بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم [وَبِه أستعين] (١) [وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ] (٢) [وَسلم] (٣)
[قَالَ شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن بهادر (٤) بن عبد الله الزَّرْكَشِيّ الشَّافِعِي الْمصْرِيّ تغمده الله تَعَالَى برحمته] (٥)
الْحَمد لله الَّذِي أَعلَى (٦) منار الْإِسْلَام بِالسنةِ وَرفع بهَا عَن الْقُلُوب الأكنة (٧) وحرس سَمَّاهَا بجهابذة (٨) الْحفاظ من الأمراد (٩) (١٠) الْجنَّة (١١) وَالصَّلَاة وَالسَّلَام
[ ١ / ٧ ]
على سيدنَا مُحَمَّد أشرف الْخلق وَقَائِدهمْ إِلَى الْجنَّة وعَلى آله وَصَحبه الَّذين جعلهم الله أَمَنَة (١) للنَّاس ومنة أما بعد
فَلَمَّا كَانَت السّنة الْوَحْي الثَّانِي بعد الْمُتَشَابه المثاني (٢) وَجب على كل ذِي [لب حفظهَا وَذكرهَا وَتَعْلِيمهَا ونشرها وَمن الْمعِين على ذَلِك] (٣) معرفَة أوضاع أصطلح عَلَيْهَا حملتها ورسوم بَينهَا نقلتها [وَقد] (٤) انتدبت (٥) لجمع ذَلِك جمَاعَة وأجمعهم لَهُ (٦) أَبُو عبد الله الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي (٧) وَأَبُو بكر
[ ١ / ٨ ]
[ابْن] (١) الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ (٢) (٣) وَأَبُو (مُحَمَّد) (٤) الرامَهُرْمُزِي (٥) (٦) وَجَاء بعدهمْ الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح فَجمع مفرقهم وحقق طرقهم وأجلب بِكِتَابَة بَدَائِع الْعجب وأتى بالنكت (٧) والنخب حَتَّى اسْتوْجبَ أَن يكْتب
[ ١ / ٩ ]
بذوب الذَّهَب وَالنَّاس كالمجمعين على أَنه لَا يُمكن وضع مثله وقصارى أَمرهم اختصاره من أَصله وَأَخْبرنِي شَيخنَا الْعَلامَة مغلطاي - رَحمَه الله تَعَالَى - أَن بعض طلبة الْعلم من المغاربة كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ ذكر لَهُ أَن الشَّيْخ شمس الدّين بن اللبان وضع عَلَيْهِ تأليفا سَمَّاهُ إصْلَاح كتاب ابْن الصّلاح وَأَنه تطلب ذَلِك دهره فَلم يجده ثمَّ شرع الشَّيْخ عَلَاء الدّين فِي التنكيت وَسَماهُ بِالِاسْمِ الْمَذْكُور لكنه لَا يشفي الغليل وَإِنَّمَا تكلم على الْقَلِيل فاستخرت الله تَعَالَى فِي تَعْلِيق عَلَيْهِ
[ ١ / ١٠ ]
فائق الْجمع شائق السّمع يكون لمستغلقه كالفتح ولمستبهمه كالشرح وَهُوَ يشْتَمل على أَنْوَاع
الأول [بَيَان] مَا أشكل ضَبطه فِيهِ من الْأَسْمَاء والأنساب واللغات
الثَّانِي حل مَا يعْقد فهمه
الثَّالِث بَيَان قيوده واحترازاته فِي الرسوم والضوابط
الرَّابِع التَّعَرُّض لتتمات أُمُور مهمة أغفلها
الْخَامِس التَّنْبِيه على أَوْهَام وَقعت لَهُ فِي النَّقْل
السَّادِس اعتراضات وأسئلة لَا بُد مِنْهَا
السَّابِع مَا هُوَ الْأَصَح فِي أُمُور أطلقها
الثَّامِن أُمُور مُسْتَقلَّة هِيَ بِالذكر أهم مِمَّا ذكره
وقصدت بذلك الرُّجُوع إِلَيْهِ عِنْد أَوْقَات درسي ومراجعتي لنَفْسي
[ ١ / ١١ ]
وَالله أسأَل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مقرنا بالفوز لجنات النَّعيم بمنه وَكَرمه
[ ١ / ١٢ ]
الصَّلَاة على ديباجة (١) الْكتاب
١ - (قَوْله) وَآل كل
وَلم يقل وآلهم تَحَرُّزًا من خلاف من منع إِضَافَته إِلَى الْمُضمر (٢)
٢ - (قَوْله) هَذَا (٣ للدخول فِي غَرَض آخر وَنَظِيره فِي التَّخَلُّص قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا وَإِن للطاغين لشر مآب﴾ (٣)
[ ١ / ١٣ ]
وَلَعَلَّ هَذَا السَّبَب فِي أَن المُصَنّف لم يذكر أما بعد وَإِن ورد أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُولهَا فِي خطْبَة (١)
- (قَوْله) يُحِبهُ ذُكُور الرِّجَال وفحلوتهم (٣ عَن الزُّهْرِيّ (٢) روينَاهُ من طَرِيق
[ ١ / ١٤ ]
الدينَوَرِي فِي كتاب المجالسة فَقَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة ثَنَا الرياشي عَن أبي يَعْقُوب الْخطابِيّ عَن عَمه قَالَ قَالَ ابْن شهَاب
[ ١ / ١٥ ]
الزُّهْرِيّ والْحَدِيث ذكر يُحِبهُ ذُكُور الرِّجَال ويكرهه مؤنثوهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَرَادَ الزُّهْرِيّ أَن الحَدِيث أرفع الْعلم وأجله خطرا كَمَا أَن الذُّكُور أفضل من الْإِنَاث (وَإِلَيْهِ يمِيل الرِّجَال) وَأهل التَّمْيِيز مِنْهُم يحبونه وَلَيْسَ كالرأي السخيف الَّذِي يُحِبهُ سخفاء [الرِّجَال] فَضرب التَّذْكِير فِي التَّأْنِيث لذَلِك مثلا
وَكَذَلِكَ شبه ابْن مَسْعُود فَقَالَ هُوَ ذكر فذكروه أَي جليل خطير فأجلوه
[ ١ / ١٦ ]
بالتذكير وَنَحْوه الْقُرْآن فخم ففخموه انْتهى
وَأنْشد الإِمَام أَبُو الْحسن سعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ فِي كتاب شرف أَصْحَاب الحَدِيث لبَعْضهِم
(رحلت أطلب [أصل] الْعلم مُجْتَهدا وزينة الْمَرْء فِي الدُّنْيَا الْأَحَادِيث)
(لَا يطْلب الْعلم إِلَّا بازل ذكر وَلَيْسَ يبغضه إِلَّا المخانيث)
وَرَأَيْت بَعضهم ذكر فِي قَوْله الزُّهْرِيّ ذكر أَنه يرْوى بِكَسْر الذَّال وتسكين الْكَاف (ع ٢) [ويروى بِفَتْحِهَا وَالْأول غَرِيب غير لَائِق بِاللَّفْظِ
[ ١ / ١٧ ]
وَفِي قَول المُصَنّف - رَحمَه الله تَعَالَى - من أفضل الْعُلُوم مَا يشْعر بِأَن غَيره يُشَارِكهُ فِي الْأَفْضَلِيَّة وَقد أطلق غَيره أَفضَلِيَّة علم الحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي فِي أول النَّوْع الثَّامِن وَالْعِشْرين
وَقَالَ حَفْص بن غياث وَقد قيل لَهُ أَلا تنظر إِلَى أَصْحَاب الحَدِيث وَمَا هم فِيهِ فَقَالَ هم خير أهل الدُّنْيَا وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش إِنِّي لأرجو أَن يكون أَصْحَاب الحَدِيث خير النَّاس قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ صدقا جَمِيعًا كَيفَ [لَا] يكون كَذَلِك وَقد نبذوا الدُّنْيَا بأسرها وَرَاءَهُمْ وَجعلُوا
[ ١ / ١٨ ]
غذاءهم الْكِتَابَة وسمرهم الْمُعَارضَة واسترواحهم المذاكرة وخلوقهم المداد ونومهم السهاد فعقولهم بلذاذة السّنة غامرة وَقُلُوبهمْ بِالرِّضَا فِي الْأَحْوَال عامرة
وَقَالَ فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ وَقد ذكر حَدِيث عَمْرو بن حزم فِي زَكَاة الْغنم - وَقد كَانَ إمامنا شُعْبَة يَقُول فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر فِي الْوضُوء لِأَن يَصح لي مثل هَذَا عَن رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ من نَفسِي وَمَالِي قَالَ (أ ٢)
[ ١ / ١٩ ]
الْحَاكِم وَذَاكَ حَدِيث فِي صَلَاة التَّطَوُّع فَكيف بِهَذِهِ السّنَن الَّتِي (هِيَ قَوَاعِد الْإِسْلَام) وَقَالَ الرّبيع سَمِعت الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول طلب الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة قَالَ الرَّافِعِيّ
[ ١ / ٢٠ ]
فِي شرح الْمسند كَأَن المُرَاد طلب علم الْآثَار ليؤخذ بهَا وتتبع وَقد اشْتهر عَن الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ علمك يتعداك وعملك لَا يتعداك
٤ - (قَوْله) ويعنى بِهِ
قلت يعْنى من الْأَفْعَال اللَّازِمَة لبِنَاء الْمَفْعُول مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْمَاضِي قَالَ فِي الْمُحكم يُقَال عناه الْأَمر واعتنى بِالْأَمر وعني قَالَ والعناية مَا يهم بِهِ الرجل هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وعَلى هَذَا فَلَا يُؤْتى مِنْهُ بِصِيغَة أفعل (د ٣) قَالَ
[ ١ / ٢١ ]
الْجَوْهَرِي وَإِذا أمرت [مِنْهُ] قلت لتعن بحاجتي وَالصَّوَاب أَنَّهُمَا لُغَتَانِ عني وعني وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا صَاحب الغريبين قَالَ يُقَال عنيت بِأَمْرك فَأَنا معني لَك وعنيت بِأَمْرك أَيْضا فَأَنا عان وَقَالَ المطرزي فِي اليواقيت يُقَال
[ ١ / ٢٢ ]
عنيت بحاجتك وعنيت بحاجتك على بنية الْفَاعِل وهما لُغَتَانِ فصيحتان قَالَ وعنيت المبنية للْمَفْعُول أصح وَفِي الحَدِيث أَنه قَالَ لرجل لقد عني الله بك قَالَ ابْن الْأَعرَابِي أَي حفظ دينك
٥ - (قَوْله) إِلَّا رذالتهم وسفلتهم
الرذالة بِضَم الرَّاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ الرَّدِيء والرذل الدون الخسيس قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أساس البلاغة رجل رذل ومرذول وَهُوَ الدون فِي
[ ١ / ٢٣ ]
منظره وحالاته وَقد رذل رذولة ورذالة ورذل ورذل وَقوم أرذال والسفلة - بِفَتْح السِّين وَكسر الْفَاء - هم السقاط من النَّاس قَالَ الْجَوْهَرِي وَلَا يُقَال هُوَ سفلَة لِأَنَّهَا جمع والعامة تَقول رجل سفلَة من قوم سفل قَالَ ابْن السّكيت وَبَعض يُخَفف فَيَقُول سفلَة فينقل كسرة الْفَاء إِلَى السِّين وَكسر الْفَاء وَهُوَ اسْم جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه
[ ١ / ٢٤ ]
٦ - (قَوْله) لَا سِيمَا
قَالَ ثَعْلَب يلحنون فِيهِ لحنات يحذفون الْوَاو مِنْهُ وحرف النَّفْي ويحققون تاءه وَلَا يجوز اسْتِعْمَاله إِلَّا كَمَا جَاءَ فِي قَوْله وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل
[ ١ / ٢٥ ]
لَكِن ذكر غَيره أَنَّهَا تخفف وتحذف الْوَاو كَقَوْلِه
([فه] بِالْعُقُودِ وبالأيمان لَا سِيمَا عقد (وَفَاء بِهِ) من أعظم القر)
بل قَالَ السخاوي يجوز حذف النَّفْي مِنْهُ قِيَاسا على قَوْله تَعَالَى ﴿تالله تفتأ﴾ أَي لَا تفتؤ
وَيجوز فِي قَول المُصَنّف لَا سِيمَا الْفِقْه جر الْفِقْه على الْإِضَافَة وَمَا زَائِدَة وَرَفعه على أَنه خبر لمضمر مَحْذُوف وَمَا مَوْصُولَة أَي وَلَا مثل الَّذِي هُوَ الْفِقْه وَلَا يجوز النصب إِمَّا حَال أَو تَمْيِيز وَلَا يكونَانِ إِلَّا فِي النكرَة وَهُوَ هُنَا معرفَة
[ ١ / ٢٦ ]
وَبِالثَّلَاثَةِ رُوِيَ الْبَيْت السَّابِق لِأَن مَا بعْدهَا نكرَة
٧ -[(قَوْله) عَظِيما عَظِيمَة جموع طلبته]
أما عَظِيما فنصبه لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَأما عَظِيمَة فَفِي نَصبه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه خبر ثَان لَكَانَ ثَانِيهمَا أَنه بدل مِمَّا قبله وساغ ذَلِك وَإِن كَانَ عَظِيمَة مؤنثا لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مُذَكّر] واكتسب التَّأْنِيث مِمَّا بعده أَو لِأَنَّهُ جرى على غير من هُوَ لَهُ وجموع مَرْفُوع بعظيمة لِأَنَّهُ صفة مشبهة فَيعْمل عمل الْفِعْل وَأَصله مُعظم جموع حَملته وَلَقَد كَانَ شَأْن الحَدِيث فِيمَا مضى عَظِيما عَظِيمَة جموع طلبته رفيعة مقادير حفاظه وَحَمَلته
قلت وَهَذَا شَيْء كالمتواتر عِنْد من نظر تراجمهم وأحوالهم قَالَ أَبُو سعد
[ ١ / ٢٧ ]
السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء
حَدثنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الطاهري بِبَغْدَاد أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الْحَافِظ ثَنَا أَبُو مُحَمَّد الْخلال قَالَ ذكر أَبُو الْقَاسِم مَنْصُور ابْن جَعْفَر بن ملاعب أَن إِسْمَاعِيل بن عَليّ العاصمي حَدثهمْ ثَنَا
[ ١ / ٢٨ ]
عمر بن حَفْص قَالَ وَجه المعتصم من يحزر مجْلِس عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم فِي رحبة النّخل الَّتِي فِي جَامع الرصافة قَالَ وَكَانَ عَاصِم بن عَليّ
[ ١ / ٢٩ ]
يجلس على سطح المسقطات وينتشر النَّاس فِي الرحبة وَمَا يَليهَا فيعظم الْجمع جدا حَتَّى سمعته يَوْمًا يَقُول ثَنَا اللَّيْث بن سعد ويستعاد فَأَعَادَ أَربع عشرَة مرّة وَالنَّاس لَا يسمعُونَ قَالَ وَكَانَ هَارُون الْمُسْتَمْلِي يركب نَخْلَة معوجة ويستملي عَلَيْهَا فَبلغ المعتصم كَثْرَة الْجمع فَأمر من يحزرهم فَوجه بقطاعي الْغنم فحزروا الْمجْلس عشْرين ألفا وَمِائَة ألف ثمَّ روى أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ كَانَ
[ ١ / ٣٠ ]
يجلس بِبَغْدَاد ويجتمع فِي مَجْلِسه أَكثر من عشْرين ألفا وَقَالَ ابْن عدي كُنَّا نشْهد مجْلِس الْفرْيَابِيّ وَفِيه عشرَة آلَاف وَأكْثر قَالَ وبخط وَالِدي عد فِي مجْلِس السَّيِّد أبي الْحسن الْعلوِي ألف محبرة قَالَ فرحم الله تَعَالَى السّلف
[ ١ / ٣١ ]
الماضين كَانَ الْعلم مَطْلُوبا فِي زمانهم والرغبات متوافرة والجموع متكاثرة والآن خمدت ناره وَقل شراره وكسد سوقه حَتَّى سَمِعت أَبَا حَفْص عمر بن ظفر المغازلي - مذاكرة - يَقُول (أ ٣) فَرغْنَا من إملاء الشَّيْخ أبي الْفضل بن يُوسُف فطلبنا محبرة نكتب مِنْهَا أسامي من حضر فَمَا وجدنَا انْتهى قلت فزماننا هَذَا الَّذِي كسد فِيهِ الْعلم وبار وَوَلَّتْ عساكره الأدبار فَكَأَنَّهُ برق تألق بالحمى ثمَّ انطوى مَكَانَهُ لم يلمع
وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ المُصَنّف من تَعْظِيم حَملته فَهُوَ أشهر من أَن يذكر قَالَ عَبْثَر بن
[ ١ / ٣٢ ]
الْقَاسِم أشرفت أم ولد هَارُون الرشيد بالرقة ذَات يَوْم من الْقصر فرأت الغبرة قد ارْتَفَعت وَالنعال قد انْقَطَعت وانجفل النَّاس فَقَالَت مَا هَذَا قَالُوا عَالم من خُرَاسَان يُقَال لَهُ عبد الله بن الْمُبَارك قَالَت هَذَا وَالله الْملك لَا ملك هَارُون الَّذِي لَا يجمع النَّاس إِلَّا بِالسَّوْطِ والخشب
وروينا عَن الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أربعينه
[ ١ / ٣٣ ]
بِإِسْنَادِهِ إِلَى يحيى بن أَكْثَم قَالَ لي الرشيد مَا أنبل الْمَرَاتِب قلت مَا أَنْت فِيهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أفتعرف أجل مني قلت لَا قَالَ لكني أعرف رجلا فِي حَلقَة يَقُول حَدثنَا فلَان عَن فلَان عَن رَسُول الله ﷺ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا خير مِنْك وَأَنت ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَولي عهد الْمُسلمين قَالَ نعم وَيلك هَذَا خير مني لِأَن اسْمه مقترن باسم رَسُول الله ﷺ لَا يَمُوت أبدا وَنحن نموت ونفنى وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس
[ ١ / ٣٤ ]
سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن العميد يَقُول مَا كنت أَظن أَن فِي الدُّنْيَا حلاوة ألذ من الرِّئَاسَة والوزارة الَّتِي أَنا فِيهَا حَتَّى شاهدت مذاكرة سُلَيْمَان بن أَحْمد الطَّبَرَانِيّ وَأبي بكر بن الجعابي بحضرتي فَكَانَ الطَّبَرَانِيّ يغلب ابْن الجعابي بِكَثْرَة حفظه (د ٤) وَأَبُو بكر الجعابي يغلب الطَّبَرَانِيّ بفطنته وذكائه حَتَّى ارْتَفَعت أصواتهما وَلَا يكَاد أَحدهمَا يغلب صَاحبه فَقَالَ ابْن الجعابي عِنْدِي حَدِيث لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا عِنْدِي فَقَالَ هاته فَقَالَ حَدثنَا أَبُو خَليفَة ثَنَا سُلَيْمَان
[ ١ / ٣٥ ]
ابْن أَيُّوب فَحدث بِالْحَدِيثِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيّ أَنا سُلَيْمَان بن أَيُّوب ومني سمع أَبُو خَليفَة فاسمع مني حَتَّى يَعْلُو إسنادك فَإنَّك تروي عَن أبي خَليفَة عني فَخَجِلَ ابْن الجعابي وغلبه الطَّبَرَانِيّ [فوددت أَن الوزارة لم تكن وَكنت أَنا الطَّبَرَانِيّ] وفرحت مثل الَّذِي فَرح الطَّبَرَانِيّ (ع ٣) قلت رَوَاهُ الْخَطِيب قَالَ حَدثنِي أَبُو النجيب عبد الْغفار بن عبد الْوَاحِد الأرموي سَمِعت الْحسن بن عَليّ الْمُقْرِئ
[ ١ / ٣٦ ]
سَمِعت ابْن فَارس فَذكره قَالَ وَأَنا بِالْحَدِيثِ أَبُو نعيم الْحَافِظ حَدثنِي أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن مُوسَى الملحمي أَنا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب ثَنَا سُلَيْمَان ابْن أَحْمد بن أَيُّوب اللَّخْمِيّ ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر نَا عَليّ بن الْمَدِينِيّ ثَنَا وهب ابْن جرير عَن أَبِيه
[ ١ / ٣٧ ]
عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ لما توفّي أَبُو طَالب خرج النَّبِي ﷺ مَاشِيا على قَدَمَيْهِ إِلَى الطَّائِف فَدَعَاهُمْ إِلَى الله فَلم يُجِيبُوهُ فَأتى ظلّ شَجَرَة فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك ضعف قوتي الحَدِيث
٨ - (قَوْله) وأفنان فنونه ببقائهم غضة
الأفنان جمع فنن والأفانين جمع الْجمع قَالَ فِي الصِّحَاح وَهِي أَجنَاس
[ ١ / ٣٨ ]
الْكَلَام وطرقه والفنون جمع فن وَهُوَ النَّوْع وأفنت الشَّجَرَة صَارَت ذَات أفنان أَي أَغْصَان
٩ - (قَوْله) ومغانية بأَهْله آهلة
المغاني - بالغين الْمُعْجَمَة - كَذَا الرِّوَايَة عَن خطّ الْمُؤلف وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ بهَا أهلوها وأحدها مُغنِي كَذَا قَالَه فِي الصِّحَاح وعَلى هَذَا فاستعمال المُصَنّف فِيهِ تجوز بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ
١٠ - (قَوْله) إِنَّمَا هم شرذمة
بإعجام الذَّال (أ ٤) وَيجوز إهمالها قَالَه ابْن دحْيَة
[ ١ / ٣٩ ]
١١ - (قَوْله) لَا تعنى على الْأَغْلَب فِي تحمله بِأَكْثَرَ من سَمَاعه غفلا وَلَا تتعنى فِي تَقْيِيده بِأَكْثَرَ من كِتَابَته عطلا
قلت الظَّاهِر أَن غفلا وعطلا حالان من الْفَاعِل وَهُوَ إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَا جمعين بِتَأْوِيل غافلين وعاطلين وَلَيْسَ كَذَلِك بل هما من صِفَات الْمُفْرد وَيجمع غفل على أغفال كقفل وأقفال هَذَا هُوَ الْمَنْقُول فِي اللُّغَة وَفِي الصِّحَاح أَرض غفل لَا علم بهَا وَلَا أثر عمَارَة وَقَالَ الْكسَائي أَرض غفل لم تمطر وَرجل غفل لم يجرب الْأُمُور وَيحْتَمل أَن ينزل كَلَام المُصَنّف على أَنَّهُمَا حالان من الْمَفْعُول وَهُوَ المسموع أَي خاليتين
وعطل - بِضَمَّتَيْنِ - وَيجوز إسكان الطَّاء وَمَعْنَاهُ الْخُلُو من الشَّيْء وأصل
[ ١ / ٤٠ ]
اسْتِعْمَاله فِي الخلي وَيُقَال عطل من المَال وَالْأَدب فَهُوَ عطل
وَأَشَارَ المُصَنّف بذلك إِلَى أَن الإقتصار على السماع وَالْكِتَابَة أدنى درجاته وَقد بَين [الإِمَام] الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو شامة الْمَقْدِسِي مَا المُرَاد بِعلم الحَدِيث فَقَالَ فِي كِتَابه المقتفى فِي مبعث الْمُصْطَفى ﷺ عُلُوم الحَدِيث الْآن ثَلَاثَة أشرفها حفظ متونه وَمَعْرِفَة غريبها وفقهها
وَالثَّانِي حفظ أسانيدها وَمَعْرِفَة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها
وَهَذَا كَانَ مهما وَقد كفيه المشتغل بِالْعلمِ بِمَا صنف وَألف من
[ ١ / ٤١ ]
الْكتب فَلَا فَائِدَة تَدْعُو إِلَى تَحْصِيل مَا هُوَ حَاصِل
وَالثَّالِث جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وَطلب الْعُلُوّ فِيهِ والرحلة إِلَى الْبلدَانِ والمشتغل بِهَذَا مشتغل عَمَّا هُوَ الأهم من علومه النافعة فضلا عَن الْعَمَل بِهِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب الأول قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ إِلَّا أَن هَذَا لَا بَأْس بِهِ للبطالين لما فِيهِ من إبْقَاء سلسلة العنعنة الْمُتَّصِلَة بأشرف الْبشر ﷺ فَهِيَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَمِمَّا يزهد فِي ذَلِك أَن فِيهِ يتشارك الصَّغِير وَالْكَبِير والبليد
[ ١ / ٤٢ ]
والفاهم وَالْجَاهِل والعالم وَقد قَالَ الْأَعْمَش [حَدِيث يتداوله الْفُقَهَاء أحب إِلَيّ من] حَدِيث يتداوله الشُّيُوخ وَلَام إِنْسَان أَحْمد - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - فِي حُضُور مجْلِس الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَتَركه مجْلِس سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ لَهُ أَحْمد - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - اسْكُتْ فَإِن فاتك حَدِيث بعلو تَجدهُ بنزول وَلَا يَضرك وَإِن فاتك عقل هَذَا الْفَتى أَخَاف أَلا تَجدهُ
[ ١ / ٤٣ ]
وَسُئِلَ الجعابي أَكَانَ ابْن صاعد يحفظ فَقَالَ لَا يُقَال لأبي مُحَمَّد كَانَ يحفظ كَانَ يدْرِي انْتهى وَقَالَ ابْن يُونُس فِي شرح التَّعْجِيز إِذا أوصِي للمحدث تنَاول من علم طرق إِثْبَات الحَدِيث وعدالة رِجَالهمْ لِأَن من اقْتصر على السماع فَقَط لَيْسَ بعالم
[ ١ / ٤٤ ]
وَقَالَ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان - وَكَانَ من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن رِوَايَة ودراية - (ع ٤) وَلَقَد سلك أهل هَذِه الْبِلَاد فِي سَماع الحَدِيث طَرِيقا غير الطَّرِيق الَّتِي سلكها أهل الأندلس من سماعهم على الْعَوام الْجَاهِلين مَا يقْرَأ عَلَيْهِم وعَلى الْفُسَّاق والمتظاهرين بِالْفِسْقِ ويسمعون بِقِرَاءَة اللحانين الَّذين لَا يُقِيمُونَ الْإِعْرَاب فَيدْخلُونَ فِي حَدِيث من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
[ ١ / ٤٥ ]
وَأما نَحن فِي بِلَادنَا فَلَا نسْمع الحَدِيث وَلَا نرويه إِلَّا عَن أهل الْعلم وَالْعَدَالَة وبقراءة المعربين وَلَا يحضر الْأَطْفَال السماع حَتَّى يكون الشَّخْص مِنْهُم يعقل مَا يسمع وَيفهم أَكْثَره وكل مشتغل بِعلم من الْعُلُوم فَلَا بُد أَن يتَحَقَّق بِهِ أَو يكثر مِنْهُ إِلَّا أهل الحَدِيث فَإِن أَكْثَرهم عوام وَلم يمثل أحد مِنْهُم بَين يَدي عَالم وَلَا مقرئ وَلَا نحوي وَلَا لغَوِيّ وَلَا أديب وَلَا عروضي وَلَا فَقِيه وَلَا أصولي إِنَّمَا ينشأ الْوَاحِد مِنْهُم وَقد علم الْخط من الْكتاب فيعلقه عَامي مثله بِسَمَاع الحَدِيث وتطول قِرَاءَته [بِحَيْثُ] يحصل لَهُ أَنه إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُوله بِالرَّفْع وَإِذا قَالَ إِن فَيَقُول رَسُول الله بِالنّصب من كَثْرَة مَا يرد لَهُ (أ ٥) ذَلِك فِي قِرَاءَة
[ ١ / ٤٦ ]
الحَدِيث فَإِذا أَكثر من السماع لحقه من الزهو وَالْكبر مَا جعله يَعْلُو بِهِ (د ٥) على الأفاضل وَالْعُلَمَاء وَصَارَ لَهُ تَمْيِيز عَليّ الصّبيان الَّذين يسمعهم وَأكْثر علمه أَن يعرف أَن الْجُزْء الْفُلَانِيّ يرويهِ الشَّيْخ الْعَاميّ فلَان وَأَن موفقيه مثلا انْفَرَدت بِالسَّمَاعِ عَن الثِّقَات وَابْن دِينَار وَأَن فَخر الدّين بن البُخَارِيّ آخر من حدث بِالْإِجَازَةِ عَن أبي طَالب الخشوعي وَنَحْو ذَلِك من غير حفظ لإسناد وَلَا متن
[ ١ / ٤٧ ]
وَلَا بحث فِي مُشكل والفاضل مِنْهُم الْكَبِير الْقدر هُوَ الَّذِي يفرق بَين بعض مَا يشكل كعيينة وعتيبة وبريد وَيزِيد وهيهات لَيْسَ علم الحَدِيث هَذَا فَقَط أَلا ترى إِلَى محدثي الصَّدْر الأول كَيفَ كَانُوا فِي مفاوتهم كسفيان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَيحيى بن معِين وأنظارهم وَبعد هَذَا كُله
[ ١ / ٤٨ ]
فَإنَّا لما وردنا مصر وجدناهم يروون عَن كل من دب ودرج فسلكنا مسلكهم وانتظمنا فِي سلكهم فسمعنا على من سمعُوا وروينا عَمَّن رووا وَيُقَال إِذا كنت فِي قوم عور فغمض عَيْنك حَتَّى تعد أَعور وَقد أَنْشدني أَبُو الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم السيحاني لنَفسِهِ
(إِن الَّذِي يروي وَلكنه يجهل مَا يروي وَمَا يكْتب)
(كصخرة تنبع أمواهها تَسْقِي الْأَرَاضِي وَهِي لَا تشرب)
هَذَا آخر كَلَام الشَّيْخ
وَقَالَ الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ قَالَ سُفْيَان
[ ١ / ٤٩ ]
(الثَّوْريّ) لَيْسَ طلب الحَدِيث من عدَّة الْمَوْت لكنه علم يتشاغل بِهِ الرِّجَال صدق فِيمَا قَالَ لِأَن طلب الحَدِيث شَيْء غير الحَدِيث فَطلب الحَدِيث اسْم عرفي لأمور [زَائِدَة على] تَحْصِيل مَاهِيَّة الحَدِيث وَكثير مِنْهَا مراقي إِلَى الْعلم وأكثرها أُمُور شغف بهَا الْمُحدث من تَحْصِيل النّسخ المليحة وتطلب [الْإِسْنَاد] العالي وتكثير الشُّيُوخ والفرح بِالْأَلْقَابِ (وَالثنَاء) وتمني الْعُمر الطَّوِيل ليروي وَحب التفرد إِلَى أُمُور عديدة لَازِمَة للأغراض النفسانية لَا للأعمال الربانية فَإِذا كَانَ طَلَبك للْحَدِيث النَّبَوِيّ محفوفا بِهَذِهِ الْآفَات فَمَتَى خلاصك مِنْهَا إِلَى الْإِخْلَاص وَإِذا كَانَ [طلب]
[ ١ / ٥٠ ]
علم الْآثَار مَدْخُولا فَمَا ظَنك (بِعلم الْمنطق والجدل وَحِكْمَة الْأَوَائِل) الَّتِي تنكث الْإِيمَان وتورث الشكوك الَّتِي لم تكن - وَالله - فِي عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بل كَانَت علومهم الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْفِقْه انْتهى
وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء أَنا أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن بنت منيع قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل أَن يكْتب [كتابا إِلَى سُوَيْد بن سعيد الحدثاني فَكتب هَذَا رجل يكْتب] الحَدِيث فَقلت يَا أَبَا عبد الله لَو كتبت
[ ١ / ٥١ ]
من أهل الحَدِيث فَقَالَ أهل الحَدِيث عندنَا من يسْتَعْمل الحَدِيث وَقَالَ عَمْرو بن قيس الْملَائي (ع ٥) إِذا بلغك شَيْء من الحَدِيث فاعمل بِهِ وَلَو مرّة تكن من أَهله
وَقَالَ وَكِيع إِذا أردْت أَن تحفظ الحَدِيث فاعمل بِهِ وَقَالَ بشر بن الْحَارِث الحافي
[ ١ / ٥٢ ]
يَا اصحاب الحَدِيث أَدّوا زَكَاة [هَذَا] الحَدِيث اعْمَلُوا من كل مِائَتي حَدِيث بِخَمْسَة أَحَادِيث
وَسُئِلَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح بن سيد النَّاس عَن حد الْمُحدث والحافظ فَأجَاب بِأَن الْمُحدث فِي عصرنا هُوَ من اشْتغل بِالْحَدِيثِ رِوَايَة ودراية وَكِتَابَة واطلع على كثير من الروَاة وَالرِّوَايَات فِي عصره وتبصر بذلك حَتَّى حفظه واشتهر فِيهِ ضَبطه فَإِن انبسط فِي ذَلِك وَعرف أَحْوَال من تقدم شُيُوخه وشيوخ شيوخهم طبقَة طبقَة بِحَيْثُ تكون السَّلامَة من الْوَهم فِي الْمَشْهُورين غالبة وَيكون مَا يُعلمهُ من أَحْوَال الروَاة كل طبقَة أَكثر مِمَّا يجهله فَهَذَا حَافظ وَأما مَا نقل عَن الْمُتَقَدِّمين فِي ذَلِك من سَعَة الْحِفْظ فِيمَن (أ ٦) يُسمى حَافِظًا والدأب فِي الطّلب الَّذِي لَا يسْتَحق الطَّالِب أَن
[ ١ / ٥٣ ]
يُطلق عَلَيْهِ مُحدث إِلَّا بِهِ كَمَا قَالَ بَعضهم كُنَّا لَا نعد صَاحب حَدِيث من لم يكْتب عشْرين ألف حَدِيث إملاء [فَذَلِك بِحَسب أزمنتهم]
قلت وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ فِي تَارِيخه عَن أبي نصر الْحُسَيْن بن عبد الْوَاحِد الشِّيرَازِيّ قَالَ الْعَالم الَّذِي يعرف الْمَتْن والإسناد جَمِيعًا والفقيه الَّذِي يعرف الْمَتْن وَلَا يعرف الْإِسْنَاد والحافظ الَّذِي يعرف الْإِسْنَاد [وَلَا يعرف الْمَتْن والراوي الَّذِي لَا يعرف الْمَتْن وَلَا يعرف الْإِسْنَاد] وَلَعَلَّ هَذَا اصْطِلَاح خَاص وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه الْجَامِع الْوَصْف بِالْحِفْظِ على الْإِطْلَاق ينْصَرف إِلَى أهل الحَدِيث خَاصَّة وَهُوَ سمة لَهُم لَا يتعداهم وَلَا يُوصف بهَا أحد سواهُم لِأَن الرَّاوِي يَقُول حَدثنَا فلَان الْحَافِظ فَيحسن مِنْهُ إِطْلَاق ذَلِك إِذا كَانَ مُسْتَعْملا عِنْدهم يُوصف [بِهِ] عُلَمَاء أهل النَّقْل ونقادهم وَلَا يَقُول الْقَارئ لَقَّنَنِي فلَان الْحَافِظ وَلَا يَقُول الْفَقِيه درسني فلَان الْحَافِظ وَلَا يَقُول النَّحْوِيّ عَلمنِي فلَان
[ ١ / ٥٤ ]
الْحَافِظ فَهِيَ أَعلَى صِفَات الْمُحدثين وأسمى دَرَجَات الناقلين من وجدت فِيهِ قبلت اقاويله وَسلم لَهُ تَصْحِيح الحَدِيث وتعليله غير أَن الْمُسْتَحقّين لَهَا يقل معدودهم ويعز بل يتَعَذَّر وجودهم [فهم] فِي قلتهم بَين المنتسبين إِلَى مقالتهم أعز من مَذْهَب السّنة بَين سَائِر الأراء والنحل [و] أقل من عدد الْمُسلمين فِي مُقَابلَة جَمِيع أهل الْملَل
١٢ - (قَوْله) وَهَذِه فهرست أَنْوَاعه
قلت يَقُولُونَ فهرست - بِفَتْح السِّين - وَجعل التَّاء فِيهِ للتأنيث ويقفون عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَالصَّوَاب كَمَا قَالَه ابْن مكي فِي تثقيف اللِّسَان فهرست - بِإِسْكَان السِّين - وَالتَّاء فِيهِ أَصْلِيَّة وَمَعْنَاهَا [فِي اللُّغَة] جملَة الْعدَد [للكتب] لَفْظَة
[ ١ / ٥٥ ]
فارسية وَاسْتعْمل النَّاس فِيهَا فهرس الْكتب يفهرسها فهرسة مثل دحرج وَإِنَّمَا الفهرست اسْم جملَة الْمَعْدُود والفهرسة الْمصدر كالفدلكة يُقَال فدلكت الْحساب إِذا وقفت على جملَته
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَنْوَاع خَمْسَة وَسِتُّونَ ثمَّ قَالَ إِنَّه يقبل التنويع لأكْثر من ذَلِك
وَفِيه أُمُور
أَحدهَا أَنه قد يدعى رُجُوع بَعْضهَا إِلَى بعض فَيحصل التَّدَاخُل فَيدْخل تَحت الصَّحِيح الْمُتَّصِل والمسند وَالْمَرْفُوع والمعلل والشاذ وَالْمُنكر وَكَذَلِكَ الْمَرَاسِيل الْخَفي إرسالها - نوع من الْمُرْسل - وَكَذَلِكَ المدرج - وَهُوَ نوع من التَّدْلِيس - وَكَذَلِكَ الْأَفْرَاد ترجع إِلَى الشاذ وَزِيَادَة الثِّقَة
[ ١ / ٥٦ ]
وَيُجَاب بِأَنَّهُ لما كَانَ فِي مقَام تَعْرِيف الجزئيات انْتَفَى التَّدَاخُل لاخْتِلَاف حقائقها فِي أَنْفسهَا بِالنِّسْبَةِ (د ٦) إِلَى الِاصْطِلَاح وَإِن كَانَت ترجع إِلَى قدر مُشْتَرك
الثَّانِي أَنه لم يرتب الْجَمِيع على نسق وَاحِد فِي الْمُنَاسبَة فَإِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر بعد الْمسند الْمُنْقَطع والمرسل والمعضل وَيذكر الْمَشْهُور والغريب والعزيز قبل أَحْوَال الروَاة وَغير ذَلِك
الثَّالِث أَنه أهل أنواعا أخر قَالَ الْحَازِمِي
[ ١ / ٥٧ ]
فِي كتاب العجالة [اعْلَم] أَن علم الحَدِيث (ع ٦) يشْتَمل على أَنْوَاع كَثِيرَة تقرب من مائَة نوع وكل نوع مِنْهَا علم مُسْتَقل لَو أنْفق الطَّالِب فِيهِ عمره لما أدْرك نهايته لَكِن الْمُبْتَدِئ يحْتَاج أَن يستطرف من كل نوع لِأَنَّهَا أصُول الحَدِيث انْتهى وَأَقُول
الأول من لم يرو إِلَّا عَن شخص وَاحِد وَهَذَا اظرف من عَكسه الَّذِي ذكره وأندر وَمن ذَلِك عبد الحميد بن أبي الْعشْرين عَن الْأَوْزَاعِيّ
[ ١ / ٥٨ ]
وَمِنْه عَاصِم بن ضَمرَة قَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده لَا نعلمهُ روى إِلَّا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ صَالح الحَدِيث
وَمِنْه صَيْفِي مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ يروي عَن أبي السَّائِب فِي قتل الْحَيَّة
[ ١ / ٥٩ ]
قَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة (أ ٧) إِلَّا عَن أبي السَّائِب قلت قد روى عَن أبي الْيُسْر السّلمِيّ خرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد
[ ١ / ٦٠ ]
وَالنَّسَائِيّ فِي الدُّعَاء وَمِنْه عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعنهُ الزُّهْرِيّ من رجال الصَّحِيحَيْنِ
قَالَ الْخَطِيب فِي مكمله لَا أعلم روى عَنهُ سوى الزُّهْرِيّ وَلَا أعلمهُ حدث عَن غير ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
[ ١ / ٦١ ]
الثَّانِي رِوَايَة الصَّحَابَة بَعضهم عَن بعض وَقد أدرجه المُصَنّف فِي المدبج ثمَّ هُوَ على قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يُنَبه عَلَيْهِ عِنْد رِوَايَته وَهُوَ كثير
الثَّانِي أَن لَا يُنَبه حِينَئِذٍ وَلَكِن إِذا سُئِلَ عَنهُ ذكره كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَن أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ لما سُئِلَ عَنهُ أَحَالهُ على الْفضل بن عَبَّاس
[ ١ / ٦٢ ]
وكحديث ابْن عَبَّاس إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة (١) لما سُئِلَ عَنهُ أَحَالهُ على أُسَامَة ابْن زيد (٢)
وَفَائِدَة معرفَة هَذَا النَّوْع دفع توهم من لَا معرفَة لَهُ كَون الرَّاوِي عَن الصَّحَابِيّ تابعيا (٣) وَقد يكون فِي السَّنَد ثَلَاثَة من الصَّحَابَة يروي بَعضهم عَن بعض كَرِوَايَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان عَن مَالك بن يخَامر
- وَقد أثبت لَهُ جمَاعَة الصُّحْبَة - عَن معَاذ بن جبل حَدِيث لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي الحَدِيث وَهُوَ فِي
[ ١ / ٦٣ ]
الصَّحِيح وَقد يكون فِي السَّنَد أَرْبَعَة كالحديث الَّذِي أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد عَن حويطب بن عبد الْعُزَّى عَن [عبد الله] بن السَّعْدِيّ
[ ١ / ٦٤ ]
عَن عمر - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا آتاك الله من هَذَا المَال من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف نفس فاقبله ثمَّ قَالَ وَفِي هَذَا الحَدِيث أَرْبَعَة من الصَّحَابَة روى بَعضهم عَن بعض بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا نعلمهُ إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث انْتهى
والْحَدِيث فِي الصَّحِيح ويضاف إِلَيْهِ حَدِيث ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب فَإِنَّهُ من رِوَايَة أَرْبَعَة من الصَّحَابَة
[ ١ / ٦٥ ]
قَالَ أَبُو عَليّ الغساني فِي تَقْيِيد المهمل وَلَيْسَ فِي الصَّحِيح رِوَايَة أَرْبَعَة من الصَّحَابَة غَيرهَا وللحافظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد جُزْء فِيمَن اجْتمع فِيهِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وَأما خَمْسَة فَلم يُوجد غير حَدِيث وَاحِد رَوَاهُ عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عُثْمَان بن عَفَّان عَن عمر بن الْخطاب عَن أبي بكر الصّديق عَن بِلَال - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم - عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْمَوْت كَفَّارَة لكل مُسلم
[ ١ / ٦٦ ]
وَفِيه رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَفِيه رِوَايَة ثَلَاثَة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين
الثَّالِث رِوَايَة الصَّحَابَة عَن التَّابِعين وَقد أدرجه المُصَنّف فِي رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَقد صنف الْخَطِيب فِيهِ كتابا وَبلغ عَددهمْ نَحْو الْعشْرين وَمن مَشْهُور ذَلِك مَا أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَن جَابر بن عبد الله - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - عَن أم كُلْثُوم بنت أبي بكر عَن عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم - أَن رجلا سَأَلَ
[ ١ / ٦٧ ]
رَسُول الله ﷺ [عَن الرجل يُجَامع أَهله ثمَّ يكسل - وَعَائِشَة جالسة - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأَفْعَل ذَلِك أَنا وَهَذِه ثمَّ نغتسل] وَأم كُلْثُوم تابعية ولدت بعد موت أَبِيهَا - ﵄
الرَّابِع رِوَايَة التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَهَذَا النَّوْع لَيْسَ مَا يَقُول فِيهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم فِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة ويذكره وَمِنْه حَدِيث من يرد هوان قُرَيْش أهانه الله أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب (ع ٧) بِإِسْنَاد فِيهِ خَمْسَة من
[ ١ / ٦٨ ]
التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض
الْخَامِس معرفَة من أشترك من رجال الْإِسْنَاد فِي فقه أَو بلد أَو إقليم وَهَذَا النَّوْع نَافِع فِي التَّرْجِيح عِنْد التَّعَارُض فَإِن رِوَايَة أهل الْبَلَد بَعضهم عَن بعض أولى (أ ٨) من رِوَايَة أهل الْبَلَد عَن غَيرهم وَمن ثمَّ كَانَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حجَّة فِي الشاميين لأَنهم أهل بَلَده دون الْحِجَازِيِّينَ وَرجح الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه حَدِيثا فِي
[ ١ / ٦٩ ]
التَّيَمُّم بذلك
السَّادِس معرفَة أَسبَاب الحَدِيث قيل وَقد صنف ابْن الْجَوْزِيّ فِيهِ تصنيفا وَلم يكمله كنظير أَسبَاب نزُول الْقُرْآن الْكَرِيم وَهُوَ من أهم أَنْوَاع علم الحَدِيث
[ ١ / ٧٠ ]
وَإِنَّمَا زل كثير من الروَاة ووهموا لما لم يقفوا على ذَلِك وَقد ردَّتْ عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - على الأكابر من الصَّحَابَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم - بِسَبَب إغفالهم سَبَب الحَدِيث فَإِن قيل أَي فَائِدَة لهَذَا النَّوْع من أَن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب قيل فَائِدَته عدم تَخْصِيص مَحل السَّبَب أَو فهم الْمَعْنى من السِّيَاق كَمَا فِي حَدِيث ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة أَو غير ذَلِك
[ ١ / ٧١ ]
وَمِنْه حَدِيث اتِّخَاذ النَّبِي ﷺ خَاتمًا من فضَّة وَجعل نقشه مُحَمَّد رَسُول الله لِأَنَّهُ ﷺ كتب كتابا أَو أَرَادَ أَن يكْتب فَقيل لَهُ إِنَّهُم لَا يعْرفُونَ كتابا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتخذ خَاتمًا من فضَّة نقشه مُحَمَّد رَسُول الله كَأَنِّي أنظر إِلَى بياضه
ثمَّ السَّبَب قد ينْقل فِي الحَدِيث كَمَا فِي حَدِيث سُؤال جِبْرِيل عَن الْإِيمَان وَحَدِيث الْقلَّتَيْنِ
[ ١ / ٧٢ ]
وَقد لَا ينْقل فَهُوَ الَّذِي يجب الاعتناء بِهِ كَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة أَخْرجَاهُ من جِهَة زيد بن ثَابت وَهُوَ على سَبَب أخرجه ابْن مَاجَه عَن عبد الله (د ٧) بن سعد قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَيّمَا أفضل الصَّلَاة فِي بَيْتِي أَو الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد قَالَ أَلا ترى إِلَى بَيْتِي مَا أقربه من الْمَسْجِد فَلِأَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَن تكون صَلَاة
[ ١ / ٧٣ ]
مَكْتُوبَة
السَّابِع معرفَة التَّارِيخ الْمُتَعَلّق بِالْمَتْنِ وَهُوَ نَافِع فِي أَمر النَّاسِخ والمنسوخ كَمَا فِي حَدِيث حجامة الصَّائِم وَنَحْوهَا
وَمن فَوَائده معرفَة ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الحكم فَيظْهر بذلك حَال مَا قبله وَقد جعلُوا أَسمَاء الرِّجَال المبهمة فِي الْأَسَانِيد والمتون من فنون الحَدِيث وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا فَنًّا آخر يجمع إِلَيْهِ أَمْثَاله من المبهمات الَّتِي لَيست فِي أَسمَاء الرِّجَال كَمَا فِي
[ ١ / ٧٤ ]
سفر عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - وَانْقِطَاع عقدهَا فَإِنَّهُ ورد مُبْهما وَبَين فِي كتب التواريخ
وكما فِي سفر جَابر - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - مَعَ النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث الْجمل فَإِنَّهُ جَاءَ مُبْهما وَجَاء فِي رِوَايَة أَقبلنَا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة
وَيَنْبَغِي الاعتناء بِهَذَا النَّوْع لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِهِ فَوَائِد علمية فِي بعض الْأَحَادِيث
الثَّامِن معرفَة تفَاوت الروَاة لقَولهم هُوَ دون فلَان وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي مثل فلَان وَغير ذَلِك مِمَّا يدل على نَقصه بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره
وَهَذَا الْفَنّ يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَاب التَّرْجِيح عِنْد اخْتِلَاف الرِّوَايَة وَلَيْسَ من
[ ١ / ٧٥ ]
الْقدح فِي الرِّوَايَة الَّتِي لم تتعارض فِي شَيْء
قَالَ الشَّيْخ فِي شرح الْإِلْمَام وَهَذَا النَّوْع من الحَدِيث يَنْبَغِي أَن يعْقد لَهُ بَاب أَو يفرد لَهُ تصنيف ويعد فِي عُلُوم الحَدِيث بل هُوَ من أجلهَا للْحَاجة إِلَيْهِ فِي التَّرْجِيح وَلست أذكر الْآن أَنه فعل ذَلِك انْتهى
وَقد يُقَال بِرُجُوعِهِ إِلَى معرفَة طَبَقَات الروَاة وَقد أفردوه
التَّاسِع معرفَة الْأَوَائِل والأواخر كَقَوْلِه أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصادقة
[ ١ / ٧٦ ]
وَقد صنف فِيهِ الطَّبَرَانِيّ والعسكري وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة جملَة من ذَلِك
الْعَاشِر معرفَة الْأَصَح وَهُوَ يعْتَبر بمعنيين
أَحدهمَا أَن يكون رَوَاهُ الْعَالم الثِّقَة عَن الْعَالم الثِّقَة لِأَنَّهُ (ع ٨) قد يشْتَهر بالتوثيق من لَيْسَ بعالم
الثَّانِي أَن يكون مُعْتَبرا بِمَا ورد فِي ذَلِك الْمَعْنى من الْأَحَادِيث فِي الطَّهَارَة مثلا
[ ١ / ٧٧ ]
أَبُو البيع أَو النِّكَاح مِمَّا يجمعها بَاب وَاحِد فَيكون هُوَ أصح من غَيره فِي ذَلِك الْبَاب خَاصَّة وينفع هَذَا فِي بَاب التراجم
الْحَادِي عشر الْجمع بَين معنى الحَدِيث وَمعنى الْقُرْآن وانتزاع مَعَاني الحَدِيث من الْقُرْآن وَذكر الشَّيْخ فِي شرح الْإِلْمَام أَن بعض أكَابِر صوفية الْمغرب اعتنى بذلك [وَجمعه] مثل مَا قَالَ فِي قَوْله ﷺ من الْكَبَائِر شتم الرجل وَالِده قَالُوا يَا رَسُول الله هَل يشْتم الرجل وَالِديهِ قَالَ نعم يسب أَبَا الرجل فيسب أَبَاهُ ويسب أمه فيسب أمه
قَالَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم﴾ وَمثل قَوْله ﷺ من قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَمن قتل نَفسه بحديدة الحَدِيث قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾
[ ١ / ٧٨ ]
) وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
وَمثل قَوْله ﷺ إِنِّي لأعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ
قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة﴾ الْآيَة
[ ١ / ٧٩ ]
وَمثل قَوْله ﷺ الْمُؤمن يَأْكُل فِي معاء وَاحِد وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا يتمتعون ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام﴾ وَقَوله ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا﴾
الثَّانِي عشر الْكَلِمَات المفردة الَّتِي اخترعها النَّبِي ﷺ كَقَوْلِه فِي غَزْوَة أَوْطَاس الْآن حمى الْوَطِيس وَذَلِكَ حِين اسعرت الْحَرْب والوطيس نقرة فِي
[ ١ / ٨٠ ]
حجر توقد حوله النَّار فيطبخ بِهِ اللَّحْم والوطيس التَّنور أَيْضا
وَقَوله مَاتَ حتف أَنفه قَالَهَا فِي فضل من مَاتَ فِي سَبِيل الله رَوَاهُ عَنهُ عبد الله بن عتِيك قَالَ وَمَا سَمِعت هَذِه الْكَلِمَة من أحد من الْعَرَب قبل رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ قَالَهَا لأبي عزة
[ ١ / ٨١ ]
الجُمَحِي يَوْم أحد
وَمِنْهَا لَا ينتطح فِيهَا عنزان
[ ١ / ٨٢ ]
قَالَه حِين قتلت العصمي بنت مَرْوَان قَتلهَا بَعْلهَا لِأَنَّهَا كَانَت تسب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أشهد أَن دَمهَا هدر
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَمن هَا هُنَا يستنبط اصل التسجيل فِي الْفِقْه لِأَنَّهُ قد أشهد
[ ١ / ٨٣ ]
على نَفسه [الشَّرِيفَة] ﷺ بإمضاء الحكم
الثَّالِث عشر معرفَة الْأَمَاكِن واختلافها وَضبط أسمائها وَقد تصدى الْحَازِمِي لإفراد ذَلِك بمصنف حافل
وَمِمَّا يبْعَث على معرفَة ذَلِك أَن الْمُزنِيّ - من أَصْحَاب الشَّافِعِي - احْتج على من أصبح صَائِما مُقيما ثمَّ سَافر جَازَ لَهُ الْفطر بِحَدِيث جَابر - ﵁ - أَن رَسُول الله ﷺ خرج عَام الْفَتْح إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم فصَام النَّاس ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فشربه أخرجه مُسلم
[ ١ / ٨٤ ]
قَالُوا وَهَذَا من الْمُزنِيّ وهم ظن أَن كرَاع الغميم خَارج الْمَدِينَة قَرِيبا وَلَيْسَ كَذَلِك بل بَين الْمَدِينَة وَبَينه مسيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام
وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنه صَامَ أَيَّامًا فِي سَفَره ثمَّ أفطر وَمن العجيب فِي ذَلِك مَا وَقع لصَاحب الْإِحْيَاء حَيْثُ اسْتحبَّ الْإِجَابَة لدَعْوَة الطَّعَام وَإِن بعد الْمَكَان قَالَ لقَوْله ﷺ وَلَو دعيت إِلَى كرَاع الغميم لَأَجَبْت وَالَّذِي فِي الصَّحِيح وَلَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت من غير تَقْيِيد بالغميم وَالْمرَاد كرَاع الشَّاة الَّذِي يسمونه النَّاس بالكارع بِدَلِيل قَوْله قبله لَو أهدي إِلَيّ ذِرَاع لقبلت
[ ١ / ٨٥ ]
فَائِدَة
أول مَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم فِي الحَدِيث كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة على النَّاقِل وتعديله ثمَّ فِي مَتنه وتأويله وَإِذا تكلم فِي النَّاقِل فَلَا بُد من بَيَان اسْمه وَاسم أَبِيه وَنسبه لِئَلَّا (ع ٩) يشْتَبه الروَاة وَقد تتفق الْأَسْمَاء وتختلف النّسَب فَيَقَع التباين باختلافهما كطلحة بن يحيى وَطَلْحَة بن يحيى أَحدهمَا قرشي وَالْآخر أَنْصَارِي زرقي وَمَا أقبح بِالرجلِ أَن يَقُول عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارئ - مَهْمُوز - فينسبه إِلَى الْقِرَاءَة وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَى القارة وَإِذا علم
[ ١ / ٨٦ ]
الْمُحدث الْأَنْسَاب كَانَ متحرزا من تغييرها متثبتا لَدَى (د ٨) تكريرها وَحدث رجل عَن ابْن عَائِشَة عَن سعيد الْجريرِي فَقيل لَهُ فَقَالَ بقلة دينه كَانَ يَبِيع الجرار ثمَّ صَار يَبِيع الْجَرِير فَقيل لَهُ هَذَا رجل من الْعَرَب من بني جرير فَقَالَ فعل الله بالعرب مَا أقبح أسماءها
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني فِي كتاب شرف الْمُحدثين وَقد خص الله تَعَالَى هَذِه الْأمة بِثَلَاثَة اشياء لم يُعْطهَا من قبلهَا
الْإِسْنَاد وَالْإِعْرَاب والأنساب
[ ١ / ٨٧ ]
(النَّوْع الأول)
١٣ - (قَوْله) اعْلَم علمك اله وإياي
قيل كَانَ يَنْبَغِي أَن يعكس فَإِن السّنة فِي الْبدَاءَة بِالدُّعَاءِ بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن نوح وَإِبْرَاهِيم - ﵉ - ﴿رب اغْفِر لي ولوالدي﴾ وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن أبي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا ذكر أحدا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفسِهِ قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح
قلت يحْتَمل أَن يكون الْآيَة والْحَدِيث محمولين على مَا إِذا كَانَ الْمَدْعُو بِهِ وَاحِدًا وَهُوَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الدُّعَاء للمتعلم بِأَصْل التَّعْلِيم وللمعلم بِالزِّيَادَةِ على مَا علمه وَلِهَذَا قدم الدُّعَاء للمتعلم لِأَنَّهُ أحْوج مِمَّن علم
وَأما قَول من قَالَ إِن هَذَا الحَدِيث مُطلق يُقَيِّدهُ الحَدِيث الآخر وَكَانَ إِذا
[ ١ / ٨٨ ]
ذكر احدا من الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفسِهِ رَحْمَة الله علينا وعَلى أخي هَذَا فمردود لِأَن الأول عَام لوُقُوعه نكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط وَالثَّانِي ذكر فِيهِ بعض أَفْرَاد الْعَام وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص على الصَّحِيح ثمَّ هُوَ مُشكل بِالْحَدِيثِ الآتيرحم الله مُوسَى وَقَالَ النَّخعِيّ كَانُوا يَقُولُونَ إِذا دَعَوْت فابدأ بِنَفْسِك فَإنَّك لَا تَدْرِي فِي أَي دعائك يُسْتَجَاب لَك فقد بَين الْعلَّة فِي ذَلِك وَقد ترْجم البُخَارِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات على من خص أَخَاهُ بِالدُّعَاءِ دون نَفسه وَإِذا جَازَ الْإِفْرَاد فَلِأَن يجوز التَّقْدِيم عِنْد الِاجْتِمَاع من بَاب أولى وَأورد قَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِر لِعبيد بن عَامر اللَّهُمَّ اغْفِر لعبد الله بن قيس ذَنبه وَقَالَ فِي عَامر بن الْأَكْوَع يرحمه الله وَقَالَ فِي أنس اللَّهُمَّ أَكثر مَاله
[ ١ / ٨٩ ]
وَولده وَبَارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته وَقَالَت عَائِشَة سمع النَّبِي ﷺ رجلا [يقْرَأ] فِي الْمَسْجِد فَقَالَ ﵀ لقد اذْكُرْنِي كَذَا وَكَذَا آيَة اسقطتهن وَقَالَ يرحم الله مُوسَى لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر
وَهَذِه الاحاديث كلهَا تدل على أَن حَدِيث التِّرْمِذِيّ السَّابِق لَيْسَ على عُمُومه
[ ١ / ٩٠ ]
فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَبِه يحصل الْجَواب عَن المُصَنّف
١٤ - (قَوْله) إِن الحَدِيث عِنْد أَهله يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف
وَفِيه أَمْرَانِ
أَحدهمَا قد اعْترض عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحصْر فَإِنَّهُ سَيَأْتِي انقسامه أَيْضا إِلَى مُرْسل ومنقطع ومعضل وَمَوْقُوف وَغير ذَلِك من الْأَنْوَاع
