات أحمد شاكر فقرة ٣١ و٢١١ و٢١٣ و٢٣٨ و٤٦٤، ونكت الحافظ ابن حجر ١/ ٥١٠ وبتحقيقي: ٢٩١.
(٦) الآية من سورة المرسلات: ١١، وهي في المصحف: «أقتت»، وقرأ أبو عمرو وحده: «وقتت»، قال الثعالبي: «الواو هي الأصل؛ لأنها من الوقت». تفسير الثعالبي ٥/ ٥٣٧، وأحال المحقق فقال: «ينظر: "السبعة" (٦٦٦)، و"الحجة" ٦/ ٣٦٤، و"إعراب القراءات" ٢/ ٤٢٨، و"معاني القراءات" ٣/ ١١٢، و"شرح الطيبة" ٦/ ٩٢، و"العنوان" (٢٠٢)، و"حجة القراءات" (٧٤٢)، و"شرح شعلة" (٦١٧)، و"إتحاف" ٢/ ٥٨٠.
[ ١ / ٥١٢ ]
قُلتُ: قوله: (هَذَا هُوَ المحفوظُ) (١) أي: مَا أَوَّلَهُ بهِ الشافعيُّ هُوَ الروايةُ المحفوظةُ، كما سيأتي عندَ الدارقطنيِّ.
قوله: (وكذلكَ / ١٦٤ أ / رواهُ أكثرُ أصحابِ قتادةَ) (٢) يعني: مقتصرينَ عَلَى قوله: «يفتتحونَ القراءةَ بالحمد للهِ ربِ العالمينَ»، ولم يذكروا ما بعدَهُ، فغَلبَ عَلَى الظنِّ أنَّ منْ زادَ تلكَ الزياداتِ (٣)، إنما زادها لفهمِه أنَّ المرادَ الافتتاحُ بهَذَا اللفظِ دونَ البسملةِ، كما سيأتي.
قوله: (وهكذا رواه إسحاق بن عَبد الله بن أَبِي طلحة) (٤) أي: فظهرَ أنَّ قَوْلَ مسلمٍ منْ طريقه: «أَنَّهُ سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يذكرُ ذَلِكَ» (٥)، إنما المرادُ مِنْهُ أصلُ الحديثِ، لا اللفظُ السابقُ. قَالَ الشيخُ فِي " النكت عَلَى ابْن الصلاح " (٦): «وعلى هَذَا فما فعلهُ مسلمٌ هنا ليسَ بجيدٍ؛ لأنهُ أحالَ بحديثٍ عَلَى آخرَ، وَهُوَ مخالفٌ لَهُ بلفظ: «يذكرُ ذَلِكَ»، لَمْ يقلْ: «نحو ذَلِكَ» ولا غيرهُ»، انتهى. وسيأتي فِي آخر شرح هَذِهِ المقولةِ سياقُ ابْنِ عَبْد البرّ لها.
قولهُ: (قال ابن عبد البر: فهؤلاء) (٧) قَالَ فِي " النكت ": «إنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي كِتَاب " الإنصاف " (٨) فِي البسملةِ، واللهُ أعلم» (٩).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٢.
(٣) في (ف): «الزيادة».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٢.
(٥) انظر: صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٢).
(٦) التقييد والإيضاح: ١٢١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٣.
(٨) الإنصاف: ١٧٤.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٢١.
[ ١ / ٥١٣ ]
قوله: (وهذا اضطرابٌ لا تقومُ مَعَهُ حجةٌ) (١) لَيْسَ كذلكَ؛ فإنَّ الاضطرابَ الَّذِي لا تقومُ مَعَهُ حجة شرطُهُ عدمُ إمكانِ الجمعِ، وتساوي الطرقِ قوةً وضعفًا (٢)، وهذا ليس كذلك، فإنَّ أصحَّ مَا فيهِ روايةُ: «يفتتحونَ القراءةَ بالحمد لله ربّ العالمين»، ويليهِ: «كانوا لا يجهرونَ ببسم الله الرحمن الرحيم»، ويليه: «كانوا لا يذكرونَ بسم الله الرحمن الرحيم فِي أول قراءةٍ، ولا آخرها» مَعَ أنَّ الجمعَ ممكنٌ، بحمل نفي قراءةِ البسملةِ عَلَى نفيِ الجهرِ بها، وكذا القراءةُ بالحمد لله رب العالمين، أي: / ١٦٤ ب / الفاتحة، وإنْ أريدَ اللفظُ حملَ عَلَى الجهرِ. وأمّا: «فكانوا يجهرونَ ببسمِ الله الرحمن الرحيم» فضعيفٌ. وأمّا: «كانوا يسرّونَ ببسم الله الرحمن الرحيم» فقدْ رواها ابْنُ خزيمةَ (٣)، وفِي سندهِ راوٍ ضَعِيفٌ (٤)، فلا يسمَّى الصحيحُ الَّذِي هُوَ فِي أعلى الدرجاتِ مضطربًا بما لا يقاويه (٥).
قوله: (إذ ظنَّ راوٍ ) (٦) إِلَى آخرهِ، أي: الَّذِي قالَ: «يستفتحونَ بالحمد للهِ ربِ العالمين»، ظنَّ أنَّ المرادَ منْ هَذَا انتفاء البسملةِ، يعني: أنهم يفتتحونَ بهَذَا اللفظِ فزادَ فِيهِ (٧): «لا يذكرونَ «بسمِ الله الرحمن الرحيم» فِي أولِ قراءةٍ، ولا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٤.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٧٥٢ وبتحقيقي: ٥٢٠.
(٣) مختصر المختصر (٤٩٨).
(٤) هو سويد بن عبد العزيز. انظر: التقريب (٢٦٩٢). زيادة على أن فيه الحسن البصري وقد عنعن.
(٥) هكذا في (أ) و(ب) و(ف)، وقال صاحب القاموس المحيط مادة (قوي): «وقاويته فقويته: غلبته».
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٠٢).
(٧) في (ب): «فيها».
[ ١ / ٥١٤ ]
آخرِها»، قَالَ ابنُ الصلاحِ: «فعلل (١) قومٌ (٢) رِوَايَةَ اللفظِ المذكورِ- يعني: فيما انفردَ بِهِ مسلمٌ. بنفيِ البسملةِ (٣) - لما رأوا الأكثرينَ إنما قالوا فِيهِ
: «فكانوا يستفتحونَ القراءةَ بالحمد لله رب العالمين» منْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسملةِ، وَهُوَ الَّذِي اتفقَ البخاريُّ (٤) ومُسلمٌ (٥) عَلَى إخراجهِ فِي الصحيحِ،
ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللفظِ المذكورِ رواهُ بالمعنَى الَّذِي وقعَ لهُ (٦)، ففَهِمَ منْ قولهِ: «كانوا: يستفتحونَ بالحمد » أنهمَّ كانوا لا يبسملونَ، فرواهُ عَلَى مَا
فَهِم وأخطأَ؛ لأنَّ معناهُ: أنَّ السورةَ التي كانوا يفتتحونَ بِهَا من السورِ هِيَ الفاتحةُ، وليسَ فِيهِ تعرّض لذكرِ التسميةِ، وانضمَّ إِلَى ذَلِكَ أمورٌ، مِنْهَا: أَنَّهُ ثبتَ عنْ أنس أَنَّهُ سُئِلَ عنِ الافتتتاحِ بالتسميةِ، فَذَكرَ أَنَّهُ لا يحفظُ فيهُ شيئًا عن رسولِ اللهِ - ﷺ - (٧).
قولُ / ١٦٥ أ / أنسٍ: «إنكَ لتسألُني عنْ شيءٍ مَا أحفظُهُ، وما سألَني عنهُ أحدٌ قبلَكَ» يحتملُ أنْ يكونَ المعنى مَا سألني عنْ مجموعِ هذهِ المسألةِ، ويحتملُ أن يكونَ سُئِلَ ونَسِيَ، ويحتملُ أنْ يكونَ كانَ ناسيًا، ثُمَّ تذكّرَ.
_________________
(١) في (ب): «فعل»، خطأ.
(٢) أراد به الدارقطني. انظر: سننه ١/ ٣١٦، ونكت ابن حجر ٢/ ٧٦٦ وبتحقيقي: ٥٣٢.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٠) و(٥٢).
(٤) صحيح البخاري ١/ ١٨٩ (٧٤٣).
(٥) صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) كلاهما: (البخاري ومسلم) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس، به.
(٦) في (ب): «لهم».
(٧) رواه الإمام أحمد في "المسند" ٣/ ١٦٦، وابن خزيمة (١٠١٠) إلا أنه اختصره، وحذف منه موطن الشاهد، بدلالة رواية الدارقطني فِي "السنن" ١/ ٣١٦، قال الدارقطني: «هَذَا إسناد صحيح»، وقال الهيثمي ٢/ ١٠٨: «رجاله ثقات».
[ ١ / ٥١٥ ]
قولُ البيهقيِّ: «فِي هَذَا دلالةٌ عَلَى أنَّ مقصودَ أنسٍ مَا ذَكَرهُ الشافعيُّ» (١)، يعني: أنَّ هَذَا السؤالَ لهُ شقّانِ:
أحدهما: السؤالُ عنِ الافتتاحِ بالبسملةِ.
والثاني: الافتتاحُ بأمِّ القرآنِ، وَهُوَ المرادُ بقولهِ: «الحمد لله رب العالمين» فنفيهُ إنما يتسلطُ عَلَى الشقِّ الأولِ، لأنَّ الافتتاحَ بأمِّ القرآنِ قَدْ أثبتَهُ فِي غيرِ هذهِ الروايةِ. هكذا فهمتُ منْ تقديرِ شيخِنا. والذي يظهر لِي أنَّ هَذَا لا يدلُّ عَلَى مَا قالَ الشافعيُّ؛ لأنهُ لا يخلو إمّا أنْ تكونَ البسملةُ من الفاتحةِ، فيكونَ الابتداءُ بِهَا، أو لا تكونُ مِنْهَا، فيكون الابتداءُ، بقوله: «الحمد لله رب العالمينَ». فلا يصحُّ نفيُّ السؤالِ عنِ البسملةِ، وإثباتهُ لأمِّ القرآنِ؛ لأنَّ ذلكَ يؤدي إِلَى أنْ يكونَ جزءُ الشيء قسيمًا لهُ.
قولُ أَبِي شامةَ: «قَالَ: نحنُ سألناهُ عنهُ» (٢) تلبيسٌ، فإنَّهُ يُفهِمُ أنَّ سؤالَ قتادةَ عنِ الاستفتاحِ بأيّ سورةٍ، وإنما سؤالهُ عنِ الجهر؛ فإنَّ مسلمًا (٣) قالَ: حَدَّثَنَا ابنُ المثنى وابنُ بشارٍ، كلاهما عنْ غندرٍ (٤)، حَدَّثَنَا شعبةُ، سمعتُ قتادةَ يحدّثُ، عنْ أنسٍ قَالَ: «صلّيتُ مَعَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ - ﵃ - فَلَمْ أسمع أحدًا منهم يقرأُ: بسم الله الرحمن الرحيم» حَدَّثَنَا / ١٦٥ب/ محمدُ ابنُ المثنى، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو داود، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبةُ في هَذَا الإسنادِ، وزادَ: قَالَ شعبةُ فقلتُ لقتادةَ: أسمعتَهُ منْ أنسٍ؟ قَالَ: «نحنُ سألناهُ عَنْهُ». قَالَ شيخُنا: «فهذا
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٤.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٠) و(٥١).
(٤) في صحيح مسلم بعد ذلك: «قال ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ».
[ ١ / ٥١٦ ]
صريحٌ فِي أنَّ السؤالَ كَانَ عنْ عدمِ سماعِ القراءةِ، لا عَن الاستفتاحِ بأيِّ سورةٍ».
قلتُ: قولُهُ: (غير سؤالِ أَبِي مسلمةَ) (١) أفادَ بعضُ أصحابِنا: أنَّ شيخَنا نقلَ عنْ جزءٍ للخطيبِ فِي الجهرِ بالبسملةِ: أنَّ قتادةَ سألهُ، كما سألهُ أبو مسلمةَ، فأجابهُ: «بالحمد لله رب العالمين».
قولُهُ: (ففيه نظرٌ) (٢) قَالَ المصنفُ فِي " النكت " (٣) مَا حاصلُه: «إنَّهُ إنْ كَانَ مرادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ صحيحًا فليسَ كذلكَ، وإنْ كانَ مرادُهُ أَنَّهُ ليسَ فِي واحدٍ من صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ فلا يلزمُ من (٤) ذَلِكَ كونهُ غيرَ صحيحٍ، وإنْ كَانَ مرادُهُ أَنَّهُ وإنْ كَانَ صحيحًا لا يكونُ فِيهِ قوةُ المعارضةِ لما فِي أحدِهما؛ لأنَّهُ يرجّحُ عِنْدَ التعارضِ بالأصحيةِ. فالجوابُ من وجهينِ: أحدهما: إنَّ هَذَا إذا لَمْ يمكنِ الجمعُ، وقدْ تقدّمَ الجمعُ بأنَّ المرادَ بحديثِ "الصحيحينِ" الابتداءُ بالفاتحةِ لا نفي البسملةِ.
والثاني: أنهُ إنما يرجّحُ مَا فِي أحدِهما حيثُ كَانَ مِمَّا لَمْ يضعفْهُ الأئمةُ، فأمّا ماضعَّفوهُ - كهذا الحديثِ - فلا».
قولُهُ: (والبيهقيُّ لا يقولونَ بصحةِ حديثِ أنسٍ) (٥) زادَ المصنفُ فِي "تخريجهِ لأحاديثِ الإحياء"، فَقَالَ: «وابن عَبْد البرّ»، ولعلهُ أخذهُ مِمَّا تقدّمَ فِي قوله: «وقد اعترضَ ابْن عَبْد البر»، وكذا قولُهُ: «وهذا اضطرابٌ ..» إِلَى آخرهِ. والله أعلمُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٢٤.
(٤) لم ترد فِي (ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥.
[ ١ / ٥١٧ ]
قولُهُ: (وفيه دلالةٌ عَلَى الجهرِ مطلقًا ..) (١) إِلَى آخرهِ، ليسَ كذلكَ، فإنهُ يحتملُ أنْ يكونَ فهمَ منهُ قرينةً تدلُ عَلَى أنَّ سؤالَهُ عنْ بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ، ولا يدلُّ عَلَى إثباتِ «بسم / ١٦٦ أ / الله الرحمن الرحيم» فإنهُ إنما سألهُ عَن الكيفيةِ، فذكرَ لهُ كلامًا، لَوْ قرأَهُ النبيُّ - ﷺ - لقرأَهُ كذلك، ولم يسأْلهُ عَن المقروءِ مَا هُوَ.
وقولُ أَبِي شامةَ: «ولنا أنْ نقولَ: الظاهرُ أنَّ السؤالَ لَمْ يكنْ إلا عنْ قراءتهِ فِي الصلاةِ، حَتَّى قَالَ: نحنُ سألناهُ عَنْهُ». ليس كذلكَ؛ فإنَّ قتادةَ إنما قَالَ: نحن سألناهُ عنهُ، فِي الروايةِ الَّتِيْ فيها نفيُ الجهرِ، كما تقدّمَ.
قولُهُ: (والخلافُ فِي الكتابةِ معروفٌ كما سيأتي) (٢) وسيأتي أنَّ الصحيحَ العملُ بِهَا، غيرَ أنها لا تكونُ كالتحديثِ، فيقدّمُ عَلَيْهَا عندَ التعارضِ، لكنَّ هَذَا إذا كانَ الكاتبُ هُوَ الرَّاوي، وأمّا هنا فالأمرُ عَلَى غيرِ ذلكَ، فإنْ قتادةَ وُلِدَ أكمهَ، فمن الأمر المحققِ أَنَّهُ لمْ يكتبِ الكتابَ، إنما كتبهُ غيرُهُ، ولم يعرفْ ذلكَ الغيرَ مَنْ هُوَ.
قَالَ شيخُنا: «ولا ينبغي أنْ يعرجَ فِي إعلالِ هَذَا الحَدِيْث، عَلَى سوى هذهِ العلةِ، فإنَّ أمرَها راجعٌ (٣) إِلَى أنَّ فِي السندِ مجهولًا، وكأنَّ الأوزاعيَّ، قَالَ: كتبَ إليَّ كاتبٌ عَن قتادةَ » إِلَى آخرهِ. وأمّا أمرُ البسملةِ فِي إثباتها فِي الصلاةِ أولَ الفاتحة ونفيِها، فالذي تعيّنَ (٤) - كما حرّرهُ شيخُنا -: أن يقالَ بهِ ولا يلتفتُ إِلَى سواهُ: أنْ ينظرَ إليها نَظرَ (٥) الفقهاءِ والقراءِ، وَهُوَ أنَّ الشافعيَّ إنما أثبتَها؛ لأنهُ صرّحَ أنَّ قراءتَهُ قراءةُ عَبْدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، وهي ثابتةٌ فِي روايتهِ قرآنًا متواترًا، مَنْ جَحَدَها من
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٦.
(٣) في (ف): «رجع».
(٤) في (ف): «يتعين».
(٥) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٥١٨ ]
روايتهِ بعد علمهِ بتواترِها كَفَرَ، كما لَوْ جحدَ مثلًا كلمة «مِنْ» فِي قولهِ تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فِي سورةِ براءةَ (١)، ونحو ذَلِكَ، وإنما نفاها مالكٌ -- مثلًا-؛ لأنّ قراءتَهُ قراءةُ المدنيينَ، ولم تثبتْ فِي روايتِهم. فالذي يتحرّرُ أنَّ الشخصَ - شافعيًا كانَ، أو غيرَهُ- إذا قرأَ فِي صلاةٍ أو غيرها بروايةِ مَنْ يَرى البسملةَ / ١٦٦ ب / آيةً وأَسقطَها، فَقَدْ أساءَ لمخالفتهِ للروايةِ، وإنْ قرأَ لغيرهِ وأسقطَها، فهوَ محسنٌ. وهذا واضحٌ لا غبارَ عَلِيهِ، وَهُوَ موافقٌ لما قالَ شيخُنا، إمامُ أهلِ القراءاتِ فِي عصرهِ شمسُ الدينِ أبو الخيرِ مُحَمَّدُ بنُ الجزرِيِّ فِي كتابهِ
" النشرِ " الَّذِي تلقّتهُ الأمةُ بالقبولِ وأقرّ لهُ الفحولُ أَنَّهُ لَمْ تسمعِ (٢) الأعصارُ بمثلهِ، بعدَ أنْ حَكَى الأقوالَ فِي أنها آيةٌ من الفاتحةِ أو غيرها، أو ليست بآيةٍ فإنهُ قَالَ (٣): «وهذه الأقوالُ ترجعُ إِلَى النفي والإثباتِ، والذي نعتقدُهُ أنَّ كليهما صحيحٌ، وأنَّ ذَلِكَ حقٌّ؛ فيكونُ الاختلافُ فيهما كاختلافِ القراءاتِ». قَالَ السخاويُّ (٤): «واتفقَ القرّاءُ عَلَيْهَا فِي أولِ الفاتحةِ، فابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، والكسائيُّ، يعتقدونها آيةً منها ومنْ كلِّ سورةٍ، ووافقهم حَمْزَةُ عَلَى الفاتحة خاصةً، وأبو عَمْرٍو، وقالونُ، ومَنْ تابعَهُ من قرّاءِ المدينةِ لا يعتقدونَها آيةً من الفاتحةِ». انتهى.
ويحتاج إِلَى تعقّبٍ، فلو قَالَ: «يعتقدونها من القرآنِ أول سورةٍ» ليعمَّ كونها
_________________
(١) وهي جزء من الآيتين ٧٢، و٨٩ من سورة التوبة.
(٢) في (ف): «تسمح».
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري السخاوي الشافعي، نزيل دمشق، وشيخ القراء والأدباء، له مؤلفات منها: جمال القراء، ومنير الدياجي في الآداب، توفي سنة (٦٤٣ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٢، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
[ ١ / ٥١٩ ]
آيةً مِنْهَا أو فيها، أو بعضَ آيةٍ، لكانَ أسدَّ؛ لأنّا لا نعلمُ أحدًا منهم عدَّها آيةً منْ سورةٍ سوى الفاتحة نصًا.
وقولُهُ: «إنَّ قالونَ ومَنْ تابعهُ منْ قرّاءِ المدينةِ لا يعتقدُونَها آيةً من الفاتحةِ». فِيهِ نظرٌ، إذْ قَدْ صحَّ نصًا، أنَّ إسحاقَ (١) بنَ مُحَمَّدٍ المسيبيَّ، أوثقُ أصْحَابِ نافعٍ وأجلُّهم، قَالَ: سألتُ نافعًا عنْ قراءةِ «بسم الله الرحمن الرحيم» فأمرني بِهَا، وَقَالَ: «أشهدُ أنها من السبعِ المثاني، وأنَّ اللهَ أنزلها» رَوَى ذَلِكَ الحافظُ أبو عَمْرِو الدانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، وكذلك / ١٦٧ أ / أبو بَكْر بنُ مجاهدٍ، عنْ شيخهِ موسى بنِ إِسْحَاقَ القاضي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ المسيبيِّ، عنْ أبيهِ، ورويا أيضًا عَن ابن المسيبيِّ، قَالَ: «كنا نقرأُ بسم الله الرحمن الرحيم أول فاتحةِ الكتابِ، وفي أولِ سورةِ البقرةِ، وبينَ السورتينِ فِي العرضِ والصلاةِ (٢»)، هَذَا كانَ مذهبَ القرّاءِ بالمدينةِ. قَالَ (٣): «وفقهاءُ المدينةِ لا يفعلونَ ذَلِكَ».
قُلتُ: حَكَى أبو الْقَاسِمِ الهذليُّ، عنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ سألَ نافعًا عَن البسملةِ، فقالَ: «السُنّةُ الجهرُ بِهَا» فسلمَ إليه، وَقَالَ: «كلُ عِلمٍ يُسألُ عنهُ أهلُهُ» (٤) انتهى. فإنْ كَانَ ماذَكرَهُ شيخُنا عنْ قالونَ صحيحًا؛ فَقَد اضطربَ النقلُ عنْ نافعٍ. والظاهرُ أنَّ أولَ من حرّرَ هذهِ المسألةَ، أبو محمدِ بنُ حزمٍ فِي كتابه "المحلى" (٥) فَقَالَ فِي كِتَاب الصلاةِ: «مَن كانَ يقرأُ بروايةِ مَنْ عَدَّ من القرّاءِ البسملةَ آيةً مِنْ أمّ القرآنِ، لمْ تجزئهُ الصلاةُ إلا بالبسملةِ، وهم: عاصمٌ، وحمزةُ،
_________________
(١) في (ب): «إبراهيم».
(٢) في (ف): «وللصلاة».
(٣) أي: ابن المسيبي.
(٤) انظر: النشر في القراءات العشر ١/ ٢٦٩.
(٥) المحلى ٣/ ٢٥١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
والكسائيُّ، وابنُ كثيرٍ، وغيرُهم من الصحابةِ والتابعينَ، ومَنْ كَانَ يقرأُ بروايةِ مَنْ لا يعدُّها آيةً مِنْ أمِّ القرآنِ، فهو مُخيرٌ بَيْنَ أنْ يبسملَ، وبين أنْ لا يبسملَ، وهم: ابنُ عامرٍ، وأبو عَمْرٍو، ويعقوبُ، وفي بعضِ الرواياتِ عَن نافعٍ» انتهى (١).
قولُهُ: (مدلس كما تقدمَ) (٢) أي: فِي فنِّ التدليسِ. وأفادَ شيخُنا أنَّ روايةَ الوليدِ هذهِ فِي " جزءِ القراءةِ خلفَ الإمامِ " (٣) للبخاري، وفيها التصريحُ بالتحديثِ، لكنْ قَالَ الشيخُ فِي " النكت " (٤): «وإنْ كانَ قَدْ صرّحَ بسماعهِ من الأوزاعيّ، فإنهُ يدلّسُ تدليسَ التسويةِ، أي: يسقط [شيخَ] (٥) شيخهِ الضعيفَ كما تقدّمَ نقُلهُ عَنْهُ».
قولُهُ: (وكثرَ التعليلُ بالإرسالِ) (٦) تقدّمَ مَا فِي قولهِ: «التعليلُ» فلوْ / ١٦٧ ب / قال (٧): «الإعلالُ» لكانَ أولى، والإرسالُ مرادُهُ بِهِ هنا «المرسلُ»، وكذا الوصلُ مرادهُ بِهِ «الموصولُ» أي: وكثر إعلالُ الموصولِ بالمرسلِ.
قولُهُ: (ونوع جرح) (٨) أي: ويعلّونَهُ بأي نوعٍ كانَ منْ أنواعِ الجرحِ، لا يقالُ: لَوْ قَالَ: «كلُ جرح» كَانَ أحسنَ؛ لأنهُ لَوْ قَالَ كذلكَ؛ لفُهِم منهُ أَنَّهُ لا يحكمُ بالعلةِ فِي حَدِيْثٍ، إلاّ إن اجتمعَ فِيهِ كلُّ جرحٍ.
_________________
(١) لم ترد فِي (ب).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٧.
(٣) جزء القراءة (١٣٠).
(٤) التقييد والإيضاح: ١٢١.
(٥) ما بين المعكوفتين لم يرد في جميع النسخ وهو من التقييد.
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٠٤).
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي فِي النظم».
(٨) التبصرة والتذكرة (٢٠٥).
[ ١ / ٥٢١ ]
قولُهُ: (وكثيرًا مَا يعللونَ) (١) تقدّمَ أنَّ صوابَهُ: «يعلّونَ»، منْ أعلّ.
قولُهُ: (ولهذا) (٢) أي: لمعرفة العللِ جليِّها وخفيِّها. (اشتملتْ كتبُ عللِ الحديثِ)، أي: فإنهم إذا جمعوا طرقَ الحَدِيْثِ تبينتْ عللُهُ.
قولُهُ: (وقد يعلّونَ الحَدِيْثَ بأنواع الجرح) (٣) أي: من الأشياءِ الَّتِيْ ليستْ بخفيةٍ، وذلكَ مِنْ قائلهِ إما تجوّزًا عنِ الاصطلاحِ، ونظرًا إِلَى معناها اللغويِّ فَقَطْ، وإمّا أنْ يكونَ قالهَ قَبْلَ تقرّرِ الاصطلاحِ (٤).
قُلتُ: قولُهُ: (وأرسلهُ غيره) (٥) أي: بشرط أنْ يكونَ مثلَهُ فِي الثقةِ، ولا مرجحَ، أو دونهُ، وأمّا إذا كَانَ فوقَهُ فإنهُ يكونُ الحكمُ لَهُ فيقدحُ، والله أعلمُ.
قولُهُ: (صحيحٍ متفقٍ عليهِ) (٦) ليسَ مرادُهُ بالمتفقِ عليهِ المخرجَ فِي "الصحيحينِ"، إنما مرادُهُ الَّذِي اتفق عَلَى وصفِ راويهِ بالثقةِ أهلُ الحديثِ، ولم يذكرْ أحدٌ لَهُ علةً.
قولُهُ: (وصحيح معلول) (٧) أي: كأنْ يظهر أنَّ فِيهِ علّةً، فيتبينُ بعدَ ذلكَ بالفحصِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ علةٌ، كحديثِ أَبِي هريرةَ الآتي، فيسميه معلولًا باعتبارِ مَا كانَ عَليهِ، وصحيحًا باعتبارِ ما آلَ بهِ النظرُ إليه (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٨.
(٤) إن إطلاق العلة على الأمر الخفي القادح: قيد أغلبي؛ لأنا وجدنا كثيرًا من الأقوال عند العلماء الجهابذة الفهماء أطلق لفظ العلة على غير الخفي. ولمزيد من الفائدة انظر تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٨) جاء في حاشية (أ): «بلغ صاحبه الفاضل شهاب الدين أحمد الحمصي أدام الله النفع به قراءة في البحث وسمع الجماعة كتبه جامعه إبراهيم البقاعي».
[ ١ / ٥٢٢ ]
قولُهُ: (وصحيح مختلف فِيهِ) (١) أي: بعضهم يَقُولُ: إنَّ راويَهُ ثقةٌ، وبعضُهم يَقُولُ: إنهُ لَيْسَ بثقةٍ، فاختلفوا / ١٦٨ أ / فِي علّتهِ، فمنهم مَنْ أثبتَها، ومنهم مَن نفاها.
قولُهُ: (ثُمَّ مثل الصحيحَ المعلَّ ) (٢) إلى آخرهِ، هَذَا عكسُ المعلولِ سواءً، فإنَّ المعلولَ (٣) مَا كانَ ظاهرُهُ السلامةُ، فاطّلعَ فِيهِ بعدَ الفحصِ عَلَى عوارٍ، وهذا لما اتفق أصْحَابُ مالكٍ عَلَى روايتهِ معضلًا، كَانَ ظاهرُهُ الإعلالُ، فلما فتشَ؛ وُجِدتِ الطريقُ الموصلةُ، فتبيّنَ بِهَا صحتهُ.
قُلتُ: قولُهُ: (فقدْ صار الحديثُ بتبين الإسناد صحيحًا) (٤) أي: بالاتفاقِ، وإلا فهو قَدْ كَانَ صحيحًا عِنْدَ مَن يحتجُ بالمنقطع، ومنهم مالكٌ، واللهُ أعلم.
قولُهُ: (وكانَ مالكٌ يرسلُ أحاديث) (٥) إنما كَانَ (٦) يفعلُ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرسلَ ونحوَهُ عندَهُ حجةٌ (٧)، فسواءٌ عندَهُ روايتهُ موصولًا، وغير موصولٍ.
قولُهُ: (كما قالَ بعضهم: من الصحيح مَا هُوَ صحيحٌ شاذٌ) (٨) قائلُ ذَلِكَ هُوَ الخليليُّ أيضًا (٩)، فلو أسقطَ كلمةَ «بعضهم» (١٠) من البيتينِ لانتظمَ
الكلامُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٣) عبارة: «سواء فإن المعلول» لم ترد في (ف).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٦) لم ترد فِي (ب).
(٧) زاد بعدها في (ف): «فسواء عنده حجة».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٩.
(٩) انظر: الإرشاد للخليلي ١/ ١٥٧.
(١٠) بعد هذا في (أ) و(ف): «وما يدل عليها».
[ ١ / ٥٢٣ ]
قُلتُ: وكأن يقولَ فِي البيت:
يقولُ معلولٌ صحيحٌ مثل مَا قَالَ: صحيح بشذوذٍ وُسما
قولُهُ: (لأنَّ فِي الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً) (١) مرادهُ صحيحُ البخاريِّ ومسلمٍ، واللهُ أعلمُ.
المضطرب (٢)
قولُهُ:
٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا مُخْتَلِفًا مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ (٣) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ
٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا
٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْفِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٠.
(٢) انظر في المضطرب: معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٢، والإرشاد ١/ ٢٤٩ - ٢٥٣، والتقريب: ٧٧ - ٧٨، والاقتراح: ٢٢٢، ورسوم التحديث: ٨٥، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٢١ وبتحقيقي: ١٥١، والمقنع: ١/ ٢٢١، والشذا الفياح ١/ ٢١٢، ومحاسن الاصطلاح: ١٠٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٠، وتنقيح الأنظار: ١٦٥، ونزهة النظر: ٧٦، والمختصر: ١٠٤، وفتح المغيث ١/ ٢٢١، وألفية السيوطي: ٦٧ - ٦٨، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٠٥، وفتح الباقي ١/ ٢٧١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٤، وظفر الأماني: ٣٩٢، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٨١، واليواقيت والدرر ٢/ ٩٥، وقواعد التحديث: ١٣٢، ولمحات في أصول الحديث: ٢٤٤، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٢٥١.
(٣) باعتبار همزة (أو) همزة وصل ضرورةً؛ ليستقيم الوزن.
[ ١ / ٥٢٤ ]
قولُهُ: (كالخطِّ للسترةِ) (١) راجعٌ إِلَى أصلِ المسألةِ، فهوَ مثالٌ للمضطربِ لا للراجحِ فِي قولهِ: (والحكم للراجح) (٢).
قُلتُ (٣): قولهُ: (جمُّ الخلف) (٤) أي: كثيرُ الاختلافِ، أي: كَثُرَ اختلافُ العلماءِ فِي روايتهِ، فإنَّ «الجَمَّ» - بفتحِ الجيمِ، وتشديدِ الميمِ - الكثيرُِ، وأمّا: تنْزيلُ «الخُلفِ» - بضمِ الخاءِ - عَلَى الاختلافِ عَلَى قواعدِ اللغةِ فعَسِرٌ، وقد سهلهُ اللهُ لِي / ١٦٨ ب / فله الحمدُ. قَالَ الزبيديُّ فِي "مختصرِ العينِ": «والخُلفُ - أي: بالضم - إخلافُ الوعدِ» (٥) انتهى.
وإخلافُ الوعدِ: هُوَ أنْ لا يقعَ الوفاءُ بِهِ - كما سيأتي - ومنْ لازمه أنْ يفعلَ مَا يخالفهُ. وقالَ ابنُ فارسٍ فِي "المجملِ" (٦): «وفي خُلُقِ فلانٍ خُلْفَة (٧) (٨) -يعني: بكسرٍ، ثُمَّ فتحٍ، ثُمَّ سكونٍ- أي: خِلافٌ، من الخُلفِ فِي الوَعدِ» قَالَ: «والقومُ خِلفَهٌ - أي: بالكسرِ - مُختَلِفونَ». وَقَالَ ابنُ القطاعِ فِي " الأفعالِ" (٩): «وخَلَفَ الرجلُ عَن خُلُقِ أبيهِ خلوفًا، وخلافةً: تغيّر». وَقَالَ أبو إبراهيمَ الفارابي فِي "ديوانِ الأدبِ" (١٠) فِي بَابِ الأفعالِ: «وأخلفَهُ: مَا وعدَهُ، وَهُوَ أنْ يقولَ شيئًا، ولا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢١٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٢١١).
(٣) لم ترد في (ب)، والصواب إثباتها، وقد ختم البقاعي المسألة بقوله: «والله أعلم».
(٤) التبصرة والتذكرة (٢١٢).
(٥) انظر: القاموس المحيط مادة (خلف).
(٦) مجمل اللغة لابن فارس مادة (خلف).
(٧) في (ف): «خلَفْنَةً».
(٨) في مجمل اللغة: «خُلْفَة» بضم ثم سكون ثم فتح.
(٩) الأفعال ١/ ٢٨٠.
(١٠) ٢/ ٣١٤.
[ ١ / ٥٢٥ ]
يفعلَهُ عَلَى الاستقبالِ، وأخلَفَهُ: أي: وافقَ موعَدَهُ، وهذا الحرفُ من الأضدادِ»، وَقَالَ فِي بَاب المفاعلةِ: «خالفهُ نقيضُ وافقهُ» (١)، وقالَ فِي آخرِ الباب: «ومصدر هَذَا الباب عَلَى مُفاعلةٍ وفِعالٍ» (٢). فتبيّنَ منْ هَذَا أنَّ الخلفَ، والمخالفةَ، والخلافَ، يرجعُ إِلَى معنى واحدٍ، وذلكَ منْ قولِ ابنِ فارسٍ فِي الخلفِ: «أنَّ الخلافَ من الخلف فِي الوعدِ»، ومنْ قولِ الفارابي: «أنَّ المخالفةَ والخلافَ واحدٌ»، فصارَ الخلفُ، والمخالفةُ، والخلافُ واحدًا، وكأنهُ اسمٌ لذلك، كما أنهُ اسمٌ للإخلاف.
قَالَ فِي "القاموسِ" (٣): «والخُلْفُ - بالضمِ - الاسمُ منَ الإخلافِ، وَهُوَ فِي المستقبلِ كالكذبِ فِي الماضي، أو هُوَ أنْ يعدَّ عدةً ولا ينجزها» انتهى. وأيضًا: فكأنَّ العالمَ إذا قَالَ قولًا، فكأنهُ قَدْ عهدهُ إِلَى الناسِ، وتقدّم إليهم فِيهِ، فمنْ لَمْ يوافقهُ عَليهِ فقدْ أخلفَ / ١٦٩ ب/ مَا عهدهُ إليهِ، فمنْ هنا يرجعُ الاختلافُ في الأقوال إِلَى الخلفِ الَّذِي هُوَ اسمٌ لإخلافِ الوعد، ثمَّ إنَّ المادةَ عَلَى طولها تدورُ عَلَى «خَلْف» الَّذِي هُوَ ضدُ «قُدَّام»، فكلُّ قَوْلٍ يخالفُكَ، فكأنه كائنٌ خلفَكَ؛ لأنهُ لَوْ لائمك لكان مواجهًا لَكَ. وترجيع مَا قالَ الفارابيُّ في أخلف: أنهُ بمعنى خالفَ، وبمعنى وافقَ إِلَى الخلف، بأنْ نقولَ: الظاهرُ أنهُ مِمَّا قَالَ ابنُ القطاعِ إنهُ يقالُ: خلف الرجلُ إذا فسد. فإذا قيلَ: أخلف الوعدَ وأريد خالفَ، فالمعنى: أدخل عَليهِ الفسادَ الَّذِي هُوَ الخلفُ الراجعُ إِلَى خلافِ المواجهة، والملامةِ الراجعِ إِلَى الفسادِ، وإذا أريدَ وافق، فالمعنى: أزالَ عنهُ هَذَا (٤) الفسادَ؛ لأنَّ «أفعلَ» للتصيير والإزالةِ، وَقَالَ ابنُ القطاع: «حيٌّ خلوفٌ، أي: غيبٌ، وحضورٌ، وَهُوَ من الأضدادِ» (٥) انتهى.
_________________
(١) ديوان الأدب ٢/ ٢٨٨.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٩٣.
(٣) القاموس المحيط مادة (خلف).
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) الأفعال ١/ ٢٧٧.
[ ١ / ٥٢٦ ]
فترجيعهُ إِلَى الخلفِ بأنْ يقالَ: إذا كانوا غيبًا فالمعنى: أنهم أهلٌ لأن تُغزَى أهلُهم؛ لأنهم يكونونَ خلفَ غازيهم، ويكونُ هُوَ خلفَهم، فيتمكنُ مِمَّا يريدُ منهم، وإذا كانوا حضورًا، فالمعنى: أنهم أهلٌ لأنْ يتنكبَ غازيهم أهلَهم، أي: يعرضَ عنهم ويوجهَ إِلَى جهةٍ غيرِ جهتِهم؛ ليكونوا خلفَهُ، أي: خلوفًا لَهُ كما كانوا خلوفًا لَهُ، لما كانوا بحيث تُغزَى أهلهم، وهم غيبٌ، واللهُ أعلم.
قولُهُ: (والاضطرابُ موجبٌ للضعف) (١) راجعٌ إِلَى أصلها أيضًا، أي: متى وُجِدَ الاضطرابُ، وُجِدَ الضعفُ، وليسَ كذلكَ كما سيأتي البحثُ فِيهِ فِي المثالِ.
قولُهُ: / ١٦٩ ب / (بكون راويها أحفظَ وأكثرَ صحبةً للمروي عنهُ) (٢) لا يقالُ: هذهِ العلةُ إنما تأتي (٣) فِي أكثرَ منْ راوٍ واحدٍ، فإنهُ يمكن أن يكونَ الراوي الواحدُ في بعضِ الأزمان أحفظَ منهُ في بعضِها، ويكون أكثرَ صحبةً لأحدِ الشيوخِ الذين رَوَى عَنهُم ذَلِكَ الحديثَ الذِي اضطربَ فيهِ.
قلتُ (٤): قولُهُ: (مثال الاضطرابِ في السندِ: ما رواهُ أبو داودَ (٥) وابنُ ماجه (٦» (٧) ورواهُ أحمدُ (٨) وابنُ حبّانَ (٩)، قالَ ابنُ عبد الهادي: «هوَ حديثٌ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢١٢).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩١.
(٣) في (ف): «تتأتى».
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) سنن أبي داود (٦٨٩) و(٦٩٠).
(٦) سنن ابن ماجه (٩٤٣).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩١.
(٨) المسند ٢/ ٢٤٩ و٢٥٤ و٢٦٦.
(٩) صحيح ابن حبان (٢٣٦١) و(٢٣٧٦).
[ ١ / ٥٢٧ ]
مضطربُ الإسنادِ». وكذلكَ ضعّفهُ الشافعيُّ (١) وغيرُه (٢)، أي: كالبيهقيِّ (٣) كَما حكاه عنهما في " النكت " (٤) وصححه ابن المديني وغيره. وقالَ ابنُ عُيينَةَ - كَما قالَ في " الشرح " (٥) -: «لَم نجدْ شيئًا نشدُّ بهِ هَذا الحديثَ» كَما حكاهُ عَنهُ أبو داود في " سننهِ " (٦). وذكرهُ النوويُّ في " الخلاصةِ " في فصلِ الضعيفِ، وقالَ: «قالَ الحفّاظُ هوَ ضعيفٌ؛ لاضطرابهِ». وقال البيهقيُّ: «لا بأسَ بهذا الحديثِ في هَذا الحكمِ» (٧) واللهُ أعلم.
قالَ شيخُنا: «وأتقنُ هَذهِ الرواياتِ روايةُ بشرٍ، وروحٍ، وأجمعُها رواية حميدِ بنِ الأسودِ، ومنْ قالَ: «أبو عُمرِو بنُ محمد» أرجحُ ممنْ قالَ: «أبو محمدِ بنُ عمرٍو»؛ فإنَّ رواةَ الأولِ أكثرُ، وقد اضطربَ منْ قالَ: «أبو محمدٍ»، فوافقَ مرةً رواية الأكثرينَ، فقالَ: «أبو عمرِو بنُ محمدٍ» فتلاشَى الخلافُ».
قلت: وقالَ الشيخُ في " النكت " (٨): «وقولهُم - أي الأكثرينَ -: عَن جدهِ أرجحُ - أي ممنْ قالَ عَن أبيهِ - وإن كانَ أحفظَ لوجهينِ: أحدُهما: الكثرة، والثاني: أنَّ إسماعيلَ بنَ أُميةَ مكيٌّ، وابنَ عُيينةَ / ١٧٠ أ / كانَ مقيمًا بمكةَ»، واللهُ أعلم.
_________________
(١) السنن الكبرى ٢/ ٢٧١، والمعرفة ٣/ ١٩١.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ٢٠٠، والمحلى ٤/ ١٨٧، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٣٦.
(٣) السنن الكبرى ٢/ ٢٧١، والمعرفة ٣/ ١٩١.
(٤) التقييد والإيضاح: ١٢٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٢.
(٦) سنن أبي داود (٦٩٠).
(٧) السنن الكبرى ٢/ ٢٧١.
(٨) التقييد والإيضاح: ١٢٦.
[ ١ / ٥٢٨ ]
قال شيخُنا: «والمضطربُ من الرواياتِ فيهِ: التي لا يمكنُ الجمعُ بينَها، روايةُ من قالَ: «أبو عمرٍو بنُ حريثٍ» مع روايةِ من قالَ: «أبو محمدِ بنَ عمرِو ابنِ حريثٍ»، وروايةُ من قالَ: «حريثُ بنُ عمّار»، وباقي الرواياتِ يمكنُ الجمعُ بينهما (١)، فروايةُ من قالَ: «عن جدّهِ» بمعنى روايةِ من قالَ: «عن أبيهِ»؛ فإنَّ الجدَّ أبٌ، وغايته: أن من قالَ: «عن أبيهِ» أسقطَ الأبَ، فصارَ سياقُهُ موهمًا، لكن بروايةِ غيرهِ يتبيّنُ المرادُ، وروايةُ من قالَ: «عن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرِو ابنِ حُريثٍ» فأدخلَ في الأثناءِ عَمرًا لا ينافي روايةَ من أسقطَهُ، فإنَّهم يكثرونَ نسبةَ الشخصِ إلى جدِّهِ المشهورِ، ويسقطونَ الواسطةَ بينَهما، ومَنْ قالَ: «سليم» يمكنُ أنْ يكونَ اختصرَهُ منْ سليمانَ كالترخيمِ.
قلتُ: تنبيهٌ: قالَ ابنُ الصلاحِ: «ورواهُ حميدُ بنُ الأسودِ، عن إسماعيلَ، عَن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ حُريثٍ بنِ سليمٍ، عَن أبيهِ، عَن أبي هرَيرَةَ» (٢) فَذكرَ الناظمُ في " النكتِ " (٣) عليهِ أنَّ قولَهُ في هَذهِ الروايةِ «عَن أبيهِ» فيهِ نظرٌ؛ لأنّ ابنَ ماجه ساقَه عنْ حُميدٍ، بلفظ: «عَنْ إسماعيلَ بنِ أميّةَ، عَن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حُريثٍ، عنْ جدّهِ حريثِ بنِ سُليمٍ، عَن أبي هريرةَ»، ثُمَّ اعتذرَ عَن ابنِ الصلاحِ بأنهُ: «اعتمدَ على روايةِ البيهقيِّ؛ فإنَّ فيها: منْ روايةِ حميدٍ، عَن إسماعيلَ، عنْ أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ حريثٍ، عَن أبيهِ، عَن أبي هريرةَ»، قالَ: «فأمّا أنْ يكونَ قَد اختُلفَ فيهِ، على حميدِ بنِ الأسودِ في قولهِ: «عَن أبيهِ»، أو «عنْ جَدهِ»، أو يكونَ ابنُ ماجه قَدْ حمَل / ١٧٠ ب / روايةَ حميدِ بنِ الأسود، على روايةِ سفيانَ بنِ عُيينةَ، ولم يُبينِ الاختلافَ الذِي بينهما كَما يقعُ في الأسانيدِ، على أنَّهُ قَد اختلفَ فيهِ أيضًا
_________________
(١) في (ف): «بينها».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٣.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٢٦.
[ ١ / ٥٢٩ ]
على ابنِ عيينةَ» انتهى. وقالَ ابنُ الصلاحِ: «وقالَ عبدُ الرزاقِ (١)، عَن ابنِ جريجٍ: سمعَ إسماعيل، عَن حريثِ بنِ عمارٍ، عَن أبي هريرةَ. وفيهِ منَ الاضطرابِ أكثرُ مما ذكرناهُ» (٢).
قولُهُ (ذوّاد) (٣) -بفتحِ المعجمةِ وتشديدِ الواوِ، وبعدَ الألفِ مُهملةٌ - منَ الذَودِ، بمعنى الطّردِ. و(عُلبةَ) - بضم المهملةِ وسكونِ اللامِ وفتحِ الموحدةِ - (٤)، والله أعلمُ.
وقولُ: أبي زرعةَ «لا نعلمُ أحدًا ..» إلى آخرهِ، إنما نَفَى علمَهُ، وقد وُجدَ مَنْ نَسبه غيرُ ذاودٍ، ولا يضرُ خَفَاؤهُ على أبي زرعةَ.
قولُهُ: (وَهوَ المرادُ بقولي) (٥) أي: والاضطرابُ في السندِ هوَ المرادُ بقولي: «كالخطِّ» أي كسندِ حديثِ الخطِّ للسترةِ. قالَ شيخُنا: «والحقُّ أنَّ التمثيلَ لا يليقُ إلا بحديثٍ لولا الاضطرابُ لَم يضعُفْ، وهذا الذِي ذَكرَهُ ليسَ كذلكَ، فلا يصلحُ مثالًا لمضطربِ السندِ الذِي يوجبُ ضعفَ المتنِ؛ فإنهم اختلفوا في ذاتٍ واحدةٍ؛ فلا يخلو إمَّا أن يكونَ ثقةً أولا؛ فإنْ كانَ ثقةً، فلا يضرّ هَذا الاختلافُ في اسمهِ، أو نسبهِ، وقد وَجدَ مِثلُ ذَلِكَ في الصحيحِ، ويُفزَعُ إلى الترجيحِ، ولهذا صححهُ ابنُ حبّانَ؛ لأنهُ عِندَه ثقةٌ، وَرجّحَ أحدَ الأقوالِ في اسمهِ، واسمِ أبيهِ، وإنْ لم يكن ثقةً، فالضعفُ غيرُ حاصلٍ بجهةِ الاضطرابِ، بل بجهةِ كونهِ مجهولًا مثلًا، أو غيرِ ذَلِكَ منْ أنواعِ الضعفِ» (٦).
_________________
(١) المصنف (٢٢٨٦).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٣، وانظر بلا بد تعليقنا هناك.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٢.
(٤) انظر: المؤتلف والمختلف ٢/ ٩٦٦ و٣/ ١٥٨٦، والإكمال ٣/ ٣٣٧ و٦/ ٢٥٤، وتبصير المنتبه ٢/ ٥٥٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٤.
(٦) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٧٧٢ وبتحقيقي: ٥٣٨.
[ ١ / ٥٣٠ ]
نَعَمْ، يزدادُ بالاختلافِ ضعفًا فمثلُ هَذا داخلٌ في المضطربِ؛ لكونِ راويهِ (١) اختلفوا فيهِ، ولا مرجّحَ، وَهوَ واردٌ على قولِهم: الاضطرابُ / ١٧١ أ / يُوجبُ الضعفَ.
