قولهُ:
٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ
٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ بِقَوْلِ شَيْخِهِ، فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ
٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِـ (لاَ أذْكُرُ) أوْ مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا
٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ
٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ نَسِيَهُ (سُهَيْلٌ) الَّذِي أُخِذْ
٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ (رَبِيْعَهْ) عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ
٣١٠ - وَ(الشَّافِعي) نَهَى (ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ) يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ
قولهُ: (وليسَ قَبولُ جرحِ كلٍّ منهما) (١) لو قالَ: وليس قبولُ جرحِ واحدٍ منهما، كانَ أحسنَ، وهو مرادُهُ.
وأمّا ظاهرُ العبارةِ فليس قبولُ جرحِ الاثنينِ بأولى منْ قَبولِ جرح الآخر؛ لأنَّ «كلًا» سورٌ محيطٌ بأفرادِ ما دَخلَ عليهِ، وتارةً ينظر إلى مدخولهِ من حيثُ الإفرادُ، وتارةً منْ حيثُ الاجتماعُ، وهو مشكلٌ على كلٍّ منهما، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وليسَ قَبولُ جرحِ شيخهِ لهُ بأولى منْ قَبولِ جرحهِ لشيخهِ فتساقطا» (٢)، وهي عبارةٌ حسنةٌ.
قولهُ: (ارددهُ منْ حيث الفرع) (٣) قال شيخنا فيما نقلَ عنْ خطّهِ: يمكنُ أنْ يقالَ يجبُ على الفرعِ العملُ بهِ.
قولهُ: (وهو الصحيحُ) (٤) عبارةُ ابن الصلاحِ: «والصحيحُ ما عليهِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٢.
[ ٢ / ٥ ]
الجمهورُ؛ لأنَّ المرويَّ عنهُ بصددِ السهوِ والنسيانِ، والراوي عنهُ ثقةٌ جازمٌ فلا تردُّ بالاحتمالِ روايتهُ، ولهذا كانَ سهيلٌ بعد ذلكَ يقولُ / ٢٢٧ أ /: حدثني ربيعةُ عني» (١).
قال الشيخُ في " النكت ": «وقد اعتُرضَ عليهِ بأنَّ الراويَ أيضًا معرضٌ للسهو والنسيانِ، فينبغي أنْ يتهاترا (٢) ويُنظرَ في ترجيحِ أحدِهما منْ خارجٍ. والجواب: أنَّ الراويَ مثبتٌ جازمٌ، والمروي عنهُ ليس بنافٍ وقوعَهُ بلْ غيرُ ذاكرٍ، فَقُدِّمَ المثبتُ عليهِ، والله أعلم» (٣).
قولهُ: (تركتُ التمثيلَ بهِ لما سأذكرهُ) (٤) كانَ أحسن منْ ذلكَ أنْ يذكرّها بعبارةِ ابنِ الصلاحِ ثمَ ينبهُ على أنَّ التمثيلَ بحديثِ النكاحِ غيرُ صحيحٍ لما ذكرَ؛ وذلكَ لأنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ يُفهمُ منها: أنَّ ردَّ الحنفيةِ للحديثِ مبنيٌ على ما أصَّلوهُ منْ أنَّ نسيانَ الأصلِ قادحٌ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ومنْ رَوَى حديثًا ثمَّ نسيهُ لم يكنْ ذلكَ مُسقِطًا للعملِ بهِ. ثم قالَ خلافًا لقومٍ منْ أصحابِ أبي حنيفةَ (٥) صاروا إلى إسقاطهِ بذلكَ، وبنوا عليهِ ردَّهم حديثَ سليمانَ بنِ موسى (٦). فذَكرهُ إلى أنْ قالَ:
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٧.
(٢) من الهِتر: بالكسر، وهو الباطل والسقط من الكلام. لسان العرب مادة «هتر».
(٣) التقييد والإيضاح: ١٥٣ - ١٥٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٣.
(٥) بل هو مذهب أكثر الحنفية، منهم: الكرخي والدبوسي والبزدوي، وصوبه النسفي منهم، وهو رواية عن الإمام أحمد، ونقل الرافعي عن القاضي ابن كج حكايته وجهًا لبعض الشافعيّة، وعينه شارح اللمع بأنه القاضي أبو حامد المروزي. انظر: اللمع: ٤٨، وإحكام الأحكام٢/ ٩٢، وكشف الأسرار للبخاري ٣/ ٦٠، وفواتح الرحموت ٢/ ١٧٠، ونهاية السول ٣/ ١٥٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٢٥.
(٦) تخريجه مفصلًا في تعليقنا على " معرفة أنواع علم الحديث ": ٢٣٥.
[ ٢ / ٦ ]
منْ أجلِ أنَّ ابنَ جُريجٍ، قالَ: لقيتُ الزهريَّ فسألتهُ عنْ هذا الحديثِ فلمْ يعرفْهُ (١) - ثم قالَ - وكذا حديثُ ربيعةَ الرأي، عنْ سهيلٍ» (٢)، فذكرهُ، قالَ الشيخُ في " النكت ": «وقد اعترض عليهِ بأنَّ في رواية الترمذيِّ - أي: في الحديثِ الأولِ - فسألتهُ عنهُ فأنكرهُ. والجوابُ عنهُ: أنَّ الترمذيَّ لم يروهِ وإنما ذَكرهُ بغيرِ إسنادٍ، والمعروف في الكتبِ / ٢٢٧ب / المصنفةِ في العللِ: فلم يعرفهُ كما ذكرهُ المصنفُ، ومع هذا فلا يصح هذا عن ابنِ جُريجٍ لا بهذا اللفظِ، ولا
بذاكَ (٣)، فبطلَ تعلُّقُ منْ تعلَّقَ بذلكَ في ردِّ الحديثِ.
وأمّا كونُ الترمذيّ لم يوصلْ إسنادَهُ فإنَّهُ رواهُ متصلًا عن ابنِ أبي عمرَ، عنْ سفيانَ بن عيينةَ، عن ابنِ جُريج، عنْ سليمانَ بنِ موسى، ثمَّ قال: وقد تكلّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في حديثِ الزهري، عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ ﵂، عن النبيِّ - ﷺ -. قالَ ابنُ جريجٍ: ثم لقيتُ الزهريَّ فسألتهُ فأنكرهُ فضعفوا هذا الحديثَ منْ أجل هذا.
وأمّا كونهُ معروفًا في كتبِ العللِ باللفظِ الذي ذَكرهُ المصنِّفُ فهكذا هو في " سؤالاتِ عباسٍ الدوريِّ "، عن ابنِ معينٍ وفي " العللِ " لأحمد.
وأمّا كونهُ لا يصحُّ عن ابنِ جُريجٍ فروينا في " السننِ الكبرى " للبيهقي بالسندِ الصحيحِ إلى أبي حاتمٍ الرازيِّ، قالَ: «سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: وذُكرَ عندَهُ أنَّ ابنَ عليةَ يذكرُ حديثَ ابنِ جُريجٍ: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» قالَ ابنُ جُريجٍ: فلقيتُ الزهريَّ فسألته عنهُ فلم يعرفْهُ، وأثنى على سليمانَ بنِ موسى، فقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: إنَّ ابنَ جريجٍ لهُ كتبٌ مدونةٌ وليسَ هذا في كتبهِ يعني: حكايةَ ابنِ عليةَ،
_________________
(١) انظر بلا بد تعليقنا على " معرفة أنواع علم الحديث ": ٢٣٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) في " التقييد والإيضاح ": «ولا بهذا اللفظ».
[ ٢ / ٧ ]
عن ابنِ جريجٍ» (١).
وروينا في " سنن البيهقيِّ " أيضًا بإسنادهِ الصحيحِ إلى عباسٍ الدوريِّ: «سمعتُ يحيى بنَ معينٍ / ٢٢٨أ / يقولُ في حديثِ: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» الذي يرويهِ ابنُ جريجٍ، قلت: إنَّ ابنَ عليةَ يقولُ: قالَ ابنُ جريجٍ، فسألتُ عنهُ الزهريَّ؟ فقالَ: لستُ أحفظُهُ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ: ليسَ يقولُ هذا إلا ابنُ عليةَ، وإنَّما عرضَ ابنُ عليةَ كتبَ ابنِ جريجٍ على عبد المجيدِ (٢) بنِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روادٍ فأصلحها لهُ» (٣).
وروينا في" السننِ " للبيهقيِّ أيضًا بسندهِ الصحيحِ إلى جعفرَ الطيالسيِّ: «سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: روايةُ ابنِ جُريجٍ، عن الزهريِّ أنَّهُ أنكرَ معرفةَ حديثِ سليمانَ بنِ موسى فقالَ: لم يذكرهُ عن ابن جريجٍ غيرُ ابنِ عليةَ، إنما سمعَ ابنُ عليةَ من ابنِ جريجٍ سماعًا ليس بذاك إنما صحّحَ كتبَهُ على كتبِ عبد المجيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وضعفَ يحيى بنُ معينٍ روايةَ إسماعيلَ، عن ابنِ جُريجٍ جدًا» (٤) وقد ذكرَ الترمذيُّ في " جامعهِ " (٥) كلامَ يحيى هذا الأخيرَ غيرَ موصلِ الإسنادِ، فقالَ: «وذُكر عنْ يحيى بنِ معينٍ» إلى آخرهِ، وهو متصلُ الإسنادِ عندَ البيهقيِّ، وهذا يدلُّكَ على أنَّ المرادَ بقولهِ: فأنكرهُ، أي: إنَّهُ قال: ما أعرفهُ، كما حكاهُ المصنفُ، فإنَّهُ قال في هذه الروايةِ الأخيرةِ: إنَّهُ أنكرَ معرفةَ حديثِ سليمانَ بنِ موسى فليسَ بينَ العبارتينِ إذن اختلافٌ كما أنكرهُ من اعترضَ بذلكَ على المصنفِ، والله أعلم» (٦).
_________________
(١) السنن الكبرى ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وانظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠٨.
(٢) في (ب): «عبد الحميد» خطأ.
(٣) السنن الكبرى ٧/ ١٠٦.
(٤) السنن الكبرى ٧/ ١٠٦، وفي النقل تصرف يسير.
(٥) جامع الترمذي ٢/ ٣٩٥ عقب (١١٠٢م).
(٦) التقييد والإيضاح: ١٥٢ - ١٥٣.
[ ٢ / ٨ ]
قولهُ: (ما سمعَ من ابنِ جريجٍ) (١) كلامٌ مبتدأٌ ينفي سماعَ إسماعيلَ / ٢٢٨ب / ابنِ إبراهيمَ بنِ عليةَ من ابنِ جُريجٍ.
قولهُ: (وعن الشافعيّ) (٢) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «وقد اعترضَ عليهِ بأنَّ الشافعيَّ إنَّما نَهَى عن الروايةِ عن الأحياءِ؛ لاحتمالِ أنْ يتغيرَ المرويُّ عنهُ عن الثقةِ والعدالةِ بطارئٍ يطرأُ عليهِ يقتضي ردَّ حديثهِ المتقدّمِ، كما تقدمَ في ذكرِ مَنْ كَذَبَ في الحديثِ أنَّهُ يُسقَطُ حديثُهُ المتقدّمُ، ويكونُ ذلكَ الراوي قد رَوَى عنهُ في تصنيفٍ له فتكونُ روايتُهُ عنْ غيرِ ثقةٍ، وإنَّما يؤمَنُ ذلكَ بموتهِ على ثقتهِ وعدالتهِ؛ فلذلكَ كرهَ الشافعيُّ الروايةَ عن الحيِّ. والجواب: إنَّ هذا حدسٌ وظنٌ غيرُ
موافقٍ لما أرادهُ الشافعيّ، وقد فهمَ الخطيبُ منْ ذلكَ ما فهمهُ المصنفُ فقالَ في " الكفايةِ " (٣): «ولأجلِ أنَّ النسيانَ غيرُ مأمونٍ على الإنسانِ، فيبادرُ إلى جحودِ ما رُوِيَ عنهُ وتكذيبِ الراوي لهُ، كرهَ منْ كرهَ من العلماءِ التحديثَ عنِ الأحياءِ» وقد بيَّنَ الشافعيُّ مرادَهُ بذلك كما رواهُ البيهقيُّ في " المدخلِ " (٤) بإسنادهِ إليهِ أنَّه قالَ: «لا تُحدّثْ عنْ حيٍّ؛ فإنَّ الحيَّ لا يؤمنُ عليهِ النسيانُ» قالهُ لابنِ عبدِ الحكمِ (٥)، وقد رَوَى عنهُ حكايةً فأَنكرَها ثمَّ ذَكرَها، وما قالهُ سَبَقهُ إليه الشعبيُّ ومعمرٌ فرَوَى الخطيبُ في " الكفايةِ " (٦) بإسنادهِ إلى الشعبيِّ، أنهُ قالَ لابنِ عونٍ:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٤.
(٣) الكفاية (٢٢٢ت، ١٣٩هـ).
(٤) المدخل: ١٦٦، وهو في الكفاية أيضًا (٢٢٢ت، ١٤٠هـ).
(٥) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، أبو عبد الله الفقيه المصري، ولد سنة (١٨٢) هـ، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني، توفي سنة (٢٦٨) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٩٧ - ٥٠١.
(٦) الكفاية (٢٢٢ت، ١٤٠هـ).
[ ٢ / ٩ ]
«لا تحدّثني عن الأحياءِ» وبإسنادهِ إلى معمرٍ (١) أنهُ قالَ لعبدِ الرزاقِ: إن قدرتَ ألا تحدّثَ عنْ رجلٍ حيٍّ فافعلْ» (٢). /٢٢٩أ / انتهى. وفيهِ تلخيصٌ (٣).
قولهُ: (يخرم من) (٤) لو قال:
لكنهُ مروءة الإنسانِ تخرمُ مع أنَّ الدكينيَّ أخذ
لزالَ الإيهامُ الذي سيأتي احترازهُ عنهُ في الشرحِ.
قولهُ: (أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دكينٍ) (٥) قال شيخُنا في " تهذيبهِ ": «وهوَ لقبٌ واسمهُ عمرُو بن حماد بنِ زهيرِ بنِ درهمٍ التيميُّ مولى آلِ طلحةَ الملائيُّ الكوفيُّ الأحولُ - وعدَّ خَلقًا منْ مشايخهِ كالأعمشِ، والثوريِّ، ثمَّ قالَ - رَوَى عنهُ البخاريُّ فأكثر - وذَكرَ خَلقًا منَ الرواةِ عنهُ كالإمام أحمدَ، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعبد اللهِ بنِ المباركِ، وعليِّ بنِ عبدِ العزيزِ البغويِّ - قال المروذيُّ عن الإمام أحمدَ: «يحيى، وعبدُ الرحمانِ، وأبو نعيمٍ الحجةُ الثبتُ، كانَ أبو نعيمٍ ثبتًا» وقالَ عبدُ الصمدِ بنُ سليمانَ البلخيُّ: «سمعتُ أحمدَ يقولُ: ما رأيتُ أحفظَ من وكيعٍ، وكفاكَ بعبدِ الرحمانِ إتقانًا، وما رأيتُ أشدَّ تثبتًا في الرجالِ منْ يحيى وأبي نعيمٍ (٦)، وأبو نعيمٍ أقلُ الأربعةِ خطأً، قلتُ: يا أبا عبد اللهِ يعطي فيأخذ، فقالَ: أبو نعيمٍ صدوقٌ موضعٌ للحجةِ في الحديثِ» وقالَ الحسينُ بنُ إدريسَ: «خرجَ علينا عثمان ابنُ أبي شيبةَ، فقالَ: حدّثنا الأسدُ، فقلنا: مَنْ هو؟ فقالَ: الفضلُ بنُ دكينٍ»، (٧) وقال
_________________
(١) الكفاية (٢٢٣ت، ١٤١هـ).
(٢) التقييد والإيضاح: ١٥٤ - ١٥٥.
(٣) وكذلك فيه تقديم وتأخير.
(٤) التبصرة والتذكرة (٣١٢).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٥.
(٦) «وأبي نعيم» لم ترد في تهذيب التهذيب.
(٧) تاريخ بغداد ١٢/ ٣٥٤.
[ ٢ / ١٠ ]
الآجُريُّ: «قلتُ لأبي داودَ: كانَ أبو نعيمٍ حافظًا، قالَ: جدًا» وقالَ حنبلُ ابنُ إسحاقَ: «سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: شيخانِ / ٢٢٩ب / كانَ الناسُ يتكلمونَ فيهما ويذكرونهما وكنا نلقى من الناسِ في أمرهما ما اللهُ بهِ عليمٌ قاما للهِ بأمرٍ لم يقمْ بهِ أحدٌ أو كبيرُ أحدٍ مثلَ ما قاما به عفانٌ وأبو نعيمٍ» يعني: في الكلامِ (١) فيهما؛ لأنَّهُما (٢) كانا يأخذانِ الأجرةَ على التحديثِ وبقيامِهما عدم الإجابةِ في المحنةِ.
قالَ عليُّ بنُ خَشرمٍ: «سمعتُ أبا نعيمٍ يقولُ: يلومونني على الأخذِ (٣)، وفي بيتي ثلاثةَ عشرَ وما في بيتي رغيفٌ» (٤)، ورَوَى الحاكمُ في "تاريخهِ" أنَّ أبا أحمدَ الفراءَ، قالَ: سمعتُهم يقولونَ بالكوفةِ: قالَ أميرُ المؤمنينَ، وإنما يعنونَ الفضلَ بنَ دكينٍ، وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: «أجمعَ أصحابُنا أنَّ أبا نعيمٍ كانَ في غايةِ الإتقانِ» (٥)، وقالَ أحمدُ بنُ منصورٍ الرماديُّ: «خرجتُ مع أحمدَ ويحيى بن معينٍ (٦) إلى عبدِ الرزاقِ أخدمُهما، فلما عُدنا إلى الكوفةِ قالَ يحيى لأحمدَ: أُريدُ أختبرُ أبا نعيمٍ، قالَ له أحمدُ: لا يريدُ الرجلُ ثقةً، فقالَ يحيى: لا بدَّ لي، فأخذَ ورقةً فكتبَ فيها ثلاثينَ حديثًا منْ حديثِ أبي نعيمٍ وجعلَ على رأسِ كلِّ عشرةٍ منها حديثًا ليسَ منْ حديثهِ، ثمَّ جاؤوا إلى أبي نعيمٍ، فخرجَ فجلسَ على دكانٍ (٧)، فأخرجَ
_________________
(١) في (ف): «بالكلام».
(٢) في (ف): «أنهما».
(٣) في التهذيب «الأجر» وكلاهما بمعنى.
(٤) تهذيب الكمال ٦/ ٣٥.
(٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٣.
(٦) «ابن معين» لم ترد في (ب) و(ف).
(٧) الدكان: الدكة المبنية للجلوس عليها، والنون مختلف فيها، فمنهم من يجعلها أصلًا، ومنهم من يجعلها زائدة. لسان العرب مادة (دكن).
[ ٢ / ١١ ]
يحيى الطبقةَ (١) فقرأَ عليهِ عشرةً، ثمَّ قرأَ الحادي عشرَ، فقالَ لهُ (٢) أبو نعيمٍ: ليسَ منْ حديثي اضربْ عليهِ، ثمَّ قرأَ العشرَ الثاني، وأبو نعيمٍ ساكتٌ فقرأ الحديثَ الثاني، فقالَ: ليسَ منْ حديثي اضربْ عليهِ؛ ثم قرأَ العشرَ الثالثَ وقرأ الحديثَ الثالثَ /٢٣٠أ / فانقلبتْ عيناهُ وأقبلَ على يحيى، فقالَ: أمّا هذا - وذراعُ أحمدَ في يدهِ - فأورعُ منْ أنْ يعملَ هذا، وأما هذا - يريدني - فأقلُّ مِنْ أنْ يعملَ هذا، ولكنَّ هذا منْ فعلِكَ يا فاعلُ، ثمَّ أخرجَ رجلَهُ فرفسَهُ فرمَى بهِ، وقامَ فدخلَ دارَهُ، فقالَ أحمدُ ليحيى: ألمْ أقلْ لكَ إنَّهُ ثبتٌ، قالَ: واللهِ لرفستُهُ أحبُّ إليّ منْ سفرتي» (٣)، وقالَ الخطيبُ في "تاريخهِ": «كانَ أبو نعيمٍ مزاحًا ذا دعابةٍ مع تدينهِ وثقتهِ وأمانتهِ» (٤)، وقال يعقوبُ بنُ سفيانَ: «ماتَ أبو نعيمٍ سنةَ ثمانِ عشرةَ ومئتينِ، وكانَ مولدُهُ سنةَ ثلاثينَ ومئةٍ» (٥)، وقالَ حنبلُ بنُ إسحاقَ وغيرُ واحدٍ: «ماتَ سنةَ تسعَ (٦) عشرةَ ومئتينِ» (٧)، قالَ بعضُهم: «في سلخِ شعبانَ» (٨) - ﵀ - (٩).
قولهُ: (وعليُّ بنُ عبد العزيز البغوي) (١٠) قال في "لسانِ الميزانِ" (١١):
_________________
(١) في (ف): «الطبق».
(٢) لم ترد في (ب) و(ف).
(٣) تاريخ بغداد ١٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٤) تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤٧.
(٥) المعرفة والتاريخ ١/ ٢٠٢.
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) تاريخ بغداد ١٢/ ٣٥٦.
(٨) تاريخ بغداد ١٢/ ٣٥٦.
(٩) تهذيب التهذيب ٨/ ٢٧٠ - ٢٧٦.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٥.
(١١) عبارة: «قال في لسان الميزان» لم ترد في (ب).
[ ٢ / ١٢ ]
«الحافظُ المجاورُ بمكةَ: ثقةٌ ولكنّهُ (١) كانَ يطلبُ على التحديثِ ويعتذرُ بأنهُ محتاجٌ، قالَ الدارقطنيُّ: ثقةٌ مأمونٌ، ثم حَكَى عنْ عبدِ الملكِ بنِ أيمنَ أنهُ سألَ: هل كنتُم تعيبونَ هذا؟ - يعني: أخذَهُ الأجرةَ --قال: لا، إنما العيبُ عندهمُ الكذبُ، وهذا كانَ ثقةً، قالَ: وكانَ أهلُ خراسانَ إذا تناومَ رشّوا في وجههِ الماءَ» (٢).
قولهُ: (بأخذ الأجرةِ على تعليم القرآنِ ونحوهِ) (٣)، أي: أنَّ آخذَ الأجرةِ على التحديثِ منْ هذا الوادي، فإنَّهُم لما ذَكروا أنّ منْ شروطِ الإجارةِ حصولَ المنفعةِ للمستأجرِ ذَكروا القربَ / ٢٣٠ب / وذَكروا أنَّ إمامَ الحرمينِ ضَبطَها بأنها قسمانِ:
أحدُهما: تتوقفُ صحتُهُ على النيةِ فتجوزُ الإجارةُ على ما يُستنابُ فيهِ كالحجِّ وتفرقةِ الزكاةِ دونَ غيرهِ.
والثاني: لا يتوقفُ، وهذا الثاني: نوعانِ: فرضُ كفايةٍ، وشعارٌ غيرُ فرضٍ. والأولُ منَ الثاني ضربانِ:
أحدُهما: يختصُ افتراضهُ بشخصٍ وموضع معينٍ، ثمَّ يُؤمرُ بهِ غيرُهُ إنْ عجزَ، كتجهيزِ الميتِ، فإنَّهُ يلزمُ منَ التركةِ، فإنْ لم يكنْ فعَلَى الناسِ، فمثلُ هذا لا (٤) يجوزُ الاستئجارُ عليهِ؛ لأنَّ الأجيرَ غيرُ مقصودٍ بفعلهِ حتى يقعَ عليهِ.
الضربُ الثاني: ما ثبتَ فرضُهُ في الأصلِ شائعًا غيرَ مختصٍّ كالجهادِ، فلا يجوزُ استئجارُ المسلمِ عليهِ؛ لأنَّهُ مأمورٌ بهِ فيقعُ عنهُ، ويجوزُ استئجارُ الذميِّ عليهِ؛ لأنَّهُ لا يقعُ عنهُ (٥).
_________________
(١) في " لسان الميزان ": «لكنه».
(٢) لسان الميزان ٤/ ٢٤١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٥.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) في (ف): «عليه».
[ ٢ / ١٣ ]
النوع الثاني من القسمِ الثاني: شعارٌ غيرُ فرضٍ كالأذانِ، تفريعًا على الأصحِّ أنَّه سُنةٌ، فيجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ؛ لأنَّهُ عملٌ معلومٌ يجوزُ أخذُ الرزقِ من بيتِ المالِ عليهِ، ومنفعةٌ تحصلُ للناسِ في طَلبِ وقتِ الصلاةِ، فيجوزُ أَخذُ الأجرةِ عليهِ ككَتَبةِ المصاحفِ.
وأمّا تعليمُ القرآنِ فمترددٌ بينَ الجهادِ - لأنَّهُ منْ فروضِ الكفاياتِ - وبينَ الأذانِ؛ لأنَّ فائدَتهُ تختصُّ بالآحادِ، وأيضًا فهوَ منْ بابِ تجهيزِ الميتِ؛ لأنَّ وجوبَ تعليمِ كلِّ أحدٍ يكونُ أولًا على وليّهِ / ٢٣١أ / مثلًا، فإذا فُقِدَ انتقلَ إلى الكافةِ، هذا كلُّهُ إذا لم يتعينْ واحدٌ لمباشرةِ مثلِ هذا العملِ.
قالَ الشيخُ محيي الدين في " الروضةِ ": «فإنْ تعيّنَ واحدٌ لتجهيزِ الميتِ، أو لتعليمِ الفاتحةِ، جازَ استئجارُهُ أيضًا على الأصحِّ، كالمضطرِّ (١) يجبُ إطعامُهُ ببدلهِ، وقيلَ: لا كفرضِ العينِ ابتداءً» (٢).
وقالَ في " الوسيطِ ": «أمّا الاستئجارُ على تعليمِ مسألةٍ معينةٍ في شخصٍ معينٍ فلا خلافَ في جوازهِ إلا إذا تعيّنَ، كامرأةٍ أَسلمَتْ ولَزمَها تعلّمُ الفاتحةِ فَنكحَها رجلٌ على التعليمِ، ولم يحضرْ سوى ذَلِكَ الرجلُ ففيهِ خلافٌ، والأصحُّ: الصحةُ، إذ ليسَ يتعيّنُ عليهِ التعبُ مجانًا بل يجبُ ببذلٍ، كما في بذلِ المالِ في ضرورةِ المخمصةِ، قالَ: وبالجملةِ فكلُّ عملٍ معلومٍ مباحٍ يلحقُ العاملَ فيهِ كلفةٌ ويتطوعُ بهِ الغيرُ عن الغيرِ يجوزُ الاستئجارُ عليهِ، ويجوزُ جعلهُ صداقًا» (٣).
وقالَ في " البسيطِ ": «أَسلَمتِ امرأةٌ وتعيّنَ عليها تعلّمُ الفاتحةِ ولا معلمَ بالحضرةِ إلاّ رجلٌ، فأَصدقَها تعليم الفاتحةِ فهوَ صحيحٌ، وحقّقَ بعضُ الأصحابِ (٤)،
_________________
(١) في (ب): «المضطرب»، وهو تحريف.
(٢) الروضة ٥/ ١٨٧.
(٣) الوسيط ٤/ ١٦٥، (ط دار السلام).
(٤) في (ب): «الصحابة».
[ ٢ / ١٤ ]
وقالَ: لا يصحُّ؛ لأنَّهُ وَجبَ عليهِ التعليمُ وتعيّنَ بحكمِ الحالِ وهذا فاسدٌ؛ فإنَّهُ يجبُ عليهِ التعليمُ بعوضٍ لا مجانًا، فهوَ كما لو وجدَ مالكُ الطعامِ مضطرًا في مخمصةٍ يجبُ عليهِ تسليمُ الطعامِ إليه، ولكنْ / ٢٣١ب / بعوضٍ، حتى لو باعَ صحَّ. وهذا النظرُ يجري في الإجارةِ كما يجري في الصداقِ». انتهى.
فعُلِمَ من هذا أنّ التحديثَ شبيهٌ بتعليمِ القرآنِ؛ لأنَّهُ منْ نشرِ العلمِ وهو فرضُ كفايةٍ، وتارةً يشاركهُ في ما يحدثُ بهِ غيرُهُ، كمنْ سمعَ معهُ فلا يتعيّنُ عليهِ، وتارةً لا يوجدُ ذلكَ إلا عندَهُ فيتعيّنُ، ويجوزُ أَخذُ الأجرِ عليهِ على كلِ حالٍ؛ لأنَّهُ داخلٌ في الضابطِ الماضي ونقلَ الحافظُ عمادُ الدينِ إسماعيلُ بنُ كثيرٍ الدمشقيُّ الشافعيُّ في تاريخِهِ في سنةِ سبعينَ وأربعمئةٍ أنَّ الشيخَ أبَا إسحاقَ الشيرازيَّ أفتى أبا الحسينِ أحمدَ بنَ محمدِ بنِ النَّقُور بجوازِ أخذِها؛ لاشتغالِهِ بالإسماعِ عنِ التكسبِ (١).
وقولهُ: (ونحوهُ) (٢)، أي: مثل التدريسِ والأذانِ وتجهيزِ الموتى. هذا بيانُ إلحاقِ التحديثِ بما يجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ، وأمّا بيانُ كونهِ مفارقًا لهُ منْ جهةِ أنَّهُ يخرمُ المروءةَ دونَ ما أُلحقَ بهِ، فلأنَّ ما أُلحقَ بهِ جَرتِ العادةُ فيهِ (٣) بأخذ العوضِ عليهِ وشاعَ، بحيثُ أنَّهُ صارَ لا يعدُ خارمًا للمروءةِ.
_________________
(١) من قوله: «ونقل الحافظ عماد الدين » إلى هنا من (ف) فقط، ونص الترجمة من كتاب البداية والنهاية لابن كثير ١٦/ ٦٧ طبعة التركي: «أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، أبو الحسين بن النَّقور البزاز، أحد المسندِين المعمرين، تفرَّد بنسخ كثيرة عن ابن حبابة، عن البغوي، عن أشياخِه؛ كنسخة هدبة، وكامل بن طلحة، وعمر بن زُرارة، وأبي السكن البلدي، وكان مكثرًا متحرِّيًا، وكان يأخُذُ على إسماع حديث طالوت بن عبَّاد دينارًا، وقد أفتاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجواز أخذ الأجرة على إسماع الحديث؛ لاشتغاله به عن الكسب. توفي عن تسع وثمانين سنة، رحمه الله تعالى»، وانظر في ترجمة ابن النقور: تاريخ بغداد ٤/ ٣٨١، والمنتظم ١٦/ ١٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٧٢، والوافي بالوفيات ٨/ ٣٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٥.
(٣) لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٥ ]
وأمّا التحديثُ: فالشائعُ بينَ أهلهِ علوُّ الهِمَمِ، وطهارةُ الشِّيَمِ، وتنْزيهُ العرضِ، عنْ مدِّ العينِ إلى شيءٍ منْ أعراضِ الدنيا، فمنْ خرجَ عنهم بمثلِ ذلكَ بغيرِ عذرٍ دَلَّ حالهُ على دناءةٍ، وذلك هوَ خرمُ المروءةِ، فإنَّ المروءةَ ملكةٌ تحمل على مُلازمةِ الشخصِ لما عليهِ أمثالهُ من المحاسنِ، وخَرمُها بالخروجِ عنْ ذلكَ، كأنْ يخرجَ عنْ حسنِ العِشرةِ للأهلِ والجيرانِ والمعاملينَ، ويضايق في اليسيرِ الذي لا يستقصَى فيهِ، وأن يبتذلَ الرجلُ المعتبرُ نفسَهُ بنقلِ الماءِ والأطعمةِ إلى بيتهِ إذا كانَ ذلكَ عنْ شحٍّ، فإنْ / ٢٣٢أ / فَعَلَهُ استكانةً (١) واقتداءً بالسلفِ التاركينَ للتكلفِ لم يَقدحْ في المروءةِ، وكذا لو كانَ يلبسُ ما يجدُ ويأكلُ، وهذا يُعرفُ بحالِ الشخصِ في الأعمال والأخلاقِ، وظهورُ مخايل الصدقِ فيما يُبديهِ، ذَكرَهُ في " الروضةِ " (٢).
قولهُ: (كالنومِ) (٣)، أي: كالمتحملِ حالَ النومِ الحاصلِ منهُ أو منْ شيخهِ.
قولهُ: (كَلا منْ أصل) (٤)، أي: وَرُدَّ ذو تَساهلٍ في الأداءِ، كالمؤدي أداءً لا يكونُ منْ أصلٍ صحيحٍ.
قولهُ: (أو قبلَ) (٥) عطفٌ على شَرطٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليهِ الكلامُ السابقُ، تقديرهُ: وَرُدَّ (٦) ذو تَساهلٍ في كذا وكذا إنْ فعلهُ، وَرُدَّ المتساهل بالتلقينِ إنْ قبلهُ.
والتلقينُ في اللغةِ: التفهيمُ.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: خشوع».
(٢) روضة الطالبين ١/ ٢٣٣.
(٣) التبصرة والتذكرة (٣١٥).
(٤) التبصرة والتذكرة (٣١٥).
(٥) التبصرة والتذكرة (٣١٦).
(٦) في (ف): «رد».
[ ٢ / ١٦ ]
وفي العرفِ: إلقاءُ كلامٍ إلى الغيرِ (١) ابتداءً، كما تراهُ في ترجمةِ ابنِ دينارٍ، أو يكونُ ذلكَ عندَ غيابِ شيءٍ مما يحدثُ بهِ عنهُ فيتوقفُ، يدّعي منْ يلقنهُ أنَّ ذلك الذي لقنهُ له هو الذي غابَ عنهُ، فقبولُ كل ما يلقى منْ ذلكَ قادحٌ (٢) في الراوي.
قولهُ: (كثرةً) (٣) يجوزُ أن يكونَ حالًا، أي: ذاتَ كثرةٍ، وأنْ يكونَ تمييزًا، أي: منْ جهةِ كثرةِ وقوعها منهُ.
قولهُ: (فهو ردٌّ) (٤) جزاء لذلكَ الشرطِ المقدرِ، أي: إنْ فعل شيئًا من ذلك (٥) فهوَ مردودٌ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ولا يُقبلُ منْ عُرِفَ (٦) بكثرةِ السهوِ في رواياتهِ إذا لم يُحدّثْ مِن أصلٍ صحيحٍ (٧)، وكل هذا يخرمُ الثقةَ بالراوي وبضبطهِ» (٨) يشير إلى ما في هذه المسألة وما قبلها.
قولهُ: (بُيِّن / ٢٣٢أ / لهُ) (٩) هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمجهولِ، سُكّنتْ نونُهُ وأُدغمتْ في اللامِ للمجانسةِ في المخرجِ، والمقاربةِ فيهِ وفي الصفات، كما فعلَ أبو عمُرو بنُ العلاءِ في كلِّ نونٍ متطرفةٍ تحرّكَ ما قبلَها ولقيها لامٌ (١٠)، نحو: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ (١١) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ (١٢).
_________________
(١) توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٧.
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) التبصرة والتذكرة (٣١٦).
(٤) التبصرة والتذكرة (٣١٧).
(٥) عبارة: «من ذلك» من (ف) فقط.
(٦) الذي في معرفة أنواع علم الحديث: «ولا تقبل رواية من عرف».
(٧) انظر بلا بد تعليقنا على " معرفة أنواع علم الحديث ": ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٩.
(٩) التبصرة والتذكرة (٣١٨).
(١٠) النشر في القراءات العشر ١/ ٢٩٤.
(١١) البقرة: ٥٥.
(١٢) البقرة: ١٠٩.
[ ٢ / ١٧ ]
قولهُ: (جُمَعْ) (١) بوزنِ صُرَدَ، وهو تأكيدُ جمعِ المؤنثِ، وحَسُنَ إيرادُهُ هنا؛ لأَنَّ الحديثَ المرادَ بهِ الجنسُ، فهو بمعنى أحاديثهِ.
قولهُ: (كانَ عنادًا) (٢)، أي: كانَ ذلكَ منه، أي: عدم رجوعهِ، وهوَ يرجعُ إلى تقييدِ بعضِ المتأخرينَ لهُ بأنْ يكونَ ذلك الذي بَيَّنَ لهُ غلطَهُ عالمًا يَعتقِدُ المُبيَّنُ لهُ علمُهُ، أما إذا كانَ ليسَ بهذه المثابةِ عندَهُ فلا حرجَ إذن، نقلهُ المؤلف في " نكتهِ " (٣) وهو ظاهرٌ.
قولهُ: (كموسى بنِ دينار) (٤) قال في " لسانِ الميزانِ ": «مكيٌّ، عنْ سعيدِ بنِ جُبيرٍ وجَماعةٍ، قالَ البخاريُّ: «ضعيفٌ» كانَ حفصُ بنُ غياثٍ يكذبهُ (٥)، وأسند العقيليُّ عن عمرو بنِ عليٍّ، عنْ يحيى القطانِ، قالَ: «كتبنا عنْ شيخٍ منْ أهلِ مكةَ أنا وحفصُ بنُ غياثٍ، وأبو شيخٍ (٦) يكتبُ عنهُ، فجعلَ حفصٌ يضعُ لهُ الحديثَ، فيقول: حدَّثتْكَ عائشةُ بنتُ طلحةَ، عن عائشةَ بكذا وكذا، فيقول: حدّثتْني عائشةُ به، وحدّثكَ القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، ويقولُ: حدَّثكَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ / ٢٣٣أ / عباسٍ، بمثلهِ. فلما فَرغَ مدَّ حفصٌ بيدهِ إلى ألواحِ أبي شيخٍ فمحا ما فيها، فقال: تحسدوني بهِ، فقالَ حفصٌ: لا، ولكنَّ هذا يكذبُ، قيلَ ليحيى: مَنِ الرجلُ؟ فلم يسمّهِ، فقلتُ:
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣١٨).
(٢) التبصرة والتذكرة (٣٢٠).
(٣) التقييد والإيضاح: ١٥٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٦.
(٥) الجرح والتعديل ٨/ ١٦٣.
(٦) جارية بن هرم، أبو شيخ الفُقَيمي، بصري، قال عنه النسائي: ليس بالقوي، وقال عنه الدارقطني: متروك. ميزان الاعتدال ١/ ٣٨٥.
[ ٢ / ١٨ ]
يا أبا سعيدٍ، لعلَّ عندي عنْ هذا الشيخِ شيئًا ولا أعرفهُ، فقالَ: هو موسى بنُ دينارٍ» (١).
وأخرجَ الحكايةَ بطولها الخطيبُ في "المؤتلفِ" من طريقِ الحاكمِ بسندٍ آخرَ، عن عمرٍو بنِ عليٍّ (٢).
قولهُ: (أصل كتابٍ صحيحٍ) (٣) هوَ بالإضافةِ، وهو من بابِ إضافةِ العامِ إلى الخاصِ؛ لأنَّ الأصلَ أعمُّ من أنْ يكونَ كتابًا أو غيرَهُ فهو مثلُ يومِ الأحدِ، ويجوزُ أنْ يكونَ «أصلٌ» منونًا، و«كتابٌ صحيحٌ» بيانًا لهُ، واللهُ أعلم.
قولهُ: (بعلمٍ صحيحٍ) (٤) مُرادُ الشيخِ بسوقِ (٥) ذلك عن ابن حبانَ، وغيرهِ، أنَّ الذي بحثَهُ ابنُ الصلاحِ صادفَ المنقولَ عنْ أهلِ الفنِّ، قالَ في " النكتِ "
: «وقيّدَ أيضًا بعضُ المتأخرينَ ذلكَ بأنْ يكونَ الذي بَيَّنَ لهُ غلطهُ عالمًا عندَ المبيَّنِ لهُ. أمّا إذا كانَ ليس بهذهِ المثابةِ عندهُ فلا حرجَ إذن» (٦). انتهى كلامُ " النكتِ ".
وهذا لا يحتاجُ إليه بعدَ التقييدِ بأنْ يعلمَ الغلطَ. وقولُ ابنِ حبانَ: «إنَّهُ كذابٌ» وجههُ: أنَّ الكذبَ هو الإخبارُ بما لا يطابقُ الواقعَ، وهذا إذا عَلِمَ الخطأَ ثم ذَكرَهُ بعدَ ذلكِ فقد تعمّدَ حكايةَ ما لا يطابقُ الواقعَ (٧)، وهذا هوَ الكذِبُ بعينهِ.
قولهُ: (هذه الشروطُ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «عن / ٢٣٣ ب / اعتبارِ مجموعِ ما بيّنا منَ الشروطِ في رواةِ الحديثِ ومشايخهِ فلمْ يتقيدوا بها في رواياتِهم لتعذّرِ
_________________
(١) الضعفاء ٤/ ١٥٦ - ١٥٧، وانظر: ميزان الاعتدال ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢) لسان الميزان ٦/ ١١٦ - ١١٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٧.
(٥) في (ف): «يسوق».
(٦) التقييد والإيضاح: ١٥٧.
(٧) من قوله: «وهذا إذا علم الخطأ ..» إلى هنا لم يرد في (ف).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨.
[ ٢ / ١٩ ]
الوفاءِ بذلكَ على نحو ما تقدّمَ، وكانَ عليهِ منْ تقدّمَ ووجهُ ذلكَ ما قدّمناهُ في أولِ كتابِنا هذا منْ كونِ المقصودِ آلَ آخرًا إلى المحافظةِ على خصيصةِ هذه الأمةِ في الأسانيدِ والمحاذرةِ من انقطاعِ سلسلتِها، فليعتبر منَ الشروطِ المذكورةِ ما يليقُ بهذا الغرضِ على تجرّدهِ، وليكتفِ في أهليةِ الشيخِ» (١) إلى آخرهِ.
قولهُ: (على ما تقدمَ) (٢)، أي: في ضبطِ العدالةِ في أولِ هذا النوعِ.
قولهُ: (التي جمعها أئمة الحديثِ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وَوَجَّهَ ذلكَ - يعني: البيهقي - بأنَّ الأحاديثَ التي قدْ صَحَّتْ أو وقفتْ بينَ الصحةِ والسقمِ قدْ دُوِّنتْ في الجوامعِ التي جَمعَها أئمةُ الحديثِ، ولا يجوزُ أنْ يذهبَ شيءٌ منها على جَميعِهم، وإن جازَ أنْ يذهبَ على بعضِهم لضمانِ صاحبِ الشريعةِ حِفظَها» (٤).
قولهُ: (إلاّ على وجهِ المتابعةِ) (٥) أرادَ بهذا أنَّ الشيخينِ يروونَ عنْ جماعةٍ ليسوا منْ شَرطهما في الاحتجاجِ، تارةً مقرونينَ بغيرهم منَ الثقاتِ، وتكونُ العمدةُ على منْ قرنوا بهِ، وتارةً يذكرُ مسلمٌ حديثًا هو مُرادهُ بالذاتِ ثم يذكرُ لهُ طرقًا أخرى يكونُ فيها مَنْ ليسَ منْ شرطهِ في الاحتجاجِ، ولكنهما لا يريانِ كلَّ أحدٍ صالحًا للمتابعةِ / ٢٣٤أ / كما ذكرَ ذلك في الكلامِ على شرطِهما فيما مضى، وهؤلاءِ الذينَ اختلَّ فيهم شيءٌ منْ شروطِ الثقةِ كأولئكَ لو خُلُّوا وأنفسَهم لما جازَ ذِكرُهم إلاّ على وجهِ المتابعةِ، وشهادةُ المفيدِ الثقةِ لهم رَقَّى رواياتِهمْ إلى درجةِ الاحتجاجِ، واللهُ أعلم.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨.
[ ٢ / ٢٠ ]
قولهُ: (من صونِ الراوي وسترهِ) (١)، أي: لا بدَّ منْ أنْ يكونَ صائنًا لعرضهِ، ساترًا لنفسهِ عنِ الأدناسِ وما يعيبهُ عليهِ الأكياسُ (٢) من الناسِ (٣).
قولهُ: (مراتب التعديلِ) (٤) كانَ ينبغي أنْ يقولَ: ألفاظُ التعديلِ، فإنَّ المراتبَ هي الطبقاتِ، فينحلُ إلى أنَّ المراتبَ لها مراتبُ، والطبقاتِ لها (٥) طبقاتٌ ثمَّ ظهرَ أنَّ الكلامَ صحيحٌ بتقديرِ مراتبِ ألفاظِ التعديلِ، واللهُ أعلم (٦).
قولهُ: (فأرفعُ التعديلِ ما كَرَّرتهُ) (٧) جعلَ شيخنا حافظُ العصرِ ابنُ حجر -وهو الحقُّ - أعلى المراتبِ صيغةَ أفعل؛ لما تدلُ عليهِ منَ الزيادةِ، كأن يُقال: فلانٌ أوثقُ الناسِ أو أثبتُ الناسِ.
قولهُ: (إلى الصدقِ ما هو) (٨) معناهُ عندَ أهلِ الفنِّ أنَّهُ غيرُ مدفوعٍ عنِ الصدقِ. وتحقيق معناها في اللغةِ: أنَّ حرفَ الجرِّ يتعلّقُ بما يصلحُ لتعلقهِ، وهو هنا قريب، فالمعنى: فلانٌ قريبٌ (٩) إلى الصدقِ، وتحتمل (١٠) «ما» أنْ تكونَ نافيةً وحينئذٍ يجوزُ أنْ يكونَ المعنى ما هو قريبٌ منه، فيكونَ نفيًا لما أثبتتهُ الجملةُ الأولى، فيفيد مجموعُ العبارةِ في (١١) التَّردُّد في أمرهِ، ويجوزُ أن يكونَ ما هو بعيدًا فيكونُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨.
(٢) الأكياس: جمع كيِّس، وهو العاقل. انظر: لسان العرب مادة (كيس).
(٣) توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٩.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) من قوله: «ثم ظهر» إلى هنا من (أ) فقط.
(٧) التبصرة والتذكرة (٣٢٨).
(٨) التبصرة والتذكرة (٣٣١) و(٣٣٢).
(٩) عبارة: «فالمعنى: فلان قريب» لم ترد في (ف).
(١٠) في (ف): «ويحتمل».
(١١) لم ترد في (ف).
[ ٢ / ٢١ ]
تأكيدًا للجملةِ / ٢٣٤ب / الأولى بنفي ضدِّها على نحوِ ما قيلَ في: إنَّما زيدٌ قائمٌ، ويحتملُ أنْ تكونَ «ما» استفهاميةً ويرجعُ المعنى إلى الشكِّ أيضًا، فكأنهُ قيل: هو قريبٌ إلى الصدقِ، ثمَّ سألَ عنْ مقدارِ القربِ فقالَ: ما هو؟ أقليلٌ أم كثيرٌ، وهو نحو قوله - ﷺ - في الدّجالِ في آخرِ خبرِ الجسّاسةِ: «ألا إنَّهُ في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بلْ منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ. منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، وأومأ بيدهِ إلى المشرقِ» أخرجهُ مسلمٌ (١) في أواخرِ "الصحيحِ" وغيرُهُ (٢).
قال الشيخُ محيي الدينِ في " شرحهِ ": «قالَ القاضي: لفظةُ «ما» هنا زائدةٌ صلةٌ للكلامِ، ليستْ بنافيةٍ، والمرادُ إثباتُ أنَّهُ في جهةِ المشرقِ» (٣). انتهى.
وهذا المعنى يرجعُ إلى التجويزِ الثاني منَ الاحتمالِ الأولِ الذي ظهرَ لي، ويوضحُ تجويزَ الاحتمالينِ الأخيرينِ أنَّ في روايةِ أبي يعلى: «ثمَّ قالَ: في بحرِ فارسٍ ما هو في بحرِ الرومِ، ما هو، ثلاثًا، ثم ضَرَبَ بكفهِ اليُمنى على اليُسرى ثلاثًا» (٤).
قولهُ: (انْ (٥) شاءَ اللهُ) و(بأس عراه) (٦) بزيادةِ ساكنِ ثامن يُسمى تذييلًا وإذالةً، لكن لم يُجيزوه في هذا البحرِ، ولا أجازوه في المشطورِ (٧)، وإنَّما خصّوهُ بمجْزوءِ البسيطِ والكاملِ فيحملُ عملُ الشيخِ هنا على ذلكَ ضرورةً؛ لأنّهم ارتكبوا في ضروراتِ الشعرِ أشياء كثيرةً لا تُسوَّغُ في النثرِ، وإنْ / ٢٣٥ أ / كانَ الشاعرُ مطلقَ
_________________
(١) صحيح مسلم ٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤ (٢٩٤٢).
(٢) منهم: الحميدي (٣٦٤)، وأحمد ٦/ ٣٧٣ و٣٧٤ و٤١٣، وأبو داود (٤٣٢٦) و(٤٣٢٧)، وابن ماجه (٤٠٧٤) وغيرهم.
(٣) شرح صحيح مسلم عقب الحديث (٢٩٤٢).
(٤) مسند أبي يعلى (٢١٦٤) من حديث جابر - ﵁ -.
(٥) بدرج همزة «إنْ»؛ لضرورة الوزن.
(٦) التبصرة والتذكرة (٣٣٤).
(٧) المشطور: هو ما سقط منه شطره. الكافي في العروض والقوافي: ١٤٥.
[ ٢ / ٢٢ ]
العَنانِ غيرَ مُقيدٍ بشيءٍ، فكيفَ إذا كانَ مقيدًا بنوعٍ، وبألفاظٍ في ذلكَ النوعِ (١) لا يقدرُ على الخروجِ عنها.
هذا وفي قولهِ: «إن شاء الله» علةٌ أخرى وهي القطعُ: وهو حَذفُ ساكِنِ الوتدِ منْ مستفعلن، وتسكينُ ما قبلهُ، ولا يُجعلُ هذا البيتُ الأولُ من الإذالةِ، بل من الوقفِ، ويُنقلُ إلى بحرِ السريعِ؛ لِتقارُبِ البحرينِ كما يأتي قريبًا. والوقفُ إسكانُ السابعِ المحرّكِ.
قولهُ: (فهذهِ المرتبةُ أعلى العباراتِ) (٢) هو على حَذفِ مُضافٍ، أي: فألفاظُ هذهِ المرتبةِ، قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «لأنَّ التأكيدَ الحاصلَ بالتكرار لابدَّ أنْ يكونَ لهُ مزيةٌ على الكلامِ الخالي عن التأكيدِ، والله أعلم» (٣).
قولهُ: (لا مطلقَ تكرارِ التوثيقِ) (٤)، أي: صدوقٌ صالحٌ مثلًا، كما يأتي عن عبدِ الرحمانِ بن مهديّ الإمامِ القدوةِ في هذا الشأنِ، وكلامُهُ يدلُّ على أنَّ الأوصافَ من رُتبةٍ وإنْ تكررتْ لا تَرقى إلى الرُّتبةِ التي قبلَها، فإنّهُ ذَكرَ لأبي خَلْدةَ (٥) كما يأتي في " الشرحِ" في الأبياتِ التي بعد هذه عدةَ أوصافٍ منَ المرتبةِ الثالثةِ، ولم يُبلّغْهُ معها إلى الرتبةِ الثانيةِ.
قولهُ: (وكذا إذا قيلَ: ثَبتٌ) (٦) قال في " النكتِ ": «وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ قولَهُ «ثبْتٌ» ذكرها ابنُ أبي حاتِمٍ فلا زيادةَ عليه إذنْ. انتهى.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «هو علم الحديث».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٠.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٥٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
(٥) هو خالد بن دينار التميمي السعدي، أبو خلدة البصري الخياط، تابعي صغير، ثقة، توفي سنة ١٥٢ هـ. انظر: الكاشف ١/ ٣٦٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
[ ٢ / ٢٣ ]
وليسَ في بَعضِ النُّسَخِ الصحيحةِ / ٢٣٥ ب / من كتابهِ (١) إلا ما نقلهُ المصنفُ عنه كما تقدّمَ، ليسَ فيه ذكرُ ثبتٍ، وفي بعضِ النسخِ: إذا قيلَ للواحدِ: إنَّهُ ثقةٌ أو متقنٌ ثبتٌ، فهو ممن يُحتجُّ بحديثهِ، قالَ: هكذا في نسختي منه، أو مُتقِنٌ ثبتٌ، لم يقلْ فيه أو ثبتٌ، فالله أعلم» (٢). انتهى كلامُ " النكتِ ".
ولو قيلَ: إنَّ المرادَ الجمعُ بينهما لكان له وَجهٌ؛ لأنَّ المُتقِنَ هوَ الضابطُ الجيّدُ الضبطِ، فلا بدّ حينئذٍ مما يَدلُّ على العدالةِ، فإذا قالَ: ثبتٌ أفادَ ذَلِكَ وزيادةً؛ فإنَّ معناهُ يرجعُ إلى ما تطمئِنُّ به النفسُ وتقنعُ به فيَثْبُتُ عندها، أي: لا تطلبُ عليهِ مَزيدًا، وذلك لا يكونُ إلاَّ بمنْ جَمعَ إلى الضبطِ العدالةَ، قال في " القاموس": «وأثبتَهُ عرَفَهُ حقَّ المعرفةِ، والأثباتُ الثقاتُ» (٣). وقالَ في " النهايةِ ": «الثَّبَتُ بالتحريكِ: الحجةُ والبينةُ» (٤) فحينئذٍ يكونُ كالألفاظِ التي قبلَها.
قولهُ في المرتبة الثالثة (٥): (المرتبة الثانية) (٦).
قولهُ: (هذه) (٧) مفعولُ «جعلَ» الأولُ، ويجوزُ أنْ تكونَ «المرتبةُ» المفعولَ الثاني، «والثانية صفةٌ» (٨)، ويجوزُ أنْ تكونَ «المرتبةُ» صفةَ «هذه»،
و«الثانية» المفعول الثاني.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن أبي حاتم».
(٢) التقييد والإيضاح: ١٥٨.
(٣) القاموس المحيط مادة (ثبت).
(٤) النهاية ١/ ٢٠٦.
(٥) لم ترد في (ب) و(ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
(٨) في (ب): «للصفة».
[ ٢ / ٢٤ ]
قولهُ: (وينظرُ فيه) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: «هذا كما قالَ؛ لأنَّ هذه العباراتِ لا تُشعرُ بشريطةِ الضبطِ، فيُنظرُ حديثُهُ ويُختبرُ حتى يُعرَفَ ضبطُهُ، وقد تقدّمَ بيانُ طريقهِ في أولِ هذا النوعِ - أي: مَن تُقبلُ روايتُهُ ومَنْ تُردُّ، وهو المذكورُ في قول الشيخِ: «ومن يوافِقْ غالبًا ذا الضبطِ» (٢) - وإن لمْ يستوفِ النظرَ المعرِّفَ لكونِ ذَلِكَ المُحدّثِ / ٢٣٦ أ / في نفسهِ ضابطًا مطلقًا، واحتجنا إلى حديثٍ منْ حديثِهِ، اعتبرنا ذَلِكَ الحديثَ ونظرنا: هل لهُ أصلٌ من روايةِ غيرهِ؟ كما تقدّم بيانُ طريقِ الاعتبارِ في النّوعِ الخامسِ عَشر» (٣).
قولهُ: (وأخّرتُ هذه اللفظة) (٤)، أي: لأنَّ الدرجةَ الثالثةَ من ألفاظِها: صدوقٌ، وهو وصفٌ بالصدقِ على طريق المبالغةِ، وأمّا هذه اللفظةُ، فدالةٌ على أنَّ صاحبَها محلُّهُ، ومرتبتُهُ مُطلقُ الصدقِ (٥)، ولا يُقالُ فحينئذٍ يكونُ لا بأسَ بهِ أعلى مِن ليسَ به بأسٌ؛ لأنّها أعرقُ (٦) منها في النفي؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ بأسَ في الأخرى نكرَةٌ في سياقِ النفي فَتَعُمُّ، وليس بينهما كبيرُ فَرقٍ في العبارةِ بخلافِ: محلهُ الصدقُ؛ فإنَّه يُفهمُ أنَّ المتكلمَ ما عدلَ عن صدوقٍ، وهي أخصرُ إليها إلاّ لنُكتةٍ وهي ما تقدّمَ.
قولهُ: (أو مُقارب الحديثِ - بفتح الراء وكسرها-) (٧) قال الشيخُ في " النكت ": «ضُبِطَ في الأصول الصحيحةِ المسموعةِ على المصنّفِ (٨) بكسر الراء،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٦٧).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧١.
(٥) تدريب الراوي ١/ ٣٤٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥.
(٦) جاء في حاشية (أ): «بالقاف».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٢.
(٨) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
[ ٢ / ٢٥ ]
وكذا ضَبَطهُ الشيخُ محيي الدين النوويُّ في " مختصريه " (١)، وقد اعترضَ بعضُ المتأخرينَ بأنَّ ابنَ (٢) السيد حَكَى فيه الوجهينِ: الكسرَ والفتحَ، وأنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانِ؛ لأنَّ كسرَ الراءِ من ألفاظِ التعديلِ، وفَتْحَها من ألفاظِ التجريحِ. انتهى.
وهذا الاعتراضُ والدعوى ليسا صحيحينِ، بل الوجهانِ: فتحُ الراءِ وكسرُها معروفانِ، وقد حكاهُما ابنُ العربيِّ في كتابهِ " الأحوذيِّ " (٣) وهما على كُلِّ حَالٍ / ٢٣٦ ب / من ألفاظِ التوثيقِ، وقد ضُبِطَ أيضًا في النُّسخِ الصحيحةِ عنِ البخاريِّ بالوجهينِ، وممّنْ ذكرهُ في ألفاظِ التوثيقِ الحافظُ أبو عبد الله الذهبيُّ في مقدمةِ "الميزانِ" (٤) وكأنَّ المعترِضَ فَهِمَ من فَتحِ الراءِ أنّ الشيءَ المقارَبَ هوَ الرَّديءُ، وهذا فهمٌ عجيبٌ، فإنَّ هذا ليسَ مَعروفًا في اللغةِ، وإنَّما هوَ في ألفاظِ العوامِّ، وإنَّما هوَ على الوجهينِ من قولهِ: «سدّدوا وقارِبوا» (٥) فمَن كَسَرَ، قالَ: إنَّ معناهُ أنَّ حديثَهُ مُقارِبٌ لحديثِ غيرهِ، ومَنْ فَتَحَ قالَ: إنَّ معناه أنَّ حديثَهُ يُقارِبهُ حديثُ غيرِهِ. ومادّة فاعَلَ تقتضي المشاركةَ إلا في مواضعَ قليلةٍ، والله أعلم.
_________________
(١) جاء في المطبوع من كتاب "التقييد والإيضاح": ١٦٢: «مُختَصَرِهِ». والمختصران هما: إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير.
(٢) لم ترد في (ب).
(٣) عارضة الأحوذي ١/ ١٧.
(٤) ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٥) هو جزء من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لن ينجي أحدًا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ. سددوا وقاربوا، وأغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجةِ، والقصد القصد تبلغوا». أخرجه: أحمد ٢/ ٥١٤ و٥٣٧، والبخاري ٨/ ١٢٢ (٦٤٦٣) وفي "الأدب المفرد"، له
(٦) ، وغيرهما.
[ ٢ / ٢٦ ]
واعلمْ: أنَّ ابنَ سيده حَكَى في الرجلِ المقارِبِ الكسرَ فقط، فقالَ:
«ورجلٌ مُقارِبٌ ومتاعٌ مقارِبٌ، ليس بنفيسٍ، وقالَ بعضُهم: دينٌ مقارِبٌ بالكسرِ، ومتاعٌ مقارَبٌ بالفتح» (١) هذه عبارتُهُ في " المحُكمِ " فلم يحكِ الفتحَ إلا في المتاعِ فقط.
وأمّا الجوهريُّ فجعلَ الكلَّ بالكسر، فقالَ: «فلا تقُلْ مقارَبٌ» (٢) بالفتح» (٣). انتهى.
وقالَ في " القاموس ": «وشيءٌ مقارِبٌ - بالكسرِ - بينَ الجيِّدِ والرديءِ، أو دَينٌ مقارِبٌ - بالكسرِ -، ومتاعٌ مقارَبٌ - بالفتح -» (٤). واعتراضُ الشيخِ على المعترضِ في نقلهِ وقوله حسنٌ، وأمّا فيما كأنهُ فهمَهُ فلا.
والتحقيقُ أنَّ ما نزلَ عن أعلى المراتِبِ يصحُّ في اللغةِ أنْ يُقالَ: إنَّه / ٢٣٧أ / تجريحٌ باعتبارِ أنَّه نَزلَ بصاحبِهِ عنِ الرتبةِ العُليا، وتوثيقٌ نظرًا إلى أنَّه لم يُنْزِلْ صاحبَهُ إلى درجةِ مَن يُرَدُّ حديثُهُ، والمقارِبُ يستوي معناهُ عند العلماءِ والعوامِّ في أنَّهُ ما بينَ الجيِّدِ والرديءِ، وإنْ أطَلقَ أحدٌ عليه الرداءةَ فمرادُهُ بالنسبة إلى الجيّدِ، وكلما قَرُبَ اللفظُ من أولِ مراتِبِ الردِّ كانَ إطلاقُ التجريحِ عليه أسوغَ.
واعتراضُ الشيخِ على القائلِ لتنْزيلِهِ ذلك على استعمالِ أهلِ الفنِّ حقيقةً، ولو ادّعى التجوّزَ لم يُشاحِحهُ، والله أعلم.
ثم إنَّ هذه اللفظةَ منَ الألفاظِ التي قالَ ابنُ الصلاحِ (٥) إنَّ ابنَ أبي حاتمٍ وغيرَهُ لم يشرحوها، ومرادُهُ كما ذكرَ في "النكتِ" (٦) أنَّهم لم يُبيِّنوا منْ أيِّ رُتبةٍ هي، وأمّا
_________________
(١) المحكم مادة (قرب).
(٢) الصحاح مادة (قرب).
(٣) التقييد والإيضاح: ١٦٢.
(٤) القاموس المحيط مادة (قرب).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٦.
(٦) التقييد والإيضاح: ١٦١.
[ ٢ / ٢٧ ]
تمييزُ ألفاظِ التّوثيقِ منْ ألفاظِ التجريحِ فأمرٌ لا يخفَى على أحدٍ منْ أهلِ الحديثِ، ثم إنَّ الشيخَ رأى أنّ ما أُضيفَ إلى هذه اللفظةِ منْ ألفاظِ التوثيقِ مِنَ الرتبةِ الرابعةِ، ويأتي الكلامُ على ألفاظِ التجريحِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ومعنى قولِ المعترضِ: إنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانِ، أنَّ اختلافَ الحركاتِ هنا ملزومٌ لاختلافِ المعنى؛ لأنَّهُ لا شكَّ في التفرقةِ بين الفاعلِ والمفعولِ فيكونُ كلٌّ منهما من بابٍ بخِلافِ ما يَلزمُ على ضَبطِهِ بالكسرِ فقط من (١) توحيدِ (٢) المعنى / ٢٣٧ أ / الملزومِ لأنْ يكونَ منْ بابٍ واحدٍ. هذا تقديرُ اعتراضِهِ.
ورَدَّ عليه الشيخُ بأنَّ الوجهينِ معروفانِ عند أهلِ الفنِّ وإنْ ضَبَطَهُ المصنفُ بوجهٍ واحدٍ خِلافًا لما أفهَمَهُ كلامُ المُعترِضِ مِن أنَّ أهلَ الحديثِ اقتصروا على وجهٍ واحدٍ، ومعَ الضبطِ بالوجهينِ جعلوا المعنى واحدًا وجعلوا اللفظةَ بتقديرِها منْ ألفاظِ التوثيقِ فقط، فتوحيدُهمُ البابَ على تقديرِ الضبطينِ (٣) فرعُ توحيدِهمُ المعنى؛ وذلك لأنَّ المقاربَةَ أمرٌ نِسبيٌّ فمن قَارَبَكَ فقد قاربتَهُ، فكلُّ مَنْ كانَ مقارِبًا - بالكسرِ (٤) - كان مقارَبًا - بالفتحِ - فلا فرقَ في المآل، والله أعلم.
قولهُ: (واقتَصَرَ في الرابعةِ على قولِهم: صالحُ الحديثِ) (٥) سيأتي عن ابنِ مهديٍّ في آخرِ شَرحِ الأبياتِ التي بعدَها ما يقتضي أنْ تكونَ هذه اللفظةُ عندَهُ في الرتبةِ الثالثةِ؛ لأنَّهُ يُطلِقُها على منِ اتّصفَ بِصَدُوقٍ.
قولهُ: (وهوَ دونَ قولِهم: لا بأسَ به) (٦) وهو كذلكَ؛ لأنَّ الثانيةَ ظاهرةٌ في
_________________
(١) في (ب): «في».
(٢) في (ف): «توجيه».
(٣) في (ب): «الضبطي».
(٤) في (ف): «لك».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٢٨ ]
أنَّهُ على وُثوقٍ من حُكمِهِ بذلك، محتملة احتمالًا قويًا لأنْ يكونَ جارَى غيرَهُ منْ علماءِ الفنِّ فَوافَقَهُ بِخِلافِ الأولى في الأمرَينِ.
قولهُ: (وشيخ) (١) ليس زيادةً فإنَّه في كلامِ ابنِ أبي حاتمٍ (٢).
قولهُ:
٣٣٥. وَ(ابْنُ مَعِيْنٍ) قال: مَنْ أَقُوْلُ: (لاَ بَأْسَ بِهِ) فَثِقَةٌ وَنُقِلاَ
٣٣٦. أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ: أَثِقَةٌ كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ
٣٣٧. كَانَ (صَدُوْقًا) (خَيِّرًا) (مَأْمُوْنَا) الثِّقَةُ (الثُّوْرِيُّ) لَوْ تَعُوْنَا
٣٣٨. وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ضُعْفًا بِ (صَالِحِ الْحَدِيْثِ) إِذْ يَسِمْ
قولهُ: (إلى نفسهِ خاصةً) (٣) سيأتي أنَّ دُحَيمًا قالَ به أيضًا، وعِبارةُ دُحَيم: رُبما تُفْهِمُ شيوعَهُ عن أهلِ / ٢٣٨ أ / الفنِّ.
قولهُ: (حتى يلزمَ منهُ التساوي) (٤) بلِ الذي قالَهُ يَلزمُ منه التساوي؛ فإنَّه حَكَمَ أنَّ هذا ذاكَ، فإمّا أنْ يكونَ الموضوعُ الذي هو ليس به بأسٌ مُساويًا لِثقةٍ أو أخصَّ، وعلى كُلِّ حالٍ يكونُ حُكمُهُ حكمَهُ، بخلافِ ما لو قالَ كقولي: ثقةٌ، فإنَّه يُفهمُ حينئذٍ أنَّ ليس به بأسٌ أنْزل رُتبةً؛ لأنَّهُ مشبّهٌ من ثقةٍ لأنه مشبهٌ (٥) به نبَّهَ عليه شيخُنا، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا الآخرينَ عنه أنَّهُ قد يُعتَذَرُ عنِ الشيخِ بأنّهم يُطلِقونَ في بابِ التَّوثيقِ والتَّجريحِ لفظَ الثقةِ على مَنْ كانَ مقبولًا ولا يُريدونَ أنَّهُ تامُّ الضَّبطِ، وقولُ ابنِ معينٍ من هذا القبيلِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٣.
(٢) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٥) عبارة: «لأنه مشبه» من (ف) فقط.
[ ٢ / ٢٩ ]
قولهُ: (فالتعبيرُ عنه بقولهم: ثقةٌ أرفعُ) (١) قد يقالُ: إنَّه إنَّما يدلُّ على أنَّهُ أرفَعُ منْ قولهم: صدوقٌ، ويُدَّعى أنَّه لا بأسَ بهِ أعلى من ذلك، فإنَّها نافيةٌ لِكُلِّ بأسٍ. وأمّا الصدوقُ فقد يكونُ فيهِ بأسٌ في غير الكذبِ، وقد يُجابُ بأنَّ هذا بالنَّظرِ إلى مفهومِ ذلك لغةً، وأما اصطلاحًا فلا.
قولهُ: (لعبدِ الرحمان بن إبراهيم) (٢) قال شيخُنا: هو دُحَيمٌ، وكانَ في أهلِ الشامِ كأبي حاتمٍ في أهل المشرقِ، وكلامُهُ إنَّما يدلُّ على تساوي اللفظينِ في اصطلاحه خاصةً (٣)، وسؤالُ أبي زُرعةَ له منبهٌ على ذلك، فإنَّهُ يدلُّ على أنَّ الشائِعَ بين أهلِ الحديثِ أنَّ لا بأسَ به أَنْزَلُ رُتبةً من ثقةٍ وإلا لما سألَ. / ٢٣٨ ب /
قولهُ: (الثقةُ: شعبةُ، وسفيانُ) (٤) قال في " النكتِ ": «وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ الذي في كتابِ الخطيبِ، وغيرِهِ: الثقةُ شعبةُ، ومسعرٌ (٥)، لم يذكرْ سفيانَ جملةً. انتهى.
والجوابُ: أنَّ المصنِّفَ لم يحكِ ذلك عن الخطيبِ، وعلى تقديرِ كونهِ في كتابِ الخطيبِ هكذا، فيحتملُ أنَّهُ منَ النُّسَّاخِ فليسَ غلطُ المصنِّفِ بأولى منْ تغليطِهم، على أنَّ المشهورَ عنِ ابنِ مهديٍّ ما ذكرهُ المصنِّفُ، وهكذا حَكاهُ عمرو ابنُ عليٍّ الفلاّسُ، وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في " الجرحِ والتعديلِ " (٦)، وكذلكَ ذَكرَهُ الحافظُ أبو الحجاجِ المزيُّ في " تهذيبِ الكمالِ " (٧) في ترجمةِ أبي خَلْدَةَ - وهو
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٤.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٤.
(٥) الكفاية (٦٠ت، ٢٢ هـ)، والذي في المطبوع من الكفاية: «شعبة، وسفيان».
(٦) الجرح والتعديل ٣/ ٣٢٨.
(٧) تهذيب الكمال ٢/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٣٠ ]
خالدُ بنُ دينارٍ التميميُّ الخيّاطُ - ونقلَ في ترجمةِ مِسعَر منْ روايةِ الفلاّسِ أيضًا عنِ ابنِ مهديٍّ: «الثقةُ شعبةُ، ومِسعَرٌ» (١)، وعلى هذا: فلعلهُ سُئِلَ عنهُ مرَّتينِ: فإنَّ المنقولَ في هذه الروايةِ، أنَّ أحمدَ بنَ حَنبلٍ سأله، ولَعلهُ قال: الثقةُ شعبةُ، وسفيانُ، ومِسعرٌ، فاقتصر الفَلاَّسُ على التمثيلِ باثنينِ فمرَّةً ذكرَ سفيانَ، ومرَّةً ذكر مِسعرًا، والله أعلم» (٢).
قولهُ في المتن: (مراتبُ التجريحِ) (٣).
قولهُ: (يضَع) (٤)، أي: يصنعُ (٥) حديثًا، ويعزوهُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، ومادةُ وَضَعَ تدورُ على مُلازمةِ الموضعِ، ويلزمُها في الأغلبِ: الخِسَّةُ، والدَّناءةُ، والحطُّ والسفولُ (٦)؛ لأنَّ الجيدَ منْ شأنهِ / ٢٣٩ أ / أنْ يُرغَبَ فيهِ فيتناقلَ، والرديءُ وإنِ انتقَلَ بالفعلِ فشأنهُ غيرُ ذلكَ؛ للإعراضِ عنه، فكأنَّ هذا لما كذبَ وضعَ ما يأتي منْ قِبَلِهِ فَجعلَهُ بحيثُ لا يُلتفتُ إليهِ، وقد يلزمُها الترتيبُ والتصنيفُ، ومنهُ: وضعَ فلانٌ في الفَنِّ الفُلانيِّ كتابًا، أي: أنشأهُ فرتَّبَهُ وهذَّبهُ، ومنهُ: الوضيعةُ لكتابٍ يُكتبُ في الحِكمةِ، وقد يلزمها الشرفُ، ومنه: الواضعةُ للرَّوضَةِ؛ كأنَّها لحُسنِها توجبُ لمن رآها الانقطاع إليها، وأنْ لا يعدوها.
قولهُ: (واهٍ بمرّةٍ) (٧)، قال شيخُنا: أي قولًا واحدًا لا تَردُدَ فيهِ. انتهى. وكأنَّ الباءَ زِيدَتْ تأكيدًا.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٧/ ٨٨.
(٢) التقييد والإيضاح: ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٥.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٣٩).
(٥) في (ب): «يضع».
(٦) انظر: لسان العرب مادة (وضع).
(٧) التبصرة والتذكرة (٣٤٣).
[ ٢ / ٣١ ]
قولهُ: (تنكرُ وتعرفُ) (١) أي: يأتي مرَّةً بالمناكيرِ، ومرَّةً بالمشاهيرِ، فينبغي أنْ يُنظرَ في حديثِهِ، ولا يؤخذُ ما رواهُ مُسَلَّمًا وهو قريبٌ منْ قولهم في التوثيقِ: محلُّهُ الصدقُ، وما معها منْ ألفاظِ المرتبةِ الرابعةِ، ثم اعلَمْ: أنَّ البيتَ مكسورٌ؛ لأنَّهُ كُفَّ الجُزء الثاني، أي: أُسقطَ ساكنُهُ السابعُ، وهو لا يجوزُ في هذا البحرِ؛ لأنَّ مُستَفْعِلُن فيهِ ذو وتدٍ مجموع (٢)، والزِّحافُ لا يكونُ إلا في ثواني الأسبابِ، فلو قالَ: تنكرُه، بزيادةِ هاءٍ ساكنةٍ لاَسْتَقَامَ (٣)، وتعرفُ مُستَفعِلُنْ، لكنّهُ مخبونٌ مقطوعٌ بحذفِ ساكنِ وَتَدِهِ، وإسكان متحركِهِ، ونَقَلَ / ٢٣٩ب / لي صاحبُنا العلامةُ نجمُ الدينِ محمدُ بنُ قاضي عجلون - أدامَ اللهُ تعالى النفعَ به -، عن شيخِنا علاّمةِ زمانِهِ الشيخ أبي الفَضْل المغربيِّ المشدالي البجائيِّ: أنَّ بعضَهم جَعَلَ هذا المقطوعَ في مثلِ هذا مِنَ السريعِ، مِنْ ضَربهِ المخبون المكشوف، فإنَّ القطعَ لم يردْ في مَشطورِ الرَّجزِ، وجَوَّزوا هذا في مُزدوجِ الرَّجزِ؛ لقُربِهِ منَ السريعِ؛ فإنَّ وزنَهُ: مُسْتَفعِلُنْ مُسْتَفعِلُنْ مَفْعولات، فلا مُخالفةَ بينهما إلا بالوتدِ المفروق لا غير.
قولهُ: (للضعف ما هو) (٤) مثلُ قوله: «إلى الصدق ما هو» فإنَّ اللامَ هنا بمعنى إلى (٥)، ويحتملُ أنْ تكونَ على بابِها، فيكونُ التقديرُ: فلانٌ كائنٌ
للضعفِ، وأما «ما هو» فكما مَضَى.
قولهُ: (وكلُّ مَنْ ذُكِرْ) (٦) مبتدأٌ مضافٌ إلى «من»، و«بعدُ» مجرورٌ بـ «مِنْ»، ومضافٌ إلى «شيئًا»، ولفظُهُ محكيٌّ، والجرُّ في محلِّهِ، و«اعتبرَ» خبرُ المبتدأِ، و«بحديثِهِ» متعلقٌ بالخبرِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣٤٦).
(٢) الوتد المجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن. الكافي في العروض والقوافي: ١٨.
(٣) فتح الباقي ١/ ٣٥١.
(٤) التبصرة والتذكرة (٣٤٨).
(٥) توضيح الأفكار ٢/ ٢٧٠.
(٦) التبصرة والتذكرة (٣٤٩).
[ ٢ / ٣٢ ]
قولهُ في "الشرحِ": (مراتبُ ألفاظِ التجريحِ) (١) عجيبٌ؛ لأنَّ المراتبَ ليس لها مراتبُ بل الألفاظُ هي المرتَّبةُ، فلو أسقطَ لفظةَ «مراتبَ» (٢) لكان حسنًا.
قولهُ: (على خمسِ مراتبَ) (٣) بل كانَ يتعيَّنُ على نحوِ ما مضى في التعديلِ أنْ تكونَ ستًا؛ فإنَّ تكريرَ الألفاظِ مثلَ قولِ الخطيبِ: «كذابٌ ساقطٌ» أعلى منْ إفرادِها، فكانَ ينْبغي أنْ تكونَ هي الأولى، وعلى ما مَضى عنْ شيخِنا صيغةَ / ٢٤٠أ / «أفعلَ» هي الأولى فتكونُ سبعًا.
قولهُ: (وجعلها ابنُ أبي حاتمٍ (٤)، وتبعَهُ ابنُ الصلاحِ (٥)، أربعَ مراتبَ) (٦) يَنبغي أنْ يُعلمَ أنَّهما ابتدءا بآخرِ المراتبِ التي ذَكرَها الشيخُ؛ لأنَّهما رَتَّبا ذلك على سَبيلِ التدلِّي في الصفاتِ المحمودةِ؛ لأنَّهما بدءا بأعلى مَراتبِ التوثيقِ عندَهما، واستمرا يتنَزلانِ في ما قاربَ ذلك، والشيخُ تبعهما في التعديلِ، وبَدءَ في التجريحِ بالأَخسِّ الأنزلِ، وخَتمَهُ بالأقربِ إلى أدنى التوثيقِ، فبَدءَ في التوثيقِ بالأعلى، وفي التجريحِ بالأدنى.
وأسندَ ابنُ الصلاحِ (٧) بعد ما نقلهُ عنِ ابنِ أبي حاتمٍ، منْ طريقِ البَيْهَقيِّ، إلى أحمدَ بنِ صالحٍ، قالَ: «لا يُتركُ حديثُ رَجُلٍ حتى يجتمعَ الجميعُ على تَركِ حديثهِ، قد يُقالُ: فلانٌ ضعيفٌ، فأمّا أنْ يُقالَ: فلانٌ متروكٌ، فلا، إلا أنْ يُجْمِعَ الجميعُ على تركِ حديثهِ» (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٦.
(٢) بعد هذا في (أ): «الأولى».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٦.
(٤) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٦
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٦.
(٨) هو في الكفاية (١٨١ ت، ١١٠ هـ).
[ ٢ / ٣٣ ]
واعلَمْ: أنَّ سبيلَ التجريحِ سبيلُ التوثيقِ في أنَّ أدْوَنَ مراتِبِهِ - أعني: أعظمَها قدحًا وأقبَحَها جَرْحًا - صيغةُ «أفعلَ»، كأكذبُ الناسِ، كما قالَهُ شيخُنا، فتصيرُ المراتبُ سِتًا، بل سَبعًا على ما مَضى (١).
قولهُ: (وقد فَرَّقْتُ بينَ بعضِ (٢) هذه الألفاظِ) (٣) قال ابنُ الأثيرِ في "النهاية": «والتفرقُ والافتراقُ سواءٌ، ومنهم مَنْ يجعلُ التفرُّقَ بالأبدانِ، والافتراقُ في
الكلامِ، يُقالُ: فرَّقتُ بينَ الكلامينِ فافترقا، وفرَّقتُ بين الرجلينِ فتفَرَّقا» (٤). وعلى هذا يمكنُ قراءة / ٢٤٠ب / هذه اللفظةِ - مُخففةً - بمعنى: أنَّه فَرَّق بينَ معاني هذه الألفاظِ ومشدَّدةً؛ لأنَّها إذا تباينتْ معانيها صارتْ كلُّ واحدةٍ منْ رُتبةٍ، غيرِ رُتبةِ الأخرى، فتباعدَ ما بين الألفاظِ، وذلكَ هو تفرُّقُ الأبدانِ.
قولهُ: (فيمنْ تركوا حديثَهُ) (٥) قالَ بعضُ أصحابِنا: عبارةُ ابنِ كثيرٍ: «فإنَّهُ يكونُ في أدنى المنازلِ عندَهُ وأردئِها» (٦).
قولهُ: (المراتب الثلاثةُ) (٧) أصلحهُ المصنفُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البُرهانِ الحلبيِّ عليهِ «الثلاث» فأسقطَ تاء التأنيثِ كما هو دأبُ العددِ المؤنثِ.
قولهُ: (حديثُهُ منكرٌ) (٨) قالَ شيخُنا: كانَ ينبغي أنْ يُنبِّهَ على أنَّ البخاريَّ قال: «مَنْ قُلتُ: حديثُهُ منكرٌ فلا يحلُّ الاحتجاج به» كما بيَّنَ اصطلاحَهُ في
_________________
(١) عبارة: «بل سبعًا على ما مضى» لم ترد في (ب) و(ف).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٧.
(٤) النهاية ٣/ ٤٣٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٧.
(٦) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٢٠ وبتحقيقي: ١٧٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٨.
[ ٢ / ٣٤ ]
قولهِ: «فيه نظرٌ» و«سكتوا عنه» لكنَّ العُذرَ عنِ الشيخِ أنَّهُ أوردها في مرتبةِ منْ يُعتَبَرُ بحديثهِ؛ لأنَّ البخاريَّ إنَّما نَفَى أنْ يُحتجَّ به، وذلكَ لا ينفي أنْ يُستَشْهَدَ به ويُعتبرَ بحديثِهِ، قالَ بعضُ أصحابِنا: لكن حَكَى المصنِّفُ كلامَ البخاريِّ في "التخريجِ الكبيرِ للإحياءِ"، أنَّه قال: «كلُّ مَنْ قلتُ فيه: منكرُ الحديثِ فلا تحلُّ الروايةُ عنه» (١). انتهى.
قلتُ: فيُحملُ كلامُهُ على عَدمِ حِلِّ الروايةِ للاحتجاجِ جمعًا بينَ كلاميهِ.
قالَ صاحبُنا: ثم قالَ المؤلفُ بعد نقلِهِ كلامَ البخاريِّ، قلتُ: كثيرًا ما يُطلقون على راوٍ أنَّه منكرُ الحديثِ / ٢٤١أ / ويريدون بذلك حديثًا رواهُ مُنكرًا. انتهى.
وكأنَّهُ يريد بذلك أنَّ الموصوفَ بأنَّه مُنكرُ الحديثِ لا يكونُ مِنْ أهلِ هذه الرُّتبةِ، إلا إنْ كانتِ النَّكارَةُ مِنْ قِبَلِهِ. ويؤيدُه ما رأيتُهُ بخطِّ بعضِ الآخذينَ عنْ شيخِنا أنَّ في "سؤالاتِ الحاكمِ" لأبي الحسنِ الدارقطنيِّ: قلتُ: فسليمانُ بنُ بنتِ شرَحبيلَ، قال: ثقةٌ، قلتُ: أليسَ عندهُ مناكيرٌ؟ قال: يحدّثُ بها عنْ قومٍ ضُعفاء، فأمّا هو فهو ثقةٌ. (٢)
قولهُ: (وليسَ بالقويِّ) (٣) في " سؤالاتِ الحاكمِ للدارقطنيِّ "، قلت: فأبو سفيان سعيدُ بنُ يحيى الحِمْيَريُّ؟ قال: هذا متوسطُ الحالِ، ليسَ بالقويِّ (٤). انتهى ما بخطِّ صاحبِنا.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ١/ ٦.
(٢) سؤالات الحاكم للدارقطني: ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٨.
(٤) سؤالات الحاكم للدارقطني: ٢١٦.
[ ٢ / ٣٥ ]
قولهُ: (متى يصحُّ تحملُ الحديثِ، أو يستحبُّ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «معرفةُ كيفيةِ سَمَاعِ الحديثِ وتحمُّلِهِ وصفةِ ضبطِهِ. اعلَمْ: أنَّ طُرقَ نقلِ الحديثِ وتحمُّلِهِ على أنواعٍ مُتعدِّدةٍ، ولنُقَدِّمْ على بَيانِها، بيانَ أمورٍ:
أحدُها: يَصحُّ التحمُّلُ قبلَ وجودِ الأهليةِ، فتقبلُ رواية مَنْ تَحمَّلَ قبلَ الإسلامِ، ورَوَى بعدَهُ (٢)، وكذا (٣) مَنْ سمعَ قبلَ البلوغِ ورَوَى بعدَهُ (٤») (٥).
قولهُ: (وكذلك) (٦)، أي: ومثلُ ما قَبِلَ أهلُ العلمِ رواياتِ هؤلاءِ الصحابةِ منْ غيرِ فَرقٍ (كانَ أهلُ العلمِ يُحْضِرُونَ الصبيانَ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضِرونَ الصبيانَ /٢٤١ ب/ مجالسَ التحديثِ والسماعِ، ويعتدُّون بروايتهم (٨) لذلكَ، والله أعلم» (٩)، وهي أصرحُ منْ عبارةِ
الشيخِ في سَوقِها مَساقَ الدليلِ على جوازِ تحمُّلِ مَنْ بعدَ عَصرِ الصَّحابةِ منَ الصبيانِ.
قولهُ: (بالضبط) (١٠) في محلِ نصبٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: كتبهُ مضبوطًا، أي: ضبط (١١) بالكتابةِ، فلو قالَ: فكتبهُ والضبطُ والسماعُ، لكانَ أولى، وأتبعُ لعبارةِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٩.
(٢) للتمثيل على ذلك انظر: نكت الزركشي ٣/ ٤٥٩.
(٣) في طبعتنا لابن الصلاح: «وكذلك رواية».
(٤) انظر: نكت الزركشي ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٠.
(٨) في (ب): «برواتهم».
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٧.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٣٥٦).
(١١) في (ف): «ضبطه».
[ ٢ / ٣٦ ]
ابنِ الصلاحِ كما يأتي، وسيأتي هناكَ تجويزُ تقديرٍ آخرَ، وهو أنْ يكونَ «بالضبطِ» خبرُ «كتبهُ» لكنْ يصيرُ حينئذٍ عطفٌ «والسماعُ» عليهِ منْ عطفِ الجُمَلِ، فيقدحُ فيهِ ظاهرُ قولِ الشيخِ: أنّهُ معطوفٌ على «فَكتْبهُ».
قولهُ: (حيثُ يصح) (١) هو خبر «كَتْبهُ» أي: يكونُ في هذه الحالةِ حينَ، ولو قالَ: حينَ يصحُّ لكانَ أيضًا أحسنَ وأتبعَ.
قولهُ: (سنةٌ متبعة) (٢)، أي: ليسَ في حَديثِ محمودٍ (٣) ما يدلُّ على شيءٍ بعينِهِ لا يختلفُ فيجبُ اتباعُهُ، بل الصوابُ في ضبطِ وقتِ الطلبِ الذي لا يختلفُ هو كونُ الطالبِ بالحيثيةِ التي ذَكرَها.
قولهُ: (والفرائض) (٤) قالَ شيخُنا: «المرادُ ما يجبُ على الشخصِ وجوبَ عينٍ، لا علمُ المواريثِ».
قولهُ: (وقالَ موسى) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وقيلَ لموسى بن إسحاقَ: كيف لم تكتبْ عن أبي نُعيمٍ؟ فقالَ: كانَ أهلُ الكوفةِ ..» (٦) إلى آخرهِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣٥٦).
(٢) التبصرة والتذكرة (٣٥٨).
(٣) حديثه هو: قال محمود بن الربيع - ﵁ -: «عَقَلتُ من النبي - ﷺ - مَجَّةً مَجَّها في وجهي وأنا ابنُ خَمسِ سنينَ من دَلْوٍ». أخرجه: البخاري ١/ ٢٩ (٧٧) و٢/ ٧٤ (١١٨٥) و٨/ ٩٥ (٦٣٥٤) و٨/ ١١١ (٦٤٢٢)، ومسلم ٢/ ١٢٧ (٦٥٧) (٢٦٥)، وابن ماجه (٦٦٠) و(٧٥٤)، والنسائي في " الكبرى " (٥٨٦٥) و(١٠٩٤٧) وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٨)، وابن خزيمة (١٧٠٩).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨١.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٨.
[ ٢ / ٣٧ ]
قولهُ: (أي: طلبٍ) (١) مجرورٌ؛ لأنَّهُ / ٢٤٢ أ / تفسيرُ الضميرِ المجرورِ في
«تَقييدِه»، أي: تَقييدِ طَلبِ الحديثِ، وتقييدِ كتابتهِ «بالضبطِ»، أي: مضبوطًا بالكتابةِ كما مضى تقديرُه، وتقييدِ «سماعِهِ»، أي: وَقتِ سَماعِهِ «من حيثُ يصحُّ»، أي: يُقيدُ ذلك بالحيثيةِ التي يصحُّ فيها، وذلكَ وقتُ الفهمِ، ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: وتقييدُ كتابتهِ يكونُ «بالضبطِ»، أي: بالوقتِ الذي يكونُ فيه ضابطًا للحديث لفظًا ومعنىً، ويكون «سماعُهُ» مبتدأً خبرهُ «منْ حيثُ»، أي: وسماعُهُ يكونُ «من حيثُ يصحُّ» (٢)، أي: منَ الوقتِ الذي يصحُّ فيه، وذلك بأحدِ الأوقاتِ (٣) الأربعةِ التي يأتي ذكرُها عنِ العلماءِ.
قولهُ: (بكتبِهِ الحديثَ) (٤) يجوزُ فيه وجهانِ:
أحدهما: أنْ تكونَ الهاءُ ضَميرًا يعودُ على المحدّثِ، فيكونَ «الحديث» منصوبًا بالمصدرِ.
والثاني: أنْ تكونَ هاءَ تأنيثٍ، فتكونَ الكافُ مكسورةً، و«الحديثُ» مجرورًا، فإنَّ الكِتْبَةَ - بالكسرِ - اكتِتابُهُ كتابَهُ ينسخُهُ، قالهُ في "القاموسِ" (٥).
قولهُ: (فمن حيثُ يتأهَّلُ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «حينَ» (٧).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨١.
(٢) من قوله: «أي: بالوقت الذي يكون فيه » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٣) جاء في حاشية (أ): «أي: الأقوال».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٢.
(٥) القاموس المحيط مادة (كتب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٢.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٨.
[ ٢ / ٣٨ ]
قولهُ: (وابن ماجه) (١)، قالَ شيخُنا: إنْ كانَ مقصودُهُ من خَرَّجَ أصلَ الحديثِ فمُسلِمٌ (٢) خرَّجهُ فكانَ ينبغي ذكرُهُ، وإنْ كانَ مقصودُهُ مَنْ نَصَّ في روايتِهِ على السنِّ فابنُ ماجه لم يذكرْها (٣)، فكانَ ينبغي طرحُهُ.
قولهُ: (وهو ابنُ أربع) (٤)، قالَ: يجمعُ بين الاختلافِ في أنَّها أربعٌ أو خمسٌ / ٢٤٢ب / بأنَّها كانتْ أربعًا وكسرًا، وذلكَ ينفي أنْ يُقالَ: إنَّها كانتْ خمسًا وكسرًا، فأسقطَ الكسرَ وأطلقَ عليها أنَّها خمسٌ مجازًا.
قولهُ: (وسنُهُ أقلُّ منْ ذلكَ) (٥)، أي: كعبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، فإنَّهُ عَقَلَ تَرددَ والدِهِ إلى بني قريظةَ يومَ الأحزابِ كما في "صحيح البخاري" في مناقبِ
الزبيرِ (٦)، وكانتِ الأحزابُ سنةَ أربعٍ، وقيلَ: سنةَ خمسٍ؛ فيكونُ لهُ منَ العمرِ سنتانِ، أو ثلاثٌ وأشهرٌ (٧)؛ لأنّهُ وُلِدَ في الثانيةِ منَ الهجرةِ، عَزَى ذلكَ إلى الزركشيِّ، ونقلَ عن شيخِنا أنَّهُ قالَ: «الذي يظهرُ أنَّه ولِدَ في الأولى»، وأمّا الأحزابُ فذكرَ أيضًا أنَّها كانتْ سنةَ ستٍّ.
قولهُ: (فرجلُ) (٨) في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ تقديرُهُ، وقيلَ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: متى يجوزُ سماعُ الصبيِّ للحديثِ (٩)؟ قالَ: إذا عقلَهُ وضبطَ، قيل له: فرجلٌ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٢.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ١٢٧ (٦٥٧) (٢٦٥).
(٣) لفظ الحديث عند ابن ماجه: «عن محمود بن الربيع وكان قد عَقَلَ مَجَّةً مَجَّها رسول الله - ﷺ - في دَلْوٍ من بئرٍ لهم».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٣.
(٦) صحيح البخاري ٥/ ٢٧ (٣٧٢٠)، وأخرجه أيضًا: مسلم ٧/ ١٢٨ (٢٤١٦).
(٧) انظر: فتح الباري عقب الحديث (٣٧٢٠).
(٨) التبصرة والتذكرة (٣٦٠).
(٩) ارجع إلى تفصيل ذلك في نكت الزركشي ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٠.
[ ٢ / ٣٩ ]
قال إلى آخرِه.
قالَ شيخُنا: «وهذا الرجلُ يحيى بنُ معينٍ، ذَكرهُ الخطيبُ» (١) هكذا حفظتُهُ من شيخِنا، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا عنْ شيخِنا أنَّهُ يحيى بنُ سعيدٍ، فالله أعلم.
قولهُ: (بينَ البقرةِ والحمارِ) (٢) قالَ شيخُنا: «الذي يظهرُ أنَّهُ على سبيلِ المثالِ» (٣) وبقيَ في المسألةِ قولٌ خامسٌ، وهو التفرقةُ بينَ العربيِّ والعجميِّ حكاهُ السِلفيُّ في كتابِهِ في " الإجازةِ " ولفظُهُ على ما نُقلَ عنهُ: «وأكثرُهم على أنَّ العربيَّ يصحُّ سماعُهُ إذا بلغَ أربعَ سنينَ، واحتجوا بحديثِ محمودِ بنِ / ٢٤٣أ / الربيعِ، وأنَّ العجميَّ إذا بلغَ ستّ سنينَ» (٤) وكتابه هذا مرويٌّ منْ طريقِ الدمياطي، أخبرنا (٥) ابنُ رَوَاج (٦) سماعًا، أخبرنا السِلفيُّ سماعًا بالثغر. وفيها قولٌ سادسٌ نقلَ عنِ الإمامِ سراجِ الدينِ عمرَ بنِ الملقنِ في كتابِ الصلاةِ منْ (٧) شرحِهِ " للتنبيهِ " قال: «وحُكيَ عن اليحصبيِّ أنَّه إذا صارَ الصبيُّ يعدُّ منْ واحدٍ إلى عشرينَ كان مُميزًا» وفي " شرحهِ للمنهاجِ " قالَ القاضي أبو الطيبِ: ومنْ أصحابِنا مَنْ قال: لا يتقدر ذلكَ بمدَّةٍ -يعني: أمرَ الصبيِّ بالصلاةِ- بل متى حصلَ التمييزُ، وهو كما قالَ بعضُهم: أنْ يعدَّ
_________________
(١) الكفاية (١١٣ت، ٦١هـ).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٤.
(٣) توضيح الأفكار ٢/ ٢٩٤.
(٤) نكت الزركشي ٣/ ٤٦٤، ولكن الذي فيه أنَّ العجمي يصح سماعه إذا بلغ سبع سنين، أما في " تدريب الراوي " ٢/ ٧ فقد نقل عن السلفي أنَّ العجمي يصح سماعه إذا بلغ ست سنين.
(٥) القائل: «أخبرنا» هو الدمياطي، ﵀.
(٦) مُسند الإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن رواج، ولد سنة (٥٥٤) هـ، كان فقيهًا فطنًا، متواضعًا، صحيح السماع، انقطع بموته شيء كثير، توفي سنة (٦٤٨) هـ بالثغر. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٧) في (ف): «في».
[ ٢ / ٤٠ ]
منْ واحدٍ إلى عشرينَ (١)، أُمرَ بها، وضُربَ عليها، وإنَّما قدَّرهُ في الحديثِ بسبعٍ؛ لأنَّ التمييزَ غالبًا يَحصلُ عندَها، وبهذا جزمَ ابنُ الفِركاحِ (٢) في "الإقليدِ" (٣).
قولهُ: (والذي يغلبُ على الظنِّ) (٤) قالَ في " النكتِ ": «أحسنَ المصنفُ (٥) بالتعبيرِ عن هذه الحكايةِ بقولهِ: بلغنا، ولمْ يجزمْ بنقلها، فقد رأيتُ بعضَ الأئمةِ منْ شيوخِنا يَستبعدُ صحتَها، ويقولُ على تقديرِ وقوعِها: لم يكنِ ابنَ أربعِ سنينَ، وإنَّما كانَ ضئيلَ الخِلقةِ فيُظنُّ صِغَرُهُ لذلك، والذي يغلبُ على الظنِّ » (٦) إلى آخرِه.
قولهُ: (كانَ متساهلًا) (٧) قالَ في " النكت " بعدَهُ: «رُبَّما حدَّثَ مِن حفظِهِ بما ليس عندَه في كتابِهِ، وأهلكهُ العُجْبُ، فإنَّه كانَ يختارُ، ولا يضعُ لأحدٍ منَ العلماءِ الأئمةِ أصلًا / ٢٤٣ب /، وقال صاحبُ " الميزانِ ": «كانَ يعتمدُ على حفظِهِ فَيَهِمُ» (٨») (٩).
_________________
(١) تدريب الراوي ٢/ ٧.
(٢) اضطُربَ في ترجمته: فالذهبي في " العبر " ٣/ ٣٧٣، وابن كثير في " البداية والنهاية " ١٧/ ٦٤١، لم يذكرا لقبه، وإنَّما ترجما له فقط، وابن العماد الحنبلي في " شذرات الذهب " ٥/ ٤١٣ ذكر أنَّه: «الفركاح»، والبغدادي في " هدية العارفين " ٥/ ٥٢٥ - ٥٢٦ ذكر أنَّه: «ابن الفركاح» وذكر في ٥/ ١٤ أنَّ ابنه إبراهيم يلقب بـ «ابن الفركاح» أيضًا.
(٣) هوَ كتاب: «الإقليد لدرر التقليد» أو: «في درأ التقليد» أو: «في درر التقليد» على اختلاف في اسمه شرح فيهِ التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، ولم يتمه. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٦٣، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢٥، ومرآة الجنان ٤/ ٢١٨، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٢٨٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٥.
(٥) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٦) التقييد والإيضاح: ١٦٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٥.
(٨) ميزان الاعتدال ١/ ١٢٩.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٦٥.
[ ٢ / ٤١ ]
أقسام التحمل (١)
قولهُ: (أقسامُ التحمل) (٢).
قولهُ: (كتابًا أو حفظًا) (٣) منصوبان بنزعِ الخافضِ، أي: لفظُ الشيخِ من كتابهِ أو حفظِهِ، ويصحُّ جعلُهُ حالًا، أي: ذا كتابٍ أو ذا حفظٍ، وأن يجعلَ تمييزًا، أي: من جهةِ الكتابِ أو الحفظِ، أي: لفظ كتابِ الشيخِ أو حفظه.
قولهُ: (حدَّثنا حدَّثني) (٤) لا شكَّ أنَّ «حدّثني» و«أخبرني» أدَلُّ على المرادِ وأبعدُ منَ التجوُّزِ مما أسندَ إلى «نا» فلو قدّمها لدَلَّ على أنَّها أرفعُ ولم يختلّ النظمُ.
قولهُ: (عندَ الأكثرينَ) (٥) وقالَ بعضُهم: هو والعرضُ سواءٌ، وقال بعضُهم: العرضُ أعلى، وسيأتي ذلك في البابِ الذي بعدهُ.
قولهُ: (أو غير إملاءٍ) (٦) لكنَّ الإملاءَ أعلى (٧)، وإنْ استويا في أصل الرتبةِ.
_________________
(١) انظر في أقسام التحمل: المحدّث الفاصل: ١٨٥، والكفاية (١٠٣ ت، ٥٤ هـ)، والإلماع: ٦٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٧، والإرشاد ١/ ٣٣٤ - ٤٢٣، والتقريب: ١٠٠ - ١٢١، والاقتراح: ٢٣١، والمنهل الروي: ٧٩، والخلاصة: ٩٨، والموقظة: ٦١، ومحاسن الاصطلاح: ١٣٦، والتقييد والإيضاح: ١٦٥، ونزهة النظر: ١٠١، وظفر الأماني: ٤٧٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٥.
(٣) التبصرة والتذكرة (٣٦٥).
(٤) التبصرة والتذكرة (٣٦٧).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٦.
(٧) قال ابن حجر في " فتح الباري " عقب الحديث (٦٣): «ومن ثم كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات؛ لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب، والله أعلم». وكذا قال الأنصاري في " فتح الباقي " ١/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
[ ٢ / ٤٢ ]
قولهُ: (قال القاضي عياضٌ) (١) إلى آخرهِ، عبارةُ ابنِ الصلاحِ (٢): «وفيما نَرويهِ عنِ القاضي عياض بنِ موسى السبْتيِّ (٣) -أحد المتأخرينَ المطلعينَ- قولهُ: «لا خلافَ» إلى آخرِهِ» (٤).
قولهُ: (أرفعُ العباراتِ: سمعتُ) (٥)، أي: بالإفرادِ، أمّا سمعنا بطريقِ الجمعِ فيطرُقُه احتمالُ سماعِ أهلِ بلدٍ هو فيهم ونحو ذلك.
قولهُ: (حدّثنا شديدٌ) (٦) ينبغي أنْ يحملَ هذا على ما إذا شكَّ هلْ سمعَ منْ لفظِ الشيخِ، أو بالعرضِ عليه، فيكون منَ المسألةِ الآتيةِ في التفريعاتِ لا من هذه.
قولهُ: (فقدْ أخطأ) (٧)، قالَ شيخُنا كما نقلَهُ بعضُ أصحابِنا: «معناهُ أنَّه لم يَرِدْ سندٌ صحيحٌ عن الحسنِ / ٢٤٤أ / بصيغةِ التحديثِ». انتهى.
وإذا انتفى ورودُ التحديثِ انتفَى ما تَفَرَّعَ عليه منَ التأويلِ، وما بعدَهُ.
قولهُ: (الرازيين) (٨) زادَ ابنُ الصلاحِ في المذكورينَ اثنينِ، وهما: عبدُ الرزاقِ بنُ هَمَّامٍ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وقال: «وغيرهم» (٩)، وعَنْ خَطِّ شيخِنا:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٦.
(٢) عبارة: «ابن الصلاح» لم ترد في (ف).
(٣) في (ب): «البستي»، والمثبت من (أ)، وهو الموافق للمعرفة.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٧، وقارن بـ: الكفاية (٤١٥ت، ٢٨٦ هـ).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٨.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٢، ومصدره الكفاية (٤١٣ - ٤١٤ت، ٢٨٤ - ٢٨٥ هـ).
[ ٢ / ٤٣ ]
والنسائيّ وابن منده وابن حبانَ، قال: وعكسهُ أبو نعيمٍ فكانَ يقولُ فيما قرأهُ على الشيوخِ أو سمعه: حدثنا، وفي (١) الإجازةِ: أخبرنا.
قولهُ: (وذُكِرَ عن محمدٍ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وذكرَ الخطيبُ» (٣).
قولهُ: (مما سمعتَ) (٤)، أي: قالَ محمدُ بنُ رافعٍ: فما سمعتَ معَ هؤلاءِ، قالَ فيه عبد الرزاق: حدثنا.
قولهُ: (بما قُرئَ على الشيخِ) (٥)، قالَ ابنُ الصلاحِ بعدَهُ: «ثمَّ يتلو قولَ «أخبرنا» قولُ «أنبأنا» و«نبَّأنا»، وهو قليلٌ في الاستعمالِ، وقالَ: «حدثنا» و«أخبرنا» أرفعُ منْ «سمعتُ» منْ جهةٍ أخرى، وهي: أنَّه ليسَ في «سمعتُ» دلالةٌ على أنَّ الشيخَ روَّاهُ (٦) الحديثَ وخاطبهُ بهِ، وفي «حدَّثنا» و«أخبرنا» دلالةٌ على أنَّهُ خاطبَهُ بهِ وروَّاه له، أو هو ممنْ فُعلَ به ذلك.
سألَ الخطيبُ (٧) شيخَهُ أبا بكرٍ البَرْقانيَّ (٨) الفقيهَ الحافظَ عن السرِّ في كونِهِ يقولُ لهم فيما رواهُ عن أبي القاسمِ عبدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ الجُرْجاني
_________________
(١) في (ب): «في» بدون الواو.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٢، وانظر: الكفاية (٤١٥ ت، ٢٨٦ هـ).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٩.
(٦) جاء في حاشية (أ): «أي: أذن له أنْ يرويه عنه».
(٧) الكفاية (٤١٧ ت، ٢٨٧ هـ).
(٨) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٤٨٧: «مثل هذه الحكاية ما روي عن النسائي أنه فيما رواه عن الحارث بن مسكين يقول: قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرنا، ولا حدثنا، فإن الحارث كان يتولى قضاء مصر، وبينه وبين النسائي خشونة لم يمكنه حضور مجلسه، فكان يتستر في موضع، ويسمع حيث لا يراه أحد، فلذلك تورع وتحرى».
[ ٢ / ٤٤ ]
الآبَنْدُونيِّ (١) - يعني: وآبنْدون قريةٌ من قرى جرجانَ - «سمعتُ» ولا يقولُ: «حدثنا» ولا «أخبرنا» فذكرَ لهُ أنَّ أبا القاسِم كانَ معَ ثقتِهِ وصلاحِهِ عَسِرًَا في الرِّوايةِ، فكانَ البَرْقانيُّ يجلسُ حيثُ لا يراهُ / ٢٤٤ب / أبو القاسمِ، ولا يَعلمُ بحضورِهِ، فيسمعُ منهُ ما يحدثُ به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلكَ يقولُ: «سمعتُ» ولا يقولُ: «حدَّثنا»، ولا «أخبرَنا»؛ لأنَّ قصدَهُ كانَ الرواية للداخلِ إليه وحدَهُ» (٢).
قولهُ: (حيثُ قالَ: قالَ لي فلانٌ) (٣)، قال شيخُنا: قالوا: إنَّ ما قالَ البخاريُّ فيه: «قالَ لنا فلانٌ» فهو مما حَملَهُ إجازةً، واستقرَّ بنا ذلك فوجدناهُ في بعضِ ما قالَ فيهِ ذلك يصرّحُ فيهِ بالتحديثِ في موضعٍ آخرَ (٤).
قولهُ: (وخصصَ الخطيبُ) (٥) إلى آخرهِ، قالَ ابنُ الصلاحِ بعد: «والمحفوظُ المعروفُ ما قدَّمنا ذِكرَه، والله أعلمُ» (٦).
قولهُ في الثاني القراءةُ على الشيخِ: (يحفظُهُ) (٧) مفسرٌ لشرط «إنْ» في قوله «كذا إنْ»؛ لأنَّ تقديرَهُ: كذا إنْ يحفظْه ثقةٌ ممنْ سمعَ بحفظِهِ، فهو مجزومٌ كمفسرهِ، ولا يتزنُ البيتُ معَ جزمِهِ، فكانَ ينبغي أنْ يَقولَ: حفظهُ ماضيًا، فيكونَ الجزءُ مخبولًا، أو يقولَ: يحفظُهُ مع إصغاءِ سَمْعٍ فاقتنعْ.
_________________
(١) بالهمزة الممدودة، والباء الموحدة، وسكون النون، وضم الدال المهملة، وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى آبندون، وهي قرية من قرى جرجان. انظر: الأنساب ١/ ٥١، ومعجم البلدان ١/ ٥٠، وترجمته في السير ١٦/ ٢٦١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٠.
(٤) بمعناه في فتح الباري عقب الحديث (٦٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٠، وانظر: الكفاية (٤١٨ت، ٢٨٩ هـ).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٣.
(٧) التبصرة والتذكرة (٣٧٨).
[ ٢ / ٤٥ ]
قولهُ: (يعرضُ على الشيخِ ذلك) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «كما يعرضُ القرآن على المُقرئِ» (٢).
قولهُ: (ولا فرقَ بينَ إمساكِ الثقةِ) (٣) إلى آخرهِ، قال شيخُنا: «لو سَوّى بينَ إمساكِ الشيخِ وإمساكِ غيرِهِ، وبينَ حفظِهِ وحفظِ غيرِهِ، لكانَ مُتجهًا، وأمّا التسويةُ بينَ إمساكِ الأصلِ والحفظِ فمحلُّ نزاعٍ، والظاهرُ ترجيحُ الإمساكِ؛ إذ الحفظُ خَوَّانٌ».
ثم يَنبغي أنْ تعلَمَ / ٢٤٥أ / أنّ شيخَنا - ﵀ - كانَ يقولُ وهو الحقُّ: «إنَّ ذلك ينبغي أنْ يكونَ محلُّهُ ما إذا كانَ الشيخُ والطالبُ بمستويينِ، فإنْ كانَ أحدُهما أعلمَ كانَ سماعُهُ بقراءةِ المفضولِ أرجحَ؛ لأنَّ قراءةَ المفضولِ أضبطُ له، والفاضلُ أوعى لما يسمعُ، والله الموفقُ».
قولهُ في شرحِ قولهِ: (وأجمعوا أخذًا بها) (٤): (أبو عاصم النَّبيلُ) (٥) في " صحيحِ البخاريِّ " (٦) في كتابِ العلمِ، قالَ البخاريُّ: «سمعتُ أبا عاصمٍ يذكرُ عن سفيانَ الثوريِّ ومالكٍ أنَّهما كانا يريانِ القراءةَ والسماعَ جائزًا». انتهى.
ظاهرُ ذلكَ منْ سكوتِهِ عليه أنَّه يراهُ، ويحتملُ أنَّه نقلَهُ وهو لا يراهُ، والله أعلمُ.
قولهُ: (فلم يسمعْ منه لذلك) (٧)، قالَ بعضُ أصحابِنا: قالَ الإمامُ عبدُ العظيمِ المنذريُّ في كتابهِ " الإعلامِ بأخبارِ شيخِ البخاريِّ محمدِ بنِ سلامٍ" بعدَ أنْ ذَكرَ ما
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٢.
(٤) التبصرة والتذكرة (٣٧٩).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٢.
(٦) صحيح البخاري ١/ ٢٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٣.
[ ٢ / ٤٦ ]
قالهُ الشيخُ هنا منْ عدمِ سماعِهِ منْ مالكٍ: «وقد ذكرَ الأميرُ أبو نصرِ بنُ ماكولا: أنَّ محمدَ بنَ سلامٍ سمعَ منْ مالكِ بنِ أنسٍ» (١)، قالَ: ويمكنُ الجمعُ بينَهما بأنْ يكونَ سمعَ منه بعد ذلك ما حدّث به منْ لفظِهِ.
قولهُ: (بحديثِ ضِمامِ بنِ ثعلبةَ) (٢) وهوَ ما رَواهُ الشيخانِ (٣) وغيرهما (٤) عن أنسِ بنِ مالكٍ، وغيرهِ (٥) من الصحابة - ﵃ -، قال: «بَينما نَحنُ جُلوسٌ مع النبيِّ - ﷺ - في المسجدِ دخلَ رجلٌ على جملٍ فأناخَهُ في /٢٤٥ ب/ المسجدِ، ثُمّ عَقَلَهُ، ثم قالَ: أيُّكم محمدٌ؟ - والنبيُّ - ﷺ - متكئٌ بين ظَهرانيهم - فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المتكئُ، فقالَ لهُ الرجلُ: ابنُ عبدِ المطلبِ، فقالَ لهُ النبيُّ - ﷺ -: قد أجبتُكَ، فقالَ الرجلُ للنبيِّ - ﷺ - (٦): إنِّي سائلُكَ فَمُشددٌ عَليكَ في المسألةِ فلا تجدْ عليَّ في نفسِكَ، فقالَ: سلْ عما بدا لكَ، فقالَ: أسألُكَ بربِّكَ وربِّ (٧) مَنْ قبلكَ آللهُ أرسلكَ إلى الناسِ كلهم؟ قالَ: اللهمَّ نَعَم » الحديثَ في سؤالِهِ عن شرائعِ الدينِ والإجابةِ عنها، فلما فَرغَ قالَ: «آمنتُ بما جئتَ بهِ، وأنا رسولُ مَنْ ورائي من قومي وأنا ضِمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ بنِ بكرٍ»، وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ (٨) عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّهُ لما رجعَ إلى قومِهِ اجتمعوا إليه فأبلغهم، قالَ: فواللهِ ما أمسى منْ ذَلِكَ اليومِ في حاضِرِه رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مُسلمًا.
_________________
(١) انظر: الإكمال ٤/ ٤٠٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٣.
(٣) صحيح البخاري ١/ ٢٤ (٦٢)، وصحيح مسلم ١/ ٣٢ (١٢) (١٠).
(٤) منهم: أحمد ٣/ ١٦٨، وأبو داود (٤٨٦)، وابن ماجه (١٤٠٢).
(٥) منهم: ابن عباس - ﵁ -.
(٦) من قوله: «قد أجبتك » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) في (ب): «وبرب».
(٨) مسند أحمد ١/ ٢٦٤.
[ ٢ / ٤٧ ]
يقولُ ابنُ عباسٍ: فما سمعنا بوافِدِ قومٍ كانَ أفضلَ منْ ضِمامِ بنِ ثعلبةَ - ﵁ -.
ولفظُ البخاريِّ في كتابِ العلمِ من " صحيحهِ ": «واحتجَّ بعضُهم في القراءةِ على العالِمِ (١) بحديثِ ضِمامِ بن ثَعلبةَ، قالَ للنبيِّ - ﷺ -: «آللهُ أمركَ أنْ تُصليَ الصلاةَ قالَ: نعمْ»، قالَ: فهذه قراءةٌ على النبيِّ - ﷺ - (٢) أخبرَ ضِمامٌ قومَه بذلك فأجازوهُ (٣) / ٢٤٦أ /، قالَ شيخُنا في " المقدمةِ ": «وقد وصلَهُ أبو داودَ (٤) من حديثِ ابنِ عباسٍ - ﵄- فقالَ: إنَّ ضِمامًا - ﵁ - قالَ لقومهِ عندما (٥) رَجعَ إليهم: إنَّ اللهَ قد بعثَ رسولًا الحديث (٦).
قولهُ: (وهو الصحيحُ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «والصحيحُ ترجيحُ السماعِ (٨) من لفظِ الشيخِ، والحكمُ بأنَّ القراءةَ عليهِ مرتبةٌ ثانيةٌ» (٩). انتهى.
وقد عرفتَ ما في ذلك من التفصيلِ الذي ذَكرهُ شيخُنا.
قولهُ: (وجودوا فيه) (١٠)، أي: في العرضِ المذكورِ في قولهِ: (عَرْضًا) (١١).
_________________
(١) من قوله: «من صحيحه » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) من قوله: «آلله أمرك أن تصلي » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٣) صحيح البخاري ١/ ٢٤ عقب (٦٢).
(٤) سنن أبي داود (٤٨٧).
(٥) في (ب): «بعدما».
(٦) هدي الساري: ٢١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٤.
(٨) انظر: نكت الزركشي ٣/ ٤٨٢.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٤.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٣٨٤).
(١١) التبصرة والتذكرة (٣٧٥).
[ ٢ / ٤٨ ]
قولهُ: (وأنا) (١) بإثبات الألفِ؛ لضرورةِ الوزنِ معَ جوازِ ذلك في السعةِ؛ لأنَّ بعدَها همزةٌ في مثلِ قراءةِ المدنيينِ: نافعٍ وأبي جعفر ٍ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢) ﴿وَأَنَا أَوَّلُ﴾ (٣) سواءٌ كانت مضمومةً أو مفتوحةً، وأمّا المكسورةُ مثل: ﴿أَنَا إِلاَّ﴾ (٤) ففيها خلافٌ عَنْ قالون (٥)، هذا في الوصلِ، وأمّا في الوقفِ فلا خلافَ في إثباتها لجميعِ القرّاءِ.
قولهُ: (الشافعي) (٦) مخالفٌ في القافية للذي قبلَهُ فإنَّ هذا من المتداركِ، وهو مؤسسٌ، و«الأوزاعيُّ» منَ المتواترِ (٧) المردفِ، والمخالفةُ في القافيةِ تقعُ كثيرًا لهُ ولغيرِهِ من ناظمي العلم.
قولهُ: (لأهله) (٨) الضميرُ للتجويزِ المضمن لقولهِ: «قد جوّزوا» (٩) وأبدلَ منَ المضافِ «أهلَ الأثرِ» لكثرةِ القائلينَ بهذا، كأنَّ غيرَهم لا عبرةَ بهم، فإنَّ محمدَ بنَ الحسنِ التميميَّ الجوهريَّ المصريَّ قالَ كما نقلَهُ عنهُ ابنُ الصلاحِ: «إنَّ هذا مذهبُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٣٨٤).
(٢) البقرة: ٢٥٨، وانظر: معجم القراءات القرآنية ١/ ١٩٧.
(٣) الأنعام: ١٦٣، وانظر: معجم القراءات القرآنية ٢/ ٣٤١.
(٤) الأعراف: ١٨٨، وانظر: معجم القراءات القرآنية ٢/ ٤٢٧.
(٥) مقريء المدينة، الإمام المجود النحوي، أبو موسى، عيسى بن مِينا، مولى بني زريق، يقال: كان ربيب نافع، فلقبه قالون؛ لجودة قراءته، كان شديد الصمم، وكان ينظر إلى شفتي القاريء ويَرُدُّ، توفي سنة (٢٢٠) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٦) التبصرة والتذكرة (٣٩١).
(٧) المتواتر: حرف متحرك بين ساكنين. الكافي في العروض والقوافي: ١٤٨.
(٨) التبصرة والتذكرة (٣٩٤).
(٩) التبصرة والتذكرة (٣٩٢).
[ ٢ / ٤٩ ]
الأكثرِ من أصحابِ الحديثِ الذينَ لا يُحصيهم أحدٌ، وإنَّهم جعلوا أخبرنا، علمًا / ٢٤٦ب / يقومُ مقامَ قولِ قائلِهِ (١): «أنا قرأتُهُ عليهِ، لا أنَّهُ لَفَظَ به لي»، قالَ: وممنْ كانَ يقولُ به من أهلِ زمانِنا أبو عبدِ الرحمانِ النسائيُّ في جماعةٍ مثلِهِ من مُحدِّثينا» (٢).
قولهُ: (بالدالِ) (٣)، أي: لا بالزاي فالمرادُ أنَّه جائزٌ جوازًا موصوفًا بالجودةِ.
قولهُ: (وأنا أسمعُ) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «أجودُها أنْ يقولَ: قرأتُ على فلانٍ، أو: قُرئَ على فُلانٍ وأنا أسمعُ فأقرَّ به، فهذا سائغٌ من غيرِ إشكالٍ» (٥).
قولهُ: (منَ التفرقةِ) (٦)، أي: كما سيأتي نقلُ ذلك عنه قريبًا.
قولهُ: (وذهبَ أبو بكرِ بنُ شهابٍ) (٧) إلى أنْ قالَ: (إلى جوازِ إطلاقهما) (٨)، أي: حدّثنا، وأخبرنا من غيرِ تقييدٍ، نُقِلَ عن " طبقات ابنِ سعدٍ " (٩) عن الواقديِّ، قالَ: «حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن أخي ابنِ شِهابٍ، سمعتُ عمي ما لا أحصي يقولُ: ما أُبالي قرأتُ على المحدّثِ أو حدَّثني، كلاهما أقولُ: حدَّثنا». انتهى.
_________________
(١) في (ب) كلمة غير مقروءة.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٦.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٨.
(٩) طبقات ابن سعد ١/ ١٧٤ (القسم المتمم).
[ ٢ / ٥٠ ]
قالَ ابنُ الصلاحِ: «ومن هؤلاءِ مَنْ أجازَ فيها أيضًا - أي: في العبارةِ عن القراءةِ - أنْ يقولَ: سمعتُ فلانًا» (١) وقالَ في مذهبِ الفَرقِ بينَ أخبرنا، فيجوزُ دونَ حدَّثنا: «وهو منقولٌ عن مسلمٍ صاحبِ الصحيحِ» (٢). انتهى.
قالَ النوويُّ فيما نُقلَ عنه: «وكانَ من مذهبِهِ - أي: مُسلِمٍ - الفرقُ بينَهما، وأنَّ حدّثنا لا يجوزُ إطلاقُهُ إلاّ لما سمعَهُ من لفظِ الشيخِ خاصةً، وأخبرنا لما قُرِئَ على الشيخِ، وهذا الفرقُ هو مذهبُ الشافعيِّ» (٣) إلى آخرِ كلامهِ. انتهى.
قالَ ابنُ الصلاحِ: «وقد قيلَ: إنَّ أوَّلَ مَنْ أحدثَ الفرقَ بينَ هذينِ اللفظينِ / ٢٤٧أ / ابنُ وَهْبٍ بمصرَ، وهذا يدفعُهُ أنَّ ذلك مرويٌّ عن ابنِ جُرَيجٍ والأوزاعيِّ، حكاهُ عنهما الخطيبُ أبو بكرٍ (٤) إلا أنْ يعني أنَّه أوَّلُ مَنْ فعلَ ذلك بمصرَ» (٥).
قولهُ: (أكثرُ علمائِنا) (٦) نُقلَ عن " طبقاتِ ابنِ سعدٍ " (٧) في ترجمةِ عبدِ الرحمانِ بنِ هرمزَ الأعرجِ بسندٍ فيه الواقديُّ، عن عثمانَ بنِ عبيدِ الله بنِ رافعٍ، قالَ: «رأيتُ مَنْ يقرأُ على الأعرجِ حديثَهُ عن أبي هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، فيقولُ: هذا حديثُكَ يا أبا داودَ - وهي كنيةُ الأعرجِ -، فيقولُ: نَعَم، قالَ: فيقولُ: فأقولُ: حدَّثني عبدُ الرحمانِ، وقد قرأتُ عليكَ؟ قالَ: نَعَم، قُلْ: حدَّثني عبدُ الرحمانِ بنُ هرمزَ».
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦، قال البلقيني: «وممن جوَّز إطلاق حدَّثنا في ذلك عطاء، والحسن، وأبو حنيفة، وصاحباه، وزفر، ومنصور».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
(٣) شرح صحيح مسلم ١/ ٢٢، والذي بعدها: «وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق».
(٤) الكفاية (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هـ).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٨.
(٧) طبقات ابن سعد ٥/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٥١ ]
قولهُ: (وهو الشائعُ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «الفرقُ بينهما صارَ هو الشائعَ الغالبَ على أهلِ الحديثِ، والاحتجاجُ لذلك منْ حيثُ اللغةُ عناءٌ وتكلُّفٌ، وخيرُ ما يُقالُ فيه: إنَّه اصطلاحٌ أرادوا به التمييزَ بينَ النوعينِ، ثمَّ خُصِّصَ النوعُ الأولُ بقولهِ (٢): حدثنا؛ لقوَّةِ إشعارِهِ بالنطقِ والمشافهةِ» (٣).
قولهُ: (وبعضُ مَنْ قالَ) (٤)، ثم قالَ: (الهرويُّ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: «أحدُ رؤساءِ أهلِ الحديثِ بخُراسانَ» (٦).
قولهُ: (تفريعات) (٧)، أي: على ما تأصَّلَ من (٨) أقسامِ التحملِ. عبارةُ ابنِ الصلاحِ عن الأولِ: «إذا كان أصلُ الشيخِ عندَ القراءةِ عليهِ بيدِ غيرِهِ، وهو موثوقٌ به مُراعٍ لِما يَقرَأُ، أهلٌ لذلك، فإنْ كان الشيخُ يحفظُ ما يُقرأُ عليه فهوَ كما لو كان أصلُهُ بيدِ نفسِهِ، بل أولى لتعاضُدِ ذهني / ٢٤٧ب / شخصينِ عليه - ثم ذكرَ فيما إذا أمسكهُ بعضُ السامعينَ نحو ما قالَ الشيخُ، ثمَّ قالَ - وإذا كان الأصلُ بيدِ القارئ وهو موثوقٌ به دِينًا ومعرفةً، فكذلكَ الحكمُ فيهِ، وأولى بالصِّحةِ» (٩)، أي: مما لو كان الأصلُ بيدِ سامعٍ آخرَ؛ لأنَّ القراءةَ في هذه الصورةِ أضبطُ في اتباعِ ما حملَهُ الشيخُ، والذهولُ فيها أقلُّ، وأمّا إمساكُ غيرِ الأهلِ، فقالَ فيه ابنُ الصلاحِ: «فسواءٌ كانَ بيدِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٩.
(٢) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «بقول».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٩.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٠.
(٨) في (ف): «فيه».
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٧.
[ ٢ / ٥٢ ]
القارئِ أو بيدِ غيرِهِ في أنَّه سماعٌ غيرُ معتدٍّ به إذا كان الشيخُ غيرَ حافظٍ للمقروءِ عليه» (١).
قولهُ: (وأكثرُ ميلِهِ إلى المنعِ) (٢) إلى آخره، قال الشيخُ في " النكتِ ":
«وَوهَّنَ السِّلفيُّ هذا الاختلافَ؛ لاتفاقِ العلماءِ على العملِ بخلافِهِ، فإنَّهُ ذكرَ ما حاصلُهُ: أنَّ الطالبَ إذا أرادَ أنْ يقرأَ على شيخٍ شيئًا منْ سماعِهِ هل يجبُ أنْ يُريَهُ سماعَهُ في ذلك الجزءِ، أم يكفيَ إعلامُ الطالبِ الثقةِ للشيخِ أنَّ هذا الجزءَ سماعُهُ (٣) على فلانٍ؟ فقالَ السِّلفيُّ: هما سِيَّان، على هذا عَهِدْنا علماءَنا عن آخرِهم، قالَ: ولم تزلِ الحُفّاظُ قديمًا وحديثًا يخرجونَ للشيوخِ منَ الأصولِ فتصيرُ تلكَ الفروعُ بعدَ المقابلةِ أصولًا، وهل كانت الأصولُ أولًا إلا فروعًا» (٤). انتهى.
قولهُ: (غيرُ شرطٍ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وإنَّ سكوتَ الشيخِ على الوجهِ المذكورِ نازلٌ منْزلةَ تصريحِهِ بتصديقِ القارئِ اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرةِ» (٦).
قولهُ: (وشَرَطَهُ بعضُ الظاهريةِ) (٧) قال ابنُ الصلاحِ: «وفي / ٢٤٨أ / حكايةِ بعضِ المصنفينَ للخلافِ في ذلكَ أنَّ بعضَ الظاهريةِ شَرَطَ إقرارَ الشيخِ عندَ تمامِ السماعِ بأنْ يَقولَ القارئُ للشيخِ: هو كما قرأتُهُ عليكَ، فيقولُ: نَعَم» (٨). وعبارة ابنِ الصلاحِ في النقلِ عن هذا الشرطِ قريبةٌ من عبارةِ الشيخِ، وهي غيرُ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٠.
(٣) من قوله: «في ذلك الجزء » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) التقييد والإيضاح: ١٧١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠١.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٨.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠١.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٨.
[ ٢ / ٥٣ ]
مبينةٍ، فإنْ كانَ المرادُ أنَّ الشرطَ في صحةِ السماعِ بحيثُ إنَّه إذا انتفى التلفظُ بالإقرارِ لا يصحُّ إسنادُ السماعِ إلى الشيخِ بلفظٍ منَ الألفاظِ، فذلك ممكنٌ في غيرِ ابنِ الصباغِ؛ لعدمِ المعرفةِ لعباراتِهم، وأمّا ابنُ الصباغِ فكلامُهُ ظاهرٌ في أنَّ السماعَ في نفسِهِ صحيحٌ، وأنَّ التلفظَ بالإقرار إنَّما هو شرطٌ في جوازِ الروايةِ بحدثنا، وأخبرنا، ونحوِهما، وأمّا بصيغةِ تَفهم الواقعَ فلا، وهوَ قولُ الغزاليِّ (١) ومنْ ذُكِرَ معه.
قولهُ: (والعَرْضِ) (٢) بالجرِّ عطفًا على قولهِ: «اللفظ» (٣)، والمفعولُ محذوفٌ، أي: واختارَ في العرضِ هذا التفصيلَ، وهو أنَّك: إن تسمعَ بقراءةِ غيرِكَ إلى آخرهِ، ويجوز أنْ يُرفعَ على أنَّه مبتدأٌ، وخبرُهُ جملةُ الشرطِ بتقديرِ رابطٍ، أي: إنْ تسمعْ فيه، أي: إنْ تكنْ سامعًا، فَقلْ: أخبرنا، أو تكنْ قارئًا فقُلْ: أخبرني.
قولهُ: (فسوَّى بينَ مسألَتي) (٤)، أي: لأنَّه إذا حدّث الشيخُ من لفظِهِ وسَمعَ جماعةٌ يقولُ كلٌ منهم: حدَّثنا فحصلتِ التسويةُ.
قولهُ: (فجائزٌ لمنْ سمعَ وحدَهُ أنْ يقولَ: أخبرنا وحدَّثنا) (٥)، قالَ صاحبُنا العلامةُ شمسُ الدينِ محمدُ بنُ / ٢٤٨ب / حسان القدسيُّ - ﵀ - فيما وجدتُهُ بخطِّهِ: «وَجَدْتُ السِّلفيَّ يفعلُ ذلك؛ فيقولُ: أخبرنا، وإنْ سَمعَ وحدَهُ، وطريقُ معرفتي لذلك أنَّهُ يفردُ نفسَهُ في كتابةِ التسميعِ، ويكتبُ أولَ الجُزءِ: أخبرنا،
_________________
(١) المستصفى ١/ ١٦٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٠٧).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٠٦).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٥٤ ]
ومن عادتِهِ كتابةُ مَنْ شارَكهُ في السماعِ (١)، وهذا هو اللائقُ بكلِّ أحدٍ فضلًا عنهُ» يعني: أنَّه لو كان سمعَ معه أحدٌ لَكَتَبهُ في الطبقةِ.
قولهُ: (ونحو ذلك) (٢)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «لأنَّ المحدِّثَ حدَّثهُ وحدَّثَ غيرَهُ» (٣).
قولهُ: (والشَّكُّ في الأخذِ) (٤) إلى آخره، أي: إنْ وقعَ فاعتبارُ الوحدةِ إلى آخرهِ.
قولهُ: (لأنَّ عدمَ غيرِهِ هو الأصلُ) (٥)، قالَ ابنُ الصلاحِ عقِبَهُ: «ولكنْ ذَكرَ عليُّ بنُ عبدِ اللهِ المدينيُّ الإمامُ عنْ شيخِهِ يحيى بنِ سعيدِ القطَّان» (٦) فذكرَهُ إلى قولهِ: «على الناقصِ» فقالَ: «لأنَّ عدم الزائدِ هو الأصل» (٧)، وهذا لطيفٌ. انتهى (٨).
لكنْ يمنعُ من هذا أنَّ الألفاظَ صارتْ - بعدَ تخصيصِ كلٍّ منها بمعنى - متباينةَ المعاني، فمتى أبدلَ منها لفظًا بآخرَ احتملَ أنْ يخبرَ بهِ عما لم يكنْ، مثلًا إذا غَيَّرَ «حدَّثنا» بـ «حدّثني» كانَ كأنَّه قال: حدَّثني من لفظِهِ وأنا وحدي، وقد يكونُ ذلك كذبًا، وكذا عكسُهُ؛ فإنَّ معناهُ: حدَّثني من لفظِهِ وأنا في جماعةٍ، والفرضُ أنَّه
_________________
(١) عبارة: «في السماع» لم ترد في (ف).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٩.
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٠٩).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٤.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٩.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٩.
(٨) لم ترد في (ب) و(ف).
[ ٢ / ٥٥ ]
شاكٌّ، فقد يكونُ كذبًا، وكذا «أخبرنا» و«أخبرني» فالاحتياط أنْ يقولَ إذا شكَّ في «حدثنا» و«حدثني»: حدَّثَ فلانٌ من لفظِهِ وأنا / ٢٤٩أ / أسمعُ، وإذا شكَّ في «أخبرنا» و«أخبرني» فَلْيَقُلْ: قُرِئ على فلانٍ وأنا أسمعُ، وهو أحسنُ عندي من «قَرَأْنا».
قولهُ: (والأصل: أنَّه لم يَقرَأْ) (١) قال الشيخُ في " النكت ": «هذا إذا مشينا على ما ذَكرَهُ المصنفُ تبعًا للحاكم: أنَّ القارئ يقولُ: أخبرني، سواءٌ سمعَ بقراءتِهِ غيره (٢) أم لا، أمّا إذا قُلنا: بما جزمَ به ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٣) من أنَّ القارئَ إذا كانَ معه غيرُهُ يقولُ: أخبرنا، فيتجهُ (٤) أنْ يُقالَ: الأصلُ عدمُ الزائدِ، لكن الذي ذَكرَهُ ابنُ الصلاحِ هوَ الذي قالَه عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، وأبو عبدِ اللهِ الحاكمُ، وهو المشهورُ، والله أعلمُ» (٥).
قولهُ: (فيقولُ فيه: قرأنا على فلانٍ) (٦) قالَ في " النكت " (٧): «فإنَّه يصحُّ (٨) إتيانُهُ بهذه الصيغةِ فيما قرأهُ بنفسه، وفيما سمعَهُ بقراءةِ غيرِهِ». انتهى. وفيه أنَّه يكونُ مُعظِّمًا (٩) لنفسِهِ إذا كان الواقعُ أنَّه وحدهُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٤.
(٢) في " التقييد والإيضاح ": «بقراءته معه غيره».
(٣) الاقتراح: ٢٢٦ و٢٢٨.
(٤) في " التقييد والإيضاح ": «فيتجه حينئذٍ».
(٥) التقييد والإيضاح: ١٧٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٤.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٧٣ - ١٧٤.
(٨) في " التقييد والإيضاح ": «يسوغ».
(٩) في (ب): «تعظيمًا».
[ ٢ / ٥٦ ]
قولهُ في قولِهِ: (وقال أحمدُ): (١) (ولا تَعَدْ) (٢) أصلها: تتعدَّى، فحذفت التاءُ الأولى تخفيفًا، ولامُ الفعلِ للجزمِ بالنهي.
قولهُ: (بأنَّه) (٣) متعلقٌ بـ «عُرف»، أي: عُرفَ بالتسويةِ بينَ اللفظينِ: البدلُ والمبدلُ.
وقولهُ: (فيرى) (٤)، أي: ابنُ الصلاحِ يقولُ بهذا.
قولهُ: (لا يرى التسوية) (٥) قالَ في " النكت ": «تعليلُ المصنفِ المنعَ، باحتمالِ أنْ يكونَ مَنْ قالَ ذلك ممن لا يرى التسويةَ بينَ «أخبرنا» و«حدَّثنا» ليسَ بجيدٍ من حيثُ إنَّ الحكمَ لا يختلفُ في الجائزِ والممتنعِ بأنْ يَكونَ الشيخُ / ٢٤٩ ب / يرى الجائزَ مُمتنعًا، أو الممتنعَ جائزًا، وقد صَرَّحَ أهلُ الحديثِ بذلك في مواضعَ، منها: أنْ يكونَ الشيخُ يرى (٦) جوازَ إطلاقِ «حدَّثنا» و«أخبرنا» (٧) في الإجازةِ، وأَذِنَ للطالبِ أن يقولَ ذلك إذا رَوَى عنه بالإجازةِ، فإنَّه لا يجوزُ ذلك للطالبِ، وإنْ أَذِنَ له الشيخُ، وقد صَرَّحَ به المصنفُ كما سيأتي - أي: في الكلامِ على المناولةِ - وكذلك أيضًا لم يشترطوا في جوازِ الروايةِ بالمعنى أنْ لا يكونَ في الإسنادِ مَنْ يَمنعُ ذلك، كابنِ سيرينَ، بل جَوَّزوا الروايةَ بالمعنى بشروطٍ ليس منها هذا» (٨).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤١٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٤١٢).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤١٤).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤١٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٦.
(٦) في المطبوع من " التقييد والإيضاح ": «ممن يرى».
(٧) في المطبوع من " التقييد والإيضاح ": «حدثنا وأنبأنا».
(٨) التقييد والإيضاح: ١٧٧.
[ ٢ / ٥٧ ]
قولهُ: (أنَّ قائلَ ذلك) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ولو وجدتَ من ذلك إسنادًا عرفتَ من مذهبِ رجالِهِ التسويةَ بينهما، فإقامَتكَ أحدَهما مقامَ الآخرِ من بابِ تجويزِ الروايةِ بالمعنى، وذلك وإنْ كان فيه خلافٌ معروفٌ، فالذي نراه: الامتناعُ» (٢) إلى آخرهِ.
قولهُ: (وما ذكره الخطيبُ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَهُ: «في "كفايتهِ" (٤) من إجراء ذلك الخلافَ في هذا فمحمولٌ عندنا» (٥) إلى آخره.
قولهُ: (وأقلُّ ما فيهِ) (٦)، أي: في كلام ابنِ الصلاحِ مما يدلُّ على ضعفِهِ أنْ يقتضيَ تجويزَ هذا .. إلى آخره، إنما يقتضي ذلك إذا عللَ بأنَّ فيه تغييرَ التصنيفِ المنقولِ منه، وليسَ في كلامِ ابنِ الصلاحِ هنا التعليلُ بذلكَ، نَعَم، قالَ في الروايةِ بالمعنى: إنَّه رخصَ فيها لما كان عليهم في ضبطِ الألفاظِ والجمودِ عليها منَ الحرجِ والنَّصبِ، وذلك غيرُ موجودٍ فيما اشتملتْ عليه /٢٥٠ أ/ بطونُ الأوراقِ والكتبِ؛ ولأنَّه إنْ ملكَ تغييرَ اللفظِ، فليسَ يملكُ تغييرَ (٧) تصنيفِ غيرِهِ، فلمْ يقتصرْ على تلك العلةِ حتى يلزمَهُ ما ألزمهُ.
لكنّ ابنَ دقيقِ العيدِ لم يصرّحْ بابنِ الصلاحِ فقد يكونُ الذي يُشيرُ إليه غيرَهُ، فإنّه قالَ في "الاقتراحِ" (٨) كما نَقَلهُ الشيخُ في "النكتِ" (٩): «ومما وَقعَ في
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٦.
(٤) الكفاية (٤٢٢ ت، ٢٩٢ هـ).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٧.
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) الاقتراح: ٢٤٢ - ٢٤٥.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٧٦.
[ ٢ / ٥٨ ]
اصطلاحِ المتأخرينَ: أنَّه إذا رُوِيَ كتابٌ مصنفٌ بيننا وبينَه وسائطُ، تَصرَّفوا في أسماءِ الرواةِ وقَلَّبوها على أنواعٍ إلى أنْ يَصِلُوا إلى المصنفِ، فإذا وصلوا إليه تبعوا لفظَهُ من غيرِ تغييرٍ، إلى أنْ قالَ: ينبغي أنْ ينظرَ فيهِ هل هوَ على سبيلِ الوجوبِ، أو هوَ اصطلاحٌ على سبيلِ الأَولى، وفي كلامِ بعضِهم ما يشيرُ إلى أنَّه ممتنعٌ؛ لأنَّه وإنْ كانَ لهُ الروايةُ بالمعنى، فليسَ لهُ تغييرُ التصنيفِ». انتهى.
فلم يُسمِّ المعترضَ عليهِ وذكرَ أنَّه عُللَ بهذه العلةِ المقتضيةِ لأنْ يُتصرفَ فيه كل تصرفٍ ما عدا أنَّا ننسخُهُ كاملًا مع تغييرِ ألفاظِهِ كلِّها أو بعضِها، فإنَّه لا يكونُ تَغييرُهُ إلا بذلك، وأمّا تغييرُ شيءٍ ينقلُ منه (١) لفظًا أو إلى تخاريجِنا فلا يُسمى تغييرَ التصنيفِ وإنْ كانَ فيه تغييرُ عبارةِ المصنفِ.
قولهُ: (وليس هذا) (٢)، أي: كلامُ الذي اعترضَ عليه جاريًا على الاصطلاحِ، تتمةُ كلامِ ابنِ دقيقِ العيدِ كما قالَ في " النكتِ " (٣): «فإنَّ الاصطلاحَ على أن لا تُغَيَّرَ الألفاظُ بعدَ الانتهاءِ إلى الكتبِ المصنفةِ سواءٌ رويناها /٢٥٠ ب / فيها أو نقلناها منها». انتهى.
قولهُ: (لا نُسلِّمُ أنَّه) (٤)، أي: كلامَ ابنِ الصلاحِ يقتضي ذلك إلى آخرهِ، فيه نظرٌ؛ لأنَّه إذا سُلِّمَ له أنَّه عللَ بما ذَكَرَ لَزمهُ ما ألزمَهُ، ولا يقدحُ فيهِ الإشعارُ بما أرادَهُ من قولهِ آخر الكلامِ: وما ذكرهُ محمولٌ إلى آخرهِ، فكان ينبغي أنْ يُعللَ بأنَّه لم يُعللْ هنا بذلكَ، وحيثُ عَلَّلَ به (٥) لم يقتصرْ عليه، بل ضمَّ إليه ما يقتضي الامتناعَ على كلِّ حالٍ.
_________________
(١) في (ب): «عنه».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٧.
(٣) التقييد والإيضاح: ١٧٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٧.
(٥) في جميع النسخ الخطية: «بأنَّه»، ولعل الصواب ما أثبتنا؛ ليستقيم النص.
[ ٢ / ٥٩ ]
قولهُ: (الإسفراييني) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «الفقيهُ الأصوليُّ» (٢).
قولهُ: (الصِّبْغيِّ) (٣)، قالَ (٤): «أحدُ أئمةِ الشافعيينَ بخراسانَ» (٥).
قولهُ: (عارم) (٦) هو محمدُ بنُ الفَضْلِ، و«عارمٌ» لقبُ سوءٍ وقعَ على رجلٍ صالحٍ؛ فإنَّ العَرامَةَ شَراسةُ الأخلاقِ والأذى، عَرَمَ كنَصَرَ وضَرَبَ وكَرُمَ وعَلِمَ، فهو عارِمٌ، وعَرِم الصبيُّ أشِرَ ومَرِحَ، أو بطرَ، أو فَسَدَ، ذَكرَهُ في " القاموس " (٧).
قولهُ: (ويصحُّ بحيثُ) (٨) الصوابُ كما هو عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ويَصحُّ إذا كان بحيثُ لا يمتنعُ معه الفَهْمُ» (٩).
قولهُ: (أو كانَ السامعُ بعيدًا) (١٠) نُقلَ عن ابنِ كثيرٍ: أنَّه حَكَى عن شَيخِهِ الحافظِ جمالِ الدينِ المزيِّ أنَّه كان يكتبُ في (١١) مجلسِ السَّماعِ وينعسُ في بعضِ الأحيانِ، ويَردُّ على القارئ رَدًا جَيدًا بَيّنًا وَاضحًا بحيثُ يتعجّبُ القارئُ، ثم حَكى أنّه كان يحضرُ عند المزيِّ مَن يفهمُ ومَنْ لا يفهمُ، والبعيدُ منَ القارِئ، والناعسُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤١٧).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٠.
(٣) التبصرة والتذكرة (٤١٧).
(٤) جاء في حاشية (أ): «أي: ابن الصلاح».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٨.
(٧) القاموس المحيط مادة (عرم).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٨.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦١.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٩.
(١١) لم ترد في (ب).
[ ٢ / ٦٠ ]
والمتحدِّثُ، والصبيانُ الذينَ لا ينضبطُ أمرُهم بل يلعبونَ غالبًا، ولا يشتغلونَ / ٢٥١أ / بمجرّدِ السماعِ، ويُكتبُ للكلِّ بحضورِ المزيِّ السماعَ، قال: «وبَلغني عنِ القاضي تقي الدينِ سليمانَ: أنَّه زُجرَ في مجلسِهِ الصبيانُ عنِ اللعبِ، فقال: لا تزجروهم فإنَّا إنَّما سَمعنا مِثلَهم» (١).
قولهُ: (نحو الكلمةِ والكلمتينِ) (٢)، قالَ شيخُنا: «ينبغي أنْ يكونَ الأمرُ دائرًا على ما لا يكونُ فَوتُهُ والذهولُ عنه مُخلًا بفهمِ الباقي».
قلتُ: ويدلُّ على ما قالَهُ شيخُنا ما يأتي عنِ الإمام أحمدَ، والله أعلم.
قولهُ في قولهِ: (وينبغي) (٣): (في سَنِّهِ) (٤) هو (٥) مصدرٌ مُضافٌ إلى ضميرِ «الأنماطيِّ».
قولهُ: (لا غِنَى في السماعِ عن الإجازةِ) (٦) هذا على سبيلِ التأكيدِ، لا أنَّه شرطٌ في صحةِ السماعِ، فإنّ هذا الاحتمالَ موجودٌ في كُلِّ عَصرٍ، ولم يَكُنِ المتقدمونَ يَقفونَ الرِّوايةَ على ذلكَ.
قولهُ في قولهِ: (وسُئِلَ ابنُ حَنبلٍ) (٧): (الشيخُ يُدْغِمُ الحرفَ يُعرفُ) (٨) «الشيخُ» مبتدأٌ، «يدغمُ» خبرهُ، «يعرفُ» مبنيٌّ للمفعول.
قولهُ: (وإنَّما فَهَّمهُ) (٩) منَ التفهيمِ.
_________________
(١) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٤٠ - ٣٤٢ وبتحقيقي: ١٨٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٢٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٠.
(٥) في (ب): «وهو».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٠.
(٧) التبصرة والتذكرة (٤٢٦).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٠.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١١.
[ ٢ / ٦١ ]
قولهُ في قولهِ: (وخَلَفُ بنُ سالِمٍ) (١): (إذ فاتهُ) (٢) ضميرُهُ لـ «خلفٍ».
وقولهُ: (منْ قولِ سفيانَ) (٣) متعلقٌ ب «فَاتَهُ»، وليسَ الأمرُ كذلك، لم يفتْ خلفًا شيءٌ مما حَدَّثه به سُفيانُ، وإنَّما حَقُّ الضمير أنْ يكونَ ل «سفيانَ»؛ فهوَ الذي فاتهُ ذلك منْ قولِ عمرٍو، فصوابهُ أنْ يقولَ:
وخلفٌ قد قال عنْ سفيانَ نا منْ قولِ عمرٍو ثم سفيانُ اكتفى
وقولهُ: (اقتفى) (٤) صفةُ «مُستملٍ»، تقديرُه: بلفظٍ اتبعَ ذلكَ المستملي اللفظَ عنِ المملي.
قولهُ: (أفتى: إستَفْهمِ) (٥) هذا الأمرُ تعليلٌ للتشبيهِ، أي: لأجلِ أنَّهُ قالَ لمنْ سألَهُ أنْ / ٢٥١ ب / يُعيدَ لهُ: استفهمِ الذي يَليكَ.
قولهُ: (كلٌّ ينقلُ) (٦)، أي: ثم كلٌ منهم ينقلُ ما سمعَه منَ المملي، وما استفهمَهُ من بعضِ أصحابِهِ عن المملي، ولو قدَّمَ الناظمُ «ثم» وأخَّر «عنه» (٧) لكانَ أحسنَ.
قولهُ: (المُخَرِّمي) (٨) نسبةً إلى المُخَرِّمِ، بضمِّ الميمِ، وفتحِ المعجمةِ، وكسرِ المهملةِ المشددةِ، محلةٌ ببغدادَ (٩).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٢٩).
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٢٩).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٣٠).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٣٠).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤٣١).
(٦) التبصرة والتذكرة (٤٣٣).
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٢.
(٩) الأنساب ٤/ ٢٤٨.