وَالظَّاهِر أَنه لما كَانَ كل قسم يدْخل تَحْتَهُ الْمُتَّصِل والمسند وَالْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف والضعيف يدْخل تَحْتَهُ الْمُنْقَطع والمرسل والمعضل والمضطرب والمعلل والشاذ وَالْمُنكر [سَاغَ لَهُ ذَلِك] لَكِن كَانَ يَنْبَغِي لَهُ التَّصْرِيح بأنواع كل قسم من هَذِه الثَّلَاثَة
وحاول الإِمَام أَبُو زيد عبد الصَّمد الديلمي فِي غَايَة الْوُصُول إِلَى أَحَادِيث الرَّسُول دفع هَذَا السُّؤَال بطرِيق آخر فقسم أقسامه إِلَى قسمَيْنِ نوعية وصنفية قَالَ فالنوعية ثَلَاثَة الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف والصنفية
[ ١ / ٩١ ]
الْمسند الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع الْمَوْقُوف الْمَقْطُوع الْمُنْقَطع إِلَى آخِره قَالَ وَابْن الصّلاح جعل الْكل أنواعا وَلَا شكّ أَن تَقْسِيم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف هُوَ التَّقْسِيم الأول وَهُوَ النوعي وتقسيم الحَدِيث [إِلَى] الْمُرْسل والشاذ والمعلل وَغَيرهَا تَقْسِيم ثَان فَهُوَ الْقسم الصنفي كَمَا إِذا قلت الْعِبَادَة إِمَّا بدنية أَو مَالِيَّة فالبدنية (ع ١٠) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم والمالية كَالزَّكَاةِ وكل وَاحِد من الْبَدَنِيَّة والمالية يَنْقَسِم إِلَى أَقسَام أُخْرَى مثل انقسام الصَّلَاة وَالصَّوْم إِلَى فرض وَنفل وَكَذَلِكَ الْمَالِيَّة إِلَى زَكَاة الْفَرْض والتطوع وَإِلَى زَكَاة المَال وَزَكَاة الْفطر وَكَذَا انقسام الزَّكَاة إِلَى كَونهَا من النَّقْدَيْنِ أَو الْمَوَاشِي أَو الْحَيَوَان فالتقسيم الأول نَوْعي وَالثَّانِي وَالثَّالِث صنفي
وَالتَّحْقِيق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن تَأْخُذ الشَّيْء الْعَام الَّذِي لَا يتَصَوَّر فَوْقه أَعم مِنْهُ ثمَّ تقسمه إِلَى الْأَقْسَام الَّتِي تحْتَمل بِالْقِسْمَةِ الأولية كَمَا تعمد إِلَى الْمُمكن وَتقول الْمُمكن إِمَّا جَوْهَر أَو عرض لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون وجوده تَابعا لمحل مِنْهُ أَولا فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ الْعرض وَإِن لم يكن وجوده تَابعا لمحل فإمَّا أَلا يكون فِي مَحل أصلا كالمجردات أَو يكون فِي مَحل لَيْسَ وجوده تَابعا لمحله كالجسمانيات كالسماء وَالْأَرْض والأرضيات تَنْقَسِم إِلَى الجماد والنبات وَالْحَيَوَان وكل وَاحِد من الجماد والنبات وَالْحَيَوَان من أَقسَام الأرضيات وَالْحَيَوَان يَنْقَسِم إِلَى
[ ١ / ٩٢ ]
الْإِنْسَان وَالْفرس وَغَيرهمَا فَهَذِهِ كلهَا أَقسَام الْأَقْسَام فالقسم الأول يُسمى أقساما نوعية والبواقي تسمى أقساما صنفية والأصوليون قسموه إِلَى ثَلَاثَة قَوْله وَفعله وَتَقْرِيره وَهَذَا تَقْسِيم لَهُ بِاعْتِبَار حُدُوده وتقسيم الْمُحدثين بِاعْتِبَار الْقُوَّة والضعف وَقد يكون لَهُ تقسيمات باعتبارات مُخْتَلفَة فَهُوَ منقسم بِالْقِسْمَةِ الأولية إِلَى الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرهَا الأصوليون وبالثانية إِلَى الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرهَا المحدثون وبالثالثة إِلَيّ أَقسَام كل مِنْهَا
الثَّانِي مَا ادَّعَاهُ من انقسامه عِنْد أهل الحَدِيث إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام حَكَاهُ - فِي أول كَلَامه على الْحسن - عَن الْخطابِيّ وَقد نازعه الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية
[ ١ / ٩٣ ]
وَقَالَ إِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاح لِلتِّرْمِذِي خَاصَّة وَأَن غير التِّرْمِذِيّ من أهل الحَدِيث كَافَّة الحَدِيث عِنْدهم إِمَّا صَحِيح وَإِمَّا ضَعِيف والضعيف عِنْدهم مَا انحط عَن دَرَجَة الصَّحِيح ثمَّ (أ ١١) قد يكون ضَعِيفا متروكا وَهُوَ أَن يكون راوية مُتَّهمًا اَوْ سيئ الْحِفْظ وَقد يكون حسنا وَهَذَا معنى قَول أَحْمد بن حَنْبَل الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف أولى من الْقيَاس يُرِيد بالضعيف الْحسن الثُّلُث وَهَذَا كَمَا فِي ضعف الْمَرِيض فَتَارَة يكون ضعفه قَاطعا لَهُ فَيكون صَاحب فرَاش عطاياه من الثُّلُث وَتارَة لَا يكون قَاطعا لَهُ فَيكون عطاياه من رَأس المَال كوجع الضرس وَالْعين وَالرَّأْس وَلِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد ذكرت فِي كتابي هَذَا الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ وَمَا يُقَارِبه وَلم يذكر إِلَّا نَوْعَيْنِ انْتهى
[ ١ / ٩٤ ]
قلت وَذكر الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب الرَّد على الْجِرْجَانِيّ أَن الرشيد لما امتحن الشَّافِعِي قَالَ لَهُ (د ٩) كَيفَ علمك بِالسنةِ قَالَ أعرف مِنْهَا الْمَنْقُول بالتواتر وَمَا يُوجب الْعَمَل من اخبار الْآحَاد وأميز مِنْهَا بَين الصَّحِيح الَّذِي يجب قبُوله والسقيم الَّذِي لَا يجب قبُوله وَيجب رده والمتوسط [الَّذِي] يتَوَقَّف فِيهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ
[ ١ / ٩٥ ]
فِي رسَالَته للجويني الْأَحَادِيث المروية على ثَلَاثَة أَنْوَاع نوع اتّفق أهل الْعلم على صِحَّته وَنَوع اتَّفقُوا على ضعفه وَنَوع اخْتلفُوا فِي ثوبته فبعضهم يضعف رُوَاته بِجرح ظهر لَهُ خَفِي على غَيره أَو لم يظْهر لَهُ من عَدَالَته مَا يُوجب قبُول خَبره وَقد ظهر لغيره أَو عرف مِنْهُ معنى يُوجب عِنْده رد خَبره وَذَلِكَ الْمَعْنى لَا يُوجِبهُ عِنْد غَيره أَو عرف أَحدهمَا عِلّة حَدِيث ظهر مِنْهَا انْقِطَاعه اَوْ انْقِطَاع بعض أَلْفَاظه إِمَّا إدراج لفظ من أَلْفَاظ من رَوَاهُ فِي مَتنه أَو دُخُول إِسْنَاد حَدِيث فِي إِسْنَاد غَيره خفيت تِلْكَ الْعلَّة على غَيره فَإِذا علم هَذَا وَعرف معنى [من]
[ ١ / ٩٦ ]
رد مِنْهُم [خَبرا] [أَو قبُول] من قبله [مِنْهُم] هداه الْوُقُوف عَلَيْهِ والمعرفة بِهِ إِلَى اخْتِيَار أصح الْقَوْلَيْنِ
١٥ - (قَوْله) فِي حد الصَّحِيح وَهُوَ مَا اتَّصل سَنَده
احْتَرز بِهِ عَن الَّذِي (ع ١١) لَا يتَّصل سَنَده كالمنقطع والمرسل والمعضل لَيْسَ صَحِيحا وَهَذَا صَحِيح على رَأْي من لَا يقبل الْمُرْسل الْبَتَّةَ وَأما من يقبله بِشَرْطِهِ الْآتِي كالشافعي فَلَا وَيرد على مَفْهُومه الحَدِيث الْمُعَلق وَهُوَ الَّذِي حذف من أول إِسْنَاده وَاحِد فَأكْثر فَلهُ حكم الصَّحِيح مَعَ أَنه لَيْسَ بِمُتَّصِل إِلَّا أَن يُقَال لَا بُد فِيهِ من الِاتِّصَال فِي طَرِيق آخر
[ ١ / ٩٧ ]
١٦ - (وَقَوله) بِنَقْل الْعدْل
احْتَرز بِهِ عَمَّا اتَّصل سَنَده بِغَيْر الْعدْل وَهُوَ قِسْمَانِ
أَحدهمَا الْحسن فَإِنَّهُ اتَّصل سَنَده لَكِن لَا يَخْلُو عَن مَسْتُور لم تثبت عَدَالَته
الثَّانِي مَا اتَّصل سَنَده بِنَقْل غير الْعدْل فَإِنَّهُ ضَعِيف
١٧ - (قَوْله) الضَّابِط
خرج عَنهُ من لَيْسَ بضابط وَهُوَ من كثرت مُخَالفَته لرِوَايَة الثِّقَات المتقنين وَخرج عَنهُ أَيْضا من لَيْسَ بضابط وَلكنه لم يبعد عَن دَرَجَة الضَّابِط فَإِنَّهُ إِذا روى حَدِيثا كَانَ حسنا وَلم يكن صَحِيحا لِأَن من شَرط الصَّحِيح أَن يكون رَاوِيه ضابطا
وَالْحَاصِل أَنه لَا بُد فِي مُسَمّى الصَّحِيح من اجْتِمَاع الْأَمريْنِ وهما عَدَالَة
[ ١ / ٩٨ ]
الرَّاوِي وَضَبطه فَإِن انتفيا فَهُوَ الضَّعِيف الْمَرْدُود وَإِن وجد أَحدهمَا فَقَط فَإِن كَانَ الضَّبْط دون الْعَدَالَة فَهُوَ ضَعِيف أَيْضا لِأَن الْعَدَالَة هِيَ الرُّكْن الْأَكْبَر فِي الرِّوَايَة لكنه أقوى مِمَّا انْتَفَى مِنْهُ الْأَمْرَانِ وَرُبمَا صلح للاستشهاد
[ ١ / ٩٩ ]
وَالِاعْتِبَار وَله رتبتان
إِحْدَاهمَا أَن يكون الضَّبْط مَعْلُوما مَشْهُورا
الثَّانِيَة أَلا يكون مَعْلُوم الْعَدَم بِمَثَابَة المستور فِي الْعَدَالَة
والرتبة الأولى أقوى من الثَّانِيَة [وَإِن كَانَت الْعَدَالَة دون الضَّبْط فَهُوَ أقوى من عَكسه لِأَن اعْتِبَار الْعَدَالَة فِي الرَّاوِي أقوى] من تَأْثِير الضَّبْط بِدَلِيل أَن الْكذَّاب لَا تقبل رِوَايَته وَالْعدْل الضَّعِيف الضَّبْط تقبل لَكِن يحْتَاج إِلَى مقو فَيقبل الحَدِيث لعدالة رَاوِيه لَكِن يتَوَقَّف فِيهِ - لعدم ضَبطه - على شَاهد مُتَّصِل يجْبر مَا فَاتَ من صفة الضَّبْط
ثمَّ فِي هَذَا الْحَد أُمُور
أَحدهَا اشتماله على الإسهاب وَلَو قَالَ بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة لاستغنى عَمَّا ذكر لِأَن ذَلِك معنى الثِّقَة
الثَّانِي مَا سَنذكرُهُ فِي الثَّالِث من الحَدِيث الْحسن أَن الرَّاوِي الصدوق (أ ١٢) الَّذِي لم يبلغ دَرَجَة أهل الْحِفْظ والإتقان إِذا رُوِيَ حَدِيثه من وَجه آخر يرتقي من دَرَجَة الْحسن إِلَى الصِّحَّة فَهَذَا صَحِيح مَعَ أَنه لَيْسَ فِيهِ شَرط الصَّحِيح الْمَذْكُور هَا هُنَا
[ ١ / ١٠٠ ]
الثَّالِث خُرُوج الصَّحِيح الْمُخْتَلف فِيهِ عَن هَذَا التَّعْرِيف
تَنْبِيه
نَازع بَعضهم فِي تَعْرِيف الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف بِحَدّ أَو رسم وَقَالَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام القدماء أَنه لَا يعرف بذلك بل بِمَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي تصانيفهم إِمَّا بتصريحه فِي كل حَدِيث كدأب التِّرْمِذِيّ أَو بِالْتِزَام ذكر الصَّحِيح كالبخاري وَمُسلم وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان والمستخرجات على الصَّحِيح
قلت وأيا مَا كَانَ فالتحديد مقتنص من استقراء كَلَامهم فِي ذَلِك فَلَا معنى لإنكاره وَأما قَول بَعضهم الحَدِيث الصَّحِيح هُوَ الَّذِي يجوز الْعَمَل بِهِ فَهَذَا تَعْرِيف للشَّيْء بِحكمِهِ وَأَيْضًا يدْخل فِيهِ الْحسن بل وَبَعض أَقسَام الضَّعِيف انْتهى
١٨ - (قَوْله) وَلَا يكون شاذا
أَي من شَرط الحكم على الحَدِيث بِالصِّحَّةِ الا يكون شاذا والشاذ أَن يروي
[ ١ / ١٠١ ]
الثِّقَة حَدِيثا مُخَالفا لرِوَايَة من هُوَ أحفظ مِنْهُ [وأضبط] هلا اكْتفى بقوله الضَّابِط عَن قَوْله وَلَا يكون شاذا لِأَن الضَّبْط عبارَة عَن مُوَافقَة الثِّقَات فِيمَا يَرْوُونَهُ فَإِن خالفهم لم يكن ضابطا وَهَذَا معنى الشاذ فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن مُخَالفَة الثِّقَات على قسمَيْنِ غالبة ونادرة فَمَتَى خَالف الثِّقَات فِيمَا رَوَاهُ غَالِبا لم يكن حَافِظًا وَمَتى خالفهم نَادرا وَلَو فِي حَدِيث وَاحِد كَانَت مُخَالفَته شذوذا فَاحْتَاجَ المُصَنّف أَن يذكر فِي حد الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَكَون الرَّاوِي ضابطا
فَإِن قيل (ع ١٢) هلا اكْتفى بِذكر السَّلامَة من الشذوذ عَن اشْتِرَاط الضَّبْط فِي الرَّاوِي لِأَن الشاذ هُوَ الْفَرد الْمُخَالف وإخلال الضَّبْط يُوجد لمُخَالفَة الثِّقَات غَالِبا فَحَيْثُ جعلنَا الشذوذ يمْنَع من الحكم على الحَدِيث بِالصِّحَّةِ وَهُوَ الْمُخَالفَة فِي فَرد وَاحِد فبطريق أولى أَن يمْنَع من خَالف فَفِي أَفْرَاد كَثِيرَة غالبة على رِوَايَة الثِّقَات وَهُوَ الَّذِي قيل إِنَّه يحصل بِهِ اختلال الضَّبْط
فَالْجَوَاب أَنه أَرَادَ أَن ينص عَلَيْهَا حَتَّى يعلم ذَلِك بطرِيق الْمَنْطُوق
[ ١ / ١٠٢ ]
١٩ - (قَوْله) وَلَا مُعَللا
الْعلَّة عبارَة عَن سَبَب غامض قَادِح مَعَ أَن الظَّاهِر السَّلامَة [مِنْهُ] كَالْعلمِ بِأَن الرَّاوِي غلط فِيهِ أَو لم يسمع من الَّذِي حدث بِهِ عَنهُ وَبَعْضهمْ أطلق الْمُعَلل على إرْسَال حَدِيث وَصله الثِّقَة الضَّابِط وَجعل من اقسام الصَّحِيح [الصَّحِيح] الْمُعَلل قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الاقتراح وَفِي هذَيْن الشَّرْطَيْنِ نظر
[ ١ / ١٠٣ ]
على مُقْتَضى مَذْهَب الْفُقَهَاء فَإِن كثيرا من الْعِلَل الَّتِي يُعلل بهَا المحدثون لَا تجْرِي على أصُول [الْفُقَهَاء] وَقَالَ فِي شرح الْإِلْمَام الَّذِي تَقْتَضِيه قَوَاعِد
[ ١ / ١٠٤ ]
الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء أَن الْعُمْدَة فِي تَصْحِيح الحَدِيث على عَدَالَة الرَّاوِي وجزمه بالرواية [ونظرهم يمِيل إِلَى اعْتِبَار التجويز الَّذِي يُمكن مَعَه صدق الرَّاوِي] وَعدم غلطه فَمَتَى حصل ذَلِك وَجَاز أَلا يكون غَلطا وَأمكن الْجمع بَين رِوَايَته وَرِوَايَة من خَالفه (د ١٠) يُوَجه من الْوُجُوه الْجَائِزَة لم يتْرك حَدِيثه وَأما أهل الحَدِيث فَإِنَّهُم قد يروون الحَدِيث من رِوَايَة الثِّقَات الْعُدُول ثمَّ تقوم لَهُم علل فِيهِ تمنعهم من الحكم بِصِحَّتِهِ كمخالفة جمع كثير لَهُ أَو من هُوَ أحفظ مِنْهُ أَو قيام قرينَة تُؤثر فِي أنفسهم غَلَبَة الظَّن بغلطة وَلم يجر ذَلِك على قانون وَاحِد يسْتَعْمل فِي جَمِيع الْأَحَادِيث وَلِهَذَا أَقُول إِن من حكى عَن أهل الحَدِيث أَو أَكْثَرهم أَنه إِذا تعَارض رِوَايَة مُرْسل ومسند أَو وَاقِف وَرَافِع أَو نَاقص وزائد أَن الحكم للزائد فَلم نجد (هَذَا فِي) الْإِطْلَاق فَإِن ذَلِك لَيْسَ قانونا مطردا وبمراجعة أحكامهم الْجُزْئِيَّة
[ ١ / ١٠٥ ]
يعرف صَوَاب مَا نقُول وَأقرب النَّاس إِلَى اطراد هَذِه الْقَوَاعِد بعض أهل الظَّاهِر انْتهى
وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْحصار الأندلسي فِي تقريب المدارك على موطأ مَالك إِن للمحدثين أغراضا فِي طريقهم احتاطوا فِيهَا وبالغوا فِي الِاحْتِيَاط وَلَا يلْزم (أ ١٣) الْفُقَهَاء اتباعهم على ذَلِك كتعليلهم الحَدِيث الْمَرْفُوع بِأَنَّهُ قد رُوِيَ مَوْقُوفا أَو مُرْسلا وكطعنهم فِي الرَّاوِي إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ أَو بِزِيَادَة فِيهِ أَو لمُخَالفَة
[ ١ / ١٠٦ ]
من هُوَ أعدل مِنْهُ وأحفظ قَالَ وَقد يعلم الْفَقِيه صِحَة الحَدِيث بموافقة الْأُصُول أَو آيَة من كتاب الله تَعَالَى فيحمله ذَلِك على قبُول الحَدِيث وَالْعَمَل بِهِ واعتقاد صِحَّته وَإِذا لم يكن فِي سَنَده كَذَّاب فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق القَوْل بِصِحَّتِهِ إِذا وَافق كتاب الله تَعَالَى وَسَائِر أصُول الشَّرِيعَة وَقَالَ ابْن عبد الْبر سَأَلَ التِّرْمِذِيّ البُخَارِيّ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ فَقَالَ
[ ١ / ١٠٧ ]
صَحِيح قَالَ وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا من البُخَارِيّ وَأهل الحَدِيث لَا يحتجون بِمثل إِسْنَاده وَلَكِن الحَدِيث عِنْدِي صَحِيح من جِهَة أَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ قَالَ ابْن الْحصار وَلَعَلَّ البُخَارِيّ رأى رَأْي الْفُقَهَاء انْتهى
[ ١ / ١٠٨ ]
وَظَاهر كَلَام ابْن عبد الْبر أَن الصِّحَّة تُوجد أَيْضا من تلقي أهل الحَدِيث بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ وَإِن لم يُوقف لَهُ على إِسْنَاد صَحِيح وَقد قَالَ فِي التَّمْهِيد رُوِيَ عَن جَابر بِإِسْنَاد لَيْسَ بِصَحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الدِّينَار أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قيراطا
قَالَ وَهَذَا وَإِن لم يَصح إِسْنَاده فَفِي قَول جمَاعَة الْعلمَاء وَإِجْمَاع النَّاس على مَعْنَاهُ مَا يُغني عَن الْإِسْنَاد فِيهِ وَقَرِيب مِنْهُ مَا ذكره الشَّافِعِي فِي الرسَالَة فِي حَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث
[ ١ / ١٠٩ ]
إِن إِسْنَاده مُنْقَطع لَكِن استفاضته بَين النقلَة وَأهل الْمَغَازِي جعلته (١٣٤) حجَّة وَكَذَا قَول الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائيني
[ ١ / ١١١ ]
فِي أُصُوله تعرف صِحَة الحَدِيث باشتهاره عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث وَلم ينكروه وَكَذَلِكَ ابْن فورك فِي صدر كِتَابه مُشكل الحَدِيث وَمثله حَدِيث فِي الرقة ربع الْعشْر وَفِي مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم وَنَحْوه
[ ١ / ١١٢ ]
٢٠ - (قَوْله) فَهَذَا هُوَ الحَدِيث الَّذِي يحكم [لَهُ] بِالصِّحَّةِ بِلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث
[قيل إِنَّمَا قيد نفي الْخلاف بِأَهْل الحَدِيث] لِأَن بعض الْمُعْتَزلَة يشْتَرط الْعدَد فِي الرِّوَايَة كَالشَّهَادَةِ
قلت حُكيَ ذَلِك عَن بعض أهل الحَدِيث أَيْضا قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع عندنَا الْخَبَر الصَّحِيح مَا حكم أهل الحَدِيث بِصِحَّتِهِ قَالَ وَذكر الْحَاكِم الْحَافِظ أَن صفة الحَدِيث الصَّحِيح أَن يرويهِ عَن رَسُول الله ﷺ صَحَابِيّ مَشْهُور بالصحبة ويروي عَنهُ تابعيان عَدْلَانِ ثمَّ يتداوله أهل الحَدِيث بِالْقبُولِ إِلَى زَمَاننَا وَقد قَالُوا إِن الصَّحِيح لَا يعرف بالرواية من الثِّقَات فَقَط وَإِنَّمَا يعرف بالفهم وَالْحِفْظ وَكَثْرَة السماع وَلَيْسَ للمعرفة بِهِ معِين مثل المذاكرة مَعَ أهل الْفَهم والمعرفة ليظْهر مَا يخفى من عِلّة الحَدِيث ثمَّ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ
[ ١ / ١١٣ ]
وَالشّرط الَّذِي شرطوه وَهُوَ أَن يرويهِ اثْنَان من التَّابِعين لَا يعرفهُ الْفُقَهَاء لِأَن رِوَايَة الْوَاحِد عِنْدهم مَقْبُولَة وَإِذا كَانَ ثِقَة حكم بِصِحَّة الْخَبَر وَقد ذهب بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى اشْتِرَاط الْعدَد وَلَيْسَ بِشَيْء وَأما المحدثون فَلَيْسَ الْعدَد عِنْدهم شرطا فِي الصِّحَّة إِلَّا أَنهم يسمعُونَ مَا نَقله الْوَاحِد عَن الْوَاحِد الصَّحِيح الْغَرِيب وَمَا نَقله الِاثْنَان فَمَا زَاد وتداوله أهل الرِّوَايَة بِالْقبُولِ على مَا مضى من الْقُرُون الصَّحِيح الْمُطلق أَو الصَّحِيح الْمَشْهُور هَذَا لَفظه وَبَقِي على المُصَنّف أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا أضافا إِلَى ذَلِك شُرُوطًا أخر فعلت بِهِ رُتْبَة حَدِيثهمَا فمما شَرطه البُخَارِيّ ثُبُوت السماع وَلم يكتف بِإِمْكَان اللِّقَاء والمعاصرة وَهَذَا لَا يدْخل فِي ضَابِط المُصَنّف
٢١ - (قَوْله) وَقد يَخْتَلِفُونَ فِي صِحَة بعض الْأَحَادِيث لاختلافهم فِي وجود
[ ١ / ١١٤ ]
هَذِه الْأَوْصَاف فِيهِ أَو لاختلافهم فِي اشْتِرَاط بَعْضهَا كَمَا فِي الْمُرْسل
هَذَا مِثَال للثَّانِي وَمثله قبُول المستور وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي الصَّحِيح هَل من شَرطه أَن يكون خَالِصا من الشذوذ مُطلقًا أم لَا وَالتَّحْقِيق أَن الشاذ الَّذِي يُخَالف الصَّحِيح هُوَ الشاذ الْمُنكر أَو الَّذِي لم ينجبر شذوذه بِشَيْء من الْأُمُور الْمَذْكُورَة فِي انجبار الْمُعَلل والشاذ
وَأما سَبَب اخْتلَافهمْ فِي أَنه هَل اجْتمعت فِيهِ هَذِه الشُّرُوط أَو انْتَفَى بَعْضهَا (أ ١٤) فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث من رِوَايَة مَا اخْتلف فِي كَونه من
[ ١ / ١١٥ ]
شَرط الصَّحِيح كالعلاء بن عبد الرَّحْمَن أَو حَمَّاد بن سَلمَة فَيَقُولُونَ فِيهِ حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَيْسَ بِصَحِيح على شَرط البُخَارِيّ لكَون هَؤُلَاءِ عِنْد مُسلم مِمَّن اجْتمعت فيهم الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة وَلم يثبت ذَلِك عِنْد البُخَارِيّ وَكَذَا حَال البُخَارِيّ فِيمَا حَدثهُ عَن عِكْرِمَة وَإِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي وَعَمْرو بن مَرْزُوق
[ ١ / ١١٦ ]
وَغَيرهم [مِمَّن] لم يخرج لَهُ مُسلم وهم أربعمائه وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ شَيخا وَعدد من احْتج مُسلم وَلم يحْتَج بهم البُخَارِيّ سِتّمائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ
٢٢ - (قَوْله) وَمَتى قَالُوا هَذَا حَدِيث صَحِيح فَمَعْنَاه مَا اتَّصل سَنَده مَعَ سَائِر الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة
جعل المُصَنّف مدَار الحكم بِصِحَّة الحَدِيث على الحكم بِصِحَّة الْإِسْنَاد المستكمل للشرائط وَقد أوردوا عَلَيْهِ أَمريْن
أَحدهمَا أَنهم يَقُولُونَ فِي الْمُرْسل صَحِيح فِي الْجُمْلَة وَإِن لم يكن صَحِيحا محتجا بِهِ وَكَذَلِكَ غير الْمُرْسل من الْأَحَادِيث الْمُخْتَلف فِي صِحَّتهَا وَلم يشْتَرط جَمِيع تِلْكَ (د ١١) الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة
الثَّانِي أَن السَّنَد قد يكون صَحِيحا مَعَ الحكم على الْمَتْن بالضعف ومثاله مَا
[ ١ / ١١٧ ]
أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَن أنس قَالَ صليت خلف النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر فَكَانُوا يستفتحون الصَّلَاة ب ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ لَا يذكرُونَ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا فَهَذَا الحَدِيث سَنَده صَحِيح وَمَتنه ضَعِيف لوُجُود الْعلَّة فِيهِ وَهُوَ أَن الْأَكْثَرين إِنَّمَا قَالُوا فِيهِ فَكَانُوا (ع ١٤) [يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين من غير تعرض لنفي الْبَسْمَلَة وَهَكَذَا اتّفق الشَّيْخَانِ على إِخْرَاجه فَمن رَوَاهُ كاللفظ الْمُتَقَدّم وَفهم من قَوْله] كَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد أَنهم كَانُوا لَا يبسملون فَصرحَ بِهِ وَأَخْطَأ لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن
[ ١ / ١١٨ ]
أنس أَنه سُئِلَ عَن الِافْتِتَاح بالبسملة فَذكر أَنه لَا يحفظ فِيهِ شَيْئا عَن رَسُول الله ﷺ
وَالْجَوَاب أَن فِي قَول ابْن الصّلاح مَعَ سَائِر الْأَوْصَاف مَا يدْفع هَذَا الِاعْتِرَاض لِأَن من جُمْلَتهَا انْتِفَاء الْعلَّة وَهِي هَا هُنَا مَوْجُودَة فَلَيْسَ صِحَة الْإِسْنَاد وَحده مقتضيا للصِّحَّة حَتَّى يرد هَذَا نعم يَنْبَغِي التَّأَمُّل وَالنَّظَر بَين قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَبَينهمَا فرق فَإِن الثَّانِي يُرِيدُونَ بِهِ اتِّصَال الْإِسْنَاد وَعدم انْقِطَاعه لَا جودة الرِّجَال فَرُبمَا كَانَ متن الحَدِيث ضَعِيفا وَإِسْنَاده
[ ١ / ١١٩ ]
جيدا بِخِلَاف قَوْلهم حَدِيث صَحِيح
٢٣ - (قَوْله) وَكَذَلِكَ إِذا قَالُوا فِي حَدِيث إِنَّه غير صَحِيح فَلَيْسَ ذَلِك قطعا بِأَنَّهُ كذب فِي نفس الْأَمر إِذْ قد يكون صدقا وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه لم يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمَذْكُور
فِيهِ أَمْرَانِ
الأول أَنه قد اعْترض عَلَيْهِ فِي هَذَا وَقيل قد رَأينَا كثيرا من الْأَئِمَّة يَقُولُونَ هَذَا حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح وَمَتنه غير صَحِيح أَو إِسْنَاده غير صَحِيح وَمَتنه صَحِيح أَو إِسْنَاده مَجْهُول وَمَتنه مَجْهُول لَا يعرف أَو إِسْنَاده صَحِيح وَمَتنه صَحِيح أَو إِسْنَاده ضَعِيف وَمَتنه ضَعِيف وَأَيْضًا لَهُم الموضوعات وَيَقُولُونَ من فلَان إِلَى فلَان الله أعلم من وَضعه فَهَذَا يدل على أَنه فِي نفس الْأَمر غير صَحِيح
وَقد سُئِلَ المُصَنّف - رَحمَه الله تَعَالَى - عَن هَذَا فِي فَتَاوِيهِ وَأجَاب الَّذِي يرد من هَذَا على ذَلِك قَوْلهم إِسْنَاده صَحِيح وَمَتنه غر صَحِيح
[ ١ / ١٢٠ ]
وَجَوَابه أَن فِي كَلَامي احْتِرَازًا عَنهُ وَذَلِكَ فِي قولي إِنَّه لم يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمَذْكُور [وَمَتى كَانَ الْمَتْن غير صَحِيح فمحال أَن يكون لَهُ إِسْنَاد صَحِيح على الشَّرْط الْمَذْكُور] لِأَن من جملَة الشُّرُوط أَلا يكون شاذا وَلَا مُعَللا وَالَّذِي أوردتموه لَا بُد أَن يكون فِي إِسْنَاده شذوذ أَو عِلّة تعله لأجل ذَلِك لَا يَصح بِهِ الْمَتْن فَإِن أطلق عَلَيْهِ إِنَّه إِسْنَاد صَحِيح فَلَا بالتفسير الَّذِي ذكرتموه بل بِمَعْنى أَن رجال إِسْنَاده عدُول ثِقَات فَحسب وَمَا بعد هَذَا لَا يمس مَا ذكرته (أ ١٥) إِلَّا قَوْلهم فِي بعض الْأَحَادِيث إِنَّه مَوْضُوع وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ فِي الْكَلَام الَّذِي ذكرته إِنْكَار لذَلِك وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه لَا يُسْتَفَاد وَلَا يفهم من قَوْلهم هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح أَكثر من أَنه لم يَصح لَهُ إِسْنَاد على الشَّرْط الْمَذْكُور وَهَذَا كَذَلِك لِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يظْهر من مَعْنَاهُ أَنه كذب فِي نفس الْأَمر وَمهما أردنَا أَن نذْكر أَنه كذب فِي نفس الْأَمر احتجنا إِلَى زِيَادَة لفظ مثل أَن نقُول هُوَ مَوْضُوع أَو كذب أَو نَحوه
وَقَوْلِي لم يَصح إِسْنَاده عَام أَي [لم] يَصح [لَهُ]
[ ١ / ١٢١ ]
إِسْنَاد مَا
الْأَمر الثَّانِي مَا اقْتَضَاهُ كَلَامه من أَنه يلْزم من عدم صِحَة الْإِسْنَاد عدم صِحَة الْمَتْن قد خَالفه بعد هَذَا فِي آخر النَّوْع الثَّانِي وَالْعِشْرين فَقَالَ إِذا رَأَيْت حَدِيثا بِإِسْنَاد ضَعِيف فلك أَن تَقول هُوَ ضَعِيف بِهَذَا الْإِسْنَاد [وَلَا تَقول ضَعِيف الْمَتْن بِمُجَرَّد ضعف ذَلِك الْإِسْنَاد] إِلَّا أَن يَقُول إِمَام إِنَّه لم يرد من وَجه صَحِيح أَو إِنَّه حَدِيث ضَعِيف مُفَسرًا ضعفه وَقَالَ أَيْضا فِي قسم الْمُعَلل إِن الْعلَّة الْوَاقِعَة فِي الْإِسْنَاد قد تقدح فِيهِ وَفِي الْمَتْن وَقد تقدح فِي الْإِسْنَاد خَاصَّة وَيكون الْمَتْن مَرْفُوعا صَحِيحا
[ ١ / ١٢٢ ]
وَيُجَاب بِأَن قَوْله أَولا وَإِذا قيل غير صَحِيح فَمَعْنَاه لم يَصح إِسْنَاده أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن الحَدِيث إِذا رُوِيَ من وُجُوه كلهَا غير صَحِيحَة أقتضى ذَلِك الحكم على مَتنه بِأَنَّهُ غير صَحِيح لِأَن قَوْله لم يَصح إِسْنَاده اسْم جنس مُضَاف ليعم جَمِيع المسانيد وَهُوَ مُوَافق للْكَلَام الثَّانِي ثمَّ إِنَّه لَا يلْزم من ضعف السَّنَد ضعف الْمَتْن فقد يكون السَّنَد ضَعِيفا والمتن صَحِيح كَرِوَايَة يعلي بن عبيد عَن الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن دِينَار حَدِيث البيعان بِالْخِيَارِ غلط يعلى إِنَّمَا هُوَ عبد الله
[ ١ / ١٢٣ ]
ابْن دِينَار] فَالسَّنَد غير صَحِيح والمتن صَحِيح وَهَذَا مُوَافق لقَوْله فِي نوع [الْحسن] وَقَوْلهمْ حَدِيث حسن (ع ١٥) الْإِسْنَاد أَو صَحِيحه دون قَوْلهم حَدِيث حسن أَو صَحِيح لِأَنَّهُ قد يَصح أَو يحسن الْإِسْنَاد دون الْمَتْن لشذوذ أَو عِلّة
[ ١ / ١٢٤ ]
٢٤ - (قَوْله) الصَّحِيح يتنوع إِلَى مُتَّفق عَلَيْهِ ومختلف فِيهِ
أَي من اشْتِرَاط الِاتِّصَال فِيهِ عِنْد من لم يقبل الْمَرَاسِيل وَعَدَمه عِنْد من قبله وَاشْتِرَاط عدم الشذوذ وَالْعلَّة عِنْد الْمُحدثين وَعدم اشْتِرَاط ذَلِك عِنْد الْفُقَهَاء
وَقد ذكر الْحَاكِم أَن الصَّحِيح من الحَدِيث عشرَة أَقسَام خَمْسَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَخَمْسَة فِيهَا خلاف
فَالْأول من الْقسم الأول اخْتِيَار البُخَارِيّ وَمُسلم وَهُوَ الدرجَة الأولى من الصَّحِيح الَّذِي يرويهِ عَن الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور الَّذِي لَهُ راويان [ثمَّ] عَن التَّابِعِيّ وتابعي التَّابِعِيّ كَذَلِك إِلَى حد الشَّيْخَيْنِ وَالْأَحَادِيث المروية بِهَذَا الشَّرْط لَا يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف
الثَّانِي الصَّحِيح بِنَقْل الْعدْل الضَّابِط عَن الْعدْل الضَّابِط إِلَى الصَّحَابِيّ
[ ١ / ١٢٥ ]
وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد
الثَّالِث أَخْبَار جمَاعَة من التَّابِعين الَّذِي لَيْسَ لَهُم إِلَّا راو وَاحِد
الرَّابِع هَذِه الْأَحَادِيث الْأَفْرَاد الغرائب الَّتِي يَرْوِيهَا الثِّقَات الْعُدُول تفرد بهَا ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ لَهَا طرق مخرجة فِي الْكتب
الْخَامِس أَحَادِيث جمَاعَة من الْأَئِمَّة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم وَلم تتواتر الرِّوَايَة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم بهَا إِلَّا عَنْهُم
[ ١ / ١٢٦ ]
وَأما الْأَقْسَام الْخَمْسَة الْمُخْتَلف فِي صِحَّتهَا
فَالْأول الْمُرْسل صَحِيح عِنْد أهل الْكُوفَة
الثَّانِي رِوَايَة المدلسين إِذا لم يذكرُوا سماعهم وَهِي صَحِيحَة عِنْد جمَاعَة مِنْهُم
الثَّالِث (د ١٢) خبر يرويهِ ثِقَة من الثِّقَات عَن إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين فيسنده ثمَّ يرويهِ عَنهُ جمَاعَة من الثِّقَات فيرسلونه
الرَّابِع رِوَايَة مُحدث صَحِيح السماع صَحِيح الْكتاب ظَاهر الْعَدَالَة غير أَنه لَا يعرف مَا يحدث بِهِ وَلَا يحفظه كأكثر محدثي زَمَاننَا فَإِن هَذَا الْقسم صَحِيح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث وَأما أَبُو حنيفَة وَمَالك فَلَا يريان الْحجَّة بِهِ
الْخَامِس رِوَايَات المبتدعة وَأهل الْأَهْوَاء فَإِن رواياتهم عِنْد أهل (أ ١٦) الْعلم مَقْبُولَة إِذا كَانُوا صَادِقين
[ ١ / ١٢٧ ]
قَالَ الْحَاكِم فَهَذِهِ أَقسَام ذكرتها لِئَلَّا يتَوَهَّم متوهم أَنه لَيْسَ يَصح إِلَّا مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم
٢٥ - (قَوْله) فروينا
قلت تكَرر هَذَا اللَّفْظ مِنْهُ وَيَقَع مضبوطا فِي بعض الْأُصُول بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة وَوجدت بِخَط المُصَنّف فِي فَوَائِد رحلته سَأَلت شَيخنَا أَبَا الْخطاب بن دحْيَة عَن قَوْلنَا روينَا عَن رَسُول الله ﷺ هَل يُقَال روينَا فَقَالَ لَا إِنَّمَا يُقَال روينَا
وَكَانَ ابْن الوردي الْحَافِظ يَقُول روينَا بِالتَّشْدِيدِ انْتهى
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أساس البلاغة قَوْلهم راوية الحَدِيث وروى الحَدِيث أَي حمله من قَوْلهم الْبَعِير يروي المَاء أَي يحملهُ
[ ١ / ١٢٨ ]
قلت وَلِهَذَا أطْلقُوا على المزادة الَّتِي يحمل فِيهَا راوية من بَاب مجَاز الْمُجَاورَة فَإِن راوية صِيغَة مُبَالغَة وَهِي حَقِيقَة للجمل فإطلاقه على ظرف المَاء مجَاز وَلَيْسَ هَذَا من بَاب أروى الرباعي حَتَّى يسْتَحقّهُ المَاء دون الْجمل لِأَن اسْم الْفَاعِل مِنْهُ مرو لَا راوية وَإِنَّمَا يَأْتِي راوية من الثلاثي ٢٦ - (قَوْله) عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَنه قَالَ اصح الْأَسَانِيد كلهَا الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وروينا نَحوه عَن أَحْمد بن حَنْبَل
فِيهِ أُمُور
إِحْدَاهَا يجوز فِي رَاهَوَيْه فتح الْهَاء وَالْوَاو وَإِسْكَان الْيَاء وَيجوز ضم الْهَاء
[ ١ / ١٢٩ ]
وَإِسْكَان الْوَاو وَفتح الْيَاء وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُخْتَار وَقَالَ المُصَنّف فِي بعض أَمَالِيهِ سَمِعت الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عبد الله - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - يَقُول سَمِعت الْحَافِظ أَبَا الْعَلَاء يَقُول أهل الحَدِيث لَا يحبونَ ويه أَي يَقُولُونَ لفظ ويه ببدء الْوَاو سَاكِنة تفاديا من أَن يَقع فِي آخر الْكَلِمَة ويه انْتهى
وَعَن الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي أَنه قَالَ غَالب مَا عِنْد الْمُحدثين (ع ١٦) فعلويه - بِضَم مَا قبل الْوَاو - إِلَّا رَاهَوَيْه فالأغلب فِيهِ عِنْدهم فتح مَا قبل الْوَاو
[ ١ / ١٣٠ ]
وَفِي نفطويه الْوَجْهَانِ والآكد الْفَتْح
وَاعْلَم أَن رَاهَوَيْه لقب لجده وَسمي بذلك لِأَنَّهُ ولد فِي الطَّرِيق والرهو الطَّرِيق وعَلى هَذَا فَقيل يكْتب ابْن بِالْألف لِأَنَّهُ لم يَقع بَين علمين وَكَانَ أَبوهُ يكره أَن يُسمى بِهِ
الثَّانِي أَن هَذَا إِسْنَاد حجازي فَلَعَلَّ إِسْحَاق أَرَادَ ذَلِك لَا مُطلق الْأَسَانِيد وَقد قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْعلم سَمِعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت [الْحسن بن سُفْيَان يَقُول سَمِعت] إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم
[ ١ / ١٣١ ]
الْحَنْظَلِي يَقُول إِذا كَانَ الرَّاوِي عَن عَمْرو بن شُعَيْب ثِقَة فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر
الثَّالِث أَن الَّذِي نَقله الْحَاكِم عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِصِيغَة أَجود لَا بِصِيغَة أصح فَلَعَلَّ المُصَنّف يرى أَن الْجَوْدَة وَالصِّحَّة مُتَرَادِفَانِ أَو متغايران وَلِهَذَا قَالَ نَحوه وَلم يقل مثله وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ فِي الطِّبّ هَذَا حَدِيث جيد حسن
[ ١ / ١٣٢ ]
فَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ الصِّحَّة وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل وَذكر حَدِيثا رَوَاهُ عَن أَبِيه عَن يحيى
[ ١ / ١٣٣ ]
عَن سُفْيَان عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد - قَالَ قَالَ أبي لَيْسَ بِالْكُوفَةِ عَن عَليّ أصح من هَذَا انْتهى
وَهَذَا يدل على أَن كَلَامه الأول مَخْصُوص بالحجاز
٢٧ - (قَوْله) وروينا عَن عَمْرو بن عَليّ أصح الْأَسَانِيد مُحَمَّد بن
[ ١ / ١٣٤ ]
سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ
هَذَا الْإِسْنَاد مركب من بَصرِي وَعبيدَة كُوفِي وَعلي سكن الْكُوفَة وَعبيدَة - بِفَتْح الْعين - بن عَمْرو السَّلمَانِي - بِسُكُون اللَّام - تَابِعِيّ كَاد أَن يكون صحابيا وَكَانَ ابْن سِيرِين أروى النَّاس عَنهُ وَقَالَ مَا رَأَيْت رجلا أَشد توقيا من عُبَيْدَة قَالَه الْعجلِيّ فِي تَارِيخه
[ ١ / ١٣٥ ]
٢٨ - (قَوْله) وروينا نَحوه عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ
ذكره الْحَاكِم عَنهُ بِصِيغَة أَجود لَا بِصِيغَة أصح وَفِيه مَا سبق والسختياني - بِفَتْح السِّين
٢٩ - (قَوْله) وَمِنْهُم من جعله ابْن عون
هَذَا نَقله الْحَاكِم عَن ابْن الْمَدِينِيّ
٣٠ - (قَوْله) وَفِيمَا نرويه عَن يحيى بن معِين أَنه قَالَ (أ / ١٧) أَجودهَا الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة
[ ١ / ١٣٦ ]
عَن عبد الله انْتهى
ذكره الْحَاكِم وَزَاد (قَالَ رجل ليحيى لما قَالَ ذَلِك) الْأَعْمَش مثل الزُّهْرِيّ قَالَ بَرِئت من الْأَعْمَش أَن يكون مثل الزُّهْرِيّ يرى الْعرض وَالْإِجَازَة وَكَانَ يعْمل لبني أُميَّة وَذكر الْأَعْمَش فمدحه وَقَالَ فَقير صبور مُجَانب للسُّلْطَان وذكرعلمه بِالْقُرْآنِ وورعه
[ ١ / ١٣٧ ]
٣١ - (قَوْله) وروينا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة أَنه قَالَ أصح الْأَسَانِيد كلهَا الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن [عَليّ]
قلت رَوَاهُ الْحَاكِم عَنهُ وَقَالَهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي الْمدْخل عَن مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر قَالَ سَأَلت عبد الرَّزَّاق أَي الْإِسْنَاد
[ ١ / ١٣٨ ]
أصح قَالَ الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن عَليّ
وَجعل النَّسَائِيّ هَذَا من أحسن الْأَسَانِيد لَا أَصَحهَا فَفِي الْكَمَال فِي تَرْجَمَة الزُّهْرِيّ قَالَ النَّسَائِيّ أحسن أَسَانِيد تروى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن عَليّ
وَالزهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر
وَأَيوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ
وَمَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود
[ ١ / ١٣٩ ]
٣٢ - (قَوْله) عَن البُخَارِيّ أَصَحهَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر
هَذَا يُسمى سلسلة الذَّهَب وَفِي هَذَا الْإِطْلَاق عَنهُ نظر فَفِي ذمّ الْكَلَام للهروي قَالَ الداوساني قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ديباج خسرواني
[ ١ / ١٤٠ ]
٣٣ - (قَوْله) وَبنى الإِمَام أَبُو مَنْصُور التَّمِيمِي على ذَلِك أَن أجل الْأَسَانِيد الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَاحْتج بِإِجْمَاع أَصْحَاب الحَدِيث على أَنه لم يكن فِي الروَاة عَن مَالك أجل من الشَّافِعِي
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا يُقَال على هَذَا أجل الْأَسَانِيد (د ١٣) مَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الشَّافِعِي عَن مَالك وَقد وَقع من ذَلِك أَحَادِيث فِي مُسْنده مِنْهَا قَالَ (ع ١٦) أَحْمد ثَنَا الشَّافِعِي ثَنَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض وَنهى عَن النجش وَنهى عَن حَبل الحبلة وَنهى عَن الْمُزَابَنَة والمزابنة بيع التَّمْر بِالتَّمْرِ كَيْلا وَبيع الْكَرم بالزبيب كَيْلا وَأخرجه
[ ١ / ١٤١ ]
البُخَارِيّ متقطعا من حَدِيث مَالك
وَزعم الخليلي فِي الْإِرْشَاد أَنه لم يروه عَن مَالك إِلَّا الشَّافِعِي قَالَ وَكَانَ يسْأَله عَنهُ الْأَئِمَّة وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة من طَرِيق أَحْمد عَن الشَّافِعِي عَن مَالك عَن دَاوُد بن الْحصين عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد أَنه سمع أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يذكر أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْمُزَابَنَة ثمَّ قَالَ رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك
[ ١ / ١٤٢ ]
وَأخرجه مُسلم عَن ابْن وهب عَن مَالك
وَمِنْهَا قَالَ أَحْمد ثَنَا الشَّافِعِي ثَنَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب ابْن مَالك عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ وَأخرج ابْن الصّلاح فِي كتاب أدب الْفتيا من طَرِيق عبد الله بن أَحْمد [سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول] سَمِعت مُحَمَّد بن عجلَان
[ ١ / ١٤٣ ]
يَقُول إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبَت مقاتله ثمَّ قَالَ هَذَا إِسْنَاد جليل عَزِيز جدا لِاجْتِمَاع أَئِمَّة الْمذَاهب الثَّلَاثَة فِيهِ بَعضهم عَن بعض انْتهى
وصنف الْحَازِمِي جُزْءا فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد عَن الشَّافِعِي وَسَماهُ سلسلة الذَّهَب وَمن غَرِيبه رِوَايَة أَحْمد عَن رجل عَن الشَّافِعِي ذكره الخليلي فِي كِتَابه فساق عَن الزَّعْفَرَانِي ثَنَا الشَّافِعِي ثَنَا يحيى بن سليم عَن عبيد الله
[ ١ / ١٤٤ ]
ابْن عمر عَن نَافِع عَن - ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - أَن النَّبِي ﷺ صلى بهم صَلَاة الْخَوْف رَكْعَتَيْنِ فِي [كل] رَكْعَة ركوعين وسجدتين ثمَّ قَالَ تفرد بِهِ الشَّافِعِي عَن يحيى بِهَذَا الْإِسْنَاد وسَمعه أَحْمد بن حَنْبَل عَن رجل عَن الشَّافِعِي ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن أَحْمد ثَنَا أبي - وَأَنا سَأَلته - حَدثنِي سُلَيْمَان بن دَاوُد (أ ١٨) الْهَاشِمِي أخبرنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي مثله
الثَّانِي مَا نَقله عَن أبي مَنْصُور رَأَيْته كَذَلِك فِي كِتَابه الْمُسَمّى بتنبيه الْعُقُول فِي الرَّد على الْجِرْجَانِيّ ويتأيد بِمَا ذكره الخليلي فِي الْإِرْشَاد قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل كنت سَمِعت الْمُوَطَّأ من بضعَة عشر رجلا من حفاظ أَصْحَاب مَالك فأعدته على الشَّافِعِي لِأَنِّي وجدته أقومهم [بِهِ] وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي مُقَدّمَة
[ ١ / ١٤٥ ]
الْكَامِل عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْقزْوِينِي ثَنَا صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت الْمُوَطَّأ من مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي لِأَنِّي رَأَيْته فِيهِ ثبتا وَقد سمعته من جمَاعَة قبله انْتهى
وَهَذَا تَصْرِيح من أَحْمد [بِأَن] [من] أجل من روى عَن مَالك هُوَ الشَّافِعِي وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء قلت لِلْحَافِظِ جمال الدّين الْمزي قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل كنت سَمِعت الْمُوَطَّأ من بضعَة عشر رجلا من حفاظ أَصْحَاب مَالك فَكيف أجَاز رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَالْبُخَارِيّ
[ ١ / ١٤٦ ]
رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو دَاوُد رِوَايَة عبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَالنَّسَائِيّ رِوَايَة قُتَيْبَة بن سعيد وَكَيف لم يروه أَصْحَاب الْكتب من طَرِيق الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ إِذا وجد حَدِيثا يُؤثر عَن مَالك لَا يكَاد يعدل بِهِ إِلَى غَيره حَتَّى إِنَّه يروي فِي الْجَامِع عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء عَن عَمه جوَيْرِية عَن مَالك وَلم يذكر الْجَواب وَيحْتَاج إِلَى فضل نظر وَجُوَيْرِية من أقدم أَصْحَاب مَالك وَهُوَ يُشَارك مَالِكًا فِي بعض شُيُوخه كنافع وَغَيره فَلهَذَا يؤثره البُخَارِيّ
الثَّالِث أَن نَقله الْإِجْمَاع فِيهِ نظر فَإِن أَصْحَاب مَالك قد منعُوا ذَلِك وَقَالُوا
[ ١ / ١٤٧ ]
إِمَّا أَن تريدوا بالأجلية فِي الْفِقْه أَو الحَدِيث فَإِن أردتم الْفِقْه فَلَا خلاف عندنَا [أَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَعبد الله بن وهب أجل مِنْهُ وَإِن أردتم الحَدِيث فَلَا خلاف عندنَا] أَن يحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي أجل إِسْنَادًا مِنْهُ فَلم يسند ذَلِك على قَول أبي مَنْصُور إِلَّا بالمجاز (ع ١٧) وَهُوَ أَن يُرِيد من أجل الْأَسَانِيد وَأَيْضًا فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ قد صنف جُزْءا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا أَبُو حنيفَة عَن مَالك وَالْحَنَفِيَّة يَقُولُونَ إِن أجل من روى عَن مَالك أَبُو حنيفَة
وَالْجَوَاب أما مَا ذكره الْمَالِكِيَّة فَمَمْنُوع - وَأَيْنَ مَحل ابْن وهب وَمن ذَكرُوهُ من الشَّافِعِي وَيَكْفِي فِي ذَلِك كَلَام الإِمَام أَحْمد السَّابِق
وَأما أَبُو حنيفَة وَإِن صحت رِوَايَته عَن مَالك فَلم يشْتَهر وَلم يكثر كَرِوَايَة الشَّافِعِي وَقد ذكره الْخَطِيب فِي كتاب الروَاة عَن مَالك وَأسْندَ لَهُ حَدِيثا عَنهُ ووهمه فِيهِ وَقَالَ سَائِر رُوَاة الْمُوَطَّأ على خِلَافه
الرَّابِع فَاتَ المُصَنّف من الْأَقْوَال فِي أصح الْأَسَانِيد يحيى بن أبي كثير
[ ١ / ١٤٨ ]
عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَقيل شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عَامر أخي أم سَلمَة عَن أم سَلمَة حَكَاهُمَا الْحَاكِم
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حَرْب حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن عُبَيْدَة عَن
[ ١ / ١٤٩ ]
عَليّ حَكَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي فِي الْمدْخل
وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَدِيث مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر كَأَنَّهَا الدَّنَانِير ثمَّ قَالَ كَأَنَّك تسمعها من النَّبِي ﷺ
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر البردعي فِي كتاب الْمُتَّصِل والمنقطع الْأَحَادِيث
[ ١ / ١٥٠ ]
الصِّحَاح الَّتِي أجمع أهل الحَدِيث على صِحَّتهَا من جِهَة النَّقْل مثل الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن عمر
وَالزهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ من رِوَايَة مَالك بن أنس وَابْن عُيَيْنَة وَمعمر والزبيدي وَعقيل وَالْأَوْزَاعِيّ مالم يخْتَلف فِيهِ فَإِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي مثل هَذَا بَين هَؤُلَاءِ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ توقف عَنهُ (أ ١٩)
وَقد خَالف نَافِع سالما فِي أَحَادِيث
قَالَ وَمثل الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة وَمثل الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ
[ ١ / ١٥١ ]
وَهِشَام مَا لم يَقع الِاخْتِلَاف وَالِاضْطِرَاب فِيهِ ثمَّ أوضح ذَلِك (د ١٤)
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم اتّفق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ على أَن أصح الْأَحَادِيث أَحَادِيث أهل الْمَدِينَة ثمَّ أَحَادِيث أهل الْبَصْرَة ثمَّ أَحَادِيث أهل الشَّام
وَنقل عَن مَالك أَنه كَانَ لَا يحْتَج بِأَحَادِيث أهل الْعرَاق وَهُوَ القَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ فَإِنَّهُ قيل إِذا روى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله حَدِيثا أيحتج بِهِ قَالَ إِن لم يكن لَهُ أصل بالحجاز وَإِلَّا فَلَا
ثمَّ إِن الشَّافِعِي رَجَعَ عَن ذَلِك وَقَالَ لِأَحْمَد إِذا صَحَّ الحَدِيث فَأَخْبرنِي بِهِ حَتَّى أذهب إِلَيْهِ شاميا كَانَ أَو بصريا أَو كوفيا وَلم يقل مكيا أَو مدنيا لِأَنَّهُ كَانَ يحْتَج بِهِ قبل هَذَا وصنف أَبُو دَاوُد السجسْتانِي مفاريد أهل الْأَمْصَار فَذكر فِيهِ مَا انْفَرد أهل كل مصر من الْمُسلمين من الْعلم بِالسنةِ
[ ١ / ١٥٢ ]
الْخَامِس أَن مَا ذكره أَولا من إِطْلَاق أصح الْأَسَانِيد لَيْسَ هُوَ مُطلقًا بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَحَابِيّ دون آخر وَلما نقل الْحَاكِم فِي كِتَابه ذَلِك قَالَ فَذكر كل وَاحِد مِنْهُم مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي ذَلِك وَلكُل صَحَابِيّ رُوَاة من التَّابِعين وَلَهُم أَتبَاع وَأَكْثَرهم ثِقَات لَا يُمكن أَن يقطع بالحكم فِي أصح الْأَسَانِيد لصحابي وَاحِد فَنَقُول إِن أصح أَسَانِيد أهل الْبَيْت جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ
[ ١ / ١٥٣ ]
إِذا كَانَ الرَّاوِي عَن جَعْفَر ثِقَة
وَأَصَح أَسَانِيد الصّديق إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَنهُ
وَأَصَح أَسَانِيد عمر الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن جده
[ ١ / ١٥٤ ]
وَأَصَح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَنهُ وَقَالَ البُخَارِيّ أَصَحهَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَنهُ ولعَبْد الله بن عمر مَالك عَن نَافِع عَنهُ
ولعائشة عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن الْقَاسِم عَنْهَا قَالَ يحيى بن معِين تَرْجَمَة مشبكة بِالذَّهَب وَالزهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا
[ ١ / ١٥٥ ]
وَلابْن مَسْعُود الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَنهُ
ولأنس مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ
وَأَصَح أَسَانِيد المكيين سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر
وَأَصَح أَسَانِيد اليمانيين معمر (ع ١٨) عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة
وَأثبت أَسَانِيد المصريين اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر
[ ١ / ١٥٦ ]
عَن عقبَة بن عَامر
وَأثبت أَسَانِيد الشاميين الْأَوْزَاعِيّ عَن حسان بن عَطِيَّة عَن الصَّحَابَة
وَأثبت أَسَانِيد الخراسانيين الْحُسَيْن بن وَاقد عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه
وَقد ذكر ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بتحصيل أصُول الْفِقْه فَقَالَ بعد ذكره الْأَقْوَال السَّابِقَة وَأكْثر أَئِمَّة الحَدِيث أَن لكل وَاحِد من الصَّحَابَة أتباعا يختصون بِهِ وللرواية عَنهُ طرق بَعْضهَا أصح من بعض ثمَّ ذكر مَا
[ ١ / ١٥٧ ]
سبق بِحُرُوفِهِ وَلم يعزه إِلَى الْحَاكِم وَكَذَلِكَ فعل الإِمَام أَبُو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابه القواطع فِي أصُول الْفِقْه
٣٤ - (قَوْله) الثَّانِيَة إِذا وجدنَا فِيمَا يرْوى من أَجزَاء الحَدِيث إِلَى آخِره
مَا ذكره من أَنه لَا يحكم بِصِحَّتِهِ لضعف الْأَهْلِيَّة فِي هَذِه الْأَزْمِنَة لَا نَعْرِف لَهُ فِيهِ سلفا وَالظَّاهِر جَوَازه وَلَعَلَّه بناه على جَوَاز خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد الْمُطلق وَالصَّوَاب خِلَافه
وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَظْهر عِنْدِي جَوَاز التَّصْحِيح لمن تمكن وقويت مَعْرفَته انْتهى