قلتُ: والواقعُ في هَذا المثالِ أنَّ الراويَ مجهولٌ. قالَ شيخُنا في " تقريبِ التهذيبِ " (٢): «أبو عمرِو بنُ محمدِ بنِ حُريثٍ، أو ابن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حُريثٍ، وقيل: أبو محمدِ عَمْرُو بنُ حريثٍ: مجهولٌ». قالَ المصنفُ في " النكت " (٣): «فإنهُ لَم يروِ عَنهُ في ما علمتُ، غير إسماعيلَ بنِ أميّةَ، معَ هَذا الاختلافِ في اسمهِ، واسمِ أبيهِ، وهل يرويهِ عَن أبيهِ (٤)، أو عنْ جدِهِ، أو هوَ نَفسُهُ، عَن أبي هُريرةَ؟»، واللهُ أعلم.
قولُهُ: (ومثالُ الاضطرابِ في المتنِ ..) (٥) إلى آخرهِ، لا يصلحُ هَذا أيضًا أنْ يكونَ مثالًا لمضطربِ المتنِ، أمَّا أولًا: فلأنَّ أبا حمزةَ شيخَ شريكٍ ضعيفٌ، فَهوَ مردودٌ منْ قبلِ ضعفِ راويهِ، لا مِن قَبل اضطرابهِ. وأمّا ثانيًا: فإنهُ يمكنُ تأويلُه بأنَّهُما رويا (٦) كلًا مِنَ اللفظينِ، عَن النَبيِّ - ﷺ -، ويكونُ الحقُّ المثبتُ في اللفظِ الأولِ المرادِ بهِ الحق المستحب الذِي لَم يجبْ، كالصدقةِ النفلِ، وإكرامِ الضيفِ، ونحوِ ذَلِكَ، كَما يُقال: حَقُّكَ واجبٌ عليَّ، والحقُّ المنفيُّ في قولهِ: ليسَ في المالِ حقٌّ سوى الزكاةِ هوَ الفرْضُ. فلمْ يسلمْ لَهُ واحِدٌ منْ مثاليهِ.
وأمّا المثالُ الصحيحُ لمضطربِ الإسنادِ، فحديثُ أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله
_________________
(١) في (ف): «رواته».
(٢) تقريب التهذيب (٨٢٧٢).
(٣) التقييد والإيضاح: ١٢٦.
(٤) من قوله: «مع هذا الاختلاف » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٣.
(٦) في (ف): «بأنها روت».
[ ١ / ٥٣١ ]
عنه، قالَ: يا رسولَ اللهِ، أراكَ شِبتَ؟ قالَ: «شَيبتني هُوُدٌ وأخواتُها (١»). قالَ الدارقطني: «هَذا مضطربٌ؛ فإنهُ لَم يُروَ إلاَّ من طريقِ أبي إسحاقَ، وقد اختُلِفَ عليهِ فيهِ على نَحوِ عشرةِ أوجهٍ، فمنهم مَن رواهُ عَنهُ مرسلًا، ومنهم منْ رواهُ موصولًا، ومنهم من جَعَلهُ منْ مسندِ أبي بكرٍ، ومنهم من جَعَلهُ منْ مسندِ سعدٍ، ومنهم من رَواه منْ مسندِ عائشةَ، وغيرُ ذَلِكَ. ورواتُهُ ثقاتٌ، لا يُمكنُ ترجيحُ بعضِهِم على / ١٧١ب / بعضٍ، والجمعُ متعذرٌ» (٢)، والمرادُ بقولهِ: «شَيَّبتني هودٌ» بعضُها، وَهوَ قولُهُ تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٣) كَما وَرد مُفسرًا في بعضِ طرقِ الحديثِ، وكذا أخواتها.
_________________
(١) أخرجه: ابن سعد في "الطبقات" ١/ ٤٣٥، والترمذي في "الجامع الكبير" (٣٢٩٧)، وفي "الشمائل"، له (٤١) بتحقيقي، وفي "العلل الكبير"، له أيضًا (٦٦٤)، والدارقطني في "العلل" ١/ ٢٠٠ و٢٠١ و٢٠٢ و٢٠٣، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٤٣ و٤٧٦، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٥٠، والبيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ٣٥٧، والبغوي في "شرحِ السنة"
(٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو بكر: يارسول الله، قد شبت ، فذكره، وأخرجه: أبو يعلى (١٠٧) و(١٠٨)، والدارقطني في "العلل" ٤/ ٢٠٣ و٢٠٤ و٢٠٥ و٢٠٦ من طريق عكرمة، قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله - ﷺ - ما شيبك، فذكره ولم يذكر بينهما (عبد الله بن عباس). وأخرجه: الدارقطني في "العلل" ١/ ٢٠٩ من طريق أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبيه. قال الدارقطني: «ووهم. وقال مرة: عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق، وعامر بن سعد هذا هو البجلي، وليس بابن أبي وقاص، وليس هذا من حديث سعد بن أبي وقاص، وإنما هو من حديث أبي بكر الصديق». العلل للدارقطني ٤/ ٣٤٧ وقد فصل الدارقطني طرق هذا الحديث في " العلل " ١/ ١٩٣ - ٢١١.
(٣) لم أقف على كلام الدارقطني بهذا السياق في المطبوع من "العلل"، ولكن قد سرد الدارقطني طرق هذا الحديث وتفريعاته كما مر توضيحه سابقًا. انظر: العلل للدارقطني ١/ ١٩٣ - ٢٠٨.
(٤) هود: ١١٢.
[ ١ / ٥٣٢ ]
ومثالُ الاضطرابِ في المتنِ: حديثُ الواهبةِ نفسَها، ففيهِ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - صوَّبَ النظرَ فيها وَصعّده، ثُمَّ طأطأ رأسهُ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، زوّجْنيها إنْ لَم يكنْ لك بها حاجةٌ، فقالَ: «هل معَكَ شيءٌ؟» قالَ: ما معيَ إلا إزاري، فذكرَ القصةَ، وفيها: «التمسْ ولو خاتمًا منْ حديدٍ» فلم يجدْ شيئًا، وفيها: فقالَ: «زوجتُكَها (١) بما معكَ منَ القرآنِ»، فقالَ بعضُهم كذلك، وقال بعضُهم: «زوجناكَها» (٢)، وقال بعضُهم:
_________________
(١) هذا اللفظ عند مالك في "الموطأ" [(٤١١) برواية عبد الرحمان بن القاسم، وفي (٣١٨) برواية سويد بن سعيد، وفي (١٤٧٧) برواية أبي مصعب الزهري]، ومن طريقه أخرجه: الشافعي في "مسنده" (١١١٧) بتحقيقي، وأحمد ٥/ ٣٣٦، والبخاري ٩/ ١٥١
(٢) ، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي ٦/ ١٢٣، في "الكبرى"، له (٥٥٢٤) وغيرهم. وتفرد الليثي برواية الحديث عن مالك بلفظ: «أنكحتكها» (١٤٩٨) وقد خالف أصحاب مالك في ذلك. وأخرجه: الدارمي (٢٢٠٧)، والبخاري ٦/ ٢٣٦ (٥٠٢٩) من طريق عمرو بن عون، عن حماد بن زيد. وأخرجه أيضًا: البخاري ٧/ ٢١ (٥١٣٢)، والطبراني في "الكبير" (٥٩٥١) من طريق الفضيل بن سليمان، وأخرجه: مسلم ٤/ ١٤٤ (١٤٢٥) (٧٧) من طريق زائدة بن قدامة، وأخرجه: ابن ماجه (١٨٨٩) من طريق عبد الرحمان بن مهدي، عن سفيان الثوري، وأخرجه: الحميدي (٩٢٨)، والطبراني (٥٩١٥)، والدارقطني ٣/ ٢٤٨، والبيهقي ٧/ ٢٣٦ من طريق سفيان بن عيينة. وأخرجه: الطبراني في "الكبير" (٥٧٥٠) من طريق الليث عن هشام بن سعد، وأخرجه: الدارقطني ٣/ ٢٤٧ من طريق الفضل بن موسى. جميعهم (مالك، وحماد بن زيد، والفضيل بن سليمان، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وابن عيينة وهشام، والفضل بن موسى) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، به بلفظ : «زوجتكها».
(٣) وبهذا اللفظ عند البخاري ٣/ ١٣٢ (٢٣١٠) و٧/ ٢٢ (٥١٣٥) من طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك، وقد خالف بذلك أصحاب مالك في هذا اللفظ.
[ ١ / ٥٣٣ ]
«أملكناكَها (١») (٢)، وقال غيره: «ملكتُكَها» (٣)، وقالَ بعضٌ غير ذَلِكَ (٤) فهذهِ الألفاظُ لا يمكنُ الاحتجاجُ بواحدةٍ منها، حتى لو احتجَّ حنفيٌّ مثلًا على أنَّ التمليكَ من ألفاظِ النكاحِ لَم يسغْ لَهُ ذَلِكَ (٥)؛ لأنَّ اللفظةَ التي قالها النبيُّ - ﷺ -، مشكوكٌ فيها، لَم تعْرَفْ عينُها؛ بسببِ أنَّ الواقعةَ واحِدةٌ لَم تتعددْ، وأمّا بقيةُ الأحكام التي في القصةِ: كتخفيفِ الصداق، وعدمِ تَحديده بحدٍ معينٍ، ونحوِ ذَلِكَ فَهوَ كذلكَ لا مريةَ فيهِ، والله أعلم.
_________________
(١) في (ف): «أمكنَّاكها».
(٢) بهذا اللفظ عند البخاري ٧/ ١٧ (٥١٢١) من طريق أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، به.
(٣) بهذا اللفظ عند البخاري ٧/ ٢٤ (٥١٤١)، والطبراني (٥٩٣٤) من طريق حماد بن زيد، وأخرجه: البخاري ٧/ ٨ (٥٠٨٧) و٧/ ٢٠١ (٥٨٧١)، والطبراني (٥٩٠٧) من طريق عبد العزيز بنِ أبي حازم، وأخرجه: الطبراني (٥٩٦١) مِن طريق معمر والثوري أربعتهم: (حماد بن زيد، وعبد العزيز بن أبي حازم، ومعمر، والثوري) عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، به.
(٤) ومن تلك الألفاظ الأخرى ما أخرجه: مسلم ٤/ ١٤٣ (١٤٢٥) (٧٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن أبي حازم، عن سهل بلفظ: «ملكتها». ولمزيد مِن تفصيل طرق هذا الحديث وألفاظه، راجع كتابنا: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٣٣٤ - ٣٣٦.
(٥) انظر في مذهب الحنفية لهذه المسألة: المبسوط ٥/ ٥٩، وبدائع الصنائع ٢/ ٢٢٩، والهداية ١/ ١٨٩ - ١٩٠، وشرح فتح القدير ٢/ ٣٤٦، والاختيار ٣/ ٨٣، وتبيين الحقائق ٢/ ٩٦، وحاشية ابن عابدين ٣/ ١٧.
[ ١ / ٥٣٤ ]
المُدْرَجُ (١)
قولُهُ:
٢١٣ - المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا، بلا فَصْلٍ ظَهَرْ
٢١٤ - نَحْوُ (إذَا قُلْتَ: التَّشَهُّدَ) وَصَلْ ذَاكَ (زُهَيْرٌ) وَ(ابنُ ثَوْبَانَ) فَصَلْ
٢١٥ - قُلْتُ: وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ (كأسْبِغُوا الوُضُوْءَ وَيْلٌ لِلعَقِبْ)
المدرجُ قسمانِ (٢): مدرجُ المتنِ (٣)، ومدرجُ الإسنادِ (٤). فالأولُ: هوَ ما أُضيفَ
_________________
(١) انظر في المدرج: معرفة علوم الحديث: ٣٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٩٤، والإرشاد ١/ ٢٥٤ - ٢٥٧، والتقريب: ٧٩ - ٨٠، والاقتراح: ٢٢٤، ورسوم التحديث: ٩٠، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٥٣، والموقظة: ٥٣، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٢٤ وبتحقيقي: ١٥٢، والمقنع ١/ ٢٢٧، والشذا الفياح ١/ ٢١٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٠٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٤، وتنقيح الأنظار: ١٦٧، ونزهة النظر: ٧٢، والمختصر: ١٤٥، وألفية السيوطي: ٧٣ - ٧٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١١٠، وفتح الباقي ١/ ٢٧٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠، وظفر الأماني: ٢٤٨، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٦٢، واليواقيت والدرر ٢/ ٦٨، وقواعد التحديث: ١٢٤، ولمحات في أصول الحديث: ٢٩٤، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٤٧٤.
(٢) قال ابن حجر ﵀ في " نكته " ٢/ ٨١١ وبتحقيقي: ٥٧١: «وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام، وقد لخصته ورتبته على الأبواب والمسانيد، وزدت على ما ذكره الخطيب، أكثر من القدر الذي ذكره».
(٣) قال ابن حجر ﵀ في " نكته " ٢/ ٨١١، وبتحقيقي: ٥٧١ - ٥٧٢: «وهو على ثلاث مراتب: أحدها: أن يكون ذلك في أول المتن وهو نادرٌ جدًا. ثانيها: أن يكون في آخره وهو الأكثر. ثالثها: أن يكون في الوسط وهو القليل».
(٤) وهو على خمسة أقسام، كما قال ابن حجر. انظر: النكت ٢/ ٨٣٢ وبتحقيقي: ٥٨٦.
[ ١ / ٥٣٥ ]
إلى الخبرِ، من غيرِ كلامِ صاحبهِ بلا تمييزٍ (١)، فيدخلُ فيهِ المرفوعُ، والموقوفُ، ونحوهُ، بخلافِ قولِ الشيخِ (٢): «ويتوهمُ أنَّ الجميعَ مرفوعٌ (٣»). وكذا قولُ ابنِ الصَلاحِ: «ما أدرجَ في حديث /١٧٢ أ/ رسولِ اللهِ - ﷺ - منْ كلامِ بعضِ رواتهِ» (٤)، فإنَّهُ يُوهِمُ أنَّ التسميةَ خاصةٌ بالمرفوعِ وليسَ كذلكَ، فليسَ المرفوعُ شرطًا فيها. وتارةً يكونُ سببُ الإدراجِ، استنباطَ الراوي حكمًا مِنَ الأحكامِ، مثل ما ذكرهُ منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ في التشهدِ (٥)، فإنَّهُ استنبطَ منَ الخبرِ أنَّهُ إذا فرغَ منَ التشهدِ فقدْ خرجَ منَ الصَلاةِ، وهكذا حديث عروةَ، عنْ بسرةَ (٦) بنتِ صفوانَ: «مَنْ مَسَّ ذَكرَهُ أو أنثييه أو رفغهُ فليتوضأ» (٧). فَهِمَ عروةُ منَ الخبرِ أنَّ سببَ نقضِ الوضوءِ مظنَّةُ الشهوةِ، فجعلَ حُكمَ ما قربَ منَ الذَّكرِ كذلكَ؛ لأنَّ ما قاربَ الشيءَ أُعطيَ حكمُهُ، فقالَ كلٌّ منهما ذَلِكَ، فظنَّ بعضُ الرواةِ أنَّهُ منْ صُلبِ الخبرِ فنَقلهُ مُدرجًا فيهِ، وفهمَ الآخرونَ حقيقةَ الحالِ، فَفصّلوا.
وتارةً يكونُ سَببُهُ غرابةَ بعضِ الألفاظِ، فيفسرها، كحديثِ الزُهريِّ، عَنْ عائشةَ -﵂-: «كانَ النَبيُّ - ﷺ - يتحنّثُ في غارِ حراءِ، -وَهوَ التعبُّد- اللياليَ ذواتِ العددِ » (٨). فقوله: «وَهوَ التعبّد» تفسير للتَحنّث المضمّن ليتَحنّث.
_________________
(١) انظر: نزهة النظر: ٧٣.
(٢) جاء في حاشية (أ): «فإنه قال: آخر الخبر».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٥.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٥ وهناك تفصيل تخريج الروايات.
(٦) لم ترد في (ب).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٩، وهناك تفصيل تخريجه.
(٨) صحيح البخاري ١/ ٣ (٣) و٩/ ٣٧ (٦٩٨٢)، وسيأتي قريبًا.
[ ١ / ٥٣٦ ]
قلتُ: قولُهُ: (مثلَ حديثِ الأعمشِ) (١) الذِي في نسختي منْ أبي داود: فَعلمه التشهّدَ في الصلاةِ، فذكرَ مثلَ دعاءِ حديثِ الأعمشِ، ولفظه بحديثِ الأعمشِ الذِي أحال عليهِ: حدثنا مسددٌ، قالَ: حدثنا يحيى (٢)، عنْ سليمانَ الأعمشِ، حدثني شقيقُ بنُ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قالَ: كنا إذا جلسنَا / ١٧٢ ب / معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في الصلاةِ، قلنا: السلامُ على اللهِ قبلَ عبادِهِ، السلامُ على فلانٍ وفلانٍ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا تقولوا السلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ - ﷿ - هوَ السلامُ، ولكن إذا جلسَ أحدُكم فليقلْ: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ - فإنَّكم إذا قلتُم ذَلِكَ أصابَ، وفي روايةِ ابنِ داسةَ: أصبتُم، كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ - أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ، ثُمَّ ليتخيَّرْ أحدُكم منَ الدعاءِ أعجَبَهُ إليهِ فيدعوَ بهِ» (٣). قالَ شيخُنا: «ويعرفُ هَذا المدرجُ بتفصيلِ بعضِ الرواةِ، بأنْ ينسبَ كلَّ مقالةِ إلى قائلها، كحديثِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ - ﵁ - رَفَعَهُ: «منْ ماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومنْ ماتَ يشركُ باللهِ شَيئًا دَخَلَ النارَ». وجاء في روايةٍ أُخرى: قالَ النَبيُّ - ﷺ -: كلمةً، وقلت أَنا أُخرى: «منْ ماتَ لا يشركُ باللهِ شَيئًا دَخَلَ الجنةَ، ومنْ ماتَ يشركُ باللهِ شيئًا دَخَلَ النارَ»، فأفادَ هَذا أنَّ إحدى الكلمتينِ منْ قولِ ابنِ مسعودٍ، لكنْ لَم يعينْها، فجاءتْ روايةٌ ثالثةٌ: قالَ النبيُّ - ﷺ - كلمةً وقلت أنا أُخرى: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -
: «منْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شيئًا دخَلَ الجَنةَ، ومنْ ماتَ يشرِكُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٥.
(٢) أي: القطان.
(٣) سنن أبي داود (٩٦٨)، وأخرجه أيضًا: البخاري ١/ ٢١١ (٨٣١) و١/ ٢١٢
(٤) و٨/ ٦٣ (٦٢٣٠)، ومسلم ٢/ ١٤ (٤٠٢) (٥٨).
[ ١ / ٥٣٧ ]
باللهِ شيئًا دخلَ النّارَ» / ١٧٣ أ / فعلمنا أنَّ الثانيةَ منْ قولِ ابنِ مسعودٍ، وأكّدَ ذَلِكَ روايةٌ رابعةٌ، اقتصرَ فيها على الكلمةِ الأولى، مضافةً إلى النبي - ﷺ - (١). ولا بدَّ أن تأتيَ روايةٌ غيرُ مفصّلةٍ، ثُمَّ تأتيَ أخرى مُصرّحة، فيُكتفَى بها في معرفة الإدراجِ، وتارةً يُقتصرُ عليها، وتارةً تؤكدُ بمجيءِ الحديثِ منْ طريقٍ أخرى محذوفًا منهُ القدر المدرجُ.
قولُهُ: (ومالكُ بنُ إسماعيلَ النهديُّ عَنهُ) (٢) أي: عَن زهيرٍ.
قولُهُ: (ثُمَّ رواه - أي: الدارقطنيُّ - منْ روايةِ غسان) (٣).
قلت: قولُهُ: (فَرّقَهما) (٤) أي: ذكرَ لكلٍ منهما إسنادًا إلى شُعبةَ على حدتِهِ، ولم يقلْ مثلًا: حدثنا أبو قطن وشبابةُ، عنْ شعبةَ.
قولُهُ: (أو رفغهُ) (٥) الرفغُ: بالمهملةِ وآخرُهُ معجمةٌ. قالَ في " القاموسِ " (٦): «بضمٍ أو بفتحٍ: المغابنُ، وأصلهُ (٧) الفخذُ، وكلُ مجتَمعِ وسخٍ منَ الجسدِ، والجمعُ: أرفاغٌ، ورفوغٌ، وبالضمِ: الإبطُ، وما حولَ فرجِ المرأةِ». وقالَ الزبيديُّ في " مختصر العين ": «الرفغُ باطنُ الفخذِ، والرفغُ وسخُ الظفرِ» (٨). وقالَ ابنُ فارسٍ في " المجمل " (٩): «الرُفْغُ: أصلُ الفخذينِ (١٠) وسائِرُ المغابنِ: أرفاغٌ، وكلُّ موضعٍ
_________________
(١) تفصيل الروايات والطرق في كتابي: "أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء": ٥٠٨ - ٥١٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٩.
(٦) القاموس المحيط مادة (رفغ).
(٧) في القاموس: «أصل».
(٨) انظر: غريب الحديث للحربي ١/ ٣٠، والفائق في غريب الحديث ٢/ ٧٢، وأساس البلاغة: ٣٥٦.
(٩) مجمل اللغة لابن فارس مادة (رفغ).
(١٠) في المجمل: (الفخذ).
[ ١ / ٥٣٨ ]
اجتمعَ فيهِ الوسخُ: رُفغٌ، وفي الحديثِ: كيفَ لا أُوهِمُ ورفغ أحدِكم بين ظفرهِ وأنمُلَتهِ». وقالَ الإمامُ عبدُ الحقِ: «والرَّفغُ والرُّفغ: أصلُ الفخذينِ، و(١) الفتحُ لتميمٍ، والضمُّ لأهلِ العاليةِ، والأرفاغُ: أصولُ المغابنِ كلها. وفي الحديث: ورفغ أحدكم بينَ ظفرهِ وأنمُلتهِ». قالَ الليثُ: «الرفغُ وسخُ الظفرِ».
/ ١٧٣ ب / كأنهُ أرادَ: ووسخ رُفغ أحدِكم، فاختصرَ الكلامَ. وأرادَ - ﷺ -: لا تقلمونَ أظفاركم ثُمَّ تَحكّونَ بِها أرفاغَكم، فيتعلّقَ بها ما في الأرفاغِ. وفي الحديثِ: «إذا التقى الرُفغانِ فقَد وَجبَ الغُسلُ» (٢).
والرفغانُ: أصلا الفخذينِ كَما تقدّمَ، يُريدُ: إذا التقى ذَلِكَ منَ الرجلِ والمرأةِ، ولا يكونُ ذَلِكَ إلا بعدَ التقاءِ الختانينِ (٣)، انتهى. والمادةُ تدورُ على اللينِ والقَذَرَ المجتمعينِ في المغابنِ، فَمِنَ القذَرِ ما تقدّمَ، ومنهُ أيضًا: الرفْغُ الذِي هوَ: أَلأَمُ الوادي، وشرُّهُ ترابًا، ومن اللينِ: رفَاغَة العيشِ ورفاغيتُهُ، أي: رفاهيتهُ (٤).
قولُهُ: (على يزيدَ بنِ زُريعٍ) (٥) أي: فأدرجهُ أبو كاملٍ الجَحْدريُّ كَما ترى، وفَصَلهُ عَنهُ أبو الأشعثِ، وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الغَنوي، وغيرُهما (٦).
قولُهُ: (الطريق إلى الحُكْمِ) (٧) هوَ بضمِ المهملةِ، وسكونِ الكافِ، أي: أنَّ الحكمَ على أول شيءٍ في الخبرِ بالإدراجِ، حُكمٌ ضعيفٌ ليسَ إليهِ طريقٌ قويٌ، وذلكَ
_________________
(١) لم ترد الواو في (ف).
(٢) ذكره ابن الجوزي في " غريب الحديث " ١/ ٤٠٦، وابن الأثير في " النهاية " ٢/ ٢٤٤ من حديث عمر - ﵁ -.
(٣) انظر: النهاية ٢/ ٢٤٤.
(٤) انظر: القاموس المحيط مادة (رفغ).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٠.
(٦) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٨٣٠ وبتحقيقي: ٥٨٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٠.
[ ١ / ٥٣٩ ]
لصراحةِ قولِ الراوي في كونهِ منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -؛ لكونهِ أولَ مَعْمُولٍ لقالَ مثلًا، كأَنْ يُقالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كذا، أو غيرهُ منَ العواملِ كَما سيأتي في مسَّ.
وقوله: (مما يَضعُفُ فيهِ) (١) هوَ - واللهُ أعلمُ - خبرٌ مقدمٌ وفاعلُ «يضعفُ» محذوفٌ، و«أنْ يكونَ» هوَ المبتدأُ، تقديرهُ: ومما يضعُفُ فيهِ الحكمُ بالإدراجِ، أنْ يكونَ المحكومُ عليهِ، مُدرجًا في أثناءِ اللفظِ المتفقِ عَلى أنَّهُ لفظُ رسولِ اللهِ / ١٧٤ أ / - ﷺ -، أو في أولهِ.
وقوله: (لما فيهِ مِن اتصال هَذهِ اللفظةِ بالعاملِ) (٢) أي: وَهوَ قولُهُ: «مسّ» وقد فُرضَ أنَّهُ منْ قولهِ - ﷺ -.
قلتُ: وهَذا الكَلامُ (٣) ضعيفٌ؛ فإنَّ مَنْ رواهُ كذلكَ يمكنُ أَنْ يكونَ رواهُ بالمعنى فَقَدَّمَ وأخَّرَ، ظنًا منهُ أنَّ ذلكَ كُلَّهُ منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -، ولو أدَّى لفظَ مَنْ نَقَلَهُ عَنهُ كما قالهُ؛ لكانَ المدرجُ آخرَ الخَبرِ، وأمَّا مَنْ فَصّل فإنهُ فَهِمَ الأمرَ على ما هوَ عليهِ بقرينةٍ أو تصريحٍ. قالَ شيخُنا: «ووقعَ كثيرٌ منَ الإدراجِ في الوسطِ، كحديثِ عائشةَ في بدءِ الوَحي، فإنَّ قولَهُ: «والتحنثُ: التعبّدُ» مدرجٌ منْ قولِ الزهريِّ (٤)، وحديث فَضَالةَ بنِ عُبيدٍ: أنا زعيمٌ - والزعيمُ: الحميلُ - ببْيتٍ في رَبَضِ الجنّةِ الحديثَ (٥).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٠.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي كلام ابن دقيق العيد».
(٤) انظر: فتح الباري ١/ ٢٣، والديباج للسيوطي ١/ ١٤١. والحديث: أخرجه: عبد الرزاق (٩٧١٩)، وأحمد ٢/ ٢٣٢، والبخاري ١/ ٣ (٣) و٩/ ٣٧ (٦٩٨٢)، ومسلم ١/ ٩٧ (١٦٠) (٢٥٢) و١/ ٩٨ (١٦٠) (٢٥٣).
(٥) أخرجه: النسائي ٦/ ٢١ وفي "الكبرى"، له (٤٣٤١)، وابن حبان (٤٦١٩)، والطبراني ١٨/ (٨٠١)، والحاكم ٢/ ٦١ و٧١، والبيهقي ٦/ ٧٢ من طريق ابن وهب، عن أبي هانىء الخولاني، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد الأنصاري، به. وأخرجه: أبو داود (٤٨٠٠)، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢٤٩ من حديث أبي أمامة الباهلي، به.
[ ١ / ٥٤٠ ]
فقولُهُ: «والزعيمُ الحميلُ» مدرجٌ منْ تفسيرِ ابنِ وهبٍ. وحديث أزهرَ بنِ عليٍّ التَميميِّ، عنْ مالكٍ، عنِ الزهريِّ، عنْ أنسٍ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - دَخَلَ مكةَ، وعلى رأسهِ المغْفَرُ وَهوَ غيرُ مُحْرمٍ الحديثَ. (١)
فقولهُ: «وَهوَ غيرُ مُحرِمٍ» كلامُ الزهريِّ، أُدرجَ في هَذا الموصولِ، وقَدْ ذكرتُ أمثلةً غير هَذا في كِتابِ "المدرج"، واللهُ أعلم».
قولُهُ: (ولا يُعرفُ في طرقِ الحديثِ تقديمُ الأنثيين على الذَكرِ) (٢) ليسَ كذلكَ، فقدْ وقَعَ في كتابِ " الأبوابِ " لابنِ شاهينَ منْ روايةِ محمدِ بنِ دينارٍ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، بهِ (٣): مَنْ مسَّ أُنثييْهِ أو ذكَرَهُ. فقدّم الأُنثيينِ، والله أعلم.
قلت: قولُهُ:
٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ
٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ أُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ
/ ١٧٤ ب / هَذا مدرجُ الإسنادِ؛ لأنهُ لما رَوَى القطعتينِ بسندِ أحدِهما، كانَ كأنهُ أدرجَ أحدَ السندينِ في الآخرِ، حتى ساغَ لَهُ أنْ يركّبَ عليهِ القطعتينِ، ولو قالَ الشيخُ:
ومنهُ جَمعُ طرفي حديث بسندِ الواحِدِ في التحديثِ
كانَ أبينَ وأسلمَ مِنَ الحشوِ.
قولُهُ: (أُدرجَ) (٤) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ، أي: أَدرجَ بعضُ رواةِ هَذا الحديثِ هَذا اللفظَ فيهِ، وَهوَ: ثُمَّ جئتهم إلى آخرهِ، وَصيَّرهُ معَ ما قبله شيئًا واحدًا، والحالُ أنَّهُ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٠.
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي بالسند».
(٤) التبصرة والتذكرة (٢١٧).
[ ١ / ٥٤١ ]
ما اتحدَ معَ ما (١) قبلهُ في السندِ، وإن اتحَّدَا في الصحابيِّ، بل كلٌّ منهما بسندٍ.
قولُهُ: (فرقهما) (٢) أي: لَم يقلْ في سَندٍ واحدٍ: عَنْ زائدةَ وشريكٍ، عَن عاصمٍ، بل قالَ في تفريعِ أبوابِ الاستفتاحِ: حدثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدثنا أبو الوليدِ، حدثنا زائدةُ، عنْ عاصمِ بنِ كليبٍ فذكرَ الحديثَ، ثُمَّ قالَ: حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدثنا شريكٌ، عنْ عاصمِ بنِ كُليَبٍ ، فَذَكرهُ (٣).
قولُهُ: (الحمال) (٤) بالمهملةِ، صفةٌ لوالدِ موسى بنِ (٥) هارون بنِ عبدِ اللهِ البغداديِّ، الثقةِ الحافِظِ الكبيرِ، ماتَ سَنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئتينِ، وكانَ حافظَ بغدادَ في وقتهِ، قالَ الذهبيُّ في "الدُوَلِ" (٦): قالَ الصِّبغيُّ (٧): «ما رأيتُ في حفّاظِ (٨) الحديث أهْيَبَ منهُ، ولا أورَعَ (٩»). وماتَ أبوه هارونُ الحمالُ، سنةَ أربعٍ وأربعينَ ومئتينِ (١٠).
قولُهُ: (ومنهُ أنْ يُدرَجَ) (١١) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ.
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠١.
(٣) تفصيل تخريج الروايات في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠١.
(٥) كلمة: «بن» لم ترد في (أ) و(ب)، والمثبت من (ف).
(٦) دول الإسلام ١/ ١٧٨.
(٧) في (ف): «الضبعي».
(٨) في (ب): «حفظ».
(٩) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٥١، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١١٧.
(١٠) وقيل: سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وقال الذهبي: «وأخطأ من قال: سنة تسع وأربعين». انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ١١٦.
(١١) التبصرة والتذكرة (٢١٨).
[ ١ / ٥٤٢ ]
قولُهُ: (ولاتَنَافسُوا) (١) هوَ مِن النفيسِ، وَهوَ ما يُرغَبُ فيهِ ويُبخَلُ بهِ لِعزّتهِ، وَهوَ مضارعُ تنافسَ فلانٌ وفلانٌ، مثلُ: تقاتلا. وهكذا بقيةُ ألفاظِ الحديثِ، كلها أفعالٌ مضارعةٌ، حُذِفَ منها حرفُ المضارعةِ تخفيفًا.
ومعنى «تنافسُوا»: تقاسَموا النفاسةَ، بأنْ يَعُدَّ كُلٌّ مِنهُم الشيءَ نَفيسًا، فيتجاذبوهُ، فيؤديَ ذَلِكَ إلى فسادٍ عريضٍ (٢). والتجسسُ - بالجيمِ -: التفحّصُ منَ الجاسوسِ لصاحِبِ سِرِ الشرِّ. (٣) قالَ في "القاموسِ" (٤): «أي: خُذوا ما ظَهرَ، ودَعوا ما سَترَ اللهُ - ﷿ -، ولا تَفْحصوا عنْ بواطنِ الأمورِ، ولا تبحثوا عنِ العوراتِ». والتَحسسُ: بالحاءِ المهملةِ.
قالَ في "القاموس" (٥): «الاستماعُ لحديثِ القومِ، وطلبُ خبرِهِم في الخيرِ، والحاسوسُ: الجاسوسُ، أو هوَ في الخير، وبالجيمِ في الشر» انتهى. والمادةُ تَدورُ على تأثّرِ النفسِ بِما تدركُهُ بإحدى حواسِّها.
قولُهُ:
٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضًا في السَّنَدْ
٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ
٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْرًا) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ(ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ
٢٢٤ - وَزَادَ (الاعْمَشُ) كَذَا (مَنْصُوْرُ) وَعَمْدُ الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ
قولُهُ: (وبعضُهُم ) (٦) إلى آخرهِ، جُملةٌ في موضعِ الحالِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢١٩).
(٢) انظر: القاموس المحيط مادة (نفس).
(٣) انظر: لسان العرب مادة (جسس).
(٤) القاموس المحيط مادة (جسس).
(٥) القاموس المحيط مادة (حسس).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٢١).
[ ١ / ٥٤٣ ]
قولُهُ: (فيجمع) (١) أي الراوي، وكذا «ذكرَ» الضمير (٢) للراوي؛ لأنّهُ حاضرٌ في الذهنِ، وإنْ لَم يكُنْ مذكورًا باللفظِ.
قولُهُ: (وزادَ الأعمش) (٣) المفعولُ وَهوَ عمرٌو محذوفٌ لضيقِ النَّظمِ عَنهُ، فالتقديرُ: وزادهُ الأعمشُ، فلو أنَّهُ قالَ:
وزادهُ الأعمشُ أو منصورٌ
لكانَ أحسنَ منْ أجلِ ذكرِ المفعولِ، ولا يضرُّ الإتيانُ بأو، بل ربّما يكونُ متعينًا؛ لأنهُ سيذكرُ أنَّهُ اختلفَ على الأعمشِ في زيادةِ «عمرو»، فلم يغلبْ على الظنِّ حينئذٍ أنَّهُ زَادهُ.
قولُهُ: (وعَمدُ الإدراجِ لها) (٤) الظاهرُ أنَّ اللامَ بمعنى في، أي: تعمّدُ الإدراج في جميعِ الأقسامِ ممنوعٌ منه.
قولُهُ: (عنْ أبي وائل، عَنْ عبدِ اللهِ) (٥) / ١٧٥ ب / أي: لأنَّ أبا وائلٍ - هوَ شقيقُ بنُ سَلَمَة الأسديُّ الكوفيُّ- أدركَ النَبيَّ - ﷺ - ولم يَرهُ، ورَوَى عنِ الخلفاءِ الأربعةِ وغيرِهم منَ الأكابرِ، كابنِ مسعودٍ، ورَوَى أيضًا عَن أبي مَيسرةَ عمرِو بنِ شُرحَبيلَ الهمْدانيِّ الكوفيِّ التابعيِّ الكبيرِ الراوي أيضًا، عَن الأكابرِ منَ الصحابةِ، منهُمُ: ابنُ مسعودٍ (٦)، فإدخالُ عَمرٍو، بينَ أبي وَائِل، وبينَ ابنِ مسعودٍ «منَ المزيدِ في متصّلِ الأسانيدِ»؛ لأنَّ أبا وائِلٍ رَوَى عنهُ، وعن ابنِ مسعودٍ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٢٢).
(٢) بعد هذا في (ب): «فيه».
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٢٤).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٢٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٤.
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٢٩.
[ ١ / ٥٤٤ ]
قولُهُ: (دعْهُ دَعْهُ (١» (٢) أي: اتركهُ كَما حدثتُكَ بهِ، ولا تلتفتْ إلى مخالفٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مرادُهُ: اتركْ ما حدثتُكَ بهِ منْ إثباتِ عمرٍو، فإني تذكرتُ أنّ أبا وائِلٍ رَوَى عَن ابنِ مسعودٍ نفسهِ؛ فيكونُ مرادُهُ الأمرَ بحذفِ عمرٍو مِن السندِ.
قولُهُ: (لكنْ رواهُ النسائيُّ) (٣) استدراكٌ منَ الحَكمِ بكونِ واصلٍ، أسقطَ عَمرًا في روايتهِ.
قولُهُ: (وسيأتي التنبيهُ على ذَلِكَ في (٤) موضعهِ) (٥) يعني: في اختلافِ ألفاظِ الشيوخِ.
قلتُ: قولُهُ: (أو الخمسةِ) (٦) القسمُ الخامسُ: ما في روايةِ النسائيّ منْ إدراجِ عمرٍو مِنْ روايةِ منصورٍ، والأعمشِ في روايةِ واصلٍ منْ غيرِ ذكرٍ لهما، وكذا ما شابههُ مِنَ الاقتصارِ في روايةِ حديثٍ عَلَى بعضِ الشيوخِ المجموعينَ في سندٍ واحدٍ بلفظٍ إنما رواهُ غيرُهُ من الذينَ أُسقطوا، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (وهذا النوعُ) (٧) أي: المدرجُ بأقسامهِ، قَد صنفَ فيهِ. عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وهذا النوعُ قَد صَنّفَ فيهِ الخطيبُ أبو بكرٍ كتابَهُ /١٧٦ أ/ الموسوم: " بالفصلِ للوصلِ المدرج في النقلِ " فشَفَى وكَفَى» (٨).
_________________
(١) في (ب): «دع دع».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٤.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٥.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٠.
[ ١ / ٥٤٥ ]
الموضوع (١)
قولُهُ: (الموضوعُ) (٢) هوَ اسمُ مفعولٍ، منْ وَضَعَ الشيءَ، يَضَعُهُ
- بالفتحِ - وَضعًا: حَطَّهُ. إشارةٌ إلى أنَّ رتبتَهُ أنْ يكونَ دائمًا مُلقى مطرحًا لا يستحقُّ الرفعَ أصلًا (٣).
قولُهُ: (الكذبُ المختلقُ المصنوعُ) (٤) هَذهِ الأوصافُ بعضُ الألفاظِ التي يطلقونَها على الموضوعِ، وتوجدُ في عباراتهِم: هَذا مما عَمِلتْ يداهُ، ونَحْوُ هَذا.
قولُهُ: (وهذا هوَ الصوابُ) (٥) الإشارةُ إلى أنَّ الموضوعَ شرُ ما يُروَى عَن النبيِّ - ﷺ -.
قولُهُ: (هو القسمُ الأَخِرُ ) (٦) إلى آخرهِ، الأخِرُ: -بقصرِ الهمزةِ وكسرِ
_________________
(١) انظر في الموضوع: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٠، وجامع الأصول ١/ ١٣٥، والإرشاد ١/ ٢٥٨ - ٢٦٥، والتقريب: ٨٠ - ٨٥، والاقتراح: ٢٢٨، ورسوم التحديث: ٩٥، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٣٦، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٣٧ وبتحقيقي: ١٥٣، والشذا الفياح ١/ ٢٢٣، ومحاسن الاصطلاح: ١١١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٥، وتنقيح الأنظار: ١٧٢، ونزهة النظر: ٦٨، والمختصر: ١٤٩، وفتح المغيث ١/ ٢٣٤، وألفية السيوطي: ٧٩ - ٩٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١١٦، وفتح الباقي ١/ ٢٨٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٦٨، وظفر الأماني: ٤١٢، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٣٥، واليواقيت والدرر ٢/ ٣٦، وقواعد التحديث: ١٥٠، ولمحات في أصول الحديث: ٣٠٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٥.
(٣) انظر: لسان العرب مادة (وضع).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٢٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٦.
[ ١ / ٥٤٦ ]
المعجمةِ- قالَ الشيخُ في " النكت " (١) في قسمِ الضعيفِ: «على وزنِ الفَخِذِ» انتهى. ومعناهُ: الغائبُ. قالَ الشيخُ: «وَهوَ بمعنَى الأرذَلِ» (٢) انتهى. قالَ في "ترتيبِ المحكمِ": «يُقالُ: أبعدَ اللهُ الأخِرَ، والأخيرَ، ولا تقُولهُ للأنثى». وحَكَى بعضُهم: أبعدَ اللهُ الآخرَ بالمدِ، والأخِرُ، والأخيرُ: الغائبُ، انتهى. وكأنَّ ذَلِكَ كنايةٌ عَنِ السقوطِ والردَاءةِ، أي: أنهُ ليسَ بأهلٍ لأن يكونَ حاضرًا، بل هوَ مِنَ التقذُّرِ في حدٍّ يُنزَّهُ عَنهُ مقامُ الحضور، وهذا كَما يُقالُ أيضًا في التقذُّرِ: قالَ الأبعدُ، وجَرى كذا - حاشا مقامكم - ونحو ذَلِكَ.
قولُهُ: (فَهوَ محمولٌ على أنَّهُ أرادَ ما لَم يكنْ موضوعًا ) (٣) إلى آخرهِ، ليسَ كذلك، وإنما أرادَ أنَّ ما عَدِمَ جميعَ صفاتِ الحسنِ والصحيح هوَ القسمُ الآخرُ الأرذلُ الذِي ليسَ بَعدَهُ قِسمٌ أسوأُ حالًا منه، فَهوَ بالنسبةِ إلى كلِّ قسمٍ لَم تُعدمْ فيهِ جميعُ الصفاتِ أردأُ وأسوأُ حالًا، وهذا القسمُ - الذِي هوَ الآخرُ الأرذلُ - يدخلُ تَحتَه نوعانِ:
الضعِيفُ / ١٧٦ ب / مُطلقًا، والموضوعُ. ولم يتعرّضْ للتفصيلِ بينَ النوعينِ هناك (٤)، وقال هنا: إنَّ الموضوعَ شرٌّ مِن مطلقِ الضَعيفِ. فعُلِمَ أنَّهُ ليسَ بَعَدَهُ شرٌّ منهُ، وإنما أُطلِقَ عليهِ حديثٌ بالنسبةِ إلى زَعمِ واضعِهِ، وإلى ظاهِرِ الأمرِ قبلَ البحثِ، والنظرِ، وإلا فليسَ هوَ في التحقيقِ حديثًا.
قلتُ: وهذا مِثلُ قولِكَ: أفضلُ عباداتِ البدنِ الصلاةُ، فعُلِمَ منْ هَذهِ العبارةِ أنَّ الصلاةَ أرفعُ رتبةً منْ كلِّ عبادةٍ تخُصُّ البدنَ، وأمّا أنواعُ الصلاةِ فلا تعرُّضَ إليها في
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٦٣.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي بالضعيف».
[ ١ / ٥٤٧ ]
هَذهِ العبارَةِ، فإذا أُريدَ ذَلِكَ قيل: والصلاةُ على أنواعٍ، فالفرضُ أفضلُ منَ النفلِ، والنفلُ المؤكَّدُ أفضلُ منْ غيرهِ، واللهُ أعلمُ.
وكذا قولُهُ: (أو احتجاجٍ) (١) ليسَ مستثنىً منهُ بقولهِ: (إلا معَ بيانٍ) (٢) وإنْ كانَ منَ الجُملِ المتعاطفةِ بأو، فإنهُ خرجَ بقرينةٍ؛ لأنهُ لا يمكنُ أنْ يحتجَّ بهِ ويبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إذ لا فائدةَ في ذلكَ؛ فكأنهُ قيلَ: لا يجوزُ لمنْ عَلِمَ أنَّ الحديثَ موضوعٌ أنْ يحتجَّ بهِ مطلقًا، ولا يجوزُ لَهُ أنْ يرويَهُ، أو يُرغّبَ بهِ في شيءٍ، إلا أنْ يُبيّنَ أنَّهُ موضوعٌ، كذا قالَ شيخُنا. ويمكنُ أنْ يُوجَّهَ بأنْ يكونَ لفظُ الموضوعِ حسنًا، ومعناهُ صحيحًا، فيحتجَّ بهِ على شيءٍ ويُبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إعلامًا بإنَّ المُرادَ ليسَ الاحتجاجُ بنسبةِ هَذا اللفظِ إلى النبيِّ - ﷺ -، بل نسبةُ المعنى بعدَ ذكرِ ما يعضُدُهُ منَ الشريعةِ، والله أعلم.
قولُهُ: (ولقد أكثرَ الذِي جمعَ في هَذا العصرِ الموضوعاتِ) (٣) قالَ شيخُنا: «غالبُ ما في كتابِ ابنِ الجوزيِّ موضوعٌ، / ١٧٧ أ / والذي يُنتقَدُ عليهِ بالنسبةِ إلى ما لا يُنتقدُ قليلٌ جدًا». وَذكَرَ في "الذبِّ عنْ مُسندِ أحمدَ" (٤): أنَّهُ ذَكرَ فيهِ حديثًا أخرجَهُ (٥) مسلمٌ في "صحيحهِ" (٦)، قالَ: «وَهوَ مِن عجائبهِ»، قالَ: «وفِيهِ منَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٤) القول المسدد: ٣١ - ٣٢.
(٥) في (ف): «خرجه».
(٦) وهو حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن طَالتْ بكَ مُدَّة، أوشَكتَ أن ترى قومًا يَغدُونَ في سخطِ اللهِ، ويَرُوحونَ في لَعنتِه، في أيديهم مِثلُ أذنابِ البَقرِ». صحيح مسلم ٨/ ١٥٥ (٢٨٥٧) (٥٣) و(٥٤). وهو في الموضوعات لابن الجوزي ٣/ ١٠١.
[ ١ / ٥٤٨ ]
الضررِ أنْ يظنَّ ما ليسَ بموضوعٍ موضوعًا، عكسُ الضّررِ " بمستدركِ الحاكمِ " فإنهُ يظنُّ بهِ ما ليسَ بصحيح صحيحًا»، قالَ: «ويتعيّنُ الاعتناءُ بانتقادِ الكتابينِ؛ فإنَّ الكلامَ في تساهلِهما، أعدَمَ الانتفاعَ بهما إلا لعَالِمٍ بالفنِّ؛ لأنهُ ما من حديثٍ إلا ويمكنُ أنْ يكونَ قَد وَقعَ فيهِ التساهلُ.
قولُهُ:
٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ، رُكُوْنًَا لَهُمُ ونُقِلَتْ
٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
٢٣١ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى زَعْمًَا نَأوْا عَنِ القُرَانِ (١)، فافْتَرَى
٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثًَا في فَضَائِلِ السُّوَرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِىءٌ صَوَابَهْ
قولُهُ: (حِسبةً) (٢) -بكسرِ المهملةِ ونصبُهُ على أنَّهُ مفعولٌ لَهُ-، أي: للحسبةِ، والحسبةُ: الأجرُ، واسمٌ منَ الاحتسابِ، واحتسبَ بكذا أجرًا عندَ اللهِ: اعتدّه ينوي بهِ وَجهَ اللهِ، واحتسبَ عليهِ: أنكرَ، ومنهُ: المحتسبُ، وفُلانٌ ابنًا (٣)، أو بنتًا: إذا ماتَ كبيرًا؛ فإنْ ماتَ صغيرًا، قيلَ: أفرطَهُ (٤). قالهُ في
" القاموسِ " (٥).
_________________
(١) بلا همزٍ؛ لضرورة الوزن.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٢٩).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي احتسب».
(٤) في القاموس: «افترطه».
(٥) القاموس المحيط مادة (حسب).
[ ١ / ٥٤٩ ]
قولُهُ: (بحسبِ الأمرِ) (١) قالَ في " القاموسِ " (٢): «حسبَ حَسبًا وحُسْبانًا - بالضمِ - عَدَّ، والمعدودُ: مَحسُوبٌ، وحَسَبٌ - مُحرّكةً - ومنهُ: هَذا بحسَبِ ذا، أي: بعَدَدهِ وقدرهِ، وقدْ يُسكّنُ».
قولُهُ: (الزَنادِقة) (٣) بفتحِ الزاي، جمعُ زنديقٍ - بكسرِها -، وَهوَ منْ لا يُؤمنُ بالآخرةِ وبالربوبيةِ، أو مَنْ يُبطنُ الكفرَ ويُظهرُ الإسلامَ. (٤)
قولُهُ: (كعبدِ الكريمِ بنِ أبي العوجاءِ) (٥) هوَ خالُ معنِ بنِ زائدةَ، قالَ أبو الفرجِ الأصبهانيُّ في كتابِ "الأغاني" (٦): «عنْ جريرِ بنِ حازمٍ: كانَ بالبصرةِ ستةٌ منْ أصحابِ الكلامِ (٧): واصلُ بنُ عطاءٍ، / ١٧٧ب / وعمرو بن عُبيدٍ، وبشارُ ابنِ بُردٍ، وصالح بنُ عبدِ القدوسِ، وعبدُ الكريمِ بنُ أبي العوجاءِ، ورجلٌ منَ الأزدِ».