[ ٢ / ٦٢ ]
قولهُ: (وهي حَدَّثَ) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «قد كان كثيرٌ من أكابرِ المحدِّثينَ يَعْظُمُ الجمعُ في مجالِسِهم جدًَّا حتى بَلغَ أُلُوفًا مؤلَّفةً، ويُبَلِّغُهم عنهم المستَملونَ، فيكتُبُونَ عنهم (٢) بواسطةِ المستملينَ، فأجازَ غيرُ واحدٍ لهم روايةَ ذلك عنِ المملي، رُوِّينا عنِ الأعمشِ - إلى أنْ قالَ -: وأبى آخرونَ ذلك» (٣).
قالَ الشيخُ في " النكتِ ": «أطلقَ المصنفُ حكايةَ الخلافِ من غيرِ تقييدٍ بكونِ المملي يسمعُ لفظَ المستملي أم لا، والصوابُ التقييدُ، فإنْ كان الشيخُ صَحيحَ السمْعِ بحيثُ يسمعُ المستملي الذي يُملي عليهِ، فالسَّماعُ صَحيحٌ، ويجوزُ له أنْ يرويَهُ عنِ المملي دونَ ذِكرِ الواسطةِ كما لو سمعَ على (٤) الشيخِ بقراءةِ غيرِهِ، فإنَّ القارئَ والمستمليَ واحدٌ، وإنْ كان في سَمعِ الشيخِ ثقلٌ بحيثُ لا يسمعُ لفظَ المستملي فإنَّه لا يسوغُ لمن لم يسمعْ لفظَ الشيخِ أنْ يَرويَهُ عنه إلا بواسطةِ المستملي، أو المبلغِ له عنِ الشيخِ أو المفهمِ للسامعِ ما لم يبلغْهُ كما ثَبتَ في "الصحيحينِ" منْ روايةِ عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن جابرِ بنِ سمرةَ - ﵁ -، قالَ: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - / ٢٥٢أ / يقولُ: «يكونُ اثنا عشرَ أميرًا، فقالَ كلمةً لم أسمعْها، فقالَ أبي: إنَّه قال: كُلُّهم من قريشٍ» لفظُ البخاريِّ (٥)، وقالَ مسلِمٌ (٦): «ثم تكلمَ بكلمةٍ خفيتْ عليَّ، فسألتُ أبي: ماذا قال؟ قالَ: كلُّهم من قريش»، فلم يروِ جابرُ بنُ سمرةَ الكلمةَ التي خَفِيَتْ عليهِ إلا بواسطةِ أبيهِ، ويمكنُ أنْ يُستدلَّ للقائلينَ (٧)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٢.
(٢) في (ب): «عليهم».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٢ و٢٦٣.
(٤) في (ب): «عن».
(٥) صحيح البخاري ٩/ ١١١ (٢٧٢٣).
(٦) صحيح مسلم ٦/ ٢ (١٨٢١).
(٧) في "التقييد والإيضاح": «القائلون».
[ ٢ / ٦٣ ]
بالجوازِ بما رواهُ مُسلِمٌ (١) في " صحيحهِ " من روايةِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ: «كتبتُ إلى جابرِ بنِ سَمُرةَ - ﵁ - معَ غُلامي نافعٍ، أنْ أخبرني بشيءٍ سمعتَهُ من رسولِ اللهِ - ﷺ -، فكتبَ إليَّ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يومَ جمعةٍ عَشيَّةَ رَجْمِ الأسلميِّ - ﵁ -، قالَ: لا يزالُ الدينُ قائمًا حتى تقومَ الساعةُ، أو يكونَ عليكم اثنا عشرَ خليفةً كُلُّهم من قريشٍ» فلم يفصلْ جابرُ بنُ سَمُرةَ الكلمةَ التي لم يسمعْها، وقد يجابُ عنه بأمورٍ:
أحدها: إنَّه يحتملُ أنَّ بعضَ الرواةِ أدرجَهُ وفصلها الجمهورُ، وهم: عبدُ الملك بنُ عميرٍ، والشعبيُّ، وحُصينٌ، وسماكُ بنُ حربٍ، ووصلَهُ عامرٌ.
والثاني: إنَّه قَدِ اتفقَ الشيخانِ على روايةِ الفصلِ، وانفردَ مسلمٌ بروايةِ الوصلِ.
والثالث: إنَّ روايةَ الجمهورِ سماعٌ لهم من جابرِ بنِ سَمُرةَ - ﵁ -، وروايةَ عامر بنِ سعدٍ كتابةٌ ليستْ مُتَّصلةً بالسماعِ.
والرابع: إنَّ الإرسالَ جائزٌ خصوصًا إرسال الصحابةِ / ٢٥٢ب / عن بَعضِهم، فإنَّ الصحابةَ كُلَّهم عدولٌ، ولهذا كانتْ مراسيلُهم حُجةً، خِلافًا للأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفرايينيِّ؛ لأنَّ الصحابةَ قد يَروونَ عنِ التابعينَ، والله أعلم». (٢) انتهى.
والجوابُ عن هذه الأجوبةِ: أنَّ تفصيلَهُ كانَ لمن كانَ يشافهُهُ تبرعًا بما لا يلزمُهُ، فلما كَتبَ وكانتِ الكتابةُ أضيقَ أمرًا منَ المشافهةِ فترَكَ التفصيلَ، عُلمَ أنَّه يرى أنَّه غيرُ لازمٍ.
_________________
(١) صحيح مسلم ٦/ ٢ (١٨٢١).
(٢) التقييد والإيضاح: ١٧٨.
[ ٢ / ٦٤ ]
وأمّا مراسيلُ الصحابةِ فإنَّهم لا يُعبرونَ عنها بلفظِ السماعِ، فافترقَ الحالُ، والله أعلم.
قولهُ: (منَ الحديثِ شَمُّهُ) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ لما ذكرَ أنَّ مثلَ ذلك تساهلٌ بعيدٌ: «وقد رُوِّينا عن أبي عبدِ اللهِ بنِ منده الحافظِ الأصبهانيِّ أنَّه قال لواحدٍ من أصحابهِ: يا فلانُ، يكفيكَ منَ السَّماعِ شمُّهُ، وهذا إمَّا متأولٌ أو متروكٌ على قائلهِ، ثم وجدتُ عن عبدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الحافظِ، عن حمزةَ بنِ محمدٍ الحافظِ بإسنادِهِ، عن عبدِ الرحمانِ بنِ مهديِّ أنَّه قالَ: يَكفيكَ منَ الحديثِ شَمُّهُ.
قال عبدُ الغنيِّ: قال لنا حمزةُ: يعني: إذا سُئلَ عن أولِ شيءٍ عرفهُ، وليس يعني التَّسَهُّلَ في السَّماعِ». (٢) انتهى.
وهو يَرجِعُ إلى الحَثِّ على الحفظِ والفَهْمِ بحيثُ إنَّه يَصيرُ إذا سُئِلَ عن حَديثٍ يَكفيهِ في مَعرفتِهِ ذكرُ طَرفِهِ، فإذا ذُكِرَ له طَرفٌ منه عرفَ ذلك الحديثَ المرادَ بالسؤالِ عنه، وبادرَ إلى ما أريدَ منَ جوابِهِ.
قولهُ: (إذا أوّل شيءٍ سئلًا عرفَهُ) (٣) «أولُ» مَرفوعٍ بفعلٍ مَحذوفٍ يَدلُّ عليه الشرطُ الذي هو «سُئلَ»، أي: إذا ذُكرَ له أولُ شيءٍ منَ الحديثِ على جهةِ السؤالِ عنه عَرفَ الحديثَ كلَّه، ويجوزُ أنْ يكونَ منصوبًا بنزعِ الخافضِ، أي: إذا سُئل عَن أوَّلِ شيءٍ منَ الحديثِ عرفَ الحديثَ.
قولهُ في قولهِ: (وإنْ يُحدِّثْ) (٤): (عرفتَهُ) (٥) الضميرُ المنصوبُ فيه للمُحدِّثِ، فالتقديرُ: وإنْ يحدِّثْ من وراءِ سترٍ محدِّثٌ عرفتَهُ. هذا على تقديرِ أنَّ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٣٤).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٣.
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٣٥).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٣٦).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤٣٦).
[ ٢ / ٦٥ ]
«مِنْ» جارةٌ، ويجوزُ أنْ تفتحَ ميمُها فتكونَ نكرةً موصوفةً ف «عرفتَهُ» أيضًا صفتُها، أو تكون موصولةً ف «عرفته» حالٌ.
قولهُ: (بصوتهِ (١» (٢)، أي: إذا كان يحدِّثُ من لفظِهِ، وهو يَعرفُ صوتَهُ.
قولهُ: (أو (٣) ذي خُبْرٍ) (٤)، أي: إذا كان لا يعرفُ صوتَهُ فَعرَّفهُ ثقةٌ أو عرفَهُ بأنَّ هذا (٥) بصوتِهِ فيما إذا حدَّثهَ بلفظِهِ أو بحضورهِ لما يقرأ، وسماعه (٦) فيما إذا قُرئَ عليه، صَحَّ السماعُ.
قولهُ: (وإنَّ بلالًا) (٧) بكسرِ الهمزةِ على الحكايةِ، قال ابنُ الصلاحِ: «واحتجَّ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ الحافظُ في ذلك بقوله - ﷺ -: «إنَّ بلالًا »
الحديث (٨)، ثم قالَ: ورَوَى بإسنادهِ عن شُعْبةَ أنّه قالَ: إذا حدَّثَكَ» (٩) إلى آخرهِ.
قولهُ في قولهِ: (ولا يَضُرُّ) (١٠): (أنْ يمنعَهُ) (١١) في مَوضعِ رَفعٍ على أنَّه فاعلُ «يضرُّ»، و«الشيخُ» فاعلُ «يمنعُ»، و«أنْ يروي» مفعولُهُ.
_________________
(١) في (أ) و(ف): «بصوت».
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٣٦).
(٣) في (ب): «وذي».
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٣٦).
(٥) عبارة: «أو عرفه بأن هذا» لم ترد في (ب).
(٦) عبارة: «لما يقرأ، وسماعه» لم ترد في (ب).
(٧) التبصرة والتذكرة (٤٣٧).
(٨) الحديث في صحيح البخاري١/ ١٦٠ (٦١٧) و٣/ ٣٧ (١٩١٨)، وصحيح مسلم ٢/ ٣ (٣٨٠) (٧). وانظر: تمام تخريجه في تحقيقنا لمعرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٤ هامش (٤).
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٤.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٤٣٨).
(١١) التبصرة والتذكرة (٤٣٨).
[ ٢ / ٦٦ ]
قولهُ: (كما صَرَّحَ به الأستاذُ) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وسألَ الحافظُ أبو سعدِ بنُ علَّيكٍ (٢) النيسابوريُّ الأستاذ أبا / ٢٥٣ب/ إسحاقَ الإسفرايينيَّ عن مُحدِّثٍ خَصَّ بالسماعِ قومًا، فجاءَ غيرُهم وسمعَ منه من غيرِ علمِ المحدّثِ به، هل يجوزُ لهُ روايةُ ذلك عنهُ؟ فأجابَ بأنَّه يجوزُ، ولو قالَ المحدِّثُ: إني أخبركم ولا أخبرُ فلانًا، لم يضرَّهُ» (٣).
قولهُ في قولهِ: (ثم الإجازة) (٤): (قَطْ) (٥) بفتحِ القافِ وسكونِ المهملةِ، بمعنى: حسب، والجزءُ مخبولٌ، فالقافيةُ منَ المتكاوسِ (٦)، وهي مخالفةٌ لقافيةِ البيتِ الأولِ، فإنَّها منَ المتراكبِ (٧).
قولهُ: (بأنْ للشافعيّ) (٨) مخففةٌ منَ الثقيلةِ، أي: بأنَّه.
قولهُ: (القاضي) (٩) بدلٌ من قولهِ (١٠) «بعض» (١١) «حسينٌ» (١٢) في نسخةٍ مُنكر فهو مُنوَّنٌ، والجزء الأخيرُ مطويٌّ، وفي نسخةٍ «الحسينُ مَنَعا» مخبولٌ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٥.
(٢) هو الحافظ أبو سعد، عبد الرحمان بن الحسين بن عليك النيسابوري، توفي سنة (٤٣١ هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٠٩، وقد حصل خلاف في ضبط لفظة "عليك" انظره في: الإكمال ٦/ ٢٦٢، وتبصير المنتبه ٣/ ٩٦٦، ونزهة الألباب ٢/ ٣٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٥.
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٤٠).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤٤٣).
(٦) جاء في حاشية نسخة (أ): «أربع متحركات بين ساكنين».
(٧) جاء في حاشية نسخة (أ): «أي: ثلاث متحركات بين ساكنين».
(٨) التبصرة والتذكرة (٤٤٤).
(٩) التبصرة والتذكرة (٤٤٥).
(١٠) لم ترد في (ب) و(ف).
(١١) التبصرة والتذكرة (٤٤٤).
(١٢) التبصرة والتذكرة (٤٤٥).
[ ٢ / ٦٧ ]
لاجتماعِ الخبنِ فيه، والطيِّ، فيخالفُ حينئذٍ قافيةَ البيتِ الثاني، فالتنكيرُ أحسنُ للموافقةِ.
قولهُ: (لبطلتْ رحلةُ) (١) بالضمِّ وبالكسرِ، أي: انتقالُهم من بلدٍ إلى بلدٍ، قالَ في " القاموسِ ": «وارتحلَ البعيرُ: سارَ فمضى (٢)، والقومُ عنِ المكانِ انتقلوا كترحَّلوا، والاسمُ: الرحلةُ بالضمِّ والكسرِ، أو بالكسرِ الارتحالُ، و(٣) بالضمِّ: الوجهُ الذي تقصدُهُ، والسفرةُ الواحدةُ» (٤).
قولهُ: (والأكثرونَ طُرًا) (٥)، أي: جمعًا. قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ القَزَّازُ في " ديوانهِ ": «وطر وبرُ البعيرِ: إذا تَساقطَ ثم نَبتَ، وأصلُهُ القطعُ، ثم قالَ: ويُقالُ: طررتُ القومَ إذا مررتُ بهم جميعًا، ومنه يقالُ: مررتُ بالقومِ طُرًا، أي: جمعًا، وهو اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ».
قولهُ: (فهرَسَتي) (٦) قالَ في " القاموس " / ٢٥٤ أ /: «الفِهْرِسُ - بالكسرِ -: الكتابُ الذي تُجمعُ فيه الكتبُ، مُعَرَّبُ فِهْرِسْت (٧)، وقد فَهرَسَ كتابَهُ» (٨).
قولهُ: (ولم يُفصِّلْ) (٩)، أي: أطلقَ نفيَ الخلافِ في الإجازةِ من غيرِ تَقييدٍ بكونِها لمعيَّنٍ في مُعينٍ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٤٤٦).
(٢) في " القاموس المحيط ": «ومضى». .
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) القاموس المحيط مادة (رحل).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤٤٨).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٦.
(٧) في نسخة (أ) ضبطت: «فَهْرَسْت»، والمثبت من " القاموس المحيط ".
(٨) القاموس المحيط مادة (فهرس).
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٦.
[ ٢ / ٦٨ ]
قولهُ: (عنِ الشافعيِّ) (١) قال ابنُ الصلاحِ: «ورُويَ عن صاحبِهِ الرّبيعِ ابنِ سُليمانَ، قال: كان الشافعيُّ لا يرى الإجازةَ في الحديثِ. قال الربيعُ: أنا (٢) أخالفُ الشافعيَّ (٣) في هذا» (٤).
قولهُ: (وقَطَعَ) (٥) لم يحكِ ابنُ الصلاحِ القطعَ عنِ القاضي، إنَّما حكاهُ عنِ الماورديِّ كما وقعَ في النظمِ (٦) فإنَّ عبارتَهُ: «وقد قالَ بإبطالِها جماعةٌ منَ الشافعيينَ منهم القاضيانِ حسينُ بنُ محمدٍ المَرْوَرُّوذيُّ (٧)، وأبو الحسنِ الماورديُّ (٨)، وبه قطعَ الماورديُّ في كتابهِ " الحاوي " (٩») (١٠) إلى آخرهِ.
قولهُ: (أبو نَصرِ الوائليُّ السجزيُّ) (١١) قال ابنُ الصلاحِ: «وحَكَى أبو نصرٍ فسادَها عن بعضِ مَنْ لقيَهُ. قالَ أبو نصرٍ: وسمعتُ جماعةً من أهلِ العلمِ يقولون: قولُ المحدِّثِ: قد أجزتُ لكَ أنْ ترويَ عنِّي، تقديرُهُ: أجزتُ لك ما لا يجوزُ لي في
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٧.
(٢) في (ب): «وأنا».
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح: ٢٦٢.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٧.
(٦) التبصرة والتذكرة (٤٤٥).
(٧) نسبة إلى مَرْوَرُّوذ: بفتح الميم، وسكون الراء المهملة، وفتح الواو، وتشديد الراء المهملة المضمومة، وبعد الواو ذال معجمة، وهي من أشهر مدن خراسان. وفيات الأعيان ١/ ٦٩، والأنساب ٥/ ١٤٥.
(٨) بفتح الميم وسكون الألف وفتح الواو وسكون الراء، وفي آخرها دال مهملة، وهذه النسبة إلى بيع ماء الورد وعمله. انظر: الأنساب ٥/ ٦١، واللباب ٣/ ١٦٥.
(٩) الحاوي ٢٠/ ١٤٦، وأدب القاضي، له ١/ ٣٨٧ - ٣٨٩، وروضة الطالبين ١١/ ١٥٧.
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٦.
(١١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٧.
[ ٢ / ٦٩ ]
الشَّرْعِ؛ لأنّ الشرعَ لا يُبيحُ روايةَ ما لم يَسمعْ (١)، قالَ: ويُشبهُ هذا ما حَكاهُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ ثابتٍ الخُجنديُّ (٢) أحدُ مَنْ أَبطلَ الإجازةَ منَ الشافعيةِ، عن أبي طاهِرٍ الدّباسِ -أحد أئمة الحنفيةِ - قالَ: مَنْ قالَ لغيرِهِ: أجزتُ لك أنْ ترويَ عنِّي ما لم تسمع، فكأنَّهُ يقولُ: أجزتُ لك أن تكذبَ عليَّ» (٣).
قولهُ: (وإجازةِ الروايةِ بها) (٤) قال ابنُ الصلاحِ: «وفي الاحتجاجِ لذلك غُموضٌ ويتجهُ: أن / ٢٥٤ ب/ نقولَ: إذا أجازَ له أنْ يَرويَ عنه مَرْوياتِهِ فقد أخبرهُ بها جُملةً، فهو كما أخبَرَهُ تفصيلًا، وإخبارُهُ بها غيرُ مُتوقِّفٍ على التصريحِ نُطقًا كما في القراءةِ على الشيخِ - كما سَبَقَ - وإنَّما الغرضُ حُصُولُ الإفهامِ والفَهْمِ، وذلك يحصلُ بالإجازةِ المفهمةِ، والله أعلم» (٥).
قولهُ: (والثانِ: أن يُعيِّنَ) (٦) حذفَ الياءَ من الثاني؛ لضرورةِ الوزنِ.
قولهُ: (بشرطه) (٧)، أي: من ثقة رجالِهِ واتصالِه ونحوِ ذلكَ من شروطِ الصحيحِ، وأنْ لا يمنعَ منه مانعٌ كنسخٍ أو معارضةٍ لما هو أقوى منه، ونحو ذلك.
قولهُ: (أقوى منَ الخلافِ) (٨)، أي: لأنَّ الانتشارَ في هذا أقوى بعدمِ الضبطِ والتعيينِ في الشيء المجازِ له، وتعيينُهُ أضبطُ من تعيينِ المجازِ؛ لأنَّ الراويَ
_________________
(١) قال الزركشي ٦/ ٥٠٦: «وهذه مصادفة على المطلوب؛ لأن الذي يبيح الإجازة والرواية بالإجازة يمنع هذه المقدمة، وهذا عين النِزاعِ الذي جعله السجزي دليلًا على منع الرواية بالإجازة، وهذا القول خارج من دأب العلماء».
(٢) بضم الخاء المعجمة، وفتح الجيم، وسكون النون. انظر: الأنساب ٢/ ٣٧٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٧.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٦) التبصرة والتذكرة (٤٥٠).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٨.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٨.
[ ٢ / ٧٠ ]
إذا تعيّنَ لم تُقبلِ (١) الجهالةُ بوجهٍ بخلافِ المرويِّ، فإنّهم جعلوا من تَعيينِهِ أنْ يقولَ: الكتابُ الفلانيُّ، وهو ينقسمُ إلى أبوابٍ، وفصولٍ وأحاديثَ لا تستحضرُ كلّها وقتَ الإجازةِ.
قولهُ في الثالث: (فاحذر) (٢)، أي: السماعَ بها والروايةَ.
قولهُ: (ونحو ذلك) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ عَقِبَهُ: «فهذا نوعٌ تكلَّمَ فيه المتأخِّرونَ ممن جَوَّز (٤) أصلَ الإجازةِ واختلفوا في جوازِهِ» (٥).
قولهُ: (لم نرَ، ولم نسمعْ) (٦) لا يردُ عليه أنَّه استعملها من تَقدَّمَ عليه كالحافظِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ خيرِ بن عُمرَ الأمويِّ - بفتحِ الهمزةِ - الأشبيليِّ - خالِ أبي القاسمِ السهيليِّ - فإنَّه / ٢٥٥أ / رَوَى في برنامجِهِ المشهورِ بالإجازةِ العامةِ فإنَّه قد يخفَى ذلك على ابنِ الصلاح.
قولهُ: (إنَّه استعملَ) (٧)، أي: وإنْ كانَ يَرى صحتَها استغناءً عنها بالسماعِ احتياطًا للخروجِ من الخلافِ، ولما قالَ ابنُ الصلاحِ من كَراهةِ الاسترسالِ في التوسعِ، أشارَ إلى ذلك في " النكتِ "، وقالَ: «ما رجَّحَهُ المصنفُ من عدم صحتِها، خالفَهُ فيه جمهورُ المتأخرينَ، وصحّحهُ النوويُّ في " الروضةِ " (٨») (٩)،
_________________
(١) في (ف): «يقبل».
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٥٤).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٨.
(٤) في (ف): «جوزوا».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٩.
(٨) روضة الطالبين ١١/ ١٥٨.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٨٢.
[ ٢ / ٧١ ]
وعدَّ مَنْ ذَكرَهُ في الشرحِ (١)، وعبارةُ النوويِّ في " الروضةِ " في الطرفِ الثاني في مستندِ قضاءِ القاضي منَ البابِ الثاني في " جامعِ آدابِ القضاءِ " بعدَ أنْ ذَكرَ أنّ مِن صُورِها أن تقولَ (٢) أجزتُ كلَّ أحدٍ: «فالصحيحُ (٣) أيضًا جوازُها، وبه قطعَ القاضي أبو الطيبِ، وصاحبُهُ الخطيبُ البغداديُّ، وغيرُهما من أصحابِنا، وغيرُهم منَ الحفّاظِ، ونقلَ الحافظُ أبو بكرٍ الحازميُّ المتأخرُ منْ أصحابِنا، أنَّ الذينَ أدرَكهم منَ الحفَّاظِ، كانوا يَميلونَ إلى جَوازِها».
قولهُ: (والسِّبطُ) (٤)، أي: سبطُ الحافظِ أبي طاهرٍ السِّلفيِّ، وهو أبو القاسمِ عبدُ الرحمانِ بنُ مكيِّ بن الحاسبِ (٥).
قولهُ: (وأنا أتوقفُ) (٦) عبارتُهُ في " النكتِ ": «والاحتياطُ تركُ الروايةِ بها، واللهُ أعلمُ» (٧).
قولهُ في قولهِ: (وما يَعُمُّ) (٨): (قالَهُ ابنُ الصلاحِ (٩» قالَ في " النكتِ ": «تقدّمَ أنَّ المصنفَ اختارَ عدمَ صحةِ الإجازةِ العامةِ، وقالَ في هذه الصورةِ منها: إنَّها أقربُ / ٢٥٥ ب / إلى الجوازِ فلم يظهرْ من كلامِهِ في هذه الصورةِ المنعُ أو الصحةُ، والصحيحُ في هذه الصورةِ الصحةُ، فقد قالَ القاضي عياضٌ في كتابِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٩.
(٢) في (ف): «يقول».
(٣) في الروضة: «فالأصح».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٥.
(٥) انظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٧٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٠.
(٧) التقييد والإيضاح: ١٨٣.
(٨) التبصرة والتذكرة (٤٥٧).
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٠.
[ ٢ / ٧٢ ]
" الإلماعِ " (١): ما أحسبهم اختلفوا » (٢) إلى آخرهِ.
قولهُ في قولهِ: (والرابعُ) (٣): (جَمَلَهُم) (٤)، أي: جَمَعَهُم، يُقالُ: جملَ الشيءَ إذا جمعَهُ، والحسابَ، أي: ردَّهُ إلى الجملةِ (٥).
قوله: (في قصة خطبة عائشة ﵂) (٦) قالَ شيخُنا: «خُطبتُها في مسندِ الحارثِ بنِ أبي أسامةَ». انتهى.
وقد راجعتُ زوائدَ المسانيدِ العشرةِ لشيخِنا الإمامِ شهابِ البوصيريِّ التي منها مسندُ الحارثِ فلمْ أرَ فيها هذا اللفظَ، والذي ظننتُ أنَّه هذه الخُطبةُ ما عزاهُ إلى مُسندي الحارثِ وإلى ابن أبي عُمرَ، أنَّ عائشةَ ﵂ قالتْ: «لما قُبضَ النبيُّ - ﷺ - ارتدت العربُ قاطبةً واشرأَبَّ النفاقُ في المدينةِ، وعادَ أصحابُ محمدٍ - ﷺ - كأنَّهم معزى مطيرةٌ في حفشٍ، فواللهِ لو نزلَ بالجبالِ الراسياتِ ما نزلَ بأبي لهاضها، فواللهِ ما اختلفوا في نقطةٍ إلا طارَ أبي بحظِها وغنائِها في الإسلامِ، وذكرَتْ عمرَ
- ﵁ -، فقالت: ومَنْ رأى ابنَ الخطابِ عَلِمَ أنَّه خُلقَ غناءً للإسلامِ، كانَ واللهِ أحوذيًا (٧)، نسيجَ وحدِهِ، قد أعدَّ للأمورِ أقرانَها، ما رأيتُ مثلَ خُلُقِهِ، حَتَّى عَدَّتْ سبعَ خصالٍ» قالَ الراوي: لا أحفظُها (٨). (٩)
_________________
(١) الإلماع: ١٠١.
(٢) التقييد والإيضاح: ١٨٢.
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٥٨).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٦٢).
(٥) القاموس المحيط مادة: «جمل».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢١.
(٧) رجل أحوذي: أي: يسوق الأمور أحسن مساق؛ لعلمه بها. أساس البلاغة مادة «حوذ».
(٨) خطبة عائشة ﵂ أخرجها: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٣٠٠) مطولة. وأخرجها: البيهقي في " السنن الكبرى " ٨/ ٢٠٠ مختصرة.
(٩) من قوله: «قوله: في قصة خطبة» إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ٢ / ٧٣ ]
قولهُ: (غيرُ صحيحة) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «فهذه إجازةٌ فاسدةٌ لا فائدةَ لها». (٢) انتهى.
وقد جزمَ النوويُّ بعدمِ صحتِها في أوائلِ كتابِ " القضاءِ " منْ زوائدِ " الروضةِ " وعبارتُهُ: «فهذه باطلةٌ» (٣).
قولهُ: (واحدًا واحدًا) (٤)، أي: ولم يعرفْهم بأعيانِهم ولا بأنسابِهم، كما ذَكرَهُ ابنُ الصلاحِ (٥).
قولهُ: (منْ سمعَ منه) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «مَنْ حَضرَ مجلسَهُ للسماعِ منه، وإنْ لم يعرفْهم أصلًا، ولم يعرفْ عددَهم، ولا تَصفَّحَ أشخاصَهم واحدًا واحدًا» (٧).
قولهُ في قولهِ: (والخامسُ) (٨): (بمن يشاؤها) (٩)، أي: بمشيئةِ المجازِ له الذي يشاؤُها، وذلك كقولهِ: من شاءَ أنْ أجيزَ له فقد أجزتُ له، فإنَّ تقديرَه: إن شاء أحدٌ أنْ أجيزَ له فقد أجزتُ له، فالإجازةُ مُعلّقةٌ بمشيئةِ ذلك الأحدِ.
قولهُ: (وأجازَ الكُلا) (١٠) فيه نظرٌ؛ فإنَّ الذي يأتي (١١) عن أبي يعلى وابن
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٩.
(٣) الروضة ١١/ ١٥٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٢.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٢.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٠.
(٨) التبصرة والتذكرة (٤٦٣).
(٩) التبصرة والتذكرة (٤٦٣).
(١٠) التبصرة والتذكرة (٤٦٤).
(١١) بعد هذا في (ب): «أي: في الشرح».
[ ٢ / ٧٤ ]
عُمروس (١) إنَّما هو في الثانيةِ وهي المعلّقةُ بمشيئةِ مُعينٍ غيرِ المجازِ له.
/ ٢٥٦أ / قولهُ: (وأدخلَهُ في النَّوعِ قبلهُ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «الرابعُ: الإجازةُ للمجهولِ أو بالمجهولِ ويتشبثُ بذيلِها الإجازةُ المعلّقةُ بالشرطِ» (٣).
قولهُ: (بمشيئةِ المجازِ) (٤) لو قال: المجاز له، لكانَ أحسنَ، وأصرحَ في المقصودِ، وكذا قولهُ بعدُ: «بمشيئةِ المجازِ» (٥) مبهمًا، وكذا قولهُ: «بمشيئةِ غير المجازِ» (٦).
قولهُ: (أكثرُ جَهالةً) (٧)، أي: لأنَّ المجازَ له فيها مبهمٌ مع عمومهِ، وهو المعلّقُ على مشيئتِهِ؛ فصارَ الإبهامُ في المعلّقِ على مشيئتِهِ، والمجاز له، وأمّا الصورةُ الثانيةُ فالمعلّقُ على مشيئةٍ (٨) مُعيَّنٌ، فإذا أجازَ مُعيَّنًا صَحَّ، وإنْ أجازَ مَحصورًا صارَ من بابِ النَّوعِ الثالثِ، وهو التعميمُ في المجازِ له.
قولهُ: (ونحو ذلك) (٩) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَهُ: «فهذا فيه جَهالةٌ وتَعليقٌ بشرطٍ، فالظاهرُ أنَّهُ لا يَصحُّ» (١٠) إلى آخرهِ.
_________________
(١) عمروس: ضبطه السمعاني في الأنساب ٤/ ٢١٠ بفتح العين، ومثله في فتح المغيث ٢/ ٨١، وفتح الباقي ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وضبطه الزبيدي بضمها، ثم نقل عن الفيروزآبادي قوله: «وفتحه من لحن المحدّثين». انظر: تاج العروس مادة (عمرس)، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٧٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٨) في (ف): «مشيئته».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٠.
[ ٢ / ٧٥ ]
قولهُ: (عُمروس) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: «المالكيُّ، ثم قالَ: وهؤلاءِ الثلاثةُ - يعني: ابنَ عُمروس والفرّاءَ وأبا الطيبِ وهم في عصرٍ واحدٍ - كانوا مشايخَ مذاهبِهم ببغدادَ إذ ذاكَ (٢). وهذه الجهالةُ ترتفعُ إلى آخرهِ بخلافِ الجهالةِ الواقعةِ فيما إذا أجازَ لبعضِ الناسِ» (٣).
قولهُ: (واستُدلَّ لهما) (٤) مبنيٌّ للمفعولِ، فإنّ ظاهرَ عبارةِ ابنِ الصلاحِ: أنَّ التعليلَ له.
قولهُ: (ولختَنِهِ) (٥) هو بفتحِ المعجمةِ، والمثناةِ مِنْ فوق، مَنْ / ٢٥٦ب / كانَ مِنْ قبلِ المرأةِ مثل الأبِ والأخِ وهم الأختانُ، هكذا عندَ العربِ، وأمّا العامةُ فَخَتَنُ الرجلِ عندَهم زوجُ ابنتِهِ، قالَه في " الصحاحِ " (٦).
قولهُ: (فيقولُ: قبلتُ) (٧) قال الشيخُ في " النكتِ ": «ولم يُبيِّنِ المصنِّفُ أيضًا تصحيحًا في هذه الصورةِ، بل جَعلَها أولى بالجوازِ - أي: كما قالَ في العامةِ مع وصفِ حصرٍ، قالَ الشيخُ -: والصحيحُ فيها عدمُ الصحةِ» (٨).
قولهُ: (نعم وِزَانَهُ (٩» (١٠) إلى آخرهِ، قالَ في " النكتِ ": «الأظهرُ الأقوى في هذه الصورةِ الجوازُ كما ذَكرَهُ المصنفُ بعدَ ذلكَ في مسألةِ البيعِ التي قاسَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٢) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١، وانظر: الإلماع: ١٠٢.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٤.
(٦) الصحاح مادة «ختن».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٥.
(٨) التقييد والإيضاح: ١٨٥.
(٩) أي: مثله، ونظيره وحذاؤه وقبالته. انظر: اللسان مادة (وزن)، ومتن اللغة مادة (وزن).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٥.
[ ٢ / ٧٦ ]
عليها المصنفُ مسألةَ الإجازةِ، وجهانِ حكاهما الرافعيُّ، وقالَ: أظهرهما أنَّهُ ينعقدُ» (١).
وينبغي أنْ يُعلمَ أنَّ ما ذَكرَهُ الشيخُ، ليس أيضًا وِزان مسألةِ البيعِ، فإنَّ المُجازَ به (٢) مبهمٌ، والتعيينُ في صورةِ البيعِ منَ الجانبينِ وإنَّما وِزانُهُ أجزتُ لك أنْ ترويَ عني الكتابَ الفلانيَّ إنْ شئتَ.
قولهُ في قولهِ: (والسادسُ) (٣): (أجزتُ لفلانِ) (٤) مكسورٌ؛ لأنَّ الكفَّ لا يدخلُ هذا البحرَ، فلو قالَ: أجزتُ منْ فلان، لاتَّزنَ، لكنْ في توجيههِ تكلفٌ فإنَّ التقديرَ يكونُ: أجزتُ الروايةَ الكائنةَ من فلانٍ عني، وقالَ العلاّمةُ (٥) نجمُ الدينِ بنُ قاضي عجلونَ: «كان ينبغي أنْ يقالَ كما إذا أجازَ للإنسانِ مع»، وهو حَسنٌ جدًا.
قولهُ: (المعدومَ به) (٦)، أي (٧): بالإذنِ من غيرِ أنْ يعطفَ على موجودٍ بل جَعَلَ الإذنَ مقصورًا على المعدومِ؛ لأنَّ المعدومَ لما خَصَّهُ المُجيزُ بالإذنِ صارَ فاعلَ الاختصاصِ، أي: الانفراد بالإذنِ لا يشاركُهُ فيها الموجودُ.
قولهُ: (وهو مُثِّلا) (٨)، أي: وهذا النوعُ، وهو إجازةُ المعدومِ، مستقلًا مُثِّلَ، أي: شُبِّهَ بالوقفِ على المعدومِ، وهو مُنقطعُ الأولِ ك: وَقفتُهُ على مَن سَيُولَدُ لي،
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١٨٥.
(٢) «به» لم ترد في (أ).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٧٠).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٧٠).
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) التبصرة والتذكرة (٤٧١).
(٧) في (ب): «إن».
(٨) التبصرة والتذكرة (٤٧٢).
[ ٢ / ٧٧ ]
وهوَ باطلٌ على المذهبِ (١)، فيكونُ المشبّهُ به منَ الإجازةِ باطلًا.
وقضيةُ هذا صحةُ الأولِ، وهو المعطوفُ على موجودٍ، فلذلك قالَ بعدَهُ: «لكنّ أبا الطيبِ رَدَّ كليهما»، أي: نَوعَي الإجازةِ: المعطوفَ على الموجودِ، والمستقلَ المنفردَ بالإذنِ.
قولهُ: (على استواءِ) (٢)، أي: سَوَّى بينَ القسمينِ في الوقفِ أتباعُ أبي حنيفةَ ومالكٍ.
وقولهُ: (في صحته) (٣) بدلٌ منَ «الوقفِ» (٤)، قالَ ابنُ الصلاحِ: «وقد أجازَ أصحابُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، أو مَنْ قالَ ذلكَ منهم في الوقفِ القسمينِ كليهما» (٥). انتهى.
وكأنَّ هذا إشارةٌ إلى أنّه يلزمُ مَن جوَّزَ (٦) ذلك، وهو مجوّزٌ لمطلقِ الإجازةِ، أنْ يُجيزَها للمعدومِ سواءٌ كان مفردًا أو معطوفًا، بل الإجازة أولى بالجوازِ؛ لأنَّ أمرَها أوسعُ منَ الوقفِ الذي هو تَصرفٌ ماليٌّ، وقد تقدّمَ النقلُ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ وأبي طاهرٍ الدباسِ بإبطالِ الإجازةِ، ولهم أنْ يفرقوا / ٢٥٧ ب / بأنَّ منْ ضَرورةِ الوقفِ امتدادَ الزمانِ إلى حدٍّ يشملُ المعدومَ حينَ الإيقافِ بخلافِ الإجازةِ.
قولهُ: (ولِحَبَلِ الحَبَلةِ) (٧) وقد أجازهُ أصحابُ الشافعيِّ، أي: الوقفَ في القسمِ الأولِ، أي: على المعدومِ المعطوفِ على الموجودِ دونَ الثاني المنقطع الأولِ،
_________________
(١) روضة الطالبين ٥/ ٣٢٧.
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٧٥).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٧٦).
(٤) في (ب): «في الوقف».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٢.
(٦) في (ب): «جواز».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٦.
[ ٢ / ٧٨ ]
تفسيرُهُ لذلك يدخلُ فيه من هو حَمل عندَ الإجازةِ، وهو خِلافُ تَفسيرِ أهلِ اللغةِ، فإنَّهم قالوا: هي ولدُ الولدِ الذي في البطنِ، وقالَ أبو عبيدٍ في النهي عن حَبَلِ الحَبَلةِ: «هو بيعُ نتاجِ النتاجِ، قبلَ أنْ ينتجَ»، وقال الشافعيُّ: «هو بيعُ السلعةِ إلى أنْ تلدَ الناقةُ، ويلِدَ حملُها» ذَكرَ ذلك في " شمسِ العلوم "، وقد عُلِمَ مِن مَجموعه ومن كُلِّ قَوْلٍ منه أنَّه لا يطلقُ على ما هو حَملٌ عند الإجازةِ كما أفهمَه كلامُ الشيخِ.
قولهُ: (أنْ يُخَصِّصَ المعدومَ بالإجازةِ) (١)، أي: فيجعلَ الإجازةَ مَقصورةً، عليه، كما تقولُ: نخصُّكَ يا اللهُ بالعبادةِ، أي: نجعلُ العبادةَ خاصةً بكَ ومقصورةً عليكَ.
قولهُ: (وقد أجازهُ) (٢)، أي: الوقفَ على المعدومِ.
قولهُ: (ابن الصباغِ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعد أنْ حَكَى تجويزَ الإجازةِ للمعدومِ عنِ الخطيبِ (٤)، وأنَّه سمعَ أبا عليٍّ وابنَ عُمروس يجيزانِ ذلك: «وحَكَى جوازَ ذلك أيضًا أبو نصرِ بنُ الصباغِ الفقيهُ (٥)، فقال (٦): ذهبَ قومٌ إلى أنَّه يجوزُ أنْ يُجيزَ لمنْ لم يخلقْ، قالَ: وهذا إنَّما ذَهبَ إليه مَنْ يعتقِدُ أنَّ الإجازةَ إذنٌ في الروايةِ / ٢٥٨ أ / لا محادَثَةٌ، ثمَّ بَيَّنَ بطلانَ هذه الإجازةِ، وهو الذي استقرَّ عليه رأيُ شيخِهِ القاضي أبي الطيِّبِ الطبريِّ الإمامِ» (٧).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٧.
(٤) الكفاية (٤٦٦ت، ٣٢٥ - ٣٢٦ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١.
(٥) البحر المحيط ٤/ ٤٠١.
(٦) في (ف): «وقال».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٣، وانظر: الكفاية (٤٦٦ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
[ ٢ / ٧٩ ]
قولهُ: (فكما لا يصحُّ) (١) إلى آخرهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: «ولو قدّرنا أنَّ الإجازةَ إذنٌ فلا يصحُّ أيضًا ذلك للمعدومِ، كما لا يَصحُّ الإذنُ في بابِ الوكالةِ للمعدومِ؛ لوقوعِهِ في حالةٍ لا يصحُّ فيها المأذونُ فيه منَ المأذونِ له، وهذا أيضًا يوجبُ بُطلانَ الإجازةِ للطفلِ الصغيرِ الذي لا يَصحُّ سَماعُهُ» (٢).
قولهُ في قولهِ: (والسابعُ) (٣): (رأى أبو الطيِّبِ) (٤)، أي: رآهُ، أي (٥): رأى صحتَهُ (٦).
قولهُ: (تَتْرَا) (٧)، أي: متتابعًا، أي: غيرَ مرةٍ (٨) في أجزاء مُتعددةٍ.
قولهُ: (وهذا أظهرُ) (٩)، أي: أنَّهُ يُعلمُ، أي: يُعاملُ مُعاملةَ المعلومِ.
قولهُ: (للأداءِ) (١٠) يتعلّقُ «بأهلٍ».
قولهُ: (نقلُ خلافٍ ضعيفٍ) (١١)، أي: في شرحِ قولهِ: «وقيل لابنِ حنبلٍ فرجلُ» (١٢).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٧.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٥.
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٧٧).
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٧٨).
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) فتح الباقي ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٧) التبصرة والتذكرة (٤٧٩).
(٨) عبارة: «أي: غير مرة» من (ف) فقط.
(٩) التبصرة والتذكرة (٤٨٣).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨.
(١١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨.
(١٢) التبصرة والتذكرة (٣٦٠).
[ ٢ / ٨٠ ]
قولهُ: (سنّه أو تمييزُهُ) (١) السؤالُ في حيز «أو» عنْ كُلٍّ منَ الأمرينِ، أو أحدِهِما مبهمًا، أي: يعتبرُ ذلك، أو شيءٌ منه؛ فلذلك كانَ الجوابُ بالنفيِ، وهذا بخلافِ ما لو عطفَ بأم، فإنَّ الطلبَ معها لأحدِ الأمرينِ اللذينِ عُلِمَ ثبوتُ أحدِهما منْ غيرِ تعيينٍ، فالجوابُ فيها يكونُ بالتعيينِ دونَ الإثباتِ أو النفيِ.
قولهُ: (واحتجّ) (٢)، أي: الخطيبُ لصحتِها.
قولهُ: (والإجازة) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ نقلًا عنِ الخطيبِ (٤)، وهوَ الصوابُ: «والإباحةُ تصحُّ للعاقلِ، وغيرِ العاقلِ» (٥)، أي: ليتركبَ منه قياسٌ ترتيبُه: الإجازةُ إباحةٌ، والإباحةُ تصحُّ لغيرِ العاقلِ؛ فالإجازةُ تصحُّ لغيرِ العاقلِ.
قولهُ: (هذا النوع) (٦)، أي: وهو الإجازةُ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «هذا النوعُ منْ أنواعِ تحملِ الحديثِ ليؤدِّيَ بهِ بعدَ حصولِ أهليتهِ حرصًا على توسيعِ السبيلِ إلى بقاءِ الإسنادِ الذي اختصتْ بهِ الأمةُ وتقريبه منْ رسولِ اللهِ - ﷺ -» (٧).
قولهُ: (وقد تقدم ذكرها) (٨) لعلهُ في عمومِ جوابِ القاضي أبي الطيبِ في نصهِ آنفًا (٩) على أنَّ التمييزَ ليسَ بشرطٍ، وقولهُ: «تَصحُّ للعاقلِ وغيرِ العاقلِ» (١٠).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٩.
(٤) الكفاية (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٤.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٩.
(٩) «آنفًا» من (ف) فقط.
(١٠) انظر: الكفاية (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ).
[ ٢ / ٨١ ]
قولهُ: (ما اصَّفَّحَ أسماءَ الإجازةِ) (١)، أي: ما نظرَ فيهم، يُقالُ: صَفحَ وَرقَ المصحفِ والكتاب، قلبَ أوراقَهما، والقومَ عَرَضهم واحدًا بعدَ واحدٍ، والناسُ نظرَ في وجوهِهم، وفي الأمرِ نَظَرَ كتصفحَ، وأصلُها: تَصفَّحَ قلبت تاء تفعّل صادًا للتقاربِ في المخرجِ، ثمَّ أدغمت في فاء الفعلِ بعد إسكانها فاجتلبتْ همزةُ الوصلِ للتوصل إلى النطقِ بها (٢).
قولهُ: (كالإجازةِ للمجهولِ) (٣) رأيتُ بخطِّ الإمامِ شمسِ الدينِ السلاميِّ الحلبيِّ الشافعيِّ على حاشيةِ نسخةٍ بخطهِ، وقد قَرأَها على شيخِنا الإمامِ الحافظِ برهانِ الدينِ المحدِّثِ الحلبيِّ أنَّ المصنفَ أصلحها بعدَ قراءتهِ للشرحِ عليهِ، فجعلَ مكانَها: للمعدومِ، يعني: لأنَّ المجهولَ قد لا يكونُ معدومًا فتصحُّ إجازتُهُ قطعًا، كما إذا قيلَ لشيخٍ: أجزتَ لمن في هذا الاستدعاءِ؟ فقالَ: نَعَم، من غيرِ أنْ يَعرفَ اسمَ أحدٍ منهم، وأيضًا إذا قلنا: لا يعلمُ لم يكنْ كالمجهولِ، بل هوَ مجهولٌ.
قولهُ في قولهِ: (والثامن) (٤): (من فهرسةِ) (٥) كذا رأيتُها في النسخِ بهاءٍ مربوطةٍ، فقرأتُها بفتحِ السينِ تأنيثَ: فِهرسٍ، معرب: فهرست (٦)، وقد تقدّمَ الكلامُ فيهِ قريبًا، ويجوزُ أنْ تكونَ التاءُ ممدودةً مجرورةً محلولةً، وتكونَ منطوقًا بها على ما ينطقُ بهِ العجمُ، وتكونَ حينئذٍ ساكنةً بعدَ سكونِ السينِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠.
(٢) انظر: لسان العرب مادة (صفح).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠، والذي فيه: «كالإجازة للمعدوم».
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٨٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣١، وعبارة العراقي فيها: «في فهرسة».
(٦) عبارة: «معرب: فهرست» لم ترد في (ف).
[ ٢ / ٨٢ ]
قولهُ: (انبنى على الإذن في الوكالةِ) (١) منَ المعلومِ أنَّهم جعلوا بابَ الروايةِ أوسعَ منْ بابِ الشهادةِ، وأنَّهم تسمَّحوا فيها ما لم يتسمحوا فيما يرجعُ إلى الحقوقِ والأموالِ، فكانَ ينبغي إلحاقُ هذهِ المسألةِ بمسألتينِ، نُقلَ عن ابنِ الرفعةِ في " المطلبِ " أنه استثناهما منَ الوكالةِ بالمعلومِ: إحداهما: في القراضِ: يصحُّ إذنُ المالكِ لعامله في بيعِ ما سيملكُهُ منَ العروضِ، إذ لا تتم مصالح العقدِ إلاَّ بهِ.
الثانية: ما لو قالَ: وكلتكَ في بيعِ كذا، وأنْ تشتريَ بثمنهِ كذا، فأشهرُ القولينِ صحةُ التوكيلِ بالشراء، فقولهُ: أذنتُ لكَ أنْ تَرويَ عني ما رويتُهُ وما سأرويهِ، أشبهُ بهذا، والله أعلمُ.
قولهُ: (أنَّه سماعهُ) (٢)، أي: سواء كانَ عرفانه لذلكَ حالةَ الإجازةِ أو بعدَها.
قولهُ (٣): (والتاسعُ) (٤) (لم يخط) (٥) مضارعُ خَطَّاهُ تَخطيةً، مُعدَّى خَطا خَطوًا، إذا مَشَى، منَ الخطوةِ، وهي ما بينَ القدمينِ، أو أنَّه بمعنى تَخطَّى، كما أنَّ قَدَّم بمعنى تقَدَّمَ، أي: لم يتعدَّ، ولم يتجاوزْ ما صحَّ عندَ شيخهِ أنَّ شيخَهُ يرويه إلى ما لم يطلعْ عليهِ شيخُهُ، منْ مرويِّ شيخِهِ، ولو صحَّ عندَ هذا التلميذِ أنَّهُ دخلَ في عمومِ الإجازةِ لشيخهِ (٦)، وكذا ما اطّلعَ عليهِ شيخُهُ بوجهٍ (٧) غيرِ صحيحٍ أنَّ شيخَهُ رواهُ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٢.
(٢) التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٢.
(٣) بعدها في (ف): «في قاله» ولا يستقيم بها السياق.
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٨٨).
(٥) التبصرة والتذكرة (٤٩٣).
(٦) من قوله: «ولو صح » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٧) من قوله: «تصح لغير العاقل» إلى هنا لم يرد في (أ).
[ ٢ / ٨٣ ]
وهو معنى قولهِ في الشرحِ: «فليسَ للمجازِ الثاني» (١) إلى آخرهِ.
قولهُ: (وقد أبهمَهُ ابنُ الصلاحِ) (٢)، أي: أبهمَ المانعَ من ذلك، وعبارته: «فمنع من ذلك بعض من لا يُعتدُّ به» (٣).
قولهُ: (ولا يُشبهُ ذلك) (٤)، أي: لأنَّ الوكالةَ حقُّ الموكلِ، وهي (٥) تَصرّفٌ في مالِهِ؛ ولذلك ينفذُ عزلُه للوكيلِ، بخلافِ الإجازةِ فإنَّها صارتْ مختصةً بالمُجازِ له، ولو رجعَ المجيزُ عنها لم يُعملْ برجوعهِ.
قولهُ: (أنْ يكونَ نصرٌ معطوفًا) (٦)، أي: فيكونُ «وَالَى» (٧) تعليلًا لتجويزِ «نَصْر»، أو يكونُ (٨) على تقديرِ جوابِ سؤالِ من، كأنَّهُ قالَ: فهل رَوَى بها فإنَّه كان ورعًا (٩)، فقيلَ: نَعَم، وَالَى، إلى آخرهِ.
قولهُ: (وعثر) (١٠) مِنَ العِثَارِ، ولفظُ ابنِ الصلاحِ عن هذه المسألةِ: «فإذا كان مثلًا صورةُ إجازةِ شيخِ شيخِهِ: أجزتُ له ما صَحَّ عندَهُ من سماعاتي، فرأى شيئًا منْ مسموعاتِ شيخِ شيخِهِ فليسَ له أنْ يرويَ ذلك عن شيخِهِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٣.
(٣) من قوله: «قوله: وقد أبهمه» إلى هنا لم يرد في (ب). وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٣.
(٥) في (ب): «من».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٤.
(٧) التبصرة والتذكرة (٤٩١).
(٨) عبارة: «تعليلًا لتجويز نصر، أو يكون» لم ترد في (ب).
(٩) عبارة: «فإنه كان ورعًا» لم ترد في (ب).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٤.
[ ٢ / ٨٤ ]
عنه (١) حتى يستبينَ أنَّه مما كان قد صَحَّ عند شيخِه كونُهُ من سماعاتِ شيخِهِ الذي تلكَ إجازتُهُ، ولا يكتفي بمجردِ صحةِ ذلك عندَهُ الآن، عملًا بلفظِهِ وتقييدِه، ومن لا يتفطنُ لهذا وأمثالِه يكثرُ عثارُهُ، والله أعلم» (٢).
قولهُ: (ابن ينال) (٣) هو بنونٍ ولامٍ، وزنُ مضارعِ: نالَ، المبني للفاعلِ.
قولهُ: (ووجهُ الغلطِ) (٤) إلى آخرهِ، المرادُ من هذه العبارةِ أنَّ الحدَّادَ لم يَسمع الترمذيَّ، أي: لم يسمعْ كتابَ (٥) الترمذيِّ من ابنِ ينالَ، فهو إنَّما يرويهِ عنه إجازةً فلم يدخلْ فيما أجازَهُ للسِّلفيِّ، فإنَّهُ إنَّما أجازَ لهُ أنْ يرويَ عنه ما سمعَهُ على مشايخِهِ، وهذا لم يسمعْهُ من / ٢٥٩أ / شيخِهِ ابنِ ينالَ.
قولهُ: (في فهرسته) (٦) بفتحِ السينِ إنْ نُطقَ به مُعرّبًا، وبإسكانها إنْ كانَ على ما تنطقُ به العجمُ كما تقدّمَ.
قولهُ: (لفظُ الإجازةِ) (٧) قالَ ابنُ الصلاحِ بعدَ فراغهِ مما مضى: «هذه أنواعُ الإجازةِ التي تمسُّ الحاجةُ (٨) إلى بيانها، ويتركبُ منها أنواعٌ أخرُ سيتَعَرَّفُ المتأمِّلُ حكمَها بما أمليناهُ إن شاء اللهُ تعالى، ثم إنا نُنَبِّهُ على أُمورٍ: أحدها » (٩) ثم ذَكَرَ الكلامَ في لفظِ الإجازةِ وما بعدَهُ.
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٥.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٦.
(٨) في (ف): «الإجازة».
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٦.
[ ٢ / ٨٥ ]
قولهُ: (استجزتُ فلانًا) (١)، أي: طلبتُ منه أن يُجيزَ إليَّ الماءَ، أي (٢): يُنفذهُ ويُمضيهِ.
قولهُ: (سقاكَ ماءً) (٣) هكذا في نسخِ الشرحِ، وهي في ابنِ الصلاحِ: «أسقاكَ» (٤) بألفٍ، وهو أحسنُ، قالَ في "القاموسِ" (٥): «[سَقاهُ يَسقيهِ] (٦) وسَقَّاهُ وأسقَاهُ، أو سَقَاهُ وسَقَّاهُ في الشفةِ (٧)، وأسقاهُ دَلَّهُ على الماءِ، أو سقى ماشيتَهُ، أو أرضَهُ، أو كلاهما - أي: سقى وأسقى - جعلَ له ماءً»؛ ولذلك كتبَ (٨) فوقَ الألفِ صورةَ "صح" في نسخةٍ قُرِئَتْ على المؤلفِ مرتينِ.
فهذا هو المعتمدُ، ولا التفاتَ إلى ما في أكثرِ النسخِ، ثم راجعتُ نسخةً من " المجمل " (٩) لابنِ فارسٍ قديمةً معتمدةً جدًا فإذا هي: أسقاكَ بالهمزةِ، مثلُ ما في كتابِ ابنِ الصلاحِ.
قولهُ: (أن يجيزهُ علمُهُ (١٠» (١١)، أي: يجيزُ إليه علمَهُ ليرويَهُ عنه، هذا هو الأصلُ، وذلك كما يجيزُ الماءَ للسقيِ فيرويَ به الأرضَ أو غيرَها، وكلُّ ذلك بمعنى التخفيفِ والتيسيرِ والإنفاذِ والإمضاءِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٦.
(٢) في (ب): «أن».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٦.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٧
(٥) القاموس المحيط مادة (سقى).
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من " القاموس المحيط ".
(٧) في (ف): «بالشفة».
(٨) لم ترد في (ب).
(٩) مجمل اللغة مادة (جوز).
(١٠) لم ترد في (ف).
(١١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٦.
[ ٢ / ٨٦ ]
قالَ ابنُ القطاعِ: «جازَ الواديَ جوازًا وإجازةً / ٢٥٩ب / قَطَعهُ وخلَّفَهُ، وأيضًا أنفذهُ كذلك، وأيضًا استقى كذلك، وجازَ القولُ قُبِلَ ونفذَ، وأجازَ الرجلُ استقى الماءَ، وأيضًا أسقاكَهُ لأرضِكَ أو ماشيتكَ، وأيضًا سوَّغَ له ما صنعَ وجوَّزَ له أيضًا» (١). وقالَ في " شمسِ العلومِ " (٢): «وأجازَ له الشيءَ، أي: جوّزهُ».
وفي " القاموسِ " (٣): «وقد استجزتُهُ فأجازَ إذا سَقَى أرضَكَ أو ماشيتَكَ، وأجازَ له: سوَّغَ له، وله البيعَ: أمضاهُ، واستجازَ: طلبَ الإجازةَ». انتهى. فالمجيزُ سُميَّ بذلك؛ لتيسيره على المجازِ له روايةَ ما يرويهِ من غيرِ مُعاناةٍ ولا قراءةٍ، وتخفيفه عليه لذلك؛ لأنَّ هذه المادةَ واويَّةٌ ويائيّةٌ مهموزةٌ وغيرُ مهموزةٍ، لها عشرُ تراكيبَ مستعملةٌ، وهي:
جوز، جزو، وجز، زوج، زجو، أجز، أزج، جزا، جأزَ، زأج، وكلُّها تدورُ على العدلِ، ويلزمُهُ الخفةُ واليُسرُ، فمنَ الجوزِ وسطُ الشيءِ ومعظمُهُ؛ لأنَّه أعدلُهُ، والجوزُ: الحجازُ نفسُهُ، وثمرٌ معروفٌ معرّبٌ كوزٍ (٤) وجائزُ البيتِ: الخشبةُ المعترضةُ بين الحائطينِ، فارسيتهُ (٥) تير، والجوزاءُ: برجٌ في السماءِ كأنَّها في وَسطِها، والشاةُ السوداءُ التي ضُرِبَ وَسطُها ببياضٍ، والوسطُ الجوزُ، ومن الخفةِ واليسرِ: الجواز، وهو الذي يُسقاهُ المالُ منَ الماشيةِ والحَرثِ، وقد استجزتهُ فأجاز، إذا سَقَى أرضَكَ أو ماشيتَكَ وجَوَّزَ / ٢٦٠أ / لهم إبلَهم تجويزًا: قادها بعيرًا بعيرًا، وجوائز الأشعارِ والأمثالِ: ما جازَ من بلدٍ إلى بلدٍ؛ لأنَّ ما سارَ أخفُّ وأيسرُ مما لم يَسِرْ، وأجازَ لهُ: سَوَّغَ، وتجوّزَهُ في هذا: احتملَهُ، وعن ذنبِهِ لم يؤاخِذهُ به، وفي
_________________
(١) الأفعال ١/ ١٨٦.
(٢) شمس العلوم ١/ ٣٥٩.
(٣) القاموس المحيط مادة (جوز).
(٤) في (ب): «لوز».
(٥) في (أ): «فارسية».
[ ٢ / ٨٧ ]
الصلاةِ خَفَّفَ، وفي كلامِهِ تكلّمَ بالمجازِ؛ لأنَّ ما جازَ موضعَهُ أخفَّ مما لزمَ الحقيقة (١). والمجازةُ: الطريقةُ في السبخةِ لما يحصلُ بها من اليُسرِ في الحفظِ منَ الضياعِ وغيرِهِ. والجائزةُ: العطيةُ والتحفةُ، ومقامُ الساقي من البئرِ؛ لأنَّه موضعُ اليُسرِ.
والجائزُ: المارُّ على القومِ عطشانًا سُقيَ أو لا، لأنَّه محلُّ التيسيرِ بالسقي.
والجوازُ كغراب العطش، وتجاوزَ عنه، وأمّا تجاوزَ فيه بمعنى: أفرطَ، فإنَّ معناهُ أنَّهُ تجاوزَ الحدَّ وكلُّ ما تجاوزَ الحدَّ خارجٌ عن اليُسرِ، وجَوَّزَ إبلَهُ: سقاها، والأمرَ جعلَهُ جائزًا، والجيزةُ الناحيةُ، والجيزُ جانبُ الوادي، والإجازةُ في الشِّعرِ: مخالفةُ حركاتِ الحرفِ الذي يلي حرفَ الرويِّ، أو كونُ القافيةِ طاءً، والأخرى دالًا، كذا في " القاموس " «القافيةُ»، ولعله «الرويُّ»؛ وذلك لأنّ ما تغيَّرَ أخفُّ وأيسرُ مما لزمَ حركةً واحدةً، أو حرفًا واحدًا، والإجازةُ أيضًا: أنْ تُتمّ مِصراعَ (٢) غيرِكَ فتيسرَ عليه وتُمشِّي شِعرهُ (٣)، وذو المجازِ سوقٌ كانت لهم، والمُجيزُ: الوليُّ والقيمُ بأمرِ اليتيمِ / ٢٦٠ب / والعبدُ المأذونُ له في التجارةِ، والتِجوازُ بالكسر: بُرُدٌ موشىً، وأجزتُ على الجريحِ أجهزتُ؛ لأنَّ ذلك أيسرُ من أنْ يموتَ بالجراحةِ موتات.
ومِنْ مقلوبهِ واويًا: زَجا الشيءَ: ساقَهُ ودفعَهُ، وزَجا الأمرَ: تيسّرَ واستقامَ، والزجاءُ: النفاذُ في الأمرِ، وزجا فلانٌ: انقطعَ ضحكُهُ؛ لأنَّه أيسرُ له منَ الاستغراقِ فيه، وزَجَا الخراجُ: تيسّرتْ جبايتُهُ، والبضاعَةُ المزجاةُ: القليلةُ، أو التي لم يتمَّ
_________________
(١) في (ف): «تحقيقه».
(٢) في (ب): «مصارع».
(٣) في (ف): «غيره».
[ ٢ / ٨٨ ]
صلاحُها كأنّه منَ السلبِ (١)، ومن مقلوبِه كذلك الوجزُ: السريعُ والخفيفُ من الكلامِ والأمرِ، وأوجزَ العطيةَ: عَجَّلَها، وأوجزَ في الأمرِ: اختصرَ، ومنْ مقلوبِهِ الزوجُ: امرأةُ الرجلِ، ويقال: زوجةٌ، والزوجُ البعلُ؛ لأنَّ كلًا منَ الزوجينِ مُيسِّرٌ على صاحبِهِ، والزوجُ: خلافُ الفردِ من ذلك، ومنَ العدلِ؛ لانقسامِهِ بمتساويينِ، والنمطُ يطرحُ على الهودجِ، ويقالُ للاثنين هما زوجانِ، وهما زوجٌ، والزوجُ: اللونُ من الثيابِ، والزوجُ الساجُ، والأزواجُ: القرناءُ، ويلزمُ منَ المقارنَةِ الخلطةُ (٢)، ومنه: تزوجَهُ النومُ بمعنى: خالطهُ.
والزاجُ: ملحٌ معروفٌ، والزيج خَيطُ البَنَّاءِ مُعرَّبانِ. (٣)
ومن يائيهِ: جزيتُهُ: كافأتُهُ، وجزيتُ عن كذا: أغنيتُ عنه، والجِزيَةُ: خراجُ الأرضِ وما يُؤخذُ منَ الذميِّ، وتجازيتُ ديني وبديني: تقاضيتُهُ، واجتزأ: طلبَ منه الجزاءَ، وجَزَى الشيءُ: كَفَى / ٢٦١أ / وعنه قضى، وأجزى عن كذا: قام مقامَهُ، ولم يكفِ (٤).
ومنْ مهموزِهِ: الجزءُ: بعضُ الشيءِ؛ لأنَّ كلَّ جزءٍ منَ الجسمِ يرتفقُ بأخيهِ، وجزأتُ الإبلَ: اجتزأتُ بالرُطبِ عنِ اليابسِ، ومنه: قيل للوحشِ الجوازي؛ لأنَّها تجتزئ بالمرعى، وأجزأني الشيءُ: كفاني، وجزأ الشيءَ: شَدَّهُ فتيسرَ لما يُرادُ منه، والمِخْصَفَ جعلَ له جُزاءةً، أي: نصابًا، والخاتمَ في أصبعِهِ أدخله (٥)، والمرعى التفَ نبتُهُ فصارَ سببًا لليسرِ، وجزأتِ الأمُ: ولدتِ الإناثَ، إمّا لما يُرجى من مهورهنَّ، وإمّا لأنَّها جزءُ رجلٍ؛ لأنَّ كلَّ ثنتينِ برجلٍ، أو لأنَّ الأنثى خُلقتْ من آدمَ
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «أي: سلب التيسير».
(٢) في (ب): «الخلط».
(٣) انظر: لسان العرب مادة (زوج)، والقاموس المحيط مادة (زوج).
(٤) انظر: لسان العرب مادة (جزي)، والقاموس المحيط مادة (جزي).
(٥) من قوله: «والمخصف جعل له جزاءه » إلى هنا لم يرد في (ف).
[ ٢ / ٨٩ ]
فهي جزؤُهُ، وإمّا للسلبِ، وجازئكَ من رجلٍ: ناهيكَ مدحٌ بما فيه منْ أسبابِ اليسرِ (١).
ومن مقلوبِهِ: استأجزتُ عنِ الوِسادةِ (٢) تحنيت عليها ولم تَتكئ (٣).
ومن مقلوبِهِ: الجأزُ: غصصٌ يأخذُ في الصدرِ، وإنَّما يكونُ بالماءِ، وقد جَيِزَ، كَفَرِحَ، كأنَّهُ للسلبِ (٤).
ومنْ مقلوبِهِ: زأجَ بينَهم، كمنعَ: حرَّش، كأنَّه للسلبِ أيضًا (٥)، وكذا مقلوبُهُ أزجَ، كنَصرَ، وفرحَ عني: تثاقل حينَ استعنتهُ وتخلفَ، والأزجُ بيتٌ يُبنى طولًا كأنَّ صنعتهُ أيسرُ من صنعةِ المربعِ وغيرِهِ (٦)، والله أعلم.
قولهُ: (أجزتُ فلانًا مسموعاتي) (٧)، أي: جعلتُهُ جائزًا إليها، أو جعلتُها جائزةً - أي: مباحةً - له بمعنى: أنَّه يَرويها كما أرويها أنا.
قولهُ في قولهِ: (وإنَّما) (٨): (من عالمٍ) (٩) متعلّقٌ / ٢٦١ب / بـ «تُستحسَنُ»، «ومن أجازَهُ» في موضعِ الحالِ، أي: والحالُ أنَّ المجازَ لهُ «طالب علمٍ»، أي: من أهلِ العلمِ، فإنَّ الإنسانَ لا يزالُ طالبًا للعلمِ، ولو كانَ أعلمَ الناسِ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١٠).
_________________
(١) انظر: لسان العرب مادة (جزأ)، وتاج العروس مادة (جزأ).
(٢) في (ب): «الوساد».
(٣) انظر: لسان العرب مادة (أجز).
(٤) انظر: لسان العرب مادة (جأز).
(٥) انظر: لسان العرب مادة (زأج).
(٦) انظر: لسان العرب مادة (أزج).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٧.
(٨) التبصرة والتذكرة (٤٩٥).
(٩) التبصرة والتذكرة (٤٩٥).
(١٠) طه: ١١٤.
[ ٢ / ٩٠ ]
قولهُ: (توسعٌ) (١)، أي: من (٢) المجيزِ والمجازِ لهُ (٣)؛ لينتفعَ كلٌّ منهما (٤) في الإمامةِ في العلمِ، المحثوثِ عليها بقولهِ تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٥) «وترخيصٌ»، أي: منَ المجيزِ للمجازِ له.
ولم ينظم الشيخُ مسألةَ خلوِّ الكتابةِ عنِ النيَّةِ فنظمَها شيخُنا الحافظُ برهانُ الدينِ الحلبيُّ تلميذُ المصنفِ، فقالَ:
وحيثُ لا نيةَ قدْ جوَّزَها ابنُ الصلاحِ باحثًا أبرزَها
قولهُ: (الرابعُ: المناولةُ) (٦) أصلُها (٧) ما عَلَّقهُ البخاريُّ في كتابِ العلمِ بصيغةِ الجزمِ، فقالَ: «واحتجَّ بعضُ أهلِ الحجازِ في المناولةِ بحديثِ النبيِّ - ﷺ - حيثُ كتبَ لأميرِ السَّريَّةِ كِتابًا، وقالَ: لا تقرأهُ حتى تبلغَ مكانَ كذا وكذا، فلما بلغَ ذلكَ المكانَ قرأهُ على النَّاسِ، وأخبرَهم بأمرِ النَّبيِّ - ﷺ -» (٨).
قالَ شيخُنا في المقدمةِ: «رواهُ (٩) ابنُ إسحاقَ في المغازي مُرسلًا، ووصلَهُ الطبرانيُّ (١٠) من طريقٍ أخرى منْ حديثِ جندبِ بنِ عبدِ اللهِ، وإسنادُهُ حسنٌ» (١١)،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٧.
(٢) لم ترد في (ب).
(٣) عبارة: «والمجاز له» لم ترد في (ب).
(٤) عبارة: «كل منهما» لم ترد في (ب).
(٥) الفرقان: ٧٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٨.
(٧) جاء في حاشية (أ): «أي: دليلها».
(٨) صحيح البخاري ١/ ٥ عقب (٦٣).
(٩) في (ب): «ورواه».
(١٠) المعجم الكبير (١٦٧٠).
(١١) هدي الساري: ٢١.
[ ٢ / ٩١ ]
قالَ السهيليُّ: «وكذلكَ العالِمُ إذا ناولَ التِّلميذَ كتابًا جازَ لهُ أنْ يرويَ عنه ما فيه، وهو فقهٌ صحيحٌ، غيرَ أنَّ الناسَ جعلوا المناولةَ اليومَ على غيرِ هذهِ الصورةِ، يأتي الطالبُ الشيخَ فيقولُ: ناولني كتبَكَ فيناولهُ، ثم يمسكُ متاعَهُ عندَهُ، ثم / ٢٦٢ أ / ينصرفُ الطالبُ، فيقولُ: حدَّثني فلانٌ مناولةً، وهذه روايةٌ لا تصحُّ على هذا الوجهِ حتى يذهبَ بالكتابِ معهُ، وقد أذنَ له أنْ يُحدِّثَ عنه بما فيه، وممنْ قالَ بصحةِ المناولةِ على الوجهِ الذي ذكرناهُ: مالكُ بنُ أنسٍ، رَوَى إسماعيلُ بنُ صالحٍ عنهُ أنَّه أخرجَ لهم كتبًا مشدودةً، فقالَ: هذه كُتبي صححتُها ورويتُها فارووها عني، فقالَ له إسماعيلُ بنُ صالحٍ: فنقول: حَدَّثنا مالكٌ، قالَ: نَعَم، ورَوَى قصةَ إسماعيلَ هذه الدارقطنيُّ في كتابِ " رواةِ مالكٍ "» (١). انتهى.
وقد استدلَّ كما ترى بما لا يَنهضُ بما قالَهُ؛ فإنَّ القصةَ ليس فيها أنَّ مالكًا مَلَّكها لهم، وعلى تقديرِ ذلك فالمأذونُ له جماعةٌ، وليسَ في القصةِ أنَّه فَرَّقها عليهم، وعلى تقديرِ ذلك فلمْ يَخصَّ كلًا بما أعطاهُ له، بل أَذِنَ للكلِّ في روايةِ الكلِّ (٢)، فإمَّا أنْ تكونَ عندَ بعضِهم فيرويَ منها ما أحبَّ، وإذا أرادَ غيرُهُ الروايةَ أتى إليهِ فأخرجَها لهُ فكتبَ منها ما أرادَ ورواهُ، وإمَّا أن يَكونَ عندَ كلِّ واحدٍ منها شيءٌ فيرويَهُ، وإذا أرادَ روايةَ غيرِهِ ذهبَ إلى مَنْ هو عندَهُ فكَتَبهُ أو حَفظَهُ ورواهُ، وهذا هو الذي يقولهُ مَنْ يرى المناولةَ على الوجهِ الذي أنكرهُ السهيليُّ مِن أنَّه إذا أرادَ الروايةَ جاءَ إلى الشيخِ فأخذَ كتابَهُ فنقلَ منه وَرَوَى، أو أخذَ فَرْعًا له موثوقًا به، فرَوَى منه، والله الموفقُ.
قولهُ: (عَرضًا) (٣) يجوزُ أنْ يكونَ مفعولًا له، أي: /٢٦٢ب/ يحضرُ به للشيخِ؛ لأجلِ عرضِهِ على الشيخِ بمعنى: أنَّ الشيخَ يتصفحُهُ وينظرُهُ؛ ليعلمَ هل هو
_________________
(١) الروض الأنف ٥/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) عبارة: «في رواية الكل» لم ترد في (ف).
(٣) التبصرة والتذكرة (٥٠١).
[ ٢ / ٩٢ ]
روايتُهُ؟ وهل هو صحيحٌ؟ وغيرُ ذلك منَ الأحوالِ التي ينبغي اعتبارُها، ويجوزُ أنْ يكونَ حالًا منَ الطالبِ، فيكونُ مصدرًا في موضعِ اسمِ الفاعلِ، أي: عارضًا أو ذا عَرْضٍ.
قولهُ: (والشيخُ) (١) في موضعِ الحالِ منْ ضميرِ «له»، أي: للشيخِ حالَ كونِهِ عارفًا «فينظرَه» بالنصبِ عطفًا على «يحضُرَ» وضميرُهُ المستترُ للشيخِ، و«يُناول» عطفٌ عليهِ.
قولهُ: (يقولُ) (٢) بيانٌ لذلك على سبيلِ الاستئنافِ.
قولهُ: (امتناعًا) (٣) مصدرٌ منَ معنى «أبَى»، ويجوزُ كونُهُ (٤) حالًا منَ «المفتينَ»، أي: ذوي امتناعٍ (٥).
قولهُ: (مُعْتَمَدًا) (٦)، أي: «حكوا إجماعَهم» بسبب أنَّ اعتمادَها، أي: قَصدَها، والاعتمادُ (٧) عليها صحيحٌ لا فسادَ فيه، فالتمييزُ محوَّلٌ عنِ اسمِ «أنَّ».
قولهُ: (عَرْضُ السَّماعِ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وقد سبقتْ حكايتُنا في القراءةِ على الشيخِ أنَّها (٩) تُسمى عَرْضًا أيضًا، فَلْنُسَمِّ (١٠) ذلك عرضَ القراءةِ، وهذا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٠٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٠٣).
(٣) التبصرة والتذكرة (٥٠٤).
(٤) في (ف): «ويجوز أن يكون».
(٥) جاء في (ف): «ويجوز أن يكون حالًا من «المفتين»، أي: ذوي امتناعٍ، مصدر من معنى: «أبى».». بالتقديم والتأخير.
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٠٧).
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٩.
(٩) في (ف): «لأنها» خطأ.
(١٠) في (ف): «فليمّ» وهو تحريف.
[ ٢ / ٩٣ ]
عرضَ المناولةِ» (١).
قولهُ: (ومالكٍ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ومالكُ بنُ أنسٍ الإمامُ في آخرينَ منَ المدنيِّينَ، ومجاهدٌ، وأبو الزُّبيرِ، وابنُ عيينةَ في جماعةٍ منَ المكيِّينَ، وعلقمةُ وإبراهيمُ النَّخعيَّانِ، والشَّعبيُّ في جماعةٍ منَ الكُوفيِّينَ، وقتادةُ، وأبو العاليةِ، وأبو المتَوكلِ النَّاجي في طائفةٍ / ٢٦٣أ / منَ البصريِّينَ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسمِ، وأشهَبُ في طائفةٍ منَ المِصريينَ، وآخرونَ منَ الشاميِّينَ والخُراسانيِّينَ. ورأى الحاكمُ طائفةً منْ مشايِخِهِ على ذلك (٣). وفي كلامِهِ - يعني: الحاكمَ - بعضُ التَّخليطِ من حيثُ كونُهُ خَلَطَ بعضَ ما وردَ في عَرْضِ القراءةِ بما وردَ في عرضِ المناولةِ، وساقَ الجميعَ مَسَاقًا واحدًا، والصحيحُ أنَّ ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماعِ» (٤) إلى آخرهِ.
قولهُ: (وأبو حنيفةَ) (٥) قالَ المصنِّفُ في " النكتِ ": «اعتُرضَ على المصنفِ بذكرِ أبي حنيفةَ معَ المذكورينَ، فإنَّ منْ عدا أبا حنيفةَ يرى صحةَ المناولةِ، وأنَّها دونَ السماعِ، وأمَّا أبو حنيفةَ (٦) فلا يَرى صحتَها كما ذكرَهُ صاحبُ " القِنْية " فقال: إذا أعطاهُ المحدّثُ الكتابَ، وأجازَ له فيه ولم يسمعْ ذلك ولم يعرفْهُ فعندَ أبي حنيفةَ ومحمدٍ: لا يجوزُ روايتُهُ، وعندَ أبي يوسفَ: يجوزُ. انتهى.
قلتُ: لم يكتفِ صاحبُ " القنية " في نقلِهِ عن أبي حنيفةَ لعدمِ الصحةِ بكونِهِ لم يسمعْهُ فقط، بل زادَ على ذلك بقولهِ: ولم يعرفْهُ، فإنْ كانَ الضميرُ في: يعرفْهُ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٩.
(٣) راجع: محاسن الاصطلاح: ٢٧٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٠.
(٦) عبارة: «المناولة، وأنها دون السماع، وأما أبو حنيفة» تكررت في (ف).
[ ٢ / ٩٤ ]
عائدًا على المجازِ - وهو الظاهرُ - لتتفقَ الضمائرُ، فمقتضاهُ أنَّه إذا عرفَ المُجاز ما أُجيزَ له أنَّه يَصحُّ، بخلافِ ما ذكَرَ المعترضُ أنَّه لا يرى صحتَها أصلًا
- يعني: أنَّه علقَ الحكمَ عندَ أبي حنيفةَ بعدمِ الصحةِ على أمرينِ، فإذا زالَ أحدُهما انتفى الحكمُ، قال (١) - (٢): وإنْ كانَ الضميرُ يعودُ على الشيخِ المُجيزِ فقدْ ذكرَ المصنفُ بعدَ هذا / ٢٦٣ ب / أنَّ الشيخَ إذا لم ينظرْ فيه ويتحقق روايَتَهُ لجميعِهِ لا يجوزُ ولا يصحُّ، ثم استثنى ما إذا كانَ الطالبُ موثوقًا بخبرِهِ، فإنَّه يجوزُ الاعتمادُ عليه. انتهى.
وهذه الصورةُ لا يوافِقُ على صحتِها أبو حنيفةَ، بل لابدَّ أنْ يكونَ الشيخُ حافظًا لحديثِهِ أو ممسكًا لأصلِهِ، وهذا الذي صححهُ إمامُ الحرمينِ كما تَقدَّمَ، بل أطلقَ الآمديُّ النقلَ عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ: أنَّ الإجازةَ غيرُ صحيحةٍ، والله أعلم.
ويجوزُ أنْ يكونَ أبو حنيفة وأبو يوسفَ إنَّما يَمنعانِ صحةَ الإجازةِ الخاليةِ عنِ المناولةِ، فقد حَكَى القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماعِ " (٣) عن كافةِ أهلِ النقلِ والأداءِ والتحقيقِ من أهلِ النظرِ القولَ بصحةِ المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ» (٤). انتهى ما في " النكتِ ".
قولهُ: (إنَّه الصحيحُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «والصحيحُ أنَّ ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماعِ، وأنّهُ منحطٌّ عن درجةِ التّحديثِ لفظًا، والإجازة (٦) قراءةً» (٧).
_________________
(١) «قال» لم ترد في (ف).
(٢) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٣) الإلماع: ٨٠.
(٤) التقييد والإيضاح: ١٩٢ - ١٩٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٠.
(٦) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «والإخبار».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٩.
[ ٢ / ٩٥ ]
قولهُ في قولهِ: (أمّا إذا ناولَ) (١): (آخر وَقِدْمَا) (٢) هو بضمِّ القافِ أو فتحِها أو كسرِها مع سكونِ الدالِ في الكلِّ، وهو بمعنى قديمًا.
أمّا الضمُّ فمنْ قولهِ في " القاموس " (٣): «القَدَمُ - محرّكةً - السابقةُ في الأمرِ كالقُدْمةِ بالضمِّ، وكعِنبٍ، فهو على هذا مذكرُ القُدمةِ، فالمعنى في آخرِ الزمانِ وسابِقِهِ.
وأمّا الفتحُ فمنْ قولهِ: قَدَمَهُم قدْمًا وقُدُومًا تقدمَ، فالمعنى في آخرِ الزمانِ وتَقدمَهُ، أي: متقدمه.
وأمّا على الكسرِ فيكونُ مخففًا منَ القِدمِ كعِنب / ٢٦٤أ / لضدّ الحدوثِ» والشطرانِ كلاهما على هذا منَ الضربِ الثاني منَ العروضِ الأُولى (٤) منْ مسدسِ الرجزِ، والقافية متواترٌ (٥)، ويجوزُ تحريكُ دالِ «قدما» مع كسرِ القافِ، فيكونُ الجزءُ مخبولًا، وتصيرُ قافيةُ الأولِ من المتكاوسِ (٦)، فيبعدُ جدًا منَ الثاني، ولو قالَ فيهِ (٧): لا ينظرُ ما، لكانَ (٨) منَ المتراكب (٩)، فيكونُ أقربَ.
قولهُ: (الذي تقدمَ الوعدُ بذكرِهِ) (١٠)، أي: في أولِ شرحِ الأبياتِ التي قبلَها.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٠٨).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥١١).
(٣) القاموس المحيط مادة (قدم).
(٤) في (ب): «الأَول».
(٥) جاء في حاشية (أ): «متحرك بين ساكنين».
(٦) جاء في حاشية (أ): «أربع متحركات بين ساكنين».
(٧) كتب تحتها في (أ): «أي: الشطر».
(٨) عبارة: «لا ينظر ما، لكان» تحرفت في (ف) إلى: «لا ينظر مالكًا».
(٩) جاء في حاشية (أ): «ثلاث متحركات بين ساكنين».
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤١.
[ ٢ / ٩٦ ]
قولهُ: (وغيبته) (١) عطفٌ على «عدمِ» لا على «احتواءِ».
قولهُ: (مع غلبةِ ظنّهِ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وجائزٌ له روايةُ ذلك عنه إذا ظفرَ بالكتابِ، أو بما هو مقابَلٌ به على وجهِ يثقُ (٣) معه بموافقتِهِ لما تناولتْهُ الإجازةُ على ما هو معتبرٌ في الإجازاتِ المجرَّدةِ عنِ المناولةِ» (٤).
قولهُ: (بكتابٍ مُعَيَّنٍ) (٥) عنِ ابنِ كثيرٍ الحافظِ، قالَ: «أمّا إذا كانَ الكتابُ مشهورًا، كالبُخاريِّ، أو (٦) مُسلمٍ، أو شيءٍ من الكُتبِ المشهورةِ فهو كما لو ملَّكَهُ أو أعارَهُ» (٧) انتهى.
قولهُ: (صحتِ المناولةُ) (٨)، أي: إنْ فعلَ ذلك فأجابَهُ، صحّتْ، فيكونُ جزاءً لشرطٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليه السياقُ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «جاز الاعتمادُ عليه في ذلك، وكان ذلك إجازةً جائزةً كما جازَ في القراءةِ على الشيخِ الاعتمادُ على الطالبِ حتّى يكونَ هو القارئ منَ الأصلِ إذا كانَ موثُوقًا به معرفةً ودِينًا» (٩). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤١.
(٣) بعدها في (ف): «به».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤١.
(٦) في جميع النسخ الخطية: «ومسلم»، والمثبت من " اختصار علوم الحديث ".
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٦٠، وبتحقيقي: ١٩١.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٢.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٠. قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٢٨٢: «لاسيما إذا كان الكتاب مشهورًا كالبخاري أو مسلم أو نحوهما، فإنّه يقرب من تمليكه له أو إعارته».
[ ٢ / ٩٧ ]
ونقلَ عنْ "طبقات ابن سعدٍ": «أخبرنا أنسُ بنُ عياضٍ / ٢٦٤ب /، عن عبيد اللهِ (١) بنِ عمرَ، قالَ: رأيتُ ابنَ شهابٍ يُؤتَى بالكتابِ، فيقالُ له: يا أبا بكرٍ، هذا كتابُكَ، نرويهِ عنكَ؟ فيقولُ: نَعَمْ، ما قرأهُ، ولا قرئ عليه» (٢). انتهى.
قولهُ: (أنَّ ذلك لا يصحُّ) (٣) بل كلامُهُ يَقتضي الصحةَ؛ فإنَّ تعاليلَهُ تدلُّ على الدورانِ معَ الوثوقِ والتحققِ، فحيثُ حصلَ صحّتِ الإجازةُ.
قولهُ في شرحِ قولهِ: (وإنْ خلت من إذنِ (٤» (٥): (بالإذن (٦) في الرواية) (٧)، أي: فيلزمُ منْ صحّحَ الروايةَ بمجرد الإعلامِ، وهم طوائفُ منَ المحدّثينَ والأصوليينَ كما يأتي أنْ يُصَححوا هذه بطريقِ الأَولى؛ لأنَّ هذه أرجحُ بزيادةِ المناولةِ.
قولهُ (٨) في قولهِ: (كيفَ يقولُ) (٩): (نُووِلا) (١٠) منَ النوْلِ بمعنى العطاءِ، كما في حديثِ الخِضرِ: «فحملوهما بغيرِ نولٍ» (١١)، وقالَ في
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية: «عبد الله»، والمثبت من " طبقات ابن سعد ".
(٢) الطبقات الكبرى ١/ ١٧٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٢.
(٤) عبارة: «من إذن» لم ترد في (ب).
(٥) التبصرة والتذكرة (٥١٥).
(٦) في نسخة (أ) تحت هذه الكلمة: «أي: في الشرح».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٤.
(٨) جاء في حاشية (ف) عنوانًا نصه: «كيف يقول من روى بالمناولة والإجازة» وقد خلت منهُ جميع النسخ.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٤.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٥١٦).
(١١) أخرجه: البخاري ١/ ٤١ (١٢٢)، ومسلم ٧/ ١٠٣ (٢٣٨٠) (١٧٠) من حديث أُبي بن كعب - ﵁ -.
[ ٢ / ٩٨ ]
" شمسِ العلومِ ": «النولُ: النوالُ وهو مصدرٌ»، وفي "القاموسِ" (١): «النوالُ، والنالُ، والنائل، العطاءُ».
قولهُ: (وأطلق أبو نعيم) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وكان الحافظُ أبو نعيم الأصبهانيُّ (٣) صاحبُ التصانيفِ الكثيرةِ في علمِ الحديثِ يطلقُ «أخبرنا» فيما يَرْويهِ بالإجازةِ (٤)، رُوِّينا عنه أنَّه قال: أنا (٥) إذا قلتُ: «حدثنا» فهو سَمَاعي، وإذا قلتُ: «أخبرنا» على الإطلاقِ، فهو إجازةٌ من غيرِ أنْ أذكرَ فيه إجازةً، أو كتابةً، أو كَتَبَ إليَّ، أو أَذِنَ لي في الروايةِ عنه، وكانَ أبو عبيد الله المَرْزُبانيُّ (٦) الأخباريُّ - صاحبُ التّصانيفِ في علمِ الخبرِ - يَرْوي أكثرَ ما في كُتبِهِ إجازةً من غيرِ سَماعٍ ويقول / ٢٦٥ أ / في الإجازة: «أخبرنا»، ولا يُبيِّنها» (٧). انتهى.
ووجدتُ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ من تلاميذِ شيخِنا الحافِظِ برهانِ الدينِ الحلبيِّ: «رأيتُ عن خطِّ الحافظِ المزِّيِّ ما صورته: إنَّما يقولُ ذلك - يعني: أبا نعيم - في شيخٍ قد عُرفَ أنَّه لم يلقهُ». انتهى.
ولمَّا قرأت " الحليةَ " للحافظِ أبي نعيمٍ على شيخِنا شيخِ الإسلامِ ابنِ حجرٍ فمررتُ بقوله في ترجمةِ محمدِ بنِ يوسفَ الأصبهانيِّ: «أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرَ -
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (نول).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٥.
(٣) انظر بلابد تعليقنا على هذا الموضع في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨١ هامش (٤).
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤١٦، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٦، وميزان الاعتدال ١/ ١١١، وطبقات السبكي ٤/ ٢٤، والوافي بالوفيات ٧/ ٨٣.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي، انظر: الأنساب ٥/ ١٣٩، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٥٤.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٢.
[ ٢ / ٩٩ ]
فيما قُرِئَ عليه - وحدثني عنه أبو محمدِ بن حيان» (١)، سألتهُ عنه، فقال: هو إجازةٌ لما ذكر من مذهبِهِ، وقولهُ فيما قُرئ عليه لا ينافيها؛ فإنّه لم يقُل (٢): وأنا أسمعُ، ونبَّه على سماعِهِ بنُزولٍ بقولهِ: وحدثني عنه، إلى آخره، ومما يُحقِّق ذلك، قولهُ بعده في ترجمةِ عبدِ الرحمان بنِ مهديٍّ: «أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرَ فيما قُرئَ عليهِ، وأذَنَ لي فيه» (٣)، وهذا اصطلاحٌ لأبي نعيم، وهو يوهمُ من لا علمَ له بالاصطلاحِ أنَّه سمعَهُ. وقولهُ (٤): «وأذَنَ لي فيه» يوهمُ أنَّ الشيخَ أجاز له بعد الفراغِ منَ السَّماعِ كما هو عادةُ المحدّثينَ، ومن اصطلاحِه: أنَّ «حدَّثنا» للسَّماعِ على الشيخِ منْ غيرِ لفظِهِ، والمَرْزُباني قالَ صاحبُنا الإمامُ شمسُ الدينِ بنُ حسان - ﵀ - فيما وجدتُهُ بخطِّهِ: «قَيَّدهُ بعضُ مشايخِنا في بعضِ كتبِهِ بفتحِ الزاي، ووجدتُهُ بخطِّ المزّيِّ بضمِّها».
قولهُ: (أو أجاز (٥) لي) (٦) قدِ استعملَ ذلك الحسنُ / ٢٦٥ب / بنُ محمدِ ابنِ الحسنِ الخلاّلِ في كتابِهِ " اشتقاقِ الأسماءِ "، فقالَ: أجازَ لنا محمدُ بنُ أحمدَ الواعظُ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محمدٍ (٧) البغويَّ أخبرَهم، وكذا استعملَ أخبرنا إجازةً.
قولهُ: (كما يفعلُهُ بعضُ المشايخِ) (٨) قال شيخُنا: «يوجدُ ذلك في إجازاتِ المغاربةِ». انتهى ما بخطِّ ابنِ حسّان.
_________________
(١) حلية الأولياء ٨/ ٢٣٣.
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) حلية الأولياء ٩/ ١٤.
(٤) من قوله: «وهذا اصطلاح» إلى هنا لم يرد في (ب).
(٥) في (ب): «وأجاز».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٦.
(٧) في (ب): «محمود».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٦.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قولهُ في قولهِ: (وبعضُهم أتى) (١): (فمشتركٌ) (٢) لو قالَ:
سماعُهُ منْ شيخِه فيه يُشَكّ وحرفُ عن بينهما قد اشترك
استراحَ منَ الفاءِ والاعتذارِ عنها.
قولهُ: (وإنِ استعملها طائفةٌ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «فهذا وإنْ تعارَفَهُ في ذلك طائفةٌ منَ المحدثينَ المتأخرينَ فلا يخلو عن طَرَفٍ منَ التدليسِ؛ لما فيه منَ الاشتراكِ والاشتباهِ بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِهِ» (٤).
قولهُ: (وهو بعيدٌ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «بعيدٌ بعيدٌ عن الإشعارِ» (٦)، أي: هو بعيدٌ عن مقاصدِ أهلِ الأفكارِ القويمةِ منْ أهلِ الاصطلاحِ؛ لبعدِهِ عنِ الإشعارِ بالإجازةِ.
قال بعضُ أصحابنا: ويَشكلُ على الإتيانِ بها في محلِّ الإجازةِ ما سيأتي حكايتُهُ في الزيادةِ في نسبِ الشيخِ عن ابنِ المدينيِّ أنَّ الراويَ إذا زادَ في نسبِ شيخِهِ أتى بلفظِ «أنَّ»، فإنَّ في ذلكَ التباسًا في الاصطلاحِ، إلا أنْ يُقالَ: أكثرُ ما فيه - أي: فيما هنا، وفيما يأتي - حكايةُ المذاهبِ. انتهى.
قولهُ: (الوجازة) (٧)، أي: / ٢٦٦ أ / في تجويزِ الإجازةِ (٨)، وهو أبو العباسِ الوليدُ بنُ بكرٍ (٩) الغَمريُّ - بفتحِ المعجمةِ - المالكيُّ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٢٣).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٣٠).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٦.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٧.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٧.
(٨) وكذا في تدريب الراوي ٢/ ٣٠، ومعجم المؤلفين ١٣/ ١٧٠.
(٩) لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٠١ ]
ذكرَ أبو سَعدٍ السَّمعانيُّ: أنَّه مَنسوبٌ إلى بني الغَمر بطنٌ من غافقٍ (١).
والوجازةُ: مصدرُ وَجز في منطقِهِ، ككرمَ، ووعدَ، وجْزًا ووجازةً، ووجوزًا، إذا خَفَّ فيه، وأوجزَ في كلامِهِ: قَلَّلهُ، وأوجزَ الكلام نفسهُ قَلَّ (٢).
قولهُ (٣): (في الإجازةِ: أنبأنا) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وقد كانَ «أنبأنا» عندَ القومِ فيما تَقدَّمَ بمنْزلةِ «أخبرَنا»، وإلى هذا نحا الحافظُ المتقنُ أبو بكرٍ البيهقيُّ إذ كانَ يقولُ: أنبأني فلانٌ إجازةً، وفيه أيضًا رعايةٌ لاصطلاحِ المتأخرينَ» (٥).
قولهُ: (فقالَ أبو عمرو) (٦) إنَّما ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ، عن أبيهِ، وعبارتُهُ: «ورُوِّينا عن أبي عَمرِو بن أبي جعفرَ بن حَمْدانَ النَّيْسابوريِّ، قالَ: سمعتُ أبي يقولُ: كلما قال البخاريُّ» (٧) إلى آخرهِ.
قولهُ (٨) في قولهِ: (الخامسُ: المكاتبةُ) (٩): (عنه) (١٠) يتعلّقُ بما تَعلّقَ به «بإذنِهِ»، وهو الكتابةُ، أي: الكتابةُ بخطِّ الشيخِ، والكتابةُ عنه بإذنِهِ للكاتبِ في الكتابةِ لغائبٍ أو حاضرٍ.
_________________
(١) الأنساب ٣/ ٤٠٩.
(٢) انظر: القاموس المحيط مادة (وجز).
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٧.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٣.
(٨) جاء في حاشية (ف): «الخامس: المكاتبة» وقد جعلها عنوانًا وخلت باقي النسخ منه.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٩.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٥٣٢).
[ ٢ / ١٠٢ ]
قولهُ: (أجازَ مَعَها) (١) لو قال: عندَها، لوافقَ رويَّ الشطرِ الثاني.
قولهُ: (وهي شبيهةٌ) (٢) بل هي أقوى من هذه المناولةِ فإنَّها تزيدُ عليها بأنَّ المكتوبَ ما كُتبَ إلا لأجلِ المكتوبِ إليهِ، وفي ذلك زيادةُ اعتناءٍ بهِ في تسليطِهِ على روايتهِ، والانتفاع به.
قولهُ: (فإنَّها صحيحةٌ) (٣)، أي: الروايةُ / ٢٦٦ ب / بالكتابةِ المجردةِ عنِ الإجازةِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «أمّا الأولُ: وهو ما إذا اقتصرَ على المكاتبةِ فقد أجازَ الروايةَ بها كثيرٌ» (٤) إلى آخره.
قولهُ: (بينَ أهلِ الحديثِ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: «وكثيرًا ما يوجدُ في مَسانيدِهم ومُصنفاتهم قولهُم: كتبَ إليَّ فلانٌ، حدثنا فلانٌ، والمرادُ به هذا، وذلك معمولٌ به عندَهُم معدودٌ في المسندِ الموصولِ، وفيها إشعارٌ قويٌّ بمعنى الإجازةِ فهي وإنْ لم تقترنْ بالإجازةِ لفظًا، فقد تضمنتِ الإجازةَ معنىً» (٦). انتهى.
قلتُ: لأنَّ الكتابةَ (٧) كنايةٌ، فإذا اقترنتْ بالإرسالِ إلى المكتوبِ إليهِ وتسليطِهِ عليهِ كانَ كأنَّه لَفَظَ له به، وإذا كانَ كذلكَ لم يحتجْ إلى إجازةٍ كما تقدّمَ.
قولهُ: (وإليه صارَ جماعةٌ) (٨)، أي: إلى أنَّها أقوى منَ الإجازةِ.
قولهُ: (منها عندَ مسلمٍ) (٩) الأحسنُ في ذلك أنْ يوردَ ما اتفقا عليه لا ما انفردَ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٣٣).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٩.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٥.
(٧) في (ب): «لا والكتابة».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٠.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٠.
[ ٢ / ١٠٣ ]
به أحدُهما؛ ليكونَ أدلَّ على الجوازِ، وأقوى في الاعتمادِ كما أخرجاهُ (١) عن وَرَّاد (٢)، قالَ: كتبَ معاويةُ إلى المغيرةِ أنِ اكتبْ إليَّ ما سمعتَ منْ رسولِ الله - ﷺ -، فكتبَ إليه أنَّ نبيَّ اللهِ - ﷺ - كانَ يقولُ في دُبرِ كلِّ صَلاةٍ: «لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ ..» الحديثَ، وهو في أبي داود (٣) والنسائيِّ (٤) أيضًا.
وكما أخرجهُ الشيخانِ (٥) أيضًا والنسائيُّ (٦)، قال ابنُ عَونٍ: كتبتُ إلى نافعٍ فكتبَ إليَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه / ٢٦٧أ / وسلم أغارَ على بني المصطلقِ، وهم غارُّون الحديث، وفي آخرهِ: حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وكانَ في ذلك الجيشِ.
ورَوى الشيخانِ (٧) وأبو داود (٨) عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، عن كتابِ رجلٍ من أسلمَ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - يقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى: كتبَ إلى عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ حينَ سارَ إلى الحروريةِ يخبرُهُ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -.
وفي روايةٍ (٩): كتبَ فقرأتُهُ: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - (١٠) في بعضِ أيامِهِ التي لَقِيَ فيها العدوَّ انتظرَ حتى إذا مالتِ الشمسُ قامَ فيهم فقالَ: يا (١١) أيها الناسُ، لا تَتمنوا لقاءَ العدو
_________________
(١) صحيح البخاري ٩/ ١١٧ (٧٢٩٢)، وصحيح مسلم ٢/ ٩٥ (٥٩٣).
(٢) في (ب): «رواد».
(٣) سنن أبي داود (١٥٠٥).
(٤) المجتبى ٣/ ٧٠ و٧١، وفي الكبرى (١٢٦٤) و(١٢٦٥) و(١٢٦٦).
(٥) صحيح البخاري ٣/ ١٩٤ (٢٥٤١)، وصحيح مسلم ٥/ ١٣٩ (١٧٣٠).
(٦) في السنن الكبرى (٨٥٨٥)، وأخرجه: أبو داود (٢٦٣٣).
(٧) صحيح البخاري ٤/ ٢٦ (٢٨١٨) و٤/ ٧٧ (٣٠٢٤) و٩/ ١٠٥ (٧٢٣٧)، وصحيح مسلم ٥/ ١٤٣ (١٧٤٢).
(٨) في سننه (٢٦٣١).
(٩) عند البخاري ٤/ ٣٠ (٢٨٣٣).
(١٠) عبارة: «وفي رواية: كتب فقرأته: أن رسول الله - ﷺ -» لم ترد في (ف).
(١١) لم ترد في (ب).
[ ٢ / ١٠٤ ]
الحديثَ، وللشيخين (١)، وأبي داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، عن هشام، قال: - وفي بعضِ طرقِ البخاريِّ قال: كتبَ إليَّ يحيى بنُ أبي كثيرٍ - عن عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أبيهِ، قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: «إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني».
وعن شيخِنا الحافظِ برهانِ الدينِ الحلبيِّ أنَّ في "صحيح مسلمٍ" زيادةً على عشرَةِ أحاديثَ مكاتبةً.
قولهُ: (كتب إليَّ محمدُ بنُ بشَّارٍ) (٥) يعني: حديثَ البراءِ في الذبحِ قبلَ صلاة العيدِ وأمرِ النبيِّ - ﷺ - (٦) له بالإعادةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، عندي عناقٌ جذعٌ (٧)، وفي آخرِهِ عنِ ابنِ سيرينَ: فلا أدري أبلغتِ الرخصةُ غيرَهُ أم لا (٨).
وعن (٩) شيخِنا البرهانِ (١٠) الحلبيِّ (١١) المذكورِ - ﵀ - أنَّه ليسَ في / ٢٦٧ب / "صحيحِ البخاري" حديثٌ رواهُ عن شيخٍ من مشايخِهِ كتابةً إلا هذا الحديثَ، وأمّا الروايةُ مكاتبةً في أثناءِ الأسانيدِ ففيه كثيرٌ منها.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ١٦٤ (٦٣٧) و(٦٣٨) و٢/ ٩ (٩٠٩)، وصحيح مسلم ٢/ ١٠١ (٦٠٤).
(٢) سنن أبي داود (٥٣٩) و(٥٤٠).
(٣) جامع الترمذي (٥٩٢).
(٤) في المجتبى ٢/ ٣١ و٨١، وفي الكبرى (٨٦٥) و(١٦٥١).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٠.
(٦) عبارة: «وأمر النبي - ﷺ -» جاءت مكررة في (أ).
(٧) هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. العين مادة (عنق)، والنهاية ٣/ ٣١١.
(٨) صحيح البخاري ٨/ ١٧٠ (٦٦٧٣).
(٩) في (ف): «عن».
(١٠) في (ب): «برهان الدين».
(١١) لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٠٥ ]
قولهُ: (أبو عبدِ الله بن الموَّاقِ) (١) في نسخةٍ: أبو بكر، وهو والدُ أبي عبدِ اللهِ، فاللهُ أعلمُ أيُّهما المرادُ.
قولهُ في شرحِ قولهِ: (ويَكْتَفي) (٢): (وإن لم تَقُمِ البينةُ عليهِ) (٣)، أي: بشهادةِ اثنينِ أنَّهما رأياهُ يكتبُ ذلك، فتكونُ شَهادةً على الفعلِ لا بالتخمينِ، بأنَّ هذا يُشبهُ خطَّهُ، فهوَ هوَ؛ لأنَّهُ يبعدُ كلَّ البعدِ أنْ يوجدَ خطٌّ غيرُ خطِّهِ يُحاكيهِ مُحاكاةً يبعدُ معها التمييزُ.
قولهُ: (والنَّزاهَةُ) (٤) هي البُعدُ عنِ الرذائِلِ، منَ التنَزُّهِ: وهو التباعدُ، يقالُ: نَزَّهَ نفسَهُ عنِ القبيحِ: نَحَّاها، وهو بنُزهةٍ منَ الماءِ: ببعدٍ، وأرضٌ نَزْهَةٌ - بفتحٍ، ثم سكونٍ، وتكسرُ الزاي - بعيدةٌ عنِ الريفِ وغَمَقِ (٥) المياهِ وذُبان القرى، وَومد البحارِ، وفسادِ الهواء.
والوَمَدُ: محرّكةً: الحرُّ الشديدُ مع سكونِ الريحِ، أو نَدىً يجيءُ في صَميمِ الحرِّ من قبلِ البحرِ، أو شدة حرِّ الليلِ (٦)، نَزُهَ ككرُمَ نزاهةً ونزاهيةً مخففًا (٧).
قولهُ في: (السادسُ: إعلامُ الشيخِ) (٨): (وعدّةٌ) (٩) مبتدأٌ سوّغَ الابتداءَ به وَصْفُه في المعنى، أي: منَ الناسِ معَ أنَّهُ مفيدٌ معَ كونِهِ نكرةً أنَّ جماعةً قالوا به، وقد قالَ الرضيُّ بعدَ حكايتِهِ أنّ الجمهورَ اشترطوا تخصُّصَ النكرةِ
:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥١.
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٣٧).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٢.
(٥) في (ف): «عمق».
(٦) انظر: لسان العرب مادة (ومد).
(٧) انظر: القاموس المحيط مادة (نزه).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٢.
(٩) التبصرة والتذكرة (٥٤٢).
[ ٢ / ١٠٦ ]
«وقالَ ابنُ الدَّهانِ: وما أحسنَ ما قالَ إذا حَصلتِ (١) / ٢٦٨أ / الفائدةُ فأَخْبِرْ عن أيِّ نكرةٍ شئتَ؛ وذلك لأنَّ الغرضَ منَ الكلامِ إفادةُ المخاطبِ، فإذا حَصلتْ جازَ الحكمُ سواءٌ تخصَّصَ المحكوم عليه بشيءٍ أو لا» (٢) وأطالَ في توجيهِ ذلك بما ينبغي حفظُهُ.
قولهُ: (لخللٍ يَعرفُهُ فيه) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ عَقِبَهُ: «ولم يوجدْ منه التلفظُ به، ولا ما يَتَنَزلُ منْزلةَ تلفظِهِ به، وهو تَلفُّظُ القارئِ عليه وهو يسمعُ، ويُقِرُّ بهِ حتى يكونَ قولُ الراوي عنه السَّامع ذلك «حدَّثنا وأخبرنا» صدقًا، وإنْ لم يأذَنْ له فيه، وإنَّما هذا كالشاهدِ» (٤) إلى آخر ما يأتي عنه.
قولهُ: (وقد تقدمَ) (٥)، أي: في النَّوعِ الذي قَبْلَهُ حيثُ قالَ: لا يرويهِ إلا بتسليطٍ (٦) منَ الشيخِ، وذكرَهُ أيضًا في المناولةِ الخاليةِ عن إذنٍ.
قولهُ: (واختارَهُ أبو محمدٍ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وحكى القاضي أبو محمدِ بنُ خلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزيُّ (٨) في كتابِهِ " المحدث الفاصل بينَ الرَّاوي والوَاعي " (٩)
_________________
(١) مكررة في (أ).
(٢) شرح الكافية ١/ ٨٨ - ٨٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٣.
(٦) في (ف): «بتسلط».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٣.
(٨) بفتح الراء والميم بينهما الألف، وضم الهاء وسكون الأخرى، وضم الميم، وفي آخرها الزاي، هذه النسبة إلى رامهرمز، وهي مدينة مشهورة بنواحي خوزستان. الأنساب ٣/ ٣٢، ومعجم البلدان ٣/ ١٧.
(٩) انظر في اسم هذا الكتاب: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٧٣، ونزهة النظر: ٤٧، وتدريب الراوي ١/ ٥٢، ومعجم الأدباء ٩/ ٥، والرسالة المستطرفة: ٥٥ و١٤٢.
[ ٢ / ١٠٧ ]
عن بعضِ أهلِ الظاهرِ أنَّه ذهبَ إلى ذلك واحتجَّ له، وزادَ فقالَ: «لو قال: هذه رِوايتي عن فلانٍ لكن لا تَروِها عنِّي، كانَ له أنْ يَرْويها كما لو سَمعَ منه حديثًا، ثم قال له: لا تَروِهِ عنِّي، ولا أُجيزُهُ لكَ، لم يَضُرَّهُ ذلك، وَوَجْهُ مذهبِ هؤلاءِ اعتبارُ ذلكَ بالقراءةِ على الشيخِ فإنَّهُ إذا قرأ عليه شيئًا مِنْ حديثِهِ وأقرَّ بأنَّه روايتُهُ عن فُلانِ بنِ فلانٍ جازَ له أن يَرويهُ عنه، وإن لم يسمعْهُ منْ لفظِهِ ولم يقلْ له: اروهِ عني أو أذنتُ لكَ في روايتِه عنِّي» (١). انتهى.
ولا جامعَ فيهما، فإنَّ هذا للتيسير عليه، حَديثٌ سمعه عليه واعترف بأنَّه يَرويه، وهذا اعترافٌ بروايةِ شيءٍ لم يسمعْهُ عليه بقراءتهِ ولا قَرأَهُ غيرُهُ، فالأمر الصدق فيه أنْ يقولَ: أخبرني فلانٌ أنَّه يروي الشيءَ الفلاني عَنْ فلانٍ، ومتى زادَ على هذا فهو كاذبٌ (٢).
قولهُ: (لأنَّه قد / ٢٦٨ب / حَدَّثهُ) (٣)، أي: حدَّثهُ به جملةً بقوله: هذه روايتي عنْ فلانٍ، فصارَ كما لو قالَ له: نَعَمْ، بعدَ سماعِهِ له عليه، فلا يرجعُ هنا كما لا يرجعُ هناكَ.
قولهُ: (لأنَّ المعنى يجمعُ بينَهما في ذلك (٤)، وإنِ افترقتا في غيرِه) (٥) المعنى هو: أنَّهُ ذكرَ روايتَهُ في غيرِ مجلسِ الروايةِ التي جرتِ العادةُ بها من تحديثٍ أو قراءةٍ أو إجازةٍ، ونحوِ ذلك، ثم تبعَ الإقرارَ بعدَهُ أنَّه روايتهُ وما أثبتَ ذلك (٦)، مما
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٦ - ٢٨٧، وانظر: المحدّث الفاصل: ٤٥١ - ٤٥٢، ونقله عنه الخطيب في "الكفاية" (٤٩٨ - ٤٩٩ ت، ٣٤٨ هـ)، والقاضي عياض في "الإلماع": ١١٠.
(٢) من قوله: «انتهى ولا جامع فيها » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٤.
(٤) في " شرح التبصرة ": «فيه».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٤.
(٦) عبارة: «ثم تبع الإقرار بعده أنه روايته وما أثبت ذلك» لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٠٨ ]
يفهمُ أنَّ هذا معمولٌ به سائغٌ نقلُهُ كما في الشهادةِ عندَ الحاكمِ. وإنَّما ذلك (١) مجردُ إعلامٍ تختلفُ الأغراضُ به من غير سماعٍ للمروي (٢)، هذا أنهى ما يقالُ، على أنَّ ما قالَ عياضٌ في هدمِهِ قويٌّ متينٌ، غير أنَّ الورعَ الكفُّ عنِ الإمعانِ في الانتشارِ في هذا المضمارِ، على أنَّ قولَهُ أيضًا منظورٌ فيه من جهة أنَّ السماعَ الذي لا يحتاج للإذنِ سماعُ الحديثِ نفسهِ لا سماعَ حكايةِ الشيخِ أنَّه يرويه عن فلان فقط (٣)، والله الموفقُ.
قولهُ: (كما جزمَ به ابنُ الصلاحِ) (٤) عبارتُهُ: «ثم إنَّه يجبُ عليهِ العَمَلُ بما ذَكَرَهُ له إذا صحَّ إسنادُهُ، وإن لم تَجُزْ له روايتُهُ عنه؛ لأنَّ ذلك يَكفي فيه صحتُهُ في نفسِهِ، والله أعلمُ» (٥).
قولهُ في قولهِ: (السَّابِعُ: الوصيَّةُ) (٦): (من راوٍ) (٧) يتعلقُ بـ «الموصَى»، أي: للذي أُوصِيَ له بجزءٍ من راوي وصية مُبتدئة من راوٍ ماتَ.
قولهُ: (يَرْويهِ) (٨) هو في موضعِ المفعولِ لـ «أجاز»، أي: أجازَ له أنْ يَرويَهُ.
قولهُ: (أو لِسَفَرٍ) (٩) عطفٌ على مقَدَّرٍ تقديرهُ: أوصى لأجلِ موتِهِ، أو: لأجلِ سفرٍ أرادَهُ.
_________________
(١) في (ب): «ذكر».
(٢) عبارة: «من غير سماع للمروي» لم ترد في (ب) و(ف).
(٣) من قوله: «على أن قوله » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٥.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٥.
(٧) التبصرة والتذكرة (٥٤٦).
(٨) التبصرة والتذكرة (٥٤٧).
(٩) التبصرة والتذكرة (٥٤٧).
[ ٢ / ١٠٩ ]
قولهُ: (فروى الرامهُرمُزيُّ) (١) إلى آخره، الذي عندَ ابنِ الصلاحِ موضعُ هذا ما نصّهُ: «فَرُويَ عن بعضِ السَّلفِ (٢) أنّه جوَّزَ بذلك روايةَ المُوصى له لذلك عنِ الموصِي الراوي» (٣).
وأمّا ما ذكرَهُ الشيخُ عنِ ابنِ سيرينَ منْ / ٢٦٩ أ / عندِ الرامهرمزيِّ في كتابِهِ " المحدّثِ الفاصلِ " فَقد آلَ إلى التوقفِ، وأمّا ما ذكرَهُ عنْ أبي قِلابةَ فليسَ فيه أكثرُ منَ الوصيةِ، وأمّا الروايةُ فلا ذِكرَ لها بنفيٍ ولا بإثباتٍ (٤)، ورأيتُ بخطِّ صاحبِنا العلامةِ شمسِ الدينِ بنِ حسَّان: أخرجَ ابنُ سعدٍ، قال: «وقالَ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ: حدَّثنا أيوبُ، قالَ: أوصى إليَّ أبو قِلابةَ بكُتُبِهِ فأتيتُ بها منَ الشامِ فأعطيتُ كراءها بضعةَ عشرَ درهمًا (٥»)، ثم رأيتُ ذلك في " المحدّثِ الفاصلِ " (٦) منْ طريقِ ابنِ عُليةَ - وهو إسماعيلُ هذا -، عنْ أيوبَ، قال: أوصى إليَّ أبو قِلابةَ في كتبهِ فبعثتُ فجيء بها إليَّ، وأنفقتُ بضعةَ عشرَ درهمًا.
قولهُ: (وإلا فاحرقُوهَا) (٧) مثلُ هذا ما قرأتُ في " الحليةِ " (٨) للحافظِ أبي نُعيمٍ على شيخِنا حافِظِ عصرِهِ أبي الفَضْل أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حجرٍ - ﵀ - في ترجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحواري: «سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ عبد الله بنِ عبدِ العزيزِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٥.
(٢) منهم: ابن سيرين وأبو قلابة. ينظر: المحدّث الفاصل: ٤٥٩ - ٤٦٠، والكفاية (٥٠٣ - ٥٠٤ت، ٣٥٢ هـ)، والإلماع: ١١٥ - ١١٦، ونكت الزركشي ٣/ ٥٥١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٨.
(٤) في (ف): «إثبات».
(٥) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٥١.
(٦) المحدِّث الفاصل: ٤٦٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٦.
(٨) حلية الأولياء ١٠/ ٦.
[ ٢ / ١١٠ ]
الرازيَّ المُذكر، سمعتُ أبا عمرٍو البيكنديَّ يقولُ: لما (١) فرغَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ منَ التَعَلُّمِ جلسَ للناسِ فخطرَ بقلبِهِ ذاتَ يومٍ خاطرٌ منْ قبلِ الحقِّ، فحملَ كُتُبَهُ إلى شطِّ الفراتِ فجلسَ يَبكي ساعةً طويلةً، ثم قال: نعْم الدليلُ كنتِ لي على ربي، ولكنْ لما ظفرتُ بالمدلولِ كان (٢) الاشتغالُ بالدليلِ محالٌ فغسلَ كُتُبَهُ بالفراتِ» فسألتُ شيخَنا عن فِعلِهِ وفعلِ غيرِهِ كداودٍ الطائيِّ من إعدامِ كتبِهم ما سببُهُ؟ وما الذي سَوَّغهُ؟ فقال: لم يكونوا / ٢٦٩ب / يرونَ أنَّه يجوزُ لأحدٍ روايتُها لا بالإجازةِ ولا بالوجادةِ، بل يرونَ أنَّه إذا رواها أحدٌ بالوجادَةِ يضعَّفُ، فرأوا أنّ مَفسدةَ إتلافِها أخفُّ منْ مفسدةِ تضعيفِ أحدٍ بسببهم، والله أعلمُ بمرادِهم، ثم رأيتُ في ترجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحواري من " طبقات الأولياء " (٣) لابن الملقن ما نصه: «وقد رُويَ نحو هذا عن سفيانَ الثوري الإمامِ: أنَّه أوصى بدفنِ كتبِهِ، وكانَ ندمَ على أشياءَ كتبها عنِ الضعفاءِ، وقالَ: حَملني عليها شهوةُ الحديثِ. فكأنَّه لما عَسُرَ عليه التمييزُ بينَ الصحيحِ وغيرِهِ أوصى أن (٤) تُدفنَ كلَّها». انتهى.
ومن ذلك ما قال الحافظُ أبو القاسمِ بنُ عساكر في الكنى من " تاريخ دمشقَ " (٥): «أخبرتنا أمُّ البهاءِ بنتُ البغداديِّ، أخبرنا أبو بكرٍ الباطِرقاني، أخبرنا أبو عبد الله بنُ منده، أخبرنا عمرُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ، حدّثنا أبو عبيدةَ معمرُ بنُ المثنى، قال: كانَ أبو عمرو بنُ العلاءِ أعلم الناسِ بالقرآنِ والعربيةِ، والعربِ وأيامِها، والشعر وأيامِ الناسِ، وكانَ ينْزلُ خلفَ دارِ جعفر بنِ سُليمانَ الهاشميِّ، وكانت دفاترُهُ ملءَ بيتٍ إلى السقفِ، ثم تنسكَ، وأحرقها». انتهى.
_________________
(١) لم ترد في (ب).
(٢) زيادة من الحلية.
(٣) طبقات الأولياء: ٣٢.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) تاريخ دمشق ٦٧/ ١٠٨.
[ ٢ / ١١١ ]
وسيأتي في كتابةِ الحديثِ في المذهبِ الثالثِ ما ينفعُ هنا.
قولهُ: (وعلَّلهُ) (١)، أي: جوازَ الروايةِ بالوصيةِ، وقد علمَ أنَّهُ لا دلالةَ عليهِ فيما مضى، ولكنْ علمَ منْ كلامِ القاضي أنَّ الضميرَ للجوازِ، والله أعلم.
قولهُ: (وهذا بعيدٌ) (٢)، أي: قولُ بعضِ السَّلفِ في تجويزِ الروايةِ بمجردِ الوصيةِ (٣)، ثم قال: «وقد احتجَّ بعضُهم لذلك فشبهه بقسم الإعلامِ، وقِسْمِ المناولَةِ، ولا يَصحُّ ذلك؛ فإنَّ لقولِ من جوَّزَ الروايةَ بمجرَّدِ الإعلامِ، والمناولةِ مُستندًا ذكرناهُ لا يتقررُ مثلُهُ، ولا قريبٌ منه هاهنا، والله أعلم» (٤). انتهى.
والمستندُ الذي أشارَ إليهِ هو / ٢٧٠أ / اعتبارُ الإعلامِ بالقراءةِ على الشيخِ مع إقرارهِ بأنَّ ذلك روايتُهُ.
قولهُ في قوله: (الثامنُ: الوجادةُ) (٥): (عُهد) (٦) عطفٌ على «عاصرتُ»، أي: بخطِّ منْ عاصرتُهُ، أو بخطِّ منْ عهدَ قبلُ، أي: قبلَ زمنٍ يُمكنُ فيه معاصرتُكَ له.
قولهُ: (ما) (٧) هو مفعولُ «تجد» (٨).
قولهُ: (مولدًا) (٩) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَهُ: «غيرُ مسموعٍ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٦.
(٣) من قوله: «وقد علم أنه لا دلالة » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٦.
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٤٩).
(٧) التبصرة والتذكرة (٥٥٠).
(٨) عبارة: «قوله: (ما) هو مفعول تجد» لم ترد في (ف).
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٦.
[ ٢ / ١١٢ ]
منَ العربِ (١).
روِّينا عنِ المُعافى بنِ زَكريا النَّهروانيِّ (٢) العلاَّمة في العلومِ» (٣).
قولهُ: (منْ تفريقٍ) (٤) متعلق ب «فرَّعوا»، أي: فرَّعوا هذا المصدرَ منْ تفريق، أي: من نفسِ التفريقِ، بمعنى: أنَّهم لما فرَّقوا بينَ المصادرِ للتفرقةِ بين المعاني ذكروا مَصْدرًا غير تلك المصادرِ لمعنىً خاصٍّ عندهم، أو يَكونُ المعنى منْ أجلِ تفريقِ العربِ.
قولهُ: (وإجْدَان - بكسرِ الهمزةِ -) (٥)، قال في " النكت ": «في الضالةِ، وفي المطلوبِ أيضًا حكاها صاحبُ " المحكمِ " في الضالةِ فقط» (٦).
قولهُ: (بمعنى حَزِنَ) (٧) لكنَّ ماضيَّهُ بالكسرِ.
قولهُ: (فلهُ مصدرانِ) (٨) بل له ستةٌ، قال في " القاموسِ " (٩): «وجَدَ المطلوبَ كوَعَدَ، وورِمَ: يجِدهُ ويجُدهُ بضم الجيم ولا نظيرَ لها، وَجْدًا وجِدةً
_________________
(١) قال العلامة أحمد شاكر: «وإنما ذكر العلماء الوجادة في هذا الباب إلحاقًا به لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها» اختصار علوم الحديث: ١٢٨ وما بعدها، طبعة أحمد شاكر.
(٢) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة والواو، وفي آخرها نون أخرى. الأنساب ٥/ ٤٤٦، وانظر: ترجمته في: تاريخ بغداد ١٣/ ٢٣٠، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٥١، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٤٤.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٧.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٠٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٧.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٧.
(٩) القاموس المحيط مادة (وجد).
[ ٢ / ١١٣ ]
ووُجْدًَا ووجودًا ووجْدانًا وإجدانًا بكسرِهما: أدركهُ، والمال وغيره يجدُهُ وَجْدًا مثلثةً وَجِدَةً: استغنى، وعليهِ يَجِدُ ويجُدُ وَجْدًا وجِدَةً وموجِدَةً: غضبَ، وبه وَجْدًا في الحبِّ فقط، وكذا في الحزنِ لكنْ يكسرُ ماضيهُ» وقد عُلمَ بهذا ما تقدَّمَ، وعُلمَ أنَّ تخريجَ المصدرِ الذي ولَّدهُ المحدثونَ من الماضي المكسورِ العينِ على وزنِ وَرِمَ، فيكونُ كوَرِثَ وراثةً، وَوَليَ / ٢٧٠ ب / ولايةً، أو منْ مَفتوحِها مثل: وَفَدَ وِفادَةً ووَلَدَ ولادةً، ونحوها.
قولهُ: (وقُرئَ بالثلاثةِ) (١) لم أرَ فيها قراءةً بالفتحِ، وإنَّما قرأ روحٌ، عن يعقوبَ بالكسرِ، وقَرأ الباقونَ بالضمِّ (٢).
ثم وجدتُ الشمس الهرويَّ في كتابٍ له جَمعَهُ في القراءةِ الشاذةِ والمستعملةِ فهو بخطِّه نَقلَ الفتح عن ابنِ أبي عَبْلة وَالأعرجِ (٣).
قولهُ: (ونحو ذلك) (٤) كما قالَ ابنُ الصلاحِ: «قرأتُ بخطِّ فلانٍ أو في كتابِ فلانٍ بخطِّهِ» (٥). انتهى.
رَوَى (٦) الرامهرمزيُّ في " المحدثِ الفاصلِ " (٧) بسنَدِهِ إلى محمدِ بنِ سعيدٍ، قال: «لما ماتَ محمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ - ﵁ - وجَدْنا في ذؤابةِ سيفِهِ كتابًا: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: «إنّ لِربكمْ في بقيةِ دهرِكم نفحاتٍ فتعرضوا لها، لعلَّ دعوةً أنْ توافقَ رحمةً يُسْعَدُ بها صاحبُها سعادةً
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٨.
(٢) معجم القراءات القرآنية ٧/ ١٦٨.
(٣) من قوله: «ثم وجدت » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٨.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٩.
(٦) في (ب): «وروى».
(٧) المحدّث الفاصل: ٤٩٧.
[ ٢ / ١١٤ ]
لا يخسرُ بعدَها أبدًا»» (١).
قولهُ: (ولذلك) (٢) بلامِ الجرِّ، أي: لأجلِ استعمالِ غيرِ واحدٍ، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشيخِ في " النكتِ ": «اشتراطُ المصنفِ في الوجادةِ أنْ يكونَ ذلكَ الشيخُ الذي وَجَدَ ذلك الموجودَ بخطِّهِ لا إجازةَ له منه ليس بجيدٍ، ولذلك لم يذكره القاضي عياضٌ (٣) في حد الوجادةِ» (٤).
قولهُ: (ونحو ذلك) (٥) كما قالَ ابنُ الصلاحِ: «قرأتُ بخطِّ فلانٍ أو في كتابِ فلانٍ بخطِّهِ» (٦) (٧).
قولهُ: (وكله منقطعٌ) (٨) قال ابنُ كثيرٍ فيما نُقلَ عنهُ: «الوجادةُ ليستْ من بابِ الروايةِ، وإنَّما هي حكايةٌ عما وجدَهُ في الكتابِ» (٩).
قولهُ: (دُلْسَهْ) (١٠) قال في " القاموسِ " (١١): «الدَّلَسُ - بالتحريكِ -: الظلمةُ كالدُّلْسَةِ بالضمِّ، والتَّدْليسُ: كتمانُ عيبِ المُشْتَرَى (١٢) عنِ المشتري، ومنهُ التدليسُ
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٥١٩)، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٢٣١: «وفيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم وثقوا».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٨.
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٠١، وانظر: الإلماع: ١١٦ - ١١٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٩.
(٧) من قوله: «قوله: (ونحو ذلك») إلى هنا لم يرد في (ف).
(٨) التبصرة والتذكرة (٥٥٢).
(٩) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٦٨ وبتحقيقي: ١٩٥.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٥٥٣).
(١١) القاموس المحيط مادة (دلس).
(١٢) في " القاموس المحيط ": «السلعة».
[ ٢ / ١١٥ ]
في الإسنادِ».
/ ٢٧١أ / قولهُ: (إنْ أوهم) (١)، أي: بأنْ كانَ (٢) معاصرًا له، فإنَّ روايتَهُ على تلكَ الصورةِ توهمُ من اطّلعَ عليها أنَّه سمعَ ذلك منه أو أجازهُ به، بخلافِ ما إذا لم يكنْ معاصرًا.
قولهُ: (بلفظةِ عَنْ) (٣)، أي: أو نحوها مثلُ: قالَ فلانٌ (٤)، ونحوُ ذلك مما يوهمُ أخذهُ عنه إجازةً أو سماعًا.
قولهُ: (جوازُ العملِ به) (٥) كانَ شيخُنا يتوقفُ في كونِ الجوازِ هنا على بابهِ، وذلك هو الحقُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويَشبَهُ أنْ يكونَ الشافعيُّ إنَّما عَبَّرَ بهذا؛ لأنَّ أدنى مراتب العملِ الإباحةُ، فكأنَّهُ قالَ إنَّهُ يعملُ بها، ثم ما اقتضاهُ الدليلُ من إباحةٍ أو نَدبٍ أو غيرِهما (٦)، كانَ العملُ على حسبِهِ.
وقدِ استدلَّ الحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ (٧) فيما نقلَ عنه للعملِ بها بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عن جدِّهِ - ﵁ -، قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: «أيُّ الخَلْقِ أعجبُ إليكمْ إيمانًا؟ قالوا: الملائكةُ، قالَ: وكيفَ لا يُؤمنون وهم عندَ ربِّهم؟ وذكروا الأنبياءَ، قالَ: وكيفَ لا يُؤمنونَ والوحيُ يَنْزِلُ عليهم؟ قالوا: فنحنُ، قالَ: وكيفَ لا تُؤمنونَ وأنا بينَ أظهُرِكُمْ؟ قالوا: فَمَنْ يا رسول الله؟ قالَ: قومٌ يأتونَ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٥٣).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٩.
(٤) جاء في حاشية (ب): «أي: مكان وجدنا».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٥٩.
(٦) في (ب): «غيرها».
(٧) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠ وبتحقيقي: ١٩٦.
[ ٢ / ١١٦ ]
من (١) بعدِكمْ يجدُونَ صُحُفًا فيها كتابٌ يُؤمنونَ بما فيها».
أخرجَهُ الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِ " شَرفِ أصحابِ الحديثِ " (٢) بسندِه، وأخرجهُ أيضًا بسندِهِ (٣) منْ طريقِ أبي يعلى أحمدَ بنِ عليٍّ الموصليِّ (٤)، عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -، قالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «أنبئوني بأفضلِ أهلِ الإيمانِ إيمانًا» / ٢٧١ب / قلنا: يا رسولَ اللهِ، الملائكةُ، قالَ: «هُم كذلك ويحقُّ لهم وما يَمنعُهم، وقد أنزلهم اللهُ المنْزلةَ التي أنزلَهم بها؟ بل غيرُهم»، قلنا: يا رسولَ الله، فالأنبياءُ الذين أكرمَهم اللهُ بالنبوةِ والرسالةِ، قالَ: «هم كذلك، ويحقُّ لهم ذَلِكَ وما يمنعُهم، وقد أكرمهم اللهُ بالنبوةِ والرسالةِ؟ بل غيرُهم»، قلنا: يا رسول الله، الشهداءُ الذينَ أكرمهم الله تعالى بالشهادةِ مع الأنبياءِ؟ قال: «هم كذلك ويحقُّ لهم وما يمنعهم، وقد أكرمهم اللهُ تعالى (٥) بالشهادةِ، بل غيرُهم»، قلنا: يا رسول الله فمنْ؟ قال: «أقوامٌ في أصلابِ الرجالِ يأتونَ من بعدي يؤمنونَ بي ولم يروني، ويصدقونَ بي ولم يروني، يرون الورقَ المعلقَ فيعملونَ بما فيه».
قولهُ: (لأبَوْهُ) (٦) يعني: لما تقدمَ منْ أنَّ معظَمَهم لا يرون العملَ به، هذا على تقديرِ كونِهِ بالباءِ الموحدةِ، ويحتملُ أنْ تكونَ بالمثناةِ الفوقانيةِ من الإتيان، يعني: لعملوا بهِ؛ لوضوحِ دليلِهِ، وهو أنَّ مدارَ وجوبِ العملِ بالحديثِ الوثوقُ (٧)
_________________
(١) لم ترد في (أ) و(ف).
(٢) شرف أصحاب الحديث: ٣٣ (٦١).
(٣) شرف أصحاب الحديث: ٣٣ (٦٢).
(٤) مسند أبي يعلى الموصلي (١٦٠).
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠.
(٧) في " توضيح الأفكار ": «المسوق»، وهو خطأ.
[ ٢ / ١١٧ ]
بنسبتِهِ إلى الشارِعِ - ﷺ - لا اتصالهُ بالروايةِ (١).
قولهُ: (المتأخِّرةِ) (٢) قال ابنُ الصلاحِ: «فإنَّهُ لو توقفَ العملُ فيها على الروايةِ لانسدَّ بابُ العَمَلِ بالمنقُولِ؛ لتعذُّرِ شرطِ الروايةِ فيها على ما تقدَّمَ في النَّوعِ الأوَّلِ» (٣) انتهى.
وأيضًا فربما انقطعتِ الروايةُ (٤) ببعضِ الأجزاءِ لقلةِ الهِممِ في الأعصارِ المتأخرةِ، وربما كانَ فيه حديثٌ ليس في غيرِهِ مما يرويهِ فلولا هذا الطريقُ لضاعَ ما فيه منَ الحكمِ، وأمّا العصرُ القديمُ فكانتِ الأحاديثُ فيه محفوظةً في الصدورِ والطروس (٥)، وشدة الرغبةِ في ذلك فوقَ الوصفِ، فمتى رأينا حديثًا لا يُعرفُ، وليسَ لأحدٍ به رواية غلبَ على الظن أنَّه مصنوعٌ، والله أعلم.
قولهُ في قولهِ: (وإنْ يكنْ) (٦): (على ما تقدَّمَ) (٧)، أي: في نقلِ الحديثِ من الكتبِ المعتمدةِ.
قولهُ: (مما لا يقتضي الجزم) (٨) قال ابنُ الصلاحِ: «وقد تسامحَ أكثرُ الناسِ (٩) في هذه الأزمانِ بإطلاقِ اللفظِ الجازمِ في ذلك من غيرِ تحرٍّ وتثبيتٍ، فيطالعُ أحدُهم كتابًا منسوبًا إلى مُصنِّفٍ مُعيَّنٍ، وينقلُ منه من غيرِ أنْ يثقَ بصحةِ النُّسْخةِ
_________________
(١) انظر: توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩١.
(٤) من قوله: «فيها على ما تقدم » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٥) الطِّرْسُ: الصحيفة، ويُقال: هيَ التي مُحيت ثم كتبت. لسان العرب مادة (طرس).
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٥٧).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠ - ٤٦١.
(٩) تحرفت في (ف) إلى: «الحديث».
[ ٢ / ١١٨ ]
قائلًا: قال فلانٌ كذا وكذا، والصوابُ ما قدَّمناهُ» (١).
قولهُ: (ومواضعُ الإسقاطِ) (٢) بالكسرِ، مصدر أسقطَ الشيءَ إذا ألقاهُ، فالمرادُ المواضعُ التي تركَ فيها كلامٌ اختلَّ به المعنى (٣). والسَّقَطُ - مُحرّكًا - الرديءُ والخطأُ في الكلامِ والكتابِ والحسابِ (٤).
وقولهُ: (أوما (٥) أُحِيلَ عنْ جهتِهِ) (٦)، أي: بضربٍ منَ التأويلِ.
وقولهُ: (من غيرِها) (٧) الجارُّ فيه يتعلّقُ بـ «يخفى» في قوله: «لا يخفى» والضميرُ في «غيرِها» للمواضعِ.
قولهُ في: (كتابةِ الحديثِ وضبطِهِ) (٨): (الصِحاب) (٩) بكسرِ الصادِ وتُفتحُ، ولو قال: الأصحاب لاتَّزَنَ، وكلاهُما جمعُ صاحبٍ، قال في "القاموسِ" (١٠): «صَحِبَهُ كسَمِعَهُ صَحابةً ويُكسر، وصُحبةً: عاشره (١١)، وهم أصحابٌ وأصاحيبُ وصُحبانٌ وصِحابٌ وصَحابةٌ، وصِحابةٌ (١٢)، وصَحْبٌ».
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠.
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) انظر: القاموس المحيط مادة (سقط).
(٥) في (ف): «وما».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٠ - ٤٦١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦١.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦١.
(٩) التبصرة والتذكرة (٥٥٩).
(١٠) القاموس المحيط مادة (صحب).
(١١) من قوله: «قلنا: يا رسول الله الملائكة» إلى هنا لم يرد في (أ).
(١٢) زيادة من " القاموس المحيط ".
[ ٢ / ١١٩ ]
وقال ابنُ مكتومٍ في " الجمع بينَ العُباب (١) والمحكم" (٢): «وأكثرُ الناسِ على الكسرِ دونَ الهاءِ وعلى الفتحِ معها. قال ابنُ سيده: ولا يمتنعُ أنْ تكونَ الهاءُ مع الكسر من جهةِ القياسِ على أنْ تزادَ لتأنيثِ الجمعِ، فأمّا الصُحبةُ والصَّحبُ فاسمانِ للجمعِ، وقال الأخفشُ: الصحبُ جمعٌ خلافُ قولِ سيبويه، وقالوا في النساءِ: هنَّ صواحبُ، وحكى الفارسيُّ: هُنَّ صواحباتٌ، جمعوا صواحبَ جمْعَ السلامةِ» (٣).
قوله (كِتْبَةِ الحديثِ) (٤) بكسر الكاف، أي: نسخ الحديث، قال في " الجمع بين العُباب والمحكم ": «والكِتبة - أي: بالكسر - الحالة، والكِتبة: الاكتتاب في الفرض والرزق، والكِتبة: اكتتابك كتابًا تنسخه» (٥).
قوله (بالجزمِ) (٦) يتعلقُ بما تَعَلَّقَ به «على»، وهو في موضع الحال، أي: الإجماعُ استقرَّ على الجواز مجزومًا به.
قولهُ: (فكرهَهُ ابنُ عمرَ) (٧) إنَّما في كتابِ ابنِ الصلاحِ (٨) عُمر، ولم يذكر ابنه في شيءٍ منَ القسمينِ، ولا ذُكر عمر في المجيزينَ، فالله أعلمُ.
_________________
(١) جاء في حاشية (أ): «للصغاني».
(٢) جاء في حاشية (أ): «لابن سيده».
(٣) انظر: المحكم مادة (صحب).
(٤) التبصرة والتذكرة (٥٥٩).
(٥) انظر: المحكم مادة (كتب).
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٦٠).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦١، والرواية عن ابن عمر في "تقييد العلم" للخطيب: ٤٤، و"جامع بيان العلم" لابن عبد البر ١/ ٦٦.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٢. قال الزركشي في "نكته" ٣/ ٥٥٦: «هكذا قال ابن شاهين في كتاب "الناسخ والمنسوخ": وقد جاء عن عمر الجواز». وقال الحاكم في "المستدرك" ١/ ١٠٦: «قد صحت الرواية عن عمر بن الخطاب أنه قال: قيدوا العلم بالكتابة».
[ ٢ / ١٢٠ ]
لعلَّ هؤلاءِ الذينَ كَرِهوهُ استندوا إلى النَّهيِ كحديثِ أبي سعيدٍ الذي ذكرَهُ، رواهُ مسلم في أواخرِ كتابِهِ قبلَ كتابِ التفسيرِ بقليلٍ (١)، ولم يبلغهُم خبرُ
الإباحةِ.
قولهُ: / ٢٧٢أ / (وجَوَّزهُ أو (٢) فَعلهُ) (٣)، أي: وجَوَّزَهُ بالقولِ أو الفعلِ «جماعةٌ»، أي: قالَ بعضُهم: إنَّه جائزٌ وفعلَهُ بعضُهم فعلمنا بفعلِهم له أنَّه عندَهم جائزٌ؛ لأنَّهم كانوا لا يُقدمونَ على غيرِ الجائزِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وممنْ روِّينا عنه إباحةَ ذلكَ، أو فعلَهُ» (٤) إلى آخره.
قولهُ: (لأبي شاهٍ) (٥) رأيتُ على حاشيةِ كتابِ ابنِ الصلاحِ بخطٍّ لا أعرفهُ ما صورتُهُ: «وقعَ في " المشارقِ " المقروءِ على الصغاني، والترمذيِّ المقروءِ على القاضي عياضٍ، وعليهما خطَّاهما بالتاءِ المثناةِ من فوق، والمحدثونَ من فضلاءِ مصرَ لا يروونَهُ إلا بالهاءِ، وكذا سمعَهُ الحافظُ زينُ الدينِ العراقيُّ» (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم ٨/ ٢٢٩ (٣٠٠٤) (٧٢). وأخرجه أيضًا: أحمد ٣/ ١٢ و٢١ و٣٩ و٤٦ و٥٦، والدارمي (٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨)، وفي فضائل القرآن، له
(٢) في (ب): «إذ».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٢.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٣.
(٦) قال النووي في " شرح صحيح مسلم " ٣/ ٥٠٦: «هو بهاء تكون هاء الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء ». وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٢٠٦: «هو بهاء منونة»، وقال في مكان آخر ١٢/ ٢٠٨: «وحكى السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلّطه، وقال: هو فارسيٌّ من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن». وانظر: الإصابة ٤/ ١٠٠.
[ ٢ / ١٢١ ]
قولهُ: (وزالَ ذلك الخلافُ) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: «ولولا تَدوينُهُ في الكتبِ لدرسَ في الأعصرِ الآخرةِ» (٢).
قولهُ: (فقالَ له: اكتبْ) (٣) في بعضِ الرواياتِ بيانُ سببِ السؤالِ كما سيأتي قريبًا، وأخرجَ ابنُ سعد (٤) هذا الحديثَ وزادَ أنَّه كانَ يُسمي صحيفتَهُ تلكَ الصادقةَ، رأيتُهُ بخطِّ بعضِ أصحابنا، وقال البلقينيُّ في " محاسنِ الاصطلاحِ": «أعلى من رُوي ذلك عنه من الصحابةِ: عمرُ بنُ الخطابِ، ثم عثمانُ بنُ عفان. أسند الرامهرمزيُّ في كتابِه " الفاصل " (٥) بإسنادٍ ذكرَهُ عن عمرَ بن أبي سُفيانَ: أنَّه سمع عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: «قيِّدوا العلمَ بالكتابِ»، وفي كتابِ المَرْزُبانيِّ من حديثِ عبدِ اللهِ بن راشدٍ، قال: قال / ٢٧٢ ب / عثمانُ بنُ عفانَ - ﵁ - (٦): «قيِّدوا العلمَ، قلنا: وما تقييدُهُ؟ قالَ: تعلَّموهُ وعلِّموهُ واستنسخوهُ»، وجاء عن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ ما يقتضي جوازَ كتابةِ غيرِ القرآنِ، وأسندَ الرامهرمزيُّ عن
عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عقيلٍ، قالَ: «كنتُ أذهبُ أنا وجعفرُ إلى جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ومعنا ألواحٌ صغارٌ نكتبُ فيها الحديث» (٧)، وأسندَ المَرْزُبانيُّ بسندٍ - قيل: إنَّه جيدٌ - عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ: «أنَّ أناسًا (٨) من أهلِ الكوفةِ كانوا في سَفرٍ، ومعهم شَدَّادُ بنُ أوس، فقالَ رجلٌ: حَدِّثْنا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٣.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٣.
(٤) الطبقات ٢/ ٣٧٣ و٤/ ٢٦٢ و٧/ ٤٩٤.
(٥) المحدّث الفاصل: ٣٧٧.
(٦) لم ترد في (ب).
(٧) المحدّث الفاصل: ٣٧٠ - ٣٧١.
(٨) في (ف): «ناسًا».
[ ٢ / ١٢٢ ]
عن رسول اللهِ - ﷺ -، فقالَ: ائتوني بصحيفةٍ ودواةٍ، فأتوه بِهما فقالَ: اكتبْ: سمعتُ رسول الله - ﷺ - فذكر حديثًا»، وجاء نحوُ ذَلِكَ عنِ ابنِ عباسٍ، وأبي أمامةَ، وعتبانَ - ﵃ -، وقد سبقَ في الأصلِ ذكرُ أنسٍ، وعنهُ رواياتٌ، إحداها: أسندَها الرامهرمزيُّ (١) وغيرُهُ (٢)، أنَّه كانَ يأمرُ بنيهِ أنْ يُقيِّدوا العلمَ بالكتابِ.
وأخرى أسندَها الرامهرمزيُّ (٣) وغيرُهُ (٤)، عن هبيرةَ بنِ عبد الرحمانِ، وأسندها البغويُّ في " معجمه الكبير " عن يزيد الرقاشيِّ: «كنا إذا أكثرنا على أنسِ بنِ مالكٍ ألقى إلينا مخلاةً» (٥)، وفي روايةِ الرّقاشيِّ: «أتانا (٦) بمخالٍ فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ كتبتُها عن رسولِ اللهِ - ﷺ -»، وفي / ٢٧٣ أ / روايةِ الرقاشيِّ: «سمعتُها من رسولِ اللهِ - ﷺ - وكتبتُها (٧) وعرضتُها».
وعن أبي هُريرةَ - ﵁ - نحو ذَلِكَ، وعن أنسٍ أيضًا: «كَتْبُ العلمِ فريضةٌ».
وأمّا عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ فإنَّه إنَّما كتبَ بإذنِ النبيِّ - ﷺ -، جاءتْ عنه رواياتٌ مسندةٌ: منها من روايةِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: «قلت: يا رسول اللهِ، أكتُبُ ما أسمعُهُ منك؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: في الغَضَبِ والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقولُ إلا حقًَّا».
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٣٦٨.
(٢) ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٢٢.
(٣) المحدّث الفاصل: ٣٦٨.
(٤) بحشل في " تاريخ واسط ": ٧١.
(٥) هي ما يوضع فيه الحشيش والنبات إذا قُطع. لسان العرب مادة (خلا).
(٦) في جميع النسخ الخطية: «ألقي إلينا» ولعل الصواب ما أثبتنا، والله أعلم.
(٧) لم ترد في (ب).
[ ٢ / ١٢٣ ]
وأسندَهُ الرامهرمزيُّ (١) بنحوِهِ، وفي بعضِ طرقِهِ: «قالتْ لي قريشٌ: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - يتكلمُ في الرِّضا والغَضبِ، فلا تكتُب، فسألتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: اكتُبْ فوالذي نفسي بيدِهِ ما يخرُجُ مني إلا حقٌّ»، وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيحٌ، ولذلكَ خَرَّجَهُ الحاكمُ في " مستدركِهِ " (٢) وله شواهدُ.
وقد جاءَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - ﵁ - (٣) أنَّه قال: «ما آسى (٤) على شيءٍ إلاَّ على الصادقةِ، والصادقةُ صحيفةٌ استأذنتُ فيها النبيَّ - ﷺ - أنْ أكتبَ فيها ما أسمعُ منه فأَذِنَ لي» رواهُ الرامهرمزيُّ (٥) منْ طريقِ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ، وأسند عن مجاهد، قال: «رأيتُ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيفةً فذهبتُ أتناوَلُها، فقال: مَهْ يا غلامَ بَني مخزومٍ، قلتُ: ما كنتَ تَمنَعُني شيئًا، قالَ: هذه / ٢٧٣ب / الصادقةُ فيها ما سمعتُهُ من رسول اللهِ - ﷺ -، ليس بيني وبينَهُ فيها أحدٌ»، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بسببِ الكتابةِ كثيرَ الحديثِ؛ ولذلك قالَ أبو هريرةَ: «ما أحد » الأثرَ (٦)، وقال: «كنتُ (٧) أعي بِقلبي، وكانَ يَعي هوَ بقلبِهِ ويكتُبُ بيدِهِ» (٨)،
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٣٦٥.
(٢) المستدرك ١/ ١٠٥.
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) في " محاسن الاصطلاح ": «أتينا»، وهو خطأ.
(٥) المحدّث الفاصل: ٣٦٧.
(٦) أخرجه: البخاري ١/ ٢٦ (١١٣)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٣٦٨.
(٧) في (ف): «أنت».
(٨) أخرجه: أحمد ٢/ ٤٠٣، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٣٦٩.
[ ٢ / ١٢٤ ]
ومنها: عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النبيِّ - ﷺ -: (قيِّدوا العلمَ بالكتابِ» (١).
ومنها: ما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ المؤملِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو ﵄: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُقيِّدُ العلمَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: وما تقييدُهُ؟ قال: الكتابُ» (٢)، ورواهُ ابنُ فارسٍ في كتابِ " مآخذ العلم "، ثم قالَ: «لم يروِه عنِ ابنِ جريجٍ - يعني: عن عطاءٍ - إلا عبد اللهِ بن المؤمَّلِ»، وقد رُوي ذلك عن أنسٍ - ﵁ -، قال الرامهرمزيُّ في " الفاصل " (٣): «حدَّثنا محمدُ ابنُ بهرامٍ الأرجانيُّ، حدثنا لوين، حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المثنى، عن عمِّهِ ثمامةَ، عن أنسٍ - ﵁ -، قال: قالَ رسول الله - ﷺ -: «قيدوا العلم بالكتابِ». قال لُوين: لم يروِهِ غيرُ هذا الشيخ».
وما جاءَ في السُّنةِ جاء في القرآنِ أيضًا، قالَ ابنُ فارسٍ: «أعلى ما يحتجُّ به في ذلك قولهُ تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤)، قال الحسنُ البَصريُّ: ن: الدواةُ، والقلمُ: القلمُ» (٥). وقد ندبَ اللهُ إلى الكتابةِ في قوله: ﴿فَاكْتُبُوه﴾ (٦)، وفي
_________________
(١) أخرجه: الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل": ٣٦٥، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" ١/ ٧٨.