وَعَلِيهِ عمل أهل الحَدِيث وَقد صحّح كثير من الْمُتَأَخِّرين أَحَادِيث لم نجد لمن تقدمهم فِيهَا تَصْحِيحا كَابْن الْقطَّان
[ ١ / ١٥٨ ]
وتلميذه ابْن الْمواق والضياء الْمَقْدِسِي والزكي الْمُنْذِرِيّ والمزي
[ ١ / ١٥٩ ]
والذهبي إِلَّا أَن الشَّرْط الَّذِي ذكره النَّوَوِيّ مَأْخُوذ من تَعْلِيل ابْن الصّلاح وَالظَّاهِر أَنه لَا يُخَالف فِيهِ عِنْد وجوده
[ ١ / ١٦٠ ]
٣٥ - (قَوْله) أول من صنف الصَّحِيح البُخَارِيّ
مُرَاده الْمُجَرّد كَمَا زَاده النَّوَوِيّ وَإِلَّا فقد سبق البُخَارِيّ مَالك فِي الْمُوَطَّأ لَكِن فِيهِ الصَّحِيح والبلاغ والمقطوع والمنقطع وَذَلِكَ وَإِن كَانَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فَسَيَأْتِي جَوَابه (أ ٢٠) فِي السَّادِسَة وَكَذَا مُسْند أَحْمد فَإِنَّهُ كالموطأ فِيهِ الصَّحِيح وَغَيره
٣٦ - (قَوْله) ثمَّ إِن مُسلما شَارك البُخَارِيّ فِي أَكثر شُيُوخه
قد اتّفقت الْأَئِمَّة السِّتَّة على روايتهم فِي كتبهمْ الْمَشْهُورَة عَن شيخ من غير وَاسِطَة كَأبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء
[ ١ / ١٦١ ]
و[مُحَمَّد] بن بشار بنْدَار وَمُحَمّد بن زِيَاد وَعبد الله بن سعيد الْأَشَج وَعَمْرو بن عَليّ الفلاس وَنصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وعباس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري إِلَّا أَن رِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ تَعْلِيق
[ ١ / ١٦٢ ]
٣٧ - (قَوْله) وكتاباهما أصح الْكتب بعد كتاب الله الْعَزِيز
قَالَ النَّوَوِيّ بِاتِّفَاق الْعلمَاء فَإِن قيل قد روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن جمَاعَة من الضُّعَفَاء أَو المتوسطين أهل الطَّبَقَة الثَّانِيَة الَّذين لَيْسُوا من شُيُوخ الصَّحِيح قَالَ النَّوَوِيّ فَجَوَابه من أوجه ذكرهَا ابْن الصّلاح أَحدهَا أَن ذَلِك فِيمَن هُوَ ضَعِيف عِنْد غَيره ثِقَة عِنْده وَلَا يُقَال الْجرْح مقدم لِأَن شَرط قبُوله بَيَان السَّبَب
الثَّانِي أَن ذكر الضُّعَفَاء فِي كِتَابَيْهِمَا لم يُوجد محتجا بِهِ بل وَقع مُتَابعَة واستشهادا كمطر الْوراق وَبَقِيَّة وَابْن إِسْحَاق وَعبد الله بن عمر الْعمريّ
[ ١ / ١٦٣ ]
ونعمان بن رَاشد وَغَيرهم
الثَّالِث أَن يكون الضعْف طَرَأَ عَلَيْهِم بعد أَخذه عَنْهُم باختلاط حَدِيث لم يقْدَح فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُم قبل ذَلِك كَرِوَايَة مُسلم عَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وهب ابْن أخي عبد الله بن وهب فَذكر الْحَاكِم أَنه اخْتَلَط بعد الْخمسين وَمَا بَين بعد خُرُوج مُسلم من مصر
الرَّابِع أَن يقْصد علو الْإِسْنَاد بِالرجلِ الضَّعِيف والْحَدِيث عِنْده من رِوَايَة الثِّقَات نَازل فَيقْتَصر على العالي وَلَا يطول بِإِضَافَة النَّازِل إِلَيْهِ مكتفيا بِمَعْرِفَة أهل الشَّأْن ذَلِك وَهَذَا الْعذر قد روينَاهُ عَنهُ تنصيصا
[ ١ / ١٦٤ ]
٣٨ - (قَوْله) وَأما مَا روينَاهُ عَن الشَّافِعِي مَا أعلم كتابا فِي الْعلم أَكثر صَوَابا من كتاب مَالك وَمِنْهُم من رَوَاهُ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ
قلت كَقَوْلِه مَا كتاب بعد كتاب الله أَنْفَع من موطأ مَالك رَوَاهُ الْخَطِيب فِي جَامعه عَن هَارُون بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ قَالَ قَالَ لي الشَّافِعِي وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فَلَا يَجِيء السُّؤَال
٣٩ - (قَوْله) ثمَّ إِن كتاب البُخَارِيّ أصح الْكِتَابَيْنِ
فِيهِ أُمُور
[ ١ / ١٦٥ ]
الأول تفضيله كتاب البُخَارِيّ على مُسلم (د ١٥) هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ (ع ١٩) النَّسَائِيّ فَقَالَ مَا فِي هَذِه الْكتب أَجود من كتاب البُخَارِيّ وَقرر ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مدخله أَيْضا وَابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع قَالَ وَقد قيل إِن مَا فِيهِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ
وَمِمَّا يفضل بِهِ ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا اشْتِرَاطه فِي الرَّاوِي مَعَ إِمْكَان اللِّقَاء ثُبُوت السماع وَمُسلم يَكْتَفِي بِمُجَرَّد إِمْكَان المعاصرة وَنقل فِي أول كِتَابه الْإِجْمَاع على أَن الْإِسْنَاد المعنعن لَهُ حكم الْمَوْصُول ب سَمِعت بِوُجُود المعاصرة
[ ١ / ١٦٦ ]
الثَّانِي اتِّفَاق الْعلمَاء على أَن البُخَارِيّ أجل من مُسلم وَأعلم بصناعة الحَدِيث وَقد انتخب مُسلم عَلَيْهِ ولخص مَا ارْتَضَاهُ فِي كِتَابه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لَوْلَا البُخَارِيّ مَا ذهب مُسلم وَلَا جَاءَ وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا قفى مُسلم طَرِيق البُخَارِيّ وَنظر فِي علمه وحذا حذوه وَلما ورد البُخَارِيّ نيسابور فِي آخر عمره لَازمه مُسلم وأدام الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ
الثَّالِث استنباطه الْمعَانِي الصَّحِيحَة وَالْفِقْه الدَّقِيق مسبوكا فِي التراجم وَأما مُسلم فَلم يصنع ذَلِك بل الَّذِي ترْجم أبوابه (القَاضِي عِيَاض) قَالَه ابْن دحْيَة فِي مرج الْبَحْرين نعم اخْتصَّ مُسلم بِأَنَّهُ أحسن الْأَحَادِيث مساقا وأكمل سياقا وَأَقل تَكْرَارا وأتقن اعْتِبَارا بجمعه طرق الحَدِيث فِي مَكَان وَاحِد إِسْنَادًا ومتنا فيذكر الْمُجْمل ثمَّ الْمُبين لَهُ والمشكل ثمَّ الموضح لَهُ والمنسوخ ثمَّ النَّاسِخ لَهُ فيسهل على الطَّالِب النّظر فِي وجوهه وَتحصل لَهُ الثِّقَة بِجَمِيعِ مَا أوردهُ مُسلم من طرقه بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ يفرق طرق الحَدِيث فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة متباعدة وَكثير مِنْهَا مَا
[ ١ / ١٦٧ ]
يذكرهُ فِي غير بَابه الَّذِي لَا يسْبق إِلَيْهِ الْفَهم أَنه فِيهِ أولى فيصعب على الطَّالِب جمع طرقه وَالْوُقُوف على أَلْفَاظه والإحاطة بِمَعْنَاهُ
قَالَ النَّوَوِيّ وَلِهَذَا رَأَيْت جمَاعَة من الْحفاظ غلطوا فنفوا رِوَايَة البُخَارِيّ أَحَادِيث (أ ٢١) هِيَ مَوْجُودَة فِي صَحِيحه فِي غير مظانها السَّابِقَة إِلَى الْفَهم
الْأَمر الثَّانِي مَا حَكَاهُ عَن [أبي عَليّ] النَّيْسَابُورِي حَكَاهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد فِي تَرْجَمَة مُسلم عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مَنْدَه أَيْضا أَنه قَالَ مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أصح من كتاب مُسلم بن الْحجَّاج فِي علم الحَدِيث وَإِلَيْهِ يمِيل كَلَام أبي الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ
[ ١ / ١٦٨ ]
فِي خطْبَة تلخيصه لمُسلم وَنَقله عَن جمَاعَة وَعَزاهُ فِي اختصاره للْبُخَارِيّ إِلَى أَكثر المغاربة وَعزا تَرْجِيح البُخَارِيّ إِلَى أَكثر المشارقة وَسُئِلَ ابْن عقدَة الْحَافِظ أَيهمَا أحفظ مُسلم أَو البُخَارِيّ فَقَالَ كِلَاهُمَا عَالم فأعيد عَلَيْهِ السُّؤَال فَقَالَ يَقع لمُحَمد الْغَلَط فِي أهل الشَّام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخذ كتبهمْ وَنظر فِيهَا فَرُبمَا ذكر الرجل بكنيته ويذكره فِي مَوضِع آخر باسمه يظنهما أثنين وَأما مُسلم فَقل مَا يُوجد لَهُ الْغَلَط فِي النَّقْل لِأَنَّهُ كتب المسانيد وَلم يكْتب المقاطيع وَلَا الْمَرَاسِيل
[ ١ / ١٦٩ ]
وَفَاتَ المُصَنّف حِكَايَة قَول ثَالِث أَنَّهُمَا سَوَاء حَكَاهُ بعض الْمُتَأَخِّرين وَإِلَيْهِ ميل أبي الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي مُخْتَصر البُخَارِيّ إِذْ قَالَ وَالْأولَى أَلا يُقَال فِي أَحدهمَا أولى بل هما فرسا رهان وَلَيْسَ لأحد بمسابقتهما يدان
وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي لَو قيل إِن مُسلما كَانَ يعْتَمد على كِتَابه وعَلى ضَبطه وَأَن البُخَارِيّ كَانَ يعْتَمد على الضَّبْط كَانَ أولى فَإِن قيل مَا فَائِدَة هَذَا الْخلاف مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا يلْزم الْعَمَل بِهِ قلت يظْهر فَائِدَته فِي التراجيح عِنْد التَّعَارُض فَيقدم مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ على مَا رَوَاهُ مُسلم إِذا قُلْنَا بأرجحيته وَكَذَا ذكره الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب
[ ١ / ١٧٠ ]
فِي وُجُوه التَّرْجِيح
الثَّالِث قَوْله من فضل كتاب مُسلم إِن كَانَ من جِهَة أَنه لم يمازجه غير الصَّحِيح بِخِلَاف مزج البُخَارِيّ فِي تراجم أبوابه من الْأَشْيَاء الَّتِي لم يسندها على الْوَصْف الْمَشْرُوط فِي الصَّحِيح اعْترض عَلَيْهِ بِأَن مُسلما قد مزجه بِغَيْر الْأَحَادِيث كَقَوْلِه فِي كتاب الصَّلَاة عَن يحيى بن أبي كثير لَا يُسْتَطَاع الْعلم براحة الْجِسْم وَلكنه نَادِر جدا بِخِلَاف البُخَارِيّ
قلت لَيْسَ التَّرْجِيح بِمُجَرَّد اجتنابه غير الحَدِيث بل لِأَنَّهُ لم يسند مِنْهَا إِلَّا الصَّحِيح بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ تجوز فِيمَا عدا الْمسند من التعليقات وَغَيرهَا وأتى بهَا على غير شَرط الصَّحِيح وَمُرَاد ابْن الصّلاح بِالْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعم (ع ٢٠) من الْمسند والأثر وَقد قَالَ مُسلم بعد أَحَادِيث التَّعَوُّذ آخر التَّشَهُّد بَلغنِي أَن طاوسا قَالَ لِابْنِهِ أدعوت بهَا فِي صَلَاتك فَقَالَ لَا قَالَ أعد صَلَاتك لِأَن
[ ١ / ١٧١ ]
طاوسا روى عَن ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة
وَذكر أَيْضا أَمر حَدِيث الْإِفْك عَن عبد الله بن الْمُبَارك ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ إِن هَذِه أَرْجَى آيَة فِي الْقُرْآن
٤٠ - (قَوْله) لم يستوعبا الصَّحِيح وَلَا التزاماه
قلت وَكَذَا قَالَ الْحَاكِم فِي خطْبَة الْمُسْتَدْرك لم يحكما وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا أَنه لم يَصح من الحَدِيث غير مَا خرجاه وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل قَالَ وَقد بقيت
[ ١ / ١٧٢ ]
أَحَادِيث صِحَاح لم يخرجاها وَلَيْسَ فِي تَركهمَا إِيَّاهَا دَلِيل على ضعفها وَعذر البُخَارِيّ كي لَا يطول الْكتاب فيمل فَإِنَّهُ قَالَ وَتركت من الصِّحَاح بِحَال [الطول]
وَأما مُسلم فَإِنَّهُ قسم الْأَخْبَار ثَلَاثَة أَقسَام فَأخْرج الأول وَهِي الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ أسلم من الْعُيُوب من غَيرهَا وأنقى وَمن عزمه أَن يخرج الْقسمَيْنِ الْأَخيرينِ فَأَدْرَكته الْمنية قبل إخراجهما انْتهى
وَكَذَا الْحَازِمِي قَالَ لم يلْتَزم البُخَارِيّ أَن يخرج كل مَا صَحَّ من الحَدِيث وكما أَنه لم يخرج عَن كل من صَحَّ حَدِيثه وَلم ينْسب إِلَى شَيْء من جِهَات الْجرْح وهم خلق كثير يبلغ عَددهمْ نيفا وَثَلَاثِينَ ألفا لِأَن تَارِيخه يشْتَمل على نَحْو من أَرْبَعِينَ ألفا وَزِيَادَة وَكتابه فِي الضُّعَفَاء دون السبعمائة نفس (أ ٢٢) فالثقات عِنْده أَكثر (وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِينَ) خرجهم فِي جَامِعَة دون أَلفَيْنِ وَكَذَا لم يخرج كل مَا صَحَّ من الحَدِيث انْتهى
وَالْقَصْد من هَذَا أَمْرَانِ
[ ١ / ١٧٣ ]
أَحدهمَا أَن إِلْزَام الْحَاكِم وَغَيره لَهما أَحَادِيث على شَرطهمَا لم يخرجاها لَيْسَ بِلَازِم وَكَذَا فعل الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ صنف جُزْءا فِي أَحَادِيث رجال من الصَّحَابَة رويت عَنْهُم من وُجُوه صِحَاح لَا مطْعن فِيهَا (د ١٦) فإلزام الدَّارَقُطْنِيّ الشَّيْخَيْنِ - يُخرجهَا إِذْ حَدهَا بسهامها - وَهُوَ فِي جُزْء صَغِير وخرجها أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ بأسانيدها من رِوَايَته عَن شُيُوخه فِي أَرْبَعَة أَجزَاء
وَالثَّانِي أَن تَركهمَا إِخْرَاج حَدِيث لَا يدل على ضعفه مَا لم يُصَرح أحد مِنْهُم بضعفه أَو جرح رُوَاته وَلَو كَانَ كَذَلِك لما صَحَّ الِاحْتِجَاج بِمَا عدا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ [لَكِن لما جَاءَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا لم يستوعبا الصَّحِيح] من الحَدِيث كُله وَلَا الرِّجَال الثِّقَات وَقد صحّح كل وَاحِد مِنْهُمَا أَحَادِيث سُئِلَ عَنْهَا وَلَيْسَت
[ ١ / ١٧٤ ]
فِي كِتَابه
٤١ - (قَوْله) وروينا عَن مُسلم أَنه قَالَ لَيْسَ كل شَيْء عِنْدِي صَحِيح وَضعته هَا هُنَا - يَعْنِي فِي كِتَابه الصَّحِيح - وَإِنَّمَا وضعت هَا هُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَى آخِره
فِيهِ أَمْرَانِ
الأول هَذَا ذكره مُسلم فِي صَحِيحه فِي بَاب صفة صَلَاة النَّبِي ﷺ
وَقَول المُصَنّف أَرَادَ - وَالله أعلم - إِلَى آخِره جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر وَهُوَ أَنا نجد فِي كِتَابه أَحَادِيث مُخْتَلف فِي صِحَّتهَا فقد حكى النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عَن ابْن الصّلاح أَنه أجَاب بجوابين
أَحدهمَا الْمَذْكُور فِي كِتَابه هَا هُنَا
وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ أَنه لم يضع فِيهِ مَا اخْتلف الثِّقَات فِيهِ فِي نفس الحَدِيث متْنا أَو إِسْنَادًا وَلم يرد مَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِي تَوْثِيق بعض رُوَاته وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من
[ ١ / ١٧٥ ]
كَلَامه فَإِنَّهُ ذكر ذَلِك لما سُئِلَ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا هَل
[ ١ / ١٧٦ ]
هُوَ صَحِيح فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيح فَقيل لَهُ لم لم تضعه هَا هُنَا فَأجَاب بالْكلَام السَّابِق وَمَعَ هَذَا فقد اشْتَمَل كِتَابه على أَحَادِيث اخْتلفُوا فِي أسانيدها أَو متونها لصحتها عِنْده وَفِي ذَلِك ذُهُول مِنْهُ عَن هَذَا الشَّرْط أَو بِسَبَب آخر وَقد استدركت وعللت
الثَّانِي وَفِيه جَوَاب عَن الِاعْتِرَاض السَّابِق أَيْضا أَن مُرَاده ب المجمعين من لقِيه من أهل النَّقْل وَالْعلم بِالْحَدِيثِ قَالَه صَاحب الْمُفْهم وَقيل أَئِمَّة الحَدِيث كمالك وَالثَّوْري وَشعْبَة وَأحمد بن حَنْبَل وَابْن مهْدي وَغَيرهم قَالَه أَبُو حَفْص الميانشي فِي كتاب إِيضَاح مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله وَذكر غَيره أَن مُسلما أَرَادَ
[ ١ / ١٧٧ ]
إِجْمَاع أَرْبَعَة من الْحفاظ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور الْخُرَاسَانِي ٤٢ - (قَوْله) وَقد قَالَ البُخَارِيّ أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح
قلت قيل إِنَّه أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة وَهَذَا (ع ٢١) ضَعِيف بل أَرَادَ
[ ١ / ١٧٨ ]
التَّحْدِيد وَقد نقل عَن غَيره من الْحفاظ مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك وعَلى هَذَا فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه أَرَادَ بِهِ تعدد الطّرق والأسانيد
وَالثَّانِي أَن مُرَاده بالأحاديث مَا هُوَ أَعم من الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وأقاويل السّلف وعَلى هَذَا حمل الْبَيْهَقِيّ فِي مَنَاقِب أَحْمد قَول أَحْمد صَحَّ من الحَدِيث سَبْعمِائة ألف على أَنه أَرَادَ أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وأقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
فَإِن قلت قد قَالَ ومائتي ألف غير صَحِيح فَمَا فَائِدَة حفظه لذَلِك قلت [التَّمْيِيز بَينهمَا]
وَقد قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أحفظ سبعين ألفا صَحِيحَة وَأَرْبَعَة آلَاف مزورة فَقيل لَهُ مَا معنى حفظ المزورة قَالَ إِذا مر بِي حَدِيث مِنْهَا فِي الْأَحَادِيث عَرفته ذكره شيخ الْإِسْلَام فِي ذمّ الْكَلَام
٤٣ - (قَوْله) ثمَّ إِن أَبَا عبد الله بن الأخرم الْحَافِظ قَالَ قل مَا يفوت
[ ١ / ١٧٩ ]
البُخَارِيّ وَمُسلمًا - مِمَّا يثبت من الحَدِيث الصَّحِيح [يَعْنِي] فِي كِتَابَيْهِمَا
وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ ذَلِك بِالْقَلِيلِ وَفِي كتاب الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم جملَة مستكثرة وَقد قَالَ البُخَارِيّ (أ ٢٣) أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا مَا أوردهُ على ابْن الأخرم لَا يرد لِأَنَّهُ قَالَ قل مَا يفوتهما مِمَّا يثبت من الحَدِيث الصَّحِيح وَلم يعين من كِتَابَيْهِمَا
وَمَا احْتج عَلَيْهِ بقولة البُخَارِيّ أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح حجَّة لِابْنِ الأخرم لَا عَلَيْهِ أَو يكون مُرَاد ابْن الأخرم الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ وَذكر أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن أبي الْقَاسِم البوشنجي فِي كتاب الْجَهْر بالبسملة عَن البُخَارِيّ أَنه صنف كتابا أورد فِيهِ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح انْتهى
[ ١ / ١٨٠ ]
وَهُوَ غَرِيب وَلَعَلَّه أَرَادَ لَو صنف على أَن الأقدمين يطلقون الْعدَد من الْأَحَادِيث على الحَدِيث الْوَاحِد الْمَرْوِيّ بعدة أَسَانِيد وعَلى هَذَا فيسهل الْخطب فَرب حَدِيث لَهُ مائَة طَرِيق وَأكْثر وَقد قَالَ الْفَقِيه نجم الدّين الْقَمُولِيّ إِن مَجْمُوع مَا صَحَّ من الحَدِيث أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث وَأول كَلَام البُخَارِيّ السَّابِق فَقَالَ مُرَاده - وَالله أعلم - بِمَا ذكره تعدد الطّرق والأسانيد وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم فَسمى الْجَمِيع حَدِيثا وَقد كَانَ السّلف يطلقون الحَدِيث على ذَلِك قَالَ وَهَذَا أولى من تَأْوِيله أَنه أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة بل هُوَ مُتَعَيّن لَا يجوز الْعُدُول عَنهُ انْتهى
[ ١ / ١٨١ ]
وَهَذَا التَّأْوِيل يُؤَيّدهُ أَنه قد صَحَّ عَن جمَاعَة من الْحفاظ أَن الْأَحَادِيث لَا تَنْتَهِي إِلَى هَذَا الْعدَد
وَقد ذكر أَبُو الْعَرَب فِي مُقَدّمَة كِتَابه الضُّعَفَاء عَن عَليّ بن بَقِي قَالَ سَأَلت يحيى بن سعيد الْقطَّان كم جملَة الْمسند فَقَالَ لي حصل أَصْحَابنَا ذَلِك وَهُوَ ثَمَانِيَة آلَاف حَدِيث وفيهَا مُكَرر قَالَ وَسمعت إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يَقُول سَأَلت جمَاعَة من أهل الْبَصْرَة عَن جملَة الْمسند الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فَقَالُوا سَبْعَة آلَاف ونيف وَعَن غنْدر سَأَلت شُعْبَة عَن هَذَا فَقَالَ جملَة الْمسند أَرْبَعَة آلَاف ونيف
وناظر عبد الرَّزَّاق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي ذَلِك فَقَالَ إِسْحَاق أَرْبَعَة آلَاف وَقَالَ عبد الرَّزَّاق أَقُول مَا قَالَه يحيى بن سعيد الْمسند أَرْبَعَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهَا ألف ومائتان سنَن وَثَمَانمِائَة (د ١٧) حَلَال وَحرَام وَأَلْفَانِ وَأَرْبَعمِائَة
[ ١ / ١٨٢ ]
فَضَائِل وأدب وتسديد
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ سِتَّة آلَاف أَو خَمْسَة
وَذكر عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة القدماء قَرِيبا من ذَلِك وَأكْثر مَا قيل ثَمَانِيَة آلَاف
لَكِن أَيْن هَذَا مِمَّا حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الْحَث على الْحِفْظ عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ أعرف بكتابي مائَة ألف حَدِيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا وأحفظ مِنْهَا سبعين ألف حَدِيث من ظهر قلبِي صَحِيحَة وأحفظ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث مزورة
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ عَن رجل حلف بِالطَّلَاق أَن أَبَا زرْعَة يحفظ مِائَتي ألف حَدِيث هَل حنث قَالَ لَا ثمَّ قَالَ أَبُو زرْعَة أحفظ مِائَتي ألف حَدِيث كَمَا يحفظ الْإِنْسَان ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَفِي المذاكرة ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث
[ ١ / ١٨٣ ]
انْتهى [قَوْله]
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب وَالصَّوَاب أَنه لم يفت الْأُصُول الْخَمْسَة إِلَّا الْيَسِير أَعنِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (ع ٢٢) انْتهى
وَقد يتَوَقَّف فِي هَذَا إِلَى مَا سبق وَمن يُحِيط بِالصَّحِيحِ حَتَّى يحصره
وَفِي مدْخل الْحَاكِم عَن الإِمَام أَحْمد صَحَّ من الحَدِيث سَبْعمِائة ألف حَدِيث وَكسر وَهَذَا الْفَتى يَعْنِي أَبَا زرْعَة يحفظ سِتّمائَة ألف حَدِيث انْتهى
وَهَذَا يَنْفِي إِرَادَة الْمُبَالغَة وَيَقْتَضِي إِجْرَاء كَلَام الْأَئِمَّة على ظَاهره
وَذكر سعيد بن أبي مَرْيَم قَالَ سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول كتبت بيَدي
[ ١ / ١٨٤ ]
مائَة ألف حَدِيث
قَالَ القَاضِي أبن المنتاب وَمِائَة ألف يسْمعهَا مَالك فتضاعف إِلَى عصرنا ويتشعب أَكثر من ألف ألف طَرِيق
وَذكر عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه كتب ألف ألف حَدِيث أسقط مِنْهَا ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث وَخرج مُسْنده من سَبْعمِائة ألف حَدِيث
وَقَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ توفّي النَّبِي ﷺ وَمن رَآهُ وَسمع مِنْهُ زِيَادَة على مائَة ألف إِنْسَان من رجل وَامْرَأَة وكل قد روى عَنهُ سَمَاعا أَو رِوَايَة فَعلم رَسُول الله ﷺ كثير انْتهى
[ ١ / ١٨٥ ]
وَيُمكن الْجمع بَين كَلَام الْأَئِمَّة بِحمْل من نقل عَنهُ دون ذَلِك على أصُول الْأَحْكَام كَمَا يحْكى عَن أبي بكر بن عقال
قَالَ أَبُو دَاوُد ذكرُوا عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ السّنَن عَن النَّبِي ﷺ نَحْو تِسْعمائَة حَدِيث فَقيل لَهُ إِن أَبَا يُوسُف قَالَ هِيَ ألف وَمِائَة قَالَ أَبُو يُوسُف أَخذ (أ ٢٤) تِلْكَ الهنات من هُنَا وَمن هُنَا يَعْنِي الْأَحَادِيث الضعيفة
وَذكر عَن يحيى بن معِين أَن جملَة الْمسند أَرْبَعَة آلَاف ونيف
[ ١ / ١٨٦ ]
وروى الخليلي فِي الْإِرْشَاد بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبُوَيْطِيّ قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول أصُول الْأَحْكَام نَيف وَخَمْسمِائة حَدِيث كلهَا عَن مَالك إِلَّا ثَلَاثِينَ حَدِيثا وَكلهَا عِنْد ابْن عُيَيْنَة إِلَّا سِتَّة أَحَادِيث
الثَّانِي ابْن الأخرم هَذَا [هُوَ] مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ الْمَعْرُوف أَبوهُ بِابْن الْكرْمَانِي وَيُقَال لَهُ أَيْضا الأخرم إِجْرَاء للقب أَبِيه عَلَيْهِ وَكَانَ صدر أهل الحَدِيث بنيسابور قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي هُوَ الْفَاضِل ابْن الْفَاضِل فِي الْحِفْظ والفهم صنف على الْكِتَابَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَكَانَ ابْن خُزَيْمَة
[ ١ / ١٨٧ ]
يُرَاجِعهُ فِي مهمة سمع مِنْهُ أَبُو بكر الْقطيعِي وَأَبُو الْوَلِيد الْقرشِي وَأَبُو زَكَرِيَّا الْمُزَكي والطبقة توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة
٤٤ - (قَوْله) وَقد قَالَ البُخَارِيّ أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح ومائتي ألف حَدِيث غير صَحِيح
قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي جَاءَ فِي بعض الطّرق عَنهُ وَأعرف مِائَتي
[ ١ / ١٨٨ ]
الف بِلَفْظ أعرف بدل أحفظ وَكَأن هَذِه الرِّوَايَة أحسن
٤٥ - (قَوْله) وَجُمْلَة مَا فِي كِتَابه الصَّحِيح سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا بالأحاديث المكررة
هَذَا الَّذِي جزم بِهِ من الْعدَد الْمَذْكُور صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَة الْفربرِي وَأما رِوَايَة حَمَّاد بن شَاكر فَهِيَ دونهَا بِمِائَتي حَدِيث وَدون هَذِه بِمِائَة حَدِيث رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن معقل
[ ١ / ١٨٩ ]
نقل ذَلِك من خطّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الْملك بن الْحسن بن عبد الله الصّقليّ
وَذكر أَبُو حَفْص عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي فِي كِتَابه إِيضَاح مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ كتاب البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث سَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة ونيف أختارها من ألف ألف حَدِيث وسِتمِائَة ألف حَدِيث ونيف
(فَائِدَة)
لم يتَعَرَّض المُصَنّف لعدد مَا فِي كتاب مُسلم وَذكر فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ على مُسلم أَن فِيهِ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أصُول دون المكرر كَمَا ذكر فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي تقريبه وَلم يذكر عدته بالمكرر وَهُوَ يزِيد على البُخَارِيّ لِكَثْرَة طرقه وَقَالَ أَحْمد بن سَلمَة يُقَال هُوَ إثنا عشر ألف
[ ١ / ١٩٠ ]
حَدِيث
وَقَالَ أَبُو حَفْص الميانشي اشْتَمَل كتاب مُسلم على ثَمَانِيَة آلَاف حَدِيث وَلَعَلَّ هَذَا أقرب وَأما كتاب أبي دَاوُد فَفِيهِ أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث
قَالَ ابْن داسة سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كتبت عَن النَّبِي ﷺ خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا هَذِه السّنَن فِيهِ أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث والمراسيل نَحْو سِتّمائَة حَدِيث
قَالَ أَبُو دَاوُد وَلم أصنف فِي هَذَا الْكتاب (ع ٢٣) إِلَّا الْأَحْكَام وَلم أصنف فِيهِ كتب الزّهْد وَلَا فَضَائِل الْأَعْمَال وَهِي أَحَادِيث فِي صِحَاح كَثِيرَة
وَعنهُ مَا فِي كتاب السّنَن حَدِيث إِلَّا وَقد عرضته على أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى ابْن معِين
[ ١ / ١٩١ ]
وَأما كتاب ابْن مَاجَه فَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان صَاحبه عدته أَرْبَعَة آلَاف
وَأما أَحَادِيث التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَلم أر من عدهما
وَأما الْمُوَطَّأ فَقَالَ أَبُو بكر الْأَبْهَرِيّ جملَة مَا فِيهِ من الْآثَار عَن النَّبِي ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ألف وَسَبْعمائة وَعِشْرُونَ حَدِيثا الْمسند مِنْهَا سِتّمائَة حَدِيث والمرسل مِائَتَان وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثا وَالْمَوْقُوف سِتّمائَة وَثَلَاثَة عشر وَمن قَول التَّابِعين مِائَتَان وَخَمْسَة وَثَمَانُونَ
وَذكر الكيا الهراسي
[ ١ / ١٩٢ ]
فِي تَعْلِيقه فِي الْأُصُول إِن موطأ مَالك كَانَ اشْتَمَل على تِسْعَة آلَاف حَدِيث ثمَّ لم يزل ينتقي حَتَّى رَجَعَ إِلَى سَبْعمِائة
وَذكر ابْن قدامَة فِي نسب قُرَيْش أَن الْوَلِيد (د ١٨) بن عَمْرو بن الزبير بن الْعَوام يُقَال إِنَّه [الَّذِي] ألف لمَالِك الْمُوَطَّأ وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ذكر
[ ١ / ١٩٣ ]
القَاضِي ابْن المنتاب أَن مَالِكًا روى مائَة ألف حَدِيث جمع مِنْهُ فِي موطئِهِ (أ ٢٥) عشرَة آلَاف ثمَّ لم يزل يعرضهَا على الْكتاب وَالسّنة ويختبرها بالآثار وَالْأَخْبَار [حَتَّى وصلت] إِلَى خَمْسمِائَة وَأما مُسْند أَحْمد فَسَيَأْتِي فِيمَا بعد
٤٦ - (قَوْله) وَرُبمَا عد الحَدِيث الْوَاحِد الْمَرْوِيّ بِإِسْنَادَيْنِ حديثين أَي إِذا كَانَ من الصَّحَابَة أَو التَّابِعين قَالَه الْحَافِظ الْمزي
٤٧ - (قَوْله) ثمَّ إِن الزِّيَادَة فِي الصَّحِيح على مَا فِي الْكِتَابَيْنِ إِلَى آخِره
حَاصله أَن من أَرَادَ الْوُقُوف على الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي لَيست فِي البُخَارِيّ وَلَا [فِي] مُسلم أَو على زِيَادَة لَفْظَة فِي حَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو تَتِمَّة لمَحْذُوف أَو زِيَادَة شرح فَعَلَيهِ بِهَذِهِ الْكتب الَّتِي ذكرهَا لَكِن مَا ذكره من
[ ١ / ١٩٤ ]
تَقْيِيد الحكم بِالصِّحَّةِ بِمَا نصوا على صِحَّته فِي مصنفاتهم لَيْسَ بِشَرْط بل إِذا صَحَّ مِنْهُم تَصْحِيح حَدِيث وَلَو فِي غير مصنفاتهم أَو صَححهُ من لم يشْتَهر لَهُ تصنيف من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدّمَة كيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَغَيرهمَا فَالْحكم كَذَلِك
وَإِنَّمَا قَيده ابْن الصّلاح بالمصنفات بِنَاء على اعْتِقَاده السَّابِق أَنه لَيْسَ لأحد التَّصْحِيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد وَافقه النَّوَوِيّ هُنَا ذهولا عَن اخْتِيَاره السَّابِق
[ ١ / ١٩٥ ]
٤٨ - (قَوْله) وَكثير من هَذَا مَوْجُود فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للحميدي
وعَلى هَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَن يعزا مَا فِيهِ للْبُخَارِيّ وَمُسلم لما فِيهِ من الزِّيَادَة عَلَيْهِمَا فليحذر من ذَلِك وَيُحَرر اللَّفْظ من الْكِتَابَيْنِ أَو أَحدهمَا وَمَا لم يُوجد فيهمَا أَو أَحدهمَا فَلَا يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ حَتَّى يعرف إِسْنَاده [وَهَذَا] [غير] مُمكن مِنْهُ فَإِنَّهُ لم يذكر أسانيدها وَلَا ذكر اصْطِلَاحا حَتَّى يعرف فَمَا بَقِي إِلَّا النّظر فِيهَا من خَارج
[ ١ / ١٩٦ ]
٤٩ - (قَوْله) واعتنى الْحَاكِم بِالزِّيَادَةِ فِي عدد
أَي الْمُتُون لَا الْأَسَانِيد قَالَه الْمزي
٥٠ - (قَوْله) فِي الْمُسْتَدْرك أودعهُ مَا لَيْسَ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا رَآهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ قد أخرجَا عَن رُوَاته فِي كِتَابَيْهِمَا
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا نوزع فِي قَوْله أودعهُ مَا لَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا فَإِنَّهُ قد أودعهُ أَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا عَجِيب فَإِن هَذِه الْأَحَادِيث وَقعت لَهُ سَهوا على خلاف شَرطه وَلم يكن مَوْضُوع الْكتاب لذَلِك وَلَا هُوَ مَقْصُوده إِذْ لَا يكون ذَلِك استدراكا حِينَئِذٍ فَكَلَام المُصَنّف صَحِيح
الثَّانِي مَا ذكره فِي شَرطه قد تبعه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَابْن دَقِيق الْعِيد
[ ١ / ١٩٧ ]
وَغَيرهمَا وَكَأَنَّهُم لم يقفوا على شَرط الْحَاكِم وَالَّذِي فِي خطْبَة الْمُسْتَدْرك مَا نَصه وَأَنا أستعين الله على إِخْرَاج أَحَادِيث رواتها ثِقَات قد احْتج بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا انْتهى
وَقَالَ النَّوَوِيّ المُرَاد بقَوْلهمْ على شَرطهمَا [فِي كِتَابَيْهِمَا] أَن يكون رجال إِسْنَاده فِي كِتَابَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهما شَرط فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا فِي غَيرهمَا وعَلى هَذَا عمل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فَإِنَّهُ ينْقل عَن الْحَاكِم تَصْحِيحه لحَدِيث على شَرط البُخَارِيّ - مثلا - ثمَّ يعْتَرض عَلَيْهِ بِأَن فِيهِ فلَانا وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ وَكَذَلِكَ فعل الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك وَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُم بِحسن لما ذكرنَا من كَلَام الْحَاكِم فِي (ع ٢٤) خطبَته أَنه لم يشْتَرط نفس الرِّجَال الْمخْرج لَهُم فِي الصَّحِيح بل اشْترط رُوَاة احْتج بمثلهم الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا وَإِنَّمَا يَنْبَغِي منازعته فِي تَحْقِيق الْمُمَاثلَة بَين رِجَاله (أ ٢٦) وَرِجَال الصَّحِيحَيْنِ
نعم الْقَوْم معذورون فَإِنَّهُ قَالَ عقب أَحَادِيث أخرجهَا هُوَ صَحِيح على شَرط مُسلم فقد احْتج بفلان وَفُلَان يَعْنِي الْمَذْكُورين فِي سَنَده فَهَذَا مِنْهُ جنوح إِلَى إِرَادَة نفس رجال الصَّحِيح وَهُوَ يُخَالف مَا ذكره فِي مُقَدّمَة كِتَابه ثمَّ إِنَّه خَالف
[ ١ / ١٩٨ ]
الاصطلاحين فِي أثْنَاء كِتَابه وَقَالَ - لما أخرج التَّارِيخ وَالسير - وَلَا بُد لنا من نقل كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي
وَاعْلَم أَن مَا اعْتَمدهُ فِي تَخْرِيجه أَن يرى رجلا قد وثق وَشهد لَهُ بِالصّدقِ وَالْعَدَالَة أَو حَدِيثه فِي الصَّحِيح فَيجْعَل كل مَا رَوَاهُ هَذَا الرَّاوِي على شَرط
[ ١ / ١٩٩ ]
الصَّحِيح [فَإِنَّهُ إِنَّمَا يكون على شَرط الصَّحِيح] إِذا انْتَفَت عَنهُ الْعِلَل والشذوذ والنكارة وتوبع عَلَيْهِ فَأَما مَعَ وجود ذَلِك أَو بعضه فَلَا يكون صَحِيحا وَلَا على شَرط الصَّحِيح
وَمن تَأمل كَلَام البُخَارِيّ وَنظر فِي تَعْلِيله أَحَادِيث جمَاعَة أخرج حَدِيثهمْ فِي صَحِيحه علم إِمَامَته وموقعه من هَذَا الشَّأْن وَتبين لَهُ مَا ذكرنَا وَأَن الْحَال لَيْسَ مطردا على قانون وَاحِد
وَنَظِير هَذَا من يرى الرجل قد تكلم فِي بعض حَدِيثه وَضعف فِي شيخ أَو فِي حَدِيث فَيجْعَل ذَلِك سَببا لتعليل حَدِيثه وتضعيفه أَيْن وجده كَمَا يَفْعَله كثير من الْمُتَأَخِّرين من الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم وَهُوَ غلط فَإِن تَضْعِيفه فِي رجل أَو فِي حَدِيث ظهر فِيهِ غلطه لَا يُوجب ضعف حَدِيثه مُطلقًا
ثمَّ الْعجب مِنْهُ فِي شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا أَنه يخرج الحَدِيث وَيَقُول على شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا وَيكون الحَدِيث بذلك اللَّفْظ فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا وَقد وَقع لَهُ ذَلِك فِي أَحَادِيث
[ ١ / ٢٠٠ ]
الأول حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد عَن بكر عَن عبد الله بن رَبَاح عَن أبي قَتَادَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا عرس بلَيْل اضْطجع عَن يَمِينه وَإِذا عرس قبل الصُّبْح نصب ذراعه نصبا وَوضع رَأسه على كَفه
وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ وَقد أخرجه مُسلم
[ ١ / ٢٠١ ]
الثَّانِي حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من زَوَال نِعْمَتك وَمن تحول عافيتك وَمن فجاءة نقمتك وَمن جَمِيع سخطك
وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَقد أخرجه مُسلم عَن أبي زرْعَة الرَّازِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بكر عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن عقبَة بِهِ وَلَيْسَ لأبي زرْعَة فِي الصَّحِيح غَيره
[ ١ / ٢٠٢ ]
الثَّالِث حَدِيث يحيى بن معِين حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن مجَالد عَن بَيَان عَن وبرة عَن همام بن الْحَارِث عَن عمار بن يَاسر قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَمَا مَعَه إِلَّا خَمْسَة أعبد وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بكر وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ
وَقد أخرجه البُخَارِيّ عَن عبد الله هُوَ ابْن حَمَّاد الآملي عَن ابْن معِين بِسَنَدِهِ وَمَتنه
[ ١ / ٢٠٣ ]
الرَّابِع حَدِيث حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار (د ١٩) قَالَ ذكر عِنْد جَابر ابْن زيد [تَحْرِيم] [لُحُوم] الْحمر الْأَهْلِيَّة فَقَالَ أَبى ذَاك الْبَحْر - يَعْنِي ابْن عَبَّاس وتلا ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾
وَقد أخرجه البُخَارِيّ مطولا عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو قلت لجَابِر بن زيد يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة فَقَالَ قد كَانَ يَقُول ذَاك الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ عندنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِن أَبى ذَاك الْبَحْر ابْن عَبَّاس وَقَرَأَ ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ الْآيَة
[ ١ / ٢٠٤ ]
الْخَامِس حَدِيث حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي حزرة عَن عبَادَة بن الْوَلِيد ابْن عبَادَة حَدِيث التقاضي بِطُولِهِ قَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ مُخْتَصرا عَن زيد بن أسلم ورِبْعِي بن حِرَاش وحَنْظَلَة بن قيس كلهم (أ ٢٧) عَن أبي الْيُسْر
[ ١ / ٢٠٥ ]
أخرجه مُسلم
السَّادِس حَدِيث مكي بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس نعمتان مغبون فيهمَا كثير من النَّاس الصِّحَّة والفراغ وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (ع ٢٥) وَلم يخرجَاهُ
وَقد أخرجه البُخَارِيّ عَن مكي بِهِ
[ ١ / ٢٠٦ ]
السَّابِع حَدِيث أبي مسْهر عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن أبي ذَر يَا عبَادي إِن حرمت الظُّلم على نَفسِي الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ [بِهَذِهِ السِّيَاقَة
وَقد أخرجه مُسلم من حَدِيث حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة
[ ١ / ٢٠٧ ]
- ﵁ - أَن رجلا أصَاب ذَنبا فَقَالَ يَا رب أذنبت ذَنبا فَاغْفِر لي الحَدِيث بِطُولِهِ وَقد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم جَمِيعًا
الثَّامِن حَدِيث أبان بن يزِيد عَن يحيى بن أبي كثير عَن ابْن قارظ عَن السَّائِب بن يزِيد عَن رَافع بن خديج كسب الْحجام خَبِيث
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَثمن الْكَلْب خَبِيث وَمهر الْبَغي خَبِيث وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ]
وَقد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم أبي النَّضر عَن ابْن أبي أوفى
[ ١ / ٢٠٩ ]
التَّاسِع حَدِيث لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو بِطُولِهِ قَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ
وَقد أَخْرجَاهُ جَمِيعًا
الْعَاشِر حَدِيث أبي سعيد لَا تكْتبُوا عني شَيْئا سوى الْقُرْآن رَوَاهُ فِي مَنَاقِب أبي سعيد وَقد رَوَاهُ مُسلم
الْأَمر الثَّانِي مَا يَدعِي أَنه على شَرط البُخَارِيّ وَقد ذكره البُخَارِيّ على خِلَافه
مِنْهَا مَا أخرجه عَن سعيد بن عَامر عَن شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن
[ ١ / ٢١٠ ]
صُهَيْب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من وجد تَمرا فليفطر عَلَيْهِ وَمن لَا فليفطر على المَاء فَإِنَّهُ طهُور وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِن التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل قَالَ سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ حَدِيث سعيد بن عَامر وهم
[ ١ / ٢١١ ]
وَمِنْهَا أخرج حَدِيث عبد الله بن صَالح عَن يحيى بن أَيُّوب عَن ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا من أذن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَقَالَ على شَرط البُخَارِيّ
[ ١ / ٢١٢ ]
وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن البُخَارِيّ أَن يحيى بن المتَوَكل رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَمَّن حَدثهُ عَن نَافِع وَأَن هَذَا أشبه فصحح انْقِطَاعه
وَمِنْهَا أخرج من جِهَة جرير بن حَازِم عَن ثَابت عَن أنس قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ينزل من الْمِنْبَر فَيعرض لَهُ الرجل فِي الْحَاجة فَيقوم مَعَه حَتَّى يقْضِي حَاجته وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَرْبَعَة من جِهَة جرير قَالَ التِّرْمِذِيّ غَرِيب لَا
[ ١ / ٢١٣ ]
نعرفه إِلَّا من حَدِيث جرير سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول وهم جرير فِي هَذَا وَالصَّحِيح مَا رُوِيَ عَن ثَابت عَن أنس قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأخذ رجل بيد النَّبِي ﷺ الحَدِيث هُوَ هَذَا وَجَرِير رُبمَا يهم فِي الشَّيْء وَهُوَ صَدُوق انْتهى
٥١ - (قَوْله) وَهُوَ وَاسع الخطو فِي شَرط الصَّحِيح متساهل فِي الْقَضَاء بِهِ
قلت قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر أنكر النَّاس على الْحَاكِم أبي عبد الله أَحَادِيث جمعهَا وَزعم أَنَّهَا صِحَاح على شَرط الشَّيْخَيْنِ
مِنْهَا حَدِيث الطير
[ ١ / ٢١٤ ]
وَمن كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ
[ ١ / ٢١٦ ]
فَأنْكر عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث ذَلِك وَلم يميلوا إِلَى قَوْله وَقد كَانَ عِنْد الْحَاكِم ميل إِلَى عَليّ ونعيذه بِاللَّه من أَن يبغض أَبَا بكر أَو عمر أَو عُثْمَان - ﵃ - وَقَالَ أَبُو نعيم الْحداد سَمِعت أَبَا [مُحَمَّد] الْحسن السَّمرقَنْدِي الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن الشاذياخي يَقُول سُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير فَقَالَ لم يَصح وَلَو صَحَّ لما كَانَ أحد أفضل من عَليّ بعد رَسُول الله ﷺ قَالَ الذَّهَبِيّ وَهَذِه الْحِكَايَة سندها صَحِيح فَمَا باله أخرج حَدِيثه فِي الْمُسْتَدْرك قَالَ فَلَعَلَّهُ تغير رَأْيه انْتهى
[ ١ / ٢١٩ ]
وَالْحكم على حَدِيث الطير بِالْوَضْعِ ذكره الخليلي فِي الْإِرْشَاد وَابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَابْن طَاهِر فِي اليواقيت وَعظم النكير على الْحَاكِم حَيْثُ قَالَ فِي عُلُوم الحَدِيث إِنَّه من (أ ٢٨) الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة الَّتِي لم تخرج فِي الصَّحِيح قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع وَإِنَّمَا يَجِيء عَن سقاط أهل الْكُوفَة عَن الْمَشَاهِير والمجاهيل عَن أنس انْتهى
وَفِيمَا قَالَه نظر فقد تكلم عَلَيْهِ الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو سعيد العلائي فَقَالَ - بَعْدَمَا ذكر تَخْرِيج التِّرْمِذِيّ لَهُ وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ فِي خَصَائِص على - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - إِن الحَدِيث رُبمَا يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الْحسن أَو يكون ضَعِيفا يحْتَمل ضعفه أما أَنه مَوْضُوع فَلَا وَقد خرجه الْحَاكِم بِرِجَال كلهم ثِقَات معروفون سوى أَحْمد بن
[ ١ / ٢٢٠ ]
عِيَاض فَلم أر من ذكره بتوثيق وَلَا تجريح
قَالَ وَيقرب مِنْهُ حَدِيث عَليّ خير الْبشر من أبي فقد كفر أخرجه الْحَاكِم أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يُنكر عَلَيْهِ وَقد قَالَ الْخَطِيب - بَعْدَمَا أخرجه - هَذَا حَدِيث مُنكر
[ ١ / ٢٢١ ]
وَأخرج الْحَاكِم أَيْضا حَدِيث تَزْوِيج عَليّ بفاطمة وَهُوَ مَوْضُوع
وَقَالَ الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ كتاب (د ٢٠) الْمُسْتَدْرك فِيهِ عجائب وَذَلِكَ أَنه مزج كِتَابه فَأخْرج فِيهِ مِمَّا هُوَ عَليّ شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا قَرِيبا من ثلث الْكتاب وَأخرج فِيهِ أَيْضا أَحَادِيث أسانيدها فِي الظَّاهِر على شَرطهمَا وَفِي الْبَاطِن لَهَا علل خُفْيَة مُؤثرَة فِي عدم الصِّحَّة وَهِي قِطْعَة كَبِيرَة مِنْهُ وَأخرج قِطْعَة أُخْرَى نَحْو ربعه بأسانيد حَسَنَة وصالحة وجيدة وَبَاقِي الْكتاب مَنَاكِير وعجائب وَفِي غُضُون ذَلِك أَحَادِيث نَحْو الْمِائَة يشْهد الْقلب ببطلانها وَحَدِيث الطير بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا سَمَاء وَبِكُل حَال فَهُوَ كتاب مُفِيد
وَقد قَالَ ابْن طَاهِر سَمِعت أَبَا مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي يَقُول بَلغنِي أَن
[ ١ / ٢٢٢ ]
مُسْتَدْرك الْحَاكِم ذكر بَين يَدي الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ مُسْتَدْرك عَلَيْهِمَا حَدِيث الطير فَبلغ ذَلِك الْحَاكِم فَأخْرج الحَدِيث من الْكتاب وَهَذِه الْحِكَايَة ذكرهَا الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي كتاب المادح والممدوح وَقَالَ الذَّهَبِيّ إِنَّهَا بَاطِلَة فَإِن الْحَاكِم إِنَّمَا ألف الْمُسْتَدْرك فِي أَوَاخِر عمره بعد موت الدَّارَقُطْنِيّ بِمدَّة وَحَدِيث الطير فِيهِ لم يحول مِنْهُ
وَذكر ابْن طَاهِر أَنه رأى حَدِيث الطير جمع الْحَاكِم بِخَطِّهِ فِي جُزْء ضخم فَكَتبهُ للتعجب وَقد وقف عَلَيْهِ
وروى أَيْضا عَن المظفر بن حَمْزَة الْجِرْجَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا سعد الْمَالِينِي يَقُول طالعت الْمُسْتَدْرك على الشَّيْخَيْنِ - الَّذِي صنفه الْحَاكِم - من أَوله إِلَى آخِره
[ ١ / ٢٢٣ ]
فَلم أر فِيهِ حَدِيثا على شَرطهمَا
قَالَ الذَّهَبِيّ وَهَذَا غلو وإسراف بل فِيهِ جملَة وافرة على شَرطهمَا وَجُمْلَة كَبِيرَة على شَرط أَحدهمَا وَلَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِك [نَحْو] النّصْف وَفِيه نَحْو الرّبع صَحَّ سَنَده وَإِن كَانَ فِيهِ عِلّة قَالَ وَمَا بَقِي وَهُوَ الرَّابِع فِيهِ الْمُنكر والضعيف والموضوع وَلَيْسَت رُتْبَة أبي سعد أَن يحكم بِهَذَا
وتحامل ابْن دحْيَة عَلَيْهِ فَقَالَ فِي كتاب الْعلم يجب على طلبة الحَدِيث أَن يتحفظوا من قَول الْحَاكِم أبي عبد الله فَإِنَّهُ كثير الْغَلَط بَين السقط وَقد قَالَ على مَالك وَأهل الْمَدِينَة فِي كتاب الْمدْخل مَا لَا علم لَهُ بِهِ انْتهى
[ ١ / ٢٢٤ ]
٥٢ - (قَوْله) فَالْأولى أَن نتوسط فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ وَلم نجد لغيره فَهُوَ حسن إِلَى آخِره
وَمَا ذكره من الحكم بالْحسنِ عِنْد التفرد مَرْدُود بل الصَّوَاب أَن مَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ فَيتبع بالكشف عَنهُ وَيحكم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي حَاله من الصِّحَّة أَو الْحسن أَو الضعْف وعَلى ذَلِك عمل الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين وَإِنَّمَا ألجأ ابْن الصّلاح إِلَى ذَلِك اعْتِقَاده أَنه لَيْسَ لأحد التَّصْحِيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد سبق رده
وَقد صحّح فِي الْمُسْتَدْرك أَحَادِيث جمَاعَة وَأخْبر فِي كتاب الْمدْخل أَنهم لَا يحْتَج بهم وَأطلق الْكَذِب على بَعضهم هَذَا مَعَ أَن مُسْتَند تَصْحِيحه ظَاهر السَّنَد وَأَن رُوَاته ثِقَات وَلِهَذَا يَقُول صَحِيح الْإِسْنَاد وَصِحَّة الْإِسْنَاد شَرط (أ ٢٩) من شُرُوط الحَدِيث وَلَيْسَت مُوجبَة لصِحَّته بل فِي الْمُسْتَدْرك أَحَادِيث مسكوت عَنْهَا وأسانديها صَحِيحَة أَو حَسَنَة أَو ضَعِيفَة فَيحكم عَلَيْهَا بِمَا يَقْتَضِيهِ حَال أسانيدها
٥٣ - (قَوْله) ويقاربه فِي حكمه صَحِيح أبي حَاتِم البستي
أَي يُقَارِبه فِيمَا ذكر وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بل صَحِيح ابْن حبَان أصح مِنْهُ بِكَثِير
[ ١ / ٢٢٦ ]
قَالَ فِي خطْبَة كِتَابه لم يحْتَج فِيهِ إِلَّا بِحَدِيث اجْتمع فِي كل شيخ من رُوَاته خَمْسَة أَشْيَاء الْعَدَالَة والصدق وَالْعقل بِمَا يحدث وَالْعلم بِمَا يحِيل من مَا يروي والخلو من التَّدْلِيس فَكل من اجْتمع فِيهِ هَذِه الْخِصَال الْخمس احتججنا بحَديثه وكل من تعرى عَن خصْلَة مِنْهَا لم يحْتَج بِهِ إِلَى أَن قَالَ ولعلنا قد كتبنَا عَن أَكثر من ألفي شيخ من (أسفيجاب) إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَلم نرو فِي كتَابنَا هَذَا إِلَّا عَن مائَة وَخمسين شَيخا [أَو] أقل أَو أَكثر وَلَعَلَّ معول كتَابنَا هَذَا على نَحْو من عشْرين شَيخا مِمَّن أدرنا السّنَن عَلَيْهِم قَالَ (وَمن اخْتلف فِيهِ) كسماك ابْن حَرْب
[ ١ / ٢٢٧ ]