قلت: أظنّهُ أبا الخطابِ الذي تُنسبُ إليهِ الفرقةُ الخطّابيةُ، انتهى. قالَ: «فكانوا يجتمعونَ في منْزلِ الأزديِّ، فأمّا عمروُ وَوَاصِلٌ فصارَا إلى الاعتزالِ، وأمَّا عبدُ الكريمِ وصالحٌ فصحَّحا الثنويَّةَ، وأمّا بشّارٌ فبقيَ متحيرًا، قالَ: وكانَ
عبدُ الكريمِ يُفسدُ الأحداثَ، فتَهددهُ عمرُو بنُ عبيدٍ، فلَحقَ بالكوفةِ، فَدُلَّ عليهِ محمدُ بنُ سليمانَ - يعني: العباسيَّ الأميرَ بالبصرةِ - فقتَلهُ وَصَلبهُ، وذلكَ في زمن المهديِّ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٢) القاموس المحيط مادة (حسب).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٤) انظر: لسان العرب مادة (زندق)، وتاج العروس مادة (زندق)، والموسوعة الفقهية ٢٤/ ٤٨، ومعجم متن اللغة مادة (زندق).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٧.
(٦) الأغاني ٣/ ١٤٦.
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي علم أصول الدين».
[ ١ / ٥٥٠ ]
وفيهِ يقولُ بشّارُ بنُ بردٍ:
قلْ لعبدِ الكريمِ: يا ابنَ أبي العو جاءِ بِعْتَ الإسلامَ بالكفرِ مُوقا
لا تصلي ولا تصومُ، فإنْ صُمـ ـتَ فبعضَ النهارِ صومًا رقيقا
ما تُبالي إذا شربتَ منَ الخمـ ـرِ عتيقًا، أنْ لا يكونَ عَتِيقا
وقالَ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: لما أُخِذَ لتُضرَبَ عُنقُهُ، قالَ: وَضعتُ فيكم أربعةَ آلافِ حديثٍ، أحرّمُ فيها الحلالَ، وأُحلّلَ الحرامَ (١»).
قولُهُ: (وكَبَيانٍ) (٢) هوَ ابنُ سمعانَ النهديُّ، منْ بني تَميمٍ، ظهرَ بالعراقِ بعدَ المئةِ، وقالَ بإلهيّة عليٍّ، وأنَّ فيهِ جُزءًا إلهيًا بناسوتهِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في ابنهِ محمدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ في أبي هاشمٍ وَلدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في بيانٍ هَذا، وكتبَ كتابًا إلى أبي جعفر الباقِر، يدعوهُ إلى نفسهِ، وأنَّه نبيٌّ، فأخذهُ خالدٌ القسريُّ، فقتله وأحرقهُ بالنَارِ، / ١٧٨ أ / وَهوَ الذِي ينتسبُ إليهِ البيانيةُ منَ الشيعةِ (٣).
قولُهُ: (كالخَطّابيِةِ) (٤) - بفتحِ المعجمةِ وتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي الخطابِ الأزديِّ، وكانَ عزا نفسهُ إلى جعفر الصادقِ، فلما عَلِمَ منهُ غلوَّهُ في حقِّهِ تبرّأ منهُ ولَعَنهُ، فلما اعتزلَ عَنهُ (٥) ادّعى الأمرَ لنفسِهِ، وافترقَ أصحابهُ منْ بعدهِ فمنهم: من ادّعى ألوهيتَهُ، ومنهم من ادّعى إمامتَهُ، ومنهم منْ قالَ بنبوتهِ (٦).
_________________
(١) هنا ينتهي كلام أبي الفرج في الأغاني. وقد ذكره ابن حجر ﵀ في لسان الميزان ٥/ ٢٤٢، ويبدو أنّ البقاعي ﵀ نقله نصًا من هذا الكتاب.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٨.
(٣) انظر في ترجمته ميزان الاعتدال ١/ ٣٥٧ ترجمة (١٣٣٥).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٨.
(٥) في (ب): «اعتزله».
(٦) انظر: الملل والنحل ١/ ١٧٩.
[ ١ / ٥٥١ ]
قالَ في " المواقف " (١) وشرحه: «قالوا: الأئمةُ أنبياءٌ، وأبو الخطّابِ نبيٌّ، بل زادوا، وقالوا: الأئمةُ آلهةٌ، والحسنانِ ابنا اللهِ، وجعفرُ الصادق إلهٌ، وأبو الخطّابِ أفضلُ منهُ ومنْ عليٍّ، وهؤلاءِ يستحلونَ شهادة الزورِ لموافقيهِم على مخالفيهم».
(والرافضةُ) قالَ في " القاموسِ" (٢): «فرقةٌ منَ الشيعةِ؛ لأنَّهم تابعوا زيدَ ابنَ عليٍّ، ثُمَّ قالوا لَهُ: تبرّأ منَ الشيخينِ، فَأَبَى، وقالَ: كانا وَزيرَي جَدِّي، فتركوهُ ورفضوهُ والنسبة: رافضيٌّ» انتهى.
والشيعةُ: همُ الذينَ شايعُوا عليًا، وقالوا: إنَّهُ الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالنصِّ، إمّا جليًّا، وإمّا خفيًّا، وأنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عَنهُ وعن أولادهِ، إلاّ بظلمٍ منْ خارجٍ، وتقيةً مِنهُم (٣). ويقولونَ بعصمةِ الأئمةِ، والتولّي والتبرّي إلا في حالِ التقيةِ، وهم اثنانِ وعشرونَ فرقةً، والظاهِرُ أنَّ مرادَ الشيخِ بالرافضةِ جميعُ فِرَقِهِم؛ فإنَّ الجميعَ (٤) قائلونَ بالتُقيةِ - يعني: جوازَ أنْ يُظهِرُوا لِخلافِ ما يبطنونَ إذا خَافوا - وهذا بابُ / ١٧٨ ب / الكذبِ.
قولُهُ: (والسالميةِ) (٥) هم ممّنْ وَقفَ معَ الحسِ، كالذينَ قالوا: إنَّهُ سبحانهُ على العرشِ بطريقِ المماسةِ، حتى قالوا: إنَّ الميِّتَ يأكلُ في قبرهِ، ويشربُ وينكحُ؛ لأنَّهم سمعوا أنَّهُ يُنعَّم في قبرِهِ، وليسَ النعيمُ عندَهم (٦) إلا هَذا، قالهُ ابن الجوزيِّ في
_________________
(١) المواقف: ٤٢٠.
(٢) القاموس المحيط مادة (رفض).
(٣) انظر: الملل والنحل ١/ ١٤٦.
(٤) في (ب) و(ف): «الكل».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٨.
(٦) في (ب) و(ف): «وليس عندهم النعيم».
[ ١ / ٥٥٢ ]
أوائلِ " تلبيسِ إبليسَ ". (١) وقالَ الإمامُ أبو المظفرِ شاهفورُ بنُ طاهِرٍ الشافعيُّ (٢) في كتابهِ " التبصرةِ (٣) في فِرقِ الأممِ " في نصفِهِ الثاني في الكلامِ على الحلاجية: «إنَّ السالميّة جماعةٌ منْ متكلميِّ البصرةِ، قبلوا مِن الحلاجِ بِدعَتهُ في الحلولِ، قالَ: وهم جملةُ الحشويةِ، يتكلمونَ ببدعةٍ متناقضةٍ».
قولُهُ: (كغياثِ بنِ إبراهيم وضعَ للمهديِّ) (٤)، أمَّا غياثٌ، فإنهُ ابن إبراهيمَ النخعيُّ، رَوَى عنِ الأعمشِ وغيرهِ. نقلَ الجوزجانيُّ عنْ غيرِ واحدٍ: أنَّهُ كانَ يضعُ. (٥) وقالَ البخاريُّ: «يُكنَى أبا عبدِ الرحمانِ، يعدُّ في الكوفيينَ، تركوُهُ (٦») انتهى.
رَوَى عَنهُ بقيّةُ، ومحمدُ بنُ حُمرانَ، وعليُّ بنُ الجعدِ، وبهلولُ بن حسان، وقصتهُ معَ المهديِّ ذكرها أبو خيثمةَ (٧)، وإن المهديَّ وَصَله (٨) فلما قامَ، قالَ
: «أشهدُ أنَّ قفاكَ قفا كذابٍ» انتهى.
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٨٦.
(٢) هو أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي (شاهفور)، صاحب «التفسير الكبير»، كان أحد الأعلام، توفي سنة (٤٧١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٠١.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٨.
(٥) كذبه غير واحد من الأئمة. ميزان الاعتدال ٣/ ٣٣٧ ترجمة (٦٦٧٣).
(٦) التأريخ الكبير ٧/ ١٠٩.
(٧) وقصته أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٤٢ و٣/ ٧٨. وانظر: تذكرة الموضوعات: ١٥٤، وتنْزيه الشريعة ٢/ ٢٣٩، والفوائد المجموعة: ١٧٤، والأسرار المرفوعة: ٤٦٩.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي أعطاه صلة».
[ ١ / ٥٥٣ ]
وقال ابنُ عديٍّ: «بيّنُ الأمرِ في الضعفِ، وأحاديثهُ كلُّها شبهُ الموضوعِ» (١).
وأمّا المهديُّ فهوَ أميرُ المؤمنينَ محمدُ بنُ أميرِ المؤمنينَ أبي جعفر عبدِ اللهِ المنصورِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بن العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، والمهديُّ أبو هارونَ الرشيدِ.
قولهُ: (في قصصهم) (٢) القصصُ: مصدرُ قصَّ، / ١٧٩ أ / مِنْ قولهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣)، أي: نبيّنُ لكَ أحسنَ البيانِ، والمرادُ القُصّاصُ، أي: الوعَّاظُ وزنًا ومعنىً، واحدُهم قاصٌّ، مأخوذٌ مِنْ ذِكرِ القِصصِ بالكسرِ، جمع قِصّةٍ، وهي الحالُ.
قولهُ: (كأبي سعيد (٤) المدائني) (٥) لمْ أرَهُ. وقالَ شيخُنا في " لسانِ الميزانِ " (٦): «ذَكرَهُ شيخُنا في " شرحِ الألفيةِ " فيمنْ كانَ يضعُ الحديثَ، فليحرّرْ ذلكَ».
قولهُ: (امتُحِنُوا) (٧)، بالبناء للمفعولِ، أي: امتَحنَهم غيرُهمْ منَ المحنةِ، وهي البليةُ.
قولهُ: (بأولادٍ لهمْ) (٨) أيّ: كوكيعِ بنِ الجراحِ، هكذا رأيتُ بخطِّي وخطِّ
_________________
(١) الكامل لابن عدي ٧/ ١١٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
(٣) إشارة إلى جزء من آية (٣) من سورة يوسف.
(٤) الذي أثبتناه في شرح التبصرة: «سعد».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
(٦) لسان الميزان ٧/ ٥٢، وانظر: الكشف الحثيث: ٤٧٣ (٨٦٩)، وتنزيه الشريعة ١/ ١٣٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٥٥٤ ]
غيري منْ ثقاتِ أصحابِنَا عنْ شيخِنا، والذي رأيتُ في ترجمةِ سفيانَ بنِ وكيعٍ هذا أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ، قالَ: «سألتُ أبا زرعةَ عَنهُ، فقالَ: لا يشتغل بهِ، كانَ يكذبُ، كانَ أبوهُ رجلًا صالحًا، قيلَ لهُ: كانَ سفيانُ يتهمُ بالكذبِ.
قالَ: نَعَمْ». وقالَ أيضًا: «سمعتُ أبي يقولُ: كلَّمني فيهِ مشايخٌ منْ أهلِ الكوفةِ، فأتيتهُ معَ جماعةٍ منْ أهلِ الحديثِ، فقلتُ لهُ: إنَّ حقَّكَ واجبٌ علينا، لو صُنْتَ نفسكَ واقتصرتَ على كُتُبِ أبيكَ لكانتِ الرحلةُ إليكَ، فكيفَ وقدْ سمعتَ؟ فقالَ: وما الذي ينقمُ عليَّ؟ قلتُ: قد أدخلَ وَرّاقُكَ ما ليسَ منْ حديثِكَ بينَ حديثِكَ، قالَ: فكيفَ السبيلُ في هذا؟ قلت: ترمي بالمخرّجاتِ، وتقتصرُ على الأصولِ، وتنحّي هذا الورّاقَ (١)، وتدعو بابنِ كرامةَ، وتوليّهِ أصولَكَ، فإنَّهُ يُوثَقُ بهِ، فقالَ: مقبولًا منكَ، فما فعلَ شيئًا مما قالهُ» (٢).
وقالَ ابنُ حبانَ: «كانَ شيخًا فاضلًا صدوقًا، إلاَّ أنَّهُ ابتليَّ بورَّاقِهِ (٣») فحَكَى قصتَهُ. فهذا يقتضي أنَّ أباهُ وكيعًا / ١٧٩ ب / لم يُبتلَ بِهِ، وإنَّما ابتُلِيَ هو بورّاقِهِ، لكنَّ بليَّته بورّاقهِ صارتْ بليةً لأبيهِ بهِ (٤)، فإنَّهُ صار يروي ما دسَّهُ ورّاقُهُ في حديثِهِ، عنْ أبيهِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنَا عنْ شيخِنَا: «أنَّ حمادَ بنَ سلمةَ أيضًا ابتُلِيَ بولدِهِ، وهو وَهمٌ؛ فإنَّ حمّادًا لا ولدَ لهُ». قالَ شهابُ بنُ المعمّرِ البلخيُّ: «كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ يعدُّ منَ الأبدالِ (٥»). وعلامةُ الأبدالِ أنْ لا يُولدَ لهمْ، تزوّجَ سبعينَ امرأةً فلمْ يُولَدْ لَهُ، انتهى. غيرَ أنَّ البخاريَّ اجتنبَ حديثَهُ. قالَ شيخُنَا: «واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ
_________________
(١) في (ف): «الأوراق».
(٢) الجرح والتعديل ٤/ ٢١٧.
(٣) المجروحين ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٤٧.
[ ١ / ٥٥٥ ]
عنْ ذلكَ، لما ذكرَ أنَّ مسلمًا أخرجَ أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريُّ حديثهمْ، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ، إمامٌ كبيرٌ، مدَحَهُ الأئمةُ وأطنبوا، ولما تكلمَ بعض مُنتحلي المعرفة، أنَّ بعضَ الكَذَبةِ أدخلَ في حديثِهِ ما ليسَ مِنْهُ لم يُخْرّجْ عنْهُ البخاريُّ معتمدًا عليهِ، بل استشهدَ بهِ في مواضعَ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ ثقةٌ (١»).
وقالَ الحاكمُ (٢): «هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلاَّ أنَّهُ لما كبرَ ساءَ حفظهُ فلذا تركَهُ البخاريُّ»، وقالَ الدولابيُّ: «حدّثنا محمدُ بنُ شجاعٍ البلخيُّ (٣)، حدّثني إبراهيمُ بنُ عبد الرحمانِ بنِ مهديٍّ، قالَ: كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ لا يُعرفُ بهذهِ الأحاديثِ التي في الصفاتِ، حتى خرجَ مرَّةً إلى عَبّادانَ (٤)، فجاءَ وهو يرويها، فسمعتُ عبّادَ بنَ صُهيبٍ، /١٨٠ أ/ يقولُ: إنَّ حمّادًا كانَ لا يحفظ، وكانوا يقولونَ: إنَّها دُسّتْ في كُتبهِ، وقد قيلَ: إنَّ ابنَ أبي العوجاءِ كانَ ربيبَهُ، فكانَ يدسُّ في كتبهِ (٥»)، قرأتُ بخطِّ الذهبيِّ: ابنُ البلخيِّ ليسَ بمصدِّقٍ على حمّادٍ وأمثالهِ، وقدْ أتُّهمَ. قلتُ: وعبّادٌ أيضًا ليسَ بشيءٍ (٦») انتهى كلامُ شيخِنا.
_________________
(١) انظر: هدي الساري: ٣٩٩، وانظر بلا بد كتابي أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٢٠.
(٢) هكذا في (أ) و(ب) و(ف)، والصواب: «البيهقي» وليس «الحاكم» كما جاء في تهذيب التهذيب ٣/ ١٣، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٤٥٢، ولعله سبق قلم من الناسخ والمؤلف. أما قول الحاكم فهو: «لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرّج له في الشواهد عن طائفة».
(٣) هكذا في (أ) و(ب) و(ف) وتهذيب التهذيب، ولعل الصواب: «الثلجي»، كما جاء في الكامل ٣/ ٤٧، وتهذيب الكمال ٦/ ٣٤٤ (٥٨٧٧)، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٧٩.
(٤) بتشديد ثانيه، وفتح أوله: جزيرة في فم دجلة العوراء، وهي الآن مدينة تقع في جنوب غرب إيران. مراصد الاطلاع ٢/ ٩١٣.
(٥) انظر: الكامل لابن عدي ٣/ ٤٧.
(٦) تهذيب التهذيب ٣/ ١٢ - ١٣.
[ ١ / ٥٥٦ ]
فكأنَّ مستندَ مَنْ نقلَ أنَّهُ ابتُلِيَ بابنهِ، عَنَى ما نُقِلَ عنْ ربيبهِ ابنِ أبي العوجاءِ، والله أعلمُ.
قولهُ: (أو ورّاقينَ) (١)، أي: كالقداميِّ الذي ذكرهُ، والورّاقُ: هوَ الناسخُ، ولمْ أرَ في ترجمتهِ أنَّ آفتَهُ منْ وَرّاقهِ، وإنّما قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ " (٢): «عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ربيعةَ بنِ قدامةَ القداميُّ المصيصيُّ، أحدُ الضعفاءِ، أتى عنْ مالكٍ بمصائبَ»، ثمَّ قالَ: «قالَ ابنُ عديٍّ: عامةُ حديثهِ غيرُ محفوظةٍ (٣)، ولمْ أرَ للمتقدمينَ فيهِ كلامًا (٤)، وقالَ ابنُ حبّانَ: يقلّبُ الأخبارَ، لعلهُ قَلَبَ عنْ مالكٍ أكثرَ منْ مئةٍ وخمسينَ حديثًا، ورَوَى عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ نسخةً أكثرُهَا مقلوبٌ (٥)، وقالَ الحاكمُ والنقّاشُ: رَوَى عن مالكٍ أحاديثَ موضوعةً، وقال الخليليُّ: أخذَ أحاديثَ الضعفاءِ منْ أصحابِ الزهريِّ، فرواها عن مالكٍ» (٦)، انتهى.
فهذا كلُهُ يدلُّ على أنَّ الآفةَ منْهُ نفسه، والله أعلمُ.
قولهُ: (ابن دحيةَ) (٧) هوَ عمرُ بنُ الحسنِ بنِ عليٍّ الدانيُّ الأندلسيُّ، قالَ في "لسانِ الميزانِ" (٨): «متهمٌ في نقلهِ، معَ / ١٨٠ ب / أنَّهُ كانَ منْ أوعيةِ العلمِ، دخلَ فيما لا يعنيهِ، قالَ الحافظُ الضياءُ: لمْ يعجبْني حالُهُ، كانَ كثيرَ الوقيعةِ في الأئمةِ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
(٢) ٤/ ٥٥٧ - ٥٥٩.
(٣) في لسان الميزان: «محفوظ».
(٤) الكامل ٥/ ٤٢٤.
(٥) المجروحين ١/ ٥٣٣.
(٦) الإرشاد ١/ ٢٨١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٩.
(٨) ٦/ ٨٠ - ٨٥، وفي النقل اختصار كثير.
[ ١ / ٥٥٧ ]
ثمَّ قالَ: أخبرني السنهوريُّ: أنَّ مشايخَ المغربِ (١) كتبوا لهُ جرحَهُ وتضعيفَهُ، وقالَ قاضي حماةَ ابنُ واصلٍ: كانَ ابنُ دحيةَ معَ فرْطِ معرفتهِ بالحديثِ، وحفظهِ الكثير لهُ، متهمًا بالمجازفةِ في النقلِ. وقالَ ابنُ نقطةَ: كانَ موصوفًا بالمعرفةِ والفضلِ، إلاَّ أنّهُ كانَ يدّعي أشياءَ لا حقيقةَ لها، وذكرَ أبو القاسمِ بنُ عبدِ السلامِ، قالَ: أقامَ عندنا ابنُ دحيةَ، فكانَ يقولُ: أحفظُ "صحيحَ مسلمٍ"، والترمذيَّ، قالَ: فأخذتُ خمسةَ أحاديثَ منَ الترمذيِّ، وخمسةً منَ المسندِ، وخمسةً منَ الموضوعاتِ، فجعلتُهَا في جزءٍ، فعرضتُ حديثًا منَ الترمذيِّ عليهِ، فقالَ: ليسَ بصحيحٍ. وآخرَ، فقالَ: لا أعرفهُ. ولمْ يعرفْ منها شيئًا. وقالَ ابنُ النجارِ: رأيتُ النَّاسَ مُجْمِعينَ على كذبهِ، وضعفهِ، وادعائهِ سماعَ ما لَم يسمعْهُ، ولقاءَ منْ لمْ يلقهُ، وكانتْ أماراتُ ذلكَ عليهِ لائحةً. وقالَ: حدّثني عليُّ بنُ الحسنِ أبو العلاءِ الأصبهانيُّ - وناهيكَ بهِ جَلالًا ونُبلًا- قالَ: لما قدِمَ علينا ابنُ دحيةَ (٢) أصبهانَ دخلَ على أبي في الخانكاه (٣)، فكانَ يكرمُهُ ويبجّلُهُ، فدخلَ على والدي يومًا ومعهُ سجّادةٌ، فقبّلها ووضعَها بينَ يديهِ، وقالَ: صليتُ على هذهِ السجادةِ / ١٨١ أ / كذا وكذا ألف ركعةٍ، وختمتُ عليها القرآنَ في جوفِ الكعبةِ مراتٍ، قالَ: فأخذها والدي وقَبَّلهَا، ووضعهَا على رأسهِ، وقبِلَهَا (٤) مبتهِجًا، فلما كانَ آخرُ النهارِ، حضرَ عندنا رجلٌ منْ أهلِ أصبهانَ، يتحدّثُ عندَهُ (٥)، إلى أنِ اتفقَ أنَّهُ قالَ: كانَ الفقيهُ المغربيُّ الذي عندكمْ اليومَ في السوقِ، فاشترى سجادةً حسنةً بكذا وكذا، فأمرَ والدي بإحضارِ السجادةِ، فقالَ:
_________________
(١) في لسان الميزان: «الغرب».
(٢) في (ب) و(ف): «ابن دحية علينا»، وكذا في اللسان.
(٣) الخانكاه ويسمّى أيضًا الخانقاه: بقعة يسكنها المتصوفة. انظر: تاج العروس مادة (خنق).
(٤) زاد بعدها في (ف): «آخر».
(٥) في لسان الميزان: «فتحدث عندنا».
[ ١ / ٥٥٨ ]
إي واللهِ هذه هي، فسكتَ والدي، وسقطَ ابنُ دحيةَ منْ عينهِ، وأرّخَ وفاتَهُ في ربيعٍ الأولِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وستِّمئةٍ».
قولهُ: (فلا يمكنُ تركهم لذلكَ) (١)، أي: لكونهِمْ يرَونهُ قربةً، وهمْ في أنفسهِمْ متدينونَ، وقدْ جرتِ العادةُ أنَّ المتدينَ لا يكف عن قربةٍ، فهوَ مستحيلٌ عادةً.
قولهُ: (جَهابذةِ الحديث) (٢) - بفتحِ الجيمِ - جمعُ جِهبذٍ - بكسرِ الجيمِ، وآخرهُ معجمةٌ -، وهو النَّقادُ الخبيرُ (٣).
قولهُ: (ما حُمِّلوه) (٤) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ مثقّلٌ، مثلَ: كـ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ (٥) أي: حَمَّلَهُم إياها (٦) غيرُهم فتحمّلُوهُ، أي: ففعلوا ما أرادَ.
قولهُ: (عُوَارَها) (٧) هوَ مثلثُ العينِ، ومعناهُ: العيبُ، والخرقُ، والشقُّ في الثوبِ (٨).
قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظونَ﴾ (٩) في اللفظِ والمعنى، ومنْ حفظهِ تعالى لمعناهُ: هتكُ منْ يكذبُ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، فإنَّ أحاديثهُ هي المبيّنةُ للكتابِ.
قولهُ: (نوحُ بنُ أبي مريمَ) (١٠) واسمهُ ناجيةُ، وقيلَ: يزيدُ بنُ جعُّونةَ المروزيُّ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٠.
(٣) انظر: تاج العروس مادة (جهبذ).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٠.
(٥) الجمعة: ٥.
(٦) في (ف): «إياه».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٠.
(٨) انظر: تاج العروس مادة (عور).
(٩) الحجر: ٩.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١١.
[ ١ / ٥٥٩ ]
أبو عصمةَ / ١٨١ ب / القرشيُّ مولاهم، قاضي مرو، ويعرفُ بنوحٍ الجامعِ. قالَ في " تهذيبِ التهذيب " (١): «وكانَ معَ ذلكَ - أي: معَ روايتهِ - عالمًا بأمورِ الدنيا فسُمّيَ الجامعَ، وقيل: هوَ نوحُ بنُ يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ»، وقالَ أبو رجاءٍ محمدُ بنُ حمدويهَ في " تأريخهِ ": «نوحُ بنُ أبي مريمَ، كانَ أبوهُ مجوسيًا منْ أهلِ هُرمُز، غلبَ عليهِ الإرجاءُ، ولم يكنْ بمحمودِ الروايةِ، وكانتْ ولايتهُ القضاءَ في خلافةِ المنصورِ»، وقالَ الحاكمُ: «أبو عصمةَ مقدّم في علومِهِ، إلاَّ أنَّهُ ذاهبٌ بمرةٍ، وقدْ أفحشَ أئمةُ الحديثِ القولَ فيهِ ببراهينَ ظاهرةٍ»، وقالَ أيضًا: «لقدْ كانَ جامعًا - كاسمهِ - رُزِقَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الصدقَ، نعوذُ باللهِ منَ الخذلانِ»، وقالَ أبو عليٍّ النيسابوريُّ: «كانَ كذابًا» وقالَ أبو سعيدٍ النقاشُ: «رَوَى الموضوعاتِ»، وقالَ الخليليُّ: «أجمعوا على ضعفهِ (٢»). وكذبهُ ابنُ عيينةَ، وما أحسنَ قولَ أبي عصمةَ: «ما أقبحَ اللحنَ منْ متقعِّرٍ!»، وقالَ محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ ابنِ أبي رزمةَ، عنْ أبيهِ: ماتَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئةٍ».
قولهُ: (ميسرةُ بنُ عبدِ ربهِ) (٣) هوَ الفارسيُّ، ثمَّ البصريُّ التَرّاسُ الأكّالُ، كانَ يأكلُ كثيرًا. قالَ الدِّينَوريُّ في "المجالسةِ" (٤): حدّثنا ابنُ ديزيلَ (٥)، حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قالَ: سمعتُهمْ يقولونَ لميسرةَ الأكولِ: كمْ تأكلُ؟ قالَ: منْ مالي،
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٣٤ - ٤٣٥، وفي الكلام تقديم وتأخير.
(٢) الإرشاد ٣/ ٩٠٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٢.
(٤) المجالسة وجواهر العلم ٦/ ٢٤٣ (٢٦٠٤) وانظر: لسان الميزان ٨/ ٢٣٦.
(٥) هو أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني الكسائي، يعرف بابن ديزيل، كان يلقب بدابة عفان؛ لملازمته له، ويلقب بسيفنة، وسيفنة: طائر ببلاد مصر، لا يكاد يحط على شجرة إلا أكل ورقها حتى يعريها، توفي سنة (٢٨١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٨٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠٨.
[ ١ / ٥٦٠ ]
/ ١٨٢ أ / أو منْ مالِ الغيرِ؟ قالوا: مِنْ مالِكَ، قالَ: رغيفينِ، قيلَ: فمِنْ مالِ الغيرِ؟ قالَ: اخبزْ واطرحْ». قالَ شيخُنَا: «والذي يتبادرُ إلى ذهني أنَّ الأكّالَ غيرُهُ، فإنَّ ابنَ عبدِ ربهِ قدْ وصفهُ جماعةٌ بالزهدِ، وضعّفوهُ، وأمّا الأكّالُ فكانَ ماجنًا، وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ - يعني: عن ابن عبدِ ربهِ -: كذابٌ رَوَى أحاديثَ منكرةً، وكانَ ينتحلُ الزهدَ، والعبادةَ، فإذا جاءَ الحديثُ جاءَ شيءٌ آخر» (١).
قالَ الذهبيُّ: «رَوَى عنْ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، وابنِ جريجٍ، وموسى بنِ عبيدةَ، والأوزاعيِّ، ثمَّ قالَ: وأمّا الأكّالُ، فإن كانَ ابن عبدِ ربِهِ المذكور، فيروي عنْ غلام خليلٍ، وهو متهمٌ، قالَ: وذكرتُ في " تأريخي الكبيرِ " أنَّ بعضَ المُجّانِ (٢) أنزلوهُ عنْ حمارهِ ثمَّ ذبحوهُ، وشووهُ وأطعموهُ إياهُ على أنَّهُ كبشٌ، ثمَّ جمعوا لهُ ثمنَ الحمارِ» (٣).
قولهُ: (المؤمل بن إسماعيلَ) (٤) العدوي، مولى آلِ الخطابِ، وقيلَ: مولى بني بكرٍ، ونقلَ البخاريُّ عنْ أبيه أنَّهُ قالَ: نحن منْ صليبةِ كنانةَ، أبو عبدِ الرحمانِ البصريُّ، نزيلٌ (٥) بمكةَ، رَوَى عنْ: عكرمةَ بنِ عمّارٍ، وشعبةَ، والحمادينِ، والسفيانينِ، وغيرِهم.
وعنهُ: أحمدُ بنُ حنبلٍ، وعليُّ بنُ المدينيِّ، وغيرُهما. قالَ ابنُ معينٍ:
«ثقةٌ» (٦). وقالَ أبو حاتمٍ: «صدوقٌ، شديدٌ في السنةِ، كثيرُ الخطأِ (٧»). وقالَ
_________________
(١) لسان الميزان ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) في (أ) و(ب) و(ف): «الجان» وهو تحريف، والتصويب من ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣١.
(٣) ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١، وفي النقل تصرف واختصار.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٢.
(٥) في (ب): «نزل».
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٨/ ٤٢٨.
(٧) الجرح والتعديل ٨/ ٤٢٨.
[ ١ / ٥٦١ ]
البخاريُّ: «منكرُ الحديثِ (١»). وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: «إذا انفردَ بحديثٍ / ١٨٢ ب / يجبُ أنْ يُتوقَفَ ويُتَثبَّتَ فيهِ؛ لأنَّهُ كانَ سَيْيءَ الحفظِ كثيرَ الغلطِ». وقالَ ابنُ حبانَ في "الثقاتِ": «ربما أخطأَ» (٢)، ماتَ يومَ الأحدِ لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ منْ شهرِ رمضانَ سنةَ ستٍّ ومئتينِ (٣).
قولهُ:
٢٣٥ - وَجَوَّزَ الوَضْعَ - عَلَى التَّرْغِيْبِ - قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ
قولهُ: (الكرّامية) (٤) - بتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ كرّامٍ السجستانيِّ العابدِ المتكلّمِ، وبالتثقيلِ قيّدَهُ (٥) ابنُ ماكولا (٦)، والسمعانيُّ (٧)، وغيرُ واحدٍ. قالَ الذهبيُّ: «وهوَ الجاري على الألسنةِ» (٨)، وقالَ (٩) ابنُ الصلاحِ:
_________________
(١) ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٣٥٦، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وانظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٢٨.
(٢) الثقات ٩/ ١٨٧.
(٣) انظر في تفصيل ترجمته: التأريخ الكبير٨/ ٤٩، والتأريخ الصغير ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧، وتهذيب الكمال ٧/ ٢٨٤ (٦٩١٤)، والكاشف ٢/ ٣٠٩ (٥٧٤٧)، وميزان الاعتدال ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٠ - ١١١، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال: ٣٩٣، وانظر بلا بد كتابي "أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء": ٤٢٩ وما بعدها.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣.
(٥) في (ب): «حكاه».
(٦) الإكمال ٧/ ١٢٨.
(٧) الأنساب ٤/ ١٣٢.
(٨) ميزان الاعتدال ٤/ ٢١.
(٩) في (ب): «قال» من غير واو.
[ ١ / ٥٦٢ ]
«إنَّهُ لا يعدل عنهُ (١»)، قالَ الذهبيُّ: «وقد أنكرَ ذلكَ مُتكلِّمُهُمْ محمدُ بنُ الهيصمِ وغيرُهُ منَ الكرّاميةِ، فحَكَى فيهِ ابنُ الهيصمِ وجهينِ:
أحدهما: كَرَام - بالتخفيفِ والفتحِ-، وذكرَ أنَّهُ المعروفُ في ألسنةِ مشايخِهمْ، وزعَمَ أنَّهُ بمعنى كَرُم، أو بمعنى: كرامةً.
والثاني: أنَّهُ كِرَام - بالكسرِ - على لفظِ جمعِ كريم، وحَكَى هذا عنْ أهلِ سجستانَ، وأطالَ في ذلكَ (٢»).
قالَ شيخُنا: «وقرأت بخطِّ الشيخِ تقيِّ الدّينِ السبكيِّ: أنّ (٣) ابنَ الوكيلِ اختلفَ معَ جماعةٍ في ضبطِ ابنِ كرّام، فصمّمَ ابنُ الوكيلِ على أنَّهُ بكسرِ أولهِ والتخفيفِ، واتفقَ الآخرونَ على المشهورِ، فأنشدَهُمْ ابنُ الوكيلِ مستشهِدًا على صحةِ دعواهُ قولَ الشاعرِ:
الفقهُ فقهُ أبي حنيفةَ وحده والدينُ دينُ محمدِ بنِ كِرَامِ
/ ١٨٣ أ / قالَ: فظنّوا كلُّهمْ أنَّهُ اخترعهُ في الحالِ، وأنَّ البيتَ من نظمهِ، قالَ: ولما كانَ بعدَ دهرٍ طويلٍ رأيتُ الشعرَ لأبي الفتحِ البستيِّ، الشاعرِ المشهورِ، الذي يكثرُ التوليعَ (٤) بالجناسِ وقبْله:
إنَّ الذينَ بجهلِهم لمْ يقتدوا في الدينِ بابنِ كِرَامَ غيرُ كِرَامِ
قالَ: فعرفتُ جودةَ استحضارِ ابنِ الوكيلِ» (٥). انتهى.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٤/ ٢٢.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/ ٢١ - ٢٢.
(٣) كلمة: «أن» لم ترد في (أ).
(٤) في (ف): «التوابع».
(٥) حكى هذه الحكاية الحافظ ابن حجر، عن الصفدي في نكته ٢/ ٨٦٠ وبتحقيقي: ٦١٢، وانظر: الوافي بالوفيات ٤/ ٢٧٦.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقالَ الذهبيُّ: «إنَّ (١) ابنَ كرّامٍ ساقطُ الحديثِ على بدعتهِ» (٢)، وقالَ ابنُ حبّانَ: «خذِلَ حتى التقطَ منَ البراهينِ ومنَ الأحاديثِ أوهاها» (٣)، وقالَ أبو العباسِ السَّراجُ: «شهدتُ البخاريَّ، ودُفِعَ إليهِ كتابٌ منْ ابنِ كرّامٍ يسألهُ عنْ أحاديثَ، منها: الزهريُّ، عنْ سالمٍ، عنْ أبيهِ مرفوعًا: الإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ. فكتبَ أبو عبدِ اللهِ على ظهرِ كتابهِ: منْ حدّثَ بهذا استوجبَ الضربَ الشديدِ، والحبسَ الطويلَ»، وقالَ (٤) ابنُ حبانَ: «جعلَ ابن كرَّام الإيمانَ قولًا بلا معرفةٍ»، وقالَ ابنُ حزمٍ: «قالَ ابنُ كرَّامٍ: الإيمانُ قولٌ باللسانِ، وإنِ اعتقدَ الكفرَ بقلبهِ فهوَ مؤمنٌ»، قالَ الذهبيُّ: قلتُ: هذا منافقٌ محضٌ في الدركِ الأسفلِ منَ النَّارِ قطعًَا، فَإِيشِ ينفعُ ابنَ كرّامٍ أنْ يسميهِ مؤمنًا. ومنْ بدعِ الكرّاميّةِ قولُهمْ في المعبودِ تعالى: إنَّهُ جسمٌ لا كالأجسامِ، وقدْ سجنَ بنيسابورَ لأجلِ بدعتهِ ثمانيةَ أعوامٍ (٥»).
قالَ شيخُنَا: «وقالَ الحاكمُ: قيلَ: إنَّ /١٨٣ ب / أصلهُ منْ زَرَنْجَ (٦)، ونشأ بسجستانَ، ثمَّ دخلَ بلادَ خراسانَ، وجاورَ بمكةَ خمسَ سنينَ، ولما شاعتْ بدعتُهُ، حَبسَهُ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، فلما أطلقوهُ توجَّه إلى الشامِ، ثمَّ رجعَ إلى نيسابورَ، فحَبسَهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، وطالَ حبسُهُ، فكانِ يتأهّبُ يومَ الجمعةِ، ويقولُ للسجّانِ: أتأذن؟ فيقولُ: لا. فيقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ المنعَ منْ
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) ميزان الاعتدال ٤/ ٢١.
(٣) المجروحين ٢/ ٣٠١.
(٤) في (ب): «قال» بدون واو.
(٥) ميزان الاعتدال ٤/ ٢١.
(٦) بفتح أوله وثانيه، ونون ساكنة، وجيم: مدينة هي قصبة سجستان الكورة المعروفة. مراصد الاطلاع ٢/ ٦٦٣.
[ ١ / ٥٦٤ ]
غيري، ثمَّ لما أُطلقَ تحوّلَ فسكنَ بيتَ المقدسِ، وقالَ ابنُ عساكرَ: كانَ للكرّاميةِ رباطٌ ببيتِ المقدسِ، وكانَ هناكَ رجلًا يقالُ لهُ: هجَّامٌ، يحسنُ الظنَّ (١) بهمْ، فنهاهُ الفقيهُ نصرٌ (٢)، فقالَ: إنَّما لي الظاهرُ. فرأى (٣) هجّامٌ بعدَ ذَلِكَ أنَّ في رباطِهِمْ حائطًا فيهِ نباتُ النرجسِ، فاستحسنَهُ، فمدَّ يدَهُ فأخذَ منهُ شيئًا، فوجدَ أصولَهُ في العذرةِ، فقالَ لهُ الفقيهُ نصرٌ: الذي قلتُ لكَ تعبيرُ رؤياكَ، ظاهرُهم حسنٌ، وباطنُهمْ خبيثٌ، قالَ ابنُ عساكرَ: ولما دخلَ القدسَ، سمعَ النَّاسَ منهُ حديثًا كثيرًا، فجاءهُ إنسانٌ فسألهُ عن الإيمانِ، فلمْ يجبهُ ثلاثًا، ثمَّ قالَ: الإيمانُ قولٌ. فلما سمعوا ذَلِكَ حَرَّقوا (٤) الكتبَ التي كتبوا عنهُ، ونفاهُ والي الرملةِ إلى زُغَرٍ (٥) فماتَ بها» (٦).
قالَ الذهبيُّ: «سنةَ خمسٍ وخمسينَ ومئتينِ، وعكف أصحابُهُ على قبرهِ مدةً» (٧). وقالّ القاضي عضدُ الدينِ في " المواقفِ " (٨) والسيدُ في / ١٨٤ أ /
" شرحهِ ": «وقالوا - أي الكرّاميةُ -: الإيمانُ قولُ الذرِّ في الأزلِ: بلى. أي: الإيمانُ هوَ الإقرارُ الذي وُجِدَ منَ الذَرِّ حينَ قالَ تعالى لهمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٩)، وهو باقٍ في الكلِّ على السويةِ،
_________________
(١) كلمة: «الظن» لم ترد في (أ) و(ب)، وهي في (ف)، واللسان، وجاءت هذه الكلمة في تاريخ دمشق: «ظنه».
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: المقدسي».
(٣) أي في المنام، كما في تاريخ دمشق.
(٤) هكذا في (أ) و(ب) وتاريخ دمشق، وفي (ف) واللسان: «خَرَّقوا».
(٥) بوزن زُفَر، وآخره راء مهملة: قرية بمشارف الشام، في طرف البحيرة المنتنة، وتسمّى البحيرة بها، وهي قرب الكرك. مراصد الاطلاع ٢/ ٦٦٧.
(٦) لسان الميزان ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وانظر: تاريخ دمشق ٥٨/ ٩٧ - ٩٨.
(٧) ميزان الاعتدال ٤/ ٢١.
(٨) المواقف: ٤٢٩.
(٩) الأعراف: ١٧٢.
[ ١ / ٥٦٥ ]
إلاَّ المرتدينَ، وإيمانُ المنافقِ مع كفرهِ، كإيمانِ الأنبياءِ، لاستواءِ الجميعِ في ذَلِكَ الإيمانِ، والكلمتانِ ليستا بإيمانٍ إلاَّ بعدَ الردّةِ، نسألُ اللهَ العافيةَ آمينَ».
قولهُ: (منَ الثوابِ) (١) «منْ» بيانية، أي: في المعنى الذي هوَ منَ الثوابِ والعقابِ الذي انتفى عنهُ حكمٌ، وقدْ جهلَ هؤلاءِ أنَّ الثوابَ والعقابَ حكمانِ منْ أحكامِ الشرعِ؛ فإنَّ الثوابَ إمّا أنْ يترتبَ على مُسْتحبٍ، أو واجبٍ (٢)، والعقاب إنّما يترتبُ على الحرامِ، فهذهِ ثلاثةُ أحكامٍ منَ الخمسةِ.
قولهُ: (محمد بن سعيدٍ) (٣) بنِ حسان بنِ قيسٍ الأسديِّ، ويقالُ: محمدُ ابنُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، ويقالُ: ابنُ أبي عتبةَ، ويقالُ: ابنُ أبي قيسٍ، ويقالُ: ابنُ أبي حسان، ويقالُ: ابنُ الطبريِّ أبو عبدِ الرحمانِ، ويقالُ: أبو عبدِ اللهِ، ويقالُ: أبو قيسٍ الملائيُّ الدمشقيُّ، ويقالُ: الأزديُّ، ويقالُ: محمدُ بنُ أبي (٤) زينبَ، وابنُ زكريا، وابنُ أبي الحسنِ. وبعضُهمْ يقولُ: عنْ أبي عبدِ الرحمانِ الشاميِّ، ويقولونَ: محمدُ بنُ حسان الطبريُّ، وربما قالوا: عبدُ اللهِ، وعبدُ / ١٨٤ ب / الرحمانِ، وعبدُ الكريمِ وغيرُ ذَلِكَ، على معنى التعبيد (٥) فيهِ، وينسبونهُ إلى جدّهِ، ويكنونَ الجدَّ حتى يتسعَ جدًا في هذا، قالهُ العقيليُّ (٦)، وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المصريُّ نحو ذَلِكَ، وزاد: وهوَ محمدٌ الذي نسبهُ المحاربيُّ إلى ولاءِ بني هاشمٍ، وهوَ محمدٌ الطبريُّ، ومحمدٌ الأزديُّ، وهوَمحمدُ بنُ سعيدٍ الأسديُّ، الذي رَوَى عنهُ سعيدُ بنُ هلالٍ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣.
(٢) في (ب) و(ف): «واجب أو مستحب».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٤.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) في (أ) و(ب) و(ف): «التبعيد»، وهو تصحيف، والتصويب من كتاب الضعفاء وتهذيب التهذيب.
(٦) الضعفاء الكبير ٤/ ٧٢.
[ ١ / ٥٦٦ ]
ولو قالَ قائلٌ: إنَّهُ أبو عبدِ اللهِ محمدٌ الأسديُّ الذي يروي عن (١): وابصة بن معبدٍ، وعنهُ: محمدُ بنُ صالحٍ لما دفعتُ ذَلِكَ، وقالَ ابنُ عقدةَ: «سمعتُ أبا طالبٍ عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ بنِ سوادةَ يقولُ: قَلَبَ أهلُ الشامِ اسمَ محمدِ بنِ سعيدٍ، على مئةِ اسمٍ، وكذا وكذا اسمًا قدْ جمعتُها في كتابٍ»، وقالَ ابنُ القطانِ: «منْ جملةِ ما قلبوهُ: محمدُ بنُ أبي سهْلٍ»، حَكَى ذَلِكَ شيخُنَا في "تهذيبهِ" (٢)، وقالَ: «رَوَى عنْ: نافعٍ مولى ابنِ عمرَ، والزهريِّ ومكحولٍ (٣). رَوَى عنهُ: ابنُ عجلانَ، والثوريُّ، وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ، وغيرهمْ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، عنْ أبيهِ: «قتله أبو جعفر في الزندقةِ، حديثهُ حديثٌ موضوعٌ»، وقالَ دحيمٌ: «سمعتُ خالدَ بنَ يزيدَ الأزرقِ، يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ سعيدٍ الأزديَّ، يقولُ: إذا كانَ الكلامُ حسنًا لمْ أُبالِ أن أجعلَ (٤) لهُ إسنادًا»، وقالَ أبو مسهرٍ: «هوَ منْ كذابي الأردنِ». وقالَ ابنُ رشدينَ / ١٨٥ أ /: «سألتُ أحمدَ بنَ صالحٍ المصريَّ، فقالَ: زنديقٌ، ضربتْ عُنقُهُ، وضعَ أربعةَ آلافِ حديثٍ عندَ هؤلاءِ الحمقَى، فاحذروها». وقالَ ابنُ حبانَ: «كانَ يضعُ الحديثَ، لا يحلُّ ذكرُهُ إلاَّ على وجهِ القدحِ فيهِ (٥»). قالَ أبو أحمدَ الحاكمُ: «كانَ يضعُ الحديثَ، صُلِبَ على الزندقةِ». وقالَ الجوزجانيُّ: «هوَ مكشوفُ الأمرِ هالكٌ»، وقالَ الحاكمُ: «هوَ ساقطٌ لا خلاف بينَ أئمةِ النقلِ فيهِ» (٦).
_________________
(١) في (أ) و(ب): «عنه» والتصويب من تهذيب التهذيب، وهو الذي يقتضيه السياق.
(٢) تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) من قوله: «روى عن » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) في (أ): «أجعله».
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٨ - ١٥٩.
[ ١ / ٥٦٧ ]
قولهُ:
٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
قولهُ: (ولا أصلَ لهُ) (١)، أي: بإسنادٍ إلاّ منْ مراسيلِ الحسنِ، ونقلَ بعضُ أصحابِنا عنْ خطِّ شيخِنا: أنَّ إسنادَهُ إلى الحسنِ حسنٌ، وقدْ أثنَى أبو زرعةَ، وابنُ المدينيِّ على مراسيلِ الحسنِ، فلا دليلَ على وضعهِ، كذا نُقِلَ هذا عنْ خطِّ شيخِنا. ثمَّ رأيتُ في ترجمةِ الحسنِ منْ "عمدةِ الأندرشي": قالَ عليُّ بنُ المديني:
«مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، شبهُ الريحِ، ومرسلاتُ الحسنِ التي رواها عنهُ الثقاتُ صحاحٌ، ما أقلَّ ما يسقطُ منها» (٢)، وقالَ ابنُ عديٍّ: «سمعتُ الحسنَ بنَ عثمانَ يقولُ: كلُّ شيءٍ، قالَ الحسنُ، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - وجدتُ لهُ أصلًا يرجعُ إليهِ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ». وقالَ لهُ رجلٌ: إنَّكَ تقولُ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - فلو كنتَ (٣) تسندُهُ لنا؟ فقالَ: «ما كَذَبْنا ولا كُذِبنَا»، ثمَّ ذكرَ أنَّهُ اعتذرَ ليونسَ بنِ عبيدٍ بأنّهُ يروي عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو يخشَى منْ تسميتهِ في زمنِ الحجاجِ. ثمَّ قالَ: «وقالَ ابنُ سعدٍ: كلُ ما أَسندَ منْ /١٨٥ ب / حديثهِ، ورَوَى عنْ منْ سَمِعَ منهُ، فحسنٌ حجةٌ، وما أرسلَ فليسَ بحجةٍ» (٤) وكذا هوَ في ترجمتهِ منْ "تهذيبِ" (٥) شيخِنا، وقالَ: «قالَ أبو زرعةَ: «كلُّ شيءٍ يقولُ الحسنُ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وجدتُ لهُ أصلًا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٥.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٢/ ١٢١.
(٣) في (ب): «أنك».
(٤) الطبقات الكبرى ٧/ ١٥٧.
(٥) تهذيب التهذيب ٢/ ٢٤٥.
[ ١ / ٥٦٨ ]
ثابتًا، ما خلا أربعةَ أحاديثَ»، وقالَ أبو زرعةَ: «إنَّهُ لمْ يسمعْ منْ عليٍّ»، وقالَ الترمذيُّ: «لا يُعرفُ لهُ سماعٌ منْ عليٍّ - ﵁ -» (١)، وقالَ الدارقطنيُّ: مراسيلهُ فيها ضعفٌ» (٢). وقالَ في ترجمةِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ: «عنْ يحيى بنِ سعيدٍ: مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ (٣) شبهُ الريحِ» (٤). وكذا نقلَ الأندرشيُّ في ترجمته. هذا ما وجدتُهُ ولمْ أجدْ هذهِ العبارةَ عنِ الحسنِ إلاَّ في " شرحِ الألفيةِ "، وما أدري عمنْ نقلَها، وقدْ عُرفَ منْ مجموعِ هذا الكلامِ أنَّ المرادَ بها الضعفُ، وأصرحُ منْ ذَلِكَ ما في مقدمةِ "صحيحِ مسلمٍ" في آخرِ بابِ بيانِ أنَّ الإسنادَ من الدِّينِ: «سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطانَ، ضعّفَ حكيمَ (٥) بنَ جبيرٍ، وعبد الأعلى، وضعّفَ يحيى بنَ موسى بنِ دينارٍ، وقالَ: حديثُهُ ريحٌ» (٦) انتهى.