(٢) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٣٦٤.
(٣) المحدّث الفاصل: ٣٦٨.
(٤) القلم: ١.
(٥) هذا الأثر أسنده إلى الحسن البصري الطبري في " تفسيره " (٢٧٦٩) وكذا أسنده عن ابن عباس وقتادة (٢٦٧٦٨) و(٢٦٧٦٩). وأسنده عبد الرزاق في " تفسيره " (٣٢٧٢) إلى الحسن وقتادة أيضًا وكذا أسنده إلى ابن عباس (٣٢٧٣) مطولًا.
(٦) البقرة: ٢٨٢.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قوله: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ/٢٧٤أ / تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ (١»). انتهى ذلك (٢).
قلتُ: وعنِ ابنِ سعدٍ في " الطبقات " (٣): «أخبرنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو هلالٍ، قالَ: قيلَ لقتادَةَ: يا أبا الخطابِ أنكتبُ ما نسمعُ؟ قالَ: وما يمنعُكَ أنْ تكتبَ وقد أنبأكَ اللطيفُ الخبيرُ: أنَّه قد كتبَ، وقرأ ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٤»).
وقد تقدّمَ في الوجادةِ حديثُ عمرَ، وعمرو بنِ شُعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: «أيُّ الخَلقِ أعجبُ إيمانًا؟»، وفي آخرهِ: «يجدونَ صحفًا فيها كتابٌ يؤمنونَ بما فيها». انتهى.
رجعَ إلى المحاسنِ: «ومن صحيحِ حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ذلك حديثُ: «اكتُبوا لأبي شاهٍ» في " الصحيحينِ " (٥»).
قلتُ: خَرَّجَهُ البخاريُّ في كتاب " العلم " (٦) عن أبي هريرةَ - ﵁ - بلفظِ: «اكتبوا لأبي فلانٍ»، وفيه (٧) من حديثِ ابنِ عباسٍ -﵄-، قال: لما اشتدَّ برسولِ اللهِ - ﷺ - وجعُهُ قال: «ائتوني بكتابٍ اكتبْ لكمْ كتابًا لا تضلوا بعدَه » الحديثَ. انتهى.
_________________
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) أي: انتهى كلام البلقيني، وهو في محاسن الاصطلاح: ٢٩٦ - ٢٩٩.
(٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٣٠.
(٤) طه: ٥٢.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٣٨ - ٣٩ (١١٢)، وصحيح مسلم ٤/ ١١٠ - ١١١ (١٣٥٥)، وتفصيل طرقه في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٣.
(٦) صحيح البخاري ١/ ٣٨ - ٣٩ (١١٢).
(٧) أي: في كتاب العلم من صحيح البخاري، وهو فيه ١/ ٣٩ (١١٤).
[ ٢ / ١٢٦ ]
رجعَ. لكنَّ الأحاديثَ السابقةَ أصرحُ من حديثِ أبي شاهٍ في تعميمِ الإذنِ لجوازِ (١) أنْ يُدَّعى فيهِ أنَّه واقعةُ عينٍ.
وأسندَ الرامهرمزي (٢) وغيرُهُ (٣) عن عَبَّاية بنِ رفاعة (٤)، عن (٥) رافع بن خديج - ﵁ -، قالَ: مرَّ علينا رسولُ اللهِ - ﷺ - يومًا ونحنُ نتحدثُ فذكرهُ إلى أنْ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّا نسمعُ منكَ أشياءَ أفنكتبُها؟ قالَ: «اكتبوا ذَلِكَ ولا حرجَ»، وعن عائشة ﵂، قالتْ: دعا رسولُ اللهِ - ﷺ - عليًا - ﵁ - بأديمٍ ودواةٍ فأملى عليهِ وكتبَ حتَّى ملأَ الأديمَ / ٢٧٤ب /، وعن عليٍّ - ﵁ -: إذا كتبتُمُ الحديثَ فاكتبوهُ بسندِهِ (٦)، وقال بعضُ مَنْ صنَّفَ منَ المتأخرينَ في اعتراضاتٍ على ابنِ الصلاحِ: «وفي " أدبِ الدنيا والدين " (٧) للماورديِّ: رُوِيَ أنَّ رجُلًا شكا إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - النِّسيانَ، فقالَ: «استعملْ يدكَ» أي: اكتبْ حتى ترجعَ إذا نسيتَ إلى ما كتبتَ»، والعجبُ من محدثٍ يتركُ نقلَ الحديثِ من كتبِهِ، ويعدلُ إلى غيرها، فالحديثُ أخرجَهُ الترمذيُّ (٨) في باب (٩) " الرخصة في كتابةِ العلمِ "
_________________
(١) في (ب): «بجواز».
(٢) المحدّث الفاصل: ٣٦٩.
(٣) الطبراني في " الكبير " (٤٤١٠)، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ١٥١: «وفيه أبو مدرك، روى عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أرَ من ذكره».
(٤) في جميع النسخ الخطية و" المحدّث الفاصل ": «رافع»، والصواب ما أثبته تبعًا لتهذيب الكمال ٤/ ٨٠ (٣١٣٧).
(٥) في جميع النسخ الخطية زيادة: «أبيه»، والصواب ما أثبته تبعًا لمعجم الطبراني.
(٦) أخرجه الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٩٨، وحكم عليه بالوضع.
(٧) أدب الدنيا والدين: ٦٦.
(٨) الجامع الكبير (٢٦٦٦)، وأخرجه الخطيب في " تقييد العلم ": ٦٦ و٦٧.
(٩) في (أ) و(ب): «كتاب»، والتصويب من (ف) و" جامع الترمذي ".
[ ٢ / ١٢٧ ]
فقالَ: «حدَّثنا قتيبةُ، حدَّثنا الليثُ، عنِ الخليلِ بنِ مرةَ، عن يحيى بنِ أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ - ﵁ -، قالَ: كانَ رجلٌ من الأنصارِ يجلسُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فيسمعُ منَ النبيِّ - ﷺ - الحديثَ فيعجبُهُ، ولا يحفظُهُ فشكا ذَلِكَ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أسمعُ منك الحديثَ فيعجبني ولا أحفظُهُ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «استعنْ بيمينكَ وأومأ بيدِهِ إلى الخطِّ».
قالَ الترمذيُّ: وفي البابِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، وهذا حديثٌ ليسَ إسنادُهُ بذلك (١) القائمِ، سمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولُ: الخليلُ بنُ مُرَّةَ منكرُ الحديثِ».
وفي المسألةِ مذهبٌ ثالثٌ: وهو أنْ يكتبَ، فإذا حفظَ محاهُ، رواهُ الرامهرمزيُّ (٢) (٣) عن عبدِ الرحمانِ بنِ سلمةَ الجُمحيِّ. ومحمد بن سيرينَ كان لا يرى بكتابةِ الحديثِ بأسًا، فإذا حفظَهُ محاهُ (٤). وعاصمُ بنُ ضمرةَ كانَ يسمعُ الحديثَ ويكتُبُه / ٢٧٥ أ / (٥) فإذا حفظَهُ دعا بمقراضٍ فقرضهُ (٦). وهشامُ بنُ حسَّان اتفقَ له أنَّه لم يكتبْ إلا حديثًا واحدًا ثم محاهُ (٧)، وكذا جرى لخالدٍ الحذَّاءِ، وحماد بن سلمةَ (٨)، وممنْ أباحَ ذلك مطلقًا أبو المَليحِ (٩)، ومنْ مُلح ما قال:
_________________
(١) في (ف): «بذاك».
(٢) من قوله: «وفي المسألة مذهب ثالث » إلى هنا تكرر في (ف).
(٣) المحدّث الفاصل: ٣٨٢.
(٤) المحدّث الفاصل: ٣٨٢.
(٥) من قوله: «بأسًا، فإذا حفظه » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٦) المحدّث الفاصل: ٣٨٢.
(٧) المحدّث الفاصل: ٣٨٣.
(٨) المحدّث الفاصل: ٣٨٣.
(٩) أبو المَليح بن أسامة بن عمير، أو عامر بن عمير بن حنيف بن ناجيه الهذلي، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، توفي سنة (٩٨ هـ)، وقيل: (١٠٨ هـ). التقريب
[ ٢ / ١٢٨ ]
يعيبونَ (١) علينا أن نكتبَ العلمَ وندوِّنَهُ، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٢)، ورَوَى الرامهرمزيُّ (٣) ذلك عن قتادةَ.
وجاء عن معاويةَ بنِ قرةَ: «مَن لم يكتبِ العلمَ لم يُعدَّ علمُهُ علمًا» (٤)، وأسندَ الرامهرمزيُّ (٥) إلى عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ قال: «كتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أهلِ المدينةِ: انظروا ما كانَ من حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - فاكتبوهُ فإني خفتُ دروسَ العلمِ وذهابَ العلماءِ»، وعن يزيدَ الرقاشيِّ: «حججتُ مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فحدَّثتُهُ بأحاديثَ عن أنسِ بنِ مالكٍ فكتبها، وقال: ليس عندي مالٌ فأعطيكَ، ولكنْ أفرضُ لكَ في الديوانِ، ففرضَ له أربعَ مئةِ دِرهمٍ (٦»). انتهى كلامُ البلقينيِّ (٧) وتصرّفتُ في بعضِهِ.
قولهُ: (وهذا الاستدلالُ) (٨)، أي: ما يتعلقُ بالسَّهميِّ «منَ الزوائدِ»، وأمّا حديث أبي شاهٍ ففي كتابِ ابنِ الصلاحِ (٩).
قولهُ: (أنَّ أبا هُريرةَ كانَ يكتُبُ) (١٠) يحتملُ أنْ تكونَ الكتابةُ على حقيقتِها،
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية: «يعتبون»، والتصويب من مصادر التخريج.
(٢) طه: ٥٢. وهذا الأثر أخرجه: الخطيب في " تقييد العلم ": ١١٠، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٧٣.
(٣) المحدّث الفاصل: ٣٧٢.
(٤) تقييد العلم: ١٠٩.
(٥) المحدّث الفاصل: ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٦) المحدّث الفاصل: ٣٧٢.
(٧) محاسن الاصطلاح: ٣٠٠ - ٣٠٢.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٣.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وأنَّه كتبَ بعد موتِ النبيِّ - ﷺ -، ويحتملُ أنْ تكون مجازًا بأنَّه أمر من يكتب (١)، ويحتملُ أنْ يكونَ من نقلَ عنهُ أنَّه كتبَ استند إلى / ٢٧٥ب / قولهِ: «حفظتُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - جِرابينِ » (٢) الأثرَ، وهذا لا يدلُّ على كتابتِهِ حقيقةً، فإنَّه محمولٌ على أنَّ علمهُ نوعانِ: منه ما يُبلِّغهُ، ومنه ما يخشى الفتنةَ من تبليغِهِ، ويحتملُ أنَّه يريدُ أنّ كل نوعٍ منهما لو كُتبَ لكانَ ملءَ (٣) جرابٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مكتوبًا مَحشوًَّا في جرابٍ حقيقةً، ولكنْ بخطِّ غيرِهِ، والله أعلم.
قولهُ: (لخوفِ اختلاطِهِ بالقرآنِ) (٤)، أي: بسبب أنَّه لم يكن اشتدَّ إلفُ الناسِ له، وكثرَ حُفَّاظُهُ والمعتنونَ به، فلما ألفَهُ الناسُ وعرفوا أساليبَهُ وكمالَ
بلاغاتِهِ، وحسنَ تناسُبِ فواصلِهِ وغاياتِهِ، صارتْ لهم ملكةٌ يميزونَهُ بها عن غيرِهِ، فلم يُخشَ اختلاطُهُ بعدَ ذلك (٥).
قولهُ (٦): (وخيفَ اتكالُهُ) (٧) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وأخبرنا أبو الفتحِ بنُ عبدِ المُنْعمِ الفُرَاوِيُّ (٨) قراءةً عليهِ بنيسابورَ - جَبَرها الله -، قال: أخبرنا أبو المعالي الفارسيُّ، أخبرنا الحافظُ أبو بكرٍ البَيْهَقيُّ، أخبرنا أبو الحسينِ بنُ بِشْرانَ، أخبرنا أبو عمرو
_________________
(١) من قوله: «ويحتمل أن تكون مجازًا بأنه أمر من يكتب» لم ترد في (ف).
(٢) أخرجه: البخاري ١/ ٤١ (١٢٠)، والحديث هو: «حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم».
(٣) في (أ): «ملء الأرض».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤.
(٥) توضيح الأفكار ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٦) لم ترد في (ب).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤.
(٨) هذه النسبة إلى فراوة، وهي بليدة مما يلي خوارزم، وضبطها بعضهم: بضم الفاء، وبعضهم بفتحها. انظر: الأنساب ٤/ ٦١٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٩١، وتبصير المنتبه ٣/ ١١٠٠، ومعجم البلدان ٤/ ٢٤٥.
[ ٢ / ١٣٠ ]
بن السَّماك، حدَّثنا حَنبلُ بنُ إسحاقَ، حدَّثنا سليمانُ بنُ أحمدَ، حدَّثنا الوليدُ هو ابنُ مسلمٍ، قال: كان الأوزاعيُّ يقولُ: كانَ هذا العلمُ كريمًا يَتَلاقاهُ الرجالُ بينَهم فلما دَخَل في الكُتُبِ دَخَل فيه غيرُ أهلِهِ» (١).
قولهُ: (فربَّما كتبوهُ معهُ) (٢) قال شيخُنا: «الذي يظهرُ لي أنَّ من ذلك قراءةَ بعضِ الشواذِّ: «فلما خرَّ تبينتِ الجنُّ (٣) أنْ (٤) لو / ٢٧٦أ / كانُوا يعلمونَ الغيبَ ما لبثوا حولًا في العذابِ المهينِ»، والله أعلم» (٥).
قولهُ: (ما يُستعجَمُ) (٦)، أي: يوجدُ مُشكلًا شديدًا على الفَهْمِ غيرَ (٧) منقادٍ له، كما يشتدُ العجمُ - أي: النَّوى - على المضغ، فيكونُ بذلك كأنّه طالبٌ لإعجامِ نفسِهِ بأن لا يفهمَ.
قولهُ: (لا ما يفهم) (٨)، أي: مِنْ غيرِ إشكالٍ (٩).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٤. والأثر أخرجه من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: الخطيب في " تقييد العلم ": ٦٤، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٦٨، وأخرجه: الدارمي (٤٧٣) من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي. وانظر: محاسن الاصطلاح: ٣٠٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤.
(٣) في (ب) و(ف): «تبينت الإنس أنَّ الجنَّ ..».
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) الآية من سورة سبأ: ١٧، وانظر: معجم القراءات القرآنية ٥/ ١٥٠.
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٦١).
(٧) لم ترد في (ب).
(٨) التبصرة والتذكرة (٥٦١).
(٩) عبارة: «قوله: (لا ما يفهم)، أي: من غير إشكال» لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٣١ ]
قولهُ: (وَليكُ) (١)، أي: وليكنْ ضبطُ المشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ بأنْ تُعادَ كتابتُهُ في الهامشِ (٢) مع تقطيعِ حروفِهِ، فضبطُهُ فيه مُصاحبًا لتقطيعِ الحروفِ أنفعُ منْ ضَبْطِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ.
قلتُ: والمتبادرُ إلى الذِّهنِ أنَّ الشيخَ زادَ تقطيعَ الحروفِ، وأسقطَ قولَ ابنِ الصلاحِ أنَّ الكلمةَ تكتبُ في الهامشِ مفردةً - أي: غيرَ (٣) مقطّعةِ الحروفِ - (٤) لكنْ يمكنُ تحميلُ كلامِهِ ذلكَ بتأويلٍ دلّنا عليه قولهُ: «فهو أنفع»، أي: وليكنِ الضبطُ للمشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ، وبعدَ (٥) كتابتِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ.
قلتُ: يكتُبُه في الهامشِ مع تقطيعِهِ لحروفِهِ؛ فإنَّ تقطيعَهُ لها أنفعُ من كتابتِهِ إياها مجتمعةً كما قال ابنُ الصلاحِ (٦)، ولو قال: وفي الهامشِ بل يقطّعُ الحروفَ فهو أكملُ كانَ أحسنَ، أي: وليكنْ ضبطُهُ في الأصلِ وفي الهامشِ مجتمعًا، كما قالَ ابنُ الصلاحِ، ولا يقتصرُ على ذلك بل إذا أرادَ المبالغةَ في البيانِ فإنَّه يقطعُ الحروفَ، فتقطيعُها أكملُ بيانًا من كتابتِها مجموعةً.
قولهُ: (يَنبغي لطالبِ العلم) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ثم إنَّ على كَتَبَةِ الحديثِ وَطَلَبتِهِ / ٢٧٦ب / صَرْفَ الهِمَّةِ إلى ضَبْطِ ما يكتبونَهُ، أو يُحصِّلونَهُ بخطِّ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٦٣).
(٢) في (ب) و(ف) بعد كلمة الهامش: «مضبوطًا كائنًا ضبطه في الهامش».
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٥) في (ب) و(ف): «بعد».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
[ ٢ / ١٣٢ ]
الغَيرِ (١) من مرويَّاتِهم على الوجْهِ الذي رووهُ شَكلًا ونَقْطًا يُؤمَنُ معها (٢) الالتباسُ، - قال: - وإعْجامُ المكتوبِ يَمنعُ من استِعجامِهِ، وشَكْلُهُ يَمْنعُ من إشْكالِهِ» (٣). انتهى.
والإعجامُ: إزالةُ العجمةِ، وهي الاستغلاقُ، والاستغلاقُ (٤): إيجادُها أو طلبُهُ.
قولهُ: (والصوابُ الإعجامُ) (٥) ليسَ كلامُ الأوزاعيِّ خطأ ففي " الصحاحِ" (٦): «العَجْمُ النَقْطُ بالسوادِ مثل التاءِ عليه نقطتانِ، يقال: أعجمتُ الكتاب» (٧)، وقال صاحبُ " القاموسِ " (٨): «وأعجمَ فلانٌ الكلام (٩) ذهبَ به إلى العُجْمةِ، والكتابَ نَقَطَهُ كعَجَمه وعَجَّمه، وقولُ الجوهريِّ: لا تَقُلْ (١٠): عجمتُ، وهمٌ». انتهى.
فأعجمهُ للإزالةِ، وعَجَمهُ جعلَ له عَجْمًا، أي: نَقْطًا، فمرادُ الأوزاعيِّ أنَّ
_________________
(١) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٥٦٨: «قد استنكر بعض أهلِ اللغة إدخال الألف واللام على غير ». أقول: انظر بيان ذلك في " تهذيب الأسماء واللغات " ٣/ ٦٥.
(٢) في (ف): «معهما».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٤.
(٤) في (ف): «الاستعجام».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
(٦) الصحاح مادة (عجم).
(٧) في " الصحاح ": «الحرف».
(٨) القاموس المحيط مادة (عجم).
(٩) زيادة من " القاموس المحيط ".
(١٠) في جميع النسخ الخطية: «لا يقال»، والمثبت من " القاموس المحيط ".
[ ٢ / ١٣٣ ]
النَّقْطَ نفسُهُ نورٌ، لا المصدر الذي هو الإعجامُ، قال شيخُنا: «ولا يمنعُ (١) إطلاقُ العَجْمِ على الإعجامِ، غايتُهُ: أنْ يكونَ مصدرًا جاريًا على غيرِ فعلِهِ كالنباتِ مع الإنباتِ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٢) ونحو ذلك».
قولهُ: (أي: يُبيِّنُ) (٣) بدلٌ منَ النَّقْطِ.
قولهُ: (والشَّكْلُ) (٤) يقال: شَكَلَ الكتابَ: أعْجَمَهُ وقَيَّدَهُ بالإعرابِ كأشكَلَه، كأنَّهُ أزالَ عنه الإشكالَ، هكذا في " القاموسِ " (٥) و" الصحاح " (٦)، وفي " المُجمل " (٧): «شَكلتُ الكتابَ أشْكلُهُ شَكْلًا، إذا قيدتُهُ بعلاماتِ الإعرابِ»، وقالَ أبو عبدِ اللهِ القزازُ: «وشكلتُ الدابةَ أشكلُهُ شكلًا: شددْتُ / ٢٧٧أ / قوائمَهُ بالشكالِ، ومنْ هذا أخذ شكل الحروفِ؛ لأنَّه ضبطُها وتقييدُها فلا يلتبسُ إعرابُها، وأشكلتُ الشيءَ إذا أزلتُ إشكالَهُ».
قولهُ: (لا تُضْبَطُ) (٨) إلى آخره. هذا الحصرُ ليسَ على بابِهِ، بل مثلُ «الحجُّ عرفة» (٩)، فإنَّ نَفْعَ النَّقطِ أعظمُ وأعمُّ من نفعِ الشكلِ.
_________________
(١) في (ف): «يمتنع».
(٢) نوح: ١٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
(٥) القاموس المحيط مادة (شكل).
(٦) الصحاح مادة (شكل).
(٧) مجمل اللغة مادة (شكل).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
(٩) أخرجه: الطيالسي (١٣٠٩) و(١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، وأحمد ٤/ ٣٠٩ و٣١٠ و٣٣٥، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩) و(٨٩٠)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والنسائي ٥/ ٢٦٤ من حديث عبد الرحمان بن يعمر.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قولهُ: (إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ) (١) حسَّنَهُ ابنُ الصلاحِ وأتبعَهُ بقوله: «وقرأتُ بخَطِّ صاحبِ كتابِ " سماتِ الخطِّ ورُقُومِهِ "» (٢) فذكرهُ دليلًا عليه، فإنَّ قولهُ: «أهلُ العلمِ» (٣) يقربُ منَ الإجماعِ.
قولهُ: (يُشكلُ الجميعُ) (٤) وجدتُ بخطِّ العلامةِ شمسِ الدينِ بنِ حَسَّانَ - ﵀ -: «وجدتُ الحافظينِ شيخَ الإسلامِ السِّلفيَّ والمزِّيَّ يضبطانِ الأمورَ الواضحةَ، حتى أنَّ السِّلفيَّ تكررَ له ضبطُ الخاءِ من «أخبرنا»، والمزيُّ قد يسكِّنُ النُّونَ منْ «عن»»، وقد يُقالُ: إنَّ مثلَ ذلك يكونُ عن غَيرِ قَصدٍ، بل تسبقُ إليه اليدُ، لكنَّ مُراعاةَ ضبطِ غيرِ ذلكَ مع الكثرةِ والوضوحِ مما يُقوي الاعتناءَ بهِ.
قولهُ: (وربَّما ظُنَّ أنَّ الشيءَ غيرُ مُشْكِلٍ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: «وكثيرًا ما يَتهاونُ بذلك الواثِقُ بذهنِهِ وتيقُّظِهِ، وذلك وخيمُ العاقبةِ؛ فإنَّ الإنسانَ مُعرَّضٌ للنِّسْيانِ، وأولُ ناسٍ أولُ الناسِ» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥، وانظر: المحدّث الفاصل: ٦٠٨، والإلماع: ١٥، ونكت الزركشي ٣/ ٥٦٩.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٤. وآخر قول ابن الصلاح إشارة إلى عجز بيت لأبي الفتح البستي، أوله: نسيتُ وعدكَ، والنسيان مُغتفر فاغفر فأول ناسٍ أول الناس انظر: الغيث المنسجم في شرح لامية العجم للصفدي ٢/ ٢٠٨، ونكت الزركشي ٣/ ٥٦٥، وفتح المغيث ٢/ ١٤٨.
[ ٢ / ١٣٥ ]
قولهُ: (الجَنين) (١) رأيتُ عن " تهذيبِ الأسماءِ واللغاتِ " لشيخِ الإسلامِ النوويِّ ما نصُّهُ: «الروايةُ / ٢٧٧ب / المشهورةُ برفعِ «ذكاة»، وبعضُ الناسِ ينصبُها، ويجعلُهُا بالنصبِ دليلًا لأصحابِ أبي حَنيفةَ في أنَّه لا يحلُّ، ويقولون (٢) تقديرُهُ كذكاةِ أمهِ، حذفت الكافُ فانتصبَ، وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الروايةَ المعروفةَ بالرفعِ، وكذا نقلهُ الخطابيُّ وغيرُهُ، وتقديرُهُ على الرفعِ يحتملُ أوجهًا، أحسنُها: أنّ «ذكاة الجنينِ» خبرٌ مقدمٌ، و«ذكاة أمِّهِ» مبتدأٌ، والتقديرُ: ذكاةُ أمِّ الجنينِ ذكاةٌ لهُ، ثمَّ ذكر شاهدًا، ثمَّ قال: وذلك لأنَّ الخبر ما حصلتْ به الفائدةُ، ولا تحصلُ إلا بما ذكرناهُ، وأما روايةُ النصبِ على تقديرِ صحتِها، فتقديرُها: ذكاةُ الجنينِ حاصلةٌ وقتَ ذكاةِ أمه، وأما قولهُم: تقديرُهُ: كذكاةِ أمِّهِ، فلا يصحُّ عندَ النحويينَ، بل هو لحنٌ، وإنمَّا جاءَ النصبُ بإسقاطِ الخافضِ في مواضعَ معروفةٍ عندَ الكوفيينَ بشرطٍ ليسَ موجودًا هاهنا، والله أعلم» (٣).
قولهُ: (ولا قبلَهُ ولا بَعْدَهُ) (٤) إلى آخرِهِ. إنْ قيلَ: الراوي والشيخُ مما يدلُّ على الشخصِ، قيل: ذلكَ نادرٌ، والكلامُ في عمومِ الناسِ.
قولهُ: (بضبط) (٥) متعلقٌ بـ «الالتباسِ»، أي: لأنَّهُ إذا ضبطَهُ في أثناءِ الأسطرِ ربما داخَلَهُ نقطُ غيرِهِ وشكلُهُ مما فوقَهُ وتحتَهُ، لاسيما عندَ دقةِ الخطِّ وضيقِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٦.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «ويقول»، والمثبت من " تهذيب الأسماء واللغات ".
(٣) تهذيب الأسماء ٣/ ١١١ - ١١٢، وانظر في المسألة: الإلماع: ١٥٠، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ١٦٤، وفيض القدير ٣/ ٥٦٣، وعون المعبود ٣/ ٢٣، وبذل المجهود ١٣/ ٦٨ - ٦٩، وسبل السلام ٤/ ١٨٥٥ - ١٨٥٦، ونيل الأوطار ٨/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٧.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الأسطرِ، فيصيرُ بسببِ ذلك مشكلًا.
قولهُ: (ولم يَتَعَرضا لتقطيعِ حروفِ الكلمةِ) (١) رُبَّما يشاحَحُ في هذا بأنَّ القاضي قال (٢): «في الحروفِ / ٢٧٨أ / المشكلة» (٣)، فقد صرَّحَ بالحروفِ بدليلِ عطفِ الكلماتِ عليها، أي: إذا كانَ في الكلمة حرفٌ مشكلٌ أو حرفان كُتِبَ ذلك الحرفُ على الهامشِ، مثل: عبس، تكتبُ الباء في الهامشِ مفردةً لئلا يظنَّ أنَّها نونٌ، وكذا إذا كانت حروفُ الكلمةِ كلُّها مشتبهةٌ فإنَّهُ يرسمُ ذلك الحرفَ المشتبَهَ مفردًا، وكلُّ حَرفٍ فَرضناهُ منها وجدناهُ مشكلًا فيلزمُ أنْ نكتبَ جميعَ حروفِها مقطعةً، وإنمَّا قال: «أنْ يرسمَ ذلك الحرفَ» فوحد ليشملَ الواحدَ، ويفهمَ منهُ ما فوقَهُ؛ لأنَّه لا يخرجُ عن كونِهِ حرفًا بانضمام غيرِه إليه.
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «يُستحبُّ في الألفاظِ المشكلةِ أنْ يُكرَّرَ (٤) ضَبْطُها، بأن يَضبطَها (٥) في مَتْنِ الكتابِ ثم يكتُبُها قُبالةَ ذلك في الحاشيةِ مفردةً مضبوطةً، فإنَّ ذلك أبلغُ في إبانتِها وأبعدُ من التِباسِها» (٦).
فقولهُ (٧): «مفردةً» يمكن حملُهُ (٨) على إفرادِ الكلمةِ نفسِها، ولو كانتْ مجتمعةَ الحروفِ، وعلى إفرادها مفردةَ الحروفِ، والله أعلم.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٧.
(٢) لم ترد في (أ).
(٣) الإلماع: ١٥٦ - ١٥٧.
(٤) في (ف): «يكون».
(٥) انظر: الاقتراح: ٣٨٦، ونكت الزركشي ٣/ ٥٧٢.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٧) من قوله: «مفردة مضبوطة » إلى هنا لم يرد في (ف).
(٨) في (ف): «حملها».
[ ٢ / ١٣٧ ]
قولهُ:
٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ إِلاَّ لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلا
٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا
المراد بالكراهةِ كراهةُ التنْزيهِ، ويستدلُّ لها بقولِ عمرَ - ﵁ - في المشقِ، قياسًا على المشق؛ لأنَّه لم يكره إلا لما يؤدي إليه منَ الإلباسِ باختلاطِ الحروفِ فلا يقرؤهُ إلا الفطنُ كما أنَّه لا يقرأ الدقيقَ إلا قويُّ البصرِ.
قولهُ: (أو لرحالٍ / ٢٧٨ب / فلا) (١) كانَ يجبُ عليهِ إسقاطُ الفاءِ من
«فلا» ليوافقَ الضرب العروضَ في القطعِ؛ فإنَّ العروض في الرجزِ إذا كانتْ مقطوعةً لزمَ أنْ يكونَ الضربُ مثلَها، إنْ كان الشطرانِ بيتًا واحدًا، وإنْ كانا بيتينِ فلتوافقِ القافية، فإنَّ قافيةَ الأولِ متواترٌ، والثاني على ما استعملَهُ متراكبٌ، اللهمَّ إلا أنْ يدّعى مع ذلك أنَّ كلَّ بيتٍ بمنْزلةِ القصيدةِ الكاملةِ حتى لا تعتبرَ موافقتُهُ لما قبلَهُ ولا لما بعدَهُ.
قولهُ: (التعليقُ) (٢) الذي يظهرُ في تفسيرِهِ أنَّهُ خلطُ الحروفِ التي ينبغي تفرقتُها، وذهابُ (٣) أسنانِ ما ينبغي إقامةُ أسنانِهِ، وطمسُ ما ينبغي إظهارُ بياضِهِ، ونحو ذلكَ، وكأنَّ المَشْقَ إنما كُرِهَ؛ لأنَّهُ يجرُّ غالبًا إلى التعليقِ، وكأنَّ الهذرمةَ كُرهتْ خوفًا مما تؤدي إليه غالبًا من خَفاءِ بعضِ الحروفِ.
قولهُ: (لابنِ أخيهِ حنبل) (٤) ليسَ هو ابنُ أخيهِ، وإنَّما هو ابنُ عمهِ، فإنَّهُ حَنبلُ بنُ إسحاقَ بنِ حَنْبلٍ، وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ، فإسحاقُ ومحمد - والدُ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٦٥).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٦٥).
(٣) في (ف): «وإذهاب».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٩.
[ ٢ / ١٣٨ ]
أحمدَ - أخوانِ (١)، وقد ذكرَ الشيخُ هذا على الصوابِ في " تاريخِ الوفياتِ ".
قال شيخُنا: «قال بعضُهم ما معناهُ: إنَّ الذي يكتبُ الخطَّ الدقيقَ يكونُ قصيرَ الأملِ، أي: لا يأملُ أنْ يعيشَ طويلًا؛ لأنَّه لو أمَّلَ ذلك خافَ ضعفَ
البصرِ».
قولهُ: (يَخُونُكَ) (٢) قال ابنُ الصلاحِ عقَبهُ: «وبَلَغَنا عن بعضِ المشايخِ أنَّهُ كانَ إذا رأى خطًَّا دقيقًا / ٢٧٩أ / قال: هذا خطُّ مَنْ لا يُوقِنُ بالخَلَفِ (٣) من الله تعالى (٤») (٥).
قولهُ: (الوَرَق أو الرِّق) (٦) لم يذكرِ ابنُ الصلاحِ إلا الورَقَ، وهو في كلامِهِ بفتحِ الراءِ مرادًا بهِ القرطاسُ، وأما في كلامِ الشيخِ فالظاهرُ أنَّه أرادَ بالوَرقِ الدراهمَ فيكونُ مكسور الراءِ، والرقُّ القرطاسُ، وقد لا يلزمُ من ضيقِ أحدهما ضيق الآخرِ.
قولهُ: (تحقيقُ الخَطِّ) (٧) يعني: يكتبُ كلَّ حرفٍ على ما يحقُّ له منَ التجويدِ.
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٨.
(٣) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٥٧٢: «بفتحتين - أي: الخلف - ما يخلف من بعد، يشير إلى أن داعيته الرص على ما عنده من الكاغد، إذ لو كان يعلم أنه مستخلف لوسع». وانظر عن معنى الخلف: لسان العرب مادة (خلف)، وتاج العروس مادة (خلف).
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٨.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٨.
[ ٢ / ١٣٩ ]
قولهُ في قولهِ: (ويُنْقَطُ المُهْمَلُ) (١): (أسفلا) (٢) هو ظَرفٌ حُذفَ ما يُضافُ إليه، ولم يُنوَ لفظُهُ ولا معناهُ، فهو نكرةٌ منونٌ لذلك، كما قرئ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍ﴾ (٣) بالجرِّ والتنوينِ، وهو في هذه الحالةِ مسلوخٌ منَ الظرفيةِ، قال سيبويه بعد النصفِ من كتابِهِ في بابِ الظروفِ المتمكنةِ: «أجروا هذا (٤) - يعني: حالَ التنوينِ مجرى الأسماءِ المتمكنة - لأنَّها تضافُ، وتستعملُ غيرَ ظرفٍ» (٥). انتهى.
ويجوزُ أنْ يكونَ نَوَى لفظَ المضافِ إليهِ فيكون منصوبًا، كما لو كانَ المضافُ إليهِ منطوقًا فهو غيرُ مُنوَّنٍ كما قرئ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ﴾ (٦) مكسورًا بغيرِ تنوينٍ، فيكون التقديرُ هنا أسفله، ويجوزُ أنْ يكونَ تَركَ تنوينَهُ في الوجهِ الأولِ؛ لأنَّه غيرُ منصرفٍ للوصفِ ووزنِ الفعلِ، فتكون الألفُ للإطلاقِ، ويجوزُ أنْ يكونَ منوَّنًا؛ لأنَّ الشعرَ يصرفُ فيه الممنوعُ وتكون الألفُ بدلَ التنوينِ، وهو في هاتينِ الحالتينِ معربٌ، كما أنَّه معربٌ إذا لفظَ بالمضافِ إليه لبقائه في هذه الحالاتِ الثلاثِ على الأصلِ؛ لأنَّهُ لم يكملْ فيها شبههُ بالحرفِ، ولو نُوي المعنى دونَ اللفظِ بُنيَ على الضمِّ.
قال المراديُّ: «للشبهِ بحرفِ الجوابِ / ٢٧٩ب / في الاستغناءِ به عما بعدَهُ مع ما فيهِ منْ شبهِ الحرفِ بالجمودِ، والافتقار». انتهى.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٦٦).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٦٦).
(٣) الروم: ٤.
(٤) في (أ) و(ب): «هذه».
(٥) الكتاب ٣/ ٢٨٩.
(٦) الروم: ٤.
[ ٢ / ١٤٠ ]
واختير الضمُّ للبناءِ؛ لأنَّها حركةٌ لا تكونُ له في حالةِ إعرابِهِ فلا تلبسُ.
قولهُ: (صَفًّا) (١) هو منصوبٌ على الحالِ منْ ضميرِ خبر المبتدأ، أي: والبعضُ قالوا: نقطُ السينِ تحتها «صفًا»، أو يكونُ مصدرًا دالًا على خبر العاملِ فيه، وسادًَّا مَسَدَّهُ، تقديرُهُ: يصفُ تحتَها صفًّا.
قولهُ: (كالأثافي) (٢) هو جمعُ أُثفيَّةٍ بضمِّ الهمزةِ وبكسرِها وتشديدِ الياءِ التحتانيةِ، الحجرُ توضعُ عليه القدرُ، جمعُهُ: أثافيّ بتشديد الياءِ، وآثافٍ منقوصًا (٣).
قولهُ عنِ الحاءِ (٤): (ولم يستثنِها ابنُ الصلاحِ) (٥) إنْ كان مَعناهُ: لم يُصرِّحْ باستثنائِها فمسلمٌ وإلا فَلا، فإنّهُ قال: «فَيَنقطُ تحتَ الرَّاءِ والصَّادِ والطَّاءِ والعينِ ونحوِها منَ المهملاتِ» (٦)، أي: مما له مثلٌ واحد، ثم ذكرَ بعدُ: أنه يجعلُ تحتَ الحاءِ حاءً صغيرةً تحتها (٧) فالذي تحصَّل منْ كلامِهِ استثناؤها.
قال البلقينيُّ: «وقد أسندَ المَرْزُبانيُّ، عن محمدِ بنِ عبيدٍ الغَسانيِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: كتبتُ بينَ يدي معاويةَ كتابًا، فقال لي: يا عبيدُ ارقشْ كتابَكَ، قلتُ: وما رقشُهُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قال: اعطِ كلَّ حرفٍ ما ينوبُهُ منَ النقطِ، وهذا عامٌ في كلِّ حرفٍ (٨) كما قدمناه (٩)، ويستدلُ بهِ لهذا الطريقِ». انتهى.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٦٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٩.
(٣) انظر: لسان العرب مادة (أثف)، وتاج العروس مادة (أثف).
(٤) عبارة: «عن الحاء» لم ترد في (ف).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٠.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٦.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٧.
(٨) تدريب الراوي ٢/ ٧١، مع تصرف بسيط في النقل.
(٩) في (ف): «قدمنا».
[ ٢ / ١٤١ ]
قولهُ: (مُضْجَعةً على قَفَاها) (١) ما ألطفَ قولَ شيخِنا: «إذا اضجعت / ٢٨٠أ / على قفاها اشتالتْ رجلاها».
قولهُ: (القديمة) (٢) في الموضعين، وجعلَهُ منَ الخفيِّ الذي ليسَ بشائعٍ في الخطِّ الصغيرِ، والذي يُشبهُ الهمزةَ.
قولهُ: (يفطِنَ له) (٣) هو بضمِّ العينِ وكسرِها. قال في " القاموس " (٤): «الفِطنةُ بالكسرِ: الحذقُ، فطنَ به وإليهِ ولهُ، كفرحَ ونصرَ وكرمَ» وذكرَ
الشيخُ في " النكت " أنَّ ابنَ الصلاحِ إنَّما أخذَ هذا الضبطَ بهذهِ العلاماتِ منَ "الإلماعِ" (٥) للقاضي عياضٍ، وأنَّه قيدَ العلامةَ بخطٍّ صغيرٍ بقوله: «يشبهُ النَّبْرَةَ»، وإنَّ حَذْفَ ابنِ الصلاحِ لها ليس بجيدٍ؛ لأنَّهُ يقتضي أنْ يكونَ كالنصبةِ، وكلامُ القاضي يقتضي أن يكونَ كالهمزةِ (٦)، والذي ظهرَ من حكايةِ الشيخِ في «رضوانِ» أنَّهما علامتان: إحداهما كالفتحةِ، والأخرى كالهمزةِ، وأخذُ ابنِ الصلاحِ منَ " الإلماعِ " لا يستلزمُ أنْ لا ينظرَ غيرَهُ، والله أعلم.
قولهُ: (وذكرَ القاضي عياضٌ) (٧) هو إسنادٌ لقولِ ابنِ الصلاحِ لا مُغايرٌ له.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٠.
(٤) القاموس المحيط مادة (فطن).
(٥) الإلماع: ١٥٧.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٠٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧١.
[ ٢ / ١٤٢ ]
قولهُ:
٥٦٩ - وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا
إنَّما اختيرَ عدمُ الرمزِ مُطلقًا؛ لأنَّ بيانَ الرمزِ، إمّا أنْ يكونَ في أوَّلِ الكتابِ أو آخرِهِ، وقد تسقطُ الورقةُ التي هوَ فيها، فيرجعُ إلى الوقوعِ في الحيرةِ، وأيضًا إنْ كانَ ذَلِكَ في تصنيفٍ، وهو أكثرُ منْ مجلدٍ فإنَّما يكون بيانُ الرمزِ في خطبتِهِ فإذا وقعَ المجلدُ الثاني فقطْ في يدِ أحدٍ لم يعرفِ المرادَ من الرمزِ.
قولهُ: (يُبيِّنوا (١» (٢) في نُسخةٍ مُعتمدةٍ بالثاء المثلثةِ، ثم موحدةٍ، ثم مثناةٍ منْ / ٢٨٠ب / فوق، منَ الثباتِ، وفي بعضِ ما قُرئَ على ابنِ المصنفِ الشيخِ ولي الدينِ أحمدَ، بالباءِ الموحدةِ، ثم ياءٍ مثناةٍ منْ تحتُ، ثمَّ نونٌ، منَ البيانِ، وكلاهما حسنٌ كالقراءتينِ في السبعِ في: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣).
قولهُ: (كما فَعَلَ اليونينيُّ) (٤) إنَّما مثلَ بهِ؛ لقربِ عهدِهِ وشُهرتِهِ في هذا الزمانِ وإلا فأبو ذرٍّ قد سبقَ إلى ذلك فرمزَ لشيوخِهِ الثلاثةِ، وأيضًا فرمز أبي ذرٍّ داخلٌ في رموزِ اليونينيِّ.
قولهُ في شرح قوله: (وتَنْبغي (٥) الدَّارةُ) (٦): (وحُكيَ ذلك أيضًا) (٧) نُقلَ عنِ ابنِ كثيرٍ، أنَّهُ قال: «إنَّه رآهُ كذلك في خَطِّ الإمامِ أحمدَ» (٨).
_________________
(١) في (ف): «ويبينوا».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧١.
(٣) الحجرات: ٦. وانظر: معجم القراءات القرآنية ٦/ ٢٢٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧١.
(٥) في (ف): «وينبغي».
(٦) التبصرة والتذكرة (٥٧٠).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٢.
(٨) اختصار علوم الحديث ٢/ ٣٨٦ وبتحقيقي: ٢٠٠.
[ ٢ / ١٤٣ ]
قولهُ: (فإذا عارضَ) (١)، أي: قابلَ أصلَهُ بأصلٍ آخرَ، أي: عرضَهُ عليهِ، أي: قايسَ بينَهُما في الصحةِ، وكأنَّ أصلهُ أنْ يَضَعَ عرضَ شيءٍ على عرضِ شيءٍ آخرَ لينظرَ هل هما مُتساويانِ.
قولهُ:
٥٧١ - وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ
حصلَ في هذا البيتِ أمران:
الأول: الإذالةُ.
والثاني: قطعُ عروضِهِ دونَ ضربهِ.
فأما القطعُ فالكلامُ فيه مثلُ الكلامِ في قوله (٢):
ويكرهُ الخطُّ الدَّقيقُ إِلاَّ لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلا (٣)
ويمكنُ انفصالُهُ عن قَطعِها، بأنْ يقولَ: اسمُ الإلهِ، وأمّا الإذالةُ وهي زيادةُ ساكنٍ في مستفعلنْ فيبقى مستفعلانِ فهي ممتنعةٌ في هذا البحرِ، وإنَّما يدخلُ مستفعلن في مسدس (٤) البسيطِ، ومتفاعلنْ في مُربَّعِ الكاملِ، وذلك عندَ جَزْءِ كلِّ منهما، ويمكنُ انفصالُهُ عنه بأنْ يقولَ:
وكرِهوا فصلَ مضافِ اسمِ العلي منه بسطرٍ أنْ يُنافِ ما يلي
قولهُ: (عن أبي عبد اللهِ بنِ بَطَّة) (٥) هو عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ حمدانَ / ٢٨١أ / العكبريُّ الحنبليُّ، وبطةُ بفتحِ الموحدةِ، قال ابنُ كثيرٍ في
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٢.
(٢) «في قوله» لم ترد في (ف).
(٣) التبصرة والتذكرة (٥٦٤).
(٤) في (ف): «مستدير».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٣.
[ ٢ / ١٤٤ ]
" تاريخِهِ " (١): «أحدُ علماء الحنابلةِ، ومَنْ له التصانيفُ الكثيرةُ الحافلةُ في فنونٍ منَ العلمِ، سمعَ منَ البغويِّ وأبي بكرٍ النيسابوريِّ، وابنِ صاعدٍ وخلقٍ». انتهى.
وقد ذكرهُ الذهبيُّ في " الميزانِ " (٢) بالضعفِ ونقلَ عنه شيخُنا ابنُ حجرٍ في " لسانِهِ " أنه زوَّرَ سماعَه لـ" معجمِ الصحابةِ " (٣) للبغويِّ، وأنَّه نسبَ إلى غيرِهِ سماعَ مالم يسمعْ، وغير ذلك (٤)، وماتَ سنةَ سبعٍ وثمانينَ وثلاث مئةٍ.
قولهُ: (غَلَطٌ) (٥) هو (٦) مصدرُ غَلَطَ غَلَطًا، ومعناهُ: أخطأ الصوابَ في كلامِهِ، قاله ابنُ القطاعِ، وقال القزازُ: «الغلطُ كلُّ شيءٍ يَعيا الإنسانُ عن وجهِهِ وإصابة صوابِهِ غيرُ مُتعمدٍ (٧»)، وفي " القاموسِ " (٨): «الغَلَطُ - محُركةٌ - أنْ تعيا بالشيء فلا تعرفَ وَجهَ الصوابِ فيه».
قولهُ: (فعلى هذا تحملُ الكراهةُ) (٩) قال شيخُنا: «هذا ليس ظاهرًا وليسَ الواجبُ (١٠) في كلامِ ابنِ بَطَّةَ والخطيبِ على بابِهِ، بلِ المرادُ به تأكيدُ المنعِ،
_________________
(١) البداية والنهاية ١١/ ٢٧٥.
(٢) ميزان الاعتدال ٣/ ١٥ نقل تضعيفه عن أبي القاسم الأزهري، ثم قال: «ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية، فكان إمامًا في السنة، وإمامًا في الفقه».
(٣) في (ف): «بمعجم الصحابة».
(٤) لسان الميزان ٤/ ١١٢ - ١١٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٣.
(٦) في (ف): «معناه هو».
(٧) في (ف): «متعبد».
(٨) القاموس المحيط مادة (غلط).
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٣.
(١٠) في (ف): «الوجوب».
[ ٢ / ١٤٥ ]
نَعَم، يمكنُ الوجوبُ فيما إذا كانَ شيءٌ من هذه الكلماتِ آخرَ الصفحةِ اليسرى، والكلمةُ الأخرى وما ينافي معناها في أول اليمنى، فإنّ الناظرَ إذا رآهُ ربمَّا لم يقلبِ الورقةَ وظنَّ أنَّ ذلك أول الكلام، وأمّا ما هو أولُ الصفحةِ اليسرى فليسَ كذلك إذ آخِرُ الصفحة اليمنى قريبٌ منه وكلُّهُ تجاهُ وجهِهِ، لا يحتاجُ إلى قلبِ شيءٍ منَ الورقِ».
قلت: هذا إذا كانَ الكتابُ محبوكًا، أمّا (١) إذا كان مفرطًا فربمَّا تقلبُ الأوراقُ، وربمَّا سقطَ الكراسُ الأولُ أو الورقةُ الأولى / ٢٨١ب / فيَصيرُ أشدَّ مما تقدمَ، ومع ذلك كلهِ فينبغي أنْ يخرَّجَ على ما قالَهُ القراءُ في مسألةِ الوقفِ القبيحِ، حتى لا يحرمَ منه الإ ما له سببٌ من قصد (٢) فاسدٍ، ويكونُ الأدبُ عدمَ فعلِهِ مطلقًا كما قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ في " الاقتراح " (٣) لكنَّ الكراهةَ والقبحَ في الكتابةِ أشد مما لا يخفى.
قولهُ:
٥٧٢ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا
٥٧٣ - وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ (أَحْمَدْ)
٥٧٤ - وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرَّوَايَهْ مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ
٥٧٥ - وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمُدِيْنِيْ بَيَّضَا لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا
٥٧٦ - وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَمًا تُكْفَى
_________________
(١) في (ف): «فأما».
(٢) في (أ): «قاصد».
(٣) الاقتراح: ٢٨٩.
[ ٢ / ١٤٦ ]
قولهُ: (وإنْ يكُنْ أُسقِطَ) (١) البيت «أسقطَ» (٢) عروضَهُ تامةً، وكانَ (٣) يلزمُ في الضربِ أنْ يكونَ مثلها؛ لأنَّه مُقفَّى، وقد قطعَ الضربَ فصارتْ قافيتُهُ منَ المتواترِ، وقافيةُ العروضِ منَ المتداركِ، هذا على تقديرِ كونِ الشطرينِ بيتًا كما تقدَّمَ غيرَ مرةٍ، وإن كانا بيتينِ في حكمِ قصيدةِ واحدةٍ، فالقافيةُ مختلفةٌ، وإنْ كانَ كلٌّ منهما منفردًا بحكمٍ فلا حجرَ، ولم أرَ لـ «سقط» منَ المصادرِ إلاّ «سقوطًا» فكانَ ينبغي أنْ يقولَ:
وإنْ يكُنْ في الأصلِ ليسَ يوجَدُ وشَذَّ في تركِ الصلاةِ أحمدُ
قولهُ: (وعَلَّهُ قَيَّدَ) (٤) «علَّ» لغةٌ في «لعلَّ» (٥)، و«قيَّدَ» مبنيٌّ للمفعولِ، أي: ولعلَّهُ إنمَّا تركَ كتابَتها؛ لأنَّه تَقيَّدَ في ذلكَ بالروايةِ، أي: بوجودها
مرويةً، فلم يجدْ ذَلِكَ فتورعَ؛ لأنَّهُ إذا دارَ الأمرُ معَ الشكِّ بينَ الزيادةِ والنقصِ، استعملَ النقصَ احتياطًا؛ لأنَّ غايتَهُ أنْ يكونَ اقتصرَ على بعضِ الحديثِ وذلك
جائزٌ. بخلافِ الزيادةِ؛ فإنَّها ربما كانتْ غيرَ مقولةٍ في نفسِ الأمرِ فيقع بسببها / ٢٨٢أ / في نسبةِ قولٍ إلى منْ لم يقلْهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ «قَيَّدَ» مبنيًا للفاعل،
أي: قَيَّدَ أحمد الجوازَ بوجودها في الروايةِ، وهو أوفقُ لقولِهِ في الشرحِ: «يرى التقييدَ» بصيغةِ التفعيلِ وسيأتي لذلكَ مزيدُ بيانٍ، وإنمَّا احتاجَ إلى اتصالها في جميع من فوقه منَ الرواةِ، ولم يكتفِ بذكرِ شيخهِ لها مثلًا، بخلاف بقيةِ ألفاظِ الحديثِ؛ لأنَّ الصلاةَ ونحوها في مظنةِ أنْ يزيدَ (٦) الراوي من قبل نفسهِ، بخلافِ غير ذلك؛
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٧٣).
(٢) في (ف): «استعمل».
(٣) في (ف): «فكان».
(٤) التبصرة والتذكرة (٥٧٤).
(٥) انظر: الصحاح مادة (علل).
(٦) في (ف): «يزيده».
[ ٢ / ١٤٧ ]
فإنَّ زيادتَه محضُ كذبٍ.
قوله: (مع نطقه) (١) متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: ولعله تَقيَّدَ في ذكرِها بالروايةِ فلمْ يجدْ فحذفها كتابةً، حالَ كونِ حذفِهِ لها مصاحبًا لنطقِهِ بها إذا قرأَ، كما رووا ذلك عنه حالَ كونِه حكايةً، أي: محكيًا عن صريحِ نطقِهِ.
قولهُ: (وعادا عَوّضا) (٢)، أي: ورجعا إلى التعويضِ، أي: ورجعا بعد انقضاءِ سببِ العجلةِ إلى التداركِ فكتبا عوضَ الذي حذفاهُ وفوتاهُ في ذلك
الوقتِ.
قولهُ: (تُكفى) (٣)، أي: تُكفي (٤) همَّكَ، إشارةٌ إلى حديثِ أُبي بن كعب (٥) - ﵁ - في " الصحيح " حيثُ قال (٦) للنبيِّ - ﷺ -: أجعلُ لكَ صَلاتي كلَّها؟ قال (٧): «إذنْ تُكفْى هَمَّكَ ويُغفرُ ذنبُكَ» (٨) و«تُكفى» في النَّظمِ (٩) مجزومٌ على الجوابِ للأمرِ في «اجتنبْ»، فألفُهُ حينئذٍ للإطلاقِ، وليستْ بلامِ الكلمةِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٧٤).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٧٥).
(٣) التبصرة والتذكرة (٥٧٦).
(٤) «تكفي» من (ف) فقط.
(٥) في جميع النسخ الخطية: «كعب بن عجرة»، والتصويب من مصادر التخريج.
(٦) عبارة: «حيث قال» لم ترد في (ف) ومكانها كلمة ضرب عليها.
(٧) في (ب): «فقال».
(٨) أخرجه: أحمد ٥/ ١٣٦، وعبد بن حميد (١٧٠)، والترمذي (٢٤٥٧)، والحاكم ٢/ ٤٢١ و٥١٣، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٥٦ و٨/ ٣٧٧، وقد حسَّنه الترمذي. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للعلامة الألباني (٩٥٤).
(٩) في (ف): «النجم» خطأ.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قولهُ: (ولا يسأمْ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «منْ تكريرِ ذلكَ عندَ تكرُّرِهِ، فإنَّ ذلك منْ أكبرِ الفوائدِ التي يتعجلها / ٢٨٢ب / طَلَبةُ الحديثِ وكَتَبَتُهُ، ومنْ أغفلَ ذلك حُرِمَ حَظًَّا عظيمًا، وقد رُوِّينا لأهلِ ذلك مناماتٍ صالحةً» (٢).
قولهُ: (إنَّهم أهلُ الحديثِ) (٣) قال شيخُنا: بَوَّبَ له أبو نُعيم بقوله: «بابٌ: إنَّ أقربَ الناسِ منَ النبيِّ - ﷺ - منْزلةً يومَ القيامةِ هم أهلُ الحديث». وقال البلقينيُّ في " محاسن الاصطلاح " (٤): «فائدة: في كتابِ " أنوار الآثار المختصةِ في فضلِ الصلاةِ على النبيِّ المختارِ " للحافظِ التُجيبِيِّ: وكما تُصلي على نبيِّكَ - ﷺ - بلسانِكَ، فكذلكَ تخطُّ الصلاةَ عليهِ ببنانِكَ مهما كتبْتَ اسمَهُ المبارك - ﷺ - (٥) في كتابٍ؛ فإنَّ لك في ذلك أعظمَ الثوابِ، فقد رُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ -، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «منْ كتبَ عني عِلمًا، وكتبَ معهُ صلاتَهُ عليَّ لم يزلْ في أجرٍ ما قُرئَ ذلك الكتابُ» (٦)، ورُوِيَ عن أبي هريرةَ - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، قال: «مَنْ صَلَّى عَليَّ في كتابٍ لم تزلِ الملائكةُ تستغفِرُ له ما دامَ اسمي في ذلك الكتابِ» (٧)، ولذلك قال سفيانُ الثوريُّ: «لو لم يكنْ لصاحبِ الحديثِ فائدةٌ إلا الصلاةُ على النبيِّ - ﷺ - فإنَّهُ يُصلَّى عليه ما دامَ في ذلكَ الكتابِ» (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٨، وانظر بعض تلك المنامات في " الجامع لأخلاق الراوي " ١/ ٢٧١ (٥٦٥) و(٥٦٦) و(٥٦٧).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٤) محاسن الاصطلاح: ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) أخرجه: ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٢٢٨، وحكم عليه بالوضع.
(٧) أخرجه: ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٢٢٨، وحكم عليه بالوضع.
(٨) شرف أصحاب الحديث: ٣٦.
[ ٢ / ١٤٩ ]
ثم حَكَى (١) مناماتٍ في ذلك عن محمدِ بنِ أبي سليمانَ، وعن عبيد الله الفزاريِّ، وعن سفيانَ بنِ عيينةَ، وعن عبد الله بنِ / ٢٨٣أ / عبد (٢) الحكم لما رأى الشافعيَّ في المنامِ، وإنَّما لم يذكرها (٣)؛ لأنَّ ابنَ الصلاحِ قد أشارَ إليها، ثم إنمَّا يُستدلُّ بما رُويَ عنِ النبيِّ - ﷺ - كما تقدمَ، وقد جاء بإسنادٍ صَحيحٍ منْ طريقِ عبدِ الرزاقِ، عن معمر، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ يرفعُهُ: «إذا كانَ يومُ القيامةِ جاءَ أصحابُ الحديثِ وبأيديهم المحابرُ فيرسلُ اللهُ - ﷿ - إليهم جبريلُ - ﵇ - فيسألُهم من أنتم؟ - وهو أعلمُ - فيقولون: أصحابُ الحديثِ، فيقولُ الربُّ جل وعلا: ادخلوا الجنةَ فطالَما كُنتمْ تُصلُّونَ على نبيي في دارِ الدنيا - ﷺ -» (٤)، وهذا يَعُمُّ صلاتَهم بلسانِهم وبكتابِهم (٥)، وفي " تاريخ أصبهانَ " (٦) للحافظِ أبي نعيم الأصبهانيِّ في ترجمةِ جعفرِ بنِ (٧) محمدٍ الخَشابِ (٨)، أسندَ إلى أبي ضمرة أنس بنِ عياضٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ ﵂: أنها قالتْ: قالَ النبيُّ - ﷺ -: «ما منْ كتابٍ يُكتبُ فيهِ: صلى الله على محمدٍ، إلا صلى الله وملائكتُهُ على مَنْ كتبَ ذَلِكَ ما دام اسمي في ذَلِكَ الكتابِ»، - ﷺ - أفضلَ الصلاةِ والسلامِ. انتهى.
_________________
(١) أي: التجيبي.
(٢) لفظة «عبد» لم ترد في " محاسن الاصطلاح ".
(٣) في " محاسن الاصطلاح ": «نذكرها».
(٤) أخرجه: الخطيب في " تاريخه " ٣/ ٤٠٩ - ٤١٠، ومن طريقه ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٢٦٠، وقال عنه الخطيب: «هذا حديث موضوع».
(٥) في " محاسن الاصطلاح ": «وبكتابهم».
(٦) تاريخ أصبهان ٢/ ٣٦.
(٧) «جعفر بن» لم ترد في (ف).
(٨) هو في ترجمة عبد الله بن جعفر بن محمد الخشاب.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وأمّا الحديثُ الذي ذكرهُ الشيخُ فأخرجَهُ الحافظُ أبو عليٍّ الحسينُ بنُ محمدٍ الغسانيُّ في أوائلِ كتابِهِ " شرفِ أصحابِ الحديثِ ": «أخبرنا أبو عمر بن عبد البرِّ، حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ الحافظُ، حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللهِ بنُ المفسِّرِ الدِّمشقيُّ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي / ٢٨٣ب /، حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، أخبرنا خالدُ بنُ مخلدٍ، حدَّثنا موسى بنُ يعقوبَ الزمعيُّ، حدثنا عبدُ الله بنُ كيسانَ (١)، أخبرنا عبد الله بن شداد بن الهاد (٢)، عن عبد اللهِ بن مسعودٍ - ﵁ -، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ أولى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهم صلاةً عليَّ» (٣).
وأخرجهُ الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِهِ " شرفِ أصحابِ الحديثِ " (٤) عن شيخِهِ الحافظِ أبي نعيم بسندِهِ إلى أبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ، ومنْ وجهٍ آخرَ منْ طريقِ يحيى بنِ معينٍ، قالا: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ، بهِ. قال أبو نُعيم، وكذا أبو عليٍّ: «وهذه (٥) منقبةٌ شريفةٌ يختصُّ بها رواةُ الآثارِ، ونقلتُها؛ لأنَّه لا يُعرفُ لعصابةٍ منَ العلماءِ منَ الصلاةِ على رسولِ الله - ﷺ - أكثر مما يُعرفُ لهذه العصابةِ نسخًا وذكرًا» (٦).
قولهُ: (يرى التقييدَ في ذلك بالرِّوايةِ) (٧) رأيتُهُ في عدةِ نسخٍ هكذا، فإنْ صحت فهو بمعنى: التقيدِ، من بابِ تفعّلَ، لا منْ بابِ فعَّلَ، ويمكنُ جعلُهُ على بابِهِ
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية: «عبيد بن كيسان»، والتصويب من تهذيب الكمال ٤/ ٢٥١ (٣٤٩٧).
(٢) بعدها في (ف): «عن أبيه».
(٣) تخريج الحديث وعلله في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٥.
(٤) شرف أصحاب الحديث: ٣٤ - ٣٥.
(٥) في (ب): «هذه».
(٦) شرف أصحاب الحديث: ٣٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٦.
[ ٢ / ١٥١ ]
بمعنى: تقييدِ الراوي بما وصلَ إليهِ منَ الروايةِ، فحينئذٍ يقيدُ نفسهُ بذلكَ؛ لأنَّهُ راوٍ لكنَّهُ في كتابِ ابنِ الصلاحِ: التقيُّدُ، منْ بابِ التفعُّلِ.
قولهُ: (وعزَّ عليه اتصالُها في جميعِ منْ فوقَهُ منَ الرواةِ) (١) قال البلقينيُّ: «لا يقالُ: لعل سبَبَهُ أنَّهُ كانَ يكتبُ عَجِلًا لأمرٍ اعتادهُ، فتركَ (٢) ذلك للعجلةِ لا للتقيُّدِ بالروايةِ وشبهِها؛ لأنَّا نقولُ: / ٢٨٤أ / تركُ مِثل هذا النَّوالِ (٣) بسببِ الاستعجالِ لا يَنبغي أنْ يُنْسبَ للعلماءِ الجبال» (٤). انتهى.
وقد تقدَّمَ بيانُ وجهِ الاحتياجِ (٥) في ثبوتِ اتصالِها بكلِّ واحدٍ منْ رجالِ السندِ دونَ غيرِها.
قولهُ: (فقالَ في " الاقتراحِ ") (٦) قال شيخُنا: «لا شكَّ أنَّ ذلك أحوطُ كما تَقدَّمَ، وإن كانتِ الكتابةُ جائزةً؛ لأنَّ غايتَها أنْ تكونَ روايةً بالمعنى».
قلت: وقد كانَ نَقَلَ شخصٌ بحضرةِ شيخِنا أنَّ في خيالِهِ أنَّ الشافعيَّ نصَّ في " الرسالةِ " على كراهةِ إفرادِ الصلاةِ عنِ السلامِ، فقالَ شيخُنا: «ليسَ كذلكَ فإنَّ الشافعيَّ أفردَ في خطبةِ " الرسالةِ " الصلاةَ عنِ السلامِ» (٧)، فلما أيَّدَ شيخُنا كلامَ ابنِ دقيقِ العيدِ، قلتُ له: ومما يُظهرُ ثمرةَ ذلك ما تقدَّمَ منَ النقْلِ عن خطبةِ " الرسالةِ " فإنَّ المحافظةَ على الروايةِ أفادتنا حُكمًا منَ الأحكامِ عنْ إمامنا، وهو عدمُ كَراهةِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٦.
(٢) في " محاسن الاصطلاح ": «فيترك».
(٣) في المحاسن: «الثواب».
(٤) محاسن الاصطلاح: ٣٠٨.
(٥) في (ب): «الاحتجاج».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٦.
(٧) الرسالة (٣٩).
[ ٢ / ١٥٢ ]
الإفرادِ لكراهةِ (١) المصطلحِ عليها، ولو تصرَّفَ النُّساخُ في كلامِهِ لفاتَ ذلك فاستحسنَهُ، وكذا صنعَ الحافظُ أبو الحسينِ اليونينيُّ في نسختِهِ بالبخاريِّ لما رمزَ عليها لرواياتِ (٢) شيوخِهِ، فإنَّه يرمزُ على الثناءِ والصلاةِ لمنْ هو في روايتِهِ، وربما كتبَ: لا إلى، على أولِهِ وآخرِهِ إشارةً إلى أنَّ ذلك محذوفٌ في روايةِ منْ رمزَ له.
قولهُ: (أنْ يُصحَبَها) (٣) مضمومُ الياءِ منْ أصحَبَ المعدّى بالهمزةِ، قال الفارابيُّ في " ديوانِ الأدبِ " (٤) في بابِ الأفعالِ / ٢٨٤ب /: «وأصحبتُهُ الشيءَ،
أي: جعلتُهُ له صاحبًا»، وما ذكرتُ ذلك مع وضوحِهِ (٥) إلا لأمرٍ.
قولهُ: (في كلِّ حديثٍ سمعناهُ) (٦) المرادُ به عمومُ السلبِ، لا سلبُ العمومِ، وطريقُهُ أنَّك في الأولِ تعتبرُ النفيَ أولًا ثم تَنسبهُ إلى الكل، فيعمُّ النفيُ كلَّ فردٍ، فالمعنى هنا: انتفى تَرْكُنا للصلاةِ في كل حديثٍ، فإنِ اعتبرتَ النسبةَ إلى الكلِّ أولًا ثم نفيتَ كانَ لسلب العموم، فلا ينصبُ إلا إلى المجموعِ، حرَّرَ ذلكَ العلامةُ سعدُ الدينِ التفتازانيُّ في "شرحِ المقاصدِ" في بحثِ الرؤيةِ.
قولهُ: (ويكرهُ أنْ يرمزَ) (٧) ليستْ هذه الكراهةُ على بابِها، إنمَّا المرادُ أنَّ ذلك خلافُ الأولى بالمعنى اللغوي، فإنَّ الإتيانَ بها فيه أجرٌ، وحذفها مخل بذلكَ
_________________
(١) في (ف): «الكراهة».
(٢) في (ف): «الراويات» خطأ.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٦.
(٤) ديوان الأدب ٢/ ٢٨٢.
(٥) في (ب): «لوضوحه».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٧.
[ ٢ / ١٥٣ ]
الأجرِ، وتارِكُهُ تاركٌ للأولى بهذا المعنى، لا بمعنى اندراجِهِ تحتَ عمومِ نهيٍ، وكذا قولهُ: (ويكرهُ حذفُ واحدٍ) (١) إلى آخرِهِ، قال شيخُنا: «ويحتاجُ النوويُّ في إثباتِ الكراهةِ إلى دليلٍ؛ لأنَّهُ يُفرِّقُ بينَ الكَراهةِ وخلافِ الأولى، فحيثُ أطلقَ أحدَهما لم يحسنْ حملُهُ على الآخرِ، ولا يصحُّ الاستدلالُ بقوله تعالى (٢): ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)؛ لأنَّ أكثرَ ما في الواوِ التشريكُ في الحكمِ، فمنْ صلى ثم مكثَ مدةً طالتْ أو قصرتْ ثم سلمَ فقد امتثلَ»، وقالَ شيخُنا محققُ الزمانِ شمسُ الدين القاياتيُّ: «دليل النوويِّ نقلَهُ عنِ العلماءِ، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في الإجماعِ»، والله أعلم.
قولهُ: / ٢٨٥أ / (وليسَ بمرضيٍّ فقد قال حمزةُ الكنانيُّ) (٤) غيرُ مَرضيٍّ، فإنَّ المناماتِ لا تصلحُ أنْ تكونَ أدلةً لحكمٍ شرعيٍّ، وما أحسنَ تعبيرَ ابنِ الصلاحِ عنْ ذلكَ كُلِّهِ بقولهُ: «ثم ليجتنبْ في إثباتِها نقصينِ:
أحدهما: أنْ يكتُبَها مَنقوصةً صُورةً رامِزًا إليها بحرفينِ، أو نحوِ ذلكَ.
والثاني: أنْ يَكتُبَها مَنقوصةً معنىً بأنْ لا يكتبَ «وسلمَ»، وإن وُجدَ ذلك في خطِّ بعضِ المتقدمينَ (٥)، سمعتُ أبا القاسمِ منصورَ بنَ عبدِ المنعمِ» (٦) ثم ذكرَ مَنَامَ حمزةَ الكنانيِّ، فساق ذلك سياقًا يُفهمُ أنَّهُ من المرغبات في إثباتِ ذلك، لا أنَّه دليلٌ على الكراهةِ أو خلافُ الأولى، والله أعلم.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٧.
(٢) «تعالى» لم ترد في (أ).
(٣) الأحزاب: ٥٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٧.
(٥) المقصود به: الخطيب البغدادي.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٩.
[ ٢ / ١٥٤ ]
قولهُ:
٥٧٧ - ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ إِجَازَةً أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ
٥٧٨ - فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ
٥٧٩ - وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا بَعْضُهُمُ (١) هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا
٥٨٠ - وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ فِي نُسْخَةٍ وَقالَ (يَحْيَى): يَجِبُ
قولهُ: (إذْ يَسْمَعْ) (٢) مقطوعٌ معَ تمامِ العروضِ، وقدْ تقدمَ ما فيهِ، فلو قال: إذا استمعَ، كانَ أحسنَ.
قولهُ: (المشروطة) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وجائزٌ أنْ تكونَ مقابلتُهُ بفَرْعٍ قد قُوبِلَ المقابلةَ المشروطةَ بأصلِ شيخِهِ أصْلِ السَّماعِ، وكذلكَ إذا قابلَ بأصلِ أصْلِ الشيخِ (٤) المقابَل به أصلُ الشيخِ (٥)؛ لأنَّ الغرضَ المطلوبَ أنْ يكونَ كتابُ الطالبِ مُطابقًا لأصلِ سَماعِهِ، وكتابِ شيخِهِ، فَسَواءٌ حَصَلَ ذلك بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ» (٦).
قولهُ: (لم تكتُبْ) (٧) يحتملُ - وهو أظهرُ - أنْ تكونَ «لم» حرفَ جزمٍ؛ فيكونُ المعنى: إنَّ ما كتبَهُ عدمٌ؛ لعدمِ نفعِهِ، ويحتملُ أنْ تكونَ استفهاميةً، وهو
قريبٌ منَ الأولِ.
_________________
(١) بضم الميم؛ لضرورة الوزن.
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٧٨).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٨.
(٤) انظر: الاقتراح: ٢٩٧ - ٢٩٨، ونكت الزركشي ٣/ ٥٨٥.
(٥) تكررت عبارة: «المقابل به أصل الشيخ» في (أ).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٨.
[ ٢ / ١٥٥ ]
/ ٢٨٥ب / قولهُ: (وقالَ الأوزاعيُّ) (١) عندَ ابنِ الصلاحِ الشافعيِّ بدل «الأوزاعيِّ»، فإنَّهُ قال: «رُوِّينا عنِ الشافعيِّ الإمامِ، وعن يحيى بن أبي كثيرٍ، قالا: منْ كَتَبَ ولم يُعارضْ كمنْ دخلَ الخلاءَ ولم يَستَنْجِ» (٢).
قال الشيخُ في " النكتِ ": «هكذا ذكرهُ المصنفُ عنِ الشافعيِّ، وإنَّما هو معروفٌ عنِ الأوزاعيِّ، وعن يحيى بن أبي كثيرٍ، وقد رواهُ عنِ الأوزاعيِّ أبو عمر ابنُ عبد البر في كتابِ " جامع بيان العلمِ " (٣) منْ روايةِ بقيةَ، عنِ الأوزاعيِّ، ومنْ (٤) طريقِ ابنِ عبد البرِ رواه القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماعِ " (٥) بإسنادِهِ، ومنه يأخذُ المصنفُ كثيرًا، وكأنَّهُ سَبَقَ قلمُهُ من الأوزاعيِّ إلى الشافعيِّ، وأما قولُ يحيى ابن أبي (٦) كثيرٍ، فرواهُ ابنُ عبدِ البرِّ أيضًا (٧)، والخطيبُ في كتابِ "الكفايةِ" (٨)، وفي كتاب " الجامع " (٩) من روايةِ أبان بنِ يزيدَ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، ولم أرَ لهذا ذِكرًا عن الشافعيِّ في شيءٍ منَ الكتبِ المصنفةِ في علومِ الحديثِ، ولا في شيءٍ منْ مناقبِ الشافعيِّ، والله أعلم» (١٠). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٨.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١.
(٣) جامع بيان العلم ١/ ٧٨.
(٤) في (ف): «من».
(٥) الإلماع: ١٦٠.
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) جامع بيان العلم ١/ ٧٧.
(٨) الكفاية (٣٥٠ت، ٢٣٧هـ).
(٩) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٧٥.
(١٠) التقييد والإيضاح: ٢١٠.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ووجهُ الشَّبهِ أنَّ كُلًا منهما تُركَ فيه التمام، ولا يستنكرُ هذا بكونِهِ شَبَّه المكتوب معَ شرفه بالخارجِ مع قَذَرِهِ؛ لأنّ العربَ إذا شَبَّهتْ شيئًا بشيءٍ لا ينظرُ إلا إلى وجهِ الشبهِ معَ قطعِ النظرِ عن عوارضِ كُلٍّ منَ الشيئينِ، ألا ترى إلى تشبيهِ الوحيِ بصَلصَلةِ الجرسِ (١).
قال البلقينيُّ: «فائدةٌ: أقدمُ من نُقلَ ذلك عنه عروةُ، وقد أسندَ كلامَهُ
/ ٢٨٦أ / وكلامَ يحيى بن أبي كثيرٍ الرامهرمزيُّ في كتابِهِ " الفاصلِ " (٢) في بابِ المعارضةِ، وفي المسألةِ حديثانِ مرويانِ عنِ النبيِّ - ﷺ -:
أحدهما: من طريقِ عُقيلٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ زيدِ بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّهِ (٣) - ﵁ -، قال: «كنتُ أكتبُ الوحيَ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فإذا فرغتُ قال: اقرأهُ فأقرؤهُ، فإنْ كانَ فيه سَقطٌ أقامَهُ»، ذكره المرزبانيُّ في كتابهِ.
الحديث الثاني: ذكرهُ السمعانيُّ في كتاب " أدب (٤) الإملاءِ " (٥) من حديث عطاء بنِ يسارٍ، قال: «كتبَ رجلٌ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فقال له: «كتبتَ»؟ قالَ: نعم، قالَ: «عرضتَ»؟ قال: لا، قال: «لم تكتُبْ حتى تَعرضهُ فيصحَّ»، وهذا أصرَحُ في المقصودِ إلا أنَّهُ مرسلٌ» (٦). انتهى.
_________________
(١) إشارة إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" ١/ ٢ (٢) عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن الحارث بن هشام - ﵁ - سأل رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرسِ، وهو أشده عليَّ، فيفصمُ عني وقد وعيتُ عنه ما قال ».
(٢) المحدّث الفاصل: ٥٤٤.
(٣) عبارة: «بن ثابت، عن أبيه» لم ترد في (أ).
(٤) في (أ) و(ب): «آداب»، وهو خطأ.
(٥) أدب الإملاء: ٧٧.
(٦) محاسن الاصطلاح: ٣١٠.
[ ٢ / ١٥٧ ]
والحديثُ الذي ذكَرَهُ عن المرزبانيِّ ذكرَهُ الحافظُ نورُ الدينِ الهيثميُّ (١) في زوائد (٢) المعجمينِ الأصغر والأوسط (٣) للطبراني، فقال: «حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ ابنِ نافعٍ، حدَّثنا أبو الطاهرِ بنُ السرحِ، قال: وجدتُ في كتابِ خالي، حدَّثني عقيل بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، حدَّثني سعيدُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابتٍ - ﵁ -، قال: كنتُ أكتبُ الوحيَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - وكانَ إذا نزلَ عليه أخذتهُ بُرحَاءُ شديدةٌ، وعرقَ عرقًا شديدًا مثل الجمان (٤)، ثم سُريَ عنه / ٢٨٦ب /، فكنتُ أدخلُ عليهِ بقطعةِ الكتفِ أو كسرةٍ فأكتبُ وهو يملي عليَّ، فما أفرغُ حتى تكادُ رِجلي تنكسرُ من ثقل القرآنِ، وحتى أقولَ: لا أمشي على رِجلي أبدًا، فإذا فرغتُ، قال: اقرأهُ، فأقرؤهُ، فإنْ كانَ فيه سَقطٌ أقامهُ، ثم أخرجُ به إلى الناسِ».
فعُلمَ من هذا أنَّه سقطَ من روايةِ المرزبانيِّ: سعيد (٥)، والله الموفقُ.
قولهُ: (معَ شيخِهِ بكتابهِ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «بكتابِ (٧) الشيخِ معَ الشيخِ في حالِ تحديثهِ إيَّاهُ من كتابهِ، لما يجمعُ ذلك من وجوهِ الاحتياطِ والاتقانِ منَ
_________________
(١) مجمع البحرين (٢٣٣). وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٥٢ و٢/ ٢٥٧ قال الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله موثوقون، إلا أن فيه: وجدت في كتاب خالي، فهو وجادة» وقال مرة أخرى: «رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات».
(٢) في (أ): «رواية».
(٣) المعجم الأوسط (١٩٣٤).
(٤) هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حبٌّ يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. النهاية ١/ ٣٠١.
(٥) بعدها في (ف): «ابن» ويأتي بعدها بياض.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٧) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣١٠.
[ ٢ / ١٥٨ ]
الجانبينِ، وما لم تجتمعْ فيه هذه الأوصافُ نَقَصَ من مرتبتِهِ بقدرِ ما فاتهُ منها، وما ذكرناهُ أولى من إطلاقِ أبي الفضلِ الجاروديِّ (١) الحافظ الهرويِّ» (٢) إلى آخره.
قولهُ: (أصدقُ المعارضةِ) (٣) لا يُقالُ: ليسَ بينَ «أصدقَ» و«أفضلَ» معارضةٌ؛ لأنَّا نقولُ للكلامِ (٤) في أفضليةِ المقابلةِ إنمَّا هو في ما يصيرُ الكتابُ موثوقًا به، وهذا معنى «أصدقُ»، وإنمَّا كانتِ الطريقُ الأولى أفضلُ؛ لأنّ المقابلةَ معَ النفس تتفرقُ فيها الفكرةُ الواحدةُ في كتابينِ، فأعلى أحوالها أنْ تكونَ كالنسخِ، وهو يحصلُ فيه السقطُ الكثيرُ وغيرُهُ، بخلافِ الأولى، فإنَّ كل الفكرةِ مجتمعةٌ في كتابٍ واحدٍ.
قولهُ: (ويُستحبُّ للطالبِ) (٥) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ويستحبُّ أنْ ينظرَ معه في نُسختِهِ من حضَرَ منَ السَّامعينَ ممَّنْ ليس معهُ نُسخَةٌ، لاسيما إنْ أرادَ النَّقْلَ مِنْها» (٦) / ٢٨٧أ /. انتهى.
وعلةُ ذلكَ أنَّه أجدرُ أنْ يُفهمَ معهُ جميعُ ما يسمعُ، وحتى يصلَ ذلك المسموعُ إلى قلبِهِ منْ طريقين: السمع والبصر، كما قالَ الزبيرُ بنُ بكارٍ لولدهِ ورآه ينظرُ في كتابِ: «يا بُني إذا نظرتَ في كتابٍ فتكلم بهِ، ليكونَ أثبتَ في قلبكَ، فإنَّه يصلُ إليكَ منْ طريقين»، (٧) أو كما قال.
_________________
(١) في (ف): «الجاروزدي» خطأ.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٤) في (ف): «الكلام».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١.
(٧) من قوله: «السمع والبصر» إلى هنا لم يرد في (أ).
[ ٢ / ١٥٩ ]
وأما منِ اشترطَ ذلك ونحوهُ فإنمَّا كان ذلك قبلَ حدوثِ الإجازةِ عقبَ كلِّ مجلسٍ، وأمّا بعدَ وجودِها فإنَّ الأمرَ هان باعتبارِ انجبارِ ما عساهُ أنْ يفوتَ سماعَهُ بالإجازةِ، وهكذا القولُ في قوله: «ولا يَكونَنَّ كمن إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأهُ عليه منْ أيِّ نسخةٍ اتفقت»، والله أعلمُ.
قولهُ: (التشديد في الروايةِ) (١) قال ابنُ الصلاحِ: «وسيأتي ذكرُ مذهبهم (٢) إنْ شاءَ اللهُ تعالى» (٣).
قولهُ: (على يَدَي غيرِهِ) (٤) كأنّهُ ثنى اليدَ إشارة إلى الاعتناءِ بالمقابلةِ.
قولهُ: (ثقةً موثوقًا بضبطِهِ) (٥)، أي: قد يكون الإنسانُ ثقةً، أي: عدلًا ضابطًا لما يرويه وهو ضعيفٌ في الكتابةِ، أو لا يعلمها أصلًا، فلا بدَّ معَ ذلك منْ كونِهِ موثوقًا بضبطِهِ في المقابلةِ، أي: قد جُرِّبَ أمرهُ فيها فوجدَ شديدًا.
قولهُ: (على ما ينظرُ فيه) (٦) متعلقٌ بـ " المأمون "، أي: يكونُ مأمونًا على الكتابِ الذي ينظرُ فيه، بسببِ صحةِ المقابلةِ.
قولهُ: (وأجازهُ الخطيبُ بشرطِ) (٧) إلى آخره، قال ابنُ الصلاحِ: «وحكى - أي: الخطيبُ - عن شيخِهِ أبي بكر البرقانيِّ أنَّه سألَ أبا بكر الإسماعيليَّ، فذكرهُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٢) في (ف): «مذاهبهم».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٧٩.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
[ ٢ / ١٦٠ ]
قال - أي: الخطيبُ -: وهذا هو مذهبُ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ فإنَّه رَوَى لنا أحاديثَ كثيرةً، قال فيها: أخبرنا فلانٌ، ولم أعارِضْ بالأصلِ» (١).
/ ٢٨٧ب / قولهُ: (وأنْ يُبيِّنَ عندَ الروايةِ أنَّه لم يُعارضْ) (٢)، أي: فمنْ ثمراتِ هذا أنَّه لا يتهمُ إذا ظهرَ الأمرُ بخلافِ ما رَوَى.
قولهُ: (قليل السَّقطِ) (٣) رأيتُها مضبوطةً بخطِّ العلامةِ نجمِ الدينِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الدائمِ الباهيِّ الحنبليِّ في نسخةٍ بخطِّهِ، قرأها على شيخِهِ العلامةِ الحافظ تقيِّ الدينِ الدُّجْوي (٤) بالتحريكِ، وقال الصغانيُّ في " مجمع البحرين ": «والسقطُ - بالفتحِ - السُّقوطُ»، وضبطتْ في النسخةِ بالقلمِ بفتحِ القافِ، فلعلَّ مرادَهُ «بالفتحِ» فتحُ أوّلِهِ، وثانيهِ الذي يعبرُ عنهُ " القاموسُ " بـ «التحريكِ» ثم راجعتُ " القاموس " فرأيتُهُ قال: «والسَّقطُ - مثلثةٌ -: الولدُ لغير تمامٍ، - ثم
قال: - وبالتحريكِ ما أسقطَ منَ الشيءِ» (٥).
قولهُ: (كمنْ إذا رأى) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ولا يَكونَنَّ كطائفةٍ (٧) منَ الطلبةِ إذا رأوا» (٨) إلى آخره.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٤) أبو بكر محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن حيدرة الشافعي الدُّجْوي - بضم الدال المهملة، وسكون الجيم، نسبةً إلى دجوة: قرية على شط النيل الشرقي على بحر رشيد - ولد سنة (٧٣٧ هـ)، كان كثير الاستحضار، سمع منه ابن حجر وغيره، وحدث مرارًا بصحيح مسلم، توفي سنة (٨٠٩ هـ). شذرات الذهب ٧/ ٨٦ - ٨٧.
(٥) القاموس المحيط مادة (سقط).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٧) هنا انتهت نسخة (ب).
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٣.
[ ٢ / ١٦١ ]
قولهُ: (والتَّهَوُّرُ) (١) هو كذلك أيضًا عندَ غيرِ الجوهريِّ، لكنْ هو من: تَفعَّلَ تَفعُّلًا، والذي في النَّظْمِ من بابِ: فعَّلَ تَفعيلًا، وهو يؤول إلى ما في الشرح؛ لأنَّه من: هوَّر فلانًا: إذا صرعَهُ، وهوَّر البناء: إذا نقضَهُ، فمعنى التهويرِ: الإيقاعُ، فالمعنى: لا تكنْ مهوِّرًا لنفسِكَ بأنْ تجعلها بسببِ التهاونِ والتسرعِ كالشيء الساقطِ لا اختيار له في كفِّهِ عنِ الوقوعِ، والله أعلم.
قولهُ: (تخريجُ الساقط) (٢)، أي: «ويكتبُ الساقطَ، وهو اللحقُ» في «حاشيةِ» الكتابِ، / ٢٨٨أ / «يلحقُ» ذلكَ السقطَ «إلى» جهةِ «اليمينِ» من حاشيتي الورقةِ «مالم يكنْ آخرَ سطرٍ» فإنَّه يلحقُ دائمًا في جهةِ اليسارِ، أي: في الحاشيةِ اليُسرى، «وليكنِ» الساقطُ ذاهبًا إلى «فوقٍ» أي: إلى الجهةِ العليا منَ الورقةِ، وهو طرفها الذي يلي أولَ سطرٍ فيها، ولتكنِ «السطورُ» في «أعلى» الحاشيةِ التي يكتبُ فيها بعدَ تحويلك الورقةِ، لكتابةِ الساقطِ؛ فإنَّه قد «حسنَ» هذا الفعل، وأعلى الحاشيةِ اليُمنى هو طرفُ الورقةِ في الصفحةِ اليمنى، وما يلي الخياطةَ في الصفحةِ اليسرى، وأعلى الحاشيةِ اليسرى بالعكسِ منْ هذا.
وخَرِّجن لأجلِ هذا «السَّقطِ» الذي كتبتهُ خَطًا يكونُ ابتداؤهُ «منَ» الموضعِ الذي «سقطَ» الساقطُ منه «منعطفًا» رأسُ ذلك الخطِّ إلى جهةِ ذلك السقطِ، «وقيلَ: صل» أولَ السقطِ «بخطٍ» ممتدٍّ منَ الخطِّ الذي خرَّجْتهُ لأجلِهِ، وبعد انتهاءِ كتابةِ السَّقطِ «اكتبْ صحَّ، أو زدْ» بعدَ كتابكَ «صحَّ» «رجعَ أو كرِّرْ» كتابةَ «الكلمةِ» التي لم تسقطْ مصاحبةً للكلمة التي قبلَها منَ السَّاقطِ، يعني: اكتبْ هذه الكلمةَ التي كررتَها، وهي في الأصلِ معَ السَّاقطِ لا في مكانٍ آخرَ فـ " مع " ظرفٌ، وهي هُنا للمكانِ، وهي منصوبةٌ على الظرفيةِ، وقيلَ: الحاليةُ، منونةٌ لأجلِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨١.
[ ٢ / ١٦٢ ]
ذكر المصطحبين قبلها، فلم يبقَ بعدَها شيءٌ تضافُ إليهِ؛ لأنَّ معنى «كرّر الكلمةَ» اكتبْها مَرَّةً أخرى، أي: اكتبْ الكلمةَ / ٢٨٨ب / التي لم تسقطْ - وهي التي تلي آخر الساقطِ - مع أختِها التي في الأصلِ؛ لتكونَ كلُّ واحدةٍ منهما مع أختِها في مكانٍ واحدٍ، والله أعلم.
قولهُ: (وأمّا اشتقاقُهُ) (١)، أي: هذا الذي ذكرتُهُ هو اصطلاحُ أهلِ الحديثِ والكتابِ، وأمّا اشتقاقُ هذا اللفظِ من حيثُ اللغةُ، «فيحتملُ أنَّهُ منَ الإلحاقِ»، أي: لأنَّ السَّاقِطَ لا يمكنُ أنْ يلحقَ بنفسِهِ، بل لابدَّ له منْ مُلحِقٍ، أي: ويحتملُ احتمالًا ضعيفًا أنَّهُ من «لحقَ»؛ لأنَّه إذا ألحقَ فقد لحقَ.
قولهُ: (قالَ الجوهريُّ) (٢) هوَ ابتداءُ كلامٍ آخرَ يتعلقُ بمعناهُ، لا مدخلَ لهُ في الاشتقاقِ، ويجوزُ أنْ يكونَ تأييدًا؛ لاحتمالِ أنَّهُ منَ الإلحاقِ، ويكونُ يلحقُ في قوله: «شيءٌ يلحقُ» مبنيًا للمفعولِ، وقولُ المحكمِ يدلُّ على الاحتمالينِ.
قولهُ: (ويحتملُ أنَّهُ مِنَ الزيادةِ) (٣) عطفٌ على «قال الجوهريُّ»، أي: قال الجوهريُّ: معناه كذا، ويحتملُ عِندي غير ما قالَ الجوهريُّ، وأنَّ معناهُ الزيادةُ لقولِ صاحبِ "المحكمِ" كذا، ولا تتوهم أنَّه معطوفٌ على «يحتملُ أنَّه من الإلحاقِ» فتقعُ في الخبطِ.
قولهُ: (قال ابنُ عيينةَ) (٤) يَنبغي كشفُ المحكمِ ليتحققَ، هل هو ابنُ عيينةَ المحدِّثُ أو غيرُهُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٠.
[ ٢ / ١٦٣ ]
قولهُ في الشِّعر: (وبِزَّتَهُ) (١) قال في "الصحاحِ" (٢): «البزةُ - بالكسرِ - الهيئةُ»، وزادَ في "ديوان الأدبِ " (٣): «والبزةُ الخِلْعةُ»، والظاهرُ أنَّ المرادَ بهذا أليقُ، فيكون من عطفِ الخاصِ على العامِ، وفي " القاموسِ " (٤): «البزّ: الثيابُ، أو متاعُ البيتِ منَ الثيابِ ونحوها» / ٢٨٩أ /، فيكون من عطفِ العامِ على الخاصِ وهو أليقُ، والله أعلم.
قولهُ: (من وسطِ السطرِ) (٥) لو قالَ: منْ أثناءِ، كانَ أحسنَ.
قولهُ: (وربما التقيا) (٦) فقد يُقالُ: إنَّهُ لا حاجةَ إلى هذا التقييدِ، فإنَّ أحدَ وجوهِ الضربِ أنْ يجعلَ أولَهُ نصفَ دائرةٍ، وآخرَهُ كذلك، وهو شبيهٌ بالتخريجِ، وقد يقالُ: إنَّه أرادَ التنبيهَ على الوجهينِ، أو إنَّ الالتقاءَ أبعدُ من صورةِ التخريجِ، فالالتباسُ فيه أشدُّ. أو إنَّ نصفَ الدائرةِ تكونُ محيطة بالكلمةِ من أعلاها وأسفلِها، بخلافِ التخريجِ فإنَّه شبيهٌ بالانعطافِ في الضربِ الذي أشارَ إليه المصنفُ.
قولهُ: (ضَرْبٌ على ما بينهما) (٧) يدفعُ هذا الظنَّ كتابةَ السَّقطِ، ولا يقالُ: يحتملُ أنْ يظنَّ أنَّ ما على الحاشيةِ بدل ما في الأصلِ؛ لأنَّ ذلك الظنَّ تدفعُهُ الكتابةُ منَ الجانبينِ، والله أعلم.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٢.
(٢) الصحاح مادة (بزز).
(٣) ديوان الأدب ٣/ ٣٦.
(٤) القاموس المحيط مادة (بزز).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٣.
[ ٢ / ١٦٤ ]
قولهُ: (من أعلى) (١)، أي: يبتدئ أولَ سَطرٍ من الساقطِ من طرفِ الورقةِ في الصفحةِ اليمنى، وهو أبعدُ حاشيتها عن الأسطرِ التي في الأصلِ، ويصفُّ كلماتِ السطرِ؛ لينتهي في آخر الورقةِ من جهةِ الحاشيةِ الممتدةِ مع طولِ أولِ سطرٍ في الصفحةِ، ثم يكتبُ السطرَ الثاني - إنْ كانَ - تحتَ الأولِ، وهكذا حتى يكونَ ظهرَ آخر سطرٍ من الساقطِ على أوائلِ سطورِ تلكَ الصفحةِ، ولهُ أنْ يجعلَ السَّطرَ الثاني بعرضِ الحاشية الممتدة معَ أولِ سطرٍ، إنْ كانتْ خاليةً، وهكذا حتى ينتهي /٢٨٩ب/، ويوفرَ ما تحتَ بقيةِ السطرِ الأعلى منَ الحاشيةِ لسقطٍ آخرَ.
قولهُ: (إلى جهةِ باطنِ الورقةِ) (٢)، أي: فيكونُ آخرُ سطرٍ فيها أقربَها إلى أوائلِ الأسطرِ التي في أصلِها.
قولهُ: (بتخريجٍ) (٣)، أي: غيرِ متصلٍ بالساقطِ، أو بتخريجٍ مع اتصال، هذا إنْ كانتِ الحاشيةُ الممتدةُ مع أولِ سطرٍ في الصفحةِ مشغولةً، وإنْ كانتْ خاليةً كتبَ فيها، وهو حسنٌ جدًا.
قولهُ: (فحسن) (٤)، أي: فإنَّ ذلك قد حسن.
قولهُ: (إلى جهةِ التخريجِ) (٥) صوابُهُ: إلى جهةِ المخرجِ لهُ، وأمَّا التخريجُ فهو فعلُ كاتبِ التخريجةِ، وهي الخطُّ المشيرُ إلى الساقطِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ثم يعطفُه بينَ السطرينِ عطفةً يسيرةً إلى جهةِ الحاشيةِ التي يكتُبُ فيها اللحقَ، ويبدأُ في الحاشيةِ بكتبِهِ اللحقَ مُقابلًا للخطِّ المنعطفِ» (٦) وهي عبارةٌ حسنةٌ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٤.
(٤) التبصرة والتذكرة (٥٨٥).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٢.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٣ - ٣٠٤.
[ ٢ / ١٦٥ ]
قولهُ: (حرفٌ واحدٌ) (١)، أي: كلمةٌ واحدةٌ (٢).
قولهُ: (مما يتصلُ به الدفترُ) (٣)، أي: الكتاب، قال في " القاموسِ " (٤): «الدفترُ، وقد تُكسرُ الدال: جماعةُ الصحفِ المضمومةِ».
قولهُ: (فربَّ (٥) كلمةٍ) (٦) إلى آخرهِ، قال شيخُنا: «وكذلك القولُ في «صح»، ربما انتظمَ الكلامُ بعدَها بها فيظنُّ أنّها منَ الكتابِ، والأحسنُ الرمزُ بشيءٍ لا يُقرأُ».
قلتُ: كأنْ يكتبَ صاد «صح» مطموسًا، ولا يجعلُ لحائها تعريفةً على هذه الصورةِ «صحـ».
قولهُ: (كالضبةِ) (٧) هذا غيرُ مرضيٍّ؛ لإشكالِهِ بالتضبيبِ الذي للتمريضِ، كما يأتي في الذي بعدَهُ.
قولهُ: (وأدلُّ) (٨) قال / ٢٩٠أ / ابنُ الصلاحِ عقبه: «وفي نفسِ هذا المخرجِ ما يمنعُ الإلباسَ، ثم هذا التخريجُ يخالفُ التخريجَ لما هو مِنْ نفسِ الأصلِ في أنَّ خطَّ ذلك التخريجِ يقعُ بينَ الكلمتينِ اللتينِ بينَهما سقطَ السَّاقطُ، وخطُّ هذا التَّخريج يقعُ على نفسِ الكلمةِ التي من أجلِها خُرِّجَ المُخَرَّجُ في الحاشيةِ» (٩).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٥.
(٢) عبارة: «قوله: (حرف واحد)، أي: كلمة واحدة» تكررت في (ف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٥.
(٤) القاموس المحيط مادة (دفتر).
(٥) في (ف): «فردت» خطأ.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٥.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٦.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥.
[ ٢ / ١٦٦ ]
قولهُ: (التصحيحُ) (١) إلى آخرِهِ، قال ابنُ الصلاحِ: «منْ شأنِ الحُذَّاقِ المُتقنينَ العنايةُ بالتصحيحِ والتضبيبِ» (٢). انتهى.
ولعلَّهم خصوا هذه الصورةَ بالكتابةِ على المضبَّبِ؛ لأنَّه ربما يتجهُ المعنى فيُلحقُ بها «حاء» فتصيرُ علامةَ التصحيحِ هكذا «صح».
قولهُ: (الإفْلِيلي) هو أبو القاسمِ إبراهيمُ بنُ محمد بن زكريا القرشيُّ الزهريُّ من أهلِ قُرطبةَ، قال ابنُ خلكان: «كانَ من أئمَّةِ النحوِ واللغةِ، وله معرفةٌ تامةٌ بالكلامِ على معاني الشِّعرِ، ورَوَى عن أبي بكرٍ الزبيديِّ، وكانَ مُتصدرًا بالأندلسِ لإقراء الأدبِ، وُلِدَ في شوال سنة اثنتينِ وخمسينَ وثلاثمئةٍ، وماتَ آخر يوم السبتِ ثالثَ عشرَ ذي القعدةِ سنةَ إحدى وأربعينَ وأربعمئةٍ، ودُفِنَ يومَ الأحدِ بعدَ العصرِ في صحنِ مسجد خرب عندَ بابِ عامرٍ بقرطبةَ، والإفْلِيليُّ: بكسرِ الهمزةِ، وسكونِ الفاءِ، وكسر اللامِ، وسكونِ التحتيةِ، ثم لام ثانية، نسبةً إلى قرية بالشام كان أصله منها» (٣).
قولهُ: (منْ أهلِ المغربِ) (٤) قال شيخُنا: «يمكنُ الجمعُ، وهو أنَّ قائلَ ذلك مِنْ / ٢٩٠ب / أهلِ الأدب من أهلِ المغربِ».
قولهُ: (هذا بعيدٌ) (٥) ليس ببعيدٍ؛ لأنَّه قد تقدمَ عندَ تشبيهِ الكتابةِ مع عدمِ المقابلةِ بدخول الخلاءِ مع عدمِ الاستنجاءِ أنَّ المقصودَ منَ التشبيهِ إنمَّا هوَ المعنى
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦.
(٣) وفيات الأعيان ١/ ٥١، وشذرات الذهب ٣/ ٢٦٦، وضبط القرية ياقوت في "معجم البلدان": «أفليلاء - بفتح الهمزة -»، وكذا في " مراصد الاطلاع " ١/ ١٠٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٧.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الذي شبَّهَ من أجلِهِ لا المشابهةَ للمشبهِ به في جميعِ عوارِضِهِ، ووضحَ ذَلِكَ بتشبيهِ الوحي بصلصلةِ الجرسِ، والله أعلم.
قولهُ: (جُعلت للجبر) (١) مسلّمٌ، لكنْ جَعْلُها لهُ لا يمنعُ دِلالتَها على الخللِ الذي تحتَها، وهو المرادُ منَ الاستعارةِ هنا، فهما متساويانِ في أنَّ كلًا منهما جُعلَ على خللٍ في المضببِ، وأنَّ كلا ذو خَللٍ، وصحةُ الكلمةِ من جهةِ صحةِ ورودها وفسادِ مَعناها، والإناءُ من جهةِ خَللِهِ الذي كانَ وصحته الآنَ.
قولهُ: (ولم يتَّجِهْ وجْهُها) (٢) قال الشيخُ في " النكتِ ": «فهي بضبةِ البابِ أشبه، كما تقدمَ نقلُ المصنفِ له عن أبي القاسمِ بن الإفليليِّ» (٣).
قولهُ: (بعضُ المتجاسرينَ) (٤) لعلهُ يُشيرُ إلى ما ذكرَ القاضي عياضٌ منْ أنَّ شيخَهُ هشامَ بنَ أحمدَ الوقشيَّ كانَ منْ أكابرِ العلماءِ وأهلِ اللغةِ، فكانَ إذا مَرَّ بهِ شيءٌ لم يتجهْ لهُ وجههُ أصلحهُ بما يظنُّهُ وجهًا، اعتمادًا على وثوقهِ بعلمهِ في العربيةِ واللغةِ وغيرها، ثمَّ يظهرُ أنَّ الصوابَ ما كانَ في الكتابِ، ويتبيَّنُ وجههُ،
وأنَّ ما غيَّرهُ إليهِ خطأٌ، وقدْ أشارَ ابنُ الصلاحِ / ٢٩١أ / إلى ذَلِكَ في " إصلاحِ الخطأ ".
قولهُ: (ابنُ الصلاحِ أيضًا) (٥) عبارتهُ: «كُتبتْ - أي: الضبَّةُ - كذلكَ، ليُفرَّقَ بينَ ما صَحَّ مُطلقًا منْ جهةِ الرِّوايةِ وغيرها، وبينَ ما صحَّ منْ جهةِ الروايةِ دونَ غيرها، فلم يُكمَّلْ عليهِ التصحيحُ، وكُتبَ حَرفٌ ناقصٌ [على حرفٍ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٧.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢١٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٨.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ناقصٍ] (١)، إشعارًا بنقصهِ ومرضهِ معَ صحةِ نقلهِ وروايتهِ وتنبيهًا بذلكَ لمن ينظرُ في كتابهِ على أنَّهُ قدْ وقفَ عليهِ ونقلهُ على (٢) ما هوَ عليهِ، ولعلَّ غيرهُ قدْ يُخرِّجُ لهُ وَجهًا صَحيحًا، أو يظهرُ لهُ بعدَ ذَلِكَ في صحتهِ ما لم يظهرْ لهُ الآنَ، ولو غيَّرَ ذَلِكَ وأصلحهُ على ما عندهُ لكانَ متعرِّضًا لما وقعَ فيهِ غيرُ واحدٍ من المتجاسرينَ الذينَ غيَّروا، وظهرَ الصوابُ فيما أنكروه (٣) والفسادُ فيما أصلحوه (٤») (٥).
قولهُ: (على (٦) الوجهِ) (٧) عبارة ابنِ الصلاحِ: «على ذَلِكَ الوجهِ» (٨).
قولهُ: (منْ جهةِ المعنى) (٩) إلى آخرهِ، الذي منْ جِهةِ المعنى ولفظهُ وخَطهُ صحيحٌ واضحٌ، والذي منْ جهةِ اللفظِ فقط فكما لو قيل: إنَّ الشيءَ الفلانيَّ لَم غفلَ عنهُ، بالماضي بعدَ «لم» الجازمةِ، وهذا ما لم يصحَّ في العربيةِ، أو مثل «الأجْلَلِ» في «الأجَلِّ» وهو مثالٌ شاذٌ (١٠).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٢) عبارة: «ونقله على» لم ترد في (ف).
(٣) في (أ) و(ب): «أنكروا».
(٤) في (أ) و(ب): «أصلحوا».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦.
(٦) في (ف): «وعلى».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٨.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٨.
(١٠) في (ف): «الشاذ».
[ ٢ / ١٦٩ ]
قولهُ: (لئلاَّ يُظَنَّ ضربًا) (١) إنْ قيلَ: أهل الاصطلاحِ يميزونَ بينَ الضبَّةِ والضربِ؛ لأنَّهُ ليسَ في أقسامهِ ما يشبهُ الضبَّةَ، وغيرُهم يظنُّ، سواءً اتصلَ الصادُ بالكلمةِ، أو انفصلَ، قيلَ: أمَّا منْ لا يعرفُ فلا شكَّ أنَّ ظنَّهُ عندَ / ٢٩١ب / الاتصالِ يكونُ أقوى، وأمَّا العارفُ فيظنُّ أنَّ هذا ضربٌ، وأنَّهُ ممن لا يعرفُ، فلا يرفعُ عنهُ اللبسُ جَعْلُ رأسهِ كالصادِ؛ لأنَّهُ لا يتوقَّى مثلَ هذا إلاَّ العارفُ بالمصطلحِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ:
٥٩٥ - وَمَا يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ كَشْطًا َوَمَحْوًا وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ
٥٩٦ - وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطًّا أَوْ لاَ مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى
٥٩٧ - أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا
٥٩٨ - سَطْرًا إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ
٥٩٩ - فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا
٦٠٠ - أَوِ (٢) اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ أَوْ يُوْصَفُ اوْ (٣) نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ
الكَشْطُ: القَشْطُ، قالَ الصغانيُّ في "مجمعِ البحرينِ": «كشطتُ الجُلَّ عنْ ظهرِ الفرسِ، والغطاءَ عنِ الشيءِ: إذا كشفتهُ عنهُ، والقشطُ لغةٌ فيهِ، وفي قراءةِ عبد اللهِ: ﴿وإِذَا السَّمَاءُ قشِطَتْ﴾ (٤)، قالَ الزجاجُ: قشطتْ وكشطتْ معناهما جميعًا: قلعتْ، وكشطتُ البعيرَ كشطًا: نزعتُ جلدهُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٨.
(٢) كسرت الواو؛ لالتقاء الساكنين.
(٣) بوصل همزة (أو)؛ لضرورة الوزن.
(٤) الآية من سورة التكوير: ١١، وانظر في قراءة عبد الله: تفسير القرطبي ٨/ ٧٠٢٦.
[ ٢ / ١٧٠ ]
والمحوُ: إزالةُ المكتوبِ منْ غيرِ أخذِ شيءٍ منْ ظاهرِ المكتوبِ فيهِ.
قولهُ: (كشطًا ومحوًا) (١) الأحسنُ نصبُها على الحالِ، أي: ذا كشطٍ وذا محوٍ.
قولهُ: (خطًا) (٢)، أي: وصلُ الضربِ بالحروفِ حالَ كونهِ خطًا.
قولهُ: (أوْ لا) (٣) فيهِ ما تقدمَ منْ قطعهِ وتمامِ ضربِ السطرِ بعدهُ، ولو قالَ: أو فلا، لتمَّ، أي: صِل خَطَّ الضربِ بحروفِ الكلماتِ المضروبِ عليها، أو لا، فلا تصلهُ بها بلْ ارفعهُ عنها لكنَّ الإتيانَ بالفاءِ ليسَ لهُ فائدة إلا تمام النظمِ.
وتقدير الكلام: أو إنْ كُنتَ لا تريدُ وصلَه فلا تَصلْه.
قولهُ: (سطرًا سطرًا) (٤) حالٌ منَ المفعولِ المحذوفِ، أي: عَلِّم الزائدَ مرتبًا هذا الترتيبَ.
قولهُ: (بالكشطِ وهو الحكُّ) (٥) قالَ في "القاموسِ" (٦): «الحكُّ: إمرارُ جرمٍ على جرمٍ صَكًا» / ٢٩٢ أ /. انتهى.
وهو لا يلزمُ منه أَخذُ شيءٍ منَ الورَقِ، فتفسيرُ الكشطِ بهِ فيهِ نظرٌ؛ لأنَّ الكشطَ هوَ السلخُ، وهو أنْ يقلعَ الكتابةَ معَ ما تشرَّبها منَ المكتوبِ عليهِ، ولا يفرقُ ما تحتهُ منْ أجزاءِ الورقِ، ويرخيها، وينفشها، بل يبقى بحيثُ يكتبُ عليهِ، ولا يظهرُ فيهِ فسادٌ، هذا إذا كانَ الورقُ جيدًا، والسكينُ حادةً، والحكُّ ربَّما فرَّقَ الأجزاءَ وأرخاها ونفشها، فمنعَ منَ الكتابةِ على موضعهِ وإنْ كتبَ نفذَ وكانَ منظرهُ بشعًا، فكأنَّهم
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٥٩٥).
(٢) التبصرة والتذكرة (٥٩٦).
(٣) التبصرة والتذكرة (٥٩٦).
(٤) التبصرة والتذكرة (٥٩٧) و(٥٩٨).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٩.
(٦) القاموس المحيط مادة (حكك).
[ ٢ / ١٧١ ]
إنمَّا قالوا ذلكَ إشارةً إلى الرفقِ بالورقِ، إنْ أمكنَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القصدَ يحصلُ بإزالةِ الكتابةِ فقطْ.
قولهُ: (عنْ سُحْنُونَ) (١) هوَ بضمِّ السينِ وحُكيَ فتحُها (٢)، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ في آخرِ الكلامِ في هذا: «وأمّا المحوُ فيقاربُ الكشطَ في حكمهِ الذي تقدَّمَ
ذِكرُهُ، وتتنوعُ طرُقُهُ، ومنْ أغربِها - معَ أنَّهُ أسلمُها - ما رُويَ عن سُحنون بن سعيدٍ التنُوخيِّ الإمامِ المالكيِّ: أنَّهُ كانَ ربما كتبَ الشيءَ ثمَّ لعقَهُ (٣)، وإلى هذا يومىءُ ما رُوِّينا عن إبراهيمَ النَّخعيِّ (٤) أنَّهُ كانَ يقولُ: منَ المروءةِ أنْ يُرى في ثوبِ الرجلِ وشفتيهِ مدادٌ» (٥).
قوله: (وَرُوِّينا) (٦) مضبوطٌ في نسخٍ عديدةٍ بضمِ الراءِ وتشديدِ الواوِ مكسورةً، وهذا اصطلاحٌ لابنِ الصلاحِ سلكهُ؛ لشدةِ التَّحري، وهو أنَّهُ إذا حدَّثَ بما حملهُ، قالَ: «رَويْنَا» بالفتحِ والتخفيفِ، أي: نقلنا / ٢٩٢ ب / لغيرنا، وإلا قالَ بالضمِّ، أي: نقل لنا شيوخُنا.
قولهُ: (وقدْ أُنبئتُ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وأخبرني منْ أُخبرَ عنِ القاضي عياضٍ» (٨)، فعبارتهُ دالةٌ على أنَّ بينهُ وبينَ عياضٍ اثنينِ، وعبارةُ الشيخِ عنها تدلُّ على ثلاثةٍ فهما غيرُ متساويتينِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٩.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ١٨٢.
(٣) الإلماع: ١٧٣.
(٤) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٨٢، نسبته إلى النَّخع - بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي قبيلة كبيرة من مَذْحِج باليمن. انظر: وفيات الأعيان ١/ ٢١.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٨٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٠.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٧.
[ ٢ / ١٧٢ ]
قولهُ: (يخطُّ منْ فوقهِ) (١)، أي: بحيثُ يشقُّ الكلماتِ نصفينِ بدليلِ قولهِ: «ويقرأُ منْ تحتهِ» كما سيأتي.
قولهُ: (سفيانُ بنُ العاصِ) (٢) قالَ: هذا الاسمُ تارةً يكونُ منْ عصى يعصي، وتارةً منْ عصا يعصو، وبنو أميَّةَ أسماؤهم منَ الثاني وكتابتهُ بغيرِ ياءٍ.
قلت: أمّا عَصَى يَعصي فمن العصيانِ الذي هوَ خلافُ الطاعةِ، وأمّا عصا يعصو فمن معانٍ شتى.
قالَ في "القاموسِ" (٣) ما حاصلهُ: «عصيَ بالعصا كَرَضِيَ: أخذها، وبسيفهِ أخَذَهُ أخْذَها، أو ضَرَبَ بهِ ضَرْبَهُ بها كعصا كدعا، أو عصوتُ بالسيفِ، وعصيتُ بالعصا، أو عكسهُ، وكلاهما (٤) في كليهما، وعصاني فعَصوْتهُ: ضاربني بها فغلبتهُ، وعَصوتُ الجُرحَ: شددتهُ، والقومَ جمعتُهم على خيرٍ أو شرٍّ»، ولا يظهرُ عندي فرقٌ في الكتابةِ، فإنَّ الواويَّ واوهُ متطرفةٌ قبلها كسرةٌ، فيجبُ أن تُقلبَ ياءً، وإذا صارتْ ياءً جازَ فيها ما جَازَ في الذي منَ العصيانِ منَ الحذفِ، إلاَّ أنْ يُقالَ: إنَّ التي أصلُها الواو أولى بالحذفِ؛ لعدمِ أصالتها.
قولهُ: (حتى لا يُبْشَرَ) (٥) البَشرُ القشْرُ، وهو أخذُ وجهِ / ٢٩٣ أ / البشرةِ وهو حقيقةُ الكشْطِ، وما فسّروهُ بالحكِّ إلاَّ حثًا على الرفقِ بالورقِ كما مضى، وقدْ مضى بيانُ أنَّهُ يكونُ في الغالبِ أجود منَ الحكِّ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٠.
(٣) القاموس المحيط مادة (عصا).
(٤) في (ف): «أو كلاهما».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٠.
[ ٢ / ١٧٣ ]
قولهُ: (لكنْ يكونُ الخطُّ مختلطًا) (١) هذا الاستدراكُ غيرُ جيِّدٍ؛ لأنَّهُ يفهم أنَّه زائدٌ على ما قالَ الرامهرمزيُّ، وليسَ كذلكَ كما مضى، ويأتي، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ تُفهمُ أنَّ كلامَ القاضي موافقٌ لكلامِ الرامهُرمزيِّ، فإنَّهُ بعدَ أنْ حَكى عبارةَ الرامهرمزيِّ، قالَ: «وَرُوِّيْنا عنِ القاضي عياضٍ ما معناهُ: أنَّ اختياراتِ الضابطينَ اختلفتْ في الضربِ، فأكثرُهم على مَدِّ الخطِّ على المضروبِ عليهِ مختلطًا بالكلماتِ المضروبِ عليها، ويُسمى ذَلِكَ «الشَّق» أيضًا، ومنهم منْ لا يخلطُهُ» (٢) فلمْ يَسُقْهُ على وجهِ الاستدراكِ، فإنْ كانتْ عبارةُ القاضي في "الإلماعِ" خاليةً عنهُ فهوَ وجهٌ آخرُ في مؤاخذةِ الشيخِ، وإنْ كانتْ مستدركةً فحذفهُ لها يكادُ أنْ يكونَ مصرِّحًا بأنَّهُ يرى أنَّهُ لا اختلافَ بينَ قولهِ، وقولِ ابنِ خَلاَّدٍ.
قولهُ: (وهو الذي يُسمَّى: الضَّربَ والشَّقَّ) (٣) قالَ المصنفُ في "نكتهِ" على ابنِ الصلاحِ: «الشَقُّ: بفتحِ الشينِ المعجمةِ، وتشديدِ القافِ، وهذا الاصطلاحُ لا يعرفهُ أهلُ المشرقِ (٤)، ولم يذكرهُ الخطيبُ في "الجامعِ"، ولا في "الكفايةِ"، وهو اصطلاحٌ لأهلِ المغربِ، وذكرهُ القاضي عياضٌ في "الإلماعِ" (٥) ومنهُ أخذهُ المصنفُ، وكأنَّهُ مأخوذٌ منَ الشقِّ وهو الصدعُ (٦)، أو منْ شقِّ / ٢٩٣ب / العصا، وهو التفريقُ فكأنَّهُ فرَّقَ بينَ الكلمةِ الزائدةِ، وبينَ ما قبلها وبعدها منَ الصحيحِ الثابتِ بالضربِ عليها، والله أعلمُ». (٧) انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٨ - ٣٠٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
(٤) في (ف): «الشرق».
(٥) الإلماع: ١٧٠ - ١٧١.
(٦) في (ف): «الصداع».
(٧) التقييد والإيضاح: ٢١٦.
[ ٢ / ١٧٤ ]
قلتُ: أو يكونُ كأنَّهُ فَصلَ كلَّ حرفٍ وقعَ عليهِ الضربُ فشقَّهُ باثنينِ، وإنمَّا لَم يعرِّجِ المصنفُ على هذا؛ لأنَّهُ فهمَ منْ قولِ ابنِ خلادٍ: «يخطُّ منْ فوقهِ» أنّ الضربَ يكونُ على رأسِ الحروفِ لا على وسطها بدليلِ قولهِ في القولِ الثاني: «أنْ لا يخلطَ الضرب بأوائلِ الكلماتِ»، وظاهرُ كلامهِ إنمَّا هوَ الثاني، وإلاَّ لم يكنْ لقولهِ: «ويقرأ منْ تحتهِ» كبيرُ فائدةٍ.
قالَ المصنفُ: «ويوجدُ في بعضِ نسخِ "علومِ الحديثِ": النشقُ، بزيادةِ نونٍ مفتوحةٍ في أولهِ، وسكونِ الشينِ، فإنْ لمْ يكنْ تَصحيفًا وتغييرًا منَ النساخِ، فكأنَّهُ مأخوذٌ منْ: نشقَ الظبيُّ في حبالته إذا علقَ فيها، فكأنَّهُ إبطالٌ لحركةِ الكلمةِ وإهمالها بجعلِها في صورةِ وثاقٍ يمنعها منَ التصرفِ، واللهُ أعلمُ» (١).
قولهُ: (يعطفُ طرفي الخطِّ) (٢)، أي: حتى يكونَ كالباءِ المقلوبةِ.
قولهُ: (ومثلُ هذا يصلحُ فيما صحَّ) (٣) إلى آخرهِ، كذا فعلَ اليونينيُّ في نسختهِ منَ البخاريِّ، فإنَّهُ يكتبُ على أولِ بعضِ الجملِ «لا» وعلى آخرِها «إلى»، ويكتبُ عليها فيما بينَ ذَلِكَ رمزَ (٤) بعضِ الرُّواةِ، فيفهمُ أنَّ هذا الكلامَ ساقطٌ في روايةِ صاحبِ الرمزِ، ثابتٌ في روايةِ منْ سواهُ.
قولهُ: (قالَ: وقد يكتفي) (٥) إلى آخرهِ / ٢٩٤ أ /، أي: بأنْ تُمدَّ العلامةُ إلى آخر ما اختصَّ صاحبُ العلامةِ بروايتِهِ.
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٢١٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
(٤) في (ف): «من».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
[ ٢ / ١٧٥ ]
قولهُ: (وآخرهُ منصوبٌ) (١)، أي: آخرُ حروفِ كلمةِ «كُتبَ» وهوَ الباءُ، ولو قالَ: وهو مصدرٌ منصوبٌ على نزعِ الخافضِ كانَ أحسنَ، وكذا القولُ في قولهِ: «والفاءُ منهُ منصوبةٌ» على أنَّ الأحسنَ في «كُتب» الجرُّ عطفًا على «بضرب»، أي: وإبعادُهُ بضربٍ أجودُ أو بكتبِ «لا» و«إلى»؛ لأنَّ النصبَ بنزعِ الخافضِ مذهبٌ كوفيٌ (٢).
قولهُ: (والقولُ الرابعُ) (٣) عبارةُ القاضي عياضٍ عنهُ: «ومنهم منْ يستقبحُ هذا (أي: الضربَ بقسميهِ -، ويراهُ تسويدًا وتطليسًا [في الكتاب] (٤) بل يحوِّق على أولِ الكلامِ المضروبِ عليهِ بنصفِ دائرةٍ، وكذلكَ في آخرهِ» (٥).
قولهُ: (والفاءُ منهُ منصوبةٌ) (٦) تقدمَ أنَّهُ لو قالَ: وهو منصوبٌ، كانَ أولى، و«المضافُ إليهِ» «لا»، أي: أو بأنْ يكتبَ «لا»، أو نصف دارةٍ.
قولهُ: (ويسمِّيها صفرًا) (٧) فينبغي كتابةُ الصفرينِ فوقَ أولِ الزائدِ وآخرهِ، ككتابةِ «لا» و«إلى»، فإنَّ في كتابتهِ إلباسًا بإرادةِ الفصلِ بينَ رؤوسِ المسائلِ، ويقوَى الإلباسُ بجعلهِ بينَ الكلماتِ معَ اختلاطهِ ببعضِ الأحرفِ غالبًا، بخلافِ نصفِ الدائرةِ، فإنَّ الخطَّ لا يعسر غالبًا إدخالهُ بينَ الحروفِ ثمَّ يقوسُ فوقها.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩١.
(٢) انظر: شرح قطر الندى: ١٩٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٢.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من " الإلماع ".
(٥) الإلماع: ١٧١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٢.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قولهُ: (إنَّهُ رُبَّما اكتفى) (١) هوَ بيانٌ للضميرِ البارز في قولهِ: «حكاهُ» (٢).
قولهُ: (وقدْ أطلقَ ابنُ خلاّدٍ) (٣) هذا تكريرٌ، كانَ يغني عنهُ أنْ يقولَ: ولم يراعِ ابنُ خلاّدٍ أيضًا المضافَ ونحوَهُ، وأنْ يقولَ: وقالَ القاضي / ٢٩٤ ب / بالواوِ؛ فإنَّ حذفَها غيرُ جيّدٍ.
قولهُ: (ويضرب بعدُ) (٤) معطوفٌ على «أنْ لا يفصلَ» (٥) أي: فينبغي أنْ لا يفصلَ بينَ المتلائمين في الخطِّ، وأنْ لا يضربَ بعدَ الانتقالِ عنِ الكلمةِ الأولى على الكلمةِ الثانيةِ، وهي المتكررةُ، بل يضربُ على الأولى إنْ كانتْ هي المتكررةُ، وكذا على الثانيةِ لئلا يفرقَ بينَ المتضايفين المتواصفينِ، سواءٌ كانتِ الكلمةُ المكررةُ أولَ السطرِ أو آخرهُ.
قولهُ في قولهِ: (العملُ في اختلافِ الرواياتِ) (٦): (وَلْيَبْنِ) (٧)، أي: يجعلُ كما عَبّرَ بِهِ ابنُ الصلاحِ شبّهَ كتابةَ سطورهِ، وجمعَ حروفهِ بالبناءِ.
قولهُ: (أولًا) (٨) ظرفٌ منصوبٌ (٩)، أي: في أوّلِ كتابتهِ للكتابِ، أو أوّلِ مقابلتهِ لهُ على الأصلِ المعتمدِ، ولا يجعلهُ ملفقًا منْ روايتين فأكثر؛ فإنَّ ذَلِكَ يكون
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٣.
(٧) التبصرة والتذكرة (٦٠١).
(٨) التبصرة والتذكرة (٦٠١).
(٩) «منصوب» من (ف) فقط.
[ ٢ / ١٧٧ ]
مُلبسًا، وقد تقدّمَ غير بعيدٍ أنَّ مثل هَذَا الظرفِ إِذَا قُطِعَ عَن الإضافة ولم يُنو معناها فِيهِ يكونُ معربًا، فإنْ لَمْ يُنوَ معناها (١) ولا لفظها كَانَ الظرفُ نكرةً منونةً.
قولهُ: (بكتبِ راوٍ) (٢)، أي: ليُحسن العناية بغير الرواية التي بنى عَلَيْهَا كتابَهُ، وإحسانهُ للعناية يكونُ بكتب مَا خالف رِوَايَة الأصلِ عَلَى الهامشِ، معَ كتبِ راوي ذَلِكَ عَلِيهِ حالَ كونهِ سمي فِي الكتابةِ باسمهِ صريحًا.
قولهُ: (أَوْ رَمزًا) (٣) عطفٌ عَلَى محل «راوٍ» أَو على صفةِ المصدرِ المعلوم مِنْ سمي، أي: تسميةً صريحةً، أَوْ رمزًا، أي: ذاتَ رمزٍ إلى الرَّاوي بكتابة حرف من اسمه أَوْ أكثر يفعلُ هكذا (٤) أَوْ يكتبها فِي الأصل بحمرةٍ معَ كتابةِ اسمِ / ٢٩٥أ / راويها فوقَها صريحًا أَوْ رمزًا، هَذَا إنْ كَانَت الرواية التي بنى عَلَيْهَا الكتابَ ناقصةً، وأمّا إنْ كانتْ هِيَ الزائدةُ، فإنَّهُ يجعل عَلَى أول الزيادةِ دارةً وعلى آخرها دارةً، ويكتب فيها بَيْن الدارتينِ اسمَ الراوي الذي بُني الأصلُ عَلَى روايته.
والدارةُ هِيَ المرادُ بـ «حوَّق»، وَهُوَ فعلٌ ماضٍ بمعنى حلَّقَ، أي: جعلَ حلقةً منْ قولهم: «حَوَّقَ عَليهِ تحويقًا» عرّجَ (٥) عَليهِ الكَلامَ، ومنْ حاقَ بِهِ أَوْ أحاقَ، أي: أحاطَ.
قولهُ: (ويقعُ الاختلافُ) (٦) المرادُ حصولُ الوقوعِ، لا يفيدُ استقبالًا ولا غيرَهُ، فإنَّ المضارعَ قَدْ يرادُ بِهِ ذَلِكَ كما ذكرهُ أبو حَيّان فِي تَفسيرِ (٧) سورة الحجِ
_________________
(١) عبارة: «فإن لم ينو معناها» لم ترد في (ف).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٠٢).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٠٢).
(٤) في (ف): «هذا».
(٥) في (ف): «عوج».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٧) البحر المحيط ٦/ ٣٦٢.
[ ٢ / ١٧٨ ]
عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ (١).
قولهُ: (وإنْ كَانَ الاختلافُ بالنقصِ) (٢)، أي: بأنْ كانتِ الزيادةُ فِي روايةِ الأصلِ أعلمَ عَلَى تلكَ الزيادةِ التي فِي أصلهِ، أمَّا بأنْ يكتبَ أول اسمِ راويها
صريحًا، أَوْ رمزًا عَلَى أولها، ويمدَّهُ حَتَّى يكونَ آخرُهُ عَلَى آخرِها، أَوْ بأن يحوِّق عَلَى أولها وآخرها، وَيكتُبَ اسم الراوي بَيْن الدّارتينِ، أَوْ بغيرِ ذَلِكَ.
وكانَ ينبغي أنْ يَقُولَ: وإنْ كانتْ نقصًا أعلمَ، أي: ذاتَ نقصٍ كما قَالَ «زيادةً»، ولو قَالَ: وإنْ كانتْ ناقصةً لكانَ أحسنَ منْ جهةِ الوضوحِ والاختصارِ، وإنْ كانتْ عبارتُهُ وافيةً بالمعنى؛ لأنَّ الاختلافَ بالنقصِ يشملُ مَا إِذَا كانتْ روايةُ الأصلِ ناقصةً، وقد تقدمَ فِي قولهِ: «إن / ٢٩٥ ب / كانتْ زيادةً» (٣) فتعيّنَ مَا إِذَا كانتْ زائدةً.
قولهُ: (وما نقص مِنْهَا) (٤)، أي: منَ الروايةِ الَّتِيْ يقابلُ كتابه عَلَيْهَا عنِ الروايةِ التي بنى كتابهُ عَلَيْهَا: «حوّقَ عَليهِ»، أي: حلَّقَ وأَحاطَ بحلقةٍ ودائرةٍ «عَليهِ»، أي: فوقهُ.
قولهُ: (فَقَدْ حكاهُ) (٥)، أي: كتابةَ الزائدِ بالحمرةِ كأبي ذَرٍّ الهرويِّ قَالَ ابنُ الصَلاحِ: «مَن المشارقةِ والقابسيُّ (٦)، قَالَ: منَ المغاربةِ» (٧).
_________________
(١) الحج: ٢٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٦) هو الإمام الحافظ الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري توفي سنة (٤٠٣ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٩ (٩٨٢).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١١.
[ ٢ / ١٧٩ ]
قولهُ: (وذِكرِهِ) (١) هُوَ بالكسرِ: الحفظُ للشيءِ، وبالضمِ وبكسرٍ (٢) أَيْضًا التذكر.
قولهُ: (الإشارةُ بالرمزِ) (٣) هُوَ بالفتحِ، قَالَ فِي " القاموس ": «ويضم ويحركُ: الإشارة والإيماءِ بالشفتينِ أَوْ العينينِ أَوْ الحاجبينِ أَوْ الفمِ أَوْ اليدِ أَوْ اللسانِ» انتهى.
وأصلهُ الاضطرابُ منَ الثقلِ منَ الراموزِ، وَهُوَ البحرُ، وهذهِ ناقةٌ ترمزُ، أي: لا تكادُ تمشي منْ ثقلها، وذلكَ؛ لأنّ الإنسانَ إِذَا أشارَ إلى الشيءِ بشيءٍ، لا يدلُ عَلِيهِ دلالةً واضحةً وجبَ (٤) للمطَّلع عَلَى تلكَ الإشارة ثقلًا أوجبَ لَهُ اضطرابًا فِي فهمِ المعنى، والله أعلم.
قولهُ: (جرت) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «غلبَ عَلَى كَتَبَةِ الحَدِيْث الاقتصارُ عَلَى الرَّمزِ فِي «حدثَنا» و«أخبرنا»، غيرَ أَنَّهُ شاعَ ذَلِكَ، وظهرَ حَتَّى لا يكادُ يلتبسُ» (٦).
قولهُ: (فقالوا: «نا») (٧) ضمّنَ القول معنى الفعلِ، أي: فكتبوا «نا»، وأمّا القولُ الحقيقيُّ الَّذِي هُوَ النطقُ فَقَدْ تقدمَ أنهَّم لا يختصرونَ فِيهِ شيئًا منَ
الحروفِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٤.
(٢) في (ف): «ويكسر».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٥.
(٤) في (ف): «أوجب».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٥.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٥.
[ ٢ / ١٨٠ ]
قولهُ: (قَالَ ابنُ الصلاحِ: وليسَ ذَلِكَ بحسن) (١)، أي: لأنَّهُ ربما أوهم الرّائي أنَّ الكلمةَ «أنبأنا» سقطَ مِنها لفظُ «نا» فزيادةُ / ٢٩٦ أ / الباء مضرّة. قَالَ بعضُ أصحابنا: «ورأيتُ فِي خطِ بعض المغاربةِ اختصارَ الباءِ والراءِ وكتابتها هكذا أخ نا».
قولهُ: (قلتُ) (٢) زيادتهُ إنَّما هِيَ في (٣) مسألةِ الرمزِ، وأمّا باقي المسألةِ فذكرهُ ابنُ الصلاحِ، لكنْ بعدَ هَذَا بأوراقٍ فِي النَّوعِ الثالِث عشرَ منَ التفريعاتِ.
قولهُ: (قيلَ لَهُ) (٤) ربَّما أوهمتْ أنَّ الضميرَ لابن الصلاحِ، فلو قال: قدْ حَذَفوا قيلَ لَهُ وانطقْ بذا كَانَ أحسن.
قلتُ: والذي يقتضيه الذوقُ والصناعةُ عدمُ ذكر «قيل لَهُ»؛ لأنَّ قولهُ:
«أخبركَ فلانٌ» منْ قولهِ: «قُرئ عَلَى فلانٍ، أخبركَ فلانٌ» هُوَ المقروء، وَهُوَ النائبُ عَن الفاعلِ، فكأنَّهُ قيلَ: قريءَ عَليهِ هَذَا اللفظ، فلو قَالَ: قيلَ لَهُ لكانَ إعادةً لمعنى «قرئَ عَلَى فلانٍ» ليس فِيهِ زيادةٌ ولا حاجةٌ إلى الإعادة.
أمّا قولهُ: «قُرئ عَلَى فلان» حَدَّثَنَا فلانٌ فَذِكرُ قَالَ فِيهِ، متّجهٌ؛ فإنَّهُ لا يقرأ عَليهِ: «حَدَّثَنَا فلان» بدونِ شيءٍ قبلها؛ لأنَّهُ يصيرُ الفعلُ مستندًا (٥) إلى ضمير القارئِ فينقلبُ المعنى، وإنمَّا يقولُ لَهُ: قلتم: حدَّثنا فلانٌ، أَوْ يقال لَهُ: حدَّثكم فلانٌ فيقولُ: نَعَمْ، فيصيرُ بمنْزلةِ مَا لَوْ قَالَ: حَدَّثَنَا فلانٌ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٠٦).
(٣) «في» من (ف) فقط.
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٠٧).
(٥) في (ف): «مسندًا».
[ ٢ / ١٨١ ]
قولهُ (فِي الخطِّ) (١)، أي: منْ غيرِ إشارةٍ إليها برمزٍ أَوْ حذفِها كاملةً، والإشارةُ إليها بالرمزِ.
قولهُ: (فهذا يذكرُ فِيهِ: قَالَ) (٢) تتمةُ كلامِ ابنِ الصلاحِ: «فيقال: قرئَ عَلَى فلانٍ، وقد جاءَ هَذَا مصرَّحًا بِهِ خطأً، هكذا فِي بعض مَا رُوِّيناهُ» (٣).
قولهُ: (وما أدري مَا وجهُ / ٢٦٩ ب / إنكارهِ) (٤) قَالَ شيخُنا: «بلى إنّ وجهَ إنكارهِ لمعروفٌ، وَهُوَ أنَّ «حدَّثَ» بمنْزلةِ، «قَالَ»، و«نا» بمنْزلةِ «لنا» وَهُوَ إِذَا نطقَ بـ «قالَ» لا يكررُها، إنما يَقُول: «قَالَ (٥) لنا فلانٌ: حدَّثنا فلانٌ» فليكن «حدثنا» كذلك يقول: «حدثنا فلان حدثنا فلان»، وكانَ شيخُنا ينصرُ هَذَا القولَ ويرجحهُ. ويقدحُ فِيهِ أنَّ «قَالَ» موضوعةٌ لتحكى بِهَا الجملُ، بخلافِ «حدّثَ» فلا بُد لها منْ آلةٍ تهيئها لحكايةِ الجملةِ فتأملْ ذَلِكَ».
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا: أنَّ الشهابَ بنَ المرحل عبدَ اللطيفِ بنَ عبدِ العزيزِ بنِ يوسفَ بن أَبِي العزِ عزيزِ بنِ يعقوبَ بنِ يغمور، وبخطِّ بعضهمِ: عزيز بن دؤالةَ الحمدانيُّ الحربيُّ أخو شيخ شيخنا، يَعني: البرهانَ الحلبيَّ، وشيخهُ هُوَ أَبو العباسِ أحمد بنُ المُرَحلُ.
ثُمَّ قَالَ: عنْ عَبْد اللطيفِ: «إمامٌ نحويٌّ مقرئٌ، كَانَ فِي النحو علامةً، وكانَ يترددُ بينَ مصرَ وحلبَ فِي تجارةِ الكتبِ توفي بالقاهرةِ (٦) سنةَ أربعٍ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ»،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٦.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٦.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) لم ترد في (ف).
[ ٢ / ١٨٢ ]
وقالَ الصلاحُ الصفديُّ: «كَانَ فِيهِ جمودٌ يسيرٌ، وما أعتقدُ ذَلِكَ منْ بَلادةٍ، ولكنَّهُ كانَ شديدَ التثبُتِ فِي النقلِ». (١) انتهى.
وقولُ الشَّيْخ: (والإضمارُ خلافُ الأصلِ) (٢) غايتهُ أنْ يكونَ مرجحًا للذكرِ، وأمّا أنْ يكونَ موجبًا للاشتراطِ الذِي أنكرهُ ابنُ المُرحّلِ فلا.
قولهُ فِي (٣) قولهِ: (وكتبوا) (٤): (قط (٥» (٦)، أي: حسبْ، أي: فلا يقالُ: «حا» ولا «تحويلَ» ولا / ٢٩٧ أ / «صح» ولا غيرَ ذلكَ، وهي بفتحِ القافِ، وإسكانِ الطاءِ المهملةِ.
قَالَ الصغانيُّ فِي " مجمع البحرين ": «قطُّ، أي: بالتشديدِ معناها الزمانُ، فإذا كانتْ بمعنى حَسبُ وَهُوَ الاكتفاءُ فَهِي مفتوحةٌ ساكنةُ الطاءِ: تقولُ: رأيتهُ مرةً واحدةً فقطْ، فإذا أضفت: قلتَ: قطكَ هَذَا الشيءُ، أي: حسبكَ وقَطْني وقطِي وقط، وإنمَّا دَخلتِ النُّون ليسلمَ السكونُ الَّذِي بُني الاسمُ عَليهِ، وهذه النُّونُ لا تدخلُ الأسماءَ، وإنمَّا تدخلُ الفعلَ الماضي»، ثُمَّ قَالَ: «وإنما أدخلوها فِي أسماءٍ مخصوصةٍ نحو قطني وقَدني ولدني، ولا يقاسُ عَلَيْهَا، فلو كانتِ النُّونُ منْ أصلِ
_________________
(١) راجع في ترجمته: الوفيات لابن رافع ١/ ٤٤٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٤٦٥، والدرر ٣/ ٢٠، والوافي ١٩/ ١١٩، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٣٦، والسلوك ٢/ ٣، ودرة الحجال ٣/ ١٧٠، وشذرات الذهب ٨/ ٢٤٤، وأعيان العصر ٢/ ١٢١، والموسوعة الميسرة ٢/ ١٣١٤ بعناية أخينا الشيخ وليد الحسين - رعاه الله -.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٦.
(٣) عبارة: «قوله في» لم ترد في (ف).
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٠٨).
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) التبصرة والتذكرة (٦١٠).
[ ٢ / ١٨٣ ]
الكلمةِ لقالوا: قطنُكَ، ويقالُ: قطاط مثل قِطام، أي: حسبي». وقالَ فِي " القاموس " (١): «وإذا كانتْ بمعنى حَسْبُ، فقط، كعن». انتهى.
ورأيتُ بخطِ الإمامِ الطيبيِّ أنَّها بمعنى لا غيرَ (٢) عَن المطرّزيِّ (٣).
قوله: (الرَّهاويُّ) (٤) وَهُوَ بفتحِ الراءِ نسبةً إلى القبيلة (٥) (٦).
قَالَ فِي "القاموسِ" (٧) فِي الكلام عَلَى الرهوِ: «وكسماءٍ حيٌّ منْ مِذحجِ منهم، فذكرَ منهم جماعةً، ثُمَّ قَالَ: الرهاويُّونَ». انتهى. وكذا ذكرَ فتح رائِهِ الحافظُ عبدُ الغنيِّ بن سعيدٍ المصريُّ كما نقلهُ عَنْهُ بعضُ أصحابنا، وضمَّه " الصحاحُ " (٨) فإنَّهُ قَالَ: «ورُها بالضمِ حيٌ منْ مِذحج، والنسبةُ إليهم رُهاويُّ»، وأما " القاموسُ " (٩) فَلَمْ يذكر الضمَّ إلا فِي البلدِ فإنَّهُ قَالَ: «وكهُدى بلد»، وعدَّ جماعةً مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: «الرّهاوّيون».
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (قط).
(٢) عبارة: «لا غير» تحرفت في (ف) إلى: «إلا غير».
(٣) هو النحوي اللغوي ناصر بن عبد السيد بن علي الخوارزمي المطرزي، أبو الفتح بن أبي المكارم الحنفي، ولد سنة (٥٣٨ هـ)، وتوفي سنة (٦١٠ هـ)، كان ذا علم بالنحو واللغة والشعر والفقه، وكان حنفيًا معتزليًا داعيًا. انظر في ترجمته: الموسوعة الميسرة ٣/ ٢٧٤٧ ترجمة (٣٦٣٥).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٧.
(٥) في (أ): «قبيلة».
(٦) وهو بضم الراء نسبة للبلد كما في " معجم البلدان " ٣/ ١٠٦.
(٧) القاموس المحيط مادة (رها).
(٨) الصحاح مادة (رها).
(٩) القاموس المحيط مادة (رها).
[ ٢ / ١٨٤ ]
قولهُ: (إِذَا وصلَ إليها / ٢٩٧ ب /: الحديثَ) (١) تتمةُ حكايةِ ابنِ الصلاحِ عنْ هَذَا المغربيِّ: «وذكرَ لِي أنَّهُ سمعَ بعض البَغداديِّيْنَ يذكرُ أَيْضًا أنَّها حاءٌ مهملةٌ، وأنَّ منهم من يقولُ: إِذَا انتهى إليها فِي القراءةِ «حا» ويمرُّ» (٢) (٣).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٧.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢.
(٣) من قوله: «قوله في قوله: (وكتبوا): (قط) أي حسب» إلى هنا قدمها ناسخ (ف) ووضعها في غير موضعها قبل ما يقرب خمسة أسطر.
[ ٢ / ١٨٥ ]
كتابة التَّسْمِيعِ
قولهُ: (التَّسميعُ) (١) هُوَ من سَمَّعهُ تَسْميعًا إِذَا نَسبهُ إلى السَّماعِ، مثل: فسّقهُ إِذَا نسبه إلى الفسقِ، والمعنى أنَّ الضابطَ يكتب أسماءَ السامعينَ مثبتًا لهم السماعَ وناسبًا لَهُ إليهم.
قولهُ: (أَوْ جَنْبَها) (٢)، أي: إلى جنبِ البسملةِ منْ يمينها أَوْ يسارِها.
قولهُ: (الطُّرَّةُ) (٣) هُوَ بضمّ الطاءِ المهملةِ، ثُمَّ راءٍ مهملةٍ مشدّدةٍ. هِيَ حاشيةُ الكتابِ، قَالَ فِي "القاموسِ" (٤): «وبالضمِّ جانبُ الثوبِ الَّذِي لا هُدْبَ لَهُ وشفيرُ النَّهرِ والوادي، وطرفُ كلِّ شيءٍ وحرفهُ».
قولهُ: (آخرَ الجزءِ) (٥)، أي: عقبَ الكتابةِ، وإنْ لم يكتبْ ذَلِكَ عقبَ الكتابةِ كتبَ فِي ظهرِ الورقةِ التي فِي آخرهِ أَوْ التي فِي أوّلِهِ.
قولهُ: (بخطٍّ عرفا) (٦) بدل أي: بخطِّ منْ يثقُ بِهِ منَ (٧) الناسِ بخطٍّ مِنْهُ معروفٌ لهم أَنَّهُ خطُّهُ؛ لأنَّهُ ربما يكونُ موثوقًا بِهِ فِي نفسهِ ولا يكون خطُّهُ معروفًا بأنْ لا يكتبَ اسمهُ مبيّنًا أنَّ الخطَّ لَهُ فلا يُعرفُ أَنَّهُ هُوَ الكاتبُ.
قولهُ: (فينبغي أنْ يكتبَ فوقَ ظهر (٨) التسمية) (٩)، أي: التي فِي أولِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٨.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦١٣).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦١٣).
(٤) القاموس المحيط مادة (طرر).
(٥) التبصرة والتذكرة (٦١٣).
(٦) التبصرة والتذكرة (٦١٤).
(٧) لم ترد في (ف).
(٨) في (ف)، وشرح التبصرة والتذكرة: «سطر».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٨.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الكتابِ كما يوجدُ فِي بعضِ الكتبِ القديمةِ.
قَالَ شيخُنا: «يكتُبُ أسماءهم مجرّدةً عندَ الشروعِ فِي القراءةِ، فإذا فرغَ القراءةَ كتبَ قبلَ أسمائِهم: سمعَ هَذَا / ٢٩٨ أ / الجُزءَ، ويكتبُ بعدَ أسمائِهم: عَلَى فلانٍ الفلانيِّ بقراءةِ فلانٍ فِي تأريخِ كذا، ومكانِ كذا، وإنْ شاءَ لَمْ يذكر المسمع.
وتكونُ كتابتهُ لَهُ فِي أولِ الجزءِ بعدَ البسملةِ كافيًا فِي تعريفِ أنَّ السّماعَ عَليهِ، وإن شاء كتبَ اسمَ الشَّيْخ قَبْلَ أسماءِ السامعينَ بعدَ الفراغِ منَ القراءةِ».
قولهُ: (معهُ) (١) لا يُقالُ: إنَّهُ يفهمُ أَنَّهُ إِذَا انفردَ بالسَّماعِ فلمْ يسمعْ معهُ أحدٌ، لا يكتبُ سماعهُ، بل يكتبهُ وإنْ لَمْ يشاركهُ أحدٌ. فعلَ ذَلِكَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلفيُّ.
قولهُ: (فكلاهما) (٢)، أي: الكتابةُ قبلَ البسملةِ، والكتابةُ فِي الحاشيةِ سواء كَانَتْ اليُمنى أَوْ اليسرى، وكذا نُقِلَ الأمرانِ عنِ السِّلفيِّ، وربما كتب فيما هُوَ كالوقايةِ للجُزء، وَهُوَ المرادُ بقولهِ: «ظهرهُ».
قولهُ: (فِي الَّذِي يليهِ) (٣) المرادُ الَّذِي يلي آخر المجالسِ، أي: بعدَ المجلسِ الأخيرِ، وإنْ كانتِ العبارةُ بعيدةً منْ ذلكَ، ويدلُ عَلَى أنَّ المرادَ ذَلِكَ:
قولهُ: (كما حكيتُ فِي أول الجزء) (٤)، أي: يفعلُ فِي آخرهِ إنْ شاءَ، أَوْ فِي أوّلِهِ.
قولهُ: (بكتبتهِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «كتبةُ التَّسميعِ حيثُ ذكرهُ -
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
[ ٢ / ١٨٧ ]
يعني: الخطيبَ - أحوطُ، وأحرى أنْ لا يخفى عَلَى منْ يحتاجُ إِلَيْهِ، ولا بأسَ بكتبتهِ» (١) إلى آخرهِ.
قولهُ: (أي: التسميعِ) (٢)، أي: كتابتهُ أسماءَ السامعينَ منسوبًا إليها سماعُ مَا لكلٍ مِنْهَا كما تقدَّمَ أنَّ المرادَ بالتسميعِ نسبةُ السامعينَ إلى السماعِ.
قولهُ: (الحذرُ (٣» (٤) قَالَ ابنُ الصلاحِ قبلهُ: «ثُمَّ إنَّ عَلَى كاتبِ التَّسميعِ التحرِّيَّ / ٢٩٨ ب / والاحتياطَ، وبيانَ السَّامعِ والمسموعِ، والمسموع مِنْهُ، بلفظٍ غيرِ مُحْتَمل، ومجانبةِ التساهلِ فيمنْ يثبتُ اسمهُ، والحذرَ منْ إسقاطِ» (٥) إلى آخره.
قولهُ: (الثقاتُ) (٦) قَالَ ابنُ الصلاحِ عقبهُ: «وقد حدَّثني بمروَ الشيخُ أبو المُظفَّرِ بنُ الحافظِ أَبِي سَعْدٍ المروزيُّ (٧)، عَن أَبِيه، عَمَّن حدَّثهُ منَ الأصبهانيَّةِ: أنَّ عبدَ الرَّحْمَان بنَ أَبِي عَبْد اللهِ بن منده قرأ ببغدادَ جُزءًا عَلَى أَبِي أحمدَ الفَرَضيِّ (٨)، وسألهُ خطَّهُ ليكونَ حُجَّةً لَهُ، فَقَالَ له أبو أحمد: يَا بُنيَّ عليكَ بالصِّدقِ، فإنَّكَ إِذَا عرفْتَ بِهِ لا يُكذِّبُكَ أحدٌ، وتُصدَّقُ فيما تقولُ وتنقلُ، وإذا كانَ غير ذَلِكَ فلو قيل
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
(٣) في (ف): «احذر».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٩٩.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٠.
(٧) بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح الواو، وبعدها زاي معجمة، نسبة إلى مَرْو. الأنساب ٥/ ١٤٩، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٢٦٢.
(٨) يقال للعالم بالفرائض: الفارض والفريض والفرضي. وترجمته في تأريخ بغداد ١٠/ ٣٨٠، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٢.
[ ٢ / ١٨٨ ]
لَكَ: مَا هَذَا خطُّ أَبِي أحمدَ الفرضيِّ مَاذا تقولُ لهم؟» (١).
قولهُ: (وَليُعرِ) (٢) اللامُ فِيهِ للأمر الندبيِّ و«المسمى بِهِ» بإسكانِ السينِ منْ أسمى بمعنى: سمَّى. قَالَ فِي "الصحاحِ" (٣): «سميتُ فلانًا زيدًا، وسميتهُ بزيدٍ بمعنىً، وأسميتهُ مثلهُ».
والباء فِي «بِهِ» (٤) ظرفيّة، أي: يندبُ لَهُ أنْ يعيرَ كتابهُ ممن كتبَ اسمهُ فِيهِ.
قولهُ: (وإنْ يَكُنْ) شرطٌ جَزَاؤهُ «فَقَدْ رأى»، والمعنى هَذَا إنْ كَانَ سماعُهُ مكتوبًا بخطِ غير المالكِ، وإنْ يكنْ بخطِهِ إلى آخرهِ.