وَدَاوُد بن أبي هِنْد وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار وَحَمَّاد بن سَلمَة وَأبي بكر بن عَيَّاش وأضرابهم فَمن صَحَّ عِنْدِي بِالِاعْتِبَارِ أَنه ثِقَة احتججت بِهِ وَلم أعرج على قَول من قدح فِيهِ وَمن صَحَّ عِنْدِي أَنه غير عدل لم أحتج بِهِ وَإِن وَثَّقَهُ بعض أَئِمَّتنَا قَالَ وَأما زيادات الْأَلْفَاظ فِي الرِّوَايَات فَلَا نقبل شَيْئا مِنْهَا إِلَّا عَمَّن كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْفِقْه لِأَن أَصْحَاب الحَدِيث يغلب عَلَيْهِم حفظ الْأَسَانِيد دون الْمُتُون وَالْفُقَهَاء الْغَالِب عَلَيْهِم حفظ الْمُتُون وأحكامها وأداؤها بِالْمَعْنَى دون الْأَسَانِيد فَإِذا رفع مُحدث خَبرا وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْفِقْه لم أقبل رَفعه إِلَّا من كِتَابه لِأَنَّهُ لَا يعلم الْمسند من الْمُرْسل وَلَا الْمَوْقُوف من الْمُنْقَطع انْتهى
وَبِه تعلم أَن شَرطه أَعلَى من شَرط الْحَاكِم وَبِذَلِك صرح الْحَازِمِي فَقَالَ ابْن حبَان أمكن فِي الحَدِيث من الْحَاكِم وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع قد
[ ١ / ٢٢٨ ]
صنف أَبُو حَاتِم بن حبَان كتابا سَمَّاهُ صَحِيحا وَجمع فِيهِ الْكثير وَلَيْسَ فِي الصِّحَّة والثبت مثل هَذِه الْكتب
وَسكت المُصَنّف عَن صَحِيح ابْن خُزَيْمَة وألحقه الْخَطِيب فِي الْجَامِع بِكِتَاب أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ إِنَّه شَرط فِيهِ على نَفسه إِخْرَاج مَا اتَّصل بِهِ سَنَده بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل إِلَى النَّبِي ﷺ
٥٤ - (قَوْله) الْخَامِسَة الْكتب المخرجة إِلَى آخِره
لما فرغ من الْمُسْتَدْرك أَخذ فِي الْمُسْتَخْرج
وَحَقِيقَته أَن يَأْتِي المُصَنّف إِلَى كتاب البُخَارِيّ أَو مُسلم فَيخرج أَحَادِيثه بأسانيد لنَفسِهِ من غير طَرِيق البُخَارِيّ أَو مُسلم فيجتمع إِسْنَاد المُصَنّف مَعَ إِسْنَاد البُخَارِيّ اَوْ مُسلم فِي شَيْخه أَو من فَوْقه
[ ١ / ٢٢٩ ]
فَمِمَّنْ صنف مستخرجا على البُخَارِيّ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو بكر البرقاني وَأَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ
وَمِمَّنْ صنف مستخرجا على مُسلم أَبُو الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْقرشِي وَأَبُو عوَانَة الإسفرائني وَأَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ
٥٥ - (قَوْله) غير أَن الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ لحميدي مُشْتَمل على زِيَادَة تتمات إِلَى آخِره
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَمن هَا هُنَا اعْترض عَلَيْهِ فِي إِدْخَاله تِلْكَ الزِّيَادَات فِي الْكتاب فَإِنَّهُ لم يذكرهَا بِإِسْنَاد لتتميز عَن إِيرَاد الصَّحِيحَيْنِ وَذكرهَا (د ٢١) فِي ذيل الحَدِيث موهما أَنَّهَا فِي الصَّحِيح فليحذر من ذَلِك
وَهَذَا بِخِلَاف الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ لعبد الْحق وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِغَيْر لفظ الصَّحِيح
وَظَاهر كَلَام ابْن الصّلاح أَن الزِّيَادَات الْوَاقِعَة فِي كتاب الْحميدِي لَهَا حكم الصَّحِيح وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لم يروها بِسَنَد كالمستخرج وَلَا ذكر أَنه يُرِيد ألفاظا وَيشْتَرط فِيهَا الصِّحَّة حَتَّى يُقَلّد فِي ذَلِك
٥٦ - (قَوْله) ثمَّ إِن التخاريج الْمَذْكُورَة يُسْتَفَاد مِنْهَا فَائِدَتَانِ
أهمل ثَالِثَة وَهِي زِيَادَة قُوَّة الحَدِيث بِكَثْرَة الطّرق ذكرهَا النَّوَوِيّ فِي
[ ١ / ٢٣١ ]
(أ ٣٠) مُخْتَصره
٥٧ - (قَوْله) وَأما الَّذِي حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد أَو أَكثر وأغلب مَا وَقع فِي البُخَارِيّ وَهُوَ فِي كتاب مُسلم قَلِيل جدا
يَعْنِي حَتَّى قيل إِنَّه لم يَقع إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد فِي التَّيَمُّم وَهُوَ حَدِيث أبي الْجُهَيْم بن الْحَارِث بن الصمَّة أقبل رَسُول الله ﷺ من نَحْو بِئْر جمل
[ ١ / ٢٣٢ ]
يَعْنِي الحَدِيث إِلَى آخِره قَالَ فِيهِ مُسلم وروى اللَّيْث بن سعد وَلم يُوصل سَنَده بِهِ إِلَى اللَّيْث وَقد أسْندهُ البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث قيل وَلَيْسَ فِي مُسلم بعد مُقَدّمَة كِتَابه حَدِيثا لم يذكرهُ إِلَّا تَعْلِيقا غير هَذَا الحَدِيث وَفِيه مَوَاضِع أخر رَوَاهَا بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِل ثمَّ قَالَ وَرَوَاهُ فلَان وَلَيْسَ من بَاب التَّعْلِيق وَإِنَّمَا مُرَاده الْمُتَابَعَة للراوي الَّذِي أسْندهُ من طَرِيقه أَو الِاخْتِلَاف فِي السَّنَد لَكِن قَالَ أَبُو عَليّ الغساني فِي كتاب مُسلم أَرْبَعَة عشر موضعا تَعْلِيقا وسردها وَذكره النَّوَوِيّ فِي مُقَدّمَة الشَّرْح وَوَاحِدَة فِي موضِعين مِنْهَا
[ ١ / ٢٣٣ ]
٥٨ - (قَوْله) فَفِي بعضه نظر
أَي فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَحَدِيث من ساده نظر) أَي هَل هُوَ صَحِيح أم لَا مِثَاله
قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس كَذَا قَالَ مُجَاهِد كَذَا قَالَ عَفَّان كَذَا قَالَ القعْنبِي كَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي التَّمْثِيل بعفان والقعنبي فَإِن كليهمَا من شُيُوخ البُخَارِيّ الَّذين سمع مِنْهُم فَمَا رَوَاهُ عَنْهُم مَحْمُول على الِاتِّصَال وَقد ذكره على الصَّوَاب فِي النَّوْع الْحَادِي عشر وَأنكر على ابْن
[ ١ / ٢٣٤ ]
حزم حكمه بالانقطاع على حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ فِي تَحْرِيم المعازف لِأَن البُخَارِيّ قَالَ قَالَ هِشَام بن عمار وَهِشَام أحد شُيُوخ البُخَارِيّ
قلت وتمثيل ابْن الصّلاح صَحِيح وَذَلِكَ لِأَن عفانا روى عَنهُ البُخَارِيّ تَارَة شفاها وَتارَة بالواسطة والقعنبي روى عَنهُ مُسلم أَيْضا كَذَلِك فَإِذا رَأَيْنَاهُ ذكره بِصِيغَة قَالَ دون صِيغَة التحديث والإخبار احْتمل الِاتِّصَال وَعَدَمه لثُبُوت الْوَاسِطَة والاتصال مَشْكُوك فِيهِ فالتحق بِالتَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ الْقدر الْمُحَقق والوصل زِيَادَة تحْتَاج إِلَى ثُبُوت وَتوقف عَنْهَا عدوله عَن صِيغَة الِاتِّصَال إِلَى هَذِه الْعبارَة فَكَانَت هَذِه بريئة فِيمَا ذكرنَا وَكَانَ ابْن الصّلاح من بَاب أولى
[ ١ / ٢٣٥ ]
٥٩ - (قَوْله) وَيَنْبَغِي أَن قَول مَا كَانَ من ذَلِك وَنَحْوه بِلَفْظ فِيهِ جزم وَحكم بِهِ على من علقه عَنهُ فقد حكم بِصِحَّتِهِ إِلَى آخِره
وَهَذَا الَّذِي ذكره من أَن صِيغَة الْجَزْم تدل على صِحَة الحَدِيث والتمريض على ضعفه قد تبعه عَلَيْهِ أَكثر النَّاس وَقد أعترض عَلَيْهِ من جِهَتَيْنِ من جِهَة الصِّنَاعَة وَمن جِهَة الاستقراء فَإِن كَانَ هَذَا قَالَه من جِهَة الصِّنَاعَة فَلَا شكّ أَن قَول البُخَارِيّ مثلا قَالَ بِصِيغَة الْجَزْم لَيْسَ مَا يرى من قَول التَّابِعِيّ الْكَبِير قَالَ رَسُول الله ﷺ بِلَفْظ الْجَزْم وَهُوَ لَا يَقْتَضِي صِحَة الحَدِيث فبذلك رأى البُخَارِيّ إِذا علق الحَدِيث لم يفد الصِّحَّة
وللمصنف أَن يَقُول المُرَاد بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح مَا نَص أَئِمَّة الحَدِيث على صِحَّته وَإِن لم يذكر إِسْنَاده
وَأما الاستقراء فَلَا يساعده فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم فِي بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم رَحل جَابر بن عبد الله مسيرَة شهر إِلَى عبد الله بن أنيس فِي حَدِيث وَاحِد انْتهى
هَكَذَا جزم بِهِ ثمَّ ذكر بِصِيغَة التمريض فِي آخر الْكتاب فِي الرَّد على الْجَهْمِية فَقَالَ وَيذكر عَن جَابر بن عبد الله عَن عبد الله بن أنيس سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول فَذكره
[ ١ / ٢٣٦ ]
فَدلَّ على اسْتِوَاء الصيغتين عِنْده وَإِلَّا يلْزم أَن يكون الحَدِيث الْوَاحِد ضَعِيفا حسنا
وَمَا يُقَال إِنَّه جزم بالرحلة دون التحديث فعندما ذكر التحديث أَتَى بِصِيغَة التَّرَدُّد مُحْتَمل
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَأَيْضًا فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي بَاب وجوب الصَّلَاة فِي الثِّيَاب وَيذكر عَن سَلمَة ابْن الْأَكْوَع أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فزره وَلَو بشوكة وَفِي إِسْنَاده نظر
وَقَالَ فِي بَاب من أهدي لَهُ هَدِيَّة (أ ٣١) وَعِنْده جلساء فَهُوَ أَحَق وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس أَن جلساءه شركاؤه وَلم يَصح
وَلَو كَانَ هَذَا اللَّفْظ نصا فِي التَّضْعِيف لما احْتَاجَ إِلَى تضعيفها بعد
[ ١ / ٢٣٨ ]
وَقَالَ فِي بَاب الْفَخْذ ويروى عَن ابْن عَبَّاس وجرهد وَمُحَمّد بن جحش عَن النَّبِي ﷺ الْفَخْذ عَورَة وَقَالَ أنس بن مَالك حسر النَّبِي ﷺ عَن فَخذه وَحَدِيث أنس أسْند وَحَدِيث جرهد أحوط حَتَّى يخرج من اخْتلَافهمْ فَانْظُر كَيفَ قَالَ لما جزم بِهِ إِنَّه أسْند وَقَالَ [حِين] مَرضه إِنَّه أحوط وَقواهُ وسلك فيهمَا طَرِيق التَّرْجِيح وَهُوَ يدل على أَنه لَيْسَ بضعيف عِنْده
وَقد رد أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية على ابْن الصّلاح مَا اخْتَارَهُ فِي التَّعْلِيق وَقَالَ بل عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا جزم بالمعلق فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ صَحِيح عِنْده وَإِذا لم يجْزم بِهِ كَقَوْلِه وَيذكر عَن بهز بن حَكِيم كَانَ ذَلِك عِنْده
[ ١ / ٢٣٩ ]
حسنا لَا يبلغ مبلغ الصَّحِيح وَلَكِن لَيْسَ بضعيف مَتْرُوك بل هُوَ حسن يستشهد بِهِ ويحتج بِهِ إِذا لم يُخَالف الصَّحِيح وَلَكِن لَيْسَ بِالصَّحِيحِ الْمَشْهُور
وَهَذَا أقرب مِمَّا قَالَه ابْن الصّلاح
وَكَذَلِكَ نَازع فِيهِ الشَّيْخ عَلَاء الدّين مغلطاي - رَحمَه الله تَعَالَى -[قَالَ] فَإنَّا نجد البُخَارِيّ فِي مواضيع يَأْتِي بِصِيغَة الْجَزْم وَهِي ضَعِيفَة من خَارج وَيَأْتِي بِصِيغَة التمريض وَهِي صَحِيحَة مخرجة فِي كِتَابه فَمن الأول قَوْله فِي بَاب قَول الله ﷿ ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ وَقَالَ الْمَاجشون عَن عبد الله ابْن الْفضل عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة فَأَكُون أول من بعث وَقد أخرجه فِي كتاب الْأَنْبِيَاء عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة لَا ذكر فِيهِ لأبي سَلمَة
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ (د ٢٢) أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي أَطْرَافه - وَذكر كَلَام البُخَارِيّ إِنَّمَا يعرف هَذَا عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج
وَمن الثَّانِي قَوْله فِي كتاب الصَّلَاة وَيذكر عَن أبي مُوسَى قَالَ كُنَّا نتناوب النَّبِي ﷺ عِنْد صَلَاة الْعشَاء ثمَّ أسْندهُ بعد ذَلِك بأسطر فِي بَاب فضل الْعشَاء فَقَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء أَنا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي
[ ١ / ٢٤١ ]
بردة عَن أبي مُوسَى وَقَالَ فِي كتاب الطِّبّ وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ فِي الرقيا بِفَاتِحَة الْكتاب ثمَّ أسْندهُ بعد ذَلِك
وَقَالَ فِي كتاب من رد أَمر السَّفِيه والضعيف الْعقل وَإِن لم يكن حجر عَلَيْهِ الإِمَام وَيذكر عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ رد على الْمُتَصَدّق صدقته ثمَّ أسْندهُ فِي مَوضِع آخر
[ ١ / ٢٤٢ ]
قَالَ الْحَافِظ [عبد الْحق فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ إِن المُرَاد بِهِ حَدِيث جَابر فِي فِي بيع الْمُدبر الَّذِي أخرجه فِي صَحِيحه
قلت وللمنتصر لِابْنِ الصّلاح أَن يَقُول
أما الأول فَلَا يُرَاد إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك مَا يَقْتَضِي الضعْف كَمَا لَا يَقْتَضِيهِ فِيمَا علل بِهِ غَيره أَحَادِيث أسندها هُوَ وَوَصلهَا وَيجوز أَن يكون ابْن الْفضل روى
[ ١ / ٢٤٣ ]
الطَّرِيقَيْنِ فَذكر البُخَارِيّ فِي كل بَاب إِحْدَاهمَا كَمَا هِيَ عَادَته عِنْد التّكْرَار وَلَا يُعلل إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الرقَاق والتوحيد وَغَيرهمَا من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة والأعرج كليهمَا عَن أبي هُرَيْرَة وَكَذَا أخرجه مُسلم
وَلم أَن الْمُعْتَرض اعْترض بقول ابْن الصّلاح فِيمَا سَيَأْتِي من قَول البُخَارِيّ وَقَالَ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَأَن ذَلِك لَيْسَ من شَرطه لَكَانَ أقرب من هَذَا وَمَعَ ذَلِك فَجَوَابه يعلم مِمَّا سَيذكرُهُ المُصَنّف عِنْد ذكر هَذَا التَّعْلِيق
[ ١ / ٢٤٤ ]
وَأما الثَّانِي فلابن الصّلاح أَن يَقُول كَلَامي فِي التَّعْلِيق الْمُجَرّد الَّذِي لم يصله فِي مَوضِع آخر فَأَما تَعْلِيق هُوَ كَذَلِك فَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ لِأَن الْعَمَل حِينَئِذٍ بالمسند
وَلَو صَحَّ الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بذلك بِنَاء على أَن كَلَامه فِي مُطلق التَّعْلِيق لورد فِي الْقسم الآخر فَإِنَّهُ قد يجْزم بتعاليق مَعَ أَنه [قد] يسندها فِي مَوضِع آخر من الصَّحِيح وَلَا يُمكن دُخُول ذَلِك فِي تَقْسِيم ابْن الصّلاح
وَزعم أَن البُخَارِيّ حَيْثُ علق مَا هُوَ صَحِيح إِنَّمَا يَأْتِي بِهِ بِصِيغَة الْجَزْم وَقد يَأْتِي (أ ٣٢) بِهِ بِغَيْر صِيغَة الْجَزْم لغَرَض آخر غير التَّضْعِيف وَهُوَ إِذا اختصر الحَدِيث أَو أَتَى بِهِ بِالْمَعْنَى عبر بِصِيغَة التمريض لوُجُود الْخلاف الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَالْخلاف أَيْضا فِي جَوَاز اخْتِصَار الحَدِيث قَالَ وَإِذا تَأَمَّلت سِيَاق إِيرَاده فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة تَجدهُ كَذَلِك
وَهَذَا لَا معنى لَهُ فَإِن اخْتِصَار الحَدِيث أَو رِوَايَته بِالْمَعْنَى عِنْد المعتقد لجوازه بِشَرْطِهِ لَا يَقْتَضِي ذَلِك وَهنا عِنْده حَتَّى يُشِير إِلَيْهِ بعد ثُبُوت صِحَة أَصله بل كَلَام سليم الرَّازِيّ مُصَرح بِأَنا وَلَو منعنَا ذَلِك لم يسْقط بِهِ الرِّوَايَة لِأَنَّهَا مَسْأَلَة اجتهادية
[ ١ / ٢٤٥ ]
ثمَّ لَو كَانَت النُّكْتَة فِي التمريض مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِل لَاسْتَعْمَلَهُ البُخَارِيّ فِي كل موطن يَقْتَضِيهِ ذَلِك وَقد رَأَيْنَاهُ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة يسند الحَدِيث فِي مَوضِع بِطُولِهِ ثمَّ يعلقه فِي مَوضِع آخر مُخْتَصرا أَو بِالْمَعْنَى وَيَأْتِي فِيهِ بِصِيغَة الْجَزْم لَا التمريض فَمِنْهُ قَوْله فِي بَاب لَا يدْرِي مَتى يَجِيء الْمَطَر إِلَّا الله وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله
وَقد أسْندهُ بِطُولِهِ فِي كتاب الْإِيمَان بِلَفْظ فِي خمس فَحذف الْجَار وَاخْتصرَ بَقِيَّة اللَّفْظ
وَقَالَ فِي بَاب إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد لِلْعِلَّةِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس طَاف النَّبِي ﷺ على بعير وأسنده فِي كتاب الْحَج فِي بَاب الْمَرِيض يطوف رَاكِبًا عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ طَاف بِالْبَيْتِ وَهُوَ على بعير كلما أَتَى الرُّكْن أَشَارَ إِلَيْهِ وَكبر
وَقَالَ فِي بَاب رفع الْبَصَر إِلَى الْأَمَام فِي الصَّلَاة وَقَالَت عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - قَالَ النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة الْكُسُوف رَأَيْت جَهَنَّم يحطم بَعْضهَا بَعْضًا حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت مَعَ أَنه أسْندهُ مطولا فِي بَاب [إِذا] انفلتت
[ ١ / ٢٤٦ ]
الدَّابَّة فِي الصَّلَاة
وَهُوَ كثير لمن يتبعهُ فقد بَطل هَذَا التأصيل وَلم يساعده الدَّلِيل وَأَقُول مَا علقه البُخَارِيّ إِمَّا أَن يسْندهُ فِي مَوضِع آخر من كِتَابه أَو لَا فَإِن أسْندهُ فَهُوَ صَحِيح عِنْده سَوَاء ذكره بِصِيغَة الْجَزْم أَو التمريض لِأَن الْعَمَل حِينَئِذٍ بالمسند وَفَائِدَة تَعْلِيقه قصد الِاخْتِصَار عَن التّكْرَار وَإِنَّمَا لم يذكرهَا كلهَا بِصِيغَة الْجَزْم اعْتِمَادًا على سندها فِي مَوضِع آخر فسهل الْأَمر فِي ذَلِك
وَإِن لم يسندها فِي مَوضِع آخر فَينْظر إِمَّا أَن ينص على ضعفها فِيهِ أَو لَا فَإِن نَص على ضعفها فَذَاك وَهَذَا كَمَا سبق مِثَاله فِي زر الثَّوْب بشوكة والهدية لمن عِنْده قوم وَإِن لم ينص على ضعفها فِيهِ نظر كَلَامه عَلَيْهِ من خَارج فَإِن عثر عَلَيْهِ إِمَّا من تَارِيخه أَو من نقل التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي الْجَامِع أَو غَيره فَالْعَمَل حِينَئِذٍ بِمَا قَالَ من تَضْعِيف أَو تَحْسِين من أمثلته قَوْله فِي بَاب الْغسْل وَقَالَ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده مَعَ أَنه قَالَ فِي تَارِيخه مِمَّا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْده صَحِيحا بل إِمَّا حسن أَو ضَعِيف وَإِن لم يُوجد شَيْء من ذَلِك فَهُوَ عِنْده حسن يستشهد بِهِ لَا سِيمَا إِذا ذكر مَعَه بِمَعْنَاهُ فِي الْمسند مَا يقويه ويعضده
[ ١ / ٢٤٧ ]
وَهَذَا كُله بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَذْهَب البُخَارِيّ فِي ذَلِك وَإِلَّا فَإِذا علمنَا لَهُ سندا من خَارج وَجب الحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ حَاله من صِحَة أَو غَيرهَا وَكَذَلِكَ كَلَام غَيره من الْحفاظ فِيهِ
[ ١ / ٢٤٨ ]
٦٠ - (قَوْله) عَن الْحَافِظ أبي نصر الوائلي أجمع أهل الْعلم أَنه لَو حلف بِالطَّلَاق أَن جَمِيع مَا فِي البُخَارِيّ مِمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ قد صَحَّ عَنهُ وَرَسُول الله ﷺ قَالَه لَا شكّ فِيهِ أَنه لَا يَحْنَث وَالْمَرْأَة بِحَالِهَا فِي حبالته انْتهى
والحبالة - بِكَسْر الْحَاء - قيدها ابْن الْأَثِير وَغَيره يجمع على حبائل وَمِنْه النِّسَاء حبائل الشَّيْطَان أَي مصائده
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَفِيه أُمُور
أَحدهَا أَن هَذَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا وَعَزاهُ إِلَى كتاب مُسلم قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه الْمسَائِل المفيدة قَالَ أَبُو الْمَعَالِي من حلف بِطَلَاق زَوجته أَن جَمِيع مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم (أ ٣٣) صَحِيح لم تطلق عَلَيْهِ لإِجْمَاع (د ٢٣) الْمُسلمين على صِحَة مَا فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ حَكَاهُ عَنهُ قَاضِي أران نقلته من خطّ شَيخنَا السلَفِي أَنه سَمعه مِنْهُ ثمَّ أَشَارَ ابْن دحْيَة إِلَى الْقدح فِي الْإِجْمَاع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمِيع فَقَالَ وَعرض البُخَارِيّ كِتَابه على حَافظ الدُّنْيَا أبي زرْعَة الرَّازِيّ فَقَالَ كتابك كُله صَحِيح إِلَّا ثَلَاثَة احاديث
الثَّانِي أَن ابْن الصّلاح فِي غير هَذَا الْكتاب قد نَازع الإِمَام فِي هَذَا الْمدْرك وَقَالَ لقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يَحْنَث وَلَو لم يجمع [الْمُسلمُونَ] على صحتهما للشَّكّ فِي الْحِنْث فَإِنَّهُ لَو حلف بذلك فِي حَدِيث لَيْسَ هَذِه صفته لم يَحْنَث وَإِن
[ ١ / ٢٥٠ ]
كَانَ رَاوِيه فَاسِقًا فَعدم الْحِنْث حَاصِل قبل الْإِجْمَاع فَلَا يُضَاف إِلَى الْإِجْمَاع ثمَّ أجَاب بِأَن الْمُضَاف إِلَى الْإِجْمَاع هُوَ الْقطع بِعَدَمِ الْحِنْث ظَاهرا وَبَاطنا وَأما عِنْد الشَّك فَعدم الْحِنْث مَحْكُوم بِهِ ظَاهرا مَعَ احْتِمَال وجوده بَاطِنا فعلى هَذَا يحمل كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ اللَّائِق بتحقيقه
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَهَذَا مِنْهُ بِنَاء على اخْتِيَاره - أَن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهَا - وَأما على مَذْهَب الْأَكْثَرين فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ لَا يَحْنَث ظَاهرا وَلَا يسْتَحبّ لَهُ الْتِزَام الْحِنْث حَتَّى تسْتَحب لَهُ الرّجْعَة كَمَا إِذا حلف بِمثل ذَلِك فِي غير الصَّحِيحَيْنِ فَإنَّا لَا نحنثه لَكِن تسْتَحب لَهُ الرّجْعَة احْتِيَاطًا لاحْتِمَال الْحِنْث وَهُوَ احْتِمَال ظَاهر قَالَ وَأما الصحيحان فاحتمال الْحِنْث فيهمَا فِي غَايَة الضعْف وَلَا تسْتَحب لَهُ الرّجْعَة لضعف احْتِمَال مُوجبهَا وَهُوَ حسن
[ ١ / ٢٥١ ]
وَقَالَ غَيره لَا نسلم عدم وُقُوع الطَّلَاق للجزم بِصِحَّتِهِ بل لعدم الْجَزْم بِعَدَمِ صِحَّته وَلَا يَقع الطَّلَاق بِالشَّكِّ فِي وُقُوع الْمُعَلق لِأَن الْحَالِف لَا يَحْنَث إِلَّا إِذا حلف على أَمر تحقق كذبه أما إِذا حلف على أَمر يعْتَقد صدقه وَهُوَ غير صَادِق لَا يَحْنَث لَا ظَاهرا وَلَا بَاطِنا
الثَّالِث أَنه أجْرى هَذَا على إِطْلَاقه بِالنِّسْبَةِ لجَمِيع مَا فِيهِ من الْمسند ثمَّ اسْتثْنى فِيمَا بعد مَا قدح [فِيهِ] مُعْتَمد من الْحفاظ وَهُوَ يفهم أَنه لم يرد بِهِ التعليقات بل المسندات المتعقبات وَهِي لَا شكّ مِمَّا حكم الإمامان بِصِحَّتِهَا فَهَذَا التَّقْيِيد خلاف مَا أطلقهُ هُنَا وَكَلَام أبي نصر وَالْإِمَام ينبو عَن تَأْوِيله
٦١ - (قَوْله) إِن فِي بعض التراجم مَا لَيْسَ من شَرطه كَقَوْلِه بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ ويروى عَن ابْن عَبَّاس وجرهد وَمُحَمّد بن جحش عَن النَّبِي ﷺ الْفَخْذ عَورَة
٦٢ - (قَوْله) فِي أول بَاب من أَبْوَاب الْغسْل قَالَ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ الله أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ فَهَذَا قطعا لَيْسَ من شَرطه وَلذَلِك لم يُورِدهُ الْحميدِي فِي كِتَابه فَاعْلَم ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ خَافَ انْتهى
وَمرَاده أَن هَذَا التَّعْلِيق لم يفد إِلَّا الحكم بِصِحَّتِهِ عَمَّن أسْندهُ إِلَيْهِ أما الْمَذْكُور
[ ١ / ٢٥٢ ]
فَلَيْسَ من شَرطه وَلِهَذَا لم يحْتَج بِهِ فِي إِسْنَاده وَبِهَذَا صرح أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب السماع فَقَالَ البُخَارِيّ لَا يعلق فِي كِتَابه إِلَّا مَا كَانَ فِي نَفسه صَحِيحا مُسْندًا لكنه لم يسْندهُ ليفرق بَين مَا كَانَ على شَرطه فِي اصل كِتَابه وَبَين مَا لَيْسَ كَذَلِك
وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام قد يعلق مَا لَيْسَ من شَرطه إِثْر التراجم فقد يترجم بِأَلْفَاظ غير الصَّحِيحَة ويورد أَحَادِيث مُرْسلَة فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد فِي هَذِه كلهَا أَن مذْهبه صِحَّتهَا بل لَيْسَ لَهُ ذَلِك [بِمذهب] إِلَّا فِيمَا يُورِدهُ بِإِسْنَادِهِ موصلا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر إِن البُخَارِيّ فِيمَا يعلق من الْأَحَادِيث فِي الْأَبْوَاب غير مبال لضعف رواتها فَإِنَّهَا غير مَعْدُودَة فِيمَا انتخب وَإِنَّمَا يعد من ذَلِك مَا وصل الْأَسَانِيد
قلت وَكَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن يُخَالف مَا فهمه المُصَنّف من كَلَام البُخَارِيّ فِي بعض التراجم السَّابِقَة فَإِنَّهُ لما (أ ٣٤) روى حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ وَقد أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة يَعْنِي أَنه أَوْمَأ إِلَى تقويته وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي اللبَاس من مُسْتَدْركه وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي الْفَخْذ وَقَالَ هَذِه أَسَانِيد صَحِيحَة مُحْتَج بهَا ونازعه الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره وَقَالَ لَا تصل إِلَى الصِّحَّة بل صَالِحَة للحجة بانضمام بَعْضهَا إِلَى بعض
وَاعْلَم أَنه قد اعْترض على المُصَنّف فِي تَخْصِيصه الصِّحَّة فِي كتاب البُخَارِيّ بالمقاصد دون الْأَبْوَاب والتراجم بِأَنَّهُ مُخَالف لقَوْله أَولا إِن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح لِأَنَّهُ إِمَّا مَذْكُور بِالْأَسَانِيدِ وَلَا خلاف فِي صِحَّته أَو بِلَفْظ الْجَزْم فَهُوَ مُلْحق بِهِ أَو غير ذَلِك وَهُوَ قَلِيل وَذكره فِي أثْنَاء الصَّحِيح يشْعر بِصِحَّتِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن القَوْل فِي الصَّحِيح وَالْحسن رَاجع إِلَى تنصيص مَشَايِخ الحَدِيث وَهَا هُنَا ألزم أَن الْمُصَحح فِي كتاب البُخَارِيّ هِيَ الْمَقَاصِد دون التراجم والتعاليق فَبين الْكَلَامَيْنِ فرق
قلت مُرَاده الصِّحَّة الْمجمع عَلَيْهَا فَلَا يرد عَلَيْهِ التَّعَالِيق وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ من شَرطه
٦٣ - (قَوْله) فِي السَّابِعَة فِي ذكر رتب الصَّحِيح وَأَن أَعْلَاهُ مَا اتّفق عَلَيْهِ البُخَارِيّ وَمُسلم
[ ١ / ٢٥٤ ]
قيل فَاتَهُ أَن يَقُول أَعْلَاهُ مَا اتّفق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة السِّتَّة فَهُوَ أَعلَى من حَدِيث اتفقَا عَلَيْهِ وَحدهمَا وَمن نظر الْأَطْرَاف للمزي اجْتمع لَهُ مِنْهُ الْكثير وَقد أفرده بالتصنيف ابْن بنت أبي سعد وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين مغلطاي
وَفِي هَذَا نظر لِأَن شَرط الْأَرْبَعَة دون شَرط الصَّحِيحَيْنِ وَمَا لَا مدْخل لَهُ فِي زِيَادَة الصِّحَّة لَا يصلح للترجيح فِيهَا
وَقد يمْنَع بِأَن الْفُقَهَاء قد يرجحون بِمَا لَا مدْخل لَهُ فِي ذَلِك الشَّيْء كَابْن الْعم الشَّقِيق يقدم على ابْن الْعم للْأَب وَإِن كَانَ الْعم للْأُم لَا يَرث
نعم هَذَا إِنَّمَا يتم فِي تعَارض حديثين أَحدهمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَالْآخر أخرجه الشَّيْخَانِ دونهم أما حَدِيث اتّفق السِّتَّة على إِخْرَاجه فَلَا تعلق لَهُ بِحَدِيث آخر انْفَرد بِهِ الشَّيْخَانِ حَتَّى يُقَال هَذَا اصح من هَذَا
[ ١ / ٢٥٥ ]
٦٤ - (قَوْله) الثَّانِيَة صَحِيح انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ
أَي تَفْرِيعا على تَفْضِيل كِتَابه على مُسلم لِأَن شَرطه أضيق من شَرط مُسلم (د ٢٤)
٦٥ - (قَوْله) الثَّالِث صَحِيح انْفَرد بِهِ مُسلم
لَك أَن تَقول إِنَّمَا يظْهر نزُول هَذَا عَمَّا قبله فِي حَدِيث نَص البُخَارِيّ على تَعْلِيله فَأخْرجهُ مُسلم أما حَدِيث لم يتَعَرَّض لَهُ البُخَارِيّ وَأخرجه مُسلم كَيفَ يكون نازلا وَترك البُخَارِيّ لَهُ لَا يقْدَح فِيهِ لِأَنَّهُ لم يلْتَزم كل الصَّحِيح
وَالتَّحْقِيق أَن هَذِه الرُّتْبَة وَمَا قبلهَا غير جَارِيَة على الْإِطْلَاق بل قد يكون بَعْضهَا كَمَا ذكر وَقد يكون بَعْضهَا بِخِلَافِهِ
وَإِلَى ذَلِك يُشِير كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل حَيْثُ قَالَ فَإِن كَانَ مِمَّا خرجه الشَّيْخَانِ فِي كِتَابَيْهِمَا وَهُوَ الدرجَة الأولى من الصِّحَاح بَينته وَإِن كَانَ مِمَّا خرجه أَحدهمَا دون الاخر وَبَعضه دون الدرجَة الأولى فِي الصِّحَّة ذكرته انْتهى
وَيدل لذَلِك أَنهم قد يقدمُونَ بعض مَا رَوَاهُ مُسلم على مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ لمرجح اقْتضى ذَلِك وَمن رجح كتاب البُخَارِيّ على مُسلم إِنَّمَا أَرَادَ تَرْجِيح الْجُمْلَة على
[ ١ / ٢٥٦ ]
الْجُمْلَة لَا كل وَاحِد وَاحِد من أَحَادِيثه على كل وَاحِد من أَحَادِيث الآخر وَمَعَ ذَلِك فَلَا يَسْتَقِيم من المُصَنّف إِطْلَاق تَرْجِيح مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ على مُسلم
٦٦ - (قَوْله) الرَّابِع صَحِيح على شَرطهمَا
هَذَا يتَوَقَّف على معرفَة المُرَاد بشرطهما وَقد اخْتلف فِي ذَلِك قَالَ الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين إِذا قَالُوا على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن ذَلِك مخرج على نَظِير رجال الصَّحِيحَيْنِ واصطلاح الْمُتَأَخِّرين إِذا كَانَ (أ ٣٥) على رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبِهَذَا جزم النَّوَوِيّ وَغَيره فَقَالَ المُرَاد بشرطهما أَن يكون رجال إِسْنَاده فِي كِتَابَيْهِمَا على مَا ذكرنَا
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمدْخل لما كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ إِيدَاع الصَّحِيح فِي كِتَابه صَار من يروي عَنهُ رِوَايَة موثوقا بِهِ فَجَائِز لمن حذا حذوه أَن يحْتَج بِهِ بِعَيْنِه وَإِن كَانَ فِي غير ذَلِك الْخَبَر فَإِذا روى مَالك وَاللَّيْث بن سعد وَعقيل وَيُونُس
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَشُعَيْب وَمعمر وَابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ فقد صَار هَؤُلَاءِ بأجمعهم من شَرطه فِي الزُّهْرِيّ حَيْثُ وجدوا إِذا صحت الرِّوَايَة عَنْهُم فَأَيهمْ جِيءَ بَدَلا عَن الاخر كَانَ شَرط البُخَارِيّ فِيهِ مَوْجُودا ورأيته قصد فِي أَكثر حَدِيث ابْن عُيَيْنَة إِلَى الرِّوَايَة عَن الْحميدِي وَعلي بن الْمَدِينِيّ لذكرهما عِنْد الْخَبَر فِي أَكثر مَا روياه عَنهُ ثمَّ قد روى عَن غَيرهمَا مَا لَا يذكر فِيهِ الْخَبَر فَصَارَ ذكر تِلْكَ الرِّوَايَات الَّتِي أَتَى بهَا عَن ابْن عُيَيْنَة من روايتهما مُتَّصِلَة وَإِن لم يذكر وَصلهَا من يرويهِ هَذَا الْإِسْنَاد عَنهُ اسْتِدْلَالا بروايته ذَلِك الْخَبَر مُتَّصِلا
وَأما الْحَاكِم فَقَالَ فِي الإكليل شَرطهمَا أَلا يذكرَا إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور لَهُ راويان ثقتان [فَأكْثر] ثمَّ يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن
[ ١ / ٢٥٨ ]
الصَّحَابَة لَهُ [أَيْضا] راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من أَتبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور (على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك) قَالَ وَالْأَحَادِيث المروية بِهَذَا الشَّرْط لَا يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف وَوَافَقَهُ صَاحبه الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ فِي السّنَن فِي عُقُوبَة كاتم مَاله عَن الزَّكَاة لم يخرج الشَّيْخَانِ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده جَريا على عَادَتهمَا فِي أَن الصَّحَابِيّ اَوْ التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد لم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح وَمُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي لم يثبت عَنْهُمَا رِوَايَة ثِقَة عَنهُ غير ابْنه فَلم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح انْتهى
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَقَالَ فِي رسَالَته للجويني رَأَيْت الشَّيْخ حكى عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه اشْترط فِي قبُول الْأَخْبَار رِوَايَة عَدْلَيْنِ حَتَّى يصل بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِي عندنَا من مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَنَّهُمَا إِنَّمَا يشترطان أَن يكون للصحابي الَّذِي روى الحَدِيث راويان فَأكْثر ليخرج بذلك عَن حد الْجَهَالَة وَهَكَذَا من دونه إِن انْفَرد أحد الراويين عَنهُ بِحَدِيث وَانْفَرَدَ الآخر بِحَدِيث آخر قبلاه وَإِنَّمَا يتوقفان فِي رِوَايَة صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ لَا يكون لَهُ إِلَّا راو وَاحِد كصفوان بن عَسَّال لم يرو عَنهُ ثِقَة إِلَّا زر بن حُبَيْش وَعُرْوَة بن مُضرس لم يرو عَنهُ غير الشّعبِيّ
[ ١ / ٢٦٠ ]
وعَلى هَذَا انْتهى
قد رد على الْحَاكِم الْأَئِمَّة فِي ذَلِك قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي الْإِلْمَام هَذِه الدَّعْوَى لم تثبت وَقد أبطل ذَلِك الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْمصْرِيّ فِي الْكتاب الَّذِي بَين فِيهِ أَوْهَام الْمدْخل للْحَاكِم
قلت وَكَذَلِكَ رد على الْحَاكِم الْحَازِمِي وَابْن طَاهِر وَابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ هَذَا غير صَحِيح وَلم يصب الْحَاكِم فِي هَذَا الظَّن
[ ١ / ٢٦١ ]
وَقَالَ الْحَازِمِي هَذَا قَول من لم يمعن الغوص فِي خبايا الصَّحِيح وَلَو عكس الْقَضِيَّة كَانَ أسلم قَالَ وَقد صرح بِنَحْوِ مَا قلت من هُوَ أمكن مِنْهُ فِي الحَدِيث هُوَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ قَالَ وَأما الْأَخْبَار فَإِنَّهَا كلهَا أَخْبَار آحَاد لِأَنَّهُ لَيْسَ يُوجد عَن النَّبِي ﷺ خبر من رِوَايَة عَدْلَيْنِ روى كل وَاحِد مِنْهُمَا [عَن] عَدْلَيْنِ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رول الله ﷺ فَلَمَّا اسْتَحَالَ هَذَا وَبَطل ثَبت أَن الْأَخْبَار كلهَا أَخْبَار آحَاد فَمن رد خبر الْوَاحِد فقد رد السّنة كلهَا
قَالَ الْحَازِمِي (أ ٣٦) وَمن سبر مطالع الْأَخْبَار عرف صَوَاب مَا ذكره ابْن حبَان
وَأما قَوْله إِن الْمَوْجُود على هَذَا الشَّرْط قريب من عشرَة آلَاف فَهَذَا ظن مِنْهُ بِأَنَّهُمَا لم يخرجَا إِلَّا على مَا رسم بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن أقْصَى مَا يُمكن اعْتِبَاره فِي الصِّحَّة هُوَ شَرط البُخَارِيّ وَلَا يُوجد فِي كِتَابه من النَّحْو الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِلَّا الْقدر الْيَسِير
وَأما قَوْله إِن شَرطهمَا إِخْرَاج الحَدِيث عَن عَدْلَيْنِ وهلم جرا فَلَيْسَ كَذَلِك فَفِي الْكِتَابَيْنِ أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لَيْسَ لَهُم غير راو وَاحِد كمرداس بن مَالك الْأَسْلَمِيّ فِي حَدِيث يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَلَيْسَ
[ ١ / ٢٦٢ ]
لمرداس فِي كتاب البُخَارِيّ غَيره قلت وَوهم الْحَاكِم فِي قَوْله إِن مرداسا لم يخرج لَهُ الشَّيْخَانِ شَيْئا
وَمِنْهُم حزن بن أبي وهب المَخْزُومِي خرج لَهُ البُخَارِيّ حديثين وَقد انْفَرد بهما عَنهُ [ابْنه] الْمسيب وَعَن الْمسيب ابْنه سعيد
[وَمِنْهُم رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فِي مُسلم وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله بن الصَّامِت
وَحَدِيث أبي رِفَاعَة الْعَدوي لم يرو عَنهُ غير حميد بن هِلَال وَحَدِيث الْأَغَر الْمُزنِيّ وَلم يرو عَنهُ غير أبي بردة] قَالَ وَمن مفاريد الْكِتَابَيْنِ حَدِيث
[ ١ / ٢٦٣ ]
إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَرد من غرائب الصَّحِيح إِذْ لم يروه عَن عمر سوى عَلْقَمَة انْتهى مُلَخصا
قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر فِي كتاب اليواقيت هَذَا الشَّرْط لم يشترطاه (د ٢٥) وَلَا نقل عَن وَاحِد مِنْهُمَا أَنه قَالَه وَالْحَاكِم ظن ذَلِك ولعمري إِنَّه شَرط حسن لَو كَانَ مَوْجُودا فِي كِتَابَيْهِمَا لكنه منتقض بِأَحَادِيث روياها عَن أَقوام لَيْسَ لَهُم غير راو وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم فَبَطل هَذَا الأَصْل
وَقد صرح الإِمَام المتقن أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَنْدَه بِأَن شَرطهمَا خلاف مَا قَالَه الْحَاكِم فَقَالَ وَمن حكم الصَّحَابِيّ إِذا روى عَنهُ تَابِعِيّ وَإِن كَانَ مَشْهُورا مثل الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب ينْسب إِلَى الْجَهَالَة فَإِذا روى عَنهُ رجلَانِ صَار مَشْهُورا وَاحْتج بِهِ وعَلى هَذَا بنى البُخَارِيّ وَمُسلم كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا أحرفا تبين أمرهَا [انْتهى]
[ ١ / ٢٦٤ ]
واعتنى ابْن الْأَثِير بالحاكم فَقَالَ مَا حكم على الْكِتَابَيْنِ بِهَذَا الحكم إِلَّا بعد الاختبار وَغَايَة مَا قيل عَلَيْهِ إِن فِي الْكِتَابَيْنِ أَحَادِيث على غير هَذَا الشَّرْط وَهَذَا ناف وَالْحَاكِم مُثبت على أَنه يُمكن تَأْوِيله بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الحَدِيث قد رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية راويان وَرَوَاهُ عَن ذَيْنك الراويين أَرْبَعَة عَن كل راو راويان [وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَن كل وَاحِد من الْأَرْبَعَة راويان] وَكَذَلِكَ إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم
الثَّانِي أَن يكون للصحابي راويان يروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا ثمَّ يكون لهَذَا الرَّاوِي راويان ويروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا وَكَذَلِكَ لكل وَاحِد مِمَّن روى ذَلِك الحَدِيث [راويان] وَيكون الْغَرَض من هَذَا الشَّرْط تَزْكِيَة الروَاة واشتهار ذَلِك الحَدِيث لصدوره عَن (قوم مشهورين بالرواية) انْتهى
وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين مُرَاد الْحَاكِم بقوله وَله راويان ثقتان أَي للراوي
[ ١ / ٢٦٥ ]
راويان لَا للْحَدِيث الْمَذْكُور لأَنا وجدنَا أَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يَرْوِيهَا إِلَّا راو وَاحِد فِي مَرَّات مُتعَدِّدَة كَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِن كَانَ أَرَادَ أَن كل حَدِيث يرويهِ الرَّاوِي يكون لَهُ راويان فالاعتراض عَلَيْهِ مُتَوَجّه وَإِن كَانَ أَرَادَ أَن رَاوِي كل حَدِيث مَشْرُوط بِأَن يكون لَهُ راويان سَوَاء كَانَ فِي هَذَا الحَدِيث أَو غَيره فالاعتراض غير وَارِد
وَأغْرب مِمَّا قَالَه الْحَاكِم قَول أبي حَفْص الميانشي إِن شَرطهمَا فِي صَحِيحَيْهِمَا أَلا يدخلا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدهمَا وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ اثْنَان فَصَاعِدا وَمَا نَقله عَن كل وَاحِد من الصَّحَابَة (أ ٣٧) أَرْبَعَة من التَّابِعين فَأكْثر
وَقَالَ ابْن طَاهِر إِن الْأَئِمَّة الْخَمْسَة البُخَارِيّ وَمُسلمًا وَأَبا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ لم ينْقل عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه قَالَ شرطت فِي كتابي أَن أخرج على كَذَا لَكِن لما سبرت كتبهمْ علم بذلك كل وَاحِد مِنْهُم فَشرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة نقلته إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور فَأن كَانَ للصحابي راويان فَصَاعِدا فَحسن وَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد وَصَحَّ ذَلِك الطَّرِيق إِلَى ذَلِك الرَّاوِي أَخْرجَاهُ إِلَّا أَن مُسلما أخرج حَدِيث قوم وَترك البُخَارِيّ حَدِيثهمْ لشُبْهَة وَقعت فِي نَفسه كحماد بن سَلمَة وَسُهيْل بن أبي صَالح وَدَاوُد بن
[ ١ / ٢٦٦ ]
أبي هِنْد وَأبي الزبير والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم
وَالْبُخَارِيّ لما تكلم فِي هَؤُلَاءِ بِمَا لَا يزِيل الْعَدَالَة والثقة ترك إِخْرَاج حَدِيثهمْ اسْتغْنَاء بغيرهم فتكلموا فِي سُهَيْل من سَمَاعه من أَبِيه فَقيل صحيفَة وَتَكَلَّمُوا فِي حَمَّاد بِأَنَّهُ أَدخل فِي حَدِيثه مَا لَيْسَ مِنْهُ
وَعند مُسلم مَا صَحَّ هَذَا النّظر فَأخْرج أَحَادِيثهم لإِزَالَة الشُّبْهَة عِنْده انْتهى
وَقَالَ الْحَازِمِي مَذْهَب من يخرج الصَّحِيح أَن يعْتَبر حَال الرَّاوِي الْعدْل فِي مشايخه وفيمن روى عَنْهُم وهم ثِقَات أَيْضا وَحَدِيثه عَن بَعضهم صَحِيح ثَابت يلْزمهُم أخراجه وَعَن بَعضهم مَدْخُول لَا يصلح إِخْرَاجه إِلَّا فِي الشواهد والمتابعات وَهَذَا بَاب فِيهِ غموض وَطَرِيقه معرفَة طَبَقَات الروَاة عَن رَاوِي
[ ١ / ٢٦٧ ]
الأَصْل ومراتب مداركهم ولنوضح ذَلِك بمثال وَهُوَ أَن تعلم مثلا أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على خمس طَبَقَات مُتَفَاوِتَة فَالْأولى فِي غَايَة الصِّحَّة نَحْو مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَعبيد الله بن عمر وَيُونُس وَعقيل وَنَحْوهم وَهِي مقصد البُخَارِيّ
الثَّانِيَة شاركت الأولى فِي الْعَدَالَة غير أَن الأولى جمعت بَين الْحِفْظ والإتقان وَبَين طول الْمُلَازمَة لِلزهْرِيِّ حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يزامله فِي السّفر ويلازمه فِي الْحَضَر وَالثَّانيَِة لم تلْزم الزُّهْرِيّ إِلَّا مُدَّة يسيرَة وَلم تمارس حَدِيثه وَكَانُوا فِي الإتقان دون الطَّبَقَة الأولى [وهم] شَرط مُسلم نَحْو الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد والنعمان بن رَاشد وَعبد الرَّحْمَن بن مُسَافر وَنَحْوهم
وَالثَّالِثَة جمَاعَة لزموا الزُّهْرِيّ كالطبقة الأولى غير أَنهم لم يسلمُوا من غوائل الْجرْح فهم بَين الرَّد وَالْقَبُول وَهُوَ شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ نَحْو سُفْيَان بن حُسَيْن وجعفر بن برْقَان وَعبد الله بن عمر الْعمريّ وَزَمعَة بن صَالح
[ ١ / ٢٦٨ ]
الْمَكِّيّ وَغَيرهم
وَالرَّابِع قوم شاركوا أهل الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لأَنهم لم يصاحبوا الزُّهْرِيّ كثيرا وهم شَرط التِّرْمِذِيّ وَقَالَ وَفِي الْحَقِيقَة شَرط التِّرْمِذِيّ أبلغ من شَرط أبي دَاوُد لِأَن الحَدِيث إِذا كَانَ ضَعِيفا أَو مطلعه فِي حَدِيث أهل الطَّبَقَة الرَّابِعَة فَإِنَّهُ يبين ضعفه وينبه عَلَيْهِ فَيصير الحَدِيث عِنْده من بَاب الشواهد والمتابعات وَيكون اعْتِمَاده على مَا صَحَّ عِنْد الْجَمَاعَة وَمن هَذِه الطَّبَقَة إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ وَمُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة الْمدنِي وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد الْمَكِّيّ والمثنى بن الصَّباح
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَنَحْوهم
الْخَامِسَة قوم من الضُّعَفَاء والمجهولين لَا يجوز لمن يخرج الحَدِيث على الْأَبْوَاب أَن يخرج لَهُم إِلَّا على سَبِيل الِاعْتِبَار والاستشهاد عِنْد أبي دَاوُد فَمن دونه فَأَما عِنْد الشَّيْخَيْنِ فَلَا كبحر بن كنيز السقاء وَالْحكم بن عبد الله الْأَيْلِي وَعبد القدوس بن حبيب وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب وَغَيرهم
وَقد يخرج البُخَارِيّ أَحْيَانًا عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَمُسلم عَن أَعْلَام الطَّبَقَة
[ ١ / ٢٧٠ ]
الثَّالِثَة وَأَبُو دَاوُد عَن مشاهير الرَّابِعَة وَذَلِكَ لأسباب تَقْتَضِيه وَبِهَذَا (أ ٣٨) يعْتَذر لمُسلم فِي إِخْرَاج حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ لم يخرج رواياته إِلَّا عَن الْمَشْهُورين كثابت الْبنانِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَذَلِكَ لِكَثْرَة ملازمته ثَابتا وَطول صحبته إِيَّاه بِخِلَاف أَحَادِيث حَمَّاد عَن آحَاد الْبَصرِيين فَإِن مُسلما لم يُخرجهَا لِكَثْرَة غرائبها ولقلة ممارسته لحديثهم وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يسبر حَال الشَّخْص فِي الرِّوَايَة بعد ثُبُوت عَدَالَته فمهما حصل الْفَهم بِحَالَة (د ٢٦) الرَّاوِي على النَّحْو الْمَذْكُور وَكَانَ الرَّاوِي محتويا على الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة تعين إِخْرَاج حَدِيثه مُنْفَردا بِهِ كَانَ أَو مشاركا وَلَا يُقَال يلْزم البُخَارِيّ ان يخرج عَن أَعْلَام الطَّبَقَة الثَّانِيَة لوُجُود الصِّحَّة لأَنا نقُول هُوَ لم يلْتَزم إِخْرَاج كل صَحِيح كَمَا مر بَيَانه
وَأعلم أَن مُسلما ذكر فِي أول صَحِيحه أَنه يقسم الحَدِيث ثَلَاثَة أَقسَام وَاخْتلف الْحفاظ هَل ذكرهَا أَو ذكر الأول فَقَط واخترمته الْمنية قبل الثَّانِي فَقَالَ القَاضِي عِيَاض بِالْأولِ
[ ١ / ٢٧١ ]
وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ بِالثَّانِي
[ ١ / ٢٧٢ ]
٦٧ - (قَوْله) السَّابِع صَحِيح عِنْد غَيرهمَا وَلَيْسَ على شَرط أَحدهمَا
جعل غَيره السَّابِع مَا حكم بِصِحَّتِهِ أهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَمن المهم معرفَة شرطهم وَقد سبق من كَلَام الْحَازِمِي شَيْء مِنْهُ وَقَالَ ابْن طَاهِر أما أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فَإِن كتابهما يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام
الأول الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحكمه مَا ذكرنَا
وَالثَّانِي الصَّحِيح على شَرطهمَا قَالَ ابْن مَنْدَه شَرطهمَا إِخْرَاج أَحَادِيث أَقوام لم يجمع على تَركهم إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الْإِسْنَاد من غير قطع وَلَا إرْسَال فَيكون هَذَا الْقسم من الصَّحِيح لما بَينا أَن الشَّيْخَيْنِ تركا كثيرا من
[ ١ / ٢٧٣ ]
الصَّحِيح الَّذِي حفظاه
الثَّالِث أَحَادِيث أَخْرَجَاهَا من غير قطع مِنْهُمَا بِصِحَّتِهَا وَقد أَبَانَا بِمَا يفهمهُ أهل الْمعرفَة فأورداها وَبينا سقمها لتزول الشُّبْهَة
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ فِي كِتَابه الممهد وَإِذا الْتفت إِلَى (غير مَا يُخرجهُ) أهل الصَّحِيح فَمَا خرجه النَّسَائِيّ أقرب بِالصَّحِيحِ مِمَّا خرجه غَيره بل من النَّاس من يعده من أهل الصَّحِيح لِأَنَّهُ يبين علل الْأَسَانِيد فَإِنَّهُ أدخلها فِي كِتَابه وَقد حَدثنَا عَنهُ أَنه قَالَ لم أخرج فِي كتاب السّنَن
[ ١ / ٢٧٤ ]
[عَن] من يتَّفق على تَركه فَإِن خرج مِنْهُم وَاحِد بَينته وَهَذِه رُتْبَة فِي الْعلم شريفة
قَالَ ابْن طَاهِر وَأما التِّرْمِذِيّ فقسم كِتَابه على أَرْبَعَة أَقسَام صَحِيح مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ مَا أوردهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (وَقسم على شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كَمَا بَينا فِي الْقسم الثَّانِي لَهما)
وَقسم آخر كالثالث لَهما أخرجه وَأَبَان عَنهُ ورابع أبان [هُوَ] [عَنهُ] وَقَالَ مَا أخرجت فِي كتابي إِلَّا حَدِيثا قد عمل بِهِ بعض الْفُقَهَاء [مَا خلا حديثين] فعلى الأَصْل كل حَدِيث احْتج بِهِ مُحْتَج أَو عمل بِهِ عَامل أخرجه سَوَاء صَحَّ طَرِيقه أم لم يَصح وَقد أزاح عَن نَفسه بِأَنَّهُ تكلم على كل حَدِيث بِمَا فِيهِ وَكَانَ من طَرِيقه أَن يترجم الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث مَشْهُور عَن صَحَابِيّ [فِي حكم] قد صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِ وَأخرج حَدِيثه فِي الْكتب الصِّحَاح ويورد فِي
[ ١ / ٢٧٥ ]
الْبَاب ذَلِك الحكم عَن صَحَابِيّ آخر لم يخرجوه من حَدِيثه [وَلَا يكون الطَّرِيق إِلَيْهِ] كالطريق إِلَى الأول إِلَّا أَن الحكم صَحِيح ثمَّ يتبعهُ بِأَن يَقُول وَفِي الْبَاب عَن فلَان ويعد جمَاعَة فيهم الصَّحَابِيّ فالأكثر [الَّذِي أخرج ذَلِك الحكم من حَدِيثه] وَمَا سلك هَذِه الطَّرِيقَة إِلَّا فِي أَبْوَاب مَعْدُودَة
٦٨ - (قَوْله) إِن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهَا لتلقي الْأمة لَهَا بِالْقبُولِ وَالْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة انْتهى
وَقَالَ فِي جُزْء لَهُ مَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاجه فَهُوَ مَقْطُوع بِصدق مخبره ثَابت يَقِينا لتلقي الْأمة ذَلِك بِالْقبُولِ وَذَلِكَ يُفِيد الْعلم النظري [وَهُوَ فِي إِفَادَة الْعلم كالمتواتر إِلَّا أَن الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ وتلقي الْأمة بِالْقبُولِ يُفِيد الْعلم النظري] وَقد اتّفقت الْأمة على أَن مَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على صِحَّته
[ ١ / ٢٧٦ ]
(أ / ٣٩) فَهُوَ حق وَصدق انْتهى
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن هَذَا الَّذِي قَالَه المُصَنّف قد أنكرهُ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ وَأَبُو مُحَمَّد بن عبد السَّلَام فَقَالَ النَّوَوِيّ خَالف الشَّيْخ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ وَقَالُوا يُفِيد الظَّن مَا لم يتواتر لِأَن أَخْبَار الْآحَاد لَا تفِيد إِلَّا الظَّن وَلَا يلْزم من إِجْمَاع الْأمة على الْعَمَل بِمَا فيهمَا إِجْمَاعهم على أَنه مَقْطُوع بِهِ من كَلَام رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين هُوَ مَبْنِيّ على قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْأمة إِذا عملت