وقالَ الأندرشيُّ في " مختصرهِ للتهذيبِ " المسمى بـ" العمدةِ " في ترجمةِ سعيدِ بنِ المسيّبِ: «عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ، أنَّهُ قالَ: عنْ سعيدٍ: لا يُرى أصحّ منْ مرسلاتهِ، قالَ: وأمّا مرسلاتُ الحسنِ وعطاءٍ فأضعفُ المرسلاتِ، كأنهما كانا يأخذانِ منْ كلٍّ» (٧).
قولهُ: (وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّهُ شبهُ الوضعِ) (٨)، قالَ / ١٨٦ أ / المصنفُ في " النكتِ " (٩): «إنَّهُ حسنٌ إذ لمْ يضعهُ ثابتُ بنُ موسى، وإنْ كانَ ابنُ
_________________
(١) انظر: جامع التحصيل: ١٦٣.
(٢) تهذيب التهذيب ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨.
(٣) من قوله: «عن يحيى » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) تهذيب التهذيب ١١/ ٢٣٥.
(٥) في (ف): «حكم».
(٦) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ٢٠.
(٧) انظر: جامع التحصيل: ٨٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٦، وعبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٦.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٣٣.
[ ١ / ٥٦٩ ]
معينٍ (١) قالَ فيهِ (٢): إنَّهُ كذابٌ (٣). نعَمْ، بقيةُ الطرقِ التي سرقَها مَنْ سرقَهَا موضوعةٌ، ولذلكَ جَزَمَ أبو حاتمٍ الرّازيُّ: بأنّهُ موضوعٌ فيما حكاهُ عنّهُ ابنُهُ أبو محمدٍ في " العللِ " (٤)، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (عنِ الأعمشِ) (٥) هوَ سليمانُ بنُ مهرانَ. وشيخهُ «أبو سفيانَ» هوَ طلحةُ بنُ نافعٍ القرشيُّ مولاهمُ الواسطيُّ، والأعمشُ رَاويتُهُ (٦)، وهو صدوقٌ، رَوَى لهُ البخاريُّ مقرونًا بغيرهِ، وقالَ عليُّ بنُ المدينيِّ: «لمْ يسمعْ منْ جابرٍ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ»، وكذا قالَ أبو حاتمٍ، عنْ شعبةَ (٧). قالَ شيخُنا: «لم يخرجْ لهُ البخاريُّ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ عنْ جابرٍ، وأظنُّها التي عناها شيخُهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، منها حديثانِ في الأشربةِ (٨)، قرنهُ بأبي صالحٍ، وفي الفضائلِ (٩) حديثُ: «اهتزَّ العرشُ» كذلكَ، والرابعُ في تفسيرِ سورةِ الجمعةِ (١٠)، قرنهُ بسالمِ بنِ أبي
الجعدِ» (١١) انتهى.
فتحرّرَ أنَّ هذا الحديثَ، وهو «يعقد الشيطانُ» ليسَ منها وهو متَفقٌ عليهِ منْ
_________________
(١) زاد بعدها في (ف): «قد».
(٢) لم ترد في (ب)، وهي من (أ) والتقييد.
(٣) تهذيب الكمال ١/ ٤١٠ (٨٧٨).
(٤) علل الحديث ١/ ١٧٤ (١٩٦).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٦.
(٦) جاء في حاشية (أ): «رواية أبي سفيان» وفي (ف): «روايته».
(٧) انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦.
(٨) صحيح البخاري ٧/ ١٤٠ (٥٦٠٥) و١٤١ (٥٦٠٦).
(٩) صحيح البخاري ٥/ ٤٤ (٣٨٠٣).
(١٠) صحيح البخاري ٦/ ١٨٩ (٤٨٩٩).
(١١) تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦.
[ ١ / ٥٧٠ ]
حديثِ أبي هريرةَ (١)، فلعلَّ الوهمَ في هذا الحديثِ منْ شيخِ ابنِ ماجه، فإنّهُ صدوقٌ يَهِمُ، أو منْ شيخهِ ثابتٍ؛ فإنّهُ ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ) (٢) مثلُهُ ما رويناهُ في "جزءِ لوين"، وهو أبو جعفرَ محمدُ بنُ سليمانَ المصيصيُّ: حدّثنا ابنُ أبي الزنادِ، حدّثنا هشامُ
/ ١٨٦ ب / ابنُ عروةَ، عنْ أبيهِ، قالَ: كانَ الزبيرُ - ﵁ - قاعدًا، ورجلٌ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عامَّةُ مجلسهِ. قالَ: فسكتَ الزبيرُ - ﵁ - حتى انقضتْ مقالتهُ، فقالَ الزبيرُ: ما قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - شيئًا منْ هذا، قالَ: واللهِ يا أبا عبدِ اللهِ، إنَّكَ لحاضرٌ المجلسَ يومئذٍ، قالَ: صدقتَ، إنما قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قبلَ أنْ تجيءَ، قالَ الرجلُ منْ أهلِ الكتابِ، فجعلَ يذكرُ عنهُ، فجئت وهو يذكرُ ذاكَ، فذاكَ الذي يمنعني من الحديثِ، عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -.
قولهُ: (عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ) (٣)، قالَ في " لسانِ الميزانِ " (٤): «هو بصريٌّ روى عنْ مالكٍ، وقالَ ابنُ حبانَ: كانَ يسرقُ الحديثَ (٥)، وكذا قالَ ابنُ عديٍّ» (٦).
قولهُ: (وعبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ الشريكيُّ) (٧) لمْ أرَ لهُ ذكرًا معَ الفحصِ عنهُ، وأظنّهُ عبدَ اللهِ بنَ شبيبٍ الرّبعيَّ، تصحّفَ على بعضِ النقلةِ، وكنيتهُ: أبو سعيدٍ، وهو
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٦٥ (١١٤٢)، وصحيح مسلم ٢/ ١٨٧ (٧٧٦) (٢٠٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٧.
(٤) لسان الميزان ٣/ ٣٩٥.
(٥) المجروحين ٢/ ١٣٦.
(٦) الكامل ٧/ ١١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٧.
[ ١ / ٥٧١ ]
أخباريٌّ علامةٌ. قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ " (١): «يروي عنْ أصحابِ مالكٍ، وآخرُ منْ حدَّثَ عنهُ المحامليُّ، وأبو روقٍ الهزانيُّ، لكنهُ واهٍ بمرةٍ، وبالغَ فَضْلَكُ (٢) الرّازيُّ، فقالَ: «يحلُّ ضرب عنقهِ» (٣)، وقالَ الحافظُ عبدانُ: «قلتُ لعبدِ الرحمانِ بنِ خراشٍ: هذه الأحاديثُ التي يحدّثُ بها غلامُ خليلٍ منْ أينَ لهُ؟ قالَ: / ١٨٧ أ / سرقهَا منْ عبدِ اللهِ بنِ شبيبٍ، وسَرقَها ابنُ شبيبٍ من النضرِ بنِ سلمةَ شاذانَ، ووضعها شاذانُ»، وقالَ ابنُ حبانَ: «يقلبُ الأخبارَ ويسرقُهَا» (٤). لكنَّ هذا أصغرُ منْ عبدِ الحميدِ، ومنْ عدَّ معهُ، ثمَّ رأيتُ عنْ خطِّ شيخِنا على حاشيةِ " شرحِ الألفيةِ " ما صورتهُ: «وَهِمَ بعضُ النَّاسِ فظنَّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ شبرمةَ الشريكيَّ، هو عبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ القاضيّ، وليسَ بهِ؛ لأنَّهُ أكبرُ منْ شريكٍ، ولمْ يلحقْهُ الراوي عن الشريكيِّ» انتهى.
قولهُ: (وإسحاق بن بشرٍ) (٥) هوَ ابنُ مقاتلٍ، أبو يعقوبَ الكاهليُّ الكوفيُّ. قالَ في " لسانِ الميزانِ " (٦): «عنْ: كاملٍ أبي العلاءِ، وأبي معشرٍ السنديِّ، ومالكٍ، وغيرِهم، وعنهُ: عمرُ بنُ حفصٍ السدوسيُّ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ السجستانيُّ، قالَ مُطَيَّنٌ (٧): «ما سمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي شيبةَ كذَّبَ أحدًا، إلاَّ إسحاقَ بنَ بشرٍ الكاهليَّ». وكذا كذّبهُ موسى بنُ هارونَ، وأبو زرعةَ، وقالَ
_________________
(١) لسان الميزان ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠.
(٢) جاء في حاشية (أ): «اسم رجل». وهو الفضل بن العباس الرازي. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٣٠.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٤٧٥.
(٤) المجروحين ٢/ ٥٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٧.
(٦) لسان الميزان ٢/ ٤٦ - ٤٧.
(٧) جاء في حاشية (أ): «اسم حافظ».
[ ١ / ٥٧٢ ]
الدارقطنيُّ: «هوَ في عدادِ منْ يضعُ الحديثَ». وأرَّخَ موسى بنُ هارونَ وفاتَهُ في سنةِ ثمانٍ وعشرينَ ومئتينِ».
قولهُ: (موسى بن محمد) (١) في " لسانِ الميزانِ " (٢): أنَّهُ ابنُ عطاءٍ الدمياطيُّ البلقاويُّ الرمليُّ المقدسيُّ، أبو طاهرٍ، رَوى عنْ: مالكٍ، وشريكٍ، وعنهُ: الربيعُ بنُ محمدٍ الأزديُّ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ (٣)، وبكرُ بنُ / ١٨٧ ب / سهلٍ الدمياطيُّ، كذّبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ، وقالَ ابنُ حبانَ: «لا تحلُّ الروايةُ عنهُ، كانَ يضعُ الحديثَ» (٤)، وقالَ ابنُ عديٍّ: «كانَ يسرقُ الحديثَ» (٥)، وقالَ منصورُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي قرةَ: «كانَ يضعُ الحديثَ على مالكٍ والموقري»، وذكرَ عنْ أبي زرعةَ: أنَّهُ قالَ: «لمْ يزلْ حديثُ الوليدِ ابنِ محمدٍ الموقريَّ - يعني: مقاربًا - حتى ظهرَ أبو طاهرٍ المقدسيُّ لا جُزِيَ خيرًا».
قولهُ: (عن زَحْمُويهِ) (٦) هوَ زكريا بنُ يحيى بنِ صَبيحٍ - بالفتحِ - الواسطيُّ، أحدُ الثقاتِ، وزحمويهِ لقبهُ، رَوَى عنْ: أبيهِ، وهشيمٍ، وصالحِ بنِ عمرَ، وفرجِ بنِ فضالةَ، وزيادِ البكائي، وغيرِهم. وعنهُ: الحسنُ بنُ سفيانَ، وأبو زرعةَ، وأبو يعلى، وابنُ حبّانَ في " صحيحهِ "، وقالَ في الطبقةِ الرابعةِ من " ثقاتهِ " (٧): «كانَ من
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٧.
(٢) ٨/ ٢١٦ - ٢١٨.
(٣) في (ف): «الداري».
(٤) المجروحين ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٥) الكامل ٨/ ٦٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٧.
(٧) الثقات ٨/ ٢٥٣.
[ ١ / ٥٧٣ ]
المتقنينَ في الرواياتِ»، قالَ أسلمُ: «ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتينِ» انتهى (١).
وفي الرواةِ ممنْ يقالُ لهُ: زكريا بنُ يحيى عشرةٌ فأكثرُ، متقاربو الطبقةِ، وأشدُّهم التباسًا بهذا زكريا بنُ يحيى الكسائيُّ، وممنْ رَوى هذا الحديثَ منَ الضعفاءِ: يوسفُ بنُ عديٍّ، قالَ الدارقطنيُّ في " المؤتلفِ والمختلفِ " (٢): «وأمّا غفيرٌ - بالغينِ المعجمةِ - فهوَ الحسنُ بنُ غفيرٍ المصريُّ، منكرُ الحديثِ يروي عنْ يوسفَ بنِ عديٍّ، عنْ شريكٍ، عن الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ / ١٨٨ أ / - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ حسنَ وجههُ بالنهارِ»، وهذا حديثٌ باطلٌ، منْ حديثِ يوسفَ بنِ عديٍّ، ويأتي منْ غيرِ يوسفَ بعجائبَ.
قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٣): «وقدْ اعترضَ بعضُ المتأخرينَ على (٤) المصنفِ بأنّهُ وَجدَ الحديثَ (٥) منْ غيرِ روايةِ ثابتِ بنِ موسى، فذكرَ منْ " معجمِ ابنِ جُميعٍ (٦) " قالَ: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ الرقيُّ، حدّثنا أبو الحسنِ محمدُ ابنُ هشامِ بنِ الوليدِ، حدّثنا جُبارةُ بنُ المغلّسِ، عنْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، عنْ أنسٍ بالحديثِ مرفوعًا، انتهى.
وهذا الاعتراضُ عجيبٌ؛ فإنَّ المصنفَ لمْ يقلْ إنَّهُ لمْ يرو إلاَّ منْ طريقِ ثابتٍ، ومعَ ذَلِكَ فهذه الطريقُ، التي اعترضَ بها هذا المعترضُ، أضعفُ منْ طريقِ ثابتِ بنِ موسى؛ لضعفِ كلٍّ منْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، وجُبارةَ بنِ المغلّسِ، ثمَّ قالَ: ولو اعترضَ
_________________
(١) انظر في ترجمته: الإكمال ٤/ ١٧٩، وتبصير المنتبه ٢/ ٥٩٥، ونزهة الألباب ١/ ٣٣٩.
(٢) المؤتلف والمختلف ٣/ ١٧١٨.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٣٣.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) في (ب): «الحدثين».
(٦) معجم ابن جميع: ١٦٩.
[ ١ / ٥٧٤ ]
هذا المعترضُ بواحدٍ منْ هؤلاءِ الذينَ تابعوا ثابتَ بنَ موسى عليهِ، كانَ أقلَّ خطأً من اعتراضهِ بطريقِ جُبارةَ، والحديث لهُ طرقٌ كثيرةٌ، جَمَعهَا أبو الفرجِ بنُ الجوزيّ في كتابِ " العلل المتناهيةِ " (١) وبيّنَ ضعفهَا، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (وَهلةٌ) (٢) أي: غفلةٌ، قالَ في " القاموسِ " (٣): «وَهِلَ كَفرِحَ: ضعفَ وفزعَ، فهوَ وَهِلٌ، ككتفٍ، ومستوهلٌ، وعنهُ: غَلَطَ فيهِ ونسيهُ، ووهلَ إلى الشيءِ يوهلُ - بفتحها - أي: كوجلَ يوجَلُ، ويهلُ وهلًا: ذهبَ وَهمهُ إليهِ، / ١٨٨ ب / وتوهّلهُ: عرَّضهُ؛ لأنْ يغلطَ».
قولهُ:
٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالإقْرَارِ، وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ، قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
٢٤١ - ما اعترف الوَاضِعُ، إذْ قَدْ يَكْذِبُ بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ (٤)
قولهُ: (بالإقرارِ وما) (٥) قافيتهُ متراكبٌ، «وربما» إنْ شددت فالقافيةُ متداركٌ، وإنْ خففَت فهوَ متكاوسٌ، فلو قالَ: «بإقرارٍ وما» لكانَ أحسنَ؛ لتوافقهِما في المتداركِ، ولو قالَ: «يقومُ في مقامهِ» لكانَ أخفَّ منْ «نزلَ منْزلتَهُ»؛ لسلامتهِ من الخبلِ.
قولهُ: (بالركةِ) (٦)، قالَ في " القاموسِ " (٧): «الرّكيكُ: كأميرٍ، وغُرابٍ،
_________________
(١) لم أجده في " العلل المتناهية "، وهو في الموضوعات ٢/ ١٠٩ - ١١١.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٣٨).
(٣) القاموس المحيط مادة (وهل).
(٤) قال في فتح الباقي (١/ ٢٨٢): أي نعرض فلا نحتج به. وانظر: لسان العرب، مادة (ضرب).
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٣٩).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٤٠).
(٧) القاموس المحيط مادة (ركك).
[ ١ / ٥٧٥ ]
وغُرابةٍ، والأرَكُّ: الفَسْلُ الضعيفُ في عقلهِ ورأيهِ، أو منْ لا يغارُ، أو من لا يهابُهُ أهلُهُ، وهي (١) ركَاكةٌ ورَكِيكٌ، والجمعُ رِكاكٌ. رَكَّ يَرِكُ رَكاكةً: ضَعُفَ، ورَقَّ. واستَركّهُ: استضعفهُ، والمُرْتَكُّ: منْ تراهُ بليغًا، وإذا خاصمَ عييَ، وقد ارْتَكَّ، ومن الجمالِ: الرّخْوَ المدقوقُ (٢)، وارْتَكَّ: ارتجَّ، وفي أمرهِ: شكَّ»، وقالَ في اللامِ (٣): «الفَسْلُ: الرّذلُ الذي لا مروءةَ لهُ» (٤) انتهى. فمادةُ ركك كما ترى تدورُ على الضعيفِ.
قولهُ: (الثبجيُّ) (٥) قالَ في " القاموسِ " (٦): «الثَّبَجُ - مُحرّكةً - ما بينَ الكاهلِ إلى الظهرِ، ووسطُ الشيءِ، ومُعظمهُ وصدرُ القطا». ومادتهُ تدورُ على المعظمِ والوسطِ.
قولهُ: (وعنهُ نضربُ) (٧) أي: نُعرضُ، منْ أضربَ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِّ في كتابهِ " الواعي ": «وأضربَ فلانٌ عنْ هذا الأمرِ، إذا كفَّ عنهُ، وقدْ ضربَ فلانٌ في عملهِ، أي: أخذَ فيهِ، وضربَ يدهُ إلى كذا، وَضربَ على يدِ فلانٍ، إذا أفسدَ / ١٨٩ أ / عليهِ أمرًا أخذَ فيهِ (٨)، أو أرادهُ»، وقولهُ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ (٩) أي:
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي المرأة».
(٢) في القاموس: «الممذوق».
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي في باب اللام».
(٤) القاموس المحيط مادة (فسل).
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٤٠).
(٦) القاموس المحيط مادة (ثبج).
(٧) التبصرة والتذكرة (٢٤١).
(٨) من قوله: «وضرب يده إلى كذا » إلى هنا لم يرد في (ب).
(٩) الكهف: ١١.
[ ١ / ٥٧٦ ]
منعناهم السمعَ أنْ يسمعوا، أو المعنى: أنمناهمْ فمنعناهم السمعَ (١)، وقولهُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ (٢) أي: نهملُكم فلا نُعرّفكم ما يجبُ عليكم (٣).
قولهُ: (أو ما يتنزلُ منْزلة إقرارهِ) (٤) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٥):
«هوَ كأنْ يحدّث بحديثٍ عن شيخٍ، ثمَّ يُسألُ عنْ مولدهِ، فيذكرَ تأريخًا، يُعلمُ وفاةُ ذلكَ الشيخِ قبلهُ، ولا يوجدُ ذَلِكَ الحديثُ إلاّ عنده (٦)، فهذا لم يعترفْ بوضعهِ، ولكنَّ (٧) اعترافهُ بوقتِ مولدهِ يتنزلُ منْزلةَ إقرارهِ بالوضعِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يعرفُ إلاَّ عندَ ذَلِكَ الشيخِ، ولا يُعرفُ إلاَّ بروايةِ هذا الذي حدّثَ بهِ، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها) (٨) قالَ شيخُنا: «إنما المدارُ على المعنى، فحيثُ ما وُجِدَتْ ركاكتُهُ، دلَّ على الوضعِ، سواءٌ كانَ وحدهُ، أو انضمتْ إليهِ ركاكةُ اللفظِ؛ فإنَّ هذا الدينَ كلَّهُ محاسنٌ، والركةُ ترجعُ إلى الرداءةِ؛ فإذن بينها وبينَ مقاصدِ الدّينِ مباينةٌ، قالَ: وركاكةُ اللفظِ لا تدلُّ على ذَلِكَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الراوي رواهُ بالمعنى، فغيَّر ألفاظهُ بألفاظٍ غيرِ فصيحةٍ، منْ غيرِ أنْ يُخلَّ بالمعنى، نَعَم. إنْ صرَّحَ بأنَّ هذا لفظُ النّبيِّ - ﷺ - فهوَ كاذبٌ، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (تعرفُهُ) (٩) الضميرُ المستترُ فيهِ / ١٨٩ ب / يعودُ على الضوءِ، وهو مُشدّدٌ
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ١٨٢.
(٢) الزخرف: ٥.
(٣) انظر: تفسير البغوي ٤/ ١٥٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٨.
(٥) التقييد والإيضاح: ١٣٢.
(٦) عبارة: «إلاّ عنده» لم ترد في (أ) و(ب)، وهي من (ف).
(٧) في (ب): «لكن» بدون واو.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٨.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٨.
[ ١ / ٥٧٧ ]
من التعريفِ، أي: يجعلهُ ذَلِكَ الضوءُ معروفًا، وكذا ضميرُ «تُنْكِرُهُ» يعودُ إلى الظلمةِ، أي: تجعلهُ تلكَ الظلمةُ نكرةً لا يُعرفُ.
قولهُ: (الطالب للعلمِ) (١) أي: الكثير المخالطة (٢) لأنفاسِ الرسولِ - ﷺ -، المتمكن منَ السندِ، الشديد الممارسةِ للشريعةِ، العارف بالمقبولِ منَ المردودِ، لا كلُّ طالبٍ، وعنْ خطِّ شيخِنا: مما يدخلُ في قرينةِ حالِ المرويِّ ما نقلَ عنِ الخطيبِ، عنْ أبي بكرِ بنِ الطيبِ: أنَّ من جملةِ دلائلِ الوضعِ أنْ يكونَ مخالفًا لقضيةِ العقلِ، بحيثُ لا يقبلُ التأويلَ، ويلتحقُ بهِ: ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدةُ، أو يكونَ منافيًا لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السنةِ المتواترةِ، أو الإجماعِ القطعيِّ. أمّا المعارضةُ الظاهرةُ معَ إمكانِ الجمعِ فلا، ومنها: ما يُصرحُ بتكذيبِ روايةِ جمعِ التواترِ، ومنها: أنْ يكونَ خبرًا عنْ أمرٍ جسيمٍ، تتوفرُ الدواعي على نقلهِ، لمحضرِ العددِ الجمِّ، ثمَّ لا ينقلُهُ منهمْ إلاَّ واحدٌ، ومنها: الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيمِ على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حديثِ القصاصِ، انتهى. وهو يرجعُ إلى رَكاكةِ المعنى.
قولهُ: (وقد استشكلَ ..) (٣) إلى آخرهِ، لمْ يستشكل ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ؛ لأنَّ القطعياتِ لاتشترطُ في الحكمِ، وإنما بينَ الواقعِ في نفسِ الأمرِ، وهو أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ الوضعِ في نفسِ الأمرِ والإخبارِ بهِ، بلْ قدْ يكونُ موضوعًا / ١٩٠ أ / ولا يُخبرُ بهِ، وقدْ يُخبرُ بهِ ولا يكونُ موضوعًا. فهوَ (٤) إنّما نَفَى القطعَ بإقرارهِ بكونهِ موضوعًا، وهو كذلكَ، واعترافهُ بذلكَ يوجبُ فسقهُ، وفسقُهُ لا يمنعُ العملَ بموجبِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٨.
(٢) في (ب): «المحافظة».
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٤٠).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن دقيق العيد».
[ ١ / ٥٧٨ ]
إقرارهِ كالقاتلِ عمدًا، فإنَّهُ يفسقُ، إمّا لقتلهِ الثابتِ بإقرارهِ إنْ كانَ صادقًا، وإمّا بكذبهِ في إقرارهِ.
وإمّا الردُّ (١)، فقد صرّحَ ابنُ دقيقِ العيدِ بأنَّهُ لا بد منهُ، وهذا كما تقدم في الصحيحِ، في شرحِ قولهِ: «وبالصحيحِ والضعيفِ قصدوا في ظاهر» منْ (٢) أنَّهُ يحكمُ عليهِ بالصحةِ، ويجبُ قبولهُ والعملُ بهِ، ولا يفيدُ الحكمُ بذلكَ القطعَ بصحتهِ، هذا معَ التجرّدِ عن القرائنِ، أمّا إذا انضمَ إلى ذَلِكَ قرائنُ تدلُّ على ما أقرَّ بهِ قطعَ، كقصةِ الجويباري (٣) في سماعِ الحسنِ منْ أبي هريرةَ.
قالَ شيخُنا: «وقدْ كانَ الشيخُ عَبَّرَ في النظمِ أولًا «بالحكمِ»، فلما قرأنا ذَلِكَ عليهِ غيّرَ «الحكمَ» «بالقطعِ»، فكأنَّهُ غيرَّ النظمَ ولمْ يُغيّرِ الشرحَ.
قلت: وكانَ ينبغي أيضًا تغييرُ قولهِ في النظمِ «استشكل»، فإنَّهُ لم يستشكلْ بل أوضحَ موضعَ الحكمِ، فلو قالَ بدلها: «استرذلا» لزال المحذور.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: رد الحديث».
(٢) في (ب): «أي».
(٣) هو أحمد بن عبد الله بن خالد بن موسى، أبو علي الجويباري، من أهل هراة، قال فيه ابن حبان: «دجّال من الدّجاجلة كذاب». انظر: المجروحين ١/ ١٤٢، وميزان الاعتدال ١/ ١٠٦ (٤٢١).
[ ١ / ٥٧٩ ]
المقلوب (١)
قولهُ: (المقلوبِ) (٢) هوَ منْ قَلَبَهُ إذا حَوّلَهُ منْ حالٍ إلى حالٍ آخرَ.
قولهُ: (أبدلا) (٣) الضميرُ فيهِ يعودُ على «راوٍ»، أي: أتى لهُ ببدلٍ، وذلك البدلُ راوٍ آخرُ نظيرهُ في الطبقةِ، كما فسّرهُ في " الشرحِ " (٤) قالَ في
" المجملِ " (٥): «البدلُ: بدلُ الشيءِ وبديلُهُ، يقالُ: بدَّلتُ الشيءَ، أي: غيّرتُهُ، وإنْ لم تأتِ لهُ ببدلٍ، وأبدلتُهُ إذا أتيتَ ببدلهِ» انتهى. فعُلِمَ أنَّ الباءَ داخلةٌ على المأخوذِ؛ لأنَّ الأولَ غُيّرَ، أي: أتى /١٩٠ب / بغيرهِ فمدخولُ الباءِ هوَ ذَلِكَ الغيرُ.
قولهُ: (حمادُ بنُ عمرو النصيبيُّ) (٦) روى عنْ: زيدِ بنِ رُفيعٍ، والأعمشِ، وسفيانَ، رَوَى عنهَ: يعقوبُ بنُ حميدِ بنِ كاسبٍ وإبراهيمُ بنُ موسى الفرّاءُ، وإسماعيلُ بنُ عيسى العطارُ، وعليُّ بنُ حربٍ، وغيرُهم. قالَ الجوزجانيُّ: «كانَ
_________________
(١) انظر في المقلوب: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٨، والإرشاد ١/ ٢٦٦ - ٢٧٢، والتقريب: ٨٦ - ٨٧، والاقتراح: ٢٣٠، ورسوم التحديث: ٩١، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٦٠، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٦٦ وبتحقيقي: ١٥٩، والشذا الفياح ١/ ٢٣٠، ومحاسن الاصطلاح: ١١٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٩، وتنقيح الأنظار: ١٨٢، ونزهة النظر: ٧٥، والمختصر: ١٣٦، وفتح المغيث ١/ ٢٥٣، وألفية السيوطي: ٦٩ - ٧٢، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٢٢، وفتح الباقي ١/ ٢٩٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ٩٨، وظفر الأماني: ٤٠٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٤٧٥، واليواقيت والدرر ٢/ ٨٦، وقواعد التحديث: ١٣٠، ولمحات في أصول الحديث: ٢٤٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٤٢).
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٤٢).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٩.
(٥) المجمل مادة (بدل).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٥٨٠ ]
يكذبُ»، وقالَ البخاريُّ: «يكنى أبا إسماعيل، منكرُ الحديثِ» (١)، وقالَ ابنُ حبانَ: «كانَ يضعُ الحديثَ وضعًا» (٢)، وقالَ ابنُ عمارٍ الموصليُّ: أتعجب من ابنِ المباركِ، والمعافى حيثُ رويا عنهُ، ولم يكنْ يدري إيش الحديثُ»، وقالَ ابنُ أبي مريمَ، عن يحيى بنِ معينٍ: «منَ المعروفينَ بالكذبِ ووضعِ الحديثِ حمادُ بنُ عمرو»، وقالَ الحاكمُ: «يروي عن جماعةٍ من الثقاتِ أحاديثَ موضوعةً»، وقالَ أبو سعيدٍ النَّقاشُ: «يروي الموضوعاتِ عنِ الثقاتِ»، لخصتُهُ منْ " لسانِ الميزانِ " (٣).
قولهُ: (إسماعيلُ بنُ أبي حيةَ اليسعَ) (٤) كأنّهُ أرادَ أنْ يكتبَ «أبو إسماعيلَ» فسقطَ «أبو»؛ فإنَّهُ إبراهيمُ بنُ اليسعِ بنِ الأشعثِ التميميُّ المكيُّ، كنيتهُ: أبو إسماعيلَ، وكنيةُ أبيهِ: أبو حيةَ، بمهملةٍ ومثناةٍ تحت، قالَ البخاريُّ وأبو حاتمٍ: «منكرُ الحديثِ»، وقالَ ابنُ المدينيِّ: «ليسَ بشيءٍ»، وقالَ ابنُ حبانَ: «رَوَى عنْ جعفرَ وهشام مناكيرَ وأوابد، يسبقُ إلى القلبِ أنّهُ المتعمدُ لها» (٥)، منْ " لسانِ الميزانِ " (٦).
قولهُ: (وبهلولُ بنُ عبيدٍ الكنديُّ) (٧) / ١٩١أ / يُكنى: أبا عُبيدٍ، وهو كوفيٌّ، وقالَ ابنُ عديٍّ: «بصريٌّ» يروي عنْ سلمةَ بنِ كهيلٍ، وابنِ جريجٍ، وجماعةٍ، وعنهُ: الربيعُ الجيزيُّ، والحسنُ بنُ قزعةَ، وغيرُهما.
_________________
(١) التاريخ الكبير ٣/ ٣٢.
(٢) المجروحين ١/ ٢٥٢.
(٣) لسان الميزان ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠.
(٥) المجروحين ١/ ١٠٣.
(٦) ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٥٨١ ]
قالَ محمودُ بنُ غيلانَ: «أسقطهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ (١)، وأبو خيثمةَ»، وقالَ ابنُ حبانَ: «يسرقُ الحديثَ» (٢)، وقالَ الحاكمُ: «روى أحاديثَ
موضوعة»، وقالَ أبو سعيدٍ البقالُ: «رَوَى موضوعاتٍ»، من " اللسانِ " (٣).
قولهُ: (سندٍ لمتنٍ) (٤) اللام بمعنى إلى، أي: تحويلُ سندِ متنٍ إلى متنٍ آخرَ، والمراد بالمتنِ هنا الحديثُ، وهو في الأصلِ: ما صَلُبَ من الأرضِ في ارتفاعٍ، وهو أيضًا: الظهرُ (٥)، والمتنانِ مُكَتَنفا الصُّلبِ، أي: الظهرِ منَ العَصَبِ واللحمِ، ورجلٌ متنٌ، أي: صُلْبٌ. فكأنَّ العلماء شبهّوا المقصودَ من الكلامِ بذلكَ، فأطلقوا عليهِ المتنَ، فالحديثُ الذي هوَ قولُ النّبيِّ - ﷺ - مثلًا هوَ المقصودُ بالذاتِ، والسندُ إنما هوَ وسيلةٌ إليهِ، وكذا (٦) الكتابُ المشروحُ مثلًا، حيثُ يقولونَ: قالَ في المتنِ كذا، وفي الشرحِ كذا.
قولهُ: (حفظ المحدِّث بذلكَ) (٧) حرفُ (٨) الجرِ يتعلّقُ باختبارٍ، أي: يُختبر بذلكَ القلبِ حفظَ المحدِّثِ؛ فإنْ فطنَ لهُ عُرفَ حفظُهُ، فأخذَ عنهُ واعتمدَ عليهِ، وإن خفيَ عليهِ عُرفَ ضعفهُ فلمْ يعتمدْ عليهِ.
قولهُ: (التَّلقين) (٩) المرادُ بهِ أنَّهُ إذا عَسُرَ عليهِ اسمٌ فقالَ لهُ أحدٌ: هوَ فلانٌ،
_________________
(١) في (ب): «منيع».
(٢) المجروحين ١/ ٢٠٢.
(٣) لسان الميزان ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٤٤).
(٥) انظر: لسان العرب مادة (متن).
(٦) في (ب): «وكذلك».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢١.
(٨) في (ب): «حروف».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٥٨٢ ]
قالَ / ١٩١ ب /: نَعَم، وحدّثَ بهِ، فَفِعلُهُ ذَلِكَ فعلُ المتلقنِ؛ فإنَّ التلقينَ: التفهيمُ، والمتلقنُ المتفهمُ، وهو يقبلُ على ما يفهمهُ منْ غيرِ منازعةٍ، ولا توقّفٍ.
قولهُ: (وهذا يحِلُّ) (١) استفهامٌ، كأنَّهُ قالَ: وهل يحلّ هذا؟ ووجهُ إنكارهِ: أنَّهُ مفسدةٌ منْ غيرِ مصلحةٍ محققةٍ، وذلكَ أنَّهُ إنْ كانتْ لمصلحةٍ (٢) فيهِ الوثوقُ بالمحدِّثِ، إذا فطنَ لهُ، وردهُ إلى الصوابِ والاعتماد عليهِ في كلِّ ما يُحدّثُ بهِ، فهي مشوبةٌ بأنَّهُ قدْ يكونُ حافظًا وكذابًا، فإذا عَلِمَ أنَّ الطالبَ قدْ وَثِقَ بهِ دَسَّ عليهِ بعدَ ذَلِكَ ما أرادَ، فقدْ فسدتْ هذهِ المصلحةُ.
وأما كونُهُ مفسدةً فقدْ يكونُ ذَلِكَ الرجلُ حافظًا مأمونًا، ويغفلُ عن القلبِ لعارضٍ منَ العوارضِ، فيحكمُ ذَلِكَ الفاعلُ بغفلتهِ وإسقاطِ حديثهِ، وقدْ يكونُ عندهُ حديثٌ لايوجدُ عندَ غيرهِ، فيُفَوِّتهُ على النَّاسِ، هذا معَ أنَّهُ يمكنُ معرفةُ حفظهِ بما تقدّمَ منْ قولِ الشَّافعيِّ - ﵀ -، منْ عرضِ حديثِهِ على حديثِ الثقاتِ ونحو ذَلِكَ. وقدْ يغفلُ عنْ إعدامِ الورقةِ التي فيها الحديثُ المقلوبُ بعدَ الاستغناءِ عنها، فيعثرُ عليها منْ يُحدّث بها على القلبِ، وقدْ يكونُ حاضرَ القراءةِ على القلبِ منْ لا يعرفُ حقيقةَ الحالِ فيحفظها أو بعضهَا، فيحدّثُ بما سمعهُ كما سمعهُ، فيقعُ في الخَطَرِ وهو لا يشعرُ (٣).
ووجهُ / ١٩٢ أ / الإباحةِ: أنَّ ذَلِكَ تُعرفُ رتبتُهُ في الحفظِ بسهولةٍ، بخلافِ اختبارهِ بغيرِ ذَلِكَ، فإذا عُرفَ ذَلِكَ لم يوجبِ الوثوق بهِ في الدينِ، فيختبر فيهِ بأنواعٍ أخرى، هذا إذا فطن لذلكَ، وإنْ خفيَ عنهُ، لمْ يوجبْ ذَلِكَ سقوطهُ عندَ فاعلهِ، بل
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢١.
(٢) في (ف): «المصلحة».
(٣) انظر في نحو هذا ما حصل لأحد الرواة، كتابي " أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء ": ١٢٢ - ١٢٤.
[ ١ / ٥٨٣ ]
يورثهُ شكًّا فيهِ يعتبرُ أمرهُ بهِ. وربما يكونُ الذي يُرامُ اختبارُهُ مشهور الثقةِ والأمانةِ والحفظِ والجلالةِ فترادُ النقلة (١) في أمرهِ منْ علمِ اليقينِ، إلى عينِ اليقينِ في أقربِ وقتٍ، كقصةِ البخاريِّ، ولو تُركِ ذَلِكَ لفوَّتَ الاشتغالَ باختبارهِ بغيرِ ذَلِكَ كثيرًا من الأخذِ عنهُ، وربما يكونُ أحدٌ قد ادّعى اختلاطَهُ، فيرامُ بذلكَ صدقُهُ ليميزَ ما حدّثَ بهِ قبلَ ذَلِكَ فيعتمدَ، وما حدّثَ بهِ بعدهُ، فيطرح، أو كذبهُ ليستمر على رتبتهِ، والأمور بالمقاصدِ، واللهُ وليُّ التوفيقِ.
قولهُ: (وقلبُ ما لم يقصدِ الرواةُ) (٢) مثالهُ: حديثٌ رواهُ جريرٌ حتى قالَ: فلا تقوموا حتى تروني (٣). قالَ شيخُنا: «أخرجَ هذا الحديثَ أبو داودَ في " السننِ " (٤)، فإنْ كانَ أراد على الصوابِ، فقد ذكر المصنفُ أنَّهُ أخرجهُ الخمسةُ (٥). وإنْ كانَ أرادَ على الوهمِ، فلم أرهُ في روايةِ اللؤلؤيِّ، ولا ابنِ داسةَ، فلعلّهُ في غيرهما، واللهُ أعلمُ» (٦).
قالَ ابنُ الصلاحِ: «وهو يصلحُ مثالًا للمعلل (٧) - وعبارته -: فظنَّ أبو النَّضرِ أنَّهُ فيما حدّثنا ثابتٌ، عنْ أنسٍ» (٨)، وهي أوضحُ منْ عبارةِ الشيخِ في إقامةِ عذرِ أبي
_________________
(١) في (ب): «فراد النقل».
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٤٦).
(٣) الحديث مخرج بتوسع في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٣.
(٤) سنن أبي داود (٥٣٩) و(٥٤٠).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٣، وانظر تعليقنا هناك.
(٦) من عبارة: «فإن كان أراد الصواب»، إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) قال ابن حجر في نكته ٢/ ٨٧٤ وبتحقيقي: ٦٢٤: «لا يختص بهذا المثال، بل كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللًا أو شاذًا؛ لأنه يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض، ومعرفة من يوافق ممن يخالف، فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ. والله أعلم».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٩، وانظر: العلل ومعرفة الرجال (١١٧٢)، والمراسيل لأبي داود: ٩٤، وجامع الترمذي (٥١٧)، والعلل الكبير (١٤٦)، والضعفاء الكبير ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٥٨٤ ]
النَّضرِ جريرِ بنِ حازمٍ، فإنَّها تفهمُ أنَّهمْ حمّلوهُ (١) في ذَلِكَ المجلسِ، عنْ ثابتٍ أحاديثَ عنْ أنسٍ، وحدَّثَهم /١٩٢ب/ الصوافُ (٢) في ذَلِكَ المجلسِ أيضًا بهذا الحديثِ، فالتبسَ أمُرهُ على جريرٍ، فظنَّهُ منْ حديثِ ثابتٍ، وحَكَى عنْ خطِّ شيخِنا: أنَّ البخاريَّ أيضًا بيّنَ ذَلِكَ، فيما حكاهُ الترمذيُّ في " جامعهِ " (٣) ثمّ رأيت ذلك فيه، في أبواب الجمعة، في بابِ ما جاءَ في الكلامِ بعدَ نزولِ الإمامِ من المنبرِ، قالَ: «حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ -، قالَ: كانَ النبيُّ - ﷺ - يتكلّمُ بالحاجةِ إذا نزلَ عن المنبرِ». قالَ أبو عيسى: «هذا حديثٌ لا نعرفهُ، إلاَّ من حديثِ جرير بن حازمٍ، وسمعتُ محمدًا يقولُ: وَهِمَ جريرٌ في هذا الحديث، والصحيحُ ما رُوِيَ عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قالَ: أقيمتِ الصلاةُ فأخذَ رجلٌ بيدِ النبيِّ - ﷺ - فما زالَ يكلمُهُ حتى نعسَ القومُ، قالَ محمدٌ: والحديثُ هو هذا، وجرير بن حازم ربما يَهِمُ في الشيءِ، وهو صدوقٌ، قال محمدٌ: وَهِمَ جريرٌ في حديثِ ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: «إذا أقيمتُ الصلاةُ ..»، فذكرَ نحوَ ما في الشرحِ. ورواهُ أبو داود (٤): حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن جريرٍ بهِ، ولفظهُ: «رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - ينْزلُ من المنبرِ فيعرض له الرجلُ الحاجةَ، فيقومُ معهُ حتى يقضيَ حاجتَهُ، ثمَّ يقوم فيصلي»، ثمَّ قالَ: «والحديثُ ليسَ بمعروفٍ عن ثابتٍ، هو مما تفرّدَ بهِ جريرٌ». قالَ أبو داودَ: «وكانَ الضبطُ عن ثابتٍ شديدًا، كانَ رجلًا يقصُّ، فكانَ يقولُ: عن ابنِ أبي ليلى، وعن فلانٍ، فيجعلونهُ عن أنسٍ - ﵁ -».
_________________
(١) في (ف): «حملوا».
(٢) من قوله: «في ذلك المجلس » إلى هنا لم يرد في (ب).
(٣) انظر: جامع الترمذيّ (٥١٧)، وهو في العلل الكبير عقب (١٤٤).
(٤) سنن أبي داود (١١٢٠)، وأخرجه: الطيالسي (٢٠٤٣)، وأحمد ٣/ ١١٩ و١٢٧ و٢١٣، والترمذي في " الجامع " (٥١٧) وفي " العلل الكبير "، له (١٤٤)، والنسائي ٣/ ١١٠.
[ ١ / ٥٨٥ ]
تنبيهات (١)
قولهُ: (تنبيهات (٢» (٣)، أي: إيضاحاتٌ لأشياءَ يُشعرُ بها ما قبلَ هذا منَ الأنواعِ التي حُكمَ بضعفِها منَ المقلوبِ، والموضوعِ، والمضطربِ، وغيرها، إشعارًا خفيًا.
قولهُ: (لبيان وجه الضعف) (٤)، أي: بأنْ نقولَ: وجهُ ضعفهِ أنَّ راويه فلانٌ مُتَهمٌ بالكذبِ، أو هوَ سييءُ الحفظِ مثلًا، وإنْ لمْ يُبينْ فسيأتي فيهِ تفصيلٌ.
قولهُ: (لا بإسنادِهما) (٥) الضمير فيهِ للواهي والذي يشكُّ فيهِ، أي: إذا نقلتَ (٦) الضعيفَ بغيرِ سندٍ، أو المشكوكَ في ضعفهِ بغيرِ سندٍ.
قولهُ: (في غيرِ موضوعٍ رووا) (٧)، أي: رووهُ بإسنادٍ، فهوَ قسيمُ ما قالَ فيهِ: «لا بإسنادِهما»، والحاصلُ أنَّ الحديثَ إذا ذُكِرَ، فإمّا أنْ يذكرَ إسنادُهُ أو لا، فإنْ ذُكرَ إسنادُهُ فلا يخلو أمّا أنْ يكونَ ضعيفًا أو لا، وإذا كانَ ضعيفًا فإمّا أنْ يكونَ في الفضائلِ أو لا، على كلِّ تقديرٍ، فلا يخلو إمّا أن يكونَ موضوعًا، أو لا، فإنْ كانَ موضوعًا، فلا يحلُّ لمنْ عَلِمَ حالَهُ أنْ يذكرَهُ بروايةٍ أو غيرها في أي بابٍ كانَ إلاَّ على سبيلِ القدحِ فيهِ، وإنْ كانَ ضعيفًا غيرَ موضوعٍ، فإنْ كانَ في الفضائلِ جازتْ روايتُهُ منْ غيرِ (٨) / ١٩٣ أ / بيانٍ، وإلاَّ فلا.
_________________
(١) من قوله: «ثم رأيت ذلك فيه» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) تكررت في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٤.
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٥٣).
(٦) تصحف في (ف) إلى «انقلب».
(٧) التبصرة والتذكرة (٢٥٥).
(٨) «غير» لم ترد في (أ).
[ ١ / ٥٨٦ ]
والقسمُ الثاني منْ أصلِ التقسيمِ، وهو الذي لمْ يُذكرْ إسنادُهُ هوَ القسمُ الأولُ الذي ذكرَ الشيخُ أنَّهُ إنْ لمْ يكنْ صحيحاُ ذُكِرَ ممرضًا، وأمّا الصحيحُ فيجزمُ بهِ.
قولهُ: (وممنْ نصَّ على ذَلِكَ) (١) أي: على جوازِ التساهلِ، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ: «وممنْ رُوِّينا عنهُ التنصيص على التساهلِ في نحوِ ذَلِكَ: عبدُ الرحمانِ ابنُ مهديٍّ (٢)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (٣») (٤).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٥.
(٢) رواه عنه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل ": ٢٥، والبيهقي في " المدخل إلى دلائل النبوة " ١/ ٣٤، والخطيب في " الجامع " ٢/ ٩١ (١٢٦٥).
(٣) رواه الخطيب في " الكفاية ": (٢١٣ ت، ١٣٤ هـ).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١١.
[ ١ / ٥٨٧ ]
معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد (١)
قولهُ: (منْ تقبلُ روايتهُ ومنْ تردُّ) (٢).
قولهُ: (أجمع) (٣) عبارةٌ مَهُولةٌ بلفظِ الإجماعِ، ومحطُّها على قولِ الجمهورِ، ومثلهُ لا يعدُّ إجماعًا اصطلاحًا وكان هذا فيه نظرٌ فتارة (٤) يمكنهُ أن يقول: قد قالَ: جمهور (٥).
قولهُ: (في قبولِ ناقلِ الخبرِ) (٦) ليسَ كذلكَ، لم يشترطوا هذا في القبولِ بل في الصحةِ، وأما مطلقُ القبولِ المبيحِ للاحتجاجِ فيكفي في ناقلهِ مطلقُ اليقظةِ منْ غيرِ أنْ يشترطَ في يقظتهِ نفيُ الغفلةِ عنهُ، فلو كانَ فيهِ غفلةٌ يسيرةٌ لم يخرجهُ عن مطلقِ القبولِ، وكذا مَنْ يَهِمُ يسيرًا، أو يُخالفُ (٧) الثقاتِ كذلكَ، كما تقدّمَ في بحثِ الصحيحِ والحسنِ.
_________________
(١) انظر في صفة من تقبل روايته ومن ترد: معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٢، والإرشاد ١/ ٢٧٣، والتقريب: ٩٠ - ١٠٠، ورسوم التحديث: ٩٩، والمنهل الروي: ٦٣، والخلاصة: ٨٨، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٨٠ وبتحقيقي: ١٦١، والشذا الفياح ١/ ٢٣٥، ومحاسن الاصطلاح: ١١٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢٦، وتنقيح الأنظار: ١٨٧، ونزهة النظر: ١١٩، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث ١/ ٢٦٢، وألفية السيوطي: ٩٦ - ١١٢، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٢٧، وفتح الباقي ١/ ٣٠٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ١١٤، وظفر الأماني: ٧٨، وشرح شرح نخبة الفكر: ٧٢٥، واليواقيت والدرر ٢/ ٣٥١، ولمحات في أصول الحديث: ٣٢٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٦.
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٥٧).
(٤) عبارة: «وكان هذا فيه نظر فتارة» لم ترد في (ب).
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٥٧).
(٧) في (ف): «يسيرًا ويخالف».
[ ١ / ٥٨٨ ]
ولعلَّ الحجةَ في قولِ الشافعيِّ: «لا تقومُ الحجةُ» (١) لمعهودٍ هوَ الحجةُ الموصوفةُ بالصحةِ، فلو قالَ (٢): «في توثيقِ ناقلِ الخبرِ» سَلِمَ من الاعتراضِ؛ فإنَّ الثقةَ مَن جَمعَ الوصفينِ: العدالةَ، وتمامَ الضبطِ. ومنْ نزلَ عن التمامِ إلى أوّلِ درجاتِ النقصانِ، قيلَ فيهِ: صدوقٌ، أو لا بأس بهِ ونحوُ ذلكَ، ولا يقالُ فيه (٣) ثقةٌ، إلاّ / ١٩٣ب / مع الإردافِ بما يزيلُ اللبسَ.
قولهُ: (يقظًا) (٤)، أي: فطنًا، وهو كما قالَ في " الشرح " (٥) -بضمِّ القافِ وكسرها-، وكذا فعلهُ. قالَ في " القاموسِ " (٦): «يقظَ كَعَلِمَ وكَرُمَ». وقالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ " (٧): «يقظَ يقظًا ويقاظةً ويقظةً تنبه للأمورِ».