قولهُ: (فرضها) (٥)، أي: العارية.
قولهُ: (سِيْلوا) (٦) بكسرِ السينِ، وسكونِ الياء، أصلهُ سُئلوا بضمٍ ثُمَّ همزٍ، وزنِ قُتلِوا ثُمَّ خُففَ بحذفِ الهمزةِ فبقيت الياءُ مكسورةً فنقلتْ حركتُها لثقلِها عَلَيْهَا إلى السِّين، هَذَا عَلَى مذهبِ سيبويه (٧)، / ٢٩٩ أ / وأما منْ يكتُبها بالواو فيحذف
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦١٦).
(٣) الصحاح مادة «سما».
(٤) التبصرة والتذكرة (٦١٦).
(٥) التبصرة والتذكرة (٦١٧).
(٦) التبصرة والتذكرة (٦١٧).
(٧) هو النحوي اللغوي عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر الفارسي، ثم البصري ويعرف بسيبويه ولد سنة (١٤٨ هـ)، وتوفي سنة (١٨٠ هـ)، من مشايخه: الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، ومن تلامذته: سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط، ومحمد بن المستنير قطرب، كان يطلب الآثار والفقه، ثم صحب الخليل بن أحمد فبرع بالنحو، وكان أفهم الناس بالنحو. انظر: الموسوعة الميسرة ٢/ ١٧٨٧ ترجمة (٢٤٨٩).
[ ٢ / ١٨٩ ]
الهمزةَ فتصير عَلَى الواو، فيفعَل مَا فُعِلَ (١) فِي «قول».
قولهُ: (عَلَى الرِّضَا بِهِ) (٢)، أي: يضبطُ سماعَهُ، وإنْ لَمْ يتقدمْ لَهُ ذكرٌ ليعودَ عَليهِ الضميرُ، وإذا رضي بضبطِ سماعهِ عندَهُ فكأنَّهُ قَدْ تحمّلَ لَهُ شهادةً، وإذا تَحمّلَ لَهُ شهادةً وجبَ عَليهِ أداؤها فِي وقتِ الحاجةِ.
قولهُ: (دلّ) (٣) و(تحَمَّلَ) (٤) فيهما القطعُ وَهُوَ حذفُ ساكنِ الوتد منْ مُستفعلن، وإسكانُ متحرّكهِ، وَهُوَ جائزٌ فِي مشطورِ (٥) الرجزِ، لكنَّهُ مَعَ الخَبنِ ثقيلٌ.
فلو قَالَ «بدلَ»، وَقَالَ فِي آخر قسيمه «لَهُ حمل» لسلمَ منْ ذَلِكَ فكانَ أخفَّ.
قولهُ: (مَا لَمْ يُبنْ) (٦) رأيتُها فِي غير نسخةٍ - مِنْهَا واحدةٌ عَلَيْهَا خطُ المصنف - بالمقابلةِ مضبوطةٌ بضمِ حرفِ المضارعةِ مبنيًا للمفعول، منْ أبانَ ليسلمَ من التوجيهِ، وَهُوَ اخْتِلاَف حركةِ مَا قبلِ الرويِّ المقيَّدِ.
قولهُ: (استحبابًا) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ثُمَّ إنْ ثبت (٨) سماعهُ فِي كتابهِ فقبيحٌ بِهِ كتمانهُ إيَّاهُ، ومنعهُ منْ نَقلِ سماعِهِ، ومن نَسْخِ الكتابِ» (٩).
_________________
(١) في (ف): «يفعل».
(٢) التبصرة والتذكرة (٦١٨).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦١٨).
(٤) التبصرة والتذكرة (٦١٨).
(٥) في (ف): «مسطور».
(٦) التبصرة والتذكرة (٦١٩).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٠.
(٨) في (ف): «ثم إن من ثبت»، وكذلك هي في " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤.
[ ٢ / ١٩٠ ]
قولهُ: (لا يجيءُ فِي هَذَا البابِ حُكمٌ أحسنُ منْ هَذَا) (١) قَالَ شيخُنا: «لا يقتضي هَذَا ترجيحًا لإمكانِ أنْ يكونَ رأى تساويَ القولِ بالوجوبِ، والقول بعدمهِ عندهُ، ولَمْ يرجحْ أحدَهما فإنَّهُ لَمْ ينف بقولهِ: «أحسنَ» إلا الزائدَ فِي الحسنِ، وربما أرشدتْ علتهُ إلى ذَلِكَ؛ لأنَّ رضاهُ فِي أول الأمرِ لا يوجبُ الدوامَ ولا يكونُ سببًا / ٢٩٩ ب / فِي إيجابِ بذلِ مالهِ» (٢).
قلتُ: وقد تقدمَ فِي أولِ منْ صنّفَ فِي الصحيحِ أنَّ مثلَ هَذَا صارَ فِي العرفِ اللغويِّ مفهمًا للتفصيلِ.
قولهُ: (ألزمناكَ) (٣)، أي: بإعارتهِ لَهُ لينقلَهُ مِن كتابكَ.
قولُهُ (أعفيناكَ مِنهُ)، أي: منَ الإلزامِ، بأنْ تُعِيرَهُ كتابَكَ لينقلَ مِنْهُ سماعه.
لا يقالُ: يلزمهُ وإنْ كانَ بخطِ غيرهِ؛ لأنَّ تمكينَهُ منْ وضعهِ فِي كتابهِ دالٌ عَلَى رضاهُ فهو المسلِّطُ حينئذٍ لكاتبهِ عَلَى كتابتهِ فيصيرُ كما لَوْ كانَ بخطهِ سواءٌ؛ لأنَّهُ يُقالُ: قَدْ يكتبُ فِي كتابهِ بغيرِ إذنهِ فيحتاجُ إلى بيانِ إذنٍ والرضا.
قولهُ: (وَقَالَ غيرهُ) (٤)، أي: غيرُ الزبيريِّ: «ليس بشيءٍ» (٥)، أي: إنَّ كتابتَهُ بيدهِ اسمُ غيرهِ فِي كتابهِ، لا يوجبُ عَليهِ إعارتَهُ لَهُ؛ لأنَّ إعارتَهُ توجبُ إسقاطَ روايةِ المعيرِ منْ كتابهِ بعدَ إخراجهِ منْ يدهِ عندَ منْ يُشدّدُ فِي ذَلِكَ لا سيّما إنْ كَانَ ضريرًا، وإنْ كَانَ الصوابُ خلافَ هَذَا المذهبِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠١.
(٢) هذا النص واحد من نصوص كثيرة انفرد البقاعي بنقلها عن شيخه ابن حجر، ولا توجد في موضع آخر فيما أعلم.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠١.
[ ٢ / ١٩١ ]
قولهُ: (بما حَوتْهُ) (١)، أي: مَعَ مَا حوَتْهُ منْ بذلِ مالٍ ونفسٍ.
قولهُ: (بالسّعيِّ إلى مجلسِ الحُكمِ) (٢) قَدْ يفرقُ بَيْنَهُمَا بأنَّ الشهادةَ يلزمُ تحمُّلُها، وإنْ لَمْ يرضَ السامعُ ولا استُرعي فِي أمرها، بل إِذَا سمعَ شخصٌ شخصًا يُقرُّ لآخرَ بدينٍ وجبَ عَليهِ الأداءُ بخلافِ السّماع فإنَّ الاتفاقَ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَم يكتبْ بخطِ صاحبِ الكتابِ لا تجبُ إعارتهُ.
قولهُ فِي كلامِ الفضيلِ: (ليس منْ فَعال) (٣) بفتحِ الفاءِ اسمُ الفِعْل الحسنِ والكَرمِ قالهُ فِي / ٣٠٠ أ / "القاموسِ" (٤)، وَقَالَ: «أَوْ يكون فِي الخيرِ والشرِّ وَهُوَ مخلصٌ لفاعلٍ واحدٍ، وإذا كَانَ بينَ فاعلينِ، فهو فِعالٌ بالكسرِ، وَهُوَ أَيْضًا جمعُ فِعْلٍ».
قَالَ فِي "العُباب": «مثلُ قَدَحٍ وقداحٍ وبئرِ وبِئارٍ، والفَعَال، أي: بالفتحِ أَيْضًا مصدرٌ مثلَ ذهبَ ذهابًا».
وَقَالَ ابنُ الأعرابيِّ: «الفَعال: بالفتحِ فعلُ الواحدِ خاصةً فِي الخيرِ والشرِ، يقال: فلانٌ كريمُ الفعالِ، وفلانٌ لئيمُ الفَعالِ، قَالَ: والفِعالُ بكسرِ الفاءِ إِذَا كانَ الفعلُ بَيْن الاثنين يعني مثلَ القتالِ، والذي ذكرُهُ الجوهريُّ منْ قصرِ الفَعالِ بالفتحِ عَلَى الكرمِ، قولُ الليثِ».
وقالَ الأزهريُّ: «وهذا الَّذِي قالَهُ ابنُ الأعرابيِّ هُوَ الصوابُ، لا مَا قالَهُ الليثُ، يقال: فلانٌ حسنُ الفَعالِ، وفلانٌ سيءُ الفعالِ» قالَ: «ولستُ أدري لم قَصَرَ الليثُ الفَعالَ عَلَى الحسنِ دون القبيحِ؟».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٢.
(٤) القاموس المحيط مادة (فعل).
[ ٢ / ١٩٢ ]
وقالَ المبردُ: «الفَعَالُ يكونُ فِي المدحِ والذمِ»، قَالَ: «وَهُوَ مخلص لفاعلٍ واحدٍ».
وعبارةُ الفضيل عَلَى مَا حكاهُ ابنُ الصلاحِ: «ليس فعال (١) أهلِ الورعِ، ولا منْ فعالِ الحُكماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ فَيَحبسَهُ، ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
نفسَهُ» (٢)، وفي روايةٍ: «ولا منْ فعال العلماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ وكتابَهُ فيحبسهُ عَليهِ (٣) ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظلمَ نفسَهُ» (٤).
قَالَ الشيخُ محيي الدين النوويُّ فِي مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٥) فِي فصلٍ فِي آداب مشتركةٍ بَيْن العالمِ والمتعلمِ: «ولا يرتضي الاستعارة مَعَ إمكانِ التحصيلِ بالملكِ، فإنِ استعاره / ٣٣٠ ب / لَمْ يبطءْ بِهِ لئلا يفوّتَ الانتفاعَ بِهِ عَلَى صاحبهِ، ولئلا يكسلَ عنْ تحصيلِ الفائدةِ مِنْهُ، ولئلا يمتنعَ منْ إعارتهِ غيرهُ».
وقد جاءَ فِي ذمِ الإبطاءِ بردِّ الكُتبِ المستعارةِ عَنِ السَّلفِ أشياءُ كثيرةٌ نثرًا ونظمًا رَويناها فِي كتابِ الخطيبِ "الجامعُ لآدابِ الراوي والسامعِ" قَالَ الخطيبُ: «وبسببِ حبسِها امتنعَ غيرُ واحدٍ منْ إعارتها» ثُمَّ رَوَى فِي ذَلِكَ جُملًا عَن السَّلَفِ وأنشدَ فِيهِ أشياءَ كثيرةً، والمختارُ استحبابُ الإعارةِ لمنْ لا ضررَ عَليهِ فِي ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إعانةٌ عَلَى العلمِ مع مَا فِي مطلق العارية منَ الفضلِ. روينا عَن وكيع: «إنَّ بركةَ الحَدِيْث إعارةُ الكتبِ» وعنْ سفيانَ الثَوريِّ: «منْ بخلَ بالعلمِ ابتُلي بإحدى ثلاثٍ: أنْ ينساهُ، أَوْ يموتَ ولا ينتفعُ بِهِ، أَوْ تذهبَ كتبهُ».
_________________
(١) في (ف): «من فعال» وكذلك هي في "الجامع لأخلاق الراوي" و"معرفة أنواع علم الحديث".
(٢) الجامع لأخلاق الرَّاوي (٤٨٥).
(٣) الجامع لأخلاق الرَّاوي (٤٨٥).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٥.
(٥) المجموع ١/ ٣٩.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وَقَالَ رجلٌ لأبي العتاهية: «أعرني كتابكَ، قَالَ: إني أكرهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أما علمتَ أنَّ المكارمَ موصولةٌ بالمكارِهِ»، فأعارهُ. ويستحبُّ شكرُ المعير لإحسانِهِ» انتهى مَا فِي "شرحِ المهذبِ".
قولهُ: (وكذلكَ لا ينبغي) (١) عبارةُ ابن الصلاحِ: «وهكذا لا يَنبغي لأحدٍ أنْ ينقلَ سماعًا إلى شيءٍ منَ النُسخِ أَوْ يثبتَهُ فيها عندَ السَّماعِ ابتداءً إلا بعدَ المقابلةِ المرضيَّةِ بالمسموعِ، لئلا يغتَرَّ أحدٌ بتلكَ النُّسخةِ غيرِ المقابلةِ، إلا أنْ يُبيِّن مَعَ النَّقلِ، وعندهُ كَوَن النُسخةِ غيرَ مقابلةٍ، والله أعلم» (٢) (٣).
قوله: (رواية الحديث وأدائه) (٤) الظاهرُ أنّ معناهما واحدٌ من حيثُ صدقُهما على تبليغِ الحديث إلى الغيرِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٦.
(٣) جاء في آخر نسخة (أ) ما نصه: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى / ٣٠١أ /: «صفة رواية الحديث وآدابه»، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، فرغ منْ كتابته، فِي يوم الأحد المبارك الخامس من شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة ثمانين وثمان مئة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٢. انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٧٣، والتقريب: ٩٠ - ١٠٠، والمنهل الروي: ٦٣، والخلاصة: ٨٨، واختصار علوم الحديث ٢/ ٣٩٤، وبتحقيقي: ٢٠٢، ومحاسن الاصطلاح: ٢١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠٢، والتقييد والإيضاح: ١٣٦، ونزهة النظر: ١١٩، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث ١/ ٢٦٢، وألفية السيوطي: ٩٦ - ١١٢، وفتح الباقي ٢/ ٦٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ١١٤، وظفر الأماني: ٧٨.
[ ٢ / ١٩٤ ]
قالَ في "القاموسِ" (١): «أدَّاهُ تَأدِيَةً أوصَلهُ، وَقَضَاهُ، والاسمُ: الأداءُ».
وقالَ ابنُ طريف (٢) في كتابِ " الأفعالِ " (٣): «رَوَى الحديثَ والشعرَ روايةً، حفظهُ ونقلهُ».
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وشرط أدائِهِ، ومَا يَتَعلَّقُ بذلكَ، وقدْ سبقَ بيانُ كثيرٍ منهُ في ضمنِ النَّوعينِ قَبلهُ» (٤). انتهى.
وهي عبارةٌ حسنةٌ جدًا في الجمعِ بين الروايةِ والأداءِ. والنوعانِ: التسميعُ، والرمزُ، ثم قالَ: «شدَّدَ قَومٌ في الرِّوايةِ فأفرطُوا، وتَساهَلَ فيها آخرونَ فَفرَّطُوا، ومِنْ مذاهبِ التَّشدِيدِ - فَذكرَ ما ذكره الشيخُ عن أبي حنيفةَ ومن معهُ (٥) -، ثم قالَ: وقدْ سَبقَتْ حِكَايتُنا لِمذاهِبَ عنْ أهلِ التَّسَاهُلِ، وإبطَالُها، في ضمنِ ما تقدَّمَ منْ شرحِ وجوهِ الأخذِ والتَّحمُّلِ.
ومِن أهلِ التَّساهُلِ قومٌ سمِعُوا كُتبًا مُصنَّفةً وتَهَاونُوا، حتى إذا طَعنُوا في السِّنِّ واحتيجَ إليهمْ، حَملَهمُ الجهلُ والشَّرَهُ على أن رَوَوْهَا منْ نسخٍ مُشتَراةٍ أو مُسْتَعارةٍ غيرِ مُقَابَلَةٍ، فَعَدَّهُمُ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ في طبقاتِ المجروحينَ. قالَ: «وهُمْ يتوهَّمُونَ أنَّهم في روَايَتِها صَادِقُونَ. وقال: هذا مِمَّا كَثُرَ في الناسِ، وتعاطَاهُ قومٌ منْ أكابرِ العلماءِ والمعرُوفينَ بالصَّلاحِ» (٦).
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (أدّى).
(٢) هو عبد الملك بن طريف الأندلسي، توفي سنة (٤٠٠هـ) تقريبًا. انظر: الصلة لابن بشكوال ١/ ٣٥٧، وبغية الوعاة ٢/ ١١١.
(٣) وهو كتاب هذب فيه كتاب الأفعال لابن قوطية. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٣٩٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧.
(٥) وهم: مالك وأبو بكر الصيدلاني.
(٦) المدخل إلى الإكليل: ٥٧، ونقله عنه ابن الأثير في " جامع الأصول " ١/ ١٤٣.
[ ٢ / ١٩٥ ]
قال: «ومنَ المتَسَاهلينَ: عبدُ اللهِ بنُ لهيعَةَ (١) المصريُّ تُرِكَ الاحتجَاجُ بهِ معَ جلالَتهِ؛ لِتَسَاهُلِهِ. ذُكرَ عن يَحيَى بنِ حَسَّانَ (٢): أنَّهُ رَأَى قَوْمًا مَعَهُمْ جُزْءٌ سَمِعُوهُ مِن ابنِ لهيعَةَ، فنظرَ فيهِ فإذا ليسَ فيهِ حديثٌ واحدٌ منْ حديثِ ابنِ لهيعَةَ، فجاءَ إلى ابن لهيعَة فأخبرَهُ بذلكَ، فقالَ: ما أصنَعُ، يَجِيئونَ بِكتابٍ فَيقُولونَ هَذا مِنْ حديثكَ؛ فأحَدّثُهُمْ بهِ (٣).
ومثلُ هذا واقِعٌ منْ شُيُوخ زَمَانِنا (٤) يجيءُ إلى أحَدِهِمْ الطَّالِبُ / ٢١٠ أ / بِجُزْءٍ أو كتابٍ فيقولُ: هذا روايتُكَ، فَيُمَكِّنُهُ من قراءتِهِ عليهِ مُقلِّدًا لهُ من غيرِ أنْ يَبحثَ بحيثُ تحصُلُ لهُ الثِّقَةُ بصِحَّةِ ذلكَ. والصَّوابُ ما عليهِ الجمهورُ، وهوَ التَّوسُّطُ بينَ الإفْرَاطِ والتَّفريطِ» (٥).
قولهُ: (المَنْعُ) (٦)، أي: منعُ الروايةِ للكتابِ دون الحفظِ، وإن رأى سماعَهُ في كتابٍ وتذكّرَهُ جازتِ الروايةُ، بأن يحفظَ حينئذٍ المسموعَ إن لم يكنْ يحفظُهُ ويرويهِ، وإن لم يذكرْهُ لم يجزَ لهُ روايةَ المسموعِ، لا حفظًا ولا غيرَهُ، كالشّهادةِ.
_________________
(١) بفتح اللام وكسر الهاء، على وزن شريعة. انظر: التقريب (٣٥٦٣).
(٢) نقل الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٠٠ عن المزي قوله: «هذه الحكاية فيها نظر؛ لأن ابن لهيعة من الأئمة الحفاظ لا يكاد يخفى عليه مثل هذا، وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب من الرواة عنه فمنهم من هو عدل كابن المبارك ونحوه، ومنهم من هو غير عدل». هذه الحكاية وإن توقف فيها المزي؛ لكن ذكر الكثير في شأن تلقين ابن لهيعة. انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٣) انظر: كتاب المجروحين ٢/ ١٣.
(٤) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٠١: «إلحاقه شيوخ زماننا بمن سلف فيه نظر؛ لأن المقصود منهم بقاء السلسلة فقط، وأما الإسناد فغير منظور إليه في هذا الزمان». وانظر: محاسن الاصطلاح: ١٨٦.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧ - ٣١٩.
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٢١).
[ ٢ / ١٩٦ ]
قولُه: (الوَاسِعِ) (١)، أي: إنّ هذا البابَ أوسعُ من بابِ الشَّهادةِ.
قوله: (وثبوتِ الحجَّةِ بهِ) (٢) زيادةٌ زادَها الشّيخُ [على] (٣) ابن الصلاح، وهي لا تتأتَى على مذهبهِ، إلا إنْ كانَ صحّحَ ذلكَ الحديثَ إمامٌ بالشرطِ الذي تقدَّمَ عنه في بحثِ الصَّحيحِ.
قوله: (أنَّهُ لا حجَّةَ) (٤)، أي: وإذا لم يكن فيه حجةٌ، فلا تجوزُ لهُ روايتُهُ؛ لِئلا يوقعَ غيرَهُ في الاحتجاجِ بهِ، اللهمَّ إلاّ أن يُبيِّنَ الحالَ عندَ روايتهِ.
قولهُ: (وتذكُّرِه) (٥)، أي: يجمعُ بينَ الحفظِ وتذكُّرِ تحمُّلهِ عندَ أدائهِ. لا أنه يكونُ مُستديمًا لذلكَ من حينِ التحمُّلِ إلى حينِ الأداءِ، فإذا تحمّلَهُ ثم رأى سماعَهُ له بعدَ حينٍ، فإن كانَ حافظًا للمسموعِ غيرَ ذاكرٍ للسَّماعِ لم تجز الروايةُ، وإنْ كان ذاكرًا غيرَ حافظٍ، وأراد أنْ يرويَ، تحفّظ ورَوَى من حفظهِ.
هذا الذي تعطيه هذهِ العبارةُ، وكنتُ سمعتُ عن أبي حنيفة: - وهو المرادُ في النّظمِ بقولهِ: «نُعْمَانٍ» (٦) - أنَّه يشترطُ أنْ يدومَ حافظًا للحديثِ، ذاكرًا للسّماعِ، من حينِ التحمّلِ، إلى حينِ الأداءِ، فاللهُ أعلم.
قوله: (والصوابُ كما قالَ ابنُ الصلاح: الأولُ) (٧) وهو ما عليه الجمهور، ولم ينظمِ الشَّيخُ ذلكَ، ورأيتُ عن شَيخِنا الحافظِ برهانِ الدِّينِ الحلبيِّ أنَّه نظمَهُ فقالَ:
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٢٣).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٢.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيه.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٢٢).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وَصَوَّبَ الشَّيخُ لِقَولِ الأكثَرِ وَهوَ الصوابُ ليسَ فيه نَمترِي (١)
ولو قالَ: «مَقَالَ الأكثرِ» لكانَ أحسنَ، وأحسنُ منهُ أنْ يقولَ: إنْ كانَ قدْ قابلَهُ لا يمتري [قولُه] (٢): (لا تجوزُ لهُ روايتهُ) (٣)، أي: وإنْ كانَ حافظًا للمسموعِ دونَ السَّماعِ.
قولهُ: (ينبني) (٤)، أي: جوازُ روايتهِ لما وَجدَ سماعَهُ بهِ، ولم يتذكّرْ أنَّه سمعَهُ (على الخلافِ في جواز اعتِمادِ الراوي على كتابهِ في ضَبْطِ ما سمعَه) (٥)، أي: بأنْ يرويَ جميعَ أحاديثهِ بتذَّكرِهِ أنهُ سمعَ الكتابَ عمومًا، وإنْ لم يتذكَّر في كلِّ حديثٍ / ٢١٠ ب / منها أنَّه سمعَهُ بخصوصهِ. وبأنْ يرويَ ما كانَ محتَمِلًا من ألفاظهِ لأكثرِ من وجهٍ، على ما رآهُ مضبوطًا بالشكلِ والنّقطِ في كتابهِ، كما إذا رَأى: «ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أُمّه» (٦) مضبوطًا
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٩٩.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف) والسياق يقتضيه.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٤) في " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٥٠٣: «يُبْنَى» وكذا هو أيضًا في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٢٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٦) أخرجه: عبد الرزاق (٨٦٤٩)، وابن أبي شيبة (٣٦١٣٩)، وأحمد ٣/ ٣١ و٣٩ و٥٣، وأبو داود (٢٨٢٧)، وابن ماجه (٣١٩٩)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن الجارود
(٧) ، وأبو يعلى (٩٩٢)، وابن حبان (٥٨٩٨)، والدارقطني ٤/ ٢٧٢ و٢٧٣ = و٢٧٤، والبيهقي ٩/ ٣٣٥، والبغوي (٢٧٨٩) من طريق أبي الوداك، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. وقال الترمذي: «حديث حسن». وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٥، والطبراني في " الأوسط " (٣٦٣١) وفي " الصغير "، له (٢٤٢) =
[ ٢ / ١٩٨ ]
بالرفعِ (١) فإنَّه يرويها كذلكَ ويجزمُ بسماعهِ لها كذلكَ.
_________________
(١) = و(٤٦٧)، والخطيب في " تاريخه " ٨/ ٤١٢ من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد. وحديث جابر: أخرجه: الدارمي (١٩٨٥)، وأبو داود (٢٨٢٨)، والحاكم ٤/ ١١٤، والبيهقي ٩/ ٣٣٥ من طريق أبي الزبير، عن جابر. وحديث كعب بن مالك: أخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٩/ (١٥٧) وفي " الأوسط "، له (٣٧١١) من طريق ابن كعب بن مالك، عن أبيه. وحديث علي: أخرجه: الدارقطني ٤/ ٢٧٤، والبيهقي ٩/ ٣٣٦ من طريق الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب. وحديث أبي هريرة: أخرجه: الدارقطني ٤/ ٢٧٤ من طريق طاووس، عن أبي هريرة. وأخرجه: الحاكم ٤/ ١١٤ من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة. وحديث ابن عباس: أخرجه: الدارقطني ٤/ ٢٧٥ من طريق عكرمة، عن ابن عباس. وحديث أبي أيوب: أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٤٠١٠)، والحاكم ٤/ ١١٤ من طريق عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن أبي أيوب. وحديث عبد الله بن مسعود: أخرجه: الدارقطني ٤/ ٢٧٤ من طريق علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: أراه رفعه. وحديث عبد الله بن عمر: أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٨٢٣٤)، والدارقطني ٤/ ٢٧١، والبيهقي ٩/ ٣٣٥ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه: الطبراني في "الأوسط" (٩٤٥٣) من طريق أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر.
(٢) أشار الشارح ﵀ إلى الاختلاف في رواية الرفع والنصب وفصّل ابن الأثير ذلك في كتابه النهاية ٢/ ١٦٤ فقال: «ويروى هذا الحديث بالرفع والنصب، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، ومن نصب كان التقدير: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حُذِفَ الجارُ نُصِبَ، أو على تقدير يذكى تذكيةً مثل ذكاة أمه، فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيًا. ومنهم من يرويه بنصب الذَّكاتين، أي: ذكوا الجنين ذكاةَ أمه». وانظر: الحاوي الكبير ١٥/ ١٤٩.
[ ٢ / ١٩٩ ]
قوله: (حديثًا حديثًا) (١) نُقِلَ عَن ابنِ كَثيرٍ (٢) أنَّهُ قالَ: «وهذا يشبهُ ما إذا نَسيَ الراوي سماعَهُ، فإنَّه تجوزُ روايتهُ عنه لمن سمعَهُ منه ولا يضرُّ نسيانهُ». انتهى.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ القصدَ ضبطهُ بالحفظِ وهو موجودٌ الآنَ بحفظِ هذا الفرعِ وإنْ كانَ الأصلُ قد نُسي، بخلافِ هذا فإنَّهُ لا يحفظُ السَّماعَ (٣).
قولهُ: (كذلكَ ليكنْ) (٤) خبرٌ، عن قولهِ: «فكما كانَ الصحيحُ» (٥)، أي: فلما كانَ الصحيحُ تجويزَ الاعتمادِ على كذا، كذلكَ ليكن هذا، أي: السَّماعُ.
قوله: (والكتابُ مصونٌ) (٦) قال ابن الصّلاحِ بعدَهُ: «بَحيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلامةُ ذَلكَ مِنْ تَطَرُّقِ التَّزوِيرِ والتَّغْييرِ إليهِ، وهذا إذا لَمْ يَتَشَكَّكَ فيهِ (٧) وسَكَنتْ نفسُهُ إلى صِحَّتِهِ » (٨) إلى آخره.
قوله: (وَإنْ يَغِبْ) (٩)، أي: الكتاب.
قوله: (وَأَوْلَى) (١٠)، أي: والخُلفُ في جوازِ روايةِ الضَّريرِ في هذهِ الحالةِ، أقوى من الخلافِ في روايةِ البصيرِ منها.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣ حكاه العراقي عن ابن الصلاح.
(٢) نقله السخاوي في " فتح المغيث " ٢/ ٢٠٠.
(٣) سبقه إلى ذلك البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٨٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٣.
(٧) انظر: محاسن الاصطلاح: ١٨٨، ونكت الزركشي ٣/ ٦٠٧.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة (٦٢٤).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة (٦٢٦).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
والقولُ بالجوازِ في الضَّريرِ؛ لأنَّ المدارَ القربَ من الضبطِ وغلبةِ ظنِّ الصحةِ، ووجودُ ذلكَ في البصيرِ أقربُ؛ لأنَّهُ إذا تكرَّرَ نظرهُ في الكتابِ يصيرُ يعرفُ هيئتَهُ، فإذا غُيَّرَ منهُ شيءٌ بعدَ ذلكَ عرفَهُ (١).
قولهُ: (جازتْ لهُ الروايةُ) (٢)، قال ابنُ الصَّلاحِ عَقِبهُ: «وإنْ أعَارَهُ وغابَ عنهُ، إذا كان الغالبُ منْ أمرهِ سَلامَتهُ - إلى قوله: - عَلَى غالبِ الظَّنِّ، فإذا حَصَلَ أجزَأَ، وَلَمْ يُشْترَطْ مَزِيدٌ عليهِ، والله أعلمُ» (٣).
قولُهُ: (في القِرَاءةِ) ناظرٌ إلى قولِهِ: «في ضَبْطِ» (٤) والضمير في «منه» لكتابهِ، وفي «عَليهِ» للضريرِ، أي: واستعانَ ذلك الضَّريرُ عندَ روايتهِ بالمأمونين
في القراءةِ من كتابهِ عليهِ. «واحتاطَ» عطف على «لَمْ يحفظْ» أو «استعانَ» (٥).
٦٢٧ - وَلْيَرْوِ مِنْ أَصْلٍ أَوِ الْمُقَابَلِ بِهِ وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ
٦٢٨ - مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ أَوْ أُخِذَا عَنْهُ لَدَى الْجُمْهُوْرِ وَأَجَازَ ذَا
_________________
(١) قال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٨٧: «قد يمنع الأولوية من جهة تقصير البصير، فيكون الأعمى أولى بالجواز؛ لأنه أتى باستطاعته».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٤.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٩، وانظر: الكفاية: ٢٣٦، والإرشاد ١/ ٤٥٩، وتدريب الراوي ١/ ٩٤ - ٩٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٤.
(٥) نقله العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٥٠٤ عن ابن الصلاح: «وقال ابن الصلاح في الضرير الذي لم يحفظ حديثه من فم مَنْ حدَّثه واستعان بالمأمونين في ضبط سماعه وحفظ كتابه، ثُمَّ عند روايته في القراءة منه عليه، واحتاط في ذلك على حسب حاله بحيث يحصل معه الظن بالسلامة من التغيير صحت روايتهُ غير أنه أولى بالخلاف من مثل ذلك في البصير». وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٩.
[ ٢ / ٢٠١ ]
قولُه في قولهِ: (الرِّوَاية من الأَصلِ) (١): (وَلاَ يَجُوزُ بالتَّساهُلِ) (٢) ذَكَرَ الذهبيُّ في " مِيزانِهِ " (٣) غَيرَ واحدٍ ممن جُرحَ، بكونهِ يحدِّثُ من غيرِ أصلهِ، منهم: أبو عبدِ اللهِ محمّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمّد السَاويُّ، قال: صدوقٌ، وقالَ ابنُ طاهرٍ:
«حدّثَ " بمسندِ الشافعيِّ " من غيرِ أصلِ سماعِهِ، ثم قالَ: ترخّصَ المتأخّرونَ في هذا كثيرًا».
وقالَ في ترجمةِ محمدِ بنِ / ٢١١أ / إسماعيلَ بنِ العباسِ، أبي بكر الورَّاقِ (٤): «مُحدِّثٌ، فاضلٌ، مُكْثِرٌ، لكنهُ يُحدِّثُ من غيرِ أصولٍ، ذهبت أصولُهُ، وهذا التساهلُ قد عَمَّ وطَمَّ» (٥).
وقال في ترجمةِ عيسى الطُّوْمَاريِّ (٦): «آخر أصحاب ابن أبي الدُّنيا تُكلمَ فيه لكونهِ رَوَى من غيرِ أصلٍ. وقالَ ابنُ ماكولا (٧): لم يكونُوا يَرتضونَهُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٢٧).
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٦٧. ونقل ابن حجر في " لسان الميزان " ٦/ ٥٤٣ عن ابن السمعاني: «هو محدّث فهم معروفٌ بالطلب، رحل وسمع بنفسه»، ونقل عن ابن طاهر قوله: «لما دخل أبو عبد الله الكَامَخِي الرَّيَّ أرادوا أن يقرؤوا عليه "مسند الشافعي"، فسألت عن أصله، فقيل لي: لم يكن له أصلٌ، وإنما أمَرَ أن تشترى له نسخة، فهو يقرأ منها، وقال ابن طاهر: فامتنعت من سماعه منه، وكان سماعُه في غيره صحيحًا».
(٤) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٨٤، وقال ابن حجر في " لسان الميزان " ٦/ ٥٧٣: «قال ابن أبي الفوارس: كان متيقظًا، حسن المعرفة، وكان فيه بعض التساهل، كانت كتبه ضاعَتْ، فاستحدث أصولًا».
(٥) قال الذهبي في " السير " ١٦/ ٣٨٩: «التحديث من غير أصل، قد عمَّ اليوم وطمَّ فنرجو أن يكون واسعًا بانضمامه إلى الإجازة».
(٦) ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٢، وقال ابن حجر في "لسان الميزان" ٦/ ٢٧٩: «إلاّ أنه لم يظهر له أصول، ولم يكن بذاك، وخلط في آخر أمره».
(٧) الإكمال ٢/ ٦٧ وعبارته: «لم أرهم يرتضونه».
[ ٢ / ٢٠٢ ]
[قولهُ] (١): (أَوْ أُخِذَا) (٢) مبنيٌ للمفعولِ.
قولهُ: (وَأَجَازَ) مكسورٌ، ولو قالَ: واستجَازَ، لكانَ صحيحًا.
قولهُ: (الترخيصُ) (٣) نُقِلَ عن الحافظِ عمادِ الدِّينِ بنِ كثيرٍ (٤) أنَّهُ مالَ إلى قولِ البُرسَانيِّ (٥) هذا.
قولهُ: (من نسخةٍ سمِعَ منها على شيخِهِ) (٦) مبنيٌّ للمفعولِ، أي: وقعَ سماعُ غيرهِ منها على شيخهِ، ولم يسمعْ هو على شيخهِ منها.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وكذلكَ لو كانَ فيها سَماعُ شَيخهِ أو رَوَى منها ثِقةٌ عنْ شَيخِهِ، فلا تَجُوزُ له الروايةُ منها اعْتِمادًا عَلَى مجرَّدِ ذلكَ، إذ لا يُؤْمَنُ (٧) » إلى آخره.
قالَ الشَّيخ في " النُّكتِ " (٨): «وقد اعتُرِضَ عليهِ: بأنَّهُ ذَكَرَ في النوعِ الذي قبلهُ أنَّ الخطيبَ، والإسفرائيني جوَّزا الروايةَ من كتابٍ لم يقابلْ أصلًا، ولم ينكرْهُ الشَّيخُ، بل أقَرَّهُ». انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيها.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٢٨).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٥.
(٤) اختصار علوم الحديث ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦ وبتحقيقي: ٢٠٤. وعبارته فيه: «وإلى هذا أجنح»، وكلام البرساني وأيوب نقله عنهما الخطيب في " الكفاية ": ٢٥٧.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن بكر البرساني الأزدي، وبُرسان: بطن من الأزد، قال عنه يحيى بن معين: وكان - والله - ظريفًا صاحب أدب ثقة، توفي سنة (٢٠٣ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٤٤٣، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٤٢١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٥.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠.
(٨) التقييد والإيضاح: ٢٢٢.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قالَ الشَّيخُ (١): «قلتُ: الصورةُ التي تقدَّمتْ، هي فيما إذا نُقِلَ كتابُهُ من الأصلِ، فإنَّ الخطيبَ (٢) شَرَطَ في جوازِ ذلكَ، أنْ تكونَ نُسختُه نُقلتْ من الأصلِ، وأن يُبيِّن عند الروايةِ أنَّه لم يعارض.
وزادَ ابنُ الصَّلاحِ (٣) على ذلكَ شرطًا آخرَ وهوَ: «أنْ يَكُونَ ناقِلُ النُّسْخَةِ غيرَ سَقِيمِ النَّقْلِ، بلْ صحيحَ النَّقْلِ قَليلَ السَّقْطِ».
وأمَّا الصُّورةُ التي في هذا النوعِ، فإنَّ الراويَ منها، ليسَ على ثقةٍ من موافقتِها للأصلِ.
وقد أشارَ المصنِّفُ هنا إلى التعليلِ بذلكَ، فقالَ: «إذ (٤) لا يُؤْمَنُ أنْ يكُونَ فيها زَوَائِدُ ليسَتْ في نسخَةِ سَماعهِ» (٥)، والله أعلم» (٦).
قوله: (من غيرِ بيانٍ للإجازَةِ) (٧)، أي: في تلكَ الزياداتِ بعينِها. وأمَّا البيانُ عمومًا فلا بدَّ منهُ بأنْ يقولَ مثلًا: «حَدَّثَني فلانٌ، ونقلتُهُ من أصلِ سَماعهِ لكنّي لم
_________________
(١) أي: العراقي، وكلامه في " التقييد والإيضاح ": ٢٢٢.
(٢) انظر: الكفاية: ٢٣٧ - ٢٣٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٣، ونقل الزركشي في "نكته" ٣/ ٥٨٦ اعتراض ابن أبي الدم على ابن الصلاح فقال: «قلت الذي عندي في هذا أنه لا يجوز له رواية ما نقله بخطه، ولا نقل غيره بخطه من كتاب داخل في روايته، ما لم يكن مقابلًا، إما بالأصل المسموع على الشيخ، أو بفرع مقابل بأصل المسموع على الشيخ؛ لأن الغالب أنه لا يخلو نقله من غلط وإن قل، وهذا معروف بالعرف والتجربة، فكيف يجوز له أن يروي عن شيخه شيئًا سمعه عليه من كتاب هل هو كل الذي سمعه أو بعضه، وهل هو على وجهه أو غير وجهه».
(٤) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «إذا».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠.
(٦) إلى هنا انتهى كلام العراقي في " التقييد والإيضاح ": ٢٢٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٥، وهذا الكلام هو لابن الصلاح انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أسمعْ من ذلكَ الأصلِ»، أو: «حَدَّثني فلانٌ سماعًا وإجازةً لما خالفَ أصل سَماعي عليهِ: إنْ خالفَ».
قولُه: (في محلِّ التَّسَامحِ) (١)، قال ابنُ الصَّلاح بعدَهُ: «وقدْ حَكَيْنا فِيْمَا تَقَدَّمَ أنَّه لاَ غِنَى في كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الإجازَةِ؛ لِيَقَعَ فيما (٢) يَسْقُطُ في السَّماعِ عَلَى وجهِ السَّهْوِ وغيرِهِ مِنْ كَلماتٍ أو أكْثَرَ، مَرويًِّا بالإجازةِ، وإنْ لم يُذْكَرْ لَفْظُها» (٣).
قولهُ: / ٢١١ ب / (هَدَانا اللهُ لهُ) (٤) قالَ عَقِبَهُ: «والحاجَةُ إليهِ مَاسَّةٌ في زَمَانِنا جِدًَّا، واللهُ أعلمُ» (٥).
قولُه في شرحِ قولِهِ: (وَإِنْ يُخَالِفْ) (٦): (وهو غيرُ شاكٍّ) (٧) لا يتوهمُ أنَّه لا ينفي الظنَّ، حتى يكونَ غيرَ موفٍ بقولهِ في النَّظمِ: «مَع تَيَقُّنٍ» فإنَّ المراد باليقينِ القطعُ؛ لأنَّ نفيَهُ لما فوقَ الشكِّ مفهوم مُوافقَة؛ لأنَّ العبارةَ تُفهِم أنَّهُ إذا كانَ شاكًَّا لا يَعتمِدُ حفظَهُ، وإذا كانَ لا يعتمدُهُ في حالِ الشكِّ، فلأن لا يعتمدُهُ في حال الظنِّ مثلًا بطريق الأولى، نَعَمْ، قد يُقالُ: إنَّه لا ينفي الوهمَ، فلو قالَ: غير متردِّدٍ لكانَ صَريحًا؛ لأنَّ نفي الأعمِّ نفيٌ للأخصِّ.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) في المعرفة: «ما».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠ - ٣٢١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٦، وهذا الكلام هو لابن الصلاح.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢١. وقال السخاوي في " فتح المغيث " ٢/ ٢٠٥ عقب هذا: «يعني: لمزيد التوسع والتساهل فيه بناء على أن المطلوب بقاء السلسلة خاصة، حتى إنه صار كما قال ابن الصلاح، بمجرد قول الطالب للشيخ: هذا الكتاب، أو الجزء من روايتك يمكنه من قراءته من غير تثبت، ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماع ..».
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٣٠).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٦.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قولهُ: (الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى) (١) هو شاملٌ لروايةِ الحديثِ، والأثرِ، والتصنيفِ.
قولهُ: (وَغَيْرُهُ) (٢) هو عطفُ (٣) جملةٍ على أخرى قسيمةٍ لها، لا عطفَ مفردٍ على مفردٍ. فالمعنى: الراوي إنْ كانَ لا يعلمُ مدلولاتِ الألفاظِ، وجبَ عليهِ أنْ يرويَ ما يرويه بلفظهِ (٤).
وأمَّا غيرُهُ: وهوَ مَن يعلم مدلولاتِ الألفاظِ، وما يُساوي مَعنى ما سَمعهُ، وما يزيدُ عليهِ وينقصُ عنهُ، فقد أجازَ لهُ الروايةَ بالمعنى معظمُ العلماءِ.
وقيلَ: لا يجوزُ لهُ أنْ يرويَ الجزءَ الواردَ عن النبيِّ - ﷺ - بالمعنى، ويجوزُ لهُ أنْ يرويَ غيرَهُ بالمعنَى (٥).
وابنُ الصَّلاحِ منعَ الروايةَ بالمعنى مطلقًا في تصانيفِ النَّاسِ (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٦
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٣٢).
(٣) قال العراقي: «ليست الواو للعطف؛ بل للاستئناف، أي: وأما غيره، وهو الذي يعلم مدلول الألفاظ». شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧، وانظر ما سيأتي من تعليق البقاعي.
(٤) وممن نقل هذا: الشافعي في " الرسالة ": فقرة (٧٥٣) - (٧٥٥) والخطيب في "الكفاية": ١٩٨، والقاضي عياض في " الإلماع ": ١٧٤، وابن الصلاح: ٣٢٢، والنووي في "الإرشاد" ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٥) وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وقد رواه عنه: الخطيب في " الكفاية ": ١٨٨ - ١٨٩، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٨١، والقاضي عياض في " الإلماع ": ١٨٠، وقد رجَّحه القاضي عياض. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣، وعبارته فيه: «فإن الرواية في المعنى رخّص فيها من رخّص، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ، والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب؛ ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره». وضعفه ابن دقيق العيد في "الاقتراح": ٢٤٥، وقال: «إنه كلام فيه ضعف». وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨ وتعليقي عليه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ثم إذا رَوَى الراوي بالمعنَى، فالمُستحبُّ له استحبابًا مُتأكدًا، أنْ يقولَ بعدَ ذكرِهِ لما ذَكَرَهُ بالمعنى: أو «كما قالَ»، أو «نحو ذلكَ» كأنْ يقولَ: «هذا معنى ما قالَ» أو «قَربتُ منهُ» أو «شبهُهُ» أو «نحوُهُ» (١).
وهكذا يصنعُ عندَ شكٍّ أَبهمَ عليهِ في لفظينِ، أو جملتينِ، أو غيرِ ذلكَ، فلم يدرِ بأيِّهمَا نَطَقَ مَن حدَّثَهُ، وهذا الذي قررتُهُ في العطفِ، هو مرادُ الشَّيخِ بقولهِ:
«إنَّ الواو للاستئنافِ» (٢)، أي: لابتداءِ ذكرِ جملةٍ، ولا يهولنّكَ قولُهُ: «ليستْ للعطفِ» (٣) فإنَّ المرادَ نفيُ عطفٍ مقيدٍ بالمفردِ؛ ليكونَ ما قبلها وما بعدها جملةً واحدةً، وإنْ لم يحملْ على هذا كانَ المعنى أنَّ الواوَ لا فائدةَ لها أصلًا بلْ وجودها كعدمِها، وهذا لا يقولُ بهِ مَن له مُسْكَةٌ (٤)، فإيّاكَ أن تَجنحَ إليه، فإنَّ كثيرًا من الناسِ يجترئُ على مثلهِ من كتابِ اللهِ تعالى فيما يُشكلُ عليه تنزيلُه / ٢١٢ أ / على معنىً مستقيمٍ؛ لعدمِ معرفتهِ المعطوف عليهِ، لضيقِ الحظيرةِ عن إيساعِ الفكرِ والإمعانِ في النظر، فيقعُ في أمرٍ عظيمٍ، لو تدبَّرهُ لتمنّى أن يكونَ خَرِسَ قبلَ أن يقولَ ما قالَ من ذلكَ المحالِ، واللهُ الهادي.
على أنَّ الشيخَ لو قالَ: «مدلولها، وقد أجازَ المعظمُ للغيرِ بالمعنى» لاستراحَ من هذا.
قولهُ: (لا يجوزُ لمنْ لا يعلمُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ (٦): «إذا أرادَ روايةَ ما
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣، والإرشاد ١/ ٤٦٧، وفتح المغيث ٢/ ٢١٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٤) مُسكة: بالضم، أي: بقية، يقال: فيه مُسكة من خير، أي: بقية، وفيه مسكة عقل، أو علم، أي: بقية. انظر: الصحاح مادة (مسك)، ولسان العرب مادة (مسك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢، وتتمة كلام ابن الصلاح: «وأصحاب الحديث وأرباب الفقه وأصوله». وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
سَمِعَهُ على معناهُ دونَ لَفظهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا عارفًا بالألفاظِ ومقاصِدِها، خبيرًا بِما يُحيلُ مَعَانِيها، بَصِيْرًا بِمَقَاديرِ التَّفَاوتِ بَينَهَا، فلا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ له ذلكَ، وعليهِ أنْ لا يَرويَ ما سَمِعَهُ إلا على اللفظِ الذي سَمِعهُ مِن غيرِ تَغييرٍ. فأمَّا إذا كانَ عَالِمًا عارِفًا بذلِكَ، فَهَذا ما (١) اخْتَلَفَ فيهِ السَّلَفُ». انتهى.
قالَ شيخُنا: «وفي المسألة قولٌ: إنَّهُ لا تجوزُ الروايةُ بالمعنى، إلاّ لمن يحفظُ اللفظَ حالَ الروايةِ بالمعنى، ليكونَ متمكِّنًا من التعبيرِ عنهُ بمعناهُ، وقولٌ آخرُ بعكسِ هذا، وهو أنَّهُ لا يجوزُ ذلكَ إلاّ لمنْ نسيَ اللّفظَ؛ لأنَّ حالتَهُ حالةٌ ضرورة، وروايتَهُ له بالمعنى خيرٌ من ضياعهِ» (٢).
قولُهُ: (والأصولِ) (٣)، أي: على الإطلاقِ، سواءٌ في ذلكَ الحديثُ وغيرُهُ.
وممّا يحثُّ على الروايةِ باللفظِ ويصلحُ أن يُلمحَ منهُ تجويزُ الروايةِ بالمعنَى حديثٌ رَواهَ الإمامُ أحمدُ (٤)، وابنُ ماجَه (٥)، والدّارميُّ (٦)، وأبو يَعلَى (٧)، والبزّارُ (٨)، وابنُ حِبّانَ (٩)، عن عدةٍ من الصحابةِ منهُم: أنسٌ - ﵁ -، وحديثُهُ عندَ
_________________
(١) في " المعرفة " «مِمَّا».
(٢) لم نعثر عليه بهذه الصورة. وانظر شرح نخبة الفكر: ٤٩٩ - ٥٠٢، وتدريب الراوي ٢/ ٩٨ - ٩٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٤) في " مسنده " ٤/ ٨٠ و٨٢ من حديث جبير بن مطعم، و٥/ ١٨٣ من حديث زيد بن ثابت، و١/ ٤٣٦ من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥) في "سننه" (٢٣٢) من حديث عبد الله بن مسعود، و(٢٣٦) من حديث أنس بن مالك.
(٦) في " سننه " (٢٣٠) من حديث أبي الدرداء.
(٧) في " مسنده " (٥١٢٦) و(٥٢٩٦) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٨) كما في " كشف الأستار " (١٤١) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٩) في " صحيحه " (٦٦) و(٦٨) و(٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود، و(٦٧) من حديث زيد بن ثابت.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
أحمدَ (١)، والطَّبرانيِّ (٢)، أنّ النبيِّ - ﷺ - قالَ: «نَضَّرَ (٣) اللهُ امرءًا سَمعَ مِنَّا حديثًا فبلَّغهُ كما سمعهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامعٍ» (٤).
وفي روايةٍ: «فرُبَّ حاملِ فقهٍ ولا فقهَ لهُ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هوَ أفقهُ منهُ» فقالَ: «كَما سَمعَهُ» أي: بلفظهِ، وقالَ: «فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى لهُ»، أي: رُبَّما لم يفهمهُ من سمعَهُ حقَّ الفهمِ، فغيّرَهُ فَنقَصَ بعضَ أحكامهِ، ولو بلَّغَهُ بلفظهِ، لربما ظهرَ للسامعِ منهُ ذلكَ الحكمُ الذي سَقَطَ بالتغييرِ.
وأمَّا لَمحُ التجويزِ منهُ فمن حيثُ لم يؤتَ فيهِ بصيغةِ الأمرِ، بل سِيقَ ذلكَ مَساقَ الترغيبِ بصيغةِ الدُّعاءِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ومنعَ بعضُ أهل الحديثِ) (٥) نقلَ أنَّ مِنهُم / ٢١٢ ب / ابن سيرين (٦) ولم يَذكرِ الأصوليينَ (٧)؛ إمَّا لقلةِ القائلِ منهم بذلكَ؛ أو لدخولهِم في الفقهاءِ؛ لأنَّ الأقدمينَ من الفقهاءِ كانوا جامعينَ للعِلمَيْنِ؛ أو لأنَّ ذلك قد فُهمَ من تعبيرهِ أولًا بالأكثرِ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) في " مسنده " ٣/ ٢٢٥.
(٢) في " معجمه الأوسط " (٩٤٤٤).
(٣) نَضَره ونَضَّره وأنْضَره، أي نَعمه، ويروى بالتخفيف والتشديد من النَّضارة، وهي في الأصل: حسن الوجه، والبريق، وإنما أراد حَسَّن خُلُقَه وقَدْرَه. النهاية ٥/ ٧١.
(٤) قال ابن دقيق العيد: «ولا خفاء بما في تبليغ العلم من الأجور لاسيما، وبرواية الحديث يدخل الراوي في دعوة النبي - ﷺ -، حيث قال: «نضر الله امرءًا سمعَ مقالتي فوعَاها، ثم أدّاها إلى مَنْ لم يسمعها»». الاقتراح: ٢٦٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٦) انظر: الكفاية: ٢٠٦، والبحر المحيط للزركشي ٣/ ٤١٤.
(٧) لم يذكر العراقي الأصوليين في شرحه وذكرهم ابن الصلاح والنووي والزركشي والسخاوي.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قولُه: (مطلقًا) (١)، أي: سواءً الراوي كانَ عالمًا بمدلولاتِ الألفاظِ كما تقدَّمَ، أم لا.
[قوله] (٢): (وهو حديثُ رسولِ الله - ﷺ -) (٣)، أي: لأنَّه - ﷺ - أُوْتِيَ جوامعَ الكلم (٤)، وغيرُهُ ليسَ كذلكَ.
والجوابُ: أنَّ المقصودَ أداءُ المعنَى، وإنْ كانَ اللفظُ المؤَدَّى به أكثرَ من الأصلِ، ولا يشكلُ عليه حديثُ «مَن قالَ عليَّ ما لم أقلْ» (٥) فيكونَ نهيًا عن الروايةِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيها.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٤) قال الزركشي في " البحر المحيط " ٣/ ٤١٣: «أن لا يكون - أي: الحديث - من جوامع الكلم؛ فإن كان كقوله ﵊: «الخراج بالضمان»، «البينة على المدعي»، «العجماء جبار»، «لا ضرر ولا ضرار»، ونحوه لم يجز؛ لأنّه لا يمكن درك معاني جوامع الكلم حكاه بعض الحنفية» وقال في موضع آخر ٣/ ٤١٦: «والأصح عندي أنّه لا يجوز لاختصاصه - ﷺ - بهذا النظم».
(٥) أخرجه: أحمد ٢/ ١٥٨ و١٧١ من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه: الطيالسي (٨٠)، وأحمد ١/ ٦٥، والبزار (٣٨٣) من حديث عثمان بن عفان. وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٣٤، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٦٢٦)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٦٥٩) من حديث أبي موسى الغافقي. وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٨١٠) بتحقيقي، وأحمد ٥/ ٢٩٧ و٣١٠، والدارمي
(٦) ، والبخاري في " الأدب المفرد " (٩٠٤)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل "
(٧) ، والحاكم ١/ ١١١ - ١١٢ من حديث أبي قتادة. قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " عقب الحديث (١١٠) بعد أن تكلم عن التخريجات ومن خرَّجها: «فهؤلاء ثلاثة وثلاثون نفسًا من الصحابة، وورد أيضًا عن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول من وقفت على كلامه في ذلك: علي بن المديني، وتبعه يعقوب بن شيبة، فقال: روي هذا الحديث من عشرين وجهًا عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم، ثم إبراهيم الحربي، وأبو بكر =
[ ٢ / ٢١٠ ]
بالمعنى؛ لأنّه - ﷺ - لم يقل ذلك اللّفظَ. وإنما كانَ لا يشكلُ؛ لأن ترجمةَ الكلامِ بغيرِ لفظِ القائلِ مَعَ نسبةِ ذلكَ الكلامِ إلى ذلكَ القائلِ أمرٌ مشهورٌ في الكتابِ والسُّنةِ والعُرفِ، فهو معترفٌ أنَّ القصدَ إنّما هو المعنى، واللهُ أعلمُ.
قولُه: (والقولُ الأولُ هو الصحيحُ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «والأصَحُّ جَوَازُ ذلكَ في الجميعِ إذا كانَ عالِمًا بمَا وَصَفْناهُ، قَاطِعًا بأنَّهُ أدَّى مَعنَى اللَّفْظِ الذي بَلَغَهُ؛ لأنَّ ذلكَ هو الذي تَشْهَدُ بهِ أحوالُ الصَّحَابَةِ والسَّلَفِ الأوَّلِينَ» (٢) ﵃ أجمعينَ.
قولهُ: (غيرِ واحدٍ من الصحابةِ) (٣) سَتأتي تَسميتُهم آخرَ هذه القولةِ.
قولهُ: (حديثٌ مرفوعٌ) (٤) قالَ شَيخُنا: «هو موضوعٌ؛ في سندهِ راوٍ كذابٌ» هكذا حفظتُهُ منهُ.
وقالَ في كتابهِ " الإصابةِ في الصحابةِ " (٥) في ترجمةِ راوي هذا الحديثِ عن النبيِّ - ﷺ - سليمِ بنِ أُكَيمٍ (٦) الليثيِّ: «رَوَى الطَّبرانيُّ (٧) من طريقِ الوليدِ بنِ سلمةَ،
_________________
(١) = البزار، فقال كل منهما: إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة وقال أبو بكر الصيرفي شارح "رسالة الشافعي": رواه ستون نفسًا من الصحابة وقال أبو القاسم ابن منده رواه أكثر من ثمانين نفسًا ».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٣) إلى هنا ينتهي كلام ابن الصلاح في المعرفة: ٣٢٣، وتتمة كلامه: «وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمرٍ واحدٍ بألفاظ مختلفة».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٧.
(٦) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٣٨٤ (٣٤٣٠).
(٧) في المطبوع من " الإصابة "، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٤٨٧: «أكيمة».
(٨) في " الكبير " (٦٤٩١). =
[ ٢ / ٢١١ ]
قال: حَدَّثَني يعقوبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سليمِ بنِ أُكَيمٍ، عَن أبيهِ، عَن جدهِ قالَ: أتَيْنَا رسولَ اللهِ - ﷺ - فَذكرَهُ»، ثُم قالَ: «ورواهُ من وجه آخر عنهُ، فقالُ: «سُلَيمانُ» بدل «سُليمٍ».
وأوردَهُ ابنُ الجوزيّ في " الموضوعاتِ " (١)، واتّهمَ به الوليدَ بنَ سلمةَ، وليسَ كما زَعمَ. فقد أخرجَهُ: ابنُ مَنْدَه (٢) من طريقِ عمرَ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ ابن إسحاقَ، عن (٣) سُليمِ بن أُكيمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ نحوه. ولكنّ عُمرَ في وزن (٤) الوليدِ.
وأخرجَهُ: ابنُ مَندَه (٥) من طريقٍ أخرى، عن عمرَ بنِ إبراهيمَ، فقالَ: عن محمدِ / ٢١٣ أ / بنِ إسحاقَ بنِ (٦) عبدِ اللهِ بنِ سليمٍ، زاد في نسبه «عبد الله». ثم أوردَهُ في ترجمةِ: «عبدِ اللهِ» بهذا النسبِ.
_________________
(١) = وأخرجه أيضًا: الجورقاني في " الأباطيل " ١/ ٩٧ من طريق الوليد بن سلمة، وقال: حدثني يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي، عن أبيه، عن جده، فذكره. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ١٥٤: «ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه». وقال الجورقاني: «هذا حديث باطل، وفي إسناده اضطراب».
(٢) لم أجده في المطبوع من " الموضوعات ".
(٣) في كتابه " معرفة الصحابة " كما قال العراقي في " شرحه " ١/ ٥٠٧.
(٤) كذا في (ف) و" معرفة الصحابة " لأبي نعيم ٢/ ٤٨٧ (٣٤٦٩)، والذي في " الإصابة ": «محمد بن إسحاق بن سليم بن أكيم ».
(٥) في الإصابة: «زمن» خطأ.
(٦) أخرجه: الجورقاني في "الأباطيل والمناكير" ١/ ٩٧ من طريق ابن منده، بهذا الإسناد.
(٧) في (ف): «محمد بن إسحاق عن عبد الله بن سليم »، والمثبت من الإصابة، والأباطيل والمناكير؛ إذ أخرجه الجورقاني من طريق ابن منده، وقال فيه: عن محمد بن إسحاق بن عبد الله بن سليم.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وأخرجَهُ: أبو القاسمِ بنُ مَندَه في " كتابِ الوصيةِ " من وجهينِ إلى الوليدِ ابنِ سلمةَ، فقالَ: «عن إسحاقَ بنِ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُكيمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ». وفيه اختلافٌ آخرُ يأتي في ترجمةِ: محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بن سُليمِ بن أكيمٍ (١). انتهى.
_________________
(١) قال ابن حجر في " الإصابة " ٥/ ٢٨٠ (٨٥٢٥) في ترجمة: محمد بن عبد الله بن سليمان ابن أكيمة الليثي: «ذكره ابن قانع في "الصحابة"، وأخرج من طريق أحمد بن مصعب، عن عمر بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده محمد بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي، قال: قلت: يا رسول الله، إنّا نسمع منك شيئًا لا نستطيع نرويه كما نسمعه، قال: «إذا لم تحلوا حرامًا ولا تحرّموا حلالًا وأصبتم المعنى فلا بأس»، وعمر مذكور بوضع الحديث، وقد اضطرب في تسمية آبائه في هذا الحديث، فأخرجه: ابن منده من طريق عمر ابن إبراهيم، فقال: عن محمد بن سليم بن أكيمة، وأورده في حرف السين في سُليم ليس في آخر الاسم ألف، ولا نون، ثم أورده من طريق أخرى عن عمر، فقال: عن محمد بن إسحاق ابن عبد الله بن سُليم، وزاد في النسب عبد الله، فأورده كذلك في حرف العين، وهذا لا يمكن الجمع بينه وبين الذي قبله، بأن يكون الضمير في قوله: عن جده يعود على إسحاق، فيكون سُليم هو الصحابي، وأورده أبو موسى في الذيل من طريق عبدان المروزي، ثم من روايته عن عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن محمد بن إسحاق بن أكيمة وأورده كذلك في الألف. وكذا أخرجه: ابن مردويه في " كتاب العلم " من الطريق التي أوردها عبدان، وكذا أخرج ابن السكن بهذا السند حديثًا آخر في ترجمة أكيمة، وجاء فيه اختلاف آخر من غير رواية عمر ابن إبراهيم، فأخرجه: الطبراني من طريق يعقوب بن عبد الله بن سُليم بن أكيمة، عن أبيه، عن جده، وأورده في سليم من حرف السين، ورواه الطبراني من طريق الوليد بن سلمة، عن إسحاق بن يعقوب بن عبد الله بن أكيمة، عن أبيه، عن جده، وكل هذه الطرق لا توافق رواية ابن قانع بوجه من الوجوه والذي أظنّه أنه وقع فيه تقديم وتأخير، وأنّه كان من محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سُليم بن أكيمة، عن أبيه، عن جده، فتقدم قوله: عن أبيه، عن جده، على قوله: ابن عبد الله بن سُليم، فخرج منه هذا الوهم، والله أعلم».
[ ٢ / ٢١٣ ]
والوليدُ الذي وازنَ بينَهُ وبين عمرَ هو الوليدُ بنُ سلمةَ الطبريُّ (١) الأزديُّ أبو العبّاسِ قاضي طبريّةَ.
قالَ أبو حاتِمٍ: «ذاهبُ الحديثِ» (٢).
وقالَ دحيمٌ وغيرُهُ: «كذابٌ» (٣).
وقالَ ابنُ حبانَ: «يضعُ الحديثَ» (٤).
وأمَّا عمرُ، فلم يذكر في " لسانِ الميزانِ " (٥) مَن يصلحُ أنْ يكونَ هذا إلاّ عمرُ بنُ إبراهيمَ بنِ خالدٍ الكرديُّ الهاشميُّ مولاهم، وقالَ: «عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، وعن ابنِ أبي ذئبٍ، وشعبةَ، وبقيَ إلى العشرينَ ومئتينِ» - وقالَ في آخرِ ترجمتهِ: - «قالَ ابنُ عقدةَ: ضعيفٌ. وقالَ الخطيبُ: يروي المناكيرَ عن الأثباتِ (٦)، ولم يعرفْهُ ابنُ القطانِ: فقالَ: مجهولٌ». هذا الذي قالَهُ (٧). ولا يظهرُ منهُ أنَّهُ في ميزانِ الوليدِ، ذاكَ وُصِفَ بالكذبِ (٨)، فاللهُ أعلمُ.
_________________
(١) انظر ترجمته في: الكامل ٨/ ٣٥٨، والجرح والتعديل ٩/ ٩، والكشف الحثيث (٨٢٥)، ولسان الميزان ٨/ ٣٨٣ (٨٣٥٧). وقد وقع في المطبوع من " الكامل "، و" ميزان الاعتدال "، و" كشف الحثيث ": «الطبراني».
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ٩ (١٥٦٨٢).
(٣) الجرح والتعديل ٩/ ٩ (١٥٦٨٢)، وميزان الاعتدال ٤/ ٣٣٩.
(٤) المجروحين ٣/ ٨٠.
(٥) ٦/ ٦١ - ٦٢، وانظر: ميزان الاعتدال ٣/ ١٧٩.
(٦) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦ (٥٨٥٨) ونص كلامه: «وكان غير ثقة، يروي المناكير عن الأثبات».
(٧) أي: الحافظ ابن حجر ﵀.
(٨) وعمر هذا وصف أيضًا بالكذب، فقد وصفه الدارقطني كما نقله برهان الدين الحلبي في "كشف الحثيث" (٥٣٧)، ونقله أيضًا ابن حجر في " لسان الميزان " ٦/ ٦١ (٥٥٧٣).
[ ٢ / ٢١٤ ]
وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ فحمّرهُ الذهبيُّ في «تجريدِ الصحابةِ» (١) وقالَ في الخطبةِ: «فَمَن حُمر على اسمهِ فهو تابعيٌّ، لا رؤيةَ لهُ»، وقالَ: «وقيلَ: الصحبةُ لأبيهِ».
ورأيتُ عن شَيخِنا الحافظِ برهانِ الدِّينِ الحلبيِّ، أنَّه قالَ: «رأيتُ بخطِّ بعضِ شيوخِي في منتقى من " الطبرانيِّ الكبيرِ " (٢) عن يغوثَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سُليمانَ ابن أُكيمةَ الليثيِّ، عن أبيهِ، عن جدهِ، قالَ: أتينا رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقالَ (٣): بآبائِنا أنتَ وأمهاتِنا يا (٤) رسولَ اللهِ، إنَّا نسمعُ منكَ الحديثَ، ولا نَقدرُ أن نؤدِّيه كما سمعناهُ، قالَ: «إذا لم تحلُّوا حرامًا، ولم تُحرِّموا حلالًا، وأصبتُمُ المعنى، فلا بأسَ».
هكذا وجدتُ عن شَيخِنا البرهانِ: «يغوثَ» بمعجمةٍ بعد التحتانيةِ وآخره مُثلثة، وقد سَبقَ أنَّ شيخَنا ابنَ حجر قالَ في " الإصابةِ " (٥): «يعقوب» بمهملةٍ، ثم قافٍ، وآخره مُوحَدة. فاللهُ أعلمُ.
قالَ شيخُنا البرهانُ: «ورَوَى ابنُ عساكرَ في ترجمةِ واثلةَ من " تاريخهِ " (٦) من طريقِ أبي نُعيمٍ الحنفيِّ، عن العلاءِ بنِ كثيرٍ أبي سعدٍ الشاميِّ، عن مكحولٍ: أنَّهُ سمعَ واثلةَ - ﵁ - يقولُ: سمعتُ / ٢١٣ب / رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «لا بأسَ بالحديثِ قدَّمتَ فيهِ، أو أخَّرتَ إذا أصبتَ معناهُ». انتهى.
_________________
(١) ١/ ٣١٦.
(٢) الحديث (٦٤٩١).
(٣) في " معجم الطبراني ": «فقلنا له».
(٤) في (ف): «برسول الله»، والمثبت من " المعجم الكبير ".
(٥) ٢/ ٣٨٤.
(٦) تاريخ دمشق ٦٥/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٢١٥ ]
قولهُ: (بَدَلَهُ فيهِ) (١)، أي: في ذلكَ التصنيفِ، بأنْ ينسخَهُ ويغيرَّ ألفاظَهُ أو بعضَها.
قولهُ: (والجمودِ عليها من الحَرَجِ) (٢) يدلُّكَ على أنَّ هذهِ المسألةَ منتزعةٌ من قولِ مَن شَرطَ في الروايةِ بالمعنى نسيانَ اللفظِ، واللهُ أعلمُ.
ويرشدُ أيضًا إلى أنّه إنْ غابَ عنه ذلكَ الكتابُ غيبةً لا تمكنُهُ معها مراجعته، أو تمكنهُ بعد مَشقةٍ، جازَ النقلُ منهُ بالمعنى.
قولهُ: (وأقلُّ ما فيهِ) (٣) قالَ شيخُنا (٤): «لم يذكرْ أكثرَ ما فيهِ، وهوَ جعلُ المحافظةِ على ألفاظِ المصنفينَ أعظمُ من المحافظةِ على ألفاظِ الحديثِ النبويِّ، ويشبهُ أن تكونَ روايةُ الحديثِ، قبلَ الوصولِ إلى المصنفاتِ وبعدَه، وروايةُ غيرِ الحديثِ سواءٌ، لا فرقَ بينَ شيءٍ من ذلكَ فمتى رَوَى شيئًا منهُ بعبارةٍ تدلُّ اصطلاحًا، أو لغةً، أو عُرفًا على أنَّ ما ذكرَهُ لفظَ المنقولِ عنهُ، لم يحلَّ له أن يتصرَّفَ فيهِ، وإلاّ جازَ، فإنْ صرَّحَ بأنَّهُ نَقَلَ بالمعنى فهو أحسنُ».
قالَ: «والذي لا أشكُّ فيهِ، أنّ دندنتهم ترجعُ إلى هذا، وأنَّهُ لا يخالفُ فيه أحدٌ ولا تغترَّ بأنَّ قولَ ابنِ دقيقِ العيدِ: «سواءٌ رَوَيناها فيها أو نَقَلناها منها» (٥) ظاهرهُ المنعُ مطلقًا، واللهُ أعلمُ».
قولهُ: (أو نَقَلْناها منها) (٦) يوجدُ بعدَهُ في بعضِ النُّسخِ: (قلتُ: لا نسلِّمُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٣) هذا كلام ابن دقيق العيد، نقله العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٥٠٨، وانظر: الاقتراح: ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٤) انظر: فتح المغيث للسخاوي ٢/ ٢١٦، وفيه إقرار الحافظ ابن حجر لكلام ابن دقيق العيد.
(٥) الاقتراح: ٢٤٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
[ ٢ / ٢١٦ ]
أنَّهُ يقتضي جوازَ التغييرِ فيما نقلناهُ إلى تخاريجنا، بلْ لا يجوزُ نقلهُ عن ذلكَ الكتابِ، إلاَّ بلفظهِ دونَ معناهُ، سواءٌ في مُصنفاتِنا (١) وغيرِها، واللهُ أعلمُ) (٢).
وأكثرُ النُّسخِ خاليةٌ عن ذلكَ (٣)، وكأنَّها حاشيةٌ اشتبهتْ على بعضِ النُّسَّاخ، وهي غيرُ صحيحةِ المعنَى، فإنَّ ما قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ ظاهرٌ جدًا، من عبارةِ ابنِ الصّلاحِ من قولهِ: «ويُثْبِتَ بدلَهُ فيه لفظًا آخرَ بمعناهُ» (٤) فَقَّيدَ بقولهِ: «فيهِ»، ومن قولهِ: «فليسَ يملكُ تغييرَ تصنيفِ غيرهِ» (٥) ومتى لم يكنِ التغييرُ في صلبِ التصنيفِ، لم يكنْ تغييرًا لهُ، واللهُ الهادي.
قولهُ: (وما أَشبهَ ذلكَ) (٦) عبارةُ ابنِ الصَّلاح بـ «أو»، فقالَ: «ينبغِي لِمَنْ روى حديثًا بالمعنى أنْ يُتبِعَهُ بأنْ يقولَ: «أوْ كَما قالَ»، أو «نحوِ هذا»، أو ما أشبه ذلك مِنَ الألفاظِ» (٧).
قولهُ: (وأنسٍ) (٨) قالَ ابنُ الصَّلاحِ (٩) بعدَهُ: «قالَ الخطيبُ (١٠):
_________________
(١) في شرح التبصرة والتذكرة: «في تصانيفنا أو غيرها».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٣) انظر بلا بد تعليقنا على " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٥٠٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٩، وحديثه رواه ابن ماجه (٢٤)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٥٥٠، والخطيب في " الكفاية ": ٢٠٦، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٧٩.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣.
(١٠) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٣٤.
[ ٢ / ٢١٧ ]
والصَّحابةُ (١) رضي الله / ٢١٤ أ / عنهم أربابُ اللسانِ وأعلمُ الخلقِ بمعاني الكلامِ، فلم يكونُوا يقولونَ ذلكَ إلاَّ تَخَوُّفًا من الزللِ؛ لمعرفتهم بما في الروايةِ على المعنى من الخَطَرِ» (٢).
قوله: (على الشكِّ) (٣) عبارة ابن الصلاح: «وإذا اشْتَبَهَ على القارىءِ فيما يَقْرَؤهُ لفظةٌ: يقرؤها (٤) على وجهٍ يَشُكُّ فيهِ» (٥).
قوله: (في روايةِ) (٦) هو مضافٌ إلى (صوابِها) (٧)، أي: في أنْ يرويَها على الصَّوابِ عندَ تحقُّقِ ذلكَ.
قولهُ: (بَيَّنَّاهُ قريبًا) (٨)، أي: في شرحِ قولهِ: «الروايةُ منَ الأصلِ».
_________________
(١) نقل عن ابن عمر: عدم تجويز الرواية بالمعنى، ونقل عن عبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء: أنَّهم كانوا يحتاطون فيقولون بعد الحديث «كما قال»، أو «نحو هذا». انظر: الكامل ١/ ٩٤، وجامع بيان العلم ١/ ٧٩، والكفاية: ٢٠٥ هـ، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩.
(٢) قال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ٣٣٣: «ليس في النقل عن هؤلاء أنهم جوَّزوا نقل الحديث بالمعنى كما فهمه بعض من لا يصح فهمه».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٩.
(٤) في المعرفة: «فَقَرَأَها».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٩، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣.
(٧) انظر ما سبق.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٩، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣.
[ ٢ / ٢١٨ ]
الاقتِصَارُ عَلَى بَعضِ الحدَيِثِ
قولُهُ: (الاقتصارُ على بعضِ الحديثِ) (١) لما كانَ للحذفِ من الحديثِ تعلّقٌ بالمعنَى، عقَّبَ الروايةَ بالمعنَى بهِ.
قولُهُ: (فَامْنعَ) (٢) هوَ على تقديرِ شرطٍ، أيْ «حَذف بعضِ المتنِ إنْ أرادَهُ أحدٌ فامنعْ منهُ مطلقًا»، أي: سواءٌ كان قد رَوَى قبلَ ذلكَ تامًَّا أم لا. قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣)، بناءً على القولِ بالمنعِ من النقلِ بالمعنى مطلقًا.
قولُهُ: (او أجِزْ) (٤) أي: أجِزِ الحذفَ مطلقًا. وعبارةُ ابنِ الصَّلاحِ عن هذا القولِ: «ومنهمْ مَنْ جَوَّزَ ذلكَ وأطلقَ ولم يُفصِّلْ» (٥) - أي: بينَ أنْ يكونَ الحديثُ قد رويَ تامًا قبلَ ذلكَ أو لا، ولا بينَ أنْ تجوزَ الروايةُ بالمعنى أو لا، قالَ -: «وقد رُوِّيْنا عَنْ مُجَاهِدٍ أنَّهُ قالَ: انقُصْ منَ الحديثِ ما شِئتَ ولا تزِدْ فيهِ (٦»). انتهى.
ونُقِلَ عن الشيخِ محيي الدّينِ النوويِّ (٧) أنَّه قالَ: «إنَّ القاضِي عياضًا، نسبَ هذا القولَ، إلى مسلمِ بنِ الحجاجِ صاحبِ الصَّحيحِ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥٠٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٣٥).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٣٥) بتسهيل همزة (أو).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٦) هذا الأثر أسنده الخطيب في " الكفاية ": ١٨٩ هـ، وفي " المحدث الفاصل " للرامهرمزي: ٥٤٣ بلفظ: «لأن أنقص من الحديث، أحب إليَّ من أنْ أزيد فيه».
(٧) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٥٢، وقال النووي: «والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والأصول: التفضيل وجواز ذلك من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوّزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قَبْلُ تامًا أم لا؟ هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأمّا من رواه =
[ ٢ / ٢١٩ ]
قوله: (أَوْ لِعَالِمٍ) (١) قال شَيخُنا ﵀: «يَنبغي أنْ لا يكونَ هذا قولًا برأسهِ، بلْ يجعلُ شَرطًا لقولِ من أجازَ، فإنَّ منعَ غيرِ العَالمِ منَ التصرُّفِ في مثلِ ذلكَ، لا يخالفُ فيه أحدٌ».
وقولهُ: (إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهُ ) (٢) إلى آخره شرطٌ لا بدَّ من وجودهِ، لكنْ لا يحتاجُ إلى ذكرهِ هنا؛ لأنَّهُ قد عرفَ من القولةِ التي قبلَ هذهِ (٣) أنَّ التغييرَ مشروطٌ بالإتيانِ بتمامِ المعنى.
قالَ شيخُنا: «وينبغِي أن يقيَّدَ ذلكَ بمن يقصدُ الاحتجاجَ، كما سَيأتي في آخرِ هذهِ القولةِ». ويَستثني من غرضهِ الأعظم، تحريرَ السندِ كأصحابِ الأطرافِ، فإنَّهُ لا يشترطُ في حقّهِ أن يذكرَ من الحديثِ جملةً مفيدةً، بل يأتي بكلامٍ يُعرفُ منه تمامُ الحديثِ؛ ليدلَّ على أنّ هذا السندَ، للحديثِ / ٢١٤ ب / الذي ذكرَ طرفَهُ كأنْ يقولَ حديثَ: «لو يُعطَى النَّاسُ بدعواهُم» (٤).
_________________
(١) = تامًا، ثم خاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يتهم بزيادة أوّلًا، أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانيًا، فلا يجوز له النقصان ولا ابتداء إن كان قد تعين عليه أداؤه. وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلّة من المحدّثين وغيرهم، من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم ﵀: أو أن يفصل ذلك المعنى إلى آخره».
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٣٥).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٣٦).
(٤) إشارة إلى قوله في البيت (٦٣٥): وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ فَامْنعَ او أَجِزْ أَوْ إِنْ أُتِمَّ أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ
(٥) أخرجه: البخاري ٦/ ٤٣ (٤٥٥٢)، ومسلم ٥/ ١٢٨ (١٧١١) (١) من حديث ابن عباس. ولفظ البخاري: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لذهب دماء قومٍ وأموالهم».
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قوله: (هو أو غيرُهُ لم يَجُزْ) (١) أي: وإن جازت الرواية بالمعنى، كما قال ابن الصلاح (٢). وقد يُسأل عن علة ذلك، فإن قيل: إنّها الخوف من أن يُتهم بأنّه زاد فيه لو رواه بعد ذلك تامًا. فالخوف من أن يُتهم بأنّه زاد أوّل مرةٍ إذا رواه ثانيًا ناقصًا موجودٌ. وقد يقالُ: إنّما ذلكَ لأجلِ الخوفِ من أنَّه قد يموتُ قبلَ أنْ يُحدِّثَ به تامًا، فَيفُوتَ بذلك حكمٌ من الأحكامِ أو نحو ذلك.
قوله: (إنْ أَتَمَّ مرَّةً ما، منهُ أو من غيرِهِ) (٣) مُقيّدٌ بمن لا يُتّهمُ. أمّا مَن يَخشَى ذلكَ، فسيأتي أنَّهُ إذا رواهُ تامًَّا لا يسوغُ له بعدَ ذلكَ أن يروَيهُ ناقصًا؛ لِئلا يُظَنَّ به ظنّ السوءِ (٤).
قولُهُ: (لأنَّ ذلكَ بمنزِلةِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ بعدَ ما تقدَّمَ: «لأنَّ الذي نَقلَهُ والذي تركَهُ - والحالَةُ هذهِ - بمنزلَةِ خَبَرَينِ منفصلينِ في أمرينِ لا تَعَلُّقَ لأحدِهِما
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٠.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٠.
(٤) قال الخطيب في " الكفاية ": ١٩٣: «وإنْ خاف من روى حديثًا على التمام، إذا أراد روايته مرة أخرى على النقصان لمن رواه له قبل تامًا، أن يتهمه بأنه زاد في أول مرة مالم يكن سمعه، أو أنه نسي في الثاني باقي الحديث؛ لقلة ضبطه وكثرة غلطه، وجب عليه أن ينفي هذه الظنة عن نفسه؛ لأنّ في الناس من يعتقد في رواية الحديث كذلك أنه ربما زاد في الحديث ما ليس منه، وأنّه يغفل ويسهو عن ذكر ما هو منه، وأنّه لا يؤمن أن يكون أكثر حديثه ناقصًا مبتورًا، فمتى ظنَّ الراوي اتهام السامع منه بذلك، وجب عليه نفيه عن نفسه». وقال أبو الفتح سليم الرازي: «إن من روى بعض الخبر، ثم أراد أن ينقل تمامه، وكان ممَّن يتهم بأنّه زاد في حديثه، كان ذلك عذرًا له في ترك الزيادة وكتمانها». انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٦٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥، والمقنع ١/ ٣٧٧، وشرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٥٢، وشرح التبصرة ١/ ٥١٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
بالآخَرِ، ثمَّ هذا إذا كانَ رفيعَ المنزلةِ بحيثُ لا يتطرَّقُ إليهِ من ذلكَ تُهمَةُ نَقلهِ أوَّلًا تمامًا ثمَّ نَقْلِهِ ناقصًا، أو نقلِهِ أوَّلًا نَاقِصًا ثمَّ نَقلِهِ تامًَّا» (١).
وعبارةُ ابنِ دَقيقِ العيدِ (٢) فيما إذا اقتصرَ على واحدٍ من لَفظينِ مُستقلينِ في معنيينِ، ولا تغير للمعنى، فالأقربُ الجوازُ؛ لأنَّ عمدةَ الروايةِ في التجويزِ هو الصدقُ، وعُمدتها في التحريمِ هو الكذبُ، وفي مثلِ ما ذكرناهُ: الصدقُ حاصلٌ فلا وجهَ للمنعِ، فإن احتاجَ ذلكَ إلى تغييرٍ لا يُخِلُّ بالمعنى، فهو خارجٌ على جوازِ الروايةِ بالمعنى.
قولُهُ: (أَدَاءُ تمامِهِ) (٣) ينبغي أنْ لا يرويَهُ ناقصًَا، بل لا يرويه إلا تامًَّا مُطلقًا؛ لأنَّه إما أنْ يتعينَ ذلكَ عليهِ، وإمّا أنْ يكونَ بصددِ أنْ يؤخذَ عاضِدًا عندَ المعارضةِ، أو شَاهِدًا، أو متابعًا بحيثُ يتمُّ به وبما تابعه الحُجَّة، ولو لم تكن هناكَ معارضةٌ، فيندبَ له أنْ لا يرويَهُ إلا تامًا نَدبًا متأكدًا، وقد يقالُ: إنَّ هذه الصورةَ داخلةٌ في كلامِ الشَّرحِ.
قولُهُ: (إلى الجوازِ أقربُ) (٤) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «ومنَ المنعِ أبعَدُ» (٥) ونُقِلَ عن النوويِّ (٦) أنَّه يبعدُ طرد الخلافِ فيهِ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٢) الاقتراح: ٢٣٨ - ٢٣٩، وأول عبارته: «إن كان اختصاره، مما يغير المعنى لو لم يُختصر لم يجز. وإن لم يغير المعنى، مثل أن يذكر لفظين مستقلين ».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١١، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١١، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥. قلت: وقد فعله بعض الأئمة منهم: مالك، وأحمد، ونعيم بن حماد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. انظر: الكفاية ١٩٣ - ١٩٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥، والمقنع ١/ ٣٧٧، والإرشاد ١/ ٤٧٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١١.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥.
(٦) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٣٨ - ٣٩.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قولُهُ: (ولا يَخْلُو منْ كَراهِيَةٍ) (١) ليسَ المرادُ الكراهةَ الاصطلاحيةَ، وإنّما المرادُ أنَّ سوقَهُ تامًَّا أحسنُ وأولَى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١١، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥. وقد نازعه النووي في " التقريب ": ١٣٥، فقال: «وما أظنه يوافق عليه»، وقد عقد الخطيب في " الكفاية ": ١٩٣ - ١٩٤ بابًا سماه: «ما جاء في تقطيع المتن الواحد وتفريقه في الأبواب». ونقل فيه آثارًا عن الأئمة في جواز ذلك. وقال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٩٠ «فائدة وزيادة. قال النووي في مختصره: «ما أظنُّ أنَّ ابن الصلاح يوافق على الكراهية»، وأطلق هو وابن الصلاح الخلاف في الفرع، ثم أردفاه بالتفصيل. وهو يقتضي أن لنا قولًا بجوازه مطلقًا، حتى يترك الشرط، والاستثناء، والغاية. وهذا مما لا يقوله أحد، وإنما يحمل التفصيل على جملة حالاته، ويتقيد القولان قبله بما إذا لم يكن للمحذوف تعلق بالمروي. ومن ثم قال ابن الحاجب في مختصره: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلاّ في الغاية والاستثناء ونحوه. وما تقدم من صنيع البخاري لم يفعله الإمام مسلم، بل يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه وقد تقدم أنّ ذلك من جملة أسباب ترجيحه عند جماعة».
[ ٢ / ٢٢٣ ]
التسميعُ بقراءةِ اللحَّانِ (١) والمصحِّفِ (٢)
قولُهُ: (التَّسميعُ بقراءةِ اللحَّانِ والمصحِّفِ) (٣)، أي: إيجادُ الإسماعِ أو السماعِ / ٢١٥ أ / بقراءةِ اللحانِ، وهوَ مَن يُخطئُ بحالِ قراءتهِ صوابَ الإعرابِ إمّا بكونهِ لا يعرفُ العربيةَ، أو بكونهِ لا يقيمُ لسانَهُ وقتَ القراءةِ على الصوابِ، وإنْ كانَ يعرفُ النحوَ (٤).
_________________
(١) قال ابن فارس: «اللّحْنُ - بسكون الحاء - إمالة الكلام عن جهته الصحيحة في العربية، يقال: لحن لحنًا ». مقاييس اللغة مادة (لحن). وفي الصحاح مادة (لحن): «اللحن: الخطأ في الإعراب، يقال: فلان لحان ولحانة، أي: كثير الخطأ». وانظر: فتح المغيث بحكم اللحن في الحديث: ٢٢.
(٢) التصحيف: هو تغيير حرف أو حروف من الكلمة بالنسبة إلى النقط مع بقاء صورة الخط. شرح شرح نخبة الفكر: ٤٨٨ - ٤٨٩ بتصرف، وقال الجعبري: هو تغيير اللفظ أو المعنى. رسوم التحديث في علوم الحديث: ٩٢. وانظر في المصحف: معرفة علوم الحديث: ١٤٦ - ١٥٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٣، والإرشاد ٢/ ٥٦٦ - ٥٧٠، والتقريب: ١٥٨ - ١٥٩، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٧٠ وبتحقيقي: ٢٣٢، والشذا الفياح ٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠، والمقنع ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٩، ومحاسن الاصطلاح: ٢٣٣، وتنقيح الأنظار: ٢٥٧، ونزهة النظر: ٧٧، وفتح المغيث ٣/ ٦٧ - ٧٤، وتدريب الراوي ٢/ ١٩٣ - ١٩٥، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٧٩، وفتح الباقي ٢/ ١٧٤، واليواقيت والدرر ٢/ ١٠٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٩ - ٤٢٢، وظفر الأماني: ٢٨٢ - ٢٨٧، والموجز في مصطلح الحديث: ١٣٠، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١١.
(٤) انظر: فتح المغيث بحكم اللحن في الحديث: ٢٦ - ٣١.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
والمصحِّفُ: مَن يخطئُ بغيرِ اللحنِ، بلْ بتبديلِ بعضِ الحروفِ، مثل: أنْ يجعلَ الجيمَ في «أجمدَ» حاءً مهملةً، وزايَ البزارِ مهملةً، هكذا هو في الاصطلاحِ.
وإنْ كانَ في اللغةِ أعمُّ.
قالَ في " القاموسِ " (١): «الصَّحَفِيُّ مُحرَّكةً: مَنْ يُخطئُ في قِرَاءةِ الصَّحِيفةِ. والتَّصحيفُ: الخَطَأُ في الصَّحيفةِ».
وقالَ الصغانيُّ في " مجمعِ البحرينِ " (٢): «وقولُ العامةِ: صُحُفي بضمَّتينِ لحنٌ، والنسبةُ إلى الجمعِ نسبةٌ إلى الواحدِ؛ لأنَّ الغرضَ الدلالةُ على الجنسِ، والواحدُ يَكفي. وأمَّا ما كانَ علمًا «كأنماريٍّ» و«كلابيٍّ» و«معافريٍّ» و«مدائنيٍّ» فإنَّهُ لا يرد وكذا ما كان جاريًا مجرى العَلَمِ «كأنصاريٍّ» و«أعرابيٍّ» ».
وقال أبو عبيد الله (٣) القزَّاز (٤) في ديوانهِ " الجامعِ " (٥): «وَقولُهم صحَّفَ
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط مادة (صحف).
(٢) هو كتاب في اللغة في اثني عشر مجلدًا للإمام حسن بن محمد الصغاني المتوفي سنة (٦٥٠ هـ). انظر: كشف الظنون ٢/ ١٥٩٩.
(٣) في مصادر ترجمته: «عبد الله».
(٤) هو إمام الأدب أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي القيرواني النحوي القزاز، كان مهيبًا عالي المكانة لا يخوض إلاّ في علم دين أو دنيا. توفي سنة (٤١٢ هـ). انظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٦ (٦٥٢)، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٢٦، ومعجم الأدباء ١٨/ ١٠٥.
(٥) قال عنه الذهبي: «وهو من نفائس الكتب». وقال ابن خلكان: «وهو من الكتب الكبار المختارة المشهورة». وقال ياقوت الحموي: «وهو كتاب كبير حسن متقن يقارب كتاب التهذيب لأبي منصور الأزهري، رتبه على حروف المعجم». انظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٦ (٦٥٢)، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٢٦، ومعجم الأدباء ١٨/ ١٠٥.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
فلانٌ هذا الحرفَ، وفلانٌ كثيرُ التصحيفِ، وهو مصحِّفٌ، إنما أصلُهُ قرأهُ في الصُّحُفِ ولم يسمعْهُ من العلماءِ، فهو يغلطُ فيهِ ولا يدري، فنُسبَ إلى الصحيفةِ، يعني: كما نُسب المدينيُّ إلى المدينة، وقد بان بما قاله أنّ اللغة مساوية للاصطلاح في هذا المعنى، والله أعلم».
قوله: (رَعُفَ، فانتَهرني) (١) تبين أنَّ سيبويهَ ليسَ مخطئًا، فإنّ ضَمَّ العينِ من رَعُفَ لغةٌ، لكن قالَ في " الصحاحِ " (٢): «إنها ضعيفةٌ».
فلعلَّ حمادًا أنكرَ عليهِ نطقهُ بغيرِ الفُصحَى، أو أنَّهُ لم يعرفْها، وحُكِىَ فيهِ التثليثُ عن ابنِ سيده في " المُحكم " (٣)، وابنِ السيِّدِ (٤)، وابنِ مالك في " مثلثيهما ".
قال المُطَرِّزَيُّ: «والكسرُ أضعفُها» (٥).
وفي " القاموسِ " (٦): «(رَعَفَ) كنَصَرَ، ومَنَعَ، وكَرُمَ وعَنِيَ، وسَمِعَ: خَرَجَ من أنِفِه الدَّمُ».
وقالَ ابنُ القطَّاعِ في " الأفعالِ " (٧): «رَعَفَ الرجل رعْفًا سالَ دَمُهُ، والدمُ جَرَى، ورعُفَ يعني: بالضمِّ لغةٌ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٢.
(٢) ٤/ ١٣٦٥ (رعف).
(٣) مادة (رعف).
(٤) المثلث ٢/ ٣٠.
(٥) كلامه في " المغرب ": ١٩١: «وفتح العين الفصيح (وقول الحلوائي) في الشهيد لو كان (مرعوفًا) مبني على رعف بضم الراء، وهو لحن».
(٦) القاموس المحيط مادة (رعف).
(٧) ٢/ ٤٠.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قولُهُ: (والتَّحرِيف) (١) هو أن تختلف الكلمةُ بهيئة النُّطقِ بالتحريكِ والإسكانِ، والصورةُ بحالها من غيرِ تقديمٍ لبعضِ الحروفِ ولا تأخُّرٍ. مثل «حجر» بمهملةٍ ثم جيمٍ وراءٍ مهملةٍ تارةً محركًا وتارةً / ٢١٥ ب / مضموم الأولِ ساكن الثاني.
والتصحيفُ مثله إلا أنَّ الاختلافَ فيهِ بالنقطِ لا بالضبطِ في الشكلِ.
كالمِزِّي بكسرِ الميمِ ثم زاي، والمُرّي بضمِّ الميمِ ثم راءٍ مهملةٍ. واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (عليه بُرْنُس وليسَ له رأسٌ) (٢) وجهُ الشبهِ عدمُ المقصودِ الأعظمِ في كل منهما، فإنَّ منفعةَ البُرنُس العُظمى تغطيةُ الرأسِ وثمرة قراءةِ الحديثِ فهمُ معناهُ، وهو تابعٌ للإعرابِ أو الأجرُ المرتَّب على قراءتهِ، وهو قريبٌ على صحةِ الأداءِ ليكونَ صادقًا.
وكذا القولُ في «الحمارِ والمخلاةِ» (٣) فإنَّ المقصودَ من تعليقِها في رأسه هو الشعيرُ.
قولُهُ: (فقلّما سَلِمَ) (٤) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «فإنَّ مَنْ حُرمَ ذلكَ، وكانَ أخذهُ وتعلُمُه من بطونِ الكتبِ، كانَ من شأنهِ التحريفُ، ولم يُفلِتْ من التبديلِ والتصحيفِ» (٥). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٢، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٢، وهذا الأثر لشعبة أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " ٢/ ٢٦ (١٠٨٢).
(٣) أشار إلى ما رواه الخطيب في " الجامع " ٢/ ٢٦ (١٠٨٣) عن حماد بن سلمة قال: «مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو، مثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها». والمخلاة: ما يجعل فيه الحشيش ونحوه. الصحاح مادة (خلا).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٢، وجاء في المطبوع: «فقل ما سلم».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَذَكَرَ ابنُ كثيرٍ في سنةِ خمسمئةٍ من " تاريخهِ " (١): «أنَّهُ توفي فيها عبدُ الوهابِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ أبو محمدٍ الشيرازيُّ الفارسيُّ وأنَّهُ سمعَ الحديثَ الكثيرَ وتفقَّهَ، وولاهُ نظامُ الملكِ تدريسَ النظاميةِ ببغدادَ، وأنَّهُ كانَ يملي أحاديثَ، وكانَ كثيرَ التصحيفِ وأنَّهُ رَوَى حديثَ: «صلاةٌ في إثرِ صلاةٍ كتابٌ في علِّيين» (٢) فقال: «كنار في غَلَسٍ» (٣) وقالَ: «هو أكثرُ لإضائتِها». انتهى.
وروينَا في جزءِ " الانتصارِ لإمامَي (٤) الأمصار " (٥) يعني: البخاري ومسلمًا: أنَّ وكيعًا: قال: «خلق الله للحديث رجالًا، ورجالًا لإصلاح التصحيف».
_________________
(١) البداية والنهاية ٦/ ١٧٠.
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤ و٢٦٨، وأبو داود (٥٥٨) و(١٢٨٨)، والطبراني في " الكبير " (٧٧٣٤) و(٧٧٣٥) و(٧٧٤١) و(٧٧٥٣) و(٧٧٥٤) و(٧٧٥٥) و(٧٧٦٤) وفي " الأوسط "، له (٣٢٨٦) وفي " مسند الشاميين "، له (٨٧٨)، والبيهقي ٣/ ٦٣، والبغوي (٤٧٢) من حديث أبي أمامة.
(٣) وقع في المطبوع من كتاب البداية والنهاية: «كتاب»، لكن في طبعة التركي ١٦/ ١٩٩ مثل ما أثبته، وقال في الحاشية: «في (خ) و(م): كتاب في غلس، وفي (ص) كمار في عليين».
(٤) في (ف): «لأماني» والمثبت من " المعجم المفهرس "، و" المجمع المؤسس ".
(٥) ذكره ابن حجر في كتابيه " المعجم المفهرس ": ١٦٠ (٥٩٤)، و" المجمع المؤسس ": ٣٥٢.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
إصلاحُ اللَّحنِ والخَطَأ
قولُهُ: (إصلاحُ اللَّحْنِ وَالخَطأِ) (١) لما ذَكَرَ اللحَّانَ والمُصَحِّفَ أتبعَهُ إصلاحَ ما يحصلُ منهما.
قولُهُ: (مِنْ متنٍ) (٢)، أي: وأصلحُ الإصلاحِ ما كانَ من متنٍ آخرَ قد وردَ عنِ النبيِّ - ﷺ -.
قولُهُ: (أو تحريفٌ) (٣) ليسَ المرادُ بهِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل اللغويَّ، وهو أنْ يقعَ الخطأُ في حرفٍ من الكلمةِ أعمُّ من أنْ يكونَ آخرها أو غيرَ ذلكَ. فَسَاوَى حينئذٍ الخطأَ الذي ذكرهُ في النظمُ ليكونَ مُقابلًا للَّحنِ الذي هو الخطأُ في حرفِ الإعرابِ.
قولُهُ: (يُروَى عَلى الخطأِ) (٤) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ (٥): «وذهبَ إلى ذلكَ مِنَ التابعينَ محمدُ بنُ سيرينَ (٦)، وأبو معمرٍ عبدُ اللهِ بنُ سَخْبرةَ (٧)، وهذا غُلوٌّ في مَذهبِ اتّباعِ اللَّفظِ، والمنعِ مِنَ الروايةِ / ٢١٦ أ / بالمعنى».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٤٦).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧.
(٦) انظر: مذهبه في: العلم لأبي خيثمة (١٣٤)، والمحدّث الفاصل: ٥٣٨ عقب (٧٠١)، والجامع لأخلاق الراوي (١٠٦٥)، والكفاية: ١٨٦، وجامع بيان العلم ١/ ٨٠.
(٧) سخبرة: بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة. التقريب (٣٣٤١)، والخلاصة: ١٩٩. وانظر: مذهبه في " المحدّث الفاصل ": ٥٤٠ (٧٠٧)، و" الكفاية ": ١٨٦، و" الجامع لأخلاق الراوي " (١٠٦٢) و(١٠٦٣)، و" جامع بيان العلم " ١/ ٨١.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
قوله: (وإليه ذهب الأوزاعيُّ) (١) عبارته: «رُوِّينا ذلك عنِ الأوزاعيِّ (٢)، وابنِ المباركِ (٣) وغيرِهما (٤)، وهوَ مذهبُ المحصِّلينَ والعلماءِ مِنَ المحدّثينَ.
والقولُ بهِ في اللّحنِ الذي لا يختلفُ بهِ المعنى وأمثالِهِ، لازمٌ على مذهبِ تجويزِ الروايةِ بالمعنى. وقدْ سَبَقَ أنَّهُ قولُ الأكثرينَ» (٥).
وقالَ في المسألةِ التي بعدها (٦): «إذا كانَ الإصلاحُ بزيادةِ شيءٍ قدْ سَقَطَ، فإنْ لم يَكُنْ في ذلكَ مُغايرةٌ في المعنى، فالأمرُ فيهِ على مَا سَبقَ، وذلكَ كنحوِ ما رُوِيَ عَنْ مالكٍ» (٧) فَذكرَ ما يأتي عنهُ من زيادةِ الواوِ، والألفِ، والمعنى واحدٌ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣.
(٢) مذهبه في " المحدث الفاصل ": ٥٢٤ (٦٦٣)، و" الكفاية ": ١٩٥، و" الجامع لأخلاق الراوي " (١٠٦٩) و(١٠٧٠)، و" جامع بيان العلم " ١/ ٨١.
(٣) مذهبه في " الكفاية ": ١٩٦، و" جامع بيان العلم " ١/ ٨١.
(٤) وإليه ذهب الأعمش، والشعبي، وحماد بن سلمة، ويحيى بن معين، وأحمد بن صالح، والحسين بن محمد الزعفراني، وعلي بن المديني، والقاسم بن محمد، وأبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين. انظر: الكفاية ١٩٤ - ١٩٧، ومحاسن الاصطلاح: ١٩٢، وفتح المغيث بحكم اللحن في الحديث: ٢٨.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٩.
(٧) الأثر الذي أشار إليه أن الإمام مالكًا قيل له: «أرأيت حديث النبي - ﷺ - يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟» فقال: «أرجو أن يكون ذلك خفيفًا». وهذا الأثر أخرجه: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٨٠ - ٨١، و" الخطيب في الكفاية ": ٢٥٠.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قولُهُ: (لا سِيَّمَا في اللَّحْنِ الذي لا يختلفُ المعنى بهِ) (١) معناه أنَّ إصلاحَ هذا آكدُ من إصلاحِ غيرِهِ. وهذا معنى قولهِ في النظمِ: «وَهْوَ الأَرْجَحُ» (٢)، أي: أنَّ الاصطلاحَ جائزٌ أعمُّ من أن يكون مغيرًا للمعنى أو لا، وإصلاح ما لا يُغَيِّر أرجحُ.
قولُهُ: (لازمٌ) (٣) فيه نظرٌ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيهِ أنْ يتأكدَ الجوازُ؛ لأنَّ الغرضَ أنَّهُ لا يغيرُ المعنى، فردُّهُ إلى الصوابِ جائزٌ عندَ من أجازَ الروايةَ بالمعنى، وروايتهُ على ما وجدَ من اللحنِ مؤديةٌ إلى الكذبِ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأمَّا اللزومُ فمن أينَ؟ لا يحصلُ الخلاصُ بأنْ يرويهِ على ما هو عليهِ، ثم يقولَ: هكذا وقعَ في روايتنا، كما سيأتي عن الإمامِ أحمدَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٤٣).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٣، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٨. وقال السخاوي في " فتح المغيث " ٢/ ٢٣٣: «فقوله لازم يحتمل الوجوب؛ لأنه إذا جاز التغيير في صواب اللفظ فلا يمتنع أن يجب في خطئه؛ ولكن الظاهر أنه إنما أراد مجرد إلزامهم القول به لكونه آكد، لا سيما وقد صرح الخطيب بالجواز فقال: وقد أجاز بعض العلماء أن لا يذكر الخطأ الحاصل في الكتاب إذا كان متيقنًا، بل يروى على الصواب، بل كلامهم في الكفاية قد يشير إلى الاتفاق عليها؛ فإنه قال: إذا كان اللحن يحيل المعنى فلا بد من تغييره وكثير من الرواة يحرفون الكلام عن وجهه ويزيلون الخطاب عن موضعه، وليس يلزم من أخذ عمن هذه سبيله أن يحكي لفظه إذا عرف وجه الصواب، وخاصة إذا كان الحديث معروفًا، ولفظ العربية به ظاهرًا معلومًا، ألا ترى أن المحدّث لو قال: «لا يؤم المسافر المقيم» بنصب المسافر ورفع المقيم، كان قد أحال المعنى فلا يلزم اتباع لفظه». انظر: الكفاية: ١٨٨.
[ ٢ / ٢٣١ ]
ويجوزُ تأويلُهُ على أن القولَ بجوازِ الإصلاحِ في هذهِ الحالةِ لازمٌ على ذلكَ القولِ وإلا تدافعَ اللزومُ مع تفريعهِ على الجوازِ وهذا كلُّهُ في الإصلاحِ باللفظِ، وأمَّا الإصلاحُ بالكتابةِ فسيأتي الكلامُ عليهِ.
قولُهُ: (اللَّفظ المحتَمل) (١) صوابُه المختلُّ، بخاءٍ مُعجمةٍ، وإسقاطِ الميمِ معَ تشديدِ اللامِ لأنَّ المحتملَ لوجهِ صوابٍ لا يجوزُ إصلاحهُ، وكذلكَ هوَ في النُّسَخِ الصّحاحِ من " الاقتراح " (٢)، وعبارتُهُ: «وسمعتُ من شيخِنا أبي محمدِ بنِ عبدِ السلامِ (٣) - وكَانَ أحدَ سلاطينِ العلماءِ (٤) - يَرى في هذه المسألةِ » إلى آخرِهِ.
ومن الغريبِ أنْ يقعَ هذا الاختلافُ في مسألةِ الروايةِ لما يقعَ فيهِ من الاختلالِ.
قولُهُ: (في الحاشِيةِ) (٥) تتمةُ كلامِ ابنِ الصَّلاحِ: «فإنَّ ذلكَ أجمعُ للمصلحةِ وأنفَى للمفسدةِ.
وقد روينا أنَّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئيَ / ٢١٦ ب / في المنام وكأنه مرَّ من شفتِهِ ولسانهِ شيءٌ، فقيلَ لهُ في ذلكَ: فقالَ: «لفظةٌ من حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - غيرَّتُها بِرأيي فَفُعِلَ بي هذا» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٤ من كلام ابن دقيق العيد عن أبي محمد بن عبد السلام.
(٢) الاقتراح: ٢٦٢.
(٣) هو الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي السلمي، كان عالمًا مجتهدًا ورعًا زاهدًا، له عدة مؤلفات منها: " قواعد الأحكام في مصالح الأنام "، توفي سنة (٦٦٠ هـ). انظر: طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٢٠٩، وشذرات الذهب ٥/ ٣٠١.
(٤) الذي لقبه بسلطان العلماء تلميذه ابن دقيق العيد كما في " شذرات الذهب " ٥/ ٣٠١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٤، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٨.
(٦) انظر: المقنع ١/ ٣٧٩.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وكثيرًا ما نَرى ما يتوهمُه كثيرٌ من أهلِ العلمِ [خطأ] (١) - وربما غيرَّوهُ- صوابًا ذا وجهٍ صحيح، وإنْ خَفِيَ استُغْرِبَ، لا سِيَّما فيما يعدونَهُ خطأً من جهةِ العربيةِ، وذلكَ لكثرةِ لُغاتِ العربِ وتشعُّبِها.
وروينا عَن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ قالَ: «كانَ إذا مرَّ بأبي لحنٌ فاحشٌ غيرَّه، وإذا كانَ لحنًا سهلًا تَركَهُ، وقالَ: كذا قالَ الشَّيخُ» (٢).
وأخبرني بعضُ أشياخنا عمّن أخبرهُ عن الحافظِ عياضٍ (٣) بما معناهُ واختصاره: «أنَّ الذي استمرَّ عليهِ عملُ (٤) أكثر الأشياخ أنْ ينقلُوا الروايةَ كما وصلتْ إليهم ولا يُغيِّرُوها في كتبهم، حتى في أحرفٍ من القرآنِ، استمرتِ الروايةُ فيها في الكُتبِ على خلافِ التلاوةِ المجمعِ عليها، ومن غيرِ أنْ يجيء ذلكَ في الشواذِّ، ومنْ ذلكَ ما وقعَ في " الصحيحينِ " و" الموطأ " وغيرها، لكنَّ أهلَ المعرفةِ منهم ينبهونَ على خطئِها عندَ السَّماعِ والقراءةِ وفي حواشي الكُتبِ، مع تقريرهم ما في الأصولِ على ما بلغَهُم.
ومنهُم من جَسرَ على تغييرِ الكُتبِ وإصلاحِها. منهم: الوليدُ بنُ هشامِ بنِ أحمدَ الكنانيُّ الوَقَّشِيُّ (٥)، فإنَّهُ لكثرةِ مطالعتهِ وافتنانهِ وثقوبِ فهمهِ وحِدّةِ ذهنهِ جَسرَ على الإصلاح كثيرًا، وغلطَ في أشياءَ من ذلكَ. وكذلكَ غيرُهُ ممن سلكَ مسلكَهُ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٢) أخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ١٨٧.
(٣) انظر: الإلماع: ١٨٥ - ١٨٧.
(٤) في (ف): «على»، والمثبت من " الإلماع " و" معرفة أنواع علم الحديث ".
(٥) نسبه إلى وقّش - بالفتح وتشديد القاف - وهي مدينة بالأندلس. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٣٥، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٤٤٢.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
والأولَى سدُّ باب التغييرِ والإصلاحِ؛ لئلا يَجْسُرَ على ذلك من لا يحسن وهوَ أسلمُ مع التبيُّنِ، فيذكر ذلك عند السماعِ كما وقعَ، ثم يذكر وجهَ صوابهِ: إمَّا من جهةِ العربيةِ، وإمَّا من جهةِ الروايةِ.
وإنْ شاءَ قَرأَهُ أولًا على الصَّوابِ، ثمَّ قالَ: وقعَ عندَ شيخِنا، أو: في روايتِنا، أو: من طريقِ فلان، كذا وكذا» (١).
ثم قالَ في الإصلاحِ بزيادةٍ (٢): «وإنْ كانَ الإصلاحُ بزيادةٍ يشتملُ على معنىً مغايرٍ لما وَقَعَ في الأصلِ، تأكّدَ فيه الحكمُ بأنّه يذكرُ ما في الأصلِ مقرونًا بالتنبيهِ على ما سقطَ، ليسلمَ من معرَّةِ (٣) الخطأِ، ومن أنْ يقولَ على شيخهِ ما لم يقلْ.
حدَّثَ أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ عن شيخٍ لهُ بحديثٍ قالَ فيهِ: / ٢١٧ أ / عن بُحَيْنَة، فقال أبو نعيم: إنما هو «ابن بُحَيْنَة»، ولكنه قال: بُحَيْنَة (٤).
قولُهُ: (القارئُ عليهِ) (٥)، أي: على الرَّاوي.
قولُهُ: (قدْ وردَ في أحاديثَ) (٦) لو قالَ: «في حديثٍ آخرَ» كان أحسنَ، لا يقال: إنَّ الكلامَ في الأصلحِ لا في مُطلقِ الصالحِ، ولا شكَّ أنَّهُ إذا وردَ في عدةِ أحاديثَ، يحصلُ من الوثوق بِهِ، ما لا يحصلُ لو وَرَدَ في حديثٍ واحدٍ؛ لأنَّ الإصلاحَ على مراتبَ:
أولها: ما لم تُعلمْ موافقتُهُ للفظِ حديثٍ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٠.
(٣) المعرة هي الجناية، والمسبة، والإثم، والأمر القبيح المكروه. انظر: تاج العروس مادة (معر).
(٤) أخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ٢٥١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٥، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٩.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الثانية: ما وافقَ لفظَ حديثٍ واحدٍ.
الثالثة: ما وافقَ أكثر.
وهي مراتبُ متصاعدةٌ، فما وافقَ حديثًا كانَ أصلحَ مما لم يوافقْ، على أنَّا لو اجتهدنا في تأويلِ الشَّرحِ، لم نقدرْ على مثلِ ذلكَ في النظمِ فإنّ عبارتَهُ «منْ متنٍ» (١).
قولُهُ: (وليأتِ في الأصلِ) (٢) لا يعرفُ من النظمِ، أنَّ هذا فيما ظنَّ أنَّهُ سقطَ من الأصلِ. فلو قالَ:
يَزيدُ عندَ السقطِ ما لا يكثرُ في الأصلِ كابن حيثُ لا يُغيّرُ
لكانَ أحسنَ، وفُهمَ منهُ الحرفُ بطريقِ الأولى.
قولُهُ: (إذا كانَ الساقطُ) (٣) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ بعدَ مسألةٍ - يعني: الآتيةَ آخر الكلامِ على هذينِ البيتينِ - «هذا إذا كانَ شيخُهُ قدْ رواهُ [لهُ] (٤) على الخطأ، فأمَّا إذا وجَدَ ذلكَ في كتابِهِ وَغَلبَ على ظنِّهِ أنَّ ذلكَ منَ الكتابِ لا مِنْ شيخِهِ، فيتَّجِه هاهنا إصلاحُ ذلكَ في كتابِهِ وفي روايتِهِ عند تحديثِهِ بِهِ معًا (٥)،
ذكرَ أبو داودَ أنَّهُ قالَ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: وجدتُ (٦) » إلى آخره.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٤٦).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٤٧).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٥.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من " المعرفة ".
(٥) في المعرفة: «معه».
(٦) بقية الأثر: «في كتابي: «حجاج، عن جريج، عن أبي الزبير، يجوز لي أن أصلحه: ابن جريج؟، فقال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به». معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١. والأثر أسنده الخطيب في " الكفاية ": ٢٥١.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
قولُهُ: (يُزادُ فيهِ الواوُ والألفُ) (١) الظاهرُ أنَّ المرادَ إذا ظنَّ سقوطَ ذلكَ من الكتابِ، إمّا من الناسخِ، أو بالتجليدِ، أو الأرضةِ، أو غيرِ ذلكَ، لا بالتّشهِي.
قولُهُ في قولِهِ:
٦٤٩ - وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ
يتعلقُ باستدراكٍ. و«مِنْ بَعْضِ» (٢) بيانٌ لما دَرَسَ.
قولُهُ: (كَمَا) (٣)، أي: صَحَّحُوا هذا، كما صحَّحُوا اعتمادَهُ على ما سَمعَهُ، فَخفيَ عليهِ بعضُه فلم يثبتُه كما يجبُ، فأعادهُ لهُ غيرُهُ ممن يعتمدُ حتى ثَبتَ عندهُ.
قولُهُ: (بعضُ المتنِ) (٤) في التقييدِ بالبعضِ نظرٌ، فالذي ينبغي جوازُ إصلاحِ الحديثِ الكاملِ متنًا وسندًا، إذا كانَ الأصلُ المصلحُ منهُ، كما ذَكَرَ في الاعتمادِ؛ لأنَّهم صرَّحوا باعتمادِ مثلهِ في المقابلةِ والروايةِ والعملِ، ولم يقيدُوا ذلكَ بالبعضِ / ٢١٧ ب /.
قولُهُ: (إذا عرفَ صحَتهُ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ عَقِبَهُ: «وسكنَتْ نفسُهُ إلى أنَّ ذلكَ هوَ الساقِطُ مِنْ كِتابهِ» (٦).
قولُهُ: (ووثِقَ بصاحبِ الكتابِ) (٧) وثوقَهُ من الأسبابِ التي تُعرفُ بها الصحةُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٥٠).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٥٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٦.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قولُهُ: (نُعيمُ بن حمَّادٍ) (١) قالَ ابنُ الصّلاحِ: «فيما رُوِيَ عنْ يَحيَى بنِ معينٍ عنهُ» (٢).
قوله: (ولو بيَّنَ ذلكَ) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ: «في حالِ الروايةِ» (٤).
قوله: (الكُلَفِيِّ) (٥) نِسبةً إلى كُلفَةَ بطنٌ من تميم، قالَهُ غيرُ واحدٍ (٦).
وقالَ ابنُ حَزمٍ في " الجمهرةِ " (٧): «إنّهم من البُراجُمِ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١، والأثر أخرجه: الخطيب في "الكفاية": ٢٥٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٧، والعراقي نقله من كلام الخطيب، وانظر: كلام الخطيب في "الكفاية": ٢٥٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١، وهذه الزيادة تتمة لكلام الخطيب.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٥١٧، والكُلَفي: بضم الكاف وفتح اللام وفي آخرها الفاء. انظر: الأنساب ٤/ ١٦١.
(٦) منهم: البخاري. انظر: التاريخ الكبير ٢/ ٣١٧ (٢٦٤٩)، والأنساب ٤/ ١٦١، والإصابة ١/ ٥١٢ (١٧٦٥). ونقل ابن حجر في " الإصابة " عن خليفة أنه: من بني كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وهو ما صححه ابن الأثير في " اللباب " ٢/ ٢٥٩.
(٧) جمهرة أنساب العرب: ٢٢٢ و٤٦٧. البُراجم: - بضم الباء المنقوطة بواحدة، وسكون الراء، وضم الجيم - وهي قبيلة من بني تميم ابن مر، وذكر الكلبي في " الألقاب ": قال: إنّما سموا البراجم من بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وهم خمسة: عمرو، والظليم، وقيس، وكلفة، وغالب بنو حنظلة؛ لأنّه قال لهم رجل منهم يقال له حارثة بن عامر بن عمرو بن حنظلة: أيتها القبائل التي ذهب عددها تعالوا فلنجتمع فلنكن مثل براجم يدي هذه، ففعلوا فسموا البراجم. قاله السمعاني في " الأنساب " ١/ ٢١٥.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قالَ ابنُ مَاكُولا: «كُلفةُ بضمِّ الكافِ وبالفاءِ، فجماعةٌ، منهم: كُلْفَةُ بنُ حنظلةَ بنِ مالكِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ تَميم» (١).
ولامُه ساكنة؛ لأنّه ذكر بعده «كَلْبة»، فقال: «بفتح الكاف وبالموحدة» (٢)، ولو كانت اللام مختلفة لضبطها، وكذا نقل عن ضبط ابن الأمينِ (٣) بخطّهِ في " الاستيعابِ " في ترجمةِ الحكمِ المذكورِ.
_________________
(١) الإكمال ٧/ ١٣٦.
(٢) الإكمال ٧/ ١٣٦، وذكر ابن الأثير في "اللباب" ٢/ ٢٥٩ أنّ الذي يعرفه هو بسكون اللام.
(٣) هو إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم أبو إسحاق بن الأمين، مؤرخ أندلسي من أهل قرطبة، واسم كتابه " الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي - ﵇ - " وهو استدراك على كتاب الاستيعاب لابن عبد البر. انظر: الأعلام للزركلي ١/ ٧٩.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
اختِلافُ ألفَاظِ الشُّيوخِ
قولُه في اختلافِ ألفاظِ الشيوخِ: (بلفظٍ) (١)، أي: بذكرِ لفظِ أحدِهما، أو أحدِهم، كما قالَ الشيخُ.
قولُه: (وَقالاَ اقتَرَبا) (٢) لا يوهمُ أنَّ الألفَ في «قالا» ضميرُ البخاريِّ ومسلمٍ، بل هي للإطلاقِ، كما قالَ الشيخُ (٣).
ولا أنَّ الضميرَ المستترَ لابنِ الصّلاحِ، بقرينةِ قولهِ: «أوْ لَمْ يَقُل» (٤).
واعلمْ أنَّ «لم يقل» قافيتُه متراكبٌ (٥) فهو مخالفٌ لتقابلٍ في القافيةِ من جهةِ أنَّها متداركٌ ومن جهة التأسيسِ.
قولُه: (يُسْمِى) (٦) مخففٌ من أسْمى، وقد تقدَّمَ أنها لغةٌ في سمى.
قوله: (للخروجِ منَ الخلافِ) (٧)، أي: في جوازِ الروايةِ بالمعنَى.
قولُه: (واستُحْسِنَ) (٨) رأيتُها في نسخةٍ مقرؤةٍ على المصنِّفِ، مضبوطةً بضمِّ التاءِ، للبناءِ للمجهولِ. إشارةً إلى أنّه وافقَ ابنَ الصّلاحِ هوَ أو غيرهُ على استحسانِ ذلكَ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٥٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٥٤) و(٦٥٥).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦.
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٥٥).
(٥) التراكب: هو أن تتوالى ثلاث حركات بين ساكنيها؛ وسمي متراكبًا؛ لأن الحركات توالت فركب بعضها بعضًا. انظر: ميزان الذهب: ١٢١.
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٥٦)، وسكنت السين؛ لضرورة الوزن.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
فإنَّ عبارةَ ابنِ الصّلاحِ (١): «ولمسلمٍ صاحبِ " الصحيحِ " معَ هذا في ذلكَ عبارةٌ أخرى حسنةٌ، مثلُ قولِهِ: حدَّثنا أبو بكر (٢) » إلخ، وقولهُ: «معَ هذا» يعني: مع قولهِ: «واللفظ لفلانٍ» ونحوه فإنَّهُ يعبرُ بذلكَ، مثل قولهِ: حَدّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، وأبو كريبٍ، واللفظُ لأبي كريبٍ، قالا: حَدّثنا أبو معاويةَ، فَذَكرَ حديثَ أبي هريرةَ: «لكلِ نبيٍّ دعوةٌ مُستجابةٌ» في كتابِ الإيمانِ (٣).
وكذا ما أدّى مَعنَى هذا، مثلَ قولهِ أولَ كتابِ الإيمانِ (٤): حَدّثَني أبو خيثمةَ / ٢١٨ أ / زهيرُ بنُ حَربٍ، قالَ: حَدّثنا وكيعٌ، عن كَهْمَسَ، عن عبدِ اللهِ ابنِ بُريدةَ، عَن يَحيَى بن يَعْمَرَ. وحَدّثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ العنبريُّ، وهذا حديثهُ، قال: حَدَثنا أبي، قالَ: حَدّثنا كَهمَسُ، فذكَرهُ.
قولُه: (بأنَّ اللفظَ) (٥)، أي: لفظَ الحديثِ بسندهِ، لا لفظَ أحدِهما وحدَهُ.
قولُه: (قلتُ: ويحتملُ) (٦) هذا الاحتمالُ هو الراجحُ المتبادرُ إلى الفهمِ،
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣.
(٢) تتمة كلام مسلم: «ابن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشج؛ كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو الأحمر، عن الأعمش وساق الحديث»، ثم قال ابن الصلاح عقبه: «فإعادته ثانيًا ذكر أحدهما خاصة إشعار بأن اللفظ المذكور له». وقال العراقي عقب نقل كلام ابن الصلاح: «قلت: ويحتمل أنه أراد بإعادته بيان التصريح فيه بالتحديث، وأن الأشج لم يصرح في روايته بالتحديث، والله أعلم». انظر: صحيح مسلم ٢/ ١٣٣ (٦٧٣)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥ - ٦.
(٣) صحيح مسلم ١/ ١٣١ (١٩٩) (٣٣٨).
(٤) صحيح مسلم ١/ ٢٨ (٨) (١)، وانظر: ما قاله النووي في " شرحه "١/ ١٤١ - ١٤٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ويحتملُ أيضًا أنَّه أرادَ تخصيصَ أبي بكرٍ بذكرِ اللقبِ وهو الأحمرُ (١).
قولُه: (ممّا عِيبَ) (٢) قالَ ابنُ الصّلاحِ قبلَهُ: «وقولُ أبي داودَ صاحبِ السُّننِ: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، وأبو توبةَ - المعنى - قالا: حدّثنا أبو الأحوصِ. (٣) معَ
أشباهٍ (٤) لهذا في كتابِهِ، يحتملُ أنْ يكونَ منْ قبيلِ الأولِ - أي: وهوَ أنْ يكونَ التفاوتُ بينَ الروايتينِ في اللفظِ والمعنى واحدًا، قال: - فيكونَ اللفظُ لمسدّدٍ ويوافقهُ أبو تَوبَةَ في المعنى. ويحتملُ أنْ يكونَ منْ قبيلِ الثاني، فلا يكونُ قدْ أوردَ لفظَ أحدِهما خاصّةً، بلْ رواهُ بالمعنى عنْ كليهِمَا (٥)، وهذا الاحتمالُ يَقْرُبُ في قوله (٦): حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، وموسى بنُ إسماعيلَ - المعنى واحدٌ - قالا: حدَّثنا أبانُ.
وأمّا إذا جمَعَ بينَ جماعةِ رواةٍ قدِ اتَّفقوا في المعنى (٧)، وليسَ مَا أوْرَدَهُ لفظَ كلِّ
_________________
(١) لأنّ أبا بكر، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، بينما أبو سعيد لم يذكر اللقب، والله أعلم.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤.
(٣) سنن أبي داود (٣٧٥).
(٤) انظر: لهذه الأشباه على سبيل المثال (٦٠٣) و(١٠٩٤).
(٥) قال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٩٥: «هذا الاحتمال الثاني عجيب، إذ يلزم عليه ألا يكون رواه بلفظ لواحدٍ من شيخيه، وهو بعيد. وكذلك إذا قال: «أنبأنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ» فليس هو منحصرًا في أن روايته عن كل منهما بالمعنى، وأن المأتي به لفظ ثالث غير لفظيهما، والأحوال كلها آيلة في الغالب، إلى أنّه لا بدّ أن يسوق الحديث على لفظ مروي له برواية واحد، والباقي بمعناه». وبهذا المعنى قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٢٦.
(٦) سنن أبي داود (٣١).
(٧) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٢٦ - ٦٢٧ معقبًا: «في الإرشاد للخليلي: «ذاكرت يومًا بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح، وهو زاهد ثقة، قال: لأنّه يجمع بين حديث أصحاب أنس، فيقول: أخبرنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف =
[ ٢ / ٢٤١ ]
واحدٍ منهم، وسكتَ عنِ البيانِ لذلكَ، فهذا ممّا عيبَ بِهِ البخاريُّ » (١) إلى آخرهِ.
قولهُ: (أو غيرُهُ) (٢) بإثباتِ الألفِ قبلَ الواوِ، كأنَّه كانَ يحفظُ أنَّ بعضَ العلماءِ عابَ بعضَ المصنِّفينَ بهذا، وغلبَ على ظَنّهِ أنّه البخاريُّ، معَ قيامِ الاحتمالِ فصرّحَ بهِ وعطفَ غيرَهُ بـ «أو»، وهذا ليسَ عيبًا؛ لأنَّ مذهبَ البخاريّ جوازُ الرِّوايةِ بالمعنىَ؛ وهو أستاذُ مَن يعرفُ معانيَ الألفاظِ، ويتقنُ ما يحيلُ المعنى من غيرهِ، فهو لم يخرجْ عن مذهبهِ فجهل هذا أن يكونَ خلافَ الأولى.
_________________
(١) في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتّفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي - رحمة الله تعالى عليهم - في أحاديث ويجمع بين غيرهم؟ فقال: «ابن وهب اتقن لما يرويه وأحفظ له». انتهى. وفي هذا ما يجاب به عما ذكره ابن الصلاح أنّه عيب على البخاري». وانظر: الإرشاد للخليلي ١/ ٤١٧. وأجاب السخاوي في "فتح المغيث" ٢/ ٢٤٥ عن البخاري قائلًا: «على أن البخاري، وإن كان لا يعرج على البيان، ولا يلتفت إليه، هو كما قال ابن كثير في الغالب، وإلاّ فقد تعاطى البيان في بعض الأحايين، كقوله في تفسير البقرة: حدثنا يوسف بن راشد، قال: حدثنا جرير، وأبو أسامة، واللفظ لجرير، فذكر حديثًا. وفي " الصيد والذبائح ". حدثنا يوسف بن راشد - أيضًا - قال: أنبأنا وكيع، ويزيد بن هارون، واللفظ ليزيد». انظر: اختصار علوم الحديث ٢/ ٤١٣، وبتحقيقي: ٢١٠. والحديث الأول في تفسير سورة البقرة أخرجه: البخاري ٦/ ٢٥ - ٢٦ (٤٤٨٧). والحديث الثاني أخرجه: البخاري ٧/ ١١٢ (٥٤٧٩).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣ - ٣٣٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤ وعند تحقيقي لشرح التبصرة، ومعرفة أنواع علم الحديث أثبتت «أو» وهو ما اتفقت عليه نسخي؛ لكن في المطبوع من الشذا الفياح «وغيره» بالواو والمقصود بـ «غيره»: حماد بن سلمة كما أشرت إليه قبل قليل في نقل كلام الخليلي.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قولهُ: (كالأوّلِ) (١)، أي: وهو ما إذا سمعَ الحديثَ من شيخينِ فأكثرَ، بلفظٍ مختلفٍ ومعنىً متحدٍ.
ثُمّ اعلمْ أنَّ احتمالَ عدم الجوازِ في هذا ينبغي أنْ يخصَّ بما إذا لم يبينْ أنّ روايتَهُم للحديثِ الذي أوردَهُ من الكتابِ الفلانيِّ، أمّا إذا بيّنَ فالأصلُ في الكُتبِ المصنَّفةِ إذا لم يعلمْ اختلافُ رواياتِها عدمُ الاختلافِ، ولو فرضَ فهو في الغالبِ يسيرٌ، تَجبرُ مثلَهُ الإجازةُ (٢).
/ ٢١٨ ب / قولهُ: (فإنَّهُ اطّلَعَ) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «اطَّلَعَ عَلَى روايةِ غيرِ مَنْ نَسَبَ اللفظ إليهِ وَعَلَى مُوافَقَتِها مِنْ حيثُ المعنى، فأخبَرَ بذلكَ» (٤). انتهى.
ثُم اعلمْ أنّ هذا كلَّهُ فيما للراوي أن يفعلَ في الروايةِ، وأمّا الاحتجاجُ: فإن كان كلٌ من الشيخينِ، أو الشيوخِ ثقةً، فإنّ عدمَ التمييزِ حينئذٍ لا محذورَ فيهِ.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: «فإنّ الحجةَ قائمةٌ بروايةِ العدلِ، ولا يضرُّنا جهالتُهُ بعينهِ بعدَ معرفةِ ثقتهِ» (٥).
وإنْ كانَ أحدٌ من رواتهِ مجروحًا، قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: «لم يحتج بلفظٍ معينٍ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ عن المجروحِ، واللهُ أعلمُ» (٦).
وسيأتي التنبيهُ على هذا في آخرِ هذه التفريعاتِ قبلَ آدابِ المُحدِّثِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤.
(٢) بنحو هذا القول قاله السخاوي ونقله عن بعض المتأخرين. انظر: فتح المغيث ١/ ٢٤٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤، وانظر: محاسن الاصطلاح: ١٩٥.
(٥) الاقتراح: ٢٤٣.
(٦) الاقتراح: ٢٤٣.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الزِّيادَةُ في نَسَبِ الشَّيخِ
قولهُ في قولهِ: (الزّيادة في نسبِ الشيخِ) (١): (فَلا تَزِدْ) (٢) أمّا إذا مَنعنَا الروايةَ بالمعنى، فواضحٌ في أنّ ذلك لم يجزْ كما قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٣). وأمّا عندَ مَن أجازَهَا ففيهِ نظرٌ. والذي يتجهُ أنّه لا مانعَ من جوازِ الزيادةِ عندَهُ.
وهذه المسألةُ شبيهةٌ بما يأتي من إبدالِ الرسولِ بالنبيِّ في السّندِ وعكسهِ، ولا يقالُ: شرطُ الروايةِ بالمعنى، تَساوي اللفظينِ في الصدقِ، ومفهومُ النبيِّ غيرُ مفهومِ الرسولِ، وما بعد الذي ذَكرَهُ الشيخُ من نَسَبِ الرَّاوي، أو صفتهِ، لا إشعارَ للَّفظِ بهِ لأنّا نقولُ: الموصوفُ ذات واحدة، ونحنُ نتحقّقُ أنَّ ذلكَ مرادُ الشّيخِ، وأنّهُ لو عُرِضَ عليه رَضِيَهُ. وأمّا الأولويةُ فلا نزاعَ أنّ البيانَ أولَى وأشدُّ؛ لما فيهِ من التّحرّي.
قولهُ: (نَحو هُوْ) (٤)، أي: واجتنبِ الزيادةَ على ما أتى بهِ الشّيخُ بكلِّ حالٍ، إلاَّ حالًا كائنةً، مع فصلٍ بينَ كلامِ الشيخِ، وما زادَ عليهِ نحو «هو».
قولهُ: (أوْجِىْء) (٥) عُطِفَ على «اجْتَنِبْ»، أو على جملة الاستئنافِ - أي: «إلاَّ بِفَصْلٍ» - فإنَّه يجوزُ، «أوْجِئْ بأنَّ» فإنَّ ذلكَ يجوزُ أيضًا، من غيرِ تمييزٍ لكلامِ الشَّيخِ من كلامِكَ.
فإنَّكَ إذا قلتَ: «حدَّثنا فلانٌ: أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ الفلانيَّ حدَّثَهُ» لم يكنْ هناكَ شَيئًا مُشعِرًا بأنَّ ذلكَ الذي بعد «أنَّ» أو شيئًا منه من كلامِ الشَّيخِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٥٧).
(٣) انظر: الاقتراح: ٢٣٧.
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٥٨)، وسكنت الواو؛ لضرورة الوزن.
(٥) التبصرة والتذكرة (٦٥٨).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
قولهُ: (يُبَيِّنُ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «مُميَّز، فإنْ أتى بِفَصلٍ جَازَ، مثلُ أنْ يَقُولَ: هُوَ » (٢) إلخ.
قولهُ: (وأحببتَ) (٣) هو من الحُبِّ، أي: فأردتَ ذلكَ فاستعنْ «بأنَّ» وهيَ في كتابِ ابنِ الصّلاحِ: «فأحبَبتَ» (٤) بالفاءِ على أنّه مسببٌ عن عدمِ إتمامِ النَسَبِ. والواو لا تفيدُ مَعناها فلا يتركُ بها.
قولهُ: (أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ حدّثَهُ) (٥) لعلَّهُ بشرطِ أن يُبيّنَ أنّه حَدّثَهُ إجازةً، أو يقولَ: أخبرَهُ إجازةً، أو يقولَ: أنبأَهُ / ٢١٩ أ /، أو نحو ذلك، مما يُبيّنُ الحالَ من أنّهُ بطريقِ الإجازةِ أو غيرِها، فقد تَقدّمَ في كيفَ يقولُ مَن رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ: أنَّ الصَّحيحَ المختارَ الذي عليهِ عملُ الجمهورِ واختارَهُ أهلُ التّحرّي والورعِ المنعُ من إطلاقِ: حَدّثَنا وأخبرَنَا ونحوهما في المناولةِ والإجازةِ.
ويُقيّدُ ذلكَ بعبارةٍ تُبيّنُ الواقعَ في كيفيةِ التحمُّلِ وتُشعِرُ بهِ.
قولهُ: (نَسَبَ شيَخهِ) (٦) قالَ ابنُ الصّلاحِ: «وأمّا إذا كانَ شيخُهُ قدْ ذَكرَ نَسَبَ شيخِه أوْ صفتَهُ في أولِ كتابٍ أو جزءٍ» (٧). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤، وتمام كلامه: «ابن فلان الفلاني».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤. وهذا الأثر هو لعلي بن المديني قال: إذا حدثك الرجل فقال: حدثنا فلان ولم ينسبه، وأحببتَ أن تنسبه، فقل: حدثنا فلان أن فلان بن فلان بن فلان حدثه». أخرجه: البرقاني في كتابه " اللفظ " كما قال ابن الصلاح والعراقي والخطيب في "الكفاية": ٢١٥، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وهذه المسألةُ - من صورِ مَسألةِ الروايةِ من النسخِ التي إسنادُها واحدٌ - الآتيةُ.
قولهُ: (عَلَى اسمِ الشَّيخِ) (١) قالَ ابنُ الصّلاحِ: «عَلى ذكرِ الشيخِ أوْ بعضِ نَسَبهِ مثالُهُ أنْ أروِيَ جُزْءًا عنِ الفَرَاوِيِّ، وأقولَ في أولِهِ: أخبرَنا أبو بكرٍ منصورُ بنُ عبدِ المنعمِ بنِ عبدِ اللهِ الفَرَاوِيُّ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، وأقولَ في باقي أحاديثِهِ: أخبرَنا منصورٌ (٢)، أخبرَنا منصورٌ.
فهلْ يجوزُ لمنْ سمعَ ذلكَ الجزءَ منّي أنْ يرويَ عنّي الأحاديثَ التي بعدَ الحديثِ الأولِ مُتَفَرقةً، ويقول في كُلِّ واحدٍ منها: أخبرَنا فلانٌ، قالَ: أخبرَنا منصورُ بنُ عبدِ المنعمِ بنِ عبدِ اللهِ الفراويُّ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، وإنْ لَم أذكرْ لَهُ ذَلكَ في كُلِّ واحدٍ منها اعتمادًا عَلَى ذِكْري لَهُ أولًا؟ فهذا قدْ حَكَى الخطيبُ (٣) الحافظُ عنْ أكثرِ أهلِ العلمِ أنّهمْ أجازوهُ. وعنْ بعضِهمْ [أنّ] (٤) الأولى أنْ يقولَ: يعني: ابنَ فلانٍ» (٥).
قولهُ: (معَ إتمامِ نسبِ شيخِ شيخِهِ) (٦)، أي: لأنَّه معطوفٌ عَلَى مَا قبله، وحُكمُ المتعاطفينِ واحدٌ.
قولهُ: (الأصبهانيّ) (٧) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ (٨): «ثُمَّ ذَكَرَ - الخطيبُ - (٩) أنَّهُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٢) من قوله: «بن عبد المنعم» إلى هنا تكرر في (ف).
(٣) الكفاية: ٢١٥.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
(٧) المصدر نفسه.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٩) عبارة اعتراضية من البقاعي.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
هكذا - يعني: في الاستعانةِ على الزيادةِ (١) - بأن (٢) رَأَى الشّيخَ (٣) أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عليٍّ الأصبهانيَّ (٤) نزيلَ نَيسابورَ يفعلُ - وكانَ أحدَ الحُفّاظِ المجوِّدينَ ومنْ أهلِ الورعِ والدينِ - وأنَّهُ سألَهُ عنْ أحاديثَ كثيرةٍ رَوَاها لَهُ قالَ فيها: «أخبرنا أبو عمرو بنُ حمدانَ، أنَّ أبا يَعْلَى أحمدَ بنَ عليِّ بنِ المثنَّى الموصليَّ أخبَرَهُمْ، وأخبرَنا أبو بكرٍ بنُ المقرىءِ / ٢١٩ ب / أنَّ إسحاقَ بنَ أحمدَ بنِ نافعٍ حدَّثَهم، وَأخبرَنا أبو أحمدَ الحافظُ أنَّ أبا يوسفَ محمدَ بنَ سُفيانَ الصفَّارَ أخبرَهمْ، فَذَكَرَ لَهُ أنَّها أحاديثُ سمعَهَا قراءةً عَلَى شُيُوخِهِ في جملةِ نُسَخٍ، نَسبوا الذينَ حدَّثُوهمْ بِهِا في أوَّلِها، واقتصرُوا في بقيَّتِها عَلَى ذِكرِ أسمائِهِم (٥).
قالَ: وكانَ غيرُهُ يَقولُ في مِثلِ هذا: أخبرَنا فُلانٌ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، هو ابنُ فلانٍ (٦)، ثمَّ يَسُوقُ نَسَبَهُ إلى مُنتهَاهُ» (٧).
قولهُ: (وهَذا الذي أسْتَحبُّهُ) (٨) يعني: الاستعانةَ في الزيادة بلفظِ «هو» ظاهرهُ أنَّهُ أحبُّ عندَهُ منْ جميعِ مَا عداهُ.
ويعلّلُ حينئذٍ بأنّ «هو» أظهرُ في فهمِ أنَّ الكلامَ منَ الراوي من لفظِ «يعني»؛ لأنَّ ضميرَ الفاعلِ فيها يحتملُ أنْ يكونَ له، وأنْ يكون لشيخهِ، ونحو ذلك.
_________________
(١) جملة اعتراضية من البقاعي.
(٢) لم ترد في " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) لم ترد في " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٤) توفي سنة (٤٢٨ هـ). السير ١٧/ ٤٣٨.
(٥) الكفاية: ٢١٦.
(٦) الكفاية: ٢١٦.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧، وانظر الكفاية: ٢١٥.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
لكنَّ تعليلَهُ ربما أفهمَ أنَّهُ لا يُفضلُّها إلاّ على «أنَّ فلانًا»، وسيأتي في ترتيبِهِ لأولويةِ الصيغِ ما يؤيدهُ. ثُمَّ وراء ذلك «أن».
قولهُ في تعليلهِ: (فيما أُجيزَ لهم) (١) إلخ فيهِ أمورٌ:
أَحَدُها: أنَّه لا يتجهُ أنَ تكونَ الإجازةُ للراوي نفسِهِ بلْ لشيخهِ، إذ فرضُ المسألةِ أن يقولَ: «أخبرنا فلانٌ أنَّ فلانًا» فهو قدْ صَرّحَ بإخبارِ شيخهِ لهُ، أو استعمالهِ لـ «أنّ» إنما هو بالنسبةِ إلى شيخهِ في حقِّ مَن فوقَهُ فكانَ حقُّ العبارةِ «فيما أُجيز لمشايِخهم».
الثاني: قولهُ: (أنَّ فلانًا حدَّثَهُم) (٢) يُحيلُ المسألةَ، فإنَّ شرطَها: أنْ لا يصرحَ بعد «أنَّ» بالتحديثِ ونحوه، مما يدلُّ على السّماعِ، فإنَّه يكونُ كاذبًا إنْ
عُدِمَ ذلكَ.
وإنّما صورةُ المسألةِ أنْ يقولَ: «أنَّ فلانًا قالَ كذا».
الثالثُ: قولهُ: (حدَّثَهُم) إنْ عادَ الضميرُ فيهِ على «قَومٍ» كانَ صحيحَ اللفظِ فاسدَ المعنى؛ لأنَّ التَّحديثَ إنّما هو لمشايخِهِم، وإنْ عادَ على «فلانٍ» كانَ فاسدًا في اللفظِ؛ لأنَّه ضميرُ جمعٍ يعودُ على مفردٍ والمعنى صحيحٌ إنْ أريدَ ما يصحُّ أنْ يُطلقُ عليهِ «فلانٌ» على البدلِ لا بقيدِ البدلِ.
قولهُ: (ولعلَّهُ فيما أُجيزَ لِشيوخِهم) (٣) هذا هو الصوابُ، واللهُ أعلمُ.
والنقلُ المشارُ إليهِ عن الخطابيِّ في كيفَ يقولُ مَن رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧، والذي فيه: «فيما أُجيز لشيوخهم» وانظر: الكفاية: ٢١٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧، وانظر: الكفاية: ٢١٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ثُم رَتّبَ ابنُ الصّلاحِ أولويةَ الألفاظِ التي يستعانُ بها فقالَ: «جميعُ هذه الوجوهِ جائزٌ. وأولاَها أنْ يقولَ: «هو ابنُ فُلانٍ»، أو «يعني: ابنَ فُلانٍ»، ثمّ
أنْ يقولَ: «إنّ فُلانَ بنَ فُلانٍ»، ثمّ أنْ يذكرَ المذكورَ في أولِ الجزءِ بعينهِ منْ غيرِ /٢٢٠ أ / فصلٍ؛ والله أعلمُ» (١).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٦.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
الرِّوَايةُ مِنَ النُّسَخِ التي إسنَادُها واحدٌ
قولهُ في الروايةِ من النُّسَخِ: (قَطُ) (١) مَعناها حَسب. وقد تَقدّمَ الكلامُ عليها في الكلامِ على الرمزِ وأنَّها مبنيةٌ على السكونِ وقدْ حُرِّكتْ هنا لاجتماعِ سُكونِها مع سُكونِ واوِ الإطلاقِ واختِيرَ ضَمُّها لمناسبةِ الواوِ.
قولهُ: (لآخِذٍ كَذَا) (٢)، أي: لمن أَخَذَ الحديثَ بالإسنادِ المذكورِ أولًا، مِن غيرِ إعادتِه معَ كلِّ حديثٍ.
قولهُ: (مَعَ آخِرِهِ) (٣)، أي: بأنْ يقولَ لشيخِهِ: أخبرك بجميعِ الصحيفةِ فلانٌ إلى آخرِ السَّندِ.
ومنْ فوائدهِ: أنْ يسمعَهُ مَن لم يكنْ سَمعَهُ في أوَّلِ الكتابِ.
وهكذا الحكمُ في الكُتبِ المصنَّفةِ لا فرقَ بينَها وبينَ الصحيفةِ في ذكرِ السّندِ أوَّلًا وآخرًا.
ووجهُ الاحتياطِ بهذا أنَّ السّندَ صارَ مُحيطًا بالصّحيفةِ، أو الكتابِ المصنَّفِ في الأوَّلِ والآخرِ، ولكنَّهُ لا يرفعُ خلافَ مَنْ يَقولُ بوجوبِ ذِكرِ السندِ مع كلِّ حديثٍ، حتى لا يجيزَ روايةً ما، لم يذكرِ السندَ في أوَّلهِ، بسندهِ المذكورِ قبل إلاَّ بالطريقِ الآتي عنِ ابنِ الصَّلاحِ (٤).
ووجهُ عدمِ رَفعهِ أنَّ تلكَ الإحاطةَ إنّما تقطعُ النزاعَ لو لم يكنِ الشيءُ ذا أجزاءٍ، وأمّا معَ كونهِ ذا أجزاءٍ فلا يَرْفَعُ الخلافَ إلا إحاطةٌ تُحيطُ بكلِّ جزءٍ من تلكَ الأجزاءِ وذلكَ بأنْ يعادَ السندُ مع كُلِّ حديثٍ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٦١).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٦٣).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٦٤).
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
قولهُ: (ويوجدُ ذلكَ) (١)، أي: إعادةُ السَّندِ مع كلِّ حديثٍ، فلا يُتوهمُ غيرُ ذلكَ.
والذي قُلتهُ صريحُ عِبارةِ ابنِ الصّلاحِ فإنَّهُ قالَ: «منهم منْ يُجوِّزُ (٢) ذِكْرَ الإسْنادِ في أوَّلِ كُلِّ حديثٍ منها، ويوجدُ هذا في كثيرٍ منَ الأصولِ القديمةِ، وذلِكَ أحْوَطُ» (٣).
قولهُ: (وأوجبَ ذلكَ بعضُهم) (٤) هوَ القائلُ بالمنعِ من أنْ يُروَى بالإسنادِ حديثٌ مما رُوِيَ مُدرَجًا من غيرِ ذكرٍ للسَّندِ حالَ القراءةِ في أولهِ بخصوصهِ.
قولهُ: (لأنَّ المعطوفَ) (٥) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وهذا لأنَّ الجميعَ معطوفٌ على الأولِ، فالإسنادُ المذكورُ أولًا في حُكمِ المذكورِ في كلِّ حديثٍ، وهو بمثابةِ » إلخ (٦).
قولهُ: (تَقطيع المتنِ) (٧) الجامعُ بينَهما أنَّ كُلًا مِنهُما جُملٌ رُكِّبتْ على إسنادٍ واحدٍ، معَ عدمِ إعادةِ السندِ قبلَ كلِّ جُملةٍ بخصوصِها اكتفاءً بذكرهِ في
الأوَّلِ، فإذا قَطَعَ من المتنِ ما بعد الجملةِ الأولَى وركَّبَها /٢٢٠ ب/ على الإسنادِ، كانَ بمنزلةِ ما إذا ساقَ ما بعدَ الحديثِ الأوَّلِ من الصحيفةِ ورَكَّبَهُ على الإسنادِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨.
(٢) في " المعرفة ": «يجدد».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨، وفيه: «وأوجب بعضهم ذلك».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨، وهو من كلام ابن الصلاح السابق.
[ ٢ / ٢٥١ ]
قولهُ: (إلاَّ مَع بيانٍ) (١) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «وسَألَ بعضُ أهلِ الحديثِ الأستاذَ أبا إسحاقَ الإسفرايينيَّ الفقيهَ الأصُوليَّ عنْ ذلكَ؟ فقالَ: «لا يَجُوزُ» (٢).
وعَلَى هذا مَنْ كانَ سماعُهُ على هذا الوجهِ فطريقُهُ أنْ يُبَيِّنَ ويحكيَ [ذلكَ] (٣) كمَا جَرى، كمَا فَعلَهُ مُسلِمٌ (٤) في صحيفةِ همَّامٍ» (٥).
وَمِن هُنا تعلمُ أنَّ هذا مُفرّعٌ على القولِ بالمنعِ، وهوَ غيرُ المسألةِ التي قالَ الشيخُ فيها: «وعلى القولِ بالجوازِ، فالأحسنُ البيانُ» (٦) فإنَّ تلكَ - فيما تفيدُ - الحُسْنَ؛ خروجًا من الخلاف.
وَمسألة ابنِ الصّلاحِ فيما يفيدُ الجوازَ، وبسوقِ عبارةِ ابنِ الصّلاحِ، ظَهَرَ أنَّ تجويزَ المانعينَ الروايةَ معَ بيانِ كيفيةِ التحمُّلِ من كلامِ ابنِ الصّلاحِ (٧)، لا مِن كلامِ المانعينَ بخلافِ ما أفادتهُ عبارةُ الشّيخِ.