[ ١ / ٢٧٧ ]
بِحَدِيث اقْتضى ذَلِك الْقطع بِصِحَّتِهِ قَالَ وَهُوَ مَذْهَب رَدِيء
وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين قد تكلم جمَاعَة من الْحفاظ على بعض أحاديثهما فَأَيْنَ التلقي بِالْقبُولِ وَفِيهِمَا المتعارض والقطعي لَا تعَارض فِيهِ
وَنقل عَن ابْن برهَان الأصولي أَنه أنكر القَوْل بِأَن عمل الْأمة بِحَدِيث يَقْتَضِي الْقطع بِهِ وَأَيْضًا فَإنَّا نقطع بِالْفرقِ بَين حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَهُوَ من أشهر الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَبَين غزَاة النَّبِي ﷺ بَدْرًا وأحدا وحنينا والعمليات لَا تَتَفَاوَت حَتَّى يظْهر الْفرق بَين بعض أَخْبَارهَا وَبَعض وَإِذا كَانَت خطْبَة حجَّة الْوَدَاع لم يحصل الْعلم بوقوعها بل هِيَ فِي عداد الْآحَاد مَعَ وُقُوعهَا فِي الْعَالم المجتمعين فِي الْحَج فَمَا الظَّن بِبَقِيَّة الْأَخْبَار الَّتِي لم يسْمعهَا إِلَّا وَاحِد أَو اثْنَان قَالَ وَالْحق أَن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ تفِيد الظَّن الْقوي واحتجاجه على ذَلِك بتلقي الْأمة بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ عِنْد عدم الْمعَارض يَقْتَضِي الْقطع فَهَذِهِ الْحجَّة لَا تخْتَص بالصحيحين وَقد تلقت الْأمة الْكتب الْخَمْسَة أَو السِّتَّة بِالْقبُولِ وَسَيَأْتِي نقل الْإِجْمَاع فِي ذَلِك
[ ١ / ٢٧٨ ]
وَأَيْضًا فَقَوله إِن الْأمة تلقت الْكِتَابَيْنِ بِالْقبُولِ إِن أَرَادَ كل الْأمة فَلَا يخفى فَسَاده لِأَن الْكِتَابَيْنِ إِنَّمَا صنفا فِي الْمِائَة الثَّالِثَة بعد عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وأئمة الْمذَاهب المتبعة ورؤوس حفاظ الْأَخْبَار ونقاد الْآثَار وَإِن أَرَادَ بالأمة الَّذين وجدوا بعد الْكِتَابَيْنِ فهم بعض الْأمة لَا كلهم فَلَا يَسْتَقِيم دَلِيله الَّذِي قدره من تلقي الْأمة وَثُبُوت الْعِصْمَة لَهُم والظاهرية إِنَّمَا يعتدون بِإِجْمَاع الصَّحَابَة خَاصَّة وَأَيْضًا فَإِن أَرَادَ أَن كل حَدِيث مِنْهَا تلقوهُ بِالْقبُولِ فَهُوَ غير مُسْتَقِيم فقد تكلم جمَاعَة من الْحفاظ فِي أَحَادِيث مِنْهَا كالدارقطني بل أدعى ابْن حزم أَن فيهمَا حديثين مَوْضُوعَيْنِ وَلَكِن الْحفاظ انتقدوه عَلَيْهِ وَقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاج حَدِيث مُحَمَّد بن بشار بنْدَار وأكثرا من الِاحْتِجَاج بِهِ وَتكلم فِيهِ غير وَاحِد من الْحفاظ وَغير ذَلِك من رجالهما الَّذين تكلم فيهم فَتلك الْأَحَادِيث عِنْد هَؤُلَاءِ لَا يتلقونها بِالْقبُولِ وَإِن أَرَادَ أَن غَالب مَا فيهمَا سَالم من ذَلِك لم تبْق لَهُ حجَّة فَإِنَّهُ إِنَّمَا احْتج بتلقي الْأمة وَهِي معصومة على مَا قَرَّرَهُ وَأَيْضًا فقد حكى فِيمَا سبق عَن أبي عَليّ الْحَافِظ أَن كتاب مُسلم أصح ورد عَلَيْهِ فِيهِ القَوْل فقد أجْرى فيهمَا التَّرْجِيح وَالتَّرْجِيح لَا يكون مَعَ الْقطع بِصِحَّة
[ ١ / ٢٧٩ ]
الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ (د ٢٧) قَالَه وَأَيْضًا فينقض بِفعل الْعلمَاء فِي سالف الْأَعْصَار من تعرضهم لأحاديث الصَّحِيحَيْنِ وترجيح بَعْضهَا على بعض بِاعْتِبَار من سلم من الْكَلَام على من لم يسلم مِنْهُ وَغير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات فَلَو كَانَ الْجَمِيع مَقْطُوعًا بِهِ لَا نسد بَاب التَّرْجِيح فَهَذَا تعَارض الْإِجْمَاع الَّذِي قَالَه ابْن الصّلاح سلمنَا دَعْوَى الْإِجْمَاع لَكِن يمْتَنع تنَاوله مَحل النزاع لِأَن ابْن الصّلاح بنى صِحَّته على أَن الْأمة إِذا ظنت شَيْئا لزم أَن يكون فِي نفس الْأَمر (أ / ٤٠) فَيكون عِنْده الظَّن الْمجمع عَلَيْهِ فَيصير الْإِجْمَاع مَعْلُوما وَإِلَّا لم يتم لَهُ مقْصده وَنحن نمْنَع ذَلِك ونقول إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا إِذا اجْتمعت على شَيْء أَنه مظنون وظنها مَعْصُوم لِئَلَّا يلْزم خطؤها فِي ظَنّهَا وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم مَا قَالَه
هَذَا حَاصِل مَا ردوا بِهِ
وَاعْلَم أَن هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن الصّلاح هُوَ قَول جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم قد جزم بِهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني فَقَالَ فِي كِتَابه أصُول الْفِقْه الْأَخْبَار الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوع بِصِحَّة أُصُولهَا ومتونها وَلَا يحصل الْخلاف فِيهَا بِحَال وَإِن حصل فِي ذَلِك اخْتِلَاف فِي طرقها أَو رواتها فَمن خَالف حكمه خَبرا مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيل سَائِغ للْخَبَر نقضنا حكمه لِأَن هَذِه الْأَخْبَار تلقتها الْأمة بِالْقبُولِ هَذَا لَفظه
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَجزم بِهِ أَيْضا القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ فِي شرح الْكِفَايَة وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي اللمع وسليم الرَّازِيّ فِي التَّقْرِيب وَحَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الْأُسْتَاذ أبي بكر بن فورك فَقَالَ الْخَبَر الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ يقطع بصدقه وَأَنه أَشَارَ فِي مَوضِع آخر إِلَى تلقيهم قولا لَا عملا لأَنهم متعبدون بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْوَاحِد وَأَن القَاضِي أَبَا بكر
[ ١ / ٢٨١ ]
لم يسلم الْقطع وَلَو تلقوهُ بِالْقبُولِ وَنَقله الْغَزالِيّ فِي عَن الْأُصُولِيِّينَ ثمَّ خالفهم وَنَقله الكيا الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بتلويح مدارك الْأَحْكَام عَن الْأَكْثَرين قَالَ لِأَن الْأمة لَا يجوز أَن تنطق عَن التَّصْدِيق بِالْكَذِبِ لِأَن فِي ذَلِك إِجْمَاعًا على الْبَاطِل وَهُوَ منفي عَنْهَا قَالَ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر هَذَا لَا يتَصَوَّر عِنْدِي فَإِن الْخَبَر الْوَاحِد إِذا لم يُوجب الْعلم فَلَا يتَصَوَّر اتِّفَاق الْأمة على انْقِطَاع الِاحْتِمَال حَيْثُ لَا يَنْقَطِع وَالْإِجْمَاع إِنَّمَا يتَصَوَّر فِيمَا يجوزه الْعقل وَهَذَا لَا يجوزه الْعقل قَالَ وَالْحق مَا قَالَه القَاضِي وَمن خَالفه فِي ذَلِك لم يحصل على علم مَا قَالَه
وَقَالَ أَبُو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع خبر الْوَاحِد قد يُوجب الْعلم فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَن يتلقاه الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ لأَجله فَيقطع بصدقه قَالَ وَسَوَاء فِي ذَلِك عمل الْكل أَو الْبَعْض كَخَبَر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين وَخبر ابْن
[ ١ / ٢٨٢ ]
عَوْف فِي الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَخبر أبي هُرَيْرَة فِي تَحْرِيم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ذهب أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث إِلَى أَن الْأَخْبَار الَّتِي حكم أهل الصَّنْعَة بِصِحَّتِهَا وَرَوَاهَا الثِّقَات الْأَثْبَات مُوجبَة للْعلم
[ ١ / ٢٨٣ ]
وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص إِذا تلقت الْأمة الْخَبَر بِالْقبُولِ وصدقت بِهِ فَهُوَ دَلِيل على صِحَّته لقِيَام الدَّلِيل فِي انْتِفَاء الْخَطَأ من إجماعها وَلم يحك فِي ذَلِك خلافًا
وَقَالَ صَاحب الْوَاضِح من الْمُعْتَزلَة ذهب الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ إِلَى أَن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت على الْعَمَل بِمُجَرَّد خبر دلّ على أَن الْخَبَر كَانَ متواترا فِي الأَصْل مَعْلُوما وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هَذِه الْعَادة غير مَعْلُومَة فقد قبلوا أَخْبَار الاحاد أَيْضا انْتهى
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَنَقله بَعضهم عَن السَّرخسِيّ من الْحَنَفِيَّة وَجَمَاعَة من الْحَنَابِلَة كَأبي يعلى وَأبي الْخطاب وَابْن حَامِد وَابْن الزَّاغُونِيّ وَأكْثر أهل الْكَلَام من
[ ١ / ٢٨٥ ]
الأشعرية وَغَيرهم وَأهل الحَدِيث قاطبة وَمذهب السّلف عَامَّة وَقد تبين مُوَافقَة ابْن الصّلاح لِلْجُمْهُورِ وَهُوَ لَازم للمتأخرين فَإِنَّهُم صححوا أَن خبر الْوَاحِد إِذا احتفت بِهِ الْقَرَائِن أَفَادَ الْقطع وَاخْتَارَهُ الإِمَام وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب (أ / ٤١) وَغَيرهم
[و] الثَّانِي مَا جزم بِهِ من كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة قد اعْترض عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنَّهُ إِن وصل إِلَيْنَا بالآحاد فَهُوَ ظَنِّي أَو بالتواتر - وَهُوَ قَلِيل - فظني عِنْد الإِمَام والآمدي
قلت صرح ابْن برهَان وَغَيره من أَئِمَّتنَا بِأَن الْإِجْمَاع قَطْعِيّ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَلِهَذَا لم يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَالظَّاهِر الثَّالِث
[ ١ / ٢٨٦ ]
٦٩ - (قَوْله) سوى أحرف يسيرَة
قد صرح بِالِاسْتِثْنَاءِ أَيْضا فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ على مُسلم فَقَالَ وَهَذَا مُسْتَثْنى مِمَّا ذَكرْنَاهُ بعد الْإِجْمَاع على تلقيه بِالْقبُولِ
وَقَالَ النَّوَوِيّ قد أجَاب عَن تِلْكَ الأحرف آخَرُونَ
قلت وَأكْثر اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ [يرجع إِلَى المسانيد من غير تَرْجِيح الْمُتُون وَقد أجَاب عَن بعضه أَبُو مَسْعُود إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الدِّمَشْقِي
قَالَ الدراقطني] اجْتمعت بِأبي مَسْعُود فتذاكرنا مَعَه الصَّحِيحَيْنِ ومشينا مَعَه ثمَّ فتحنا عَلَيْهِ جَوَاب غرائب فَلم يُوجد
[ ١ / ٢٨٧ ]
قَالَ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي سَمِعت أَبَا عبد الله الْحميدِي بِبَغْدَاد يَقُول قَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد بن حزم وَمَا وجدنَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم فِي كِتَابَيْهِمَا شَيْئا لَا يحْتَمل مخرجا إِلَّا حديثين لكل وَاحِد مِنْهُمَا حَدِيث تمّ عَلَيْهِ فِي تَخْرِيجه الْوَهم مَعَ اتصافهما وحفظهما وَصِحَّة معرفتهما قلت وَقد رَأَيْت ذكرهمَا هُنَا لتتم الْفَائِدَة
الأول خرجه مُسلم عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم وَأحمد بن جَعْفَر المعقري عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي عَن عِكْرِمَة هُوَ ابْن عمار عَن أبي
[ ١ / ٢٨٨ ]
زميل سماك الْحَنَفِيّ عَن ابْن عَبَّاس هُوَ عبد الله بن عَبَّاس قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ للنَّبِي ﷺ يَا نَبِي الله ثَلَاث أعطنيهن قَالَ نعم قَالَ عِنْدِي أحسن الْعَرَب وأجمله أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان أزَوّجكَهَا قَالَ نعم قَالَ [و] مُعَاوِيَة تَجْعَلهُ كَاتبا قَالَ نعم قَالَ وَتُؤَمِّرنِي حَتَّى أقَاتل الْكفَّار كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين قَالَ نعم قَالَ أَبُو زميل وَلَوْلَا أَنه طلب ذَلِك من النَّبِي ﷺ مَا أعطَاهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يسْأَل شَيْئا إِلَّا قَالَ نعم
قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَلَا شكّ فِي وَضعه والآفة فِيهِ من عِكْرِمَة ابْن عمار وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الْمعرفَة بالأخبار أَن النَّبِي ﷺ لم يتَزَوَّج أم حَبِيبَة إِلَّا قبل الْفَتْح بدهر وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة وأبوها أَبُو سُفْيَان يَوْمئِذٍ كَافِر هَذَا مِمَّا لَا شكّ فِيهِ وَإِنَّمَا أسلم يَوْم الْفَتْح
وَأما الَّذِي فِي كتاب البُخَارِيّ وَتَابعه مُسلم عَلَيْهِ (٢٨) فَهُوَ قبل تَمام الْكتاب بأوراق فِي كتاب تَرْجَمَة ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ فساق عَن
[ ١ / ٢٨٩ ]
شريك بن عبد الله قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول لَيْلَة أسرِي بِالنَّبِيِّ ﷺ من مَسْجِد الْكَعْبَة جَاءَهُ ثَلَاثَة نفر قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ هَكَذَا قَالَ ثمَّ مضى فِي الحَدِيث وَفِيه حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهى ودنا الْجَبَّار رب الْعِزَّة فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قاب قوسين أَو أدنى فَأوحى إِلَيْهِ مَا يُوحى خمسين صَلَاة قَالَ ابْن حزم فَهَذِهِ أَلْفَاظ مُعْجمَة مُنكرَة أَولهَا قَوْله إِن ذَلِك قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ وَأَنه حِينَئِذٍ فرضت عَلَيْهِم الْخَمْسُونَ صَلَاة وَهَذَا بِلَا خلاف بَين أحد من أهل الْعلم أَنه كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنة وَبعد أَن أُوحِي إِلَيْهِ بِنَحْوِ اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَكَيف يكون قبل الْوَحْي ثمَّ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن هبة الله بن عبد الله حميد الْبَصْرِيّ الْبَزَّار - رَحمَه الله تَعَالَى - بِمصْر وَمَا كتبت عَنهُ غير هَذِه الْحِكَايَة [حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن النَّيْسَابُورِي
[ ١ / ٢٩٠ ]
ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد القَاضِي] ثَنَا عَليّ بن أَحْمد بن النَّضر قَالَ سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ - وَدخل عَلَيْهِ رجلَانِ عَلَيْهِمَا هَيْئَة من اللبَاس فَقَالَا لَهُ يَا أَبَا الْحسن أما تحجم وَقد هجم هَذَا الشَّهْر الْمُبَارك فَقَالَ لَهما عَليّ بن الْمَدِينِيّ قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم فَقَالَ لَهُ أَحدهمَا يَا أَبَا الْحسن
[ ١ / ٢٩١ ]
إنَّهُمَا كَانَا يغتابان فَقَالَ عَليّ هَذَا رَوَاهُ الحجامون وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم (أ / ٤٢) ثمَّ قَالَ لعَلي ثَلَاثَة أَحَادِيث لَا تصح عَن رَسُول الله ﷺ لَو صدق السَّائِل مَا أَفْلح من رده وأنهما كَانَا يغتابان
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَأَن النَّبِي ﷺ واجهه تِلْقَاء وَجهه انْتهى كَلَام ابْن حزم
وَمَا ذكره مَرْدُود وَأما الأول فَفِيهِ أَوْهَام أَحدهَا قَوْله الآفة من عِكْرِمَة بعد قَوْله إِنَّه مَوْضُوع وَلم يقل أحد إِن عِكْرِمَة يضع الحَدِيث وَلَا يكذب وَهُوَ وَإِن تكلم فِيهِ فَلم يصل أحد فِيهِ إِلَى هَذَا الْقدح قَالَ قد قَالَ يحيى بن معِين ثِقَة وَكَانَ مجاب الدعْوَة
قلت وَالظَّاهِر أَن الآفة فِيهِ من الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة وَهُوَ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن فَإِن لَهُ عَن عِكْرِمَة مَنَاكِير كَمَا قَالَه الْحفاظ فَإِن قيل فَإِن مُسلما
[ ١ / ٢٩٣ ]
لم يُخرجهُ عَنهُ وَإِنَّمَا أخرجه عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي قيل وَالظَّاهِر أَن مُسلما وهم فِي ذَلِك بِسَبَب اشْتِرَاك اسمهما فَظن أَن النَّضر هَذَا الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة هُوَ ابْن مُحَمَّد الثِّقَة وَلَيْسَ كَذَلِك هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الضَّعِيف وَهَذَا أسهل من وهمه فِي متن الحَدِيث وإدخاله إِيَّاه فِي صَحِيحه مَعَ أَنه كذب
الثَّانِي نَقله الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ لم يتَزَوَّج أم حَبِيبَة إِلَّا قبل الْفَتْح لَيْسَ بِصَحِيح فقد حكى الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم أَنه تزَوجهَا بِالْمَدِينَةِ بعد قدومها من الْحَبَشَة غير أَن الْمَشْهُور الأول وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي السّنة الَّتِي تزَوجهَا فِيهَا فَقيل سنة خمس من الْهِجْرَة وَقيل سنة سِتّ وَدخل بهَا فِي سنة سبع
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي صَدَاقهَا فَقيل أصدقهَا النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَقيل مِائَتي دِينَار وَقيل / أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم
الثَّالِث أَن هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قد أجَاب عَنهُ الْعلمَاء بأجوبة
مِنْهَا أَن أَبَا سُفْيَان لما اسْلَمْ ظن أَن النِّكَاح يَتَجَدَّد بِإِسْلَام الْوَلِيّ وخفي ذَلِك عَلَيْهِ كَمَا خَفِي على ابْن عمر طَلَاق الْحَائِض وخفي على عَليّ - رَضِي الله تَعَالَى
[ ١ / ٢٩٤ ]
عَنهُ - حكم الْمَذْي مَعَ تقدم صحبته وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي انتصاره إِن قَوْله أزَوّجكَهَا أَي أجدد عقدك عَلَيْهَا وَكَأن أَبَا سُفْيَان رأى غَضَاضَة عَلَيْهِ أَن زوجت قبل إِسْلَامه بِغَيْر إِذْنه أَو أَنه اعْتقد أَن بِإِسْلَامِهِ يَنْفَسِخ نِكَاح ابْنَته وَهَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ وَمعنى قَوْله ﷺ تطييب لِقَلْبِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل تَجْدِيد قطّ وَهَذَا تَأْوِيل بعيد مَعَ قَوْله عِنْدِي أجمل الْعَرَب وَأحسنه وَهِي تَحت رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا أَنه يحْتَمل أَن تكون مَسْأَلته الأولى إِيَّاه فِي تَزْوِيج أم حَبِيبَة وَقعت فِي
[ ١ / ٢٩٥ ]
بعض خرجاته إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ كَافِر حِين سمع نعي زوج أم حَبِيبَة بِأَرْض الْحَبَشَة ومسألته الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقعتا بعد إِسْلَامه فجمعهما الرَّاوِي قبل ذَلِك [كَمَا] فِي حَدِيث عَليّ نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة وَلُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر
وعَلى هَذَا الْجَواب اقْتصر الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ لَا يحْتَمل إِن كَانَ الحَدِيث مَحْفُوظًا إِلَّا ذَلِك
وَمِنْهَا انه يحمل الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه ﷺ تزوج أم حَبِيبَة بِمَسْأَلَة أَبِيهَا لما أسلم وَيقدم على تزَوجه ﷺ بهَا بِأَرْض الْحَبَشَة فَإِن تَزْوِيجهَا بِأَرْض الْحَبَشَة جَاءَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار مُرْسلا وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الِاحْتِجَاج بمسانيده فَكيف بمراسيله [و] قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن
[ ١ / ٢٩٦ ]
تزَوجه ﷺ بهَا لم يخْتَلف أهل الْمَغَازِي أَنه كَانَ قبل رُجُوع جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه من أَرض الْحَبَشَة ورجوعهم كَانَ زمن خَيْبَر وتزويج أم حَبِيبَة كَانَ قبله وَإِسْلَام أبي سُفْيَان بن حَرْب كَانَ فِي زمن الْفَتْح فتح مَكَّة بعد نِكَاحهَا بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث فَكيف يَصح أَن يكون تزَوجهَا بمسألته (أ / ٤٣)
قلت وَمِمَّنْ حكى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَكَانَ شَيخنَا عماد الدّين بن كثير - رَحمَه الله تَعَالَى - يذكر تَأْوِيلا حسنا وَهُوَ أَن أَبَا سُفْيَان إِنَّمَا أَرَادَ تزوج رَسُول الله ﷺ من ابْنَته الْأُخْرَى عزة أُخْت أم حَبِيبَة فَيحصل لَهُ الشّرف بصهر رَسُول الله ﷺ من وَجْهَيْن وَيشْهد لهَذَا حَدِيث أم حَبِيبَة أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله انكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَان وَفِي بعض طرق مُسلم عزة بنت أبي سُفْيَان فَقَالَ أوتحبين ذَلِك الحَدِيث فَكَأَن أَبَا سُفْيَان اعْتقد أَن ذَلِك يحل لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لأختها أم حَبِيبَة لتساعده على ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تطييبا لِقَلْبِهِ فِي أول الْأَمر ثمَّ بَين لأم حَبِيبَة أَن ذَلِك لَا يحل وَقضى حاجتيه الْأُخْرَيَيْنِ بِأَن استكتب مُعَاوِيَة وَأمر أَبَاهُ وَكَانَ مِمَّن ابتعثه لتخريب طاغوت أهل الطَّائِف وَدخل الْوَهم على عِكْرِمَة أَو غَيره فِي قَوْله أحسن الْعَرَب وأجمله أم
[ ١ / ٢٩٧ ]
حَبِيبَة وَإِنَّمَا هِيَ عزة وَكَانَ الحَدِيث عِنْده بنت أبي سُفْيَان فَاعْتقد أَنَّهَا أم حَبِيبَة فسماها وَلم يتفطن لذَلِك فَصَارَ الحَدِيث مُنْكرا بذلك ثمَّ قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَطعن بَعضهم فِي الحَدِيث بِأَمْر آخر وَقَالَ لَا أعرف أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا سُفْيَان وَلَو كَانَ الحَدِيث صَحِيحا لأَمره وَفَاء بعهده
وَهَذَا (د ٢٩) مَرْدُود بِمَا سبق عَن شَيخنَا ابْن كثير من تأميره على الطَّائِف وَذكر الزبير بن بكار عَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ سبى يَوْم حنين سِتَّة آلَاف غُلَام وَامْرَأَة فَجعل عَلَيْهِم أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَحكى الزبير أَيْضا أَنه اسْتَعْملهُ على إجلاء الْيَهُود وَقد اخْتلف فِي اسْتِعْمَاله على نَجْرَان
[ ١ / ٢٩٨ ]
وَأما مَا ذكره فِي الحَدِيث فشريك لم يقل أحد فِيهِ إِنَّه يضع الحَدِيث وَقد رد أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ على من قَالَ حدث بِأَحَادِيث بَوَاطِيلُ قَالَ لَا تقل بَوَاطِيلُ
وَأما مَا تعلق بِهِ من قَوْله قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ فقد حمل جمَاعَة من الْعلمَاء هَذَا الحَدِيث على أَن الرُّؤْيَا كَانَت مناما كَمَا وَقع لعَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة مناما وَمعنى قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ أَي بالإسراء يقظة وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك الْخطابِيّ والوزير ابْن هُبَيْرَة فِي الإفصاح
[ ١ / ٢٩٩ ]
٧٠ - (قَوْله) إِذا ظهر بِمَا قدمْنَاهُ إِلَى آخِره
حَاصله أَنه يشْتَرط للْعَمَل بِالْحَدِيثِ والاحتجاج بِهِ أَخذه من نُسْخَة مُقَابلَة مَعَ ثِقَة على أصُول مُخْتَلفَة مروية بروايات متنوعة وَقد حَكَاهُ عَنهُ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم ثمَّ قَالَ وَهُوَ مَحْمُول على الِاسْتِظْهَار والاستحباب أَي لعسر ذَلِك غَالِبا وَقَالَ فِي التَّقْرِيب وَلَو قابلها بِأَصْل مُعْتَمد مُحَقّق (فَلَا يبعد الِاكْتِفَاء بِهِ) وَسَيَأْتِي من كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ مَا يشْهد لَهُ
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي قسم الْحسن - لما ذكر اخْتِلَاف نسخ التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله حسن صَحِيح أَو حسن وَنَحْو ذَلِك - فَيَنْبَغِي أَن تصحح أصلك بِجَمَاعَة أصُول وتعتمد على مَا اتّفقت عَلَيْهِ انْتهى
وَفِي كَلَام الْكل أَنه لَا يشْتَرط فِي ذَلِك أَن يكون لَهُ بِهِ رِوَايَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان إِذا وجد النَّاظر حَدِيثا مُسْندًا فِي كتاب مصحح وَلم يسترب فِي ثُبُوته وَلم يسمعهُ من شَيْخه فَلَا يرويهِ وَلَكِن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَلَا يتَوَقَّف وجوب الْعَمَل على الْمُجْتَهدين لموجبات الْأَخْبَار على أَن يَنْتَظِم لَهُم الْإِسْنَاد فِي جَمِيعهَا وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك أَن الَّذين كَانَ ترد عَلَيْهِم كتب رَسُول الله ﷺ كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِم الْعَمَل بموجبها وَمن يبلغهُ ذَلِك الْكتاب وَلم يكن مُخَاطبا بمضمونه وَلم يسمعهُ مِمَّن سَمعه فَهُوَ كالمقصود بمضمون الْكتاب قَالَ وَلَو قَالَ رجل رَأَيْت حَدِيثا فِي صَحِيح مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَا وثقت باشتمال الْكتاب عَلَيْهِ فعلى الَّذِي يسمعهُ يذكر ذَلِك أَن يَثِق بِهِ ويلحقه بِمَا تَلقاهُ بِنَفسِهِ أَو رَوَاهُ عَن الشَّيْخ المسمع قَالَ وَلَو عرض مَا ذَكرْنَاهُ على جملَة الْمُحدثين لأبوه فَإِن فِيهِ سُقُوط ثُبُوت الرِّوَايَة عِنْد ظُهُور الثِّقَة وَصِحَّة الرِّوَايَة وهم عصبَة (أ ٤٤) لَا مبالاة بهم فِي حقائق الْأُصُول انْتهى
وَجعل الأبياري - فِي شَرحه - هَذِه الْمَسْأَلَة من تفريعات رد الْمُرْسل لِأَن الِاعْتِمَاد على صِحَة النُّسْخَة فَقَط لَا يحصل مِنْهُ معرفَة الْوَاسِطَة فَإِذا وجد نُسْخَة مصححة - مثلا - من صَحِيح البُخَارِيّ فَمن الَّذِي أوصله إِلَى أَن هَذَا صَحِيح البُخَارِيّ وَلَو ثَبت عِنْده ذَلِك لاحتاج إِلَى أَن يثبت عِنْده الطَّرِيق من البُخَارِيّ إِلَى
[ ١ / ٣٠١ ]
النَّبِي ﷺ فَهَؤُلَاءِ لَا يجيزون أبدا الرِّوَايَة وَالْعَمَل بهَا إِلَّا إِذا عرفت الوسائط بِالْعَدَالَةِ وَمَا وَرَاء ذَلِك فَلَا يلْتَفت إِلَى صِحَة النُّسْخَة إِلَّا أَن يَقُول الرَّاوِي أَنا أروي هَذَا عَن فلَان وعينه لَهُ وَعلمه الْفَرْع قَالَ والمحدثون فِي هَذَا الْبَاب هم أهل الْفَنّ على الْحَقِيقَة فَلَا معنى لاطراح أَقْوَالهم
قيل وَمن الْغَرِيب مَا نَقله الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خير بن عمر الْأمَوِي - وَهُوَ خَال أبي الْقَاسِم السُّهيْلي - فِي قَوْله أَي كِتَابه إِنَّه لَا يحل نقل الحَدِيث إِلَّا لمن لَهُ بِهِ رِوَايَة وَنقل الْإِجْمَاع فِي ذَلِك فَقَالَ وَقد اتّفق الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى على أَنه لَا يَصح لمُسلم أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا حَتَّى يكون عِنْده ذَلِك القَوْل مرويا وَلَو على أقل وُجُوه الرِّوَايَات لقَوْله ﷺ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
[ ١ / ٣٠٢ ]
وَفِي رِوَايَة من كذب عَليّ مُطلقًا من غير تَقْيِيد انْتهى
وَلَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاط ذَلِك بل فِيهِ تَحْرِيم الْجَزْم بِنِسْبَة القَوْل إِلَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى يتَحَقَّق أَنه رُوِيَ فِي كتب الرِّوَايَات بِدَلِيل استدلاله بِالْحَدِيثِ
[ ١ / ٣٠٣ ]
النَّوْع الثَّانِي معرفَة الْحسن
٧١ - (قَوْله) عَن الْخطابِيّ الْحسن مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا احْتَرز بقوله عرف مخرجه عَن الْمُنْقَطع الَّذِي لم يعرف مخرجه
وَبِقَوْلِهِ واشتهر رِجَاله عَن حَدِيث المدلس قبل أَن يتَبَيَّن تدليسه
وَالْمرَاد بالاشتهار السَّلامَة من وصمة التَّكْذِيب
الثَّانِي مَا ذكره من الاشتهار خلاف الْمَوْجُود بِخَط الجياني قد نقل أَبُو عبد الله ابْن رشيد فِيمَا وجد بِخَط الجياني وَاسْتقر حَاله بمعان من الِاسْتِقْرَار وَتَحْت الْحَاء عَلامَة الإهمال لَكِن المناقشة فِي مثل هَذَا قريبَة وَرِوَايَة ابْن الصّلاح أوضح
الثَّالِث أَنه حد مَدْخُول فَإِن الصَّحِيح أَيْضا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله بِالصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ الضَّعِيف بالضعف فَلَعَلَّ مُرَاده مَا لم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح
[ ١ / ٣٠٤ ]
لِئَلَّا يدْخل الصَّحِيح فِي حد الْحسن قَالَه الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي
قَالَ التبريزي فِيهِ نظر لِأَنَّهُ سَيَقُولُ إِن الصَّحِيح أخص من الْحسن وَدخُول الْخَاص فِي حد الْعَام ضَرُورِيّ وَالتَّقْيِيد بِمَا يُخرجهُ مخل بِالْحَدِّ
قلت هَذَا إِن جعلنَا الْحَد عِنْد قَوْله واشتهر رِجَاله وَهُوَ الظَّاهِر فَإِن مَا بعده أَحْكَام لِأَن قبُول الحَدِيث والاحتجاج بِهِ فرع ثُبُوت حسنه وَيدل لَهُ تكراره قَالَ فَإِن جعلنَا مَا بعده من تَمام الْحَد انْتَفَى الْإِيرَاد لَكِن يخلفه إِشْكَال آخر وَهُوَ منع أَن يكون الْحسن كَذَلِك إِلَّا أَن يُرِيد ب كَثْرَة مدَار الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَة الطّرق فَإِن غالبها لَا يبلغ رُتْبَة الصَّحِيح
[ ١ / ٣٠٥ ]
الرَّابِع قَوْله وَهُوَ الَّذِي يقبله أَكثر الْعلمَاء اسْتشْكل الشَّيْخ فِي الاقتراح الِاحْتِجَاج بالْحسنِ وَقَالَ إِن هَا هُنَا أوصافا يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة إِذا [وجدت فِي الرَّاوِي فإمَّا أَن يكون هَذَا الحَدِيث الْمُسَمّى بالْحسنِ الَّذِي] وجدت فِيهِ هَذِه الصِّفَات على أقل الدَّرَجَات الَّتِي يجب مَعهَا الْقبُول أَو لَا فَإِن وجدت فَذَلِك صَحِيح فَإِن لم تُوجد فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن سمي حسنا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يرد هَذَا إِلَى أَمر اصطلاحي وَهُوَ أَن يُقَال إِن الصِّفَات الَّتِي يجب (مَعهَا قبُول الرِّوَايَة) لَهَا مَرَاتِب ودرجات فأعلاها هُوَ الصَّحِيح وَكَذَلِكَ أوسطها وَأَدْنَاهَا الْحسن وَحِينَئِذٍ يرجع الْأَمر فِي ذَلِك (د ٣٠) إِلَى الِاصْطِلَاح [وَيكون الْكل صَحِيحا فِي الْحَقِيقَة وَالْأَمر فِي الِاصْطِلَاح] قريب لَكِن من أَرَادَ هَذِه الطَّرِيقَة فَعَلَيهِ أَن يعْتَبر مَا سَمَّاهُ أهل الحَدِيث حسنا وَتَحْقِيق وجود الصِّفَات الَّتِي يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث
[ ١ / ٣٠٦ ]
٧٢ - (قَوْله) وروينا عَن أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ
يَعْنِي فِي الْعِلَل الَّتِي فِي آخر الْجَامِع وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَن شَيخنَا ابْن كثير توقف فِي ثُبُوت هَذَا عَنهُ وَقَالَ لَا نعلمهُ فِي كِتَابه وَلَا اصْطلحَ عَلَيْهِ
٧٣ - (قَوْله) أَلا يكون فِي إِسْنَاده من يتهم بِالْكَذِبِ
احْتَرز بِهِ عَمَّا فِي سَنَده مُتَّهم فَإِنَّهُ ضَعِيف
وَقَوله من لَا يتهم بِالْكَذِبِ يتَنَاوَل مَشْهُور الْعَدَالَة لكنه غير مُرَاد بل المُرَاد المستور
وَاحْترز بقوله وَلَا يكون حَدِيثا شاذا عَن الشاذ وَهُوَ مَا خَالف فِيهِ الثِّقَة رِوَايَات الثِّقَات
وَقَوله ويروى من غير وَجه عَمَّا لم يرد إِلَّا من وَجه وَاحِد فَإِنَّهُ لَا يكون حسنا لِأَن تعدد الرِّوَايَات يُقَوي ظن الصِّحَّة واتحادها مِمَّا يُؤثر ضعفا فَإِنَّهُ إِذا رُوِيَ من وَجْهَيْن مُخْتَلفين علم أَنه مَحْفُوظ لَهُ أصل إِذا لم يكن إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
آخذة عَن الْأُخْرَى ثمَّ قد يكون غَرِيب الْإِسْنَاد فَيكون ذَلِك الْإِسْنَاد غَرِيبا وَقد يكون مَعَ ذَلِك يرْوى من وَجه ثَالِث صَحِيح فَيكون صَحِيحا حسنا غَرِيبا وَحَاصِله اعْتِبَار ثَلَاثَة شُرُوط لِلْحسنِ
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين وَلم يَفِ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا الشَّرْط فِي الْحسن وَقد حكم بِحسن أَحَادِيث لم تجمع هَذِه الصِّفَات
قلت وَمِنْه قَوْله هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه فَأَيْنَ هَذَا من قَوْله ويروى من غير وَجه إِذا علمت ذَلِك فَهَذَا الْحَد معترض بِأُمُور
أَحدهَا أَن الصَّحِيح أَيْضا شَرطه أَلا يكون شاذا وَلَا يكون فِي رِجَاله مُتَّهم إِلَّا أَن يفرق بَينهمَا بِأَن الشَّرْط فِي الصَّحِيح تَعْدِيل الروَاة وَهنا عدم تفسيقهم وَفِيه نظر
الثَّانِي أَن رِوَايَته من غير وَجه لَا يشْتَرط فِي الصَّحِيح فَكيف الْحسن فعلى هَذَا الْأَفْرَاد الصَّحِيحَة لَيست بحسنة عِنْد التِّرْمِذِيّ إِذْ يشْتَرط عِنْده فِي الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه كَحَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَحَدِيث السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب وَحَدِيث نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته
[ ١ / ٣٠٨ ]
لَكِن الظَّاهِر أَن التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا يشْتَرط فِي الْحسن مَجِيئه من وَجه آخر إِذا لم يبلغ رُتْبَة الصَّحِيح فَإِن بلغَهَا لم يشْتَرط ذَلِك بِدَلِيل قَوْله فِي مَوَاضِع هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب فَلَمَّا ارْتَفع إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة أثبت لَهُ الْعَدَالَة بِاعْتِبَار فرديته وَالْحَاصِل أَن الَّذِي يحْتَاج إِلَى مَجِيئه من غير وَجه مَا كَانَ رَاوِيه فِي دَرَجَة المستور وَإِن لم تثبت عَدَالَته وَأكْثر مَا فِي الْبَاب أَن التِّرْمِذِيّ عرف بِنَوْع مِنْهُ لَا بِكُل أَنْوَاعه وَأَيْضًا فيشكل على قَوْله فِي مَوَاضِع هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه إِلَّا أَن يُرِيد اللَّفْظ دون اعْتِبَار الشَّاهِد للمعنى تَوْفِيقًا بَين كلاميه
الثَّالِث قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن الْمواق لم يخص التِّرْمِذِيّ الْحسن
[ ١ / ٣٠٩ ]
بِصفة تميزه عَن الصَّحِيح فَلَا يكون صَحِيحا إِلَّا وَهُوَ غير شَاذ وَلَا يكون صَحِيحا حَتَّى يكون رُوَاته غير متهمين بل ثِقَات قَالَ وَظهر بِهَذَا أَن الْحسن عِنْده صفة لَا تخص هَذَا الْقسم بل قد يشركهُ فِيهِ الصَّحِيح قَالَ فَكل صَحِيح عِنْده حسن وَلَيْسَ كل حسن صَحِيحا
٧٤ - (قَوْله) قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين إِلَى آخِره
هَذَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات والعلل المتناهية وَجزم بِهِ ابْن دحْيَة فِي الْعلم الْمَشْهُور فَقَالَ إِنَّه مَا دون الصَّحِيح مِمَّا فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل عَن راو لَا يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الْفسق انْتهى
[ ١ / ٣١٠ ]
وَهُوَ ملتبس فَإِن الضعْف الْقَرِيب لَا ضَابِط لَهُ يَنْتَهِي بِهِ الْقدر الْمُحْتَمل من غَيره وَإِذا اضْطربَ هَذَا الْوَجْه لم يحصل الْوَجْه الْمُبين للْحَقِيقَة وَلَا يَجِيء فِي قَوْله حسن صَحِيح
وَوجدت بِخَط الإِمَام الْحَافِظ أبي الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد السالسي الْحسن مَا لَهُ من الحَدِيث منزلَة بَين منزلتي الصَّحِيح والضعيف وَيكون الحَدِيث حسنا هَكَذَا إِمَّا بِأَن يكون أحد رُوَاته مُخْتَلفا فِيهِ وثقة قوم وَضَعفه آخَرُونَ وَلَا يكون مَا ضعف بِهِ مُفَسرًا فَإِن كَانَ مُفَسرًا قدم على تَوْثِيق من وَثَّقَهُ فَصَارَ الحَدِيث ضَعِيفا وَإِمَّا أَن يكون أحد رُوَاته إِمَّا مَسْتُورا وَإِمَّا مَجْهُول الْحَال فَأَما المستور فَمن لم تثبت عَدَالَته مِمَّن قد روى عَنهُ اثْنَان فَأكْثر فَإِن هَذَا يخْتَلف فِي قبُول رِوَايَته من لَا يرى رِوَايَة الرَّاوِي الْعدْل عَن الرَّاوِي بعد إِسْلَامه وَطَائِفَة مِنْهُم يقبلُونَ رِوَايَته وَهَؤُلَاء هم الَّذين لَا يَبْتَغُونَ غير الْإِسْلَام مزيدا فِي حق الشَّاهِد والراوي بل يكتفون بِمُجَرَّد الْإِسْلَام مَعَ السَّلامَة عَن فسق ظَاهر ويتحققون إِسْلَامه بِرِوَايَة عَدْلَيْنِ عَنهُ إِذْ لم يعْهَد أحد مِمَّن يتدين يروي الدّين إِلَّا عَن مُسلم
وَطَائِفَة (أ / ٤٦) يردون رِوَايَته وهم الَّذين يَبْتَغُونَ وَرَاء الْإِسْلَام مزيدا وَهُوَ الْعَدَالَة
[ ١ / ٣١١ ]
٧٥ - (قَوْله) وَقد أمعنت النّظر فِي ذَلِك
قلت الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْعَمت - بِتَقْدِيم النُّون - بِمَعْنى بالغت يُقَال أنعم فِي الشَّيْء إِذا بَالغ فِيهِ وَأنْشد صَاحب الْمُحكم
(سمين الضواحي لم تؤرقه لَيْلَة وأنعم أبكار الهموم وعونها)
وَأما أمعنت فَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الزَّاهِر يُقَال قد أمعن لي بحقي أَي اعْترف بِهِ وأظهره قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هُوَ مَأْخُوذ من المَاء الْمعِين وَهُوَ الْجَارِي الظَّاهِر
[ ١ / ٣١٢ ]
وَقَالَ ابْن فَارس فِي المقاييس معن مادته تدل على سهولة فِي جَرَيَان أَو جري يُقَال معن المَاء إِذا جرى وأمعن الْفرس فِي عدوه وأمعن بحقي ذهب بِهِ وأمعنت الأَرْض رويت انْتهى وَعَلِيهِ يتَخَرَّج كَلَام المُصَنّف
٧٦ - (قَوْله) واتضح لي أَن الحَدِيث الْحسن قِسْمَانِ إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن تَنْزِيل كَلَام التِّرْمِذِيّ على الْقسم الأول قد اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سيبين أَن رِوَايَة المستور الَّذِي لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته مَرْدُودَة فَكيف يَجْعَل مَا يرويهِ من قسم الْحسن وَينزل كَلَام التِّرْمِذِيّ عَلَيْهِ وَكَلَامه يدل عَلَيْهِ وَقد يُقَال إِنَّه لم يعْتَبر ذَلِك بِمُجَرَّدِهِ بل أضَاف إِلَيْهِ كَونه رُوِيَ من وَجه آخر وَغير ذَلِك نعم هَذَا بناه على أَن رِوَايَة مَسْتُور الْعَدَالَة مَقْبُولَة وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْن الصّلاح كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين لَكِن الْمَذْهَب أَن مَسْتُور الْعَدَالَة حكمه حكم غير الْعدْل فِي
[ ١ / ٣١٣ ]
الرِّوَايَة (د ٣١) فعلى هَذَا لَا تتَحَقَّق الْوَاسِطَة
الثَّانِي أَن مَا ذكره فِي الْقسم الثَّانِي عَجِيب لمنافاته لللأول فَكيف يكون الْحسن حسنا وَغير الْحسن
وَقد قَالَ صَاحب الاقتراح - مُعْتَرضًا على ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْقسم - هَذَا كَلَام فِيهِ مبَاحث ومناقشات على بعض [هَذِه] الْأَلْفَاظ وَقد يُقَال إِن مَا قَالَه المُصَنّف من تغاير كَلَام التِّرْمِذِيّ والخطابي مَمْنُوع من جِهَة أَن قَول الْخطابِيّ مَا عرف مخرجه كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَرُوِيَ نَحوه من غير وَجه وَقَول الْخطابِيّ واشتهر رِجَاله كَقَوْل التِّرْمِذِيّ لَا يكون فِي إِسْنَاده مُتَّهم وَقد بَينا أَن مُرَاد التِّرْمِذِيّ بقوله لَا يتهم المستور وَهُوَ غير المشتهر وَزِيَادَة التِّرْمِذِيّ وَلَا
[ ١ / ٣١٤ ]
يكون شاذا غير مُحْتَاج إِلَيْهِ ومردود بِمَا سبق
الثَّالِث أَن مَا اخْتَارَهُ من انحصار الْحسن فِي قسمَيْنِ إِمَّا بِأَن يكون فِيهِ مَسْتُور يقوى بورود مَتنه بمتابعة أَو شَاهد وَإِمَّا بِأَن يشْتَمل على قَاصِر الضَّبْط - غير جيد وَقد تقدم من كَلَام ابْن الصّلاح اخْتِيَار أَن مَا صَححهُ الْحَاكِم وَحده وَلَا عِلّة لَهُ أَنه حسن والأوفق لضبطه أَن مَا اشْتَمَل على مضعف إِمَّا بِضعْف واه وعده بَعضهم صَحِيحا أَو مُعْتَبر ترجح مُقَابلَة فَهُوَ الْحسن حَتَّى أَطْلقُوهُ فِيمَا جرح وَعدل ووقف وَرفع وَنَحْوه وَلِهَذَا علل عبد الْحق تَحْسِين التِّرْمِذِيّ حَدِيث الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فِي منع وضوء الرجل بِفضل الْمَرْأَة بقول البُخَارِيّ الْأَشْهر أَنه قَول الحكم قَالَ عبد الْحق فَمن لَا يرى الْوَقْف عِلّة يُصَحِّحهُ
الرَّابِع حَاصله أَن دَرَجَات الْحسن تَتَفَاوَت كَالصَّحِيحِ بل الضَّعِيف كَذَلِك فالقسم الأول أدنى فِي الرُّتْبَة من الثَّانِي وَقد صرح المُصَنّف بعد ذَلِك فِي الثَّالِث بِأَن
[ ١ / ٣١٥ ]
مثل الْقسم الثَّانِي يرتقي إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح فَدلَّ على أَنه أَعلَى من الأول
فَائِدَة
قد يطلقون الْحسن على الْغَرِيب وَالْمُنكر روى ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء عَن ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ كَانُوا يكْرهُونَ إِذا اجْتَمعُوا أَن يخرج الرجل أحسن مَا عِنْده قَالَ [عَنى] النَّخعِيّ بالأحسن الْغَرِيب لِأَن الْغَرِيب غير المألوف مستحسن أَكثر من الْمَشْهُور الْمَعْرُوف قَالَ وَأَصْحَاب الحَدِيث يعبرون عَن الْمَنَاكِير بِهَذِهِ الْعبارَة قَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج - وَقيل لَهُ مَالك لَا تروي عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان وَهُوَ حسن الحَدِيث - قَالَ من حسنه فَرَرْت [أجري]
[ ١ / ٣١٦ ]
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي أَبْوَاب التَّسْمِيَة فِي الْوضُوء عَن البُخَارِيّ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب احسن عِنْدِي من حَدِيث (أ / ٤٧) رَبَاح بن عبد الرَّحْمَن قَالَ النَّوَوِيّ - ﵀ - وَلَا يلْزم من هَذِه الْعبارَة أَن يكون حسنا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا أحسن مَا جَاءَ فِي الْبَاب وَإِن كَانَ ضَعِيفا ومرادهم أرجحه أَو أَقَله ضعفا
[ ١ / ٣١٧ ]
٧٧ - (قَوْله) الْحسن يتقاصر عَن الصَّحِيح إِلَى آخِره
يَعْنِي من جِهَة الرُّتْبَة حَتَّى وَلَو تعَارض حسن وصحيح قدم الصَّحِيح وَإِلَّا فهما مستويان فِي الِاحْتِجَاج بهما كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّاسِع من كَلَامه وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيم التَّاسِع إِلَى هَا هُنَا فَإِنَّهُ أنسب
وَهل مُرَاده بِالصَّحِيحِ الَّذِي يقصر عَنهُ الْحسن مُطلق الصَّحِيح أَو غير أدنى دَرَجَات الصَّحِيح فِيهِ نظر وَحَاصِل مَا ذكره هُنَا مَبْنِيّ على اشْتِرَاط تعدد الْمخْرج فِي الْحسن وَقد سبق أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط
[ ١ / ٣١٨ ]
٧٨ - (قَوْله) وَإِذا استبعد ذَلِك
أَي الِاحْتِجَاج بِمَا جَاءَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَإِن لم يكن أَحدهَا كَاف فِي الإحتجاج لما فِي الْهَيْئَة الاجتماعية من الْقُوَّة واستند إِلَى امرين
أَحدهمَا قبُول الْمُرْسل إِذا عضده مُرْسل آخر عِنْد الشَّافِعِي
وَالثَّانِي قبُول رِوَايَة المستور وَإِن لم تقبل شَهَادَته فِيمَا حَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن بعض أَصْحَابنَا
وَقد نُوقِشَ فِي الأول بِأَن الشَّافِعِي لم يقبل مَرَاسِيل التَّابِعين مُطلقًا بل كبارهم وَهَذَا لَا يقْدَح فِي غَرَض ابْن الصّلاح هُنَا وَإِنَّمَا أطلقهُ لَا عتقاده التَّسْوِيَة بَين التَّابِعين فِي ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي
وَأما الثَّانِي فَلم أَجِدهُ فِي القواطع لِابْنِ السَّمْعَانِيّ لَكِن نَقله الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان عَن ابْن فورك وَلَا يظْهر التَّرْجِيح بِهِ لِأَن أحد جزئي الْحسن أَن يكون رَاوِيه مَسْتُورا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بعد التَّفْرِيع على قبُول رِوَايَته وَإِلَّا الْتحق بالضعيف والسمعاني - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة - نِسْبَة إِلَى بطن من تَمِيم هَكَذَا قَيده أَبُو
[ ١ / ٣١٩ ]
سعد السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب وَرَأَيْت مَنْقُولًا عَن الْحَافِظ الْمزي أَن الْكسر فِيهِ أشهر قَالَ الْحَافِظ الْبكْرِيّ سَمِعت شَيخنَا أَبَا المظفر السَّمْعَانِيّ - ويسأله بعض الطّلبَة - هَل يُقَال فِيهِ بِكَسْر السِّين فَقَالَ سَمِعت أبي - وَقد سُئِلَ عَن ذَلِك - فَقَالَ لَا أجعَل فِي حل من يَقُوله بِالْكَسْرِ وَذكر ابْن الصّلاح فِي أَمَالِيهِ على حَدِيث المسلسل سمْعَان مِنْهُم من أَتَى فِيهِ بِكَسْر السِّين وَغلط من فتحهَا وَمِنْهُم من لم يعرف إِلَّا فتح السِّين وَأَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ مِنْهُم وَمِنْهُم من ضَبطه بِالْوَجْهَيْنِ مَعًا انْتهى
٧٩ - (قَوْله) لَعَلَّ الباحث الْفَهم إِلَى آخِره
هَذَا من تَتِمَّة مَا سبق ذكره فِي صُورَة سُؤال وَجَوَاب وَمَا ذكره فِي الأول أَن الضعْف إِذا جَاءَ من جِهَة الرَّاوِي مَعَ كَونه من أهل الصدْق والديانة فَإِذا جَاءَ من جِهَة أُخْرَى عرفنَا أَنه لم يخْتل فِيهِ ضَبطه - مَرْدُود من جِهَة كَونه سَمَّاهُ ضَعِيفا فَإِن هَذَا حسن قطعا لانطباق رسمه عَلَيْهِ وَأما قبل الْمُتَابَعَة فَيدْخل فِي رسم الْحسن أَيْضا على رَأْي التِّرْمِذِيّ أَنه الَّذِي لَا يتهم رَاوِيه بِالْكَذِبِ وَالْغَرَض أَن رَاوِي هَذَا من
[ ١ / ٣٢٠ ]
أهل الصدْق والديانة وَضعف الْحِفْظ على هَذَا ينزله من رُتْبَة الصَّحِيح إِلَى رُتْبَة الْحسن
وَأما قَوْله فِي الضعْف من حَيْثُ الْإِرْسَال بِأَن يُرْسل الْخَبَر إِمَام حَافظ يَزُول بروايته من وَجه آخر فَنَقُول أطلق الْوَجْه الآخر وَلم يشْتَرط فِيهِ أَن يكون عَن ثِقَة وَلَا أقل مِنْهُ فِي مقاومة الإِمَام الْحَافِظ فَإِن كَانَ كَذَلِك وَأرْسل الْخَبَر حَافظ وأسنده ثِقَة فَإِنَّهُ يزْعم أَن الحكم للإسناد
فَإِن ادّعى ذَلِك لِأَن الْإِسْنَاد زِيَادَة وَقد جَاءَت عَن ثِقَة فسبيلها أَن تقبل فَصَحِيح وَإِن زعم هَذَا مصطلح أهل هَذَا الشَّأْن فَلَيْسَ كَذَلِك على الْإِطْلَاق وَأما خبر لَا عِلّة لَهُ إِلَّا أَن إِمَامًا حَافِظًا أرْسلهُ وَقد تبين من وَجه آخر وَقد لزمَه فِي الْوَجْه الآخر أَن يكون عَن ثِقَة وَلَا بُد فَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون صَحِيحا على مذْهبه فِي
[ ١ / ٣٢١ ]
أَن الْمسند الثِّقَة مقدم على الْمُرْسل وَلَا عِلّة هُنَاكَ إِلَّا الْإِرْسَال وَقد انْتَفَت
وَقد بحث مَعَه فِي هَذَا الْموضع الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي - رَحمَه الله تَعَالَى - وَقَالَ الْحق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة (أ ٤٨) أَن يُقَال إِمَّا أَن يكون الرَّاوِي المتابع مُسَاوِيا للْأولِ فِي ضعفه أَو منحطا عَنهُ أَو أَعلَى مِنْهُ فَأَما مَعَ الانحطاط فَلَا تفِيد الْمُتَابَعَة شَيْئا (د ٣٢) وَأما مَعَ الْمُسَاوَاة فقد
قلت وَهُوَ تَفْصِيل حسن وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله فِيمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي الْأَحْكَام فَإِن كَانَ من الْفَضَائِل فالمتابعة فِيهِ تقوم على كل تَقْدِير لِأَنَّهُ عِنْد انْفِرَاده مُفِيد
وشذ ابْن حزم عَن الْجُمْهُور فَقَالَ وَلَو بلغت طرق الضَّعِيف ألفا لَا يقوى وَلَا يزِيد انضمام الضَّعِيف إِلَى الضَّعِيف إِلَّا ضعفا وَهَذَا مَرْدُود لِأَن الْهَيْئَة الاجتماعية لَهَا أثر أَلا ترى أَن خبر الْمُتَوَاتر يُفِيد الْقطع مَعَ أَنا لَو نَظرنَا إِلَى آحاده لم يفد ذَلِك فَإِذا كَانَ مَا لَا يُفِيد الْقطع بِانْفِرَادِهِ يفِيدهُ عِنْد الانضمام فَأولى أَن يُفِيد الانضمام الِانْتِقَال من دَرَجَة الضعْف إِلَى دَرَجَة الْقُوَّة فَهَذَا سُؤال لَازم لَا سِيمَا إِذا بلغ مبلغ التَّوَاتُر فَإِن الْمُتَوَاتر لَا يشْتَرط فِي أخباره الْعَدَالَة كَمَا تقرر فِي علم الْأُصُول
وَاعْلَم أَن الصَّوَاب فِي التَّمْثِيل لما ذكره بِحَدِيث المشمس كَمَا مثل بِهِ
[ ١ / ٣٢٢ ]
النَّوَوِيّ وَقَالَ فِي أربعينه فِي حَدِيث من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا
[ ١ / ٣٢٣ ]
اتّفق الْحفاظ على أَنه ضَعِيف وَإِن كثرت طرقه
وَأما جعل المُصَنّف حَدِيث الأذنان من الرَّأْس مَحْكُوم بضعفه وَإِن رُوِيَ بأسانيد فقد سبق إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فَقَالَا إِنَّه رُوِيَ بأسانيد ضِعَاف
[ ١ / ٣٢٤ ]
لَكِن أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن شُعْبَة عَن حبيب بن زيد عَن عباد بن تَمِيم عَن عبد الله بن زيد
وسُويد احْتج بِهِ مُسلم وَحَدِيثه وثقة جمَاعَة وَبَاقِي الْإِسْنَاد على شَرط
[ ١ / ٣٢٥ ]
الصَّحِيحَيْنِ وَلِهَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْإِلْمَام قَالَ شَيخنَا الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا إِسْنَاد مُتَّصِل وَرُوَاته مُحْتَج بهم وَهُوَ أمثل إِسْنَاد فِي هَذَا الْبَاب وَوَافَقَهُ الشَّيْخ وَقَالَ لَعَلَّ أمثل مِنْهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ فِيهِ ابْن الْقطَّان إِسْنَاده صَحِيح لثقة رُوَاته واتصاله قَالَ الشَّيْخ وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يجمع طرقه لِأَنَّهُ يَأْتِي من وُجُوه قَالَ شَيخنَا الْمُنْذِرِيّ قد وَقع لنا هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعَائِشَة وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا يثبت مَرْفُوعا وَعَن عُثْمَان من قَوْله وأشهرها حَدِيث أبي أُمَامَة كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الشَّيْخ وَقد