قولهُ: (ذا عقل) (٨) قالَ في " القاموسِ (٩) " (١٠): «الحقُ أنَّه نورٌ روحانيٌّ، به تُدْرِكُ النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ، وابتداءُ وجودِهِ عندَ اجتنانِ الولدِ، ثمّ لا يزالُ ينمو إلى أنْ يكملَ عندَ البلوغِ». انتهى.
ومادةُ «عقلَ» بكلِ ترتيبٍ تدورُ على عقالِ البعيرِ، ويلزمهُ المنعُ والتعلّقُ
_________________
(١) الرسالة فقرة (١٠٠٠).
(٢) جاء في حاشية (أ): «أي: في النظم».
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٥٨).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٦) القاموس المحيط مادة (يقظ).
(٧) الأفعال ٣/ ٣٧٢.
(٨) التبصرة والتذكرة (٢٦١).
(٩) من قوله: «يقظ يقظًا ويقاظة ..» إلى هنا لم يرد في (ف).
(١٠) القاموس المحيط مادة «عقل».
[ ١ / ٥٨٩ ]
والانفكاكُ والرمي إذا نشطَ، فمنَ المنعِ خصوصُ ترتيب «عقلَ» وقد يلزمهُ النفاسةُ والكرمُ (١). ومنهُ العقيلةُ للمرأةِ المخدرةِ، والعقلُ للثوبِ الأحمرِ، ومنَ المنعِ القَواعِلُ للجبالِ الطوالِ، والقلعةُ للحصنِ المعروفِ، ومنَ التعلّقِ ترتيبُ علق كله، وكذا لقعه بعينهِ إذا أصابهُ بها، وكذا ألعقَ ويلزمُ هذا الفراغُ، ومنهُ: لعقَ إصبعَه إذا ماتَ، ومن الانفكاكِ القعالُ: وهو ما تناثرَ منْ نورِ العنبِ والفاغيةِ (٢) ونحوهِ، وترتيبُ قلعَ، ومنَ الرمي ترتيبُ لقعَ.
وفي " شرحِ آدابِ البحثِ " المنسوبِ إلى الشيخِ سعدِ الدينِ التفتازاني - وقد أضفتُ إليه شيئًا من كلامهِ في غيرهِ - العقلُ عندَ الحكماءِ: «جوهرٌ مجردٌ عن المادةِ (٣)، متعلقٌ بالبدنِ تعلّقَ التدبيرِ والتصرفِ»، وقالَ غيرُهم: «نورٌ في الباطنِ تدركُ بهِ حقائقُ المعلوماتِ، كما يُدرَكُ /١٩٤أ/ بالنورِ الحسي المبصراتُ»، وعرّفه الشاشيُّ: «بأنَّه قوةٌ يحصلُ بها العلمُ بالأشياءِ، أي: هي السببُ القريبُ لحصولِ العلمِ الأعمِّ من القطعيِّ وغيرهِ»، وقالَ غيرُهُ: «هو نورٌ يضيءُ بهِ طريق يبتدأُ بهِ منْ حيثُ ينتهي إليهِ دركُ (٤) الحواسِ فيبتدي المطلوبُ للقلبِ، أي: نورٌ يحصلُ بإشراقِ العقلِ، الذي أخبر النبيُّ - ﷺ - فيما رواهُ الطبرانيُّ (٥)، وأبو الشيخِ عنْ أبي أمامةَ - ﵁ -. وأبو نعيمٍ في " الحليةِ " (٦) عن عائشةَ - ﵂ - أنّهُ أولُ
_________________
(١) تكررت في (ب).
(٢) الفاغية: نور الحناء، أو يغرس غصن الحناء مقلوبًا، فيثمر زهرًا أطيب من الحناء. القاموس المحيط مادة (فغا).
(٣) لم ترد في (أ).
(٤) في (ب): «دراك».
(٥) المعجم الكبير (٨٠٨٦).
(٦) حلية الأولياء ٧/ ٣١٨.
[ ١ / ٥٩٠ ]
المخلوقاتِ، فكما أنّ العينَ مدركةٌ بالقوةِ فإذا وجدَ النورُ الحسيُّ يخرجُ إدراكَها إلى الفعلِ، فكذا القلبُ، أي: النفسُ الإنسانيةُ مع هذا النورِ العقليِّ».
وقولهُ: «يبتدأ بهِ» فابتدَاءُ إدراك الحواسِ ارتسامُ المحسوسِ في الحاسةِ الظاهرةِ، ونهايةُ (١) ارتسامهِ في الحواسِ الباطنةِ (٢)، وهيَ خمسٌ.
زعم الحكماءُ أنّ الدماغَ ثلاثُ طبقاتٍ:
الأولى: قسمانِ: مقدمهما الذي في الناصيةِ الحسُ المشتركُ، والثاني: خزانةُ الخيالِ.
الطبقةُ الثانيةُ: المفكرةُ.
الثالثةُ: قسمانِ: أولهُما: الواهمةُ، ثانيهما: الحافظة، وهي (٣) القسمُ الأخيرُ المقابلُ للحسِ المشتركِ؛ فالحسُ المشتركُ: قوةٌ تُدرِكُ صورَ المحسوساتِ بأسرِها تتأدَى إليها منْ طرقِ الحواسِ الظاهرةِ، فتشتركُ فيها الحواسُّ الظاهرةُ والباطنةُ (٤)، والخيالُ: قوةٌ تحفظُ تلكَ الصورَ المؤداةَ /١٩٤ب/ إليها، من الحسِ المشتركِ بعد غيبتها عنهُ (٥)، والواهمةُ: قوةٌ تُدرِكُ المعانيَ الجزئيةَ الموجودةَ في الأمورِ المحسوسةِ، منْ غيرِ أنْ تتأدَى إليها منْ طرقِ الحواسِ، وبها تُدرِكُ الحيواناتُ مضارَها ومنافعَها، كعداوةِ الذئبِ ونحوِها.
والحافظةُ: قوةٌ تحفظُ ما يُدرِكهُ الوهمُ (٦). والمتصرفةُ: هي التي تُحلِّلُ
_________________
(١) في (ف): «ونهايته».
(٢) في (ف): «الباطنية».
(٣) في (ب): «وهم».
(٤) انظر: التعريفات للجرجاني: ٨٦.
(٥) انظر: التعريفات للجرجاني: ١٠٢.
(٦) انظر: التعريفات للجرجاني: ٨١.
[ ١ / ٥٩١ ]
وتُركبُ الصورَ المأخوذةَ عنِ الحسِ والمعاني المدركة بالوهمِ، وليسَ منْ شأنها أنْ يكونَ عملُها منتظمًا، بل النفسُ تستعملُها على أيِّ نظامٍ تريدُ، فإنِ استعملَتْها بواسطةِ القوةِ العاقلةِ وحْدَها، أو معَ القوةِ الوهميةِ فهي المفكرةُ، وإنِ استعملَتها بواسطةِ القوةِ الوهميةِ فقط، فهي المتخيلةُ، ومنِ اختراعاتها أشياء لا حقائقَ لها كإنسانٍ له رأسانِ، وكأنيابِ الغولِ ونحوِ ذلكَ (١).
هذا نهايةُ إدراكِ الحواسِ، فإذا تمَّ هذا تنتزعُ النفسُ الإنسانيةُ منَ المفكرةِ علومًا، مثلَ أنْ تنتزعَ الكلياتِ منْ تلكَ الجزيئاتِ المحسوسةِ، إذْ تدرِكُ الغائبَ منَ الشاهدِ فهاهنا بدايةُ تصرّفِها بواسطةِ إشراقِ العقلِ، ولهذا التصرّفِ مراتبُ: استعداده لهذا الانتزاعِ كما للأطفالِ، ويُسمَّى العقلُ الهيولانيُّ (٢)، ثمَ علمُ البديهياتِ على وجهٍ يوصِلُ إلى النظرياتِ - والبديهةُ: المعرفةُ الحاصلةُ للنفسِ لا بسببِ الفكرِ - / ١٩٥أ / ويُسمَّى العقلُ بالملكةِ، ثمَ علمُ النظرياتِ منها، ويُسمَّى العقلُ بالفعلِ، ثمَ استحضارها بحيثُ لا تغيبُ (٣) ويُسمَّى العقلُ المستفادُ (٤).
قولهُ: (الحلمَ) (٥) هوَ - بضمِّ المهملة وإسكانِ اللامِ - قالَ في " القاموسِ " (٦): «الجماعُ في النومِ، والاسمُ الحُلُمُ كعُنقٍ، والحِلمُ - بالكسرِ - الأناةُ والعقلُ».
قولُ الشافعيِّ: (خبرُ الخاصةِ) (٧)، أي: خبرُ الواحدِ، والأصلُ في خبرِ
_________________
(١) انظر: التعريفات للجرجاني: ٢٠٠.
(٢) في (ف): «البيولاني»، وهو خطأ.
(٣) عبارة: «ويسمى العقل بالفعل، ثم استحضارها بحيث لا تغيب» تكررت في (ف).
(٤) انظر: التعريفات للجرجاني: ١٥١ - ١٥٢.
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٦١).
(٦) القاموس المحيط مادة (حلم).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
[ ١ / ٥٩٢ ]
الواحدِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يُرسل رسلَهُ إلى الآفاقِ وحدانًا بأوامرهِ ونواهيهِ التي تُستباح بها الدماءُ والأموالُ وغيرُها، بكُتبٍ وبغيرِ كُتبٍ، ولم يشهدْ على شيءٍ من ذلكَ اثنينِ، وكانَ يأمرُ بقبولِ أخبارهم، في كتابِ قيصرَ: «أسلِمْ تَسلمْ، فإنْ تولَّيتَ فإنَّ عليكَ إثمَ الأرِيسِيَّين (١) (٢). وقالَ لمعاذٍ - ﵁ - حين أرسلهُ إلى اليمنِ: «فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ فإنْ هُمْ أطاعوا لذلكَ » (٣) إلى آخرهِ، وغير ذلكَ. وأيضًا فقد قَبِلَ (٤) - ﷺ - الواحدَ في هلالِ شهرِ رمضانَ، فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ بمجرّدِ خبرهِ، مع أنَّ المرجحَ عندَنا: أنَّ الإخبارَ برؤيةِ الهلالِ شهادةٌ لا روايةٌ، فَنظَرْنا فوَجدْناها فارقتِ الشهادةَ في المعنى ووافقتِ الروايةَ أيضًا؛ لأنَّهُم عرّفوا الشهادةَ بأنها: خبرٌ يختصُ بمعينٍ / ١٩٥ب /. والروايةَ بأنها: خبرٌ لا يختصُ بمعينٍ. فلما جامعتِ الروايةُ هذا المعنى، وكانَ تعلقُ الفرضِ بالكذبِ في ما هذا سبيلهُ بعيدًا، جَمعَهما الشارعُ - ﷺ - (٥) في الاكتفاءِ في كلِّ منهما بالواحدِ، ثم ألحقنا بالروايةِ ما شاركَها في هذا المعنى -وهو بُعدُ القصدِ بالكذبِ- كالإخبارِ بأنَّ المرضَ يُبيحُ التيممَ، وكذا إخبارُ القائفِ (٦) بالنسبِ، ومثلُ ذلكَ واردٌ على منعِ تعريفِ الشهادةِ، وجمعِ تعريفِ الروايةِ الماضيينِ، فصحّحَ بأنَّ الشهادةَ: خبرٌ لتصحيحِ
_________________
(١) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عقب الحديث (١٧٧٣): «واختلفوا في المراد بهم على أقوال: أصحها وأشهرها: أنهم الأكارون، أي: الفلاحون والزراعون ومعناه: أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب؛ ولأنهم أسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وهذا القول هو الصحيح».
(٢) أخرجه: البخاري ١/ ٥ (٧)، ومسلم ٥/ ١٦٣ (١٧٧٣) (٧٤)، وغيرهم من حديث أبي سفيان - ﵁ -.
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٣٠ (١٣٩٥)، وصحيح مسلم ١/ ٣٧ (١٩) (٢٩) و(٣٠).
(٤) في (ب): «قبل النبي».
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود. التعريفات للجرجاني: ١٧١.
[ ١ / ٥٩٣ ]
دعوى عندَ حاكمٍ تقدّمَ العلمُ بهِ عليها- أي: بمضمونهِ على الدعوى-فخرجَ الإخبارُ في نحوِ مسألةِ التيممِ، بقولهِ: «لتصحيحِ دعوى»، وخرجَ مثلَ مسألةِ القائفِ، بقولهِ: «تقدمَ العلمُ بهِ عليها»، والروايةُ خبرٌ لا لذلك.
قولهُ: (عاقلًا لما يحدث بهِ) (١)، أي: فاهمًا يقالُ: عَقلَ الشيءَ، أي: فهمهُ.
«عالمًا»، أي: ذا علمٍ، أي: صفةٍ وملكةٍ راسخةٍ بذلكَ.
قولهُ (وافقَ حديثَهم) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «فإنْ وجدنا رواياتهِ موافقةً، ولو مِن حيثُ المعنى لرواياتِهم أو موافِقةً لها في الأغلبِ، والمخالفةُ نادرةٌ عَرفنا حينئذٍ كونَهُ ضابطًا ثَبْتًا، وإنْ وجدناهُ كثيرَ المخالفةِ لهم عَرفنا اختلالَ ضبطهِ، ولم يحتجَّ (٣) بحديثهِ» (٤).
قولهُ: (مثبتٌ من حَدّثهُ) (٥) الظاهر أنَّه من ثَبتَ تثبيتًا من قولِ المحدّثينَ / ١٩٦أ /: «حدثني فلانٌ بكذا وثبتني فيهِ فلانٌ» إذا كانَ قد سمعَ منْ أحدٍ شيئًا فلم يتقنهُ كما يجبُ؛ فأعادَهُ له بعضُ مَنْ سمعَهُ فجعلَهُ متقِنًا لهُ ثابتًا فيهِ بعدَ أنْ كانَ مزلزلًا.
وقولهُ: (ومثبتٌ على من حدّث عنهُ) (٦) هو من أثبتَ، أي: مثبتٌ عليهِ ذلكَ القولَ الذي حدّثَ بهِ عنهُ بمعنى أنَّه جعلَهُ منسوبًا إليهِ لازمًا لهُ ماكثًا عليهِ لا يتعدّاهُ، وكلٌّ منهما لا بدَّ فيهِ مما وصفهُ به (٧) الشافعيُّ، وإلا لم يثبتْ بخبرهِ شيءٌ لا لمنْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٣) المثبت في طبعتنا لمعرفة أنواع علم الحديث: «نحتج» بالنون أول الحروف من بعض النسخ، وكان عندنا في نسختين: «يحتج».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٧، وانظر فيما يتعلق بالضبط: جامع الأصول ١/ ٧٢ - ٧٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٧) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٥٩٤ ]
حدّثهُ، ولا على مَن حدّثَ عنهُ. وكِلا الفعلينِ منْ ثَبتَ القولُ إذا صحَّ، وهوَ يرجعُ إلى المكثِ على حالةٍ لا تزول (١).
قولهُ: (مما يخرمُ المروءةَ) (٢) قال الشيخُ في " النكتِ ": «وقد اعترضَ عليهِ - أي: ابنُ الصلاحِ - (٣) بأنَّ المروءةَ لم يشترطْها إلاّ الشافعيُّ وأصحابهُ (٤)، وليسَ على ما ذَكَرَهُ المعترضُ، بل الذينَ لمْ يشترطوا على الإسلامِ مزيدًا، لم يشترطوا ثبوتَ العدالةِ ظاهرًا، بل اكتفوا بعدمِ ثبوتِ ما ينافي العدالةَ.
فمَن ظَهرَ منه ما ينافي العدالةَ لم يقبلوا شهادتَهُ ولا روايتَهُ. وأمَّا مَنِ اشترطَ العدالةَ - وهُم أكثرُ العلماءِ - فاشترطوا في العدالةِ المروءةَ، ولم يختلفْ قولُ مالكٍ وأصحابهِ في اشتراطِ المروءةِ في العدالةِ مطلقًا» (٥).
قولهُ: (بخلاف الشهادة) (٦)، أي: فإنَّ الحريةَ شرطٌ فيها عندَ أكثر أهل العلم.
قولهُ: (لمْ يشترطِ البلوغَ) (٧)، أي: في الروايةِ. وأمّا الشهادةُ فإنَّها غيرُ مقبولةٍ من الصبيِّ المميزِ عندَ أصحابِ الشافعيِّ والجمهورِ / ١٩٦ب /، كما قالَهُ الشيخُ في " النكتِ " (٨).
قولهُ: (إلا أنّه قيد الوجهينِ في التيمُّمِ) (٩)، أي: في مسألةِ الاعتمادِ في كونِ
_________________
(١) انظر: لسان العرب مادة (ثبت)، وتاج العروس مادة (ثبت).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٧.
(٣) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٤) انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧٤.
(٥) التقييد والإيضاح: ١٣٦ - ١٣٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨.
(٨) التقييد والإيضاح: ١٣٧
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ٥٩٥ ]
المرضِ مرخصًا على واحدٍ، وعبارتهُ: «وفي وجهٍ يُقبلُ في ذلكَ خبرُ الصبيِّ المراهقِ (١) والفاسقِ أيضًا، ولا فرقَ بينَ الحرِّ والعبدِ والذكرِ والأنثى؛ لأنَّ طريقَهُ الخبرُ، وأخبارُهم مَقبولةٌ، ولا يشترطُ العددُ» (٢). فَجعلَهُ من بابِ الخبرِ لا الاجتهادِ، والذي يظهرُ أنهُ اجتهادٌ. ولم يبينْ في " الروضةِ " كونهُ خبرًا أو اجتهادًا، وعبارتهُ: «فرعٌ: يجوزُ أنْ يعتمدَ في كونِ المرضِ مرخصًا معرفةَ (٣) نفسهِ إنْ كانَ عارفًا، ويجوزُ اعتمادُ طبيبٍ حاذقٍ، بشرطِ الإسلامِ، والبلوغِ، والعدالةِ، ويعتمدُ العبدُ والمرأةُ. ولنا وجهٌ شاذٌ: أنَّه يعتمدُ الصبيُّ المراهقُ، والفاسقُ» (٤).
قولهُ: (وقيَّدهُ في استقبالِ القبلةِ) (٥) ذكرَ ذلك في البابِ المذكورِ في مكانينِ: أحدهما: في أنَّ العاجزَ عن معرفةِ القبلةِ يقينًا يجوزُ لهُ الأخذُ بقولِ من يخبرُهُ عنها عن عِلمٍ، وعبارتهُ: «ولكنَّ قبولَ الخبرِ منْ أهل الروايةِ، وليس منَ التقليدِ في شيءٍ» ثمَّ قالَ: «وفي الصبيِّ بعد التمييزِ وجهانِ كما في روايةِ أخبار الرسولِ - ﷺ -، والأكثرون على أنَّه لا يُقبلُ» (٦) والثاني: في تَفقّدِ ألفاظِ " الوجيزِ " في مسألةِ تقليدِ الأعمى لمكلفٍ قالَ: «فليعلمَ لفظ المكلفِ بالواو؛ لأنَّ في كلامِ الأصحابِ وجهًا أنَّهُ يجوزُ تقليدُ / ١٩٧أ / الصبيِّ، وهو كالخلافِ المذكورِ في الرجوعِ إلى أخبارهِ» (٧). انتهى.
ولا يلزمُ من التشبيهِ (٨) أنْ يتساوَى الوجهانِ في الموضعينِ في القوةِ.
_________________
(١) المراهق: صبيٌّ قارب البلوغ، وتحركت آلته واشتهى. التعريفات للجرجاني: ٢٠٨.
(٢) انظر: فتح العزيز شرح الوجيز ٢/ ٢٧٥.
(٣) في الروضة: «على معرفة».
(٤) روضة الطالبين ١/ ١٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨.
(٦) فتح العزيز ٣/ ٢٢٦.
(٧) فتح العزيز ٣/ ٢٣١.
(٨) في (ف): «التنبيه».
[ ١ / ٥٩٦ ]
وعبارةُ " الروضةِ " في الموضعِ الأولِ: «فإنْ وَجدَ مَن يخبرُهُ بالقبلةِ عن عِلمٍ اعتمدَ قولَهُ، ولم يجتهدْ، بشرطِ عدالةِ المخبرِ، يستوي (١) الرَّجلُ والمرأةُ والعبدُ. ولا يُقبلُ كافرٌ قطعًا ولا فاسقٌ، ولا صبيٌّ مميزٌ على الصحيحِ فيهما» (٢).
وفي الثاني: «وجهٌ شاذٌ، لهُ تقليدُ صبيٍّ مميزٍ، والتقليدُ قبولُ قولِ (٣) المستندِ إلى الاجتهادِ» (٤).
قولهُ: (كالإفتاءِ) (٥) في جَعْلِ الإفتاءِ مِنْ قَبيلِ الإخبارِ المجرَّدِ كالروايةِ
نظرٌ، بل هو وإنْ كانَ إخبارًا فلهُ شبهٌ بالاجتهادِ من أجلِ احتياجهِ إلى عِلمٍ وفهمٍ تُنزَل بهِ الصورةُ المستفتَى عنها على العموماتِ التي ذَكَرها العلماءُ.
قولهُ: (والذي يوجبهُ القياسُ) (٦) زادَ في " النكتِ " (٧) وهو قولُ أبي حنيفةَ، وكأنَّهُ يشيرُ -واللهُ أعلمُ- إلى حديثِ سؤالِ بريرةَ (٨) فيقولُ -واللهُ أعلمُ -: لو لمْ يكنْ كلامُ بريرةَ مقبولًا في حقِ الصدِّيقةِ - ﵂ - في كلٍّ من الجانبينِ لما سَألها - ﷺ - فعُلِمَ منْ سؤالِها قبولُ الجرحِ والتعديلِ منَ المرأةِ، ومَن حُكِمَ بعدالتهِ قُبلَت شهادتُهُ كما قُبِلَتْ روايتُهُ؛ لأنَّ العدالةَ لا تتجزأُ، فإنْ كانَ هذا الذي أشارَ إليه ففيهِ نظرٌ.
_________________
(١) في الروضة: «يستوي فيه».
(٢) روضة الطالبين ١/ ٢١٧.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) روضة الطالبين ١/ ٢١٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٩.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٣٤، وعبارته: «وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف».
(٨) الحديث أخرجه: أحمد ٦/ ١٩٤، والبخاري ٥/ ١٤٨ (٤١٤١)، ومسلم ٨/ ١١٢ (٢٧٧٠) (٥٦)، والنسائي في " الكبرى " (١١٣٦٠).
[ ١ / ٥٩٧ ]
أمّا أولًا: فلا يلزمُ من سؤالِها الاعتمادُ على قولهِا، بلْ يكونُ المرادُ التنبيهَ على وجهٍ ليتتبعَ، وكذا وقعَ، فإنَّها لما أخبرَتْ بما تعرفُ من العدالةِ تأيَّد بها للاستصحابِ، فخطبَ النَّبيُّ - ﷺ - وأسندَ براءَتها (١) إلى علمه وما سَترَهُ / ١٩٧ب / منْ أحوالِها، لا (٢) إلى خبرِ بريرةَ - ﵂ - فقالَ: ما علمتُ على أهلِي إلاّ خيرًا ، إلى آخرِ خطبتهِ - ﷺ -.
وأمّا ثانيًا: فلا مانعَ من أنَّ العدلَ يكونُ مقبولًا في شيءٍ دونَ شيءٍ، كما تُقبلُ المرأةُ في الأموالِ وما لايطَّلعُ عليهِ الرجالُ غالبًا، وتُردُّ في العقوباتِ وما يطَّلعُ عليهِ الرجالُ غالبًا كالطّلاقِ والنِّكاحِ، وسيأتي التقييدُ في كلامهِ نفسهِ بما تُقبلُ شهادتُها فيهِ.
قولهُ: (وهو مخالفٌ لما نقلهُ) (٣) ليس فيهِ مخالفةٌ؛ لأنَّ النقلَ عنِ الأكثرينَ مطلقًا لا يخالفُ النقلَ عنهم بقيدِ كونهم فقهاءَ.
قولهُ: (بخلافِ الشهاداتِ) (٤)، أي: لضيقِ الأمر فيها لكونَّهِا في حقوقِ العبادِ غالبًا؛ ولأنَّها محلُّ الأغراضِ. وأمّا الخبرُ فيبعدُ فيهِ الغرضُ؛ لعمومهِ، ويندرُ تعلّقُ الغرضِ مِنْ متشرّعٍ بإلزامِ جميعِ الناسِ حكمًا؛ فلذا قُبِلَ فيها الواحدُ نقلًا، وكذا تزكيتُهُ، فإنْ كانَ جرحُهُ وتعديلُهُ مستندًا إلى نقلٍ، فهوَ مِنْ بابِ الخبرِ، والخبرُ يكفي فيهِ الواحدُ؛ وإنْ كانَ مستندًا إلى اجتهادهِ، فهو منْ بابِ الحكمِ، والحاكمُ لا يشترطُ تعددهُ.
_________________
(١) في (ب) و(ف): «واستند برأيها».
(٢) لم ترد في (ب).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٩.
[ ١ / ٥٩٨ ]
قولهُ: (وصححَ استغناءُ ذي الشهرةِ عن) (١) في نسخةٍ بخطِ شيخنا (وصححوا استغناءَ) وعَن شيخِنا البرهانِ الحلبيِّ أنَّ المصنفَ جَعَلها جمعًا بعدَ قراءتهِ الألفيةَ عليهِ / ١٩٨أ /.
قولهُ في شرحهِ في قولِ ابن عبدِ البرِّ: (حَتى يتبينَ جرحهُ) (٢) عجيبٌ مع استدلالهِ بالحديثِ، فإنَّ الحديثَ لا يدلُّ على ذلكَ إلا إذا كانَ خبرًا، وإذا كانَ خبرًا ثَبَتَ مضمونُهُ فلم يقدحْ فيمن عدلهُ تجريحُ أحدٍ كائنًا مَنْ كانَ.
قولهُ: (مُعَان بن رفاعةَ السَّلامي) (٣) بالتخفيفِ (٤) الدمشقي، ويقالُ: الحمصيُّ، هو منْ رجالِ ابن ماجهْ، قالَ أحمدُ: «لا بأسَ بهِ» (٥)، وكذا مَشَّاهُ غيرُهُ (٦). قالَ أبو حاتمٍ: «حمصيٌّ يُكتبُ حديثهُ ولا يُحتجُّ بهِ» (٧)، وقال ابنُ معينٍ: «ضعيفٌ» (٨) وقالَ الجوزجانيُّ: «ليس بحجةٍ» (٩)، وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: «لينُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٦٤).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣١، وكلام ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٢.
(٤) أي: بتخفيف اللام كما نص عليه الحافظ ابن حجر في التقريب (٦٧٤٧) إذ قال: «مُعان، بضم أوله وتخفيف المهملة، ابن رفاعة السلامي، بتخفيف اللام، الشامي: لين الحديث، كثير الإرسال».
(٥) تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٦) ممن مشّاه على بن المديني فقال: «ثقة، روى عنه الناس»، ودحيم فقال عنه: «ثقة» ومحمد بن عون فقال: «لا بأس به»، وأبو داود فقال: «ليس به بأس». انظر: تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٧) الجرح والتعديل ٨/ ٤٢٢، وتهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٨) تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٩) تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
[ ١ / ٥٩٩ ]
الحديثِ» (١)، وقالَ ابنُ حبانَ: «منكرُ الحديثِ، يروي مراسيلَ كثيرةً، ويحدثُ عنْ أقوامٍ مجاهيلَ، لا يُشبهُ حديثهُ حديثَ الأثباتِ؛ فلما صارَ الغالبُ في حديثهِ ما ينكرُهُ الثبتُ استحقَّ تركَ الاحتجاجِ بهِ» (٢)، وقالَ ابنُ عديٍّ: «عامةُ ما يرويهِ لا يُتابعُ عليهِ» (٣). وعنِ الذهبيِّ: «أنَّهُ ماتَ مع الأوزاعيِّ (٤)، والأوزاعيُّ (٥) ماتَ سنةَ سبعٍ وخمسينَ ومئةٍ» (٦).
قولهُ: (تحريفَ الغالينَ) (٧) التحريفُ: التغييرُ (٨)، والغالي من غَلا في الأمرِ غلوًا، أي: جاوزَ حدَّهُ (٩).
وانتحالَ من قولهم: انتحلَهُ، أي: ادّعاهُ لنفسهِ وهوَ لغيرهِ. والمبطلُ مِنْ أبطلَ إذا أتى بغيرِ الحقِ.
و«تأويلِ» منْ آلَ إليه أولًا ومآلًا رَجَعَ. وأولهُ إليه رجعهُ وأولَ الكلامَ تأويلًا، وتأولهُ: تدبّرهُ وقدّرهُ وفسّرهُ؛ فالمعنى - واللهُ أعلم -: يبعدونَ عنهُ تغييرَ مَنْ يفسِّرُهُ بما يتجاوزُ فيهِ /١٩٨ب/ الحدَّ فيخرج بهِ عن قوانينِ الشرعِ، وادّعاء منْ يدّعي فيهِ شيئًا يكونُ باطلًا لا يطابقُهُ (١٠) الواقعُ.
_________________
(١) المعرفة والتأريخ ٢/ ٤٥١.
(٢) المجروحين ٣/ ٣٦، وتهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٣) الكامل ٨/ ٣٧، وتهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٤) ميزان الاعتدال ٤/ ١٣٤، ولعل مصدر البقاعي في هذه الترجمة تهذيب الكمال، فكذا جاءت به الترجمة، ثم أضاف لذلك قول الذهبي، والله أعلم.
(٥) من قوله: «عامة ما يرويه ..» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٦) كذا أرخ وفاته الحافظ ابن حجر في التقريب (٣٩٦٧).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٢.
(٨) انظر: القاموس المحيط مادة (حرف).
(٩) انظر: تاج العروس مادة (غلا).
(١٠) في (ف): «لا يقابله».
[ ١ / ٦٠٠ ]
وكأنَّهُ يشيرُ بالجملةِ الأولى إلى مَنْ يفسرُ حديثَ النَّبيِّ - ﷺ - بغيرِ تفسيرهِ تعمُّدًا وتلبيسًا، وبالثانيةِ إلى منْ يكذبُ على النَّبيِّ - ﷺ - فإنَّهُ بادعائهِ تحديثَ مَن لم يحدثهُ والسَماعَ ممن لم يسمعْ منهُ منتحلٌ ذلكَ باطلًا. وبالثالثةِ إلى مَنْ يفسِّرهُ، وهو غيرُ عالمٍ.
قولهُ: (مرسلٌ أو معضلٌ ضعيفٌ) (١) أمَّا احتمالُ كونهِ مرسلًا؛ فلكونِ إبراهيمَ تابعيًا، وذكرهُ ابنُ حِبانَ في "الثقاتِ" (٢) وقالَ: «يروي المراسيلَ» وساقَ حديثَهُ هذا منْ طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عنْ بقية، عنْ معانٍ، عنهُ.
وأمّا احتمالُ كونهِ معضلًا فلكونهِ قالَ في بعضِ الرواياتِ: حدثنا الثقةُ منْ أصحابِنا، ومرةً قالَ: من مشايخنا، فَغَلبَ على الظنِّ أنَّ من حَدَّثهُ غيرُ صحابيٍّ؛ لكونهِ لم يعبرْ بما يدلُّ على أنَّ مَنْ حدَّثهُ صحابيٌّ بدلَ ما يدلُّ على أنَّهُ صاحبٌ لهُ أو شيخٌ.
وأمّا كونُهُ ضعيفًا فلأنَّ الذهبيَّ وصفَ إبراهيمَ بأنَّهُ مُقلٌّ واهي لا يُدرَى مَن هو (٣).
قولهُ: (ابن القطَّانِ) (٤)، أي: في كتابِ " بيانِ الوهمِ والإيهام " (٥).
قولهُ: (والسَّعدي) (٦) في " النكتِ " (٧) التعبير عنهُ بالجوزجانيِّ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٢.
(٢) الثقات ٤/ ١٠.
(٣) عبارة الذهبي في الميزان ١/ ٤٥: «ما علمته واهيًا».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٢.
(٥) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٠ عقب (٦٩١).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٣.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٣٩.
[ ١ / ٦٠١ ]
قولهُ: (وكلُّها ضعيفةٌ) (١) تتمةُ كلامهِ في " النكتِ ": «لا يثبتُ منها شيءٌ، وليسَ فيها شيءٌ يُقوّي المرسلَ المذكورَ». (٢) انتهى (٣).
وقد بقي عليهِ أسامة بن زيدٍ - ﵄ - فقد قرأتُ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ من أصحابنا: «أوردَ الحافظُ صلاحُ /١٩٩أ/ الدينِ العلائيُّ هذا الحديثَ عنْ أسامةَ بنِ زيدٍ (٤) مرفوعًا: وقالَ فيهِ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وصحّحهُ ابن حِبانَ» (٥).
قولهُ: (منْ وجهينِ) (٦) قد أبديتُ ثالثًا: وهوَ أنَّه لو كانَ خبرًا لم يُسمعِ الجرحُ أصلًا فيبقى قولهُ: «حَتى يتبينَ جرحهُ» مناقضًا لاستدلالهِ.
قولهُ: (ابن أبي حاتمٍ) (٧)، أي: الإمامُ أبو محمدٍ في مقدمةِ كتابِ " الجَرْحِ والتعديلِ " (٨) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «ومما يُستغربُ (٩) في ضبطِ هذا الحديثِ أنَّ ابنَ الصلاحِ حَكَى في " فوائدِ الرحلةِ " لهُ أنَّهُ وجدَ بنيسابورَ في كتابٍ يشتملُ على مناقبِ ابنِ كَرَّامٍ جمعُ محمد بن الهيصمِ، قالَ فيهِ: سمعتُ الشيخَ أبا جعفرَ أحمدَ بنَ جعفر (١٠) يقولُ: سمعتُ أبا عمرو محمدَ بنَ أحمدَ التميميَّ، يروي هذا الحديث
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ١٣٩.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) الحديث من هذا الطريق أخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (٥٣).
(٥) بغية الملتمس: ٣٤ للعلائي، وفي النقل تصرف.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٥.
(٨) الجرح والتعديل ٢/ ١٧.
(٩) في (ب): «لا يستغرب».
(١٠) في المطبوع من التقييد: «محمد أحمد بن جعفر».
[ ١ / ٦٠٢ ]
بإسنادهِ فيضمُّ الياءَ منْ قولهِ «يُحملُ» على أنَّه فعلٌ لما لمْ يُسمَّ فاعلُهُ، ويرفعُ الميمَ من «العلمِ»، ويقولُ: «منْ كلِ خلفٍ عَدولَه»، - مفتوحُ العينِ واللامِ وبالتاءِ - ومعناه أنَّ الخلفَ، هو العدولةُ بمعنى: أنَّهُ عادلٌ، كما يقالُ: شكورٌ: بمعنى: شاكرٍ، وتكونُ الهاءُ للمبالغةِ، كما يقال: رجلٌ صررورةٌ (١).
والمعنى أنَّ العلمَ يحملُ عنْ كلِ خلفٍ كاملٍ في عدالتهِ. وأمَّا أبو بكرٍ المفيدُ فإني قد حفظتُ عنهُ: «يَحمل» مفتوح الياء «منْ كل خلفٍ عُدولُهُ» مضموم العين، واللام مرفوعًا. هكذا نقلتهُ منْ خطِّ ابنِ الصلاحِ في "رحلتهِ"» (٢). انتهى /١٩٩ب/.
قولهُ: (ومنْ يوافقْ غالبًا) (٣).
قولهُ - أي: في الشرح -: (٤) (فنادر) (٥)، أي: فَوِفاقهُ نادرٌ.
قولهُ: (وصححوا قبولَ تعديل) (٦).
قولهُ: (أن يتعدَّ) (٧)، أي: خشيةَ أنْ تثقلَ الأسبابُ عليهِ، أي: ذكرها (٨).
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «الصررورة هو الذي لم يحج».
(٢) التقييد والإيضاح: ١٣٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٦٧).
(٤) عبارة: «أي: في الشرح» من (أ) فقط، ولولا أن نسخة (أ) قرئت على البقاعي - ﵀ - وعليها خطه لقلت: إن هذه العبارة من النساخ.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٥.
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٦٨).
(٧) التبصرة والتذكرة (٢٦٨).
(٨) من قوله: «قوله: (أن يتعد) » إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ١ / ٦٠٣ ]
قولهُ: (إلا مفسرًا) (١)، أي: كلٍّ منهما. وكأنَّهُ حذفَهُ؛ لوضوحهِ، ثم رأيتُها في نسخةٍ قرئتْ على المصنِّفِ أصلحتْ مُفسَّرَينِ.
قولهُ: (أهوَ قادحٌ أم لا) (٢) تتمةُ كلامِ ابنِ الصلاحِ: «وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقهِ وأصولهِ» (٣) وسيأتي في آخرِ شرحِ هذه الأبياتِ: «وذَكرَ (٤) الخطيبُ (٥) الحافظُ: أنَّه مذهبُ الأئمةِ منْ حُفّاظِ الحديثِ (٦) مثل البخاريِّ ومسلمٍ، وغيرِهما، ولذا (٧) احتجَّ البخاريُّ بجماعةٍ سَبَقَ من غيرهِ الجرحُ لهم» (٨) إلى آخرِ ما سيأتي في شرحِ الأبياتِ التي بعدها، ثمّ قالَ: «وذلكَ دالٌّ على أنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الجرحَ لا يثبُتُ إلا إذا فُسِّرَ سببُهُ. ومذاهبُ النُّقّادِ للرجالِ غامضةٌ مختلِفةٌ» (٩).
قولهُ: (فما يلزم من ركضهِ) (١٠) ربما يلزمُ منهُ خَرْمُ مروءتهِ، وذلكَ إذا كانَ في موضعٍ أو حالٍ لا يليقُ بذلكَ، وعليهِ تُحملُ رؤيةُ شعبةَ تحسينًا للظنِّ بهِ، لما ثَبتَ منْ جلالتهِ واتساعِ معرفتهِ، حتى قالَ الإمامُ أحمدُ: «إنَّهُ أمةٌ وحدهُ في هذا الشأنِ» يعني: في الرجالِ وبصرِهِ بالحديثِ وتثبتهِ وتنقيتهِ للرجالِ، ولا يُحصَى مَنْ أثنى عليهِ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٦.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٧.
(٤) رجع الكلام من هنا لابن الصلاح.
(٥) الكفاية (١٧٨ - ١٧٩ت، ١٠٨هـ). وانظر: البرهان ١/ ٥٦٠، والبحر المحيط ٤/ ٢٩٤.
(٦) بعد هذا في " معرفة أنواع علم الحديث ": «ونقاده».
(٧) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «ولذلك».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٨، وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٣٣٨ وما بعدها.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٨، وانظر: الكفاية (١٧٩ - ١٨٠ت، ١٠٨ - ١٠٩هـ).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٦.
[ ١ / ٦٠٤ ]
فحالهُ أشهرُ منْ أنْ يُذكرَ (١).
/ ٢٠٠أ / قولهُ: (أن لا يعلم هو) (٢)، أي: لأجلِ عدمِ علمهِ، أي: لأجلِ أنَّهُ يحتملُ عدمُ علمهِ بذلك، أو يكونُ التقديرُ: خشيةَ أنْ لا يعلمَ. والورعُ ما فعلَ شعبةُ؛ لأنَّ الطُّنْبورَ لا يُضربُ في بيتِ أحدٍ إلا بعلمِهِ، أو بأنْ يعرفَ أهلُهُ منه السماحَ فيما يقاربُ ذلكَ مما يخرمُ المروءةَ إنْ لم يكنْ مفسِّقًا، وهوَ جعلُ ذلكَ علةً لعدمِ سماعهِ منهُ لا لإثباتِ جرحهِ. والمنهالُ في الدرجةِ السُّفلى منَ الثقةِ؛ فلذلكَ لم يستبعدْ شُعبةُ علمَهُ بهِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا أنَّهُ وثّقهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ واحتجَّ بهِ البخاريُّ في صحيحهِ (٣).
قولهُ: (كان كثيرَ الكلامِ) (٤) يحملُ ذلك على أنَّهُ فيما لا يعنيهِ مما يخرمُ المروءةَ، فإنَّ الحكمَ في العبادةِ والفضلِ وسعةِ العلمِ ممن لا يظنُّ بهِ إلا ذلكَ، فقد أثنى عليهِ الأكابرُ بأنَّهُ ما بينَ لابتيها أفقهُ منهُ (٥)، وبأنَّهُ كانَ في مسجدِ الخيفِ (٦)، وعلماءُ الناس عيالٌ عليهِ، وبأنَّهُ ما كانَ بالكوفةِ بعدَ إبراهيمَ والشعبيِّ مثلُهُ، ومثلُ حَمّادٍ.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «الحمد لله بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين بن الحمصي الشافعي قراءة في البحث وسمع الجماعة وكتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٧.
(٣) انظر: فتح الباقي١/ ٣١٣، وتهذيب الكمال ٧/ ٢٣٩ (٦٨٠٥).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٧.
(٥) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١٢٤.
(٦) مسجد الخيف في منى، وهو بالقرب من الرجم، وما زال معروفًا بهذا الاسم، وقد منَّ الله عليَّ بصلوات فيه، والحمد لله رب العالمين.
[ ١ / ٦٠٥ ]
وأمّا زاذانُ فهو في الدرجةِ السُّفلى من الثقةِ وفيهِ شيعيةٌ، وقد قالَ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ ": «كانَ يخطئُ كثيرًا» (١) انتهى. وقد قيلَ: مَنْ كَثُرَ كلامُهُ كَثُرَ سقطُهُ، أي (٢): ولو كانَ متحرّزًا فكيفَ إذا كانَ كثيرَ الخطأ.
قولهُ: (يبول قائمًا) (٣) يُحملُ على أنَّهُ في مكانٍ يخرمُ المروءةَ البولُ فيهِ، ككونهِ في الطريقِ / ٢٠٠ب / وبحيثُ يراهُ الناسُ؛ فإنَّ جريرَ بنَ عبدِ الحميدِ من سعةِ العلمِ والجلالةِ والثقةِ بحيثُ لا يُظنُّ بهِ إلاّ ذلكَ.
وأمّا سِماك فإنَّهُ في الدرجة الدُّنيا من الثقةِ، وقد تغيّرَ بأخرةٍ.
وبقيةُ كلامِ جريرٍ يرشدُ إلى خوفِ الاختلاطِ، فإنَّهُ قالَ: أتيتُهُ فرأيتُهُ يبولُ قائمًا فرجعتُ، ولم أسألْهُ عن شيءٍ قلتُ: قد خرفَ.
قولهُ: (لو رأيتَ لحيتَه ..) (٤) إلى آخرهِ، يُحمَلُ على أنَّ مرادَهُ أنَّكَ لمجرّدِ ذلكَ تقضي عليهِ بالعدالةِ توسّمًا، فكيفَ إذا تأملتَ دينَهُ ومروءتَهُ وضبطَهُ، وهذا منْ وادي قولِ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ - ﵁ - في النَّبيِّ - ﷺ - فلما تأملتُهُ عرفتُ أنَّ وجههُ ليس بوجهِ كَذّابٍ.
ومثلُ هذا كثيرٌ في كلامِ الناسِ؛ فإنَّ أحمدَ بنَ يونسَ قد أمر الإمام أحمدَ بالرحلةِ إليهِ، ووصفهُ بأنَّهُ شيخُ الإسلامِ.
وأمّا عبدُ اللهِ - مكبرًا - ابنُ عُمرَ بنِ حفصٍ العُمريُّ فإنَّهُ وإنْ كان الصحيحُ فيهِ أنَّهُ ضعيفٌ، ولكن أثنى عليهِ غيرُ واحدٍ، فقالَ ابنُ معينٍ - فيما نقلهُ عنهُ عثمانُ الدارميُّ -: «إنَّهُ صالحٌ ثقةٌ»، وقالَ الحافظُ أبو يَعلَى الخليليُّ: «ثقةٌ، غير أنَّ
_________________
(١) الثقات ٤/ ٢٦٥.
(٢) لم ترد في (ب).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٨.
[ ١ / ٦٠٦ ]
الحفاظَ لم يرضوا حفظهُ» (١). وأوردَ لهُ يعقوبُ بنُ شيبةَ الفحلُ في " مسندهِ " حديثًا (٢)، فقالَ: «هذا حديثٌ حسنُ الإسنادِ مدنيٌّ». وقالَ في موضعٍ آخرَ: «هو رجلٌ صالحٌ مذكورٌ بالعلمِ والصلاحِ، وفي حديثهِ بعضُ الضعفِ والاضطرابِ (٣)، ويزيدُ في الأسانيدِ (٤) كثيرًا».
وقالَ ابنُ حِبانَ / ٢٠١أ /: «كانَ ممن غَلبَ عليهِ الصلاحُ حَتىّ غفلَ عن الضبطِ فاستحقَّ التركَ» (٥).
قولهُ: (كما رواهُ الخطيبُ عنهُ في " الكفايةِ ") (٦) قالَ في " النكتِ ": «بإسنادهِ الصحيحِ» (٧).
قولهُ: (فإنْ يُقلْ قَلَّ بيانُ منْ جرح) (٨) هو على حذفِ مضافٍ، أي: بيانُ جرحِ مَنْ جَرحَ، وهوَ غيرُ مُفهِمٍ للمرادِ إلاَّ بأنْ يضافَ إليه، نحو أنْ يقالَ: واشتراطُ البيانِ مسقطٌ لكلامِهم المبهمِ، وذلك موجبٌ لردِّ الجرحِ في الأغلبِ، وهو خلافُ ما عليهِ عملُهم، كذا اشتراطُ بيانِ القادحِ مسقطٌ لقولِهم إذا قالوا المتنُ: لم يصحَّ، وأبهموا وهو مخالفٌ لعملِهم، فعملُهم في رَدِّ ذلكَ مخالفٌ لقولِهم: لا يُقبلُ الجرحُ مبهمًا.
_________________
(١) الإرشاد ١/ ١٩٣.
(٢) في (ف): «حدثنا».
(٣) في (ب): «الاطراب».
(٤) في (ب): «الاسناد».
(٥) المجروحين ٢/ ٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٩.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٤١.
(٨) التبصرة والتذكرة (٢٧٢).
[ ١ / ٦٠٧ ]
قولهُ: (وأبهموا) (١) حالٌ منْ فاعلِ «قالوا»، أي: وأبهموا الجهةَ التي منْ أجلِها وصفوهُ بعدمِ الصحةِ فلم يفسّروها.
قولهُ: (أنْ يجب الوقف) (٢) هو على حذفِ الجارِّ والتأويلِ بالمصدرِ، أي: بوجوب الوقفِ، أي: بأنَّهُ يجبُ أنْ يقف للاحتجاجِ بذلكَ الراوي إذا وجدَ منْ يريدُ الاحتجاجَ بهِ فيهِ ريبةٌ، كما صَرّحوا بذلك، والجرحُ المبهمُ يوجبُ ريبةً، فعدمُ الاحتجاج للتوقفِ لا لقبولِ الجرحِ المبهمِ.
قولهُ: (حَتى يُبين) (٣) هو منْ أبانَ، و«بحثهُ» فاعلهُ و«قبولهُ» مفعولهُ، أي: حَتىّ يتبينَ بالبحثِ أنَّ راويَ ذلك الخبرِ مقبولٌ، وأنَّ ذلك الجرحَ غيرُ مؤثرٍ فيهِ.
قولهُ: (كمن أولوا) (٤) مثالٌ للراوي الذي أبانَ البحثُ قبولهُ.
قولهُ: (عكرمة) (٥) / ٢٠١ب / هو مبتدأٌ خبرُهُ «في البخاريِّ» و«واحتجاجًا» تمييزٌ. أي: فعكرمةُ مُخرجٌ لهُ في البخاريِّ من جهةِ الاحتجاجِ، لا منْ جهةِ المتابعةِ ونحوِها.
قولهُ: (وغير ترجمة) (٦) يجوزُ أنْ يكونَ مجرورًا عطفًا على «ابن مرزوقٍ»، وأنْ يكونَ مرفوعًا عطفًا على «عكرمةَ».
والترجمةُ: الاسمُ منْ إطلاقِ السببِ على المسبَّبِ؛ فإنَّ الاسمَ سببٌ لبيانِ حالِ المسمَّى، وتفسيرُ ما أبهمَ منْ أمرهِ منْ نسبٍ، وغيرهِ من جميعِ أوصافهِ، أخذًا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٧٣).
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٧٣).
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٧٤).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٧٤).
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٧٥).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٧٥).
[ ١ / ٦٠٨ ]
من الترجمانِ: وهو المفسِّرُ للسانِ. ووزنهُ في " القاموسِ " (١) بثلاثةِ أوزانٍ: عُنفُوان وزَعْفَران ورَيْهُقان قالَ: وقد ترجمهُ، وعنهُ والفعلُ يدلُّ على أصالةِ التاءِ.
قولهُ: (إذ (٢) بجرْحٍ) (٣)، أي: احتجَّ بنحو سويدٍ؛ لأنَّهُ ما اكتفى في إسقاطهِ بجرحٍ قيلَ فيهِ.
قولهُ: (واختاره) (٤) الضمير فيهِ يعودُ على المصدرِ المفهومِ منْ «قالَ»، أي: اختارَ هذا القولَ، وهو الحكمُ بما أطلقَهُ العالمُ.