وظَهَرَ أيضًا أنَّ مُسلِمًا من المانعينَ، وكلامُ الشيخِ يُفهِمُ أنَّه من المُجيزِينَ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (في الجنَّةِ الحديثَ) (٨) فِعْلُ مُسلمٍ واضحٌ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨.
(٢) قال السخاوي في "فتح المغيث" ٢/ ٢٥٢: «ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في الأسئلة التي سأله عنها الحافظ أبو سعد بن عليك، وقال: إنه لا يجوز أن يذكر الإسناد في كل حديث منها لمن سماعه على هذا الوصف».
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٤) انظر على سبيل المثال: صحيح مسلم ١/ ١١٤ عقب (١٨٢).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨ - ٩.
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩، والحديث أخرجه: عبد الرزاق (٢٠٨٨٥)، وأحمد ٢/ ٣١٥، وأبو يعلى (٦٣١٦)، وابن حبان (٦١٥٨) و(٧٤١٨)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ٢/ ١٧، وبحشل في " تأريخ واسط ": ١٦٠، وعبد الله بن أحمد في = = زياداته على " الزهد ": ٢٢ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة ».
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وقد سَلَكَ البُخاريُّ هذا المسلَكَ (١)، لكنْ معَ خَفاءِ الإشارةِ كعادتهِ. فيذكرُ السَّندَ، وقليلًا منْ أولِ أحاديثِ الصحيفةِ، ثمّ يذكرُ مُرادَهُ منْ غيرِ بيانٍ كما قالَ في كتابِ الطّهارةِ (٢): حَدَّثَنا أبو اليمَانِ، قالَ: أخبرَنَا شُعَيبٌ، قالَ: أخبرَنا أبو الزِّنَادِ: أنَّ عبدَ الرحمانِ بنَ هُرمُز الأعرجَ حدَّثه [أنَّه سمِعَ أبا هريرةَ] (٣): أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «نحنُ الآخِرونَ السابقونَ»، وبإسنادهِ قالَ: «لا يَبولنَّ أحدُكُم في الماءِ الدائمِ الذي لا يَجري ثُمَّ يغتسلُ فيهِ».
وأوقعَ ذلكَ بعضَ الشارحينَ في وهمٍ، وهو أنَّهُ ظنَّ أنَّهُ إنما ذَكرَ «نحنُ الآخرونَ» لمناسبةٍ لَهُ بالبابِ وتمحّل مناسبة بعيدة وهي: أنَّهُ لا فرقَ في استعمالِ الماءِ بينَ أولهِ وآخرهِ، أو نحوَ ذلكَ (٤).
قولهُ: (الخلافُ في إفرادِ) (٥)، أي: جوازُ إفرادِ كُلِّ حديثٍ، بل المانعُ لهُ أنْ يَطَّرِدَ الخلافُ فيه فيقولَ: لا تجوزُ روايتهُ بخصوصهِ بذلكَ السندِ مفردًا.
_________________
(١) قال الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٢٩: «واعلم أن البخاري - رحمه الله تعالى - قد صنع ما يقتضي الاحتياط في ذلك، فأشكل على الناس (ثم ذكر الحديث الآتي وقال عقبه) فكأن البخاري سمعه من أبي اليمان في الأول مردفًا عليه قائلًا: وبإسناده حديث البول فأورده كما سمعه، ولو ذكر حديث البول بالسند لأوهم أنه سمعه بالسند ولم يقع ذلك وهذا الاحتياط يحتمل أن يكون للورع والخروج من الخلاف المذكور، ويحتمل أن يكون من مذهب البخاري أنه لا يجوز».
(٢) صحيح البخاري ١/ ٦٨ - ٦٩ (٢٣٨) و(٢٣٩).
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " صحيح البخاري ".
(٤) هذا الشرح نقله الكرماني عن بعض علماء عصره. وانظر المناقشات عن هذا الصنيع: عمدة القاري ٣/ ١٦٦، وفتح الباري ١/ ٤٥٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
تَقدِيمُ المتنِ على السَّنَدِ
قولُهُ: (تَقْدِيمُ المَتنِ) (١) (وَسَبْقُ مَتْنٍ) (٢)، أي: مِن المتُونِ في حالِ الروايةِ بسندهِ لو كانَ مُلتبِسًا ببعضِ سَندِ ذلكَ المتنِ، لا يمنعُ الحكمَ عليهِ بالوصلِ، ولا يمنعُ «أنْ يَبْتَدِي رَاوٍ» تحمَّلَهُ «كَذَا» (٣)، أي: سبقَ المتنِ مُلتبسًا ببعضِ /٢٢١ أ/ السَّندِ على بعضِ السَّندِ الآخرِ «بِسَنَدٍ»، أي: لا يمنعُهُ ذلكَ أنْ يَبتَدئَ حالَ الأداءِ بالسندِ كلِّهِ ويركِّبَ عليهِ ذلكَ المتنِ. فإنَّ ابتداءَهُ بالسّندِ كلِّهِ مرتَّبًا على أخذِ كل شيخٍ عن شيخهِ، وتركيبَ المتنِ عليه مُتَّصلًا بهِ مُتَّجِهٌ وإنْ كانَ ذلك مُخالفًا لهيئةِ سَماعهِ (٤).
وقولهُ: (كَذَا) (٥) مفعولُ اسمِ الفاعلِ الذي هوَ راوٍ، أي: الذي رواهُ الراوي روايةً كائنةً مثلَ هذا الذي ذكرنَاهُ مِن تقديمِ المتنِ مُلتبِسًا ببعضِ السَّندِ، يمكنُ أنْ يكونَ هذا مرادَ النَّاظِمِ، ويمكنُ أنْ يكونَ الواوُ محذوفًا وهو مرادٌ قبل «لَو» (٦) فيكونَ التقديرُ حينئذٍ: وسَبقُ مَتنٍ عَلى جميعٍ بسندٍ، لا يمنعُ الحكمَ على ذلكَ الحديثِ بالوصلِ، ولا يمنعُ الراويَ أنْ يبتدئَ بسندهِ، ثُمَّ يركّبَ متنَهُ عليهِ، ولو كانَ سبقُ المتنِ على السّندِ مُلتبسًا ببعضِ السّندِ.
_________________
(١) هذا مأخوذ من العنوان في شرح التبصرة ٢/ ٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٦٥).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٦٥) - (٦٦٦).
(٤) قال النووي في " الإرشاد " ١/ ٤٨٨ - ٤٨٩: «فقد جوزه بعض المتقدمين»، وقال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٥٦: «كما جوزه بعض المتقدمين من المحدّثين، وكلام أحمد يشعر به، فإن أبا داود سأله هل لمن سمع كذلك أن يؤلف بينهما؟ قال: نعم». وقال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث": ٢١٢ بتحقيقي: «والأشبه عندي جواز ذلك».
(٥) التبصرة والتذكرة (٦٦٦).
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٦٥).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وعبارةُ الشرحِ واضحةٌ في إرادةِ هذا الثاني (١).
وظاهر قوله: (لَو بِبعضِ سَنَد) (٢) على كلِّ تقديرٍ أنَّه جَعلَ سبقَ المتنِ معَ بعضِ السندِ للبعضِ الآخرِ أشدَّ من سبقِ المتنِ جميعهِ على السندِ جِميعهِ، حتى يكونَ جوازُ البداءةِ بالسندِ في هذه الصورةِ وإيصاله بالمتنِ مفهومًا من بابِ الأولَى.
قالَ شيخُنا (٣): «ويمكنُ أن يوجهَ ذلكَ بأنَّ بعضَ أئمةِ الحديث وهو ابنُ خزيمةَ اصطلحَ على أن تقديمَ المتنِ - معَ بعضِ السندِ - على بعضِ السندِ الآخرِ دليلُ عُوارٍ في ذلكَ السّندِ بخلافِ تقديمِ جميعِ المتنِ على جميعِ السّندِ، فإنّهُ ليسَ لأحدٍ فيهِ اصطلاحٌ.
وينبغي أن يستثنى اصطلاحُ ابن خزيمةَ من إطلاقِ تجويزِ تقديم السّندِ على متنٍ سمعهُ مقدَّمًا على بعضِ سندهِ فإنّهُ قالَ: «لا أحلُّ لأحدٍ أن يرويَ حديثًا منها على غيرِ سِياقي» (٤) أو نحوَ ذلكَ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٦٥).
(٣) أشار إلى بعضه السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٢٥٧. وانظر: تدريب الراوي ٢/ ١١٩.
(٤) صحيح ابن خزيمة عقب (٤٤٥)، وعبارته: «ولا أحلّ لأحد أن يروي عني هذا الخبر إلاّ على هذه الصفة؛ فإن هذا إسناد مقلوب» وعند تحقيقي لكتاب مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - وجدتُ ابن خزيمة في بعض الأحاديث يقدم المتن على السند ثم يسوق الإسناد وهذا منه إشارة إلى ضعف الحديث أو أنه ليس على شرطه وقد وجدتُ ابن خزيمة قد التزم بهذا في الأعم الأغلب انظر الأحاديث التالية: ٢١٠ وهو صحيح، ٤٢٩ وهو حسن، ٤٣٣ وهو صحيح، ٤٤١ وهو ضعيف، ٤٤٢ وهو ضعيف، ٤٤٣ وهو ضعيف، ٤٤٤ وهو ضعيف، ٤٤٥ وهو ضعيف، ٤٦٨ وهو ضعيف وأشار إلى علته، ٤٦٩ وهو ضعيف وأشار إلى علته، ٤٧٠ وهو ضعيف وأشار إلى علته، ٥٦٠ وهو ضعيف، ٨٣٥ وهو صحيح، ٨٣٦ وهو صحيح، ٨٣٧ وهو صحيح، ٨٣٨ وهو ضعيف،
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فإنّه لا يعدلُ عن سياقِ أحاديثِ كتابهِ إلا لشكٍ عندهُ في لحاقِ ذلكَ الحديثِ بشرطهِ، كأنْ يكونَ رجالُ الإسنادِ كلهم على شرطهِ إلا واحدًا فلا يعلمُ فيه جَرحًَا ولا تَعديلًا.
وكذا إذا عَلِمَ فيه جَرحًا فإنّهُ قد يخرجهُ لبيانِ شيء فيهِ، كأنْ يكونَ الحديثُ فيهِ حكمٌ مطلقٌ، وفي تلكَ الروايةِ قيدٌ زائدٌ فيخرجهُ على هذا السياقِ / ٢٢١ ب / ليبينَ أنَّ الحديثَ على إطلاقهِ، ولا التفاتَ إلى هذا القيدِ؛ لأنَّ سندَهُ ضعيفٌ.
وفي بعضِ الأحيانِ يقولُ: بيانُ كذا وكذا إنْ صَحَّ الحديثُ (١) كما فعلَ في
_________________
(١) = ١١٣٨ وهو ضعيف، ١٢١٢ وهو ضعيف، ١٢١٣ وهو ضعيف، ١٢١٤ وهو ضعيف، ١٢١٥ وهو ضعيف، ١٦٩٢ وهو ضعيف، ١٢٥٤ وهو ضعيف، ١٣٤٢ وهو صحيح، ١٩٧٢ وهو ضعيف، ١٩٧٣، وهو ضعيف، ٢٠٠٧ وهو ضعيف، ٢٣١٧ وهو ضعيف، ٢٣٢٨ وهو حسن، ٢٤٦٢ وهو صحيح، ٢٦٤٢ فيه لفظتان شاذتان ضعفها المصنف، ٢٦٩١ وهو ضعيف، ٢٦٩٧ وهو ضعيف، ٢٧٧٣ وهو ضعيف، ٢٨٣٣ وهو ضعيف، ٢٨٤٠ وهو ضعيف، ٢٨٤١ وهو ضعيف، ٢٨٨٦ وهو صحيح، ٢٩٠٨ وهو حسن، ٣٠٦٨ وهو ضعيف. ومنهج ابن خزيمة هذا نقلهُ عنه أهل العلم قال الحافظ ابن حجر: «وقاعدة ابن خزيمة إذ علق الخبر لا يكون على شرطه في الصحة ولو أسنده بعد أن يعلقهُ» إتحاف المهرة ٢/ ٣٦٥
(٢) ، وقال في ٦/ ٤٧٧ (٦٨٤٩): «هذا اصطلاح ابن خزيمة في الأحاديث الضعيفة والمعللة يقطع أسانيدها ويعلقها ثم يوصلها، وقد بين ذلك غير مرة». وقد قال الحافظ ابن حجر أيضًا: «تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال فيبتدئ به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حل منهُ» تدريب الراوي ٢/ ١١٩.
(٣) أحاديث ابن خزيمة محكوم بصحتها عند ابن خزيمة، ويستثنى من ذلك الأحاديث التي توقف فيها أو التي ضعفها أو التي صدر المتن على السند وهذه أرقامها:
(٤) و(٣٨) و(١٢٢) و(١٣٧) و(٤٦٧) و(٤٦٨) و(٤٦٩) و(٤٧٠) و(٥٦٠) و(٥٦٤) و(٥٦٥) =
[ ٢ / ٢٥٦ ]
صَلاةِ التَّسبيحِ (١). وهوَ في ذلك كلِّه يبتدئُ من السندِ بالرجلِ الذي يتوقفُ فيهِ، ويسوقُ الحديثَ.
_________________
(١) = و(٧٧٣) و(٨٠٨) و(١٠٠٥) و(١١٣٨) و(١١٧٢) و(١١٧٣) و(١١٧٤) و(١٢١٢) و(١٢١٣) و(١٢١٤) و(١٢١٥) و(١٢١٦) و(١٢٢٤) و(١٢٥٤) و(١٢٩٨) و(١٤٠٢) و(١٤٠٣) و(١٤٠٤) و(١٤٠٩) و(١٤٢٢) و(١٤٣١) و(١٤٦٤) و(١٤٧٨) و(١٥٧٧) و(١٥٩٢) و(١٦٢٢) و(١٦٤٣) و(١٦٨٣) و(١٦٩٢) و(١٧٢٢) و(١٧٢٨) و(١٧٦٦) و(١٧٨٠) و(١٨٤٠) و(١٨٦٠) و(١٨٦١) و(١٨٦٦) و(١٨٧٢) و(١٨٨٥) و(١٨٦٦) و(١٩٣٩) و(١٩٥٤) و(١٩٧٢) و(١٩٧٣) و(١٩٧٤) و(١٩٧٧) و(١٩٨٤) و(١٩٨٧) و(١٩٨٨) و(٢٠٠٣) و(٢٠٠٧) و(٢٠٠٨) و(٢٠٤٠) و(٢٠٤١) و(٢٠٥٦) و(٢٠٥٧) و(٢١٣٦) و(٢١٣٧) و(٢١٩٢) و(٢٢٣٥) و(٢٢٨٢) و(٢٣٠٦) و(٢٣١٠) و(٢٣١٥) و(٢٣١٧) و(٢٣٢٣) و(٢٣٦٢) و(٢٣٧٩) و(٢٤٣٣) و(٢٤٣٤) و(٢٤٥٠) و(٢٤٥٧) و(٢٤٩٦) و(٢٤٩٧) و(٢٥٠٣) و(٢٥٤٨) و(٢٥٤٩) و(٢٥٧٩) و(٢٥٨٠) و(٢٦٤٢) و(٢٦٥٢) و(٢٦٩١) و(٢٦٩٧) و(٢٧٠٣) و(٢٧١٢) و(٢٧٣٢) و(٢٧٤٨) و(٢٧٥٣) و(٢٧٩١) و(٢٧٩٢) و(٢٨٣٤) و(٢٨٣٨) و(٢٨٤٠) و(٢٨٤١) و(٢٨٩١) وقد سجلتُ جميع الأحاديث الضعيفة التي في " مختصر المختصر " وقد بلغت (٤٢٩) مع بيان ما توقف فيه أو ما ضعفه أو ما صدر المتن قبل السند ومجموعها يبلغ (١٤٣) حديثًا، وما لم يتوقف فيه من الأحاديث الضعيفة أو يضعفه أو يصدر المتن على السند فهذا مما ينتقد به ابن خزيمة وهي تبلغ (٢٨٦).
(٢) قال ابن خزيمة في " صحيحه " قبيل (١٢١٦): «باب صلاة التسبيح إن صحّ الخبر؛ فإن في القلب من هذا الإسناد شيئًا». ووقع مثل هذا كثير في صحيح ابن خزيمة، وانظر على سبيل المثال قبيل حديث (١٤٠٢)، وقبيل حديث (١٤٣١)، وقبيل حديث (١٤٦٤).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
ثمَّ بعدَ الفراغِ منهُ، يذكرُ بقيةَ السندِ من أوَّلهِ إلى ذلكَ الرجلِ، ثمّ يبينُ ما عندَهُ في ذلكَ الرجلِ (١).
فليتنبه لهذا، فإنّ بعضَ الفقهاءِ عزا بعض هذهِ الأحاديثِ إلى " صحيحِ ابنِ خزيمةَ " غير مُبيِّنٍ لهذهِ العلةِ» انتهى كلامُ شيخِنا.
وقد أفهمَ آخرُ كلامهِ: أنّه لو بينَ الحالَ لم يكنْ مُسيئًا في عزوهِ إلى ابنِ خزيمةَ وذلكَ بأنْ يقولَ مثلًا: رواهُ ابن خزيمةَ مقدِّمًا من السندِ من فُلانٍ إلى منتهاهُ ومؤخِّرًا الباقي، ومن عادتهِ أنّهُ لا يفعلُ ذلكَ إلاّ لخللٍ في الحديثِ فلا يكونُ على شرطهِ في الصِّحةِ، وينتظم من هذا العزوِ فيقال: حديثٌ متصلُ السندِ، وليسَ موضوعًا لا تجوزُ روايتهُ معزوًا إلى مخرجهِ إلا مقرونًا ببيانِ حالهِ.
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ عن أصلِ هذهِ المسألةِ: «إذا قُدِّمَ ذكرُ المتنِ عَلى الإسنادِ أو ذكرُ المتنِ وبعضِ الإسنادِ، ثمّ ذَكرَ الإسنادَ عَقيبَهُ عَلى الاتّصَال، مثلُ أنْ يقولَ: «قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كَذا وَكَذا»؛ أوْ يقولَ: «رَوَى عمرُ، عنْ جابِرٍ (٢)، عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - كَذا وَكَذا»، ثمّ يقولَ: «أخْبرَنَا بِهِ فلانٌ، قالَ: أخبرنَا فلانٌ»، ويسوقَ الإسنادَ حتى يتَّصِلَ بِمَا قدَّمَهُ. فهذا يَلتحقُ بِمَا إذا قدَّمَ الإسنادَ في كَونهِ يَصيرُ بهِ مُسنِدًا للحديثِ لا مُرسِلًا لهُ. فلوْ أرادَ مَنْ سمعَهُ مِنهُ هَكذا أنْ يُقدّمَ الإسنادَ ويُؤخِّرَ المتنَ ويُلَفِّقَهُ كَذلكَ، فقدْ وَردَ عنْ بعضِ مَنْ تقدَّمَ مِنَ المحدِّثينَ أنَّهُ جوَّزَ ذلكَ» (٣). انتهى.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال الأحاديث: (٢١٠) و(٣٨٢) و(٣٨٧) و(٤٤١) و(٤٤٥).
(٢) في (ف): «عمرو بن خالد»، والمثبت من " معرفة أنواع علم الحديث " و" شرح التبصرة والتذكرة ".
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فقد ذَكَرَ التَّعقيبَ على الاتصالِ، ويمكنُ أن يكونَ شَرَطَه بهِ؛ لأنَّه إذا طالَ الزمانُ صارَ في مَظَنَّةِ أنْ لا يعرفَ أنَّ هذا السَّندَ لهذا المتنِ فلا تسوغُ الروايةُ.
وقولُهُ: «لا مُرسِلًا لهُ» (١) ليسَ مُرادُهُ الإرسالَ الاصطلاحيَّ، بلَ عدمَ الإسنادِ.
وهوَ مُطلقُ الانقطاعِ بلسانِ الفقهاءِ وأهلِ الأُصولِ (٢) وبعضِ أهلِ الحديثِ كما تَقدَّمَ / ٢٢٢ أ / في موضعهِ.
قولُهُ: (في تَقديمِ بعضِ المتنِ عَلى بعضٍ) (٣) نُقِل عنِ الشّيخِ مُحيي الدّينِ النوويِّ أنَّه قالَ: «الصحيحُ الذي قالَهُ بعضُ المتقدّمينَ القطعُ بجوازهِ.
وقيلَ: فيه خلافٌ كتقديمِ (٤) بعضِ المتنِ على بعضٍ» (٥).
قولُهُ: (المنعَ مِنْ ذلكَ) (٦)، أي: من تقديمِ بعضِ المتنِ على بعضٍ.
قولُهُ: (عَلَى المعنى تَجوزُ) (٧) وكذا قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ وعبارتهُ: «وهوَ خارجٌ على الروايةِ بالمعنى إنْ لم يخلَّ بهِ» (٨). انتهى.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨.
(٢) نقل العلائي في " جامع التحصيل ": ٢٦ - ٢٧ عن أبي العباس القرطبي أنه قال: «المرسل عند الأصوليين والفقهاء عبارة عن الخبر الذي يكون في سنده انقطاع».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨، ونكت الزركشي ٣/ ٦٣٠ - ٦٣١.
(٤) في (ف): «تقديم»، والمثبت من " شرح صحيح مسلم للنووي ".
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٣٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩ وهو كلام الخطيب الذي نقله عنه ابن الصلاح في معرفته: ٣٣٨، وعقد الخطيب في الكفاية: ١٧٥ بابًا في ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة على كلمة.
(٧) انظر ما سبق.
(٨) الاقتراح: ٢٣٩، وعبارته: «وهو خارج على جواز الرواية بالمعنى إنْ لم يخلَّ به».
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ويمكن أنْ يكونَ قولهُ: «إنْ لم يخلَّ بهِ» احترازٌ عن تغييرٍ، نحو صَنيع ابنِ خزيمةَ.
قولُهُ: (ولا فَرقَ بينهُمَا) (١)، أي: بينَ ترتيب جُملِ المتنِ، وترتيبِ السّندِ والمتنِ لا يقالُ: بل بينهما فرقٌ (٢)، وهو أنَّ المتنَ المحتويَ على جملٍ ربما كانَ لتقديمِ بَعضِها على بعضٍ نُكتةٌ لا (٣) تظهر إلا بمراعاةِ ترتيبهِ، فإذا قَدَّمَ بعضَهُ على بعضٍ فاتَتْ؛ لأنَّا نقولُ: هذه نكتةٌ بديعةٌ ينبغي أنْ يَتَيقَّظَ لها مَن يَروي بالمعنى، ولا يقفُ عندَ مُجرَّدِ مَعاني الألفاظِ.
ومتى فرضنَا أنَّ الراويَ فَوَّتَ شيئًا من المعنى استحالتِ المسألةُ سواءٌ كانَ ذلكَ من معاني السياقِ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨.
(٢) قال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٩٩: «ما ذكره ابن الصلاح من التخريج الممنوع والفرق أن تقديم بعض الألفاظ على بعض قد يؤدي إلى الإخلال بالمقصود، في العطف وعَودِ الضمير ونحو ذلك. بخلاف السند: فإن تأخر بعضه أو كله على المتن، في حكم المقدم فلذلك جاز تقديمه ولم يتخرج على الخلاف. وقد ذكر ابن الصلاح أنه يجري فيه ما تقدم من الخلاف، ولم يتقدم له ذلك».
(٣) في (ف): «إلا»، ولا يستقيم السياق بها.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قولُ الشّيخِ: مثلهُ أو نحوهُ
٦٦٨ - وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنًَا قَبْلَهُ
٦٦٩ - فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ
٦٧٠ - إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَّ بِالتَّحَفُّظِ وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ
قولُهُ في قولِهِ: (مِثْلَهُ أوْ نَحْوَهُ) (١): (إنْ عَرَفَ) (٢) مبنيٌ للفاعلِ وهو السامعُ الذي يريدُ الروايةَ. «الرّاويَ» مَفعولهُ، وهو الشيخُ الذي سَمِعَ منهُ، أي: يجوزُ لهُ الإكمالُ للحديثِ الأوَّلِ بسندِ الثاني إنْ عَرَفَ أنَّ شيخَهُ بهذه الصفةِ.
قولُهُ: (في نَحْوٍ) (٣)، أي: فيما عُبِّرَ بهذهِ اللفظةِ، مضافةً إلى ما قدَّمَهُ من حَديثٍ، أو أَثَرٍ، أو نحوه، وقد استعملها منونةً غيرَ مضافةٍ وهو قليلٌ.
قولُهُ: (عَلَى السندِ الثاني) (٤) ومثلُهُ ما لو أوردَهُ بعدَ إيرادِ الحديثِ الأوَّلِ بسندهِ.
ولعلَّ الشَّيخَ لم يذكرْهُ؛ لأنَّ الغالبَ عدمُ إعادةِ المتنِ في المكانِ الواحدِ، لا سِيَّما باللفظِ، أمّا إذا سَاقَ السَّندينِ من غيرِ ذِكرِ المتنِ - لا سِيَّما إذا أخَّرَ سندَ المتنِ - ثم أوردَ المتنَ، فيحتملُ القطعَ بالجوازِ لإيرادِهِ المتنَ عقبَ سندهِ. ويحتملُ المنعَ؛ لأنّهُ موهمٌ أنَّ المتنَ بلفظهِ للسّندينِ معًا من غيرِ رجحانٍ لأحدِهما في ذلكَ على
الآخرِ، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (لا يُجْزِىءُ) (٥)، أي: لأنّه يمكنُ أنْ يكونَ أرادَ المماثلةَ في المعنى فقطْ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٦٨).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٧٠).
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٧١).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وإذا طَرَقَهُ هذا الاحتمالُ وَقَعَ الشكُّ / ٢٢٢ ب / فيهِ، فيصيرَ كما لو قالَ: «نحوهُ» فإنّها ظاهرةٌ في المقاربةِ في اللفظِ، أو في المعنى، فهوَ أقعدُ في الشَّكِّ من مثله، فقد اتفقا في عدمِ الإجزاءِ للشكِّ في المساواةِ، وإنْ كانَ «النحوُ» أعرقَ في ذلكَ فهوَ أولى بالمنعِ.
ومن منع شُعبة (١) في التعبيرِ بالمثلِ، يعلمُ أنّه لا يجيزُ الروايةَ بالمعنى، هذا على أنَّهُ تعليلٌ لعدمِ روايةِ الحديثِ الذي قيلَ فيهِ ذلكَ، ويُمكنُ أنْ يكونَ مُرادُهُ تعليلَ المنعِ من الروايةِ بالمعنى مُطلقًا، فيكونَ المعنى قولَ الراوي: «مثله» لا يُغني في تجويزِ الروايةِ، فإنَّ غايتَهُ أنْ تكونَ شهادةٌ من ذلك الشَّيخِ، أنَّ ما حذفَهُ بمعنى ما تقدَّمهُ، ولو أبرزَهُ لجازَ أنْ يظهرَ لغيرهِ من المعنى ما خَفِيَ عليهِ، فيعلمَ أنَّه ما وفى، وأنَّ روايتَهُ له - بما ظنَّ أنّه معناهُ - لا تسوغُ عندَ الفريقينِ، فيصيرَ مثلَ
المبهمِ.
ومَعنَى قولهِ في: «نحوه» أنَّه «شكَّ» (٢) أن الشَّيخَ الذي رَواهُ شَكَّ في مماثلةِ المعنى؛ لأنَّه ما عَدَلَ عَن أنْ يقول: «مثله» إلاّ لشكٍّ حصلَ عندَهُ في المماثلةِ، فهوَ أبعدُ في المنعِ من الروايةِ، وذلك يُفْهِم - على كلا التقديرينِ أنَّ شعبةَ ممَّن يمنعُ الروايةَ بالمعنى، وهذا المعنى الذي لحظَهُ في «نحوهِ» هو الذي لحظَهُ سُفيانُ (٣) فَحَكَمَ بأنَّهُ حديثٌ غيرُ الأوَّلِ، أي: غيرُ مساوٍ لهُ في المعنى وإنْ كانَ قريبًا منهُ.
_________________
(١) انظر قول شعبة في: المحدّث الفاصل: ٥٩٠ (٨٤٠)، والكفاية: ٢١٣، والتمهيد ١/ ١٢ - ١٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠، وهو كلام شعبة، وقد أخرج قوله الخطيب في " الكفاية ": ٢١٣.
(٣) الكفاية: ٢١٣. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
قولُهُ: (مِثْلَهُ يُجْزىءُ) (١)، أي: لأنَّ المثليةَ ظاهرةٌ في المساواةِ، فإنْ كانتْ في اللفظِ، فالمعنى تبعٌ لهُ. وإنْ كانتْ في المعنى فهوَ المرادُ. ومن هنا تعلمُ أنَّه ممن يجيز الرواية بالمعنى (٢).
وقولُهُ في: «نحوه»: «حديث» (٣) يُريد أنَّ «نحوه» ظاهرةٌ في أنَّ المرادَ بهِ المقاربةُ، لا المماثلةُ.
قال في " القاموس " (٤): «النَّحْوُ: الطريقُ والجهةُ والقَصْدُ».
فالحديثُ الذي قِيلَ فيهِ (٥) ذلكَ، حديثٌ آخرُ غيرُ المذكورِ، بمعنى أنّهُ لا يتحدُ معهُ لا (٦) لفظًا ولا معنى، فلا يجوزُ تركيبُ المذكورِ على السندِ الثاني؛ لأنَّ ذلكَ يقتضي أنْ يكونا سواءً، والغرضُ أنّهُ قد قالَ إنّهُ مقاربُهُ لا مُساويه.
وهذا الذي فَهمتَهُ هو الذي يَقتضيهِ تنكير «حديث» في عبارةِ سُفيانَ.
ولم أدرِ ما وجهُ مَن فَهِمَ أنَّ مرادَهُ بهِ الحديثُ الذي ساقَ متنهُ ليكونَ قولُهُ: «يُجزئُهُ» وقولُهُ: «حديث» سواءً، كما هو / ٢٢٣ أ / ظاهرُ صَنيعِ ابنِ الصّلاحِ (٧) فإنَّه سَاقَ سندَهُ إلى وكيعٍ أنَّه قالَ: «قالَ شُعبةُ: فلانٌ عنْ فُلانٍ، مثلَهُ لا يُجْزِىءُ، قال وكيعٌ (٨): وقالَ سفيانُ: يُجزىءُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٢) نقل الخطيب في " الكفاية ": ٢٩ عن سفيان الثوري جواز الرواية بالمعنى.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٤) القاموس المحيط مادة (نحو).
(٥) في (ف): «فلهه»، والمثبت أصوب.
(٦) في (ف): «إلا»، المثبت أصوب.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٠.
(٨) عبارة: «قال وكيع» تكررت في (ف).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وأمّا إذا قالَ: «نحوَهُ» فهوَ في ذلكَ عندَ بعضِهِمْ كما إذا قالَ: «مِثلَهُ». نُبِّئنا بإسنادٍ عن وكيعٍ، قالَ: قالَ سفيانُ: إذا قالَ: نَحوَهُ، فهوَ حديثٌ».
فهذا ظاهرُهُ أنّ تعبيرَ سُفيانَ بقولِهِ: «حديث» تسويةٌ منهُ بينَ «نحوهِ»، و«مثلهِ» (١).
وتابعهُ الشَّيخُ (٢) على هذا الفهمِ، فَساقَ عبارةَ سفيانَ في «مثلهِ»، و«نحوهِ» في القولِ الثاني. فإنَّ ظاهرَ ذلكَ أنَّهُ فَهِمَ أنهما سواءٌ، وليسَ كذلكَ، بلْ الظاهر أنَّ التعبيرَ «يُجزيءُ» معناهُ: يَكفي التعبيرُ بالمثلِ في تسويغِ الروايةِ لمتنِ السَّندِ الأولِ، بالسَّندِ الثاني.
وقولُهُ: (فهوَ حديثٌ) (٣)، أي: آخرُ (٤)، كما هو مُقتضَى التنوينِ، فهوَ موازنٌ لقولِ شُعبةَ: «شَكّ».
ثمّ إنَّ هذا القولَ الثاني جَعَلهُ الشَّيخُ شاملًا لـ «نحوهِ»، ولم يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ إلا في مثلهِ خاصة، فإنّهُ قالَ: «إذا رَوَى المحدِّثُ الحديثَ بإسنادٍ ثمّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ، وَقالَ عندَ انتهائِهِ: «مثلَهُ» فأرادَ الراوي عنهُ أنْ يَقتصرَ عَلَى
_________________
(١) قال النووي في " الإرشاد " ١/ ٤٩١: «ففرق ابن معين بين مثله، ونحوه». وانظر: الاقتراح: ٢٤١، وجواهر الأصول في علم حديث الرسول: ١٢٣، وتدريب الراوي: ١٢٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٤) قال السخاوي في " فتح المغيث " ٢/ ٢٦١: «وعن عبد الرزاق، قال: قال النووي: إذا كان مثله، يعني: حديثًا قد تقدم، فقال: مثل هذا الحديث الذي تقدم، فإن شئت فحدث بالمثل على لفظ الأول»، وهذا الأثر نقله الخطيب بسنده في " الكفاية ": ٢١٢ - ٢١٣، ثم قال عقبه: «قال عبد الرزاق: وكان شعبة لا يرى ذلك». ومن هذا النقل عن النووي تبين أنه لم يرد حديثًا آخر غيره، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الإسنادِ الثاني وَيسوقَ لفظَ الحديثِ المذكورِ عقيبَ الإسنادِ الأوَّلِ فالأظهرُ المنعُ (١) مِنْ ذَلِكَ، وَروِّينَا عَن أبي بكرٍ الخطيبِ الحافظِ، قالَ: كانَ شعبةُ لا يُجيزُ ذَلكَ. وَقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: يجوزُ ذَلكَ إذا عُرِفَ أنَّ المحدِّثَ ضابطٌ مُتحفظٌ يَذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فإنْ لمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنهُ، لم يَجُزْ ذَلكَ، وكانَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ » (٢) الخ (٣). هذا لفظُهُ بحروفهِ.
ويؤيدُ ما فهمتهُ من الفرقِ بينَ «مثلهِ»، و«نحوهِ» تعليقُهُ الأمرَ بتمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فهوَ ظاهرٌ جدًا في الروايةِ باللفظِ، ويؤيدهُ أيضًا ما رأيتُ بخطِّ صَاحبِنا العلامة شمسِ الدِّينِ بنِ حسانَ (٤) أنَّ قولَ الخطيبِ هذا جعلهُ النوويُّ (٥)، وكذا الحافظُ عمادُ الدِّينِ بنُ كثير قولَ سفيانَ الثوريِّ. أي: لأنّهُ قالَ: إنَّ قولَ الراوي «مثلَهُ» يجزئُ / ٢٢٣ ب /، أي: لأنّهُ لا يقولُ ذلكَ إلاّ منْ علمَ أنَّ لَفظَي الحديثِ سواءٌ، لا ينقصُ أحدُهُما عن الآخرِ حرفًا فما فوقه؛ لأنَّ المماثلةَ ظاهرةٌ في ذلكَ، ويؤيدهُ ما نقلهُ مسعودٌ، عن الحاكمِ.
_________________
(١) قال ابن دقيق: «والأظهر أنه لا يجوز». الاقتراح: ٢٤٠. وقال النووي: «فالأظهر منعه». الإرشاد ١/ ٤٩٠، وشرح صحيح مسلم ١/ ٣٨. وعلق البلقيني والزركشي بكلام طويل على جملة: «فالأظهر المنع». انظر: محاسن الاصطلاح: ١٩٩، ونكت الزركشي ٣/ ٦٣١ - ٦٣٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٩.
(٣) الكفاية: ٢١٢. وتتمة كلامه: «إذا روى مثل هذا يورد الإسناد، ويقول: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا، ثم يسوقه».
(٤) هو محمد بن محمد بن علي بن محمد بن حسان الشمس بن الشمس، الموصلي الأصل، المقدسي، الشافعي، ويعرف بابن حسان، ولد سنة (٨٠٠ هـ)، وتوفي سنة (٨٥٥ هـ). انظر: الضوء اللامع ٩/ ١٥٢ - ١٥٤.
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٣٨.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وأمَّا قولُهُ: «إذا قالَ: نحوَهُ» (١) فهيَ مسألةٌ أُخرَى، لم يتعرضْ لها النَّوويُّ (٢). لكنْ يبعدُ إطلاقُ المثلِ على المتحدِ باللفظِ؛ إذ المماثلة ظاهرةٌ جدًا في المشابهةِ، والمتحدُ باللفظِ هوَ ذلكَ الحديثُ نفسُهُ لا أنَّهُ مُشبههُ، واللهُ أعلمُ.
ومن مؤيداتِ ما فهمتهُ أيضًا، ما قالهُ النَّوويُّ في «بابِ صفةِ الوضوءِ» وكمالهِ من " شرحِ مُسلِم " في قولِ النبيِّ - ﷺ -: «منْ تَوضَّأَ بِنَحوِ وضُوئي هَذا» (٣). وإنّما قالَ - ﷺ -: «نحوَ»، ولم يقلْ: «مثلَ»؛ لأنَّ حقيقةَ مماثلتهِ - ﷺ - لا يقدرُ عليها غيرُهُ» (٤). انتهى.
وَمَن وَقَعَ في روايتهِ «مثلَ وضوئي»، فالظاهرُ أنّه رَوَى بالمعنى، فلم يوفِ بالمرادِ؛ لأنَّ «نحوَ» أوسعُ، والنبيُّ - ﷺ - يحبُّ التوسعةَ لأمتهِ.
قولُهُ: (وهو قولُ يحيى) (٥) وكذا قولُ سفيانَ، كما عَلمتَهُ فكانَ يتعينُ أنْ يُؤخِّرَ ما سَاقَهُ عنه في القولِ الثاني إلى الثالثِ، وعن الحافظِ عمادِ الدِّينِ إسماعيلَ بنِ كثيرٍ أنّهُ اختارَ قولَ يحيى هذا.
قولُهُ: (وَعَليهِ يَدلُّ كَلامُ الحاكمِ) (٦) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «هذا - أي: قولُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠.
(٢) تعرَّض النووي لهذا، فقال في " الإرشاد " ١/ ٤٩١: «وأما إذا قال: نحوه فقد أجازه سفيان، ومنعه شعبة». وانظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٣٨.
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٥٩ و٦٠، والدارمي (٦٩٩)، والبخاري ١/ ٥١ (١٥٩) و١/ ٥٢ (١٦٤) و٣/ ٤٠ (١٩٣٤)، ومسلم ١/ ١٤١ (٢٢٦) (٣) و(٤) من حديث عثمان ابن عفان - ﵁ -.
(٤) شرح صحيح مسلم ٢/ ٩٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
الخطيبِ أنَّه على مذهبِ من لم يُجزِ الروايةَ على المعنى (١) - لهُ تعلّقٌ بمَا رُوِّينَاهُ عنْ مَسعودِ بنِ عليٍّ السجزيِّ (٢) أنَّهُ سَمِعَ الحاكمَ أبا عبدِ اللهِ الحافظَ يقولُ: إنَّ أوّلَ مَا (٣) يلزمُ الحديثيَّ مِنَ الضبطِ وَالإتقانِ أنْ يُفرِّقَ بينَ أنْ يقولَ: «مثلَهُ» أوْ يقولَ: «نحوَهُ»، فلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يقولَ: » (٤) إلخ.
وقد عُلمَ ما تَقدَّمِ عن سفيانَ ويحيى في التجويزِ في «مثلِه» دونَ «نحوهِ»، وأنَّ ظاهرَ قولِ سُفيانَ «نحوه» أنَّهُ «حديث» أنَّ مرادَهُ حديثٌ آخرُ مقاربٌ، لا أنَّه مساوٍ، لا في اللفظِ ولا في المعنَى، وذلكَ يقدحُ في تجويزِ التركيبِ عندَ التعبيرِ «بنحوهِ»، على المذهبينِ قطعًا، وإنْ كانَ يحيى وسُفيانُ ممن يُجيزان الروايةَ بالمعنى تأكَّدَ ما فهمتهُ عنهُما، ويؤيدُه أيضًا: أنَّ ابنَ دقيقِ العيدِ قالَ: «ويشترط أنْ يكون - أي: الشَّيخُ الذي ذَكَرَ السَّندَ، ثُم قالَ: «مثلَهُ» أو «نحوَهُ» - ممّن يُفرِّقُ بينَ مدلولِ قولهِ / ٢٢٤ أ /: «مثله»، أو «نحوه»، فإنَّه قد يتسامحُ بعضُ النَّاسِ في ذلكَ، واللهُ أعلمُ» (٥).
قولُهُ: (وَهذَا عَلَى مَذهَب ) (٦) إلخ، الإشارةُ إلى قولِ ابنِ مَعينٍ، كما هوَ ظاهرُ العبارةِ. ونُقِلَ عن النَّوويِّ (٧) التصريحُ بهِ، وعِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ أشدُّ ظهورًا في ذلكَ من عبارةِ الشَّيخِ، فإنَّه قالَ: «وعن ابنِ معينٍ أنّه أجازَ ما قدَّمنَا ذِكرَهُ - أي: مِنْ
_________________
(١) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٢) سؤالات مسعود: ١٢٣.
(٣) في " المعرفة ": «مما»، بدل «أول ما».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٠، وتتمة القول: «مثله إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظٍ واحد، ويحل أن يقول: نحوه إذا كان على مثل معانيه».
(٥) الاقتراح: ٢٤١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١، وهو من كلام الخطيب.
(٧) انظر: الإرشاد ١/ ٤٩١.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
أنَّ الراويَ يَقتصرُ على الإسنادِ الثاني، ويَسوقُ لفظَ الحديثِ المذكورِ، عَقِبَ الإسنادِ الأوَّلِ في قولهِ: أي أجازَ ما قَدَّمناهُ - (١) في قولهِ: «مِثْلهُ»، ولم يُجزْهُ في قولهِ: «نحوهُ»» (٢).
قالَ الخطيبُ: «وهذا القولُ على مَذهَب » (٣) الخ.
وهذا ذهابٌ منهم إلى أنّ «المثلَ» عندَ سُفيانَ، ويَحيَى بمعنى: «العينِ»، وهذا كلُّهُ فيما إذا أَدرَجَ المتنَ على السّندِ الثاني، ولم يُبيّنْ أنّه لسندٍ آخرَ. وأمّا
إذا بَيّنَ فقد تَقدّمَ ما نَقَلَهُ الخطيبُ في تجويزِ غيرِ واحدٍ من أهلِ العلمِ لهُ وأنَّه اختارَهُ.
وعلى كُلِّ تقديرٍ ففي ذلكَ نَظَرٌ؛ لأنَّ قولَهُ أنَّه على مَذهَبِ مَن مَنَعَ الروايةَ بالمعنى، إن كانتِ الإشارةُ فيهِ إلى قولِ مَن شَرَطَ التَّحفُّظَ بتمييزِ الألفاظِ، وعدِّ الحروفِ، وكذا ما جَعَلَ ابنُ الصَّلاحِ له بهِ تعلُّقًا ممّا نَقَلهُ مَسعودٌ، عن الحاكمِ، فهوَ واضحٌ مُنتظِمٌ.
فإنَّ مَن كانَ كذلكَ لم يطلقْ «مثلَهُ» إلا فيما قابلهُ فوافقَتْ حروفُهُ حروفَ المتنِ المذكورِ فكانَ إياهُ، فَجازَ نقلُهُ؛ لأنَّه هو المتنُ المتقدِّمُ بعينهِ، وأمَّا مَن لم يُعرفْ منهُ هذا التحفُّظ لم يجزْ مثلَ ذلكَ فيما قالَ فيهِ: «مثلهُ» لأنَّه لم يوثقْ بكونهِ عينَ الحديثِ المذكورِ، فدَارَ الأمرُ على أنَّ الجوازَ تابعٌ للعلمِ باتّحادِ اللفظِ، والمنعَ تابعٌ للشكِّ فيهِ.
وإنْ كانتِ الإشارةُ فيهِ إلى قولِ ابنِ مَعينٍ ونحوهِ لم يصحَّ؛ لأنَّهم لو كانُوا يمنعونَ الروايةَ بالمعنى لما اختلفوا في «مثلِ» فَمَنعَ فيها شعبةُ وأجازَ فيها غيرُهُ.
_________________
(١) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٠.
(٣) الكفاية: ٢١٤.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فالظاهرُ أنَّ المنعَ فيها لِظهورِها في إرادةِ المعنى؛ لأنَّ الموافقَ في اللفظِ يمكنُ أنْ يُقالَ فيهِ: «قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الحديثَ»، أو «بهذا»، أو «قد ذَكَرَهُ»، أو «بهِ»، أو «بلفظهِ سَواء».
وما أدَّى هذا المعنى من نحوِ هذه الألفاظِ، فلا يعدلُ عن الأوَّلِ إلى ما هوَ دونه / ٢٢٤ ب /، فلا يعدلُ عن مثلِ هذه الألفاظِ، إلى قولهِ: «مثلهِ» إلا لما هوَ ظاهرٌ فيهِ من التَّشابهِ في المعنى، وأكثر الألفاظِ لا للاتحادِ في الذَّاتِ (١).
ومُسلمٌ أكثرُ النَّاسِ ذكرًا لذلكَ، فتارةً يقولُ بعدَ ذِكرِ الحديثِ: حَدَّثَنا فُلانٌ بهذا الإسنادِ «نحوه»، وتارةً يقولُ: «مثلهُ»، وتارةً: قالَ فُلانٌ «هذا»، أو
«نحوه»، وتارةً قالَ النبيُّ - ﷺ - «بهذا الحديثِ»، «نحو حديثِ فُلانٍ»، وتارةً «وسَاقَ الحديثَ بمثلهِ»، وتارةً عن النبيِّ - ﷺ - «بهذا الحديثِ» إلى غيرِ ذلكَ من العباراتِ.
ويمكنُ على بعدٍ أنْ يُنزَلَ كلامُ شُعبةَ على مَن شَكَّ في حالهِ، وكلامُ المجيزِ على مَن عَلمَ من حالهِ التحفظَ في عدِّ الحروفِ. ووجهُ البُعدِ إطلاقُ كلٍّ من الفريقينِ قولهُ من غير تقييدِ وقتٍ ما، واللهُ أعلمُ.
وأوَّلُ دليلٍ على أنَّ الظاهرَ في إطلاقِ «المثلِ»، الشَّبَهُ لا العينُ، أنَّ مَن يَتقيَّدُ باللفظِ مَنَعَ بعضهم من الروايةِ بها مُطلقًا.
واشترطَ آخرُ أنْ يُعرفَ من عادةِ المحدِّثِ الضابطِ، تَمييزُ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ (٢).
_________________
(١) قال أبو زكريا الأنصاري في "فتح الباقي" ٢/ ٩٢: «إذ ظاهر «مثله» يفيد التساوي في اللفظ دون ظاهر «نحوه»».
(٢) اشترط هذا سفيان الثوري، ويحيى بن معين. انظر: الإرشاد ١/ ٤٩٠، ونسب الخطيب في "الكفاية": ٢١٢ هذا القول لبعض أهل العلم.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
واشترطَ آخرُ (١) في الراوي أنْ يعرفَ الفرقَ بينَ معنى «مثلهِ»، ومعنى «نحوهِ»، وهذا هوَ الذي يَنبغي أنْ يُقطَعَ بهِ ولا يُعدَلَ عنهُ: أنَّ من عُرِفَ من عادتهِ أنَّه لا يقولُ: «مثلَهُ»، إلاّ عندَ اتحادِ اللفظِ، وكان ثقةً عارفًا بصيرًا، جازَ أنْ يُركِّبَ المتنَ المذكورَ، على ما ذَكَر من السّندِ، وقالَ فيهِ: «مثلَهُ»، واللهُ أعلمُ.
قولُه: (مثلُ حديثٍ قبلَهُ، متنُهُ) (٢) لا يقالُ: إنَّ هذا يُوهِمُ أنَّه سَمِعَ المتنَ الثاني، وأنَّه إنَّما تَركَهُ لنسيانٍ أو غيرهِ، فلا يَخلو عن احتمالِ المنعِ؛ لإيهامهِ أنَّه سَمعَهُ بخصوصهِ، فيكونُ إيهامًا لما لو قِيلَ كانَ كاذبًا؛ لأنَّا نقولُ: إنّ هذا الإيهامَ غيرُ مؤثِّرٍ بوجهٍ؛ لأنَّه لم يزدْ على ما سَمِعَ وهوَ موجودٌ، ولو لَم يُركِّب متنَ السَّندِ الأوَّلِ عليهِ.
قولُه: (وَهذا الذي أَختارُهُ) (٣) نُقِلَ عن النّوويِّ أنّه قالَ: «ولا شَكَّ في حُسنهِ» (٤).
قولهُ: (وَذَكَرَ الحَدِيْثَ) (٥).
وقولُه: (إذْ بَعْض مَتْنٍ) (٦)، «بعضُ» نكرةٌ في سياقِ النفي، فيقتضي ذلكَ أنّه لم يَسقْ شيئًا من المتنِ، وليسَ هوَ المراد؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيمن ذَكَرَ المتنَ،
_________________
(١) هو الحاكم النيسابوري كما نقل عنه قبل قليل في "سؤالات مسعود": ١٢٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١، وهو كلام الخطيب نقلًا عن بعض أهل العلم. انظر: الكفاية: ٢١٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١، وهو كلام الخطيب في "الكفاية": ٢١٢.
(٤) شرح صحيح مسلم ١/ ٣٨.
(٥) التبصرة والتذكرة (٦٧٣).
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٧٣).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وحَذفَ بعضهُ، فلو / ٢٢٥ أ / قالَ الشَّيخُ: «كل متنٍ» لكانَ أقربَ، وكانَ المعنى: «وقولُ المحدّثِ حينَ لم يَسقْ كلَّ المتنِ بل سَاقَ بعضَهُ».
وقالَ: «وَذَكَرَ»، أي: الشَّيخُ الذي حَدَّثَني الحديثَ. «فالمنعُ» للرَّاوي عن ذلكَ الشّيخِ من إكمالِ الحديثِ «أحقّ» من المنعِ في المسألةِ التي قبلها، وهي ما إذا سَاقَ الحديثَ، ثُم سَاقَ إسنادًا آخرَ لهُ، ثُم قالَ: «فَذَكرَ مثلَهُ».
قولهُ: (إذا أتى الشَّيخُ الراوي) (١) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «إذا ذَكَرَ الشَّيخُ إسنادَ الحديثِ، ولمْ يَذكرْ مِنْ مَتْنهِ إلاّ طَرفًا ثُمَّ قالَ: «وَذكرَ الحديثَ»، أو قالَ: وذكرَ الحديثَ بطولِهِ» (٢).
قولهُ: (وبالمنعِ أجابَ الأستاذُ) (٣) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «وسألَ بعضُ [أهلِ] (٤) الحديثِ أبا إسحاقَ إبراهيمَ بنَ محمدٍ الشّافعيَّ المقدَّمَ في الفقهِ والأصولِ عنْ ذَلكَ، فقالَ: لا يجوزُ لمنْ سمعَ عَلى هذا الوصفِ، أنْ يرويَ الحديثَ بما فيهِ مِنَ الألفاظِ عَلَى التفصيلِ، وَسألَ أبو بكرٍ البَرْقَانيُّ (٥) الحافظُ الفقيهُ أبا بَكرٍ الإسماعيليَّ الحافظَ الفقيهَ عمَّنْ قَرَأَ إسنادَ حديثٍ عَلَى الشَّيخِ، ثمَّ قالَ: «وَذَكرَ الحديثَ»، هَل يجوزُ أنْ يُحدِّثَ بجميعِ الحديثِ؟ فقالَ: إذا عَرَفَ » (٦) إلخ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من "المعرفة".
(٥) الكفاية: ٣١١. وتتمة كلامه الذي نقله ابن الصلاح: «فقال: إذا عرف المحدّث والقارىء ذلك الحديث، فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى أن يقول: كما كان». وانظر: الإرشاد ١/ ٤٩٢، وشرح صحيح مسلم ١/ ٣٨، والمقنع ١/ ١٨٩.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١، وانظر: الإرشاد ١/ ٤٩٢، وشرح صحيح مسلم ١/ ٣٨، والمقنع ١/ ٣٨٩.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وعَن ابنِ كَثير أنَّه قالَ: «إنْ كانَ - أي: الراوي - قدْ سمعَ الحديثَ المشارَ إليهِ قبلَ ذلكَ عَلَى الشَّيخِ في ذَلكَ المجلسِ، أوْ في غيرِهِ، فتجوزُ الرواية، وتكونُ الإشارةُ إلى شيءٍ قد سَلَفَ بيانهُ وتحقّقُ سماعه» (١). انتهى.
وهوَ في غايةِ الظُّهورِ والحُسنِ، وإليهِ يَرشدُ قَولُ ابنِ الصَّلاحِ الآتي: «فالتحقيقُ أنَّه بطريقِ الإجازةِ فيما لمْ يذكُرهُ الشَّيخُ» (٢) فإنَّ مَفهومَهُ أنّه إذا ذَكَرَهُ الشيخُ كانَ سَماعًا.
قولهُ: (ثمَّ يقولُ:) (٣)، أي: السَّامعُ (قالَ) (٤)، أي: الشَّيخُ (وَذَكَرَ) (٥)، أي: الذي حدَّثهُ الحديثَ.
صورةُ ذلكَ أنْ يقولَ الشّيخُ مثلًا: حَدَّثَنا فُلانٌ إلى أنْ يقولَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنّما الأعمالُ» (٦). «قالَ» يعني: شَيخَهُ، «وَذَكَرَ»، أي: الذي حَدَّثني الحديثَ بطولهِ، أو كلَّهُ، ونحو ذلكَ.
_________________
(١) اختصار علوم الحديث ٢/ ٤١٩، وبتحقيقي: ٢١٤، وزاد السخاوي في نقله عن ابن كثير: «وإلا فلا». فتح المغيث ٢/ ٢٦٤.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) إشارة إلى حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - الذي أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (١٨٨)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي (٢٨)، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، والبخاري ١/ ٢ (١) و١/ ٢١
(٧) و٣/ ١٩٠ (٢٥٢٩) و٥/ ٧٢ (٣٨٩٨) و٧/ ٤ (٥٠٧٠) و٨/ ١٧٥ (٦٦٨٩) و٩/ ٢٩ (٦٩٥٣)، ومسلم ٦/ ٤٨ (١٩٠٧) (١٥٥)، وأبو داود (٢٢٠١)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والترمذي (١٦٤٧)، والبزار (٢٥٧)، والنسائي ١/ ٥٨ و٦/ ١٥٨ و٧/ ١٣ وفي " الكبرى "، له (٧٨)، وابن خزيمة (١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، وابن الجارود (٦٤)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ٩٦ وفي " شرح المشكل "، له (٥١٠٧) و(٥١٠٨) و(٥١٠٩) و(٥١١٠) و=
[ ٢ / ٢٧٢ ]
قولهُ: (إجازةٌ أكيدةٌ) (١)، أي: لكونِها إجازةَ شيءٍ مُعيَّنٍ لشخصٍ مُعيَّنٍ، وفي المسموعِ ما يدلُّ على المجازِ معَ معرفةِ المجازِ لهُ، كما قالَ الإسماعيليُّ.
_________________
(١) = و(٥١١١) و(٥١١٢) و(٥١١٣) و(٥١١٤)، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، والدارقطني ١/ ٥٠ - ٥١ وفي " العلل "، له ٢/ ١٩٤، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٤٢ وفي " أخبار أصفهان "، له ٢/ ١١٥، والبيهقي ١/ ٤١ و٢٩٨ و٢/ ١٤ و٤/ ١١٢ و٢٣٥ و٥/ ٣٩ و٦/ ٣٣١ و٧/ ٣٤١، والخطيب في "تأريخه" ٤/ ٢٤٤ و٦/ ١٥٣، والبغوي (١) و(٢٠٦).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١، وقال البلقيني في "محاسن الاصطلاح": ٢٠١: «وعلى تقدير الإجازة، لا يكون أولى بالمنع عن: «مثله» و«نحوه» إذا كان الحديث بطوله معلومًا لهما، كما ذكر الإسماعيلي بل يكون أولى بالجواز».
[ ٢ / ٢٧٣ ]
إِبدَالُ الرَّسولِ بالنَّبيِّ وَعكْسُهُ
قولهُ: (إبدالُ الرسولِ بالنَّبيِّ) (١) /٢٢٥ ب/ قد عُلِمَ من القاعدةِ التي قدَّمتُها في الكلامِ على المعلَّلِ أنَّ الباءَ داخلةٌ في الإبدالِ على المأخوذِ. فالمعنى: أنَّه غَيَّرَ لفظَ الرسولِ فتركَهُ، وأتى مَكانَهُ بلفظِ النبيِّ وعَكَسَهُ، هذا ما في المتنِ، والذي في الشرحِ عَكسُهُ.
قولهُ: (وكانَ أحمدُ) (٢) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وثبتَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنَّهُ رَأى أبَاهُ إذا كَانَ في الكتابِ «النَّبيُّ» (٣) فَذَكَرهُ إلى أنْ قالَ: وإنمّا استحبَّ أحمدُ اتّباعَ المحدِّثِ في لفظِهِ» (٤). انتهى.
وهذهِ المسألةُ مثلُ مسألةِ الزيادةِ في نَسَبِ الشّيخِ، كما مَضَى قَريبًا.
قولهُ: (وقالَ حمادُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «وَذكرَ الخطيبُ بسندِهِ (٦) عنْ حَمَّادِ بنِ سَلمةَ أنَّهُ كَانَ يُحدِّثُ وَبينَ يَديهِ عفانُ وبَهْزٌ، فجعلا يُغيّرانِ: «النّبيَّ» منْ «رسولِ اللهِ - ﷺ -»، فقالَ لهمَا حَمادٌ: أما أنتما فلا تَفْقَهانِ أبدًا (٧») (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢، ومذهب أحمد أسنده الخطيب في " الكفاية ": ٢٤٤.
(٣) وتتمة كلام ابن الصلاح: «فقال المحدّث: عن رسول الله - ﷺ -، ضرب وكتب: «عن رسول الله - ﷺ -»، وقال الخطيب أبو بكر: «هذا غير لازم»». وانظر: الكفاية: ٢٤٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣.
(٦) الكفاية: ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١ - ٣٤٢.
(٨) قال البلقيني في "محاسن الاصطلاح": ٢٠١: «هذا أولى من جواز رواية الحديث بالمعنى، خلافًا لما تقدم. واختلاف المعنى لا يضر في الألفاظ المنقولة، فالذي رويت عنه واحد - ﷺ - بخلاف الرواية بالمعنى، فقد يطرقها في التغيير ما لا يفهم الراوي، ولا يرد ذلك بحديث البراء في " الصحيحين "، في حديث: «ونبيك الذي أرسلت» للتعبد بالألفاظ في ذلك الباب مع ما فيه من حسن الإتيان بالصفتين العظيمتين».
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ظاهرُ صَنيعِ الشَّيخِ وابنِ الصَّلاحِ: أنَّ حمادًا يقولُ بالجوازِ، وعبارتُهُ ظاهرةٌ في المنعِ، واللهُ أعلمُ.
السَّماعُ عَلى نوعِ مِنَ الوهْنِ
قولهُ في قولهِ: (السَّماعُ عَلَى نوعٍ مِنَ الوهنِ، أوْ عَنْ رَجُلينِ) (١)، أي: كائنينِ في السَّندِ في أيِّ موضعٍ كانَ؛ مِن أولهِ أو آخرهِ أو أثنائهِ. فالمعنى: السّماعُ المنقولُ عن رجلينِ، وليسَ الأمرُ مُنحصِرًا في أنْ يكونَا شيخي الراوي، ليكونَ حقُّ العبارةِ: «على رجلينِ».
قولهُ: (كَنَوْعِ) (٢)، أي: عليهِ البيانُ إذا «خَامَرَ»، أي: خَالَطَ سَماعَهُ نوعُ «وهنٍ»، أي: ضَعفٍ. ثُمَّ إنَّ عبارةَ الشَّيخِ تُفهِم أنَّ هذا نظيرٌ لما قبلَهُ، وليسَ كذلكَ، بل السَّماعُ في المذاكرةِ من صُورِ السَّماعِ على نوعٍ من الوهنِ، وعِبارة ابنِ الصّلاحِ واضحةٌ في ذلكَ كما يأتي.
وقد اعترفَ الشَّيخُ في " الشَّرحِ " (٣) بأنَّه مثالُ قولهِ: «أو في المذاكرةِ».
قالَ ابنُ الصَّلاحِ عَقِبَهُ: «فقدْ كانَ غيرُ واحدٍ منْ مُتَقدِّمي العُلماءِ يفعلُ ذَلكَ، وكانَ جماعةٌ مِنْ حُفَّاظِهِمْ يمنعونَ مِنْ أنْ يُحمَلَ عنهمْ في المذاكرةِ شيءٌ، منهم: عبدُ الرحمانِ » (٤) إلخ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٧٨).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٢، وتتمة كلامه: «ابن مهدي، وأبو زرعة الرازي رويناه عن ابن المبارك وغيره، وذلك لما يقع فيها من المساهلة مع أن الحفظ خَوَّان». وانظر هذه الآثار في: الجامع لأخلاق الراوي (١١١٠) و(١١١١) و(١١١٢) و(١١١٣).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قولهُ: (كانَ أحمدُ) (١) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «ولذلكَ امتنعَ جماعةٌ مِنْ أعلامِ الحُفَّاظِ مِنْ روايةِ مَا يحفَظونَهُ إلاّ مِنْ كُتُبِهِمْ، منْهُم: أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢») (٣).
قولهُ: (ليسَ بحتمٍ) (٤) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ ليستْ صريحةً في الوجوبِ وستأتي، بل هيَ ظاهرة في الاستحبابِ بقرينةِ جَعلِ ذلكَ نوعًا / ٢٢٦ أ / من التدليسِ، ولم يقلْ أحدٌ أنَّه يجبُ على المحدّثِ تَركُ مُطلقِ التدليسِ الذي هذا نوعٌ منهُ وهو الخفاءُ الذي هوَ مَعنَى التدليسِ لغةً؛ لأنّه لا يتأتَّى إرادةُ المعنى الاصطلاحيِّ هنا، ولو فرضت إرادته لكانَ كذلكَ.
قولهُ: (مِن غيرِ أصلٍ ) (٥) إلخ هوَ مما دَخلَ في قولِ ابنِ الصَّلاحِ: «إذا كانَ سماعُهُ عَلَى صفةٍ فيها بعضُ الوهنِ (٦)، فعليهِ أنْ يذكُرَهَا في حالةِ الروايةِ، فإنَّ في إغفالها نوعًا مِنَ التدليسِ، وَفيمَا مَضى لنا أمثلةٌ لِذَلكَ. وَمِنْ أمثلتِهِ مَا إذا حدَّثَهُ المحدّثُ مِنْ حِفْظِهِ في حَالَةِ المذاكرةِ» (٧). انتهى.
ومن ذلكَ ما إذا رَوَى من أصلٍ غيرِ مُقابلٍ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٢.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي (١٠٣٠) و(١٠٣١)، وأثنى عليه الإمام علي بن المديني قائلًا: «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنّه لا يحدّث إلاّ من كتاب، ولنا فيه أسوة».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٦) قال الزركشي في "نكته" ٣/ ٦٣٤: «ظاهره الوجوب، وعبارة الخطيب: استحب أنْ يقول: حدثناه في المذاكرة».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٢، وتتمة كلامه: «فليقل: حدثنا فلان مذاكرة، أو حدثناه في المذاكرة».
[ ٢ / ٢٧٦ ]
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «وليقلْ مثلًا: أخبرَنا فُلانٌ مع الحاجةِ إلى المقابلةِ، أو المعارضةِ» (١).
قولهُ: (بخطِّ مَنْ فيهِ نَظَرٌ) (٢) هذا إذا كانَ هذا الخطُ عمدةَ الراوي في نقلهِ لهُ، وهو غيرُ ذاكرٍ للسّماعِ، أمَّا إذا كانَ ذاكرًا لسماعهِ فالاعتمادُ حينئذٍ عليهِ، لا على كاتبِ السَّماعِ.
قولهُ: (التَّدليسِ) (٣) ليسَ المرادُ بهِ المعنى الاصطلاحي، بل معناهُ اللغوي، وهوَ: الإخفاءُ الناشىءُ عن معنى الدَّلَسِ بالتَّحريكِ: وهو الظلامُ والمشابهةُ، والتدليسُ
أيضًا: كتمانُ عيبِ السلعةِ عن المشترِي (٤).
قولهُ: (فَهْوَ أَخَفْ) (٥) الفاءُ فيه زائدةٌ ويمكنُ أنْ يكونَ على تقديرِ شَرطٍ، أي: إنْ أردتَهُ فهوَ أخفُّ، وقافيتُهُ مع ذلكَ من المتراكبِ، وهيَ مخالفةٌ لقافيةِ الأوَّلِ، فإنّها من المتداركِ، فلو أسقطَ الفاءَ وحَرَّكَ الهاءَ لاسْتَقَامَ، ويكون الجزءُ مخبولًا والقافيةُ من المتكاوسِ، وهو - وإنْ كانتِ المخالفةُ فيه أكثرُ - أحسنُ لأجلِ الرَّاحةِ من الفاءِ، ولو قالَ:
وَالحَذفُ إنْ كُلٌ مُوثَّقٌ أَخفْ
لم يكنْ فيهِ محذورٌ.
_________________
(١) الاقتراح: ٢٤٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٤) انظر: العين مادة (دلس)، وأساس البلاغة مادة (دلس)، ولسان العرب مادة (دلس)، ونكت الزركشي ٢/ ٦٧، ونكت ابن حجر ٢/ ٦١٤، وبتحقيقي: ٣٨٥.
(٥) التبصرة والتذكرة (٦٨٠).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قولهُ: (على ثابت) (١) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «عَلَى ذِكرِ الثِّقةِ، خوفًا مِنْ أنْ يكونَ فيهِ عَنِ المجروحِ شيءٌ لمْ يذكُرْهُ الثقةُ، قالَ نحوًا منْ ذلكَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ (٢)، والخطيبُ (٣») (٤). انتهى.
ومن أمثلتهِ ما نُقِلَ عن البخاريِّ، والنسائيِّ: أنّهما رَوَيا أحاديثَ لعبدِ اللهِ بنِ لهيعةَ (٥) مَقرُونًا بثقةٍ من غيرِ تصريحٍ بهِ، ففي بعضِها: ابنُ وَهبٍ، عن حَيْوَةَ (٦) بنِ شُرَيحٍ، وفُلانٍ.
وفي بَعضِها: عَن عمرِو بنِ الحارثِ، ورجلٍ آخرَ (٧). وَوَقَعَ للبخاريِّ، عن مالكٍ /٢٢٦ ب/ وابنِ فُلانٍ (٨)، ومثلُ ذلكَ للنسائيِّ كثيرٌ (٩). وعن شَيخِنا: أنَّ وقوعَ مثلَ ذلكَ لمسلمٍ قليلٌ (١٠).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٢) الكفاية: ٣٧٨.
(٣) الكفاية: ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٥) بفتح اللام وكسر الهاء. التقريب (٣٥٦٣).
(٦) بفتح أوله، وسكون التحتانية، وفتح الواو. التقريب (١٦٠٠).
(٧) سنن النسائي ١/ ١٤٨، وفيها: «عن عمرو بن الحارث وذكر آخر».
(٨) صحيح البخاري ٣/ ١٩٧ (٢٥٥٩)، وفيه: «قال: حدثني مالك بن أنس، قال: وأخبرني ابن فلان».
(٩) انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦ ترجمة عبد الله بن لهيعة.
(١٠) لم أجد شيئًا من هذا القليل عند الإمام مسلم، وكان شيخنا العلامة الشيخ عبد الله السعد - رعاه الله - يذكر من دقة الإمام مسلم أنه يسمي الراوي الضعيف الوارد بالإسناد إذا لم يكن مقصودًا بالرواية؛ إذا كانت الرواية عمن هو مقرون به كما حصل في حديث ٢/ ١١٠
(١١) (١٩٧) فقال: «وقال المرادي: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، في هذا الحديث» فالإمام مسلم -﵀لم يبهم ابن لهيعة كما صنع البخاري والنسائي؛ لأن الرواية ثابتة عنده =
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قولهُ: (وحملُ لفظِ) (١) هوَ فعلٌ ماضٍ مَبنيٌ للمجهولِ، أي: وأَدرَجَ لفظَ أَحدِهما على لفظِ الآخرِ.
قولهُ: (إنّهُ لا يَمتنعُ) (٢) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ - بعد ذكرِ الصورتينِ في الثقتينِ والثقةِ والمجروحِ -: «ثُمَّ لا يَمتنعُ ذلكَ في الصورتينِ امتناعَ تحريمٍ (٣)؛ لأنَّ الظاهرَ اتّفاقُ الروايتينِ وما ذُكِرَ مِنَ الاحتمالِ - أي: من أنَّ فيهِ عنِ المجروحِ شيئًا لم يذكرْهُ الثقةُ - نادرٌ بعيدٌ، فإنّهُ مِنَ الإدراجِ الذي لا يجوزُ تَعمّدُهُ، كَمَا سَبَقَ في نوعِ المدرجِ» (٤).
قوله: عَن الخطيبِ: (وَهذا القولُ - أي: قولُ مُسلمٍ - لا فائدةَ فِيهِ) (٥) الظاهرُ أنَّ معناهُ مَعنَى ما تقدَّمَهُ، من أنَّ إسقاطَ المجروحِ لا يحسُنُ فإنَّه إذا انتفى
_________________
(١) = من حديث غيره، وهو مقرون بعمرو بن الحارث الثقة؛ لذا كان كلام المزي دقيقًا حينما قال في تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٥: «روى له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤ - ١٥، وهو من كلام ابن الصلاح الآتي.
(٤) قال الخطيب في "الكفاية": ٣٧٨: «ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح ويجعل الحديث عن الثقة وحده خوفًا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر، أو حمل عليه».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥، وكلام الخطيب في " الكفاية ": ٣٧٨، وقد تعقبه الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٣٤، فقال: «بل له فائدة وهو الإعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه تتبع الطرق». وذكر السخاوي فائدتين، فقال في "فتح المغيث" ٢/ ٢٧٠: «ولهذا الصنيع حينئذ فائدتان، وهما الإشعار بضعف المبهم، وكونه ليس من شرط وكثرة الطرق التي يرجّح بها عند المعارضة». وانظر: محاسن الاصطلاح: ٢٠٢.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
مُطلقُ الفائدةِ، انتفى الحسنُ؛ وذلك لأجلِ ما ذُكِرَ من الاحتمالِ، وإنْ كانَ نادرًا كما ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ، واللهُ أعلمُ.
٦٨١ - وَإِنْ يَكُنْ عَنْ كُلِّ رَاوٍ قِطْعَهْ أَجِزْ بِلاَ مَيْزٍ بِخَلْطِ جَمْعَهْ
٦٨٢ - مَعَ الْبَيَانِ كَحَدِيْثِ الإِفْكِ وَجَرْحُ بَعْضٍ مُقْتَضٍ لِلتَّرْكِ
٦٨٣ - وَحَذْفَ وَاحِدٍ مِنَ الإِسْنَادِ فِي الصُّوْرَتَيْنِ امْنَعْ لِلاِزْدِيَادِ
قولهُ في قولهِ: (وإنْ يَكُن) (١) (للازديادِ) (٢)، أي: لأنَّ ذلكَ الصنيعَ يُوجبُ أنْ يصيرَ بعضُ الرواةِ كأنَّهُ ازدادَ من حديثِ غيرهِ على حديثهِ ما ليسَ منهُ فتكونَ نسبتُهُ إليهِ نسبةً كاذبةً.
قولهُ: (لحديثِ بعضهِم) (٣) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «وكلٌّ (٤) حَدَّثَني طائفةً مِنْ حَديثِها، قالوا: قَالتْ الحديثَ» (٥). انتهى.
هذا قاضٍ بأنَّ نسبةَ الحديثِ إليهم كُلِّهم على حد سواء، وهوَ في أكثرِ الرواياتِ كذلكَ. لكنّهُ في تفسيرِ سورةِ النُّورِ ساقَهُ سياقةً تقتضي أنَّه كُلَّهُ عن عروةَ، عَنها ﵂.
فيجوز أنْ يسندَ ما وَافقَ ذلكَ من تلكَ الطُّرقِ إلى عروةَ وَحدَهُ لكن بعدَ تحريرِ لفظهِ في سورةِ النُّورِ (٦) وضبطهِ، فإنَّه قالَ: حدَّثنَا يَحيَى بنُ بكيرٍ، قالَ: حدَّثنا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٨١).
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٨٣).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦، وهو من كلام الزهري.
(٤) في " المعرفة ": «وكلهم».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٣.
(٦) صحيح البخاري ٦/ ١٢٧ (٤٧٥٠). وانظر: فتح الباري ٨/ ٥٧٩. وأخرجه بهذا السند: عبد الرزاق (٩٧٤٨)، وأحمد ٦/ ١٩٤ و١٩٧، والبخاري ٣/ ٢١٩ =
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الليثُ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ، قالَ: أخبرَنَي عروةُ بنُ الزُّبيرِ وسعيدُ ابنُ المسيبِ وعلقمةُ بنُ وقَّاصٍ الليثيُّ وعُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زوجِ النبيِّ - ﷺ - حينَ قالَ لها أهلُ الإفكِ (١) ما قالوا، فَبرَّأها اللهُ مما قالوا، وكلٌ حَدَّثَني طائفةً من الحديثِ، وبعضُ حديثِهم يصدّقُ بعضًا وإنْ كانَ بعضُهُم أوعَى لهُ من بعض، الذي حَدَّثَني عروةُ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ / ٢٢٧ أ / - ﷺ - قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا أرادَ أن يخرجَ أقرَعَ بينَ أزواجهِ ﵅ فَذَكَرَ الحديثَ إلخ مطولًا جدًا.
وَصنيعُهُ في هذه الروايةِ على ما تَقدَّمَ من الأحسنِ الراجحِ في اختلافِ ألفاظِ الشّيوخِ.
قولهُ: (في الصورتينِ) (٢) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وغيرُ جائزٍ لأحدٍ بَعدَ اختلاطِ ذلكَ، أنْ يُسْقِطَ ذِكْرَ أحدِ الراويينِ» (٣).
_________________
(١) = (٢٦٣٧) و٣/ ٢٢٧ (٢٦٦١) و٤/ ٤٠ (٢٨٧٩) و٥/ ١١٠ (٤٠٢٥) و٥/ ١٤٨ (٤١٤١) و٦/ ٩٥ (٤٦٩٠) و٨/ ١٦٨ (٦٦٦٢) و٨/ ١٧٢ (٦٦٧٩) و٩/ ١٣٩ (٧٣٦٩) و٩/ ١٧٦ (٧٥٠٠) و٩/ ١٩٣ (٧٥٤٥) وفي "خلق أفعال العباد"، له (٣٥)، ومسلم ٨/ ١١٢ (٢٧٧٠) (٥٦)، وأبو داود (٤٧٣٥)، والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" ١١/ (١٦١٢٦) و(١٦١٢٩)، وأبو يعلى (٤٩٢٧)، وابن حبان (٤٢١٢) و(٧٠٩٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (١٣٤) و(١٣٥) و(١٣٩) و(١٤٠) و(١٤١) و(١٤٢) و(١٤٣) و(١٤٤) و(١٤٥) و(١٤٦)، والبيهقي ٧/ ٣٠٢.
(٢) الإفك: هو الكذب، وأراد به هاهنا ما كذب عليها مما رميت به. النهاية ١/ ٥٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٣.
[ ٢ / ٢٨١ ]
قالَ الشّيخُ في " النكتِ ": «وقدِ اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ البخاريَّ أسقَطَ ذِكرَ أحدِ شَيخيهِ أو شيوخهِ في مثلِ هذه الصورةِ واقتصَرَ على ذِكرِ شيخٍ واحدٍ، فقالَ في كتابِ الرقاقِ من " صَحيحهِ " (١) في بابِ كيفَ كانَ عَيشُ النبيِّ - ﷺ - وأصحابهِ وتخلِّيهم عن (٢) الدُّنيا: حَدَّثَني أبو نُعيمٍ بنصفٍ من هذا الحديثِ، قالَ: حدَّثَنا عُمرُ ابنُ ذَرٍ، قالَ: حدّثنا مُجاهدٌ: أنَّ أبا هريرةَ - ﵁ - كانَ يقولُ: «آللهُ الذي لا إلهَ إلا هوَ إنْ كنتُ لأعتمدُ بكبدِي على الأرضِ مِنَ الجوعِ » الحديث. انتهى.
والجوابُ أنَّ الممتنعَ إنما هو إسقاطُ بعضِ شيوخهِ، وإيرادُ جميعِ الحديثِ عن بعضِهم؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ قد حَدّثَ عن بعضِ (٣) المذكورينَ (٤) ببعضِ ما لم يسمعهُ منهُ، فأمّا إذا بَيَّنَ أنّه لم يسمعْ منهُ إلاّ بعضَ الحديثِ كما فَعَلَ البخاريُّ هنا فليسَ بممتنعٍ.
وقد بَيَّنَ البُخاريُّ في موضعٍ آخرَ من " صَحيحهِ " القدرَ الذي سمعَهُ من أبي نُعيمٍ من هذا الحديثِ أو بعضِ ما سَمعَهُ منهُ فقالَ في كتابِ الاستئذانِ (٥): «حَدَّثنا أبو نُعيمٍ، قالَ: حدّثنا عُمرُ بنُ ذرٍ، (ح) وَحَدَّثَنا مُحمدُ بنُ مُقاتلٍ، قالَ: أخبَرَنا عبدُ اللهِ - قالَ شَيخُنا في " شرحِ البخاريِّ " (٦): «هو ابنُ المُبارَكِ» - (٧)، قالَ: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍ، قالَ: أخبرنا مجاهدٌ، عن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: دخلتُ مع النبيِّ (٨) - ﷺ - فَوجدَ
_________________
(١) صحيح البخاري ٨/ ١١٩ (٦٤٥٢).
(٢) في المطبوع من " التقييد ": «من».
(٣) ليست في " التقييد ".
(٤) في " التقييد ": «المذكور».
(٥) ٨/ ٦٧ (٦٢٤٦).
(٦) فتح الباري ١١/ ٣٤٢.
(٧) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٨) في "التقييد"، و"الصحيح": «رسول الله».
[ ٢ / ٢٨٢ ]
لَبنًا في قدحٍ، فقالَ: أبا هرٍ الحقْ أهلَ الصُّفّةِ (١) فادعُهُم إليَّ (٢)، فَأتيتُهم فَدعوتُهم، فَأقبلُوا فَاستأذنُوا فَأَذِنَ لهم فَدخلوا». انتهى.
فهذا هوَ بعضُ حديثِ أبي نُعيمٍ الذي ذَكرَهُ في الرقاقِ، وأمَّا بقيةُ الحديثِ فيحتملُ أنَّ البخاريَّ أخذَهُ من كتابِ أبي نعيمٍ وِجادةً، أو إجازةً لهُ، أو (٣) سَمعَهُ من شيخٍ آخرَ غيرِ أبي نُعيمٍ. أمَّا مُحمدُ بنُ مُقاتلٍ الذي رَوَى عنهُ في الاستئذانِ / ٢٢٧ ب / بعضَهُ أو غيرهُ، ولم يُبيّنْ ذلكَ، بل اقتصَرَ على اتصالِ بعضِ الحديثِ من غيرِ بيانٍ؛ ولكنْ ما مِن قِطعةٍ منهُ إلا وهي مُحتمِلةٌ لأنَّها غيرُ متصلةِ السَّماعِ، إلا القِطعة التي صَرَّحَ البُخاريُّ في الاستئذانِ باتّصالِها، واللهُ أعلمُ». انتهَى كلامُ الشَّيخِ (٤).
وَسبقَهُ إليهِ شَيخُهُ مُغْلَطاي وهوَ حسنٌ إلا أنَّ لفظَ البخاريِّ: «حَدَّثَنا أبو نُعيمٍ بنحو من نصفِ هذا الحديثِ».
وقد اعترضَ على مُغْلَطاي فيه الكرمانيُّ (٥) بأنّه ليسَ نِصفَ الحديثِ الذي في الرقاقِ ولا ثُلُثَهُ ولا رُبعَهُ مع أنَّ المحذورَ وهوَ خلوُّ البعضِ عن إسنادٍ لازمٍ كما كانَ. قالَ: «نَعَم، أفادَ تقريرهُ أنَّ بعضَهُ مكرَّرُ الإسنادِ والكلام فيهِ».
قالَ شَيخُنا في " شرحهِ " (٦): «وفيه نَظَرٌ من وجهينِ آخرينِ:
_________________
(١) هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. النهاية ٣/ ٣٧.
(٢) بعد هذا في "التقييد"، و"الصحيح": «قال».
(٣) «أو» لم ترد في "التقييد".
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٤٢.
(٥) نقله ابن حجر في " فتح الباري "١١/ ٣٤٢.
(٦) فتح الباري ١١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أَحَدُهما: احتمالُ أنْ يكونَ هذا السياقُ لابنِ المُبارَكِ فإنَّهُ لا يتعينُ كونه لفظَ أبي نُعيمٍ.
ثانيهُما: أنَّهُ مُنتزَعٌ من أثناءِ الحديثِ فإنَّهُ ليسَ فيه القصةُ الأولى المتعلقةُ بأبي هريرةَ ولا ما في آخرهِ من حصولِ البركةِ في اللبنِ إلى آخرهِ، نَعَم، المحررُ قولُ شَيخِنا في " النّكتِ على ابنِ الصّلاحِ " ما نصُّهُ: «القدرُ المذكورُ في الاستئذانِ بعضُ الحديثِ المذكورِ في الرقاقِ» (١).
قلتُ: فهوَ مما حَدّثَهُ به أبو نُعيمٍ سواءٌ كانَ بلفظهِ أم بمعناهُ». انتهى.
وفيه نظرٌ؛ لأن غايةَ ما فيهِ إذا كانَ السّياقُ لابنِ المُباركِ احتمال أنْ يكونَ فيهِ مما سَمعهُ البخاريُّ من أبي نُعيمٍ، وفيه مما لم يسمعْهُ منهُ، وأمّا أن يكونَ فيهِ شيءٌ ليسَ من حديثهِ فلا، كما أقرَّ به شَيخُنا، ولم يخرجْ عن لفظِ حديثِ أبي نُعيمٍ ولا معناهُ.
وغايتهُ أنّه لفقَ ما سَاقَهُ منه فاقتصرَ على بعضهِ وتركَ بعضَهُ فينتقلُ حينئذٍ إلى نظرٍ آخرَ وهوَ أن يكونَ البخاريُّ ممن يَرى إطلاقَ «حَدَّثنا» في الإجازةِ، هذا ما في الوجهِ الأوّلِ.
وأمّا الوجهُ الآخرُ فلمْ يفدْ شيئًا زائدًا على أنّ الذي في الاستئذانِ بعضُ الذي في الرقاقِ، سوى أنّهُ من أثنائهِ، ولا محذورَ في هذا غيرُ ما ذُكِرَ في الوجهِ الأولِ، وليسَ هوَ خارجًا عن كلامِ البخاريِّ، فإنّهُ لم يُعيِّنِ النصفَ في الأولِ ولا في الآخرِ / ٢٢٨ أ / فيحتملَ أنْ يكونَ من الأثناءِ، واللهُ أعلمُ.
وأجابَ الكرمانيُّ (٢): بأنّ النصفَ الذي لم يسمعْهُ من أبي نُعيمٍ ذُكرَ في كتابِ الأطعمةِ من طريقِ يوسفَ بنِ عيِسى المروزيِّ، وهو قريبٌ من نصفِ
_________________
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٢٤٢ باختصار شديد.
(٢) الكواكب الدراري ٢٢/ ٢١٦.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الحديثِ - وقالَ -: «فلعلَّ البخاريَّ أرادَ بالنصفِ المذكورِ لأبي نعيمٍ ما لم يذكرْهُ ثَمةَ فيصيرَ الكُلُّ مُسندًا بعضُه بطريقِ يوسفَ والبعضُ الآخرُ بطريقِ أبي نعيمٍ، واللهُ أعلمُ». انتهى.
والذي ذَكَرَ أنّهُ في الأطعمةِ قول البخاريِّ (١): حدَّثنا يوسفُ بنُ عِيسَى، قالَ: حَدَّثنا مُحمدُ بنُ فُضيلِ، عن أبيهِ، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ:
«ما شَبعَ آلُ محمدٍ - ﷺ - من طعامٍ ثلاثةَ أيام حتى قُبِضَ».
وعن أبي حازمٍ (٢)، عن أبي هريرة - ﵁ - قالَ: «أصابَني جَهْدٌ شديدٌ فلقيتُ عُمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - فاستقرأتُهُ آيةً من كتابِ اللهِ، فدخلَ دارَهُ وفتحَها عليَّ، فمشيتُ غيرَ بعيدٍ فخررتُ لوجهي من الجَهْدِ فإذا رسولُ اللهِ - ﷺ - قائمٌ على رأسي فقالَ: يا أبا هرٍّ. قلتُ: لبيكَ رسولَ اللهِ وسعديكَ، فأخذَ بيدي فأقامني وعرفَ الذي بي، فانطلقَ بي إلى رحلهِ فأمرَ لي بِعُسٍّ (٣) من لبنٍ فشربتُ منهُ، ثم قالَ: [عُدْ] (٤) يا أبا هرّ [فَعُدْتُ] (٥) فشربتُ ثمَّ قالَ: عُد فعدتُ فشربتُ حتى استوى بَطني فصار كالقِدْح (٦). قالَ: فلقيتُ عُمرَ - ﵁ - وذكرتُ لهُ الذي كانَ من أمري، وقلتُ له: فَولَّى الله ذلكَ من كانَ أحقَّ به منك يا عمرُ، واللهِ لقد استقرأتُكَ الآيةَ ولأنا أقرأُ لها منكَ. قالَ عمرُ: والله لأن أكون أدخلتُك أحبَّ إليَّ
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ٨٧ (٥٣٧٤).
(٢) صحيح البخاري ٧/ ٨٧ (٥٣٧٥).
(٣) العُس: بضم العين المهملة القدح الكبير. انظر: النهاية ٣/ ٢٣٦، وفتح الباري ٩/ ٦٤٤.
(٤) ما بين المعكوفتين من " صحيح البخاري ".
(٥) ما بين المعكوفتين من " صحيح البخاري ".
(٦) بكسر القاف وسكون الدال بعدها حاء مهملة هو السهم الذي لا ريش له. فتح الباري ٩/ ٦٤٤.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
من أن يكونَ لي مثل حُمرِ النَّعم» هذا الذي في الأطعمةِ، وإرادة البخاريِّ لهُ بالنصفِ الذي فاتهُ من أبي نُعيم من الحديثِ الذي ذكرهُ في الرقاقِ في غايةِ البعدِ؛ لأنّهُ مغايرٌ لحديثِ أبي نُعيمٍ في السندِ واللفظِ والمعنَى (١).
أمَّا السَّندُ: فليسَ دونَ أبي هريرةَ أحدٌ من سَندِ حديثِ الرقاقِ لا أبو نعيمٍ ولا من فَوقهُ.
وأمَّا اللفظُ والمعنى: فإنَّهُ ليسَ فيهِ شيءٌ بلفظ من ذلكَ الحديثِ على سياقِهِ ولا بمعناهُ المساوي لألفاظهِ ليكونَ منَ الروايةِ بالمعنى عندَ من أجازَهَا؛ لأنَّ لفظَ الذي عينه /٢٢٨ب/ بالإشارةِ في الرقاقِ: «آللهُ الذي لا إله إلا هوَ، إن كُنتُ لأعتمدُ بكبدي على الأرضِ من الجوعِ، وإنْ كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوعِ، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجونَ منهُ، فمرّ أبو بَكرٍ - ﵁ - فسألتُهُ عن آيةٍ من كتابِ اللهِ ما سألتُهُ إلا ليُشبِعَني فمرَّ فلم يفعلْ، ثم مرَّ بي عُمرُ - ﵁ - فسألتهُ عن آيةٍ من كتابِ اللهِ، ما سألتُهُ إلا ليشبِعَني فمرَّ فلم يفعلْ، ثمَّ مرَّ بي أبو القاسمِ - ﷺ - فتبسمَ حينَ رآني وعَرفَ ما في نفسي وما في وَجهي، ثمَّ قالَ: أبا هرٍّ، قلتُ: لبيكَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: الحقْ، ومضى. فاتبعتهُ فدخلَ فاستأذنَ فَأَذِنَ لي، فدخَلَ فوجدَ لبنًا في قدحٍ فقالَ: من أينَ هذا اللبنُ؟ قالوا: أهداهُ لكَ فلانٌ (أو فُلانة (قالَ: أبا هِرٍّ، قلتُ: لبيكَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: الحقَ إلى أهلِ الصُّفَّةِ فادعُهم لي. قالَ: وأهل الصُّفَّة أضيافُ الإسلامِ، لا يأوونَ على أهلٍ ولا مالٍ ولا عَلَى أحدٍ، إذا أتتْهُ صدقةٌ بَعثَ بها إليهم ولم يتناولْ منها شَيئًا، وإذا أتتْهُ هَديةٌ أرسلَ إليهم وأصابَ منها وأشركَهُم فيها، فساءَني ذلكَ، فقلتُ: وما هذا اللبنُ في أهلِ الصُّفَّةِ؟ كنتُ أحقَّ أن أصيبَ من هذا اللبنِ شربةً أتقوَّى بها، فإذا جاءَ أمرني فكنتُ أنا أعطِيهِم، ومَا عسى أن يَبلُغَني من هذا اللبنِ، ولم يكنْ من طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولهِ بُدٌّ، فأتيتُهم
_________________
(١) وسبقه إلى هذا المعنى شيخه ابن حجر في " فتح الباري " ١١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
فدعوتُهم، فأقبلوا فاستأذنوا فَأَذِنَ لهم وأخذوا مجالِسَهُم من البيتِ. قالَ: يا أبا هرٍّ، قلتُ: لبيكَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: خذ فاعطهم، فأخذتُ القدحَ فجعلتُ أعطيهِ الرجلَ فيشربُ حتى يَروَى، ثم يردُّ عليَّ القدَحَ فأعطيهِ الرجلَ فيشربُ حتى يَروَى، ثم يرد عليَّ القدَحَ حتى انتهيتُ إلى النبيِّ - ﷺ - وقد رَوَى القومُ كُلّهم، فأخذَ القدَحَ فوضعَهُ على يدِهِ، فنظرَ إليَّ فتبسمَ فقالَ: أبا هِرٍّ، قلتُ: لبيكَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: بقيتُ أنا وأنتَ، قلتُ: صدقتَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: اقعدْ فاشربْ، فقعدتُ فشربتُ، فقالَ: اشربْ، فشربتُ فما زال يقولُ: اشربْ، حتى قلتُ: لا والذي بعثكَ بالحقِّ، لا أجدُ لهُ / ٢٢٩ أ / مسلكًا. قالَ: فأرني، فأعطيتهُ القدَحَ، فحمدَ اللهَ وسَمَّى وشربَ الفضلَةَ» هذا آخرُ الحديثِ.
وإذ قد عرفتَ لفظَهُ عرفتَ أمرينِ:
أحدهما: أنَّ الذي في الأطعمةِ ليسَ بلفظِ نحو نصفهِ ولا بمعناهُ المساوِي لألفاظهِ، فانتفى أنْ يكونَ شيءٌ منهُ متصلًا بسندِ ما ذكرَهُ في الأطعمةِ.
ثانيهما: أنَّ الذي ذُكِرَ في الاستئذانِ نحو نصفهِ من جهةِ المعنى لا من جهةِ اللفظِ؛ لأنَّ معناهُ ما كانَ حصلَ لأبي هريرة - ﵁ - من الجهدِ بالجوعِ، ثم ما حَصَلَ لهُ بواسطةِ النبيِّ - ﷺ - من البركةِ والشبعِ، وهوَ مُوَفٍّ بقريبٍ منَ النصفِ الثاني، مع أنّهُ لم يخرجْ عن لفظهِ، ومن هذا تعلمُ أنَّ تكررَ إسنادهِ لا كلامَ فيهِ، وأمّا كونُ النصفِ الآخرِ غيرَ متّصلٍ بالسماعِ فصحيحٌ، ويحتملُ كما قالَ الشَّيخُ: أنْ يكونَ البخاريُّ حَمَلَهُ عن أبي نعيمٍ إجازةً وَوجادةً، وجوَّزَ شيخُنا (١) مع ذلكَ أنْ يكونَ سَمعَ بقيةَ الحديثِ من شيخٍ سمعهُ من أبي نُعيمٍ، وقالَ إنّهُ أوردَهُ في كتابهِ " تَغليقِ التَّعليقِ " (٢)
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١١/ ٣٤٢.
(٢) ٥/ ١٦٩ (٦٤٥٢)، وقال ابن حجر عقبه: «هذا الحديث ليس من شرطنا؛ وإنما أوردته لأن النصف الذي لم يسمعه البخاري من أبي نعيم شبه المعلق».
[ ٢ / ٢٨٧ ]
من طريقِ عليِّ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي نعيم تامًا، قالَ: ومن طريقهِ أخرجَهُ أبو نعيمٍ في " المستخرجِ " (١)، والبيهقيُّ في " الدلائلِ " (٢)، وأخرجَهُ النسائيُّ في
" السننِ الكُبرَى " (٣) عن أحمدَ بنِ يَحيَى الصوفيِّ، وعن أبي نُعيمٍ بتمامهِ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) لم أقف عليه في " المسند المستخرج "، وهو في " حلية الأولياء " ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) دلائل النبوة ٦/ ١٠١. وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ٥١٥، وهناد في " الزهد " (٧٦٤)، والترمذي (٢٤٧٧)، والفريابي في " دلائل النبوة " (١٦)، وابن حبان (٦٥٣٥)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي - ﷺ - ": ٧٧ - ٧٨، والحاكم ٣/ ١٥ - ١٦، والبغوي (٣٣٢١).
(٣) في " الرقاق " كما في " تحفة الأشراف " ١٠/ (١٤٣٤٤).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
آدابُ المحدّثِ
قوله: (آدابُ المحدِّثِ) (١) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «مضَى طَرفٌ منها اقتضتْهُ الأنواعُ التي قَبلَهُ. علمُ الحديثِ علمٌ شَريفٌ، يناسِبُ مكارِمَ الأخلاقِ، وَمحَاسِنَ الشِّيَمِ (٢)، وَينافرُ مساوىءَ (٣) الأخلاقِ، وَمشَايِنَ الشّيمِ، وهوَ مِنْ عُلومِ الآخرةِ، لا مِنْ عُلومِ الدنيا» (٤). (٥) انتهى.
وقدِّم بحثَ المحدّث على بحثِ الطالبِ؛ لتقدُّمِهِ في المرتبةِ والوجودِ.
قولُهُ: (وَاحْرِصْ) (٦) من جملةِ أفرادِ الحرصِ على النشرِ أن يكونَ للهِ، فإذا كانَ كذلكَ كانَ من جملةِ أفرادِ تَصحيحِ النيةِ.
قوله: (ثمَّ تَوضَّأ) (٧)، «ثُمَّ» لترتيبِ الكمالِ، أي: الأَكمَل أن يكونَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦.
(٢) تعقبه الزركشي على قوله: «محاسن الشيم ومشاين الشيم»، فقالَ في " نكته " ٣/ ٦٣٦: «هذه مقالة معنوية، وإلا فالذي يقابل الشين الزين لا المحاسن، قالَ في "الصحاح": الشين خلاف الزين، يقالَ: شانة يشينه، والمشاين: المعايب والمقابح. انتهى. وقد كرر الشيم ثلاث مرات، مرتين باللفظ، ومرة بالمعنى، وهو الأخلاق؛ لكن قيل: الشيم: الطبائع». وانظر: الصحاح مادة (شيم).
(٣) قالَ الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٣٧: «قالَ صاحب " تثقيف اللسان ": يقولون: ظهرت مساويه، والصواب: مساوئه بالهمز، وقد استدرك أبو إسحاق الأجدابي عليه، قالَ: الأصل الهمز كما ذكرته، وترك الهمزة جائز على لغة من يقول في الخاطئين: الخاطين، وهي لغة معروفة».
(٤) قالَ الزركشي في " نكته " ٣/ ٦٣٧: «مراده أنه عبادة لذاته لا صناعة».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٨٤).
(٧) التبصرة والتذكرة (٦٨٥).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
الوضوءُ لأجلِ التّحديثِ (١)، ولا يكونَ لأجلهِ على جهةِ الكمالِ، إلاّ بعدَ تصحيحِ النيةِ.
قولُهُ: (عَلَى الحديْثِ) (٢) عَبَّرَ بها؛ لأنَّ مَن رَفَعَ صوتَهُ في حَالِ قراءَةِ الحديثِ فقد استعلَى عليهِ (٣).
قولُهُ: (أوْ إنْ تَقُمْ) (٤) / ٢٢٩ ب / معناهُ: لا تُحدِّثْ إن كنتَ في حالِ العَجَلةِ، أو إن كنتَ قائمًا، أي: لا تُحدِّثْ في واحدةٍ من هاتينِ الحالتينِ.
قولُهُ: (مَنْ تصدَّى) (٥) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «مَنْ أرادَ التصدِّيَ لإسْمَاعِ الحديثِ» (٦).
وهيَ أشملُ من عِبارةِ الشّيخِ، فإنَّ التصديَ إرادةٌ مَعَ نوعِ غرضٍ ودعاءٍ، فعبارةُ الشيخِ أحسنُ؛ لأنَّ تقدُّمَ النيةِ على التصدي، لا على إرادتهِ.
_________________
(١) روى الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٥٨٥، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٦/ ٣١٨، والخطيب في " جامعه " ٢/ ٢ (٩١٣) عن منصور أبي سلمة الخزاعي قالَ: «كانَ مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج يحدّث، توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقالَ: أُوقِّرُ حديث رسول الله - ﷺ -».
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٨٦).
(٣) روى الخطيب بسنده في " الجامع ": ٢٢٣ (٩٧١) عن معن بن عيسى القَزَّاز أنه قالَ: «كانَ مالك بن أنس، إذا أراد أن يجلس للحديث، اغتسل وتبخّر وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زَبَرَهُ، وقالَ: قالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ فمن رفع صوته عند حديث رسول الله، فكأنَما رفع صوته فوق صوت رسول الله - ﷺ -».
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٨٧).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
قولُهُ: (وإخلاصَها) (١) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَليُطهّرْ قلبَهُ مِنَ الأغراضِ الدُّنيويَّةِ وأدنَاسها، وَليَحذرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرِّيَاسَةِ ورُعُوناتها» (٢). انتهى.
وقالَ العلامةُ شهابُ الدّينِ الأندَرَشيُّ (٣) في " عمدتهِ ": «إخلاصُ النيةِ، وتطهيرُ القلبِ من الأغراضِ التي لا يُرادُ بها وجهُ اللهِ، كرئاسةٍ، وتحصيلِ مالٍ، ونحوِهما».
قالَ الثوريُّ: «كانَ الرجلُ إذا أرادَ طَلَبَ الحديثِ، تعبَّدَ قبلَ ذلكَ عِشرينَ سنةً» (٤). انتهى.
قولُهُ: (فإنَّمَا الأعمالُ بالنِّيَّاتِ) (٥)، أي: لحديثِ عُمرَ - ﵁ - المتفقِ عليهِ (٦)، وهوُ مجمعٌ على جلالتِهِ، وأنّهُ أحدُ قواعدِ الدِّينِ. ونَقَلَ الشَّيخُ مُحيي الدينِ في مقدمةِ " شرحِ المهذّبِ " (٧) ويأتي في آدابِ المتعلِّمِ ما يتّصلُ بهِ.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٨): «العمدةُ العُظمَى في كلِّ عبادةٍ تصحيحُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
(٣) هو أحمد بن سعد بن عبد الله العسكري الأندرشي النحوي، شرح التسهيل ونسخ بخطّه تهذيب الكمال، ثم اختصره مع المعرفة لابن الصلاح، وتحفة الأشراف وسمّى كتابه المختصر بـ " العمدة "، توفي سنة (٧٥٠ هـ). انظر: الدرر الكامنة ١/ ١٣٥، وشذرات الذهب ٦/ ١٦٦، وكشف الظنون ٢/ ١٥١٠.
(٤) حلية الأولياء ٦/ ٣٦١، وانظر: جواهر الأصول في علم حديث الرسول: ١٢٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) المجموع شرح المهذب ١/ ٤٦ - ٤٧، ونقل عن الشافعي قوله: «يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه، وقالَ أيضًا: هو ثلث العلم وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام».
(٨) الاقتراح: ٢٤٤.
[ ٢ / ٢٩١ ]
النيةِ، ومن أحسنِ ما يُقصدُ في هذا العلمِ شيئانِ:
أحدُهما: التعبُّدُ بكثرةِ الصلاةِ على النبيِّ - ﷺ -، كُلَّما تكرَّرَ ذكرُهُ، ويحتاجُ أنْ (١) يكونَ مقصودًا عندَ اللفظِ بهِ، ولا يخرجَ على وجهِ العادةِ.
والثاني: قَصدُ الانتفاعِ والنفعِ للعبدِ.
قالَ ابنُ المبارَكِ (٢): - وقد استُكثِرَ كثرةُ الكتابةِ منهُ -: «لَعلَّ الكلمةَ التي فيها نَجاتي، لم أَسمعْها إلى الآنَ» ». انتهى.
وفي جزءِ أبي الحُسينِ مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ محمدِ بنِ مخلدٍ الورَّاقِ، سمعتُ أبا بكر بنَ مُجاهدٍ، يقولُ: قالَ ابنُ مُنَاذِر لأبي عمرو بنِ العلاءِ: «إلى متى يحسنُ بالرجلِ أن يتعلّمَ؟ قالَ: ما حَسُنتْ به الحياةُ» (٣).
قولهُ: (بالتبليغِ عنهُ) (٤) قالَ الشّيخُ مُحيي الدِّينِ في مُقدّمةِ " شرحِ المهذبِ " (٥): «رَوَى الشّيخانِ: عن ابنِ مَسعودٍ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: «لا حَسَدَ إلاّ في اثنتينِ: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فسلَّطَهُ على هلكتهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ الحكمةَ فهو يقضي بها ويُعلِّمُها» (٦).
_________________
(١) في " الاقتراح ": «ذلك أن».
(٢) شرف أصحاب الحديث: ٦٨.
(٣) أسنده ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٩٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧.
(٥) المجموع شرح المهذب ١/ ٥١.
(٦) أخرجه: الحميدي (٩٩)، وأحمد ١/ ٣٨٥ و٤٣٢، والبخاري ١/ ٢٨ (٧٣) و٢/ ١٣٤ (١٤٠٩) و٩/ ٧٨ (٧١٤١) و٩/ ١٢٦ (٧٣١٦)، ومسلم ٢/ ٢٠١ (٨١٦) (٢٦٨)، وابن ماجه (٤٢٠٨)، والنسائي في " الكبرى " (٥٨٤٠)، وابن حبان (٩٠)، والطبراني في " الأوسط " (١٧٣٣)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٣٦٣، والبيهقي ١٠/ ٨٨، والبغوي (١٣٨).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
والمرادُ بالحَسَدِ: الغِبطةُ (١)، وهوَ أن يتمنىَّ مثلَهُ.
وعَن / ٢٣٠ أ / أبي هريرةَ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: «مَن دَعَا إلى هُدىً، كانَ لهُ من الأجرِ مثل أُجورِ مَن تَبعَهُ لا ينقصُ من أُجورِهم شَيئًا» (٢).
ورَوَى الترمذيُّ: - وقالَ: حسن - عَن أبي أمامةَ الباهليِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنّ اللهَ، وملائكتَهُ، وأهلَ السماواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جحرِها، وحتى الحوتَ، يُصلّونَ على مُعلِّمِي الناسِ الخيرَ» (٣).
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٤): «ولا خَفاءَ بما في تبليغِ العلمِ من الأجورِ، لاسِيَّما بروايةِ الحديثِ (٥) يدخلُ الرّاوي في دعوةِ النبيّ - ﷺ -، حيثُ قالَ: «نَضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ مَقالَتي فَوعَاها، ثُمَّ أدَاها (٦) إلى مَن لم يَسمعْها» (٧).
وقالَ الشيخُ (٨): «وعَن عليٍّ - ﵁ - قالَ: كَفَى بالعلمِ شَرَفًا أن يدَّعيه مَن لا يحسنُهُ، ويفرحَ إذا نُسِبَ إليهِ، وكَفَى بالجهلِ ذمًَّا أن يتبرّأَ منهُ مَن هوَ فيهِ» (٩).
_________________
(١) قالَ الأزهري: الغبط: ضرب من الحسد، وهو أخف منه. لسان العرب مادة (حسد).
(٢) أخرجه: أحمد ٢/ ١٩٧، والدارمي (٥١٩)، ومسلم ٨/ ٦٢ (٢٦٧٤) (١٦)، وأبو داود (٤٦٠٩)، وابن ماجه (٢٠٦)، والترمذي (٢٦٧٤)، وابن حبان (١١٢)، والبغوي (١٠٩).
(٣) أخرجه: الترمذي (٢٦٨٥)، وقالَ: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٩١١) و(٧٩١٢)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٣٨.
(٤) الاقتراح: ٢٤٥.
(٥) في (ف): «برواية الحديث»، والمثبت من " الاقتراح ".
(٦) في " الاقتراح ": «فأداها».
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) المجموع ١/ ٥٣.
(٩) أخرجه بنفس اللفظ أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١٤٦ من كلام الشافعي.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قالَ: «وعَن وهب بنِ منبه، قالَ: يَتشعّبُ من العلمِ الشّرفُ، وإنْ كانَ صاحبُه دنيئًا، والعزُّ وإن كانَ مهينًا، والقربُ وإن كانَ قَصيًَّا، والغِنَى وإن كانَ فقيرًا، والنُّبلُ وإن كانَ حقيرًا، والمهابةُ وإن كانَ وضيعًا، والسّلامةُ وإن كانَ سَفيهًا» (١).
وقالَ الشّافعيُّ: «طَلَبُ العلمِ أفضلُ من صلاةِ النّافلةِ» (٢).
_________________
(١) ذكره المناوي في " فيض القدير " ١/ ٥٤٢.
(٢) أخرجه: ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ": ٩٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١١٩، والبيهقي في "المدخل": ٣١٠ (٤٧٤)، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ١١٣. ونقله عنه البغوي في "شرح السنة" ١/ ٢٨٠، والنووي في " تهذيب الأسماء واللغات " ١/ ٧٤، والمجموع ١/ ٥٤ وقول الإمام الشافعي هذا ورد بنحوه من قول عبد الله بن الشخير فقد روى الحافظ أبو خثيمة زهير بن حرب النسائي عن جرير، عن الأعمش، قالَ: بلغني عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير أنه قالَ: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع». وقد روي هذا المعنى مرفوعًا ولا يصح وقد أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٩٦٩) وابن عدي في " الكامل " ٤/ ٥٣٤، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٢٣، والخطيب في " تأريخ بغداد " ٤/ ٤٣٦ و٦/ ١٢٤ طبعة دار الغرب الإسلامي، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٧٧)، من حديث سوار بن مصعب عن ليث بن أبي سُليم، عن طاووس، عن ابن عباس مرفوعًا. وهذا إسناد تالف فإن سوار بن مصعب متروك الحديث وشيخه ليث ابن أبي سُليم ضعيف. وقد روي الحديث من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجهُ الحاكم ١/ ٩٢، والبيهقي في " المدخل " (٤٥٤) وفي " الزهد الكبير " (٨١٧) وفي " الآداب "، له (١١٤٩) من طريق الأعمش، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد، وهذا إسناد لا يصح؛ لانقطاعه؛ فإن الأعمش لم يسمع من مصعب بن سعد كما نصّ عليه أبو حاتم الرازي في " المراسيل ": ٨٣. وأخرجه: الترمذي في " العلل " ٢/ ٨٦٠ ترتيب القاضي، والبزار (٢٩٦٩)، والطبراني في " الأوسط " (٣٩٦٠)، وابن عدي في " الكامل " ٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠، والحاكم ١/ ٩٢ - ٩٣، وأبو نعيم في " الحلية " =
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وقالَ: «مَن أرادَ الدُّنيا فعليهِ بالعلمِ، ومَن أرادَ الآخرةَ فعليهِ بالعلمِ» (١).
وقالَ: «مَن لا يحبُّ العلمَ فلا خيرَ فيهِ، و[لا] (٢) يكونُ بينكَ وبينهُ معرفةٌ ولا صداقةٌ» (٣).
وقالَ: «[العلمُ] (٤) مروءةُ مَن لا مروءةَ لهُ (٥»).
_________________
(١) = ٢/ ٢١١ - ٢١٢. من حديث عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن مطرّف، عن حذيفة، به مرفوعًا. قالَ الترمذي: «سألتُ محمدًا عن هذا الحديث فلم يعد هذا الحديث محفوظًا ولم يعرف هذا عن حذيفة». وقالَ البزار: «هذا الكلام لا نعلمهُ يروى عن النبي - ﷺ - إلاّ من هذا الوجه، وإنما يُعرف هذا الكلام من كلام مطرّف ولا نعلم رواه عن الأعمش إلا عبد القدوس». أخرجه: ابن عدي في "الكامل" ٥/ ٢١٧، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ١/ ٧٧ (٧٨). وأخرجه الطبراني في " الأوسط " (٦١٦٦)، والدارقطني ٣/ ٧٩، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٩٢ من طريق يزيد بن عياض، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه بالدين » وهذا سند ضعيف جدًا لشدة ضعف يزيد بن عياض فهو متروك، وقالَ الطبراني: «لم يروِ هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا يزيد بن عياض». وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٩٢٦٤) وفي " الصغير "، له (١٠٨٦)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٢٩٠) من حديث محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن الشعبي، عن ابن عمر بلفظ: «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» وهذا سند ضعيف لضعف محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى قالَ الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى». وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (١٧١١) من حديث عيسى بن زياد الدورفي عن مسلمة بن قعنب عن نافع عن ابن عمر، به مرفوعًا بلفظ: «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين» وقالَ البيهقي: «روي هذا من وجه آخر ضعيف، والمحفوظ هذا اللفظ من قول الزهري».
(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧٤، والمجموع ١/ ٥٤.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " تهذيب الأسماء واللغات " و" المجموع ".
(٤) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧٤، والمجموع ١/ ٥٤.
(٥) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(٦) المجموع ١/ ٥٤.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وقالَ: «إن لم يكنِ الفُقهاءُ العَامِلونَ أولياءَ اللهِ، فليسَ للهِ وليٌ» (١).
وقالَ: «مَن تَعلَّمَ القرآنَ عظُمتْ قيمتُهُ، ومَن نَظرَ في الفقهِ نَبُلَ قدرهُ، ومن نَظَرَ في اللغةِ رَقَّ طبعُهُ، ومَن نَظرَ في الحسابِ جَزَلَ رأيهُ، ومن كتبَ الحديثَ قويتْ حجَّتهُ، ومن لم يَصُنْ نفسَهُ لم ينفعهُ علمهُ» (٢).
وعَن سُفيانَ الثوريِّ، والشَّافعيِّ: «ليسَ شيءٌ بعدَ الفرائضِ أفضلَ من طَلبِ العلمِ» (٣).
قالَ الشيخُ (٤): «وعَن أبي ذَرٍّ، وأبي هريرةَ ﵄، قالا: بابٌ من العلمِ نتعلّمهُ أحبُ إلينا من ألفِ ركعةٍ تَطوّعًا، وبابٌ من العلمِ نُعلِّمه، عُمِلَ بهِ أو لم يُعملْ بهِ أحبُّ إلينا من مئةِ ركعةٍ /٢٣٠ ب/ تطوّعًا، وقالا: سَمعنا رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إذا جاء الموتُ طالبَ العلمِ وهو على هذه الحالةِ مات وهوَ شهيدٌ» (٥).
_________________
(١) المجموع ١/ ٥٤.
(٢) انظر: المدخل: ٣٢٤ (٥١١)، والفقيه والمتفقه ١/ ٢٦، والمجموع ١/ ٥٤.
(٣) انظر: المدخل: ٣١٠ (٤٧٥).
(٤) المجموع ١/ ٥٥.
(٥) رواه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠، والبزار في " كشف الأستار " (١٣٨)، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " ١/ ١٦. وقالَ الهيثمي في " مجمع الزوائد "١/ ١٢٤: «رواه البزار وفيه هلال بن عبد الرحمان الحنفي، وهو متروك»، وانظر: المجموع ١/ ٥٥.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وعَن أبي هريرةَ - ﵁ -: «لأنْ أُعلِّمَ بابًا من العلمِ في أمرٍ ونهي، أحبُّ إليَّ من سبعينَ غزوة في سبيلِ اللهِ» (١).
وعَن سَهل التسْتَرِيِّ: «من أرادَ النّظرَ إلى محاسنِ الأنبياءِ، فَلينظُرْ إلى مجالسِ العُلماءِ، فاعرِفُوا لهم ذلكَ» (٢).
قالَ الشّيخُ: «وجاءَ عن جَماعاتٍ من السّلفِ، ممَّن لم أذكرهُ نحو ما ذكرتهُ، والحاصلُ أنّهم مُتّفقونَ على أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ أفضلُ من الاشتغالِ بنوافلِ الصّومِ، والصلاةِ، والتّسبيحِ، ونحوِ ذلكَ» (٣).
وذَكَرَ من أدلَّةِ ذلكَ: أنّ العلمَ الذي كلامُنا فيه فرضُ كفايةٍ.
وقد قالَ إمامُ الحرَمَينِ في كتابهِ " الغَياثي " (٤): إنّ فرضَ الكفايةِ أفضلُ من فرضِ العينِ، من حيثُ إنّ فاعلَهُ يَسدُّ مَسَدَّ الأمةِ، ويُسقِطُ الحَرَجَ عَنهُم
[و] (٥) فَرضُ العينِ قاصرٌ عليهِ».
وقالَ في " الروضةِ " (٦): «قلتُ: للقائمِ بفرضِ الكفايةِ مزيةٌ على القائمِ بفرضِ العينِ». انتهى.
وعَن سُفيانَ: «ما ازدادَ عَبدٌ عِلمًا فازدادَ في الدُّنيا رغبةً إلا ازدادَ من اللهِ بُعدًا».
وإذا وَصلَ إلى محلِّ الدَّرسِ صَلَّى ركعتينِ، فإن كانَ مَسجدًا تأكَّد الحثُّ على الصّلاةِ، ويقعدُ مُستقبِلَ القبلةِ على طهارةٍ مُتَربِّعًا إن شاءَ، ويَرتعُ مجلسَ الفضلاءِ منهم،
_________________
(١) انظر: المجموع ١/ ٥٦.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) انظر: غياث الأمم: ٢٣٧.
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٦) انظر: روضة الطالبين ٧/ ٤٢٧.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وأشرافِهم، ويصونُ يديهِ عن العَبثِ، وإذا سُئِلَ عما لا يعلمُهُ فليقلْ: لا أعلمُ.
قالَ ابنُ مسعودٍ - ﵁ -: «إنَّ مِن العلمِ أنْ يقُولَ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ» (١).
وقالوا: يَنبغي للعالمِ أن يُورثَ أصحابهُ «لا أدري»، أي: يُكثرُ منها حتى يُؤخذَ عنهُ.
وقولُه: «لا أَدرِي» لا يضعُ مَنزلتهُ، بل يدلُّ على عِظَمِ مَحلِّهِ وتقواهُ، وإنّما يمتنعُ منها مَن قلَّ علمُهُ؛ لأنّه يخافُ لقصورهِ أن يَسقُطَ من أعينِ الحاضرينَ، وذلكَ من جهالتهِ، فإنّ ذلكَ يُستدلُّ بهِ على قصورهِ.
وفي الصّحيحِ: «المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ، كلابس ثَوبي زُورٍ» (٢).
وعَن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ مَسعودٍ - ﵃ -: «مَن أَفتَى في كُلِّ ما يُسألُ فهوَ مجنونٌ» (٣).
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٦/ ١٤٢ (٤٧٧٤)، والبيهقي في " المدخل ": ٤٣٢ (٧٩٧)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ٥١.
(٢) أخرجه: أحمد ٦/ ٣٤٥ و٣٤٦، والبخاري ٧/ ٤٤ (٥٢١٩)، ومسلم ٦/ ١٦٩ (٢١٣٠) (١٢٧)، وأبو داود (٤٩٩٧)، والنسائي في " الكبرى " (٨٩٢٢) وفي " عشرة النساء "، له (٣٦)، وابن حبان (٥٧٣٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٣٢٢) و(٣٢٣) و(٣٢٤) و(٣٢٦) و(٣٢٧) و(٣٢٨)، وأبو الشيخ في " الأمثال " (٥٩)، والحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٧٧ - ٧٨، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٣٠٨) و(٣٠٩)، والبيهقي ٧/ ٣٠٧ وفي " شعب الإيمان " (٤٨٢٤) وفي " الآداب "، له (٣٩٢)، والبغوي في " شرح السنة " (٢٣٣١) من حديث أسماء بنت أبي بكر.
(٣) أثر عبد الله بن عباس، أخرجه: البيهقي في " المدخل ": ٤٣٣، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ٢/ ١٦٤. وأثر عبد الله بن مسعود، أخرجه: الخطيب في " الفقيه والمتفقه " ١/ ١٩٧ - ١٩٨، والبيهقي في " المدخل ": ٤٣٢ (٧٩٨)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ٢/ ١٦٥.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وعَن ابنِ عَبّاسٍ ﵄، ومحمدِ بنِ عَجلانَ: «إذا أَغفَلَ العَالمُ «لا أدري» أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ» (١).
وعَن الشّافعيِّ وقد سُئِلَ عن مسألةٍ فلمْ يُجِبْ، فقيلَ لهُ: فقالَ / ٢٣١ أ /: «حتى أَدري أن الفضلَ في السكوتِ أو في الجوابِ» (٢).
وعَن الأَثرَمِ: «سَمعتُ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ يُكثرُ أن يقولَ: لا أَدري» (٣).
وعَن الهيثمِ بنِ جَميلٍ: «شَهدتُ مَالكًا سُئِلَ عن ثمانٍ وأربعينَ مَسألة، فقالَ في ثنتينِ وثلاثينَ منها: لا أدري» (٤).
وعَن مالكٍ أيضًا أنّه رُبّما كانَ يُسئَلُ عَن خمسينَ مسألة، فلا يُجيبُ في واحدةٍ منها، وكانَ يقولُ: «مَن أجابَ في مسألةٍ، فينبغي قبل الجوابِ يعرضُ نفسَهُ على الجنّةِ والنّارِ، وكيفَ خَلاصُهُ، ثُمَّ يُجيبُ» (٥).
وَسُئِلَ عَن مسألةٍ فقالَ: [«لا أدري»، فقيلَ: هيَ] (٦) مسألةٌ خفيفةٌ، فقالَ: «ليسَ من العلم شيءٌ خفيفٌ» (٧).
وقالَ الصَّيْمَريُّ (٨) والخطيبُ: «قَلَّ مَن حَرَصَ على الفتيا، وسَابقَ إليها، وثَابرَ
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في " المدخل ": ٤٣٦ (٨١٣)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ٢/ ٥٤، وانظر: الفقيه والمتفقه ٢/ ١٧٢، والمجموع ١/ ٩٣.
(٢) المجموع ١/ ٩٣.
(٣) انظر: الفقيه والمتفقه ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، والمجموع ١/ ٩٣.
(٤) التمهيد ١/ ٧٣، والمجموع ١/ ٩٣.
(٥) المجموع ١/ ٩٣.
(٦) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(٧) المجموع ١/ ٩٣ - ٩٤.
(٨) هو القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري الشافعي، له مصنفات منها: " الإيضاح في المذهب " و" القياس والعلل ". والصيمري بصاد مهملة مفتوحة، ثم ياء ساكنة، بعدها ميم مفتوحة، وبعضهم يضمها: نسبة إلى صيمرة نهر من أنهار البصرة عليه عدة قرى. انظر: معجم البلدان ٥/ ٢١٤، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ١٤.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
عَليها، إلاّ قَلَّ توفيقُهُ، واضطربَ أمرهُ، وإذا كانَ كارهًا لذلكَ غيرَ مؤثرٍ لهُ - مَا وَجَدَ عنهُ مندُوحَة وأحالَ الأمرَ فيهِ على غيرهِ - كانَتِ المعرفةُ له من اللهِ أكثرَ، والصلاحُ في جوابهِ أغلبَ» (١).
وَاستدَلا بقولِ النبيِّ - ﷺ - في الحديثِ: «لا تَسألِ الإمارةَ، فإنّكَ إن أُعطيتَها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غَيرِ مسألةٍ، أُعِنتَ عليها» (٢).
ويطرحُ على أصحابهِ ما يختبرُ بهِ أذهانَهم، ولا يَتأذَّى إذا قَرأَ أحدُهُم على غيرهِ، إلاّ إنْ كانَ ذلكَ الغيرُ جاهلًا، أو فاسقًا، أو مُبتدعًِا، فَليحذَرْ منهُ. انتهى.
قولُه: (وَقدْ كانَ عروةُ) (٣) عِبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وقدْ كانَ في السَّلفِ، مَنْ يَتألّفُ النّاسَ عَلَى حَديثِهِ، منهم: عروةُ بنُ الزبيرِ (٤») (٥).
قولُه: (خُيلاءَ) (٦) إشارةٌ إلى أنّ السَّلفَ كانَوا يَتحرّزونَ من العجبِ،
_________________
(١) الفقيه والمتفقه ٢/ ١٦٦، والمجموع ١/ ٩٤.
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٦٢ و٦٣، والبخاري ٨/ ١٥٩ (٦٦٢٢) و٨/ ١٨٣ (٦٧٢٢) و٩/ ٧٩
(٣) و(٧١٤٧)، ومسلم ٥/ ٨٦ (١٦٥٢) (١٩) و٦/ ٥ (١٦٥٢) (١٣)، وأبو داود (٢٩٢٩) و(٣٢٧٧) و(٣٢٧٨)، والترمذي (١٥٢٩)، والنسائي ٧/ ١٠ و١١ و٨/ ٢٢٥ وفي الكبرى، له (٥٩٣٠)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٥٩)، وابن حبان (٤٣٤٨)، والبيهقي ١٠/ ٥٣ و١٠٠ من حديث عبد الرحمان بن سمرة.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨.
(٦) روى الخطيب في " جامعه " (٧٨٧) عن الزهري، قال: «كانَ عروة يتألف الناس على حديثه».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧. قال العراقي: «وروينا عن حماد بن زيد أنه قال: استغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء». وحكاه الخطيب في "الجامع" (٧٧٥)، والذهبي في " السير " ١٠/ ٤٧٠ - ٤٧١.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ويَتفقّدونَ أعمالَهم وأحوالَهم، لِيقيمُوا منها ما اعْوَجَّ.
عَن " الرسالةِ " (١) للقُشَيريِّ أنَّه قالَ: «ويَصحُّ أن يُقالَ: الإخلاصُ: تَصفيةُ الفعلِ عن ملاحظةِ المخلوقينَ»، ونُقِلَ عنهُ عن أبي عليٍّ الدقاقِ أنَّهُ قالَ:
«المخُلصُ لا رِياءَ لهُ، والصَّادقُ لا إعجابَ لهُ» (٢).
قالَ: «وعَن أبي عليِّ الفُضيلِ بنِ عياضٍ أنه قالَ: تركُ العملِ لأجلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَملُ لأجلِ النّاسِ شِركٌ، والإخلاصُ أن يعافيكَ اللهُ منهُما» (٣).
قالَ: «وعَن سَهل بنِ عبدِ اللهِ التُستَريِّ، قالَ: لا يَشمُّ رائحةَ الصّدقِ عبدٌ دَاهنَ نَفسَهُ، أو غيرَهُ» (٤).
وعَن ذِي النّونِ (٥)، قالَ: «الصّدقُ سَيفُ اللهِ / ٢٣١ ب / ما وُضِعَ عَلى شيءٍ إلا قَطعَهُ» (٦). انتهى ما نَقلتُهُ من " شَرحِ المهذبِ " (٧).
قولهُ: (في الطريقِ وَهوَ قائِمٌ) (٨) صَوابهُ: «أو قائم»، كَما في
_________________
(١) الرسالة للقشيري: ٩٥.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) الرسالة للقشيري: ٩٦، وانظر: حلية الأولياء ٨/ ٩٥، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٢٧.
(٤) الرسالة للقشيري: ٩٧.
(٥) هو ثوبان بن إبراهيم، وقيل اسمه: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي، توفي سنة (٢٤٥) هـ، وقيل: (٢٤٦) هـ. انظر: حلية الأولياء ٩/ ٣٣١، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٥٣٢.
(٦) الرسالة للقشيري: ٩٧، وانظر: الحلية ٩/ ٣٩٥.
(٧) المجموع ١/ ٤٩.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧، قالَ العراقي: «وكانَ يكره - أي: الإمام مالك - أن يحدِّث في الطريق، أو وهو قائم». انظر: حلية الأولياء ٦/ ٣١٨. وعَند تحقيقي لشرح التبصرة والتذكرة جاء في نسخة (ق): «أو هو قائم» وفي نسخة (ص): «وهو قائم» وجاء في نسخة (ص) في الحاشية تصويبه إلى: «أو وهو قائم» وفي النسخة (ن) صوبه إلى «أو هو قائم» وجاء في نسخة (س) والنسخ المطبوعة: «وهو قائم» فلعل البقاعي كانَ معتمدًا على نسخة (ق) و(ن)، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٠١ ]
النّظمِ (١) وَكذا سَاقَهُ ابنُ الصّلاحِ (٢) عَن مالكٍ، ولا يصحُّ إسقاطُ الألفِ؛ لأنَّ المعنى يَصيرُ أنه يَكرهُ تحديثهُ في الطريقِ في حالِ قيامهِ، لا حَال قعودهِ مثلًا.
قولهُ: (مَا كانَ في النّاسِ) (٣) هي التامةُ، أي: وُجِدَ ولا شكَّ أنَّ أوَّلَ مَن طَلبَ الحديثَ الصحابةُ - ﵃ -، ثم خَيرُ النّاسِ بعدهُم في كلِّ عصرٍ مَن طَلَبَ على طريقِهم، وهي أن يحفظهُ مع العلمِ بأداوتِ فهمهِ، ولا يَصحُّ أن تكونَ ناقصةً لأنَّه لا يصحُّ - على تقديرهِ - كلامُ ابنِ مَهديّ؛ لأنَّه لا اطّلاعَ له على ما كانَ قبلَ عصرهِ، وعلى تقديرِ التّسليمِ، فذلكَ غيرُ مُمكنٍ في الصحابةِ - ﵃ -، معَ شهادةِ اللهِ لهم بالخيّريةِ، ويَكفيكَ من شَرفِ الحديثِ انتهاؤهُ إلى النبيِّ - ﷺ -، الآخذُ عن اللهِ من غيرِ شريكٍ، بل بالأمرِ القاطعِ الثابتِ بالمعجزةِ.
وأمّا غيرهُ فإنْ لم يكنْ له أصلٌ من قولهِ فهوَ رَدٌّ على صاحبهِ، وإن كانَ لهُ أصلٌ فهوَ إنَّما يدورُ عليهِ بالقياسِ، وما أحسنَ ما قالَ الإمامُ أبو الحَسَنِ الطّبريُّ المعروفُ بِالكيَا الهَرَّاسي: «إذا جَالَتْ فُرسانُ الأحاديثِ في ميادينِ الكفاحِ، طارَتْ رؤوسُ المقاييسِ في مهابِ الرياحِ» (٤).
وَرَوينا في كتابِ " شَرفِ أصحابِ الحديثِ " (٥) للحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ، عن سُفيانَ الثّوريِّ أنه كانَ يقولُ: «الملائكةُ حُرّاسُ السّماءِ، وأصحابُ الحديثِ
_________________
(١) قالَ في النظم: لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبُ فَعُمْ وَلاَ تُحَدِّثْ عَجِلًا أَوْ إِنْ تَقُمْ
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨، وقالَ فيه ابن الصلاح: «أو هو قائم».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨ وحكاه العراقي عن سفيان الثوري أنه قالَ: «ما كانَ في الناس أفضل من طلبة الحديث، فقالَ له ابن مهدي: يطلبونه بغير نية. فقالَ: طلبهم إياه نية». ورواه عنه الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ١٨٣.
(٤) انظر: ذيل تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦١.
(٥) شرف أصحاب الحديث: ٤٤.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
حُرّاسُ الأرضِ».
وأنّ الشّافعيَّ كانَ يقولُ: «إذا رأيتُ رجلًا من أصحابِ الحديثِ، فكأنّي رأيتُ النبيَّ - ﷺ - حَيًِّا» (١).
وعَن أميرِ المؤمنينَ هارونَ الرشيد أنهُ قالَ: «طَلبتُ أربعةً فَوجدتُها في أربعةٍ: طَلبتُ الكُفرَ فوجدتهُ في الجهميةِ، وطلبتُ الكلامَ والشّغبَ فوجدتهُ في المعتزلةِ، وطَلبتُ الكَذبَ فوجدتهُ عندَ الرافضةِ، وطلبتُ الحقَّ فوجدتهُ معَ أصحابِ الحديثِ» (٢).
وعَن إبراهيمَ بن أدهمَ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ تعالى يرفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةِ أصحابِ الحديثِ» (٣).
وعَن الزهريِّ أنه قالَ: «لا يَطلبُ الحديثَ / ٢٣٢ أ / من النّاسِ إلا ذُكرانُها، ولا يزهدُ فيهِ إلا مُؤنّثوها» (٤).
وَرُوِيَ (٥) عن أبي الفَضلِ العبّاسِ بنِ مُحمدٍ الخُرَاسانيِّ أنه أَنشدَ في معنَى ذلكَ:
لا يَطلبُ العلمَ إلا بازلٌ (٦) ذكرٌ وليسَ يُبغضُهُ إلا المخانيثُ
وعَن أبي بكرٍ أحمدَ بن عبدِ الرحمانِ النَّسَفيِّ أنه قالَ: «كانَ مشايخُنا يسمونَ أبا بكر بنَ إسماعيلَ: ثمودَ؛ لأنّه كانَ من أصحابِ الحديثِ، فصارَ من أصحابِ
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٩/ ١٠٩، والبيهقي في " المدخل ": ٣٩١ (٦٨٩)، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ٤٦.
(٢) أخرجه عنه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ٥٥.
(٣) أخرجه: الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث": ٨٩، وفي "شرف أصحاب الحديث"، له: ٥٩.
(٤) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدث الفاصل ": ١٧٩ (٣١)، والحاكم في " المدخل إلى الإكليل ": ٢٣، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٣/ ٣٦٥، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ٧١.
(٥) رواه الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث": ٩٦، وفي "شرف أصحاب الحديث"، له: ٧١.
(٦) هو الرجل الكامل في تجربته. القاموس المحيط مادة (بزل).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الرأي، قالَ تَعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١).
وعَن أبي زيدٍ الفقيهِ أنه أنشدَ لبعضِ عُلماءِ الشّاشِ (٢):
كلُّ الكلامِ سوى القرآنِ زَندَقَةٌ إلاّ الحديثَ وإلاّ الفقهَ في الدِّينِ
وَالعِلمُ مُتَّبَعٌ مَّا كانَ «حَدَّثَنا» وما سوى ذاكَ وسوَاسُ الشّياطينِ (٣)
وعَن حَوْثَرةَ بنِ مُحمدٍ المنقريِّ البَصريِّ، قالَ: «رأيتُ يزيدَ بنَ هارونَ الواسطيَّ في المنامِ بعدَ موتهِ بأربعِ ليالٍ، فقلتُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: تَقبَّلَ مني الحسناتِ وتَجاوزَ عني السيئاتِ، وَوَهَبَ لي التبعاتِ، قلتُ: وما كانَ بعدَ ذلكَ؟ قالَ: وهلْ يكونُ من الكريمِ إلا الكَرَم! غَفَرَ لي ذنوبي وأَدخلَني الجنةَ، قلتُ: بِمَ نِلْتَ الذي نلتَ؟ قالَ: بمجالسِ الذّكرِ، وقَوليَ الحقَّ، وصِدقِيَ في الحديثِ، وطولِ قِياميَ في الصلاةِ، وَصَبريَ على الفَقرِ، قلتُ: ومُنكَرٌ ونَكيرٌ ﵉ حقٌ؟ قالَ: إي واللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، لقد أَقعدَاني وسَألاني مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ فجعلتُ أنفضُ لحيَتي البيضاءَ من الترابِ، فقلتُ: مِثلي يُسئلُ؟ أنا يزيدُ بُن هارونَ الواسطيُّ، وكنتُ في دارِ الدُّنيا ستينَ سنةً أعلمَ النّاسِ، قالَ أَحدُهما: صَدَقَ، هو يزيدُ بنُ هارونَ، نَمْ نَومةَ العَروسِ، فلا رَوْعَةَ عليكَ بعدُ، قالَ أحدُهما: أَكتَبتَ عن حَرِيز بن عُثمانَ (٤)؟ قلتُ: نَعَمْ، وكانَ ثقةً في الحديثِ، قالَ: ثقةً،
_________________
(١) فصلت: ١٧، والخبر في شرف أصحاب الحديث: ٧٥.
(٢) هي بلدة بما وراء النهر تقع وراء نهر سيحون. مراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٤.
(٣) شرف أصحاب الحديث: ٧٩، والإلماع: ٤١.
(٤) قال العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٢٣٤: «بفتح الحاء المهملة وكسر الراء بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة وأخره زاي، وهو: حريز بن عثمان الرحبي الحمصي». قلت: والحديثان اللذان أخرجهما البخاري: الأول: ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٣٥٠٩): إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه. والثاني: ٤/ ٢٢٧ (٣٥٤٦)، قال: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا حريز بن عثمان أنه =
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ولكنّهُ كانَ يُبغِضُ عليًّا أبغضَهُ اللهُ - ﷿ -» (١).
ورَوينا في " المجالسِ المكيةِ " للمَيّانِشيِّ (٢)، عن أبي المُظفّرِ السَّمعَانيِّ أنهُ أنشدَ لأبي بكرِ بنِ أبي داودَ السَّجَستَانيِّ:
تَمسَّكْ بحبلِ اللهِ واتَّبعِ الهُدَى ولا تَكُ بِدْعِيًا لَعلَّكَ تُفلِحُ
وَلُذْ بِكتابِ اللهِ والسُّنَنِ التي أَتتْ عن رسولِ اللهِ تنجو وتربحُ /٢٣٢ب/
ودَعْ عنكَ آراء الرِّجالِ وقولَهم فقولُ رسولِ اللهِ أَزكَى وأَشرحُ
_________________
(١) = سأل عبد الله بن بسر صاحب النبي - ﷺ - قال: رأيت النبي - ﷺ - كان شيخًا، قال: كان في عنفقته شعرات بيض. قال ماهر: ما ذكر من نصب حريز بن عثمان الرحبي فهذا ما نقله جماعة، لكن نقل علي بن عياش رجوعه عن ذلك كما في المجروحين ١/ ٢٦٨ وكذا نقل البخاري في تأريخه الكبير ٣/ ١٠٣ (٣٥٦) عن أبي اليمان أنَّه رجع عن ذلك، وقال المزي في تهذيب الكمال ٢/ ٩١: «وقال مكحول البيروتي: حدثنا جعفر بن أبان، قال: سمعت علي بن عياش وسأله رجل من أهل خراسان، عن حريز: هل كان يتناول عليًا؟، فقال: أنا سمعته يقول: إن أقوامًا يزعمون أني أتناول عليًا معاذ الله أن أفعل ذلك، حسيبهم الله».
(٢) أخرجه عنه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي، صاحب كتاب " ما لا يسع المحدث جهله "، توفي سنة (٥٨١) هـ. والميانشي: بالفتح وتشديد الثاني وبعد الألف نون مكسورة وشين معجمة وهي قرية من قرى المهدية بأفريقية. انظر: معجم البلدان ٥/ ٢٣٩، والعبر ٤/ ٢٤٥، ونكت الزركشي ١/ ١٩٠. وجاء في مصادر ترجمته الأخرى نسبته إلى «ميانجي» بالفتح، والتحتية، وفتح النون، وجيم: نسبة إلى ميانج موضع بالشام، وإلى ميانه بلد بأذربيجان. انظر: الأنساب ٥/ ٣٢٠، واللباب ٣/ ٢٧٨، ومعجم البلدان ٥/ ٢٤٠، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٣٤١.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
ولا تَكُ من قومٍ تَلَهَّوا بدِينِهم فَتطعنَ في أهلِ الحديثِ وتَقدحُ
إذا ما اعتقدْتَ الدّهرَ يا صَاحِ هذهِ فأنتَ على خيرٍ تَبيتُ وتُصبحُ (١)
وعَن محمد بنِ عبدِ اللهِ بن أحمدَ اللخميِّ النحويِّ أنه أنشدَ لابنِ الأنبارِي:
أهلًا وسهلًا بالَّذين أودُّهم وأحبُّهم في اللهِ ذي الآلاءِ
أهلًا بقومٍ صالحينَ ذوي تُقىً خيرِ الرجالِ وزَينِ كلّ ملاءِ
يَسعونَ في طلبِ الحديثِ بعفةٍ وتوقّرٍ وسكينةٍ وحياءِ
لَهُم المهابةُ والجلالةُ والتُّقى وفضائلٌ جلَّتْ عن الإحصاءِ
ومدادُ ما تَجري بهِ أقلامُهم أَزكَى وأفضلُ من دمِ الشُّهداءِ
يا طَالبي عِلمَ النَّبيِّ محمدٍ مَا أنتُمُ وسوَاكم بسواءِ (٢)
ورَوينا في آخرِ " مَسألةِ العلوِّ والنّزولِ " (٣)، لأبي الفَضلِ بنِ طَاهرٍ المقدسيِّ الحافظِ: أنّ الرّشيدَ قالَ لابنِ أَكثمَ: «ما أَنبلُ المراتبِ؟ قالَ: قلتُ: ما أنتَ فيه يا أميرَ المؤمنينَ، قالَ: فتعرفُ أجلَّ مني؟ قلتُ: لا. قالَ: لكنّي أعرفهُ: رَجلٌ في حَلقَةٍ يقولُ: حدَّثَنا فُلانٌ، عن فُلانٍ، عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ هذا خَيرٌ منكَ، وأنتَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ - ﷺ - ووليُّ عهدهِ؟ قالَ: نَعَمْ.
_________________
(١) انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٥٣ - ٥٤، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٣٣ - ٢٣٦. وهذه الأبيات ملفقة من قصيدة طويلة.
(٢) هذه الأبيات ذكرها ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٣١ ونسبها لأبي بكر بن دريد. وذكر قسمًا منها أيضًا ياقوت الحموي في "معجم البلدان" ٣/ ١٠٠ ونسب قولها للحسين بن محمد الغسّاني الجياني، وذكر قسمًا منها أيضًا العجلوني في "كشف الخفاء" ٢/ ٢٦٢ و٥٤٣ ولم ينسبها لأحد.
(٣) مسألة العلو والنزول: ٤٥.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وَيلكَ، هذا خير مني؛ لأنَّ اسمَهُ مقرونٌ باسمِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، لا يموتُ أبدًا نحنُ نموتُ ونَفنَى، والعلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدهرُ» (١).
وعَن عليِّ بن عبدِ السّلام الأَرْمَنَازِيِّ (٢) أنه أنشدَ بصُور لنفسهِ.
ألا إنَّ خيرَ النَّاسِ بعدَ مُحمّدٍ وأصحابهِ والتابعينَ بإحسانِ
أُناسٌ أرادَ اللهُ إحياءَ دينَهُ بحفظِ الذي يَروي - عن الأوّلِ - الثاني
أَقاموا حدودَ الشّرعِ شَرعِ مُحمدٍ بما أوضحوا مِن دليلٍ وبرهانِ
وَسارُوا مَسيرَ الشّمسِ في جمعِ علمهِ فَأوطانُهم أَضحتْ لهم غيرَ أوطانِ
إذا عَالمٌ عَالي الحديثِ تَسَامَعُوا بهِ جَاءَهُ القاصِي من القومِ والدَّاني
/ ٢٣٣ أ / وروينا في جزء ابن قُطرال (٣)، عن أبي زرعة الرازي أنه قالَ:
دِينُ النَّبيِّ مُحمّدٍ أَخبارُ نِعْمَ المطية للفتَى الآثارُ
لا تغفلَنَّ عن الحديثِ وأهلهِ فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهارُ
وَلَرُبما أخطا الفتى سُبُلَ الهدَى والشمسُ واضحةٌ لها أنوارُ (٤)
_________________
(١) أخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ٩٩ - ١٠٠، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء ": ٢٦.
(٢) أرمناز قرية من قرى بلدة صور من بلاد ساحل الشام. الأنساب ١/ ٨١ - ٨٢. وقالَ ياقوت: «أرمناز بالفتح، ثم السكون، وفتح الميم والنون وألف وزاي: بليدة قديمة من نواحي حلب، بينهما نحو خمسة فراسخ يعمل بها قدور». معجم البلدان ١/ ١٣١.
(٣) هو القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري المالكي القرطبي، ولد سنة (٥٦٣ هـ)، وتوفي سنة (٦٥١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٠٤، وشذرات الذهب ٥/ ٢٥٤.
(٤) هذه الأبيات اختُلفَ في نسبتها فقد نسبها الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": ٧٦ لعبدة بن زياد الأصبهاني، ونسبها ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": ٣٤ - ٣٥ لأحمد بن حنبل، وكذلك نسبها له السيوطي في " مفتاح الجنة ": ٦٦، ونسبها القاضي عياض في "الإلماع": ٣٨ لمحمد بن الزبرقان. وذكرها القاسمي في " قواعد التحديث ": ٥٠.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قولُهُ: (فيأبَى عليه العلمُ حتى يكونَ للهِ) (١)، أي: أنَّ اللهَ تعالى يريدُ للخيرِ من وَفَّقَهُ لطلبِ أحبِّ الأشياءِ إليه وهو العلمُ، وإذا أرادَهُ لذلكَ، لم
يزلْ يمتحنُهُ ويصفيه ويرقُّ قلبَهُ، حتى يهديَهُ لأن يُقْبِلَ بكليتهِ إليهِ ويخلصَ النِّيَّةَ في طلبهِ.
قالَ الشيخُ مُحيي الدّينِ النوويُّ في مقدمةِ " شَرحِ المهذبِ " (٢): «وَرُبَّما عَسُرَ - في كثيرٍ من المبتدئينَ بالاشتغالِ - تَصحيحُ النيةِ؛ لضعفِ نُفُوسِهم؛ وقلَّةِ أُنسِهِم بموجباتِ تَصحيحِ النِّيَّةِ، والامتناعُ من (٣) تَعليمِهم، يُؤدِّي إلى تفويتِ كثيرٍ من العلمِ، مَعَ أنَّه يُترجَّى (٤) ببركةِ العلمِ تَصحيحُها.
ويَنبغي أن يُؤَدِّبَ المتعلِّمَ على التدريجِ، فَيحرضَهُ بأقوالِهِ وأفعالهِ المتكررةِ على الإخلاصِ، والصدقِ، وحسنِ النِّيَّاتِ، ومراقبةِ اللهِ، ويُزهدَهُ في الدُّنيا، ويُرغِبَهُ في العلمِ، بتذكيرِ فضائلهِ، ويعتنيَ بمصالحهِ كاعتنائهِ بمصالحِ ولدهِ.
وعَن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «أكرمُ الناسِ عليَّ جَليسَي الذي يتخطَّى الناسَ حتى يجلسَ إليّ، لو استطعتُ أن لا يَقعَ الذبابُ على وجههِ
لفعلتُ» (٥).
وينبغي أن يكونَ سَمحًَا، ببذلِ ما حَصَّلَهُ من العلمِ، ولا يُلقِى شَيئًا إلى مَن لم يتأهّل لهُ ولو سَألَ عنهُ، لم يُجبْهُ ويعرِّفْهُ أنّ ذلكَ يضرُّهُ، ويَتَواضعَ للمتعلمينَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨، وهو قول معمر: «إنّ الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله - ﷿ -». انظر: الجامع لأخلاق الراوي (٧٨٤).
(٢) المجموع ١/ ٧٢ - ٧٤ بتصرف.
(٣) في (ف): «في»، والمثبت من " المجموع ".
(٤) في المطبوع من " المجموع ": «يرجى».
(٥) المجموع ١/ ٧٣، والأثر أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١١٤٥) و(١١٤٦)، وفي " التاريخ الكبير "، له ٦/ ١٩٧ (٨٨١٨).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
رَوَى مُسلمٌ (١): عن عياضِ بنِ حمارٍ - ﵁ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: «إنَّ الله أَوحَى إليّ أن تَواضَعُوا» (٢). انتهى.
قولُهُ: (بيانٌ للوقتِ) (٣) مُرادُهُ السّنَّ كَما قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وقَدِ اختُلِفَ في السِّنِّ الذي إذا بلغَهُ استُحِبَّ له التصدِّي لإسماعِ الحديثِ والانتصابِ
لروايتهِ» (٤).
قولُهُ: (فَقَد اختلفَ فيهِ كَلامُ الخطيبِ وابنِ الصَّلاحِ) (٥) ليسَ بينَهما اختلافٌ في التَّحقيقِ، فإنَّ كلامَ الخطيبِ محمولٌ على ما إذا طُلبَ منهُ أن يُحدِّثَ عندَ الاحتياجِ إليهِ، بدليلِ قولهِ: «وَلاَ يَمتَنع» (٦) وَكَلامَ ابنِ / ٢٣٣ ب / الصَّلاحِ (٧) عَلَى مَا إذا لَم يُطلَبْ ذَلكَ مِنهُ، بَلْ ولَمْ يَكُنْ يَعرِف أنَّ الحَديثَ عِندهُ، فَإنَّهُ يُستَحبُّ لَهُ أنْ يَتَصدَّى، أي: يَتعرَّضَ للنَّاسِ ليُعرفَ أنَّ ذلكَ الحديثَ عندَهُ.
_________________
(١) ٨/ ١٦٠ (٢٨٦٥) (٦٤).
(٢) أخرجه أيضًا: أحمد ٤/ ١٦٢ و٢٦٦، والبخاري في " خلق أفعال العباد ": ٤٨، وأبو داود
(٣) ، وابن ماجه (٤١٧٩)، والنسائي في " فضائل القرآن " (٩٥) و(٩٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٧. وانظر: المجموع ١/ ٧٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩.
(٧) قالَ الخطيب في " الجامع ": ١٦٩ عقب (٧٢٦): «فإن احتيج إليه في رواية الحديث قبل أن تعلو سنه، فيجب عليه أن يحدّث ولا يمتنع؛ لأن نشر العلم عند الحاجة إليه لازم، والممتنع من ذلك عاص آثم».
(٨) قالَ ابن الصلاح في " معرفته ": ٣٤٤: «والذي نقوله: إنه متى احتيج إلى ما عنده، استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كانَ». ومن كلام ابن الصلاح هذا وكلام الخطيب الذي سبق، تبين أنه لا يوجد اختلاف بين كلاميهما، وما ذهب إليه البقاعي من عدم وجود اختلاف هو الأصح، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قولُهُ: (انتِهَاء الكُهُولَةِ) (١) قالَ ابنُ الأثيرِ في " النهايةِ " (٢): «الكَهْلُ منَ الرِّجالِ: منْ زادَ على ثَلاثينَ سَنَةً إلى الأربعينَ. وقِيل: مِن ثَلاثٍ وثلاثينَ إلى الخَمسينَ».