[ ١ / ٣٢٦ ]
علم أَن تظافر الروَاة على شَيْء ومتابعة بَعضهم لبَعض فِي حَدِيث مِمَّا يسْندهُ ويقويه وَرُبمَا الْتحق بالْحسنِ وَمَا يحْتَج بِهِ قَالَ وَقد أورد الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو عَمْرو بن الصّلاح كلَاما يفهم مِنْهُ لَا يرى هَذَا الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل مَعَ كَونه رُوِيَ بأسانيد ووجوه - فَذكر كَلَامه هَذَا - ثمَّ قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذكره وَجعله هَذَا الحَدِيث من هَذَا النَّوْع الَّذِي لَا يقويه مجيؤه من طرق - قد لَا يُوَافق على ذَلِك فقد ذكرنَا رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأَن رواتها ثِقَات وَرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَحكم ابْن الْقطَّان لَهَا بِالصِّحَّةِ
وعَلى الْجُمْلَة فَإِن توقف تَصْحِيحه عِنْد أحد على ذكر طَرِيق لَا عِلّة فِيهَا وَلَا كَلَام فِي أحد من رواتها فقد يتَوَقَّف فِي ذَلِك لَكِن اعْتِبَار ذَلِك صَعب ينْتَقض عَلَيْهِم فِي كثير مِمَّا استحسنوه وصححوه من هَذَا الْوَجْه فَإِن السَّلامَة من الْكَلَام فِي النَّاس قَلِيل وَلَو شَرط ذَلِك لما كَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى تَعْدِيل الْحسن بالتظافر والمتابعة والمجيء من طرق أَو وُجُوه فينقلب النّظر وتتناقض العبر وَيَقَع التَّرْتِيب أَو (يخْتَلف التصويب) (فَإِن يكن المهدى من بَاب هَدِيَّة فَهَذَا وَإِلَّا فالهدى ذَا فَمَا
[ ١ / ٣٢٧ ]
المهدى)
قَالَ وَمَا ذكرته عرض عَلَيْك لَا الْتِزَام أتقلد عهدته وَفِي كَلَامي مَا يُشِير إِلَى الْمَقْصُود (أ ٤٩) انْتهى
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الْحيَاء كم من حَدِيث لَهُ طرق تجمع فِي جُزْء لَا يَصح مِنْهَا حَدِيث وَاحِد كَحَدِيث الطير يرْوى عَن قريب من أَرْبَعِينَ رجلا من أَصْحَاب أنس ويروي عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غَيره وَقد جمع غير وَاحِد من الْحفاظ طرقه للاعتبار والمعرفة كالحاكم أبي عبد الله وَأبي بكر بن مرْدَوَيْه وَأبي نعيم
[ ١ / ٣٢٨ ]
قلت وَكَذَا حَدِيث من غسل مَيتا فليغتسل
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ جمع بعض الْمُحدثين طرقه فَكَانَت مائَة وَعشْرين طَرِيقا
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أَرْبَعِينَ الْبلدَانِ - وَقد خرج حَدِيث من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا - إِن الْأَحَادِيث الضِّعَاف إِذا انْضَمَّ بَعْضهَا إِلَى
[ ١ / ٣٢٩ ]
بعض مَعَ كَثْرَة تعاضد وتتابع أحدثت قُوَّة وضارت كالاشتهار والاستفاضة اللَّذين يحصل بهما الْعلم فِي بعض الْأُمُور
٨٠ - (قَوْله) فِي الثَّالِثَة وَذَلِكَ يرقي حَدِيثه من دَرَجَة الْحسن إِلَى الصِّحَّة
هَذَا فِيهِ نظر لِأَن حد الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم لَا يَشْمَلهُ وتمثيله بِحَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو تَابع فِيهِ التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ أخرجه ثمَّ قَالَ وَقد روى هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن زيد بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ وَحَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيح (لِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه) وَأما مُحَمَّد فَزعم
[ ١ / ٣٣٠ ]
أَن حَدِيث أبي سَلمَة عَن زيد أصح انْتهى
وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن عَمْرو احْتج بِهِ مُسلم
٨١ - (قَوْله) إِن الْحسن يُوجد فِي كَلَام غير التِّرْمِذِيّ من مَشَايِخ الطَّبَقَة
[ ١ / ٣٣١ ]
الَّتِي قبله كأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا
قلت وَفِي الطَّبَقَة الَّتِي قبلهَا كمالك فَذكر ابْن الْقطَّان من جِهَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وهب قَالَ سَمِعت عمي يَقُول سُئِلَ مَالك بن أنس عَن تَخْلِيل أَصَابِع الرجلَيْن فِي الْوضُوء فَقَالَ لَيْسَ ذَلِك على النَّاس فأمهلته حَتَّى خف النَّاس ثمَّ قلت يَا أَبَا عبد الله سَمِعتك تَقول فِي مَكَّة عندنَا فِيهَا سنة قَالَ وَمَا هِيَ قلت حَدثنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن عَمْرو الْمعَافِرِي عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحبلى عَن الْمُسْتَوْرد بن شَدَّاد قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ
[ ١ / ٣٣٢ ]
فخلل بِخِنْصرِهِ مَا بَين أَصَابِع رجلَيْهِ قَالَ فَقَالَ مَالك إِن هَذَا الحَدِيث حسن وَمَا سَمِعت بِهِ قطّ إِلَّا السَّاعَة (د ٣٣) قَالَ عمي ثمَّ سمعته بعد يسْأَل عَن تَخْلِيل الْأَصَابِع فِي الْوضُوء فَأمر بِهِ
قَالَ ابْن الْقطَّان إِسْنَاده صَحِيح
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب اخْتِلَاف الحَدِيث - وَقد ذكر حَدِيث ابْن عمر فِي استدبار الْكَعْبَة - هُوَ حسن الْإِسْنَاد
[ ١ / ٣٣٣ ]
٨٢ - (قَوْله) وتختلف النّسخ من كتاب التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله هَذَا حَدِيث حسن وَهَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
قلت قَالَ السرُوجِي فِي الْغَايَة فِي الْكَلَام على حَدِيث أسفروا بِالْفَجْرِ كتب إِلَيّ صَاحب الإِمَام بِخَطِّهِ أَن النّسخ من كتاب التِّرْمِذِيّ تخْتَلف فِي قَوْله حسن صَحِيح أَو حسن وَأكْثر مَا يعتمده الْمُتَأَخّرُونَ رِوَايَة
[ ١ / ٣٣٤ ]
الكروخي وَهِي مُخَالفَة فِي التَّصْحِيح لرِوَايَة الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار وَالَّذِي عندنَا فِي النُّسْخَة الَّتِي بِخَط ابْن الخاضبة الْحَافِظ حَدِيث رَافع أسفروا بِالْفَجْرِ حسن لَا غير وَفِي حَدِيث جَابر أَنه ﵊ سُئِلَ عَن الْعمرَة أَوَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَأَن تَعْتَمِرُوا هُوَ أفضل روى
[ ١ / ٣٣٥ ]
الكروخي عَن التِّرْمِذِيّ أَنه صَححهُ وروى الْمُبَارك عَنهُ تحسينه فَقَط
٨٣ - (قَوْله) نَص الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه على كثير من ذَلِك
أَي من الْحسن
٨٤ - (قَوْله) وَمن مظانه
أَي من مظان الْحسن كَأبي دَاوُد إِلَى آخِره فِيهِ أُمُور
أَحدهَا المظان جمع مَظَنَّة وَهِي بِكَسْر الظَّاء كَمَا ضَبطهَا صَاحب النِّهَايَة قَالَ / وَهِي مَوضِع الشَّيْء ومعدنه مفعلة من الظَّن بِمَعْنى الْعلم وَكَانَ الْقيَاس فتح الظَّاء وَإِنَّمَا كسرت لأجل الْهَاء وَقَالَ المطرزي المظنة الْعلم من ظن بِمَعْنى علم
الثَّانِي قد اعْترض الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي على ابْن الصّلاح وَقَالَ لم يرسم أَبُو دَاوُد شَيْئا بالْحسنِ وَعَمله بذلك شَبيه بِعَمَل مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يحمل كَلَامه على غَيره أَنه اجْتنب الضَّعِيف الواهي وأتى بالقسمين الأول وَالثَّانِي وَحَدِيث من مثل بِهِ من الروَاة من الْقسمَيْنِ الأول وَالثَّانِي مَوْجُود فِي كِتَابه دون الْقسم الثَّالِث قَالَ فَهَلا ألزم الشَّيْخ أَبُو عَمْرو مُسلما من ذَلِك مَا ألزم بِهِ أَبَا دَاوُد فَمَعْنَى كَلَامهمَا وَاحِد
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَقَول أبي دَاوُد وَمَا يُشبههُ يَعْنِي فِي الصِّحَّة وَمَا يُقَارِبه يَعْنِي فِيهَا أَيْضا قَالَ وَهُوَ نَحْو قَول مُسلم إِنَّه لَيْسَ كل الصَّحِيح نجده عِنْد مَالك وَشعْبَة وسُفْيَان فَاحْتَاجَ أَن ينزل إِلَى مثل حَدِيث لَيْث بن أبي سليم وَعَطَاء بن السَّائِب وَيزِيد بن أبي زِيَاد لما يَشْمَل الْكل من اسْم الْعَدَالَة والصدق وَإِن تفاوتوا فِي الْحِفْظ والإتقان وَلَا فرق بَين الطَّرِيقَيْنِ غير أَن مُسلما شَرط الصَّحِيح فَيخرج من حَدِيث الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَأَبا دَاوُد لم يَشْتَرِطه فَذكر مَا يشْتَد وهنه عِنْده وَالْتزم الْبَيَان عَنهُ
[ ١ / ٣٣٧ ]
قَالَ وَفِي قَول أبي دَاوُد إِن بَعْضهَا أصح من بعض مَا يُشِير إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا من الصِّحَّة وَإِن تفاوتت فِيهِ لما تَقْتَضِيه صِيغَة أفعل فِي الْأَكْثَر
الثَّالِث مَا ذكره فِيمَا سكت عَنهُ أَنه حسن اعْتَرَضَهُ ابْن رشيد بِأَنَّهُ غير منحصر فِي ذَلِك لجَوَاز أَن يكون عِنْده صَحِيحا وَإِن لم يكن عِنْد غَيره كَذَلِك وَاسْتَحْسنهُ ابْن سيد النَّاس
قلت وَلَا سِيمَا مَعَ قَول أبي دَاوُد ذكرت فِي كتابي الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ فَعلم أَن قَوْله صَالح أَرَادَ بِهِ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الصَّحِيح وَالْحسن هَذَا إِن كَانَ
[ ١ / ٣٣٨ ]
أَبُو دَاوُد يفرق بَين الصَّحِيح وَالْحسن وَأما إِن كَانَ يرى الْكل صَحِيحا وَلَكِن دَرَجَات الصِّحَّة تَتَفَاوَت وَهُوَ الظَّاهِر من حَاله فَذَلِك أقوى فِي الِاعْتِرَاض على من نقل عَنهُ الحكم بِكَوْنِهِ حسنا نعم جَاءَ عَن أبي دَاوُد أَيْضا مَا سكت عَنهُ فَهُوَ حسن إِلَّا أَن الرِّوَايَة لسنن أبي دَاوُد مُخْتَلفَة يُوجد فِي بَعْضهَا كَلَام وَحَدِيث لَيْسَ فِي الْأُخْرَى وللآجري عَنهُ أسئلة قيل فَيحْتَمل قَوْله وَمَا سكت عَنهُ أَي فِي السّنَن وَيحْتَمل مُطلقًا وَهُوَ عَجِيب والصوب الأول والسياق مُصَرح
[ ١ / ٣٣٩ ]
بِهِ على أَن أَبَا دَاوُد لم يوف بِهَذَا الشَّرْط فقد وَقع فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها كالمرسل والمنقطع (وَمَا فِي) رُوَاته مَجْهُول كشيخ وَرجل وَنَحْوه فقد يُقَال إِنَّه مُخَالف لقَوْله وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَينته
وَجَوَابه أَنه لما كَانَ ضعف هَذَا النَّوْع ظَاهرا اسْتغنى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه
فَائِدَة
روى السّنَن عَن أبي دَاوُد جمَاعَة أكملها رِوَايَة أبي بكر مُحَمَّد بن بكر بن عبد الله بن عبد الرَّزَّاق التمار الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِابْن داسة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وتخفيفها - على الْمَشْهُور وَضَبطه القَاضِي عِيَاض بِخَطِّهِ بتشديدها
قَالَ أَبُو جَعْفَر بن الزبير ويقاربها رِوَايَة أبي عِيسَى إِسْحَاق بن مُوسَى الرَّمْلِيّ وراق أبي دَاوُد ثمَّ يَليهَا رِوَايَة أبي [سعيد أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد
[ ١ / ٣٤٠ ]
الْأَعرَابِي وَلَيْسَ فِي رِوَايَته كتاب الْفِتَن والملاحم والحروب والخاتم وَيسْقط عَنهُ فِي كتاب اللبَاس نَحْو نصفه وَفَاته [من] كتاب الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالنِّكَاح مَوَاضِع كَثِيرَة تشْتَمل على أوراق عدَّة روى أَكْثَرهَا الرَّمْلِيّ عَن [أبي دَاوُد روى بَعْضهَا ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي أُسَامَة مُحَمَّد بن عبد الْملك الرواس عَن أبي دَاوُد ذكر ذَلِك ابْن عبد الْبر
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير (أ ٥١) رِوَايَة ابْن داسة أكمل الرِّوَايَات والرملي تقاربها وَهَذَا قَول أبي عَليّ الغساني الْحَافِظ أَيْضا
وَقَالَ أَبُو الْحسن التبريزي الْحَافِظ - وَيعرف بِابْن الخازن - إِن رِوَايَة
[ ١ / ٣٤١ ]
اللؤْلُؤِي من أصح الرِّوَايَات لِأَنَّهَا هِيَ آخر مَا أمْلى أَبُو دَاوُد وَعَلَيْهَا مَاتَ
٨٥ - (قَوْله) قَالَ ابْن مَنْدَه وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد إِلَى آخِره
يقرب مِنْهُ مَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ من احتجاج الشَّافِعِي بالمرسل إِذا لم تُوجد دلَالَة سواهُ وَنقل ابْن [الْمُنْذر] عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه كَانَ يحْتَج بِعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده إِذا لم يكن فِي الْبَاب غَيره
٨٦ - (قَوْله) الْخَامِس مَا صَار إِلَيْهِ صَاحب المصابيح إِلَى آخِره
قد تبعه النَّوَوِيّ وَغَيره فِي الِاعْتِرَاض على الْبَغَوِيّ وَهُوَ عَجِيب لِأَن الْبَغَوِيّ
[ ١ / ٣٤٢ ]
لم يقل إِن مُرَاد الْأَئِمَّة بالصحاح كَذَا وبالحسان كَذَا وَإِنَّمَا اصْطلحَ على هَذَا رِعَايَة للاختصار وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح فَإِنَّهُ قَالَ أردْت بالصحاح مَا خرجه الشَّيْخَانِ وبالحسن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَبُو عِيسَى وَغَيرهمَا وَبَيَان مَا كَانَ فيهمَا من غَرِيب أَو ضَعِيف أَشرت إِلَيْهِ وأعرضت عَن ذكر مَا كَانَ مُنْكرا أَو مَوْضُوعا انْتهى
فقد الْتزم بَيَان غير الْحسن وَبَوَّبَ على الصَّحِيح وَالْحسن وَلم يُمَيّز بَينهمَا لاشتراك الْكل فِي الِاحْتِجَاج فِي نظر الْفَقِيه نعم فِي السّنَن أَحَادِيث صَحِيحَة / لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ فَفِي إدراجه لَهَا فِي قسم الْحسن (د ٣٤) نوع مشاحة
٨٧ - (قَوْله) السَّادِس كتاب المسانيد
يجوز لَك إِثْبَات الْيَاء فِي الْجمع وَيجوز حذفهَا وَكَذَلِكَ مَرَاسِيل ومراسل
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَالْأولَى الْحَذف قَالَ تَعَالَى ﴿مَا إِن مفاتحه﴾ وَالْإِثْبَات عِنْد الْبَصرِيين مَوْقُوف على السماع وَعند الْكُوفِيّين جَائِز ذكر ذَلِك سِيبَوَيْهٍ فِي أول كِتَابه فِي بَاب الضرورات وَأنْشد
(ننفي يداها الْحَصَى فِي كل هاجرة
(نفي الدَّنَانِير تنقاد الصياريف)
وَجعل بَعضهم مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ألْقى معاذيره﴾ قَالَ وَقِيَاسه معاذر لكنه أشْبع الكسرة فتولدت الْيَاء
وَاعْلَم أَن أَئِمَّة الحَدِيث سلكوا فِي تصانيفهم طرقا
فَمنهمْ من صنف الْمسند على تراجم الرِّجَال وَأول من صنف ذَلِك عبيد الله
[ ١ / ٣٤٤ ]
ابْن مُوسَى الْعَبْسِي وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وتبعهما أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب وَجَمَاعَة واشتملت تصانيفهم على رِوَايَة الثِّقَة وَغَيره
وَمِنْهُم من صنف الصَّحِيح على الْأَبْوَاب وَأول من صنف ذَلِك البُخَارِيّ قَالَ الْحَاكِم وَالْفرق بَين الْأَبْوَاب والتراجم أَن التراجم شَرطهَا أَن يَقُول المُصَنّف ذكر مَا رُوِيَ عَن أبي بكر عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ يترجم هَذَا الْمسند فَيَقُول ذكر مَا
[ ١ / ٣٤٥ ]
روى قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر صَحِيحا كَانَ أَو سقيما
أما مُصَنف الْأَبْوَاب فَيَقُول ذكر مَا صَحَّ وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ فِي أَبْوَاب الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَغَيرهمَا
وَمِنْهُم من يرتب تصنيفه على أَبْوَاب الْفِقْه وَالْأَحْكَام إِلَّا أَنه لم يقْتَصر على ذكر الصَّحِيح
وَمِنْهُم من رتبه على أَبْوَاب الْفِقْه وَجمع بَين الصَّحِيح وَغَيره من غير تَمْيِيز
وَمِنْهُم من صنف الحَدِيث وَعلله بِجمع طرق كل حَدِيث وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهِ كمسند يَعْقُوب بن [أبي شيبَة
وَمِنْهُم من جمع فِي تصنيفه أَحَادِيث شُيُوخ مخصوصين كل شيخ مِنْهُم على انْفِرَاده كالدارمي
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَمِنْهُم من جمع التراجم وَهِي الْأَسَانِيد الْمَشْهُورَة [كمالك عَن] نَافِع عَن ابْن عمر وَسُهيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَهِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
وَمِنْهُم من جمع أبوابا من الْأَبْوَاب وأفردوها بالتأليف ككتاب الْأَذَان لِابْنِ حَيَّان وَالصَّلَاة لأبي نعيم
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَالْقِرَاءَة خلف الإِمَام للْبُخَارِيّ
وَمِنْهُم من جمع حَدِيث كل صَحَابِيّ وَحده ثمَّ رتبهم على حُرُوف المعجم وَمِنْهُم من رتب على سوابق الصَّحَابَة فَبَدَأَ بِالْعشرَةِ ثمَّ بِأَهْل بدر ثمَّ بِأَهْل الْحُدَيْبِيَة ثمَّ بِمن أسلم وَهَاجَر بَين الْحُدَيْبِيَة وَفتح مَكَّة وَختم بأصاغر [الصَّحَابَة] ثمَّ بِالنسَاء
وكل مثاب على قَصده وَلكُل وَجه وَمَنْفَعَة فِي ضبط السّنة ونشرها وتسهيل الطَّرِيق إِلَيْهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ
٨٨ - (قَوْله) كمسند أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ
هُوَ سُلَيْمَان بن دَاوُد وَلَيْسَ الْمسند لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ ليونس بن حبيب بن عبد القاهر الْعجلِيّ سَمعه فِي أصفهان مِنْهُ فنسبه إِلَيْهِ
[ ١ / ٣٤٨ ]
٨٩ - (قَوْله) ومسند عبيد الله بن مُوسَى
هُوَ أحد شُيُوخ البُخَارِيّ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمُشكل أول من صنف الْمسند على تراجم الرِّجَال عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ
قلت وَلِهَذَا صدر المُصَنّف بالتمثيل بهما
٩٠ - (قَوْله) ومسند عبد بن حميد
هُوَ الْكشِّي وَيُقَال الكسي يرويهِ عَنهُ إِبْرَاهِيم بن خُزَيْمٌ - بِالْخَاءِ وَالرَّاء المعجمتين - وَأما مُحَمَّد بن خريم - بالراء - فَهُوَ رَاوِي الْمسند عَن هِشَام بن
[ ١ / ٣٤٩ ]
عمار الدِّمَشْقِي ذكره ابْن نقطة
٩١ - (قَوْله) ومسند الدَّارمِيّ
هُوَ أحد شُيُوخ البُخَارِيّ وينتقد على المُصَنّف فِي ذكره هُنَا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن مُسْند الدَّارمِيّ مُرَتّب على الْأَبْوَاب لَا على المسانيد إِلَّا أَن يقْصد الِاسْم الْمَشْهُور بِهِ
[ ١ / ٣٥٠ ]
الثَّانِي جعله دون الْكتب الْخَمْسَة وَقد أطلق جمَاعَة عَلَيْهِ اسْم الصَّحِيح
٩٢ - (قَوْله) ومسند أَحْمد بن حَنْبَل
قلت مَا ذكره من أَن مُسْند أَحْمد لَا يشْتَرط فِي الحَدِيث كَونه محتجا بِهِ وَأَنه دون الْكتب الْخَمْسَة - مَرْدُود فقد ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب فَضَائِل مُسْند أَحْمد أَن عبد الله سَأَلَ أَبَاهُ عَن هَذَا الْمسند فَقَالَ جعلته أصلا لِلْإِسْلَامِ يرجعُونَ إِلَيْهِ فَمَا لَيْسَ فِيهِ فَلَيْسَ بِصَحِيح
وَعنهُ أَنه قَالَ جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا فَمَا اخْتلف الْمُسلمُونَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ فِيهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة
[ ١ / ٣٥١ ]
وَهَذَا لَا يدل على أَن كل مَا فِيهِ صَحِيح كَمَا توهم الْمَدِينِيّ بل يدل على أَن مَا لَيْسَ فِيهِ لَيْسَ بِحجَّة عِنْده لما [لم] يطلع عَلَيْهِ وَمَا أشبه هَذَا بقول مَالك - وَقد سَأَلَهُ الزهْرَانِي عَن رجل - لَو كَانَ ثِقَة لوجدته فِي كتابي
[ ١ / ٣٥٢ ]
وَقَالَ بعض الْحفاظ وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ إِشْكَال إِذْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَحَادِيث لَيست فِي الْمسند وَيُقَال إِنَّه فَاتَهُ من الصَّحَابَة فِي الصَّحِيحَيْنِ قريب من مِائَتَيْنِ
وَأجِيب بِأَن تِلْكَ الْأَحَادِيث بِعَينهَا وَإِن خلا الْمسند عَنْهَا فلهَا فِيهِ أصُول ونظائر وشواهد وَأما أَن يكون متن صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْمسند أصل وَلَا نَظِير فَلَا يكَاد يُوجد وَرُبمَا اعْترض بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة أم زرع مَعَ أَنه فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا نَادِر
قَالَ أَبُو مُوسَى وَلم يخرج أَحْمد إِلَّا عَمَّن ثَبت عِنْده صدقه وديانته دون من طعن فِي أَمَانَته يدل على ذَلِك قَول عبد الله ابْنه سَأَلت أبي عَن عبد الْعَزِيز بن أبان فَقَالَ لم أخرج عَنهُ فِي الْمسند شَيْئا قَالَ أَبُو مُوسَى وَمن الدَّلِيل على أَن مَا أودعهُ مُسْنده احتاط فِيهِ إِسْنَادًا ومتنا وَلم يُورد فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عَنهُ ضربه
[ ١ / ٣٥٣ ]
على أَحَادِيث رجال ترك الرِّوَايَة عَنْهُم وروى عَنْهُم فِي غير الْمسند
وَهَذَا كُله يوهن جعل ابْن الصّلاح مُسْند أَحْمد دون الْكتب الْخَمْسَة فَإِن هَذَا الشَّرْط يُقَارب شَرط أبي دَاوُد
لَكِن حكى أَبُو الْعِزّ بن كادش عَن عبد الله بن أَحْمد أَن أَبَاهُ قَالَ لَهُ فِي كَلَام لَو أردْت أَن أقصد مَا صَحَّ عِنْدِي لم أرو من هَذَا الْمسند إِلَّا الشَّيْء (د ٣٥) بعد الشَّيْء وَلَكِنَّك يَا بني تعرف طريقي فِي الحَدِيث لست أُخَالِف مَا يضعف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ انْتهى
وَفِي هَذَا مُخَالفَة لما صَار إِلَيْهِ الْمَدِينِيّ وَلذَلِك خطأ ابْن دحْيَة أَصْحَاب أَحْمد بِجَمِيعِ مَا فِي مُسْنده وَبَالغ فَقَالَ أَكْثَرهَا لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِنَّمَا خرجها الإِمَام حَتَّى يعرف الحَدِيث من ايْنَ مخرجه وَالْمُنْفَرد بِهِ عدل أَو مَجْرُوح
[ ١ / ٣٥٤ ]
قَالَ الشَّيْخ نجم الدّين الطوفي فِيمَا وجدته بِخَطِّهِ قَالَ بعض متعصبي الْمُتَأَخِّرين لَا تقوم الْحجَّة بِمَا فِي مُسْند أَحْمد حَتَّى يَصح من طَرِيق آخر وَأَخْبرنِي شَيخنَا أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية أَنه اعْتبر (أ ٥٣) مُسْند أَحْمد فَوجدَ أَكْثَره على شَرط أبي دَاوُد وَشرط أبي دَاوُد كَمَا قَالَه ابْن مَنْدَه إِخْرَاج حَدِيث قوم لَا يجمع على تَركهم إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الْإِسْنَاد من غير قطع وَلَا إرْسَال وَهُوَ أَيْضا شَرط النَّسَائِيّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَمَا ذكرت حَدِيثا أَجمعُوا على تَركه وَرُوِيَ مثل هَذَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ حَنْبَل حضر أَحْمد وَابْنه عبد الله وَقَرَأَ علينا
[ ١ / ٣٥٥ ]
الْمسند ثمَّ قَالَ إِنِّي أخرجت هَذَا الْمسند من سَبْعمِائة ألف حَدِيث وَلم أذكر فِيهِ مَا أجمع النَّاس على تَركه وَجَعَلته حجَّة بيني وَبَين الله ﷿ فَمَا اخْتلف النَّاس فِيهِ من السّنة فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِن وجدتموه فِيهِ وَإِلَّا فَلَا أصل لَهُ
وَقَالَ ابْن تَيْمِية فِي بعض مؤلفاته قد تنَازع الحافظان أَبُو الْعَلَاء الهمذاني وَأَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد هَل فِيهِ أَحَادِيث مَوْضُوعَة فَأنْكر الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء ذَلِك وأثبته أَبُو الْفرج
قلت لِأَنَّهُ أورد فِي كتاب الموضوعات حَدِيث عمر لَيَكُونن فِي هَذِه الْأمة رجل يُقَال لَهُ الْوَلِيد وَحَدِيث أنس مَا من معمر يعمر فِي الْإِسْلَام أَرْبَعِينَ سنة
[ ١ / ٣٥٦ ]
إِلَّا صرف الله عَنهُ أنواعا من الْبلَاء الْجُنُون والجذام والبرص وَحَدِيث
[ ١ / ٣٥٧ ]
أنس عسقلان أحد العروسين يبْعَث مِنْهَا يَوْم الْقِيَامَة سَبْعُونَ ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَغير ذَلِك
[ ١ / ٣٥٩ ]
ثمَّ قَالَ ابْن تَيْمِية وَفصل الْخطاب أَن أَحْمد لم يرو [فِي مُسْنده عَن الْكَذَّابين المعتمدين للوضع بل لم يرو] فِيهِ عَن الدعاة إِلَى الْبدع بدع الْكَلَام والرأي وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه طَريقَة أَصْحَاب السّنَن فَإِنَّهُ ترك أَحَادِيث جمَاعَة مثل كثير بن عَوْف الْمُزنِيّ روى لَهُم أَبُو دَاوُد وَغَيره لَكِن يُوجد فِيهِ مَا يُوجد فِي هَذِه الْكتب من أَحَادِيث رَوَاهَا من غلط فِيهَا لسوء حفظه لَا لتعمده الْكَذِب [فَإِن أُرِيد بالموضوع مَا اعْتمد صَاحبه الْكَذِب فَأَحْمَد لَا يعْتَمد رِوَايَة هَؤُلَاءِ فِي مُسْنده] وَإِن أُرِيد بالموضوع مَا قد يسْتَدلّ بِهِ على بُطْلَانه بِدَلِيل مُنْفَصِل فَمثل هَذَا يَقع فِي عَامَّة الْكتب فَإِن الثِّقَات الْكِبَار قد يغلطون فِي أَشْيَاء انْتهى
وَاعْلَم أَن الْغَالِب فِيهِ الرِّوَايَة عَن الثِّقَات كمالك وَشعْبَة وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَغَيرهم وَفِيه الرِّوَايَة قَلِيلا عَن جمَاعَة نسبوا إِلَى الضعْف وَقلة الضَّبْط وَذَلِكَ على وَجه الِاعْتِبَار والاستشهاد لَا على طَرِيق الِاعْتِمَاد
[ ١ / ٣٦٠ ]
والاعتداد مثل رِوَايَته عَن عَامر بن صَالح الزبيرِي وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَسدي وَعمر بن هَارُون الْبَلْخِي وَعلي بن عَاصِم الوَاسِطِيّ وَإِبْرَاهِيم بن أبي اللَّيْث صَاحب الْأَشْجَعِيّ وَيحيى بن يزِيد بن عبد الْملك
[ ١ / ٣٦١ ]
النَّوْفَلِي وَتَلِيدُ بن سُلَيْمَان الْكُوفِي وحسين بن حسن الْأَشْقَر ومُوسَى بن هِلَال وَغَيرهم مِمَّن اشْتهر الْكَلَام فِيهِ
بل فِي الْمسند أَحَادِيث سُئِلَ عَنْهَا فضعفها وأنكرها وَهَذَا يرد قَول الْمَدِينِيّ إِنَّه لَا يخرج إِلَّا مَا صَحَّ عِنْده
مِنْهَا أَنه روى حَدِيث ابْن المطوس
[ ١ / ٣٦٢ ]
عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان (لم يقْض عَنهُ) صِيَام الدَّهْر
وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا - وَقد سَأَلَهُ عَنهُ - لَا أعرف أَبَا المطوس وَلَا ابْن المطوس
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَمِنْهَا أَنه روى حَدِيث لَا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَقَالَ الْمَرْوذِيّ لم يُصَحِّحهُ أَبُو عبد الله فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ [شَيْء] يثبت
وَمِنْهَا روى حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ إِذا كَانَ [النّصْف من شعْبَان فأمسكوا] هَذَا حَدِيث مُنكر وَلم
[ ١ / ٣٦٤ ]
يحدث الْعَلَاء بِحَدِيث أنكر من هَذَا وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي لَا يحدث بِهِ وَقد ذكرت فِي غير هَذَا الْموضع من هَذَا كثيرا
٩٣ - (قَوْله) وَأما مَا يتَعَلَّق بعدده
فَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أربعينه فِيهِ أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث إِلَّا أَرْبَعِينَ أَو ثَلَاثِينَ قَالَ أَبُو عبد الله الْأَسدي هَكَذَا سمعته من الْقطيعِي لما سمعته مِنْهُ وَعَن ابْن الْمُنَادِي أَن فِيهِ ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَلَعَلَّه أَرَادَ بِإِسْقَاط المكرر أَو خَالِيا عَن زِيَادَة ابْنه وَقد ذكر ابْن دحْيَة فِي كَلَامه على أَحَادِيث الْمِعْرَاج أَن فِيهِ (٥٤ / أ) أَرْبَعِينَ ألفا بِزِيَادَات ابْنه عبد الله وَهُوَ يجمع الْأَقْوَال
٩٤ - (قَوْله) ومسند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه
جَاءَ عَنهُ أَنه قَالَ خرجت عَن كل صَاحِبي أمثل مَا ورد عَنهُ ذكره أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ
٩٥ - (قَوْله) ومسند الْبَزَّار
هُوَ يبين فِيهِ الْكَلَام على علل الْأَحَادِيث والمتابعات والتفردات قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لكنه قد يخطيء
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ هُوَ كَالَّذي قبله فِي عدم الِاحْتِجَاج مِنْهُ
[ ١ / ٣٦٦ ]
٩٦ - (قَوْله) السَّابِع قَوْلهم [هَذَا حَدِيث] صَحِيح الْإِسْنَاد [إِلَى آخِره
دَعْوَاهُ أَن قَوْلهم صَحِيح الْإِسْنَاد] يحْتَمل أَن يكون شاذا أَو مُعَللا قد يمْنَع فَإِن صِحَة الْإِسْنَاد مستلزمة لصِحَّة الْمَتْن وَالْحكم بِصِحَّة الْإِسْنَاد مَعَ احْتِمَال عدم صِحَّته بعيد وَهَذَا فِيهِ نظر وَقد تقدم فِي كَلَام المُصَنّف أَنهم إِذا قَالُوا هَذَا حَدِيث صَحِيح فمرادهم اتِّصَال سَنَده لَا أَنه مَقْطُوع بِهِ فِي نفس الْأَمر وَقد تكَرر
[ ١ / ٣٦٧ ]
فِي كَلَام الْمزي والذهبي وَغَيرهمَا من الْمُتَأَخِّرين إِسْنَاده صَالح والمتن مُنكر
٩٧ - (قَوْله) الثَّامِن فِي قَول التِّرْمِذِيّ وَغَيره
يَعْنِي كالبخاري قَالَ المُصَنّف وجدت فِي أصل الْحَافِظ أبي حَازِم العبدوي بِكِتَاب التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث معَاذ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ ألأعلى
[ ١ / ٣٦٨ ]
سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح انْتهى
وَحَاصِل مَا ذكره فِي الْجَواب عَن هَذَا الْإِشْكَال وَجْهَان
الأول مِنْهُمَا أَن تعدد الصّفة بِاعْتِبَار تعدد الْإِسْنَاد قد رد بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا ذكره ابْن أبي الدَّم لِأَنَّهُ قد يُمكن أَن يكون الحَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا يكون الْمَتْن صَحِيحا لكَونه شاذا أَو مُعَللا فوصف الْإِسْنَاد بِالصِّحَّةِ أَو الْحسن غير وصف الحَدِيث نَفسه بِالصَّحِيحِ أَو الْحسن فَلَا يحسن أَن يُقَال إِن مُرَاده بقوله حَدِيث حسن صَحِيح - بعد التَّصْرِيح بِوَصْف الحَدِيث بهما بِأَنَّهُ رَاجع إِلَى وصف إِسْنَاده فَإِن الحَدِيث شَيْء وَإسْنَاد الحَدِيث شَيْء آخر وَإِنَّمَا لَا يبعد أَن يكون المُرَاد بقوله هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح أَن الصَّحِيح هُوَ الَّذِي نَقله الْعدْل عَن الْعدْل بِشَرْط الضَّبْط كَمَا تقدم وَالْحسن هُوَ الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ بشرى للمكلف وتسهيل عَلَيْهِ وتيسير مَأْخُوذ مِمَّا تميل إِلَيْهِ النَّفس (٣٦ / د) وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي الْجَواب الثَّانِي انْتهى
[ ١ / ٣٦٩ ]
والاعتراض الثَّانِي ذكره ابْن دَقِيق الْعِيد أَنه ينْتَقض بقول التِّرْمِذِيّ فِي كثير من الْمَوَاضِع هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه يُصَرح بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مخرج وَاحِد وَقد يُجَاب عَن هَذَا بأمرين
أَحدهمَا أَن الصُّورَة الَّتِي ذكرهَا ابْن الصّلاح مُطلقَة لَيست مُقَيّدَة بِهَذَا الْقَيْد وَكَلَامه مَحْمُول عِنْد الْإِطْلَاق وَيكون المُرَاد هُوَ الْأَعَمّ الْأَغْلَب فَإِن هَذَا الْقَيْد الَّذِي ذكره التِّرْمِذِيّ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مطلقه
الثَّانِي سلمنَا ذَلِك لَكِن يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث بعض الروَاة لَا أَن الْمَتْن لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه أَي انْفِرَاد الرَّاوِي بِهِ عَن راو آخر لَا أَن الْمَتْن مُنْفَرد بِهِ وَيدل لهَذَا أَنه أخرج فِي كتاب الْفِتَن حَدِيث خَالِد الْحذاء عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة من أَشَارَ إِلَى أَخِيه بحديدة
[ ١ / ٣٧٠ ]
حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه يستغرب من حَدِيث خَالِد فاستغربه من حَدِيث خَالِد لَا مُطلقًا
وَأما الْجَواب الثَّانِي وَهُوَ تَجْوِيز أَن يُرَاد بالْحسنِ الْمَعْنى اللّغَوِيّ اعْترض عَلَيْهِ أَيْضا بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا ذكره صَاحب الاقتراح وَهُوَ استلزام إِطْلَاق الْحسن على الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ وَلم يقلهُ أحد
وَفِيه نظر لِأَن الْحسن الَّذِي ذكره ابْن الصّلاح إِنَّمَا هُوَ قرين (٥٥ / أ) الصَّحِيح وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْحسن الْمُطلق
الثَّانِي أَن التِّرْمِذِيّ يَقُول ذَلِك فِي أَحَادِيث مروية فِي صفة جَهَنَّم وَالْحُدُود [و] الْقصاص وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُوَافق الْقلب إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه حسن بِاعْتِبَار مَا [فِيهِ] من الزّجر عَن الْقَبِيح
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي
[ ١ / ٣٧١ ]
الَّذِي أقوله فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال أَنه لَا يشْتَرط فِي الْحسن قيد الْقُصُور عَن الصِّحَّة وَإِنَّمَا يجيؤه الْقُصُور وَيفهم ذَلِك مِنْهُ إِذا اقْتصر على قَوْله حسن والقصور ثَابت من حَيْثُ الِاقْتِصَار لَا من حَيْثُ حَقِيقَته وذاته [فَإِذا جمع بَينهمَا فَلَا قُصُور حِينَئِذٍ] وَبَيَان ذَلِك أَن هَا هُنَا صِفَات للرواة تَقْتَضِي قبُول روايتهم وَتلك الصِّفَات مُتَفَاوِتَة بَعْضهَا فَوق بعض كالتيقظ وَالْحِفْظ والإتقان مثلا [فوجود الدرجَة الدُّنْيَا كالصدق مثلا] لَا يُنَافِي وجود مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ كالحفظ والإتقان وَكَذَلِكَ إِذا وجدت الدرجَة الْعليا لم يناف ذَلِك وجود الدُّنْيَا [كالحفظ] مَعَ الصدْق فصح أَن يُقَال حسن بِاعْتِبَار الصّفة [الدُّنْيَا] صَحِيح بِاعْتِبَار الصّفة الْعليا وَيلْزم على ذَلِك أَن يكون كل صَحِيح حسنا ويلتزمه وَيُؤَيِّدهُ وُرُود قَول الْمُتَقَدِّمين هَذَا حَدِيث حسن فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة انْتهى
[ ١ / ٣٧٢ ]
وَحَاصِله أَن الصَّحِيح يرجع إِلَى زِيَادَة الْحِفْظ والإتقان وَالْحسن يرجع إِلَى الصدْق وَمُطلق الْحِفْظ وَقد يَجْتَمِعَانِ وَيشكل عَلَيْهِ مَا تقدم من إِطْلَاق الصَّحِيح عِنْد شهرة الرَّاوِي بِالصّدقِ مَعَ قُصُور ضَبطه وَأورد عَلَيْهِ مَا لَو كَانَ السَّنَد قد اتّفق على عَدَالَة رُوَاته وَجَوَابه بندرة ذَلِك
نعم مَا ادَّعَاهُ من أَن كل صَحِيح حسن مَمْنُوع فَإِن الصَّحِيح الَّذِي لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد كَمَا سَيَأْتِي لَيْسَ بِحسن لِأَن شَرط الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه كَمَا تقدم
[نعم] لَو قيل بَينهمَا عُمُوم وخصوص لَكَانَ متجها إِذْ بعض الْحسن لَيْسَ بِصَحِيح أَيْضا لكَون رِجَاله لَيْسُوا من الضَّبْط والإتقان والشهرة بِذَاكَ وَإِن كَانَ مَعْرُوف الْمخْرج وَرُوِيَ من غير وَجه فَحَيْثُ عرف مخرجه واشتهر رِجَاله وهم بمَكَان من الضَّبْط والإتقان وَرُوِيَ من غير وَجه فَحسن وصحيح وَحَيْثُ رُوِيَ من وَجه آخر لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد فِي كل دَرَجَة وَهُوَ ضَابِط متقن عدل ثِقَة فَصَحِيح وَلَيْسَ بِحسن وَحَيْثُ لَهُ مخرج مشتهر وَأخرج من غير وَجه فَحسن وصحيح وَحَيْثُ رُوِيَ من وَجه
وَقَالَ شَيخنَا عماد الدّين بن كثير - ﵀ - أصل هَذَا السُّؤَال غير مُتَّجه لِأَن الْجمع بَين الْحسن وَالصِّحَّة رُتْبَة متوسطة فَالصَّحِيح أَعْلَاهَا ويليه الْمَنْسُوب من
[ ١ / ٣٧٣ ]
كل مِنْهُمَا وَهُوَ الصِّحَّة وَالْحسن ويليه الْحسن وَمَا كَانَ فِيهِ شبه من شَيْئَيْنِ اخْتصَّ باسم وَصَارَ كالمستقل كَقَوْلِهِم هَذَا حُلْو حامض أَي مز انْتهى
وَيلْزم على هَذَا أَلا يكون فِي كتاب التِّرْمِذِيّ صَحِيح إِلَّا قَلِيلا لقلَّة اقْتِصَاره على قَوْله هَذَا صَحِيح مَعَ أَن الَّذِي يعبر فِيهِ بِالصِّحَّةِ وَالْحسن أَكْثَره مَوْجُود فِي الصَّحِيحَيْنِ ثمَّ هُوَ يَقْتَضِي إِثْبَات قسم آخر وَهُوَ خرق لإجماعهم
فَإِن قلت فَمَا عنْدك فِي دفع هَذَا الْإِشْكَال قلت يحْتَمل أَن يُرِيد بقوله حسن صَحِيح فِي هَذِه الصُّورَة الْخَاصَّة الترادف وَاسْتعْمل هَذَا قَلِيلا تَنْبِيها على جَوَازه كَمَا اسْتَعْملهُ بَعضهم حَيْثُ وصف الْحسن بِالصِّحَّةِ على قَول من أدرج الْحسن فِي قسم الصَّحِيح وَيجوز أَن يُرِيد حقيقتهما فِي إِسْنَاد وَاحِد بِاعْتِبَار حَالين وزمانين فَيجوز أَن يكون سمع هَذَا الحَدِيث من رجل مرّة فِي حَال كَونه مَسْتُورا أَو مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة ثمَّ ترقى ذَلِك الرجل المسمع وارتفع حَاله إِلَى دَرَجَة الْعَدَالَة فَسَمعهُ مِنْهُ التِّرْمِذِيّ أَو غَيره مرّة أُخْرَى فَأخْبر بالوصفين (٥٦ / أ) وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد أَنه سمع الحَدِيث الْوَاحِد على الشَّيْخ الْوَاحِد غير مرّة وَهُوَ قَلِيل
وَهَذَا الِاحْتِمَال - وَإِن كَانَ بَعيدا - فَهُوَ أشبه مَا يُقَال وَهُوَ رَاجع لما ذكره ابْن دَقِيق الْعِيد
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَيحْتَمل أَن يكون التِّرْمِذِيّ أدّى اجْتِهَاده إِلَى حسنه أَو بِالْعَكْسِ أَو أَن الحَدِيث فِي أَعلَى دَرَجَات الْحسن وَأول دَرَجَات الصَّحِيح فَجمع لَهُ بِاعْتِبَار مذهبين كَمَا تقدم فِي حَدِيث الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وكحديث جَابر فِي (السَّلَام على من يَبُول) سكت عَنهُ عبد الْحق سكُوت مصحح لَهُ وَحسنه ابْن الْقطَّان للِاخْتِلَاف فِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل فَيُقَال أَشَارَ بقوله حسن
[ ١ / ٣٧٥ ]
صَحِيح [للتّنْبِيه على أَنه باعتبارين فَحسن على وَجه مضعف وصحيح] على عدم الِاعْتِدَاد بِهِ
وَيُقَوِّي هَذَا قَول التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة فِي (الْغسْل بمجاوزة الْخِتَان) حسن صَحِيح مَعَ نَقله عَن البُخَارِيّ فِي كتاب الْعِلَل أَن إِسْنَاده خطأ وَأَنت إِذا تَأَمَّلت تصرف التِّرْمِذِيّ لَعَلَّك تسكن إِلَى قَصده هَذَا وَالله أعلم
[ ١ / ٣٧٦ ]
وَاعْلَم أَن هَذَا السُّؤَال يرد بِعَيْنِه فِي قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لِأَن من شَرط الْحسن أَن يكون مَعْرُوفا من غير وَجه والغريب مَا انْفَرد أحد رُوَاته بِهِ وَبَينهمَا تناف
وَجَوَابه أَن الْغَرِيب يُطلق على أَقسَام غَرِيب من جِهَة الْمَتْن وغريب من جِهَة الْإِسْنَاد وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي دون الأول لِأَن هَذَا الْغَرِيب مَعْرُوف عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لَكِن تفرد بَعضهم بروايته عَن صَحَابِيّ فبحسب الْمَتْن حسن لِأَنَّهُ عرف مخرجه واشتهر فَوجدَ شَرطه الْحسن وبحسب الْإِسْنَاد غَرِيب لِأَنَّهُ لم يروه عَن تِلْكَ الْجَمَاعَة إِلَّا وَاحِد وَلَا مُنَافَاة بَين الْغَرِيب بِهَذَا (٣٧ / د) الْمَعْنى وَبَين الْحسن بِخِلَاف سَائِر الغرائب فَإِنَّهَا تنَافِي الْحسن وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن عبد المحسن الغرافي فِي كِتَابه مُعْتَمد [قَاصد] التَّنْبِيه قَول أبي عِيسَى هَذَا
[ ١ / ٣٧٧ ]
حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَهَذَا حَدِيث [حسن] غَرِيب إِنَّمَا يُرِيد بِهِ ضيق الْمخْرج أَنه لم يخرج إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة وَلم يَتَعَدَّد خُرُوجه من طرق إِلَّا إِن [كَانَ] الرَّاوِي ثِقَة فَلَا يضر ذَلِك فيستغربه هُوَ لقلَّة الْمُتَابَعَة وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة شروطهم عَجِيبَة وَقد يخرج الشَّيْخَانِ أَحَادِيث تقع إِلَى أبي عِيسَى فَيَقُول فِيهَا هَذَا حَدِيث حسن وَتارَة حسن غَرِيب كَمَا قَالَ فِي حَدِيث أبي بكر قلت يَا رَسُول الله عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث حسن
[ ١ / ٣٧٨ ]
٩٨ - (قَوْله) التَّاسِع من أهل الحَدِيث من لَا يفرد نوع الْحسن ويجعله مندرجا فِي الصَّحِيح انْتهى
قد سبق النَّقْل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين حِكَايَة هَذَا عَن جَمِيع أهل الحَدِيث خلا التِّرْمِذِيّ وَمِنْهُم من يَجعله مندرجا فِي الضَّعِيف
ثمَّ تَسْمِيَة هَذِه الْكتب صحاحا إِمَّا هُوَ بِاعْتِبَار الْأَغْلَب لِأَن غالبها الصِّحَاح والحسان وَهِي مُلْحقَة بالصحاح والضعيف مِنْهَا رُبمَا الْتحق بالْحسنِ بِإِطْلَاق الصِّحَّة عَلَيْهَا فِي بَاب التغليب
والكتب السِّتَّة الصحيحان وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
[ ١ / ٣٧٩ ]
وَابْن مَاجَه
وَعند المغاربة موطأ مَالك عوضا عَن سنَن ابْن مَاجَه قبل أَن يقفوا عَلَيْهِ
٩٩ - (قَوْله) ذكر الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي الْكتب الْخَمْسَة إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن هَذَا ذكره السلَفِي فِي كِتَابه مُقَدّمَة السّنَن فَقَالَ وَأما السّنَن فكتاب لَهُ صيت فِي الْآفَاق وَلَا يرى مثله على الْإِطْلَاق وَهُوَ كَمَا ذكرت فِيمَا تقدم أحد الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا عُلَمَاء الشرق والغرب والمخالفون لَهُم كالمتخلفين عَنْهُم بدار الْحَرْب فَكل من رد مَا صَحَّ من قَول الرَّسُول ﷺ وَلم يتلقه بِالْقبُولِ قد ضل وغوى إِذْ كَانَ ﵊ لَا ينْطق عَن الْهوى وَإِنَّمَا ذكرته لِأَنِّي وجدت شَيخنَا (٥٧ / أ) عَلَاء الدّين مغلطاي أنكر على ابْن الصّلاح هَذَا النَّقْل عَن السلَفِي حَيْثُ لم يقف على هَذَا الْموضع وَإِنَّمَا وقف على قَوْله قبل هَذَا بِنَحْوِ ورقتين وَكتاب أبي دَاوُد فَهُوَ أحد الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق أهل الْحل وَالْعقد من الْفُقَهَاء وحفاظ الحَدِيث على قبُولهَا وَالْحكم بِصِحَّة أُصُولهَا قَالَ فَإِنَّمَا نقل الِاتِّفَاق على صِحَة أُصُولهَا لَا مُطلقًا والعبارة السَّابِقَة هِيَ عبارَة
[ ١ / ٣٨٠ ]
المُصَنّف وَلَا تنَافِي هَذِه الْعبارَة
الثَّانِي مَا اعْترض بِهِ على المُصَنّف قد أجَاب عَنهُ النَّوَوِيّ بِأَن مُرَاده مُعظم الْكتب الثَّلَاثَة سوى الصَّحِيحَيْنِ يحْتَج بِهِ
لَكِن فِي هَذَا نظر إِذْ لَيْسَ كل صَحِيح يحْتَج بِهِ فالمنسوخ صَحِيح وَلَا يحْتَج بِهِ فمراده السَّالِم عَن الْمعَارض وَهَذَا وَاضح
الثَّالِث السلَفِي - بِكَسْر الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَبعدهَا فَاء مَكْسُورَة - مَنْسُوب إِلَى جد لَهُ يُقَال سلفه كَانَ هَذَا الْجد مشقوق الشّفة فلقب بِالْفَارِسِيَّةِ شلفة - بِكَسْر (الشين الْمُعْجَمَة) وَفتح اللَّام - أَي ذِي ثَلَاث شفَاه ثمَّ عرب فَقيل سلفة هَكَذَا ذكره النَّوَوِيّ فِي كِتَابه بُسْتَان العارفين
وَرَأَيْت فِي فهرست القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله بن حوط الله أَنه مَنْسُوب إِلَى سلفة قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان وَالصَّوَاب الأول فقد رَأَيْت فِي تَعْلِيق كتبه
[ ١ / ٣٨١ ]
بِخَط السلَفِي مَا نَصه بَنو سلفة سلفي أبي وَعمي وجدي وجد أبي [مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَخُو فَاطِمَة بنت شُعَيْب العالمة قدمت الصوفيات بأصبهان وَعم أبي الْفضل - ﵏ - يذكر مَعَ سلفة بن دَاوُد فِي نسب طَلْحَة بن مصرف انْتهى
ونقلت من خطّ الْحَافِظ أبي المظفر مَنْصُور بن سليم الإسكندري فِي تَارِيخ الْإسْكَنْدَريَّة أصل سلفة أَنه كَانَت إِحْدَى شَفَتَيْه عريضة مفروقة فَكَانَت لَهُ ثَلَاث شفَاه فَقيل لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ شي لفه أَي ذُو ثَلَاث شفَاه ثمَّ عرب فَقيل سلفة ثمَّ نسب نَفسه بعد قدومه مصر فَقيل السلَفِي لِئَلَّا يشْتَبه بالسلفي
فَائِدَة
وَقع فِي عبارَة بَعضهم الْجيد كالترمذي فِي الطِّبّ من جَامعه وَمرَاده الصَّحِيح
وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر
[ ١ / ٣٨٢ ]
قَالَ ابْن الْمُبَارك لَيْسَ جودة الحَدِيث قرب الْإِسْنَاد [بل] جودة الحَدِيث صِحَة الرِّجَال ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء
وَيَقَع فِي عبارتهم الثَّابِت وَيكثر ذَلِك فِي كَلَام ابْن الْمُنْذر وَهل يسْتَلْزم ذَلِك الحكم بِالصِّحَّةِ يحْتَمل أَن يتَخَرَّج فِيهِ خلاف من خلاف الْفُقَهَاء أَن القَاضِي لَو قَالَ ثَبت عِنْدِي بِالْبَيِّنَةِ العادلة كَذَا هَل يكون حكما مِنْهُ وَجْهَان أقربهما نعم لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن تَحْقِيق الشَّيْء جزما وأصحهما لَا لِأَن الحكم هُوَ الْإِلْزَام والثبوت لَيْسَ بإلزام وَالْأَقْرَب أَنه لَا يتَخَرَّج لأَنهم أجروا هَذَا الْخلاف فِيمَا لَو قَالَ صَحَّ عِنْدِي كَذَا هَل يكون حكما وَقد كَانَ الحافظان قطب الدّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَفتح الدّين بن سيد النَّاس يَقُولَانِ إِن الثَّابِت يخْتَص بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح دون الْحسن ونازعهم مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ اللَّخْمِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الصَّيْرَفِي
[ ١ / ٣٨٣ ]
وصنف فِي ذَلِك جُزْءا وقفت عَلَيْهِ بِخَطِّهِ وَقَالَ لَا يخْتَص بِهِ بل يَشْمَل الْحسن أَيْضا لِأَن الْحسن يحْتَج بِهِ كَمَا يحْتَج بِالصَّحِيحِ وَإِن كَانَ دونه فِي الْقُوَّة وَاعْترض على نَفسه بِأَن الْحفاظ قد استعملوا فِي مصنفاتهم الثَّابِت الصَّحِيح وَالصَّحِيح الثَّابِت فَقَالُوا هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت وَهَذَا حَدِيث ثَابت صَحِيح وَلم يجْعَلُوا الصَّحِيح تَأْكِيدًا لِلْحسنِ وَلَا الْحسن تَأْكِيدًا للثبوت فَلم يَقُولُوا هَذَا حَدِيث حسن ثَابت أَو ثَابت حسن وَأجَاب أَنه لَا يلْزم من عدم استعمالهم أَلا يجوز وَلَا شكّ أَن الثُّبُوت يَشْمَل الصِّحَّة وَالْحسن لِأَن اللَّفْظ يحتملهما وَقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ (٥٨ / أ) فِي سنَنه فِي حَدِيث شَهَادَة الْأَعرَابِي بِهِلَال رَمَضَان إِسْنَاده حسن ثَابت
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي حَدِيث ابْن عمر فِي (رُؤْيَة الْهلَال) أخرجه أَبُو دَاوُد وَهُوَ ثَابت وَقَالَ فِي (حَدِيث الْقلَّتَيْنِ) وَفِي حَدِيث (الْوضُوء من مس
[ ١ / ٣٨٤ ]
الذّكر) حسن ثَابت
[ ١ / ٣٨٥ ]
وَقد اسْتعْمل ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف هَذِه الْعبارَة كثيرا فِي أول الْأَبْوَاب فَيَقُول ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ فعل كَذَا وَأمر بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا استعملها فِي أَحَادِيث كَثِيرَة حسنها التِّرْمِذِيّ وَلم يُخرجهَا البُخَارِيّ وَلَا مُسلم كَقَوْلِه ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعُثْمَان (٣٨ د) بن أبي الْعَاصِ وَاتخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ حسن وَقَالَ ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَقد
[ ١ / ٣٨٦ ]
حسنه التِّرْمِذِيّ
قَالَ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَسْمِيَة الثُّبُوت لِلْحسنِ يَنْبَنِي على اتِّحَاد حكم الصَّحِيح وَالْحسن فِي وجوب الْعَمَل بهَا فِي الْأَحْكَام فَمن نظر إِلَى حكم الْحسن جَازَ أَن يُسَمِّيه صَحِيحا مجَازًا اعْتِبَارا بِحكمِهِ كَمَا فعل غير وَاحِد من الْأَئِمَّة وَمن لم يسمه صَحِيحا وهم الْأَكْثَرُونَ نظرُوا إِلَى حَقِيقَة إِسْنَاد الْحسن فعلى هَذَا الْإِشْكَال فِي جَوَاز تَسْمِيَة الْحسن بالثابت اعْتِبَارا بِحكمِهِ وَهل يُسمى الْحسن ثَابتا اعْتِبَارا بِإِسْنَادِهِ على مَذْهَب الْجُمْهُور فَإِن دَرَجَته متوسطة بَين الصَّحِيح والضعيف فِيهِ ثَلَاثَة احتمالات ثَالِثهَا التَّفْصِيل بَين ذَا ومستور لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته وَلَيْسَ مغفلا كثير الْخَطَأ وَلَا ظهر مِنْهُ سَبَب مفسق وَيكون متن حَدِيثه مَعْرُوفا فَلَا يُسمى حَدِيثه ثَابتا لعدم تَحْقِيق الْأَهْلِيَّة وَبَين راو اشْتهر بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة وَهُوَ مُرْتَفع عَن حَال من يعد تفرده مُنْكرا فيسمى حَدِيثه ثَابتا لوُجُود الثَّنَاء عَلَيْهِ وشهرته فَإِن دَرَجَات الْحسن مُتَفَاوِتَة كَمَا أَن دَرَجَات الصَّحِيح والضعيف تَتَفَاوَت
فَإِن قلت قَوْلهم حَيْثُ حسن ثَابت يَقْتَضِي إسنادين حسن والاخر
[ ١ / ٣٨٧ ]
ثَابت كَمَا اقْتضى قَوْلهم [حَدِيث] حسن صَحِيح
قلت لَا يتَّجه ذَلِك لجَوَاز أَن يكون الثُّبُوت أُرِيد بِهِ تَأْكِيد الْحسن وَهُوَ الْمَطْلُوب أَو الصِّحَّة فَهُوَ مُحْتَمل لَهما فَلَا يحكم بِالصِّحَّةِ فِي لفظ الثُّبُوت إِلَّا بِأَمْر صَرِيح وَلَيْسَ فِي الثُّبُوت صَرَاحَة فِي الصِّحَّة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي غير حَدِيث هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح كَمَا يَقُول حسن صَحِيح