قولهُ: (أنْ يحكمْ بما) (٥) بإسكانِ الميمِ، وإخفائِها بغنةٍ عندَ الباءِ، وكذا «العالمُ بأسبابها» على حدِّ الإقلابِ، وهو قَلبُ النُّونِ الساكنةِ، ميمًا خالصةً ساكنةً، ثمَ إخفاؤها بغنَّةٍ نحو ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ (٦)، و﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٧) وقد سكَّنَ أبو عمرٍو (٨) كلَّ ميمٍ تحرّكَ ما قبلها ولقيها أولَ الكلمةِ الأخرى باءٌ ثم أخفاها (٩) بغنةٍ نحو:
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (ترجم).
(٢) تحرفت في (ف) إلى: «إن».
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٧٦).
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٧٧).
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٧٨).
(٦) جزء من آية في سورة البقرة آية ٢٣٠، وسورة الأنفال آية: ٧٥، وسورة الروم آية: ٤، وسورة الأحزاب آية: ٥٢، وسورة الحديد: ١٠.
(٧) جزء من آية في سورة البقرة ١٨ و١٧١.
(٨) هو النحوي، اللغوي المقرئ: زبان، وقيل: العريان، أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري من مشايخه: أنس بن مالك، ويحيى بن معمر، ومجاهد، ومن تلامذته: شعبة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر. انظر: الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة ١/ ٩١٤ ترجمة (١٢٦٥)، تأليف صديقنا الشيخ وليد الحسين نفع الله به.
(٩) المثبت من (ف) وفي باقي النسخ: «إخفائها».
[ ١ / ٦٠٩ ]
﴿بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (١) وذلك لما بينَ الميمِ والباءِ منَ المجانسةِ في المخرجِ، والمقاربةِ في المخرجِ والصفةِ.
قولهُ: (وهما) (٢)، أي: هذان البيتان ردٌّ على السؤالِ، ليسَ هذا الردُّ بجيدٍ / ٢٠٢أ / أمَّا أولًا: فإنَّهُ يمكن حَملُ كلامِ إمامِ الحرمينِ وَمن معهُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ منَ التوقفِ منْ غيرِ حكمٍ بالجرحِ.
وأمَّا ثانيًا: فإنَّهُ يلزمُ منه لو حَملناهُ على الحكمِ بالجرحِ أحدُ أمرينِ: إمّا تبقيةُ الأمرِ على إشكالهِ، وإمّا تصحيحُ القولِ الرابعِ في شرحِ الأبياتِ قبلهُ، وتضعيفُ القولِ الأولِ الذي عليهِ الجمهورُ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ المعنى: الحقُ أنْ يحكمَ بما أطلقهُ، أي: ذَكَرَهُ العالم بالأسبابِ مع بيانِ السببِ، فهوَ الأمرُ الأولُ، وإنْ كانَ المعنى أنَّه يحكمُ بما ذَكرَهُ مطلقًا غيرَ مبينٍ السببَ فهوَ الأمرُ الثاني، وليس ذلكَ بجيدٍ.
والحقُ في الجوابِ عنْ هذا الإشكالِ التفصيلُ في حالِ المجروحِ، فإنْ كانَ قد وثّقهُ أحدٌ من أئمةِ هذا الشأنِ لم يُقبلْ فيهِ الجرحُ منْ أحدٍ كائنًا مَنْ كانَ إلا مفسَّرًا؛ لأنَّهُ قد ثَبتتْ لهُ رتبةُ الثقةِ فلا يُزحزحُ عنها إلا بأمرٍ جليٍّ؛ فإنَّ أئمةَ هذا الشأنِ لا يُطلقونَ الثقةَ إلا على مَنْ اعتبروا حالَهُ في دينهِ، ثم اعتبروا حديثَهُ وعرضوهُ على حديثِ الحفّاظِ وتفقدوهُ على ما ينبغي، وهُم أيقظُ الناسِ فلا يُنقَضُ حكمُ أحدِهم إلا بأمرٍ صريحٍ تكونُ فيهِ قوةُ النقضِ، ومهما كانَ الجرحُ مبهمًا كانَ محتملًا لوجوهٍ من الاحتمالاتِ يَضعفُ بها عنْ أنْ يكونَ ناقضًا لما أثبتَهُ الموثِّقُ. انظر إلى ما جُرِحَ بهِ سويدُ بنُ سعيدٍ لمّا بُحثَ عنهُ، كيفَ انكشفَ عمّا لا يقدحُ فيهِ أصلًا، ويقدحُ في بعضِ حديثهِ دونَ بعضٍ.
_________________
(١) جزء من آية من سورة الأنعام: ٥٣: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، وانظر: معجم القراءات القرآنية ٢/ ٢٧٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٤.
[ ١ / ٦١٠ ]
وانظر إلى ما ذُكِرَ في / ٢٠٢ب / شرحِ الأبياتِ التي قبلَ هذهِ منَ التفسير بركضِ البرذونِ (١) وغيرهِ، ولهذه العلة أخرجَ صاحبا " الصحيحِ " وغيرُهما حديثَ مَنْ طعنَ فيهِ بعضُ (٢) الأئمة طعنًا غيرَ مُفسَّرٍ؛ فعكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، قد وثّقهُ ابنُ عباسٍ -﵄- في النقلِ عنهُ، فقالَ: «ما حدّثكم عني عكرمةُ فصدِّقوهُ؛ فإنَّهُ لن يكذبَ عليَّ»، وقال لهُ: «انطلقْ فَأَفتِ الناسَ».
وقال جابرُ بنُ زيدٍ: هذا عكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناسِ، وقيلَ لسعيدِ بنِ جبيرٍ: «تعلمُ أحدًا أعلمُ منكَ؟ قالَ: نَعَم، عكرمةُ». وقالَ يحيى بنُ أيوبَ: «سألني ابنُ جُريجٍ: هل كَتبتُمْ عن عكرمةَ؟ قلتُ: لا قالَ: فاتكُم ثُلثا العلمِ»، وقالَ ابنُ معينٍ: «إذا رأيتَ إنسانًا (٣) يقعُ في عكرمة فاتّهمْهُ على الإسلامِ»، وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: «سألتُ إسحاقَ عن الاحتجاجِ بحديثهِ فقالَ: عكرمةُ عندَنا إمامُ الدنيا، وتعجّبَ مِنْ سؤالي إياهُ»، وقالَ ابنُ منده: «أمّا حالُ عكرمةَ في نفسهِ فقد عدّلَهُ أمةٌ منَ التابعينَ، منهم: زيادة على سبعينَ رجلًا منْ خيارِ التابعينَ، ورفعائِهم، وهذه منْزلةٌ لا تكادُ توجدُ لكبيرِ أحدٍ منَ التابعينَ، على أنَّ من جَرحَهُ منَ الأئمةِ لم يُمسكْ عن الروايةِ عنهُ»، وقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: «عكرمةُ من جلةِ العلماءِ، ولا يقدحُ فيهِ كلامُ مَنْ تكلّمَ فيهِ، لأنَّهُ لا حجةَ معَ أحدٍ تكلّمَ فيهِ» ذَكرَ ذلك شيخُنا في مقدمةِ / ٢٠٣أ / "شرحِ البخاري" (٤) وأشبعَ في ذلك، وذَكرَ قولَ مَن
_________________
(١) البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، ويعرف باسم (الكديش). انظر: معجم متن اللغة ١/ ٢٦٩، والمعجم الوسيط: ٤٨. والركض: هو استحثاث الدابة على العدو بأن يضرب جنبيها برجله.
(٢) «بعض» من (ف) فقط.
(٣) في (ب): «أحدًا».
(٤) هدي الساري: ٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ١ / ٦١١ ]
جَرحَهُ وبيّنَ أنَّهُ لايُقدَحُ فيهِ بعد ما ثبتَ لهُ منَ الرُّتبِ السنيةِ.
وإسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ: عبد اللهِ بن عبدِ اللهِ وهو ابنُ أختِ الإمامِ مالكٍ، اختلفَ فيهِ قولُ ابنِ معينٍ فقالَ مرةً: «لا بأسَ بهِ»، وقالَ مرةً: «ضعيفٌ»، ومرةً: «كانَ يسرقُ الحديثَ»، وقالَ أبو حاتمٍ: «محلُّهُ الصدقُ وكانَ مغفلًا»، وقالَ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ: «لا بأسَ بهِ»، وقالَ الدارقطنيُّ: «لا أختارُهُ في الصحيحِ»، وضعَّفهُ النسائيُّ، واختارَ شيخُنا أنَّهُ لا يُحتجُّ بشيءٍ منْ حديثهِ غيرَ ما في الصحيحِ منْ أجلِ قدحِ النَّسائيِّ وغيرهِ (١) إلاّ إنْ شاركهُ فيه غيرُهُ، والذي في "الصحيحِ" صحيحٌ؛ لأنَّ البخاريَّ كَتبَ عنهُ من أصولهِ فلم يكتبْ إلا ما عَلِمَ صحتَهُ.
وعاصمُ بنُ عليِّ بنِ عاصمِ بنِ صُهيبٍ الواسطيُّ، قالَ أحمدُ: «ما كان أصحَّ حديثه عن شعبةَ!»، وقالَ أيضًا: «ما أقلَّ خطأه!»، وقالَ العجليُّ: «شَهدتُ مجلسَ عاصمِ بن عليٍّ فحرر (٢) مَنْ شَهدهُ، وكانوا مئةَ ألفٍ وستينَ ألفًا، وكان ثقةً، وثّقهُ ابنُ سعدٍ وقالَ المروزيُّ (٣): قلتُ لأحمدَ: إنَّ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: كلُّ عاصمٍ في الدنيا ضعيفٌ، فقالَ: ما أعلمُ في عاصمِ بنِ عليٍّ إلاّ خيرًا، كانَ حديثُهُ صحيحًا»، وضَعّفهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ. وأوردَ له ابنُ عديٍّ أحاديثَ قليلةً عن شعبةَ، وقالَ: «لا أعلمُ لهُ شيئًا منكرًا إلاَّ هذه الأحاديثَ» (٤) انتهى.
فيمكنُ حَملُ تضعيفِ مَنْ ضَعّفهُ على / ٢٠٣ب / هذه الأحاديثِ خاصةً لكونهِ أخطأَ فيها، وهو معنى قولِ أحمدَ: «ما أقلَّ خطأهُ!».
_________________
(١) هدي الساري: ٣٩١.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «فحرر» برائين، وفي هدي الساري: «فحزر» بزاي ثم راء.
(٣) في (ف): «المروذي» بالذال المعجمة.
(٤) الكامل ٦/ ٤٠٩.
[ ١ / ٦١٢ ]
وعمرُو بنُ مرزوقٍ الباهليُّ أثنى عليهِ سليمانُ بنُ حربٍ، وأحمدُ بنُ حَنْبلٍ، قالَ ابنُ معينٍ: «ثقةٌ مأمونٌ»، ووثّقهُ ابنُ سعدٍ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: «اتركوا حديثَهُ»، وعن يحيى بنِ سعيدٍ: أنَّهُ كانَ لا يرضاهُ. وقالَ الساجيُّ كانَ أبو الوليدِ يتكلّمُ فيهِ، وقالَ الدارقطنيُّ: كثيرُ الوهمِ.
قالَ شيخُنا: «لم يُخرجْ عنهُ البخاريُّ في الصحيحِ سوى حديثينِ مقرونًا بغيرهِ في كلٍّ منهما» (١).
وأمّا تكذيبُ ابنِ معينٍ لسويدِ بنِ سعيدٍ فيحتمل أنْ يكونَ أرادَ بهِ مجرّدَ تخطئتهِ، أي: نقله ما لا يُطابقُ الواقعَ غير متعمدٍ، فإنَّهُم قد يطلقونَ الكذبَ على ذلكَ، وهو منْ إطلاقِ الاسمِ على جزءِ معناهُ بدلالةِ التضمن.
قولهُ: (وقد تقدمَ نقلهُ) (٢)، أي: في ذكرِ القولِ الثالثِ.
وقولهُ:
٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ
لو قالَ:
وقدَّمْوا الجَرْحَ، وقيل: إنْ تجِدْ مَنْ عَدّلَ الأكثرَ قولهُ اعتمِد
لكانَ أحسنَ.
قولهُ (٣): (ففيهِ ثلاثة أقوال) (٤) لا بدَّ من التقييدِ بأنْ يكونَ الجرحُ مفسّرًا. وأمّا إنْ كانَ مُبهمًا، فإنَّهُ لا يُعارضُ التعديلَ.
_________________
(١) هدي الساري: ٤١٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٤.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٤.
[ ١ / ٦١٣ ]
قولهُ: (مصدقٌ للمعدلِ) (١) ليسَ كذلكَ؛ فإنَّ مجرد الجرحِ لا يتضمنُ ذلكَ بل أكثر ما فيهِ أن يتضمنَ السكوتَ عن التعديلِ.
قولهُ:
٢٨٠ - وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ بِهِ (الخَطِيْبُ) والفَقِيْهُ (الصَّيْرَفِيْ)
٢٨١ - وَقِيْلَ: يَكْفِي، نَحْوُ أنْ يُقالا: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاَ:
٢٨٢ - جَمِيْعُ أشْيَاخِي ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ أُسَمِّ، لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ
٢٨٣ - وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ عَالِمٍ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ
قولهُ: (بل / ٢٠٤أ /لو قالا) (٢) يُفهِمُ أنَّ الثاني أعلى منَ الأولِ كما هو مفَادُ «بَلْ» التي تُفتتَحُ بها الجملُ، قال الرضيُّ: «وأما التي تليها الجملُ ففائدتها الانتقالُ منْ جملةٍ إلى أخرى أهمُّ منَ الأولى». (٣) انتهى.
والأهميةُ هنا هي كونُ التعديلِ في الجملةِ الثانيةِ أرفعَ منه في الأولى، وليسَ الأمرُ كذلكَ هنا بل الأولُ أعلى (٤) فإنَّهُ لا (٥) يطرقهُ احتمالُ أن لا يكونَ المرادُ توثيقهُ، وأمّا إذا قالَ: جميعُ مَشايخي ثقاتٌ، ثم رَوَى عن شيخٍ ساكتًا عنْ توثيقِهِ بخصوصهِ، فإنَّهُ يطرقُهُ احتمالُ أن لا يكونَ أراد توثيقهُ؛ لكونهِ قالَ ذلك على سبيلِ الأغلبِ، أو لكونهِ ذاهلًا عما التزمَهُ مِنْ ذلكَ، أو طَرأَ لَهُ مَا غيّرَ الالتزامَ لأجلِهِ، ونحو ذلكَ.
فلو قالَ الشيخُ: بدلَ قولهِ: (بل لو) أو أن، فقالَ: حدثني الثقةُ أو إن قالا، كانَ أحسنَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٨١).
(٣) شرح الكافية ٢/ ٣٧٩.
(٤) عبارة: «بل الأول أعلى» من (ف) فقط.
(٥) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٦١٤ ]
قولهُ: (لم يردهُ) (١) قافيتُهُ (٢) متداركٌ (٣)، وقافيةُ «قلدهُ» متراكبٌ (٤)، فلو قالَ:
وبعضُ منْ حقق قال حَتم قبوله في حقِّ منْ يأتم (٥)
أو قالَ: واجبٌ في حقِّ منْ يصاحبُ.
قولهُ: (من يحتجُ بالمرسلِ) (٦)، أي: لأن الظنَّ يقعُ بأنَّ المرسلَ لو لم يكن ذلكَ الذي حذفهُ حجةً عندَهُ لما حَذفَهُ، فكأنّهُ بحذفهِ وثَّقهُ، وهذا أولى؛ لأنَّهُ صرّحَ بتوثيقهِ بخلافِ المرسلِ.
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنَا أنّهُ وقعَ في عبارةِ ابنِ كثيرٍ أنّ: «المبهمَ الذي لم يسمَّ، أو منْ سمي ولا تعرفُ عينُهُ لا يَقبلُ روايتَهُ أحدٌ عَلمناهُ، ولكنّهُ / ٢٠٤ب / إذا كانَ في عصرِ التابعينَ، والقرونِ المشهودِ لها بالخيرِ فإنَّهُ يُستأنَسُ (٧) بروايتهِ ويُستضَاءُ بها في مواطنَ، وقد وَقعَ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ " وغيرِه منْ هذا القبيلِ
كثيرٌ» (٨) انتهى.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٨٣).
(٢) القافية: هي من آخر البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن، وقيل: هي آخر كلمة في البيت أجمع. انظر: الكافي في العروض والقوافي: ١٤٩.
(٣) المتدارك: حرفان متحركان بين ساكنين. انظر: الكافي في العروض والقوافي: ١٤٨.
(٤) المتراكب: ثلاثة أحرف متحركة بين ساكنين. انظر: الكافي في العروض والقوافي: ١٤٨.
(٥) في حاشية (أ) بيت شعر غير واضح نصه: وبعض من حقق قال واجب قبوله في حقّ من يصاحب
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٦.
(٧) في (ف): «ليستأنس».
(٨) اختصار علوم الحديث ١/ ٢٩٣ وبتحقيقي: ١٦٧، وفي النقل تصرف يسير.
[ ١ / ٦١٥ ]
قولهُ: (ريبةٌ توقعُ ترددًا) (١)، أي: من جهةِ أنهُ يكونُ معتقدًا؛ لأنَّهُ ثقةٌ، ويعرفُ أنهُ مجروحٌ عندَ غيرهِ فهو يُخفيهِ خوفًا منْ عدمِ قبولهِ إذا سمّاهُ، فيؤدي ذلك إلى ضياعِ ما حَمَلهُ عنهُ منَ الحديثِ، وهو يَعتقدُ أنّهُ مُصيبٌ في ثقتِهِ، وأنّ غيرَهُ مُخطىءٌ في جرحهِ.
قولهُ: في الشرح (بل) تُفهمُ الانتقالَ كما سَلَفَ بالإضرابِ منْ أدنى إلى أعلى وهو مُسلّمٌ في الأولِ دونَ الثاني، وهو قولُهُ: «بل زادَ الخطيبُ» إلى آخرهِ، فإنَّهُ لا يشكُّ أن توثيقَ جميعِ المشايخِ على الإجمالِ يطرقُهُ منَ الاحتمالِ (٢) مالا يطرقُ التوثيقَ للواحدِ المعينِ.
قولهُ: (بخلافِ العدالةِ) (٣) مُتعلّقٌ بـ «نعرفه»، أي: بجوازِ أنْ نعرفَهُ بخلافِ العدالةِ إذا ذَكرهُ باسمهِ.
قولهُ: (ابن أبي المخارقِ) (٤) هو عبدُ الكريمِ بنُ أبي المخارقِ: قيسٌ (٥)، ويقالُ: طارقٌ أبو أُميةَ المعلمُ البصريُّ (٦)، قالَ معمرٌ: «ما رأيتُ أيوبَ اغتابَ أحدًا قطُّ إلاّ عبدَ الكريمِ أبا أميةَ فإنَّهُ ذَكرهُ، فقالَ: «﵀، كانَ (٧) غيرَ ثقةٍ، لقد سألني عن حديثٍ لعكرمةَ، ثم قالَ: سمعتُ عكرمةَ» (٨)، وقالَ عمرو بنُ عليٍّ: «سألتُ عبدَ / ٢٠٥أ / الرحمانِ عنْ حديثٍ منْ حديثهِ، فقالَ: دَعهُ، فلما قامَ ظننتُ أنّهُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٦.
(٢) عبارة: «يطرقه من الاحتمال» لم ترد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٦
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٧.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) في (ب): «البصري المعلم».
(٧) «كان» من (ف).
(٨) مقدمة صحيح مسلم: ٢١.
[ ١ / ٦١٦ ]
يحدّثني بهِ، فسألتُهُ، فقالَ: فأينَ التقوى؟» (١)، وقالَ ابنُ عديٍّ (٢): «الضعفُ على رواياتهِ بيّنٌ»، وقالَ ابنُ حبانَ (٣): «كانَ كثيرَ الوهمِ، فاحشَ الخطأ، فلما كَثُرَ ذلكَ منهُ (٤) بطلَ الاحتجاجُ بهِ»، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): «غَرَّ مالكًا سمتُهُ، ولم يكنْ منْ أهل بلدهِ، ولم يخرجْ عنهُ حكمًا، إنّما ذكرَ عنهُ ترغيبًا» ونقلَ بعضهم أنَّ الشيخينِ أخرجا لهُ في كتابِ الحجِ (٦)، وهو وهمٌ، إنما هو عبدُ الكريمِ الجزريُّ، وقال المزيُّ: «إنَّ مسلمًا رَوَى لَهُ في المتابعاتِ (٧») وُردَّ ذلكَ عليهِ، وقالَ الحافظُ المنذريُّ: «لم يخرجْ له مسلمٌ شيئًا أصلًا لا متابعةً ولا غيرها وإنّما أخرجَ لعبدِ الكريمِ الجزريِّ» (٨) ماتَ سنةَ سبعٍ أو ستٍ وعشرينَ ومئةٍ (٩).
قولهُ: (أحدهما ..) (١٠) إلى آخرهِ هذا القولُ هو الذي تقدّمَ آنفًا أنّ ابنَ الصباغِ حَكاهُ عن أبي حنيفةَ.
قولهُ: (مخرمةَ بن بكير) (١١) هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، أبو المسورِ المدنيُّ، وهو صدوقٌ، وروايتُهُ عنْ أبيهِ وجادةً (١٢) من كتابهِ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: «سمعَ من
_________________
(١) الجرح والتعديل ٦/ ٧٦.
(٢) الكامل ٧/ ٣٧ و٤١ وعبارته: «والضعف بين على كل ما يرويه».
(٣) المجروحين ٢/ ١٢٨.
(٤) «منه» من (ف) فقط.
(٥) التمهيد ٢٠/ ٦٥.
(٦) انظر: الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني ١/ ٣٢٤.
(٧) تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٣.
(٨) تهذيب التهذيب ٦/ ٣٣٢.
(٩) انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٢.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٧.
(١١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨.
(١٢) جاء في حاشيةِ (أ): «الوجادة: أن يجد بخط أحد شيئًا فيرويهِ ويقولُ: وجدتهُ بخطِ فلانٍ».
[ ١ / ٦١٧ ]
أبيهِ قليلًا» (١) ماتَ سنةَ تسعٍ وخمسينَ ومئةٍ (٢).
قولهُ: (فقيلَ: الثقةُ عبدُ اللهِ بن وهب) (٣) هو (٤) بخطِّ بعضِ أصحابِنا وقعَ عندَ مالكٍ: عنِ الثقةِ عندهُ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، في الزكاةِ (٥)، قالَ شمسُ البِرماوي (٦): «وقالَ ابنُ وهبٍ: كلُّ ما في كتابِ مالكٍ: أخبرني منْ لا أتهمُ منْ أهل العلمِ فهو ليثُ بنُ سعدٍ» (٧).
قولهُ: (فهو ابنُ أبي فديكٍ) (٨) هو محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ مسلمِ بنِ أبي فُديكٍ - بالفاءِ مصغرًا -، الديليُّ مولاهمُ المدنيُّ، أبو إسماعيلَ، صدوقٌ، ماتَ سنةَ مئتينِ، رَوَى لَهُ الجماعةُ (٩).
قولهُ: (فهو يحيى بن حسان) (١٠) يعني: التّنيسيَّ بكسرِ المثناةِ والنونِ الثقيلةِ، وسكونِ التحتانيةِ ثمَ مهملةٍ: أبو زكريا البكريُّ، أصلُهُ منَ البصرةِ، وهوَ ثقةٌ، رَوَى لَهُ
_________________
(١) الكامل ٨/ ١٧٨، وفي النقل تصرف يسير.
(٢) تقريب التهذيب (٦٥٢٦).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨.
(٤) كتب ناسخ (ف) في الحاشية: «هنا بياض قيد سطرين».
(٥) الموطأ (٧٢٤) برواية الليثي.
(٦) هو محمد بن عبد الدائم بن موسى بن عبد الدائم، البِرماوي -بكسر أوله، نسبة إلى بِرمة وهي: بليدة ذات أسواق في كورة الغربية من أرض مصر- كان قائمًا بنشر العلم تصنيفًا وإقراءًا، توفي سنة (٨٣١) هببيت المقدس. انظر: معجم البلدان ١/ ٣١٩، والضوء اللامع ٧/ ٢٨٠ - ٢٨٢.
(٧) تاريخ بغداد ١٣/ ٧، وفي النقل تصرف يسير، ونقل السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٣١٢ النص كما هو هنا.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨.
(٩) تقريب التهذيب (٥٧٣٦).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة١/ ٣٤٨.
[ ١ / ٦١٨ ]
الشيخانِ ماتَ سنةَ ثمانٍ ومئتين (١).
قولهُ: (فهو أبو أسامة) (٢) حمّادُ بنُ أسامةَ بنِ زيدٍ القرشيُّ مولاهم، الكوفيُّ، مشهورٌ بكنيتهِ، ثقةٌ ثَبتٌ رَوَى لهُ الجماعةُ، وربما دلّسَ، وكانَ بأخرةٍ يحدّثُ مِنْ كُتبِ غيرهِ، ماتَ سنةَ إحدى ومئتينِ (٣).
قولهُ: (فهو عمرو بن أبي سلمةَ) (٤) يعني: التنيسيَّ، بفوقانيةٍ ثمّ نونٍ ثمّ تحتانيةٍ ثمّ مهملةٍ، أبو حفصٍ الدمشقيُّ، مولى بني هاشمٍ، أخرجَ لَهُ الجماعةُ، وهو صدوقٌ لَهُ أوهامٌ، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ ومئتينِ أو بعدَها (٥).
قولهُ: (فهو مسلمُ بن خالدٍ) (٦) هو المخزوميُّ مولاهم، المكيُّ، المعروفُ بالزنجيِّ، رَوَى لَهُ أبو داودَ، وابنُ ماجه، وهو فقيهٌ صدوقٌ / ٢٠٦أ / كثيرُ الأوهامِ، ماتَ سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومئةٍ أو بعدها (٧).
قولهُ: (فهو إبراهيم بن أبي يحيى) (٨) هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي يحيى: سمعانَ الأسلميُّ مولاهم، أبو إسحاقَ المدنيُّ، متروكٌ، لم يروِ عنهُ منَ الستةِ إلاّ ابنُ ماجه، وماتَ سنةَ أربعٍ وثمانينَ ومئةٍ، وقيلَ: سنةَ إحدى وتسعينَ (٩)، وقالَ بشرُ بنُ
_________________
(١) تقريب التهذيب (٧٥٢٩).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨.
(٣) تقريب التهذيب (١٤٨٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٥) تقريب التهذيب (٥٠٤٣).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٧) تقريب التهذيب (٦٦٢٥).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٩) تقريب التهذيب (٢٤١).
[ ١ / ٦١٩ ]
المفضلِ: «سألتُ فقهاءَ أهل المدينةِ عنهُ فكلّهم يقولُ: كذابٌ» (١)، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ عنْ أبيهِ: «كانَ قدريًا معتزليًا جهميًا، كلُّ بلاءٍ فيهِ» (٢)، وقالَ الربيعُ: «سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: كانَ إبراهيمُ بنُ أبي يحيى قدريًا، قيلَ للربيعِ: فما حَملَ الشافعيَّ على أنْ رَوَى عنهُ قالَ: كانَ يقولُ: لأن يخرَّ إبراهيمُ منْ بُعدٍ أحبُّ إليهِ من أنْ يكذبَ وكانَ ثقةً في الحديثِ» (٣)، وقالَ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ (٤): «سألتُ أحمدَ بنَ محمدِ بنِ سعيدٍ - يعني: ابنَ عقدةَ - (٥) فقلتُ لهُ: تعلمُ أحدًا أحسنَ القولِ في إبراهيمَ غيرُ الشافعيِّ؟ فقالَ: حدثنا أحمدُ بنُ يحيى الأزديُّ (٦)، سمعتُ حمدانَ بنَ الأصبهانيِّ، قلتُ: أتدينُ بحديثِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى؟ قالَ: نَعَمْ، ثمّ قالَ لي أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ: نظرتُ في حديثِ إبراهيمَ كثيرًا، وليسَ بمنكرِ الحديثِ»، قالَ ابنُ عديٍّ: «وهذا الذي قالهُ كما قالَ، وقد نظرتُ أنا أيضًا في حديثهِ الكثيرَ فلم أجد فيهِ منكرًا / ٢٠٦ب / إلاّ عنْ شيوخٍ يحتملونَ، وإنما يُروى المنكرُ منْ قِبَلِ الراوي عنهُ أو منْ قِبَلِ شيخهِ وهو في جملةِ من يكتبُ حديثهُ ولهُ الموطأ أضعافُ " موطأ مالكٍ "» (٧)، وقالَ عليُّ بنُ المدينيِّ: «كذابٌ، وكانَ يقولُ بالقدرِ» (٨)، وقالَ ابنُ حبانَ (٩): «كانَ يرى القدرَ
_________________
(١) تهذيب الكمال ١/ ١٣٣.
(٢) تهذيب الكمال ١/ ١٣٣.
(٣) الكامل ١/ ٣٥٧.
(٤) الكامل ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٥) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٦) كذا في جميع النسخ الخطية والذي في المطبوع من الكامل: «أحمد بن يحيى الأودي»، وكذلك ذكره البخاري في التأريخ الصغير ٢/ ٣٠٣، ولم نقف على ترجمة لأحمد بن يحيى الأزدي، ولعل الخطأ من البقاعي نفسه، والله أعلم.
(٧) الكامل ١/ ٣٥٨، وفي النقل اختصار.
(٨) سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني: ١٢٤.
(٩) المجروحين ١/ ١٠٢.
[ ١ / ٦٢٠ ]
ويذهبُ إلى كلامِ جهمٍ، ويكذبُ في الحديثِ» إلى أنْ قالَ: «وأما الشافعيُّ فإنَّهُ كانَ يجالسُ إبراهيم في حداثتهِ ويحفظُ عنهُ، فلما دخلَ مصر في آخرِ عمرهِ وأخذ يصنفُ الكتبَ احتاجَ إلى الأخبارِ ولم تكن كتبهُ معهُ، فأكثرُ (١) ما أُودِعَ في الكتبِ فمن حفظهِ، وربما كنّى عن اسمهِ»، وقالَ العقيليُّ (٢): «قالَ إبراهيمُ بنُ سعدٍ: كُنا نُسمّي إبراهيمَ بنَ أبي يحيى ونحنُ نطلبُ الحديثَ خرافةً»، وقالَ عبدُ الغني بنُ سعيدٍ المصريُّ: «هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي عطاء الذي حدّثَ عنهُ ابنُ جريجٍ، وهو عبدُ الوهابِ الذي يحدّثُ عنهُ مروانُ بن معاوية، وهو أبو الذئبِ الذي يحدثُ عنهُ ابن جريجِ» (٣) (٤)، وقال العجليُّ: «كانَ قدريًا معتزليًا رافضيًا، وكانَ منْ أحفظِ الناسِ، وكانَ قد سمعَ علمًا كثيرًا» (٥)، وقالَ البزارُ: «كانَ يضعُ الحديثَ، وكانَ توضعُ لهُ مسائلُ فيضعُ لها إسنادًا، وكانَ قدريًا (٦)، وهو منْ أستاذِيّ الشافعيّ وعزَّ علينا»، وقالَ الشافعيُّ في كتابِ " اختلافِ الحديثِ ": ابنُ أبي يحيى أحفظُ منِ الدراورديِّ (٧)، وقال إسحاقُ بنُ راهويه: «ما رأيت أحدًا يحتجُّ بابنِ أبي يحيى مثلَ الشافعيِّ، قلتُ للشافعيِّ: وفي الدنيا أحدٌ يحتجُّ بإبراهيمَ / ٢٠٧أ / بنِ أبي يحيى!» (٨)، ورأيتُ بخطِّ بعضِ الآخذينَ عن شيخِنا منْ أصحابِنا: أنَّ في " مسندِ الشافعيِّ " إذا قالَ أخبرني الثقةُ فهو يحيى بنُ حسانَ (٩)، وإذا قالَ: أخبرني منْ لا
_________________
(١) في (ب): «قلما كثر».
(٢) الضعفاء الكبير ١/ ٦٢.
(٣) تهذيب التهذيب ١/ ١٤٤.
(٤) من قوله: «وهو عبد الوهاب » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٥) تهذيب التهذيب ١/ ١٤٤.
(٦) من قوله: «رافضيًا، وكان من أحفظ » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) اختلاف الحديث: ١٧٨.
(٨) تهذيب التهذيب ١/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٩) في جميع النسخ: «يحيى بن أبي حسان» وهذا خطأ.
[ ١ / ٦٢١ ]
أتهمُ، فهو إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، وقالَ: قالَ شيخنا: يوجدُ في كلامِ الشافعيِّ، أخبرني الثقةُ، عنْ يحيى بنِ كثيرٍ، والشافعيّ لم يأخذْ عنْ أحدٍ ممنْ أدركَ يحيى بنَ كثيرٍ فيحتملُ أنَّهُ أرادَ بسندهِ إلى يحيى، قالَ: وذكرَ عبد اللهِ بن أحمد (١): أنَّ الشافعيّ إذا قالَ: أخبرنا الثقةُ، وذكرَ أحدًا منَ العراقيينَ فهو يعني: أباه (٢). انتهى.
قالَ: ثمّ رأيتُ في " منتخبِ تاريخِ ابنِ عساكرَ " للذهبيِّ بخطِّهِ: قالَ عبدُ اللهِ: كلُّ شيءٍ في كتابِ الشافعيِّ: أخبرنا الثقةُ، فهو عن أبي، رواها ابنُ أبي حاتمٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ كتابةً. انتهى ما وجدتُ بخطِّ صاحبِنا.
قولهُ: (ولم يروا فتياهُ) (٣).
قولهُ: (ولم يَرَوا فتيا العالمِ على وفقِ حديثٍ، حكمًا منهُ بصحةِ ذلكَ الحديثِ) (٤) قالَ ابنُ كثيرٍ في " مختصرِ ابنِ الصلاحِ ": «فيهِ نظرٌ إذا لم يكنْ في البابِ غيرُ ذلكَ الحديثِ إذا (٥) تعرّضَ للاحتجاجِ بهِ في فتياه أو حكمهِ و(٦) استشهدَ بهِ عندَ العملِ بمقتضاهُ». (٧) انتهى.
وهو ظاهرٌ في أنَّ ذلكَ حكمٌ منه بكونهِ محتجًا بهِ أعمَ منْ أنْ يكونَ صحيحًا أو حسنًا، ولا يقدحُ في ذلكَ احتمالُ أنْ يكونَ لذلكَ دليلٌ آخر منْ قياسٍ أو إجماعٍ تركَ ذكره وذكرَ هذا على سبيلِ الاستئناسِ بهِ؛ لأنَّ ذلكَ احتمالٌ ضعيفٌ، فإنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيما إذا صرّحَ باحتجاجهِ بالحديثِ، لكنْ لا بدَّ أنْ يكونَ ذلكَ العالمُ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: أحمد بن حنبل».
(٢) تدريب الراوي ١/ ٣١٤.
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٨٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٥) في اختصار علوم الحديث: «أو».
(٦) في اختصار علوم الحديث: «أو».
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ٢٩١ وبتحقيقي: ١٦٦.
[ ١ / ٦٢٢ ]
/ ٢٠٧ب /ممنْ لا يَرى العملَ بالحديثِ الضعيفِ مقدّمًا على القياسِ، كما تقدّمَ حكايةُ ذلكَ (١) عنْ أبي داود تبعًا للإمامِ أحمدَ، قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «وحملَ بعضهم هذا على أنَّهُ أريدَ بالضعيفِ هنا - أي: في قولِ أحمدَ وأبي داودَ أنّهُ مقدّمٌ على رأي الرجالِ - الحديثُ الحسنُ» (٢) أي: فإنَّهُ دونَ الصحيحِ فهوَ ضعيفٌ بالنسبةِ إليه ضعفًا لغويًا قالَ ابنُ الصلاحِ: «وليست مخالفتهُ - أي: مخالفةُ العالمِ - للحديثِ ليستْ قدحًا في صحتهِ، ولا في راويهِ» (٣).
قالَ بعضُ أصحابِنا: ونقلَ ابنُ كثيرٍ عبارةَ ابنِ الحاجبِ (٤): «أنَّ حكمَ الحاكمِ المشترطِ العدالةَ بالشهادةِ (٥) تعديلٌ باتفاقٍ، وأما إعراضُ العالمِ عنِ الحديثِ المعينِ بعدَ العلمِ بهِ فليسَ قادحًا في الحديثِ باتفاقٍ؛ لأنَّهُ قد يعدلُ عنهُ لمعارضٍ أرجحَ عندَهُ منِ (٦) اعتقادِهِ صحتَهُ» (٧).
قولهُ: (الثاني: أنه تعديلٌ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وقالَ بعضُ أهلِ الحديثِ، وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يجعلُ ذلكَ تعديلًا منهُ؛ لأنّ ذلكَ يتضمنُ التعديلَ». (٩) انتهى.
_________________
(١) «ذلك» من (ف) فقط.
(٢) التقييد والإيضاح: ١٤٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٣.
(٤) منتهى الوصول والأمل ٢/ ٦٦.
(٥) عبارة: «بالشهادة» لم ترد في (ف)، وهي غير واردة في منتهى الوصول ولا في اختصار علوم الحديث.
(٦) في اختصار علوم الحديث: «مع».
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ٢٩٢ وبتحقيقي: ١٦٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٢، أقول: هذا مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وفي النقل عن الشافعيّ خلاف، ونسبه الشيرازي إلى بعض أصحاب الشافعيّ، وهو اختيار الآمدي، ونقلهُ الإسنوي عن ابن الحاجب. انظر: الكفاية (١٥٠ ت، ٨٩هـ)، واللمع: ٤٧، والتبصرة في أصول الفقهِ: ٣٣٩، وإحكام الأحكام ٢/ ٨٠، ونهاية السول ٣/ ٤٨، ودراسات في الجرح والتعديل: ٢٠٩.
[ ١ / ٦٢٣ ]
وعبارةُ ابن حبانَ تنطبقُ على هذا بلْ على أعمِّ منهُ، فإنَّهُ قال - فيما نقلَ عنْ خطِّ شيخِنا -: «العدلُ منْ لمْ يتقدّمهُ الجرحُ إذ الجرحُ ضدُّ التعديلِ، فمَنْ لم يُعرفْ بجرحٍ فهو عدلٌ حتى يتبيّنَ ضدُّهُ» (١).
قولهُ: (تعريفٌ لهُ) (٢)، أي: مطلقُ تعريفٍ حتى كأنّهُ قالَ: في الناسِ شخصٌ يُسمّى بكذا حدّثني بكذا، وأمّا التعديلُ فلا بدّ أنْ يُعرفَ فيهِ أنّهُ اختبرَ حالهُ اختبارًا / ٢٠٨أ / يكونُ مثلهُ صالحًا لأنْ يعرفَ بهِ (٣) بواطنَ أمورهِ، ولم يرَ منها إلاّ حسنًا جميلًا.
قولهُ: (بل ولو عدلهُ) (٤) إلى آخرهِ، غيرُ منتظمٍ معَ ما قبلَهُ، فإنَّ الأولَ: في أنَّ مجرّدَ الروايةِ عنِ المبهمِ لا يكونُ تعديلًا، والثاني: في أنَّ تعديلَ المبهمِ لا يقبلُ؛ فالمحكومُ عليهِ وبهِ في كلٍّ منهما غيرُ ما في الآخرِ، وهو واضحٌ، ومرادُ الشيخِ -﵀ -: أنّهُ إذا كان التصريحُ بتعديلهِ لم ينفعهُ كانَ الاقتصارُ على الروايةِ عنهُ أولى بأنْ لا ينفعَهُ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (واختلفوا هل يقبلُ المجهولُ) (٥).
قولهُ: (خبرةُ بعضٍ) (٦) هو مبتدأٌ ضميرهُ (٧) فاعلُ «تعذرت»، التقدير: في كتبٍ من الحديثِ مشهورةٍ تعذرتْ خبرةُ بعضِ منْ ذكرَ فيها من الرواةِ في باطنِ الأمرِ.
_________________
(١) الثقات ١/ ١٣، بتصرف يسير.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٩.
(٣) «به» لم ترد في (ف).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٠.
(٥) التبصرة والتذكرة (٢٨٦).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٩٢).
(٧) عبارة: «مبتدأ ضميره» لم ترد في (ف).
[ ١ / ٦٢٤ ]
قولهُ: (مستورًا) (١) منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أو يُضمنُ (٢) «يَشْهَرُ» معنى يُسمّي ويكونُ مفعولًا ثانيًا لهُ.
قولهُ: (منْ لم يرو عنهُ إلاّ راوٍ واحدٌ) (٣)، أي: وسماهُ ذلكَ الراوي، وحكمهُ حكمُ المبهمِ الذي لم يسمَّ، وإنما جعلَ مثلَ هذا مجهولَ العينِ؛ لأنَّهُ لما كانَ مبنى الدّينِ على الاحتياطِ والتحرّي، عدَّ تعريفَ الواحدِ الذي لم يتأيّدْ بغيرهِ عدمًا؛ لأنَّ الشياطينَ أعداءُ الدينِ، ولهم قوةُ التشكّلِ، فيحتملُ أنْ يكونَ هذا الذي حدّثهُ شيطانًا.
قولهُ: (إنّهُ لا يقبل) (٤)، أي: ولو كانَ الراوي عنهُ لا يروي إلاّ عنْ ثقةٍ لتلكَ الاحتمالاتِ التي تخصُّ منْ يقولُ: كلُّ منْ أروي عنهُ ثقةٌ.
قولهُ: (على الإسلام) (٥) هذا مُسلّمٌ فيمن ثبتَ إسلامهُ وأمّا / ٢٠٨ب / هذا فأنّى لهُ بذلكَ؛ لأنَّهُ عُدَّ (٦) مجهولَ العينِ، والإسلامُ حالٌ من أحوالهِ، ومعرفةُ الحالِ فرعُ معرفةِ العينِ.
قولهُ: (واكتفينا (٧) في التعديلِ بواحد) (٨)، أي: كما سبقَ أنّهُ الصحيحُ لكنَّ الصحيحَ: أنَّ هذا ليسَ بتعديلٍ؛ لأنَّهُ ليسَ صريحًا فيهِ؛ لما يطرقهُ منَ الاحتمالاتِ التي قدّمتها.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٩٣).
(٢) في (ف): «تضمن».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٦) في (ب): «هذا عدل»، وفي (أ) بياض قبل «عدّ».
(٧) هكذا هي في (ف)، وشرح التبصرة والتذكرة، وفي باقي النسخ: «اكتفينا».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
[ ١ / ٦٢٥ ]
قولهُ: (مشهورًا في غيرِ (١) العلمِ بالزهدِ والنجدةِ) (٢) أي: ونحو ذلكَ، فإدخالُ (٣) هذا القولِ في هذه المسألةِ عجيبٌ؛ فإنَّهُا مفروضةٌ فيمن لم يرو عنهُ مطلقًا إلاّ راوٍ واحد، والمشهورُ بحالٍ من الأحوالِ لا بدَّ منْ (٤) أنْ يكونَ رَوَى عنهُ تلكَ الحالَ منْ بلغوا الكثرةَ التي تصيّرُهُ في عدادِ المشهورينَ فلا يكونُ حينئذٍ مجهولَ العينِ، ثمّ نقولُ: إنْ كانَ في حالهِ التي اشتهرَ بها ما يتضمنُ العدالةَ فقد زالتْ عنهُ جهالةُ الحالِ أيضًا، وانطبقَ عليهِ قولهُ فيما تقدّمَ: «وصحّحوا استغناءَ ذي الشهرةِ عن تزكيةٍ» وإلاَّ فهوَ مجهولُ الحالِ، وسيأتي في ردّهِ لمنْ قالَ: إنَّ مرداسًا وربيعةَ الأسلميينِ مجهولانِ ما يؤيدُ هذا من أنَّ الشهرةَ تزيلُ الجهالةَ.
قولهُ: (وهو اختيارُ أبي الحسنِ بن القطانِ) (٥) وهو الذي صحّحهُ شيخُنا (٦) تلميذُ المصنّفِ، بل وصحّحَ قبولَهُ أيضًا إذا كانَ الراوي عنهُ هو المعدّلُ له، وهو الحقُّ؛ لأنَّهُ تقدّمَ أنَّ الصحيحَ الاكتفاءُ في التعديلِ بواحدٍ، ولم يفرّقوا هناكَ بينَ المجهولِ وغيرهِ.
قولهُ: (ومَنْ لم يُعرفْ) (٧) عبارتهُ في " النكتِ " نقلًا عن الخطيبِ (٨): «ولا عَرَفهُ العلماءُ بهِ ولم يعرفْ حديثهُ» (٩) فأَسقطَ «مَن» وهو أحسنُ.
_________________
(١) سقطت من (أ).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٣) في (ب) و(ف): «وإدخال».
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١، وانظر: بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٠ عقب (١٤٣٨).
(٦) في نزهة النظر: ١٣٥ (طبعة الحلبي): «فإن سمي الراوي وانفرد راوٍ واحد بالروايةِ عنه فهو مجهول العين كالمبهم، فلا يقبل حديثهُ إلا أنْ يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلًا لذلك».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٨) الكفاية (١٤٩ - ١٥٠ ت، ٨٨ هـ)، و«من» موجودة.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٤٦.
[ ١ / ٦٢٦ ]
قولهُ: (عمرو ذي مرٍّ) (١) ذُو مُرٍّ / ٢٠٩أ /: كأنَّهُ لقبٌ لهُ، وهوَ «ذو» الذي بمعنى صاحبٍ، و«مُر» بضمِ الميمِ وتشديدِ الراءِ.
قالَ شيخُنا في "التقريبِ": «عمرو ذو مُرٍّ الهمدانيُّ، الكوفيُّ، مجهولٌ، من الطبقةِ الثالثةِ» (٢). وقالَ في أصلهِ " تهذيبِ التهذيب " عنْ علي في قصةِ غديرِ
خمٍّ (٣): «وعنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ وحدَهُ، قالَ البخاريُّ: لا يعرفُ، وقالَ ابنُ عديٍّ: هو في جملةِ مشايخِ أبي إسحاقَ المجهولينَ الذينَ لا يحدِّثُ عنهم غيرُهُ، قالَ شيخُنا: وقال البخاريُّ: فيهِ نظرٌ، وقال مسلمٌ، وأبو حاتمٍ: لم يروِ عنهُ غيرُ أبي إسحاقَ، وقالَ ابنُ حبانَ: في حديثهِ مناكيرُ، وقالَ العجليُّ: تابعيٌ ثقةٌ» (٤).
قولهُ: (وجَبّارُ الطائيُّ) (٥) قال شيخُنا في " لسانِ الميزانِ": «جبارُ بنُ فلانٍ الطائيُّ، عنْ أبي موسى (٦)، ضعّفهُ الأزديُّ، انتهى، وقالَ ابن أبي حاتمٍ: جبارُ بن القاسمِ الطائيُّ، رَوَى عن ابنِ عباسٍ، رَوَى عنهُ أبو إسحاقَ، ولم يذكرْ فيهِ جرحًا، وكذا ذَكَرهُ ابنُ حبان في " الثقاتِ " بروايتهِ عن ابنِ عباسٍ، وكذا ذَكرَهُ البخاريُّ في التاريخِ؛ فينظرُ من أينَ للمؤلفِ أنهُ يروي عن أبي موسى الأشعريِّ، ثم وجدتهُ (٧) تَبعَ في ذَلِكَ ابنَ الجوزيِّ، وابنُ الجوزيِّ تبعَ الأزديَّ، والأزديُّ صحّفهُ، فقالَ: جَنَان
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٢) تقريب التهذيب (٥١٤٢).
(٣) هو بين مكة والمدينة، على ثلاثة أميال من الجحفة، وقيل: على ميل، وهناك مسجد للنبي - ﷺ -. مراصد الاطلاع ١/ ٤٨٢.
(٤) تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٠ - ١٢١، وانظر: المجروحين ٢/ ٣٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٦) عبارة: «عن أبي موسى» تحرفت في (ف) إلى: «عن أبي إسحاق ﵁».
(٧) جاء في حاشية (أ): «ابن حجر».
[ ١ / ٦٢٧ ]
بنونينِ، وقد ذَكرهُ الذهبيُ في " المشتبهِ " في جبّار، بموحدةٍ ثقيلةٍ وآخرهُ راءٌ وهذا هوَ الصواب ُ- (١) وذكرهُ النَّباتيُّ (٢) في "الحافلِ" تبعًا للأزديِّ، ولم ينبه على تصحيفهِ، وأوردَ لهُ من طريقِ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي موسى، رفعهُ: «إذا كانَ يومُ القيامةِ كنتُ أنا / ٢٠٩ب / وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ في قبةٍ تحتَ العرشِ» (٣») (٤)، انتهى.
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا ما صورتَهُ: ححبارُ الطائي، وعلّم تحتَ أولهِ علامة الحاءِ المهملةِ، ثم قالَ: بالجيمِ عند الدارقطنيِّ (٥).
قولهُ: (وعبد الله بن أعزّ) (٦) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «فرقَ الخطيبُ بينهُ وبين مالك بن أعزّ، أي: الآتي، وكلاهما بالعينِ المهملةِ والزاي، وجعلهما
ابنُ ماكولا في "الإكمالِ" (٧) واحدًا، وأنهُ اختلف اسمهُ على أبي إسحاق، فالله أعلم» (٨).