وقالَ في " القاموسِ " (٣): «الكَهْلُ: مَن وَخَطَهُ الشَّيبُ ورأيتَ له بَجالَةً، أو من جاوزَ الثلاثينَ أو أربعًا وثلاثينَ إلى إحدَى وخمسينَ، وهي بهاءٍ».
وقالَ الإمامُ أبو الحسنِ الحَرَالي: «إنهُ مَن كانَ سِنُّهُ ما بينَ اثنتينِ وأربعينَ إلى ثلاثٍ وستينَ».
قالَ ابنُ الصَّلاحِ (٤): «قالَ سُحَيمُ بنُ وُثَيل (٥):
أخُو خمسينَ مُجتمِعٌ أَشُدِّي وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشؤونِ (٦)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩، وهو كلام الرامهرمزي نقله عنه العراقي فقالَ: «وروينا عن أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه " المحدّث الفاصل ": ٣٥٢ رقم (٢٨٧)، قالَ: الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث، هو أن يستوفي الخمسين؛ لأنها انتهاء الكهولة».
(٢) النهاية ٤/ ٢١٣.
(٣) القاموس المحيط مادة (كهل).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٥.
(٥) هو سحيم بن وثيل - بالمثلثة مصغّر - الرياحي، شاعر مخضرم، قالَ ابن دريد: عاش في الجاهلية أربعين وفي الإسلام ستين. انظر: الإصابة ٢/ ٤٣٩ (٣٦٦٣).
(٦) هو في الكامل ١/ ٣٠٤، والإصابة ٢/ ٤٤٠، وقوله: «أخو خمسين»، أي: أنا أخو خمسين سنة، واجتماع الأشد: عبارة عن كمال القوى في البدن والعقل، ومعنى: نجذني، أي: جعلني ذا تجربة وخبرة، يقالَ: رجل منجذ - بضم الميم وفتح الجيم أو كسرها - الذي جرّب الأمور وعرفها وأحكمها، وهو المجرب، قالَ اللحياني: المنجذ هو الذي أصابته البلايا. والمداورة: المعالجة والمزاولة، والشؤون: الأمور، يعني: مداولة الأمور ومعالجتها. انظر: اللسان مادة (دري) و(دور)، وحاشية الإلماع: ٢٠٠.
[ ٢ / ٣١٠ ]
أي: جَعلَني دَوَرَاني معَ الشّؤونِ معَ شَأن وهي الأمورُ واحتِيالي فيهَا نَجدًا، أي: دَليلًا مَاهرًا شُجاعًا مَاضيًا فيمَا يعجزُ غَيري.
قولهُ: (وَتعقّبَهُ القَاضِي عِيَاضٌ) (١) كلامُ ابنِ خَلاد ليسَ بمتعقّبٍ، فإنّه محمولٌ على ما إذا لم يُحتجْ إليهِ وعَدُّه لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومَن بعدهُ لا يقدحُ فيهِ، بل يؤيدُهُ، فإنّ كلًا منهُم لم يُحدّث حتى احتيجَ في الفقهِ أو غيرهِ إليهِ.
وقد أجابَ عنهُ ابنُ الصّلاح بهذا، كما نقلهُ عنه الشيخُ (٢) في آخرِ هذه المقولةِ والحاصلُ أنّ ذلكَ موقوفٌ على الحاجةِ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «ويختلفُ ذلكَ بحسبِ الزمانِ والمكانَ، فَرُبَّ بلادٍ مهجورةٍ يقعُ إليها مَن يُحتاجُ إلى روايتهِ هناكَ، ولا يحتاجُ إلى روايتهِ في البلادِ التي يكثرُ فيها العلماءُ» (٣).
قوله: (العِلْمُ والحَدِيثُ) (٤) هوَ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالعلمِ: الكلامُ على الحديثِ مَتنًا وسَندًا، وأن يكونَ المرادُ بالحديثِ اللفظُ كذلكَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩، وكلام القاضي عياض في " الإلماع ": ٢٠٠ - ٢٠٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١، وقول ابن الصلاح في " معرفته ": ٣٤٦: «قلت: ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداءً من نفسه غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكر، فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده».
(٣) الاقتراح: ٢٤٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩ حكاه العراقي عن القاضي عياض قالَ: «وكم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ولا استوفى هذا العمر، ومات قبله وقد نشر من العلم والحديث ما لا يحصى ..». وانظر: الإلماع: ٢٠٠ - ٢٠٢.
[ ٢ / ٣١١ ]
قولهُ: (حَدِيثُ الفُرَيعَةِ) (١) الظَّاهرُ أنها بنتُ مَالكِ بنِ سِنَان أُختُ أبي سَعيد الخُدْري، ويُقالَ لها: الفَارِعة (٢) أيضًا وحَديثُها هذا في سُكنى المتوفَى عَنها زوجُها في بيتِها حتى يبلُغَ الكتابُ أَجلَهُ، رَواهُ في الطّلاقِ أبو داودَ (٣) والتّرمِذِي (٤) والنّسَائي (٥) وابنُ مَاجه (٦)، وليسَ لها في الكُتبِ سِواهُ.
قوله: (وَلِيَ (٧) عُشرُونَ سَنَةً) (٨) نُقِلَ عَن شَيخِنا أنَّهُ قالَ: / ٢٣٤ أ / إنَّ الخطيبَ شَرعَ في علمِ الحديثِ قبلَ ذلكَ بقليلٍ.
وعَن " المُنتَقَى من تَاريخِ ابنِ عَسَاكِرَ " للذَّهبي، عَن الخطيبِ (٩) أنه قالَ: «أوّلَ ما سمعتُ الحديثَ وَلي إحدَى عَشرَةَ سَنَةً».
قوله: (ابنُ مُظَفَّر) (١٠) هو شِهَابُ الدّينِ النَّابُلُسِي سبطُ الشّيخِ خَالِد، وُلِدَ سَنةَ أربعٍ أو خمسٍ وسبعينَ وستمئةٍ وسمعَ فأكثرَ (١١).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠، والفريعة - بالتصغير -. انظر: التقريب (٨٦٦٠).
(٢) التقريب (٨٦٦٠).
(٣) في " سننه " (٢٣٠٠).
(٤) في " جامعه " (١٢٠٤) و(١٢٠٤م).
(٥) في " المجتبى " ٦/ ١٩٩ و٢٠٠.
(٦) في " سننه " (٢٠٣١). وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق (١٢٠٧٦)، وأحمد ٦/ ٣٧٠ و٤٢٠، وسعيد بن منصور (١٣٦٥)، والدارمي (٢٢٩٢)، وابن الجارود (٧٥٩)، وابن حبان (٤٢٩٢)، والطبراني في " الكبير " ٢٤/ (١٠٧٩) و(١٠٨٠) و(١٠٨١) و(١٠٨٢) و(١٠٨٣) و(١٠٨٤) و(١٠٨٥) و(١٠٨٨) و(١٠٨٩) و(١٠٩١) و(١٠٩٢)، والحاكم ٢/ ٢٠٨، والبيهقي ٧/ ٤٣٤ و٤٣٥، والبغوي (٢٣٨٦).
(٧) في (ف): «وفي»، والمثبت من "الجامع لأخلاق الراوي" و" شرح التبصرة والتذكرة ".
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠، وقول الخطيب في " الجامع ": ١٧٠ عقب (٧٣٢).
(٩) ذكره الدكتور بشار في دراسته لكتاب " تاريخ مدينة السلام " ١/ ١٩.
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠.
(١١) وتوفي ساجدًا سنة (٧٥٨ هـ). الدرر الكامنة ١/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قالَ الذّهبي في " المعجمِ المُختصّ " (١): «الحافظُ المحررُ، أَكبَّ على الطّلبِ زمانًا وترافَقنَا مدةً، وفي خُلُقهِ زعارةٌ وفي طباعهِ نُفورٌ».
وقالَ في " المُعجَمِ الكَبيرِ " (٢): «لهُ معرفةٌ وحفظٌ، على شَراسةِ خُلُقٍ، ثمَّ صلُحَ حالهُ».
وقالَ البرزاليُّ (٣): «وَلَم يتزوجْ قَط، وكانَ يحبُّ الخَلوةَ والانجماعَ» (٤).
وقالَ الحُسينيُّ: «وكانَ يقولُ: أشتَهي أن أموتَ وأنا ساجدٌ، فدخلَ بيتَهُ يومًا وأغلقَ بابَهُ وفُقِدَ ثلاثةَ أيامٍ فَدخلوا عليهِ فوجدُوهُ ميتًا وهو سَاجدٌ، وذلك في ربيعِ الأوّلِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وله تخاريجٌ» (٥). انتهى.
ومنَ الكراماتِ أنه لم يُذكَرْ أنهُ تغيَّر ﵀.
قوله: (سَنَةَ ثلاثٍ وتسعينَ) (٦) نُقلَ عن شيخِنَا: «أنها السنةُ التي ابتدأَ الذّهبيُّ فيهَا طلبَ الحديثِ».
قوله: (المَنْبَجِي) (٧) هو شمسُ الدّينِ الدّمشقيُّ التّاجرُ وُلدَ سنةَ ستٍ، أو سبعٍ وثمانينَ وستمئةٍ، وأُحضِرَ على جَماعةٍ، وسمعَ فأكثَرَ، وأجازَ لهُ الفَخرُ بنُ البخاري في جَماعةٍ.
_________________
(١) المعجم المختص بالمحدّثين: ٤٢.
(٢) المعجم الكبير ١/ ١٠٤.
(٣) هو أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي الشافعي توفي سنة (٧٣٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٢٣٧.
(٤) نقله عنه ابن حجر في " الدرر الكامنة " ١/ ٣١٧.
(٥) نقله عنه ابن حجر في " الدرر الكامنة " ١/ ٣١٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠، وانظر ترجمته في: الدرر الكامنة ٤/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٣١٣ ]
قالَ البرزاليُّ، والذّهبيُّ (١) في " مُعجَميهِمَا ": «العدلُ المحدّثُ الفاضِلُ الصادقُ» (٢).
وعاشَ بعدَ الذَّهبي نحوًا مِن عشرينَ سنةً فماتَ بدمشقَ في ذي الحجّةِ سنَة سبعٍ وستينَ وسبعمِئةٍ، وماتَ الذهبيُّ في ذي القعدَةِ سنةَ ثمانٍ وأربعينَ.
قوله: (أبو مَحمُودٍ مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ المقدِسِيُّ) (٣) صَوابُهُ: أحمدُ بن مُحمّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ هلال (٤). قالَ شيخُنَا في المِئةِ الثامنةِ (٥): «وُلِدَ سَنةَ أربعَ عَشرةَ وسَبعمِئةٍ، وعَنيَ بالحديثِ، فَسمعَ من أصحابِ ابنِ عبدِ الدّائمِ، والنّجيبِ، وابنِ عَلاَّق فأكثرَ وبَرعَ وجَمعَ، وشَرعَ في شَرحِ " سُنَنِ أبي دَاودَ "، ومَاتَ بالقُدسِ سنةَ خمسٍ وستينَ وسبعمِئةٍ».
قولهُ: (إذ يَخشَى الهَرَمَ) (٦)، في / ٢٣٤ ب / نُسخةٍ «إن»، والظّاهرُ أنَّ المعنى قَريبٌ ويجبُ أنْ يُحذفَ معَ «إن» ألفُ «يَخشَى»، والمعنى: إن خافَ الهَرَمَ على نفسِهِ.
قالَ في " القَاموسِ " (٧): «الهَرَمُ مُحرّكةً أقصَى الكبرِ». انتهى.
والمرادُ: لازِمهُ مِن تَغيّرِ العقلِ، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (ابنُ خَلاّدٍ جَزَم) (٨) لم يجزمِ ابنُ خَلاّدٍ بِشيءٍ، إنّما قالَ: «أَعجَبُ
_________________
(١) المعجم الكبير ٢/ ٣٢٧.
(٢) انظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٢٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠.
(٤) كذا ذكر في "المعجم المختص": ٣٣، و"لحظ الألحاظ": ١٤٨، و"الدرر الكامنة" ١/ ٢٤٢.
(٥) الدرر الكامنة ١/ ٢٤٢.
(٦) التبصرة والتذكرة (٦٩١).
(٧) القاموس المحيط مادة (هرم).
(٨) التبصرة والتذكرة (٦٩١).
[ ٢ / ٣١٤ ]
إليَّ - أي: أَعجبُ الأمرينِ إليَّ - أن يُمسِكَ» (١).
فَأفعلُ التّفضيلِ يَقتضِي المُشَاركةَ بين التَّحديثِ والإمسَاكِ في الإعجَابِ، والإمسَاكُ أعجَبُهُما، أي: أحبهُما إليه؛ لأنَّ الإنسَانَ لا يعجبُ غَالبًا إلا مما يراهُ فَائقًا.
قوله: (لَمْ يُبَلْ) (٢) قالَ في " تَرتيبِ المُحكَمِ " (٣): «قالَ سِيبوَيه: وسألتُ الخليلَ ﵀ عَن قولِهِم: لَم أُبَلْ؟ فقالَ: هي مِن بَاليتُ، ولكنّهم لما أَسكنُوا اللاَّمَ حَذَفوا الألفَ لِئلاَّ يلتَقِي سَاكِنَانِ، وإنما فَعلوا ذلكَ بالجزمِ؛ لأنّه موضعُ حَذفٍ، فَلمّا حذَفوا الألفَ التي هي مِن نفسِ الحرفِ بعدَ اللاَّم صارتْ عندهُم بمنزلةِ نونِ «يَكنْ» حيثُ أُسكنت، فإسكانَ اللامِ هنا بمنزلةِ حَذفِ النونِ، وإنما فَعلوا هذا بهذينِ حيثُ كَثرَ في كَلامِهم حذفُ النونِ والحركاتِ وذلكَ نحو «مُذْ» و«لُدْ»، وإنما الأصلُ «لَدُنْ» و«مُنذُ» وهذا مِن الشَّواذِّ، وليسَ مما يقاسُ ويطّردُ، وزعمَ أنّ ناسًَا مِن العرَبِ يقولونَ: «أَبلَه»
لا يزيدونَ على حَذفِ الألفِ حيثُ كثرَ الحذفُ في كلامٍ، كما حذفُوا ألفَ «أحمَرَ» وألفَ «غَلِيظ» وواوَ «غَدٍ»، وكذلكَ فعلوا بقولهِ: بَاله كابن أباليه بمنزلةِ العاقبةِ ولم يحذفُوا «لا أُبَالي»؛ لأنَّ الحذفَ لا يَقوَى هنا، وَلاَ يَلزمُهم حذفٌ.
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٣٥٤ (٢٨٩). وقالَ ابن الصلاح عقب نقله كلام الرامهرمزي: «ووجه ما قاله أن من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب، وخيف عليه الاختلال والإخلال أو أن لا يفطن له إلا بعد أن يخلط كما اتفق لغير واحد من الثقات». انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٦.
(٢) التبصرة والتذكرة (٦٩٢).
(٣) قالَ حاجي خليفة بعد أن ذكر كتاب " المحكم " لابن سيده: «وقد هذبه صفي الدين محمود ابن محمد الأرموي العراقي المتوفى سنة (٧٢٣ هـ»). انظر: كشف الظنون ٢/ ١٦١٧.
[ ٢ / ٣١٥ ]
كَما أنَّهم إذا قَالُوا: «لَم يَكُنِ الرّجلُ» فكانَتْ في موضعٍ تُحرّكُ لَم يحذفْ وَجَعلوا الألفَ معَ الحركةِ، أَلا ترى أنّها لا تحذفُ في «أُبالي» في غيرِ موضِعِ الجزمِ، وإنما تُحذفُ في الموضعِ الذي تحذفُ مِنهُ الحركةُ». انتهى.
قوله: (وَفِئَه) (١) قالَ في " القَاموسِ " (٢): «الفِئَةُ: الطّائفةُ أصلُها فِيءٌ كَفِيعٍ جمعهُ فِيئُونَ وفِيآتٌ».
قولهُ في شرحِ ذلكَ الحدِّ (٣): (التّغيّرُ) (٤) وهوَ على حذفِ مُضافٍ، أي: خَوف التّغيّرِ بِدليلِ مَا بعدهُ. والخرفُ: هو فَسادُ / ٢٣٥ أ / العقلِ.
قالَ في " القاموسِ " (٥): «خَرَفَ كَنَصَرَ وفَرِحَ وكرُمَ، فهو خَرِفَ
ككرم (٦): فَسَدَ عَقْلُهُ، وأَخْرَفهُ: أفسدَهْ». كذا قالَ: «ككرمَ»، وقالَ الصَّغَاني في " المجمَعِ ": «والخَرَفُ بالتحريكِ: فسادُ العقلِ منَ الكِبرِ، وقد خَرِفَ الرجلُ - بالكسرِ - فهو خَرِفٌ، قالَ أبو النَّجمِ العجْليُّ:
أقبَلتُ مِن عند زيادٍ كالخَرِف تَخُطُّ رِجلايَ بِخَطٍّ مُختَلِفْ
[و] (٧) تَكتبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ (٨)
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٩٣).
(٢) القاموس المحيط مادة (فئ).
(٣) قالَ العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٢١: «قالَ القاضي عياض: الحد في ترك الشيخ التحديث التغير وخوف الخرف». وكلام القاضي في " الإلماع ": ٢٠٤.
(٤) في (ف): «الحديث أخبره التغير ».
(٥) القاموس المحيط مادة (خرف).
(٦) الذي في " القاموس المحيط ": «ككتف».
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الصحاح ".
(٨) الأبيات نقلها الجوهري في " الصحاح "مادة (خرف).
[ ٢ / ٣١٦ ]
وخُرَافةُ: اسمُ رجل من عُذْرَةَ استهوتْهُ الجنُّ، فكانَ يُحدِّثُ بما رَأى، فكذَّبوهُ وقالوا: «حديثُ خُرَافَة».
ورُويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قالَ: «وخُرافَةُ حَقّ» (١).
والرَّاءُ فيه مخففةٌ، ولا تدخلهُ الألفُ واللامُ؛ لأنَّه معرفةٌ، إلا أنْ تريدَ به الخُرَافَاتِ الموضُوعةِ من حديثِ الليلِ» (٢). انتهى.
قوله: (وكَذَا قالَ ابنُ الصَّلاحِ) (٣) عبارتهُ: «وَأمّا السِّنُّ الذِي إذا بلغَهُ المحدِّثُ يَنبغي (٤) لهُ الإمسَاكُ عن التَّحديثِ، فَهو السِّنُّ » (٥) الخ.
_________________
(١) هذا الحديث أخرجه: أحمد ٦/ ١٥٧، والترمذي في " الشمائل " (٢٥٢) بتحقيقي، وأبو يعلى (٤٤٤٢) من حديث مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن السيدة عائشة ﵂ قالت: حدث رسول الله - ﷺ - نساءه ذات ليلة حديثًا، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، كأنَ الحديث حديث خرافة؟ فقالَ: «أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كانَ رجلًا من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرًا طويلًا ثم ردوه إلى الإنس، فكانَ يحدث الناس بما رآى فيهم من الأعاجيب، فقالَ الناس: حديث خرافة» وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد، وقد اختلف عليه فيه؛ إذ روي عنه مرسلًا، والمرسل هو الصواب كما نص عليه الدارقطني في العلل. وبنحوه أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٦٠٦٨). وقالَ الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٤/ ٣١٥: «رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وروى الطبراني في " الأوسط " عن عائشة ورجال أحمد ثقات، وفي بعضهم كلام لا يقدح، وفي إسناد الطبراني علي بن أبي سارة وهو ضعيف».
(٢) انظر: الصحاح مادة (خرف).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١.
(٤) في " المعرفة ": «انبغى».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٦.
[ ٢ / ٣١٧ ]
قوله: (وَيَخَافُ [عَلَيهِ] (١) فيهِ أنْ يخلُطَ) (٢) قالَ ابنُ كثيرٍ: «إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ الشّيخِ الرّاوي، فَينبغي الاحتِرَازُ مِن اختلاطِهِ إذا طَعَنَ في السِّنِّ وأمَّا إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ غيرهِ وخطِّهِ وضَبطهِ، فَهاهُنا كُلّما كانَ السنُّ عَاليًا كانَ [النّاسُ] (٣) أرغَبَ في السّماعِ عليهِ كما اتفقَ لشيخنَا أبي العبّاسِ أحمدَ ابن أبي طَالبٍ الحَجَّارِ (٤)، فإنّه جاوزَ المِئةَ محققًا، سَمعَ على الزَّبيدي سنةَ ثلاثينَ وستمِئةٍ " صحيحَ البُّخارِيِّ " وأسمعَهُ سَنةَ ثلاثينَ وسبعمِئةٍ». قلتُ: وفيهَا ماتَ (٥) وكانَ شيخُنا كبيرًا عامّيًا، ولا يضبطُ شَيئًا ولا يتعقلُ كثيرًا مِن المعَاني الظّاهرةِ، ومعَ هذا تَداعى النّاسُ إلى السماعِ منهُ عند تفرّدِهِ عن الزبيدي، فسمع منهُ نحو مِئةِ ألفٍ أو يزيدونَ» (٦).
قولهُ: (وَتَحرّى) (٧)، أي: تعمّدَ وتطلّبَ ما هو أَحرَى، أي: أجدَر وأولىَ بالاشتغالِ.
والمعنى أنَّه اجتهدَ في الإمسَاكِ والتّحديثِ، فرأى التحديثَ أولى بهِ.
قوله: (احتِسَابًَا) (٨)، أي: مِن غيرِ أجرةٍ بَل طَلبًا للثَّوابِ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١، وهو من كلام ابن الصلاح.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " اختصار علوم الحديث ".
(٤) في (ف): «الحجاز» بالزاي المعجمة، والصواب ما أثبته. انظر: ترجمته في البداية والنهاية ١٨/ ٣٢٧، والدرر الكامنة ١/ ١٤٢، وشذرات الذهب ٦/ ٩٣.
(٥) هذا استدراك من البقاعي.
(٦) اختصار علوم الحديث: ٢١٧ بتحقيقي، وانظر: شذرات الذهب ٦/ ٩٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢، وهو من كلام ابن خلاد الرامهرمزي.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢، وهو من كلام ابن خلاد أيضًا ونص كلامه: «فإذا تناهى العمر بالمحدّث فأعجب إلي أن يمسك في الثمانين؛ فإنه حد الهرم. قالَ: والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى بأبناء الثمانين فإن كانَ عقله ثابتًا ورأيه مجتمعًا يعرف حديثه ويقوم به وتحرى أن يحدث احتسابًا». المحدّث الفاصل: ٣٥٤ (٢٨٩).
[ ٢ / ٣١٨ ]
وقيَّدهُ بذلك؛ لأنَّه إذا قبِلَ بجوازِ أخذِ الأُجرةِ وحدّثَ في هذا السنِ / ٢٣٥ ب / بالأُجرةِ خِيفَ عليهِ التَّساهلُ لأجلِهَا، مع تساهلِ الآخِذِ رغبةً في العُلُو.
و«حبُّكَ للشيء يُعْمِي ويُصِمُّ» (١).
قولهُ: (كَالحَضرَميِّ) (٢) هو محُمّدُ بنُ عبدِ اللهِ مُطَيَّن، (ومُوسَى) (٣) هو ابنُ هَارُونَ الحَمّالُ، (وعَبْدَان) (٤) هو ابنُ أحمدَ الجَوَالِيقي، ثلاثتُهم من شُيوخِ الطّبراني وابن عديٍّ.
قولُه: (وَلَم أَرَ بِفَهمِ أبي خَليفَةَ) (٥) هو الفَضلُ بنُ الحُبَابِ الجُمَحيُّ البَصْريُّ، مُحدّثُ البصرةِ من شُيوخِ ابنِ حِبَّانَ وابن خَلاَّد، كانَ من المعمّرينَ المكثرينَ الصادقينَ
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٥/ ١٩٤، وعبد بن حميد (٢٠٥)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٣ (١٨٥٣)، وأبو داود (٥١٣٠)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٤٣٥٩) وفي " مسند الشاميين "، له (١٤٥٤) و(١٤٦٨)، وابن عدي في "الكامل " ٢/ ٢١٢، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٢١٩)، والبيهقي في " الشعب " (٤١١) من حديث أبي بكر بن عبد بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - وإسناده ضعيف؛ لضعف أبي بكر بن أبي مريم. وروي موقوفًا على أبي الدرداء. أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٣ (١٨٥٣)، والبيهقي (٤١٢)، وهو أشبه بالصواب. قالَ البيهقي في " شعب الإيمان " عقب (٤١٢): «قالَ الحليمي ﵀: «فقد يفهم من هذا أن من أحب الله تعالى لم يعد المصائب التي يقضيها عليه إساءة منه إليه، ولم يستثقل وظائف عبادته، وتكاليفه المكتوبة عليه كما أن من أحب أحدًا من جنسه لم يكد يبصر منه إلاّ ما يستحسنه، ويزيده إعجابًا به ولا يصدّق من خبر المخبرين عنه إلا ما يتخذه سببًا للولوع به والغلو في محبته»».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٣١٩ ]
العارفينَ، عاشَ مِئةَ سنةٍ غير أشهُرٍ، وماتَ في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وثَلاثمئةٍ (١).
قالَ شيخُنا: «وإنّما أخّره لشيءٍ مَا قيلَ في ضَبطِهِ».
قولهُ: (جِلدهُ بِرَوْقِهِ) (٢) هُو مِن أبياتٍ قَالها عامرُ بنُ فُهيرةَ - ﵁ - (حينَ أصابتهُ الحُمَّى عندَ قُدومِهم المدينةَ في الهجرةِ، وأصابتْ معهُ أبا بكرٍ وبِلالًا ﵃ أجمعينَ، وكانَ كلٌ منهم يُنشدُ - إذا أخذتهُ الحُمّى - شَيئًا.
روتْ ذلكَ عنهم عائشةُ ﵂، وكانَ ذلكَ قبلَ أن ينزلَ الحجابُ قالت: فقلتُ لهُ: كيفَ تجدُكَ؟ فقالَ:
قد وجدتُ المَوتَ قبلَ ذوقِهِ إنَّ الجبانَ حَتفُهُ مِن فَوقِهِ
كُلُّ امرِئ مُجَاهِدٌ بِطَوقِهِ كَالثّورِ يَحمِي جِلْدَهُ بِرَوقِهِ (٣)
بِطَوْقهِ، أي: بطاقتِهِ، فيما قالَ ابنُ هِشَام (٤).
قالت ﵂: فقلتُ: واللهِ مَا يدري عامرُ ما يقولُ.
قوله: (والذِّكْرُ) (٥) قالَ في " القاموسِ " (٦): «الذِّكْرُ، بالكسر: الحفظُ للشّيءِ كالتَّذْكارِ، والشّيءُ يَجْري على اللسانِ، وما زالَ مِنِّي على ذُكْرِ، ويكسر أي: تَذَكُّرِ».
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٧ - ١١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣.
(٣) انظر: الإصابة ٣/ ١٢٤ (٤٤١٣)، والفتح ٧/ ٣٢٨ عقب (٣٩٢٦)، وأحد البيتين ذكره مالك في الموطأ (٢٦٠٤) رواية الليثي عن يحيى بن سعيد: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: وكانَ عامر بن فهيرة يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
(٤) السيرة النبوية ٢/ ٢٣٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣.
(٦) القاموس المحيط مادة (ذكر)، وانظر: اللسان مادة (ذكر)، ومتن اللغة مادة (ذكر).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
قوله: (وَتَغيير الفَهمِ) (١) هَكذا رأيتُهُ في غيرِ مَا نُسخَة، وصوابُهُ (التَّغيرُ) (٢)؛ لأنَّه يَتغيرُ مِنْ غَيرِ اختيارِهِ، لا أنّهُ هو يُغيِّرُ نفسَهُ، وَيجوزُ أنْ يَكونَ المرادُ: تَغييرُ اللهِ لعقلِهِ، وَالأوّلُ أحسنُ؛ لأنَّهُ المتبادرُ.
قوله: (مَخَافَةَ أنْ يَبدأَ بِهِ) (٣) هو بدلٌ منْ قولِهِ: «لأنَّ الغالِبَ».
ويجوزُ أنْ يكونَ مهموزًا فيكونَ معنَاهُ: يَبتديءُ، وَأنْ يَكون غَيرَ مهموزٍ فيكونَ بمعنى: يَظهرُ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٤): «وهذا - أي: الإمساك - عندمَا تظهرُ أَمَارةُ الاختلالِ، وَيخافُ منهَا، فأمّا منْ لمْ يظهرْ ذَلكَ فيهِ فَلا يَنبغي الامتناعُ؛ لأنَّهُ هذا الوقتُ أحوَجُ مَا يكونُ الناسُ إلى روايتِهِ. وَهكذا القولُ في الأعمَى، إذا خِيْفَ مِنْهُ التَّخْلِيطُ». انتهى.
وهو حسنٌ إذا كانَ لَهُ منْ / ٢٣٦ أ / يَثقُ بِهِ في مثلِ هذا، وأوصَاهُ أنَّهُ إذا رأى مِنْهُ أَمَارَةَ التّخليطِ منعَهُ، وإنْ لم يجدْ كانَ ما قالَ الجماعةُ هو المَظنَّةُ، فالحكمُ لَهُ كمَا دلَّ عليهِ كلامُ ابنِ خلاّدٍ، وما وجَّههُ بِهِ القاضي عياضٌ وابنُ الصلاحِ.
قالَ ابنُ الصّلاحِ: «ووجهُ مَا قالَ - يعني: ابنَ خلاّدٍ - أنَّ منْ بلغَ الثَّمانينَ ضَعُفَ حَالُهُ في الغالبِ، وَخِيفَ عَليهِ الاختلالُ والإخلالُ، وأنْ لا يُفطَنَ لهُ إلاّ بعدَ أنْ يخلِطَ، كمَا اتفقَ لغيرِ واحدٍ مِنَ الثّقاتِ منهم: عبدُ الرزاقِ، وسَعيدُ بنُ أبي عَروبةَ»، ثمَّ قالَ: «وقدْ حدَّثَ خلقٌ بعدَ مجاوَزةِ هذا السّنِّ فساعدَهُمُ التوفيقُ وصَحِبَتْهُمُ السّلامةُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣، وهو من كلام القاضي عياض.
(٢) وهو كذلك في " شرح التبصرة والتذكرة ".
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣، وهو من كلام القاضي عياض.
(٤) الاقتراح: ٢٤٦.
[ ٢ / ٣٢١ ]
إلى أنْ قالَ: «وعليُّ بنُ الجعدِّ وَجمعٌ جمٌّ مِنَ المتقدّمينَ وَالمتأخرينَ» (١).
قوله: (إنْ جَازتْ عَليهِ أشياءُ) (٢)، أي: منَ الخطأِ فيختَلط حديثُهُ وربما لا يَدري السَّابقُ واللاحق فيسقطَ الكُلُّ.
قوله: (إنْ يخف) في قوله: (وَيَنبغِي إمسَاكُ الأعمَى) (٣)، أي: فإن لمْ يخف، بأنْ كانَ لهُ ثقةٌ مخبورٌ يُمسكُ أصلَهُ كانَ كمَا لو أمسكَ هُوَ.
قوله: (منْ سِيْلَ) (٤) هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمفعولِ من السؤالِ، فهو في الأصلِ مضمومٌ، والأوّلُ مَكسورُ الهمزةِ، فحُذفت الهمزةُ تَخفيفًا، ثُمَّ فعلَ فيهِ ما فعلَ بالمبني للمفعولِ من «قالَ» و«باعَ» بأنْ كَسَرَ ما قبلَ العينِ المُعتلّةِ لِيَخِفَّ النُّطقُ بها.
قوله: (دَلَّ) (٥)، أي: دلَّ ذلك السَائلُ له في التَّحديثِ على ذلكَ الذي علِمَ رجحانَهُ عليهِ في ذلكَ الجزءِ، بسببِ أنَّ ذلك حقٌّ عليهِ، ولو عَلِمَ أنَّ الطالبَ يعلمُ أنَّ ذلك الجزءَ أو الكتابَ عندَ المدلولِ عليهِ، فإنَّهُ لا بأسَ بأنْ يذكرَهُ لَهُ على سبيلِ التّنبيهِ، فإن تَركَهُ بعدَ تنبيهِهِ حدّثَهُ، فإنَّ في ذلكَ أمرينِ مندوبَينِ:
أحدهما: النَّصحيةُ للطالبِ.
والثاني: التّألف للمدلول عليه.
ومعنى: (ينبغي) (٦)، أي: يُستحبُّ استحبَابًا مُؤَكَّدًا.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣، وهو من كلام القاضي عياض.
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٩٤).
(٤) التبصرة والتذكرة (٦٩٤).
(٥) التبصرة والتذكرة (٦٩٥).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قولُهُ: (بِحَضرَةِ الأحَقِّ) (١)، أي: في مَجلسِهِ.
قولُهُ:
٦٩٦ - وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
حصلَ للجُزءِ الثاني منهُ خَبلٌ، وهو اجتمَاعُ الخَبنِ والطَّي، وذلكَ حذفُ ساكِني مُستَفعِلُن الثّاني والرّابع فَتَوالتْ فيه أَربعُ حركاتٍ، ثُمَّ حصلَ للجزءِ الثالثِ وهو مع الضربِ الثاني منَ الرّجزِ القطعُ معَ الخبنِ. والقَطعُ حَذفُ ساكنِ الوَتدِ، وتَسكينُ المُتَحرّكِ / ٢٣٦ ب / قبلَهُ، والخبنُ حَذفُ الساكنِ الثاني
ويبتدئ.
لا خيرَ فيمَنْ كَفَّ عنَّا شَرَّهُ إنْ كَانَ لا يُرجَى لِيومٍ خَيرهُ
فلذلكَ صارَ البيتُ ثقيلًا.
قولُهُ في شرحِهِ: (مِنَ النَّصيحةِ في العلمِ) (٢) وينبغي لهُ أنْ يَدلَّهُ عَلَى منْ هو أولى منهُ بذلكَ الجزءِ في بلدٍ أُخْرَى، لكنْ ينبَغي لهُ حينئذٍ أنْ يَقرُنَ تلكَ الدلالةَ بالإجازةِ مِنهُ لاحتمَالِ اخترام المنية للدّالِّ والمدَلولِ عليهِ قَبلَ أخذِ الطّالبِ لَهُ عنِ المدلولِ عليهِ، لا سِيَّمَا إذا بَعُدَتِ المسَافةُ بينهما.
قولُهُ: (أوْلى مِنْهُ لِسِنِّهِ) (٣)، أي: إذا استوَيا في حملهِ منْ جهةِ قِدَمِ السّماعِ، وَمِنْ جهةِ كونِ الإسنَادِ سَمَاعًَا أو إجَازةً، وغير ذلكَ منْ فهمِ العلمِ، وضبطِهِ، والورعِ وغيرِهِ، وزادَ أحدُهُما بالسّنِّ الصحيحِ، وأمَّا التّرجيحُ بمُطلقِ السِّنِّ فلا ينبغي الاعتدادُ بهِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٩٥).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وإلى هذا يرشدُ قولُ ابنِ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (١): «وينبغي أن يكون عندَ الاستواءِ فيما عَدا الصفةِ المرجحةِ، أمَّا معَ التفاوتِ بأنْ يكونَ الأعلى إسنادًا عَاميًا لا معرفةَ لَهُ بالصنعةِ، والأنزلُ (٢) إسنادًا عارفًا ضابطًا، فهذا يتوقفُ فيه بالنسبةِ إلى الإرشادِ المذكورِ؛ لأنَّه قد يكونُ في الروايةِ عن هذا الشَّخصِ العامِّي ما يُوجبُ خَللًا».
قولُهُ في شَرح قَولهِ: (وَلا تقُم) (٣): (يُكتَبُ عَليهِ خَطِيئةٌ) (٤)، أي: لأنَّ عليهِ المبالغة في تعظيمِ حديثِ النَّبيِّ - ﷺ -، فإذا قَامَ لأحدٍ تعظيمًا لهُ فقدْ غيَّرَ في وجهِ تعظيمِ الحديثِ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يَقتضي قطعهُ والاشتغالُ بغيرِهِ، ولكن هذا القولُ مِنَ الإمامِ أبي زيدٍ (٥) - ﵀ - إنّمَا هو عَلى سبيلِ المبالغةِ في التّغليظِ، والحثِّ عَلى تبجيلِ الحديثِ، فإنَّهُ مما يمكنُ دخولُهُ تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي﴾ (٦) الآية.
وكذا ينبغي للسامعينَ تركُ ذلكَ، وكذا جميع ما يشغلُهُم عن بعض السماعِ، ويتأكدُ ذلكَ في حقِّ الشّيخِ المسمعِ.
_________________
(١) الاقتراح: ٢٤٧.
(٢) في (ف): «الأنزال»، والمثبت من " الاقتراح ".
(٣) التبصرة والتذكرة (٦٩٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤، وهو من كلام أبي زيد المروزي: «القارئ لحديث رسول الله - ﷺ - إذا قام لأحد فإنّه تكتب عليه خطيئة».
(٥) هو الإمام محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي، راوي " صحيح البخاري " عن الفربري، توفي سنة (٣٧١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣١٣ - ٣١٥.
(٦) الحجرات: ٢.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
قولُهُ: (مِنْ إدْرَاكِ بَعْضِهِ) (١) الاستدلالُ على هذا بالحديثِ (٢) منْ مفهومِ الموافقةِ بطريقِ الأولى، فإنّ منَ المعلومِ الذي لا يُشكُّ فيهِ أنَّ الصحابةَ - ﵃ - لم يكونوا يسردونَ الحديثَ سَردًا يمنعُ من إدراكِ بعضِهِ، وقد قالتْ عائشةُ - ﵂ - فيهمْ ذلكَ، فما الظنُّ بِسردٍ يمنعُ من إدراكِ البعضِ.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: «ولقد تسامحَ / ٢٣٧ أ / الناسُ في هذه الأعصَارِ، فيستعجلُ القُرَّاءُ استعجالًا يمنعُ من إدراكِ حروفٍ كثيرةٍ، بل كلماتٍ، وهذا عندنا شديدٌ، لأنَّ عمدةَ الروايةِ الصدقُ، ومُطابقةُ ما يُخبرُ بهِ للواقعِ، وإذا قالَ السامعُ على هذا الوجهِ: قُرِىءَ على فُلانٍ وأنا أسمعُ، أو أخبرنا فلانٌ قراءةً عليه وأنا أسمعُ، فهذا إخبارٌ غيرُ مطابقٍ، فيكونُ كذبًا، وما قيلَ في هذا من أنَّه يدخلُ في الإجازةِ [المقرونةِ بالسّماعِ، ويكونُ ذلك روايةً لبعضِ الألفاظِ بالإجازةِ] (٣) من غير بيانٍ، فهو تسامحٌ لا أرضَاهُ، لما أَشَرنا إليهِ من بُعدِ لَفظِ الإجازةِ من معنى الإخبارِ، بل هَاهُنا أمرٌ زائدٌ، وهو دلالةُ اللفظِ على أنَّه سمعَ جميعَ ما يرويهِ من الشيخِ، ولم يكنِ المتقدّمونَ على هذا التساهلِ.
هذا أبو عبدِ الرحمانِ النّسَائيُّ يقولُ فيما لا يُحصَى من المواضعِ في كتابهِ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٥، وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٤٥.
(٢) إشارة إلى حديث السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: «إن النبي - ﷺ - لم يكن يسرد الحديث كسردكم، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس». وهذا الحديث أخرجه: الحميدي (٢٤٧)، وأحمد ٦/ ١١٨ و١٣٧ و١٥٧ و٢٥٧، ومسلم ٧/ ١٦٧ (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٤) و(٣٦٥٥) و(٤٨٣٩)، والترمذي (٣٦٣٩) وفي " الشمائل "، له (٢٢٣)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤١٣)، وأبو يعلى (٤٣٩٣) و(٤٦٧٧)، وابن حبان (٧١٥٣).
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وذَكرَ كلمةً معناها كذا وكذا (١)، والذي أراهُ في مثلِ هذا أن يُستَقرَأَ الشّيخُ بروايةِ جميعِ الجزءِ، فإذا وقعَ مثلُ هذا في السّماعِ، أطلقَ الراوي عنهُ الإخبارَ قائلًا: أخبرنا فلانٌ، من غيرِ أن يقولَ قراءةً [عليهِ] (٢)؛ لأنَّا قد قُلنا: إنَّ الإخبارَ الجمليَّ في هذا كافٍ لمطابقةِ الواقعِ، وكونه على قانونِ الصّدقِ، [و] (٣) غايةُ ما في البابِ أن تكونَ بعضُ تلكَ الألفاظِ التي لم يسمعها داخلةً في هذا الإخبارِ الجُمليِّ، وذلكَ صدق. وإنما كَرهنَا ذلكَ فيما إذا لم يسمعِ الجزءَ أصلًا لمخالفتِهِ العادةَ، أو لكونهِ قد يُوقعُ تهمةً إذا علمَ أنّهُ لم يسمعِ الجزءَ من الشّيخِ، وهذا معدومٌ في هذه الصورةِ، لا سيما إذا أثبتَ السماعَ بغيرِ خطّهِ، فانتفتِ الريبةُ من كلِّ وجهٍ» (٤). انتهى.
قولُهُ: (ودُعَاءٌ يَليقُ بِالحَالِ) (٥) قالَ الإمامُ شهابُ الدينِ أحمدُ بنُ سعدِ الأنْدَرَشِيُّ في تلخيصِ عُلومِ الحديثِ في أوّلِ كتابهِ " العُمْدَةِ " (٦) الذي اختصَرَ فيهِ
" تَهذيبَ الكَمالِ " و" الأَطرافَ ": «وزادَ بعضُهُم قراءةَ القُرآنِ، يعني: في الافتتاحِ كما سيأتي ذكرهُ في مجلسِ الإملاءِ ليكونَ مُطلق التّحديثِ
كالإملاءِ».
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: المجتبى ١/ ١٧٨ و١٨٩ و٢١٤ و٢/ ٨٢ و٣/ ٢٢٩ و٢٣٢.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
(٤) الاقتراح: ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٥.
(٦) قال حاجي خليفة ٢/ ١١٧٠: «العمدة في مختصر تهذيب الكمال والأطراف لشهاب الدين أحمد بن سعد الأندرشي الصوفي المتوفى سنة (٧٥٠ هـ»)، وكلا الأصلين للإمام المزي ﵀.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
قولُهُ في قولِهِ: (وَاعقِد للإملاءِ): (مِنْ أرفعِ الإسماعِ) (١) بَلْ هو أعلى أنواعِ السَّماعِ عندَ الأكثرينَ، وإنْ كانَ بعضُهُم رجّحَ القراءةَ عَلى الشّيخِ عَلى السّماعِ منه كمَا مَضَى.
وعبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «فإنّهُ - أي: الإملاءَ - منْ أعْلى مراتبِ الرّاوينَ، والسّماع فيه منْ أحسنِ / ٢٣٧ ب / وجوهِ التحمُّلِ وأقواهَا» (٢). انتهى.
قالَ الأنْدَرَشِيُّ: «لاقتضاءِ ذلكَ التّدبرِ منَ الشّيخِ، وَالتحققِ منَ الكاتبِ». انتهى.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في استحبابِ الإملاءِ: «تأسِّيًا بالسّلفِ الماضينَ؛ ولأنّهُ لا يقومُ بذلكَ إلاّ أهلُ المعرفةِ؛ ولأنَّ السّماعَ يكونُ محققًا مبيَّنَ الألفاظِ، معَ العادةِ في قراءتِهِ للمُقابلةِ بعدَ الإملاءِ» (٣).
وقدْ قالَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلفيُّ شِعرًا فيهِ:
فأَجلُّ أنَواعِ الحديثِ بأسرِهَا مَا يَكتُبُ الإنسانُ في الإِملاءِ (٤)
قوله: (مُبَلِّغًا) (٥)، أي: مَنْ لمْ يَسمعْ أصلًا.
(أوْ مُفْهِمًَا) (٦)، أي: منْ سَمعَ شيئًا، وَخَفِيَ عَليهِ بعضُ الكلماتِ، أوِ الحروفِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٦٩٩): وَاعْقِدْ لِلاِمْلاَ مَجْلِسًا فَذَاكَ مِنْ أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالاَخْذِ ثُمَّ إِنْ
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٩.
(٣) الاقتراح: ٢٥٠.
(٤) أخرجه: السمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": ١٨، لكن بدل لفظة الحديث: «السماع». وذكره ابن دقيق العيد في " الاقتراح ": ٢٥١.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٠١).
(٦) المصدر نفسه.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (ابن فَقَدْتُكَ) (١) هو تَضَجّرٌ وَقعَ منَ المُملي في حقِّ المستَملي؛ لقلّةِ فهمِهِ، مِع جراءتِهِ واتّساعِ صدرِهِ، معَ الجهلِ حيثُ ظنَّ «عِدَّةً» اسمَ رجلٍ فدعَا عليهِ بأنْ يفقدَهُ فلا يراهُ ولا يسمَعُ بِهِ، فهوَ خبرٌ مرادٌ بِهِ الدعاءُ.
قوله: (أنْ لا يُخَالِفَ لَفْظُهُ) (٢) يعني: إذا قُلنا بجوازِ الروايةِ بالمعنى، استحبَّ ذلكَ، وإلاّ فالوجوبُ.
قوله: (وَفَائِدتُهُ) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وَالفائدةُ في استملاءِ المستمِلي تَوصُّلُ مَنْ يسمع لَفظَ المملي عَلى بُعْدٍ منهُ إلى تفهّمِهِ وتحققِهِ بإبلاغِ المستملي وأمَا مَن لم يسمعْ [إلاّ لفظَ المستملي] (٤) فليسَ يستفيدُ بذلكَ جوازَ روايتِهِ لذلكَ عنِ المملي مُطلقًا منْ غيرِ بَيانٍ للحالِ فيهِ، وفي هذا كلامٌ قدْ تقدّمَ في النوعِ الرابعِ والعشرينَ» (٥)، يعني: وهو في معرفةِ كيفيةِ سماعِ الحديثِ.
قالَ الشّيخُ في " النكتِ " (٦): «والذي قدّمهُ هنَاكَ أنّهُ حَكى قولينِ: الجواز والمنع، وقالَ: إنّ الأولَ بعيدٌ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧، والكلام من قصة يزيد بن هارون عندما سأله المستملي بعد قوله: حدثنا به عدّة، فسأله المستملي: يا أبا خالد عدّة ابن من؟ فقال له: عدّة ابن فقدتك. والأثر أخرجه: الخطيب في " الجامع ": ٢٧٤ (١٢١٠)، والسمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": ١٠٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧، حكاه العراقي عن الخطيب حيث قال: «يستحب له أن لا يخالف لفظه». وانظر: الجامع: ٢٧٤ قبيل (١٢١٢).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٠.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فاقتضى كلامُهُ هناكَ رجحانَ الامتناعِ، والصوابُ كمَا قدّمتُهُ هنُاكَ أنَّهُ إنْ كَانَ المملي يسمعُ لفظَ المستمِلي فحُكمُ المستملي حُكمُ القارئ عَلى الشّيخِ، فيجوزُ لسامعِ المستملي، أنْ يَرويَهُ عنِ المملِي لكنْ لا يَجوزُ أنْ يقولَ: سمعتُ، ولا أخبرني فلانٌ إملاءً، إنّما يجوزُ ذلكَ لمنْ سمعَ لفظَ المملي، ويجوزُ أنْ يقولَ: أخبرنا فلانٌ، ويطلقُ ذلكَ على الصحيحِ.
وهلْ يجوزُ أنْ يقيدَ ذلكَ بقولِهِ: قراءةً عليهِ؟ يحتملُ أنْ يقالَ بالجوازِ؛ لأنَّ المستملي كالقارىء عَلَى الشّيخِ وَيحتملُ أنْ لا يجوزَ ذَلكَ؛ لأنَّ موضوعَ المستملي تتبُّعُ ألفاظِ الشّيخِ، وَليسَ قصدهُ القراءةَ عَلى الشّيخِ، والأوَّلُ أظهرُ كما تقدّمَ هُنَاكَ، واللهُ أعلمُ».
ومُرادُهُ بموضوعِ المستملي المرادُ منهُ والمقصودُ بِهِ.
قولُهُ: (وَاستَحسَنُوا البَدْءَ / ٢٣٨ أ / بقارىءٍ تَلا) (١)، قالَ شيخُنَا - ﵀ -: «كانَ شيخُنَا العراقيُّ يقرأُ بسورةِ «سَبَّحَ»، وفيهَا منَ المناسبةِ:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (٢»).
قلتُ: وكذا: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (٣)، وكذا: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٤)،
و: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٥) وغيرِ ذلكَ.
قولُهُ: (فَالصَّلاةُ والسَّلامُ) (٦) وإنّما اقتصرَ عَليها؛ لاشتهارِهَا في المجموعِ نحو «لا إلهَ إلاَّ اللهُ» في كلمةِ الإسلامِ، وهي الشَّهادتانِ.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٠٢).
(٢) الأعلى: ٦.
(٣) الأعلى: ٨.
(٤) الأعلى: ٣.
(٥) الأعلى: ٩.
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٠٣) ولفظة: «والسلام» غير موجودة في المتن ولا في الشرح.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (وَدعَا لَهُ) (١)، أي: الشَّيخُ المملي.
قولُهُ: (وَيدَعُو)، أي: الممِلي (لَهُمْ) (٢)، أي: مشَايخهُ الذين رَوَى عنهمْ حالَ الإملاءِ، وَكذلكَ يُثني عَليهِ، وَهو مرادُ الشّيخِ بقولِهِ بعدَ ذلكَ (٣)
: «يَذكُرُ أنسَابَهُمْ وَبعْضَ مناقِبِهمْ».
قالَ ابنُ الصّلاحِ: «وَيَحسُنُ بالمحدّثِ الثناءُ عَلَى شيخِهِ في حَالةِ الروايةِ عنْهُ بما هُو أهلٌ لَهُ، فقدْ فَعلَ ذلكَ غيرُ واحدٍ منَ السّلفِ والعلماءِ، كَما رُوي عنْ عطاء ابنِ أبي رباحٍ: أنَّهُ كانَ إذا حدّثَ عنِ ابنِ عباسٍ -﵄ - قالَ: حدّثني البحرُ» (٤).
ثمَّ قالَ: «وأهمُّ مِنْ ذلكَ الدّعاءُ لَهُ عندَ ذكرِهِ، فَلا يغفلنَّ عنْهُ» (٥). انتهى.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «ولا يَتجاوزُ - أي: في الثناءِ - إلى أنْ يَأتيَ في ذلكَ بما لا يستحقُهُ الشّيخُ، فإنّ معرفةَ مراتبِ الرواةِ منَ المهماتِ، فمتى وصفَ غيرَ الحافظِ بالحفظِ فقدْ نزَّلَهُ منزلةً يترتبُ عليها حُكمٌ» (٦). انتهى.
قوله: (وَلا حَرْفَ) (٧) معطوفٌ عَلى «مَا» تقديرُهُ: لا أحدثُكَ شيئًا، و«لا حرفَ أذكرُهُ لَكَ» فهي «لا» النافيةُ للجنسِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩.
(٣) قال هذا قبل كلامه الأول وليس بعده. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩.
(٤) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٢٥٦).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥١.
(٦) الاقتراح: ٢٥٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨، وهو كلام الربيع كما نقله الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٣٢٧).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قوله: (وَكَالشَّعبيِّ) (١) أعادَ الكافَ؛ لانتقالِهِ منَ الأبناءِ إلى الأنسابِ.
قوله: (ثمَّ ذَكرَ منِ اشتَهَرَ) (٢) معطوفٌ عَلى ما ذكرَ في قولِهِ: «قد اكْتُفِيَ في كثيرٍ منَ الرواةِ (٣) بذكر » (٤).
٧٠٥ - وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
٧٠٦ - لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ
قولُهُ في قولِهِ: (وَذِكرُ مَعْروفٍ) (٥): (فَجَائزٌ) (٦) لا موقعَ لفائِهِ إلاّ أنْ يُحملَ على أنَّهُ جوابٌ لأمّا محذوفة، فلو قالَ: مُجَوَّزٌ، كانَ أحسن.
قوله: (مَا لمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ) (٧) فُهِمَ أنَّه إذا كانَ يَكرَهُهُ لا يجوزُ ذكرُهُ مطلقًا، بل ربما كانَ منطوقًا؛ فإنَّ تقديرَ الكلامِ: يجوزُ ذلكَ ما لمْ يكنْ يكرهُهُ، فإنْ كانَ يكرهُهُ «كَابنِ عُلَيّةَ، فَصُنْ» لسانَكَ عنِ النطقِ بِهِ فإنّهُ لا يجوزُ، ولا محيصَ عنْ هذا التقديرِ فإنّ ابنَ عُلَيّةَ لا يصلحُ مثالًا لقولِهِ: «مَا لم يكنْ يكرهُهُ» فإنَّهُ كان يكرهُ نسبتهُ لذلكَ (٨)، وهذا هو الذي قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٩)، كما أشَارَ إليهِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩، وانظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٢٧٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩ وقد عني بذلك الخطيب. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٢٧٩.
(٣) في (ف): «الروايات»، والمثبت من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٠٥).
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٠٦).
(٧) التبصرة والتذكرة (٧٠٦).
(٨) انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٢٨٣ (١٢٤٨)، ونقل الذهبي عنه أنه قال: «من قال ابن علية فقد اغتابني». سير أعلام النبلاء ٩/ ١٠٨.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٢.
[ ٢ / ٣٣١ ]
المصنِّفُ بقولِهِ بعدَ: «وَاستثنى ابنُ الصّلاحِ منَ الجوازِ / ٢٣٨ ب / مَا يكرَهُهُ الملقّبُ» (١).
وأمَّا الخطيبُ فإنّه لم يستثنِ منْ ذلكَ، بلْ كلامُهُ يدلُّ على جوازِهِ مُطلقًا (٢)، إلاّ إنّ ذلكَ لا يمنعُ الكراهةَ، وخِلافُ الأولى في بعضِهِ، وعليهِ ينزلُ استثناءُ ابنِ الصَّلاحِ، وممنْ نُقِلَ عنهُ كراهةُ مَا يشهرُ بهِ الإمامُ الجليلُ سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، قالَ الإمامُ النوويُّ في " شَرحِ مُقدمةِ صحيحِ مسلمِ " (٣) في الكلامِ على الطواعين
: «وأمّا المسيّبُ والدُ سعيدٍ، فصحابيٌّ مشهورٌ وهو بفتحِ الياءِ، هذا هو المشهورُ.
وَحَكى صاحبُ " مطالعِ الأنوارِ " عنْ عليِّ بنِ المدينيِّ أنَّه قالَ: أهلُ العراقِ يفتحونَ الياءَ، وأهلُ المدينةِ يكسرونهَا. قالَ: وَحُكِيَ أنَّ سعيدًا كانَ يكرهُ الفتحَ» (٤). انتهى.
وقالَ ابنُ خَلِّكانَ في تَرجمةِ سعيدٍ منْ " وفياتِهِ " (٥): «وروِيَ عنهُ أنّه كانَ يقولُ بكسرِ الياءِ، وَيقولُ: سَيَّبَ اللهُ منْ سيّبَ أبي».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢.
(٢) قال الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٨٢: «إذا كان الراوي معروفًا باسم أمه وهو الغالب عليه، جاز نسبته إليه» ثم ذكر أمثلة على رواة ينسبون إلى أمهاتهم وذكر منهم إسماعيل ابن علية. ولكنه عقب ذلك بنهي الإمام أحمد يحيى بن معين عن تسمية إسماعيل بن إبراهيم بابن علية.
(٣) شرح صحيح مسلم ١/ ١٠٧.
(٤) جاء في القاموس وشرحه تاج العروس ٣/ ٩٠: «المسيب كمحدث: والد الإمام التابعي سعيد، ويفتح. قال بعض المحدّثين: أهل العراق يفتحون، وأهل المدينة يكسرون، ويحكون عنه أنه يقول: سيب الله من سيب أبي. والكسر حكاه عياض وابن المديني».
(٥) وفيات الأعيان ١/ ٣٧٠.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قوله: (مَعرُوفٌ بِاسْمِ أمِّهِ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «أوْ نسبةٍ إلى أمٍّ عُرِفَ بها، كَيَعْلى بنِ مُنْيَة الصحابيِّ، وهو ابنُ منيةَ، ومنيةُ أمّهُ، وقيلَ: جدتهُ أمّ أبيهِ» (٢).
قالَ الشَّيخُ في " النكتِ " (٣): «رَجّحَ المصنِّفُ هنا أنَّ مُنْيَةَ أمُّ يعلى، واقتصرَ في النوعِ السابعِ والخمسينَ - يعني: وهو في المنسوبينَ إلى غيرِ آبائِهِم (٤) - عَلى كونها جَدتَهُ (٥)، وحَكَاهُ عنِ الزبيرِ بنِ بَكّارٍ، وأنّها جدتُهُ أمُّ أبيهِ، ومَا قَالهُ الزبيرُ هو الذي جَزمَ بهِ أبو نصرِ بنُ ماكولا (٦)، ولكن قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣١، والكلام للخطيب كما في "الجامع لأخلاق الراوي": ٢٨٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥١.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٤٩.
(٤) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٥.
(٦) الذي في " الإكمال " ٦/ ٤٦ يدل على أن ابن ماكولا يذهب إلى أن منية أم يعلى بن أمية؛ إذ قال هناك: «يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن زيد مناة بن تميم، وأمه منية بنت جابر بن أهيب ». ولكن في موضع آخر من " الإكمال " ٧/ ٢٢٨ في ترجمة منية بنت الحارث بن جابر بن وهب. قال ابن ماكولا: «وهي جدة يعلى بن أمية التميمي حليف بني نوفل، أم أبيه الأدنى، وبها يعرف، يقال له: يعلى بن منية. قاله الزبير» وقال بعد ذلك: «وقال الطبري: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة، وأمه منية بنت جابر، عمه عتبة بن غزوان بن جابر ». فتبين أن ابن ماكولا في الموضع الأخير كان ينقل كلام أهل العلم، ولم يبدِ رأيه في المسألة. ولكنه في الموضع الأول جاء بكلام مطلق دون أن ينسبهُ لأحد، فكأنه قد عبر عن رأيه في الموضع الأول، أي أنه يقول: إن منية هي أم يعلى. فإذا كان الأمر على هذا النحو فإن نقل العراقي عن ابن ماكولا أنه يقول: إن منية جدة يعلى؛ فيه نظر. ولعل العراقي قد اطلع على الموضع الأخير، والذي فيه تقديم لقول الزبير فظن أن ابن ماكولا قد ارتضى كلام الزبير؛ لكونه قد قدمه في النقل، ولم يطلع على الموضع الأول الذي فيه كلام ابن ماكولا ورأيه.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
لم يُصب الزبيرُ (١). انتهى.
والذي ذكرَهُ الطبريُّ ورَجَّحهُ أبو الحجاجِ المزيُّ أنّها أمُّ يعلى لا جدتهُ (٢) فما رجّحَ المصنِّفُ هنا هو الراجِحُ، والله أعلمُ».
قولُهُ: (وَكذلِكَ يَجُوزُ وَصْفُهُ بالعَرَجِ) (٣) التشبيهُ في الجوازِ فقط، لا في عدمِ اختلافِ العلماءِ.
قولُهُ: (ولم يُردْ عَيْبه فَلا بأسَ) (٤) هذا يقتضي الجوازَ بلا كراهةٍ، سواءٌ ذَكرَهُ بشيءٍ منْ هذه الصفاتِ ونحوها، أو بلقبٍ؛ لأنَّ مناطَ الحُكمِ الإيذاءُ تحققًا أو ظنًا، وسواءٌ عُرفَ منْهُ كراهةُ ذلكَ أو لا، وسواءٌ كانَ يمكنُهُ تعريفَهُ بغيرِ ذلكَ أوْ لا، هذا مقتضى كلامِ ابنِ المباركِ.
وقدْ يفرقُ بينَ الصفاتِ - كالأعمشِ - والألقابِ، فيباحُ في الصفةِ لأنَّها فيه، بخلافِ اللقبِ.
وقدْ يُفرقُ بينَ منْ عُرِفَ عنهُ الكراهةُ فيمنعُ، بخلافِ غيرِهِ.
وهذا الذي قالَهُ ابنُ الصّلاحِ هو نصُّ أحمدَ كما سيأتي، إلاّ أنْ يُحملَ علَى الأدبِ كما قالَ الشّيخُ (٥)، وقدْ يُفرقُ بينَ مَا تعينَ طريقًا للتعريفِ وغيرِهِ.
وقولُ الشّافعيِّ: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ / ٢٣٩أ / الذي يقالُ لَهُ: ابنُ عليةَ (٦)، لا ينفي ذكرهُ بِمَا يكرهُ، لكنّهُ قَصدَ بقلبِهِ تعريفَهُ ولمْ يُرِدْ عيبَهُ، وأقامَ على مُرادِهِ قرينةً
_________________
(١) الاستيعاب: ٧٦٥ (٢٧٧٨).
(٢) تهذيب الكمال ٨/ ١٨١ (٧٧٠٥).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣١، وهو كلام ابن المبارك.
(٥) قال العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٣٢: «والظاهر أن ما قاله أحمد هو على طريق الأدب، لا اللزوم».
(٦) قال الشافعي في "مسنده" (٨٤٧) بتحقيقي: «أخبرنا إسماعيل الذي يعرف بابن علية». وقال أيضًا في حديث (١١٣٦): «أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية».
[ ٢ / ٣٣٤ ]
لفظيةً، فجمعَ في إرادتِهِ مجردَ التعريفِ بينَ القلبِ واللفظِ، وعُرِفَ أنَّ المذكورَ يكرهُ ذلكَ، وأنَّهُ يكرهُ مَا يكرهُهُ، ولكنّهُ اضطرَ إلى ذكرِهِ خوفًا منْ ضياعِ المرويِّ.
وابنُ عليةَ هذا هو: إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سهمِ بنِ مِقْسَمٍ مولى عبدِ الرحمانِ بنِ قُطْبةَ الأسديِّ أسد خزيمةَ، منْ أهلِ الكوفةِ (١).
قالَ ابنُ سعدٍ: «وكانَ مِقْسَمٌ منْ سبي القِيقانِيَّةِ ما بينَ خراسانَ وزَابُلِستانَ، وكانَ إبراهيمُ بنُ مِقْسَمٍ تاجرًا منْ أهلِ الكوفةِ، وكانَ يَقْدُمُ البصرةَ بتجارتِهِ فيبيعُ ويرجعُ، فتخلّفَ فتزوّجَ عُليّةَ بنتَ حسّان مولاةً لبني شيبانَ»، قالَ: «وكانتِ امرأةً نبيلةً عاقلةً بَرْزَةً، لها دارٌ بالعَوَقَةِ بالبصرةِ تُعرفُ بها، وكانَ صالحُ المُرَّيُّ وغيرُهُ منْ وجوِهِ أهلِ البصرةِ وفقهائِهِا يدخلونَ عليها فَتَبْرُزُ لهم، وتحدّثُهمْ وتسائلهُم، فولدتْ لإبراهيمَ: إسماعيلَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ فنُسبَ إليها».
قالَ: «وكانَ إسماعيلُ يُكنى أبا بشرٍ، وكانَ ثقةً ثبتًا في الحديثِ حجةً».
قالَ: «وتوفي ببغدادَ يومَ الثلاثاءِ لثلاث عشرةَ خلتْ منْ ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ ومئةٍ، ودُفِنَ [منَ] (٢) الغدِّ يومَ الأربعاءِ» (٣).
نقلتُ ذلكَ منْ خطِّ بعضِ أصحابِنَا وقالَ: «ليسَ عندَ ابنِ سعدٍ في نسبِهِ «سَهمٌ» (٤)، وإنما زِيدَ منْ " شرحِ مسلمٍ للنووي " (٥).
_________________
(١) انظر: الثقات ٦/ ٤٤ - ٤٥، وتاريخ بغداد ٦/ ٢٠ (٣٠٥٤)، وتهذيب الكمال ١/ ٢١٦ (٤١٠).
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الطبقات الكبرى ".
(٣) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (٣٤٦٧).
(٤) وكذلك الحال عند ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ٩٦، وعند الخطيب في " تاريخ بغداد " ٦/ ٢٠، وعند المزي في " تهذيب الكمال " ١/ ٢١٦.
(٥) شرح صحيح مسلم ١/ ٦٥. قلت: قد وجِدتْ هذه الزيادة في نسبه عند: ابن حبان في " الثقات " ٦/ ٤٥، والباجي في " التعديل والتجريح " ١/ ٣٦١، وابن منجويه في "رجال مسلم" ١/ ٥٤، وجميع هؤلاء قد سبقوا الإمام النووي.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
قولُهُ: في شرح قولِهِ: (وَاروِ في الإملاءِ) (١): (منْ وَجْهٍ آخَرَ) (٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «يُقدّمُ منْ يستحقُّ التقديمَ الأعلى إسنادًا، أو الأحفظَ، وتقديمُ الأحفظِ والأتقنِ أولى» (٣).
قولُهُ: (وَيَنْتَقي مَا يُمْلِيهِ) (٤)، أي: فلا يذكرُ إلاّ نقاوةَ مَا عندَهُ مِنَ العلو، والصحةِ، والغرابةِ ونحو ذلكَ.
قولُهُ: (وَيَتحرّى المُستَفَادَ مِنْهُ) (٥)، أي: ما فيهِ فائدةٌ جديدةٌ منَ الذي يمليهِ من الحديثِ، يعني: أنَّهُ إذا ساقَ حديثًا، وأرادَ أنْ يمليَ بعدَهُ آخرَ فليتحرَّ أنْ لا يكون بمعنى الحديثِ الذي قبلَهُ، بلْ يكون مفيدًا فائدةً جديدةً، إمّا بأنْ يكونَ مغايرًا لهُ منْ كلِّ وجهٍ، أو يَكونَ شرحًا لما قبلَهُ، أو مقيِّدًا لَهُ، أو مبينًا لشيءٍ مِنْهُ، ونحو ذلك، والله أعلمُ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ / ٢٣٩ ب /: «وكانَ الحفّاظُ المتقدّمونَ يختارونَ ما فيهِ فَائدةٌ تخصُّهُ بالنسبةِ إلى غيرهِ، كزيادةٍ في المتنِ، أو غرابةٍ في السندِ، أو تبيينٍ لمجملٍ، ولهذا كانَ يُختار للانتقاء الحفاظُ» (٦).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٠٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢، وهي عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٢.
(٣) الاقتراح: ٢٥٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢، وهي عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢ - ٣٣، وهي عبارة ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث": ٣٥٢.
(٦) الاقتراح: ٢٥٢.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
قولُهُ: (عُلُوًَا مُتَفَاوِتًَا) (١)، أي: بالنسبةِ إلى إسنادينِ فأكثرَ، بدرجةٍ أو درجتينِ فإجازةٍ وسماعٍ، وكون الإجازةِ في موضعٍ أو أكثرَ، ونحو ذلك.
فلو أُعريَ عن الوصفِ لَحُمِلَ على أدنى الدرجاتِ فلم تُعرفْ عينُ الدرجةِ التي عَلاَ بها.
قولُهُ: (إِعْلامُهُ) (٢)، أي: ضَبطُهُ بما يزيلُ عُجمتَهُ، أي: لَبسَهَ بما يمنعُ فهمَهُ.
قولُهُ: (أَعَمَّ للفَائِدَةِ) (٣)، أي: لأنَّ ذِكرَ شيخٍ جديدٍ، مثلَ ذكرِ حديثٍ جديدٍ في تَجدُّدِ الفائدةِ، وربما يسافرُ الطالبُ الذي سمعَ مجلسَهُ فيكونُ قد استفادَ مشايخ، ولو اقتصرَ على شيخٍ واحدٍ لكانت فائدتُهُ قاصرةً.
قولُهُ: (وقَصُرَ مَتْنُهُ) (٤) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «فَإنّهُ أحسنُ وأليقُ» (٥). انتهى.
ولعلّ الأحسنيةَ من حيث إنّه تكثرُ أحاديثُ الإملاءِ، فتكثرُ الفائدةُ.
وإلاّ لهيئتِهِ من حيثُ إنّ أهلَ الإِملاءِ يحبونَ سرعةَ الانتقالِ إلى حديثٍ جديدٍ، هذا إذا كانَ الطولُ بسببِ قصةٍ ونحوها مما يفيدُ شيئًا واحدًا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣، وهي عبارة الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ":
(٢) ٣١٠ عقب (١٣٧١).
(٣) في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٣٣: «إعجامه»، وهذه عبارة " الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٩٧ عقب (١٣١٣).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣، وهي عبارة الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٨٨ عقب (١٢٦٩).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣، وهي عبارة الخطيب أيضًا في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٨٨ عقب (١٢٦٩).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٢.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فإنْ كانَ بسببِ اشتمالهِ على أحكامٍ كثيرةٍ فلا بأسَ بإيرادِهِ إذ كلُّ حكمٍ منها بمنزلةِ حديثٍ مستقلٍ.
قولُهُ: (وَظِيفتُنَا) (١) البيتين هما من المتقاربِ، وهو: فَعُولُنْ ثماني مراتٍ من عَروضِهِ الأولى، وهي محذوفةٌ وخبرُها تامٌ والحذفُ وهو إسقاطُ سببٍ خفيفٍ من العللِ الجائزةِ في عَروضِهِ وإنْ كانت تامةً.
وكان عليُّ بن حُجْر هذا قد تفرّدَ بشريكٍ وهشيمٍ (٢).
قولُهُ: (عُقُولُ العَوَام) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «عُقُولُ الحَاضرينَ، وما يخشى فيه من دخولِ الوهمِ عليهِ في حديثِهِ (٤») (٥).
وعبارةُ ابنِ دقيقِ العيدِ: «أو (٦) ما يقعُ لهم فيه شبهةٌ أو إشكالٌ».
قالَ: «وينبغي أن يَتخيرَ لجمهورِ الناسِ أحاديثَ فضائلِ الأعمالِ وما يُناسبُها وللمتفقهةِ أحاديثَ الأحكامِ، وليَجْتَنِبِ الموضوعاتِ، فإن كانَ ولا بد فمع بيانِ أمرِهَا» (٧).
قولهُ: (حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -) (٨) رواهُ مسلمٌ في مُقدّمةِ " كتابِهِ " عن أبي هريرةَ، وعن ابنِ عمرَ - ﵃ - / ٢٤٠ أ /، ولفظُهُ عن أبي هريرةَ رضي الله
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤، وهذه الكلمة هي مطلع البيتين اللذين نقلهما العراقي عن علي بن حجر.
(٢) في (ف): «وهو هشيم» وكلمة: «هو» مقحمة لا داعي لها.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤، وهذه عبارة الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي": ٣٠٠.
(٤) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «عليهم في فهمه».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٢.
(٦) في " الاقتراح ": «و».
(٧) الاقتراح: ٢٥٣.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «كَفَى بالمرءِ كَذِبًَا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (١).
وأسندَهُ عن عبدِ اللهِ موقوفًا عليهِ قالَ: «بِحَسْبِ المرءِ من الكَذِبِ أنْ يُحدّثَ بِكلِّ ما سَمعَ» (٢).
وعن أبيهِ عمرَ - ﵁ - مثله (٣).
وأسندَهُ صاحبُ " الفردوسِ " عن أبي أمامةَ - ﵁ - مرفوعًا (٤).
ورَوَى مسلمٌ في مقدمةِ " صحيحِهِ " (٥): عن ابنِ وهبٍ قالَ: قالَ لي مالكٌ: «اعْلَمْ أنَّهُ ليْسَ يَسْلمُ رجُلٌ حَدَّثَ بكلِّ ما سَمِعَ، ولا يَكُونُ إِمامًا أبدًا وهُو يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ».
وعن عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي قالَ: «لا يكُونُ الرَّجُلُ إمامًا يقتدى بِهِ، حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْض ما سَمِعَ» (٦).
قولُهُ: (وَقَول عَلِيٍّ - ﵁ -) (٧) رواهُ البخاريُّ في أواخرِ كتابِ العلمِ من " صحيحِهِ " (٨) موقوفًا عليهِ. ورفعهُ صاحبُ " الفردوسِ " (٩).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٨ (٥).
(٢) صحيح مسلم ١/ ٨ عقيب (٥).
(٣) صحيح مسلم ١/ ٨ عقيب (٥).
(٤) الفردوس بمأثور الخطاب ٣/ ٢٨٦ (٤٨٥٨).
(٥) صحيح مسلم ١/ ٨.
(٦) صحيح مسلم ١/ ٨ - ٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤.
(٨) صحيح البخاري ١/ ٤٤ (١٢٧) عن عبيد الله بن موسى، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن علي - ﵁ -، به. وأخرجه: البيهقي في المدخل إلى " السنن الكبرى " (٦١٠)، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٠٠ (١٣٢٩)، والسمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": ٧٤ جميعهم من طريق عبيد الله بن موسى، به.
(٩) ورد في " الفردوس بمأثور الخطاب " ٢/ ١٢٩ (٢٦٥٦) ولكن من حديث الحسين بن علي ﵄.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
قولُهُ: (وَقَول ابْنِ مَسْعُوْدٍ - ﵁ -) (١) أخرجَهُ مُسلمٌ في المقدّمةِ (٢) ولفظُهُ: «مَا أَنتَ بمُحدِّثٍ قَومًْا حديثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلاَّ كانَ لِبعْضِهِمْ فِتْنَةً».
وَرَوى أيضًا عن أبي هُريرةَ - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: «سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، فإياكُمْ وَإِيَّاهُمْ» (٣).
قولُهُ: (وَمِمَّا رَأَى) (٤) خَبرُ المبتدأ الذي هو قولهُ: «أحاديثُ الرُّخصِ».
وَ(أَولَى) خَبرُ «أَنّ»، و(الصُّدُوفَ) اسمُها، وهو بضمِّ المُهمَلَتينِ وآخرُهُ فَاءٌ، ومعناهُ: الإعراضُ (٥).
قولهُ: (كَرَاهِيَةُ رِوَايَةِ أَحَادِيثِ بَني إِسْرائِيْلَ) (٦) اعْلَم أنّ أحاديثَ بني إسرائيلَ على أقسامٍ:
الأولى: أن يُعرفَ صدقُهُ بإخبارِ نَبيِّنا - ﷺ - فلا ريبَ في حُسنِ روايته وعدمِ الحرجِ فيها.
والثاني: أن يُعرفَ كَذبُهُ، فلا ريبَ في تحريمِ روايتِهِ إلاّ على وجهِ البيانِ لحالهِ.
والثالث: ما يُظنُّ كَذبُهُ وهو يَحتملُ الصدقَ فَلا تنبغي روايتهُ.
وتحملُ الكراهةُ بالنسبةِ إلى هذا القسمِ على ظاهرِهَا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٩.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٩ (٦). وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ٣٢١، وأبو يعلى (٦٣٨٤)، وابن حبان (٦٧٦٦)، والحاكم ١/ ١٠٣، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٥٠، والبغوي في " شرح السنة " (١٠٧).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٠٢.
(٥) انظر: تاج العروس مادة (صدف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وبالنسبةِ إلى الذي قبلَهُ على التحريمِ استعمالًا للمشتركِ في معنييهِ.
والرابع: أن يتساوى فيه الاحتمالانِ فهذا هو المرادُ بقولهِ - ﷺ -: «حَدّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرجَ» (١).
_________________
(١) هو جزء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه: عبد الرزاق (١٠١٥٧)، وأحمد ٢/ ١٥٩ و٢٠٢ و٢١٤، والدارمي (٥٤٨)، والبخاري ٤/ ٢٠٧ (٣٤٦١)، والترمذي (٢٦٦٩)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٢٨ وفي " شرح المشكل "، له
(٢) و(٣٩٨)، وابن حبان (٦٢٥٦)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦٦٢)، والبغوي في " شرح السنة " (١١٣) من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو، به. ومن حديث أبي سعيد الخدري. أخرجه: أحمد ٣/ ٥٦، والنسائي في " الكبرى " (٥٨٤٨) من طريق عفان، عن همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، به. ومن حديث أبي هريرة أخرجه: الحميدي (١١٦٥)، وأحمد ٢/ ٤٧٤ و٥٠٢، وأبو داود (٣٦٦٢) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. قال البغوي في " شرح السنة " ١/ ٢٤٤ عقب (١١٣): «ليس على معنى إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه: الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ من غير أن يصح ذلك بنقل الإسناد؛ لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم، لطول المدة ووقوع الفترة». قال ابن حجر في " فتح الباري " عقب (٣٤٦١): «وقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقيل: المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل: المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. قال الشافعي: من المعلوم أن النبي - ﷺ - لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه».
[ ٢ / ٣٤١ ]
قولُهُ: / ٢٤٠ ب / (فَتَأكُلُ القُرْبَانَ) (١) إن قيلَ: هذا قد عُلمَ صدقُهُ بإخبارِ نبينا - ﷺ -، قيلَ: ليسَ المرادُ من ذكرهِ بيانَ حكمِ روايتِهِ، وإنما المرادُ تمثيلُ ما يستحيلُ عادةً في هذه الأمةِ.
٧١٠ - وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ فِي الأَوَاخِرِ بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ
قولُهُ في قولِهِ: (وَاسْتُحْسِنَ): (بَعدَ الحِكَايَاتِ) (٢)، أي: أنّ العادةَ جرتْ بأن يختموا بالإنشادِ، إلا أنْ يكونَ في الحكايةِ شيءٌ يتعلقُ بتفسيرِ غريبِ الشِّعرِ، أو غيرِ ذلك مما يقتضي تَأخيرُهَا.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «فإنْ كانتْ مناسبةً لما تقدَّم من الأحاديثِ فهو أحسنُ» (٣).
قولهُ في شرحِ ذلكَ: (بِأَسَانِيدِهَا) (٤)، أي: لا تَكملُ فائدةُ ذلكَ إلا بذكرِ الإسنادِ؛ لأنَّ ما يذكَرُ بغير إسنادٍ لا فرقَ فيهِ بين الطالبِ والشيخِ، وإنما تحصلُ المزيةُ للشيخِ بذكرِ الإسنادِ.
قالَ الأَنْدَرَشِيُّ: «وأولى ذلكَ ما كانَ في الزهدِ ومكارمِ الأخلاقِ» (٥).
قولهُ: (طُرَف الحِكْمَةِ) (٦) جمعُ طُرْفَةٍ مثل غُرْفَةٍ، وهي الشيءُ الحديثُ، من اطَّرَفْتُ الشيءَ اشْتَرَيْتُهُ حديثًا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥، وانظر: " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٠٧ (١٣٦٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧١٠).
(٣) الاقتراح: ٢٥٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦.
(٥) انظر: التقريب للنووي المطبوع مع تدريب الراوي ٢/ ١٣٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهذه العبارة مما نسب إلى الإمام علي - ﵁ -. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣١٦ (١٣٩٩).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
واسْتَطْرَفتُ الشيءَ: اسْتَحْدثْتُهُ، كأنّهُ قالَ: اطلبوا لها أخبارًا طريفةً، أي: حَديثةً، من الحكمِ، أي: لم تسمعْهَا قبلَ ذلكَ، ليكونَ ذلكَ أنشطَ لها فيما ينفعُها.
قولهُ: (الأُذُنَ مَجَّة) (١)، أي: إذا كَرّرتْ عليها شَيئًا مَجَّتْهُ، أي: صارتْ كأنّها تدفعُهُ وترمي بهِ.
قولهُ: (والقَلْب حَمِض) (٢) بفتحِ المهمَلَةِ وكسرِ الميمِ وآخره ضَاد معجمة، صفةٌ مشبهةٌ من الحمض، أي: يَكِلُّ من سماعِ الجدّ ويتوقُ إلى التّرويحِ بالنّوادرِ.
كما أنَّ الإبلَ تَكِلُّ من المرْعَى فَتَتَفَكَّهُ (٣) بالحمضِ حتى تُقبلَ عليهِ.
قالَ في " الصّحاحِ " (٤): «والحَمْضُ: ما مَلُحَ وأَمَرَّ من النباتِ، كالرِمْثِ والأثْلِ والطَرْفَاءِ ونحوها، والخُلَّةُ من النبت: ما كان حُلوًا، تقولُ العربُ: الخُلَّةُ خبزُ الإبلِ، والحَمْضُ فاكهتُها، ويقالُ: لحمُهَا، ومنهُ قولُهم للرجلِ إذا جاءَ مُتَهَدِّدًا: أنت مُختلٌّ فَتَحمَّضْ، والحَمْضَةُ: الشهوةُ للشيء، وفي حديثِ الزهريِّ: الأذنُ مَجَّاجةٌ (٥) وللنّفسِ حَمْضَةٌ، وإنما أُخِذَتْ من شهوة الإبل للحَمْضِ؛ لأنَّها إذا مَلَّتِ الخُلَّةَ اشتهتِ الحَمْضَ فتُحَوَّلُ إليه».
قولهُ: (أَبزَار الجَنَّةِ) (٦)، أي: الحِكَايَاتُ التي تكونُ للعلمِ النافعِ الموصلِ إلى
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهو كلام الزهري انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣١٦
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهو كلام الزهري أيضًا.
(٣) في (ف): «فتتكفه» بتقديم الكاف على الفاء، والصواب ما أثبته بدليل كلام المصنف الأتي من نقله عن " الصحاح " إن الحمض فاكهة الإبل.
(٤) الصحاح مادة (حمض).
(٥) في الصحاح: «محاجة» بالحاء المهملة.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهو كلام حماد بن زيد. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣١٧ (١٤٠٨). والبزر: الحَبُّ، وكذلك هو: التَّابلُ الذي يُطَيَّب به الغداء، جمع أبْزَار. يقالُ: بزَّر الطعامَ، وكلامَهُ: حسَّنهُ وزَوَّقَهُ. انظر: تاج العروس مادة (بزر).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الجنةِ كالأبْزَار للطّعامِ، تُطيّبهُ وتُشَهِّيه وتشوّقُ النفس إليه.
قولهُ: (مِنْ أهْلِ المَعْرِفَةِ) (١) / ٢٤١أ / عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «وإذا قصرَ المحدّثُ عن تخريج ما يُمليهِ فاستعانَ ببعضِ حُفّاظِ وقتِهِ فخرَّج لهُ، فلا بأسَ
بذلكَ» (٢).
قولهُ: (وَإِذَا نَجِزَ الإِمْلاَءُ) (٣) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): «هو بكسرِ الجيمِ على المشهورِ، وبه جَزمَ الجوهريُّ فقالَ: «نَجِزَ الشيءُ ينجزُ نَجزًا، أي: انقضى وفَنِيَ» انتهى.
وهذا هو الذي قُيِّدَ عن المصنِّفِ في حاشيةِ " علومِ الحديثِ " حين قُرِىءَ عليهِ، والذي صَدّرَ به صاحبُ " المحكمِ " كلامهُ بالفتحِ، فقالَ: نجزَ الكلامُ
- بالفتح - انقطعَ، ونجزَ الوعدُ، ينجزُ نَجْزًا: حَضَر قالَ: وقد يقالُ: نجِزَ.
قالَ ابنُ السِّكِّيتِ: «كأنّ نَجِز: فَنيَ، وكأن نَجَز: قضى حاجتَهُ» (٥). انتهى».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٨٨ عقب (١٢٧٠).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧، وهي عبارة ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث": ٣٥٢.
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٥٠.
(٥) وهو يعقوب بن إسحاق السكيت، أبو يوسف النحوي اللغوي، والسكيت لقب أبيه، وكان أبوه من أصحاب الكسائي عالمًا بالعربية واللغة والشعر، وكان يعقوب يؤدب الصبيان مع أبيه في درب القنطرة بمدينة السلام، قال ياقوت: «لم يكن بعد ابن الأعرابي مثله»، أي: مثل ابن السكيت له عدة مصنفات منها: إصلاح المنطق، والقلب والإبدال، وكتاب النوادر، وكتاب الأضداد، وكتاب الفرق، توفي سنة (٢٤٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٧٣، ومعجم الأدباء ٢٠/ ٥٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٦.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وقالَ في " القاموسِ " (١): «نَجِزَ، كفَرِحَ ونَصَرَ: انقضى، وفَنِيَ، والوعدُ: حَضَرَ، والكلامُ: انْقَطعَ، ونَجَزَ حاجَتَه، قَضاها، كأَنْجَزَهَا».
وقال ابنُ القَطَّاع: «نَجزتِ الحاجةُ نجازًا، وأنجزتُها قضيتُها فَنجزتْ (٢»).
وقالُوا: نَجَزَ ونَجِزَ وكأنّ نَجَزَ: قضى حَاجتَهُ، وكأن نَجِزَ - أي: بالكسر -: فَنِيَ ونَجَزَ الشيء نجازًا: حضرَ، وأيضًا ذَهَبَ.
قولهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ في كَلامِهِ) (٣)، أي: في النوعِ الخامسِ والعشرينَ: وهو في كتابةِ الحديثِ وكيفيةِ ضبطِ الكتابِ وتقييدهِ (٤).
قولهُ: (لاَ عَلَى أُصُولِهِ) (٥) هذا الحصرُ ممنوعٌ.
أمّا أولًا: فلإمكانِ المقابلةِ على الأُصولِ.
وأمّا ثانيًا: فلأنّ العادةَ في المقابلةِ أن تكونَ على الورقِ المنقولِ إليهِ تلكَ الأَحَادِيث المُجمّعة من الأُصولِ، وناقلُ تلكَ الأحاديثِ إنما يكونُ حافظًا فلا يغيرُ شيئًا في الغالبِ، والغالبُ أنَّه يتفقدُها بعد النقلِ ويتحفظُ المُملِي ما يمليهِ منها، فإن وقعَ لهُ شيءٌ تنبَّهَ لهُ هذا المُملي إذا لم يقابلْ ما ينقلُهُ وربما قابلَهُ فينتفي المحذورُ.
وترجمةُ الخطيبِ تؤيدُ ذلك فإنّه قالَ: «المعارضةُ بالمجلسِ المكتوبِ» (٦)، أي: المعارضةُ الكائنةُ لما كَتبهُ الطالبُ بالمجلسِ المكتوبِ الذي أملاهُ الشيخُ.
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (نجز).
(٢) الأفعال لابن القطاع ٣/ ١١٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٦) الجامع لأخلاق الراوي: ٣١٨.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
قولهُ: (زَيْغُ القَلَمِ) (١)، أي: قَلَم الطالبِ.
قولُهُ: (إلى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) (٢) الحديث أخرجَهُ (٣).
وقد رَوى ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ في مُقدّمةِ " التّفسيرِ " (٤) حديثَ زيدِ بنِ ثَابتِ في أمرِ أبي بكرٍ ﵄ لهُ بجمعِ القُرآنِ، وأنّهُ جمعَهُ ثم ذكرَ ما وقعَ من الاختلافِ حتى أمرهُ عثمانُ / ٢٤١ب / - ﵁ - فجمعَ تلكَ الصحف مصحفًا واحدًا، وفي آخرهِ أنَّه عَرضهُ مرةً بعدَ أُخرى حتى أكملَ ثلاثَ عرضاتٍ، ثم طَلبَ عثمانُ - ﵁ - من حفصةَ ﵂ صَحيفةً كانَ أبوها عمرُ - ﵁ - جمعَ فيها القرآنَ، فعرضَ المصحفَ الذي كتَبهُ زيدُ عليها عرضةً رابعةً، ورجالُ إسنادِهِ رجالُ الصحيحِ.
قولهُ: (ثُمَّ يُخرَجُ بهِ) (٥)، أي: إلى النَّاسِ.
قالَ ابنُ الصّلاحِ في آخرها: «هذه عُيُونٌ من آدابِ المحدِّثِ اجتَزَأنا بها، مُعرضينَ عَن التّطويلِ بما ليسَ من مُهمَّاتها، أو هوَ ظَاهرٌ ليسَ من مشتَبهاتِها، واللهُ
الموفقُ» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٣) ترك في (ف) بياض قدر نصف سطر، دليل أن البقاعي أراد أن يكتب من أخرج الحديث. وحديث زيد بن ثابت في كتابة الوحي أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣١٨ - ٣١٩ (١٤١٦). وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ١٥٢ وقال: «رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله موثوقون إلا أن فيه: وجدت في كتاب خالي، فهو وجادة».
(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١/ ٥٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
[آدَابُ] (١) طَالبِ الحديثِ (٢)
قولُهُ: (أدب (٣) طالبِ الحديثِ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وقدِ اندرجَ طرفٌ منهُ في ضمنِ ما تقدَّمَ» (٥).
قولُهُ: (وَجِدَّ) (٦) يجوزُ فيهِ كسرُ الجيم، مِنْ فَعَلَ يَفعلُ بفتحِ العينِ في الماضي وكسرها في المستقبلِ، وضم الجيمِ، من فَعَلَ يفعلُ بضمِّها في المستقبلِ، ومعناه الاجتهادُ في طلبِ العلمِ.
قالَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " في بابِ أقسامِ العلمِ الشرعيِّ (٧): «وهي ثلاثةٌ: فرضُ العينِ، وعليهِ حملَ جماعاتٌ الحديثَ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(٢) انظر في معرفة آداب طالب الحديث: الإلماع: ٤٥ وما بعدها، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣، والإرشاد ١/ ٥٢١ - ٥٢٨، والتقريب: ١٤٦ - ١٤٩، والاقتراح: ٢٥٧، ورسوم التحديث: ٩٧، والمنهل الروي: ١٠٨، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٣٨ وبتحقيقي: ٢١٩، والشذا الفياح ١/ ٤٠٠ - ٤١٨، والمقنع ١/ ٤٠٧ - ٤١٨، ونزهة النظر: ١٢٩، وفتح المغيث ٢/ ٣١١ - ٣٤٦، وتدريب الراوي ٢/ ١٤٠ - ١٥٨، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٢٥٥، وفتح الباقي ٢/ ١١٧، وشرح شرح نخبة الفكر: ٧٨٦، واليواقيت والدرر ٢/ ٤٢٣، وقواعد التحديث: ٢٣٣ - ٢٣٦.
(٣) كذا في (ف) وفي " شرح التبصرة والتذكرة ": «آداب» إلا أن في نسخة من نسخ شرح التبصرة والتذكرة التي اعتمدنا عليها في تحقيق الكتاب كانت الكلمة «أدب»، وكذلك أشار القاضي زكريا الأنصاري في "فتح الباقي" ٢/ ١١٧ إلى اختلاف نسخ الكتاب في هذه الكلمة.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣.
(٦) التبصرة والتذكرة (٧١٣).
(٧) المجموع شرح المهذب ١/ ٦٢ - ٦٦.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
المرويَّ في مسندِ أبي يعلى الموصليِّ (١) عنْ أنسٍ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ».
وهذا الحديثُ وإنْ لم يكنْ ثابتًا (٢) فمعناهُ صَحيحٌ.
فأولُ ذلكَ تصحيحُ العقيدةِ ويكفي فيها التصديقُ بكلِّ ما جاءَ بهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - واعتقادُهُ اعتقادًا جازمًَا سالمًا منْ كلِّ شكٍ، ولا يتعينُ لهذا أدلة المتكلمينَ على الصحيحِ.
وآياتُ الصفاتِ وأخبارها لأهلِ الإسلامِ فيها مذهبانِ: التأويلُ: وهو الأشهرُ، وعدمُهُ، مع أنَّه لا بد عندَ الكُلِّ من تقديمِ اعتقادِ التنزيهِ عنْ سماتِ الحدثِ، وأنَّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣).
_________________
(١) الحديث في مسند أبي يعلى (٢٨٣٧) من طريق ابن سيرين، وفي (٢٩٠٣) من طريق قتادة، وفي (٤٠٣٥) من طريق زياد، ثلاثتهم: عن أنس بن مالك، به.
(٢) روي هذا الحديث بأسانيد كثيرة حتى إن السيوطي ألفَّ كتابًا حوى طرق هذا الحديث، ولكن جميع طرق هذا الحديث ضعيفة لا يحتج بها، لذا ضعف الحفاظ المتقدمون هذا الحديث، إذ قال الإمام أحمد في " المنتخب من علل الخلال " ١٩٩/أ: «لا يثبت عندنا فيه شيء». وقال إسحاق بن راهويه: «لم يصح فيه الخبر». انظر: " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٩، وقال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٥٨: «الرواية في هذا الباب فيها لين»، وقال البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى": (٣٢٥): «هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث». وقد أطنب ابن الجوزي بذكر طرق هذا الحديث وتضعيفها في كتابه " العلل المتناهية " ١/ ٦٤ - ٧٥. وقد ضعف ابن القطان هذا الحديث أيضًا في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ١٢٤ (٢٣٧٣). وانظر: تعليق أخينا الشيخ إبراهيم الميلي على كتاب " رسوم التحديث ": ٧٩.
(٣) الشورى: ١١، وعقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى: هو إثباتها كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني، لا يؤولونها عن ظاهرها، =
[ ٢ / ٣٤٨ ]
والثاني: فرضُ الكفايةِ، وهو تحصيلُ ما لا بد للنَّاسِ منهُ في إقامةِ دينهم من العلومِ الشرعيةِ كحفظِ القرآنِ والأحاديثِ وعلومها، ولو اشتغلَ بعلمٍ فظهرتْ نجابتُه فيه لم يتعيَّنْ عليهِ على الأصحِّ؛ لأنَّ الشروعَ لا يُعيِّنُ المشروعَ فيهِ عندنا إلا الحجَّ والعمرةَ.
والثالثُ: نفلٌ مندوبٌ إليهِ مستحبٌّ لهُ، وهو التبحُّرُ في الأدلةِ، والإمعانُ في القدرِ الذي يحصلُ بهِ فرضُ الكفايةِ». انتهى ملخصًا.
قولُهُ: (ولا تساهلَ حملًا) (١) هو فعلٌ مضارعٌ خُفِّفَ / ٢٤٢ أ / بإسقاطِ إحدى التائينِ؛ لأجلِ الوزنِ وتمييزِ «حَمْلًا» محولٌ عن الفاعلِ بالإسنادِ المجازي، أي: ولا يتساهلُ حملكَ عن المشايخِ، أي: ولا تتساهل أنتَ في الحملِ عنهم.
قولُهُ: (إخلاص النيةِ) (٢) قال الشيخُ محيي الدينِ في مقدمةِ "شرحِ المهذبِ": «يقصدُ بتعلمِهِ وتعليمِهِ وجهَ اللهِ، ولا يقصدُ توصُّلًا إلى عَرَضٍ دُنيويٍ كتحصيلِ مالٍ، أو جاهٍ، أو شهرةٍ، أو تميُّزٍ عن الأشباهِ، أو تكثرٍ بالمشتغلينَ عليهِ» (٣).
«ويُطهرُ قلبَهُ من جميعِ الأدناسِ لتصلحَ أحوالُهُ. ففي " الصحيحينِ " (٤) عن رسولِ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّهُ، ألا وهي القلبُ».
_________________
(١) = ولا يحرفون ألفاظها ودلالتها عن مواضعها، ولا يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين، ولا يعتبرون نصوص الأسماء والصفات من المتشابه الذي يفوض معناه، وإنما هي من المحكم الذي يفهم معناه ويفسر، ولكن يفوض كيفية الصفات إلى الله تعالى، ولا يبحثون عنها. انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ١١٧ - ١١٩، وعقيدة التوحيد للشيخ الدكتور صالح بن فوزان: ٦٣.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧١٤).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨.
(٤) المجموع شرح المهذب ١/ ٦٨.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٢٠ (٥٢)، وصحيح مسلم ٥/ ٥٠ (١٥٩٩) (١٠٧).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وقالوا: تَطبيبُ القلبِ للعلمِ، كتَطبيبِ الأرضِ للزَّرعِ» (١).
ويتخلقُ بالمحاسنِ التي وردَ الشرعُ بها وحثَّ عليها، منَ الزهدِ في الدنيا، والتقلّلِ منها وعدمِ المبالاةِ بفواتِها، والسخاءِ، والجودِ، والحلمِ، والصبرِ، ومكارمِ
الأخلاقِ، وطلاقةِ الوجهِ، من غيرِ خروجٍ إلى حدِّ الخلاعةِ، مع اجتنابِ الضحكِ، والإكثارِ من المزحِ، وملازمةِ الآدابِ الشرعيةِ من التنظُّفِ بإزالةِ الأوساخِ والروائحِ الكريهةِ، والحذرِ من الحسدِ، والرياءِ، والإعجابِ، والاحتقارِ لمنْ دونهُ؛ لأنَّ حكمةَ اللهِ اقتضتْ إقامةَ كلٍّ فيما أقامهُ.
ومن علمَ أنَّ الخلقَ لا ينفعونَهُ لم يُرائِهمْ، وَمَنْ علمَ أنَّ نِعَمَهُ من اللهِ لم يُعْجَبْ، ولا يُذِلُّ العلمَ بذهابهِ إلى من يتعلمُهُ، وإنْ [كانَ المتعلم] (٢) كبيرَ القدرِ، فإن اقتضتهُ مصلحةٌ راجحةٌ على مفسدةِ ابتذالهِ رجونا أنه لا بأسَ بهِ» (٣).
قالَ حمدانُ بنُ الأصبهانيّ: «كنتُ عندَ شَرِيكٍ - ﵀ -، فأتاهُ بعضُ أولادِ المهدي، فاستندَ إلى الحائِطِ، وسألهُ عن حديثٍ، فلم يلتفتْ إليهِ، وأقبلَ علينا، ثم عادَ، فأعادَ بمثلِ ذلكَ، فقالَ: كأنّكَ تستخِفُّ بأولادِ الخلفاءِ؟ فقالَ شريكٌ: لا، ولكنَّ العلمَ عندَ اللهِ أجلُّ منْ أنْ أضعَهُ، فجثا على ركبتيهِ، فقال شريكٌ: هكذا يُطلبُ العلمُ» (٤).
قولُهُ: (عزمَ الله) (٥)، أي: أراد وقدَّرَ، إرادةً وتقديرًا أنفذَهما وأمضاهما، بأنْ خلقَ القدرة على الفعلِ وجعلَ للفاعلِ عزمًا على ذلكَ ماضيًا / ٢٤٢ب / لا أنَّه أرادَ
_________________
(١) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٢.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(٣) المجموع شرح المهذب ١/ ٦٨ - ٧٠ باختصار.
(٤) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٨٧ (٣٤٣).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٢.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
أن يفعلَ (١) ذلكَ في المستقبلِ فهيَّأهُ لهُ ولم يشرع فيهِ.
قولُهُ: (ويحرَص على ذلكَ) (٢) قالَ ابنُ الصلاحِ: «ورُوِّينَا عنْ سفيانَ الثوريِّ قالَ: ما أعلمُ عملًا هو أفضلُ من طلبِ الحديثِ لمنْ أرادَ اللهَ بهِ (٣») (٤).
ورَوينَا نحوه عن ابنِ المباركِ.
ومنْ أقربِ الوجوهِ في إصلاحِ النِّيةِ، ما رَوينا عن أبي عمرٍو إسماعيلَ بنِ نجيدٍ أنَّه سألَ أبا جعفرٍ أحمدَ بنَ حمدان - وكانا عبدينِ صالحينِ - فقالَ لهُ: بأيِّ نيةٍ أكتبُ الحديثَ؟ فقالَ: ألستم ترونَ أنَّ عندَ ذكرِ الصالحينَ تَنْزِلُ الرحمةُ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فرسولُ اللهِ - ﷺ - رأسُ الصالحينَ (٥).
ولْيَسْألِ اللهَ التيسيرَ والتأييدَ والتوفيقَ والتسديدَ، وليأخذْ نفسهُ بالأخلاقِ الزكيةِ، والآدابِ المرضيةِ، فقدْ رَوينا عنْ أبي عاصمٍ النبيلِ أنَّهُ قالَ: «منَ طلبَ هذا الحديثَ فقدْ طلبَ أعلى أمورِ الدينِ، فيجبُ أنْ يكونَ خيرَ الناسِ» (٦).
_________________
(١) في (ف): «تفعل»، وما أثبته أصوب، والله أعلم.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩، وهو أيضًا من كلام الخطيب.
(٣) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ١١ (١٤)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "١/ ١٢٤ من طريق وكيع، قال: «سمعت سفيان يقول: ما من شيء أخوف عندي من الحديث، وما من شيء أفضل منه لمن أراد به الله - ﷿ -».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣.
(٥) أخرجه: أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٢٨٥ من طريق محمد بن حسان، قال: سمعت ابن عيينة يقول: «عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة». قال العراقي في " تخريج أحاديث الإحياء " (١٩٢٩): «ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة كذا رواه ابن الجوزي في مقدمة " صفة الصفوة ": ٢٢».
(٦) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٨ (٦).
[ ٢ / ٣٥١ ]
ثمَّ أشارَ إلى ما سبقَ في النوعِ الرابعِ والعشرينَ، وهو: معرفةُ كيفيةِ سماعِ الحديثِ وتحملِهِ وصفةِ ضبطهِ، في السنِّ الذي ينبغي فيهِ الابتداءُ بالطلبِ (١).
قولُهُ: (بِرَاحةِ الجسَدِ) (٢) رواهُ مسلمٌ في أوائلِ أوقاتِ الصلاةِ من " صحيحِهِ " (٣) وفي روايةٍ: «براحةِ الجسمِ» (٤).
ورأيتُ بخطِ صاحبنا العلاّمةِ شمسِ الدينِ بنِ حسّان أنّ شيخَنا أفادَ أنَّه رُويَ مرفوعًا.
قولُهُ: (وبالتملُّلِ) (٥) يصلحُ أنْ يكونَ بالكافِ من الملُكِ المفيدِ للعزِّ.
ويقابلهُ ذلةُ النفسِ الملازمِ للفقرِ، وأنْ يكونَ باللامِ من الملالِ ويقابلهُ المداومةُ على خدمةِ العلم.
ويؤيدُ هذا أنَّ الشيخَ محيي الدينِ نقلَهُ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٦) فقالَ: بالمللِ بلامينِ دونَ تاءٍ قبلَ الميمِ، وعلى كلا التقديرينِ، المرادُ الاجتهادُ في الطلبِ والنشاط والنّهي عن ضدِهِ، فروايةُ اللامِ واضحةٌ في ذلكَ، وروايةُ الكافِ تتضمنُهُ فإنَّه يلزمُ من الملكِ - سواءٌ كانَ بكسرِ اللامِ، أو ضمِّها - الترفُ الملازمُ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٧ - ٢٥٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩، وهو من كلام يحيى بن أبي كثير.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١٠٥ (٦١٢) (١٧٥). وأخرجه أيضًا: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٣٦١، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٦٦، والبيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٤٠٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٤٣.
(٤) كذا هو في رواية مسلم، والبيهقي، وفي رواية أبي نعيم في " الحلية "، وابن عدي، والخطيب: «الجسد».
(٥) في (ف): «بالتملك» والمثبت من " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٣٩، وهو كلام الشافعي، انظر: المحدّث الفاصل: ٢٠٢ (٨٤)، والحلية ٩/ ١١٩.
(٦) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٢ - ٨٣.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
للفتورِ والكسلِ عن مثلِ ذلكَ بالميلِ إلى (١) الشهواتِ لا سيما للشباب كما قيلَ:
إنَّ الشبَابَ والفَراغَ والجدَة مفسَدة للمرءِ أيُّ مَفْسَدة (٢)
وقالَ الشيخُ محيي الدينِ: «وقالَ - يعني: الشافعيَّ - أيضًا: / ٢٤٣ أ / لا يُدرَك العلمُ إلا بالصبرِ على الذّلِ.
وقالَ أيضًا: لا يصلحُ طلبُ العلمِ إلا لمفلسٍ، فقيلَ: ولا الغنيّ المَكْفِي؟ فقال: ولا الغنيّ المكفي» (٣).
وقالَ مالكُ بنُ أنسٍ: لا يبلغُ أحدٌ من هذا العلمِ ما يريدُ، حتى يضربَهُ الفقرُ ويُؤثرَهُ على كلِّ شيءٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لِيُسْتَعَانَ على الفقهِ (٤) بجمعِ الهمِّ، ويستعانَ على حذَفِ العلائقِ بأخذِ اليسيرِ عندَ الحاجةِ، ولا يزِدْ.
وقالَ إبراهيمُ الآجُريُّ: من طلبَ العلمَ بالفاقةِ ورثَ الفهمَ.
قالَ الخطيبُ البغداديُّ في كتابهِ " الجامعُ لآدابِ الراوي والسامعِ " (٥): «يستحبُّ للطالبِ أنْ يكونَ عزبًَا ما أمكنهُ لئلا يقطعهُ الاشتغالُ بحقوقِ الزوجةِ، والاهتمامُ بالمعيشةِ عن إكمالِ طلبِ العلمِ، واحتجَّ بحديثِ: خيركم بعد المئتينِ خفيفُ الحَاذ وهو الذي لا أهلَ لهُ ولا ولد» (٦).
_________________
(١) في (ف): «وإلى» بزيادة واو، ولا داعي لها.
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو على بحر الرجز.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي: ٢٥ (٧٢).
(٤) في (ف): «الفقيه»، والمثبت من " المجموع ".
(٥) الجامع لأخلاق الراوي: ٢٣.
(٦) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ١٢٣ (٦١)، وفي " تاريخ بغداد "، له ٦/ ١٩٧ و١١/ ٢٢٥ من طريق عباس بن عبد الله الترقفي، عن رواد بن الجراح، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، به. = = وأخرجه أيضًا: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٦٩، وأبو سعيد بن درهم في "الزهد وصفة الزاهدين" ١/ ٦١ (١٠٦)، وابن عدي في " الكامل " ٤/ ١١٥، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٣٥٠)، والخليلي في " الإرشاد " ٢/ ٤٧١ (١٢٩) من طريق رواد، به. قال ابن أبي حاتم في " العلل " (١٨٩٠): «قال أبي: هذا حديث باطل»، وقال في
(٧) : «قال أبي: هذا حديث منكر». وسبب ضعفه رواد بن الجراح العسقلاني. قال عنه أحمد: لا بأس به، صاحب سنة، إلا أنه حدث عن سفيان بمناكير، وقال أبو حاتم: هو مضطرب الحديث، تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق اختلط بأخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد. انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٤٧٣ (٢٣٦٨)، وميزان الاعتدال ٢/ ٥٥، والتقريب (١٩٥٨).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وقالَ إبراهيمُ بن أدهمَ: منْ تعوّدَ أفخاذَ النساءِ لم يفلحْ (١)، يعني: اشتغلَ بهنَّ، وهذا في غالبِ النَّاس لا في الخواصِّ.
وعنْ سفيانَ الثوريِّ: إذا تزوّجَ [الفقيه] (٢) فقدْ ركبَ البحرَ، فإنْ وُلِدَ لهُ فقدْ كُسِرَ بهِ (٣).
وقالَ سفيانُ لرجلٍ: تزوجتَ؟ قالَ: لا. قالَ: ما تدري ما أنتَ فيهِ من العافيةِ (٤).
وفي " الصحيحينِ " (٥) عنْ أسامة بن زيدٍ ﵄، عن النبيِّ - ﷺ -: «ما تركتُ فتنةً هي أضرُّ على الرجالِ منَ النساءِ».
_________________
(١) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٤ (٦٤).
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(٣) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٤ (٦٦) وفيه: «إذا تزوج الرجل».
(٤) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٤ (٦٥).
(٥) صحيح البخاري ٧/ ١١ (٥٠٩٦)، وصحيح مسلم ٨/ ٨٩ (٢٧٤٠) و(٢٧٤١) من طريق سليمان التيمي، عن عثمان، عن عبد الرحمان بن ملّ، عن أسامة بن زيد، به. وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (٣٩٩٨)، والترمذي (٢٧٨٠)، والنسائي في " الكبرى "
(٦) و(٩٢٧٠) من طريق سليمان، به.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وينبغي أنْ يكونَ حريصًا على التعلمِ مواظبًا عليهِ في جميعِ أوقاتهِ ليلًا ونهارًا، حضرًا وسفرًا، ولا يُذْهِبْ من أوقاتِهِ شيئًا في غيرِ العلمِ إلاَّ بقدرِ الضرورةِ لأكلٍ ونومٍ، قدرًا لا بدَّ منهُ ونحوهما كاستراحةٍ يسيرةٍ لإزالةِ المللِ وشبهِ ذلكَ، وليسَ بعاقلٍ من أمكنهُ درجةَ ورثةِ الأنبياءِ ثمَّ فَوَّتَها.
وقد قالَ الشافعيُّ في " رسالتهِ " (١): «حُقَّ على طلبةِ العلمِ بلوغُ غايةِ جُهدِهم في الاستكثارِ من علمِهِ، والصبرُ على كلِّ عارضٍ دونَ طِلْبَتِه، وإخلاصُ النيةِ للهِ تعالى في إدراكِ علمهِ، نصًا واستنباطًا، والرغبةُ إلى اللهِ في العونِ عليهِ».
قالَ الخطيبُ البغداديُّ: «أجودُ أوقاتِ الحفظِ الأسحارُ، ثمَّ نصفُ النهارِ، ثمَّ الغداةُ، وحفظُ الليلِ أنفعُ منْ حفظِ النهارِ، ووقتُ / ٢٤٣ ب / الجوعِ أنفعُ منْ وقتِ الشبعِ»، قالَ: «وأجودُ أماكنِ الحفظِ الغرفُ، وكلُّ موضعٍ بَعُدَ عن الملهياتِ»، قالَ: «وليسَ يجودُ الحفظُ بحضرةِ النباتِ، والخضرةِ، والأنهارِ، لأنها تمنعُ (٢) غالبًا خلو القلبِ» (٣).
قالَ الشيخُ (٤): «ومنْ آدابهِ - أي: الطالبِ - الحلمُ والأناةُ وأنْ تكونَ همتُهُ عاليةً فلا يرضى باليسيرِ مع إمكانِ كثيرٍ، وأن لا يسوّفَ (٥) في اشتغالِهِ، ولا يؤخِّرَ تحصيلَ فائدةٍ وإنْ قلَّتْ إذا تمكنَ منها، وإنْ أمنَ حصولهَا بعد ساعةٍ؛ لأنَّ للتأخيرِ آفاتًا، ولأنَّهُ في الزمنِ الثاني يُحصّل غيرهَا.
عن الربيعِ قالَ: لم أر الشافعيَّ آكلًا بنهارٍ، ولا نائمًا بليلٍ؛ لاهتمامهِ بالتصنيفِ.
_________________
(١) الرسالة للشافعي: ١٩ (٤٥).
(٢) في (ف): «تضع»، والمثبت من " الفقيه والمتفقه ".
(٣) الفقيه والمتفقه ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٤) يعني: النووي.
(٥) في (ف): «يسرف»، والمثبت من " المجموع ".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
ولا يُحمّلُ نفسهُ ما لا يطيقُ مخافةَ المللِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الناسِ.
وينبغي أنْ يغتنمَ التحصيلَ في وقتِ الفراغِ والنشاطِ، وحالِ الشبابِ، وقوةِ البدنِ، ونباهةِ الخاطرِ، وقلةِ الشواغلِ قبلَ عوارضِ البطالةِ وارتفاعِ المنزلةِ.
فقد رَوينا عنْ عمرَ - ﵁ -: تفقّهوا قبلَ أن تُسَوَّدوا (١).
وقالَ الشافعيُّ: تفقه قبلَ أنْ ترأسَ، فإذا رأستَ فلا سبيلَ إلى التَّفقُّهِ (٢») (٣). انتهى.
وهذهِ المعاني كلها تدورُ على بذلِ الجهدِ في الطلبِ وعدمِ الفتورِ (٤) مما يشتغلُ عنهُ، ووجودُ البواعثِ للدلالةِ على عشقهِ وإيثارهِ على كلِّ شيءٍ، ولا يكونُ هذا إلا بعنايةٍ منَ اللهِ، واللهُ الموفقُ.
قولُهُ: (ويعمدُ إلى أسندِ شُيُوخ) (٥) هو أفعلُ تَفضيل منَ السَّنَدِ، فيحتملُ أنْ يكونَ: أعلاهمْ سَندًا، أو أتقنهم سَندًا، أو أعرفهمْ بالأسانيدِ ونحوه، وينبغي مع ذلك البداءةُ بالأفرادِ فمن تفرّدَ بشيءٍ أخذهُ عنه أولًا، وإنْ لمْ يكنْ أسنَدهُم.
قولُهُ: (أنْ يتخيَّرَ المشهُورَ مِنهُمْ) (٦) قالَ الشيخُ محيي الدينِ: «قالُوا: وَلا يأخذُ إلا ممن كملتْ أهليتُهُ، وظهرتْ ديانتُهُ، وتحققتْ معرفتُهُ، واشتهرتْ صيانتُهُ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦١١٦)، والدارمي (٢٥٠) طبعة دار الكتاب، وابن حجر في تغليق التعليق ٢/ ٨١ و٨٢، وذكره ابن حجر معلقًا، وانظر: المجموع شرح المهذب١/ ٨٧ - ٨٨.
(٢) أخرجه: البيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٣٧٥).
(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٦١١٦)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٦٦٩)، وفي " المدخل إلى السنن الكبرى " (٣٧٣) من طريق عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن الأحنف بن قيس، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، به. وعلقه البخاري في صحيحه ١/ ٢٨ باب الاغتباط في العلم والحكمة.
(٤) بعد هذا في (ف): «بعدم» وهي مقحمة.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩، وهو قول الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٢.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وسيادتُهُ، فقدْ قالَ ابنُ سيرينَ ومالكٌ وخلائقٌ من السّلفِ: هذا العلمُ دينٌ، فانظروا عمنْ تأخذونَ دينكُم» (١).
رَوَى أثرَ ابنِ سيرينَ مسلمٌ في مقدمةِ " صحيحِهِ " (٢)، قالَ (٣) / ٢٤٤ أ /: «ولا يكفِي في أهليةِ التعليمِ أنْ يكونَ كثيرَ العلمِ، بل ينبغي مع كثرةِ علمهِ بذاكَ الفنِّ، كونه له معرفةٌ في الجملةِ بغيرِهِ من الفنونِ الشَّرعيةِ فإنها مرتبطةٌ، ويكونَ لهُ دربَةٌ ودينٌ وخلقٌ جميلٌ وذهنٌ صحيحٌ واطلاعٌ تامٌ.
قالوا: فلا يأخذُ العلمَ عمَّن كانَ أَخْذهُ لهُ من بطونِ الكتبِ من غيرِ قراءةٍ على شيوخٍ، أو شيخٍ حاذقٍ.
فمن لم يأخذهُ إلا منَ الكتبِ يقعُ في التصحيفِ ويكثرُ منهُ الغلطُ والتحريفُ» (٤). انتهى.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «والنَّاسُ اليومَ منهمكونَ على طلبِ العالي، وهو عندي الذي أضَرَّ بالصنعةِ، فإنَّهُ اقتضى الإضرابَ عن طلبِ المتقنينَ والحُفّاظِ، ولو لم يكن فيه إلا الإعراضُ عن من طلبَ العلمَ بنفسِهِ، وضبطَهُ بتمييزِهِ، إلى منْ أجلسَ في المجلسِ صغيرًا لا تمييزَ لهُ ولا ضبطٍ ولا فهمٍ، طلبًا للعلوّ بقِدَم السَّماعِ» (٥). انتهى.
قولُهُ: (بكَتْبِ حديثِ بلدهِ) (٦) بفتحِ الكافِ وإسكانِ الفوقانيةِ، مصدرٌ
_________________
(١) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٣ - ٨٤.
(٢) صحيح مسلم ١/ ١١.
(٣) أي: النووي.
(٤) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٤.
(٥) الاقتراح: ٢٥٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو كلام الحافظ أبي الفضل صالح بن أحمد التميمي. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٧٨ (١٦٩٢).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
مجردٌ، وضمير «صحيحهَا وسقيمها» عائدٌ إليهِ، وضميرُ «أهلِهِ» للبلدِ، «ومنهُم» لمحدِّثي أهلِ بلدِهِ.
قولُهُ: (مَن أهلُ) (١) مبتدأٌ وخبرٌ «وَمَنْ» استفهاميةٌ «وأحوالَهم» مفعولُ «يَعرفَ».
قولُهُ: (قديمًا وحديثًا) (٢) يتعلَّقُ بـ «أحوالِهم»، أي: قديم أحوالهِم وحديثها، فهو تمييزٌ.
قولُهُ: (ثم يشتَغِلُ بعدُ) (٣)، أي: بعدَ أنْ يفرغَ من سماعِ العوالي والمُهمَّاتِ، التي ببلدِهِ.
قولُهُ: (وقِدَم السَّمَاعِ) (٤)، أي: علوِّ الإسنادِ حسًا، بقلةِ رجالِ السّندِ، أو معنىً بِقدمِ السّماعِ، أو اتصالِ السَّماعِ.
قوله: (ضَيِّعْ ورقةً) (٥)، أي: مِن الأحاديثِ المكررةِ، أيْ: التي سَمعتها ولها طرقٌ أُخرى عندَ غير مَن سمعتَها منهُ من مشايخكَ فلا تشتغل بسماعها ممن لم تسمعْهَا منهُ تَكثيرًا للطرقِ فيكونَ سماعُكَ لها سببًَا لتفويتِ لقائِكَ لشيخٍ جديدٍ عندَهُ فوائدُ جديدةٌ.
قولُهُ: (يشامُّ الناسَ) (٦) هو مفاعلةٌ منَ الشَّمِّ، أي: يشمُّهم ويشمونَهُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو من كلام أبي الفضل أيضًا.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو من كلام أبي الفضل أيضًا.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو من كلام أبي الفضل أيضًا.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي": ٣٧٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠، وهو كلام لبعض أصحاب الخطيب كما نقله الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي": ٣٧٩ (١٦٩٣).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١، وهو كلام الإمام أحمد كما نقله عنه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٧٩ (١٦٩٥)، وفي " الرحلة ": ٤٦، وفي ط عتر: ٨٨ (١٢). ووقع عند الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": «بشام» بالباء الموحدة. وانظر تعليقنا على شرح التبصرة.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وهو كنايةٌ عن تَعَرُّفِ ما عندَهم بغايةِ اللطافةِ لأخذهِ عنهم؛ لأنَّ مَنْ شمَّ شيئًا عرفَ ما هوَ، من حيثُ لا يشعرُ بهِ / ٢٤٤ ب /.
قولُهُ: (ابْن معينٍ أربعَة) (١) عبارتُهُ كما قالَ ابنُ الصّلاحِ: «حارسُ الدَّرْبِ، ومنادِي القَاضي، وابنُ المحدِّثِ، ورجلٌ » (٢) إلخ.
قال: «وَرُوِّينا عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: أيرحَلُ الرجلُ في طلبِ العلوِّ؟ فقالَ: بلى واللهُ شديدًا، لقد كانَ علقمةُ والأسودُ يبلغهما الحديثُ عن عُمرَ - ﵁ - فلا يقنعهما حتى يخرُجا إلى عمرَ - ﵁ - فيسمعانه منه» (٣). انتهى.
ورأيتُ بخطِّ العلاَّمةِ نجمِ الدينِ مُحمدِ بنِ الشمسِ محمدِ بنِ النجمِ محمدِ السيبي (٤) العبدريِّ الباهيِّ الحنبليِّ على حاشيةِ كتابهِ من " علومِ الحديثِ " بخطهِ: «قال حمادُ بنُ زيدٍ - وذكرَ لهُ أصحابُ الحديثِ - ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٥).
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ في قولِهِ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٦) قالَ: «هم طلبةُ الحديثِ» (٧).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١، وكلام ابن معين أخرجه الحاكم في "معرفة علوم الحديث": ٩.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤.
(٤) كذا في (ف)، ولم أجد أحدًا ممن ترجم له يضع هذه النسبة في نسبه. انظر: المجمع المؤسس: ٥٠٣ (٥٩٠)، والضوء اللامع ٩/ ٢٢٤، وشذرات الذهب ٧/ ٢٠، وهدية العارفين ٦/ ١٤٩.
(٥) التوبة: ١٢٢. وأخرج هذه الرواية الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (١١٩).
(٦) التوبة: ١١٢.
(٧) أخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (١٢٢).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وقد رَحلَ موسَى وفَتَاهُ يوشَعُ ﵉ في طلبِ العلمِ (١).
٧١٥ - وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَثَاقَلِ
٧١٦ - عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجُرُ وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ
٧١٧ - أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ
٧١٨ - مَا تَسْتَفيْدُ عَالِيًا وَنَاِزلاَ لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتًا عَاطلاَ
٧١٩ - وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
٧٢٠ - فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ
٧٢١ - وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ
٧٢٢ - أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ
قولهُ في قولهِ: (وَاعمَلْ بِمَا تَسمَعُ): (وَلا تَثَاقَل) (٢) أصلُهُ: تَتَثَاقَل فَحذفَ تاءَ الثانية، أو حركَتَها للوَزنِ، فإنْ حذفت كانَ الجزءُ مخَبونًا وهو أنسبُ لقافيةٍ قسيمةٍ، وإن سُكِّنَتْ وأُدغمَتْ في الثَّاء لقربِ المخرجِ كانَ سالمًا.
قوله: (عَاطِلًا) (٣)، أي: خَاليًا من نفعِ دُنيا وأُخرى.
قولهُ: (أَجَادَ في انتِخَابِهِ) (٤) صفةٌ «لعارفٍ»، والجزاءُ محذوفٌ تقديرهُ: انتَخِبهُ.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٨ (٧٤) و١/ ٢٩ (٧٨) و١/ ٤١ (١٢٢) و٣/ ١١٧ (٢٢٦٧) و٣/ ٢٥١ (٢٧٢٨) و٤/ ١٥٠ (٣٢٧٨) و٤/ ١٨٧ (٣٤٠٠) و٤/ ١٨٨ (٣٤٠١) و٦/ ١١٠ (٤٧٢٥) و٦/ ١١٢ (٤٧٢٦) و٦/ ١١٥ (٤٧٢٧) و٨/ ١٧٠ (٦٦٧٢) و٩/ ١٧١ (٧٤٧٨)، وصحيح مسلم ٧/ ١٠٣ - ١٠٧ (٢٣٨٠) (١٧٠) و(١٧١) و(١٧٢) و(١٧٤). وانظر: جامع البيان للطبري ١٥/ ٣٠٨.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧١٥).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧١٨).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٢١).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
(أَوْ قَصَّرَ) (١)، أي: أو لِغَيرِ عَارفٍ، بأنْ قَصّرَ عَن درجةِ المعرفةِ للانتخابِ، «استعانَ» بِمَن ينتخبُ لهُ، فالعبارةُ من الاحتباكِ ذِكرُ العارفِ أولًا، دَليلٌ على حذفِ ضدِهِ ثانيًا، وذِكرُ الجزاء وهو «استعانَ» ثانيًا، دليل على حذفِ ضدهِ أولًا.
قولهُ: (مَنْ لَهُ يُعَدُّ) (٢)، أي: مَن يُعَدُّ لحُسنِ الانتقاءِ.
قولهُ في شَرحِ ذلكَ: (وَليُجِلَّ (٣) الطَّالِبُ الشَّيخَ) (٤) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وَلْيُعَظِّمْ شيخَهُ ومَن يسمعُ منهُ، فذلكَ من إِجلالِ الحديثِ والعلمِ» (٥).
وقالَ الشّيخُ مُحيي الدّينِ: «وَينبَغي له أنْ يتواضعَ للعلمِ والمعلّمِ فبتواضعِهِ لهُ ينالُهُ.
وقد أُمِرنا بالتواضعِ مطلقًا فهنا أولَى.
وقد قالوا:
العِلمُ حَربٌ [لِلفَتَى] (٦) المُتَعَالِي كَالسَّيلِ حَربٌ لِلمَكَانِ العَالِي
وينقادُ لِمُعَلِّمِهِ، ويُشاورهُ في أمورهِ، ويَأتمرُ بأمرِهِ كما ينقادُ المريضُ لطبيبٍ حاذقٍ ناصحٍ، وهذا أولَى لتفاوتِ ثَمرتَيهِمَا (٧) .. ويَنبَغي أنْ يَنظُرَ معلمهُ بعينِ الاحترامِ، ويعتقدَ كمالَ أهليَّتِهِ، ورجاحَتِهِ على أهلِ / ٢٤٥ أ / طبقتِهِ، وهو أقربُ إلى انتفاعِهِ بهِ، ورُسوخِ ما يسمعهُ منه في ذهنهِ، وقد كانَ بعضُ المتقدّمينَ إذا ذهبَ إلى معلمهِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٢٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٢٢).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة: «وليبجل».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٥.
(٦) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف).
(٧) في " المجموع ": «مرتبتهما».
[ ٢ / ٣٦١ ]
تصدّقَ بشيءٍ، وقال: اللهُمَّ غيِّبْ (١) عيبَ مُعلّمي عَني، ولا تُذهِبْ بركةَ عِلمِهِ مني.
وقالَ الشّافعيُّ: كنتُ أَصَّفَّحُ الورقةَ بين يدي مالكٍ تَصفُّحًا رقيقًا (٢)؛ هيبةً لهُ؛ لِئلاَّ يسمعُ وقعَها.
وقالَ الربيعُ: واللهِ، ما اجترأتُ أنْ أشربَ الماءَ والشَّافعيُّ ينظرُ إليَّ؛ هيبةً لهُ (٣).
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - ﵁ -: «مِن حقِّ العَالمِ أن تُسلِّمَ على القومِ عامةً وتَخُصَّهُ بالتحيةِ، وأن تجلسَ أمامَهُ، ولا تُشيرنَّ عندهُ بيدِكَ، ولا تَعمِدَنَّ بعينكَ غيرهُ، ولا تقولَنَّ: قالَ فلانٌ خلافَ قولهِ، ولا تغتابَنَّ عندهُ أحدًا، ولا تُسَارِرْ في مجلسهِ، ولا تأخذهُ بثوبهِ، ولا تُلِحَّ عليهِ إذا كَسُلَ، ولا تشبعُ من طولِ صُحبتهِ، فإنما هو كالنّخلةِ تنتظرُ متى يسقطُ عليكَ منها شيءٌ» (٤).
ومن آدابِ المُتعلِّم: أنْ يَتحرَّى رضَا المُعلِّمِ وإنْ خالفَ رأيَ نفسهِ، ولا يُفشيَ لهُ سِرًّا، ويردَّ غيبتهُ إذا سَمعَها، فإنْ عجزَ فارقَ ذلك المجلسَ، وأنْ لا يدخلَ عليهِ بغيرِ إذنٍ.
وإذا دخلَ جماعةٌ قدَّموا أفضلَهُم وأسنَّهُم، وأنْ يدخلَ كاملَ الهيبةِ، فارغَ القلبِ من الشواغلِ، مُتطهِّرًا، مُتنظِّفًا بسواكٍ، وقصِّ شَاربٍ وظُفرٍ، وإزالةِ كريهِ رائحةٍ.
ويعتني بتصحيحِ درسهِ الذي يتحفظهُ تصحيحًا مُتقنًا على الشَّيخِ، ثم يحفظهُ حفظًا محكمًا، ثم بعدَ حفظهِ يُكرِّرهُ مراتٍ؛ ليرسخَ، ويبتدىء (٥) درسَهُ بالحمدِ للهِ،
_________________
(١) في " المجموع ": «استر».
(٢) في " المجموع ": «صفحًا رفيقًا».
(٣) أخرجه: البيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٦٨٤).
(٤) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٨٨ (٣٤٧).
(٥) في " المجموع ": «ويبدأ».
[ ٢ / ٣٦٢ ]
والصلاةِ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، والدعاءِ للعُلماءِ ومشايخِهِ ووالديهِ وسائرِ المسلمينَ، ويُبكر بدرسهِ لحديثِ: «اللهُمَّ بارِكْ لأمتي في بُكورِهَا» (١).
ويُداوم على تكريرِ (٢) محفوظاتِهِ، ولا يحفظُ حتى يُصَحِّحَ على الشَّيخِ، فالاستقلالُ من أضرِّ المفاسدِ، وإلى هذا أشارَ الشّافعيُّ بقولهِ: «مَن تفقَّهَ من الكُتبِ ضَيَّعَ [الأحكامَ] (٣»).
وَليُذاكرْ بمحفوظاتهِ، وينبغي أنْ يبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ.
وأوَّلُ ما يبتدئُ بهِ حفظُ القرآنِ العزيزِ وهو أهمُّ العلومِ، وكانَ السلفُ لا يُعَلِّمونَ الحديثَ والفقهَ إلا لمن حفظَ القرآنَ.
ثم يحفظُ في كلِّ فنٍ / ٢٤٥ ب / مُختصرًا ويبدؤُهُ بالأهمِّ، ومن أهمِّها الفقهُ والنحوُ، ثم الحديثُ والأصولُ، ثم الباقي على ما تَيسَّرَ، ثم يشتغلُ باستشراحِ
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٣/ ٤١٦ و٤١٧ و٤٣١ و٤٣٢ و٤/ ٣٨٤ و٣٩٠، وعبد بن حميد (٤٣٢)، والدارمي (٢٤٤٠)، وأبو داود (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٢٢٣٦)، والترمذي
(٢) ، والنسائي في الكبرى (٨٨٣٣) من طريق يعلى بن عطاء، عن عُمارة بن حديد، عن صخر بن وداعة الغامدي، به. وأخرجه: عبد بن حميد (٧٥٧) من طريق عبيد الله بن عمر بن حفص، وابن ماجه (٢٢٣٨) من طريق عبد الرحمان بن أبي بكر بن الجدعاني، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، به. وأخرجه: ابن ماجه (٢٢٣٧) عن محمد بن عثمان العثماني، عن محمد بن ميمون، عن عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٣٠٠): «قال أبي: لا أعلم في: اللهم بارك لأمتي في بكورها، حديثًا صحيحًا». وانظر: التلخيص الحبير ٤/ ٢٥٩ (١٨٤٥).
(٣) في " المجموع ": «تكرار».
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من " المجموع "، وهي تتمة كلام الشافعي.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
محفوظاتِهِ، ويعتمدُ من الشيوخِ في كلِّ فنٍ أكملُهم، وإنْ أمكنهُ شرحَ درسِهِ كلَّ يومٍ فعلَ، وإلا اقتصرَ على الممكنِ من درسينِ ونحوهما.
وإذا اعتمدَ شيخًا في فنٍ، وكان لا يتأذَّى بقراءتِهِ ذلكَ الفنَّ على ثانٍ وثالثٍ وأكثرَ فليفعلْ ما لم يتأذّوا، فإنْ تأذَّى المُعتمدُ اقتصرَ عليهِ، وراعَى قلبَهُ، وهو أقربُ إلى انتفاعهِ.
وإذا بحثَ المختصراتِ، انتقلَ إلى بحثٍ أكبرَ منها، مع المطالعةِ المتقنةِ، والعنايةِ الدائمةِ المحكمةِ، وتعليقِ ما يراهُ من النفائسِ والغرائبِ، وحل المشكلاتِ، بما يراهُ في المطالعةِ أو يسمعهُ من الشيخِ، ولا يحتقرَنَّ فائدةً يراها أو يسمعها في أيِّ فنٍ كانَ، بل يبادرُ إلى كتابتِها، ثم يواظبُ على مطالعةِ ما كَتبهُ، وليُلازمْ حلقةَ الشيخِ ولْيَعْتَنِ بكلِّ الدّروسِ، ويعلقُ عليها ما أمكنَ فإن عَجزَ اعتنى بالأهمِّ، ولا يُؤْثِرُ بنوبتِهِ فإنّ الإيثارَ بالقُرَبِ مكروهٌ، فإن رَأى الشيخُ المصلحةَ في ذلك في وقتٍ فأشار به امتثلَ أمرهُ.
وينبغي أنْ يرشدَ رفقتَهُ وغيرهُم من الطلبةِ إلى مواطنِ الاشتغالِ والفائدةِ، ويذكر لهم ما استفادَهُ على جهةِ النصيحةِ والمذاكرةِ، وبإرشادِهِم يباركُ لهُ في علمِهِ (١) ويستنيرُ قلبُهُ وتتأكدُ المسائلُ معهُ مع جزيلِ ثوابِ اللهِ تَعالى.
ومن بخلَ بذلك كانَ بِضِدِّهِ، فلا يثبت معهُ، وإنْ ثبتَ لم يثمر. ولا يحسدُ أحدًا، ولا يحتقرهُ، ولا يعجبُ بفهمِهِ.
وكما يُسَلِّمُ إذا أتى يُسلِّمُ إذا انصرفَ، ففي الحديث الأمرُ بذلكَ (٢)، ولا
_________________
(١) في (ف): «علمه»، والمثبت من " المجموع ".
(٢) وفي هذا إشارة لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». أخرجه: أحمد ٢/ ٢٣٠ و٢٨٧ و٤٣٩، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٠٠٨)، وأبو داود =
[ ٢ / ٣٦٤ ]
التفاتَ إلى من أنكرَهُ (١).
ويجلسُ حيثُ انتهى بهِ المجلسُ إلا أنْ يُصرِّحُ له الشيخُ، أو الحاضرونَ بالتقدُّمِ والتخطّي، أو يَعلمَ من حَالهم إيثارَ ذلكَ، ويتأدبُ مع رفقتِهِ فإنّ ذلكَ تأدّبٌ معَ الشيخِ، ويقعدُ قعدةَ المتعلمينَ، ولا يرفعُ صوتهُ رفعًا بليغًا من غير حاجةٍ، ويُقبلُ على الشيخِ مُصغيًا إليهِ، ولا يَسبقهُ إلى شرحِ مسألةٍ، أو جوابِ سؤالٍ، إلاَّ أنْ يعلمَ من حالِ الشيخِ إيثارَ ذلكَ، ليستدلَّ به على فضيلتهِ، ويغتنمَ سؤالهُ عندَ طيبِ نفسهِ وفراغِهِ / ٢٤٦ أ / ويتلطّفَ في سؤالهِ، ويحسنَ خطابَهُ، ويصبرَ على جفوتهِ، وسُوءِ خُلُقِهِ، ولا يَصده ذلك عن ملازمتِهِ، واعتقادِ كمالهِ، ويتأوَّل لأفعالِهِ التي ظاهرُها الفسادُ تأويلاتٍ صحيحةً، فما يعجزُ عن ذلكَ إلاّ قليلُ التوفيقِ.
وإذا جفاهُ الشيخُ ابتدأ هو بالاعتذارِ، وأظهرَ أنَّ الذنبَ لهُ، والعتبَ عليهِ، فذلكَ أنفعُ له دِينًا ودُنيا، وأنقى لقلبِ شيخهِ.
وقد قالُوا: «مَن لَمْ يصبرْ على ذُلِّ التّعلمِ، بقي عمرهُ في عمايةِ الجهلِ، ومَن صبرَ عليه، آل أمرهُ إلى عزِّ الآخرةِ والدنيا»، ومنه الأثرُ المشهورُ عن ابنِ عبّاسٍ ﵄: «ذُلِلتُ طالبًا فعززتُ مَطلوبًا» (٢).
وإذا جاءَ مجلسَ الشيخِ فلم يجدهُ انتظرهُ، ولا يفوِّتُ درسَهُ إلاَّ أنْ يخافَ كراهيةَ الشيخِ لذلكَ، بأنْ يعلمَ من حالهِ الإقراءَ في وقتٍ بعينهِ، فلا يَشقُق عليهِ
_________________
(١) = (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٣٦٩) و(٣٧١)، وأبو يعلى (٦٥٦٦) و(٦٥٦٧)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار "
(٢) - (١٣٥٤)، وابن حبان (٤٩٣) - (٤٩٦)، والبغوي (٣٣٢٨) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. قال الترمذي: «هذا حديث حسنٌ».
(٣) انظر: الأذكار للنووي: ٣٥٧ (٦٤٤).
(٤) أخرجه: الدينوري في " المجالسة وجواهر العلم " (١٦٣٥)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٤٧٤.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
بطلبِ القراءةِ في غيرهِ.
قال الخطيبُ: «وإذا وجدهُ نائمًا لا يستأذنُ عليهِ بل يصبرُ حتى يستيقظَ، أو ينصرفَ».
والاختيارُ: الصّبرُ، كما كانَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ (١) والسلفُ يفعلونَ.
ومن الآدابِ المشتركةِ بين العالمِ والمُتعلِّمِ، أن لا يُخِلَّ بوظيفتهِ لِعُروضِ مَرضٍ خفيفٍ ونحوه مما يمكنُ معهُ الاشتغالُ، ويستشفي بالعلمِ. ولا يَسألَ تعنُّتًا، فإنْ سأل كذلك لم يستحقَّ جوابًا، وفي الحديثِ النهيُ عن غلوطاتِ المسائلِ (٢).
_________________
(١) إشارة لحديث ابن عباس ﵄ الذي فيه قوله: «كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريحُ عليَّ الترابَ، فيخرج فيراني، فيقول لي: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث ». أخرجه: ابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٨١، والحاكم في المستدرك ١/ ١٠٦، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٦٧٣)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: ٦١ (٢١٥).
(٢) وهو حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن الغلوطات. أخرجه: سعيد بن منصور (١١٧٩)، وأحمد ٥/ ٤٣٥، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٦ (٦٣٧٨)، وأبو داود (٣٦٥٦)، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " ١/ ٣٠٥، والآجري في " اختلاف العلماء " ١١٦ - ١١٧، والطبراني في " المعجم الكبير " ١٩/ (٨٩٢)، والخطابي في " غريب الحديث " ١/ ٣٥٤، وتمام في " فوائده " كما في " الروض البسام " (١١٤) - (١١٦)، والبيهقي في " المدخل " (٣٠٥)، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " ٢/ ١١ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصنابحي، عن معاوية بن أبي سفيان، به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة عبد الله بن سعد، قال دحيم: لا أعرفه. =
[ ٢ / ٣٦٦ ]
ويعتني بتحصيلِ الكُتبِ شراءً واستعارةً، ولا يشتغلُ بنسخِها بنفسهِ إنْ حصلتْ بالشراءِ؛ لأنَّ الاشتغالَ أهمُّ إلاّ أن يتعذرَ الشّراءُ لعدمِ الثمنِ، أو عدمِ الكتابِ لنفاستِهِ فيستنسخهُ.
ولا يهتمُّ بحسنِ الخط بل بصحيحِهِ، ولا يَرتَضي الاستعارةَ مع إمكانِ تحصيلِهِ ملكًا، فإن استعارَهُ لم يبطء بهِ». انتهى ما في مقدمةِ "شرحِ المهذبِ" (١).
قولهُ: (أوْقَرَ) (٢) هو أفعلُ تفضيلٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ من وَقُرَ بالضمِّ والفتحِ، أي: كانَ وقورًا في نفسهِ، أي: رَزِينًا غير طَاِئشٍ ولا عَجِلٍ، بل عليهِ سكينةٌ وهيبةٌ، فيكون معناهُ أشدُّ وَقارًا.
ويحتملُ أنْ يكونَ من وقَّرَ غيرهُ، مُعدَّى بالتَّضعيفِ على وجهِ الشّذوذِ، حَملًا لَهُ على أفعلِ المعدى بالهمزةِ فإنّ سيبويهَ أجازَهُ مَقيسًَا / ٢٤٦ ب / نحو: هو أعطى للدّراهمِ من زيدٍ، وأولَى بالمعروفِ، وفي الحديث: «فَهُوَ لما سواها أضيعُ» (٣).
_________________
(١) = انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٨ (٤٣٤٨). وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٣٥، والبيهقي في " المدخل " (٣٠٣)، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " ٢/ ١٠ - ١١ من طريق روح بن عبادة، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصنابحي، عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، به. وهذا الإسناد ضعيف كسابقه. وأخرجه: الطبراني في " المعجم الكبير " ١٩/ (٩١٣) من طريق سليمان بن داود الشاذكوني، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الله الكفاني، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي علية، عن رجاء بن حيوة، عن معاوية، به. وسليمان الشاذكوني ضعيف. انظر: الجرح والتعديل ٤/ ١١٢ (٤٩٨)، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٥ (٣٤٥١).
(٢) نقله المؤلف هنا باختصار وتصرف يسير، وتقديم وتأخير. انظر: المجموع شرح المهذب ١/ ٨٣ - ٩٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣، وهو من كلام البخاري في يحيى بن معين. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٧٧ (٢٩٠).
(٤) وهذا جزء من حديث موقوف عن عمر بن الخطاب - ﵁ -. =
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وقالوا: هذا أخصرُ من ذلكَ، والفعلُ اختصرَ.
قولهُ: (العَفْو) (١) هو الفضلُ، ومن الماءِ: ما فَضَلَ عن الشاربَةِ، أي: أقنعَ منهُ بما لا كلفة عليهِ في بذلهِ، ولا يُضيعُ عليهِ وقتهُ في مهمٍ لهُ، ولا يُكدِّرُهُ سُؤالهُ فيهِ، قال ابنُ دقيقِ العيدِ: «ولا يَستعملُ ما قالَهُ بعضُ الشّعراءِ
أعنتِ الشَّيخَ بالسُّؤالِ تجِدْهُ سَلِسًا يلتقيكَ بالرَّاحتينِ
وإذا لم تَصِحْ صِيَاحَ الثكالى رُحْتَ عنه وأنتَ صِفْرُ اليدينِ (٢») (٣).
انتهى.
والذي يظهرُ لي من هذا الشعرِ، أنه غيرُ مخالفٍ لما مضى من التّخفيفِ، فإنّ الناسَ متفاوتونَ، فبعضُهم يحبُّ أنْ يُكثرَ الطالبُ من سؤالهِ.
والأمرُ الفاصل في هذا: أنَّك ما دُمتَ ترى الشيخَ على ما وصفهُ هذا الشاعرُ من السَّلاسةِ والانبساطِ فاسألْ، فإذا رأيتَهُ أخذَ في الضَّجرِ فاتركْ واعتذرْ بما يَبْسُطُ الشيخَ مما لعله حصلَ من قبضٍ، وكذا في البحثِ، واللهُ الموفقُ.
_________________
(١) = أخرجه: مالك في الموطأ (٦) برواية الليثي، ومن طريقه أخرجه: عبد الرزاق (٢٠٣٨)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ١٩٣، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٤٤٥ عن نافع مولى ابن عمر: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله، فذكره، وهذا الطريق ضعيف؛ لانقطاعه؛ لأن نافعًا لم يلق عمر بن الخطاب - ﵁ -. ولكن صح هذا الأثر من طريق آخر أخرجه: عبد الرزاق (٢٠٣٧) و(٢٠٣٩) من طريقين عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، به.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩٩.
(٣) الاقتراح: ٢٥٤.
(٤) هذان البيتان للإمام عبد الله بن المبارك، وهما على البحر الخفيف. أسند ذلك إليه الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٣٦١ (٣٠٩).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
قوله: (يُحرَمَ الانْتِفاعَ) (١) تتمةُ كلامِهِ: «وقد رُوِّينَا عن الزُّهريِّ أنّه قالَ: إذا طالَ المجلسُ كانَ للشيطانِ فيه نَصيبٌ» (٢).
قولهُ: (مِن ابنِ عَبدِ الدَّائِمِ) (٣) هو أحمدُ بروايتِهِ عن المؤلِّفِ الحافظِ عبدِ الغني بنِ عبدِ الواحدِ المقدسيِّ (٤).
وأنا أروي " العُمدةَ " (٥) عن عبدِ الرحمانِ بن عمرَ القِبَابِيِّ (٦) بموحدتينِ، وفاطمةَ بنتِ خليلٍ العَسقلانيةِ (٧)، كلاهما عن
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤، وهو من كلام ابن الصلاح.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٥، وكلام الزهري أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣١٥ (١٣٩٥).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤.
(٤) هو الإمام الحافظ العالم عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الحنبلي، صاحب التصانيف الماتعة منها: " الأحكام الكبرى " و" الصغرى " و" الكمال في معرفة رجال الكتب الستة " توفي سنة (٦٠٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٤٣ - ٤٧١، وشذرات الذهب ٤/ ٣٤٥.
(٥) وهو كتاب " عمدة الأحكام عن سير الأنام " في ثلاث مجلدات عز نظيرها. وفيه : «وحصرت الكلام في خمسة أقسام الأول: التعريف بمن ذكر من رواة الحديث إجمالًا، الثاني: في أحاديثه، الثالث: في بيان ما وقع فيه المهمات، الرابع: في ضبط لفظه، الخامس: الإشارة إلى بعض ما يستنبط». انظر: كشف الظنون ٢/ ١١٦٤.
(٦) وهو عبد الرحمان بن عمر بن عبد الرحمان بن حسن بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن اللخمي المصري، الحموي الأصل ويعرف بالقِبابي -بكسر القاف وموحدتين- نسبة لقباب حماة لا للقباب الكبرى من قرى أشموم الرمان بالصعيد، وإن جزم به بعض المقادسة توفي سنة (٨٣٨ هـ). انظر: الضوء اللامع ٤/ ١١٣ (٣٠٢)، وشذرات الذهب ٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٧) وهي فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل، ابنة الصلاح الكناني المقدسي العسقلاني القاهري الحنبلي، وابنة أخي القاضي ناصر الدين نصر الله. توفيت سنة (٨٣٨ هـ). انظر: الضوء اللامع ١٢/ ٩١ (٥٦٤).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
المرْدَاوِي (١) المذكورِ وهو ابنُ جبارةَ، به.
فكَأَنّي أرويهَا عن الشَّيخِ زَينِ الدينِ العراقيِّ النَّاظِمِ، وماتَ قبلَ مولدي بمدةٍ (٢).
قوله: (أنْ يَمنَعَهُ التَّكَبُّرُ) (٣) قال ابنُ الصَّلاحِ: «ورُوِّينَا عن عمرَ ابنِ الخطَّابِ وابنهِ ﵄، أنَّهما قالا: «مَنْ رقَّ وجهُهُ رَقَّ عِلمُهُ (٤») (٥).
وقال الشَّيخُ مُحيي الدّينِ: «وَلْيكُنْ في غايةِ الجدِّ، ولا يَستنكفُ عن التعلمِ ممن هو دونَهُ في سِنٍّ أو نَسبٍ أو شُهرةٍ أو دِينٍ، ولا يَستحي من السّؤالِ عمّا لا يعلمُهُ، ففي " الصحيحِ " في آخرِ كتابِ العلمِ (٦): «نِعْمَ النّساءُ نساءُ الأنصارِ، لم يمنعْهنَّ الحياءُ أن يتفقَّهنَ في الدّين ».
_________________
(١) وهو أحمد بن عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المرداوي الحنبلي قاضي حماة. توفي سنة (٧٨٧ هـ). انظر: الدرر الكامنة ١/ ١٦٨ (٤٢٩)، وشذرات الذهب ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٢) وهذه المدة ليست بالطويلة؛ إذ توفي العراقي سنة (٨٠٦ هـ)، وولد البقاعي سنة (٨٠٩ هـ).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤.
(٤) أخرجه: الدارمي (٥٥٦)، والبيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٤٠٨) من طريق حفص بن عمر، عن عمر بن الخطاب، به. وأخرجه: يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ١١٣، والبيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٤٠٧) من طريق سفيان الثوري، عن رجل سماه لي بندار، عن أبي محمد رجل من بني نصر، عن ابن عمر، به. وأخرجه: الدارمي أيضًا (٥٥٦) من قول الشعبي.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٦.
(٦) صحيح البخاري ١/ ٤٤ باب الحياء في العلم عن عائشة ﵂، معلقًا. قال ابن حجر في فتح الباري عقيب (١٣٠): «هذا التعليق وصله مسلم (١/ ١٧٩ (٣٣٢) (٦١» من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة في حديث أوله أن أسماء بنت يزيد الأنصاري سألت النبي - ﷺ - عن غسل الميض». قلت: وأخرجه أيضًا أبو داود (٣١٦)، وابن ماجه (٦٤٢). وانظر: تغليق التعليق ٢/ ٩٤.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وثبتَ في " الصَّحيحينِ " (١): أنّ النبيَّ - ﷺ - قَرَأَ: ﴿لَمْ يَكُن﴾ (٢) على أُبيٍّ - ﵁ -» (٣).