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه إِسْنَاد صَحِيح حسن وَقَالَ أَيْضا هَذَا إِسْنَاد صَحِيح ثَابت
[ ١ / ٣٨٨ ]
النَّوْع الثَّالِث فِي معرفَة الضَّعِيف
١٠٠ - (قَوْله) كل حَدِيث لم تَجْتَمِع فِيهِ صِفَات الصَّحِيح وَلَا صِفَات الْحسن فَهُوَ ضَعِيف
اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى ذكر الصَّحِيح لِأَن مَا قصر عَن الْحسن فَهُوَ على الصَّحِيح أقصر
وَهُوَ عَجِيب لِأَن مقَام التَّعْرِيف يَقْتَضِي ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم وجود وصف الْحسن عدم وجود وصف الصَّحِيح فَالصَّحِيح بِشَرْطِهِ السَّابِق لَا يُسمى حسنا فالترديد مُتَعَيّن وَنَظِيره قَول النَّحْوِيّ - بعد تَعْرِيف الِاسْم وَالْفِعْل -
[ ١ / ٣٨٩ ]
والحرف مَا لم يقبل شَيْئا من عَلَامَات الِاسْم وَلَا عَلَامَات الْفِعْل
ثمَّ لَو عكس هَذَا الِاعْتِرَاض فَقيل لَا حَاجَة لذكر الْحسن بِنَاء على أَنه لَيْسَ ثمَّ غير قسمَيْنِ صَحِيح وَضَعِيف كَمَا سبق عَن الْجُمْهُور لَكَانَ أقرب وَهنا أسئلة
أَحدهَا أَنه لَا يلْزم من كَون سَنَد الحَدِيث ضَعِيفا أَن يكون كَذَلِك فِي نفس الْأَمر بل قد يكون لَهُ سَنَد آخر صَحِيح وَقد ينجبر بِسَنَد آخر ضَعِيف يَنْتَهِي بمجموعها إِلَى دَرَجَة الْحسن كَمَا سبق فِي الْحسن أَنه يرتقي إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح إِذا رُوِيَ بِسَنَد آخر مثله فِي الْحسن
الثَّانِي يَجِيء هُنَا مَا سبق فِي السَّابِع أَن قَوْلهم حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد دون قَوْلهم صَحِيح لَا يَقْتَضِي صِحَة الْمَتْن فَيُقَال هُنَا قَوْلهم ضَعِيف الْإِسْنَاد دون قَوْلهم ضَعِيف لَا يَقْتَضِي ضعف الْمَتْن إِلَّا إِذا اقْتصر عَلَيْهِ حَافظ مُعْتَمد (٥٩ / أ) فَالظَّاهِر ضعف الْمَتْن وَعدم صِحَّته
الثَّالِث أَن الحَدِيث الضَّعِيف إِذا تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ عمل بِهِ على الصَّحِيح حَتَّى إِنَّه ينزل منزلَة الْمُتَوَاتر فِي أَنه ينْسَخ الْمَقْطُوع وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي حَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث إِنَّه لَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث وَلَكِن الْعَامَّة تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ وَعمِلُوا بِهِ حَتَّى جَعَلُوهُ نَاسِخا لآيَة الْوَصِيَّة للْوَارِث
[ ١ / ٣٩٠ ]
١٠١ - (قَوْله) وَأَطْنَبَ أَبُو حَاتِم البستي فِي تقسيمه
أَي فِي أول كِتَابه الضُّعَفَاء
١٠٢ - (قَوْله) وسبيل من أَرَادَ الْبسط إِلَى آخِره
[مِثَاله] أَن يعد الْمُنْقَطع قسما ثمَّ الْمُنْقَطع الشاذ قسما آخر ثمَّ الْمُنْقَطع الشاذ الْمُرْسل قسما آخر ثمَّ الْمُنْقَطع الشاذ الْمُرْسل المضطرب قسما رَابِعا
ثمَّ كَذَلِك إِلَى آخر الصِّفَات ثمَّ يعود فَيَقُول الشاذ قسم خَامِس الشاذ
[ ١ / ٣٩١ ]
الْمُرْسل قسم سادس الْمُرْسل المضطرب قسم سَابِع وَهَكَذَا
١٠٣ - (قَوْله) وَهَكَذَا هَلُمَّ جرا
اعْلَم أَنه مِمَّا يسْأَل عَنهُ إِعْرَاب هَذِه اللَّفْظَة وَمَعْنَاهَا وَقل من يعرض لَهَا وَقد ذكرهَا الشريشي فِي شرح المقامات وَقَالَ ينْتَصب فِي قَول الْكُوفِيّين على الْمصدر لِأَن فِي هَلُمَّ [معنى] جروا جرا وَفِي قَول الْبَصرِيين هُوَ مصدر فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره هَلُمَّ جارين أَي مستثبتين قِيَاسا على جَاءَ عبد الله مشيا وَأَقْبل ركضا
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي الْمَعْنى سِيرُوا على هيئتكم لَا تجهدوا أَنفسكُم أخذا من
[ ١ / ٣٩٢ ]
الْجَرّ فِي السُّوق وَهُوَ أَن تتْرك الْإِبِل وَالْغنم ترعى فِي السّير ثمَّ رَأَيْت فِي الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي بعد أَن ذكر هَذَا الْمَعْنى قَالَ فِي نَصبه ثَلَاثَة أوجه فَذكر الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين وَقَالَ وَالثَّالِث قَالَه بعض النَّحْوِيين أَنه مَنْصُوب على التَّفْسِير يَعْنِي التَّمْيِيز قَالَ وَيُقَال للرجلين هَلُمَّ جرا وهلما جرا وللجمع هلموا جرا وهلم جرا وَالِاخْتِيَار التَّوْحِيد لِأَن هَلُمَّ لَيست فعلا يتَصَرَّف وبالتوحيد جَاءَ الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾
١٠٤ - (قَوْله) ثمَّ مَا عدم فِيهِ جَمِيع الصِّفَات هُوَ الْقسم الْأُخَر
هُوَ بِكَسْر الْخَاء وَقصر الْألف قَالَ فِي الصِّحَاح يُقَال فِي الشتم أبعد الله الْأُخَر وَفِي حَدِيث مَاعِز إِن الْأُخَر زنا
قَالَ ابْن عبد الْبر الرِّوَايَة فِيهِ بِكَسْر الْخَاء على وزن فعل عِنْد أهل اللُّغَة وَمَعْنَاهُ أَن البائس الشقي زنا كَمَا تَقول الْأَبْعَد زنا قَالَه توبيخا لنَفسِهِ وَقَالُوا فِي
[ ١ / ٣٩٣ ]
قَول قيس بن عَاصِم [و] الْمَسْأَلَة أخر كسب الرجل أَي أرذل كَسبه قلت وَعَن ابْن أَنه حُكيَ بِالْمدِّ وَهُوَ غَرِيب
[ ١ / ٣٩٤ ]
١٠٥ - (قَوْله) وَمن أَقسَام ذَلِك
أَي من أَقسَام الضَّعِيف إِلَى آخِره أما أَن الْمَوْضُوع من أَقسَام الضَّعِيف فَغير مُسلم لِأَن الْمَوْضُوع لَيْسَ بِحَدِيث أصلا بل لَا يَنْبَغِي أَن يعد الْبَتَّةَ وَأما إِطْلَاقه الشاذ فَلَيْسَ بذلك فقد ينْفَرد الثِّقَة فَلَا يضر شذوذه كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه وَكَذَلِكَ الْمُعَلل والمرسل لَيْسَ بضعيف مُطلقًا فقد يحْتَج بِهِ من ضعفه إِذا اعتضد بِأُمُور
وَمِمَّا أهمله المُصَنّف هَا هُنَا ذكر أَو هِيَ الْأَسَانِيد وَهُوَ نَظِير مَا تقدم فِي أصح الْأَسَانِيد وَقد تعرض لَهُ الْحَاكِم وَأَبُو نعيم الْحَافِظ فِيمَا أخرجه على كتاب الْحَاكِم والأستاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ
فأوهى أَسَانِيد الصّديق صَدَقَة الدقيقي عَن
[ ١ / ٣٩٥ ]
فرقد السبخي عَن مرّة الطّيب عَن أبي بكر
وأوهى أَسَانِيد العمريين مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم عَن أَبِيه عَن جده فَإِن مُحَمَّدًا وَالقَاسِم وعبد الله لَا يحْتَج بهم
[ ١ / ٣٩٦ ]
وأوهي أَسَانِيد أهل الْبَيْت عَمْرو بن شمر عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الْحَارِث الْأَعْوَر عَن عَليّ
وأوهى أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة السّري بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن يزِيد الأودي عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة
[ ١ / ٣٩٧ ]
وأوهى أَسَانِيد عَائِشَة نُسْخَة عِنْد الْبَصرِيين عَن الْحَارِث بن شبْل عَن أم النُّعْمَان عَن عَائِشَة
وأوهى أَسَانِيد (ل / ٦٠ أ) عبد الله بن مَسْعُود شريك عَن أبي فَزَارَة عَن أبي زيد عَن عبد الله إِلَّا أَن أَبَا فَزَارَة رَاشد بن كيسَان كُوفِي ثِقَة
وأوهى أَسَانِيد أنس بن مَالك دَاوُد بن المحبر بن قحذم عَن
[ ١ / ٣٩٨ ]
أَبِيه عَن أبان بن أبي عَيَّاش عَن أنس
وأوهي أَسَانِيد المكيين عبد الله بن مَيْمُون القداح عَن شهَاب بن خرَاش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد الخوزي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس
وأوهى أَسَانِيد اليمانيين حَفْص بن عمر الْعَدنِي عَن الحكم بن أبان
[ ١ / ٣٩٩ ]
عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس
وأوهى أَسَانِيد المصريين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحجَّاج بن رشدين [بن] سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن قُرَّة بن عبد الرَّحْمَن بن حيوئيل عَن كل من روى عَنهُ فَإِنَّهَا نُسْخَة كَبِيرَة
وأوهى أَسَانِيد الشاميين مُحَمَّد بن قيس المصلوب عَن عبيد الله بن زحر
[ ١ / ٤٠٠ ]
عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة
[ ١ / ٤٠١ ]
وأوهى أَسَانِيد الخراسانيين عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مليحة عَن نهشل ابْن سعيد عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مليحة ونهشل نيسابوريان
[ ١ / ٤٠٢ ]
١٠٦ - (قَوْله) والملحوظ فِيمَا نورده من الْأَنْوَاع عُمُوم أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث لَا خُصُوص أَنْوَاع التَّقْسِيم الَّذِي فَرغْنَا الْآن مِنْهُ
قلت هَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر وَهُوَ أَنه ذكر أول الْكتاب أَن الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام ثمَّ ذكر بعد ذَلِك هَذِه الْأَنْوَاع وبناها على تِلْكَ الْأَقْسَام السَّابِقَة فَأَيْنَ الْحصْر فِي الثَّلَاثَة
وَأجَاب بِأَن هَذِه الْأَنْوَاع من هَا هُنَا المُرَاد بهَا أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث لَا خُصُوص مَا سبق
وَهُوَ جَوَاب غير متحصل وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن هَذِه الْأَقْسَام فِي الْحَقِيقَة ترجع إِلَى تِلْكَ الثَّلَاثَة ثمَّ مِنْهَا مَا يرجع للصحيح فَقَط [وَمِنْهَا مَا يرجع لِلْحسنِ فَقَط] وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَيْهِمَا وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى الضَّعِيف
فَيدْخل تَحت الصَّحِيح الْمسند والمتصل وَأحد نَوْعي الْمَرْفُوع وَأحد نَوْعي الْمَوْقُوف وَهُوَ الْمُتَّصِل مِنْهُمَا وَأحد أَنْوَاع الشاذ وَهُوَ أَن ينْفَرد الْعدْل الضَّابِط بِرِوَايَة حَدِيث لَا يُخَالف فِيهِ من هُوَ أحفظ مِنْهُ وأضبط وَيدخل تَحْتَهُ الْعَزِيز والغريب وَالْمَشْهُور
وَيدخل تَحت الضَّعِيف الْمَقْطُوع والمنقطع والمرسل والمعضل وَالْمُعَلّق
[ ١ / ٤٠٣ ]
والشاذ والمعلل والمضطرب والمدرج والموضوع والمقلوب وَالْمُنكر والمدلس
وَمِمَّا يدْخلهُ الثَّلَاثَة الشاذ والمقطوع وَالْمَوْقُوف كل وَاحِد مِنْهَا يَنْقَسِم إِلَى الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف
[ ١ / ٤٠٤ ]
النَّوْع الرَّابِع الْمسند
وَهُوَ مَأْخُوذ من السَّنَد وَهُوَ مَا ارْتَفع وَعلا عَن سفح الْجَبَل لِأَن الْمسند يرفعهُ إِلَى قَائِله وَيجوز أَن يكون مأخوذا من قَوْلهم فلَان سَنَد أَي مُعْتَمد فَسُمي الْإِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن مُسْندًا لاعتماد النقاد فِي الصِّحَّة والضعف عَلَيْهِ وَفِي أدب الرِّوَايَة للحفيد أسندت الحَدِيث أسْندهُ وعزوته أعزوه وأعزيه وَالْأَصْل فِي الْحَرْف رَاجع إِلَى الْمسند وَهُوَ الدَّهْر فَيكون معنى إِسْنَاد الحَدِيث اتِّصَاله فِي الرِّوَايَة اتِّصَال أزمنة الدَّهْر بَعْضهَا بِبَعْض
وَحَاصِل مَا حَكَاهُ المُصَنّف فِي تَعْرِيفه ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه الْمُتَّصِل إِسْنَاده وَإِن لم يرفع إِلَى النَّبِي - ﷺ -
وَالثَّانِي أَنه الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي - ﷺ - وَإِن لم يتَّصل
وَالثَّالِث أَنه الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَيتَفَرَّع على هَذِه الْأَقْوَال أَن الْمُرْسل [هَل] يُسمى مُسْندًا فعلى الأول لَا يُسمى لِأَنَّهُ مَا اتَّصل إِسْنَاده وعَلى الثَّانِي يُسمى مُسْندًا لِأَنَّهُ جَاءَ عَن النَّبِي - ﷺ - مُنْقَطِعًا وعَلى الثَّالِث لَا يُسمى مُسْندًا أَيْضا لِأَنَّهُ فَاتَهُ شَرط الِاتِّصَال وَوجد فِيهِ الرّفْع وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَيْضا الْمَوْقُوف - وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن الصَّحَابَة -[أَنه] هَل يُسمى مُسْندًا فعلى الأول نعم لاتصال إِسْنَاده إِلَى منتهاه وعَلى الثَّانِي وَالثَّالِث لَا وَكَذَلِكَ المعضل وَهُوَ (٦١ / أ) مَا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَأكْثر فعلى الأول وَالثَّالِث لَا يُسمى مُسْندًا وعَلى الثَّانِي يُسمى
١٠٧ - (قَوْله) - نقلا عَن الْخَطِيب - وَأكْثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِيمَا جَاءَ عَن رَسُول الله - ﷺ - دون مَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَغَيرهم
عبارَة الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة إِلَّا أَن أَكثر استعمالهم هَذِه الْعبارَة فِيمَا أسْند عَن النَّبِي - ﷺ - خَاصَّة انْتهى
فَشرط الْإِسْنَاد لم يعْتَبر اتِّصَال الْإِسْنَاد فِيهِ بِأَن يكون كل وَاحِد من رُوَاته سَمعه مِمَّن فَوْقه حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى آخِره وَإِن لم يبين فِيهِ السماع بل اقْتصر
[ ١ / ٤٠٦ ]
على العنعنة
١٠٨ - (قَوْله) وَذكر ابْن عبد الْبر إِلَى آخِره
هَذَا القَوْل صَححهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه المعتصر الملخص من هَذَا الْكتاب
وَهُوَ الظَّاهِر من حَال تصرف الْأَئِمَّة المصنفين للمسندات كأحمد بن حَنْبَل وَابْن أبي شيبَة وَالْبَزَّار وَغَيرهم
وَقَالَ صَاحب كتاب الْوُصُول إِنَّه الْأَرْجَح لعدم تدَاخل الصِّنْفَيْنِ أَي الْمسند والمتصل
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَحكى أَبُو عمر عَن قوم أَن الْمسند لَا يَقع إِلَّا على مَا اتَّصل مَرْفُوعا هَذَا القَوْل جزم بِهِ أَبُو الْحسن بن الْحصار فِي كِتَابه تقريب المدارك وَأَبُو عَمْرو عُثْمَان بن سعيد الْمُقْرِئ فِي جُزْء لَهُ جمعه فِي رسوم الحَدِيث وَابْن خلفون فِي الْمُنْتَقى وَهُوَ ظَاهر كَلَام السَّمْعَانِيّ فِي القواطع فَإِنَّهُ قَالَ الْمسند هُوَ الْخَبَر الْمُتَّصِل بِالنَّبِيِّ - ﷺ - من حَيْثُ النَّقْل قَالَ واتصاله يعْتَبر بِثَلَاثَة شُرُوط
أَحدهَا أَن يرويهِ ناقل عَن ناقل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى صَحَابِيّ ويصله بِالنَّبِيِّ - ﷺ -[قَالَ] فَإِن اخْتَلَّ نِصَاب النَّقْل فِي وسط أَو طرف بَطل الِاتِّصَال
وَالثَّانِي أَن يُسَمِّي كلما وجد من ناقل الحَدِيث بِمَا هُوَ مَشْهُور بِهِ حَتَّى يتَمَيَّز وَلَا يَقع التَّدْلِيس فِي اسْمه فَيمكن الْكَشْف عَن حكمه فَإِن لم يسمه أَو قَالَ أَخْبرنِي الثِّقَة أَو من لَا أَتَّهِمهُ لم يكن حجَّة فِي صِحَة النَّقْل وَقبُول الرِّوَايَة
وَالثَّالِث أَن يكون كل وَاحِد من جمَاعَة الروَاة على الصّفة الَّتِي يعقل خَبره من التيقظ وَالْعَدَالَة فَعِنْدَ اجْتِمَاع هَذِه الشُّرُوط يكون الْخَبَر مُسْندًا انْتهى
[ ١ / ٤٠٨ ]
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الاقتراح فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ مَا اتَّصل سَنَده إِلَى النَّبِي - ﷺ - ثمَّ حكى قَول ابْن عبد الْبر
[ ١ / ٤٠٩ ]
النَّوْع الْخَامِس معرفَة الْمُتَّصِل
١٠٩ - (قَوْله) وَيُقَال فِيهِ (د ٤٠) الْمَوْصُول
قلت والموتصل وَهِي عبارَة الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - كَمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ - وَقَالَ ابْن حَاجِب فِي تصريفه هِيَ لُغَة الشَّافِعِي
١٠٠ - (قَوْله) وَهُوَ الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده
خرج بذلك الْمُرْسل والمنقطع والمعضل وَنَحْوهَا وَقد يطلقونه على الْمُنْقَطع مُقَيّدا كَقَوْلِهِم هَذَا مُتَّصِل إِلَى سعيد أَو إِلَى الزُّهْرِيّ أَو إِلَى مَالك وَنَحْوه
[ ١ / ٤١٠ ]
النَّوْع السَّادِس الْمَرْفُوع
١١١ - (قَوْله) هُوَ والمسند عِنْد قوم سَوَاء
أَي كَابْن عبد الْبر كَمَا سبق نَقله عَنهُ فِي النَّوْع الرَّابِع
١١٢ - (قَوْله) فَيخرج عَنهُ مُرْسل التَّابِعِيّ
هَذَا فِيهِ قُصُور بل يخرج عَنهُ مَا لم يذكر فِيهِ الصَّحَابِيّ مُرْسلا كَانَ أَو غَيره
[ ١ / ٤١١ ]
النَّوْع السَّابِع معرفَة الْمَوْقُوف
وَقد صنف فِيهِ ابْن بدر الْموصِلِي كتابا سَمَّاهُ الْوُقُوف على الْمَوْقُوف
١١٣ - (قَوْله) وَهُوَ مَا يرْوى عَن الصَّحَابَة من أَقْوَالهم وأفعالهم وَلَا يتَجَاوَز بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ [انْتهى]
هَذَا التَّعْرِيف غير صَالح إِذْ لَيْسَ كل مَا يرْوى عَن الصَّحَابِيّ من قَوْله مَوْقُوفا فقد تظهر قرينَة تَقْتَضِي رَفعه لكَونه مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ وَأَنه لم يقلهُ إِلَّا توقيفا كَقَوْل عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ
[ ١ / ٤١٢ ]
وَلِهَذَا احْتج الشَّافِعِي بِمثل هَذَا فِي الْجَدِيد وَأَعْطَاهُ حكم الْمَرْفُوع مَعَ نَصه على أَن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة
قَالَ أَبُو عَمْرو الداني قد يَحْكِي الصَّحَابِيّ قولا يوقفه على نَفسه فيخرجه أهل الحَدِيث فِي الْمسند لِامْتِنَاع أَن يكون الصَّحَابِيّ قَالَه إِلَّا بتوقيف كَمَا رَوَاهُ أَبُو صَالح السمان عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ نسَاء كاسيات عاريات مائلات مميلات فَمثل هَذَا لَا يُقَال بِالرَّأْيِ فَيكون من جملَة الْمسند
وَحكى ابْن عبد الْبر (أ ٦٢) إِجْمَاعهم على أَن قَول أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَقد رأى رجلا خَارِجا من الْمَسْجِد عِنْد الْأَذَان - أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ
[ ١ / ٤١٣ ]
أَنه مُسْند
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي القبس إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا يَقْتَضِيهِ الْقيَاس فَإِنَّهُ مَحْمُول على الْمسند إِلَى النَّبِي ﷺ وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة أَنه كالمسند انْتهى
نعم اسْتثْنى بعض الْأَئِمَّة من ذَلِك مَا إِذا كَانَ الصَّحَابِيّ مِمَّن أسلم وَكَانَ من عُلَمَاء أهل الْكتاب كسلمان وَعبد الله بن سَلام فَلَا يلْتَحق بالمرفوع لاحْتِمَال أَن يكون مِمَّا رَوَاهُ فِي الْكتب السالفة وَلَا يُنَافِي الشَّرِيعَة
ثمَّ قد يكون الْمَوْقُوف جليا يظْهر لكل أحد كَقَوْل حسان بن أَزْهَر
[ ١ / ٤١٤ ]
قَالَ عمر لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس
[ ١ / ٤١٥ ]
وَقد يكون خفِيا كَحَدِيث قرع الْبَاب بالأظافير
قَالَ الْخَطِيب قد يتَوَهَّم أَنه مَرْفُوع لذكر النَّبِي ﷺ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على صَحَابِيّ حكى فِيهِ عَن غير النَّبِي ﷺ فعلا قَالَ وَمَعْرِفَة هَذَا النَّوْع مهمة فَمن أَرَادَ أَن يخرج مسانيد الصَّحَابَة فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى معرفَة الْمُتُون المرفوعة والموقوفة فَإِن مِنْهَا مَا يشكل كَحَدِيث جَابر قَالَت الْيَهُود فَإِنَّمَا يكون الْوَلَد أَحول إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من خلفهَا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ فقد يتَوَهَّم أَنه
[ ١ / ٤١٦ ]
مَوْقُوف وَإِنَّمَا هُوَ مُسْند لِأَن الصَّحَابِيّ الَّذِي شَاهد الْوَحْي إِذا أخبر عَن آيَة نزلت فِي كَذَا كَانَ مُسْندًا
١١٤ - (قَوْله) وَقد يسْتَعْمل مُقَيّدا فِي غير الصَّحَابِيّ
صَرِيح فِي أَن الْقَيْد لَا يتَقَيَّد بالتابعي بل يُقَال مَوْقُوف على الثَّوْريّ وعَلى مَالك وعَلى الشَّافِعِي وَنَحْوه
وَلَكِن ذكر غَيره تَقْيِيده بالتابعي
١١٥ - (قَوْله) وَفِي اصْطِلَاح فُقَهَاء خُرَاسَان تَعْرِيف الْمَوْقُوف باسم الْأَثر
قلت وساعدهم فِي ذَلِك كَلَام الشَّافِعِي على مَا اسْتَقر فِيهِ فَإِنَّهُ غَالِبا يُطلق الْأَثر على كَلَام الصَّحَابَة والْحَدِيث على قَول النَّبِي ﷺ وَهُوَ تَفْرِيق حسن لِأَن التَّفَاوُت فِي الْمَرَاتِب يَقْتَضِي التَّفَاوُت فِيمَا يَتَرَتَّب على الْمَرَاتِب فَيُقَال لما نسب لصَاحب الشَّرْع الْخَبَر وللصحابة الْأَثر وللعلماء القَوْل وَالْمذهب
وَنبهَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره على أَن أهل الحَدِيث كلهم يطلقون الْأَثر على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف
[ ١ / ٤١٧ ]
وَفِي الْكِفَايَة للخطيب من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا مَا جَاءَ عَن الله فَهُوَ فَرِيضَة وَمَا جَاءَ عني فَهُوَ كالفريضة وَمَا جَاءَ عَن اصحابي فَهُوَ سنة وَمَا جَاءَ عَن أتباعهم فَهُوَ أثر وَمَا جَاءَ عَمَّن دونهم فَهُوَ بِدعَة
فَائِدَة
يخرج من كَلَام اللغويين وَغَيرهم أَن مَادَّة الْأَثر تَدور على ثَلَاثَة معَان
أَحدهَا البقي واشتقاقه من أثرت الشَّيْء أَثَره أَثَرَة وأثارة كَأَنَّهَا بَقِيَّته تستخرج فتثار وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أَو أثارة من علم﴾ أَي بَقِيَّة مِنْهُ
وَجعل البُخَارِيّ فِي شرح الْمفصل سنَن رَسُول الله ﷺ من هَذَا فَقَالَ الْأَثر هُوَ الْبَاقِي فِي الديار وَقَالُوا لسنن رَسُول الله ﷺ آثَار لِأَنَّهَا بقيت بعده
وَالثَّانِي من الْأَثر الَّذِي هُوَ الرِّوَايَة وَمِنْه قَوْلهم هَذَا الحَدِيث يُؤثر عَن
[ ١ / ٤١٨ ]
فلَان
الثَّالِث من الْأَثر بِمَعْنى الْعَلامَة قَالَ الْمبرد قَالُوا الأثارة للشَّيْء الْحسن الْبَهِي فِي الْعين فَيُقَال للناقة ذَات أثارة إِذا كَانَت ممتلئة تروق الْعين وَوجه الِاسْتِعَارَة مِنْهُ فِي الْأَحَادِيث ظَاهر
[ ١ / ٤١٩ ]
النَّوْع الثَّامِن الْمَقْطُوع
١١٦ - (قَوْله) يُقَال فِي جمعه المقاطيع والمقاطع
يَعْنِي كنظير مَا سبق فِي المسانيد وَالْمَنْقُول عَن جُمْهُور الْبَصرِيين من النَّحْوِيين إِثْبَات الْيَاء فِي الِاخْتِيَار والكوفيين والجرمي تَجْوِيز إِسْقَاطهَا اخْتِيَارا وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك
١١٧ - (قَوْله) وَهُوَ مَا جَاءَ عَن التَّابِعين (أ ٦٣) مَوْقُوفا عَلَيْهِم من أَقْوَالهم وأفعالهم
[ ١ / ٤٢٠ ]
قلت فِي إِدْخَاله فِي أَنْوَاع الحَدِيث تسَامح كثير فَإِن أَقْوَال التَّابِعين ومذاهبهم لَا مدْخل لَهَا فِي الحَدِيث فَكيف يكون نوعا مِنْهُ نعم يَجِيء هُنَا مَا بَين فِي الْمَوْقُوف من أَنه إِذا كَانَ ذَلِك لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ أَن يكون فِي حكم الْمَرْفُوع وَبِه صرح ابْن الْعَرَبِيّ وَادّعى أَنه مَذْهَب مَالك وَلِهَذَا أَدخل عَن سعيد بن الْمسيب صَلَاة الْمَلَائِكَة خلف الْمُصَلِّي
١١٨ - (قَوْله) فِي كَلَام الشَّافِعِي وَالطَّبَرَانِيّ
وَكَذَلِكَ فِي كَلَام أبي بكر الْحميدِي وَالدَّارَقُطْنِيّ
١١٩ - (قَوْله) أَحدهَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا إِلَى آخِره
حَاصله حِكَايَة قَوْلَيْنِ الْوَقْف مُطلقًا وَالتَّفْصِيل بِأَن تضيفه إِلَى زمَان
[ ١ / ٤٢١ ]
النَّبِي ﷺ أَولا وأهمل مَذَاهِب أَحدهَا أَنه مَرْفُوع مُطلقًا وَبِه قَالَ الْحَاكِم وَرجحه من الْأُصُولِيِّينَ الإِمَام الرَّازِيّ
وَقَالَ ابْن الصّباغ فِي الْعدة إِنَّه الظَّاهِر وَمثله بقوله عَائِشَة كَانَت الْيَد لَا تقطع فِي الشَّيْء التافه وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه على البُخَارِيّ والوسيط عَن
[ ١ / ٤٢٢ ]
ظَاهر كَلَام كثير (د ٤١) من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء قَالَ وَهُوَ قوي فَإِن ظَاهره أَنه فعله على وَجه يحْتَج بِهِ وَلَا يكون إِلَّا بِرَفْعِهِ
وَالثَّانِي التَّفْصِيل بَين أَن يكون ذَلِك الْفِعْل مِمَّا لَا يخفى غَالِبا فمرفوع وَإِلَّا فموقوف وَبِه قطع الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَغَيره حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي أَوَائِل شرح مُسلم
وَقَالَ غَيره أما إِذا كَانَ فِي الْقِصَّة اطِّلَاعه ﷺ فَلَا شكّ فِي رَفعه كَقَوْل ابْن عمر كُنَّا نقُول -[و] رَسُول الله ﷺ حَيّ أفضل هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَيسمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَلَا يُنكره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير وَأَصله فِي الصَّحِيح
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَالثَّالِث إِن ذكره الصَّحَابِيّ فِي معرض الْحجَّة حمل على الرّفْع وَإِلَّا فعلى الْوَقْف حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ فِي أُصُوله
[ ١ / ٤٢٤ ]
١٢٠ - (قَوْله) وَذكر الْحَاكِم فِي حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة إِلَى آخِره
وَتبع الْحَاكِم فِي ذَلِك أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن سعيد الْمُقْرِئ وَحَكَاهُ المُصَنّف عَن الْخَطِيب أَيْضا
قيل وَلم يُوجد فِي الْجَامِع هَذَا وَإِنَّمَا فِيهِ حَدِيث قرع الأظافير من حَدِيث أنس وَلم يتَعَرَّض لكَونه مَوْقُوفا وَهُوَ عَجِيب فقد سبق نَقله عَنهُ فِي الْمَوْقُوف
وَحَدِيث الْمُغيرَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن شَيْخه الْحَاكِم فِي الأمالي من طَرِيق مُحَمَّد بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ثمَّ قَالَ قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حسان هُوَ أَخُو هِشَام بن حسان
[ ١ / ٤٢٥ ]
غَرِيب الحَدِيث
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقد روينَاهُ فِي الْجَامِع من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْتَصر عَن أنس ابْن مَالك
قَالَ السُّهيْلي وَمعنى الحَدِيث أَن بَابه الْكَرِيم لَيْسَ لَهُ حلق
وَقَالَ غَيره بل ذَلِك أدبا وإجلالا
١٢١ - (قَوْله) الثَّانِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله حِكَايَة قَوْلَيْنِ الرّفْع وَالْوَقْف وَفَاته حِكَايَة ثَالِث وَهُوَ التَّفْصِيل بَين أَن يكون الرَّاوِي أَبَا بكر الصّديق فَيحمل على أَن الْآمِر النَّبِي ﷺ لِأَن أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يَقُول أمرنَا إِلَّا وآمره النَّبِي ﷺ (لِأَن غير النَّبِي) لَا يَأْمُرهُ وَلَا يلْزمه أَمر غَيره [وَلَا تَأمر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة وَأما غير أبي بكر الصّديق إِذا قَالَ أمرنَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون أَمر النَّبِي ﷺ أَو غَيره] لِأَن أَبَا بكر
[ ١ / ٤٢٦ ]
تَأمر على الصَّحَابَة وَوَجَب عَلَيْهِم امْتِثَال أمره وَهَذَا الْمَذْهَب غَرِيب جدا [قد] حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول
وَقد ضعف بِأَن غير أبي بكر كَانَ أَمِيرا فِي زمن وَكَانَ أَبُو بكر بن حَكِيم فِي بعض الْغَزَوَات لَكِن إِمَارَة غير (أ ٤٦) أبي بكر لم تعلم إِلَّا فِي الحروب
الثَّانِي خرج بِقَيْد الصَّحَابِيّ مَا إِذا قَالَ التَّابِعِيّ ذَلِك قَالَ الْغَزالِيّ [وَهُوَ] يحْتَمل الْوَقْف والإرسال قَالَ لكنه لَا يَلِيق بالعالم أَن يُطلق ذَلِك إِلَّا وَهُوَ يُرِيد من تجب طَاعَته
قَالَ ابْن الْأَثِير وَالِاحْتِمَال فِي قَول التَّابِعِيّ أظهر مِنْهُ فِي قَول الصَّحَابِيّ
وَجزم ابْن الصّباغ فِي الْعدة بِأَنَّهُ مُرْسل (وَحكى فِيمَا إِذا قَالَ ذَلِك سعيد بن الْمسيب هَل يكون حجَّة وَجْهَيْن)
الثَّالِث لَو صرح بِالْأَمر كَقَوْلِه أمرنَا رَسُول الله ﷺ) فَهُوَ مَرْفُوع بِلَا خلاف لانْتِفَاء الْإِشْكَال
[ ١ / ٤٢٧ ]
لَكِن حكى القَاضِي أَبُو الطّيب وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَغَيرهم عَن دَاوُد وَبَعض الْمُتَكَلِّمين أَنه لَا يكون حجَّة حَتَّى ينْقل لنا لَفظه وَهَذَا ضَعِيف بَاطِل إِلَّا أَن يُرِيدُوا لَا يكون حجَّة فِي الْوُجُوب كَمَا هُوَ ظَاهر تَعْلِيلهم
١٢٢ - (قَوْله) وَهَكَذَا قَول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا فَالْأَصَحّ أَنه مُسْند مَرْفُوع
مُقَابل الْأَصَح خلاف الْكَرْخِي
[ ١ / ٤٢٨ ]
والصيرفي وَحَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان عَن الْمُحَقِّقين قَالُوا يحْتَمل أَن يُرِيد سنة غير الرَّسُول فَلَا تحمل على سنته وَجزم [بِهِ] ابْن حزم فِي كتاب الإحكام فَقَالَ قَول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا أَو أمرنَا بِكَذَا لَيْسَ بِمُسْنَد وَلَا يقطع بِأَنَّهُ قَوْله ﵊ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ السّنة عِنْده على مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَاحْتج بِمَا فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ أَلَيْسَ حسبكم سنة نَبِيكُم ﷺ إِن حبس أحدكُم عَن الْحَج طَاف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة ثمَّ حل من كل شَيْء حَتَّى (يحجّ قَابلا) فيهدي أَو يَصُوم إِن لم يجد هَديا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة كلهَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَالسَّلَام إِذْ صد عَن الْبَيْت لم يطف بِهِ وَلَا بالصفا والمروة
بل أحل حَيْثُ كَانَ بِالْحُدَيْبِية وَهَذَا الَّذِي ذكره ابْن عمر لم يَقع [مِنْهُ] قطّ وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ بِأم الْقُرْآن على الْجِنَازَة فِي الصَّلَاة وجهر وَقَالَ إِنَّهَا سنة
وَعَن أنس أَنه أفطر فِي منزله فِي رَمَضَان قبل أَن يخرج إِلَى السّفر وَقَالَ إِنَّهَا سنة انْتهى
وَخرج بالصحابي التَّابِعِيّ وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ هَل هُوَ مَرْفُوع أَو مَوْقُوف
[ ١ / ٤٣٠ ]
وحكاهما القَاضِي أَبُو الطّيب وَجْهَيْن وأشهرهما أَنه مَوْقُوف على بعض الصَّحَابَة وَثَانِيهمَا أَنه مَرْفُوع مُرْسل
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَالأَصَح الْوَقْف
قلت وَيَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى من مَوضِع الْخلاف سعيد بن الْمسيب على قَاعِدَة الشَّافِعِي فَإِن قَوْله من السّنة لَا يبعد حمله على الْمُرْسل وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ سنة بعض الصَّحَابَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ صَنِيع الشَّافِعِي فِي رِوَايَته عَن سعيد من السّنة تعاقل الْمَرْأَة وَالرجل إِلَى ثلث الدِّيَة وَلم يعْمل بِهِ وَهُوَ مُشكل على قبُوله مراسيله
وَقد ذكر الكيا الهراسي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ فِي كتاب بعض مُفْرَدَات أَحْمد
١٢٣ - (قَوْله) وَلَا فرق بَين أَن يَقُول ذَلِك فِي زمَان النَّبِي ﷺ أَو بعده
قلت يَقْتَضِيهِ تَسَاوِي الْأَمريْنِ وَهَذَا صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل الِاحْتِجَاج
[ ١ / ٤٣١ ]
إِلَى أَنَّهُمَا يتفاوتان فِي الْقُوَّة وَالظَّاهِر أَن ذكره ذَلِك فِي زمن النَّبِي ﷺ أبعد عَن الِاحْتِمَال من ذكره بعده فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْآمِر والناهي من أدْرك الْخُلَفَاء لَكِن احْتِمَال إِرَادَته النَّبِي ﷺ أظهر [قلت] وَالْخلاف فِي هَذَا قريب مِنْهُ فِي الَّذِي قبله
فَائِدَة
ويلتحق بقول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا لَا تلبسوا [علينا] سنة نَبينَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن الْعَاصِ فِي عدَّة أم الْوَلَد
وَقَوله أصبت السّنة كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمر (أ ٥٦) فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَكَذَا قَوْله سنة أبي الْقَاسِم - ﷺ - فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي مُتْعَة
[ ١ / ٤٣٢ ]
الْحَج
وأقربها للرفع سنة أبي الْقَاسِم ثمَّ وَلَا تلبسوا ثمَّ أصبت السّنة
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الْخَارِج من الْمَسْجِد بعد الْأَذَان أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم وَقَوله من لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله فَحكى
[ ١ / ٤٣٣ ]
الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم أَنه مَوْقُوف وَذكر ابْن عبد الْبر أَنه مُسْند عِنْدهم قَالَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَذَاكَ أَنَّهُمَا مسندان (د ٤٣) مرفوعان ويلتحق بِهِ قَول [عمار] فِي صَوْم يَوْم الشَّك
١٢٤ - (قَوْله) الثَّالِث إِلَى آخِره
مَا اخْتَارَهُ فِي تَفْسِير الصَّحَابِيّ سبقه إِلَيْهِ الْخَطِيب [و] كَذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ قَالَ إِذا أخبر الصَّحَابِيّ عَن سَبَب وَقع فِي عهد النَّبِي ﷺ أَو أخبر عَن نزُول آيَة فِيهِ فَذَلِك مُسْند لَكِن قَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك تَفْسِير الصَّحَابِيّ الَّذِي شهد الْوَحْي والتنزيل عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم حَدِيث مُسْند
وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال إِن كَانَ ذَلِك التَّفْسِير مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَهُوَ فِي
[ ١ / ٤٣٤ ]
حكم الْمَرْفُوع وَإِن كَانَ يُمكن أَن يدْخلهُ الِاجْتِهَاد فَلَا يحكم عَلَيْهِ بِالرَّفْع
وَمِمَّا أهمله المُصَنّف ويليق ذكره هُنَا تَأْوِيل الصَّحَابِيّ الْخَبَر على أحد محتمليه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي اللمع إِذا احْتمل اللَّفْظ أَمريْن احْتِمَالا وَاحِدًا فَصَرفهُ إِلَى أَحدهمَا كَمَا رُوِيَ عَن عمر أَنه حمل قَوْله ﷺ الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء على الْقَبْض فِي الْمجْلس فقد قيل يقبل لِأَنَّهُ أعرف بِمَعْنى الْخطاب وَفِيه نظر عِنْدِي انْتهى
وَقَالَ شَيْخه القَاضِي أَبُو الطّيب يجب قبُوله على الْمَذْهَب كتفسير ابْن عمر
[ ١ / ٤٣٥ ]
التَّفَرُّق بالأبدان دون الْأَقْوَال
١٢٥ - (قَوْله) الرَّابِع من قبيل الْمَرْفُوع الْأَحَادِيث الَّتِي قيل فِي أسانيدها عِنْد ذكر الصَّحَابِيّ يرفع الحَدِيث أَو يبلغ بِهِ أَو ينميه وَحكمه حكم الْمَرْفُوع عِنْد أهل الْعلم انْتهى
قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك وَلَك أَن تَقول مَا الْحِكْمَة فِي عدُول التَّابِعِيّ عَن قَوْله عَن الصَّحَابِيّ قَالَ أَو سَمِعت إِلَى ذَلِك وَقد اشار إِلَى الْجَواب الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ يشبه أَن يكون التَّابِعِيّ قد تحقق أَن الصَّحَابِيّ رفع لَهُ الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ غير أَنه شكّ هَل قَالَ لَهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ - أَو قَالَ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا لم يُمكنهُ الْجَزْم بِمَا قَالَه لَهُ أَتَى بِلَفْظ يرجع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله
١٢٦ - (قَوْله) وَإِذا قَالَ الرَّاوِي عَن التَّابِعِيّ يرفعهُ أَو يبلغ بِهِ
[ ١ / ٤٣٦ ]
مَرْفُوع
هَكَذَا جزم بِهِ وَيَنْبَغِي أَن يطرقه خلاف من قَول التَّابِعِيّ من السّنة كَذَا وَقد سبق فِيهِ قَولَانِ أَو وَجْهَان لَكِن الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف وَهنا مَرْفُوع مُرْسل وَالْفرق أَن يرفع الحَدِيث أبلغ فِي الرّفْع من السّنة كَذَا
بَقِي من الْأَنْوَاع مثل قَول أبي قلَابَة عَن أنس من السّنة إِذا تزوج الْبكر أَقَامَ عِنْدهَا سبعا قَالَ أَبُو قلَابَة وَلَو شِئْت لَقلت إِن أنسا رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٤٣٧ ]
اخْتلفُوا فِي هَذَا وَنَحْوه فَجزم النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم أَنه مَرْفُوع وَأَن مَعْنَاهُ لَو شِئْت أَن أقوله بِنَاء على الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لقلته وَلَو قلته كنت صَادِقا
وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد يحْتَمل وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون ظن رَفعه من السّنة لفظا فَيجوز عَنهُ مَرْفُوعا
الثَّانِي أَن يكون رأى أَن قَول أنس من السّنة فِي حكم الْمَرْفُوع
فَلَو شَاءَ لعبر عَنهُ بِأَنَّهُ مَرْفُوع على حسب اعْتِقَاده أَنه فِي حكم الْمَرْفُوع قَالَ وَالْأول أقرب لِأَن قَوْله من السّنة يَقْتَضِي أَن يكون مَرْفُوعا بطرِيق اجتهادي مُحْتَمل وَقَوله إِنَّه رَفعه نَص فِي رَفعه وَلَيْسَ للراوي أَن ينْقل مَا هُوَ ظَاهر مُحْتَمل إِلَى مَا هُوَ نَص غير مُحْتَمل
وَمِنْهَا ترك الصَّحَابِيّ رِوَايَة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب اللبَاس عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رِوَايَة الْفطْرَة خمس أَو خمس من الْفطْرَة (أ ٦٦)
[ ١ / ٤٣٨ ]
النَّوْع التَّاسِع الْمُرْسل
١٢٧ - (قَوْله) وَصورته الَّتِي لَا خلاف فِيهَا حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير الَّذِي لَقِي جمَاعَة من الصَّحَابَة وَجَالسهمْ كعبيد الله بن عدي بن الْخِيَار ثمَّ سعيد بن الْمسيب وأمثالهما إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
اعْلَم أَن هَذَا الَّذِي ذكره أَخذه من كَلَام أبي عمر بن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الِاسْم وَاقع بِالْإِجْمَاع على حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير عَن النَّبِي ﷺ مثل أَن يَقُول عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار أَو أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف أَو عبد الله بن
[ ١ / ٤٣٩ ]
عَامر بن ربيعَة وَمن كَانَ مثلهم قَالَ رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ من دون هَؤُلَاءِ كسعيد بن الْمسيب وَسَالم بن عبد الله وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَمن كَانَ مثلهم وَكَذَلِكَ عَلْقَمَة بن قيس ومسروق بن الأجدع وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَمن كَانَ مثلهم الَّذين صَحَّ لَهُم لِقَاء جمَاعَة من الصَّحَابَة ومجالستهم وَنَحْوه مُرْسل من هُوَ دونهم كَحَدِيث ابْن شهَاب وَقَتَادَة وَأبي حَازِم وَيحيى بن سعيد عَن النَّبِي ﷺ يُسمى مُرْسلا كمرسل كبار التَّابِعين
وَقَالَ آخَرُونَ حَدِيث هَؤُلَاءِ عَن النَّبِي ﷺ يُسمى مُنْقَطِعًا لأَنهم لم يلْقوا من الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَأكْثر روايتهم عَن التَّابِعين انْتهى
وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَنِّي رَأَيْت كثيرا من النَّاس يتوهمون أَن ابْن الصّلاح أَبُو عذرة هَذَا القَوْل ويوجهون الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك
[ ١ / ٤٤٠ ]
إِذا علمت هَذَا فَفِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن تَعْرِيفه الْمُرْسل بِمَا يرويهِ التَّابِعِيّ منقوض بِمَا لَو سمع كَافِر من النَّبِي ﷺ حَدِيثا ثمَّ أسلم بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ وَرَوَاهُ بقوله قَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ تَابِعِيّ لِأَنَّهُ لم يكن مُؤمنا عِنْد الرُّؤْيَة مَعَ أَن حَدِيثه مُسْند قطعا لَيْسَ بمرسل إِذْ حكمه حكم الْمسند لَا حكم الْمُرْسل وعَلى هَذَا يلغز فَيُقَال تَابِعِيّ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَهُوَ مُسْند لَا مُرْسل
وَقد يُجَاب عَن هَذَا النَّقْض بالعناية بكلامهم وَأَن مُرَادهم بالتابعي من لم يلق النَّبِي ﷺ أصلا وَهَذَا حكمه حكم التَّابِعِيّ لَا أَنه تَابِعِيّ حَقِيقَة لوُجُود الرِّوَايَة إِلَّا أَنه فَاتَ شَرطهَا وَنحن إِنَّمَا نرد الْمُرْسل لجَهَالَة الْوَاسِطَة وَهِي هَا هُنَا مفقودة
الثَّانِي تَمْثِيل أبي عمر أَولا بعبيد الله بن عدي وموافقة ابْن الصّلاح لَهُ قد رد بِأَن عبيد الله هَذَا ذكره جمَاعَة فِي الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن مَنْدَه وَابْن حبَان [و]
[ ١ / ٤٤١ ]
كَذَلِك أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب قَالَ إِنَّه ولد على عهد النَّبِي ﷺ إِلَّا أَنه لم يذكر لَهُ سَمَاعا من النَّبِي ﷺ
وَجَوَابه أَن المصنفين فِي الصَّحَابَة إِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك فِيهِ وَفِي أقرانه بِاعْتِبَار وجوده فِي زمن النَّبِي ﷺ وَلم يُرِيدُوا أَنه صَحَابِيّ لِأَن حد الصَّحَابِيّ لَا ينطبق عَلَيْهِ وَلِهَذَا ذكره خلق فِي جملَة التَّابِعين مِنْهُم الْحَاكِم وَكَذَا المُصَنّف فِيمَا سَيَأْتِي أَن من ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ وَلم يسمع مِنْهُ يعد فِي طَبَقَات التَّابِعين وَكَذَا تمثيله
[ ١ / ٤٤٢ ]
بِأبي أُمَامَة بن سهل وَبِعَبْد الله بن عَامر مَعَ ذكره لَهما فِي كتب الصَّحَابَة إِلَّا أَن عبد الله بن عَامر مَاتَ رَسُول الله ﷺ (د ٤٣) وَله أَربع سِنِين أَو خمس وَلِهَذَا لما أخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا رويا لَهُ عَن أَبِيه عَامر وَعَن عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَائِشَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد عَن النَّبِي ﷺ وَأَبُو أُمَامَة ولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ وَهُوَ سَمَّاهُ وَهُوَ صَحَابِيّ صَغِير وَكَذَا عبد الله بن عَامر ومحمود بن الرّبيع وَأَبُو الطُّفَيْل والسائب بن يزِيد وَغَيرهم
[ ١ / ٤٤٣ ]
الثَّالِث لَيْسَ المُرَاد بقوله قَالَ رَسُول الله (أ ٦٧) ﷺ حصره فِيهِ بل لَو ذكر فعل النَّبِي ﷺ كَانَ مُرْسلا
الرَّابِع أَن تَقْيِيده التَّابِعِيّ بالكبير لأجل مَحل الْإِجْمَاع وَإِلَّا فقد قَالَ بعد ذَلِك الْمَشْهُور التَّسْوِيَة بَين جَمِيع التَّابِعين أَي صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ ويقابل الْمَشْهُور أَن مُرْسل صغارهم لَا يعد مُرْسلا بل مُنْقَطِعًا كَمَا حَكَاهُ بعد عَن ابْن عبد الْبر
١٢٨ - (قَوْله) إِذا انْقَطع الْإِسْنَاد قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ فَكَانَ فِيهِ رِوَايَة راو لم يسمع من الْمَذْكُور فَوْقه الَّذِي قطع بِهِ الْحَاكِم وَغَيره أَنه لَا يُسمى مُرْسلا إِلَى آخِره
وَمَا حَكَاهُ عَن الْحَاكِم هُوَ كَذَلِك فِي عُلُوم الحَدِيث لَهُ قَالَ إِن مُرْسل أَتبَاع التَّابِعين عندنَا معضل لكنه خَالف ذَلِك فِي كِتَابه الْمدْخل فَلم يخص الْمُرْسل بالتابعي فَقَالَ إِنَّه قَول التَّابِعِيّ أَو تَابع التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَبَينه وَبَين الرَّسُول قرن أَو قرنان وَلَا يذكر سَمَاعه من الَّذِي سَمعه هَذَا لَفظه
وَكَذَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة
[ ١ / ٤٤٤ ]
وَحَاصِله أَنه إِذا انْقَطع الْإِسْنَاد قبل الْوُصُول إِلَى الصَّحَابِيّ بِوَاحِد أَو أَكثر فَقَالَ الْحَاكِم وَغَيره من الْمُحدثين لَا يُسمى مُرْسلا بل إِن سقط قبل التَّابِعِيّ بِوَاحِد فمنقطع أَو بِأَكْثَرَ فمعضل ومنقطع أَيْضا ثمَّ نقل عَن غَيره أَن كل ذَلِك مُرْسل
وَمَا حَكَاهُ عَن الْحَاكِم ذكر الْحَافِظ أَبُو عَمْرو الْمُقْرِئ أَنه مَذْهَب عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَجَمَاعَة وَاخْتَارَهُ وَجرى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور فَقَالَ الْمُرْسل مَا سقط من إِسْنَاده وَاحِد فَإِن سقط أَكثر من وَاحِد [فَهُوَ] معضل
وَحَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن أَصْحَاب الحَدِيث وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان قد سمى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك قَول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَقَول تَابِعِيّ التَّابِعِيّ قَالَ الصَّحَابِيّ مُنْقَطِعًا وسمى ذَلِك الْوَاسِطَة على الْإِجْمَال مُرْسلا مثل أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَمِعت رجلا يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ وَفِي كَلَام الشَّافِعِي إِشَارَة إِلَيْهِ
وَمَا نَقله عَن الْأُصُولِيِّينَ حَكَاهُ أَبُو عَمْرو عَن عَامَّة الْكُوفِيّين وَجزم بِهِ
[ ١ / ٤٤٥ ]
أَبُو الْحُسَيْن بن الْقطَّان من قدماء أَصْحَابنَا فِي أصُول الْفِقْه فَقَالَ الْمُرْسل هُوَ أَن يروي بعض التَّابِعين عَن النَّبِي ﷺ خَبرا أَو يروي رجل عَمَّن لم يره وَلم يكن فِي زَمَانه هَذَا لَفظه
وَفِي نقل ذَلِك عَن الْأُصُولِيِّينَ مَا يُعْطي أَن جُمْهُور الْمُحدثين على خِلَافه وَقد يُقَال إِنَّه مَذْهَب إِمَام الصَّنْعَة البُخَارِيّ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد فقد قَالَ فِي تَارِيخه الْكَبِير فِي حَدِيث عون بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ فِي الستبيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود هَذَا مُرْسل عون لم يدْرك ابْن مَسْعُود
قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَّصِل وَهُوَ يُوَافق كَلَام الْحَاكِم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي حَدِيث قَتَادَة عَن سُلَيْمَان الْيَشْكُرِي عَن جَابر من كَانَ لَهُ شريك فِي
[ ١ / ٤٤٦ ]
حَائِط ح هَذَا لَيْسَ بِمُتَّصِل
سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول سُلَيْمَان الْيَشْكُرِي يُقَال إِنَّه مَاتَ فِي حَيَاة جَابر وَلم يسمع مِنْهُ قَتَادَة
وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَيْضا - فِي حَدِيث خَالِد بن دريك عَن عَائِشَة فِي الْعَوْرَة - هَذَا حَدِيث مُرْسل لم يسمع خَالِد مِنْهَا
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَكتاب الْمَرَاسِيل لأبي دَاوُد يفصح بِتَسْمِيَة هَذَا النَّوْع مُرْسلا
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث مَكْحُول عَن عبَادَة بن الصَّامِت سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ هَل تقرؤون معي وَأَنا أُصَلِّي ح قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه هَذَا مُرْسل
وسمى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي مستخرجه التَّعْلِيق والمنقطع مُرْسلا
وَاعْلَم أَن الْمَشْهُور عِنْد الْأُصُولِيِّينَ أَن الْمُرْسل هُوَ قَول من لم يلق النَّبِي ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَوَاء التَّابِعِيّ أم تَابِعِيّ التَّابِعِيّ فَمن بعده وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحَاجِب الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا لَا يَشْمَل سُقُوط رجل قبل التَّابِعِيّ وَلَا سُقُوطه (أ ٦٨) مَعَ التَّابِعِيّ إِذا ذكر الصَّحَابِيّ
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَأما الْمُرْسل فَهُوَ عِنْد الْفُقَهَاء والأصوليين والخطيب الْبَغْدَادِيّ وَجَمَاعَة من الْمُحدثين مَا انْقَطع إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه فَهُوَ عِنْدهم بِمَعْنى الْمُنْقَطع
وَقَالَ جماعات من الْمُحدثين أَو أَكْثَرهم لَا يُسمى مُرْسلا إِلَّا مَا أخبر فِيهِ
[ ١ / ٤٤٨ ]
التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله ﷺ انْتهى
وَمَعْنَاهُ أَن الْأُصُولِيِّينَ وَمن مَعَهم لم يفرقُوا بَين المعضل والمرسل والمنقطع بل قَالُوا الثَّلَاثَة قَول من لم يلق النَّبِي ﷺ وَقد تقدمهم الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الْمُنْقَطع على الْمُرْسل وَأكْثر الْمُحدثين فرق فَجعل الْمُرْسل قَول التَّابِعِيّ والمنقطع قَول تَابِعِيّ التَّابِعِيّ والمعضل قَول من بعد التَّابِعِيّ
وَقَالَ صَاحب الاقتراح الْمُرْسل الْمَشْهُور فِيهِ أَنه مَا سقط من منتهاه ذكر الصَّحَابِيّ بِأَن يَقُول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِن سقط اثْنَان فَهُوَ المعضل قَالَ وَقد يُطلق القدماء الْمُرْسل على مَا سقط مِنْهُ رجل مُطلقًا انْتهى
فَاشْترط فِي الْمُرْسل سُقُوط الصَّحَابِيّ بِكُل تَقْدِير
وَمَا نَقله عَن الْخَطِيب أبي بكر فعبارة الْخَطِيب لَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن إرْسَال الحَدِيث الَّذِي لَيْسَ بمدلس هُوَ رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن لم يعاصره أَو لم يلقه كَرِوَايَة ابْن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَقَتَادَة وَغَيرهم من التَّابِعين عَن رَسُول الله ﷺ وبمثابته فِي
[ ١ / ٤٤٩ ]
غير التَّابِعين كَمَا لَك عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَذَا من أرسل وحديثا عَن شيخ لقِيه وَلم يسمع ذَلِك الحَدِيث مِنْهُ وَسمع مِنْهُ مَا عداهُ انْتهى