_________________
(١) مابين الشارحتين جملة اعتراضية توضيحية من البقاعي.
(٢) هو الإمام الفقيه الحافظ الطبيب أبو العباس، أحمد بن محمد بن مُفرج الإشبيلي الأموي، مولاهم، الحزمي الظاهري، كان بصيرًا بالحديث ورجاله، توفي سنة (٦٣٧) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٥٨ - ٥٩.
(٣) هذا الحديث ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٩/ ١٧٤، وقال عنه: «رواه الطبراني، وفيه جبار الطائي، ولم أعرفه» وقد تحرف «جبار» في طبعة دار الكتاب العربي إلى: «حيان»، وفي طبعة دار الريان للتراث تحرف إلى: «حبان».
(٤) لسان الميزان ٢/ ٩٤.
(٥) المؤتلف والمختلف ١/ ٤٠٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١.
(٧) الإكمال١/ ١٠١.
(٨) التقييد والإيضاح: ١٤٧.
[ ١ / ٦٢٨ ]
قولهُ: (والهيثمُ بن حنشٍ) (١) يعني: بمهملةٍ، ثمَّ نونٍ، ثم معجمةٍ، قال شيخُنا في " لسانِ الميزانِ ": «قال الخطيبُ في " الكفايةِ " (٢): لم يروِ عنه غيرُ أبي إسحاقَ السبيعيِّ» (٣). انتهى. وغَفلَ عما ذَكرَ الشيخُ هنا أنَّهُ رَوَى عنه أيضًا سلمةُ ابنُ كهيلٍ (٤) كما قالَ أبو حاتمٍ (٥).
قولهُ: (ومالك بن أعزّ) (٦) قالَ في " لسانِ الميزانِ ": «عنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ قالهُ في " الكفايةِ " (٧)، قالَ: وذَكرَهُ عليُّ بن المدينيِّ في شيوخِ أبي إسحاقَ الذين لا يُعرفونَ» (٨).
قولهُ: (وسعيد بن ذي حُدّانَ) (٩) قال شيخُنا في " التقريبِ ": «بضمِّ المهملةِ، وتشديدِ الدالِ، - أي: المهملةِ - كوفيٌّ مجهولٌ منَ الثالثةِ» (١٠)، أي (١١): ممن تُوفي بعدَ المئةِ من الهجرةِ وهوَ من الطبقةِ الوسطَى من التابعينَ، وقالَ في " التهذيبِ": «كوفيٌّ رَوَى عن سهلِ بن حنيفٍ، وعليِّ، وقيلَ عن من سمعَ عليًا، وعنْ علقمةَ، وعنهُ أبو إسحاق السبيعيُّ ذكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ" (١٢) وقالَ: ربما
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٢) الكفاية (١٤٩ ت، ٨٨هـ).
(٣) لسان الميزان ٦/ ٢٠٥.
(٤) في (ب): «سهيل» خطأ.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢، وانظر: الجرح والتعديل ٩/ ٧٩.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٧) الكفاية (١٤٩ت، ٨٨هـ).
(٨) لسان الميزان ٥/ ٣.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(١٠) تقريب التهذيب (٢٣٠٠).
(١١) في (ب): «أو».
(١٢) الثقات ٤/ ٢٨٢.
[ ١ / ٦٢٩ ]
أَخطأَ، قالَ (١): وقالَ ابنُ المدينيِّ في حديثهِ عن سهلِ بنِ حُنيفٍ في جَعلِ الحجِّ عمرةً: لا أدري سمعَ منْ سهلِ بن حُنيفٍ أم لا؟ / ٢١٠أ / وهو رجلٌ مجهولٌ، لا أعلمُ أحدًا رَوَى عنهُ إلا أبا إسحاقَ» (٢).
قولهُ: (وقَيسُ بن كُرْكُم) (٣)، قالَ في (٤) " لسانِ الميزانِ ": «الأحدبُ المخزوميُّ الكوفيُّ، قالَ الخطيبُ (٥): تفرّدَ عنهُ أبو إسحاقَ، انتهى، وقالَ الأزديُّ: ليسَ بذاكَ لا أحفظُ لهُ حديثًا مسندًا» (٦).
قولهُ: (خَمْر بن مَالكٍ) (٧)، قالَ شيخُنا في "رجالِ الأئمةِ الأربعةِ" ممن (٨) رُقمَ لهُ علامةُ الإمامِ أحمد: «خُمير بن مالكِ - يعني: بمعجمةٍ مصغرٌ - ويقال: خَمرُ الهمدانيُّ الكوفيُّ، عنْ عليٍّ وابنِ مسعودٍ - ﵄ - (٩) وعنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ وعبدُ الله بنُ قيسٍ (١٠)، وثّقهُ ابنُ حبان (١١)، وقالَ ابنُ سعدٍ: «لهُ حديثانِ» (١٢) خُميرُ بنُ مالكٍ الكلاعيُّ الحميريُّ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - رضي الله
_________________
(١) أي: ابن حجر.
(٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٢٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) الكفاية (١٤٩ت، ٨٨هـ).
(٦) لسان الميزان٤/ ٤٧٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٨) في (ف): «فيمن».
(٩) «﵄» لم ترد في (ب).
(١٠) عند البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ١٩٤، وعند ابن حبان في "الثقات" ٤/ ٢١٤: «عبد الله بن عيسى»، وعند ابن حجر في " تعجيل المنفعة ": ١١٨: «عبد الله بن قيس».
(١١) الثقات ٤/ ٢١٤.
(١٢) الطبقات ٦/ ٢١٦.
[ ١ / ٦٣٠ ]
عنهما - (١)، عِدادُهُ في المصريينَ قالَهُ الدارقطنيُّ (٢)، قالَ شيخُنا: ولا يبعدُ أنْ يكونَ هو الذي قبلَهُ» (٣). ورَقَمَ لهذا تمييزًا.
قولهُ: (و(٤) مثلُ سمعانَ بن مُشنَّجٍ) (٥)، قالَ في " التقريبِ ": «بمعجمةٍ ونونٍ ثقيلةٍ» (٦) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٧): «مفتوحةٍ ثم جيمٍ»، وقيلَ: مُشَمرِج كوفيٌّ صدوقٌ من الثالثةِ (٨)، أي: ممنْ تُوفيَ بعدَ المئةِ وهوَ منْ أوساطِ التابعينَ، وقالَ في " التهذيبِ ": «العمريُّ، ويقالُ: العبديُّ الكوفيُّ، رَوَى عن سمرةَ بن جُندبٍ - ﵁ - (٩)، وعنهُ الشعبيُّ، قالَ البخاريُ: «لا نعرفُ لسمعانَ سماعًا منْ سمرةَ، ولا للشعبيِّ سماعًا منهُ» (١٠) وذَكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (١١)، وقالَ ابنُ مَاكُولا: ثقةٌ ليسَ لهُ غيرُ / ٢١٠ب / حديثٍ واحدٍ رواهُ أبو داودَ (١٢) والنسائيُّ (١٣)، وهوَ: أنَّ
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) المؤتلف والمختلف: ٢/ ٦٧٢.
(٣) تعجيل المنفعة: ١١٨.
(٤) الواو لن ترد في (أ) و(ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٦) " التقريب " (٢٦٣٢).
(٧) انظر: التقييد والإيضاح: ١٤٧.
(٨) " التقريب " (٢٦٣٢).
(٩) لم ترد في (ب).
(١٠) " التاريخ الكبير " ٤/ ١٧٥.
(١١) " الثقات " ٤/ ٣٤٥.
(١٢) في " سننه " (٣٣٤١).
(١٣) في " المجتبى " ٧/ ٣١٥.
[ ١ / ٦٣١ ]
الميتَ مأسورٌ بدينِهِ (١)، قالَ شيخُنا: وقالَ العجليُّ: كوفيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وقالَ الخطيبُ في " رافعِ الارتياب ": وَهِمَ فيهِ الجراحُ بن مليحٍ فقالَ: المشنّجُ بنُ سمعانَ» (٢).
قولهُ: (والهَزْهَاز بن مَيزن) (٣) لم أجدْهُ، وقولُ الشيخِ بعدَ ذلكَ: «ولعلَ بعضهُم أمالَهُ» (٤) ذَكرَ في " النكتِ على ابنِ الصلاحِ ": أنَّ ابنَ الصلاحِ تَبعَ الخطيبَ في تسميةِ أبيهِ مَيزنًا بالياءِ التحتانيةِ، ثم قالَ: «والذي ذَكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ " الجرحِ والتعديلِ " (٥) أنَّه مازِنٌ - بالألفِ - وفي بعضِ النُسخِ بالياءِ، ولعلَ بعضَهم أمالَهُ في اللفظِ فكتبَ بالياءِ، واللهُ أعلمُ» (٦).
قولهُ: (ومثلُ: بَكرِ بنِ قِروَاشٍ) (٧)، قالَ في " اللسانِ ": «عنْ سعدِ بنِ مالكٍ - ﵁ - (٨)، لا يعرفُ، والحديثُ منكرٌ، رَوَى عنهُ أبو الطفيلِ - ﵁ - (٩)، قالَ ابنُ المدينيِّ: لم أسمعْ بذكرهِ إلا في هذا الحديثِ يعني: في
_________________
(١) لفظ الحديث كما عند أبي داود في " السنن " (٣٣٤١): «عن الشعبي، عن سمعان، عن سمرة، قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -، فقال: هاهنا أحدٌ من بني فلان؟ فلم يُجبه أحد، ثم قال: هاهنا أحدٌ من بني فُلان؟ فلم يجبه أحدٌ، ثم قال: هاهنا أحدٌ من بني فلان؟ فقام رجلٌ، فقال: أنا يا رسول الله، فقال - ﷺ -: «ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوَليَيْن، أما إني لم أنَوّه بكم إلا خيرًا، إن صاحبكم مأسور بدينه»، فلقد رأيته أدى عنه حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء». والحديث صححه العلامة الألباني في " أحكام الجنائز ": ١٥.
(٢) " تهذيب التهذيب " ٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٥) " الجرح والتعديل " ٩/ ١٢٢.
(٦) " التقييد والإيضاح ": ١٤٦.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٣.
(٨) لم ترد في (ب).
(٩) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٦٣٢ ]
[ذكرِ] (١) ذي الثُديةِ (٢)، انتهى، قالَ: وكنتُ أظنُّ أن أبا الطفيلِ شيخهُ، وهو بينهُ وبينَ سعدٍ، وأما الذي يروي ذلكَ الحديثَ فقتادةُ، كذا ذكرهُ ابن حبان في " الثقاتِ " (٣) ثم تبينَ أن الذي في كتابِ ابنِ حبانَ خطأٌ، والصوابُ ما في الأصلِ فقد ذَكرَ ابنُ المديني أنَّهُ لا راويَ له سوى أبي الطفيلِ، وقالَ ابنُ عديٍّ: «ما أقلَّ مَا لهُ من الرواياتِ!» (٤) وروايةُ أبي الطفيلِ عنهُ منْ روايةِ الصحابةِ عن التابعينَ / ٢١١أ / وقد ذَكَرهُ بعضُهم في الصحابةِ، فإنْ صحَّ فهي مِنَ الأقرانِ». (٥) انتهى.
وأغفلَ ما قالَ الشيخُ في هذا الشرحِ أنَّهُ رَوَى عنهُ أيضًا قتادةُ (٦)، وقالَ (٧) في " النكتِ " (٨) كما ذَكَرهُ البخاريُّ في " التاريخِ الكبيرِ " (٩).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين من " لسان الميزان ".
(٢) الحديث هو: عن بكر بن قرواش، عن سعد بن أبي وقاص، قال: «ذكر رسول الله - ﷺ -: ذا الثُّدَيَّةِ، فقال: شيطان الرَّدْهَةِ، راعي الجبل - أو راعي للجبل - يحتدره رجلٌ من بَجيلة، يُقال له: الأشهب - أو ابن الأشهب - علامةٌ في قومٍ ظَلَمةٍ». أخرجه: الحميدي (٧٤)، وأحمد ١/ ١٧٩ من طريق أبي الطفيل، عن بكر بن قرواش، به. والحديث ضعَّفه العلامة الألباني في " ضعيف الجامع الصغير " (٣٤٢٢).
(٣) " الثقات " ٤/ ٧٥.
(٤) " الكامل " ٢/ ١٩٥.
(٥) " لسان الميزان " ٢/ ٥٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٣.
(٧) في (ف): «قال».
(٨) " التقييد والإيضاح ": ١٤٧.
(٩) " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٤.
[ ١ / ٦٣٣ ]
قولهُ: (وحَلاّم بن جَزْلٍ) (١) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «بفتحِ الحاءِ المهملةِ وتشديدِ اللامِ وآخرُهُ ميمٌ (٢») (٣).
قولهُ: (عامرُ بن واثلة) (٤) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في أبي الطفيلِ من الكنى: «الكنانيُّ، وقيلَ: عَمرُو بنُ واثلةَ، قالهُ معمرٌ، والأولُ أكثرُ وأشهرُ وهوَ عامرُ بنُ واثلةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ جَحشِ بنِ جُريِّ بنِ سَعدٍ بن ليثِ بنِ بَكرٍ بنِ عَبدِ مناةَ بنِ (٥) عليِّ بنِ كنانةَ، وقالَ: الليثيُّ المكيُّ وُلِدَ عامَ أُحُدٍ، وأدركَ منْ حياةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ثمان سنينَ، نَزلَ الكوفةَ وصَحبَ عليًا - ﵁ - في مشاهدِهِ كلِّها، فلمَّا قُتِلَ عليٌّ - ﵁ - انصرفَ إلى مكةَ، فأقامَ بها حتى ماتَ سنةَ مئةٍ، ويقالُ: إنَّهُ آخرُ مَن ماتَ ممن رَأَى النبيَّ - ﷺ -، ثم قالَ: وكانَ شاعرًا محسنًا وهو القائلُ:
أيدعونَني شيخًا وقد عشتُ حقبةً وهنَّ منَ الأزواجِ نحوي نَوازعُ
وما شابَ رأسي منْ سنينَ تتابعَتْ عليَّ ولكِنْ شَيبتْني الوَقائعُ
ثمَّ قالَ: وكانَ فاضلًا عاقلًا حاضرَ الجوابِ فصيحًا، قدمَ يومًا على معاويةَ بالمدينةِ، فقالَ لهُ: كيفَ وجْدُكَ على خليلِكَ / ٢١١ب / أبي الحسنِ؟ قالَ: كَوَجْدِ أُمِّ موسَى على موسَى، وأشكو إلى اللهِ التقصيرَ، فقالَ لهُ معاويةُ: كنتَ فيمن حَصرَ عثمانَ؟ قالَ: لا، ولكنّي كنتُ فيمنْ حَضَرَهُ، قالَ: ما مَنعَكَ منْ نَصرِهِ؟ قالَ: وأنتَ ما منعكَ منْ نصرِهِ إذْ تربصتْ بهِ ريبُ المنونِ، وأنتَ في أهلِ الشامِ، وكلُّهم تابعٌ لكَ فيما تريدُ؟ فقالَ معاويةُ: أَوَ ما تَرى طَلبي لدمِهِ نصرةً لهُ؟ قالَ: بَلَى، ولكنّكَ كما قالَ أخو بني جُعفٍ:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٣.
(٢) أشار ناسخ (ف) في هذا الموضع إلى وجود بياض إذ كتب في الحاشية عبارة: «هنا بياض متوسط».
(٣) " التقييد والإيضاح ": ١٤٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٥) في جميع النسخ الخطية: «وهو»، والمثبت من " الاستيعاب ".
[ ١ / ٦٣٤ ]
لا أَلفينّكَ بعدَ الموتِ تندبُني وفي حياتيَ مازوّدتني زادي». (١)
قولهُ: (ومثلُه: يَزيدٍ بن سُحَيمٍ) (٢).
قولهُ: (ومثلُ: جُرَي) (٣) قالَ شيخُنا في " التقريبِ ": «تَصغيرُ جروٍ، ابنُ كليب السدوسيُّ البصريُّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ - ﵁ - (٤): مقبولٌ مِن الثالثةِ» (٥)، أي: من الطبقةِ الوسطى من التابعينَ ممنْ ماتَ بعدَ المئةِ، وقالَ في " التهذيبِ ": «حديثُهُ في أهلِ المدينةِ، رَوَى عن عليٍّ - ﵁ - (٦) وبشيرِ (٧) بنِ الخصاصيةِ، وعنهُ قتادةُ وكانَ يثني عليهِ خيرًا، وقالَ همامٌ، عنْ قتادةَ: حدثني جُريُّ ابنُ كليبٍ وكانَ منَ الأزارقةِ (٨)، وقالَ ابنُ المدينيّ: مجهولٌ ما رَوَى عنهُ غيرُ قتادةَ، وقالَ العجليُّ: بصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وصحَّحَ الترمذيُّ حديثَهُ (٩») (١٠)، وقالَ البزارُ:
_________________
(١) الاستيعاب ٤/ ١١٥ - ١١٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) التقريب (٩٢٠).
(٦) لم ترد في (ب).
(٧) في جميع النسخ الخطية: «كثير»، والتصويب من " تهذيب التهذيب ".
(٨) جاء في حاشية (أ): «من الخوارج».
(٩) حديثه هو: «عن قتادة، عن جُري بن كليب السدوسي، عن علي، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يُضحى بأعضب القرن والأذن، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: العَضبُ ما بلغ النصف فما فوق ذلك». أخرجه: الترمذي (١٥٠٤) وقال عنه: «هذا حديث حسن صحيح». وأخرجه: أحمد ١/ ٨٣ و١٠١ و١٢٧ و١٢٩ و١٣٧، وأبو داود (٢٨٠٥)، وابن ماجه (٣١٤٥)، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ١/ ١٥٠، والبزار (٨٧٥) و(٨٧٦)، والنسائي ٧/ ٢١٧ - ٢١٨، وأبو يعلى (٢٧٠)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩، والبيهقي ٩/ ٢٧٥. والحديث إسناده ضعيف؛ فإن جُري بن كليب مقبول حيث يُتابع، ولم يُتابع.
(١٠) تهذيب التهذيب ٢/ ٧٨.
[ ١ / ٦٣٥ ]
«لا أَعلمُ قتادةَ رَوَى عن جُريٍّ إلاَّ حديثينِ» (١) يعني: حديثَ العضباءِ، أي: الأضحيةِ بعضباءِ الأذنِ، وحديثَ المتعةِ (٢) / ٢١٢ أ /، ثم ذَكرَ عنْ أبي داودَ في ترجمةِ جُريّ بنِ كليبٍ النهديِّ الكوفيِّ أنَّهُ قالَ: «جُريُّ بنُ كُليبٍ صاحبُ قتادةَ سدوسيٌّ بصريٌّ لم يروِ عنهُ غيرُ قتادةَ» (٣).
قولهُ: (ومثلُ: عُمَير بن إسحاقَ) (٤) قالَ في " التقريبِ ": «أبو محمدٍ مولى بني هاشمٍ: مقبولٌ منَ الثالثةِ» (٥)، وقالَ في " التهذيبِ ": «رَوَى عن المقدادِ بنِ الأسودِ وعمرِو بنِ العاصِ والحسنِ بنِ عليٍّ - ﵃ - (٦) - وَعَدَّ جماعةً -، وعنهُ عبدُ اللهِ بنُ عونٍ، قالَ أبو حاتمٍ، والنسائيُّ: لا نعلمُ رَوَى عنهُ غيرُهُ، وقالَ ابنُ معينٍ: لا يُساوي شيئًا ولكنْ يُكتبُ حديثُهُ، وقالَ ابنُ عديٍّ: لا أعلمُ رَوَى عنهُ غيرُ ابنِ عونٍ ولهُ منَ الحديثِ شيءٌ يسيرٌ ويُكتبُ حديثُهُ» (٧).
قولهُ: (رَوَى عنهُ الثوريُّ) (٨) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «اعترضَ على المصنِّفِ بأنَّ الثوريَّ لم يروِ عن الشعبيِّ نفسِهِ، فكيفَ يروي عن شيوخهِ؟ وقد
_________________
(١) البحر الزخار ٣/ ٩٧ عقب (٨٧٧)، وفي النقل تصرف يسير.
(٢) الحديث هو: «عن قتادة، عن جُري بن كليب السدوسي، قال: رأيت عثمان بن عفان ينهى عن المتعة، وعلي بن أبي طالب يأمر بها، فأتيت عليًا، فقلت: إن بينكما لشرًا، أنت تأمر بها وعثمان ينهى عنها، فقال: ما بيننا إلا خيرًا، ولكن خيرنا اتبعنا لهذا الدين». أخرجه: البزار في " مسنده " ٣/ ٩٧ (٨٧٧).
(٣) سنن أبي داود عقب الحديث (٢٨٠٥).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
(٥) تقريب التهذيب (٥١٧٩).
(٦) لم ترد في (ب).
(٧) تهذيب التهذيب ٨/ ١٤٣.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٦٣٦ ]
يقالُ: لا يلزمُ منْ عدمِ روايتهِ عن الشعبيِّ عدمُ روايتهِ عن الهزهازِ، ولعلَّ الهزهازَ تأخّرَ بعدَ الشعبيِّ، ويقوي ذلكَ أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ ذَكرَ في "الجرحِ والتعديلِ" أنَّهُ رَوَى عن الهزهازِ هذا: الجراحُ بنُ مليحٍ، والجراحُ أصغرُ منَ الثوريِّ وتأخّرَ بعدَهُ مدةَ سنينَ، واللهُ أعلمُ» (١).
قولهُ: (منهم: مرداسٌ الأسلميُّ) (٢) قالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ ": «مرداسُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ كانَ منْ أصحاب الشجرةِ (٣) - ﵃ - (٤»)، وقالَ ابنُ عبد البرِّ: «كانَ ممنْ بايعَ تحتَ الشجرةِ، ثم سكنَ الكوفةَ وهو معدودٌ في أهلِها». (٥) انتهى. «رَوَى (٦) عن النبيِّ - ﷺ - حديثَ: «يذهبُ الصالحونَ» (٧)، وعنهُ قيسُ بنُ أبي حازمٍ وزيادُ بنُ علاقةَ، قالَ شيخُنا: مرداسُ الذي رَوَى عنهُ زيادُ ابنُ
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١٤٦، وانظر: التاريخ الكبير ٨/ ٢٥٠ - ٢٥١، والجرح والتعديل ٩/ ١٢٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٣.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٥.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) الاستيعاب ٣/ ٤٣٨ (هامش الإصابة).
(٦) تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٥ - ٨٦. عاد البقاعي إلى كلام ابن حجر بعد أن أقحم فيه كلام ابن عبد البر.
(٧) الحديث هو: «عن قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي، قال: قال النبي - ﷺ -: يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حُفالةٌ كحُفالةِ الشعير أو التمر لا يُباليهم الله بالةً». أخرجه: أحمد ٤/ ١٩٣، والدارمي (٢٧٢٢)، والبخاري ٨/ ١١٤ (٦٤٣٤)، مرفوعًا. وأخرجه: البخاري ٥/ ١٥٧ (٤١٥٦) من طريق قيس، عن مرداس الأسلمي، موقوفًا. قال ابن بطال: «في الحديث أنَّ موت الصالحين من أشراط الساعة، وفيه الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم خشية أنْ يصير من خالفهم ممن لا يعبأ الله به، وفيه أنَّه يجوز انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبق إلا أهل الشر». فتح الباري عقب الحديث (٦٤٣٤).
[ ١ / ٦٣٧ ]
علاقةَ إنما هو مرداسُ بنُ عروةَ صحابيٌّ آخرُ ذكرهُ البخاريُّ (١) وأبو حاتمٍ (٢) وابنُ حبانَ (٣) / ٢١٢ب / وابنُ منده وغيرُ واحدٍ، وصرّحَ مُسلمٌ وأبو الفتحِ الأزديُّ وجماعةٌ أنَّ قيسَ بنَ أبي حازمٍ تفرّدَ بالروايةِ عنْ مرداسِ بنِ مالكٍ الأسلميِّ، وهو الصوابُ، لكنْ قالَ ابنُ السكنِ: إنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ زعمَ أنَّ مرداسَ بنَ عروةَ هو مرداسٌ الأسلميُّ الذي رَوَى عنهُ قيسُ بنُ أبي حازمٍ، قال: والصحيحُ أنَّهما اثنانِ (٤»). (٥) انتهى. وقد تبيّنَ منْ ذلكَ وجهُ نظرِ الشيخِ في قولِ المزيِّ: إنَّ زيادَ بنَ علاقةَ رَوَى عنهُ (٦).
قولهُ: (منهم: ربيعةُ) (٧) قالَ شيخُنا: «ابنُ كعبِ بنِ مالكٍ الأسلميُّ، أبو فراسٍ المدنيُّ: كانَ منْ أصحاب الصفةِ - ﵃ - (٨) خَدَمَ النبيَّ - ﷺ - ورَوَى (٩) عنهُ» (١٠). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١١): «وكانَ يلزمُ رسولَ اللهِ - ﷺ - في السفرِ والحضرِ، وصَحِبَهُ قديمًا وعمَّرَ بعدَهُ، وهو الذي سألَ النبيَّ - ﷺ - مرافقتَهُ في الجنةِ، فقالَ: أَعنّي
_________________
(١) التاريخ الكبير ٧/ ٣٠٨.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٤٠١.
(٣) الثقات ٣/ ٣٩٨.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٦.
(٦) تهذيب الكمال ٧/ ٦٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٣.
(٨) لم ترد في (ب).
(٩) في (ب): «روى».
(١٠) تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٤.
(١١) الاستيعاب ١/ ٥٠٦ (هامش الإصابة).
[ ١ / ٦٣٨ ]
على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ (١»). انتهى. قالَ (٢) شيخنا: «وعنهُ أبو سلمةَ بن عبدِ الرحمانِ، ومحمدُ بن عمرو بن عطاءٍ، وحنظلة بن عليٍّ الأسلميُّ، ونعيم المجمر، ويقال: إنَّهُ أبو فراسٍ الذي رَوَى عنهُ أبو عمرانَ الجوني، وقد رَوَى عن أبي عمرانَ، عنْ ربيعةَ الأسلميِّ، ذكرَ غيرُ واحدٍ أنَّهُ ماتَ سنةَ ثلاثٍ وستينَ بعد الحرَّةِ (٣)، لهُ في الكتبِ حديثٌ واحدٌ فيهِ: «أعنّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ» /٢١٣أ / - قالَ شيخُنا -: وصوَّبَ الحاكمُ أبو أحمدَ وابنُ عبدِ البرِّ تبعًا للبخاري أنَّ ربيعةَ بنَ كعبٍ غيرُ أبي فراسٍ الذي رَوَى عنهُ أبو عمرانَ، وذكرَ مُسلمٌ والحاكمُ في "علومِ الحديثِ" أنَّ ربيعةَ تفرّدَ بالروايةِ عنهُ أبو سلمةَ، وليسَ ذلكَ بجيدٍ لما تراهُ منْ ذكرِ روايةِ هؤلاءِ عنهُ، لكنَّ قولَ المزيِّ (٤): إنَّ محمدَ بنَ عمرِو بنِ عطاءَ رَوَى عنه، ليس بجيدٍ لأنَّهُ لم يأخذ عنه، وإنما رَوَى عن نعيمِ المجمرِ عنهُ (٥) كما هو في "مسندِ أحمدَ " (٦) وغيرهِ. هكذا تعقّبهُ شيخُنا في " النكتِ " على ابنِ الصلاحِ، وقد وردتْ روايةُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءَ، عن أبي فراسٍ الأسلميِّ عندَ ابنِ منده في "المعرفةِ " وغيرهِ، فمَنْ قالَ: إنَّ أبا فراسٍ (٧) هو ربيعةُ فَوَحَّدهما، أثبتَ روايةَ محمدِ بنِ عمرِو بن عطاءَ
_________________
(١) الحديث هو: «عن أبي سلمة، قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله - ﷺ -، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: سَلْ، فقلت: أسألك مُرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود». أخرجه: مسلم ٢/ ٥٢ (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي ٢/ ٢٢٧ وفي " الكبرى "، له (٦٣٧).
(٢) في (ف): «وقال».
(٣) في جميع النسخ الخطية: «الهجرة»، والتصويب من " تهذيب التهذيب ".
(٤) تهذيب الكمال ٢/ ٤٧٣، وانظر تعليق الدكتور بشار عواد عليه.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) انظر: مسند الإمام أحمد ٤/ ٥٩.
(٧) في (ب): «أبا فراس الأسلمي».
[ ١ / ٦٣٩ ]
عنهُ بهذا، ومَنْ زعمَ أنهما اثنانِ أنكرَ كما قالَ الشيخُ.
لكنِ الحديثُ الذي أوردهُ ابنُ منده هو متنُ الحديثِ الذي أوردهُ مسلمٌ لربيعةَ ابنِ كعبٍ، وإنْ كان في ألفاظهِ اختلافٌ فيقوى أنَّهُ واحدٌ.
وكذلك رَوَى الحاكمُ في "المستدركِ" (١) من طريقِ المباركِ بنِ فضالةَ، قالَ: حدثني أبو عمرانَ الجوني، قالَ: حدثني ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ، قالَ: كنتُ أخدمُ النبيَّ - ﷺ -، فقالَ لي: يا ربيعةُ، ألا تَزوَّجُ، وهذا هو الحديثُ الذي رُوِيَ عن أبي عمرانَ، عن أبي فراسٍ، فيتجهُ أنَّهُ هو، والله أعلمُ». (٢) انتهى.
وقد تبيّنَ بهذا أنَّ الشيخينِ ما رَوَيا عن مثلِ هذينِ / ٢١٣ ب / مصيرًا منهما إلى الاكتفاءِ في نفيِ الجهالةِ بروايةِ واحدٍ؛ فقد تبيّنَ أنَّ كلًا منْ هذين صُحبتُهُ مشهورةٌ، وهذا مرادُ الشيخِ محيي الدينِ --﵀ - في اعتراضهِ على ابنِ الصلاحِ بأنَّ مرداسًا وربيعةَ صحابيانِ، والصحابةُ كلُّهمُ عدولٌ أي صحبةُ هذينِ عندَ أهلِ الفنِّ مشهورةٌ لا كلامَ فيها، ولم يَشرِطْ أحدٌ وجهًا معينًا في شهرتهِ.
قالَ الشيخُ في "النكتِ ": «والحقُ أنَّهُ إنْ كانَ معروفًا بذكره في الغزواتِ أو في مَنْ وفدَ من الصحابةِ أو نحو ذلكَ فإنَّهُ تثبتُ صحبتهُ وإنْ لم يروِ عنهُ إلا راوٍ واحدٌ». (٣) انتهى.
قولهُ: (غير أبي هانئ) (٤) بل رَوَى عنهُ غيرُهُ، قال شيخُنا في "تهذيبهِ": «عمرُو بنُ مالكٍ الهمدانيُّ المراديُّ، أبو عليٍّ الجَنْبيُّ المصريُّ، رَوَى عنْ فضالةَ بنِ عبيدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي ريحانةَ على خلافٍ فيهِ، رَوَى عنهُ أبو هانىءٍ حميدُ بنُ
_________________
(١) المستدرك ٢/ ١٧٢ و٣/ ٥٢١، وأخرجه أيضًا: أحمد ٤/ ٥٨.
(٢) تهذيب التهذيب ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٤٨، وقد سقط غالب هذا النص من المطبوع.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٤.
[ ١ / ٦٤٠ ]
هانىءٍ ومحمدُ بنُ شميرٍ الرعيني، قالَ الدوريُّ، عن ابن معينٍ: «ثقةٌ»، وذَكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (١)، قالَ ابنُ يونسَ: «يقالُ: توفيَ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ»، وقالَ الحسنُ بنُ عليٍّ الخلال (٢): «ماتَ سنةَ اثنتينِ» - قالَ شيخنا -: ووثقهُ العجليُّ والدارقطنيُّ، وقالَ ابنُ حبانَ: «رَوَى عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ الجهنيِّ»» (٣) انتهى.
فقد /٢١٤أ / بَانَ بهذا أنَّهُ ارتفعتْ جهالتُهُ وبانَتْ عدالتُهُ بروايةِ غيرِ أبي هانىءٍ، وتوثيقِ أهلِ الفنِّ لهُ، لكنَّ المقصودَ منْ سوقِ الشيخِ لذلكَ عن ابنِ مسعودٍ إنَّما هو أنَّ منْ كانَ معروفًا في قبيلتهِ لا يكونُ مجهولًا، ولو أنَّهُ ما رَوَى عنهُ إلاَّ واحدٌ، وقالَ الشيخُ في "النكتِ": إنَّهُ جَمعَ منْ رَوَى لهُ الشيخانِ أو أحدُهما منْ غيرِ الصحابةِ، ولم يروِ عنهُ إلا راوٍ واحدٌ، وقالَ: منهم عندَ البخاريِّ جويريةُ بنُ قدامةَ تفرّدَ عنهُ أبو جمرةَ رجّحَ شيخنا في " تهذيبهِ" (٤): أنهُ جاريةُ عمُّ الأحنفِ، وممنْ صرّح بذلك ابنُ أبي شيبةَ في مصنفهِ (٥)، وجاريةُ بنُ قدامةَ صحابيٌّ رَوَى عنهُ الأحنفُ بنُ قيسٍ، والحسنُ البصريُّ (٦) ثم ذكرَ عنهُ أشياءَ تدلُّ على أنَّهُ منَ الشهرةِ بمحلٍ كبيرٍ قالَ الشيخُ: وزيدُ بن رباحٍ الذي تفرّدَ عنهُ مالكٌ، قالَ أبو حاتمٍ: «ما أرى بحديثهِ بأسًا» (٧) وذَكرَهُ ابنُ حبان في الثقاتِ (٨)، وقال
_________________
(١) الثقات ٥/ ١٨٣.
(٢) في تهذيب التهذيب: «العداس».
(٣) تهذيب التهذيب ٨/ ٩٥ - ٩٦.
(٤) تهذيب التهذيب ٢/ ٥٤ و٥٥ و١٢٥.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٩٣) إلا أن الذي في المصنف: «.. أبي حمزة، عن جويرية بن قدامة السعدي ..».
(٦) في (ف): «الحسن بن علي».
(٧) الجرح والتعديل ٣/ ٥٦٣.
(٨) الثقات٦/ ٣١٨.
[ ١ / ٦٤١ ]
ابنُ البَرقي (١) والدارقطنيُّ: ثقةٌ، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: «ثقةٌ مأمونٌ» (٢)، فانتفتْ عنهُ الجهالةُ بتوثيقِ هؤلاءِ. قالَ: والوليدُ بنُ عبدِ الرحمانِ الجاروديُّ (٣) تفرّدَ عنهُ ابنهُ المنذرُ بنُ الوليدِ، ذَكرَ شيخُنا أمورًا تخرجهُ عن الجهالةِ منها: أنهُ نسبهُ فقالَ: ابنُ عبدِ الرحمانِ بن حبيبِ بنِ عامر بنِ حبيب بنِ الجارودِ العبديُّ /٢١٤ب / الجاروديُّ البصريُّ، ومنها: أنَّ ابنَ حبانَ ذَكرَهُ في "الثقاتِ" (٤)، ومنها: أنَّ الدارقطنيَّ قال: ثقةٌ.
قالَ الشيخُ: ومنهم عندَ مُسلمٍ جابرُ بنُ إسماعيلَ الحضرميَّ تفرَد عنهُ عبدُ الله ابنُ وهبٍ، قالَ شيخُنا: إنَّ (٥) ابنَ حِبانَ ذَكرَهُ في " الثقاتِ" (٦)، وإنَّ (٧) ابنَ خزيمةَ أخرجَ له في "صحيحهِ" (٨) وصرّحَ أنهُ ممن يحتجُّ بهِ، قالَ: وخبابُ صاحبُ المقصورةِ تفرّد عنهُ عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ شيخُنا: قال ابنُ ماكولا: أدركَ الجاهليةَ، وكذا قالَ ابنُ عبد البر في "الاستيعاب": «خبابُ مولى فاطمةَ بنتِ عتبةَ بنِ ربيعةَ، أدركَ (٩) الجاهليةَ واختُلِفَ في صحبتهِ» (١٠) وذَكرَهُ ابنُ منده وأبو نعيمٍ في
_________________
(١) الإمام الحافظ، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد الزهري، مولاهم المصري، له كتاب " الضعفاء "، توفي سنة (٢٤٩) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٦.
(٢) التمهيد ٦/ ١٥.
(٣) في (ب): «الجاروردي».
(٤) ٩/ ٢٢٥.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) ٨/ ١٦٣.
(٧) لم ترد في (ب).
(٨) أخرج له ابن خزيمة في مختصر المختصر عند الحديثين (١٤٦) و(٩٦٩).
(٩) في (ف): «إدراك».
(١٠) الاستيعاب ١/ ٤٢٤ (بهامش الإصابة).
[ ١ / ٦٤٢ ]
الصحابةِ وساقَ ابنُ منده منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ السائبِ بنِ خبابٍ، عنْ أبيه، عنْ جدهِ - ﵁ - (١) قالَ: «رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - متكئًا على سريرٍ ..» (٢) الحديث، فهذهِ أمورٌ أخرجتْهُ عن الجهالةِ وأوجبتْ ثقتَهُ.
قولهُ: (في غيرِ حملِ العلمِ) (٣) ليس قيدًا، بل بيانٌ للواقعِ؛ فإنَّ الأمرَ مفروضٌ فيمنْ لم يروِ عنهُ العلمَ غيرُ واحدٍ، على أنَّهُ يُفهمُ ارتفاعَ الجهالةِ بالشهرةِ في العلمِ منْ بابِ الأولى (٤).
قولهُ: (غير مقبولةٍ) (٥)، أي: لأنَّ مجردَ الروايةِ عنهُ لا تكونُ تعديلًا.
قولهُ: (تقبلُ مطلقًا) (٦) هذا يُشبهُ أنْ يكونَ قولُ مَنْ يجعلُ روايةَ العدلِ / ٢١٥أ / عن الراوي تعديلًا لهُ، لكنَّ هذا أوسعُ؛ لأنَّهُ ما شَرَطَ فيهِ عدالةَ الراويينِ، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا أنَّ ابنَ كثيرٍ عزاهُ لابنِ حبانَ (٧)، قال: فإنَّهُ حَكَى عنِ الخطيبِ (٨) أنَّ جهالةَ العينِ تزولُ بروايةِ اثنينِ وأنّهُ لا تثبتُ عدالتُهُ بروايتهِما، قال: «وعلى هذا النمطِ مشى ابنُ حبانَ وغيرهُ بل حَكمَ له بالعدالةِ بمجرّدِ هذه الحالةِ» (٩). انتهى.
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) انظر: الإصابة ٢/ ٢٦٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٤.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٤.
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ٢٩٣ وبتحقيقي: ١٦٧.
(٨) الكفاية (١٤٩ت، ٨٨هـ).
(٩) اختصار علوم الحديث ١/ ٢٩٣ وبتحقيقي: ١٦٧.
[ ١ / ٦٤٣ ]
قولهُ: (الإمام سليم) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وهو قولُ بعض الشافعيينَ، وبهِ قَطَعَ منهم الإمامُ سُليمُ بنُ أيوبَ الرازيُ، قال: لأنَّ أمر الأخبارِ مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ» (٢) إلى آخرِ كلامهِ.
قولهُ: (ويشبهُ أن يكونَ العملُ على هذا) (٣) لم يبيّنْ وجهَ الشبهِ وليسَ بيّنًا، ولعلهُ بناء على مثلِ قولهِ إنَّ البخاريَّ ومسلمًا رَوَيا عنْ مجهولِ العينِ مصيرًا منهما إلى أنَّ الجهالةَ ترتفعُ بروايةِ واحدٍ، والبيِّنُ في كلامِ أهل الفنِّ أنهم لا يحتجونَ إلاَّ بمصرَّحٍ بتوثيقهِ، ولا فرقَ بينَ القديمِ والحديثِ، وما ذكرهُ الشيخُ بعدَهُ من كلامِ الشافعيِّ بَيِّنٌ في ذلكَ.
قولهُ: (فيهِ نظر) (٤)، أي: في تسميتهِ مستورًا، وتوجيهُه النظرَ بكلامِ الشافعيِّ ليسَ بواضحٍ، فإنَّ الحكمَ بشهادتِهما قد لا (٥) يخرجهما عن السترِ، ولعلَّ الذي سوّغَ الحكمَ أنَّ المحاكماتِ تكونُ فيها الأخصامُ وهم (٦) يجتهدونَ في ردِّ حججِ أخصامِهم ويزيدونَ / ٢١٥ب / في البحثِ عنْ أحوالِهمْ فالظاهرُ: أنهُ لولا عجزُهم عنْ قادحٍ لما سكتوا عنهُ، وعجزُهم مع شدةِ بحثهم قرينةٌ مقويةٌ للحكمِ عليهم بشهادتِهم، ولعلَّ هذا الذي قالهُ الشافعيُّ في جوابِ السؤالِ إنما بحثَهُ مع خصمٍ فألزمَهُ بمقتضى قولهِ. وقد أقرَّ الشيخانِ (٧) البغويَّ (٨) على تسميةِ من جُهِلتْ عدالتُهُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٥.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٩٣).
(٥) لم ترد في (ب) و(ف).
(٦) في (ب): «وهو».
(٧) أي: الرافعي والنووي.
(٨) انظر: التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/ ٢٦٣، وشرح السنة ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٦٤٤ ]
الباطنةُ مستورًا. وعبارةُ " الروضةِ ": «فرعٌ: ينعقدُ النكاحُ بشهادةِ المستورينَ على الصحيحِ، والمستورُ (١) منْ عُرفتْ عدالتُهُ ظاهرًا لا باطنًا» (٢).
قولهُ: (فعلى هذا) (٣) ليس ذلكَ بلازمٍ كما بيّنتُ أنهُ لا منافاةَ بينَ السترِ والحكمِ بقولِ مَنِ اتصفَ بالسترِ، ولا شكَّ أنَّ مَنْ خفي باطنُ حالهِ يُسمَّى مستورًا لذلكَ.
قولهُ: (نعم في كلامِ الرافعيِّ) (٤) مرادهُ أنَّ عبارةَ الرافعيِّ موافقةٌ لقولِ البغويِّ، وقد صرّحَ بذلكَ في " النكت " (٥) وذلكَ أنها تقتضي أنهُ لا بدَّ منَ البحثِ عنِ الباطنِ ليرجعَ فيهِ إلى المزكِّينَ، وهذا حينئذٍ يغيّرُ في وجهِ ما نظرَ فيهِ منْ قولِ ابنِ الصلاحِ في المستورِ.
قولهُ: (ونقل الرويانيُّ (٦» (٧) مرادهُ بذلكِ تأييدُ كلامهِ، وليسَ مؤيدًا لهُ؛ فإنّ قولَ الشافعيّ: «ولا يعرفُ حالهما» يُحملُ على الباطنِ ليوافقَ ما قرّرهُ مِنْ (٨) عدمِ الاحتجاجِ بالمجهولِ، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشافعيّ: «انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ» أي: كما أنهما عدلانِ في الظاهرِ نقولُ ينعقدُ / ٢١٦أ / في الظاهرِ، وقد كانَ الحالُ يقتضي عدمَ الاعتدادِ بهما لكنْ فَعَلنا ذلك؛ لأنَّ شدةَ البحثِ في مثلِ هذا تؤدي إلى
_________________
(١) في (ب): «والمستورين».
(٢) روضة الطالبين ٧/ ٤٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٦.
(٥) التقييد والإيضاح: ١٤٥.
(٦) هو أبو المحاسن، عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد الشافعي، توفي سنة (٥٠٢ هـ). انظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٩٨، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٢١٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٦٤٥ ]
الحرجِ في أمرِ النكاحِ المفضي إلى العنتِ، وهو مما تعمُّ بهِ البلوى، وتكونُ في مواضعَ ليسَ بها مَنْ فيهِ أهليةُ البحثِ، ومبناهُ على التراضي بخلافِ الأحكام، ويزيدُ هذا التأييدَ وضوحًا أنَّ الشيخَ محيي الدينِ صوّبَ في "الروضةِ" (١) عدمَ الانعقادِ بمستورِ الظاهرِ، فإنَّهُ قال: «قال البغويُّ: لا ينعقدُ بمنْ لا تعرفُ عدالتُهُ ظاهرًا، وهذا كأنهُ تصويرٌ بما لايعرفُ إسلامُهُ وإلاّ فالظاهرُ أنّ (٢) حالَ المسلمِ الاحترازُ منْ أسبابِ الفسقِ.
قلتُ: الحقُ هو قولُ البغويِّ وأنَّ مرادَهُ منْ لا يعرفُ ظاهرُهُ بالعدالةِ وقد صرّحَ البغويُّ بهذا، وقالهُ شيخُهُ القاضي حسينٌ، ونقلهُ إبراهيمُ المروذيُّ (٣) عن القاضي، ولم يذكر غيرهُ، واللهُ أعلم». (٤) انتهى كلامُ "الروضةِ". وقد بَانَ من أنَّ خفاءَ العدالةِ في الظاهرِ سَوَّغَ إطلاقَ السترِ فكذلك خفاؤها في الباطنِ (٥).
قولهُ: (والخلفُ في مبتدعٍ ما كفرا) (٦) قالَ شيخُنا: منَ المعلومِ أنَّ كلَّ فرقةٍ ترّدُ قولَ مخالِفها، وربما كَفَّرتهُ، فينبغي التحري في ذلكَ، والذي يظهرُ أنَّ الذي يُحكمُ عليهِ بالكفرِ منْ كانَ الكفرُ صريحَ قولهِ، وكذا منْ كانَ لازمَ قوله، وعرضَ عليهِ فالتزمهُ، أمّا منْ لم يلتزمهُ (٧)، وناضلَ عنهُ، فإنَّهُ لا يكونُ / ٢١٦ب / كافرًا ولو
_________________
(١) روضة الطالبين ٧/ ٤٦.
(٢) في (ب) و(ف): «في».
(٣) أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن محمد، صارت إليه الرحلة بمرو لتعلم المذهب، ولد سنة (٤٥٣ هـ)، وتوفي (٥٣٦ هـ). انظر: الأنساب ٤/ ٢٧٦.
(٤) روضة الطالبين ٧/ ٤٦ - ٤٧.
(٥) من قوله: «وقد بان» إلى هنا لم يرد في (ب) و(ف).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٩٤).
(٧) في (ب): «يلزمه».
[ ١ / ٦٤٦ ]
كانَ اللازمُ كفرًا. انتهى. وهو قولٌ حسنٌ، لكنْ لا بدَ أنْ يعرفَ الأمرَ الذي يكفرُ مَنْ يعتقدُهُ، ويعرفَ ما هو الصريحُ منْ ذلكَ، وحينئذٍ يعرفُ الكافرَ منْ غيرهِ، فكلُّ مَنْ جَحَدَ مُجمَعًا عليهِ، معلومًا منَ الدينِ بالضرورةِ، كفرَ، سواء كانَ فيهِ نصٌ أو لا، ومعنى العلمِ بالضرورةِ: أنْ يكونَ ذلكَ المعلومُ (١) منْ أمور الإسلامِ الظاهرةِ التي يشتركُ في معرفتها الخواصُ والعوامُ، كالصلاةِ، والزكاةِ، والحجِ، وتحريمِ الخمرِ، والزنا. هذا حاصلُ ما قال (٢) شيخُ الإسلامِ النوويُّ في " الروضةِ " (٣) في بابي الردة وتاركِ الصلاةِ، وعلّلوهُ بأنهُ لم يصدِّق الرسولَ - ﷺ - فيما عُلمَ بالضرورةِ أنهُ منْ دينهِ فتصديقهُ في ذلكَ داخلٌ في حقيقةِ الإيمانِ.
قال الأصفهانيُّ (٤) في أولِ تفسيرِ البقرةِ: وتحقيقُ القولِ فيهِ - أي: الكفر - أنَّ (٥) ما نُقلَ عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ ذهبَ إليه وقالَ بهِ، فأمّا أنْ تعرفَ (٦) صحةَ ذلك النقلِ بالضرورةِ أو بالاستدلالِ أو بخبرِ الواحدِ.
أمّا القسمُ الأولُ: فمن صدّقهُ في جميعهِ (٧) فهوَ مؤمنٌ، ومنْ لمْ يصدّقهُ في جميعِ ذلكَ سواءٌ كانَ مصدقًا في البعضِ أو لَم يصدقهُ في شيءٍ منهُ فهو كافرٌ، ثمَّ (٨)
_________________
(١) في (ف): «من المعلوم».
(٢) في (ب): «قوله».
(٣) روضة الطالبين ٢/ ١٤٦ و١٠/ ٦٥.
(٤) شمس الدين، أبو الثناء، محمود بن عبد الرحمان بن أحمد بن محمد الشافعي، ولد سنة
(٥) هـ، كان بارعًا في العقليات، صحيح الاعتقاد، محبًا لأهل الصلاح، صنف تفسيرًا كبيرًا، توفي سنة (٧٤٩) هـ. انظر: شذرات الذهب ٦/ ١٦٥.
(٦) في (ف): «أن الكفران».
(٧) في (ف): «يعرف».
(٨) «في جميعه»: لم ترد في (ف).