«فمَن رَقَّ وجهُهُ عندَ /٢٤٧أ/ السُؤالِ، ظهرَ نقصهُ عندَ اجتماعِ الرّجالِ.
وإذا قال له الشّيخُ: أَفَهِمْتَ؟ فلا يقلْ: نَعَمْ، حتى يتضحَ لهُ المقصودُ اتضاحًا جليلًا؛ لئلا يكذبَ ويفوتهُ الفهمُ.
ولا يَستَحيي من قولهِ: «لِمَ»؟، ومن قولهِ: «لم أفهمْ»؛ لأنّ استثباتَهُ يُحصِّلُ لهُ مصالحَ عاجلةً وآجلةً، فمن العاجلةِ: حفظهُ للمسألةِ، وسلامتُهُ من كَذبٍ ونِفاقٍ، بإظهارِ فهمِ ما لم يكنْ فهمَهُ.
ومنها: اعتقادُ الشّيخِ اعتناؤهُ، ورغبتهُ، وكمالُ عقلهِ، وورعهُ، ومُلْكُهُ لنفسِهِ.
ومن الآجلةِ: ثبوتُ الصوابِ في قلبهِ دائمًا، واعتيادهِ هذهِ الطريقةِ المرضيةِ والأخلاقِ الرضيةِ.
وعَن الخليلِ بنِ أحمدَ: منزلةُ الجهلِ بينَ الحياءِ والأنفةِ.
وإذا سمعَ الشيخَ يقولُ مسألةً أو يَحكيَ حكايةً وهو يحفظُها: يُصغي لها إصغاءَ مَن لا يحفظُها إلا إذا عَلِمَ من حالِ الشيخِ إيثارَهُ عليهِ بأنّ المتعلِّمَ حافِظُها» (٤).
_________________
(١) هو في صحيح البخاري ٥/ ٤٥ (٣٨٠٩) و٦/ ٢١٦ (٤٩٥٨) و٦/ ٢١٧ (٤٩٦٠) و(٤٩٦١)، وصحيح مسلم ٢/ ١٥٠ (٧٩٩) (١٢٢) و٢/ ١٩٥ (٧٩٩) (٢٤٦) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) البينة: ١.
(٣) المجموع شرح المهذب ١/ ٧٠ - ٧١، والكلام بعده للنووي أيضًا، لكن في موضع آخر كما سيأتي.
(٤) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٦.
[ ٢ / ٣٧١ ]
قولُهُ: (فَذَلِكَ لُؤمٌ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «وَمَنْ ظَفرَ من الطلبةِ بسَماعِ شَيخٍ فيكتُمهُ غيرَهُ لينفردَ بهِ عَنهُم، كانَ جديرًا بأنْ لا ينتفعَ بهِ، وذلكَ من اللُّؤمِ الذي يقعُ فيهِ جَهَلَةُ الطَّلبةِ الوُضَعَاء، وَمِن أوَّلِ فَائدةِ [طلبِ] (٢) الحديثِ: الإفادةُ» (٣). انتهى.
واللُّؤمُ: بالضّمِّ مَهموزًا، قالَ في " القاموسِ " (٤): «ضِدُّ الكَرَمِ لَؤُمَ ككَرُمَ لُؤْمًَا».
وقالَ أبو عبدِ اللهِ القَزَّازُ: «ومَلأمَةٌ عَلى مَفعَلَةٍ، فَهوَ لَئيمٌ، واللّئيمُ عندَ العَربِ هوَ البخيلُ المهينُ النَّفس، الخسيسُ الأباء، فإذا كانَ شحيحًا ولمْ تجتمعْ لَهُ هذه الخصالُ، قيلَ لهُ: بخيلٌ، ولم يُقَل: لئيمٌ».
قوله: (فاللهُ أعلمُ بمَقاصِدِهِمْ) (٥)، أي: أنَّهُ لا يُظَنَّ بأحدٍ منهُمْ - معَ مَا كانوا فيهِ منَ الورعِ، والاجتهادِ في الخيرِ - أنّه قصدَ الانفرادَ عنِ الأضرابِ فقطْ منْ غيرِ قصدٍ صالحٍ وخَفِيَ عنّا ذلكَ، فاللهُ أعلمُ، فإنّهُ لا يسعنَا إلاّ تحسينُ الظنِّ بهمْ، وستأتي الوجوهُ التي تصلحُ للاعتذارِ عنهمْ في كلامِ الشّيخِ.
قوله: (وَرُوّينَا عنْ إسْحَاقَ) (٦) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: «ورُوِّيْنا عَنْ إسْحاقَ ابنِ إبراهيِمَ [بنِ] (٧) راهَوَيْه أنَّهُ قالَ لبعضِ مَنْ سَمِعَ منهُ في جماعَةٍ (٨): انْسَخْ من كِتابِهم
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٥.
(٤) القاموس المحيط مادة (لؤم).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٥.
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٨) أخرجه: البيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٥٨٥).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
ما قد قَرَأتُ، فقالَ: إنهم لا يُمَكَّنونني، قالَ: إذَنْ واللهِ لا يُفْلحُون / ٢٤٧ ب / قد رأينا » الخ. ثمَّ قالَ ابنُ الصّلاحِ: «وقدْ رأيْنا نحن أقْوامًا مَنَعُوا السَّماع فما أفْلَحوا ولا أنْجَحُوا، ونَسْأَلُ اللهَ العافيةَ» (١). انتهى.
ومعنى أنجحُوا: صاروا ذَوي نُجْحٍ، أي: ظَفَرٍ بالمرادِ.
قولُهُ: (غَير مُؤَنَّبٍ وَلا مَلُومٍ) (٢) هما للمفعولِ، والتأنيبُ: التبكيتُ، وهو أنْ يُستقبلَ الإنسان بما يكرهُ (٣).
واللَّوْمُ: وهو بالفتح غير مهموز، وهو العَذْلُ (٤).
وقولُهُ: (مَلوم مِنْهُ) (٥)، أي: مَعْذُولٌ.
قوله: (تَكْثير الشّيُوخِ) (٦) ليسَ فيه مخالفةٌ لما تقدّمَ من قولِهِ: «ضَيِّعْ وَرَقةً وَلا تُضَيِّعْ شَيْخًَا» (٧) فإنّ هذا فيما إذا كانَ تكثيرُ الشيوخِ لمجرَّدِ الصِّيتِ.
وذاكَ محمولٌ عَلَى ما فيهِ فائدةٌ جديدةٌ، بأنْ يرجو أنْ يرى عندَ الشّيخِ الثاني، مَا ليسَ عندَ منْ تَقدِّمَهُ، منْ حديثٍ يَستزيدُهُ، أو خُلُقٍ صَالحٍ يَستفيدُهُ، أو نحو ذلكَ.
قوله: (قدْرَ خمسةِ آلافِ حديثٍ) (٨) إنْ قيلَ: المرادُ الاستدلالُ عَلَى النهي
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٥، وهو كلام الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: ٣٣١.
(٣) انظر: القاموس المحيط مادة (بكت).
(٤) انظر: القاموس المحيط مادة (لوم).
(٥) الذي في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٤٥ من كلام الخطيب: «معلوم» فقط وليس فيه كلمة: «منه» ولا توجد هذه الكلمة فيما بعده، ولا في الذي قبله.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٦.
(٧) ذكره الخطيب عن بعض أصحابه في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٧٩ (١٦٩٣). وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٦، وهو كلام عفان. أخرجه الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٧٦١)، ومن طريقه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٩١ (١٧٥٢).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
عنْ تكثيرِ الشّيوخِ لمجردِ الصّيتِ، والدَّليلُ ظاهرُهُ النهي عنْ تكثيرِ المروي.
قيلَ: المرادُ النهيُ عنْ تكثيرِ المروي المكررِ الذي ليسَ فيهِ إلاّ تكثيرُ الطرقِ المستلزمُ لتكثيرِ المشايخِ، العريِّ عنْ غيرِ قصدِ الاستكثارِ لمجردِ الصّيتِ بدليلِ قولِهِ أولًا: «كنّا نَأتي هذا فنسمعُ منهُ مَا ليسَ عندَ هذا» (١).
فإنِ انضمَّ إلى قصدِ الصّيتِ، تكثيرُ الطرقِ لجمعِ الألفاظِ المختلفةِ التي بهَا يَظهرُ معنى الحديثِ، أو لألفاظٍ زائدةٍ في بعضِ الطرقِ تفيدُ معنى زائدًا فلا منعَ، فإنْ تجردَ ذلكَ عنْ قصدِ الصِّيتِ كانَ عدمُ المنعِ منْ بابِ الأولى.
قولُهُ: (وَمَا رَضِينَا مِنْ أحدٍ إلاّ بِالإمْلاءِ) (٢) من تتمةِ القصَّةِ، وَليسَ منْ تتمةِ الدّليلِ.
قولُهُ: (وَليسَ مِنْ ذَلكَ) (٣)، أي: منْ تكثيرِ الشّيوخِ لمجردِ الصّيتِ، وإلاّ لم يكنْ للتفتيشِ فائدةٌ، فإنّه إذا لم يكنْ في الاستكثارِ فائدةٌ، لمْ يتأتَ الانتقاءُ، فإنّ الانتقاءَ هو اختيارُ مَنْ هُوَ أكثرُ فائدةً، والغرضُ أنّهُ لا فائدةَ ولا قصدَ إلاَّ مجردِ الصِّيتِ.
قولُهُ: (فَإذَا حَدّثْتَ فَفَتِّشْ) (٤) قرأتُ بخطِّ صاحبِنَا العلامةِ شمسِ الدّينِ بنِ حسّانَ، وَكذلكَ رواهُ السلفيُّ فيمَا قرأتُهُ بخطِّهِ في كتَابِهِ " شرطِ (٥) القراءةِ عَلَى
الشّيوخِ "، عنْ يحيى بنِ معينٍ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٦، وهو كلام عفان أيضًا.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٦، وهو من كلام عفان أيضًا.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٦، وهذه عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٧، وهذا من كلام أبي حاتم الرازي. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٧٦ (١٦٨١).
(٥) في (ف): «شروط»، والمثبت من " كشف الظنون " ٢/ ١٠٤٤.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وَرُويَ عنِ ابنِ صَاعدٍ (١) قالَ: «قالَ لي إبراهيمُ بنُ أُوْرَمَةَ (٢): اكتُبْ عنْ كُلِّ إنسانٍ فإذا حَدَّثتَ / ٢٤٨ أ /، فأنتَ بالخيارِ».
قولُهُ: (بِالإكْثَارِ منَ الشّيوخِ) (٣) قالَ شيخُنَا الحافظُ برهانُ الدينِ الحلبيُّ الشافعيُّ: «أصحابُ الألوفِ فمَا زادَ منَ المحدّثينَ الذينَ وقفتُ عَلَى شيوخِهِمْ:
الطَّبرانيُّ: أكثرُ منْ ألفِ شَيخٍ (٤).
أبو الفِتْيَانِ (٥): ثَلاثةُ آلافِ شيخٍ وسبعِ مئةِ شيخٍ (٦).
أبو القَاسِمِ بنُ عَسَاكرَ: ألفٌ وَثلاثمئةٍ وثمانونَ شيخًا (٧).
_________________
(١) وهو الإمام الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد الكاتب، محدث العراق، أبو محمد الهاشمي البغدادي، رحال جوال، عالم بالعلل والرجال، توفي سنة (٣١٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٣١، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٠١.
(٢) الإمام الحافظ إبراهيم بن أُورمة، أبو إسحاق الأصبهاني، قال عنه الدارقطني: هو ثقة حافظ نبيل، توفي سنة (٢٦٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٤٢، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ١٤٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٧.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٢٠. وألفَّ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵀ كتابًا جمع فيه شيوخ الطبراني وسماه " بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني " وهو مطبوع.
(٥) وهو عمر بن أبي الحسن عبد الكريم بن سعدويه الدهستاني الرواسي من أهل دهستان أحد حفاظ عصره ممن رحل وجمع وكتب بخراسان والعراق والشام والحجاز ومصر، توفي سنة (٥٠٣ هـ). انظر: الأنساب ٢/ ٣٢٨، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٣١٧.
(٦) قال ابن نقطة: «سمعت غير واحد يقول: إن أبا الفتيان سمع من ثلاثة آلاف وستمئة شيخ». انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣١٨.
(٧) قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٢٠/ ٥٥٦: «وعدد شيوخه الذي في معجمه ألف وثلاث مئة شيخ بالسماع، وستة وأربعون شيخًا أنشدوه، وعن مئتين وتسعين شيخًا بالإجازة، الكل في معجمه، وبضع وثمانون امرأة لهن معجم صغير سمعناه».
[ ٢ / ٣٧٥ ]
أبو سعدِ بنُ السَّمعانيِّ: سَبعةُ آلافِ شيخٍ، وَهذا شيءٌ لمْ يبلغْهُ غيرُهُ (١).
الدّمياطيُّ (٢): ألفٌ وثلاثمئةِ شيخٍ (٣).
قالَ: ورأيتُ في موضعٍ آخرَ أنَّ لَهُ ألفَ شيخٍ ومئتي شيخٍ وَخمسينَ شيخًا (٤).
عمرُ بنُ الحاجبِ (٥): ألفُ شيخٍ ومئةٌ وثمانونَ (٦).
الوليدُ بنُ بكرٍ الغَمْريُّ (٧): لقي في رحلتِهِ أكثرَ مِنْ ألفِ شيخٍ (٨).
ابنُ البخاريِّ (٩): ثلاثةُ آلافِ شيخٍ.
أبو صالحٍ المؤذنُ (١٠): ألفُ شيخٍ (١١).
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣١٦.
(٢) وهو الشيخ الإمام الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن التوني الدمياطي الشافعي صاحب التصانيف، توفي سنة (٧٠٥ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٧ - ١٤٧٩، وشذرات الذهب ٦/ ١٢.
(٣) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٨.
(٤) انظر: شذرات الذهب ٦/ ١٢.
(٥) وهو الحافظ العالم عز الدين أبو الفتح عمر بن محمد بن منصور الأميني الدمشقي، كان دينًا خيرًا ثبتًا متيقظًا قد فهم وجمع، توفي سنة (٦٣٠ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٥٥، وشذرات الذهب ٥/ ١٣٨.
(٦) قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" ٤/ ١٤٥٥: «وعمل المعجم عن ألف ومئة وثمانين شيخًا».
(٧) وهو الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي دُبار الحافظ اللغوي، أحد الرحالة في الحديث، توفي سنة (٣٩٢ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٤٨١، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥.
(٨) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥.
(٩) وهو مسند الدنيا الفخر بن البخاري أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمان السعدي المقدسي، توفي سنة (٦٩٠هـ). انظر: العبر ٣/ ٣٧٣، وشذرات الذهب ٥/ ٤١٤.
(١٠) وهو الحافظ المتقن أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد النيسابوري محدث وقته في خراسان، توفي سنة (٤٧٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٢٦٧، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٦٢.
(١١) انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٦٣.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ: سَمِعَ منْ قَريبٍ مِنْ ألفي شيخٍ (١).
أبو عبدِ اللهِ بنُ مندَه: ألفٌ وسبعُمئةِ شيخٍ (٢).
أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: يزيدُ عَلى ألفِ شيخٍ (٣).
ابنُ حبانَ: كتبَ عنْ أكثرِ مِنْ ألفي شيخٍ (٤).
عبدُ اللهِ بنُ المباركِ: عنْ ألفِ شيخٍ ومئةِ شيخٍ (٥).
البخاريُّ: كَتبَ عنْ أكثرِ منْ ألفِ شيخٍ (٦).
محمدُ بنُ يونسَ الكُديميُّ (٧) قالَ: «كتبتُ عنْ ألفٍ ومئةٍ وستةٍ وثمانينَ نفسًا منَ البَصْريينَ» (٨). انتهى. وهو كذّابٌ وضّاعٌ (٩).
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٩.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٠.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥٥.
(٤) قال ابن حبان في مقدمة كتابه " التقاسيم والأنواع " كما في " الإحسان " ١/ ١٥٢: «ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب - وتقع إلى الشمال من طشقند عاصمة جمهورية كازخستان - إلى الإسكندرية».
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٩٧.
(٦) قال البخاري: «كتبت عن ألف شيخ أو أكثر وما عندي حديث إلا أذكر إسنادهُ». انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٠.
(٧) وهو محمد بن يونس بن موسى القرشي السامي الكديمي البصري أحد المتروكين، قال ابن حبان: «كان يضع على الثقات الحديث موضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث» وقال ابن عدي: «اتهم بوضع الحديث وسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، ورواية عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه»، توفي سنة (٢٨٦ هـ). انظر: المجروحين لابن حبان ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦، والكامل لابن عدي ٧/ ٥٥٣، وميزان الاعتدال ٤/ ٧٤ (٨٣٥٣).
(٨) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٨٦ (١٦٨٧).
(٩) كذا قال ابن حبان وابن عدي، كما سبق في ترجمته.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
أحمدُ بنُ جعْفَر الحافظُ (١): كتبَ عنْ أكثر مِنْ ألفِ شيخٍ (٢).
إسحاقُ بنُ إبراهيمَ القَرّابُ (٣): زادَ عَلى ألفٍ ومئتي شيخٍ (٤).
وقرأتُ بخطِّ بعضِ فُضَلاءِ المحدّثينَ الحلبيينَ تجاه تَرجمةِ الشّيخِ قطبِ الدّينِ عبدِ الكريمِ الحلبيِّ (٥) في " معجمِ ابنِ رافعٍ " أنَّ الصّلاحَ الصفديَّ قالَ: «إنَّ مَشايخَ القطبِ تَبلُغُ الألفَ» (٦).
قوله: (وَالقَاسِمُ بنُ دَاودَ) (٧) قالَ الذهبيُّ في " الميزانِ " (٨): «طيرٌ غريبٌ، [أو] (٩) لا وجودَ لهُ، انفردَ عنهُ أبو بكرٍ النقّاشُ ذاكَ التالفُ (١٠)، فقالَ: سمعتهُ يَقولُ:
_________________
(١) لعله الحافظ أحمد بن جعفر بن محمد بن جعفر بن مهران أبو بكر الأصبهاني، توفي سنة (٤٤٢ هـ). انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٤٤٢/ ٥٨.
(٢) قال أحمد بن جعفر الأصبهاني كما نقله الذهبي في " تاريخ الإسلام " صفحة: ٣٢٣ وفيات (٣٩٥): «كتبت عن أكثر من ألف شيخ، ما فيهم أحفظ من أبي عبد الله بن منده».
(٣) وهو الإمام الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمان السرخسي محدّث هراة، صاحب التواليف الكثيرة، توفي سنة (٤٢٩ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٠٠.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧١.
(٥) وهو الحافظ الكبير قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، وتوفي سنة (٧٣٥ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٥٠٢، والدرر الكامنة ٢/ ٣٩٨، وشذرات الذهب ٦/ ١١٠.
(٦) انظر: الدرر الكامنة ٢/ ٣٩٨.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٧.
(٨) ٣/ ٣٧٠ (٦٨٠٤).
(٩) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " ميزان الاعتدال ".
(١٠) وهو شيخ القراء أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ثم البغدادي النقاش، قال البرقاني: كل حديث النقاش منكر، وقال طلحة بن محمد الشاهر: كان النقاش يكذب في الحديث، قال الذهبي: وهو في القراءات أقوى منه في الروايات. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٠١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٧٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٥٢٠ (٧٤٠٤).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
كَتَبتُ عنْ ستةِ آلافِ شَيخٍ (١)، وَحدّثنَاهُ (٢) عَنْ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ العلاء».
قولُهُ: (مِنْ مُنْتَقٍ خيرُ) (٣) اسم فاعلٍ منَ الانتقاءِ، وهو للتنفيرِ.
قالَ ابنُ الصّلاحِ: «ورُوِّيْنا عنهُ أنَّهُ قالَ: لا يَنْتَخِبُ على عالمٍ إلاَّ مذنبٌ (٤). ورُوِّيْنا عَنْ يَحْيَى بن مَعِينٍ أنَّهُ قال: سَيَنْدَمُ المنْتَخِبُ في حين لا تَنْفَعُهُ
النَّدامةُ (٥») (٦).
قولُهُ: (وَصاحبُ النَّسْخِ لا يَنْدمُ) (٧) هو مصدر لنسخ، والمرادُ بهِ الذي ينسخُ الكتابَ كمَا هو منْ غيرِ انتخابٍ.
قولُهُ: (بحُسْنِ الانْتِقَاءِ) (٨) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ / ٢٤٨ ب /: «وقدْ كانَ جماعةٌ مِنَ الحُفَّاظِ مُتَصدِّين للانْتِقاءِ على الشُّيُوخِ، والطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وتَكْتُبُ، بانْتِخابِهمْ مِنْهم: إبراهيمُ بنُ أورمَةَ الأصْبَهانيُّ، وأبو عبدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ مُحمَّدٍ المعروفُ بِعُبَيْدٍ العِجْل (٩») (١٠).
_________________
(١) أسند ذلك عنه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: ٣٧٧ (١٦٨٩).
(٢) كذا في " ميزان الاعتدال " وفي الأصل والمطبوع: «حدثنا».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٨، وهو كلام عبد الله بن المبارك. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٥٣ (١٥٧٧).
(٤) في " المعرفة ": «بذنب».
(٥) أخرجه: الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ٨٥.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٨، وهو كلام يحيى بن معين. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٥٣ (١٥٧٨).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٩. وانظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٣٣.
(٩) وهو الحافظ الإمام المجود، أبو علي الحسين بن محمد بن حاتم البغدادي، قال الخطيب: كان ثقة متقنًا حافظًا، توفي سنة (٢٩٤ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٩٠. وانظر تعليقنا على " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٧ هامش (٤).
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٧.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
قولُهُ: (أوْ لِيُمسكَ الشّيخُ أَصلَهُ) (١)، أي: فتحصلَ المعارضةُ بإمساكِ غيرِ الشّيخِ - أو مَا كانَ معها بإمساكِهِ - مُنضمَّة إلى حصولِ الرّوايةِ عنِ
الشّيخِ، والمرادُ بالمعارضةِ: مَا خلا عنِ الروايةِ فيكون منْ عطفِ الخاصِ عَلى العامِ.
وتعليمُهُ عَلى الأصلِ المنتخبِ منهُ يكونُ باستئذانِ صاحبِهِ أو بعلمِهِ برضاهُ، إما لصحتهِ، أو لكونِ العرفِ جاريًا بينَ النَّاسِ بذلكَ.
قولُهُ: (الفَلَكِيُّ) (٢) هو بالفاءِ محرَّكًا (٣).
٧٢٤ - وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْن فَهْم نَفَعَا
قولُهُ في قولِهِ: (ولا تَكُنْ مُقتَصِرًا): (نَفَعا) (٤) هو صفةٌ لـ «فَهْمٍ»، وهو يحتملُ لأن يكونَ صفةً كاشفةً لازمةً؛ لأنّ كلّ فهمٍ نافعٌ.
ويحتملُ أنْ تكونَ مقيدة فإنَّه ربما فَهمَ الشيء على غيرِ وجهِهِ، فكانَ فهمًا ضارًَّا كفهمِ أهلِ الإلحادِ لآياتِ الصفاتِ وأحاديثِهَا عَلى ظواهرِهَا، فإنَّ ذلكَ فهمٌ ضارٌ بلْ هوَ أضرُّ الأشياءِ، فإنَّه حالقٌ للدينِ منْ أصلِهِ؛ لأنَّ أهلَ الإسلامِ اتفقوا على صرفِهَا عنِ الظاهرِ الذي يلزمُ منهُ التشبيهُ أولَ كلِّ شيءٍ، ثمَّ انقسموا بعدَ ذلكَ إلى ساكتٍ مفوضٍ وإلى قائلٍ مؤولٍ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٩.
(٣) قال السمعاني: «بفتح الفاء واللام وفي آخرها كاف هذه نسبة إلى الفلك ومعرفته وحسابه»، والفلكي هذا هو الحافظ أبو الفضل علي بن الحسين بن أحمد بن الحسن الهمذاني عرف بالفلكي؛ لأن جده كان بارعًا في علم الفلك والحساب، توفي سنة (٤٢٧ هـ). انظر: الأنساب ٣/ ٤٦٤، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٠٢.
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٢٤).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فمَنْ حملَ عَلى الظاهرِ فقدْ خالفَ الأمةَ واتبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ وشاققَ اللهَ ورسولَهُ من بعدِ مَا تبينَ لَهُ الهدى (١).
قولُهُ: في شرحه: (وَفَهْمِهِ) (٢) تتمةُ عبارةِ ابنِ الصّلاحِ: «فيكون قدْ أتعبَ نَفْسهُ مِن غيرِ أن يظفرَ بطائلٍ، وبغيرِ أن يَحْصُلَ في عدادِ أهلِ الحديثِ، بل لَمْ يَزد على أن صارَ مِنَ المتشبهينَ المنقوصينَ المُتَحَلّينَ بما هُمْ منهُ عاطِلونَ» (٣).
قولُهُ: (نَذْلة) (٤) بنونٍ مفتوحةٍ، ثمّ ذالٍ معجمةٍ ساكنةٍ، منَ النذالةِ وهي الخسةُ.
قالَ في " القاموسِ " (٥): «النَّذيلُ: الخَسيسُ من الناسِ المُحْتَقَرُ في جَميع أحْوالِهِ، والجمعُ أنْذَالٌ ونُذولٌ ونُذَلاءُ ونِذالٌ، وقدْ نَذُلَ ككَرُمَ، نَذَالَةً ونُذولَةً».
قوله: (القدَريّة) (٦) هو بفتحِ الدَّالِ، وهمُ الذينَ يقولونَ: إنَّ العبدَ يقدرُ عَلَى
_________________
(١) قد ذكرت فيما سبق أن عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله - ﷿ - هي: إثباتها كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني، لا يؤولونها عن ظاهرها، ولا يحرفون ألفاظها ودلالتها عن مواضعها، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين. فإطلاق المؤلف هنا فيه تجاوز وتخليط إنما يثبت أهل السنة والجماعة ما أثبت الله من صفاته وينفون عنه ما نفى، ولا يخوضون في الكيفية فالصفة معلومة، والكيفية مجهولة، والإيمان بالصفة واجب، والسؤال عنها بدعة. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٤٤) و(٩٢٨)، وشرح العقيدة الواسطية: ١٤٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠، وهذا كلام أبي عاصم النبيل. انظر: المحدّث الفاصل: ٢٥٣ (١٦١).
(٥) القاموس المحيط مادة (نذل).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠، وهذا من كلام الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي": ٣٤٩.
[ ٢ / ٣٨١ ]
خلقِ فعلِ نفسِهِ (١).
قولُهُ: (بالحشْوِيَّةِ) (٢) نسبةً إلى الحشْوِ بإسكانِ الشينِ المعجمةِ، وهو الوقوفُ عندَ الظاهرِ منْ غيرِ معرفةٍ للأسرارِ، أخذًا منَ الحشْوِ منَ النّاسِ (٣) وهمُ
/ ٢٤٩ أ / الذينَ لا يعتدُّ بهمْ، وفلان مِنْ حَشوةِ بني فُلانٍ، أي: منْ رُذَّالهم.
والحشوُ منَ الكلامِ مَا كانَ فضلًا لا يعتمدُ عليهِ (٤).
وقدْ ذَكرَ ابنُ خلاّدٍ في كتابِهِ " المحدّثِ الفاصلِ " (٥) أشياءَ حسنةً تبعثُ ذا الهمةِ العاليةِ عَلى بذلِ الجَهدِ في التفهمِ في بابٍ عقدَهُ في أوائلِ كتابِهِ في فضلِ منْ جمعَ بينَ الروايةِ والدرايةِ.
_________________
(١) ذكر ابن الجوزي في كتابه " تلبيس إبليس ": أن القدرية انقسمت إلى اثنتي عشرة فرقة، وذكر منها المعتزلة، في حين أطلق أصحاب كتب الفرق الآخرين القدرية على المعتزلة، وانظر على سبيل المثال: الفرق بين الفرق: ١٣١، والملل والنحل ١/ ٤٩، ومنهاج السنة ٦/ ٣٩٦، وغيرها.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٠، وهو من كلام الخطيب أيضًا.
(٣) الحَشَوِيَّة - بالتحريك والتسكين -: طائفة من المبتدعة، تمسكوا بالظواهر وذهبوا إلى التجسيم، وغيره، سموا بذلك، نسبة إلى الحشو أو الحشا، أي: الجانب؛ لأنهم ردوا إلى حشا حلقة الحسن البصري، أي: جانبها. وقد أطلقت بعض الفرق الضالة على أهل الحديث اسم الحشوية وذلك لميل هذه الفرق عن الحق والعدل، ورحم الله الإمام أبا حاتم الرازي الذي قال: «علامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية: تسميتهم أهل السنة مجبرة، وعلامة المرجئة: تسميتهم أهل السنة نقصانية، وعلامة المعتزلة: تسميتهم أهل السنة حشوية، وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة نابتة». انظر: متن اللغة ٢/ ٩٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٩٣٩)، ومجموعة الفتاوى لابن تيمية ٤/ ٥٥ و١٢/ ٩٧، والمعجم الوسيط مادة (حشا).
(٤) انظر: لسان العرب مادة (حشا).
(٥) المحدّث الفاصل: ٢٣٨.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
منها: أنَّ امرأةً وقفتْ عَلَى مجلسٍ فيهِ يحيى بنُ معينٍ وأبو خيثمةَ وخلفُ بنُ سالمٍ في جماعةٍ يتذاكرونَ الحديثَ، فسمعتهم يقولونَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وسمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، ورواهُ فلانٌ، ومَا حدَّثَ بهِ غيرُ فلانٍ، فَسألتْهُمُ المرأةُ عنِ الحائضِ تُغسّلُ الموتى؟ وكَانتْ غاسلة، فلمْ يُجبْهَا أحدٌ منهم، وجعلَ بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبلَ أبو ثورٍ (١)، فقيلَ لها: عليكِ بالمقْبِلِ، فالتفتَتْ إليهِ فسألتْهُ، فقالَ: تُغَسِّلُهُ لحديثِ عثمانَ بنِ الأحنفِ، عنِ القاسمِ، عنْ عائشةَ - ﵂ - أنَّ النّبيَّ - ﷺ - قالَ لها: «أمَا إنَّ حيضَتكِ ليستْ في يدكِ» (٢).
ولقولها: «كنتُ أفرُقُ رأسَ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالماءِ وأنا حائضٌ» (٣)، فإذا فرقتْ رأسَ الحيِّ بالماءِ فالميتُ أولى بهِ.
_________________
(١) وهو مفتي العراق أبو عبد الله إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الإمام الحافظ الحجة المجتهد صاحب الشافعي، قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، توفي سنة (٢٤٠ هـ). انظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٧٤، وتاريخ بغداد ٦/ ٥٦، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٧٢.
(٢) لم أقف عليه من طريق عثمان بن الأحنف هذا، والحديث في صحيح مسلم ١/ ١٦٨ (٢٩٨) (١١) و(١٢)، وسنن أبي داود (٢٦١)، والجامع الكبير للترمذي (١٣٤)، والمجتبى للنسائي ١/ ١٤٦ من طريق ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: «قال رسول الله - ﷺ -: ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: قلت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك».
(٣) متفق عليه من حديث عائشة ﵂. صحيح البخاري ٣/ ٦٣ (٢٠٢٩)، وصحيح مسلم ١/ ١٦٧ (٢٩٧) (٧) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة ﵂ قالت: «وإن كان رسول الله - ﷺ - ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأُرجله »، وزيد في روايات أخرى، «وأنا حائض» وترجله: تمشطه وتدهنه. انظر: فتح الباري عقب (٢٠٢٨).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فقالوا: نعمْ، رواهُ فلانٌ، وحدّثنَاهُ فلانٌ، ونعرفُهُ منْ طريقِ كَذا، وخَاضُوا في الطرقِ والرواياتِ، فقالتِ المرأةُ: فأينَ كنتمْ إلى الآن» (١).
ومنها مما يحثُّ عَلى الاجتهادِ في ضمِّ الدّينِ إلى ذلكَ:
وقالَ سعيدُ بنُ وهبٍ يَذكرُ مالكَ بنَ أنسٍ:
يأبَى الجوابَ فما يُراجَعُ هَيْبَةً والسَّائلونَ نَواكِسُ الأَذقانِ
هدْيُ التقيِّ وعِزُّ سلطانِ الهدى فَهو العزِيزُ ولَيسَ ذا سُلْطانِ (٢)
قوله: (حِفْظًَا أوْ تَفَهُّمًا) (٣) لا يخفى أنّ مجردَ الحفظِ لا يكفي.
فالمرادُ حفظًا معَ تَفَهُّمٍ، وهوَ أعلى الدرجاتِ، أوْ تفهّمًا منْ غيرِ حفظٍ وهوَ دونَهُ في الدرجةِ.
فالعبارةُ منَ الاحتباكِ: إثباتُ «حفظًا» أولًا دليلٌ عَلى حذفِ ضده ثانيًا، وإثباتُ «تفهمًا» ثانيًا دليلٌ عَلى حذفِ «معَ تفهّمٍ» أولًا، بدليلِ تعليلِهِ لذلك بقولهِ: «لِيَعرِفَ مُصْطَلحَ أهْلِهِ» (٤)، ومَن لا فهمَ لَهُ لا معرفةَ لَهُ وإنْ حفظَ ألفَ كتابٍ.
_________________
(١) هذه القصة أخرجها الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٢٤٩ - ٢٥٠ (١٥٧) وفي الإسناد ضعف. عقب محقق كتاب " المحدّث الفاصل " في الحاشية فقال: «في سند هذا الخبر رجل مجهول، وإن رجح الرامهرمزي أنه يوسف بن الصاد، ولكن لم نعثر له على ترجمة، فالخبر ضعيف، ولو سلمنا جدلًا بكونه ثقة، وأن الخبر صحيح فيرجح أن المرأة سألتهم وهم صغار في أول طلبهم العلم ولا يرد علينا بأن أبا ثور قد أجابها وهو من طبقتهم؛ ذلك لأن أبا ثور أسن منهم، ثم إنه كان ملازمًا للشافعي ويتفقه به، ومثل هذه المسائل يمكن أن يتلقاها طلاب الفقه في أول طلبهم له، ولا يمكن حمل هذا الخبر على غير ذلك؛ لأن جلالة ابن معين، وأبي خيثمة في العلم تتنافى مع حمل هذا الخبر على غير هذين الوجهين ».
(٢) ذكره الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٢٤٧ (١٥٥). وذكره الجاحظ في " كتاب الحيوان ": ١٥٦٦ ونسبه إلى ابن الخياط.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
/ ٢٤٩ ب / قولُهُ: (وبِالصَّحِيْحَيْنِ ابدَأنْ) (١) الذي يقتضيهِ شرحُ النّاظمِ أنّ المرادَ البداءةُ بالسماعِ.
والذي يقتضيهِ صنيعُ ابنِ الصّلاحِ أنّ المرادَ هنا البداءةُ بالتفهمِ بعدَ السّماعِ، أي: أنّهُ يرتّبُ طلبَهُ للكتبِ في التفهمِ كمَا يُرتِّبُ طلبَهُ لها في السَّماعِ؛ لأنَّهُ قالَ:
«ثُمَّ لا ينْبَغِي لطالبِ الحديثِ أنْ يقتصرَ عَلَى سَماعِ الحديثِ وكَتْبِه دونَ مَعْرفَتِهِ» (٢) فهو في معرضِ الحثِّ على التفهمِ، وأمَّا الحثُّ على السّماعِ والأمرُ بتقديمِ مَا ينبغي، فقدْ قدّمَهُ في قولِهِ قبلَ ذلكَ بقليلٍ: «وإذا أخذَ فيهِ - أي: في السّماعِ (٣) - فَلْيُشَمِّرْ عَنْ ساقِ جُهْدِهِ واجْتِهادِهِ، ويَبْدأْ بالسَّماعِ مِنْ أسْنَدِ شُيوخِ مِصْرهِ » الخ (٤).
وقولُهُ هنا: (وليُقَدِّم العنايَةَ بالصحِيحَين، ثُمَّ بسنَنِ أبي داودَ، وسُنَن النَّسائِيِّ، وكتاب التِّرمذِيِّ، ضَبْطًَا لِمُشْكِلِها وَفَهْمًا لخفيِّ مَعانيها ) إلى آخر كلامه (٥).
ظاهرٌ في ذلكَ، فإنّ «ضبطًا» تمييزٌ، أي: يقدّمُ هذهِ الكتبَ منْ هذهِ الجهةِ وهوَ محوّلٌ عنِ المفعولِ، أي: يقدّمُ العنايةَ بضبطِ كذا، ويقدّمُ ضبطَ ذلكَ، ويمكنُ «الاعتناءُ» بما فهمَهُ الشّيخُ: فيُجعل المصدرانِ حالينِ منَ الضميرِ في: ليقدّم فيكونانِ بمعنى اسمِ الفاعلِ، والتقديرُ: يقدّم ذلكَ في السّماعِ حالَ كونهِ ضابطًا
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٢٦).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٨.
(٣) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤.
(٥) هذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٩، ولم ينقل العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٥٢ إلا قوله: «ضبطًا لمشكلها وفهمًا لخفي معانيها » إلى آخره.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وفاهمًا، والله أعلمُ.
قولُهُ: (ثَنِّ) (١) هو ثانٍ بالنسبةِ إلى القسمِ المرتَّبِ على الأبوابِ، وإنْ كانَ ظاهرُ العبارةِ أنَّهُ ثالثٌ فإنّهُ ذكرَ الصحيحينِ قسمًا وبعدَهما بقيةَ السُّننِ وبعدَ ذلكَ المسانيدَ.
قولُهُ في شرحه: (ولا تُخْدَعنَّ) (٢) بالخاءِ المعجمةِ مؤكدًا بالنونِ الثقيلةِ منَ الخدعِ، وهوَ إرادةُ المكروهِ على وجهِ الخفاءِ منْ حيث لا يعلم، والاسم الخديعةُ.
كذا رأيتُها مضبوطةً في نسختي بـ " علومِ الحديثِ "، وهي بخطِّ العلامةِ نجمِ الدّينِ الباهِيِّ الحنبليِّ وعليها خطُّ النّاظمِ بقراءتِهِ لها عليهِ مجلسًا بعدَ مجلسٍ إلى آخرِهَا، وبعدهَا عنْ حرفُ جرٍ، ورأيتُهَا مضبوطةً في غيرِ نسخةٍ منْ "شرحِ الألفيةِ" بفتحِ التاءِ وكسرِ الحاءِ المهملةِ منَ الحيدةِ، وهي الميلُ، وعنْ حرفُ جرٍ غيرُ مكرّرٍ.
قولُهُ: (ثُمَّ بسائرِ) (٣) يتعلقُ: «بالعنايةِ» في قولِ [ابنِ] (٤) الصّلاحِ في أولِ كلامِهِ الذي سَاقَهُ عنهُ: «وليقدمِ العنايةَ بالصحيحينِ» إلى أنْ قالَ: «ثمَّ بسائرِ».
قولُهُ: (وإسمَاعِيل القَاضِي) (٥) رأيتُ بخطِّ العلامةِ / ٢٥٠ أ / شمسِ الدّينِ ابنِ حسّانَ عنْ شيخِنَا أنّهُ وَجدَ منهُ القليلَ، وأنَّ كتابَ محمدِ بنِ
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٢٦).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١، وهو من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٩، والذي في شرح التبصرة ومعرفة أنواع علم الحديث: «يخدعنّ».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٢، وهو من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٩.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيها.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٢، وهو من كلام الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي": ٣٥٢.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أيوبَ (١) لا يوجدُ الآن.
قولُهُ: (ومِن كُتُبِ الضّبطِ لمُشْكِلِ (٢) الأسماءِ) (٣) عطف عَلى قولِهِ: «مِنْ كتبِ المسانيدِ» في قولِهِ: «ثُمَّ بسائرِ ما تمسُّ حاجةُ صاحبِ الحديثِ إليهِ من كُتُبِ المسانيد» (٤).
قوله: (ابن مَاكُولا) (٥) قالَ ابنُ الصّلاحِ عقبَهُ: «وليَكُنْ كُلَّما مَرَّ بهِ اسمٌ مشكلٌ، أوْ كلمةٌ منْ حديثٍ مشكلةٌ بحثَ عنهَا وأودعَهَا قلبَهُ، فإنّهُ يجتمعُ لَهُ بذلكَ علمٌ كثيرٌ في يسرٍ» (٦).
٧٣١ - وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرِ بِهِ وَالاتْقَانَ اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
٧٣٢ - إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ في التَّصْنِيْفِ
٧٣٣ - طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا أَوْ مُسْنَدًَا تُفْرِدهُ صِحَابَا
٧٣٤ - وَجَمْعُهُ مُعَلَّلًا كَمَا فَعَلْ يَعْقُوْبُ أَعْلَى رُتْبَةً وَمَاكَمَلْ
قولُهُ في قولِهِ: (واحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ) (٧): (تَمْهَر) (٨) مبني للفاعلِ، وهو بفتحِ
_________________
(١) وهو الحافظ المحدّث محمد بن أيوب بن يحيى بن ضُرَيس أبو عبد الله البَجَلي الرازي صاحب كتاب فضائل القرآن، توفي سنة (٢٩٤ هـ). انظر: الثقات لابن حبان ٩/ ١٥٢، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٤٩.
(٢) في (ف): «المشكل»، والمثبت من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٣، نقلًا عن ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٢، نقلًا عن ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٥٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٣، وهو من كلام ابن الصلاح أيضًا.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٩.
(٧) التبصرة والتذكرة (٧٣١).
(٨) التبصرة والتذكرة (٧٣٢).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الهاءِ منْ مهرَ الشيءَ، وفيهِ، وبِهِ، كَمَنَعَ قالَهُ في " القاموسِ " (١)، وَمعنَاهُ تَصِرْ مَاهِرًا، أي حَاذِقًا فَطنًا، وهو مجزومٌ عَلَى أنّهُ جوابُ الأمرِ.
قوله: (وتُذْكَر) (٢) مبني للمفعولِ، أي: يَصِرْ لَكَ ذكرٌ بينَ طلبةِ الفنِّ بما صنفتَهُ.
قوله: (في التَّصْنيفِ) (٣) هو أخصُّ منَ التأليفِ؛ لأنّه جعل كُل صنفٍ عَلى حدة، والتأليفُ: مطلقُ الضمِّ. وبعضُهم يراهُ مثلَهُ، ويقولُ: لا يكونُ تأليفًا حتى يضمَّ الشيءَ إلى شكلِهِ فيكونَ المشاكلُ للشئ كأنّه إلفٌ لَهُ؛ مشابهتهُ تدعوهُ إلى إلفهِ، وعَلَى كلِّ حالٍ فليسَ في كلامِ النظمِ ما يُعابُ بِهِ.
أمّا إنْ جعلناهما أعمّ وأخصّ فواضحٌ، وأمّا إنْ جعلناهما بمعنى واحدٍ فيقالُ: إنّهُ سلخَ التأليفَ عنِ المعنى الخاصِّ، فيصيرُ كأنّهُ قالَ: بادِرْ إلى التأليفِ، والتأليفُ الذي هو ضمُّ الشيءِ إلى الشيءِ مطلقًا في التصنيفِ الذي هو ضمُّ كلِّ صنفٍ عَلى حدته «طريقتانِ» (٤).
قوله: (جَمْعُه أبوابًا) (٥) منصوبٌ عَلَى التمييزِ، وكَذا «صِحَابَا».
و«تُفْرِدَهُ» منصوبٌ عطفًا عَلَى «جَمْعُهُ» نحو: للُبْسُ عَبَاءةٍ وتَقَرَّ عيني (٦)
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (مهر).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٣٢).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٣٢).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٣٣).
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٣٣).
(٦) هذا صدر بيت لميسون بنت بحدل الكلبية والتي تزوجت بمعاوية بن أبي سفيان - ﵁ - فلما زفت إليه تشوقت إلى البادية فأنشدت وهذا البيت منها. وعجز هذا البيت: أحب إليَّ من لبس الشُفوفِ انظر: التذكرة الحمدونية: ٤٩٧٠، ودرة الغواص في أوهام الخواص: ٥٨، وغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة: ٨٣ - ٨٥.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
و«مُسْنَدًا» (١) حالٌ من ضميرِهِ، أي: وتأليفُ الحديثِ في حالِ التصنيفِ، أي: جعلُهُ أصنافًا طريقتانِ:
إحداهما: جمعُ الحديثِ إلى شكلِهِ منْ جهةِ الأبوابِ، أو إفرادُهُ بأنْ تذكرَ الحديثَ وحدَهُ، أي: منْ غيرِ ضمِّ ما يناسبُهُ في الحكمِ إليهِ حالَ كونهِ مسندًا منْ جهةِ الصحابةِ لا منْ جهةِ الشيوخِ مثلًا، أي: النظر فيهِ إلى الإسنادِ في ضمِّ شكلهِ إليهِ منْ جهةِ كونهِ يُروى بِهِ حديثٌ آخرُ لهذا الصحابيِّ.
فالأسانيدُ في المسندِ / ٢٥٠ ب / كالمتونِ في الأبوابِ، والأسانيدُ في الأبوابِ كالمتونِ في المسندِ (٢)، والله أعلمُ.
ويجوزُ أنْ يكونَ نصبُ «أبوابًا» و«مسندًا» بنزعِ الخافضِ، أي: جمعُهُ على الأبوابِ أو على المسانيدِ، ولا يضرُّ إفرادُ مسندٍ؛ لأنَّهُ صارَ علمًا على هذا النوعِ.
و«تُفْرِدهُ» استئنافٌ أو صفةٌ لـ «مسندًا»، أي: تفردُ كل مسندٍ على حدة من جهةِ الصحابةِ لا الشيوخِ.
ويجوزُ أنْ يكونَ «أبوابًا» حالٌ، أي: ذا أبوابٍ أو مُبَوَّبًا.
قولُهُ: (وجمعُهُ معللًا) (٣) نُقِلَ عن شيخِنا أنهُ قالَ: «إنّ ضميرَهُ ليسَ عائدًا على قولهِ «مسندًا» وإن كانَ قد مثلَ بـ «مسندِ يعقوبَ» بل عائد على
«التأليفِ»، يعني: أنَّ الأعلى في التصنيفِ جمعُ التأليفِ كلّ شكلٍ إلى شكلهِ حالَ كونهِ مُعَلَّلًا، بأن يجمعَ طرقَ الحديثِ كلَّها ويُبيِّنَ ما فيهِ من علةٍ إن كانت، سواءٌ كانَ على الأبوابِ أو الأسماءِ، صحابةً أو شيوخًا.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٣٣).
(٢) انظر: فتح الباقي ٢/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٣٤).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
قولُهُ: (معللًا) (١) هذا لا يخصُّ واحدةً من الطريقتينِ، بل يمكنُ جمعُهُ على المسانيدِ معللًا، وهذا فعلُ يعقوبَ بنِ شيبةَ (٢) فإنّه يذكرُ الصحابيَّ، ثمُّ يسوقُ ترجمتهُ بأسانيدِهِ، ثم يسوقُ أحاديثهُ، ويذكرُ عللها.
ويمكنُ جمعُهُ على الأبوابِ معللًا وهو أحسنُ، فإنّه لا يأتي فيه تكرارٌ لأنَّ النظرَ فيهِ إلى المتنِ، فلا يضرُّ الاختلافُ في صحابيهِ على الراوي بخلافِ الأولِ، فإنّه إذا اختُلفَ في صحابيهِ عليهِ وذُكِرَ في مسندِ أحدِهما فإنْ أعيدَ في مسندِ الآخرِ حصلَ التكرارُ، وإلا كانَ إخلالًا ببعضِ أحاديثهِ.
قالَ شيخُنا: «ومنِ ثم استخرجتُ مسندَ ابنِ عباسٍ ﵄ من " عللِ الدارقطنيِّ " ولم يفردْهُ، والشائعُ بينَ طلبةِ الفنِّ أنَّه ليسَ فيهِ فقصدتُ إلى ترتيبهِ فوجدتُهُ يذكرُ في أثناءِ المسانيدِ أحاديث لابنِ عباسٍ ﵄ اختلفَ فيها على الرواةِ، فكنتُ كلما مرَّ بي حديثٌ لهُ أفردتُهُ، فما كملَ حتى تمَّ مسندُ ابنِ عباسٍ ﵄».
ولا يُقالُ: إنَّ أحاديثَ ابنِ عباسٍ ﵄ كلَّها مُعلَّلةٌ، بلْ المعَللُ منها الأحاديثُ الواردةُ في كتابهِ، فإنَّ المُعلِّلَ لا يلزمُهُ أن يذكرَ جميعَ أحاديثِ الصحابيِّ، وإنما يلزمُهُ ذكرُ ما أُعلَّ من حديثهِ، فإنْ أتى بغيرِهِ كان مُتَبَرِّعًا.
/ ٢٥١أ / قولهُ في شرحهِ: (قليلًا قليلًا) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ عقبهُ: «معَ الأيامِ والليَالي فذلكَ أَحرى بأنْ يُمَتَّعَ بمحفوظهِ» (٤).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٣٤).
(٢) هو الحافظ الكبير الثقة يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عُصفور، أبو يوسف السَّدُوسي البصري ثم البغدادي. قال الذهبي: «صاحب المسند الكبير، العديم النظير المعلل، الذي تمَّ من مسانيده نحو من ثلاثين مجلدًا. ولو كَمُل لجاء في مئة مجلد»، توفي سنة (٢٦٢ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٧٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٩.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
قولُهُ: (أربعةَ أحاديثَ خمسةً) (١)، أيْ: أو خمسةً فإنّ «أو» تحذفُ إذا دلَّ السياقُ عليها (٢) كما تقدمَ في بحثِ الحسنِ.
قولُهُ: (يُدْرَكُ العلمُ حديثٌ وحديثانِ) (٣) ببناءِ «يدرك» للمفعولِ، ورفعِ «حديث» على أنه بدلُ بعض.
قولُهُ: (المُذَاكَرَةُ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: «ثُمَّ إنّ المذاكرةَ بما يتحفَّظُهُ منْ أَقوى أسبابِ الإمتاعِ بهِ، رُوِّينا عنْ عَلْقمةَ النَّخَعيِّ - وهو صاحبُ ابنِ مسعودٍ
- ﵁ - (٥) قالَ: تَذَاكَروا الحديثَ، فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ (٦)، وعنْ إبراهيم النَّخَعيِّ قالَ: مَنْ سَرَّهُ أن يَحْفَظَ الحديثَ فليُحدِّثْ بهِ، وَلَو أنْ يُحَدِّثُ بهِ مَنْ لا يشْتهيهِ (٧») (٨). انتهى.
وقالَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٩): «قالَ الخطيبُ: وأفضلُ المُذَاكرةِ مُذَاكرةُ الليلِ، وكانَ جماعةٌ مِنَ السلفِ يَبدأونَ مِنَ العِشاءَ، وربما لمْ يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح» (١٠).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٣، وهو كلام الثوري. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (٤٤٨).
(٢) «أو» موجودة في "شرح التبصرة والتذكرة"، ولكنها غير موجودة في "الجامع لأخلاق الراوي".
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤، وهو كلام الزهري. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (٤٥٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤.
(٥) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٦) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدث الفاصل ": ٥٤٦، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٨٣٢).
(٧) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٨٣٣).
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٠.
(٩) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٨.
(١٠) كلام الخطيب في " الفقيه والمتفقه " ٢/ ١٢٨. وقال الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٤٠٥: «وإنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإنَّ خلوه يسرع إليه الحفظ، ولهذا قال حماد بن زيد عندما سئل: ما أعون الأشياء على الحفظ؟ قال: قلة الغم، وليس يكون قلة الغم إلا مع خلو السر، وفراغ القلب. والليل أقرب الأوقات من ذلك».
[ ٢ / ٣٩١ ]
قولُهُ: (يَدْرُسْ) (١) هو بضمِّ الراءِ مبنيًا للفاعلِ، بمعنى أنَّهُ ينطمسُ وتذهبُ أعلامهُ فلا يبقى لهُ أثرٌ، يقالُ: درسَ الرسمُ دروسًا: عفَا، ودرستْهُ الريحُ، لازمٌ متعدٍ (٢).
قولُهُ: (تَذَكَّرْ ما عِندكَ) (٣) مضارعٌ محذوفُ تاء المضارعةِ مشدّدًا من التَّفعلِ، أي: تتذكر ما في محفوظكَ، وقد كادَ أنْ يعزبَ عنكَ.
قولُهُ: (عن عبدِ اللهِ بنِ المعتزِّ) (٤) هو الخليفةُ العباسيُّ، الشاعرُ المشهورُ (٥)، وهذا كلامُ حكمة يؤخذُ عمن رُويَ عنهُ، وإن كانَ مشهورًا بغيرِ الوعظِ (٦).
قولُهُ: (مُصَاحبًا للإِتقانِ) (٧) هو إحْكامُ الأمرِ، من التِّقْنِ، بالكسرِ وهو الطبيعَةُ، والرجلُ الحَاذِقُ (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤ وهذا من كلام علي بن أبي طالب - ﵁ -. انظر: المحدّث الفاصل: ٥٤٥، والجامع لأخلاق الراوي (٤٦٥) و(٤٦٦).
(٢) انظر: القاموس المحيط مادة (درس).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤، وهو من كلام الخليل بن أحمد. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (١٨٤٥).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤.
(٥) وهو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، كان أديبًا بليغًا شاعرًا مطبوعًا مقتدرًا على الشعر، اتفق معه جماعة من رؤوس الأجناد ووجوه الكتاب فخلعوا المقتدر وبايعوا عبد الله بن المعتز، وأقام يوم وليلة ثم رجع أصحاب المقتدر فتجمعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز، فأعادوا المقتدر إلى دسته، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم فقتله وسلمه إلى أهله، وذلك في يوم الخميس الثاني من شهر ربيع الآخر سنة (٢٩٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٩٥، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٧.
(٦) نقل عنه العراقي قوله: «من أكثر من مذاكرة العلماء، لم ينسَ ما علم، واستفاد ما لم يعلم». أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٨٥٢).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤.
(٨) القاموس المحيط مادة (تقن).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
رأيتُ بخطِّ الشيخِ شمسِ الدينِ بنِ حسانَ أنَّه رواهُ الحافظ أبو طاهرٍ السلفيُّ في كتابهِ " شرطِ القراءةِ على الشيوخِ " وعبارته: «وليكنِ المحدّث
مصاحبًا للإتقانِ ولا يكون إمامًا مَنْ حدّثَ عنْ كلِّ منْ رأى، ولا حدثَّ بكلِّ ما سمعَ».
قولُهُ: (ويقِفُ على غوامضِهِ) (١) قالَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٢): «ويصنفُ إذا تأهلَ فيهِ، فتكاملتْ أهليتُهُ واشتهرتْ فضيلتُهُ، فإنَّهُ بالتصنيفِ والجدِّ في الجمعِ والتأليفِ / ٢٥١ ب / يطلعُ على حقائقِ العلمِ، ودقائقِ الفنونِ، لأنَّهُ يضطرهُ إلى كثرةِ التفتيشِ والمطالعةِ والتحقيقِ والمراجعةِ.
وليحذرْ كلَّ الحذرِ أنْ يشرعَ في تصنيف ما لم يتأهلْ لهُ، ولا يُخرجُ تصنيفهُ حتى يهذبهُ، ولا يوضحُ إيضاحًا ينتهي إلى الركاكةِ، ولا يوجزُ إيجازًا يُفضي إلى المحقِ والاستغلاقِ.
ويكونُ اعتناؤهُ بما لم يُسبقْ إليهِ أكثرَ، مُحَقِّقًا فيما يَذكرُ، متثبِّتًا في نقلهِ واستنباطهِ، متحريًا إيضاحَ العباراتِ وبيانَ المشكلاتِ، مجتنبًا العباراتِ الركيكاتِ والأدلةَ الواهياتِ، مستوعبًا معظمَ ذاكَ الفنِّ، غيرَ مُخِلٍّ بشيءٍ من أصولهِ، مُنَبِّهًا على القواعدِ، فبذلكَ تنكشفُ له المشكلاتُ، ويطَّلعُ على الغوامضِ وحلِّ المعْضِلاتِ، ويعرفُ مذاهبَ العلماءِ، والراجحَ من المرجوحِ، ويرتفعُ عن الجمودِ على محضِ التقليدِ ويلحقُ بالأئمةِ المجتهدينَ، أو يقاربهم إن وُفِّقَ لذلك، وباللهِ
التوفيقُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥، وهو من كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٤١٥.
(٢) المجموع شرح المهذب ١/ ٨٩ - ٩٠، بتصرف.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
قولُهُ: (ويَشْحَذُ) (١) بالشينِ والذالِ المعجمتينِ والحاءِ المهملةِ، أي: يُحدُّهُ ويجيدُ تصورَهُ وتصرفَهُ، من شَحَذَ السكّينَ كمَنَعَ: أحَدَّها، أي: سنَّها حتى صارتْ حادَّةً، والجوعُ المعدةَ: ضَرَمها، والمِشْحَذُ: المِسَنُّ، والسائِقُ العَنِيفُ، والشَّحْذُ كالمنْعِ: السَّوْقُ الشَّديدُ والغَضَبُ، والقَشْرُ، والإلحاحُ في السؤالِ، وهو شحَّاذٌ مُلِحُّ، ولا تَقُلْ: شحَّاثٌ، قاله في " القاموس " (٢).
قوله: (يَمُوْتُ قَوْمٌ) (٣) البيت، مما يستحسنُ من ذلكَ قولُ بعضهم:
عليكَ بجمعِ العلمِ فالجهلُ سُبَّةٌ وعيبٌ على المرءِ اللبيبِ وعارُ
وما حسنُ أنْ تملك الأرضَ كلها وتحوي ما فيها وأنتَ حمارُ
وقالَ آخرُ:
العلمُ أفضلُ شيءٍ أنتَ كاسبهُ فكن له طالبًا - ما عشتَ - مكتسِبًا
فالجاهلُ الحيُّ ميتٌ حينَ تنسبُهُ والعالمُ الميتُ حي كلَّما نُسِبَا
قولُهُ: (وليأخُذْ قلمَ التَّخْرِيجِ) (٤)، أي: لأنَّ الناسخَ لا يتأمَّلُ في الغالبِ ما يكتبُهُ، وإنْ تأمَّلَ لم يُمْعِنْ، بخلافِ المُخَرِّج، فإنّه يحتاجُ أن يتأمّلَ حقَّ التأملِ.
قولُهُ: (كُلُّ مُسْنَدٍ على حدَةٍ) (٥) قالَ ابنُ الصّلاحِ: «وجمعُ حديثِ كُلِّ صَحابيٍّ وَحْدَهُ وإن اخْتَلَفتْ أنواعُهُ» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥، وهو من كلام الخطيب أيضًا.
(٢) القاموس المحيط مادة (شحذ).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥. إشارة إالى قول الشاعر: يموتُ قومٌ فيحيى العلم ذكرهم والجهل يلحق أحياء بأموات انظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٨٠ (١٨٥٣).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٥.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦١.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
قولُهُ: (نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ) (١) قال شيخُنا: «ولا يَرِدُ عليه " مُسندُ أبي داودَ الطيالسيِّ "؛ لتقدمهِ / ٢٥٢ أ /. فإنَّهُ لم يجمع المسندَ المنسوبَ إليهِ حتى يقالَ: إنَّهُ أولُ من صنَّفَ على المسانيدِ، بل الجامعُ لهُ غيرُهُ جَمعهُ بحسبِ ما وقعَ لهُ من حديثهِ (٢)، وإلا فهوَ مكثرٌ جدًا، فلو جُمِعَ كلُّ حديثِهِ، أو جمعَ هو مسندًا وانتقاهُ لكانَ أضعافَ هذا».
قولُهُ: (ثُمَّ بالنّساءِ) (٣)، أي: إذا فرغَ منَ الرجالِ شرعَ في ذكرِ النِّساءِ مُرَتِّبًا لهنّ كما رتّبَ الرجالَ، وهذهِ الطريقةُ أحدُ محتملي كلامِ الخطيبِ (٤).
والاحتمالُ الآخرُ أن يذكرَ النساءَ في أواخرِ هذه الطبقاتِ، فإذا ذكرَ بني هاشمٍ الرجالَ ذكرَ النساءَ منهم، ثم انتقلَ إلى غيرهم فذكرَ رجالهم، ثم نساءهم وهكذا إلى الآخرِ.
أو يذكرَ العشرةَ - ﵃ -، ثمَّ يذكرَ ذَوات السبقِ منَ النساءِ، ثمَّ أهلَ بدرٍ، ثمَّ من يوازي تلكَ الطبقة منَ النساءِ وهكذا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٦، وهذا من كلام الدارقطني. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (١٩٠٠).
(٢) إذ إن مسند الطيالسي جمعه يونس بن حبيب تلميذ الطيالسي، ويونس بن حبيب هو المحدّث الحجة، أبو بشر، يونس بن حبيب العجلي، مولاهم الأصبهاني توفي سنة سبع وستين ومئتين، انظر ترجمته في: الجرح والتعديل٩/ ٢٣٧، وذكر أخبار أصبهان ٢/ ٣٤٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٩٦، والعبر ٢/ ٣٧، وغاية النهاية ٢/ ٤٠٦، وشذرات الذهب ٢/ ١٥٢. وقال أبو بكر الخطيب: قال لنا أبو نعيم: صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود. وقال حفص بن عمر المهرقاني: كان وكيع يقول: أبو داود جبل العلم. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٨٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٦، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٦١.
(٤) انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٤٢٣ - ٤٢٤.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قولُهُ: (وهذا أحْسَنُ) (١)، أي: مِنْ جِهةِ تنزيلِ النَّاسِ مَنَازِلهم وتَقْديم أولاهم بالتقديمِ فأَولاهم، محاذيًا بالتصنيفِ الواقعِ في الوجودِ، والأولُ أسهلُ في الكشفِ.
قال ابن الصلاح: «وفي ذَلِكَ مِنْ وجوهِ التَّرْتيبِ غيرُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ مِنْ أعلى المراتبِ في تَصنيفِهِ، تَصنيفَهُ مُعَلَّلًا، بأنْ يَجْمَعَ في كُلِّ حديثٍ طُرُقَهُ، واخْتِلافَ الرواةِ فيهِ، كما فَعَلَ يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ في " مسنده "» (٢).
قولُهُ: (لأنْ أَعْرفَ عِلَّةَ حديثٍ هو عِنْدي) (٣)، أيْ: حديثٍ مرويٍّ عندي، بمعنى: أنّ لهُ بهِ روايةً؛ لأنَّ معرفتَه لذلكَ الحديثِ تصيرُ كاملةً؛ بخلافِ ما إذا رَوَى وهو لا يعرفُ ما في مرويِّهِ من الدسائسِ فإنَّ ذلكَ يكونُ سببًا إلى وقوعهِ فيما لا يليقُ، أو إيقاعِ غيرهِ في ذلكَ.
وإنما خصّهُ بما عندَهُ؛ لأنَّ الغالبَ من حالهِم ذلك، وهو أنَّ أحدَهم لا يعرفُ حديثًا إلا وهو مرويٌّ لهُ؛ لشدةِ حرصِهم على التحصيلِ أو لا يوجدُ غير ذلكَ.
قولُهُ: (يعقوبُ بنُ شيبةَ) (٤) هو: ابنُ الصَّلتِ بنِ عصفُورٍ أبو يوسُفَ السدوسيُّ، كانَ فقيهًا على مذهبِ مالكٍ، توفي سنة اثنتينِ وستينَ ومئتينِ (٥).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٦، وهو من كلام ابن الصلاح أيضًا.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٦، وهو من كلام عبد الرحمان بن مهدي. انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٩، ومعرفة علوم الحديث: ١١٢، والجامع لأخلاق الراوي (١٩١١)، وشرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٤٧٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٦.
(٥) تقدمت ترجمته. انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
قولُهُ: (عَشرةُ آلافِ دينارٍ) (١)، أي: على نسخهِ وتحريرهِ، فقد رُويَ أنَّهُ كانَ في بيتهِ أربعونَ فِراشًا للحفَّاظِ الذينَ يُعينونَهُ / ٢٥٢ ب / على جمعهِ ويذاكرهم فيهِ (٢).
قولُهُ: (هَذَا الذي رأَيْنا من مُسْندِهِ) (٣)، أي: وأمَّا مسندُ أبي هريرةَ فإنَّ الخطيبَ لم يرهُ ولا شيخَهُ الأزهريّ، بل قيلَ لهُ: إنَّ نُسخةً منهُ شُوهِدَتْ بمصرَ (٤).
قالَ شيخنا: «والذي وقع لنا مَرويًا منهُ الجزء الثالثُ من "مسندِ عمَّارٍ"». هكذا حفظتُ من شَيخِنَا.
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا عنهُ أنَّهُ لم يتصلْ إلا قطعةٌ من الجزءِ الثالثِ من " مسندِ عمارٍ "، فالله أعلمُ (٥).
قالَ شيخُنا: «ورأينا من غيرهِ قليلًا لم تقع لنا روايتُهُ».
قولُهُ: (وَجَمَعُوْا أبوابًا) (٦) الذي تقدَّمَ في قصدِ استيعابِ الأبوابِ، أو المسانيدِ، وهذا في تخصيصِ أشيَاء بعينها، ونصبَ «أبوابًا» وما بعدَهُ مفعولاتٍ لـ «جَمَعُوْا» وهو على حذفِ مضافٍ.
(أوْ طُرُقًا (٧» (٨)، أي: وجمعَ المحدثونَ الحديثَ على أنواعٍ أخرَ أو طرقٍ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧، وهو من كلام الأزهري انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١.
(٢) نقل ذلك الخطيب، عن الأزهري أنه قال: بلغني أن يعقوب كان في منزله أربعون لحافًا إلخ. انظر: تأريخ بغداد ١٤/ ٢٨١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧، وهذا من كلام الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٤/ ٢٨١.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١.
(٥) قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٤٧٩: «وقع لي جزء واحد من مسند عمار له».
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٣٥).
(٧) في (ف): «إلا طرقًا»، والمثبت من " التبصرة والتذكرة ".
(٨) التبصرة والتذكرة (٧٣٥).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
أخرى، إمّا أن يؤلفوا أحاديثَ أبوابٍ خاصةٍ؛ مُفردينَ بالجمعِ كلَّ بابٍ منها على حدةٍ، أو جامعينَ معهُ بابًا أو بابينِ ونحو ذلكَ (١)، أو أحاديثَ شيوخٍ مُعَيَّنينَ (٢)، أو أحاديثَ تراجمَ معينةٍ. والمرادُ هنا بالترجمةِ إسنادٌ واحدٌ رُويَ بهِ أحاديثُ كثيرةٌ أو طرقُ أحاديثَ (٣).
ويجوزُ أنْ يكونَ نصبُهُ على الحالِ، أي: وقعَ جمعهم للحديثِ حالَ كونِهِ ذا أبوابٍ أو كذا، وأن يكونَ تمييزًا: أي جمعوهُ من جهةِ الأبوابِ، أو كذا، أي: جمعوا أبوابَهُ أو شيوخَهُ إلخ.
قولُهُ في شرحهِ: (ككتابِ رَفعِ) (٤) هو هكذا في النسخِ التي وقفتُ عليها، والظاهرُ أنهُ «كَبَابِ» بالموحدةِ وكافٍ واحدةٍ، سبق القلم إلى زيادة كاف في أوله فظنَّ أنَّه كتاب بالمثناة فوق، وإلا لما حَسُنَ أنْ يعطف عليه «بابَ القراءةِ» وما بعدهُ (٥).
قولُهُ: (وأمَّا جَمعُ الشيوخِ) (٦) قال شيخُنا: لم أرَ لهم في جمعِ الشيوخِ طريقةً مُطَّردةً، بل تارةً يجمعونَ حديثَ الرجلِ لكونهِ مكثرًا، وتارةً يجمعونهُ لكونهِ مُقِلًا،
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧.
(٢) قال ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٦١: «أي: جمع حديث شيوخ مخصوصين كُل واحد منهم على انفراده. قال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين». انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٤٢٧ - ٤٢٨ (١٩١٨)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧ - ٥٨.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧.
(٥) ويؤيدُ هذا الكلام قول ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٦١: « نحو باب رؤية الله - ﷿ -، وباب رفع اليدين » إلخ.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٧.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وإلى ذلكَ الإشارة بقولهِ: «مخصوصينَ»، أي: شهرةً سواءٌ كانتِ الشهرةُ بإكثارٍ أو بقلةٍ، ولا يتقيَّدُ ذلكَ بشيوخِ الجامعِ، بل هو أعمُّ من شيوخهِ وشيوخِ غيرهِ من عصرهِ ومن قبلهِ.
وقد يريدونَ بالشيوخِ المعجمَ، وهو - والله أعلمُ - الذي قصدَهُ الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ / ٢٥٣ أ / محمدٍ البَرْقانيُّ (١) في ما أوردَ لهُ الحافظُ عمادُ الدينِ إسماعيلُ ابنُ كثيرٍ في " تاريخهِ " (٢) في سنةِ خمسٍ وعشرينَ وأربعمئة عن الحافظِ ابنِ عَسَاكرَ، من شعرهِ (٣):
أُعلِّلُ نَفسي بكَتْبِ الحديثِ وأَجْمِلُ فيه لها الموْعِدَا
وأَشْغَلُ نَفسي بتَصْنيفِهِ وتَخْريجِه دائِمًا سَرْمَدًَا
فطَوْرًا أُصَنِّفُه في الشيوخِ وطَوْرًا أُصَنِّفُه مُسْنَدًَا (٤)
قولُهُ: (وهم أصولُ الدينِ) (٥)، أي: الأحاديثُ المرويةُ عنهم أصولُ هذه الشريعةِ جمعتْ أنواعَ العلومِ الشرعيةِ.
قولُهُ: (طَلبُ العِلمِ) (٦) قالَ ابنُ الصلاحِ: «وحديث الغُسْلِ يَومَ الجُمُعَةِ، وغير ذَلِكَ، - قال (٧): - وكَثيرٌ مِنْ أَنواعِ كِتابِنا هذا قَدْ أفرَدُوا أحاديثَه بالجَمْعِ
_________________
(١) هو الإمام العلامة الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي صاحب التصانيف، قال الخطيب: «كان البرقاني ثقةً، ورعًا، ثبتًا، فهمًا، لم نر في شيوخنا أثبت منه ». انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٦٤.
(٢) البداية والنهاية ١٥/ ٦٥٠ - ٦٥١.
(٣) أي: من شعر البرقاني.
(٤) ذكره ابن عساكر في " تأريخ دمشق " ٥/ ٢٤٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨، وهذا من كلام عثمان بن سعيد الدارمي. انظر: الجامع لأخلاق الراوي.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨.
(٧) أي: ابن الصلاح.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
والتَّصنيِفِ، وعليهِ في كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ القَصْدِ والْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المكاثَرَةِ ونَحْوِهِ، بَلَغَنا عَنْ حَمْزَةَ بنِ مُحَمَّدٍ الكِنانيِّ أنَّهُ خَرَّجَ حَديثًا واحِدًا مِنْ نَحوِ مِئتَي طريقٍ فأعْجَبهُ ذلِكَ، فرأى يَحْيى بنَ مَعينٍ في مَنامِهِ فَذَكَرَ لهُ ذَلِكَ، فقالَ لهُ: أخشى أنْ يَدْخُلَ هذا تَحْتَ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١») (٢).
قولُهُ: (رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ المدينيِّ) (٣) إنما جعلَ هذا كالدليلِ لكراهةِ جمعِ المقصرِ من حيثُ إنّه قيّده بأولِ كتابتهِ فإنَّ الإنسانَ إذا أخذَ في طلبِ علمٍ من
العلومِ يكونُ عنهُ كالأجنبيِّ، فلا تكونُ لهُ فيهِ ملكةٌ إلا بعد ممارسةٍ كثيرةٍ، وتخصيصهُ هذينِ الحديثينِ لكثرةِ طرقهما، وإنما قالَ: «قفَاهُ» إشارة إلى إدبارِهِ عن الخيرِ.
عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وَلْيَتَّقِ أنْ يَجْمَعَ ما لَمْ يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لاجْتِناءِ ثَمَرتِهِ واقْتِنَاصِ فائِدة جَمْعِهِ، لئَلا (٤) يَكونَ حُكْمُهُ مَا رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بن المدينيِّ» فذكره.
وقال عَقِبَهُ: «ثُمَّ إنَّ هذا الكتابَ مَدخلٌ إلى هذا الشَّأنِ، مُفْصِحٌ عَنْ أصُولِهِ وفُروعِهِ، شارِحٌ لمصطلحاتِ أَهلهِ ومقاصِدِهم وَمُهِمَّاتِهم التي ينْقُصُ المحَدِّثُ بالجهلِ بِها نقْصًا فاحِشًا، فهو إن شاءَ الله جَديرٌ بأنْ تُقَدَّمَ العنايةُ بهِ» (٥). انتهى.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «ولتكنْ عنايتهُ بالأَولى فالأَولى مِنْ علومِ الحديثِ،
ومِنَ الخَطأ الاشتغالُ بالتَّتِمَّاتِ والتكميلاتِ مِنْ هذه العلوم وغيرِها مع تَضييعِ المهماتِ» (٦).
_________________
(١) التكاثر: ١، أخرج هذا الأثر ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١٣٢، والذهبي في سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٨٠.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨، قال علي بن المديني: «إذا رأيت المحدث أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغسل، وحديث من كذب عليَّ، فاكتب على قفاه: لا يفلح». انظر: الجامع لأخلاق الراوي (١٩٢٣).
(٤) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «كيلا».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٢.
(٦) الاقتراح: ٢٥٦.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
العَالي [والنّازل] (١)
قولُهُ: (العَالي والنّازل) (٢) لما حثَّ عَلى السَّماعِ وَأشارَ إلى ترتيبِ المسموعاتِ ومَا يتصلُ بذلكَ حسُنَ ذكرُ العالي / ٢٥٣ ب / وتقسيمُهُ.
قالَ ابنُ الصلاحِ: «الإسْنادُ أوَّلًا خَصِيصَةٌ فاضِلَةٌ مِنْ خَصَائِصِ هذهِ الأُمَّةِ (٣)، وسُنَّةٌ بالِغَةٌ مِنَ السُّنَنِ المؤَكَّدة، رُوِّيْنا مِنْ غيرِ وَجْهٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ أنَّهُ قالَ: الإسْنادُ مِنَ الدِّيْنِ، ولَوْلاَ الإسْنادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ ما شَاءَ (٤). وطَلَبُ العُلُوِّ سُنَّةٌ (٥) أيضًا، ولِذَلِكَ اسْتُحِبَّتِ الرِّحْلَةُ فيهِ عَلَى ما سَبَقَ ذكْرُهُ» (٦)، أي: في آدابِ الطالبِ. انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من" شرح التبصرة والتذكرة ". انظر في العالي والنازل: معرفة علوم الحديث: ٥ - ١٤، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ١١٥ وما بعدها، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٣، وجامع الأصول ١/ ١١٠ - ١١٥، والإرشاد: ٥٢٩ - ٥٣٧، والتقريب: ١٥٠ - ١٥٢، والاقتراح: ٢٦٦، ورسوم التحديث: ١٣٤، واختصار علوم الحديث ١/ ٤٤٣، وبتحقيقي: ٢٢٢، والشذا الفياح ٢/ ٤١٩ - ٤٣٤، والمقنع ٢/ ٤٢١ - ٤٢٦، ومحاسن الاصطلاح: ٢١٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩، وتنقيح الأنظار: ٢٥٠، ونزهة النظر: ٩٧ - ١٠٠، وفتح المغيث ٣/ ٣ - ٢٦، وتدريب الراوي ٢/ ١٥٩ - ١٧٢، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٦٣، وفتح الباقي ٢/ ١٣٦، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦١٤ - ٦٢٩، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٣٢ و٢٤٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٩٥ - ٤٠١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩.
(٣) انظر: شرف أصحاب الحديث: ٤٠ - ٤٣، والملل والنحل ٢/ ٨١ - ٨٤، والإرشاد للنووي ٢/ ٥٢٩.
(٤) أخرجه: مسلم في " مقدمة صحيحه " ١/ ١٢، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٢٠٩، والحاكم في "معرفة علوم الحديث": ٦، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٦٤٥)، وفي " شرف أصحاب الحديث "، له: ٤١، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٥٦.
(٥) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «العلو فيه سنة».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٣.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وسبقَ هُناكَ أيضًا ذمّ الانهماكِ فيهِ عنِ الإمامِ تقيِّ الدّينِ بنِ دقيقِ العيدِ (١).
قولُهُ في "النظم": (وَقَسَّمُوْهُ) (٢)، أي: أهلُ الحديثِ؛ لأنّ ابنَ طاهرٍ (٣)، وابنَ الصّلاحِ (٤) صَرّحَا بهِ وَغيرهُمَا قَبِلَه عنهما.
قولُهُ: (وَقِسْمُ القُرْبِ) (٥)، أي: الأولُ: قسمُ القربِ منَ الرسولِ - ﷺ -.
والثاني: قسمُ القرب منْ إمامٍ منْ أئمةِ الحديثِ، سواءٌ كانَ منْ أصحابِ الكتبِ الستةِ أو لا.
وظاهرُ نظمِهِ وَشرحِهِ أنّهُ منَ العلوِّ المطلقِ.
والثالثُ منَ الأقسامِ: علوٌّ نسبيٌّ، إنما حصلَ بسببِ نسبتهِ إلى روايتِهِ لَهُ منَ الكتبِ الستةِ، وقت أنْ ينزلَ ذلكَ المتنُ - لو أُخِذ منْ طريقهَا - عنْ تلكَ الطريقِ التي رواهُ بها عنْ غيرِ واحدٍ منَ الستّةِ، فهذا القسمُ علوّ على أحدِ أصحابِ الكتبِ السّتةِ منْ طرقِ كتبهم، والذي قبلهُ علوّ إلى الإمامِ الذي في الطريقِ نفسِهِ، لا بالنسبةِ إلى كتابٍ.
قولُهُ: (سُنَّةٌ عمَّنْ سلفَ) (٦)، أي: كالصّحابةِ منهم: جابرٌ (٧)
_________________
(١) الاقتراح: ٢٥٣ و٢٦٦.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٣٨).
(٣) العلو والنزول لابن طاهر: ٥٧.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤ - ٣٦٨، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٥.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٣٩).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩، وهذا من قول الإمام أحمد. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (١٧٧).
(٧) إشارة لحديث جابر بن عبد الله الذي قال فيه: «بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله - ﷺ -، فاشتريتُ بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي فسرتُ إليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس » فذكر الحديث. =
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وغيرُهُ (١) ممن رَحلَ منهم في الحديثِ - ﵃ -.
وهذا حجةٌ لمنْ يحتجُّ بفعلِ الصحابيِّ.
ولو قيلَ: إنَّهُ إجماعٌ لسكوتِ الباقينَ فيصلحُ حجةً للجميعِ، لمْ يكنْ بعيدًا.
تتمةُ كلامِ ابنِ الصّلاحِ: «وقَدْ رُوِّيْنا أنَّ يحْيَى بنَ معينٍ قيلَ لهُ - في مرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ -: ما تَشْتَهِي؟ قالَ: بَيتٌ خالٍ وإسْنادٌ عالٍ» (٢).
قالَ ابنُ الصّلاحِ: «العُلُوُّ يُبْعِدُ الإسْنادَ مِنَ الخللِ، لأنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ رِجالِهِ يحتملُ أنْ يَقَعَ الخللُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْوًا أوْ عَمْدًا، ففي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهاتِ الخللِ وفي كَثْرتِهمْ كَثْرَةُ جِهات الخللِ، وهذا جَلِيٌّ واضِحٌ» (٣).
قولُهُ: (قُرْبٌ أو قُرْبَةٌ) (٤) إن كانتْ هذه عبارةُ ابنِ أسلمَ (٥) فهي مانعةُ خُلوٍّ، بمعنى: أنّهُ لا يخلو الواقعُ عنهما، وقدْ يجتمعانِ إذا صلُحتِ النّيةُ، وإنْ كانتْ عبارةُ
_________________
(١) = أخرجه: أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٠)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٠٣٤) وفي " السنة "، له (٥١٤)، والحاكم ٢/ ٤٣٧، والبيهقي في " الأسماء والصفات ": ٧٨ و٢٧٣، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٦٩٨) وفي " الرحلة في طلب الحديث "، له (٣١) من طريق همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، به.
(٢) انظر: الرحلة في طلب الحديث: ١١٨ وما بعدها.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩، وهي من كلام محمد بن أسلم الطوسي. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (١١٥).
(٦) وهو الإمام الحافظ الرباني محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد، أبو الحسن الكندي، مولاهم الخراساني الطوسي، صنف المسند والأربعين وغير ذلك، توفي سنة (٢٤٢ هـ). انظر: الثقات لابن حبان ٩/ ٧٩، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٩٥.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
الرّاوي عنهُ لشكٍّ حصلَ لَهُ في عبارتِهِ فيمكنُ أنْ يكونَ أرادَ بالقربِ قلّةَ الوسائطِ.
وبالقربةِ: المحصلِ للثوابِ وأنْ يكونَ معناهُ في كلا اللفظينِ التقرّبَ الذي يُوصِلُ إلى الثوابِ، وهوَ في لفظِ القربةِ / ٢٥٤ أ / أظهرُ، ويمكنُ أنْ يكونَ المرادُ بكلٍّ: قلّةَ الوسائطِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنّ مَا أُخِذَ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - فهو مأخوذٌ عن جبريلَ - ﵇ -، عن اللهِ ربِّ العالمينَ.
ولفظُ القربِ بهِ أجدرُ، وكلامُ ابنِ الصلاحِ ظاهرٌ في هذا الثاني فإنّهُ قالَ: «وهذا كَما قالَ؛ لأنَّ قُرْبَ الإسْنادِ قُرْبٌ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، والقُرْبُ إليه قُربٌ إلى اللهِ - ﷿ -» (١).
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: «قدْ عظُمتْ رغبةُ المتأخرينَ في طلبِ العلوِّ، حتى كانَ ذلكَ سَببًا لخللٍ كثيرٍ في الصنعةِ، وقالوا: العُلوُّ قرب مِنَ اللهِ تعالى، وهذا كلامٌ يحتاجُ إلى تحقيقٍ وبحثٍ - كأنَّه يُشيرُ إلى أنَّا إن حملناهُ على قلةِ عددِ الرجالِ فكذلكَ، فدارَ الأمرُ على الصحةِ فلا يَنْبغي البحثُ عَنْ غيرِها (٢) - وقالَ بعضُ الزُّهادِ: طلبُ العُلوِّ منْ زينةِ الدُنيا (٣). وهذا كلامٌ واقعٌ، وهو الغالبُ عَلَى الطَّالبين لذلكَ، ولا أعلمُ وجهًا جيِّدًا لترجيحِ العلوِّ، إلا أنَّهُ أقربُ إلى الصحةِ وقلةِ الخَطأ، فإنَّ الطالبينَ يتفاوتونَ في الإتقان، والغالبُ عَدَم الإتقان في أبناءِ الزمانِ، فإذا كثُرت الوسائطُ ووقَعَ مِن كُلِّ واسطةٍ تساهلٌ ما، كثُر الخطأُ والزَللُ» (٤).
قولُهُ: (في مَجيءِ الأعْرَابيِّ) (٥) هو ضِمامُ بنُ ثعلبةَ (٦) روى حديثَهُ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤.
(٢) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الراوي: ٣٨ - ٣٩، وفتح المغيث ٣/ ٧.
(٤) الاقتراح: ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩.
(٦) انظر: الاستيعاب: ٣٥٥ - ٣٥٦ (١٢٥٣).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الشّيخانِ (١) وغيرُهُمَا (٢) عنْ أنسٍ - ﵁ - وهذا لفظُ مسلمٍ قالَ: «كنا نُهِينَا في القُرآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَيءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْل البَادِيَةِ، العَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمعُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: ياَ مُحَمَّدُ، أتانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ [تَزْعُمُ] (٣) أَنَّ الله أَرْسلَكَ؟ قَالَ: صَدَقَ » الحديث.
قوله: (لأنكرَ عليهِ) (٤) إنْ قيلَ عدمُ إنكارِهِ إنّمَا يفيدُ جوازَهُ، قيلَ: لما كانت الرحلةُ لهذا - المصاحبةُ لإجهادِ النّفسِ وإنفاقِ المالِ وإنضاءِ الظهرِ بعدَ إخبارِ رسولِهِ العدلِ - تشبهُ أنْ تكونَ تعنّتًا، وأقرّهُ عليها - ﷺ - ولمْ ينهَ عنها، معَ تضمُنِهَا لفتحِ مَا ربما جرَّ إلى مفسدةِ التعنّتِ، عُلِمَ أنْ الإقرارَ لمصلحةٍ راجحةٍ وهي علوُّ الإسنادِ والانتقالُ منَ الظنِّ إلى القطعِ، وهكذا كلّ سندٍ، فإنَّ الراويَ / ٢٥٤ ب / إذا سَمِعَ الحديثَ عنْ موجودٍ أفادَهُ سماعُهُ الظنَّ بأنَّ ذلكَ الموجودَ قالَهُ، فإذا رَحَلَ إليهِ وسمعَهُ منهُ قطعَ بأنّهُ قالَهُ، فإنْ قيلَ: إنّمَا جاءَ ليتشرفَ برؤيةِ النّبيّ - ﷺ -، قيلَ: لا يمنعُ أنْ يكونَ ذلكَ منْ مقاصدِهِ لكنَّ ابتداءهُ قدومهِ بالسؤالِ وهوَ واقفٌ، ورجوعه عقبَ فراغهِ منْ غيرِ مُكثٍ لحظةً واحدةً بعدَهُ يدلُّ على أنَّ المقصودَ الأعظمَ إنّما هو علوّ الإسنادِ.
_________________
(١) الحديث في: صحيح البخاري ١/ ٢٤ (٦٣)، وصحيح مسلم ١/ ٣٢ (١٠) و(١١) و(١٢).
(٢) إذ أخرجه: أحمد ٣/ ١٤٣ و١٦٨ و١٩٣، وعبد بن حميد (١٢٨٥)، والدارمي (٦٥٦)، وأبو داود (٤٨٦)، وابن ماجه (١٤٠٢)، والترمذي (٦١٩)، والنسائي ٤/ ١٢١ و١٢٢ وفي " الكبرى "، له (٢٤٠١) و(٥٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٣٥٨)، وابن حبان (١٥٤) من طريقين عن أنس بن مالك، به.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " صحيح مسلم ".
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩، وهو من كلام الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٦.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
واستدلّ الحاكمُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (١).
ووجهُ الدلالةِ أنّهُ حثّهُمْ على السّماعِ منه - ﷺ -، معَ أنّهم غيرُ محتاجينَ إلى السّفرِ لذلكَ؛ لأنّ المقصودَ علمُهم بذلكَ، والنّبيّ - ﷺ - مأمورٌ بالتبليغِ لكلّ أحدٍ قربَ أو بَعُدَ، فلو أقاموا لأتتْهُم رسلُه، لكنَّ الظاهرَ أنَّ أمرَهُم بذلكَ إنّما هو للتخفيفِ عَلَى النّبيِّ - ﷺ - بكونِ أصحابِهِ - ﵃ - عندَهُ يعينونَهُ عَلَى غيرِ ذلكَ منْ مهماتِ الدّينِ وَليقوَى إيمانُ منْ رآهُ - ﷺ - وشاهدَ تلكَ الأحوالَ وكحّلَ عينيِهِ برؤيةِ ذلكَ الجمالِ، وتشنّفَ سمعُهُ بِدُرِّ ذلكَ المقالِ، فسمِعَ بأُذنِهِ منهُ - ﷺ - القرآنَ، وشاهدَهُ بعينهِ في حركاتِهِ وسكناتِهِ في السّرِ والإعلانِ ففاضتْ عليهِ تلكَ الأسرارُ، وغمرتهُ هاتيكَ الأنوارُ، فلعلهُ يكونُ مانعًا لكثيرٍ منْ قومِهِ منَ الردّةِ أوْ غيرِهَا، ممَا لعله يَهمّ بمواقعتِهِ منَ العظائمِ.
قوله: (مَنْ يَزعُمُ أَنَّ الخبرَ أقوى مِنَ القياسِ) (٢)، أي: منْ يزعمُ أنّهُ لا يسوغُ القياس معَ إمكانِ الوصولِ إلى الخبرِ، فيمعن في الفحصِ عنهُ إلى أنْ يصلَ إلى اليأسِ منْ وجودِهِ، ليكونَ المعنى حينئذٍ أنّهُ يجبُ عليهِ أنْ يجتهدَ في تحصيلِ متنِ الحديثِ وفي معرفةِ تأويلهِ؛ لأنّهُ لا يسوغُ لَهُ استعمالُ الضعيفِ بحضرةِ القويِّ، ومَا دامَ مترجيًا لَهُ فهو يعدهُ حاضرًا، لكنَّ هذا التعليلَ لا يخصُّ النّزولَ، بلْ تارةً يترجاهُ بعلوٍّ، وتارةً بنزولٍ وهوَ معَ القناعةِ بالنّزولِ أقربُ إلى ضعفِ الخبرِ؛ لأنَّ مظانَّ الخللِ فيهِ أكثرُ فلمْ يُفدْ هذا التعليلُ شيئًا. هذا مَا قالَهُ / ٢٥٥ أ / شيخُنَا أو نحوه.
_________________
(١) التوبة: ١٢٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٠، وهذا من كلام الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٢١٦ (١٠٦).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وأحسنُ منه فيما يظهرُ لي أنْ تكونَ العبارةُ على ظاهرِهَا، ويعللَ بأنّ العلوَّ قلَّ أنْ يوجدَ معَ غايةِ الإتقانِ؛ لأنّهُ يتوقفُ عَلى حداثةِ الآخذِ وعلوّ سنِّ المأخوذِ عنهُ، وقلّ أنْ يوجدَ في واحدٍ منَ السِّنَّينِ تمامُ الضبطِ، ويؤيدُ هذا ما رَوَى ابنُ خلاّدٍ بعدَ هذا في مَن لا يرى الرحلةَ، عنْ عمرَ (١) بنِ يزيدَ السّيّاريِّ أنّهُ قالَ: «دخلتُ عَلى حماد بنِ زيدٍ وهوَ شاكٍ فقلتُ: حدَّثني بحديثِ غيلانَ بنِ جريرٍ (٢)، فقالَ: يا فتى، سألتُ غيلانَ بنَ جريرٍ وهو شيخٌ، ولكن حَدَّثَني أيوبُ، قلتُ: حدّثني بهِ عنْ أيوبَ، فَحَدَّثَني» (٣).
فهذا وجهُ تفضيلِ النّزولِ في الجملةِ.
وأمّا أنّهُ يخصُّ منْ يجعلُ الخبرَ أقوى منَ القياسِ وهم الجمهورُ، فلا يظهرُ وجهُهُ، ولا حُسن العبارةِ عندَ إرادتِهِ، وقد راجعتُ نسختينِ منَ "المحدّثِ الفاصلِ"، إحديهما بخطِّ الحافظِ أبي طاهرٍ أحمدَ بنِ محمدٍ السِّلفيِّ، فوجدتُ العبارةَ كمَا نُقِلَ عنه، والذي أكادُ أقطع بهِ معَ ذلكَ أنها مقلوبةٌ وأنّ أصلَهَا «هذا مذهبُ منْ يزعمُ أنَّ القياسَ أقوى منَ الخبرِ» فإنَّ مَا يعبرُ فيهِ بـ «الزعمِ» يكونُ مرذولًا، وقائلُهُ قليلًا، والذينَ يقدّمونَ القياسَ ويجوّزونَ فسخَهُ بهِ قليلٌ جدًا، وأمّا
_________________
(١) في (ف): «عمرو»، والصواب ما أثبته؛ إذ هو عمر بن يزيد السياري، أبو حفص الصفار البصري نزيل الثَّغر قال ابن حبان: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به. انظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٤٤٦، وتهذيب الكمال ٥/ ٣٩١ (٤٩١٠)، وتهذيب التهذيب ٧/ ٥٠٦.
(٢) حديث غيلان بن جرير أخرجه: أحمد ٢/ ٢٩٦ و٣٠٦ و٤٨٨، ومسلم ٦/ ٢٠ (١٨٤٨) (٥٣) و(٥٤)، وابن ماجه (٣٩٤٨)، والبيهقي ٨/ ١٥٦ من طرق عن غيلان بن جرير، عن أبي قيس بن رياح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة الجاهلية ».
(٣) المحدّث الفاصل: ٢٣٦ - ٢٣٧ (١٣٨).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الأولُ فالقائلُ بهِ جمهورُ النّاسِ وهوَ الصحيحُ الذي لا يعدلُ عنهُ، فلا يصلحُ التعبير في جانبِهِ بـ «زعمَ» عَلَى مَا تعورفَ، ويكونُ مرادُ ابنُ خلاّدٍ التشنيع عليهِ بأنَّ مرادَهُ إسقاطُ خبرِ الواحدِ، فإنّه إذا فضّلَ النّزولَ أبطلَ الرحلةَ، ومتى بطلتِ الرحلةُ، قلَّتِ الرغبةُ في الخبرِ وسقطَ كثيرٌ منهُ وضعفَ أمرهُ فآلَ ذلكَ إلى عدمهِ، وعدمِ التعويلِ عليهِ.
ويدلُّ على هذا أنهُ قالَ عقبهُ: «وفي الاقتصارِ على التنزيلِ [في الإسنادِ] (١) إبطالُ الرحلةِ»، قالَ: «وقالَ بعضُ متأخري الفقهاءِ يذمُّ أهلَ الرحلةِ» فذكرَ ما حاصلُهُ: إنَّهم بغوا على غيرهِم فبدَّعوهُم، ونسبوهُم إلى الرأيِ، وجعلوا الرأيَ في الدورانِ فضيعوا ما وجبَ عليهم من حق مَن يلزمهم حقُّهُ، وحرموا أنفسهُم الراحةَ فحُرِموا لذةَ الدنيا واستوجَبُوا العقابَ / ٢٥٥ ب / في الآخرَة (٢) لخبرٍ لا يفيدُ طائلًا، وأثرٍ لا يورثُ نفعًا، وذكرَ أنّ بعضَ المحدثينَ عارضَهُ بأنَّه من قومٍ صعبَ عليهم اختيارُ الأحاديثِ ونقدُ الرجالِ، فاستلذوا الراحةَ، وعادَوْا ما جهلوا، واقتصروا على المباهاةِ بالملابسِ، ولزومِ أبوابِ الرؤساءِ والخدمةِ للأغتام (٣)، وصيدِ الأموالِ، واقتصُروا على الأخذِ من الصحفِ وإن كانتْ مضادةً للسننِ، ولو عرفَ لذةَ الراحلِ وما يحصلُ لهُ منَ النَّشاطِ عندَ جوبِ الأقطارِ، والاطلاعِ على الأمصارِ، وخلطةِ المخالفينَ في اللسانِ والأخلاقِ والألوانِ في ذاتِ اللهِ، وكنهَ ما يصلُ إليهِ عندَ ظفرهِ ببغيتهِ من ضبطِ الشريعةِ وجمعها، واستنباطِها من معادنِها التي أوجبتْ لهذا الطاعنِ التصدُّرَ إلى السواري وعقدَ المجالسِ للفتيا، لعلمَ أنَّهُ أعظمُ لذاتِ الدنيا، ثمَّ وصفهم بأنَّ الله حفظَ بهم القرآنَ الذي ضمنَ حفظَهُ فقالَ: «ووكلَ بالآثارِ المفسِّرةِ للقرآنِ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المحدّث الفاصل ".
(٢) في (ف): «الأخرى»، والمثبت من " المحدّث الفاصل ".
(٣) من الغتمة: العجمة، والأغْتَمُ: الذي لا يفصح شيئًا. الصحاح مادة (غتم).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
والسننِ القويةِ الأركانِ: عِصابةً منتخبةً، وفقهم لطِلاَبِها وكِتابِها، وقوَّاهم على رعايتِها وحراستِها، وحببَ إليهمْ قراءتَها ودراستَها، وهوّنَ عليهم الدأبَ والكلالَ، والحلَ والترحالَ، وبذلَ النفوسِ والأموالِ، وركوب المخوفِ منَ الأهوالِ، فهم يرحلونَ من بلادٍ إلى بلادٍ، خائضينَ منَ العلمِ في كلِّ وادٍ، شُعثَ الرؤوسِ، خلقانَ الثيابِ، خُمْصَ البُطونِ، ذُبْلَ الشفاهِ، شحبَ الألوانِ، نُحُلَ الأبدانِ، قد جعلوا الهمَّ همًَّا واحدًا، ورضوا بالعلمِ دليلًا ورائدًا، لا يقطعهم عنهُ جوعٌ ولا ظمأٌ، ولا يُمِلُّهمْ منهُ صيفٌ ولا شتاءٌ، مائزينَ الأثرَ: صحيحَهُ من سقيمِهِ، وقويَّهِ من ضعيفِهِ، بألبابٍ حازمةٍ، وآراءٍ ثاقبةٍ، وقلوبٍ للحقِّ واعيةٍ، فأمنت تمويهَ المموهينَ، واختراعَ الملحدينَ، وافتراءَ الكاذبينَ، فلو رأيتهم في ليلهم وقد انتصبوا لنسخِ ما سمعُوا، وتصحيحِ ما جمعوا، هاجرين لِلفَرشِ الوطيّ، والمضجعِ الشهيِّ، قد غشيهُم النُّعاسُ فأنامهم، وأسقطَ من أكفهم أقلامَهم، فانتبهوا مذعورينَ، قد أوجع الكدُّ أصلابهم، وتيِّه الكلالُ ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدانَ، وتحولوا ليفقدوا النومَ من مكانٍ إلى مكانٍ، ودلَّكوا بأيديهم عيونهم، ثمَّ عادوا إلى الكتابةِ حرصًَا عليها / ٢٥٦ أ /، وميلًا بقلوبِهم إليها، لعلمتَ أنَّهم حرسُ الإسلامِ، وخُزّانِ الملكِ العلامِ، فإذا قضوا من بعضِ ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدينَ ديارهم، فَلزموا المساجِدَ، وعمَّرُوا المشاهدَ، لابسين ثوبَ الخضوعِ، مسالمينَ ومسلمينَ، يمشونَ على الأرضِ هونًا، لا يؤذونَ جَارًا، ولا يقارفونَ عَارًا حتى إذا زاغَ زائغٌ، أو مرقَ في الدينِ مارقٌ، خرجوا خروجَ الأُسْدِ من الآجامِ، يناضلونَ عن معالمِ الإسلامِ. في كلامٍ غيرِ هذا يطولُ (١).
وقالَ بعضُ الشعراءِ (٢) المحدّثِين:
_________________
(١) المحدث الفاصل: ٢١٧ - ٢٢١ باختصار وتصرف.
(٢) الأبيات للسّري الرّفاء ت (٣٦٦ هـ) وهي على بحر الكامل.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ولقد غدوتُ على المحدّثِ آنفًا فإذا بحضْرَتهِ ظباءٌ رُتعُ
يتجاذبون الحِبْرَ من ملمومَةٍ بيضاءَ تحمِلُها عَلائِقُ أربعُ
من خالصِ البلّورِ غُيِّرَ لونُها فكأنها سبَحٌ يَلوحُ فيَلْمَعُ
فمتى أمالوهَا لِرَشْفِ رُضابها أدَّاهُ فُوهَا وهي لا تتمنَّعُ
فكأنَّها قَلبي يُظنُ بسرِّه أبدًا ويُكْتَمُ كل ما يُسْتودعُ
يَمْتَاحُها ماضِي الشَّباةِ مُدلقٌ يجري بميدَانِ الطُروس فيُسرعُ
فكأنّه والحبْرُ يْخضِبُ رأسَهُ شيخٌ لوصَل خريدةٍ يتصَنَّعُ
ألا ألاحظه بعَيْنِ جلالةٍ وبه إلى اللهِ الصحائف تُرفعُ (١)
ورُويَ عن رجلٍ يقالُ له: الحطيم، قالَ في سفيانَ بن عيينةَ وكانَ مع هارونَ:
سيري نجاءً وقاكِ اللهُ من عطبٍ حتى تُلاقي بعدَ البيتِ سُفيانا
شيخُ الأنامِ ومَنْ جلتْ مناقبُهُ لاقى الرجالَ وحازَ العلمَ أزمانا
حَوَى البيانَ وفهمًا عاليًا عجبًا إذا يَنُصُّ حديثًا نصَّ برهانَا
قد زانهُ الله أنْ دانَ الرجالَ لهُ فقد يراهُ رواةُ العلمِ رَيحانَا
ترى الكهُولَ جميعًا عندَ مشهدهِ مستنصتينَ وشيخانًا وشُبَّانا
يضُمُّ عَمْرًا إلى الزهريِّ يسندُه وبعدَ عمرٍو إلى الزهريِّ صفوانا
وعبدة وعبيدَ اللهِ ضمهما وابنَ السبيعيَّ أيضًا وابنَ جُدْعَانا
فعنهُمُ عن رسول الله يوسِعُنا علمًا وحكمًا وتأويلًا وتبيانا (٢)
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٢٢١ - ٢٢٢ (١١٠)، وانظر: أدب الكتاب: ١٢٤، وزهرة الآداب وثمر الألباب: ١٠٥٥.
(٢) المحدّث الفاصل: ٢٢٤ - ٢٢٦ (١١٧).
[ ٢ / ٤١٠ ]
وُرويَ عن الأصمعيِّ أنُّه قالَ يرثي سفيانَ بنَ عيينةَ:
ليبكِ (١) سفيانَ باغي سُنة درستْ ومُستبينُ أثاراتٍ وآثارِ
أمست منازلُهُ وُحْشًا معطلة من قاطنينَ وحُجاجٍ وعُمّارِ
فالشِّعبُ شِعبُ عليٍّ بعدَ بهجتهِ قد ظلَّ منهُ خلاءٌ موحش الدارِ
مَنْ للحديث عن الزهريِّ يُسندُهُ وللأحاديثِ عن عمرِو بن دينارِ
ما قامَ مِنْ بعدهِ من قالَ حدثنا الـ ـزهري في أهلِ بدوٍ أو بإحضارِ
وقد أراهُ قريبًا من ثلاثِ منىً قد حُفَّ مجلسه من كُلِّ أقطارِ
بنو المحابرِ والأقلام مُرْهَفَة/٢٥٦ب/ وسا سماتٍ فَرَاهَا كُلُّ نجَّارِ (٢)
وأنشد لرجلٍ وَفدَ على يزيدَ بنِ هاورنَ منْ حرّانَ:
أقبلتُ أهوي على حيزوم طافيةٍ في لجةِ اليمِّ لا ألوي على سكنِ
حتى أتيتُ إمامَ النَّاسِ كلِّهم في الدينِ والعلمِ والآثارِ والسننِ
أبغي بهِ اللهَ لا الدنيا وزهرتَها ومن تغنَّى بدينِ الله لم يَهُنِ
يا لذةَ العيشِ لما (٣) قلتُ حدَّثنا عوفٌ وبشرٌ عن الشعبيِّ والحسنِ (٤)
وأنشدَ في ذمِّ تركِ الروايةِ:
ومن بطونِ كراريس روايتهم لو ناظروا باقلًا يومًا لما غُلبوا
والعلمُ إنْ فاتَهُ إسنادُ مسندهِ كالبيتِ ليسَ لهُ سقفٌ ولا طُنُبُ (٥)
_________________
(١) الذي في " المحدّث الفاصل ": «لبيك»، ولا يستقيم بها سياق الكلام، ولعله تصحيف.
(٢) المحدّث الفاصل: ٢٢٦ - ٢٢٧ (١١٨).
(٣) في (ف): «أما»، والمثبت من " المحدّث الفاصل ".
(٤) المحدّث الفاصل: ٢٢٧ - ٢٢٨ (١١٩).
(٥) المحدّث الفاصل: ٢١٢.
[ ٢ / ٤١١ ]
وقالَ بعضُ أصحابنا وأنشدنَاه:
توقفْ ولا تُقدِمْ على العلمِ حادِسًَا فحدسُ الفتى في العلمِ يُبدي المعايبا
فليسَ طلابُ العلمِ بالحدسِ مدركًَا ولو كانَ فهمُ المرءِ كالنجمِ ثاقبًَا
ولكنْ بترحالٍ ورحْلٍ منَ الفتى وانضائِهِ في الحالتينِ الركائبَا
وقضقضةُ الأوجالِ منه ضلوعَهُ وخلخلةِ الأهوالِ منهُ الترائبَا
وإصباحِهِ في المشرقين مشارقًا لِشمسيهما والمغربين مغاربَا (١)
وقالَ سعيدُ بنُ وهب في الإمامِ مالكِ بن أنسٍ:
يَأبى الجوابَ فما يراجعُ هيبةً والسائلونَ نواكسُ الأذقانِ
هديُ التقيِّ وعزُّ سلطانِ الهدى فهوَ العزيزُ وليسَ ذا سلطانِ (٢)
انتهى قولُ ابنِ خلادٍ.
وقلتُ أنا:
هذا بتعظيمِ الملوكِ العلمَ لا مثلَ الملوكِ بهذهِ الأزمانِ
قولُهُ: (وهذا مَذْهَبٌ ضَعِيفُ الحجَّةِ) (٣)، أي: مذهبُ مَن فَضَّلَ النزولَ.
وعبارُة ابنِ الصّلاح: «فَكُلَّما زادُوا - أي: الرواةُ (٤) - كانَ الاجتهِادُ أكثَرَ، وكانَ الأجْرُ أكثرَ، وهذا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، ضعيفُ الحجَّةِ» (٥).
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) المحدّث الفاصل: ٢٤٧ (١٥٥)، وقد تقدم ذكر هذين البيتين.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٠، وهذه عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٦٩.
(٤) ما بين الشارحتين عبارة توضيحية من البقاعي.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٩.
[ ٢ / ٤١٢ ]
قولُهُ: (الجماعة التي هي المقصودُ) (١) هذا تشبيهُ شيئينِ بشيئينِ، وهما طريقُ الحديثِ بطريقِ المسجدِ، وصحةُ الحديثِ الذي هو المعنى المقصود منَ الطريقِ بالجماعةِ التي هي جُلُّ المعنى المقصودِ من المسجدِ.
فهذا السالكُ للطريقِ البعيدةِ أقربُ إلى فواتِ الجماعةِ من سالكِ القريبةِ، كما أنَّ الراوي بالسندِ النازلِ أقربُ إلى الوقوعِ في الضعفِ، وفَوات الحديثِ بفواتِ صحتهِ من الراوي بالسندِ العالي؛ لأنَّ كثرةَ الوسائطِ مظنَّةٌ لحصولِ نوعٍ من (٢) الضعفِ والعللِ / ٢٥٧ أ /.
قولُهُ: (عَلَى ما سيأتي) (٣)، أي: عن السِّلَفيِّ في أبياتهِ الداليةِ (٤) وعن غيرهِ.
قولُهُ: (غير ضعيفٍ) (٥) صفةٌ كاشفةٌ لمعنى «نَظيفٍ» لا مقيِّدة.
قولُهُ: (ويَغْنَمُ) (٦) هو بالغينِ المعجمةِ كالفعلِ المضارعِ من الغنيمةِ (٧).
قولُهُ: (فلا التفاتَ إلى هذا العلوِّ لا سِيَّمَا إنْ كانَ فيهِ بعضُ الكذَّابينَ المتأخِّرِينَ مِمَّن ادَّعَى سماعًا من الصحابةِ) (٨) السِيّ: بكسرِ السينِ وتشديدِ التحتانيةِ، المثلُ، و«مَا» يمكنُ أنْ تكونَ زائدةً، وأنْ تكونَ موصولةً، وأن تكونَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٠.
(٢) في (ف): «من نوع» والصواب ما أثبته.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٠.
(٤) ذكر العراقي هذه الأبيات في " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٧١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١، وهو من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٦٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١.
(٧) انظر تعليقنا على " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٦١ هامش (١).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١.
[ ٢ / ٤١٣ ]
موصوفةَ المذكورِ بعدَ «لا سيما» مخرجٌ مما قبلَها من حيثُ كونُه أولى بحكمهِ فهوَ مستثنى من هذه الحيثيةِ، ويجوزُ جرُّ ما بعدها بإضافةِ «سيّ» إليهِ، و«ما» زائدةٌ أو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ، والاسمُ بعدَها بدلٌ منها، ويجوزُ رفعُه بقلَّةٍ وهو خبرُ مبتدأ محذوف، و«ما» بمعنى الذي، ويُنصبُ الاسمُ بعدَهَا سماعًَا.
ورُويَ بالأوجهِ الثلاثةِ قولُ امرئ القيسِ:
ولا سِيما يومًا بدَارةِ جُلْجُلِ (١)
وتكلّفوا له وجوهًا: منها تقديرُ فعلٍ نحو: أعني.
وتصرَّفوا في هذه اللفظةِ تصرفاتٍ كثيرةً، لكثرةِ دَوْرِها، فربما حُذفت لامُها، وربما دخلتْ عليه مُخففة، أو مُثقلة مع حذفِ «لا» ووجودِها [مع] (٢) واوٍ كهذا البيت، وهي اعتراضيةٌ؛ لأنَّها معَ ما بعدها بتقديرِ جملةٍ مستقلةٍ نحو: فأنتِ طالقٌ، والطلاقُ البتةُ ثلاثًا.
فمعنى جاءني القومُ لا سيما زيدٌ: لا مثلهُ موجودٌ بين القومِ الجائينَ، أي: أنَّه كانَ أخصَّ بي وأشدَّ إخلاصًا في المجيءِ، وخبرُ «لا» - وهي للتبرئةِ - محذوفٌ، وقد يحذفُ بعدها ك: أنا أحبُّ زيدًا لا سيما راكبًا، أو إن رَكبَ، فيصيرُ من باب الاختصاصِ، أي: أخصُّهُ بالمحبةِ خصوصًا حالَ كونهِ راكبًا.
وجوابُ الشّرطِ - إنْ كانَ ما بعدها شرطًا - مدلولٌ خصوصًا.
فتقديرُ «ما» هنا على الجر لا مثل كونِ بعض المتأخرينَ، وعلى الرفعِ لا مثل الذي هو كونُ بعضِهِم فيهِ، وعلى تقديرِ الواوِ لا مثل الذي هو معرضٌ عنهُ أو
غيرُ ملتفتٍ إليه إن كانَ إلى آخرهِ وعلى الاختصاصِ.
_________________
(١) هذا عجز بيت لأمرئ القيس. وصدره: ألا رُبَّ يومٍ لي مِنَ البيضِ صالحٍ انظر: جمهرة أشعار العرب: ١٤٨، والصاحبي في فقه اللغة لابن فارس: ٢١٧.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيه.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وأعرضَ عنهُ خصوصًا إنْ كانَ فيهِ كذا فخصَّهُ بمزيدِ إعراضٍ (١).
قولُهُ: (بعَوالي أَبي هُدْبَةَ) (٢) هي كنيةُ إبراهيمَ بن هدبةَ (٣) الماضي.
قولُهُ: (ثمانيةُ) (٤) فإذا روينا نحنُ من طريقهِ يكونُ أقلُّ / ٢٥٧ ب / ما بيننا وبينَ النبيِّ - ﷺ - أحدَ عشرَ، فإنّا أخذنا عن أصحابِ أصحابهِ.
قولُهُ: (إمام مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ) (٥) تتمةُ كلامِ ابنِ الصّلاح: «وإنْ كَثُرَ العددُ مِنْ ذَلِكَ الإمام إلى رسولِ الله - ﷺ -، فإذا وُجِدَ ذَلِكَ في إسْنادٍ وُصِفَ بالعُلُوِّ، نُظِرَ إلى قُرْبهِ مِنْ ذَلِكَ الإمامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عاليًا بالنسْبَةِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، وكلامُ الحاكِمِ يُوهِمُ أنّ القُرْبَ مِنْ رسُولِ اللهِ - ﷺ - لا يُعَدُّ مِنَ العُلُوِّ المطلوبِ أصْلًا وهذا غَلَطٌ مِنْ قائِلِهِ؛ لأنَّ القُرْبَ منهُ - ﷺ - بإسْنادٍ نَظِيْفٍ غيرِ ضَعِيْفٍ أوْلَى بذلكَ، ولا يُنازِعُ في هذا مَنْ لهُ مُسْكَةٌ (٦) مِنْ مَعرفةٍ، وكأنَّ الحاكِمَ أرادَ بكلامِهِ [ذَلِكَ] (٧) إثباتَ العُلُوِّ للإسْنادِ بِقُرْبِهِ مِنْ إمامٍ، وإنْ لَمْ يكُنْ قَريبًا إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، والإنكارَ عَلَى مَنْ يُراعي في ذَلِكَ مُجَرَّدَ قُرْبِ الإسنادِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - وإنْ كانَ إسنادًا
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب ١/ ١٢٢، ومنحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل ١/ ١٦٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١، وهذا من كلام الذهبي.
(٣) وهو إبراهيم بن هدبة، أبو هدبة الفارسي ثم البصري، حدث ببغداد وغيرها بالأباطيل. انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٠٠، وميزان الاعتدال ١/ ٧١ (٢٤٢).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١، وهو من كلام الذهبي.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٦) يقال: رجل ذو مُسْكَةٍ، ومُسْكٍ، أي: رأي وعقل يرجع إليه، وفلان لا مسكة له، أي: لا عقل له، ويقال: ما بفلان مسكة، أي: ما به قوة ولا عقل، ويقال: فيه مسكة من خير، أي: بقية، وليس لأمره مسكة، أي: أثر أو أصل يعول عليه. انظر: لسان العرب مادة (مسك)، والمعجم الوسيط مادة (مسك).
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
[ ٢ / ٤١٥ ]
ضَعِيْفًا، ولهذا مَثَّلَ بحديثِ أبي هُدْبَةَ، ودِينارٍ (١)، [و] (٢) الأشَجِّ (٣) وأشْبَاهِهِمْ، والله أعلم» (٤).
وقالَ الأَنْدَرشيُّ (٥) في اختصارِ كتابِ ابنِ الصَّلاحِ (٦) في مقدمةِ كتابه
" العُمدةِ " في اختصارهِ لتهذيبِ الكمالِ والأطرافِ للمزيِّ: «وما أحسنَ قولَ من قالَ: طلبُ العلوِّ من زينةِ الدنيا».
هذا معَ ما انضمَّ إلى هذا بسببِ ملاحظتهِ من خللٍ كثيرٍ في الصنعةِ، وللالتفاتِ إلى هذا قالَ بعضهم:
إنَّ الروايةَ بالنّزولِ عنِ الثقاتِ الأعدَلِينا خيرٌ من العَالي عن الجُهَّالِ والمستضعفينَا
قولُهُ: (يشيرُ إلى ترجيحِ هذا القِسم عَلَى غيرِهِ) (٧)، أي: غيره مما ساواهُ في العددِ، لا ما هو أنزلُ منهُ؛ لأنَّ ذلكَ تحصيلٌ للحاصلِ؛ إذ قد قُررَ في أصلِ المسألةِ رجحانُ العالي على النازلِ، ولا ما هو أعلى منهُ؛ لأنَّهُ خلافُ صريحِ القاعدةِ، فتعيَّنَ
_________________
(١) وهو دينار أبو مِكْيَس الحبشي. قال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة، وقال ابن عدي: ضعيف ذاهب، وقال الذهبي: ذاك التالف المتهم. انظر: المجروحين ١/ ٢٩٥، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٠.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) وهو عثمان بن خطاب، أبو عمرو البلوي المغربي، أبو الدنيا الأشج، طير طرأ على أهل بغداد، وحدَّث بقلةِ حياءٍ بعد الثلاثمئة عن علي بن أبي طالب فافتضح بذلك وكذبه النقاد. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤ - ٣٦٥، وانظر: محاسن الاصطلاح: ٢١٥.
(٥) وهو أحمد بن سعد بن عبد الله العسكري الأندرشي النحوي، نسخ بخطه " تهذيب الكمال "، ثم اختصره، كان دينًا منقبضًا عن الناس، شارك في الفضائل، توفي سنة (٧٥٠ هـ). انظر: الدرر الكامنة ١/ ١٣٥ (٣٧٩)، وشذرات الذهب ٦/ ١٦٦.
(٦) انظر: كشف الظنون ٢/ ١١٦٢.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
[ ٢ / ٤١٦ ]
حملهُ على المساوي الصحيحِ الذي ليسَ فيهِ إمامٌ من هؤلاءِ.
وقولُهُ: (وإنَّهُ المقصودُ من العلُوِّ) (١)، أي: لأنَّ الوصولَ إلى النبيِّ - ﷺ - هو المقصودُ لذاتهِ، وأما العلوُّ إلى غيرهِ فليسَ مقصودًا لذاتِهِ، فهذا أرجحُ منهُ، ويكفي في تفضيلهِ أنَّه الذي إذا أطلقَ لم يفهم غيرُه، وإذا أُريدَ غيرهُ وجبَ عندَ أهلِ الفنِّ تقييدُهُ، فإنَّهُ إنَّما سُمي عُلوًا بالنسبةِ إلى ذلكَ الإمامِ.
قولُهُ: (وأَعلى ما يَقعُ ) (٢) إلخ أصلُ الكلام: أعلى الواقعِ / ٢٥٨ أ / من الرواةِ - بين الرواةِ الموجودينَ في زماننا وبينَ شيوخِنا ومن [في] (٣) رتبتِهم - كائنٌ على تفصيلٍ، هو: أن بينَهم وبينَ الأعمشِ كذا، وبينَهم وبينَ غيرهِ كذا.
قولُهُ: (وهشيمٍ) (٤) وقعَ في بعضِ النُّسخِ عدُّهُ في الجماعةِ الأولينَ الذين بين الشيوخِ وبينهم ثمانيةٌ، وهو غلطٌ، والنسخةُ المعتمدةُ أنَّهُ في الجماعةِ التي تليها ممن بينهم وبينهم سبعةٌ، فالتعبيرُ في الثاني بثمانيةٍ غلطٌ أيضًا في تلك النسخةِ (٥).
قولُهُ: (علوَّ التَنزيلِ) (٦)، أي: لسببٍ: أنَّا إذا نَسبْنا إسنادَنَا إلى إسنادِ ذلكَ الكتابِ نَزلنا - في رتبةِ كلِّ راوٍ من رواةِ هذا السندِ - راويًا من رواةِ ذلكَ السندِ حتى نعلمَ هل هو أعلى، أو مساوٍ، أو أنزلُ.
وعبارةُ ابنِ دقيقِ العيدِ عنهُ: «علوُّ التنزيلِ، وهو الذي يُولعونَ بهِ، وذلك أن تنظرَ إلى عددِ الرجالِ بالنسبةِ إلى غايةٍ: إمَّا إلى النبيِّ - ﷺ -، أو إلى بعضِ رواةِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيه.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٥) انظر تعليقنا على " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٦٢ هامش (٢).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢، وهو من كلام ابن دقيق العيد في " الاقتراح ": ٢٦٩.
[ ٢ / ٤١٧ ]
الحديثِ، ويُنظر العددُ بالنسبةِ إلى هؤلاءِ الأئمةِ وتلكَ الغايةِ، فَتُنزل بعض الرواةِ منَ الطريقِ التي تُوصلُنا إلى المصنفينَ منزلةَ بعضِ الرواةِ منَ الطريق التي ليستْ من جهتهم» (١).
قولُهُ: (وقد يكونُ عاليًا مطلقًا أَيضًا) (٢)، أي: بأنْ يكونَ طريقُهُ إلى أحدِ الكتبِ الستةِ مثلًا كالطريقِ إلى غيرها، لا يوجدُ شيءٌ أعلى من ذلك، أو يكونَ علوُّهُ ليسَ بالنسبةِ إلى نزولِهِ منْ طريقِ أحدِ الستةِ فقطْ، بلْ وإلى غيرِ ذلكَ منَ الطرق، فلا توجدُ طريق أعلى من ذلك.
ففي هذا الاعتبارِ هو أعلى من غيرهِ، وفي الأولِ ليسَ غيرُهُ أعلى منهُ.
وعبارتُهُ في " النكتِ " (٣): «أطلقَ المصنفُ أنّ هذا النوعَ من العلوِّ تابعٌ لنزولٍ وليسَ ذلكَ على إطلاقهِ وإنَّما هو الغالبُ، وقد يكونُ غيرَ تابعٍ لنزولٍ بلْ يكونُ عاليًا من حديثِ ذلكَ الإمامِ أيضًا.
مثالُ ذلكَ: حديثُ ابن مسعودٍ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: «كانَ على موسى يومَ كَلَّمَهُ اللهُ كساء صوفٍ وجُبَّةُ صوفٍ » الحديثَ.
رَواهُ التِّرمذيُّ (٤) عن علي بنِ حُجرٍ، عَن خَلَفِ بنِ خليفةَ، عَن حميدٍ الأعرَجِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عَن ابن مسعود - ﵁ -. وقد وقعَ لنا عاليًا
_________________
(١) الاقتراح: ٢٦٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٤) في " الجامع الكبير " (١٧٣٤)، وقال عقبه: «هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج». وأخرجه: أبو يعلى (٤٩٨٣)، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ٧٤، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٢٨ و٢/ ٣٧٩ من طريق حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، به مرفوعًا. وهو حديث ضعيف جدًا؛ لشدة ضعف حميد الأعرج، وهو ابن علي الكوفي. قال الترمذي: «وحميد هو: ابن علي الكوفي منكر الحديث». وانظر: ميزان الاعتدال ١/ ٦١٤.
[ ٢ / ٤١٨ ]
بدرجتينِ.
أخبَرني بهِ أبو الفتحِ محمدُ بنُ محمدِ / ٢٥٨ ب / بنِ إبراهيمَ الميدوميُّ (١)،
قالَ: أخبرنا أبو الفرجِ عبدُ اللطيفِ بنُ عبدِ المنعمِ الحرانيُّ (٢)، ح.
وأخبرني أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريُّ (٣) بقراءتي
عليهِ (٤) في الرحلةِ الأولَى، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الدّائمِ المقدسيُّ (٥) قراءةً عليهِ وأنا حاضرٌ، قالا: أخبرنا عبدُ المنعمِ بنُ عبدِ الوهابِ (٦)، قالَ: أخبرنا عليُّ بن
_________________
(١) وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم بن عنان الميدومي، صدر الدين، أبو الفتح، ولد سنة (٦٦٤ هـ)، وهو أعلى شيخ عند العراقي من المصريين توفي سنة (٧٥٤ هـ). انظر: الدرر الكامنة ٤/ ١٥٨.
(٢) وهو النجيب عبد اللطيف بن عبد المنعم بن الصيقل، أبو الفرج الحراني الحنبلي التاجر، مسند الديار المصرية، ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، توفي سنة (٦٧٢ هـ). انظر: العبر ٣/ ٣٢٤، وشذرات الذهب ٥/ ٣٣٦.
(٣) وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات بن سعد بن بركات الدمشقي الأنصاري العبادي من ولد عبادة بن الصامت المعروف بابن الخباز، أكثر عنه العراقي، وكان صدوقًا مأمونًا، محبًا للحديث وأهله. انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٣٨٤ (١٠١٦)، وشذرات الذهب ٦/ ١٨١.
(٤) في " التقييد ": «بدمشق».
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) وهو الشيخ الجليل الأمين، مسند العصر، أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن خضر بن كليب الحراني الآجري لسكناه في درب الآجر. قال الذهبي: «انتهى إليه علو الإسناد، ومتع بحواسه وذهنه، وكان صبورًا محبًا للرواية» توفي سنة (٥٩٦ هـ). انظر: الكامل في التاريخ ١٢/ ١٥٩، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٥٨.
[ ٢ / ٤١٩ ]
أحمدَ بنِ محمدِ بن بَيَانٍ (١)، قالَ: أخبرنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مخلدٍ (٢)، قالَ: أخبرنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفَّارُ (٣)، قالَ: أخبرنا الحسنُ بنُ عرفةَ (٤)، قالَ: حدثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن حميدٍ الأعرجِ، [عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ] (٥)، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «يومَ كلَّمَ اللهُ موسى - ﵇ - كانت عليهِ جُبّةُ صوفٍ، وسراويلُ صوفٍ، وكساءُ صوفٍ، وكمّةُ صوفٍ، ونعلاهُ من جلدِ حمارٍ غيرِ ذَكِيٍّ (٦»).
فهذا الحديثُ بهذا الإسنادِ لا يقعُ لأحدٍ في هذه الأزمانِ أعلى منهُ على وجهِ الدنيا من حيث العددُ، وهو علوٌّ مطلقٌ ليسَ تابعًا لنزولٍ فإنَّه عالٍ للترمذيِّ أيضًا
_________________
(١) وهو الشيخ الصدوق المسند أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان بن الرزاز البغدادي، راوي جزء ابن عرفة، توفي سنة (٥١٠ هـ). انظر: الكامل في التاريخ ١٠/ ٥٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٥٧.
(٢) وهو الشيخ المعمر الصدوق، مسند وقته، أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد، البغدادي البزاز، قال الخطيب: «كان صدوقًا »، توفي سنة (٤١٩ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٢٣١، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٧٠ - ٣٧١.
(٣) وهو الإمام النحوي الأديب، مسند العراق أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح البغدادي الصفار، قال الذهبي: «انتهى إليه علوُّ الإسناد » توفي سنة (٣٤١ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٣٠٢، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٤٠.
(٤) هو الإمام المحدّث الثقة الحسن بن عرفة بن يزيد، أبو علي العبدي البغدادي المؤدب، مسند وقته، قال الذهبي: «انتهى علو الإسناد اليوم، وهو عام خمسة وثلاثين إلى حديث الحسن بن عرفة، كما أنه كان سنة نيف وستين وست مئة أعلى شيء يكون، وكان ﵀، صاحب سنة واتباع»، توفي سنة (٢٥٧ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٢/ ١٣٩ (١٢٢٧)، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٥٤٧ - ٥٥١.
(٥) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته مما تقدم ومن مصادر التخريج.
(٦) غير ذكي: هو ما زهقت نفسه قبل أن يدركه فيذَكيه. انظر: النهاية ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فإنّ خلفَ بنَ خليفةَ من التابعينَ وأعلى ما يقعُ للترمذيِّ روايتُهُ عن أتباعِ التابعينَ، وأمّا علوُّ طريقنا فأمرٌ واضحٌ فإنّ شيخَنا أبا الفتحِ آخِرُ من رَوَى عن النجيبِ عبدِ اللطيفِ بالسَّماعِ، والنجيبُ آخرُ من رَوَى عن عبدِ المنعمِ بنِ كليبٍ بالسماعِ، وابنُ كليبٍ آخِرُ من رَوَى عن ابنِ بيانٍ، وابنُ بيانٍ آخِرُ من رَوَى عن ابنِ مَخْلدٍ، وابنُ مخلدٍ آخِر من رَوَى عن الصَّفَّارِ، والصَّفَّارُ آخِرُ مَن رَوَى عن ابنِ عرفةَ، وابنُ عرفةَ آخِرُ من رَوَى عن خلفِ بنِ خليفةَ، وخلفُ بنُ خليفةَ آخِرُ من رأى الصحابةَ - ﵃ - فهو علوٌ مطلقٌ، والله أعلمُ».
وهو غيرُ مسلمٍ لهُ.
والصوابُ ما قالَ ابنُ الصّلاحِ (١)، لأنَّ العلوَ منَ الأمورِ النسبيةِ التي لا يتحققُ مفهومها إلا بالنسبةِ إلى شيئينِ، فلولا النُّزولُ ما عُقِلَ معنى العلوِّ، وعلى التَّنَزُّلِ فيكفي في كونِ هذا المثال تابعًا لنزول من جهةِ الشيخِ، أنَّهُ لو رواهُ من طريقِ الترمذيِّ لكانَ إسنادُهُ نازلًا عن إسنادهِ هذا الذي من طريقِ ابنِ عرفةَ بدرجتينِ كما قالَ، وهذا هو الذي أرادهُ ابنُ الصّلاحِ كما أفادَهُ شيخنا فكلامهُ مُطَّرِدٌ لا خللَ فيهِ.
وأمّا مِن جهةِ الترمذيِّ نفسهِ فلا يوصفُ بعلوٍّ ولا نزولٍ / ٢٥٩ أ / لأنَّهُ مساوٍ لابنِ عرفةَ، وإن اعتبرَ بأسانيدِ الترمذيِّ التي وقعتْ لهُ مطلقًا - ولا يمكن فيها - فخلفٌ شيخُ شيخهِ تابعيٌّ صغيرٌ، وقد روى عن جماعةٍ من أكابرِ التابعينَ (٢) كأبيهِ (٣)، وكذا شيخهُ في هذا السندِ حميدٌ الأعرجُ، وحفصُ بنُ أخي أنسِ بنِ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٥.
(٢) انظر: ترجمة خلف بن خليفة في " تهذيب الكمال " ٢/ ٣٩١ (١٦٩١).
(٣) وهو خليفة بن صاعد بن برام الأشجعي، والد خلف بن خليفة، روى عن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر. انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٣٩٨ (١٧٠٤)، والتقريب (١٧٤٥).
[ ٢ / ٤٢١ ]
مالكٍ (١)، وإسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (٢)، وأبو مالكٍ سعدُ بنُ طارقٍ الأشجعيُّ (٣).
فلو رُويَ هذا الحديثُ عن أحدٍ منهم عن صحابيٍّ لكانَ أعلى من طريقهِ
هذا، ومن ابنِ عرفةَ بدرجةٍ.
وقولُ الشيخِ: «هو أعلى ما يقع للترمذيِّ روايتُهُ عن أتباعِ التابعينَ» (٤) كلامٌ لا مدخلَ لهُ في المنعِ، فإنَّهُ قد يقعُ لغيرِ الترمذيِّ روايتُه عن التابعينَ، وقد يكونُ ذلكَ للترمذيِّ نفسِهِ، ولم يطّلع عليهِ فيكون أعلى مِن هذا.
وللترمذيِّ في كتابهِ أسانيدُ من غيرِ طريقِ خلفٍ أعلى مِن هذا (٥).
_________________
(١) وهو حفص بن أخي أنس بن مالك الأنصاري، أبو عمر المدني، روى عن أنس بن مالك، قال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه الدارقطني. انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ (١٤٠٤)، والتقريب (١٤٣٦).
(٢) إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، رأى أنس وسلمة بن الأكوع، وروى عن عمرو بن حريث المخزومي. انظر: تهذيب الكمال ١/ ٢٢٧ (٤٣٢)، والتقريب (٤٣٨).
(٣) وهو سعد بن طارق بن أشيم، أبو مالك الأشجعي الكوفي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، قال النسائي: ليس به بأس. انظر: الثقات لابن حبان ٤/ ٢٩٤، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢١ (٢١٩٥).
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٥٩.
(٥) أعلى إسناد يقع للترمذي ما كان بينه وبين النبي - ﷺ - فيه ثلاثة رواة، كما صرح بذلك العراقي بقوله: «أعلى ما يقع للترمذي روايته عن أتباع التابعين» ومثال ذلك ما رواه الترمذي في الجامع الكبير (٢٢٦٠) قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ابن بنت السدي الكوفي، قال: حدثنا عمر بن شاكر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». قال المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٣٥٨: «وليس في كتاب الترمذي حديث ثلاثي بينه وبين النبي - ﷺ - فيه ثلاثة أنفس غير هذا الحديث ».
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وقولُهُ: «إنَّ خلفًَا آخرُ من رأى الصحابةَ» (١) لا دخلَ لهُ في العلوِّ أيضًا، فإنَّ العلوَّ يتعلقُ بالروايةِ لا بالرؤيةِ، وهو في روايةِ هذا الحديثِ بينَه وبينَهم اثنانِ، وقد كانَ يمكنُ أن يكونَ بينهُ وبينهم واحدٌ فهو نازلٌ.
ولأجلِ هذا قالَ شيخنا في شرحهِ لكتابهِ " النخبةِ " (٢): «ويقابلُ العلوَّ بأقسامِهِ المذكورةِ النزولُ، فيكونُ كلُّ قسمٍ من أقسامِ العلوِّ يقابلُهُ قسمٌ من أقسامِ النزولِ خلافًا لمن زَعمَ [أنّ] (٣) العلوَّ قد يقعُ غيرَ تابعٍ لنزولٍ».
قولُهُ: (مثالُهُ) (٤)، أي: مثالُ العلوِّ النسبيِّ الذي إنَّما سُميَ عاليًا بالنسبةِ إلى نزولِ طريقهِ إلى أحدِ أصحابِ الكتبِ الستةِ.
قولُهُ: (آخرُ مَنْ رواه عن شيخِهِ بالسَّماعِ) (٥) مُسَلَّمٌ في غير إسماعيل الصَّفَّارِ، وأمَّا إسماعيلُ فإنَّهُ ليسَ آخرَ من روى عن ابنِ عرفةَ مطلقًَا، نَعَم، هو آخرُ من رَوَى عنهُ جزءهُ المذكورَ، وقد نبهَ الشيخُ على ذلكَ وقيَّدهُ بالجزءِ في بعضِ تصانيفِهِ.
هكذا قالَ شيخُنا.
وقد رأيتهُ أنا مقيدًا بذلكَ في بعضِ نسخِ هذا الشرحِ، فإنَّهُ قال: «بالسَّماعِ من الجزءِ المذكورِ» (٦) فكأنَّهُ ألحقَهُ بعدَ قراءةِ شيخنا لهُ عليهِ.
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٢٥٩.
(٢) نزهة النظر: ١٠٠.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " نزهة النظر ".
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣.
(٦) وهذه العبارة موجودة في جميع النسخ التي اعتمدنا عليها في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قولُهُ: (وعالٍ لنا) (١) هو مسلَّم باعتبارِ أنَّهُ ربما ساوتِ الطريقُ من جهةِ الكتبِ الستةِ / ٢٥٩ ب / الطريقَ من جهةِ غيرهِا، لكنَّ هذا المثال غيرُ صحيحٍ فإنَّ روايتَهُ لهُ من طريقِ الترمذيِّ كما تقدمَ آنفًا أنزلُ من روايتهِ لهُ منَ الجزءِ.
وتقدّمَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ بالنُّزولِ.
قولُهُ: (والمُصَافَحَاتُ) (٢) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ عن ذلك: «وذَلِكَ - أي: النوع (٣) - ما اشتهرَ آخِرًا مِنَ الموافَقاتِ، والأبدالِ، والمسَاواةِ، والمصافحةِ، وقَدْ كَثُرَ اعْتِناءُ المحدِّثينَ المتأخِّرينَ بهذا النوعِ، ومِمَّنْ وجدْتُ هذا النوعَ في كَلامِهِ أبو بكرٍ الخطيبُ الحافِظُ وبعضُ شُيُوخِهِ، وأبو نَصْرِ بنُ مَاكُوْلا، وأبو عبدِ اللهِ الحميديُّ وغيرُهُمْ مِنْ طَبَقتهِمْ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمْ» (٤).
قولُهُ: (فَإنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ) (٥)، أي: فَتسبب عن العلوِّ الذي يكونُ للحديثِ بالنسبةِ إلى أحد الأئمةِ، كأصحابِ الكتبِ الستةِ أنّه يقالُ: أنَّ يكونَ الراوي قد وافقَ المصنِّفَ الذي يريد العلوَّ بالنسبةِ إلى روايتهِ من طريقه في شيخِ ذلكَ المصنفِ مع العلوِّ الكائنِ في طريقهِ - التي رَوَى الحديثَ منها من غيرِ طريقِ ذلكَ الإمامِ - على طريقهِ لو رواهُ من طريقِ الإمامِ، فهذا النوعُ هو الموافقةُ.
أو إنْ يكنْ قد وافقهُ في شيخِ شيخهِ، مثلَ الموافقةِ في الأولِ فهذا النوعُ هو البدلُ.
وإنْ يكنْ قد ساواهُ في عددٍ حصلَ لهُ في إسنادِ ذلكَ الحديثِ فكانَ عددُ ما بينهُ فيهِ وبينَ النبيِّ - ﷺ - من الرواةِ كعددِ ما بينَ ذلكَ الإمامِ وبينَ النبيِّ - ﷺ - فهو المساواةُ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٣.
(٣) ما بين الشارحتين عبارة توضيحية من البقاعي.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٥.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٤١).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وحيثُ وقعتِ المراجحةُ بينهُ وبينَ الأصلِ - في قلةِ عددِ الإسنادِ الأصلِ - أنقصَ من عددِ إسنادِ المخرجِ الذي يريدُ أحدَ هذه الأنواعِ، فهذا النوعُ هو المصافحةُ (١).
قولُهُ: (مَعَ عُلُوٍ) (٢) لو قالَ: مع العلوِّ كانَ أخفَّ، فإنَّهُ يصيرُ مخبونًا بعدَ أنْ كانَ مخبولًا.
قولُهُ: (سَاوَاهُ عَدًَّا) (٣) لو قالَ: «في عَدٍ حَصَلْ» وأسقط «قَدْ» كانَ أحسنَ.
قولُهُ: (رَاجَحَه) (٤) فَاعَلَ - فيه - بمعنى فَعَل نحو: سافَرَ.
قولُهُ: (جزءِ الأَنصاريِّ) (٥) قالَ شيخُنا: «هذا بالنسبةِ إلى الشيخِ، فإنَّ البخاريَّ وقعَ لهُ نازلًا، وأما نحن فوقعَ لنا البخاريُّ عاليًا، وجزءُ الأنصاريِّ
/ ٢٦٠ أ / عن الشيخِ، فالإسنادانِ بالنسبةِ إلينا متساويانِ».
قولُهُ: (تقعُ موافقةً) (٦)، أي: تقعُ الروايةُ لنا حالَ كونها ذاتَ موافقةٍ، أو السندُ حالَ كونهِ ذا موافقةٍ.
قولُهُ: (فسَمَّاهُ موافقةً) (٧) الضميرُ المستترُ في «فَسمَّاهُ» للناظمِ، يعني: على طريقِ التَّجريدِ، أي: لما قلتُ: أو «شَيخ شَيخِهِ» عطفًَا على «شيخِهِ» المتعلقِ بـ «وافقهُ»، علمَ أنَّهُ لا يمتنعُ تسميتُهُ موافقةً مع التقييدِ بشيخِ الشَّيخِ؛ لأنّي كذلكَ
_________________
(١) انظر: نزهة النظر: ٩٨ - ١٠٠.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٤١).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٤٢).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٤٣).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
استعملتهُ، تقديرُ كلامي: أو وافقَهُ في شيخِ شيخهِ ولو لم يكن ذلكَ سائغًَا لما ساغَ لي تعليقهُ بـ «وافقَهُ».
ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ للنظمِ على الإسنادِ المجازي.
قولُهُ: (قلتُ: وفي كَلامِ غيرِهِ) (١) هو فائدةٌ زائدةٌ، وأمّا أنَّ ذلكَ يردُّ على ابنِ الصلاحِ فلا؛ لتأخر من ذُكِر عنهُ (٢)، وابنُ الصلاحِ إنما نفى استعمالَ من تقدمَهُ لذلكَ وهو كذلكَ.
قولُهُ: (أو يَكونُ بينَهُ وبينَ النبيِّ - ﷺ -) (٣) ذلكَ الصحابيُّ أم غيرُهُ، وسواءٌ كانَ الراوي عن الصحابيِّ ذلكَ التابعيَّ أو غيرَهُ وكذا دونَهُ.
وأما ما قبلَه (٤) فينظر فيهِ إلى المتنِ من روايةِ ذلكَ الصحابيِّ، إنْ كانَ الوصولُ إليهِ، أو من روايةِ التابعيِّ، إنْ كانَ الوصولُ إليهِ، وكذا مَن دونهُ، ولا شكَّ أنَّهُ إذا كانَ مساويًا مع التقييدِ بالصحابيِّ، أو من دونهُ يكونُ أقعدَ في هذا البابِ.
قولُهُ: (إلاَّ بأنْ يَكونَ) (٥) تقييدُ الاستثناءِ باليومِ يُفهِمُ أنَّ الحكمَ في المساواةِ في العددِ في هذا الأوانِ يخالفُ ما مضى من الزمانِ في غيرِ القسمِ الذي
ذكرهُ، وهو أنَّ الاعتبارَ في ذلكَ بالنبيِّ - ﷺ - لا بمن دونَهُ، وأنَّ اعتبارَ من دونَهُ - ﷺ - ما كانَ يتأتَّى إلا في الزمانِ المتقدمِ المقاربِ للأئمةِ، وأمَّا الآنَ فالأسانيدُ مِنَّا إليهم طويلةٌ فتعذَّرَ ذلكَ لذلكَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
(٢) ذكر جمال الدين الظاهري والذهبي: أن اسم الموافقة والبدل يطلقان مع عدم العلو، فإن علا قالوا: موافقة عالية أو بدلًا عاليًا. فذكر المؤلف هنا أن كلام الظاهري والذهبي ليس فيما يرد على كلام ابن الصلاح. لأنهما تأخرا عن ابن الصلاح.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
(٤) في (ف): «قبلها»، ولعل المثبت أكثر موافقة للسياق.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قولُهُ: (حدَيثُ النَهيِّ عَنْ نِكاحِ المتْعَةِ) (١) مثالٌ لما النظرُ فيهِ إلى الصحابيِّ فمن دونهُ إلى الشيخِ الذي تلاقيا فيه بالنسبةِ إلى الروايةِ الأولى.
ومثالٌ لما النظرُ فيه إلى المتنِ مع قطعِ النظرِ عنِ الصحابيِّ فمن دونهُ، فإنَّ الروايةَ الأولى من حديثِ سبرةَ (٢) / ٢٦٠ ب / والثانيةَ من حديثِ عليٍّ (٣) ﵄، وكذا الرواةُ عن كلٍّ منهما غيرُ الرواةِ عن (٤) الآخرِ.
قولُهُ: (الفَارفَانيةُ) (٥) بفائينِ وراءٍ مهملةٍ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٤.
(٢) حديث سبرة أخرجه: عبد الرزاق (١٤٠٤١)، والحميدي (٨٤٧)، وأحمد ٣/ ٤٠٤، والدارمي (٢٢٠١)، ومسلم ٤/ ١٣١ (١٤٠٦) (١٩) و(٢٠) و٤/ ١٣٢ (١٤٠٦) (٢١) و(٢٢) و٤/ ١٣٣ (١٤٠٦) (٢٣) - (٢٧) و٤/ ١٣٤ (١٤٠٦) (٢٨)، وأبو داود (٢٠٧٢) و(٢٠٧٣)، وابن ماجه (١٩٦٢)، والنسائي ٦/ ١٢٦ وفي " الكبرى "، له (٥٥٤١) - (٥٥٤٦) و(٥٥٥٠)، وابن الجارود (٦٩٩)، وأبو يعلى (٩٣٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ٢٥، وابن حبان (٤١٤٧) و(٤١٤٨) و(٤١٥٠)، والبيهقي ٧/ ٢٠٣ من طريق الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه سبرة أنه قال: أذن لنا رسول الله - ﷺ - بالمتعة. فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر فذكر الحديث.
(٣) أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٥٦٠) برواية الليثي، والبخاري ٥/ ١٧٢ (٤٢١٦) و٧/ ١٢٣ (٥٥٢٣)، ومسلم ٤/ ١٣٤ (١٤٠٧) (٢٩) و(٣٠) و(٣١) و(٣٢) و٦/ ٦٣ (١٤٠٧) (٢٢) من طريق الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي، عن أبيهما، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: «نهى رسول الله - ﷺ - عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية».
(٤) في (ف): «غير»، والمثبت أصوب، والله أعلم.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٥. وهي نسبة إلى فارفان - قرية من قرى أصبهان - بفتح الفاء، وسكون الألف والراء، وفتح الفاء الثانية، وسكون الألف الثانية وفي آخرها نون. كذا قيدت في " الأنساب " ٣/ ٤٢٥ و" اللباب " ٢/ ١٥٩، وذكر الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٢١/ ٤٨٢: أنها بفاءين، وكذا ذكر الزكي المنذري في " التكملة لوفيات النقلة " ٢/ ١١٣٢، إلا أن ياقوت الحموي =
[ ٢ / ٤٢٧ ]
قولُهُ: (بَدلًا) (١)، أي: فوقعَ السّندُ لنا ذا بدلٍ، وكذا الموافقةُ.
قولُهُ: (خيَّاط السُّنَّة) (٢) نقلَ عن شيخنا أنَّهُ قالَ: «ويمكنُ أنْ يكونَ على حذفِ مضافٍ، تقديرُهُ: خياط أهلِ السُّنَّةِ، بأنْ كانَ يخيطُ لهم ملبوسَهُم».
قولُهُ: (كأنَّ شيخَنا سَاوَى) (٣) إنْ قيلَ: كانَ ينبغي الجزمُ بحقيقةِ المساواةِ؛ لأنَّ عددَ الإسنادينِ واحدٌ، قيلَ: إنما جاءَ التشبيهُ من جهةِ اعتبارِ ذلكَ الإسنادِ الخاصِّ والزمانِ، فكأنَّ شيخنا كانَ في زمانِ النسائيِّ، ورَوى هذا الحديثَ عن شيخهِ فصاعدًا فساواهُ في سندهِ الذي رَوى هذا الحديثَ بهِ.
وأمَّا الآن فإنَّما ساواهُ في عدِّ ما بينه وبينَ النبيِّ - ﷺ - في هذا المتنِ، من غيرِ اعتبارِ أنْ يكونَ الإسنادُ واحدًا.
قولُهُ: (وأمَّا المصَافحةُ فَهوَ) (٤)، أي: وقوعُها.
_________________
(١) = في " معجم البلدان " ٤/ ٢٢٨ قيدها بكسر الراء المهملة، مثله في " مراصد الاطلاع " ٣/ ١٠١٣. والفارفانية هذه: هي الشيخة الجليلة مسندة أصبهان عفيفة بنت أبي أحمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن حسن بن مهران، أم هانئ الأصبهانية، انتهى إليها علوُّ الإسناد، توفيت سنة (٦٠٦ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٨٢، وشذرات الذهب ٥/ ١٩ - ٢٠.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦. وخياط السنة هو: زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة بن حنظلة بن قرة السجزي، أبو عبد الرحمان، المعروف بخياط السنة، وثقه النسائي وغيره، توفي سنة (٢٨٩ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٢٨ - ٢٩ (١٩٨٣)، والتقريب (٢٠٢٨).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ عنها: «فهيَ أنْ تَقَعَ هذهِ المساواةُ - التي وصفناها -، لشَيخِكَ لا لكَ فيقع ذَلِكَ لكَ مُصَافحَةً، إذْ يَكُونُ كَأَنَّكَ لَقِيْتَ مُسْلِمًا في ذَلِكَ الحديثِ وصَافحتَهُ بهِ، لِكَوْنكَ قدْ لَقِيْتَ شَيْخَكَ المساوي لِمُسْلِمٍ، فإنْ كانتْ المساواةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ، كانتِ المصَافَحةُ لِشَيْخِكَ، فَتَقُولُ: كأنَّ شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِمًا وصَافَحَهُ، وإنْ كانَ المسَاواةُ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِكَ، فالمصَافَحةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ فتَقولُ فيها: كأنَّ شَيْخَ (١) شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِمًا وصَافَحَهُ. ولكَ أنْ لا تَذكرَ في ذَلِكَ نِسْبَةً بلْ تَقُولُ: كأنَّ فُلانًا سَمِعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، مِنْ غيرِ أنْ تَقُولَ فيهِ: شَيْخِي، أو شَيْخُ شَيْخِي. ثُمَّ لا يخفَى عَلَى المتأَمِّلِ أنَّ في المساواةِ والمصَافَحةِ الواقِعَتَينِ لكَ، لا يَلْتَقِي إسْنادُكَ وإسْنادُ مُسْلِمٍ أو نحوِهِ إلا بَعيدًا عَنْ شَيْخِ مُسْلِمٍ، فيلْتَقِيانِ في الصحابيِّ أو قَرِيْبًا منهُ، فإنْ كَانتِ المصَافَحَةُ التي تَذْكُرُها ليستْ لكَ بلْ لِمَنْ فَوقَكَ مِنْ رِجالِ إسْنادِكَ، أمْكَنَ التِقَاءُ الإسْنادَيْنِ فيها في شَيْخِ مُسْلِمٍ أو أشْباهِهِ، وداخَلَتِ (٢) المصَافَحةُ حِيْنَئذٍ الموافقةُ، فإنَّ مَعْنَى الموافقةِ راجِعٌ إلى مُسَاواةٍ ومصَافَحةٍ مَخْصُوصَةٍ / ٢٦١ أ / إذْ حاصِلُها أنَّ بعضَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ رواةِ إسْنادِكَ العاِلي سَاوَى أو صَافَحَ مُسْلِمًا، أو البخَارِيَّ لِكَونِهِ سَمِعَ ممَّنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِما مَعَ تَأَخُّرِ طَبَقَتِهِ عَنْ طَبَقَتِهِما.