(٩) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٦٤٧ ]
قالَ: وأمّا الذي عُلمَ بالدليلِ أنَّهُ منْ دينهِ مثلَ كونهِ سبحانهُ عالمًا بالعلمِ، أو بذاتهِ - إلى أن قال - / ٢١٧أ / فلم يكن إنكارهُ والإقرارُ بهِ داخلًا في حقيقةِ الإيمانِ فلا يكونُ كفرًا، والدليلُ عليهِ أنهُ لو كانَ داخلًا في حقيقةِ الإيمانِ لم يحكمِ النبيُّ - ﷺ - بإيمانِ أحد حتى يعرفَ (١) الحقَ في تلكَ المسائلِ كلِّها، ولو كانَ الأمر كذلكَ لاشتهرَ، وهو يرجعُ إلى ما قالهُ الإمام حجةُ الإسلامِ أبو حامدٍ الغزاليُّ في كتابِ " التفرقةِ بينَ الإسلامِ والزندقةِ ": «الكفرُ هو تكذيبُ الرسولِ - ﷺ - في شيءٍ مما جاءَ بهِ، والإيمانُ تصديقُهُ في جميعِ ما جاءَ بهِ، وذلكَ لأنَّ جاحدَ ما ذُكِرَ ما كفرَ إلا لتضمّنِ قوله تكذيبُ الرسولِ - ﷺ - للعلمِ الضروري أنه قال ذلك، فإنَّ ظاهرَهُ مرادٌ فكلُّ ما كانَ تكذيبًا لنبيٍّ منَ الأنبياءِ فهو كذلكَ».
بقي عليكَ أنْ تعرفَ ما الجَحدُ الذي يصيرُ فاعلُهُ كافرًا، لأنَّ كلَّ فرقةٍ تنسبُ مخالفتها (٢) إلى التكذيبِ، قال حجةُ الإسلامِ ما ملخصُهُ: فالحنبليُّ يكفّرُ الأشعريَّ زاعمًا أنَّهُ كذّبَ الرسولَ في إثباتِ الفوقِ للهِ تعالى في الاستواءِ على العرشِ، والأشعريُّ يكفّرهُ زاعمًا أنّهُ شبه وكذّب الرسولَ في أنّهُ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، والأشعريُّ يكفّرُ المعتزليَّ زاعمًا أنهُ كذّبَ الرسولَ - ﷺ - في جوازِ رؤيةِ اللهِ / ٢١٧ب / - ﷿ - وفي إثباتِ العلمِ والقدرةِ والصفاتِ لهُ، والمعتزليُّ يكفرُ الأشعريَّ زاعمًا أنَّ إثباتَ الصفاتِ تكثيرٌ للقديمِ وتكذيبٌ للرسولِ - ﷺ - في التوحيدِ، ولا ينجيكَ من هذه الورطةِ إلاّ أنْ تعرفَ حدّ التكذيبِ والتصديقِ فأقولُ: التصديقُ إنما يتطرقُ إلى الخبرِ، وحقيقتهُ: الاعترافُ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ - ﷺ - عنْ (٣) وجودهِ، إلا أنَّ
_________________
(١) في (ف): «حتى يعرف أنه يعرف».
(٢) في (ب): «مخالفيها».
(٣) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٦٤٨ ]
للوجودِ خمسَ مراتبَ، فإنَّ الوجودَ ذاتيٌّ وحسيٌّ وخياليٌّ وعقليٌّ وشبهيٌّ، وقد نظمتُ أنا ذلك لِيهونَ حفظُهُ فقلتُ:
مراتبُ الوجودِ ذاتُ حسٍ ثمَّ الخيالُ العقلُ شبهُ خمسٍ
فمن اعترفَ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ - ﷺ - بوجودهِ بوجهٍ منْ هذه الوجوهِ الخمسةِ فليس بمكذِّبٍ على الإطلاقِ.
فالذاتيُّ هو الوجود الحقيقي الثابتُ خارجَ الحسِ والعقلِ، ولكنْ يأخذ الحسُ والعقلُ صورتهُ، فيسمى أخذهُ إدراكًا، وهذا كوجودِ السماء والأرضِ والحيوانِ والنباتِ، وهو ظاهرٌ.
والحسيُّ: ما يتمثلُ في القوةِ الباصرةِ منَ العينِ مما لا وجودَ لهُ خارجَ العينِ فيكون موجودًا في الحسِ، ويختصُ به الحاسُّ، ولا يشاركهُ فيهِ غيرهُ، وذلكَ كما يشاهدهُ النائمُ (١)، بل كما يشاهدُهُ المريضُ المتيقظُ، إذ قد / ٢١٧أ / تتمثلُ لهُ صورًا لا وجودَ لها خارجَ حسهِ، كما تأخذُ قبسًا منْ نارٍ كأنه نقطةٌ، ثم تُحرّكهُ بسرعةٍ حركةً مستقيمةً فتراهُ خطًا منْ نارٍ، وتحركهُ حركةً مستديرةً فتراهُ دائرةً منْ نارٍ، ولكنَّ ذلكَ في أوقاتٍ متعاقبةٍ فلا يكونُ موجودًا في حالةٍ واحدةٍ، وهو ثابتٌ في مشاهدتِكَ في حالةٍ واحدةٍ، ومن الحسيِّ رؤيةُ جبريلَ - ﵇ - في صورةٍ غير صورتهِ التي خَلَقهُ اللهُ عليها كصورةِ دحيةَ مثلًا؛ فإن الصورةَ المخلوقَ عليها هي الذاتيةُ الموجودةُ في الخارجِ وتلك حسيةٌ.
والخياليُّ: هو صورةُ المحسوساتِ إذا غابتْ عنْ حسِّكَ فتكونُ موجودةً في خيالكَ، وذلكَ الذي في خيالِكَ (٢) ليسَ هو الذي في الخارجِ، فإنَّ خزانةَ خيالِكَ لا تسعُ السماواتِ والأرضينَ.
_________________
(١) في (ب): «القائم».
(٢) عبارة: «في خيالك» في (ف) فقط.
[ ١ / ٦٤٩ ]
والعقليُّ: هو أنْ يكون للشيءِ روحٌ ومعنى، فيتلقى العقلُ مجرّدَ معناهُ دون (١) أن يُثبتَ صورتهُ في خيالٍ أو حسٍ أو خارجٍ، كاليدِ، فإنَّ لها صورةً محسوسةً ومتخيلةً، ولها معنى هو حقيقةُ اليد وهو القدرة على البطشِ وذلك هو اليدُ العقلي، ومعنى القلم (٢) ماتنتقشُ بهِ العلومِ.
والشبهيُّ: هو أن لا يكونَ نفسُ الشيءِ موجودًا لا بصورتهِ الحقيقيةِ لا في الخارجِ ولا في الحسِ ولا في الخيالِ ولا في العقلِ، ولكنْ يكونُ الموجودُ شيئًا آخر يشبهه في خاصيةٍ منْ خواصهِ وصفةٍ منْ صفاتهِ / ٢١٨ ب / مثل جَعلِ النبيِّ - ﷺ - الحجرَ الأسودَ يمينَ اللهِ (٣)؛ لكونهِ مثلَ اليمينِ لا في ذاتهِ ولا في صفاتِ ذاتهِ بل في عارضٍ منْ عوارضهِ؛ وذلكَ أنهُ يُقَبَّلُ تقرّبًا إلى ربهِ كما أنَّ اليمينَ تقبّلُ تقرّبًا إلى ربها، أي: صاحبِها، فمن نزل قولًا منْ أقوالِ صاحبِ الشرعِ - ﷺ - (٤) على درجةٍ منْ هذه الدرجاتِ فهوَ منَ المصدقينَ، والتكذيبُ أنْ ينفيَ جميعَ هذه المعاني ويزعمَ أنَّ ما قالهُ - ﷺ - لا معنى لهُ وإنما هوَ كذبٌ محضٌ، وغرضهُ فيما قالهُ: التلبيسُ أو مصلحةٌ دنيويةٌ، وذلكَ هوَ الكفرُ المحضُ، والزندقةُ، ولا يلزم الكفرُ للمتأولينَ ماداموا يُلازمونَ قانونَ التأويلِ، وهو أن يقومَ البرهانُ على استحالةِ الظاهر، فالظاهرُ الأولُ
_________________
(١) لم ترد في (ف).
(٢) في (ب): «العلم».
(٣) فيما روي عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول - ﷺ -: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده». أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٥٥٧، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٦/ ٣٢٨ بأسانيد كلها واهية، وانظر: السلسلة الضعيفة ١/ ٢٥٧ (٢٢٣). وأخرجه: أحمد ٢/ ٢١١، وابن خزيمة (٢٧٣٧)، والحاكم ١/ ٤٥٧، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٩٤٥) من طريق عبد الله بن المؤمل، قال: سمعت عطاء يحدث عن عبد الله بن عمرو، به، وهو ضعيف أيضًا لضعف عبد الله بن المؤمل.
(٤) لم ترد في (ب).
[ ١ / ٦٥٠ ]
الوجودُ الذاتيُّ فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ الجميعَ، وإنْ تعذّرَ فالحسيُّ، فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ ما بعدهُ، فإن تعذّرَ فالخياليُّ أو العقليُّ، فإن تعذرا فالوجودُ الشبهيُّ المجازيُّ، ولا رخصةَ في العدولِ عنْ درجةٍ إلى ما دونها إلا بضرورةِ البرهانِ فيرجعُ الاختلافُ على التحقيقِ إلى البرهانِ، إذ يقولُ الحنبليُّ: لا برهانَ على استحالةِ اختصاصِ الباري تعالى (١) بجهةِ فوق، ويقولُ الأشعريُّ - أي: للمعتزليِّ -: لا برهانَ على استحالةِ الرؤيةِ وكانَ كلُّ واحدٍ لا يرتضي ما ينكرُهُ (٢) / ٢١٩أ / الخصمُ ولا يراهُ دليلًا قاطعًا، وكيفَ ما كانَ فلا ينبغي أنْ يكفرَ كلُّ فريقٍ خصمَهُ بأنْ يراهُ غالطًا في البرهانِ، نَعَمْ، يجوزُ أنْ يسميهِ ضالًا أو مبتدعًا، أمّا ضالًا فمن حيثُ إنّهُ ضلَّ عن الطريقِ عندَهُ، وأمّا مبتدعًا فمنْ حيثُ إنهُ أبدعَ قولًا (٣) لم يُعهدْ منَ السلفِ التصريحُ بهِ، إذ منَ المشهورِ فيما بينَ السلفِ أنَّ اللهَ تعالى يرى، فقولُ القائلِ: لا يرى بدعةٌ، وتصريحهُ بتأويلِ الرؤيةِ بدعةٌ، ويقولُ الحنبليُّ: إثباتُ الفوقِ للهِ تعالى مشهورٌ عندَ السلفِ ولم يذكر أحدٌ (٤) منهم أنَّ خالقَ العالَمِ ليسَ متصلًا بالعالمِ ولا منفصلًا، وأنَّ جهةَ فوق إليه كنسبةِ جهةِ تحت، وهذا قولٌ مبتدعٌ.
ثم قالَ: منَ الناسِ منْ يُبادرُ إلى التأويلِ بغلباتِ الظنونِ منْ غيرِ برهانٍ قاطعٍ، فأمّا ما يتعلقُ منْ هذا الجنسِ بأصولِ العقائدِ المهمةِ فيجبُ تكفيرُ مَنْ يغيّرُ الظاهرَ بغيرِ برهانٍ قاطعٍ، كالذي يُنكرُ حشرَ الأجسادِ وينكرُ العقوباتِ الحسيةَ في الآخرةِ بظنونٍ وأوهامٍ.
ثم قالَ: اعلمْ أنْ شرحَ ما يُكفَّرُ بهِ، وما لا يُكفَّر بهِ يستدعي تفصيلًا طويلًا، فاقنعِ الآنَ بوصيةٍ وقانونٍ، أمّا الوصيةُ فأن تكفَّ لسانَكَ عنْ أهلِ الملةِ ما أمكنكَ ما
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) في (ف): «يذكره».
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) لم ترد في (ف).
[ ١ / ٦٥١ ]
داموا قائلينَ لا إلهَ إلا الله غيرَ مناقضينَ لها، والمناقضةُ / ٢١٩ب / تجويزُهمُ الكذبَ على رسولِ اللهِ - ﷺ - بعذرٍ أو بغيرِ عذرٍ، فإنّ التكفيرَ فيهِ خطرٌ والسكوتُ لا خطرَ فيهِ، وأمّا القانونُ فهو أن تعلمَ أنَّ النظرياتِ قسمان:
قسمٌ يتعلّق بأصولِ العقائدِ، وقسمٌ يتعلّقُ بالفروعِ.
وأصولُ الإيمانِ ثلاثةٌ: الإيمانُ باللهِ، ورسولهِ، واليومِ الآخرِ، وما عداهُ فرعٌ.
ثم قالَ: ومهما كانَ التكذيبُ، وجبَ التكفيرُ، ولو كانَ في الفروعِ، فلو قالَ قائلٌ مثلًا: البيتُ الذي بمكةَ ليسَ هو الكعبةُ التي أمرَ اللهُ بحجِّها، فهذا كفرٌ، إذْ ثبتَ تواترًا عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - خلافُهُ.
وقالَ شيخُنا في " شرحِ نخبتهِ ": «فالمعتمَدُ: أنَّ الذي ترّدُ روايتُهُ، مَنْ أنكرَ أمرًا متواترًا منَ الشرعِ، معلومًا منَ الدينِ بالضرورةِ (١)، وكذا من اعتقدَ عكسَهُ، فأمّا مَنْ لم يكنْ بهذه الصفةِ، وانضمَّ إلى ذلكَ ضبطهُ لما يرويهِ مع ورعهِ وتقواهُ، فلا مانعَ منْ قبولهِ» (٢)، ثم قالَ: «نَعَمْ، الأكثرُ على قبولِ غيرِ الداعيةِ إلا أنْ يرويَ ما يقوي بدعتَهُ فيرد على المذهبِ المختار» (٣).
وكلامهُ (٤) أيضًا يقتضي: أنَّ الداعيةَ إذا رَوَى ما لا تعلّقَ لهُ ببدعتهِ قُبِلَ لكنِ الأكثر لا يقبلونَ الداعيةَ مطلقًا؛ لأنَّهُ قدْ يستهينُ تسويةَ كلمةٍ لترويجِ بدعتهِ يرى أنَّ ذلك معناها (٥) / ٢٢٠أ /، وحبكَ للشيءِ يعمي ويصمُ (٦)، وقد تكونُ تلك الكلمةُ
_________________
(١) انظر: مرقاة المفاتيح ١/ ١٤٧ وما بعدها.
(٢) نزهة النظر: ١٣٨ (طبعة الحلبي).
(٣) نزهة النظر: ١٣٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي ابن حجر».
(٥) جاء في حاشية (أ): «بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الحمصي الشافعي نفع الله به في البحث وسمع الجماعة، وكتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي الشافعي».
(٦) إشارة إلى حديث أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -: «حبك للشيءِ يعمي ويصم». أخرجه: أحمد ٥/ ١٩٤ و٦/ ٤٥٠، وعبد بن حميد (٢٠٥)، وأبو داود (٥١٣٠).
[ ١ / ٦٥٢ ]
مما يخفى، فيعسر أمرُها بعدَ خروجِها عنهُ مع أنّ في الروايةِ عنهُ ترويجًا لأمرهِ وتحسينًا للظنِّ به، فَسُدّتِ الذريعةُ وحُسِمتِ المادةُ.
ويؤيدُ قبولَ غيرِ الخطابيةِ مطلقًا ما قال الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في " الروضةِ " في شروطِ الأئمةِ منْ كتابِ الصلاةِ: «وأطلقَ القفّالُ وكثيرونَ منَ الأصحابِ القولَ بجوازِ الاقتداءِ بأهلِ البدعِ، وأنهم لا يكفّرونَ، قالَ صاحبُ " العدةِ ": «وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيّ». قلتُ: هذا الذي قالهُ القفّالُ وصاحبُ " العدةِ " هو الصحيحُ، أو الصوابُ، فقد قالَ الشافعيُّ: أقبلُ شهادةَ أهلِ الأهواءِ إلا الخطابيةَ؛ لأنَّهُم يرونَ الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم (١)، ولم يزلِ السلفُ والخلفُ على الصلاةِ خلفَ المعتزلةِ وغيرِهم ومناكحتِهم وموارثتِهم وإجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهمْ، وقد تأوّلَ الإمامُ الحافظُ الفقيهُ أبو بكرٍ البيهقيُّ وغيرهُ منْ أصحابِنا المحققينَ ما جاءَ عنِ الشافعيّ وغيرهِ منَ العلماءِ منْ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ على كفرانِ النعمِ لا كفر الخروجِ عن الملةِ، وحَملَهُم على هذا التأويلِ ما ذكرتهُ منْ إجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهمْ، واللهُ أعلم». (٢) انتهى كلامهُ.
وهو يدلُّ على قبولِ كلِّ مبتدعٍ / ٢٢٠ب / مستكملٍ للشروطِ لا يكفرُ بالقانونِ الذي تقدّمَ مطلقًا إلاّ الخطابيُّ، لكنْ ألحقوا بالخطابيةِ الداعيةَ مطلقًا وغيرَهُ إذا رَوَى ما يقوي بدعتَهُ احتياطًا لما تقدّمَ.
ثمَ ذكرَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في كتابِ الشهاداتِ من كتابِ القضاءِ منَ " الروضةِ " (٣) نحو هذا فقالَ: «جمهورُ الفقهاءِ منْ أصحابنا وغيرِهم لا يُكفِّرونَ أحدًا
_________________
(١) قول الشافعيّ هذا في الأم ٦/ ٢٠٦، وانظر تعليقنا على كتاب: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٠.
(٢) روضة الطالبين ١/ ٣٥٥.
(٣) روضة الطالبين ١١/ ٢٣٩ - ٢٤١.
[ ١ / ٦٥٣ ]
منْ أهلِ القبلةِ، لكن اشتهر عن الشافعيّ - ﵀ - تكفيرُ الذينَ ينفونَ علمَ اللهِ تعالى بالمعدومِ، ويقولونَ: ما يعلمُ الأشياءَ حتى يخلقَها ونَقلَ العراقيونَ عنهُ (١) في (٢) تكفيرِ النافينَ للرؤيةِ، والقائلينَ بخلقِ القرآنِ، وتأولّهُ الإمامُ فقالَ: ظنّي أنهُ نَاظَرَ بعضَهمْ فألزمَهم الكفرَ في الحجاج، فقيلَ: إنَّهُ كفَّرَهمْ، ثمَ قالَ: وهذا حسنٌ.
وقد تأوّلهُ الإمامُ الحافظُ الفقيهُ الأصوليُّ أبو بكرٍ البيهقيُّ، وآخرونَ تأويلاتٍ متعاضدةً على أنّهُ ليسَ المرادُ بالكفرِ الإخراجَ منَ الملة وتحتمَّ الخلودِ في النارِ وهكذا تأوّلوا ما جاءَ عن جماعةٍ منَ السلفِ منْ إطلاقِ هذا اللفظِ واستدلّوا بأنهم لم يلحقوهمْ بالكفارِ بالإرثِ والأنكحةِ ووجوبِ قتلهمْ وقتالهمْ وغيرِ ذلكَ، وقالَ: أمّا تكفيرُ منكرِ العلمِ بالمعدومِ أو بالجزئياتِ فلا شكَّ فيهِ، ومنْ كفّرناهُ لم نقبلْ شهادتَهُ وأمّا منْ لم / ٢٢١ أ / نكفّرهُ فقد نصَّ في " الأم " (٣) و" المختصرِ " (٤) على قبولِ شهادتِهمْ إلاَّ الخطابيةَ؛ لأنَّهُمْ يرونَ شهادةَ أحدهِم لصاحبهِ إذا سمعهُ يقولُ: لي على فلانٍ كذا فيصدقهُ بيمينهِ أو غيرِها، ويشهدُ له اعتمادًا على أنّه لا يكذبُ، هذا نصهُ.
والأصحابُ فيهِ ثلاثُ فرقٍ: فرقةٌ جرت على ظاهرِ نصّهِ وقبلت شهادةَ جميعِهم وهذه طريقةُ الجمهورِ، منهم: ابنُ القاصِّ، وابنُ أبي هريرةَ، والقضاةُ: ابن كَج (٥) وأبو الطيبِ (٦) والروياني، واستدلّوا بأنهم مصيبونَ في زعمِهم ولم يظهرْ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: الشافعيّ».
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) الأم ٦/ ٢٠٥.
(٤) مختصر المزني: ٣١١.
(٥) شيخ الشافعية، أبو القاسم، يوسف بن أحمد بن كَج الدِّينوري، كان يضرب به المثل في حفظ المذهب، توفي سنة (٤٠٥) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٦) جاء في حاشية (أ): «هو الطبري».
[ ١ / ٦٥٤ ]
منهم ما يسقطُ الثقةَ بقولهم.
وقَبِلَ هؤلاءِ شهادةَ مَنْ سبَّ الصحابةَ والسلفَ - ﵃ -؛ لأنَّهُ يقدِمُ عليهِ عن اعتقادٍ لا عنْ عداوةِ عنادٍ، قالوا: ولو شهدَ خَطّابيٌّ وذَكرَ في شهادتهِ ما يقطعُ احتمالَ الاعتمادِ على قولِ المدّعي بأنْ قالَ: سمعتُ فلانًا يقرُّ بكذا لفلانٍ أو رأيتُهُ أقرضهُ قُبلتْ شهادتُهُ ثمَ صوّبَ ما قالتْ هذه الفرقةُ الأولى من قبولِ شهادةِ الجميعِ، قالَ: فقد قالَ الشافعيّ في " الأم " (١): ذهب الناس في تأويل القرآنِ والأحاديثِ إلى أمورٍ تباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحلَّ بعضُهم منْ بعضٍ ما تطولُ حكايتُهُ وكانَ ذلكَ متقادمًا منهِ، ما كانَ في عهدِ السلفِ وإلى اليومِ، فلم نعلم أحدًا منْ سلف الأمةِ يُقتدَى بهِ، ولا مَنْ بعدَهم مِنَ التابعينَ ردَّ شهادةَ أحدٍ بتأويلٍ، وإن خطّأهُ وضلّلهُ، ورآهُ استحلَّ ما حرّمَ اللهُ عليهِ، فلا تُرّدُ شهادةُ أحدٍ بشيءٍ من التأويلِ كانَ لهُ وجهٌ يحتملُ وإنْ بلغ فيهِ استحلالَ المالِ والدمِ». هذا نصّهُ بحروفهِ، وفيهِ التصريحُ بما ذكرناهُ وبيانُ ما ذكرناهُ في تأويلِ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ، ولكنَّ قاذفَ عائشةَ -﵂- كافرٌ لا تُقبلُ شهادتُهُ، ولنا وجهٌ أنَّ الخطابيَّ لا تُقبلُ شهادتُهُ وإن بيَّنَ ما يقطعُ الاحتمالَ؛ لاحتمالِ اعتمادهِ فيهِ على قولِ صاحبهِ. انتهى. وفيهِ اختصارٌ، وهو وما قبلَهُ يتنزلُ على ما ذَكرَهُ الغزاليُّ من ذلك القانونِ، وكلُّ ذلك يدلُّ على تصويبِ فعلِ الشيخينِ البخاريِّ ومسلمٍ في الاحتجاجِ بأخبارِهم، ولو كانوا دعاةً إلى بدعِهم، والله أعلم.
قولهُ: (يردُّ مطلقًا) (٢)، أي: سواءٌ كان داعيةً أو لا، خطابيًا أو لا.
قولهُ: (نُصرةَ مذهبٍ) (٣) هو مفعولٌ له، والعاملُ فيهِ «استحلَّ»، أي:
_________________
(١) الأم ٦/ ٢٠٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٩٤)، والذي في نسخة (ف): «ومطلقًا».
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٩٥).
[ ١ / ٦٥٥ ]
استحلَّ الكذبَ لنصرةِ مذهبهِ، ومِن (١) نصرتهِ له شهادتهُ لأهلهِ؛ لاعتقادهِ صدقَهم لكونهم على ذلكَ المذهبِ.
قولهُ: (منْ غيرِ خطابيةٍ) (٢) همْ صنفٌ منَ الرافضةِ، وينبغي: أنْ يُحملَ كلامُ الشافعيّ على جميعِ الرافضةِ لقوله: «ما في أهل الأهواءِ أشهدُ بالزور منَ الرافضةِ» (٣) كما سيأتي عنهُ / ٢٢٢أ / ويكونُ حينئذٍ إنما عبّر عنهم بالخطابيةِ تعبيرًا باسمِ الجزءِ عن (٤) الكلِّ؛ لأنَّ ذلكَ الجزءَ هو المقصودُ الأعظمُ منْ ذلكَ الكلِّ، مثل إطلاقِ العينِ على الربيئةِ (٥)، ويكونُ ذلكَ لأنَّ الخطابيةَ أعظمُهم كذبًا، ويحتملُ أنْ يكونوا هُمُ الذينَ سنّوا لهمُ الكذبَ، وفتحوا لهمْ بابَهُ فولجوهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ الأمرُ بالعكسِ، أطلقَ الرافضةَ على الخطابيةِ ولم يردْ غيرَهم، والله أعلمُ.
والاسمُ الجامعُ لفرقِهم: الشيعةُ، ادّعوا مُشايعةَ عليٍّ - ﵁ -، وقالوا: إنَّهُ الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، واعتقدوا أنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عنهُ، ولا عنْ أولادهِ، فإنْ خرجتْ فإمّا بظلمٍ فيكونُ منْ غيرهم، وإمّا بتقيةٍ منهُ أو منْ أولادهِ، وهم اثنانِ وعشرونَ فرقةً، يكفّرُ بعضُهمْ بعضًَا. أصولُهم ثلاثٌ: غلاةٌ، وزيديةٌ، وإماميةٌ.
أمّا الغلاةُ: فثمانيةَ عشرَ، منهم: السبائيةُ: أتباعُ عبدِ اللهِ بنِ سبأ، كانَ على زمنِ عليٍّ - ﵁ -، فقال له: أنتَ إلهٌ فنفاهُ عليٌّ - ﵁ -، والخطّابيةُ: ويستحلّونَ شهادةَ الزور لموافقِيهم على مخالفِيهم. ومنهم: النصيريةُ، والإسماعيليةُ،
_________________
(١) في (ب): «وفي».
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٩٦).
(٣) سنن البيهقي الكبرى ١٠/ ٢٠٨، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٨٩.
(٤) في (ب): «على».
(٥) هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل، أو شَرَف ينظر منه. النهاية ٢/ ١٧٩.
[ ١ / ٦٥٦ ]
ولهم سبعةُ ألقابٍ، وغالبُ هؤلاءِ الغلاةِ يقولونَ بإلاهية الأئمةِ، وأضرُّهم على أهلِ الإسلامِ الإسماعيليةُ؛ فإنّ جلَّ قصدِهم نقضُ الشريعةِ ولهم في ذلكَ / ٢٢٢ب /طرقٌ عظيمةٌ، وأصلهم مجوسٌ عجزوا عنْ ردِّ ما كانَ منْ دينهم بالسيفِ فسعوا في استغواءِ ضعفاءِ المسلمينَ بأنواعِ الخداعِ.
والزيديةُ: نُسبوا إلى زيدِ بنِ عليٍّ زينِ العابدينَ بنِ الحسينِ، وهمْ ثلاثُ فرقٍ، وسُمّيَ منْ رفضَ زيدًا هذا رافضةً.
والإماميةُ: وهم الاثنى عشرية.
قولهُ: (عن أهل بدع) (١) إنْ كانَ بالفتحِ فهو مصدرُ بَدَعَ، قالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ ": «بَدَعَ الركيَّ بَدعًا، إذا استنبطَها، ومنْ ذلكَ ركيٌّ بديعٌ حديثةُ الحفرِ، وبَدعتُ الشيءَ، أنشأتُهُ، وأبدعَ الرجلُ، أتى ببديعٍ منْ قولٍ أو فعلٍ، وأبدعَ اللهُ تعالى الأشياءَ، ابتدأَ خلقَها بلا مثالٍ» (٢)، وقالَ أبو عبدِ اللهِ القزازُ:
«بدعتُ الشيءَ، أنشأتهُ ولمْ أُسبقْ إليهِ، ولا احتذيتُ فيهِ أحدًا، واللهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ لابتداعهما، وما بينهما على غير مثالٍ، وبدعتُ الركيَّ إذا انشأتها فهي بديعٌ، أي: حديثةُ الحفرِ».
والبدعةُ في الدينِ منْ هذا، وهي كلّ حدثٍ بعدَ رسولِ الله - ﷺ - لم تتقدّم بهِ سنةٌ قيلَ لهُ: بدعةٌ؛ لحدوثهِ، وقيلَ: سُميَ بدعةً؛ لأنَّهُ مُبتدعٌ، والابتداعُ المصدر، والبدعةُ الاسمُ لما ابتُدِعَ، فالتقديرُ: عنْ أهل إنشاءٍ لقولٍ مُخترعٍ منْ عندِ أنفسهم من غير سلفٍ سبقَ لهم فيهِ، وإنْ كانَ / ٢٢٣أ / بالكسرِ فهو منْ قولهِ تعالى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل﴾ (٣)، قال الزبيديُّ في " مختصرِ العينِ ": «البِدعُ: الشيءُ الذي
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٩٨).
(٢) الأفعال ١/ ٩٢.
(٣) الأحقاف: ٩.
[ ١ / ٦٥٧ ]
يكونُ أولًا في كلِ أمرٍ» فهو على حذفِ مضافٍ تقديرهُ عن أهل أمرٍ بدعٍ، أو قولٍ بدعٍ.
قولهُ: (ما دعوا) (١)، أي: لم يكونوا دعاةً.
قولهُ: (وأما الثانية) (٢)، أي: وأما الصورةُ الثانيةُ فحكيتها أنا بسببِ أنَّهُ قالَ: كذا.
قولهُ: (والمتكلمينَ) (٣) كانَ ينبغي أنْ يقولَ بعدهُ: «وقولي: والخلفُ في مبتدعٍ ما كفرا» (٤) إلى آخرهِ، فإنَّ ذلكَ كلّهُ من تتمةِ القولِ الرابعِ، وكأنّه قالَ: تُقبلُ أخبارُهم بخلافٍ فيهِ.
قولهُ: (كعمران بن حطان) (٥) رأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا أنَّ البخاريَّ أخرجَ لهُ موضعًا واحدًا في لبسِ الحريرِ متابعةً (٦)، وقالَ شيخُنا في " التهذيب " (٧): «كانَ عمرانُ داعيةً إلى مذهبِ الخوارجِ فانتقضَ قولُ منِ ادّعى أنَّ الداعيةَ يردُ بالاتفاقِ»، وقالَ في ترجمتهِ منْ " تهذيبِ التهذيب ": «ذكر زكريا الموصليّ في " تاريخِ الموصلِ " عنْ محمدِ بنِ بشرٍ العبديِّ الموصليِّ، قالَ: لمْ يمتْ عمرانُ بنُ حطانَ حتى رجعَ عنْ رأي الخوارجِ». انتهى. قال شيخنا: «هذا أحسنُ ما يعتذرُ بهِ عنْ تخريجِ البخاريِّ لهُ» (٨)، ونُقلَ عنْ أبي داود أنه قالَ: «ليسَ في أهلِ الأهواءِ أصحُّ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٢٩٨).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٩٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٦) صحيح البخاري ٧/ ١٩٤ (٥٨٣٥)، وأخرج له حديثًا آخر ٧/ ٢١٥ (٥٩٥٢).
(٧) «في التهذيب» لم ترد في (ب).
(٨) تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٨.
[ ١ / ٦٥٨ ]
حديثًا منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وغيرهُ» (١) ثم قالَ: «إنَّ ذلك ليسَ على إطلاقهِ فقد حَكَى ابنُ أبي حاتمٍ عنِ القاضي / ٢٢٣ب /عبدِ اللهِ بنِ عقبةَ المصريِّ، وهو ابنُ لهيعة، عنْ بعضِ الخوارجِ ممنْ تابَ أنهمْ كانوا إذا هووا أمرًا صيّروهُ حديثًا» (٢).
وذكرَ عنْ صاحب " الأغانيِّ " أنَّه ساقَ بسندٍ صحيحٍ إلى ابن سيرين قالَ: تزوجَ عمرانُ امرأةً من الخوارجِ ليردّها عنْ مذهبها فذهبت بهِ، وسماها في روايةٍ أخرى خمرة (٣) وإنَّ عمرانَ كانَ مشهورًا بطلبِ العلمِ والحديثِ ومَدَحَ ابنَ ملجمٍ (٤) لعنهُ (٥) اللهُ في قتلهِ عليًا - ﵁ - بقصيدةٍ منها:
ياضربةً منْ تقيٍّ (٦) ما أرادَ بها إلاّ ليبلغ منْ ذي العرشِ رضوانًا (٧)
وكانَ الخبيثُ مُفتيَ الخوارجَ وزاهدَهم، وقالَ الشيخُ في " النكتِ على ابنِ الصلاحِ": «وقد اعتُرضَ عليهِ بأنهما احتجّا أيضًا بالدعاةِ، فاحتجَّ البخاريُّ بعمرانَ ابنِ حطانَ، وهو منْ دُعاةِ الشراةِ (٨)، واحتجَّ الشيخانِ بعبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمانِ الحمانيِّ، وكانَ داعيةً إلى الإرجاءِ كما قالَ أبو داودَ (٩)، ثمّ قالَ: قلتُ: قالَ أبو داودَ:
_________________
(١) الكفاية: ١٣٠.
(٢) تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٨، ولمعرفة العلاقة بين الخوارج ووضع الحديث انظر: السنة النبوية ومطاعن المبتدعة فيها: ٣٢٧ - ٣٣١.
(٣) الذي في تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٩: «حمنة».
(٤) جاء في حاشية (أ): «اسمه عبد الرحمان».
(٥) في (أ): «لعنها».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أنْ يقال شقي».
(٧) الكامل للمبرد ٣/ ١٦٩.
(٨) كذا قال ابن حبان في " ثقاته " ٥/ ٢٢٢، وانظر: تهذيب الكمال ٥/ ٢٨٢ (٥٠٧٦).
(٩) سؤالات الآجري ٣/ ١٧٧، وانظر: تهذيب الكمال ٤/ ٣٥٥ (٣٧١٣).
[ ١ / ٦٥٩ ]
وليس في أهلِ الأهواءِ أصحُّ حديثًا منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وأبا حسانَ الأعرج (١) ولم يحتجَّ مسلمٌ بعبدِ الحميدِ الحمانيِّ، إنّما أخرجَ لَهُ في المقدمةِ، وقدْ وثّقهُ ابنُ معينٍ». (٢) انتهى كلامُ " النكتِ ".
وما اعتذرَ بهِ لا يفيدُ سلامةَ القولِ بأنَّ الداعيةَ يردُّ فإنَّ توثيقَهُ لايخرجُهُ عن كونهِ داعيةً، وقولُ الشراةِ وهو جمعُ شارٍ، قالَ / ٢٢٤أ / أهل اللغةِ: والشاري: واحدُ الشراةِ، وهمُ الخوارجُ، وإنما سمّوا بذلكَ لأنَّهُم زعموا أنهم شروا أنفسَهم منَ اللهِ، وقيلَ: لأنَّهُم ألجُّ الناسِ في مذهبِهم مِنْ شَرِيَ الرجلُ - بالكسرِ - في الشرِّ، إذا لجَّ فيهِ (٣).
قولهُ: (وداود بن الحصين) (٤)، أي: الأمويُّ مولاهم، أبو سليمانَ المدنيُّ، رَوَى عنهُ مالكٌ، وأخرجَ حديثهُ الجماعةُ قالُ ابنُ معينٍ: «ثقةٌ»، وقالَ أبو
حاتم (٥): «ليسَ بالقويِّ، ولولا أنَّ مالكًا رَوَى عنهُ لتُرِكَ حديثُهُ»، وذكرهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (٦)، وقالَ: «كانَ يذهبُ مذهبَ الشراةِ - يعني: طائفةً من الخوارجِ، قالَ - وكلُّ منْ تَركَ حديثَهُ على الإطلاقِ وَهِمَ؛ لأنَّهُ لم يكنْ بداعية» وقالَ الساجيُّ (٧): «منكرُ الحديثِ، متهمٌ برأي الخوارجِ» (٨).
_________________
(١) تهذيب الكمال ٥/ ٤٨٢ (٥٠٧٦).
(٢) التقييد والإيضاح: ١٥٠، وانظر: الثقات لابن حبان ٧/ ١٢١، والجرح والتعديل ٦/ ١٦.
(٣) العين مادة «شري»، والصحاح مادة «شري».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٥) في جميع النسخ الخطية: «أبو زرعة»، والمثبت من الجرح والتعديل ٣/ ٣٨٨، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، والذي قاله أبو زرعة عنه: «لين».
(٦) الثقات ٦/ ٢٨٤.
(٧) في جميع النسخ الخطية: «النسائي»، والمثبت من تهذيب التهذيب ٣/ ١٦٤، والذي قاله النسائي عنه: «ليس به بأس».
(٨) انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٤١٢ (١٧٣٧).
[ ١ / ٦٦٠ ]
قولهُ: (ابن الأخرم) (١) قالَ الشيخُ في أوائلِ ما وُجِدَ منْ شرحهِ الكبيرِ: «هو الحافظُ أبو عبد اللهِ محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ يوسفَ بنِ الأخرم الشيبانيُّ النيسابوريُّ شيخُ الحاكمِ، ذكرهُ في " التاريخِ " فقالَ: «صدرُ أهلِ الحديثِ ببلادِنا بعدَ أبي حامدِ بنِ الشرقي وكانَ يحفظُ ويفهمُ، وصنّفَ على الكتابينِ الصحيحينِ البخاريِّ ومسلمٍ، وصنّفَ "المسندَ الكبيرَ" وكانَ أبو بكرِ بنُ خزيمةَ يرجعُ إلى فهمهِ، وقالَ محمدُ بنُ صالحٍ بنِ هانئ: «كانَ ابنُ خزيمةَ يقدّمُهُ على كافةِ أقرانهِ وكانَ يرجعُ إليهِ، ويعتمدُ قولهُ فيما يرد عليهِ، وإذا شكَّ في /٢٢٤ ب/ شيءٍ عَرَضهُ عليهِ، وتوفي في جمادى الآخرةِ سنةَ أربعٍ وأربعينَ وثلاثِ مئةٍ وهو ابنُ أربعٍ وتسعينَ سنةً» (٢).
قولهُ: (كالمجسمة) (٣) هذا المثالُ منْ عندِ الشيخِ لم يذكرهُ ابنُ الصلاحِ.
وقولهُ: (إن قلنا بتكفيرهم) (٤) لم أرَ ما أشارَ إليهِ منَ الخلافِ، وإنما رأيتُ في " شرحِ المهذبِ " في صفةِ الأئمةِ: «فرعٌ: قد ذَكَرنا أنَّ مَن يُكفَّرُ ببدعتهِ لا تصحُّ الصلاةُ وراءَهُ، ومن لايُكفَّرُ تصحُّ، فمِمَّنْ يكفّرُ: مَنْ يجسّمُ تجسيمًا صريحًا، ومنْ ينكرُ العلمَ بالجزئياتِ، وأمّا منْ يقولُ بخلقِ القرآنِ فهو مُبتدعٌ، واختلفَ أصحابُنا في تكفيرِهِ» (٥) فلعل الشيخَ سمّى التفصيلَ وما ينشأُ عنهُ من تكفيرِ المصرحِ دونَ غيرهِ خلافًا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٢) ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٦٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٥) المجموع ٤/ ٢٢٢.
[ ١ / ٦٦١ ]
قولهُ: (فإنَّ ابن الصلاحِ) (١) تَسبّبَ عن قولهِ «احترازٌ» لم يحكِ فيهِ، أي: في المبتدع الذي يُكفَّرُ ببدعتهِ أعمُّ منَ المجسمِ وغيرهِ.
قولهُ: (ردِّ روايتهِ مُطلقًا) (٢) أي: المبتدعِ سواءٌ كُفِّرَ ببدعتهِ، أو لا، سواءٌ اعتقدَ حرمةَ الكذبِ، أو لا.
قولهُ: (وللحميدي والإمام أحمدا) (٣) لو قالَ بعده: إنَّ الذي لِكَذبٍ تعمدا، لكانَ أحسنَ، وأبو بكرٍ الحميديُّ هذا هو صاحبُ الشافعيّ، وهو شيخُ البخاريِّ، وأبو بكر الصيرفيُّ منْ أصحابِ الوجوهِ عند الشافعيّةِ.
قولهُ: (أما الكذب في حديثِ الناسِ) (٤) /٢٢٥أ/ إلى آخرهِ، قالَ الشيخُ محيي الدين في أواخر شرحِ مقدمةِ " صحيحِ مسلمٍ ": «قالَ القاضي - يعني: عياضًا - والضرب الثاني - أي: من الكاذبينَ - من لا يَستجيزُ شيئًا منْ هذا كلّهِ في الحديثِ، ولكنهُ يكذبُ في حديث الناسِ قدْ عُرفَ بذلكَ، فهذا أيضًا لا تقبلُ روايتُهُ ولا شهادتُهُ، وتنفعُهُ التوبةُ ويرجعُ إلى القبولِ.
فأمّا منْ يندر منهُ القليلُ (٥) من الكذبِ ولم يعرفْ بهِ فلا يقطعُ بجرحهِ بمثلهِ؛ لاحتمال الغلطِ عليهِ والوهمِ، وإن (٦) اعترفَ بتعمّدِ ذلك المرةَ الواحدةَ ما لم يضرَّ بهِ مسلمًا، فلا يجرحُ بهذا، وإن كانت معصيةً لندورِها؛ ولأنَّها لا تلحقُ بالكبائرِ الموبقاتِ؛ ولأن أكثرَ الناسِ قَلَّ ما يَسلمونَ منْ مواقعاتِ بعضِ الهناتِ (٧)، وكذلكَ لا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٩٩).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة١/ ٣٦٠.
(٥) عبارة: «فأما من يندر منه القليل» لم ترد في (ف).
(٦) في (ف): «فإن».
(٧) الهنات: الأخطاء اليسيرة البسيطة.
[ ١ / ٦٦٢ ]
يسقطُها كذبهُ فيما هوَ من بابِ التعريضِ أو الغلو في القولِ، إذ ليسَ بكذبٍ في الحقيقةِ وإن كانَ في صورةِ الكذبِ؛ لأنَّهُ لا يدخلُ تحتَ حدِّ الكذبِ - يعني: لأنّ حدّ (١) الكذب هوَ الإخبارُ عن الشيءِ على خلافِ ما هوَ عمدًا كانَ أو سهوًا قالَ الشيخُ (٢) - ولا يريدُ المتكلمُ بهِ الإخبارَ عنْ ظاهرِ لفظهِ، وقد قالَ - ﷺ -: «أمّا أبو الجهمِ فلا يضعُ العصا (٣) عن عاتقِهِ (٤»)، وقد قالَ الخليلُ إبراهيمُ (٥) عليهِ الصلاةُ (٦) والسلامُ: «هذه أختي» (٧) (٨).
قولهُ: (افترقت فيهِ /٢٢٥ب/ الروايةُ والشهادةُ) (٩)، أي: لأنَّ كذبَهُ ذلك انعطفَ على جميعِ رواياتهِ في ما قبلَ ذلكَ، فَهدمَها وأسقطَها؛ لأنَّها نوعٌ واحدٌ والغرضُ فيها لا يشتدُّ اختلافهُ، فكما عَمَّ الماضي فكذلكَ يَعمُّ المستقبلَ احتياطًا للروايةِ.
وأمّا الشهادةُ فإنَّهُا وإنْ كانَ أمرُها أضيقَ منَ الروايةِ، أنواعُها متباينةٌ، والغرضُ
_________________
(١) لم ترد في (أ) و(ف).
(٢) مابين الشارحتين جملة اعتراضية تفسيرية من البقاعي.
(٣) في (ب): «عصاه».
(٤) صحيح مسلم ٤/ ١٩٥ (١٤٨٠)، والحديث مخرج بتفصيل في تعليقنا على مسند الشافعيّ
(٥) و(١١٣٢).
(٦) في " شرح النووي ": «إبراهيم الخليل».
(٧) لم ترد في (ب) و(ف).
(٨) إشارة إلى ما قاله إبراهيم - ﵇ - للملك الظالم عندما سأله عن زوجته سارة، وهذا الحديث أخرجه: أحمد ٢/ ٤٠٣، والبخاري ٣/ ١٠٥ (٢٢١٧)، ومسلم ٧/ ٩٨ (٢٣٧١)، والترمذي (٣١٦٦) عن أبي هريرة، به.
(٩) شرح صحيح مسلم ١/ ١٠٧ - ١٠٨.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٠.
[ ١ / ٦٦٣ ]
فيها يختلفُ (١) اختلافًا كثيرًا، فلم يبطلْ ما مَضَى منها وانبرمَ الحكمُ بهِ.
وأمّا ما يكونُ منها بعد التوبةِ فيقعُ عندَ الحكامِ وفي حقوقٍ لها أهلٌ يُشاححونَ (٢) ويبحثونَ عن الخفايا، وذلك يوجبُ تحرّزَ الشاهدِ في نفسهِ، والحذرَ منهُ، والعثورَ على زَلَلِهِ وإن اجتهدَ في إخفائهِ بخلافِ الروايةِ. وإنما خفّفنا أمرَها في الابتداءِ؛ لبعدِ تعلّق الغرضِ بالكذبِ في الأمورِ العامةِ ونحوِها، ولا سيّما ممن اشتهرَ بالخيرِ، فلما وُجِدَ كذبُهُ صارَ أصلًا فيهِ، فوجبَ الاحتياطُ بعد ذلكَ بالاحترازِ منه استصحابًا لما جعلناهُ أصلًا، واللهُ أعلمُ (٣).
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا ما نصّهُ: قال الشيخُ محيي الدين النوويُّ - ﵀ -: ولم أرَ دليلًا لمذهبِ هؤلاءِ، ويجوزُ أنْ يوجهَ بأنَّ ذلكَ جُعلَ تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذبِ عليهِ - ﷺ - /٢٢٦أ /؛ لعظمِ مفسدتهِ؛ فإنَّهُ يَصيرُ شرعًا مُستمرًا إلى يومِ القيامةِ، بخلافِ الكذبِ على غيرهِ والشهادةِ؛ فإنَّ مفسدتهما قاصرةٌ ليستْ عامةً.
قالَ - أي: النوويّ -: وهذا الذي ذَكرهُ (٤) هؤلاءِ الأئمةُ ضعيفٌ مخالفٌ للقواعدِ الشرعيةِ، والمختارُ القطع بصحةِ توبتهِ (٥) في هذا، وقبولُ رواياتهِ بعدَها إذا صحّتْ توبتُهُ بشروطها المعروفةِ، قالَ: فهذا هو الجاري على قواعدِ الشرعِ، وقدْ أجمعوا على صحةِ روايةِ منْ كانَ كافرًا فأسلمَ، قال: وأجمعوا على قبولِ شهادتهِ، ولا فرقَ بينَ الشهادةِ والروايةِ في هذا. انتهى.
وهو في الكلامِ على حديثِ: «مَنْ كذبَ عليَّ متعمدًا » في " شرحِ
_________________
(١) في (ب) و(ف): «مختلف».
(٢) أي: يخاصمون.
(٣) انظر: إكمال المعلم ١/ ١٠٧، والفروق ١/ ٥.
(٤) في (ب): «ذكر».
(٥) في (ب): «ثبوته».
[ ١ / ٦٦٤ ]
صحيحِ مسلمٍ " في المقدمةِ (١).
قولهُ: (فهو كاذبٌ في الأول) (٢)، أي: الخبرِ الأولِ، أي: نجعلُهُ صادقًا في إخبارهِ عنْ نفسهِ بالكذبِ في قولهِ: عمدتُ الكذبَ، فيردُّ ذلك الخبرَ الذي قالَ: إنَّهُ كذبَ فيهِ، ثمَ نردُّ بعد ذلكَ كلَّ شيءٍ يُحدثُ بهِ، ونحملُهُ على الكذبِ ولو قالَ: إنّي صدقتُ في هذا.
واستدلالُ الشيخِ على أنَّهُ أرادَ الكذبَ في حديثِ النبي - ﷺ - بما قالَ ضعيفٌ، والظاهرُ ما قالَ ابنُ الصلاحِ، ويدلُّ عليهِ قولهُ: «ومن ضعفنا نقلهُ» (٣) إلى آخرهِ، فإنَّهُ أعمُّ من أنْ يكونَ يكذبُ في الحديثِ /٢٢٦ب/، أو في حديثِ الناسِ، أو بِوَهمٍ أو فسقٍ، لكنَّ موافقتَهُ على إدامةِ الإهدار بعد التوبةِ منْ غيرِ الكذبِ بعيدةٌ، والله أعلمُ.
قولهُ: (يضاهي منْ حيث المعنى) (٤)، أي: من أجلِ أنَّ ردَّنا لحديثهِ بعدَ الاطّلاعِ على كذبهِ إنَّما هو لاحتمالِ أنْ يكونَ كَذَبَ فيهِ كما كَذَبَ في الذي (٥) اطّلعنا على كذبهِ فيهِ، وهذا الاحتمالُ بعينهِ سارٍ فيما تقدّمَ على ذلكَ.
نهاية الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله البيت رقم (٣٠٤)
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٥٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦١.
(٥) في (ف): «في ذلك».
[ ١ / ٦٦٥ ]