ويوجدُ في كَثيرٍ مِنَ العوالي المخرَّجةِ - لِمَنْ تَكَلَّمَ أوَّلًا في هذا النوعِ وطَبَقَتِهِم المصافَحَاتُ مَعَ الموافَقَاتِ والأبدالِ لما ذَكَرْناهُ (٣») (٤).
قولُهُ في شرحِ قولِهِ: (ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاِة) (٥) مثالُهُ قالَ ابنُ الصلاحِ: «ما أرويهِ
_________________
(١) في (ف): «لشيخ»، والمثبت من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٢) في (ف): «ودخلت»، والمثبت من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) في (ف): «ذكرنا»، والمثبت من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٦.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٤٤).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
عن شيخٍ أخبرني بهِ، عن واحدٍ، عن البيهقيِّ الحافظِ، عن الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ الحافظِ، أعلى من روايتي لذلكَ، عن شيخٍ أخبرني بهِ، عن واحدٍ، عن أبي بكر بن خلفٍ (١)، عن الحاكمِ، وإنْ تَساوى الإسنادانِ في العددِ لتقدمِ وفاةِ البيهقيِّ على وفاةِ ابن خلفٍ؛ لأنَّ البيهقيَّ ماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وأربعِمئةٍ، وماتَ ابنُ خلفٍ سنةَ سبعٍ وثمانينَ وأربعِمئةٍ» (٢).
قولُهُ: (عَلَى مَنْ بَعْدَهُ) (٣) هما ابنُ خطيبِ المزَّةِ (٤) والفخرُ (٥).
قولُهُ: (الخَليليّ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ورُوِّينا عن أبي يعلى بنِ عبدِ اللهِ الخليليِّ (٧) الحافظِ قالَ: «قد يكونُ الإسنادُ يعلو على غيرِهِ، بتقدُّمِ موتِ راويهِ، وإن كانا متساويين في العددِ» (٨). ومثّلَ ذلكَ من حديثِ نفسهِ بمثلِ ما ذكرنَاهُ. ثمَّ إنَّ هذا الكلام في العلوِّ المنبني على تقدمِ الوفاةِ المستفادِ من نسبةِ شيخٍ إلى شيخٍ، وقياس راوٍ براوٍ» (٩).
_________________
(١) وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الشيرازي، ثم النيسابوري، مسند وقته، توفي سنة (٤٨٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٨، وشذرات الذهب ٣/ ٣٧٩.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٧.
(٤) وهو شهاب الدين عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى الموصلي، ثم الدمشقي كان فاضلًا دينًا، ثقة، توفي سنة (٦٨٧ هـ). انظر: العبر ٣/ ٣٦٤، وشذرات الذهب ٥/ ٤٠١.
(٥) وهو ابن البخاري. تقدمت ترجمته.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨.
(٧) في " معرفة أنواع علم الحديث ": «أبي يعلى الخليل».
(٨) إلى هنا انتهى كلام الخليلي في " الإرشاد " ١/ ١٧٩.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٧.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
قولُهُ: (عَنْ ابنِ جَوْصَا: إسنادُ خَمسينَ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: «وأمَّا العلوُّ المستفادُ من مجرَّدِ تقدُّمِ وفاةِ شيخكَ، من غيرِ نظرٍ إلى قياسهِ براوٍ آخرَ، فقد حدَّهُ بعضُ أهلِ [هَذَا] (٢) الشأنِ بخمسينَ سنة، وذلكَ فيما رويناهُ عن أبي عليٍّ الحافظِ النيسابوريِّ قالَ: «سمعتُ أحمدَ بنَ عميرٍ الدمشقيَّ - وكانَ من أركانِ الحديثِ - يقولُ: إسنادُ خمسينَ [سنةً] (٣) - من موتِ الشيخِ - إسنادُ علوٍّ (٤).
وفيما يُروى عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه الحافِظِ، قالَ: إذا مَرَّ عَلَى الإسنادِ ثَلاثونَ سَنَةً فهوَ عالٍ (٥). وهذا أوسَعُ مِنَ الأوَّلِ» (٦). انتهى.
وابنُ عميرٍ الذي ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ هو ابنُ جَوْصَا بالجيمِ والصادِ المهملةِ الذي ذكرهُ الشيخُ زينُ الدينِ وهو أحمدُ بنُ عميرِ بنِ يوسفَ بنِ موسى بنِ جَوْصَا الحافظُ شيخُ الشامِ، توفي في جمادى الأولى سنةَ عشرينَ وثلاثِمئةٍ (٧) /.
٢٦١ ب / وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في مثالِ قِدَم الوفاةِ: «كما إذا روى شيخٌ من شيوخنا حديثًا عن شيخٍ قديمِ الوفاةِ كالحافظِ أبي الحسنِ المقْدِسيِّ (٨) عن السلفيِّ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨.
(٢) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف) وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف) وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ". وفي " تاريخ دمشق ": «بخمسين سند».
(٤) رواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥/ ١٨٩.
(٥) انظر: إرشاد طلاب الحقائق ٢/ ٥٣٥.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٧) انظر ترجمته في: تاريخ دمشق ٥/ ١٨٦، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ١٥، وشذرات الذهب ٢/ ٢٨٥. وانظر: تعليقنا على " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٦٨ هامش (٢).
(٨) هو الشيخ الإمام المفتي الحافظ علي بن المفضل بن علي بن مفرج بن حاتم بن حسن بن جعفر، شرف الدين أبو الحسن بن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي، ثم الإسكندراني المالكي، له كتاب " الصيام " و" الأربعون في طبقات الحفاظ "، توفي سنة (٦١١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٦٦، وشذرات الذهب ٥/ ٤٧ - ٤٨.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وروينا نحنُ ذلكَ الحديثَ عمَّن تأخرت وفاتهُ كابنِ بنتِ السِّلفي (١)، فإنَّ المقدسيَّ توفي سنةَ إحدى عشرةَ وستمئةٍ، وتوفي السِّبطُ سنةَ إحدَى وخمسينَ، فالعددُ بالنسبةِ إلى السِّلَفي واحدٌ، إلاّ أنَّ الأولَ أقدمُ، فهذا يَعُدُّونَهُ علوًَّا، ويُثبتونَ له مَزِيَّةً في
الروايةِ.
ومِنَ الناسِ مَنْ يَعُدُّ العلوَّ هو الإتقان والضبط وإنْ كان نازلًا في العددِ، وهذا علوٌّ معنويٌّ، والأولُ صوريٌّ، ورعايةُ الثاني - إذا تعارضا - أولى» (٢).
قولُهُ: (آخرَ مَنْ كانَ يَرويه) (٣)، أيْ: عن ابنِ الزبيديِّ (٤).
قولُهُ في قوله: (ثُمَّ عُلُوُّ قِدمِ السَّمَاعِ): (كَالأَنْوَاعِ) (٥)، أي: أنواعهِ كالأنواعِ المذكورةِ في العلوِّ، فهي: موافقةٌ وبدلٌ بنزولٍ.
وأمَّا تصويرُ المساواةِ والمصافحةِ بالنزولِ ففيهِ نظرٌ.
قولُهُ: (والصِّحَّةُ العُلُوُّ) (٦)، أي: فإذا وجدتِ الصحةُ لم يُعدَل عنها، سواء كانت معَ نزولٍ أم لا، فإنها هي العلوُّ، للوثوقِ بذلكَ السندِ لا قربَ الرجالِ الخَالي
_________________
(١) وهو الشيخ المسند المعمر أبو القاسم عبد الرحمان بن الحاسب مكي بن عبد الرحمان بن أبي سعيد بن عتيق، جمال الدين الطرابلسي ثم الإسكندراني سبط الحافظ السلفي، توفي سنة (٦٥١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٧٨، وشذرات الذهب ٥/ ٢٥٣.
(٢) الاقتراح: ٢٧٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨، وفيه: «كان آخر من يرويه ».
(٤) وهو الشيخ الإمام الفقيه الكبير، مسند الشام، سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الرَّبعِي الزبيدي. مدرس مدرسة الوزير عون الدين بن هبيرة، كان إمامًا، دينًا، خيرًا، متواضعًا، صادقًا، توفي سنة (٦٣١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٥٧، وشذرات الذهب ٥/ ١٤٤.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٤٦).
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٤٧).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
عن الصحةِ فإنَّهُ ليسَ بعلوٍّ لعدمِ الوثوقِ، فلا فرقَ حينئذٍ بينَ أنْ تقولَ هذا إسنادٌ عالٍ أو صحيحٌ، فإنَّكَ [إن] (١) أطلقتَ ذلكَ عُرفَ أنك تريدُ العلوَّ، سواءٌ عبرتَ عنهُ بالصحةِ أو بالعلوِّ.
وقد مرَّ كلامُ ابنِ دقيقِ العيدِ آنفًا.
قولُهُ في شرحهِ: (المتأخِّرُ أرجحَ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ تخالفُهُ فإنَّه قالَ: «فإِذا تساوى السندُ إليهِما في العَدَدِ، فالإسنادُ إلى الأوَّلِ الذي تقدّمَ سماعُهُ أَعلى، فهذِهِ أنواعُ العُلوِّ عَلَى الاستقصاءِ والإِيضاحِ الشَافي» (٣). انتهى.
والذي قالهُ الشيخُ حسنٌ، فإنَّهُ بيَّنهُ على معنىً شريفٍ، وهو: النظرُ في حالِ الشيخِ عندَ السماعينِ، فإنْ كانَ متساويًا رجحنا الأولَ، وإنْ كان متقاربًا رجحنا ما كانت حالهُ فيهِ أعلى سواءٌ كانَ متأخرًا أو متقدمًا.
وكذا حالُ السامعِ، فقد يكونُ من سمعَ متقدِّمًا متيقِّظًا ضابطًا إلى غيرِ ذلكَ من الصفاتِ المرجِّحةِ، ومن سمعَ متأخرًا / ٢٦٢ أ / قاصرًا عن درجتهِ، فيأتي من ذلكَ أنواعٌ بالنظرِ إلى حالِ السامعِ وحالِ الشيخِ مقتضيةً للترجيحِ، فقد يتَّفقُ حالُ الشيخِ والسامعِ في الترجيحِ وعدمهِ، وقد يختلفُ فيحصلُ لكلِ واحدٍ مقتضى للترجيحِ فيأتي الاجتهادُ حينئذٍ في الأنسبِ.
قولُهُ: (مالكٍ، لِمَعنىً فيهِ) (٤) هو تصريحُ مالكٍ بالتحديثِ.
قولُهُ: (تَفْصيلًا مبينًا) (٥) رأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا الحلبيينَ أنَّ المصنفَ ألحقَ «مبينًا» بعد قراءةِ شيخنا الحافظِ برهانِ الدينِ عليهِ. انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيه.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٨.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٩، وهو من كلام ابن طاهر.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٠، وهذا من كلام ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٩.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ولم أرَهَا أنا فيما رأيتهُ من نسخِ ابنِ الصلاحِ (١) فلم أدْرِ لم زادهَا؟!
قولُهُ: (عَنْ وكيعٍ قالَ: الأَعمشُ أحبُّ) (٢) أخرجهُ السِّلَفيُّ في كتابهِ " شرطِ القراءةِ على الشيوخِ "، من طريقِ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ خزيمةَ النيسابوريِّ، قال: «سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ هاشمٍ الطوسيَّ يقولُ: كنا عندَ وكيعٍ فقالَ: الأعمشُ فذكرهُ» (٣).
وكذا أخرجَ قول ابنِ المباركِ (٤).
قولُهُ: (عَنْ فقيهٍ) (٥) عن شيخنا أنهُ قالَ: إنَّ لابنِ حبانَ تفصيلًا حسنًا وهو: أنَّ النظرَ إنْ كانَ للسندِ فالشيوخُ، وإنْ كان للمتنِ فالفقهاءُ (٦).
قولُهُ: (عِندَ النظرِ والتَحقيقِ) (٧) ورَوى السِّلفيُّ عن يحيى بن معينٍ قالَ:
_________________
(١) إذ هي في " معرفة أنواع علم الحديث ": «تفصيلًا مفهمًا».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٠.
(٣) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": ٢٣٨ (١٣٩)، والحاكم في " معرفة علوم الحديث": ١١، والبيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى ": ٩٤ - ٩٦ (١٤) و(١٥)، والخطيب في " الكفاية ": ٤٣٦ من طريقين عن وكيع قال: «الأعمش أحب إليكم، عن أبي وائل، عن عبد الله؟ أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش، عن أبي وائل أقرب. فقال: الأعمش، عن أبي وائل شيخٌ، وسفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه ». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٠ - ٧١.
(٤) قول ابن المبارك هو: «ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال». أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٩٦ (١٣٠٨).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١، وهو من قول وكيع المتقدم.
(٦) انظر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١/ ١٥٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١، وهو من كلام السلفي.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
«الحديثُ النزولُ [عن ثبتٍ] (١) خيرٌ من علوٍّ عن غيرِ ثبتٍ» (٢).
قالَ: وأنشدهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زفر في معناه:
علمُ النزولِ اكتبوهُ فهو ينفعكم وتَرْكُكُم ذاكم ضَرْبٌ مِن العَنَت
إنَّ النزولَ إذا ما كَانَ عَنْ ثبتٍ أعلى لكم مِنْ علو غَيرِ ذي ثَبَتِ (٣)
قولُهُ: (نِظامِ الملْكِ) (٤) قال ابن كثير: «وهَذَا اصطلاحٌ [خَاصٌّ] (٥)، وماذا يَقولُ إذَا صَحَّ الإسنادَانِ، وهَذَا أقْرَبُ رِجَالًا؟!» (٦).
قولُهُ: (مِنْ نَظمهِ) (٧) قالَ بعضُ أصحابنا: رأيتُ بخطِّ السِّلفيِّ أنَّهُ نظمَ هذهِ الأبيات (٨) جنزة، قال في "القاموس" (٩): «وجَنْزَةُ -أَي: بجيمٍ ونونٍ وزاي - (١٠): أعْظَمُ بَلَدٍ بأرَّانَ وقرية (١١) بأصْبَهَان، منْ أحدِهمَا أبو الفَضْلِ الجَنْزَويُّ».
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الجامع لأخلاق الراوي ".
(٢) أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٨ (١٢١).
(٣) أخرج الخطيب هذين البيتين في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٣٩ (١٣٤)، ونسبهما لأبي بكر ابن الأنباري.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١، وهو من كلام السلفي أيضًا، ونظام الملك هذا هو الوزير الكبير نظام الملك، قوام الدين أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس توفي سنة (٤٨٥ هـ). انظر: الكامل في التاريخ ١٠/ ٢٠٤، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٩٤.
(٥) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " اختصار علوم الحديث ".
(٦) اختصار علوم الحديث ٢/ ٤٥٢ وبتحقيقي: ٢٢٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١.
(٨) بعد هذا في (ف) كلمة غير واضحة.
(٩) القاموس المحيط مادة (جنز).
(١٠) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(١١) رسمت في (ف): " وقر"، وفي القاموس المحيط: "ة بأصبهان" والرمز (ة) يعني: قرية.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الغريب والعزيز [والمشهور] (١)
قولُهُ: (الغَرِيْبُ وَالْعَزِيْزُ وَالمشْهُوْرُ) (٢) لما ذكرَ الأنواعَ التي يفهمُ قبول الحديث أو ردّه، وذكرَ ما يتعلقُ بالقبولِ والردِ، وذكرَ أدبَ الشيخِ والطالبِ في طلبِ الحديثِ، وتقاضي ذلكَ الحث على طلبِ العلو، فذكرهُ كذا على بقايا من اصطلاحِ القومِ يدخلُ في الأنواعِ الماضيةِ، ولا يخص / ٢٦٢ ب / نوعًا منها، فإنْ قيل: إنَّ هذا الوجه ممّا يُقال، ولكن الأليق: تقديم هذا النَّوع وأضرابه؛ لتكون الأنواع كلُّها مجتمعة؛ قيل: إنَّ ابنَ الصلاحِ أملى كتابه إملاءً، فكتبه في حالِ الإملاء جمع جمّ، فلم يقع مرتَّبًا على ما في نفسه، وصارَ إذا ظهر له أنّ غير ما وقعَ له أحسن ترتيبًا، يراعي ما كتب منَ النَّسخ، ويحفظ قلوبَ أصحابها، فلا يغيرها، وربّما غابَ بعضُها، فلو غير ترتيبَ غيرِهِ تخالفت النُّسخُ، فتركها على أولِ خاطر (٣)، والشيخ تابع له، ثمّ لا يخفى وجهُ تقديمِ الغريبِ على العزيزِ، وهو المشهورُ للمترقي.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " شرح التبصرة والتذكرة ". وانظر في العزيز والغريب والمشهور: معرفة علوم الحديث: ٩٢ و٩٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٠ و٣٧٤، وجامع الأصول ١/ ١٧٤، وإرشاد طلاب الحقائق ٢/ ٥٣٨ و٥٤٥، والتقريب: ١٥٢ و١٥٣، والاقتراح: ٢٧١ و٢٧٢، والموقظة: ٤٣، ورسوم التحديث: ٧٩ و٨٠، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٥٥ و٤٦٠ وبتحقيقي: ٢٢٥ و٢٢٩، والشذى الفياح ٢/ ٤٣٤ و٤٤٦، والمقنع ٢/ ٤٢٧ و٤٤١، ومحاسن الاصطلاح: ٢٢٠ و٢٢٣، وتنقيح الأنظار: ٢٥١، ونزهة النظر: ٢٧ و٢٨، وفتح المغيث ٣/ ٢٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٧٣ و١٨٠، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٢٦٧، وفتح الباقي ٢/ ١٥٠ - ١٥٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ١٩٢ و١٩٧، واليواقيت والدرر ١/ ٢٧٢ و٢٨٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٠١، وظفر الأماني: ٣٩ و٦٨، ولمحات في أصول الحديث: ٢٨٣ و٢٨٩.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٢.
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٨.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قولُهُ: (وَمَا بِهِ مُطْلَقًا) (١)، أي: سواء كانَ انفراده بالنِّسبة إلى إمامٍ يجمع حديثه كما قيَّده به ابنُ منده أولًا.
قولُهُ: (فَحَدْ) (٢) هو ناظر في مئةٍ إلى قولِهِ: «فَهْوَ»؛ ليكون التقدير، فهوَ الغريبُ على ما حدَّهُ بهِ الأئمةُ، إلا ابنَ منده، وابنُ منده ما وقعَ بهِ الانفرادُ مِنْ ذلك، فإنَّهُ حدّ الغريب منه، مخصص له بما انفردَ به الراوي عنْ إمام بجمعِ حديثهِ، والحاصلُ أنَّ التقديرَ: وابن منده خالفَ هذا الرسم، فحد الغريب بأنَّهُ: انفراد راوٍ عَنْ إمام (٣) يجمعِ حديثه، وكان ابن منده يُسمّي الغريب في عُرْفِنا فردًا.
قولُهُ: (يَغْرُبُ) (٤) - بضم الراء - سواءٌ كانَ ماضيه بالضمِّ أو الفتح. قال في " الجمع بين العباب والمحكم "، وفي " القاموس "، وفي " الأفعال " لابن طريف: والغريب: الغامض في الكلام، ورجل غريب: ليسَ من القومِ، وكلمةٌ غريبةٌ، وقد غرُبتِ، أي: بالضمِّ، وغربتِ الشمسُ تغرب غروبًا: غابت في المغربِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ (٥) وقال: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (٦) وكذلك: غرب النَّجم، والغرب: الذهاب والتنحِّي عن النَّاسِ، وقد غَرب عنّا، أي: بالفتح النّوى والبعد، وقد تغرّب ونوى غربة بعيدة، وهل أطرفتنا من مغرّبة خبره،
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٤٨).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٤٨).
(٣) وكلام ابن منده: «فأما الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثه إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة اشتركوا في الحديث يسمى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنه حديثًا سمي مشهورًا»، أسند هذا الكلام لابن منده الحافظ ابن طاهر المقدسي في " شروط الأئمة الستة ": ٢٣.
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٥١).
(٥) الكهف: ١٧.
(٦) الكهف: ٨٦.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وهل جاءتك مغربة خبر، وهو الخبرُ الذي يطرأُ عليك منْ بلد سوى بلدكَ، والتغربُ: التروحُ عنِ الوطن، وقد غرّبهُ الدهرُ، والغُربةُ والغُرب - بالضمِّ - والاغترابُ، ووجه تسمية الفردِ في الاصطلاحِ بالغريبِ، والمناسبةِ المصححةِ لنقلهِ من اللغةِ إليهِ، أنَّ الغريب مِنْ شأنه: الانفراد عن أهله، ومَنْ يعاشره كما انفردَ عن وطنهِ، وغريبُ الحديثِ / ٢٦٣ أ / كذلكَ في الانفرادِ.
قولُهُ: (مُطْلَقًا) (١) حال لضمير «يغرب»، أي: ذلك الحديثُ حالَ كونِهِ مطلقًا في غرابته، غير مقيد بشيخٍ، ولا إسنادٍ، ولا متنٍ، بل يكونُ في غرابتهِ أعمَّ مِنْ ذلك كلّهِ، وإسنادًا تميز، أي: من جهةِ الإسناد.
قولُهُ: (فَقَدْ) (٢)، أي: فقط، بمعنى: فحسب، قال أهل اللغة: ويكون قد بمعنى حسب، فالمعنى فغرابتهُ من جهةِ الإسناد كافيةٌ في تسميتهِ غريبًا، ولا يحتاجُ في ذلك إلى وجودِ غرابةٍ فيه مِنْ غير جهة الإسناد.
قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (في متنِهِ) (٣)، أي: يزيد بعض الرواة فيه لفظة فما فوقها منفردًا بها عنْ غيره منْ رواته، وكذا في السند، قال ابنُ كثير: «قَدْ تكُونُ فِي المَتْنِ كأنْ يَنفرد (٤) بِرِوايَتِهِ واحدٌ أو مِنْ بَعْضِهِ، كَمَا إِذَا زَادَ فِيهِ وَاحِدٌ زِيَادَةً لَمْ يَقُلْهَا غَيْرهُ، وَقَدْ تكوُنُ في الإسْنَادِ كَمَا إذَا كَانَ أصْلُ الحَدِيثِ مَحْفُوظًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، أوْ وُجُهٍ، وَلَكنَّهُ بِهَذَا الإِسْنَاد غَرِيبٌ». (٥) انتهى. وفي ما تقدّمَ في أول الكتابِ من الشاذ، وما والاه أمثلة لذلك.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٥١).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٥١).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٢، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٤.
(٤) في " اختصار علوم الحديث ": «بأن يتفرد».
(٥) اختصار علوم الحديث ٢/ ٤٦٠ وبتحقيقي: ٢٢٧.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
قولُهُ: (ممَّنْ يُجْمَعُ حديثه) (١)، أي: ممّن هو في جلالتِهِ في إمامتِهِ، وكثرة حديثه، بحيث يُجمع حديثُهُ، وإنْ لم يجمع بالفعلِ، وليسَ المعنى ممّن جرتْ عادة المحدّثينَ بأنْ جمعوا حديثهم حَتّى يكون قيدًا.
قولُهُ: (فإِذَا رَوى الجَماعةُ عَنهم) (٢)، أي: إذا رَوى عنْ هؤلاءِ الأئمةِ، الذينَ هم، بحيثُ يجمع حديثَهم الجماعة الثلاثة فما فوقها، سمي ذلكَ الحديث مشهورًا، هكذا كنت فهمته ثمّ رأيتُ في تعاليق عَنْ شيخنا: أنَّ اللامَ في الجماعةِ، وإنْ كانتْ للجنسِ، فإنّها للأربعةِ فصاعدًا؛ لأنَّه قد تقدّم أنّه سمى ما رواه ثلاثةٌ عزيزًا، ولم يتعقبه ابنُ الصلاح ولا الشيخُ، والذي استقرَّ عليهِ الاصطلاحُ، وهو الذي في النظمِ، أنَّ العزيزَ: ما انفردَ بروايتِهِ اثنانِ في موضعٍ ما من سندِهِ، هكذا قال.
ويمكن ردُّ كلام ابن منده إليه، فإنَّهُ ذكر أنَّه إذا انفردَ راويان كانَ عزيزًا، وإنّما ذَكَرَ الثلاثةَ في العزيز تنبيهًا على أنَّهُ يكفي في تسميتهِ عزيزًا أنْ ينفردَ به اثنانِ في موضعٍ واحدٍ مِنْ سنده، وإن كان مشهورًا في باقي السندِ كلّه؛ لئلا يتوهم أنَّه يشترط في تسميتِهِ عزيزًا، أنْ يرويه اثنان عن اثنين في جميعِ سندهِ منْ غير زيادةٍ، فإنَّ بعضهم شَرَطَ ذلك، وأنكره ابنُ حبانَ / ٢٦٣ ب / شرطًا ووجودًا، قالَ شيخُنا في شرحه " للنّخبة " (٣): «وسمِّي بذلك؛ إمّا لقلَّةِ وجودِهِ؛ وإمّا لكونِهِ عَزَّ، أي: قوي بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، ولَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ، خِلافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، وهُو أبو عليٍّ الجُبَّائي (٤) من المعتزلة، وإِليه يومئ كلامُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ في
"علوم الحديث"
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣ وفيه: «ممن يجمع حديثهم»، وهذا من كلام ابن منده الذي تقدم نقله.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣، وهو أيضًا من كلام ابن منده.
(٣) نزهة النظر: ٢٨ - ٣٠.
(٤) وهو شيخ المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري، له تصانيف عدة منها: " النهي عن المنكر " و" التعديل والتجويز " و" التفسير الكبير "، توفي سنة (٣٠٣ هـ). انظر: الأنساب ١/ ٣٨٣، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ١٨٣.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
حيثُ قالَ: «الصحيحُ أنْ يرويَهُ الصحابيُّ الزائلُ عنهُ اسمُ الجهالةِ، بأنْ يكونَ له راويانِ، ثمّ يتداولَه أهلُ الحديثِ إلى وقتِنا، كالشهادةِ على الشهادة» (١)، وصرَّح القاضي أبو بكر بنُ العربيِّ (٢) في شرحِ البخاريِّ: بأنَّ ذلك شرط البخاريِّ، وأجابَ - أي: ابن العربي - عما أوردَ مِنْ ذلكَ بجوابٍ فيه نظرٌ؛ لأنَّه قال: فإنْ قيل حديث «الأعمال بالنِّياتِ» (٣) فردٌ لم يروهِ عنْ عمرَ - ﵁ - إلا علقمةُ، قال: قلنا: قد خطبَ به عمرُ على المنبرِ بحضرةِ الصحابةِ - ﵃ -، فلولا أنَّهم يعرفونه لأنكروهُ كذا قالَ، وتعقب: بأنّه لا يلزمُ مِنْ كونهم سكتوا عنْه، أنْ يكونوا سمعوه مِنْ غيرهِ، وبأنَّ هذا لو سلمَ في عمرَ - ﵁ -، مُنعَ في تفرد علقمةَ - أي: ابنِ وقاصٍ الليثيّ (٤) - ثمّ تفرّدَ محمّدُ بنُ إبراهيمَ - يعني: التيميَّ (٥) - عنْ علقمةَ، ثمّ تفرّدَ يحيى بنُ سعيدٍ به، عنْ محمّدٍ على ما هو الصحيحُ المعروفُ عندَ المحدِّثينَ، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ لا يُعتبرُ بها، وكذا لا نُسلِّم جوابَه في غير حديث عمرَ - ﵁ -. قال ابنُ رُشَيْدٍ (٦): ولقد كان يكفي القاضي في بطلانِ ما ادَّعى أنّه شرطُ البخاري [أنه] (٧) أول حديث مذكور فيه، وادّعى ابن حبّان نقيض دعواه، فقال: إنَّ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٦٢.
(٢) وهو الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي الإشبيلي، صاحب كتاب " عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي "، توفي سنة (٥٤٣ هـ).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ما بين الشارحتين عبارة توضيحية من البقاعي.
(٥) ما بين الشارحتين عبارة توضيحية من البقاعي.
(٦) وهو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن، ابن رشيد السبتي الفهري، توفي سنة (٧٢١ هـ). انظر: الدرر الكامنة ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، والسياق يقتضيه.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
روايةَ اثنين فقط، عن اثنين فقط لا يوجدَ أصلًا، قلتُ: إنْ أراد أنَّ روايةَ اثنين فقط، عن اثنينِ فقط لا توجد أصلًا فيمكن أن يُسلّم، وأمّا صورة العزيز التي حررناها لوجودهِ، بأنْ لا يرويه أقلّ من اثنين، عنْ أقلِّ من اثنين، مثالهُ: ما رواه الشيخانِ (١) مِنْ حديثِ أنسٍ - ﵁ -، والبخاريُّ (٢) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يؤمنُ أحدُكم حَتَّى أكونَ أحبّ إليه مِنْ والده وولده » الحديث، ورواهُ عنْ أنسٍ - ﵁ -: قتادةُ وعبدُ العزيز بنُ صهيبٍ، ورواهُ عنْ قتادةَ: شعبةُ (٣) وسعيدٌ (٤)، ورواه / ٢٦٤ أ / عَنْ عبد العزيز: إسماعيلُ بنُ عُلَيّة (٥)، وعبدُ الوارث (٦)، ورواه عنْ كلّ جماعةٌ». (٧) انتهى.
وقولُهُ (٨): «وتُعُقِّبَ » (٩) إلى آخره غير مصيب للمجيز (١٠) والصوابُ في تعقبهِ
_________________
(١) أخرجه: البخاري ١/ ١٠ (١٥)، ومسلم ١/ ٤٩ (٤٤) (٦٩)، وسيأتي تخريجه بتفصيل.
(٢) صحيح البخاري ١/ ١٠ (١٤)، وأخرجه أيضًا: النسائي ٨/ ١١٥ وفي " الكبرى "، له (١١٧٤٦).
(٣) أخرجه من هذا الطريق: أحمد ٣/ ١٧٧ و٢٧٥، وعبد بن حميد (١١٧٦)، والدارمي (٢٧٤٤)، والبخاري ١/ ١٠ (١٥)، ومسلم ١/ ٤٩ (٤٤) (٧٠)، وابن ماجه (٦٧)، والنسائي ٨/ ١١٤، وأبو يعلى (٣٠٤٩) و(٣٢٥٨)، وابن حبان (١٧٩)، وابن منده في " الإيمان " (٢٨٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٣٧٤)، والبغوي في " شرح السنة " (٢٢).
(٤) وهو سعيد بن بشير. وحديثه عند الطبراني في " الأوسط " (٨٨٥٤).
(٥) حديثه عند البخاري ١/ ١٠ (١٥)، ومسلم ١/ ٤٩ (٤٤) (٦٩)، والنسائي ٨/ ١١٥.
(٦) وهو عبد الوارث بن سعيد. وحديثه عند مسلم ١/ ٤٩ (٤٤) (٦٩)، والنسائي ٨/ ١١٥.
(٧) نزهة النظر: ٢٨ - ٣٠.
(٨) أي: ابن حجر.
(٩) نزهة النظر: ٢٩.
(١٠) كذا في (ف).
[ ٢ / ٤٤١ ]
أنْ يقالَ: أنتَ فرضتَ أنَّ المعترض أوردَ عليكَ تفرد علقمةَ به، عنْ عمرَ - ﵁ -، ثمَّ أجبتَ بما ظننت أنَّه ينفي تفرّدَ عمر به، فلا أنت أجبت عمّا أوردهُ السائلُ، ولا أصبتُ فيما ظننتُ، فإنَّ سكوت المُخْبِر عندَ إخبار مخبرِهِ له بقبولِ الخبرِ، لا لكونهِ شاركه في روايتهِ عمّن رواه عنه.
وقولُهُ: «أوَّلُ حديثٍ مَذكورٍ فيهِ» (١)، يعني: فإنَّهُ مرويٌّ بالآحادِ، وهو حديثُ الأعمال، وكذا آخر حديثٍ مذكور فيه، وهو: «كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ» (٢)، فإنَّ أبا هريرةَ تفرّدَ بهِ عن النَّبيِّ - ﷺ -، وتفرّدَ به عنه أبو زرعةَ، وتفرّد عنه عمارة بن القعقاع، وتفرّد به عنه محمّد بن فضيل، وعنهُ انتشرَ، فرواهُ عنه ابن إشكابَ (٣) وغيره، أفادهُ شيخنا في شرحِهِ (٤).
قولُهُ: (سُمّي مَشهورًا) (٥) قالَ ابنُ الصَّلاحِ بعده: «الحديثُ الذي يَنْفَردُ بهِ بعضُ الرواةِ يُوصَفُ بالغَريبِ (٦)، وكَذلكَ الحديثُ الذي يَنْفَردُ بهِ بعضُهُمْ بأمْرٍ لا يذكُرُهُ فيهِ غيرُهُ، إمَّا في مَتْنهِ، وإمَّا في إسْنادِهِ، وليسَ كُلُّ ما يُعَدُّ مِنْ أنواعِ الأَفْرادِ مَعْدُودًا مِنْ أنْواعِ الغَريبِ، كَما في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ عَلَى ما
سَبَقَ» (٧) يعني: في معرفة الأفرادِ في أوائلِ الكتابِ (٨). وقولُهُ: «في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ» أنّها
_________________
(١) نزهة النظر: ٢٩.
(٢) أخرجه: أحمد ٢/ ٢٣٢، والبخاري ٨/ ١٠٧ (٦٤٠٦) و٨/ ١٧٣ (٦٦٨٢)، ومسلم ٨/ ٧٠ (٢٦٩٤)، وابن ماجه (٣٨٠٦)، والترمذي (٣٤٦٧)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٨٣٠) جميعهم من طريق محمد بن فضيل، به.
(٣) رواية أحمد بن إشكاب عند البخاري ٩/ ١٩٨ (٧٥٦٣).
(٤) انظر: فتح الباري ١٣/ ٦٦٢ عقيب (٧٥٦٣).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣. من كلام ابن منده المتقدم.
(٦) في (ف): «بالغريب»، والمثبت من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٤.
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٥.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
لا تسمّى غريبةً على وجهِ الإطلاقِ، وأمّا بالنِّسبة إلى البلادِ أو الشيوخِ، أو غير ذلكَ منَ التقيداتِ، فلا مانعَ مِنهُ معَ التقييدِ، كما سبقَ ذكرُهُ لهُ في الأفرادَ (١).
قولُهُ: (وَلَم يَذكر ابنُ الصَلاحِ) (٢) بل قد ذكرهُ بذكرِ المشهورِ، فإنَّ مِنْ أمثلةِ المشهورِ ما يُسمّى عزيزًا، بأنْ يكونَ جميعُ السندِ مشهورًا إلا موضعًا منه لم يروهِ فيه إلا اثنانِ عنِ اثنينِ منْ روايةٍ، وأيضًا فإنّه يفهمُ بطريقِ الأولِ؛ لأنّه إذا كانَ ذلك في الغريبِ والمشهورِ، كانَ هو أجدرُ بذلكَ؛ لأنَّه ذكر أقلّ ما يمكن، وهو الغريبُ، وأكثره ما لم يكنْ متواترًا، وهو المشهورُ، ومتى انقسمَ / ٢٦٤ ب / ذلكَ إلى الضعيفِ والصحيحِ انقسمَ العزيزُ؛ لأنَّه بينَهما، وهو أولى منَ الغريبِ يكونُ الصحيحُ منْ أنواعِهِ، وَمنَ المشهورِ يكونُ الضعيفُ مِنْ أنواعه.
قولُهُ: (وأوَّلُ الإسنادِ فردٌ) (٣)، أي: فالحكم له، لأنَّ الأقلَ في هذا العلمِ يقضي على الأكثرِ، حَتَّى لو بلغتْ طرقُ حديثِهِ التواتر في جميعِ طبقاتِهِ، إلا واحدةً انفردَ بروايتِهِ فيها راوٍ واحدٍ، سمي فردًا وغريبًا.
قولُهُ: (كَما تقدَّمَ) (٤)، أي: في آخر شرح الحسن (٥).
قولُهُ: (الحادي والثلاثين) (٦)، أي: وهو الغريبُ والعزيزُ، وستأتي حكايتُهُ عنِ ابنِ الصَّلاحِ في تقسيمِهِ الغريبَ في أواخرِ شرحِ هذهِ الأبياتِ.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وقولُهُ: (وهُو الذي يَلي نوعَ المشهورِ) (١) زيادة في الإيضاح غير محتاج إليها، وفي الاعتذارِ عنها بأنَّ ابنَ الصَّلاحِ لم يعد هذه الأنواع نظر، فإنَّه عدّها.
قولُهُ: (لا يَقبضُ العِلمَ انْتِزَاعًا) (٢) رأيت بخط الشيخ شمس الدين بن حَسَّان أنَّ شيخنا ذكر أنَّه لم يرتقِ إلى حدّ الشهرة.
قولُهُ: (طلبُ العلمِ فريضةٌ) (٣) قالَ الشيخُ في تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ: «رواهُ ابنُ ماجه منْ حديثِ أنسٍ - ﵁ -، وضعّفه أحمدُ، والبيهقيُّ، وغيرهما» (٤) هذا ما في نُسختي مِنْ غيرِ زيادةٍ، فلعلهُ بينَ صحتَهُ في التخريجِ الكبيرِ، وقالَ شيخُنا في تخريجِ أحاديثِ " الفردوسِ ": «وأسندهُ - يعني: ابن ماجه - عنْ عليِّ بن أبي طالب، ثُمّ قال: وفي البابِ: عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ،
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٣ - ٧٤. والحديث أخرجه: الطيالسي (٢٢٩٢)، وعبد الرزاق (٢٠٤٧١)، والحميدي (٥٨١)، وأحمد ٢/ ١٦٢ و١٩٠ و٢٠٣، والدارمي
(٣) ، والبخاري ١/ ٣٦ (١٠٠) و٩/ ١٢٣ (٧٣٠٧)، ومسلم ٨/ ٦٠ (٢٦٧٣)، وابن ماجه (٥٢)، والترمذي (٢٦٥٢)، والنسائي في " الكبرى " (٥٩٠٧)، وابن حبان (٤٥٧١)، والطبراني في " الأوسط " (٩٩٢)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٢/ ١٨١ و١٠/ ٢٥، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٤٣، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٧٤ و٥/ ٤٦٠ و٨/ ٣٦٨ و١٠/ ٣٧٥ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " كما في " مجمع الزوائد " ١/ ٢٠١ من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٣١٣ من حديث عائشة ﵂.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٤، وقد تقدم تخريج هذا الحديث.
(٥) قال العراقي في " تخريج أحاديث إحياء علوم الدين " ١/ ٥٧ (٤٣): «قد صحح بعض الأئمة طرقه».
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وأبي سعيدٍ (١) - ﵃ -، ثمّ قالَ: حديثُ طلبِ العلمِ حتمٌ واجبٌ على كلِ مسلمٍ، أسندهُ، يعني: صاحب " الفردوس "، عن أنسٍ - ﵁ -، وقالَ شيخُنا: ويحتملُ أنْ يكون المصحِّح ممَّنْ تأخّر عصرهُ عنِ الأئمةِ الذين سدَّ ابنُ الصلاحِ بابَ التصحيحِ بعدهم، فلا يرى ابنُ الصلاحِ تصحيحه نفيًا، فليراجع تخريج الإحياء» (٢). انتهى.
ومِنْ أمثلته أيضًا: «اطلبوا العلمَ ولو بالصينِ» رواه ابنُ عديٍّ (٣)، والبيهقي في " المدخلِ " (٤) و" الشعبِ " (٥) منْ حديث أنسٍ، وقال البيهقي: «متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة» (٦).
قولُهُ: (وهذا لا يصحُّ عَنْ أحمدَ) (٧) قالَ شيخُنا: يعني بهذه الصورةِ المجموعةِ، والذي صحَّ عنْ أحمدَ ثلاثةُ أحاديثَ وهي: الأول منْ هذه (٨) والثالث منها (٩)، والثالث حديث السائل / ٢٦٥ أ / لكنْ بلفظ: «لو صدقَ السائلُ ما أفلح
_________________
(١) انظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١/ ٥٥.
(٢) ١/ ٥٥ - ٥٧.
(٣) في " الكامل في الضعفاء " ٥/ ١١٨.
(٤) المدخل إلى السنن الكبرى (٣٢٤).
(٥) شعب الإيمان (١٦٦٣) جميعهم من طريق الحسن بن عطية، عن أبي عاتكة طريف بن سليمان، عن أنس، به وطريف بن سليمان: منكر الحديث. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٣٣٥.
(٦) المدخل إلى السنن الكبرى (٣٢٥)، وتمام كلامه: «لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث، والله أعلم»، وقال في " شعب الإيمان ": «هذا الحديث شبه مشهور وإسناده ضعيف، وقد روي من أوجه كلها ضعيفة».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٦.
(٨) وهو حديث: «من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة» وهو حديث لا أصل له. انظر: تذكرة الموضوعات: ١١٦، واللآلئ المصنوعة ٢/ ٧٨.
(٩) وهو حديث: «يوم نحركم يوم صومكم» وهو حديث لا أصل له أيضًا. انظر: كشف الخفاء ٢/ ٥٤٠ (٣٢٦٣).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
مَنْ ردَّه» (١).
قولُهُ: (جَهَّلَهُ أبو حاتِمٍ) (٢)، أي: جعله مجهولًا (٣)، وأبو حاتم هو الرازي.
قولُهُ: (أبو حاتِمِ بن حبَّانِ) (٤) أفادَ شيخُنا: أنّ لابنِ حبانَ طريقةً في التوفيقِ: وهي أنَّ الراوي إذا كان كلٌ منْ شيخهِ والراوي عنه ثقةً، ولم يكنْ حديثهُ منكرًا، فهو عندهَ ثقةٌ، وإنْ كان مَجهولَ العينِ.
قولُهُ: (وأخرجهُ أبو داودَ في " سُنَنِهِ ") (٥) قالَ الشيخُ في " النُّكت ": «أمّا حديثُ الحسينِ بن عليِّ بنِ أبي طالب، فأخرجهُ أبو داودَ (٦) منْ رواية يعلى ابن أبي يحيى، عنْ فاطمةَ بنتِ الحسينِ، عنْ حسينِ بنِ عليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: «للسائلِ حقٌ وإنْ جاءَ على فرسٍ»، ورواه أحمدَ (٧») فذكره، ثمّ قال: «ويعلى هذا،
_________________
(١) أخرجه: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٥٩ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به. وقال: «ولا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - ﷺ -». وانظر: التذكرة في الأحاديث المشتهرة: ٣١ و٣٢، والأسرار المرفوعة: ١٩٠ (٧٤١)، وكشف الخفاء ٢/ ٢٠٣ (٢١٠٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٦.
(٣) انظر: الجرح والتعديل ٩/ ٣٦٩ (١٣٠٤).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٦.
(٦) في " سننه " (١٦٦٥).
(٧) في " مسنده " ١/ ٢٠١. وأخرجه أيضًا: البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٤١٦، وأبو يعلى (٦٧٨٤)، وابن خزيمة (٢٤٦٨)، والطبراني (٢٨٩٣)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٨/ ٣٧٩، والبيهقي في " السنن الكبرى " ٧/ ٢٣، وابن عبد البر في " التمهيد " ٥/ ٢٩٦ من طرق عن سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، به، ويعلى ضعيفٌ.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ذكره (١) ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (٢)، وجهلّه أبو حاتمٍ (٣)، وباقي رجاله ثقاتٌ.
وأمّا حديثُ عليٍّ: فأخرجهُ أبو داودَ (٤) أيضًا منْ روايةِ زهيرٍ، عنْ شيخٍ، قالَ: رأيتُ سفيانَ عندهُ، عَنْ فاطمةَ بنتِ حسينٍ، عنْ أبيها، عنْ عليٍّ - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -، مثله.
وأمّا حديثُ ابنِ عبّاسِ ﵄، فرواهُ [ابن] (٥) عدي في " الكامل " (٦) مِنْ روايةِ إبراهيمَ بن يزيدَ، عنْ سليمانَ الأحولِ، عنْ طاووسٍ، عنِ ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، مثله، أوردَهُ في ترجمةِ إبراهيمَ بنِ عبد السلامِ المكيِّ المخزوميِّ (٧) رواية عنْ إبراهيمَ بنِ يزيد، سرقه هو ممّن معروفٌ به. قال: «وإبراهيمُ بنُ عبد السلامِ في جملةِ الضعفاءِ المجهولين».
وأمَّا حديث الهرمّاسِ بنِ زياد (٨)، فرواه الطبرانيُّ (٩) مِنْ رواية عثمانَ بنِ فائد، عنْ عكرمةَ بنِ عمار، عنِ الهرمّاسِ بنِ زياد قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكره،
_________________
(١) في (ف): «ذكر»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ".
(٢) الثقات ٧/ ٦٥٢.
(٣) الجرح والتعديل ٩/ ٣٦٩ (١٣٠٤).
(٤) في " سننه " (١٦٦٦). وأخرجه: البيهقي ٧/ ٢٣، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٢٨٥) من طريق زهير بن معاوية، به.
(٥) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " التقييد والإيضاح ".
(٦) الكامل في الضعفاء ١/ ٤٢٠.
(٧) ترجمته في الكامل ١/ ٤١٩.
(٨) في (ف): «زيادة»، والصواب ما أثبته.
(٩) في "المعجم الكبير" ٢٢/ (٥٣٥)، وقال الهيثمي بعد أن أورده في " مجمع الزوائد " ٣/ ١٠١: «رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط "، وفيه عثمان بن فائد وهو ضعيف».
[ ٢ / ٤٤٧ ]
عثمانُ بن فائدَ ضعّفهُ ابنُ معينِ، والبخاريُّ، وابنُ حبانَ، وغيرُهم (١).
وأمّا الحديثانِ الآخرانِ، فلا أصلَ لهما، قالَ ابنُ الجوزيِّ في " الموضوعات " (٢): «ويذكرُ العوامُ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ بَشْرني بخروجِ آذار بشرتهُ بالجنَّة، قالَ أحمدُ بنُ حَنبل: لا أصلَ لهذا، وروى الطبراني مِنْ روايةَ أبي شيبةَ القاضي، عَنْ آدمَ بن علي / ٢٦٥ ب / عن (٣) عبدِ الله بن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: ما هلك (٤) قومٌ إلا في آذارَ، ولا تقومُ الساعةُ إلا في آذار (٥). أبو شيبةَ قاضي واسط اسمهُ إبراهيمُ بنُ عثمانَ - وهو جد أبي بكر بنِ أبي شَيبة - كذَّبهُ شعبةُ، وقالَ ابنُ معينِ: ليسَ بثقةٍ، وبالجملةِ فهو متفقٌ على ضعفه» (٦).
وروى الإمامُ أبو بكر محمدُ بنُ رمضانَ الزيات في كتابٍ لهُ، فيه أخبارٌ عنْ مالكٍ، والشافعي، وابنِ وهبٍ، وابنِ عبدِ الحكمِ قالَ: قالَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ - هو ابنُ عبدِ الحكمِ - في الحديثِ الذي روي عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «يومُ صومِكم يومُ نحرِكم» قالَ: هذا مِنْ حديث الكذَّابين (٧») (٨).
قولُهُ: (عَنْ آبائِهِم دِنْيَةً) (٩) بكسرِ الدالِ وسكونِ النُّون، من الدنو: وهو القربُ، ونصبهُ على الحالِ من الآباء، أي: حالَ كونِ الآباء أدنين، أي: آبائِهم
_________________
(١) انظر: المجروحين لابن حبان ٢/ ١٠٠، وميزان الاعتدال ٣/ ٥١ (٥٥٥٢).
(٢) انظر: الموضوعات ٢/ ٧٤.
(٣) في (ف): «بن»، والصواب ما أثبته من " التقييد والإيضاح ".
(٤) في (ف): «هكذا»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ".
(٥) ذكره ابن ماكولا في " الإكمال "٥/ ٢٢ - ٢٣، وقال: «والحديث على مذهبهم منكر جدًا».
(٦) انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٧ (١٤٥).
(٧) انظر: كشف الخفاء ٢/ ٥٤٠ (٣٢٦٣).
(٨) التقييد والإيضاح: ٢٦٣ - ٢٦٥.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٦.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
الأقربينَ حقيقةً، وهم الذينَ ولدوهم مِنْ غيرِ واسطةٍ وليسَ المرادُ بالأبوة المجازَ الذي يراد بهِ الولادةُ بواسطةٍ، حتى يطلقَ على الأجدادِ.
قال في " القاموس ": «وهو ابنُ عَمِي، أو ابنُ خالِي، أو عَمَّتي، أو خالَتِي، أو ابنُ أخِي أو أُخْتِي. دِنْيَةً ودِنْيًا ودُنْيا ودنياتها» (١) وقال: في مادةِ لحح: «وهو ابنْ عَمِّي لَحًّا، وابنُ عمٍّ لَحٍّ: لاصِقُ النَّسَبِ، فإِنْ لَم يَكُن لحًّا وكانَ رجُلًا مِنَ العَشيرَةِ. قُلْتَ: ابنُ عَمّي الكَلالَةِ، وابنُ عَمٍّ كَلالَةٌ» (٢)، وهذا الذي ذكرَ في الفرقِ بينَ الشهرةِ في المتنِ، والشهرة في السندِ مرجعهُ إلى التفرقةِ بينَ الشهرةِ اللغويةِ والاصطلاحيةِ التي هي شهرةٌ مخصوصةٌ، وإليهِ الإشارةُ فيما يأتي في شرحِ الأبياتِ الآتيةِ من الفرقِ بينَ الشهرةِ عندَ أهلِ الحديثِ، والشهرة عندَ غيرِهم.
قولُهُ: (فإِنَّها مَنَاكيرٌ) (٣) هو موافقٌ لما تقدمَ، عنِ البرديجي: أنَّ المنكرَ: هو الفردُ (٤)، وكذا قول مالكٍ أنَّه: شرّ العلم (٥)، والمرادُ (٦) بكونهِ منكرًا وشرًا: أنَّ صاحبَه يتهمُ ويفتشُ عليهِ في سماعهِ له وحدهُ، وربّما جُرِحَ بسببهِ، فكان شرًّا عليه قلتُ: وكانَ بعضُ مشايخِنا يوصي أنْ لا يسمعَ أحدٌ شيئًا وحدَه، وينقل أنَّ المشايخَ كانوا يحثونَ
_________________
(١) القاموس المحيط مادة (دنا).
(٢) القاموس المحيط مادة (لحح).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٧، وهو من كلام أحمد بن حنبل. انظر: الكامل في الضعفاء ١/ ١١١.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٩.
(٥) أخرجه عنه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٩٥ (١٣٠٣).
(٦) قبل هذا في (ف): «والمراد: أنه شر العلم»، ولعل العبارة تكررت سهوًا من الناسخ، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
/ ٢٦٦ أ / على ذلكَ، ولا شكَ أنَّ هذا ملحظُهم، وقولُ عبدِ الرزاقِ (١) يكادُ يصرحُ بهِ، لأنَّ معناهُ: كنّا نراهُ خيرًا مِنْ حيث إنَّ صاحبهُ ينفردُ بهِ، فيقصدُ لأجلهِ، ويعظمُ شأنه، فإذا هو شرٌ باعتبارِ أنَّه يفتش عنْ حالِ صاحبهِ، ويتوقفُ فيهِ، وربّما اتهمَ.
قولُهُ: (غَرائبُ الصَحيحِ) (٢) أي: الأحاديث لم يتعددْ طرقُها، ولكن رواتها ثقاتٌ.
قولُهُ: (وغرائبُ الشيوخِ) (٣) هو أنْ ينفرد راوٍ عَنْ بعضِ الشيوخِ بحديثٍ، وإنْ كانَ متنهُ مشهورًا في نفسهِ، مِنْ غيرِ تلكَ الطريقِ.
قولُهُ: (غريبٌ مَتْنًا وإسنادًا) (٤) سيأتي استيفاءُ أقسامهِ لأبي الفتحِ العمري، بالأقسامِ الخمسةِ التي تقدمت الإشارةُ إلى ذكرها عنِ ابنِ طاهرٍ (٥).
قولُهُ: (مِنْ ذلِكَ الوَجهِ) (٦) تتمةُ كلامِ ابنِ الصلاحِ: «معَ أنَّ متنهُ غيرُ غريبٍ».
قولُهُ: (عددٌ كَثيرونَ) (٧) تتمة كلامهِ: «فإنَّهُ يَصِيرُ غَريبًا مَشْهُورًا، غَريبًا مَتْنًا، وغيرَ غَريبٍ إسنادًا، لكنْ بالنَّظَرِ إلى أحدِ طَرَفَي الإسنادِ» (٨).
_________________
(١) إشارة إلى قول عبد الرزاق بن همام الصنعاني: «كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر». أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢٩٦ (١٣٠٥).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٧، وهذا النوع الأول من الغريب الذي قسمه الحاكم إلى ثلاثة أقسام. انظر: معرفة علوم الحديث: ٩٤ - ٩٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٧، وهو القسم الثاني من أنواع الغريب الذي قسمه الحاكم.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٥.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام ابن الصلاح.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام ابن الصلاح.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٥.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
قال شيخنُا: «وليسَ هذا بصحيحٍ، ولا يخرجُ عن الغرابةِ أبدًا، وأحسنُ منْ ذلكَ أنْ نمثلَ بحديثٍ لا سندَ له أصلًا، فإنَّهُ إذا انتفى سندهُ انتفى وصفهُ بالغرابةِ مِنْ بابِ الأولى»، قلتُ: ابنُ الصلاحِ لم يخرجهُ عنِ الغرابةِ، وإنَّما نظر إليهِ نظرين بالنِّسبة إلى موضعينِ، وهذا لا نزاعَ فيهِ، وربّما مثّل له بما رواهُ صحابيٌّ واحدٌ ثمّ اشتهرَ عنْ ذلكَ الصحابيِّ.
قولُهُ: (التَّصَانيفُ المشْتَهرَةُ) (١) معجمُ الطبرانيِّ الأوسطُ فيهِ كثيرٌ مِنْ ذلكَ.
قولُهُ: (وسَندًا لا مَتنًا) (٢) قالَ شيخُنا: «هذا بالمقلوبِ أشبهُ، فإنّه خطأ لا شكَ فيه».
قولُهُ: (وغريبٌ بعضَ المتنِ فَقطْ) (٣) سبق في الشاذِ والمنكرِ، وزياداتِ الثقاتِ والأفراد أمثلةٌ لذلكَ، وغيرهُ منَ الغريبِ، قالَ الشيخُ في " النّكت " - بعد أنْ ذكرَ ابن سيِّد النَّاسِ لهذهِ الأقسامِ -: «ثُمَّ أشارَ إلى أنَّه [أخذ] (٤) ذلكَ منْ كلامِ محمّد بنِ طاهرٍ المقدسيِّ، فإنَّه قسَّم الغريبَ والأفرادَ إلى خمسةِ أنواعٍ، خامسها: أسانيدُ ومتون ينفردُ بها أهلُ بلدٍ لا توجدُ إلا مِنْ روايتِهم، وسننٌ تفرد بالعمل بها أهلُ مصرَ، لا يعملُ بها في غيرِ مصرِهم، ثمَّ تكلَّم أبو الفتحِ على الأقسامِ التي ذكرَها ابنُ طاهرٍ إلى أنْ قالَ: وأمّا النَّوعُ /٢٦٦ ب/ الخامسُ فيشملُ الغريبَ كلّه سندًا ومتنًا، أو أحدَهما دونَ الآخرِ. قالَ: وقدْ ذكرَ أبو محمد بنُ أبي حاتمٍ (٥) بسندٍ له: أنَّ رجلًا
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث": ٣٧٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام أبي الفتح اليعمري في "النفح الشذي" ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨، وهذا من كلام أبي الفتح اليعمري أيضًا.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " التقييد والإيضاح ".
(٥) في "الجرح والتعديل" ١/ ٦٩ - ٧٠.
[ ٢ / ٤٥١ ]
سأل مالكًا عنْ تخليلِ أصابعِ الرجلينِ في الوضوءِ، فقالَ له مالكٌ: إنْ شئت خلِّلْ، وإنْ شئتَ لا تخلِّل، وكانَ عبدُ الله بنُ وهبٍ حاضرًا، فعجبَ مِنْ جوابِ مالكٍ، وذكرَ لمالك في ذلكَ حديثًا بسندٍ مصريٍّ صحيحٍ، وزعمَ أنّهُ معروفٌ عندَهم، فاستفادَ مالكٌ الحديثَ. واستعادَ السائلَ، فأمرهُ بالتخليلِ، هذا أو معناهُ (١). انتهى كلامهُ.
والحديثُ المذكورُ رواهُ أبو داودَ (٢) [والتِرمذي] (٣) منْ رواية ابن لَهِيعَةَ، عَنْ يَزيدَ بنِ عَمْرٍو المُعَافري، عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمَانِ الحُبَلي، عَن المُسْتَوْرَدِ بنِ شَدَّادٍ، قال الترمذي: حديثٌ [حسن] (٤) غريبٌ لا نعرفه إلا مِنْ حديثِ ابنِ لهيعةَ (٥). انتهى.
ولم ينفردْ بهِ ابنُ لهيعةَ، بل تابعهُ عليهِ الليثُ بنُ سعدٍ، وعمرو بنُ الحارث، كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٦)، عنْ أحمدَ بنِ عبد الرحمان ابن وهبٍ، عنْ عمّه عبدِ اللهِ
_________________
(١) النفح الشذي ١/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) في " سننه " (١٤٨).
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " التقييد والإيضاح ". والحديث في " الجامع الكبير " (٤٠). وأخرجه أيضًا: أحمد ٤/ ٢٢٩، وابن ماجه (٤٤٦)، والبزار في " البحر الزخار " (٣٤٦٤)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٣٦، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٧٢٨)، والبيهقي ١/ ٧٦، والبغوي (٢١٤) من طرق عن عبد الله بن لهيعة.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الجامع الكبير " و" التقييد والإيضاح ".
(٥) الجامع الكبير عقب (٤٠).
(٦) في " الجرح والتعديل " ١/ ٦٩ - ٧٠. وأخرجه: أبو بشر الدولابي كما في " التلخيص الحبير " ١/ ٢٨٩، والدارقطني في " غرائب مالك " كما في " التلخيص الحبير " ١/ ٢٨٩، والبيهقي ١/ ٧٦ من طريق ابن وهب، به.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
ابن وهب، عنِ الثلاثةِ المذكورينَ، وصححهُ ابنُ القطّان (١)؛ لتوثيقهِ لابنِ أخي ابنِ وهبٍ، فقد زالتِ الغرابةُ عنِ الإسنادِ بمتابعةِ الليثِ، وعمرو بن الحارثَ لابنِ لهيعةَ، والمتنُ غريبٌ، والله أعلم.
ويحتمل أنْ يريدَ بكونهِ غريبَ المتنِ لا الإسنادِ: أنْ يكونَ ذلكَ الإسنادُ مشهور رجالهُ لعدهِ منَ (٢) الأحاديثِ بأنْ يكونوا مشهورينَ بروايةِ بعضِهم عنْ بعضٍ، والله أعلمُ». انتهى كلام " النُّكت " (٣).
قولُهُ: (ولَم يَذكرْ لهُ) (٤)، أي: ما هو غريبٌ متنًا لا سندًا مثالًا؛ وذلك لأنَّه لا يوجدُ، وإنّما ذكره؛ لأنَّ القسمة اقتضتهُ، فرجعَ الأمرُ في ذلكَ إلى ما قالَ ابنُ الصلاحِ، وعلم أنَّ ردَّ الشيخِ عليهِ بهذا دعوى بلا دليلٍ، لكنِ الذي تقدمَ عنِ " النُّكت " آنفًا دليله.
قولُهُ: (زيدِ بنِ أَسْلمَ بوجهٍ) (٥)، أي: إنّما هو محفوظٌ مِنْ روايةِ يحيى بنِ سعيدِ، فانقلبَ.
قولُهُ: (أخطأَ فيهِ الثِّقةُ) (٦)، أي: عبد المجيد «عنِ الثقة»، أي: مالك.
_________________
(١) في " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ٢٦٤.
(٢) الذي في المخطوط عبارة غير واضحة، والذي في التقييد: «مشهورًا جادة لعده» ولا يستقيم بها السياق، ولعل الصواب ما أثبته.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٨.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٩، وهذا من كلام الخليلي في "الإرشاد" ١/ ١٦٧.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٩. والحديث أخرجه أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٦/ ٣٤٢، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١١٧٣) من طريق نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -، قال: «إنما الأعمال بالنية». وانظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ١٣١، وعلل الدارقطني ٢/ ١٩٣، ونصب الراية ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قولُهُ في قولهِ: (كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ) (١) جعلَ الشيءَ في شرحهِ الإشارة عائدةً إلى المشهور لما تقدمَ منْ تقسيمهِ، والأحسنُ أنَّها تكونُ للغريبِ، ويكونُ المعنى: أنّه كما إنَّ الغريبَ ينقسمُ إلى ما غرابتهُ مطلقةً، وإلى ما غرابتهُ مِنْ جِهة إسناده / ٢٦٧ أ /، كذلك المشهور ينقسمُ إلى ذي شهرةٍ مطلقةٍ، بأنْ يكونَ مشهورًا عندَ المحدّثينَ بحسبِ اصطلاحِهم، وعندَ غيرِهم بحسبِ اللغةِ مِنْ جهةِ كثرةِ جريهِ على الألْسُنِ، ودورانهِ بينَ النَّاسِ، وإلى المشهورِ مقصورٌ شهرتهُ على المحدّثينَ أنْ يكونَ مشهورًا عندَهم بحسبِ اصطلاحِهم، ولا يكونُ مستفيضًا عند عامّةِ النَّاسِ.
قولُهُ: (والمَقْصُوْرِ) (٢)، أي: وإلى المقصورِ في معرفةِ شهرتهِ على المحدّثينَ، فكأنَّ قائلًا قال: ما مثاله فبينَهُ بقولهِ: منْ أيِّ الذي هو مشهورُ فنونهِ، ويجوز أنْ يكون مِنْ صلة للقصورِ، وتكونُ فنونهُ بدلًا منه.
قولُهُ: (وَمِنْهُ)، أي: المشهور (ذُوْ تَوَاتُرٍ) (٣) فقدْ جعلَ الشيخُ تبعًا لابنِ الصلاح المشهور أعمّ، والأحسنُ: ما مشى عليهِ شيخُنا - حافظُ العصرِ - في
" نخبته " (٤)، منْ تخصيصِ كلٍّ باسمٍ، لتكونَ الأقسامُ متباينةً، فالمشهورُ: ما زادتْ رواتهُ على اثنينِ، وقصرَ عنِ التواترِ بفقدِ شرطٍ، والمتواترُ: ما حازَ
الشروطَ، ولا يسمّى مشهورًا.
وقولُهُ: (مُسْتَقرًا) (٥) بيانٌ لبعضِ شروطِ المتواترِ، وهي أنْ يكونَ العددُ مستقرًا، أي: متتبعًا في جميعِ طبقاتهِ منْ أولِ سندهِ إلى آخرهِ (٦).
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (٧٥٢).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٥٣).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٥٤).
(٤) انظر: نزهة النظر في شرح نخبة الفكر: ٢٢ - ٢٧.
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٥٤).
(٦) قال ابن حجر في "نزهة النظر": ٢٤: «فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي: =
[ ٢ / ٤٥٤ ]
قولُهُ: (لَلْعَشَرَة) (١) هي لامُ الابتداءِ التي تلحقُ الخبرَ، فالاسمُ هنا ضميرُ الشأنِ، لكن هذه اللام تقتضي كسرَ إنَّ، وبالجر تقتضي فتحَها، فلو قالَ: بأنَّه ممّن رواه العشرةُ، أو قالَ: وانتسبَ إلى روايةِ الصحابِ العشرةِ كانَ أحسنَ، ويجوزُ أن تكونَ العشرةُ هي الاسمُ، ويكونُ منْ رواتهِ الجر، فيدخل لامُ الابتداءِ حينئذٍ على الاسمِ، نحو قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (٢)، ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٣) لكنْ يأْتي فيهِ ما تقدّم مِنْ أنَّه يتعاكسُ مقتضى الباءِ واللام في كسرِ إنَّ وفتحِها.
قولُهُ: (وَخُصَّ بِالأَمْرَيْنِ) (٤)، أي: كونه رواهُ هذا العدد، وكون العشرةِ - ﵃ - مِنْهم.
قولُهُ: (قُلْتُ: بَلَى) (٥) عبارتُهُ ترشدُ إلى محذوفٍ تقديره: وخُصَّ هذا الحديثُ بالأمرينِ، وهما: كونُ رواتِهِ زادَ على ستينَ، وكونُ العشرةِ منهم، فلم يحصلْ هذان الأمران لحديثٍ غيرهِ.
قلت: بلى، قد حصلا لحديثٍ غيرِهِ، وهو حديثُ مسحِ الخفينِ، فرواه فوق
_________________
(١) عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب.
(٢) رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
(٣) وكان مستند انتهائهم الحس.
(٤) وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه. فهذا هو المتواتر».
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٥٦).
(٦) آل عمران: ١٣.
(٧) القلم: ٣.
(٨) التبصرة والتذكرة (٧٥٦).
(٩) التبصرة والتذكرة (٧٥٧).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ستين، منهم العشرةُ (١).
قولُهُ: (عَشْرَتِهِم) (٢) لو قالَ بدله: رفع اليد العشر وعدا نسبا.
كان أحسن، وجاز التذكير / ٢٦٧ ب / في العشر لحذف المميز.
قولُهُ في شرحِهِ: (كَحديثِ: المسلمُ) (٣) رواهُ الشيخانِ (٤) عنْ عبدِ اللهِ ابنِ عمرو، ورواه أحمد بنُ منيعٍ، عنْ جابرٍ (٥).
_________________
(١) نقل عن الحسن البصري أنه قال: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين»، وذكر ابن عبد البر أنه من المتواتر، فقال: «روى عن رسول الله - ﷺ - المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر». انظر: التمهيد لابن عبد البر ١١/ ١٣٧، والمجموع شرح المهذب ١/ ٢٦٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢ - ٨٣.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٥٨).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٠.
(٤) البخاري في " صحيحه " ١/ ٩ (١٠) و٨/ ١٢٧ (٦٤٨٤) من طريق عامر بن شراحيل الشعبي، ومسلم في " صحيحه " ١/ ٤٧ (٤٠) (٦٤) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير كلاهما (الشعبي وأبو الخير) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ١٦٣ و١٨٧ و١٩٢ و١٩٣ و١٩٤ و١٩٥ و٢٠٢ و٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٩ و٢١٢ و٢١٥ و٢٢٤، والدارمي (٢٧١٩)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي ٨/ ١٠٥ وفي " الكبرى "، له (٨٧٠١) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به.
(٥) حديث جابر في " صحيح مسلم " ١/ ٤٨ (٤١) (٦٥). وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (١٤٢١) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، به. وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٩١، وعبد بن حميد (١٠٦٠) من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، به مطولًا. وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٧٢، والدارمي (٢٧١٥) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
قالَ شيخُنا في تخريجِ أحاديثِ الفردوسِ: وفي البابِ: عنْ أبي موسى (١)، ومعاذٍ (٢)، وعمرو بنِ عبسةَ (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأنسٍ (٥)، والنّعمانِ بنِ بشيرٍ، وفضالةَ بنِ عبيدٍ (٦)، وبلالٍ (٧)، - ﵃ -.
_________________
(١) أخرجه: البخاري ١/ ١٠ (١١)، ومسلم ١/ ٤٨ (٤٢) (٦٦)، والترمذي (٢٥٠٤) و(٢٦٢٨)، والنسائي ٨/ ١٠٦ - ١٠٧ من حديث أبي موسى.
(٢) أخرجه: أحمد ٣/ ٤٤٠، والطبراني في " المعجم الكبير " ٢٠ / (٤٤٤) من طريق زبان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، به وإسناده ضعيف؛ لضعف زبان بن فائد.
(٣) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠١٠٧)، وأحمد ٤/ ١١٤، وعبد بن حميد (٣٠١) من طريق معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة، به. وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٨٥، وعبد بن حميد (٣٠٠) من طريق حجاج بن دينار عن محمد بن ذكوان، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، به.
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٧٩، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠، قال الترمذي: «حسن صحيح».
(٥) أخرجه: أحمد ٣/ ١٥٤، وابن أبي الدنيا في " الصمت وأدب اللسان " (٢٨)، والبزار كما في " كشف الأستار " (٢١)، وأبو يعلى (٤١٨٧)، وابن حبان (٥١٠)، والحاكم ١/ ١١، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٧٤) من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي ابن زيد، ويونس بن عبيد، وحميد (مقرونين)، عن أنس بن مالك، به. في رواية الحاكم لم يذكر: «علي بن زيد». وأخرجه: أبو يعلى (٣٩٠٩) من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، به.
(٦) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٨٢٦)، وأحمد ٦/ ٢١ و٢٢، والبزار في " البحر الزخار " (٣٧٥٢)، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " ١/ ٣٤١، وابن حبان (٤٨٦٢)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٧٩٦)، وابن منده في " الإيمان " (٣١٥)، والحاكم ١/ ١٠، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١١١٣٣)، والبغوي في " شرح السنة " (١٤) من طريق أبي هانئ، عن عمرو بن مالك الجنبي، عن فضالة بن عبيد. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ٥٦: «إسناده حسن إن شاء الله».
(٧) أخرجه: الطبراني كما في " مجمع الزوائد " ١/ ٢٥٦، والحاكم ٣/ ٥١٧. قال الهيثمي: «رجاله موثوقون».
[ ٢ / ٤٥٧ ]
قولُهُ: (كَحديثِ أنسٍ) (١) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «كالذي رُوِّيْناهُ عَنْ مُحمّدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ، عَنْ سليمانَ ..» فذكره، ثمَّ قال: «ولهُ رواةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيرُ أَبي مجْلَز، ورواةٌ عَنْ أَبي مِجْلَزٍ غيرُ التَّيْمِيِّ، ورواةٌ عَنِ التَّيمِيِّ غيرُ الأَنصاريِّ، ولا يَعلمُ ذَلِكَ إلا أهلُ الصَّنْعَةِ، وأمَّا غيرُهُمْ: فَقَدْ يَستغربونَهُ » (٢) إلى آخرِ ما في الشرحِ بنحوِهِ.
قولُهُ: (وأهلُ الحَديثِ لا يَذْكرُونَهُ) (٣) ساقَ المصنِّفُ في " النُّكت " عبارةَ ابنِ الصَّلاحِ، ونكتَ عليهِ، وأجابَ عنهُ، فقال: «قَولُه: ومِنَ المشْهُورِ المتواتر الذي يَذْكُرُهُ أَهلُ الفقهِ وأُصُولِهِ، وأَهلُ الحَديثِ لا يَذْكرُونَهُ باسْمِهِ الخاصِّ المُشْعِرِ بِمَعْناهُ الخاصِّ، وإنْ كانَ الحافِظُ الخطيبُ قدْ ذَكَرَهُ (٤)، ففي كَلامِهِ ما يُشْعِرُ بأنَّهُ اتَّبَعَ فيهِ غيرَ أهلِ الحديثِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِه لا تَشْمَلُهُ صناعَتُهُم، ولا يكادُ يوجَدُ في رواياتِهِم، فإنَّهُ عبارةٌ عَن الخَبرِ الذي نَقله مَنْ يَحْصُلُ العِلْمُ بصِدْقِهِ ضَرُورةً، ولا بُدَّ في إسنادِهِ مِن اسْتِمرارِ هذا الشَّرْطِ في رُواتهِ، مِنْ أوَّلِهِ إلى مُنْتَهاهُ (٥). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٠. وأخرجه: أبو يعلى (٣٩٠٩) من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، به.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧١ - ٣٧٢.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٢.
(٤) في " الكفاية ": ١٦. إذ قال: «فأما خبر التواتر: فهو ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدًا يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة: أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر، وأنَّ ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأنَّ أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقهم، وأوجب وقوع العلم ضرورة».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٢.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وقد اعترض عليه بأنَّهُ قَد ذَكَره أبو عبد الله الحاكم، وأبو مُحمّدِ بن حزم (١)، وأبو عمر بنُ عبد البَرّ، وغيرُهم منْ أهلِ الحديثِ، والجوابُ عنِ المُصنفِ: أنَّهُ إِنّما نفى عَنْ أَهلِ الحديثِ ذَكره باسمهِ الخاصِّ المُشعِر بِمعناه الخاصِّ، وهؤلاءِ المذكورونَ لم يَقع في كَلامِهم التعبيرُ عنهُ بِما فسَّره بهِ الأُصوليونَ، وإنَّما يقعُ في كَلامِهم أنَّهُ تواترَ عنهُ - ﷺ - كذا وكذا، أو أنَّ الحديثَ الفلانيَّ متواترٌ، وكقول ابنِ عبد البَرِّ في حديثِ المسحِ على الخفينِ: أنَّه «استفاضَ وتواترَ» (٢)، وقَد يريدونَ بالتواترِ: الاشتهارَ لا المعنى الذي فسَّرهُ بهِ الأُصوليونَ، واللهُ أَعلم» (٣) ومعنى «لا تشملهُ صناعتُهم»: أَنَّ البحثَ فيها عمّا يُقبل ويُرد مِنْ جهةِ راويه، والمتواترُ مقطوعٌ بقبولِهِ غير مبحوث عنْ رواتِهِ مِنْ جهةِ روايتهِم (٤) / ٢٦٨ أ / فسق، ولا غيره إذا أمنَ تواطؤهم منهم، ولا كفره.
قولُهُ: (غيرَ أَهلِ الحَديثِ) (٥) أفادَ شيخُنا أنَّه نقله عَنْ أبي بَكر الباقلاني، وغيرِهِ من التنكيت عليها، وعبارةُ ابنِ الصَّلاحِ ساقَها الشيخُ في " النُّكتِ " (٦)، وذكر ما يحتاجُ إليهِ.
قولُهُ: (ذَكَرهُ الحَاكمُ) (٧) لم يبينْ أنَّهم ذكروهُ على طريق المحدّثينِ أو الأُصوليين، وقد تبينَ لكَ مِنْ كلامِ " النُّكت " المرادُ، وابنُ حزمٍ بعدِّهِ في الأُصوليينَ
_________________
(١) إذ قال في " الإحكام " ١/ ١٠٤: «خبر تواتر: وهو ما نقله كافة، عن كافة حتى يبلغ به إلى النبي - ﷺ -».
(٢) انظر: التمهيد ١١/ ١٣٧.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٤) في (ف): «رواتهم»، والمثبت أصوب، والله أعلم.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١، وهو من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٢.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٦٦.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
أولى منْ عدِّهِ في المحدّثينَ، فذكرهُ معَ الحاكمِ، وابن عبد البَرّ جيّد.
قولُهُ: (أعياهُ تَطَلُّبُهُ) (١) قالَ شيخُنا: قولُهُ هذا بناءً على إيجابهِ اعتبار الإسنادِ منّا إلى النَّبيِّ - ﷺ -، وسدُهُ بابَ التصحيحِ في هذا الزمانِ كذلكَ؛ لأجلِ طولِ الأسانيد، وتعذّر الاطلاعِ على التراجم حقّ الاطلاعِ (٢)، وهذا غيرُ مسلّمٍ في الكتبِ المشهورةِ النسبةِ إلى مصنفيها المشهورينَ، فإنَّ شهرتَها أغنتْ عن اعتبارِ السندِ منَّا إليهم، ومَتى نظرنا إلى الأحاديثِ باعتبارِ أسانيدِهم فقط، ولم نلتفتْ إلى خصوصِ الإسنادِ الموصلِ لنا إلى ذلكَ الكتابِ، وحدُّ المتواترِ فيها بكثرةٍ، فقال (٣): «قَوله: ومَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرَازِ مِثالٍ لِذَلِكَ فيما يُرْوى مِنَ الحديثِ أعياهُ تَطَلُّبُهُ، وحديث «إنَّمَا الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ» ليسَ مِنْ ذَلِكَ بِسبيلٍ، وإنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَّواتُرِ وزِيادةٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عليهِ في وَسَطِ إسنادِهِ، ولَمْ يُوجَدْ في أوائِلِهِ عَلَى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، نَعَم حديثُ» ثمّ ذكرَ بقيةَ كلامِهِ كما في الشرحِ سواء، إلى أنْ قالَ: «وفيه أُمورٌ: الأول: أَنَّه قد اعترضَ عليه بأنّ حديثَ الأعمالِ ذكر ابن منده أَنَّ جماعة من الصحابة يرووه، فبلغوا العشرين، قلت: لم يبلغ بهم ابن منده هذا العددَ، وإنّما بلغَ بهم ثمانيةً عشرَ فقط، فذكرَ مجردَ أسمائهم مِنْ غيرِ روايةٍ لشيءٍ منها، ولا عزو لمن رواهُ، وليسَ هو أبا
عبدِ اللهِ محمّد بن إسحاقَ بن منده، وإنّما هو [ابنُهُ] (٤) أبو القاسم عبدُ الرحمان (٥)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٣.
(٢) وقد تقدم لي أكثر من مرة أنَّ ابن الصلاح لم يرد غلق باب التصحيح والتضعيف إنما أراد صعوبة الأمر والتشديد والتعسير في قضية الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، لما يترتب على ذلك من تبعات أمام الله عزوجل.
(٣) أي: العراقي، وكلامه في " التقييد والإيضاح": ٢٦٦.
(٤) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " التقييد والإيضاح ".
(٥) وهو الشيخ الإمام المحدّث الكبير عبد الرحمان بن الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي، أبو القاسم الأصبهاني، كان صاحب خلق وفتوة وسخاء وبهاء، توفي سنة (٤٧٠ هـ). انظر: الكامل في التاريخ ١٠/ ١٠٨، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٤٩.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
ذكرَ ذلك في كتابٍ لهُ سمّاه " المستخرج من كتب النَّاس للتذكرة "، فقالَ: وممّنْ رواهُ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - غيرُ عمر بن الخطاب - ﵁ - عليُّ بنُ أبي طالب، وسعدُ بنُ أبي وقاص، وأبو سعيدٍ / ٢٦٨ ب / الخدريُّ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بنُ عمر، وعبد اللهِ بنُ عباس، وأنسُ بنُ مالك، وأبو هريرةَ، ومُعاوية بنُ أبي سفيانَ، وعتبةُ بنُ عبدٍ السُّلميُّ، وهلالُ بنُ سويدٍ، وعبادةُ بنُ الصامتِ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وعقْبةُ بنُ عامر، وأبو ذرٍّ الغفاريُّ، وعتبةُ بنُ بَنْدر، وعتبةُ بنُ مسلمٍ - ﵃ -، هكذا عدّ سبعةَ عشرَ غيرَ عمرَ - ﵁ -.
قلت: وفي المذكورينَ اثنانِ ليستْ لهما صُحبةٌ، وهما هلالُ بنُ سويدٍ وعتبةُ ابنُ مسلم، وقَد ذكرهما ابنُ حبانَ في ثقاتِ التابعين (١)، فَتبقى منهم خمسةَ عشرَ غيرُ عمرَ - ﵁ - وبلغني أنَّ الحافظَ أبا الحجاجِ المزيَّ سُئلَ عن كلام ابنْ منده هكذا، فأنكرهُ، واستبعدهُ، وقد تتبعتُ أحاديثَ المذكورينَ، فوجدت أكثرها في مطلقِ النِّيةِ لا بلفظ: «إنَّما الأعمال»، وفيها ما هو بهذا اللفظ، وقد رأيتُ عزوها لمن خرَّجها لتستفادَ، فحديثُ عليِّ بنِ أبي طالبِ - ﵁ - رواه ابنُ الأشعثِ في " سننه "، والحافظ أبو بكر بن ياسر الجياني في " الأربعين العلوية " من طريقِ أهلِ البيتِ بلفظِ: «الأعمالُ بالنيةِ» وفي إسنادهِ من لا يُعرف.
وحديثُ سعد بن أبي وقاص - ﵁ - كأنَّه أرادَ بهِ قوله - ﷺ - لسعدٍ: «إنَّك لن تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ، إلا أجرتَ فيها » الحديثَ رواهُ الأئمةُ الستةُ (٢).
_________________
(١) الثقات لابن حبان ٥/ ٢٥٠ و٥٠٥.
(٢) الحديث في "صحيح البخاري" ١/ ٢٢ (٥٦) و٢/ ١٠٣ (١٢٩٥) و٤/ ٣ (٢٧٤٢) و٥/ ٨٧ (٣٩٣٦) و٥/ ٢٢٥ (٤٤٠٩) و٧/ ٨٠ (٥٣٥٤) و٧/ ١٥٥ (٥٦٦٨) و٨/ ٩٩ (٦٣٧٣) و٨/ ١٨٧ (٦٧٣٣)، و" صحيح مسلم " ٥/ ٧١ (١٦٢٨) (٥) و٥/ ٧٢ (١٦٢٨) (٨) و(٩)، و"سنن أبي داود" (٢٨٦٤)، و" سنن ابن ماجه " (٢٧٠٨)، و"الجامع الكبير" الترمذي (٢١١٦)، و"سنن النسائي" ٦/ ٢٤١ و٢٤٢ و٢٤٣.
[ ٢ / ٤٦١ ]
وحديثُ أبي سعيدِ الخدريِّ - ﵁ -، رواهُ الدارقطنيُّ في " غرائبِ حديثِ مالك "، والخطابيُّ في معالمِ السننِ بلفظِ حديثِ عمرَ - ﵁ - (١).
وحديثُ ابنِ مسعودٍ - ﵁ -، رواهُ الطبرانيُّ في " المعجم الكبيرِ " (٢) في قصةِ مهاجرِ أمِّ قيسٍ، وهو حديثٌ غريبٌ، ورجالُهُ ثقاتٌ (٣). ولأحمدَ في " مسنده " (٤) منْ حديثِهِ: «إنَّ أكثرَ شهداءِ أمتي لأصحابُ الفرشِ، وربَّ قتيلٍ بينَ الصفينِ، والله أعلم بنيتِهِ».
وحديثُ ابنِ عباسٍ - ﵁ - اتفقَ عليهِ الشيخَان (٥) بلفظِ: «لا هجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جهادٌ ونيةٌ». وحديثُ أنسِ بنِ مالك رواهُ البيهقيُّ في سننهِ (٦)
_________________
(١) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٥/ ١٧٩.
(٢) المعجم الكبير (٨٥٤٠) من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، به.
(٣) قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٢/ ١٠١: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح».
(٤) مسند الإمام أحمد ١/ ٣٩٧ من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إبراهيم بن عبيد: أنَّ أبا محمد أخبره وكان من أصحاب ابن مسعود حدَّثه عن رسول الله - ﷺ -، به. وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ٣٠٢ وقال: «رواه أحمد هكذا، ولم أره ذكر ابن مسعود، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، والظاهر أنه مرسل ورجاله ثقات».
(٥) الحديث في "صحيح البخاري" ٢/ ١٨٠ (١٥٨٧) و٣/ ١٨ (١٨٣٤) و٤/ ١٧ (٢٧٨٣) و٤/ ٢٨ (٢٨٢٥) و٤/ ٩٢ (٣٠٧٧) و٤/ ١٢٧ (٣١٨٩)، و" صحيح مسلم " ٤/ ١٠٩ (١٣٥٣) (٤٤٥) و٦/ ٢٨ (١٣٥٣) (٨٥). وأخرجه: أبو داود (٢٠١٨) و(٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي ٥/ ٢٠٣ و٧/ ١٤٦.
(٦) سنن البيهقي الكبرى ١/ ٤١ من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس بن مالك، به.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
/ ٢٦٩ أ / بلفظِ: «لا عملَ لمنْ لا نيةَ لهُ»، وفي إسنادهِ منْ لم يسمَّ، وقد رواهُ ابنُ عساكرَ في جزءٍ من أماليهِ، بلفظِ حديثِ عمرَ منْ روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ، عنْ محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أنس - ﵁ -، وقالَ: غريبٌ جدًا، والمحفوظُ حديثُ عمر - ﵁ -، وروينا في " مسندِ الشهابِ " للقضاعي، منْ حديثِ أنسٍ - ﵁ -: «نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عملهِ» (١) وحديثُ أبي هريرةَ - ﵁ -: «إنَّما يبعثُ الناسُ على نياتِهم» (٢).
وحديثُ معاويةَ - ﵁ - رواه ابن ماجه (٣) بلفظ: «إنَّما الأعمالُ كالوعاءِ إذا طابَ أسفلُهُ طابَ أعلاه».
وحديثُ عبادةَ بنِ الصامت - ﵁ - رواهُ النَّسائيُّ (٤) بلفظِ: «منَ غزا في سبيلِ اللهِ وهوَ لا ينوي إلا عقالًا، فلهُ ما نَوى».
وحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ رواهُ ابنُ ماجه (٥) بلفظِ: «يحشرُ الناسُ على نياتِهم».
وحديثُ عقبةَ بنِ عامرٍ - ﵁ - رواهُ أصحابُ السُّننِ (٦) بلفظِ: «إنَّ اللهَ يُدخلُ بالسهمِ الواحدِ ثلاثةً الجنةَ» فذكَرهُ، وفيه: «وصانعهُ يحتسبُ في صنعتهِ الأجرَ».
وحديثُ أبي ذرٍ - ﵁ - رواهُ النَّسائيُّ (٧) بلفظِ: «من أتى فراشَهُ وهو ينوي أنْ يقوم يُصلي منَ الليلِ فغلبتهُ عينهُ حتى يصبحَ كتبَ لهُ ما نوى».
_________________
(١) مسند الشهاب للقضاعي (١٤٧).
(٢) مسند الشهاب للقضاعي (٥٧٨).
(٣) في سننه (٤١٩٩).
(٤) في " المجتبى " ٦/ ٢٤.
(٥) في " سننه " (٤٢٣٠).
(٦) الحديث في " سنن أبي داود " (٢٥١٣)، و" سنن ابن ماجه " (٢٨١١)، و" الجامع الكبير " للترمذي (١٦٣٧)، و" المجتبى " للنسائي ٦/ ٢٨ و٢٢٢.
(٧) في " المجتبى " ٣/ ٢٥٨ موقوفًا.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قلتُ: وفي البابِ أيضًا مما لم يذكرهُ ابنُ منده، عَنْ أبي الدرداءِ، وسهلِ بنِ سعدٍ، والنَّواس بنِ سَمعانَ، وأبي موسى الأشعريِّ، وصهيبِ بنِ سنانِ، وأبي أمامةَ الباهلي، وزيدِ بنِ ثابت، ورافعِ بنِ خديج، وصفوانَ بنِ أمية، وغزيةَ بنِ الحارثِ، أو الحارثِ بنِ غزيةَ، وعائشةَ، وأم سلمةَ، وأم حبيبةَ، وصفيةَ بنتِ حُيي - ﵃ أجمعين - فحديثُ أبي الدرداءِ - ﵁ - رواهُ النَّسائيُّ (١)، وابن ماجه (٢) بلفظِ حديث أبي ذر المتقدم ذكره.
وحديثُ سهلِ بنِ سعد رواهُ الطبرانيُّ في " المعجمِ الكبيرِ " بلفظِ (٣): «نيةُ المؤمنِ خيرٌ منْ عملهِ، وعملُ المنافقِ خيرٌ من نيتهِ، وكلٌّ يعملُ على نيتهِ».
وحديثُ النَّواسِ بنِ سَمعانَ - ﵁ - رواهُ الطبرانيُّ أيضًا بلفظِ: «نيةُ المؤمنِ خيرٌ منْ عملهِ» (٤).
وحديثُ أبي موسى - ﵁ - رواه أبو مَنْصور / ٢٦٩ ب / الديلمي في " مسندِ الفردوسِ " (٥) بهذا اللفظ.
وحديثُ صهيب - ﵁ - رواهُ الطبرانيُّ في " الكبير " (٦) بلفظِ: «أيّما رجلٍ تزوجَ امرأةً [فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئًا مات يوم يموت وهو زانٍ، وأيما رجل اشترى من رجلٍ بيعًا] (٧) فنوى أنْ لا يعطيه من ثمنهِ شيئًا ماتَ يومَ يموتُ،
_________________
(١) في " المجتبى " ٣/ ٢٥٨.
(٢) في " سننه " (١٣٤٤).
(٣) المعجم الكبير (٥٩٤٢).
(٤) أخرجه: القضاعي في "مسند الشهاب" (١٤٨)، ولم أقف عليه في "معجم الطبراني الكبير".
(٥) الفردوس بمأثور الخطاب (٦٨٤٣).
(٦) المعجم الكبير (٧٣٠٢) من طريق عمرو بن دينار وكيل الزبير بن شعيب، عن ابني صهيب، عن صهيب، به. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٤/ ١٣١: «رواه الطبراني في " الكبير "، وعمرو بن دينار هذا متروك».
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المعجم الكبير " و" التقييد والإيضاح ". .
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وهو خائنٌ».
وحديثُ أبي أمامةَ - ﵁ - رواهُ الطبرانيُّ في "الكبير " (١) بلفظِ: «من أدانَ دينًا وهو ينوي أنْ يؤديه، أداهُ اللهُ عنهُ يومَ القيامةِ، ومنْ أدانَ دينًا وهو ينوي أنْ لا يؤديه » الحديثَ.
وحديثُ زيدِ بن ثابت، ورافعِ بنِ خديجٍ - ﵄ - رواه أحمدُ في " مسندهِ " (٢) في قصةٍ لحديثِ أبي سعيد الخدري - ﵁ - بحديثِ: «لا هجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جهادٌ ونيةٌ» وقولُ مروانَ لهُ: كذبتَ، وعندهُ زيدُ بنُ ثابت، ورافعُ ابنُ خديجٍ معهُ على السريرِ وأنَّ أبا سعيدٍ، قالَ: لو شاءَ هذانِ لحدثاكَ، فقالا: صدق.
وحديثُ غزيةَ بن الحارثِ رواه الطبرانيُّ في " الكبير " (٣) بلفظِ: «لا هجرةَ بعدَ الفتحِ، إنَّما هي ثلاثٌ: الجهادُ والنيةُ والحشرُ».
وحديثُ عائشةَ - ﵂ - رواهُ مسلمٌ (٤) في قصةِ الجيشِ الذي يخسفُ بهم، وفيه: «يبعثهم اللهُ على نياتِهم».
وحديثُ أم سلمةَ - ﵂ -، رواهُ مسلمٌ (٥)، وأبو داودَ (٦) بلفظِ: «يبعثونَ على نياتِهم».
_________________
(١) المعجم الكبير (٧٩٤٩) من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، به. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٤/ ١٣٢: «رواه الطبراني في " الكبير " وفيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب».
(٢) مسند أحمد ٣/ ٢٢ و٥/ ١٧٨.
(٣) المعجم الكبير (٣٣٩٠) و١٨/ (٦٥٦). وانظر: مجمع الزوائد ٥/ ٢٥٠.
(٤) صحيح مسلم ٨/ ١٦٨ (٢٨٨٤) (٨). وأخرجه أيضًا: أحمد ٦/ ١٠٥.
(٥) صحيح مسلم ٨/ ١٦٦ - ١٦٧ (٢٨٨٢) (٤) و(٥).
(٦) في سننه (٤٢٨٩).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وحديثُ أم حبيبةَ - ﵂ - رواهُ الطبرانيُّ في " المعجمِ الأوسطِ " (١) بلفظِ: «ثمَّ يبعثُ كل امرئ على نيتِهِ».
وحديثُ صفيةَ - ﵂ - رواهُ ابنُ ماجه (٢) بلفظِ: «يبعثُهم اللهُ على ما في أنفسِهم».
الأمر الثاني: إنَّ ما حكاهُ المصنفُ (٣) عنْ بعضِ الحفاظِ» (٤) فذكرهُ بنحو ما في الشَّرحِ (٥)، وكذا الثالثُ: في أنَّهُ لا يعرفُ حديثٌ اجتمعَ عليهِ العشرةُ غيرُهُ، وكذا الرابع: في أنَّه لا يُعرفُ حديث روي عنْ أكثر من ستينَ نفسًا منَ الصحابةِ غيره، ذكرَ في ذلكَ كله نحو ما في الشَّرح، إلا أنَّ الإسفراييني (٦) الذي ذكرهُ في الشرح، ذكره في " النكت " في موضعينِ نسبَهُ فيها نيسابوريًا ولم ينسبهُ إلى أسفراين، وسمى جدَهُ في أحدهما: عبدَ الواحد، فصارَ يظنُ ثلاثةً، وليسَ كذلكَ، فإنَّ أسفرايينَ بلدةٌ
_________________
(١) المعجم الأوسط (٤٠٣٠) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة، به. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ٣١٥: «رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه سلمة بن الفضل الأبرش وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة». وانظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٢ (٣٤١٠).
(٢) في " سننه " (٤٠٦٤). وأخرجه: الترمذي (٢١٨٤)، وأبو يعلى (٧٠٦٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي إدريس المرهبي، عن مسلم بن صفوان، عن صفية، به. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» كذا قال، ولعله بالنسبة إلى شواهده؛ إذ إن إسناده هذا ضعيف؛ لجهالة مسلم بن صفوان. انظر: التقريب (٦٦٣٣).
(٣) في (ف) رسمت: «المص»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ".
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٦٧ - ٢٦٩.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٥٦.
(٦) وهو الإمام الحافظ المجود، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب الإسفراييني الحديثي الرحال، توفي سنة (٤٠٦ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٦٤، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
منَ عملِ نيسابورَ (١)، وربما قيل: لنيسابورَ نيساور، وهي من إقليم خراسانَ (٢)، وأما عبدُ الواحد / ٢٧٠ أ / فلعله تحريفٌ من عبد الوهابِ، أو أن أحدهما جدٌّ أعلى، والله أعلم.
ثم قال الشيخُ في " النكت ": «الأمر الخامسُ: إنَّ في الكلام على حديث «من كذبَ عليَّ» ما ذكره المصنف (٣) عن بعض أهلِ الحديثِ، أنه بلغَ بهِ أكثرَ من هذا العددِ، أي: أكثر من اثنينِ وستينَ نفسًا، قد جمع طرقَهُ أبو القاسم الطبرانيُّ (٤)، ومن المتأخرينَ: الحافظُ أبو الحجاجِ يوسفُ بنُ خليل في جزأينِ، فزادَ فيه على هذا العددِ، وقد رأيتُ عدَّة من روى من حديثهِ من الصحابةِ هكذا، وهم يزيدونَ على السبعين، مرتبين على الحروفِ، وهم: أسامةُ بنُ زيدٍ، وأنس بن مالكٍ، وأوسُ ابن أوس، والبراءُ بن عازبٍ، وبريدةُ بنُ الحصيبِ، وجابرُ بنُ حابسٍ (٥)، وجابرُ ابنُ عبدِ اللهِ، وحذيفةُ بنُ أسيدٍ، وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وخالدُ بنُ عرفطةَ، ورافعُ بنُ خديجٍ، والزبيرُ بنُ العوام، وزيدُ بنُ أرقمَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، والسائبُ بنُ يزيد، وسعدُ بنُ المِدْحَاس، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وسعيدُ بنُ زيد، وسفينةُ، وسلمانُ بنُ خالدٍ الخزاعيِّ، وسلمانُ الفارسيُّ، وسلمةُ بنُ الأكوعِ، وصهيبُ بنُ سيار، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى، وعبدُ اللهِ بنُ الزبير، وعبدُ اللهِ بنُ زغب، وقيل: إنَّهُ لا صحبةَ لهُ (٦)، وعبدُ اللهِ بنُ عباس،
_________________
(١) انظر: معجم البلدان ١/ ١٤٥.
(٢) انظر: معجم البلدان ٨/ ٤٢٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٣.
(٤) في جزء مطبوع.
(٥) أخرج حديثه الطبراني في جزء " من كذب علي متعمدًا " (١٧٤)، ومن طريقه أبو نعيم في " معرفة الصحابة " (١٥٤٦)، قال ابن حجر: «إسناده مجهول». انظر: الاستيعاب (٣٠٥)، والإصابة ١/ ٣١٦ (١٠٠٧).
(٦) انظر: معرفة الصحابة ٣/ ١٥٦، والإصابة ٣/ ٢٠٢ (٤٦٨١).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعبدُ الرحمانِ بنُ عوفٍ، وعتبةُ بنُ غزوانَ، وعثمانُ بنُ عفانَ، والعرسُ بن [عميرة] (١)، وعفانُ بنُ حبيبٍ (٢)، وعقبةُ بنُ عامر، وعليُّ بنُ أبي طالب، وعمارُ بنُ ياسر، وعمرُ بنُ الخطابِ، وعمرانُ بنُ حصينَ، وعمرو بنُ حريثٍ، وعمرو بن عَبَسَةَ (٣)، وعمرو (٤) بن عوف، وعمرو بن مُرةَ الجهني، وقيسُ بنُ سعدِ بنِ عبادةَ، وكعبُ بنُ قطبةَ، ومعاذُ بنُ جبل، ومعاويةُ بنُ حيدةَ، ومعاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ، والمنقع التميميُّ، ونبيطُ بنُ شريط، وواثلة بن الأسقع، ويزيد بن أسد، ويعلى بن مرة، وأبو أمامة، وأبو بكرٍ الصديق، وأبو الحمراءَ، وأبو ذرٍ، وأبو رافعٍ، وأبو رمثةَ، وأبو سعيد الخدريُّ، وأبو عبيدةَ بنُ الجراحِ، وأبو قتادةَ، وأبو قرصافةَ، وأبو كبشةَ (٥) الأنماريُّ، / ٢٧٠ ب /، وأبو موسى الأشعري، وأبو موسى الغافقيُّ، وأبو ميمونَ الكرديُّ، وأبو هريرةَ، وأبو العشراءِ (٦) الدارمي، عن أبيهِ، وأبو مالكٍ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " التقييد والإيضاح "، و" الإصابة " ٣/ ٤٤٢ (٥٥٠٥).
(٢) أخرج حديثه ابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " ١/ ٩٠ - ٩١، قال ابن حجر في " الإصابة " ٣/ ٤٦١ (٥٥٨٤): «محمد بن إسحاق الأهوازي متهم بوضع الحديث، وشيخه وسائر السند إلى عفان مجهولون».
(٣) قال ابن حجر في " التقريب " (٥٠٧٠): «بموحدة ومهملتين مفتوحات، ابن عامر بن خالد السلمي، أبو نجيح: صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام».
(٤) في (ف): «عمر»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ".
(٥) رسمت في (ف): «كبة»، والصواب ما أثبته. وهو سعيد بن عمرو، أو عمرو بن سعيد، وقيل: عمر أو عامر بن سعد صحابي نزل الشام. انظر: التقريب (٨٣١٩)، والإصابة ٦/ ٢٢٣.
(٦) في (ف): «العشر»، والمثبت من " التقييد والإيضاح ". ذكره بعضم في الصحابة، ولا يصح. انظر: الإصابة ٦/ ٢٠١.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الأشجعيُّ، عن أبيهِ، وعائشةَ، وأم أيمنَ - ﵃ - فهؤلاء خمسةٌ وسبعونَ نفسًا يصحُ من حديثِ نحو عشرينَ منهم، اتفقَ الشيخانِ على إخراجِ أحاديثِ أربعةً منهم (١)، وانفرد البخاريُّ بثلاثةٍ (٢)، ومسلمٌ بواحدٍ (٣)، وإنَّما يصحُ من حديثِ خمسةٍ من العشرةِ، والباقي أسانيدها ضعيفةٌ، ولا يمكنُ التواترُ في شيءٍ من طرقِ هذا الحديثِ؛ لأنَّه يتعذرُ وجودُ ذلكَ في الطرفينِ والوسطِ، بل بعضُ طرقِهِ الصحيحةِ، إنما هي أفرادٌ عنْ بعض رواتِها، وقد زادَ بعضُهم في هذا الحديثِ حتى جاوزَ المئة، ولكنَّه ليس هذا المتنَ، وإنما أحاديثُ في مطلق الكذب عليه، كحديثِ: «من حدَّثَ عني بشيءٍ، وهو يرى (٤) أنَّه كذبٌ، فهو
_________________
(١) لم أقف إلا على ثلاثة منهم، وهم: أنس بن مالك وحديثه في " صحيح البخاري " ١/ ٣٨ (١٠٨)، وفي " صحيح مسلم " ١/ ٧
(٢) (٢). والمغيرة بن شعبة وحديثه في " صحيح البخاري " ٢/ ١٠٢ (١٢٩١)، و" صحيح مسلم " ١/ ٨ (٤) (٤). وأبو هريرة وحديثه في " صحيح البخاري " ١/ ٣٨ (١١٠) و٨/ ٥٤ (٦١٩٧)، و" صحيح مسلم " ١/ ٨ (٤) (٤).
(٣) وهم: الزبير بن العوام وحديثه في " صحيح البخاري " ١/ ٣٨ (١٠٧). وسلمة بن الأكوع وحديثه في "صحيح البخاري " ١/ ٣٨ (١٠٩). وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه في " صحيح البخاري "٤/ ٢٠٧ (٣٤٦١).
(٤) وهو حديث أبي سعيد الخدري وهو في " صحيح مسلم " ٨/ ٢٢٩ (٣٠٠٤) (٧٢).
(٥) يُرى، بضم الياء، ومعناه يظن، وجوز بعض الأئمة فتحها، ومعناه: وهو يعلم، قال النووي: ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضًا، فقد حُكي «رأى» بمعنى «ظن»، وقيد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبًا، أما ما لا يعلمه ولا يظنه، فلا أثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبًا أو علمه. شرح مسلم ١/ ٦٥.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أحد الكاذبين (١»)، ونحو ذلكَ، فحذفتُها لذلكَ، ولم أعدها في طرقِ الحديثِ.
الأمرُ السادسُ: قولُ المصنف: إنَّ من سئلَ عن إبرازِ مثالٍ للمتواترِ أعياهُ تطلبُهُ، ثم لم يذكرْ له مثالًا إلا حديثَ: «من كذبَ عليَّ»، وقد وصفَ غيرُهُ من الأئمةِ عدةَ أحاديثَ بأنَّها متواترةٌ، فمن ذلكَ أحاديثُ حوضِ النبيِّ - ﷺ -، وردَ ذلكَ عنْ أزيدَ من ثلاثينَ صحابيًا، وأوردها البيهقيُّ في كتابِ البعثِ والنشورِ (٢)، وأفردها الضياءُ المقدسيُّ بالجمعِ، قالَ القاضي عياض: وحديثهُ متواترٌ بالنقلِ، رواهُ خلائقُ من الصحابةِ، فذكرَ جماعةً من رواتهِ، ثم قالَ: وفي بعضِ هذا العددِ ما يقضي بكونِ الحديثِ متواترٌ، ومن ذلكَ أحاديثُ المسحِ على الخفينِ، فقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: رواهُ نحو أربعينَ منَ الصحابةِ، واستفاضَ وتواترَ (٣)، وكذا قالَ ابن حزمٍ في " المحلى ": «إنَّه نقلُ تواتر يوجبُ العلمَ»، ومن ذلكَ: أحاديثُ النهيِّ عن الصلاةِ في معاطنِ الإبلِ. قالَ ابنُ حزمٍ في " المحلى ": «إنَّهُ نقلُ تواتر يوجبُ العلمَ» (٤).
ومن ذلك: أحاديثُ النهي عن اتخاذِ القبورِ مساجدَ. قالَ ابنُ حزمٍ: «إنها متواترة» (٥)، ومن ذلك: أحاديث / ٢٧١ أ / رفعِ اليدينِ في الصلاةِ للإحرام،
_________________
(١) وقوله: «الكاذبين» فيها روايتان، بفتح الباء على التثنية، وبكسرها على الجمع، وكلاهما صحيح، قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا «الكاذبين» على الجمع: ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه " المستخرج على صحيح مسلم " في حديث سمرة «الكاذبين» بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ بهذا الكتاب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة «الكَاذِبَيْنِ» أو «الكَاذِبِيْن» على الشك في التثنية والجمع. شرح مسلم ١/ ٦٥.
(٢) البعث والنشور: ١١٠ - ١٣٠ (١١٣) - (١٦٠).
(٣) التمهيد لابن عبد البر ١١/ ١٣٧.
(٤) المحلى ٤/ ٢٥.
(٥) المحلى ٤/ ٣٠.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وللركوعِ والرفعِ منهُ. قالَ ابنُ حزمٍ: «إنها متواترةٌ توجبُ يقينَ العلمِ» (١)، ومن ذلكَ: الأحاديثُ الواردةُ في قولِ المصلي: ربنا لكَ الحمدُ ملءَ السماواتِ والأرضِ وملءَ ما شئتَ من شئٍ بعدُ. قالَ ابنُ حزمٍ: «إنها أحاديث متواترةٌ» (٢») (٣). انتهى.
وقد رأيتُ بعدَ سنةِ ثلاثين (٤) في القدسِ الشريفِ جزءًا منْ تصنيفِ الشيخِ تقيِّ الدينِ عليِّ بنِ عبدِ الكافي (٥)، في رفعِ اليدينِ ذكرَ فيهِ: أنه صنفهُ؛ لأجلِ منازعةٍ حصلتْ في ذلك بينه وبين القوامِ الانتاني الحنفيِّ بحضرةِ نائبِ دمشقَ أظنُّهُ تنكز (٦)، وفي ظني أنه خرَّجهُ عن نحو أربعينَ صحابيًا، منهمُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، وهذا وقد تقدَّمَ قريبًا عن شيخنا - ﵀ - قانونٌ كليٌّ في استخراجِ المتواتر بهِ من الكتبِ المشهورةِ النسبة إلى مصنفيها، من أعلامِ الأئمةِ من استعملهُ كثرت عندهُ الأمثلةُ منهُ، والله الموفقُ.
_________________
(١) المحلى ٤/ ٩٢.
(٢) المحلى ٤/ ١٢٠.
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٧١ - ٢٧٢.
(٤) أي: ثلاثين وثمانمئة.
(٥) وهو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن يحيى بن عمر السبكي، تقي الدين أبو الحسن الشافعي، توفي سنة (٧٥٦). انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٦٣، وشذرات الذهب ٦/ ١٨٠.
(٦) في (ف): «دنكز»، والمثبت من مصادر الترجمة. وهو سيف الدين نائب الشام تنكز، ويكنى أبا سعيد كان شديد الهيبة، وافر الحرمة له آثار حسنة في أماكن من البلاد الإسلامية، اعتقل في الإسكندرية وتوفي هناك، وقيل: قتل سنة (٧٤١ هـ). انظر: ذيل العبر للحسيني ٤/ ١٢١، والدرر الكامنة ١/ ٥٢٠.
[ ٢ / ٤٧١ ]
قولُهُ: (عَدَدَ التَّواتُرِ) (١) هذا الذي نقلهُ عن ابنِ الصَّلاحِ، يوجب تخصيص الدعوى، فإنَّه ادعى تواترهُ مطلقًا، فشمل ذلكَ تواترهُ بالنسبةِ إلينا وبالنسبةِ إلى التابعينَ، وعللَ بتعليلِ مقتضى تواترهِ للتابعينَ فقط، وهذا إنَّما أتى من تصرفِ الشيخ، فإنَّ ابنَ الصلاحِ ذكرَ بعد هذا ما يدفعُ هذا الاعتراضَ، فقالَ
: «ثم لم يزلْ عدد رواتِهِ في ازديادٍ، وهلم جرًّا (٢) على التوالي والاستمرار» (٣).
قولُهُ: (المستخَرج منْ كتبِ النَّاسِ) (٤) تتمة الاسم «للتذكرة» كما تقدمَ عن " النكت " (٥).
قولُهُ: (صاحبُ الإمامِ) (٦) هو الشيخُ تقيُّ الدينِ أبو الفتحِ القشيريُّ، المعروفُ بابنِ دقيقِ العيدِ، كما أفصح به في " النكت " (٧)، والإمامُ شرحه على الإلمامِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢، وهذا من كلام ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٧٣.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في " نكته " على كتاب ابن الصلاح ١/ ٥٠٣ وبتحقيقي: ٢٨٥ - ٢٨٦: «قرأت بخط أبي يعقوب النجيرمي: أن أصله مأخوذ من سوق الإبل، يعني: سيروا على هينتكم لا تجهدوا أنفسكم، أخذًا من الجر في السوق وهو أن تترك الإبل ترعى في السير. أما إعرابها فقال ابن الأنباري: في نصبه ثلاثة أوجه: الأول: هو مصدر في موضع الحال، أي: هلم جارين، أي: متأنين كقولهم: جاء عبد الله مشيًا وأقبل ركضًا. والثاني: هو مصدر على بابه؛ لأن هلم جرا بمعني جروا جرًا. والثالث: أنه منصوب على التمييز. قال: ويقال للرجل: هلم جرًا وللرجلين هلما جرًا وللجمع هلموا جرًا. والاختيار الإفراد في الجميع؛ لأن هلم ليست مشتقة فلا تنصرف، وبه جاء القرآن في قوله ﵎: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢.
(٥) التقييد والإيضاح: ٢٧٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٢.
(٧) التقييد والإيضاح: ٢٧١.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
في أحاديثِ الأحكامِ، وهو له أيضًا، ونقلَ عنه أنه أكملَ هذا الشرحَ، ثم لم يوجدْ بعدَ موتهِ منه إلا قليلٌ. فيقال: إنَّ بعضَ الحسدةِ أعدمه، فإنَّه كتابٌ عظيمٌ، جليلُ القدرِ، لو بقى لأغنى الناسَ عن تطلب كثيرٍ من الشروحِ لأحاديثِ الأحكامِ.
قولُهُ: (رفع اليدين) (١) قالَ شيخُنا: «إنه حكي عن الحسنِ (٢) أيضًا، أنه دونه به سبعون صحابيًا كما قالَ في الخفينِ»، وقد تقدمَ ما ذكرتهُ عنِ الشيخِ تقي الدينِ السبكي.
قولُهُ: / ٢٧١ ب / (وهو كما قالَ أستاذنا) (٣) قالَ شيخُنا: «هذا الكلامُ من البيهقيِّ، ردٌّ مستر على الحاكمِ، فإنه لم يقتصرْ على هذا، بل قال
: «فقد روي» إلى آخره، فصارَ كأنه قال: هو كما قالَ في أنَّ هذه السنة رواها العشرةُ، وغيرهم، لا أنها انفردتْ بذلكَ؛ وإنما ستر هذا الردَّ تأدُّبًا مع شيخِهِ، وأحالَ استخراجُهُ على الفطنِ، واللهُ أعلمُ».
قولُهُ: (فبلغوا نحوَ الخمسين) (٤) ذكرَ ذلكَ الشيخُ في تخريجهِ لأحاديثِ الإحياءِ، فبلغهم التسعةَ وأربعين نفسًا، منهم أعرابيٌّ لم يسمَّ.
قولُهُ: (وأخبرني بعضُ الحفاظِ) (٥) قالَ شيخُنا: «هذا المخبرُ هو قاضي القضاةِ: عزُ الدين عبدُ العزيزِ بن جماعة والذي، روي ذلكَ في كلامهِ، هو الشيخُ محيي الدين، وهو كذلكَ في "شرحهِ لمسلم" (٦»).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣.
(٢) انظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١/ ٣٤٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣، وهذا من كلام البيهقي.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٤.
(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٦٦، والمنهل الروي لابن جماعة: ٥٥.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
قالَ شيخُنا: «ولعل أصلهُ مئة، فحرفها الكاتبُ من خطِ الشيخِ؛ لأنَّ الهاءَ لم تربط على ما يفعلُ كثيرًا وانجرت أكثر من العادةِ، فصارتْ تشبه مئة هكذا، أو اختلطَ بها شئٌ، فاشتبه أمرها، واللهُ أعلمُ».
قولُهُ: (وأنا أستبعدُ وقوعَ ذلكَ) (١)، قال في " النكت " (٢) بدل هذا الاستبعاد: «ولعل هذا محمولٌ على الأحاديثِ الواردةِ في مطلقِ الكذبِ، لا هذا المتن بعينِهِ، واللهُ أعلمُ». لكنْ رأيتُ على نسخةٍ بالشرحِ، مقرؤة على المصنف كلها. ما صورتُهُ: قال شيخنا: «مؤلفُهُ في مجلسِ الإقراءِ». ثم رأيتُ ذلك في شرحِ الشيخ محيي الدينِ النووي.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٢٧٢.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
غريب ألفاظ الحديث (١)
قولُهُ في نظم غريبِ ألفاظِ الحديثِ: (أو مَعْمَرُ) (٢) تركَ صرفهُ للضرورةِ.
قولُهُ: (فيما نقلوا) (٣)، أي: رواةُ الأخبارِ.
قولُهُ: (ولا تقلد (٤» (٥) التقليد عرفًا: أخذ القولِ مِنْ غيرِ معرفةِ دليله (٦). وأصلُهُ في اللغةِ: الإلزام منْ قلَّدتُهُ كذا: ألزمتُهُ إياه، ومَنْ قلدته في مثلِهِ، فقد ألزمتُهُ ما يلزمكَ فيها منْ مدحٍ أو ذمٍّ (٧).
قولُهُ: (الفنِّ) (٨)، أي: فن اللغةِ، أي: علمها، وأصلُهُ لغةً الحالُ، والضربُ منَ الشئ (٩)، أي: الصنفُ، فالمعنى: أهلُ هذا الصنفِ من العلمِ.
قولُهُ: (فَسَّرَهُ الجماعَ) (١٠)، أي: بالجماع، ولو قالَ: «وبعده»، وفسرَ بالجماعِ لكانَ أحسنَ.
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ٨٨ - ٩١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٥، والإرشاد ٢/ ٥٥٠ - ٥٥٣، والتقريب: ١٥٥، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٦١ وبتحقيقي: ٢٢٨، والشذا الفياح ٢/ ٤٥١ - ٤٥٥، والمقنع ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٤، ونزهة النظر: ٧٩، وفتح المغيث ٣/ ٤٣ - ٥٢، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٤ - ١٨٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٢ - ٤١٣، ومقدمة النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣ - ٨.
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٥٩).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٥٩).
(٤) في (ف): «يقلد»، والمثبت من " التبصرة والتذكرة ".
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٦١).
(٦) انظر: التعريفات للجرجاني: ٦٤.
(٧) انظر: لسان العرب مادة (قلد).
(٨) التبصرة والتذكرة (٧٦١).
(٩) انظر: لسان العرب مادة (فنن).
(١٠) التبصرة والتذكرة (٧٦٣).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قولُهُ في شرحِهِ: (الغامضة) (١)، أي: من جهةِ المعنى البعيدة عن الفهمِ، من جهةِ عدمِ تكررها على الأسماعِ، ألا ترى أنَّ الكلمةَ إذا تكررت على السمعِ ألفت قبلها / ٢٧٢ أ / الفهم، وردها إلى أشكالها في الاشتقاقِ، فوضحَ معناها، كما أنَّ الغريبَ عنِ الناس نقل روايتِهِ، فيغمض معرفته، فإذا تكررتْ ألفٌ، فعرف كذلك (٢) لكن يقيد نفرة الطبع عنهُ، فهو أخصُ منْ مطلقِ الغريبِ، وعبارةُ ابنِ الصلاح عنْ ذلكَ: «وهوَ عبارةٌ عمَّا وَقَعَ في متونِ الأحاديثِ مِنَ الألفاظِ الغامضةِ البَعيدةِ منَ الفهمِ، لِقلَّةِ استعمالها، هذا فنٌّ مهم يقبحُ جهلهُ بأهلِ الحديثِ خاصة، ثم بأهلِ العلمِ عامَّةً، والخوضُ فيهِ ليسَ بالهيِّنِ، والخائضُ فيهِ حقيقٌ بالتحري، جديرٌ بالتوقي» (٣).
قولُهُ: (النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ) (٤) هو: معاصرٌ لأبي عبيدةَ معمرُ بنُ المثنى، غيرَ أنَّه كانَ في نيسابور، وأبو عبيدةَ كان في البصرةِ ويحتمل أنْ يكونَ الأمر بالعكسِ، فيكون تصنيفُ أبي عبيدة أقدم كما يأتي.
قولُهُ: (أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام) (٥) تصنيفهُ قِسمان: أحدُهما: في الآحادِ المرفوعةِ، والآخرُ: في الموقوفةِ. وهو معنى قولِ الشيخ: «في غريبِ الحديث والآثارِ» (٦)، لكن لم يرتبْ فيه المتونَ، فالكشفُ منهُ عسرٌ جدًا، وعن ابنِ كثير أنَّه قال: «إنَّه أحسنُ شئ وضعَ» (٧). وكأنَّه يعني في تلك الأزمانِ، وإلا فـ " نهاية "
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٤.
(٢) قبل هذا في (ف) كلمة غير مقروءة.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٤.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٧) اختصار علوم الحديث ٢/ ٤٦١ وبتحقيقي: ٢٢٩.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ابنِ الأثيرِ لا يقاسُ بها شئٌ من هذا في الجمعِ، ولا في الترتيبِ.
قولُهُ: (ابن قُرَيْبٍ) (١) وهو مصغر، القربُ ضد البعدِ، يعني: أنَّ الأصمعيَّ صنَّف في غريب الحديث، ولا منافاةَ بينه وبين ما يأتي عنهُ، أنَّه قال: «أنا لا أفسرُ حديثَ رسولَ الله - ﷺ -» (٢)، لأنَّه يحتمل أنْ يكون قال ذلكَ أوَّلًا، ثمَّ رأى منْ يجترئ على حملِ شئ منَ الغريب على ما يتحققُ خطأ، فرأى المصلحةَ في التفسيرِ، أو يكونُ ماشيًا في ذلك على سننِ ما نقلَ، وهو أنَّه يذكرُ اللفظةَ، وتقولُ العربُ: نريد بهذه اللفظةِ عند إطلاقِها كذا.
قولُهُ: (واستمرت الحالُ) (٣) يوهم أنَّ بينَ الزمنينِ أمدًا بعيدًا، وليسَ كذلكَ، فالمذكورونَ كلهم منْ أصاغرِ مشايخِ أبي عبيدٍ، وكلهم بقوا إلى بعدَ المئتينِ، لا كما يوهمُهُ كلامه إلا أنْ يحملَ على بعدِ ما بينَ التصنيفينِ، ويكونُ ذلك على حذف مضاف، تقديرُهُ: «واستمرَ الحالُ / ٢٧٢ ب / إلى زمنِ تصنيفِ أبي عبيدٍ»، وكتابُ أبي عبيد على نمط ما قبله؛ لأنهم كانوا يغتنون عنِ الترتيبِ بالحفظِ، ورتبهُ الشيخُ موفق الدين بنُ قدامةَ على الحروفِ.
قولُهُ: (كتابُهُ المشهورُ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: «فجمعَ، وأجادَ، واستقصى، فوقعَ من أهلِ العلمِ بموقعٍ جليلٍ، وصارَ قُدوةً في هذا الشأنِ» (٥). انتهى.
وهذا المدحُ بالنسبةِ إلى ما تقدمَهُ من الكتبِ، فإلى أنْ قالَ عن النضرِ ومعمرٍ: «وكتاباهما صغيرانِ» (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٦.
(٦) المصدر نفسه.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قولُهُ: (عبد الله بن سلم بن قُتيبة) (١) هي في جميع النُّسخ التي رأيتُها، ومنها نسخةٌ مقرؤةٌ على المصنف، وعليها خطُّه درسًا درسًا إلى آخرها «سَلْم» بغير ميم أوله، وعلى السين في النُّسخةِ المقرؤةِ على المصنِّف فتحةٌ بينةٌ وهو وهمٌ، أو سبقُ قلمٍ، والصوابُ: «مُسلمٌ» بالميمِ أوله فاعلُ الإسلامِ، وكتابُهُ ذيلٌ على كتابِ أبي عبيدٍ، على نمطِهِ في الترتيبِ، وله كتابٌ آخرُ في الاعتراضِ على أبي عبيدٍ، وذلك هو معنى قولِ الشيخِ، وتتبعهُ في مواضعَ، أي: بالاعتقادِ والتزييفِ، وكتابُ الخطابي على الترتيبِ المذكور أيضًا.
ثم صنفَ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحربيُّ الحافظُ، أحد الأعلامِ غريبًا في خمسِ مجلداتٍ، رتبه على المسانيدِ غير أنَّهُ يذكرُ الحديثَ الأول منْ مسندِ أبي بكرٍ - ﵁ - مثلًا، فيفسرُ اللفظةَ الغريبةَ التي فيهِ، ثُمَّ مقلوبها، ومقلوبُ مقلوبِها، وكذلك إلى أنْ يستوفيَ ما وردَ منْ تلكَ المادةِ، في ما بلغهُ من أحاديثِ جميعِ الصحابةِ - ﵃ -، وكذا يصنعُ في بقيةِ الأحاديثِ منْ مسندهِ، ومسند غيرِهِ من الصحابةِ، ولا يعيدُ شيئًا مقدمٌ، ولا ينبهُ عليه، فعادةَ السهولة التي ظنتْ من وضعهِ على المسانيدِ صعوبة، وماتَ الحربيُّ سنةَ خمسٍ وثمانينَ ومئتين في بغداد (٢).
وتصنيفُ قاسمِ بن ثابتِ بن حزم السَّرقُسْطِيّ كانَ في عصرِهِ ذلكَ في الشرقِ، وهذا في الغربِ، ولم يطلعْ أحدُهما على ما صنعَ الآخرُ، وماتَ قاسمٌ سنة ثنتين وثلاثمئة في سرقسطَةَ منَ الأندلسِ، وظاهرُ حال ابنِ الأثيرِ، أنَّه لم يرَ تصنيفَ الحربي كـ " النهاية ".
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٧٠.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قولُهُ: (ونبهَ على أغاليطَ) (١)، قال ابن الصلاح / ٢٧٣ أ /: «ثم تتبعَ أبو سليمانَ الخطابيُّ ما فاتهما - يعني: القُتبي وأبا عبيد - فوضعَ في ذلكَ كتابَهُ
المشهورَ. قالَ: فهذه الكتبُ الثلاثةُ - بمعنى: كتابِ أبي عبيدٍ، وابن قتيبة، والخطابي - أُمَّهاتُ الكتبِ المؤلفةِ في ذلكَ (٢)، ووراءها مَجَامعُ تشتملُ منْ ذلكَ على زوائدَ وفوائدَ كثيرةٍ» (٣).
قولُهُ: (السَّرَقُسْطيُّ) (٤): نسبةً إلى مدينةٍ من الأندلسِ اسمها سَرَقُسْطة (٥). قال المؤيَّدُ (٦) في كتابهِ " تقويمِ البلدان ": «بفتحِ السينِ والراءِ المهملتين، وضمِّ القافِ، وسكونِ السين الثانيةِ، وفتحِ الطاءِ المهملةِ، وآخرُه هاءٌ: وهي قاعدةُ الثغرِ الأعلى، وهي مدينةٌ بيضاءُ في أرضٍ طيبة قد أحدقتْ بها من بساتينها زمردةٌ خضراءُ، والتفتْ عليها أنهارُها الأربعةُ، وأضحتْ بها رياضُها مرضعةً مجرعةً».
قولُهُ: (وعبد الغافر) (٧) هو: ابنُ إسماعيلَ بن عبدِ الغافرِ، راوٍ لـ " صحيحِ مسلم "، وكتابُهُ جليلُ الفائدةِ، وهو مجلدٌ مرتبٌ على الحروفِ (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٢) وهذه الأمهات مطبوعة متداولة.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٦ - ٣٧٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٥) انظر: معجم البلدان ٣/ ٢١٢.
(٦) هو أبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب الملك المؤيد، صاحب حماة، مؤرخ جغرافي، قرأ التاريخ والأدب وأصول الدين، وغيرها من العلوم، له مصنفات منها: المختصر في أخبار البشر، وتقويم البلدان في مجلدين، ترجم إلى الفرنسية واللاتينية وقسم منه إلى الإنكليزية، توفي سنة (٧٣٢ هـ). انظر: الأعلام ١/ ٣١٩.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٨) سماه: «مجمع الغرائب»، وله نسخة خطية. انظر: الفهرس الشامل ٣/ ١٣٧٦.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قولُهُ: (وكانَ جمعَ بينَ الغريبينِ) (١)، أي: قبلَ الزمخشري، فإنَّه ماتَ سنةَ إحدى وأربعمئة، وعبدُ الغافرِ ماتَ بعدَ ذلكَ، سنةَ تسعٍ وأربعينَ وأربعمئة، والزمخشريُّ ماتَ بعدهما، يومَ عرفَةَ سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ وخمسمئة.
قولُهُ: (الأُرْمويَّ) (٢) نسبةً إلى أُرْمية - بضمِ الهمزةِ، وإسكانِ الراءِ المهملةِ، ثم ميمٌ وتحتانيةٌ بعدها هاءٌ -: مدينةٌ منْ عملِ أذربيجانَ، وهي آخرُ حدِ أذربيجانَ من جهةِ الغربِ، وعلى شرقي الموصلِ بينهما مسيرةُ خمسةِ أيامٍ عشرةَ برد، وهي قربُ بحيرةَ تلا بالفوقانية بينهما مرحلةٌ (٣).
قولُهُ: (وبلغني أنَّه كتبَه حواشٍ) (٤)، أي: بلغني كلا الأمرينِ، ولم أدرِ الصحيحِ منهما.
قولُهُ: (كانت عندي) (٥) يحتمل أنَّها كانت ملكهُ، وانتقلتْ إلى غيرِهِ، وهو يرجو عودَها إليه، ويحتمل أنَّها لم تكنْ ملكه، وهو متمكنٌ من أحدها منْ مالكها، فهو منتظرٌ وقتًا يفرغُ فيهِ لذلكَ.
قولُهُ: (أحمد) (٦) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: «رُوِّينا عنِ الميمونيِّ، قالَ: سُئِلَ أحمدُ» فذكرهُ، وزادَ بعد: «بالظنِّ فأخطئَ - أي: فإني إنْ تكلمت بالظنِّ أخطأتُ لا محالة (٧) - وقال: وبلغَنا عن التأريخيِّ محمد بن عبدِ الملكِ، قالَ حدثني أبو قلابةَ / ٢٧٣ ب / عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ، قالَ: قلتُ للأصمعيِّ: يا أبا سعيدٍ ما معنى قولِ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.
(٣) انظر: معجم البلدان ١/ ١٣٢، وانظر ترجمة الأرموي في شذرات الذهب ٦/ ٦٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.
(٧) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
النبيِّ - ﷺ - » (١) فذكرَهُ.
قولُهُ: (فقال: أنا لا أفسِّرُ حديثَ رسولِ اللهِ - ﷺ -) (٢) معارضٌ لما تقدمَ منْ أنَّهُ صنَّف في ذلكَ إلا أنْ يحمل أمره على أنَّهُ يذكر الحديثَ في تصنيفِهِ، ثم يذكرُ اللفظةَ الغريبةَ فيهِ، وتقولُ العربُ إذا تكلمت بهذهِ اللفظةِ كان معناها عندَها كذا وكذا، أو نحو ذلكَ من العباراتِ.
قولُهُ: (لا سَمِينَ فَيُنتقى) (٣) (٤)، أي: ليس له نقيٌّ فيستخرج، يقالُ: نقوتُ العظم وانتقيته إذا استخرجتُ نقته ونقيته أيضًا.
قولُهُ: (لا تنقي) (٥) (٦)، أي: تسمنُ فيكونُ لها نقيٌّ مثل: أغدّ البعيرُ إذا صارَ ذا غدةٍ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٧.
(٣) جزء من حديث طويل، أخرجه: البخاري ٧/ ٣٤ (٥١٨٩)، ومسلم ٧/ ١٣٩ (٢٤٤٨)، والترمذي في " الشمائل " (٢٥٣) بتحقيقي من حديث عائشة - ﵂ -، وفيها: «لا سمين فينتقل»، أي: تنقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه، بل يتركوه رغبة عنه لرداءته. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم عقب الحديث (٢٤٤٨).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٧.
(٥) هو جزء من حديث البراء بن عازب مرفوعًا: «لا يضحى بالعرجاء بين ضلعها، ولا بالعوراء بين عورها، ولا بالمريضة بين مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقي» أخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٩٨) برواية الليثي، والطيالسي (٧٤٩)، وعلي بن الجعد (٩٠٠)، وأحمد ٤/ ٢٨٤ و٢٨٩ و٣٠٠ و٣٠١، والدارمي (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨٠٢)، وابن ماجه (٣١٤٤)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي ٧/ ٢١٤ و٢١٥، وابن الجارود (٩٠٧). قال الترمذي: «حسن صحيح»، وقال ابن الأثير: «النَّقْي: مُخُّ العظم، يقال: أنقت الأبل غيرها، أي: صار فيها نقي، ويقال: هذه ناقة منقية، وهذه لا تنقي». جامع الأصول ٣/ ٣٣٤.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٨.
[ ٢ / ٤٨١ ]
قولُهُ: (سألتُ الأدباءَ) (١) جمعُ أديبٍ، وهو العالمُ بعلمِ الأدبِ، وهو علمُ اللغةِ. قالَ ابنُ الأكفاني (٢) في تعريفِهِ في كتابِهِ " إرشاد القاصد " (٣): «وهو علمٌ يتعرفُ منه كيفيةُ التخاطبِ والتفاهم عمَّا في الضمائرِ بأدلّةِ الألفاظِ والكتابةِ». انتهى.
وأنواعُهُ: اثنا عشر متن: اللغةُ، والأبنيةُ، والاشتقاقُ، والإعرابُ، والمعاني، والبيانُ، والعروضُ، والقوافي، وإنشاءُ النثرِ، وقرضُ الشعرِ، والكتابةُ، والمحاضراتُ، وأصلُ الأدبِ في اللغةِ: الظّرْفُ، وحُسْنُ التَّناوُلِ، والتعليم (٤)، والكلُ ظاهرُ المناسبةِ في النقلِ إلى المعنى الاصطلاحي.
قولُهُ: (عن تفسيرِ الدُّخِّ، قال: يَدُخُّها، ويَزُخُّهَا) (٥) هو هكذا في النُّسخ، ومكتوبٌ فوقَ، قالَ: يدخُها صورةُ كذا، أي: هكذا وجدَ، فلا يظنُ أنَّهُ سقطَ منهُ شئٌ، وقد ظنَّ الحاكم (٦) الدَّخ بفتح الدّال لا غير - وهو لغةٌ فيه، والمشهورُ الضم.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٩.
(٢) هو محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري شمس الدين أبو الجود السنجاري، ثم المصري الطبيب، المعروف بابن الأكفاني، من تصانيفه: " رسالة في الجوهر المعدني والحيواني وأجناسه وأنواعه "، و" اللباب في علم الحساب "، وغيرها، توفي سنة (٧٤٩ هـ). انظر: هداية العارفين ٦/ ١٥٥.
(٣) وتمام اسمه: " إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ".
(٤) انظر: لسان العرب مادة (أدب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٩.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث: ٩١، وسقط من هذه الطبعة كلام الحاكم وبقي الشعر، أما في طبعة دار ابن حزم التي حققها أحمد بن فارس السلوم، فقد أثبت النص، ثم قال في الحاشية: «سقط هذا النص من الأصول فليس هو في ع ر ي ط، وهو في أصل م وعليه تعليق لابن الصلاح يأتي، وفي هامش ك بعد أن أورده في الحاشية». وانظر صفحة: ٣٠٢ من هذه الطبعة.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قولُهُ: (تخليطٌ فاحشٌ) (١) قالَ ابن الصلاح: «وأقوى ما يعتمدُ عليهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ أنْ يظفُرَ بهِ مُفسرًا في بعضِ رواياتِ الحديثِ - ثمَّ ذكرَ حديثَ ابن صيادٍ (٢)، وقال: - فهذا خَفيَ مَعناهُ، وأعضلَ. وفَسَّرَهُ قومٌ بما لا يصحُّ.
[و] (٣) في " معرفةِ علومِ الحديثِ " للحاكمِ أنَّه الدُّخُّ بمعنى: الزَّخِّ الذي هو الجماعُ (٤)، وهذا تخليطٌ فاحشٌ يغيظُ العالمَ والمؤمنَ» (٥) - ثمَّ قال: والدُّخُّ / ٢٧٤ أ / هو الدُّخانُ في لُغَةٍ (٦)، إذْ في بعضِ رواياتِ الحديثِ ما نصهُ: ثمَّ قالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنِّي قدْ خبأتُ لكَ خبيئًا، وخبأَ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٧). فقال ابن صيادٍ: هو (٨) الدُّخُّ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «اخسأ، فلنْ تعدو قدركَ». وهذا ثابتٌ صحيحٌ خرَّجهُ الترمذيُّ (٩) وغيرهُ (١٠)، فأدركَ ابنُ صيادٍ منْ ذلكَ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٠.
(٢) ويقال له: «ابن صائد» أيضًا. انظر: الإصابة ٣/ ١٣٣. والحديث أخرجه: البخاري ٢/ ١١٧ (١٣٥٤) و(١٣٥٥)، ومسلم ٨/ ١٩١ (٢٩٣٠) (٩٥) من حديث ابن عمر.
(٣) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنوع علم الحديث ".
(٤) هو في مخطوطة " معرفة علوم الحديث للحاكم " (الورقة: ٨٢) من نسختنا الخطية الخاصة، وقد سقط من موضعه في المطبوعة: ٩١.
(٥) انظر: تعقب الحافظ العراقي على الحاكم في " شرح التبصرة " ٢/ ٨٩ - ٩٠.
(٦) انظر: الصحاح مادة (دخخ).
(٧) الدخان: ١٠.
(٨) في (ف): «وهو» بزيادة الواو، ولا داعي لها.
(٩) جامع الترمذي (٢٢٤٩)، وقال في (٢٢٣٥): «حسن صحيح».
(١٠) أخرجه: معمر في" جامعه " (٢٠٨١٧)، وأحمد ٢/ ١٤٨ و١٤٩، والبخاري ٢/ ١١٧ (١٣٥٤) و٤/ ٨٥ (٣٠٥٥) و٨/ ٤٩ (٦١٧٣) و١٥٧ (٦٦١٨) وفي "الأدب المفرد"، له =
[ ٢ / ٤٨٣ ]
هذه الكلمة فحسب، على عادة الكهان في اختطاف بعضِ الشيء (١) منْ غيرِ وقوفٍ على تمامِ البيانِ. ولهذا قالَ لهُ: «اخسأْ، فلنْ تعدو قدرَكَ»، أي: فلا مزيدَ لكَ على قدرِ إدراكِ الكُهَّانِ (٢)، والله أعلمُ» (٣). انتهى.
والظاهر أنَّك لن تتجاوزَ ما قدرَ اللهُ لكَ من الظفرِ بالمرادِ، أي: لا تقدرُ أنْ تفعلَ غيرَ ما قدّرهُ اللهُ لكَ، ونحن لا نتهمُ اللهَ في قضائهِ كما قالَ - ﷺ - لمسيلمةَ الكذاب كما خَرَّجه الشيخان (٤) عنِ ابنِ عباس - ﵄ -: «اخسأ فلن تعدو قدركَ، ولئن أدبرتَ ليعقرنَّكَ اللهُ»، فهو كنايةٌ عن أنّا ننظرُ الفعلَ إلا منَ اللهِ، ولا نتهمُ الله في قضائه، كما قالَ - ﷺ -: «ليقل همك يا معاذ ما قدر يكن» (٥).
_________________
(١) = (٩٥٨)، ومسلم ٨/ ١٩٢ (٢٩٣٠) (٩٦) و٨/ ١٩٣ (٢٩٣٠) (٩٧)، وأبو داود (٤٣٢٩)، وابن حبان (٦٧٩٤)، والطبراني في " الأوسط " (٩٢٧٦)، وابن منده في " الإيمان " (١٠٤٠)، والبغوي (٤٢٧٠).
(٢) في " المعرفة " بعد ذلك: «من الشياطين».
(٣) راجع: محاسن الاصطلاح: ٤٠٠.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٥) صحيح البخاري ٤/ ٢٤٧ (٣٦٢٠) و٥/ ٢١٥ (٤٣٧٣) و٩/ ١٦٧ (٧٤٦١)، ومسلم٧/ ٥٧ (٢٢٧٣) (٢١).
(٦) لم أقف عليه بهذا السياق. وقد أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨٠٦) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن عياش بن عباس، عن مالك بن عبد الله المعافري: أن رسول الله - ﷺ - قال لعبد الله بن مسعود - ﵁ -: «لا تكثر همك، ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك». وأخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " (١١٨٨) من طريق ابن أبي مريم، قال: حدثنا نافع ابن يزيد، قال: حدثني عياش بن عباس: أن عبد الملك بن مالك الغفاري حدثه أن جعفر بن عبد الله بن الحكم حدثه، عن خالد بن رافع، به. وذكر عقبه الاضطراب الحاصل في سنده. وهذا الحديث ضعفه العلامة الألباني في " السلسة الضعيفة " (٤٧٩٢).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وهذا النوعُ ذكرهُ شيخُنا حافظُ عصرِهِ ابن حجرَ تلميذُ المصنفِ عقبَ الرواية بالمعنى، فأجادَ، وقالَ في شرحِها: «فإنْ خفيَ المعنى بأنْ كانَ اللفظُ مستعملًا بقلَّةٍ، احتيجَ إلى الكتبِ المصنفةِ في شرحِ الغريبِ، ككتابِ أبي عُبيد القاسم بن سلام، وهو غير مرتب، وقد رتبهُ الشيخُ موفَّقُ الدينِ بنُ قدامةَ على الحروفِ. وأجمعُ منهُ كتاب أبي عبيدٍ الهروي (١)، وقد اعتنى به الحافظُ أبو موسى المديني، فعقَّب (٢) عليه واستدركَ.
وللزمخشريُّ كتابٌ اسمه " الفائق "، حسنُ الترتيبِ، ثمَّ جمع الجميعَ ابنُ الأثيرِ في " النهاية "، وكتابهُ أسهلُ الكتبِ تناولًا مع إعوازٍ قليلٍ فيهِ، وإن كان اللفظُ مستعملًا بكثرةٍ، لكنْ في مدلولهِ دِقَّةٌ، احتيجَ إلى الكتبِ المصنَّفةِ في شرحِ معاني الأخبارِ، وبيانِ المشكلِ منها، وقد أكثرَ الأئمة من التصانيفِ في ذلك، كالطحاوي (٣)، والخطابي (٤)، / ٢٧٤ ب / وابن عبد البرِّ (٥)، وغيرهم» (٦).
_________________
(١) هو اللغوي الأديب أبو عبيد أحمد بن محمد بن عبد الرحمان العبدي الهروي، وكتابه هو: " كتاب الغريبين " جمع بين غريب القرآن وغريب الحديث، توفي سنة (٤٠١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٤٦.
(٢) في (ف): «فنقب» والمثبت من " نزهة النظر ".
(٣) وكتابه هو: "شرح مشكل الآثار ".
(٤) في معالم السنن.
(٥) في التمهيد.
(٦) نزهة النظر: ٧٩ - ٨٠.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
المسلسل (١)
قولُهُ في نظمه: (تواردا (٢» (٣)، أي: تشاركوا في موضع الورود، فإنَّ تفاعلَ لمشاركةِ أمرين فصاعدًا في أصل المعنى صريحًا، ولذلكَ نقصَ مفعولًا عنْ فاعلِ الذي هو لنسبة أصلِهِ إلى أحدِ الأمرين متعلق بالآخر، للمشاركة صريحًا، نحو: «واردت زيدًا الماء».
قولُهُ: (واحدًا فواحدًا) (٤) حال مرتبة، أي: وردَ كلُ واحد منهم ما وردَه الآخرُ حالَ كونهم مرتبينَ واحدًا بعد واحدٍ، ومفصلينَ هكذا.
قولُهُ: (حالًا) (٥) مفعول «تواردا»، وهو المفعولُ الثاني لفاعل، وهو مثلُ: نازعَ، وتنازعَ.
قولُهُ: (كقول كلهم) (٦): هو مثالٌ لوصفِ السندِ.
_________________
(١) انظر في المسلسل: معرفة علوم الحديث: ٢٩ - ٣٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٨، والإرشاد ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٨، والتقريب: ١٥٥ - ١٥٦، والاقتراح: ٢١٤، والموقظة: ٤٣ - ٤٤، ورسوم التحديث: ٨١، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٦٥ وبتحقيقي: ٢٢٩، والشذا الفياح ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٩، والمقنع ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٩، ومحاسن الاصطلاح: ٢٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٠، وتنقيح الأنظار: ٢٥٦، ونزهة النظر: ١٠٥، وفتح المغيث ٣/ ٥٣ - ٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٧ - ١٨٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٧٤، وفتح الباقي ٢/ ١٦٥، وشرح شرح نخبة الفكر: ٦٥٧، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٨١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٤ - ٤١٦، وظفر الأماني: ٢٨٧.
(٢) في (ف): «توارد» بدون ألف في آخره، والمثبت من " التبصرة والتذكرة ".
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٦٤).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٦٤).
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٦٥).
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٦٥).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
قولُهُ: (فاتَّحدْ) (١)، أي: القول الذي أوردوه «سمعت» مثالًا كانَ واحدًا بالنسبةِ إلى جميعِ رواتهِ.
قولُهُ: (وَقَسمُهُ) (٢) مصدر، وهو مبتدأ، أي: قسم العلماءُ المسلسلَ متنه إلى ثمانٍ.
قولُهُ: (ثمان) (٣)، مقطوعٌ عن الإضافةِ، وانته بحذف التاءِ ومبنية، الذي هو بمنزلة المميز، فذكرَ لأنَّ واحده «مثال»؛ لأنَّه اعتبر المعدودَ مؤنثًا بمعنى الرواياتِ المسلسلاتِ، كقولِهِ: وكان يحيى دونَ منْ كتبَ، اتَّقى ثلاث شخوصٍ كأعيان ومعصر.
قولُهُ: (مُثُلُ) (٤) خبر مبتدأ محذوف وهو جمع مثالٍ، مثل: كتابٍ وحجابٍ.
قولُهُ: (وَقلَّمَا) (٥) قلَّ: فعلٌ ماضٍ كفتهُ «ما» عنِ الرفعِ، وهيأتهُ للدخولِ على الفعلِ.
قولُهُ: (ضَعْفًا) (٦) تمييزٌ، أي: قلتْ سلامةُ المسلسل من ضعفٍ يحصلُ له.
قولُهُ: (كأوَّليَّةٍ) (٧)، أي: المسلسل بأوليةِ سماعٍ كلَ راوٍ ممنْ سمعَ منهُ، وبعضُ الرواةِ وهو أبو نصر الوزيري (٨)، وصلَ السلسلةَ إلى النبي - ﷺ - كما ذكرهُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة (٧٦٥).
(٢) التبصرة والتذكرة (٧٦٦).
(٣) التبصرة والتذكرة (٧٦٦).
(٤) التبصرة والتذكرة (٧٦٦).
(٥) التبصرة والتذكرة (٧٦٦).
(٦) التبصرة والتذكرة (٧٦٦).
(٧) التبصرة والتذكرة (٧٦٧).
(٨) هو محمد بن طاهر أبو نصر الوزيري الأديب المفسر، قال الذهبي: «ذكر الحديث المسلسل بالأولية، فزاد تسلسله إلى منتهاه، فطعنوا فيه لذلك»، توفي سنة (٣٦٥هـ). انظر: الأنساب ٤/ ٤٨٦، وميزان الاعتدال ٣/ ٥٨٦.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (١)، وقالَ: «وفائدةُ المسلسلِ أمرانِ: أحدُهما: أن يكونَ فيهِ اقتداءٌ بالنبيِّ - ﷺ -، فيما فعلَهُ.
والثاني: أنْ يكونَ مفيدًا لاتصالِ الروايةِ، وعدمِ انقطاعِها، إذا كانت السلسلةُ تقتضي ذلكَ، كقولِهِ: سمعتُ». انتهى. وفي ذلكَ: الأمنُ منَ التدليسِ، والبعدِ منَ الانقطاعِ.
قولُهُ في شرحِهِ: (سواء كانتِ الصفةُ للرواةِ) (٢) أو حالة لهم / ٢٧٥ أ /، ثمَّ إنَّ صفاتهم وأحوالهم، أقوالًا وأفعالًا، ونحو ذلكَ تنقسمُ إلى مالا نحصيهِ، ثم قالَ: ومن ذلكَ، أي: ما يكونُ صفةً للروايةِ والتحملِ، أخبرنا والله فلان إلى آخره، ثم قال: في أشباهٍ لذلكَ نرويها، وتروى كثيرة.
قولُهُ: (ابنُ شعيبٍ الكسائيُّ) (٣) وجدَ عنِ المصنِّف في حاشية، أنهُ هكذا وقعَ في أصلِهِ، وصوابُهُ: «الكَيْساني» بتحتانية بعد الكافِ المفتوحةِ، وموضع الهمزة نون (٤).
قولُهُ: (كالحديثِ المسلسلِ) (٥) كافه زائدةٌ، وأصلُ الكلامِ مثالهُ الحديث، وهكذا كلّ موضع وردتْ فيهِ هذه العبارةُ. وكذا قولُهُ: «كقولِ كلٍّ منْ رواتهِ» (٦)، وكذا قوله: «وكحديثِ تسلسلِ قصِّ الأظفارِ» (٧).
_________________
(١) الاقتراح: ٢١٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٢.
(٤) وقد ذكر المزي في " تهذيبه " ٣/ ١٥٨ فيمن روى عن سعيد الأدم: سليمان بن شعيب الكيساني كما أثبت البقاعي - ﵀ -، وكذا ورد في " السير " ٨/ ٢٨٧، و" كنز العمال " ١/ ٣٥١، وفي " تاريخ دمشق " ٢٣/ ٢٠٨: «سليمان بن شعيب بن سليم بن سليمان بن كيسان الكيساني».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٤.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قولُهُ: (بل متماثلةٌ) (١) يعني: أنَّ ما ذكرهُ هنا منَ الصفاتِ القوليةِ كالمتقدمِ منَ الأحوالِ القوليةِ لا في أصلِ المتنِ، أي: كما في المسلسلِ بالأوليةِ، فإنَّ متنه صحيحٌ، وما بعد المشهورِ من سلسلتِهِ لا يصح كما يأتي.
قولُهُ: (أو أوَّلِهِ وآخره ) (٢) إلى آخر النَّوع، من كلامِ الشيخ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: «ومن المسلسلِ ما ينقطعُ تسلسلهُ في وسطِ إسنادهِ، وذلك نقصٌ فيه» (٣).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٩ - ٣٨٠ وكتب في حاشية (ف): «انتهى ما وجد مكتوبًا في سادس شوال المبارك سنة ٨٩٥».
[ ٢ / ٤٨٩ ]