وَرجح بَعضهم قَول الْحَاكِم على قَول الْخَطِيب بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن لفظ الْمُرْسل إِنَّمَا أَطْلقُوهُ حَقِيقَة على مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ دون ذكر الصَّحَابِيّ أما مَا رَوَاهُ من دون التَّابِعِيّ بمرتبة أَو مرتبتين فَإِنَّمَا هُوَ مجَاز
الثَّانِي أَن الْخلاف فِي قبُول الْمُرْسل إِنَّمَا يَأْتِي على قَول الْحَاكِم أما على قَول الْخَطِيب فَلَا يبْقى الْخلاف مِنْهُم لاندراج الْمُنْقَطع والمعضل فِي تَعْرِيف الْمُرْسل على قَوْله إِلَّا بعد الاستفسار عَن الْمُرْسل لِأَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة التَّابِعِيّ لَا فِي الْمُنْقَطع والمعضل فَيكون الْخلاف فِي بعض أَنْوَاع الْمُرْسل لَا مُطلقًا وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقهم (د ٤٤)
١٢٩ - (قَوْله) الثَّانِيَة قَول الزُّهْرِيّ وَأبي حَازِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وأشباههم من أصاغر التَّابِعين قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَى آخِره
[ ١ / ٤٥٠ ]
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا قد سبق أَن هَذَا كَلَام ابْن عبد الْبر وَكتب المُصَنّف بِخَطِّهِ على الْحَاشِيَة قَوْله الْوَاحِد والاثنين كالمثال فِي قلَّة ذَلِك وَإِلَّا فالزهري قد قيل إِنَّه رأى عشرَة من الصَّحَابَة وَسمع مِنْهُم أنسا وَسَهل بن سعد والسائب بن يزِيد ومحمود بن الرّبيع وسنينا أَبَا جميلَة وَغَيرهم وَمَعَ ذَلِك اكثر رِوَايَته عَن التَّابِعين انْتهى
قلت ذكر ابْن منجويه أَنه رأى عشرَة مِنْهُم وَمن الصَّحَابَة الَّذين سمع مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر وَرَبِيعَة بن عباد - بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة - وَعبد الله بن ثَعْلَبَة بن صعير - بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ - وَأَبُو الطُّفَيْل وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَأَبُو أُمَامَة أسعد بن سهل بن حنيف - بِضَم الْحَاء - وَرجل من بلي - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام - وَكلهمْ صحابة
[ ١ / ٤٥١ ]
وَاخْتلفُوا فِي سَمَاعه من ابْن عمر فأثبته عَليّ بن الْمَدِينِيّ ونفاه الْجُمْهُور وَقيل روى عَنهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الْعِلَل قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سمع من ابْن عمر حديثين فِيمَا حَدثنَا بِهِ عبد الرَّزَّاق وَلم يحفظهما عبد الرَّزَّاق إِلَّا أَنه ذكر عَن الزُّهْرِيّ أَنه شهد ابْن عمر مَعَ الْحجَّاج (بِعَرَفَات) (أ ٦٩) وَقَالَ إِنَّه رَآهُ وَلم يسمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن أبي حَاتِم قَالَ وَرَأى عبد الله بن جَعْفَر وَلم يسمع مِنْهُ وَقَالَ مُحَمَّد بن سيد النَّاس فِي كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَامَّة الْعلمَاء لَا يثبتون لَهُ سَمَاعا من ابْن عمر على تَأَخّر مُدَّة ابْن عمر وَكَونه مَعَه بِالْمَدِينَةِ
وَاخْتلفُوا فِي سَمَاعه من عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر فنفاه أَحْمد بن صَالح وَالنَّسَائِيّ فِيمَا حَكَاهُ ابْن دحْيَة وأثبته عبد الرَّزَّاق وَغَيره
قَالَ ابْن عبد الْبر وَهُوَ أروى النَّاس عَنهُ ذكره فِي تَرْجَمته من كتاب
[ ١ / ٤٥٢ ]
الصَّحَابَة [و] قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب الْعِلَل قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل مَا أرَاهُ سمع من عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر إِنَّمَا يَقُول الزُّهْرِيّ كَانَ عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر يحدث فَيَقُول معمر وَأُسَامَة سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر وَلم يصنعا عِنْدِي شَيْئا وَقد أَدخل بَينه وَبَينه طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف
[وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي سَمَاعه من] أبان بن عُثْمَان فأثبته مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَأنْكرهُ الْجُمْهُور مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان حَكَاهُ فِي علله وَذكر أَن أَحْمد بن حَنْبَل نقل الإتفاق عَلَيْهِ وَأَنه قد أَدخل بَينه وَبَينه عبد الله بن أبي بكر
[ ١ / ٤٥٣ ]
وَيَقُول بَلغنِي أَن أبان سمع من الحكم ذكره ابْن أبي حَاتِم
وَعبد الله بن سَنَد ذكره أَبُو نعيم وعبد الله بن الزبير وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأم عبد الله الدوسية وَأَبُو رهم ومروان بن الحكم وَتَمام بن الْعَبَّاس
قَالَ الْآجُرِيّ سَأَلت أَبَا دَاوُد يعد من لَقِي الزُّهْرِيّ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فعد ابْن عمر وَسَهل بن سعد وَأنس بن مَالك وسنينا أَبَا جميلَة والسائب بن يزِيد وَأَبا أُمَامَة بن سهل ومحمود بن الرّبيع ورجلا من بلي وَعَمْرو بن أبي سَلمَة إِلَّا أَن أَبَا ضَمرَة يدْخل بَينهمَا رجلا وثعلبة بن أبي صعير وَعبد الرَّحْمَن بن
[ ١ / ٤٥٤ ]
الْأَزْهَر قلت لَهُ ابْن عبد الْقَارِي قَالَ لَا هَذَا أُتِي بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ صَغِير قلت ثَعْلَبَة ابْن أبي مَالك قَالَ سَأَلت أَحْمد بن صَالح عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك أَله صُحْبَة قَالَ لَا قلت فَابْن الزبير
قَالَ لَا قَالَ وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن أبي وَقاص انْتهى
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه عوالي التَّابِعين أدْرك نَحوا من عشْرين نفسا من الصَّحَابَة وَادّعى الْحَاكِم أَن الزُّهْرِيّ من كبار التَّابِعين وَلَعَلَّ مُرَاده من كبارهم فِي الْعلم
وَفِي بعض مَا سبق نظر فَإِن مَرْوَان بن الحكم لَا يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي ﷺ وَأَبا رهم إِن أُرِيد بِهِ الْغِفَارِيّ كُلْثُوم بن الْحصين فَلم يسمع الزُّهْرِيّ مِنْهُ وَإِنَّمَا روى عَن رجل عَنهُ وَفِي رِوَايَة عَن رجلَيْنِ عَنهُ وَذَلِكَ فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير وَإِن
[ ١ / ٤٥٥ ]
أُرِيد بِهِ الأرحبي فَلَا يعرف لِلزهْرِيِّ رِوَايَة عَنهُ وَفِي الْمَذْكُورين من ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٤٥٦ ]
وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مِمَّا حَكَاهُ عَنهُ ابْنه فِي الْعِلَل لَا يثبت لَهُ سَماع من الْمسور بن مخرمَة فَدخل بَينه وَبَينه سُلَيْمَان بن يسَار
وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن سيد النَّاس فِي كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد لم يسمع مِنْهُ وَلَا يرى أَنه لقِيه لِأَن الْمسور خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة وَقت مقتل عُثْمَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمَات سنة أَربع وَسِتِّينَ أَصَابَهُ وَهُوَ مقبل حجر المنجنيق وَابْن شهَاب إِذْ ذَاك ابْن عشر أَو اثْنَتَيْ عشرَة
وَالزهْرِيّ لم يكن إِذْ ذَاك يطْلب هَذَا الْعلم قَالَ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا من يَقُول
[ ١ / ٤٥٧ ]
إِنَّه رأى الْمسور فضلا عَن أَن يكون روى عَنهُ وَلَعَلَّ مُرَاد ابْن عبد الْبر بقوله لم يلْقوا من الصَّحَابَة أَي المكثرين
الثَّانِي أَن مُنَازعَة ابْن الصّلاح لَهُ فِي الزُّهْرِيّ خَاصَّة تَقْتَضِي مُوَافَقَته على التَّمْثِيل بِيَحْيَى وَأبي حَازِم وَفِيه مَا سبق فَإِن أَبَا حَازِم الْأَشْجَعِيّ سلمَان مولى عزة روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَذكر عبد الْغَنِيّ وَغَيره (أ ٧٠) أَنه سمع من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَالْحسن بن عَليّ وَأما يحيى بن سعيد فقد سمع أنسا والسائب بن يزِيد وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَأَبا أُمَامَة سهل بن
[ ١ / ٤٥٨ ]
حنيف وَتقدم أَن ابْن عبد الْبر مثل بقتادة وَهُوَ قد سمع أنسا وَعبد الله بن سرجس وَأَبا الطُّفَيْل وهم صحابة فَلَا تصح دَعْوَى أَنه مِمَّن لم يلق مِنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والاثنين
الثَّالِث قَوْله إِن هَذَا الْمَذْهَب فرع لمَذْهَب من لم يسم الْمُنْقَطع قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ مُرْسلا إِلَى آخِره فِيهِ نظر بل هُوَ أصل يتَفَرَّع عَلَيْهِ أَنه يُسمى الْمُنْقَطع قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ مُرْسلا
١٣٠ - (وَقَوله) الْمَشْهُور التَّسْوِيَة بَين التَّابِعين وَغَيرهم
هُوَ خلاف نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة أَنه لَا يقبل إِلَّا مُرْسل كبار التَّابِعين دون صغارهم
١٣١ - (قَوْله) الثَّالِثَة إِذا قيل فِي الْإِسْنَاد فلَان عَن رجل أَو عَن شيخ عَن فلَان إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا مَا نَقله عَن الْحَاكِم لم يَنْقُلهُ على وَجهه فَإِنَّهُ شَرط فِي كَونه مُنْقَطِعًا
[ ١ / ٤٥٩ ]
أَن لَا يُسمى ذَلِك الشَّيْخ من طَرِيق آخر فَإِن سمي لم يكن مُنْقَطِعًا انْتهى
فأخل ابْن الصّلاح من كَلَامه بِهَذَا الْقَيْد وَحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُسَمِّيه مُرْسلا وَلَا يلْزم من تَسْمِيَته مُنْقَطِعًا أَن لَا يكون مُرْسلا إِلَّا أَنه صرح فِي مَوضِع آخر بالمغايرة بَين الْمُرْسل والمنقطع
وَأما إِذا سمي الْمَجْهُول من طَرِيق آخر فمجموع الطَّرِيقَيْنِ لَا يُسمى مُنْقَطِعًا وَفِي هَذَا جَوَاب عَن إخلال المُصَنّف بِهَذَا الْقَيْد
الثَّانِي مَا نسبه لبَعض المصنفات فِي أصُول الْفِقْه أَرَادَ بِهِ كتاب الْبُرْهَان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ / د ٤٥ / وَقَول الرَّاوِي أَخْبرنِي رجل أَو عدل موثوق بِهِ من الْمُرْسل أَيْضا قَالَ وَكَذَلِكَ كتب رَسُول الله ﷺ الَّذِي لم يسم حاملها وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب الْمَحْصُول فَقَالَ إِذا سمى الرَّاوِي الأَصْل باسم لَا يعرف بِهِ فَهُوَ كالمرسل
ونازعه الأبياري فِي شرح الْبُرْهَان وَقَالَ هَذَا مَرْدُود بِلَا خلاف وَلَا يَأْتِي
[ ١ / ٤٦٠ ]
فِيهِ الْخلاف فِي قبُول الْمُرْسل إِلَّا أَن يكون قابله لَا يروي إِلَّا عَن عدل فَلَا فرق حِينَئِذٍ بَين أَن يَقُول حَدثنِي رجل وحَدثني عدل موثوق بِهِ ونفيه الْخلاف فِيهِ مَرْدُود وَقد ذكر أَبُو عَليّ الغساني - من أَئِمَّة الحَدِيث - أَنه نوع من الْمُرْسل [وَهُوَ] قَضِيَّة صَنِيع أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَرَاسِيل
الثَّالِث حَاصِل مَا حَكَاهُ فِي الْمَسْأَلَة مذهبان وأهمل ثَالِثا وَهُوَ أَنه مُتَّصِل لِأَنَّهُ لم يَنْقَطِع لَهُ سَنَد وَلَكِن فِي إِسْنَاده مَجْهُول كَمَا لَو سمي ذَلِك الرَّاوِي وَجَهل حَاله وَحَكَاهُ الْحَافِظ رشيد الدّين الْقرشِي فِي كتاب الْغرَر الْمَجْمُوعَة عَن الْأَكْثَر من عُلَمَاء الرِّوَايَة وأرباب النَّقْل
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ صَلَاح الدّين العلائي فِي كتاب جَامع التَّحْصِيل
الرَّابِع إِن صُورَة الْمَسْأَلَة أَن يَقع ذَلِك من غير التَّابِعِيّ أما لَو قَالَ التَّابِعِيّ عَن
[ ١ / ٤٦١ ]
رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَيقبل لِأَن الصَّحَابَة عدُول كلهم فَلَا يضر الْجَهْل بأعيانهم نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم عَنهُ وَبِه جزم أَئِمَّة الحَدِيث وَالْأُصُول وَلَا يتَّجه فِيهِ خلاف
وَأما مَا وَقع فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ فِي إِلْحَاقه بالمرسل فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن مُرَاده بِهِ فِي التَّسْمِيَة لَا فِي نفي الِاحْتِجَاج وَقد صرح بذلك فِي الْمعرفَة فِي الْكَلَام على الْقِرَاءَة خلف الإِمَام وَبِه يعرف بطلَان اعْتِرَاض صَاحب الدّرّ النقي عَلَيْهِ
[ ١ / ٤٦٢ ]
فِي ذَلِك
نعم شَرط الصَّيْرَفِي فِي قبُوله تحقق سَمَاعه مِنْهُ بِأَن يَقُول سَمِعت رجلا فَأَما لَو قَالَ عَن رجل من الصَّحَابَة فَلَا يقبل (أ / ٧١) لِأَنِّي لَا أعلم سمع التَّابِعِيّ من ذَلِك الرجل أم لَا إِذْ التَّابِعِيّ قد يحدث عَن رجل أَو رجلَيْنِ عَن الصَّحَابِيّ وَلَا أَدْرِي هَل أمكن لِقَاء ذَلِك الرجل أم لَا قَالَ فَلَو علمت إِمْكَانه لجعلته كمدرك الْعَصْر وَقَالَ فِي مدرك الْعَصْر إِنَّه على عدم السماع حَتَّى يتَحَقَّق سَمَاعه مِنْهُ
قلت وَيَنْبَغِي مَجِيء الْخلاف بَين البُخَارِيّ وَمُسلم فِي هَذِه الصُّورَة
١٣٢ - (قَوْله) ثمَّ اعْلَم أَن حكم الْمُرْسل حكم الضَّعِيف إِلَّا أَن يَصح مخرجه بمجيئه من وَجه آخر كَمَا سبق بَيَانه فِي نوع الْحسن
[ ١ / ٤٦٣ ]
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن مَا ذكره هُنَا من أَن حكم الْمُرْسل حكم الضَّعِيف قد يُعَارضهُ قَوْله فِي الْفَائِدَة السَّادِسَة من النَّوْع الأول وَيَنْبَغِي أَن نقُول مَا كَانَ من ذَلِك وَنَحْوه بِلَفْظ فِيهِ جزم وَحكم إِلَى قَوْله فَلَنْ يستجيز إِطْلَاق ذَلِك إِلَّا إِذا صَحَّ عِنْده ذَلِك عَنهُ لِأَن ذَلِك الدَّلِيل يتَحَقَّق فِي إرْسَال كل عدل من التَّابِعين وَمن يحذو حذوهم فَإِن قيل إِنَّمَا قَالَ المُصَنّف ذَلِك فِي حق البُخَارِيّ بِنَاء على مَا نقل عَنهُ أَنه قَالَ لَا يُورد فِي كِتَابه إِلَّا الصَّحِيح وَمَا كل أحد الْتزم ذَلِك فَلَا يرد ذَلِك الدَّلِيل مِنْهُ فأجبت عَنهُ بِوُجُوه
أَحدهَا أَن الْقَيْد لَيْسَ فِي كَلَام المُصَنّف فِي تَقْرِير ذَلِك الدَّلِيل
الثَّانِي أَن صِحَة ذَلِك الدَّلِيل دعامة لَا يتَوَقَّف على كَون الْجَازِم مِمَّن صرح بِاللَّفْظِ بِالْتِزَام أَفْرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه عَن أحد فِي عدُول الْمُسلمين وَلم يُصَرح بِالْتِزَام ذَلِك
الثَّالِث أَن حكم المُصَنّف على البُخَارِيّ بِعَدَمِ استجازته الْجَزْم الْمَذْكُور إِن كَانَ بِاعْتِبَار تصريحه بِالْتِزَام الصَّحِيح فِي كِتَابه لَا ينْقض حكمه بقوله فِي تِلْكَ الْفَائِدَة أَيْضا وَأما مَا لم يكن فِي لَفظه جزم وَحكم مثل رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ إِلَى آخر
[ ١ / ٤٦٥ ]
كَلَامه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حكم المُصَنّف بعد استجازة البُخَارِيّ ذَلِك الْإِطْلَاق بِنَاء على الْتِزَام البُخَارِيّ إِيرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه بِهَذِهِ الْعبارَة وَهِي روى وَغَيرهَا أَيْضا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْتِزَامه إِيرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه مُوجبا لعدم استجازته إِيرَاد غير الصَّحِيح لزم أَن لَا يستجيز أَن يَقُول رُوِيَ عَن فلَان كَذَا إِلَّا إِذا ثَبت عِنْده أَن تِلْكَ الرِّوَايَة صَحِيحَة والمروي بهَا صَحِيح وَإِلَّا كَانَ مُخَالفا لما الْتَزمهُ
الثَّانِي أَن قَوْله إِلَّا أَن يَصح مخرجه بمجيئه من وَجه أطلق ذَلِك الْوَجْه الآخر وَقَالَ صَاحب الْمَحْصُول يتقوى بِهِ وَإِن كَانَ ضَعِيفا لَكِن ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة يَقْتَضِي اشْتِرَاط صِحَة ذَلِك السَّنَد فَإِنَّهُ قَالَ ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث فَإِن شركه فِيهِ حفاظ مأمونون فاسندوه إِلَى رَسُول الله ﷺ بِمثل معنى مَا روى كَانَت هَذِه دلَالَة على صِحَة من قبل عَنهُ وَحفظه انْتهى
الثَّالِث أَن الَّذِي سبق فِي الْمَوْضُوع الْمَذْكُور حِكَايَة نَص الشَّافِعِي فِي مَرَاسِيل
[ ١ / ٤٦٦ ]
التَّابِعين أَنه يقبل مِنْهَا الْمُرْسل الَّذِي جَاءَ نَحوه مُسْند وَكَذَلِكَ لَو وَافقه مُرْسل آخر أرْسلهُ من أَخذ الْعلم عَن غير رجال التَّابِعِيّ الأول وَقَضيته أَن الشَّافِعِي يقبل مُطلق الْمُرْسل إِذا تَأَكد بِمَا ذكره وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا يقبل مَرَاسِيل كبار التَّابِعين إِذا تأكدت بالشرطين الْمَذْكُورين فِي كَلَامه هَكَذَا نَص عَلَيْهِ فِي الرسَالَة وَنَقله الْبَيْهَقِيّ فِي مدخله والخطيب فِي كِفَايَته وسنذكره
الرَّابِع أَن كَلَامه صَرِيح فِي أَنه لَا يحْتَج بالمرسل إِلَّا فِي حَالَة وَاحِدَة وَهُوَ أَن يَصح مخرجه لمجيئه من وَجه آخر وَلَيْسَ كَذَلِك بل يحْتَج بِهِ فِي مَوَاضِع ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الرسَالَة مرتبَة فَقَالَ ﵁ الْمُنْقَطع (أ / ٧٢) يخْتَلف فَمن شَاهد أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فروى حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن النَّبِي ﷺ اعْتبر عَلَيْهِ بِأُمُور مِنْهَا أَن ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث فَإِن شركه الْحفاظ المأمونون فَأَسْنَدُوهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ بِمثل معنى مَا روى كَانَت هَذِه دلَالَة [وَاضِحَة] على صِحَة من قبل عَنهُ وَحفظه
وَإِن انْفَرد بِهِ مُرْسلا لم يشركهُ فِيهِ من بعده قبل مَا ينْفَرد بِهِ من ذَلِك وَيعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن ينظر هَل يُوَافقهُ مُرْسل آخر فَإِن وجد ذَلِك قوي وَهِي أَضْعَف من الأولى وَإِن لم يُوجد ذَلِك نظر إِلَى بعض مَا روى عَن بعض الصَّحَابَة قولا لَهُ فَإِن وجدنَا مَا يُوَافق مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ كَانَت شاهدة دلَالَة على أَنه لم يَأْخُذ
[ ١ / ٤٦٧ ]
مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِن وجد عوام من أهل الْعلم يفتون بِمثل [معنى] مَا روى ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا واهيا فيستدل بذلك على صِحَّته وَيكون (د / ٤٦) إِذا شرك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ فِي هَذِه دَلَائِل على صِحَة مخرج حَدِيثه وَمن خَالف مَا وصفت أضرّ بحَديثه حَتَّى لَا يسع أحدا قبُول مرسله قَالَ وَإِذا وجدت الدَّلَائِل بِصِحَّة حَدِيثه بِمَا وصفت أحببنا أَن نقبل مرسله وَلَا نستطيع أَن نزعم أَن الْحجَّة تثبت بِهِ ثُبُوتهَا بالمتصل وَذَلِكَ أَن بعض المنقطعات وَإِن وَافقه مُرْسل مثله فقد يحْتَمل أَن يكون مخرجها وَاحِدًا من حَيْثُ لَو سمي لم يقبل وَأَن [قَول] بعض الصَّحَابَة إِذا قَالَ بِرَأْيهِ لَو وَافقه (لم يدل على صِحَة) مخرج الحَدِيث دلَالَة قَوِيَّة إِذا نظر فِيهَا وَيُمكن أَن يكون إِنَّمَا غلط بِهِ حِين سمع قَول بعض الصَّحَابَة يُوَافقهُ
[ ١ / ٤٦٨ ]
قَالَ فَأَما من بعد كبار التَّابِعين فَلَا أعلم أحدا يقبل مرسله لأمور
أَحدهَا أَنهم أَشد تجوزا فِيمَن يروون عَنهُ
وَالْآخر أَنه تُوجد عَلَيْهِم الدَّلَائِل فِيمَا أرْسلُوا لضعف مخرجه
وَالْآخر كَثْرَة الإحالة فِي الْأَخْبَار فَإِذا كثرت الإحالة فِي الْأَخْبَار كَانَ أمكن للوهم وَضعف من يقبل عَنهُ انْتهى كَلَامه بنصه من الرسَالَة
وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ فِي كتاب الْمدْخل وَقد تضمن الِاحْتِجَاج بالمرسل فِي مَوَاضِع
أَحدهَا مَجِيئه مُسْندًا من وَجه آخر وَأَنه لَا بُد أَن يكون الطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيحا خلافًا لما وَقع فِي الْمَحْصُول
وَثَانِيها أَن يُوَافقهُ مُرْسل آخر أرْسلهُ من أَخذ الْعلم عَن غير رجال التَّابِعِيّ الأول
وَهَذَانِ الموضعان اقْتصر ابْن الصّلاح على حكايتهما عَن نَص الشَّافِعِي فِي التَّنْبِيه الأول من الْكَلَام [على] الْحسن فَاقْتضى كَلَامه ثمَّ أَن الشَّافِعِي يُسَوِّي بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَنْصُوص فِي الرسَالَة كَمَا سقناه أَن الْمُرْسل الَّذِي يُوَافقهُ
[ ١ / ٤٦٩ ]
مُرْسل آخر أَضْعَف من الَّذِي وَافقه مُسْند وَهُوَ وَاضح
ثَالِثهَا أَن يعضده قَول بعض الصَّحَابَة وَصرح الشَّافِعِي بِأَن هَذَا أَضْعَف من الَّذِي قبله وَأَنه يدل على أَنه لم يَأْخُذ مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح
رَابِعهَا أَن يعضده قَول جمع من أهل الْعلم وَلم يفصل بَين أَن يتَبَيَّن أَن يكون مستندهم أم لَا وَلَو قيل بالتفصيل لم يبعد
خَامِسهَا أَن يكون مرسله لَو سمى من روى عَنهُ لَا يُسَمِّي مَجْهُولا وَلَا ضَعِيفا فيستدل بذلك على صِحَة مَا روى مُرْسلا وَهَذَا من أحسن مَا يُقَال فِي الْمُرْسل وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره تَعْدِيل لَهُ إِذا كَانَ من عَادَته لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة وَهُوَ أصح الْأَقْوَال
سادسها أَن يكون إِذا شَارك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ دَلِيلا على صِحَة مخرج حَدِيثه وَأَن لَهُ أصلا فَإِن هَذَا يدل على حفظه وتحريه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت مُخَالفَته بِزِيَادَة فَإِنَّهُ يُوجب التَّوَقُّف فِيهِ وَالِاعْتِبَار
وَمن هُنَا (أ / ٧٣) يُؤْخَذ أَن كَلَام الشَّافِعِي يرى أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة مُطلقًا كَمَا ظَنّه بَعضهم فَإِنَّهُ اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه وَلم يعْتَبر التخالف بِالزِّيَادَةِ وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من
[ ١ / ٤٧٠ ]
الحَدِيث دَلِيلا على [صِحَة مخرج حَدِيثه] وَأخْبر أَنه مَتى خَالف مَا وصف أضرّ ذَلِك بحَديثه وَلَو كَانَت الزِّيَادَة غير مَقْبُولَة مُطلقًا لم تكن مُخَالفَته بِالزِّيَادَةِ مضرَّة بحَديثه
وَزَاد الْمَاوَرْدِيّ سابعا وَهُوَ أَن الْمُرْسل يحْتَج بِهِ إِذا لم يُوجد دلَالَة سواهُ وَنسبه لقَوْل الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد ذكره فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَنَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَشرط فِيهِ الْإِقْرَار بالتعديل على الْإِجْمَال إِذا علمت ذَلِك فَفِي كَلَام الشَّافِعِي فَوَائِد
إِحْدَاهَا أَن الْمُرْسل إِذا حصلت فِيهِ هَذِه الشواهد أَو بَعْضهَا [لزم] نوع الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا يلْزم لُزُوم الْحجَّة بالمتصل وَكَأَنَّهُ - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَرَادَ بِهِ أَن لَهُ مدخلًا فِي التَّرْجِيح لإِثْبَات الحكم بِهِ لِأَنَّهُ سوغ الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْجُمْلَة وَلم يُنكر على من خَالفه
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة لم نجد حَدِيثا (ثَابتا مُتَّصِلا) خَالفه جَمِيع أهل الْعلم إِلَّا أَن يكون مَنْسُوخا وَقد وجدنَا مَرَاسِيل أجمع أهل الْعلم على خلَافهَا وَذكر
[ ١ / ٤٧١ ]
مِنْهَا حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر الْآتِي قَرِيبا وَلم يقف الْجُمْهُور على هَذَا النَّص فأطلقوا النَّقْل عَن الشَّافِعِي أَنه يحْتَج بالمرسل عِنْد اجْتِمَاع هَذِه الشُّرُوط مِنْهُم القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالُوا وَلِهَذَا احْتج بمرسل سعيد فِي اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَقد تيقظ لهَذَا النَّص القَاضِي أَبُو بكر فَقَالَ فِي كِتَابه التَّقْرِيب قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يقبلهَا من الْمَرَاسِيل أستحب قبُولهَا وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بهَا ثُبُوتهَا بالمتصل قَالَ القَاضِي فقد نَص بذلك على أَن الْقبُول عِنْد تِلْكَ الشُّرُوط مُسْتَحبّ لَا وَاجِب انْتهى
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الشَّافِعِي لم يرد الِاسْتِحْبَاب قسيم الْوُجُوب بل مُرَاده أَن الْحجَّة فِيهَا ضَعِيفَة لَيست كحجة الْمُتَّصِل إِذا انتهضت الْحجَّة وَجب الْأَخْذ لَا محَالة لَكِن الْحجَج مُتَفَاوِتَة فَإِذا عَارضه مُتَّصِل كَانَ الْمُتَّصِل مقدما عَلَيْهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ مُرَاد الشَّافِعِي بقوله أحببنا أَي اخترنا وَهَذَا النَّص يرفع اعْتِرَاض القَاضِي على الشَّافِعِي فِي الْعَمَل بالمرسل إِذا رُوِيَ من وَجه آخر
[ ١ / ٤٧٢ ]
مُسْندًا إِذْ الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ على الْمسند (و) إِذا علمت مُرَاد الشَّافِعِي زَالَ الِاعْتِرَاض
الثَّانِيَة أَن الْمُرْسل العاري عَن هَذِه الاعتبارات والشواهد الَّتِي ذكرهَا لَيْسَ بِحجَّة عِنْده وَلِهَذَا قَالَ أَنا ابْن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن لي مَالا وعيالا وَلأبي مَالا عيالا فيريد أَن يَأْخُذ مَالِي فيطعم عِيَاله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنْت وَمَالك لأَبِيك قَالَ
[ ١ / ٤٧٣ ]
الشَّافِعِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر غَايَة فِي الْفِقْه وَالْفضل وَالدّين والورع وَلَكِن لَا نَدْرِي عَمَّن قبل هَذَا الحَدِيث انْتهى
وَلَا نسلم خلو هَذَا الْمُرْسل عَن بعض هَذِه الاعتبارات فقد رُوِيَ من وُجُوه (مُسْندًا)
الثَّالِثَة أَن مَأْخَذ رد الْمُرْسل عِنْده إِنَّمَا هُوَ احْتِمَال ضعف الْوَاسِطَة وَأَن الْمُرْسل لَو سَمَّاهُ لبان أَنه لَا يحْتَج بِهِ وعَلى هَذَا المأخذ فَإِذا كَانَ الْمَعْلُوم من عَادَة الْمُرْسل أَنه لم يسم إِلَّا ثِقَة وَلم يسم مَجْهُولا كَانَ مرسله حجَّة وَإِن كَانَ يروي عَن الثِّقَة وَغَيره فَلَيْسَ بِحجَّة وَلِهَذَا رد الشَّافِعِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فِي الضحك فِي الصَّلَاة
وَقَالَ يَقُولُونَ يحابي وَلَو حابينا لحابينا الزُّهْرِيّ وإرسال الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء وَذَلِكَ أَنا نجده يروي عَن سُلَيْمَان بن أَرقم
[ ١ / ٤٧٤ ]
وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره هَل هِيَ تَعْدِيل لَهُ أم لَا وَالصَّحِيح التَّفْصِيل (أ / ٧٤) بَين أَن يكون من عَادَته أَنه لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة فَيكون تعديلا [لَهُ] وَإِلَّا فَلَا
ولهذه (د / ٤٧) الْعلَّة قبل الشَّافِعِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب [لَا] لِأَنَّهُ اعتبرها فَوَجَدَهَا مسانيد كَمَا ظن الْحَاكِم وَغَيره وَإِلَّا كَانَ الِاحْتِجَاج حِينَئِذٍ بالمسند مِنْهَا وَيَجِيء اعْتِرَاض القَاضِي السَّابِق وَلِهَذَا تقبل مَرَاسِيل الصَّحَابَة وَإِن احتملت روايتهم عَن التَّابِعين لِأَن الْغَالِب أَنهم لَا يروون إِلَّا عَن النَّبِي ﷺ لَا سِيمَا حَالَة الْإِطْلَاق فَحمل على الْغَالِب
الرَّابِعَة أَن مُرْسل من بعد التَّابِعين لَا يقبل وَلم يحك عَن أحد قبُوله لتَعَدد الوسائط (وَلِأَنَّهُ لَو قبله يقبل مُرْسل الْمُحدث الْيَوْم) وَبَينه وَبَين رَسُول الله ﷺ مفاوز وَلم يقل بِهِ أحد
الْخَامِسَة أَن ظَاهره قبُول مُرْسل [كبار] التَّابِعين دون صغارهم وَلِهَذَا قَالَ فِي الرسَالَة بعد النَّص الْمُتَقَدّم بِكَلَام وَمن نظر فِي الْعلم بخبرة وَقلة غَفلَة استوحش من مُرْسل كل من دون كبار التَّابِعين بدلائل ظَاهِرَة فِيهَا قَالَ لَهُ قَائِل فَلم فرقت
[ ١ / ٤٧٥ ]
بَين كبار التَّابِعين الْمُتَقَدِّمين الَّذين شاهدوا أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَمن شَاهد بَعضهم دون غَيرهم قَالَ الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى - فَقلت لبعد إِحَالَة من لم يشْهد أَكْثَرهم قَالَ (فَلم لَا تقبل الْمُرْسل) مِنْهُم وَمن كل ثِقَة دونهم فَقلت لما وصفت انْتهى
وَمُرَاد الشَّافِعِي بالذين شاهدوا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَي شاهدوا [كثيرا مِنْهُم وبالذين شاهدوا بَعضهم دون بعض أَي شاهدوا] قَلِيلا كَمَا تقدم فِي أبي حَازِم وَيحيى بن سعيد
السَّادِسَة أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد بن الْمسيب كَمَا ظن بَعضهم وَسَيَأْتِي مُسْتَنده فِي ذَلِك
إِذا علمت ذَلِك ظهر مِنْهُ أَن الشَّافِعِي يقبل الْمُرْسل فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة على التَّرْتِيب السَّابِق وَأَن الْحجَّة بالمتصل وَأَن ذَلِك كُله مُقَيّد بمرسل كبار التَّابِعين لَا مُطلق الْمُرْسل وَظهر بِهِ قُصُور المُصَنّف وَغَيره فِي اقتصارهم على بعض المرجحات وَبطلَان دَعْوَى خلق من الْأَصْحَاب أَن الشَّافِعِي يرى أَنه حجَّة مُسْتَقلَّة عِنْد وجود أحد هَذِه الْأَوْصَاف والموجب لذَلِك عدم اطلاعهم على هَذَا النَّص الْكَبِير الْقَوَاعِد والمذاهب إِنَّمَا تعلم من كَلَام أَرْبَابهَا فاشدد يَديك بِهَذِهِ الْفَائِدَة فَإِنَّهَا تَسَاوِي رحْلَة
[ ١ / ٤٧٦ ]
الْأَمر الْخَامِس دَعْوَاهُ احتجاج الشَّافِعِي بمرسلات سعيد بن الْمسيب لوجودها مُسندَة من وُجُوه أخر تبع فِيهِ الْحَاكِم غَيره وَقد سبق أَن مأخذه غير ذَلِك نعم أخذُوا ذَلِك من قَول الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي كتاب الرَّهْن الصَّغِير حِين قيل لَهُ كَيفَ قبلتم عَن سعيد مُنْقَطِعًا وَلم تقبلوه عَن غَيره
قُلْنَا لَا نَحْفَظ لسَعِيد مُنْقَطِعًا إِلَّا وجدنَا مَا يدل على تسديده وَلَا يُؤثر أحد فِيمَا عَرفْنَاهُ عَنهُ إِلَّا عَن ثِقَة عَن مَعْرُوف وَمن كَانَ مثل حَاله قبلنَا منقطعه
ورأينا غَيره يُسَمِّي الْمَجْهُول ويسمي من يرغب عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَيُرْسل عَن النَّبِي ﷺ وَعَن بعض من لم يلْحق من أَصْحَابه الْمُنكر الَّذِي لَا يُوجد لَهُ شَيْء يسدده ففرقنا بَينهم لافتراق أَحَادِيثهم وَلم نحاب أحدا وَلَكنَّا قُلْنَا فِي ذَلِك بِالدّلَالَةِ الْبَيِّنَة على مَا وَصفنَا من صِحَة رِوَايَته
وَفِي الْكَامِل لِابْنِ عدي بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ وَلَيْسَ الْمُنْقَطع بِشَيْء مَا عدا مُنْقَطع ابْن الْمسيب انْتهى
[ ١ / ٤٧٧ ]
لَكِن الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي الْكِفَايَة حكى هَذِه الْعلَّة عَن بعض أَصْحَابنَا ثمَّ ردهَا بِأَن [فِي] مُرْسل سعيد مَا لم يُوجد [مُسْندًا] بِحَال من وَجه يَصح قَالَ وَالصَّحِيح أَنه لَا فرق بَين مُرْسل (أ / ٧٥) سعيد وَغَيره من التَّابِعين وَإِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي [و] التَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح وَإِن لم يكن حجَّة بمفرده
وَزعم الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ أَن الشَّافِعِي اخْتلف قَوْله فِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب فَكَانَ فِي الْقَدِيم يحْتَج بهَا بانفرادها لِأَنَّهُ لَا يُرْسل حَدِيثا إِلَّا يُوجد مُسْندًا وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا مَا سَمعه من جمَاعَة أَو عضده قَول الصَّحَابَة أَو رَآهُ منتشرا عِنْد الكافة أَو وَافقه فعل أهل الْعَصْر وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَن أكَابِر الصَّحَابَة وَأَيْضًا فَإِن مراسيله سبرت فَكَانَت مَأْخُوذَة عَن أبي هُرَيْرَة لما بَينهمَا من الوصلة والصهارة فَصَارَ إرْسَاله كإسناده عَنهُ قَالَ وَمذهب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَن مُرْسل سعيد وَغَيره لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا قَالَ مُرْسل سعيد عندنَا حسن لهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي وَصفنَا استئناسا بإرساله ثمَّ اعْتِمَادًا على مَا قارنه من الدَّلِيل فَيصير الْمُرْسل حِينَئِذٍ [مَعَ مَا قارنه] حجَّة انْتهى
[ ١ / ٤٧٨ ]
وَسَيَأْتِي من كَلَام الْبَيْهَقِيّ وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق والخطيب وَغَيرهم أَن الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي أَن مُرْسل سعيد عِنْده لَيْسَ بِحجَّة إِنَّمَا يرجح بِهِ لَكِن فِي نِسْبَة ذَلِك إِلَى الْجَدِيد نظر فقد ذكر الشَّافِعِي فِي الْأُم وَهُوَ من الْكتب الجليلة على الْمَشْهُور فِي الرَّهْن الصَّغِير أَن مُرْسل سعيد حجَّة وَكَذَلِكَ من كَانَ مثله فِيمَا ذكر وَهُوَ يُؤَيّد قَول ابْن الصّلاح أَن الشَّافِعِي يقبل مُرْسل سعيد وَغَيره وَلَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد
قلت وَلَا بإرسال كل تَابِعِيّ بل بالتابعي الْكَبِير كَمَا سبق نَصه فِي الرسَالَة وَيرد أَيْضا دَعْوَى ابْن الصّلاح أَن الْعلَّة فِي قبُول مُرْسل سعيد كَونه وجد مُسْندًا فَقَط بل علته غير ذَلِك مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره اشْتهر عِنْد فُقَهَاء أَصْحَابنَا أَن مُرْسل سعيد بن الْمسيب حجَّة عِنْد الشَّافِعِي حَتَّى إِن كثيرا مِنْهُم لَا يعْرفُونَ غير ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ [وإرسال سعيد بن الْمسيب عندنَا حسن فَذكر صَاحب الْمُهَذّب وَغَيره من أَصْحَابنَا فِي أصُول الْفِقْه فِي معنى كَلَامه وَجْهَيْن لأَصْحَابه] مِنْهُم من قَالَ مراسيله حجَّة لِأَنَّهَا فتشت فَوجدت مسانيد
[ ١ / ٤٧٩ ]
وَمِنْهُم من قَالَ لَيست بِحجَّة عِنْده بل هِيَ كَغَيْرِهَا على مَا نذكرهُ وَإِنَّمَا رجح الشَّافِعِي بِهِ وَالتَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح
وَحكى الْخَطِيب أَبُو بكر هذَيْن المذهبين لأَصْحَاب الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح مِنْهُمَا عندنَا الثَّانِي لِأَن من مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال من وَجه صَحِيح وَقد جعل الشَّافِعِي لمراسيل كبار التَّابِعين مزية على غَيرهم كَمَا اسْتحْسنَ مُرْسل سعيد
وروى الْبَيْهَقِيّ فِي مناقبه بِإِسْنَادِهِ عَن الشَّافِعِي أَنه يقبل مُرْسل التَّابِعِيّ إِذا أسْندهُ حَافظ وَغير ذَلِك من الْوُجُوه السالفة ثمَّ قَالَ فالشافعي يقبل مَرَاسِيل كبار التَّابِعين إِذا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا يؤكدها وَإِلَّا لم يقبلهَا سَوَاء مُرْسل ابْن الْمسيب أَو غَيره
قَالَ وَقد ذكرنَا مَرَاسِيل لِابْنِ الْمسيب لم يقل بهَا الشَّافِعِي حِين لم ينصم إِلَيْهَا مَا يؤكدها ومراسيل لغيره قَالَ بهَا حِين انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا أكدها قَالَ وَزِيَادَة ابْن الْمسيب على غَيره (فِي هَذَا) أَنه أصح (د / ٤٨) التَّابِعين إرْسَالًا فِيمَا زعم الْحفاظ
[ ١ / ٤٨٠ ]
قَالَ فَهَذَا كَلَام الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ وَلَهُمَا الْمُنْتَهى فِي التَّحْقِيق ومحلهما من الْعلم مُطلقًا ثمَّ مَنْصُوص الشَّافِعِي ومذهبه مَعْرُوف
وَأما قَول الْقفال فِي أول شرح التَّلْخِيص قَالَ الشَّافِعِي فِي الرَّهْن الْأَصْغَر مُرْسل ابْن الْمسيب عندنَا حجَّة فَهُوَ مَحْمُول على مَا ذكره الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ وَهَذَا النَّوْع وَقع فِي ابْن الصّلاح مُخْتَصرا مَعَ أَنه من أجل الْأَنْوَاع انْتهى
وَمَا حَكَاهُ عَن الْخَطِيب وَغَيره من تَصْحِيح أَنه لَيْسَ بِحجَّة مُسْتَقلَّة ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وإرسال سعيد عندنَا حسن
[ ١ / ٤٨١ ]
فِي بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ (أ / ٧٦) عقب أثر الصّديق فِيهِ وَقَول ثَلَاثَة من التَّابِعين وَظَاهره أَنه رجح بِهِ
وَأما تَأْوِيل كَلَامه فِي الرَّهْن الصَّغِير بِمَا سبق فَيدل لَهُ كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة وَلَو جعل على ظَاهره لَكَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ فَحصل فِي كَلَام ابْن الصّلاح أُمُور
مِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الشَّافِعِي يرى الِاحْتِجَاج بالمرسل لسَعِيد وَقد عرفت مُرَاد الشَّافِعِي فِي التَّرْجِيح بِهِ
وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الْعلَّة عِنْده فِي قبُول مرسله كَونه رُوِيَ مُسْندًا وَقد سبق من كَلَام الشَّافِعِي أَعم من ذَلِك وَقيل إِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي لكَونه من كبار التَّابِعين وَلم يتفرد بِهِ الشَّافِعِي وَقد قَالَ يحيى بن معِين أصح الْمَرَاسِيل عندنَا مُرْسل سعيد وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل
وَمِنْهَا إِطْلَاقه أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بمرسل سعيد وَقد عرفت أَن الشَّافِعِي خصّه بمراسيل كبار التَّابِعين
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي رسَالَته إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَن الشَّافِعِي لم يخص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ بل يقبل مرسله ومرسل غَيره من كبار التَّابِعين كالحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسليمَان بن يسَار إِذا اقْترن بهَا مَا يؤكدها من الْأَسْبَاب قَالَ وَإِنَّمَا ترك الشَّافِعِي مَرَاسِيل من بعد كبار التَّابِعين كالزهري وَمَكْحُول وَالنَّخَعِيّ وَمن فِي طبقتهم وَرجح بِهِ بعض قَول الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا وَترك مَرَاسِيل كبار التَّابِعين مَا لم يقْتَرن بِهِ مَا يشده من الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرهَا فِي الرسَالَة أَو وجد من الْحجَج مَا هُوَ أقوى مِنْهَا قَالَ وَقد احْتج الشَّافِعِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن بمرسل الْحسن الْبَصْرِيّ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل
[ ١ / ٤٨٣ ]
وَقَالَ فَهَذَا وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا دون النَّبِي ﷺ فَإِن أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ بِهِ وَهُوَ ثَابت عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من الصَّحَابَة فأكد مرسله بقول صَحَابِيّ وقوى الْأَكْثَر كَمَا أكد مُرْسل سعيد فِي النَّهْي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ بقول الصّديق وَبِأَنَّهُ رُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا وَقَالَ بمرسل الْحسن فِي كتاب الصّرْف فِي النَّهْي عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَقَالَ بمرسل طَاوس فِي كتاب الزَّكَاة وَالْحج وَالْهِبَة وَغير
[ ١ / ٤٨٤ ]
ذَلِك وبمرسل عُرْوَة بن الزبير وَأبي أُمَامَة [أسعد بن] سهل بن حنيف وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَعَطَاء بن يسَار وَسليمَان بن يسَار وَابْن سِيرِين وَغَيرهم من كبار التَّابِعين فِي مَوَاضِع من كتبه حِين اقْترن بهَا مَا يؤكدها وَلم يجد مَا هُوَ أقوى [مِنْهَا] وَترك مَا لم يجد فِيهِ ذَلِك كَمَا ترك ذَلِك فِي مُرْسل سعيد كمرسله أَنه ﵊ فرض زَكَاة الْفطر مَدين من حِنْطَة وَأَنه ﵊ [قَالَ] لَا بَأْس بالتولية فِي الطَّعَام قبل أَن يسْتَوْفى وَأَنه ﵊ قَالَ دِيَة كل ذِي عهد فِي عَهده ألف دِينَار
وَأَنه ﵊ قَالَ من ضرب أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ
[ ١ / ٤٨٥ ]
قَالَ وعَلى هَذَا فتخصيص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ دون من عداهُ من كبار التَّابِعين على أصل الشَّافِعِي وَإِن قَالَه صَاحب التَّلْخِيص انْتهى يَعْنِي ابْن الْقَاص
وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الشَّافِعِي أَن مَرَاسِيل الْحسن الْبَصْرِيّ عِنْده مستحسنة حَكَاهُ [عَنهُ] ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فِي الْكَلَام على قبض الْمَبِيع قَالَ وَلِهَذَا احْتج بِهِ فِي الْأُم
[ ١ / ٤٨٦ ]
وَقَالَ ابْن حزم ادّعى بَعضهم أَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ إِذا حَدثهُ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أرْسلهُ قَالَ فَهُوَ أقوى من الْمسند
وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن [من] مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال وَقد سبق كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي ترك الشَّافِعِي بعض مَرَاسِيل سعيد
وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح العنوان هَذَا التتبع لم تظهر صِحَّته لوجدان غير حَدِيث مُرْسل من رِوَايَة سعيد لم يُوجد من جِهَة غَيره كَمَا تتبعه الْحفاظ وَإِن وجد فَمن وَجه لَا يَصح
[وَقَالَ أَيْضا] ذَلِك الْوَجْه الآخر إِمَّا أَن يكون مُعْتَمدًا أَولا فَإِن كَانَ مُعْتَمدًا فَهُوَ الْحجَّة وَإِلَّا فَلَا أثر لَهُ (أ / ٧٧)
وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ قد اشْتهر اسْتثِْنَاء مَرَاسِيل سعيد لِأَنَّهَا وجدت مسانيد فعلى هَذَا لَا معنى للاستثناء لِأَن الِاحْتِجَاج إِنَّمَا وَقع بالمسند لِأَنَّهَا
[ ١ / ٤٨٧ ]
وجدت مسانيد قَالَ وَلم يقل الشَّافِعِي إِنَّه يحْتَج بمرسل سعيد كَيفَ كَانَ وَإِنَّمَا أثنى على مراسيله لِأَنَّهُ يُرْسل عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره يُرْسل عَمَّن لَا يعرف
وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ لما قَالَ الشَّافِعِي إِن مُرْسل سعيد حجَّة رُوجِعَ فِي الْفرق بَينه وَبَين غَيره فَقَالَ لِأَنِّي تتبعت مراسيله فَوَجَدتهَا مسانيد [فَقيل لَهُ وجدت مجموعها أَو أَكْثَرهَا فَإِن قَالَ وجدت مجموعها مسانيد] فَلَا أثر للمرسل [إِذا] إِذْ الِاعْتِمَاد على الْمسند وَإِن قَالَ وجدت أَكْثَرهَا فَهَذَا مقَام لَا يقنع فِيهِ بالمعظم فَإِن كل حَدِيث يطْلب إِسْنَاده فِي عينه من غير إغفال شَرط لوُجُود الشَّرْط فِي غَيره وَسَيَأْتِي جَوَاب هَذَا
١٣٣ - (قَوْله) وَمن أنكر هَذَا زاعما أَن الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ يَقع على الْمسند دون الْمُرْسل فَيَقَع لَغوا فَجَوَابه أَن بالمسند يتَبَيَّن صِحَة الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ [إِسْنَاد] صَحِيح
قلت يُشِير إِلَى اعْتِرَاض القَاضِي أبي بكر على احتجاج الشَّافِعِي بالمرسل إِذا رُوِيَ مُسْندًا من وَجه آخر بِأَن الْعَمَل حِينَئِذٍ على الْمسند وَأجَاب المُصَنّف بِأَنا لَا نسلم أَن الْعَمَل بالمسند فَقَط بل بالمسند يتَبَيَّن صِحَة إِسْنَاد الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ
[ ١ / ٤٨٨ ]
مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ صَحِيح الْإِسْنَاد
قَالَ المُصَنّف فِي حَاشِيَته وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْإِرْشَاد وَقسم مِنْهُ أَن الحَدِيث الَّذِي يَقع عَلَيْهِ ذَلِك فِي إِسْنَاده يكون لَهُ إسنادان صَحِيحَانِ أَحدهمَا الْمُرْسل فيكتسب بذلك قُوَّة لَا وجود لَهَا على تَقْدِير الْمصير إِلَى أَنه لم يَصح إِلَّا ذَلِك الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي زعم الْمُخَالف أَنه [بِهِ] ثَبت الحَدِيث لَا غير وَزَاد النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره من الْفَوَائِد أَنه لَو كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ لَو عارضهما حَدِيث صَحِيح [جَاءَ من طَرِيق وَاحِد وَتعذر الْجمع رجحناهما عَلَيْهِ وعملناهما دونه
وَقد اعْترض على هَذَا الْجَواب بِأَن الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ إرْسَال يحْتَمل أَن يكون هُوَ الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي هُوَ صَحِيح] وَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا آخر غير صَحِيح احْتِمَالا على السوَاء وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَال لَا يتَبَيَّن بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل كَون الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال صَحِيحا إِذا بِالشَّكِّ فِي كَونه هُوَ الْإِسْنَاد الصَّحِيح أَو غَيره لَا يرْتَفع عَنهُ الِاحْتِمَال الَّذِي هُوَ قَادِح فِي صِحَّته وَمُوجب لضَعْفه عِنْد من يَقُول
[ ١ / ٤٨٩ ]
بضعفه فَلَا يتَبَيَّن بِهِ صِحَّته بِوَجْه وَهَذَا ظَاهر عِنْد من لَهُ مذاق بِمَا يصلح أَن يتَبَيَّن بِهِ (د ٤٩) الْأَمر وَمَا لَا يصلح
وَقَول النَّوَوِيّ فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ حَتَّى يقدم على مَا صَحَّ من طَرِيق وَاحِدَة عَجِيب فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي النَّوْع الْحَادِي عشر أَن الحَدِيث إِذا رُوِيَ مُسْندًا ومرسلا أَن القَوْل بِأَن ذَلِك لَيْسَ بقادح وَفِي التَّرْجِيح أَيْضا بالرواية من طَرِيقين على مَا رُوِيَ من طَرِيق بعد صحتهما نظر تكَاد تخَالفه استعمالات الْفُقَهَاء واستدلالاتهم فقد أَخذ الشَّافِعِي بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي التَّشَهُّد وَحَدِيث ابْن مَسْعُود أَكثر طرقا وَنَحْوه
وَمِنْهُم من أجَاب عَن الْإِشْكَال السَّابِق بِأَن الِاحْتِجَاج بالمسند إِنَّمَا ينْهض إِذا كَانَ فِي نَفسه حجَّة وَلَعَلَّ الشَّافِعِي أَرَادَ بالمسند هُنَا مَا لَا ينْهض بِنَفسِهِ فَإِذا ضم إِلَى الْمُرْسل قَامَ بِهِ الْمُرْسل وَصَارَ حجَّة وَهَذَا لَيْسَ عملا بالمسند بل بالمرسل إِذا زَالَت التُّهْمَة عَنهُ وَسكت المُصَنّف عَن اعتراضهم فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ إِذا جَاءَ من وَجه آخر مُرْسلا فَإِن ضم الضَّعِيف إِلَى مثله لَا يُفِيد كَمَا فِي شَهَادَة الْفَاسِق مثله
[ ١ / ٤٩٠ ]
وَقد (أ / ٧٨) يُجَاب بِمَا سبق فِي الحَدِيث الضَّعِيف إِذا تعدّدت طرقه أَنه يرتقي إِلَى رُتْبَة الِاحْتِجَاج بِهِ وغرض الشَّافِعِي من هَذِه الْأَشْيَاء حرف وَاحِد وَهُوَ أَنا إِذا جهلنا عَدَالَة الرَّاوِي للْأَصْل لم يحصل عَلَيْهِ الظَّن بِصدق الْخَبَر فَإِذا انضمت هَذِه الْقَرَائِن إِلَيْهِ قوي بعض الْقُوَّة فَيجب الْعَمَل بِهِ دفعا للضَّرَر المظنون
١٣٤ - (قَوْله) فِي رد الْمُرْسل وَهُوَ قَول جَمَاهِير حفاظ الحَدِيث ونقاد الْأَثر
هَكَذَا قَالَه الْخَطِيب وَفِي كَلَام ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مَا يَقْتَضِي أَن كلهم مجمعون [عَلَيْهِ] لَكِن قَالَ القَاضِي أَبُو بكر فِي التَّقْرِيب الْجُمْهُور على قبُول الْمُرْسل وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ إِذا كَانَ الْمُرْسل ثِقَة عدلا وَهُوَ قَول مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَأبي حنيفَة وَأهل الْعرَاق وَكَذَلِكَ نَقله الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول عَن الْأَكْثَرين وَيَنْبَغِي أَن يكون مُرَادهم أَكثر أهل الْأُصُول وَمُرَاد ابْن الصّلاح كَذَا قيل وَفِيه نظر فَإِن الْمُرْسل حجَّة عِنْد مَالك كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَغَيرهمَا وَكَذَلِكَ عِنْد أَحْمد كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي [أَبُو بكر] وروى
[ ١ / ٤٩١ ]
الْخَطِيب فِي الْجَامِع عَن أَحْمد أَنه قَالَ رُبمَا كَانَ الْمُرْسل أقوى من الْمسند وَنقل ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره إِجْمَاع التَّابِعين على قبُول الْمُرْسل لكنه مَرْدُود وغايته أَنهم كَانُوا يرسلون وَلَكِن من قَالَ إِنَّهُم أَجمعُوا على قبُوله
فَإِن قلت يُؤَيّد دَعْوَى ابْن الْحَاجِب قَول الإِمَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ إِنْكَار الْمُرْسل بِدعَة حدثت بعد الْمِائَتَيْنِ
قلت إِن ثَبت عَنهُ فمراده حدث القَوْل بِهِ لما احْتِيجَ إِلَيْهِ لِأَن أحدا قبل ذَلِك لم يكن يعْمل بِهِ فَلَمَّا تطاول الزَّمن احْتِيجَ إِلَى إِنْكَاره فَكَانَت بِدعَة وَاجِبَة وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيل لعارضناه بِكَلَام مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي نَقله ابْن الصّلاح
[ ١ / ٤٩٢ ]
وَاعْلَم أَن بعض الْخُصُوم نسب الشَّافِعِي للتفرد برد الْمُرْسل وَقَالَ ابْن عبد الْبر إِن ابْن جرير أَشَارَ بِكَلَامِهِ السَّابِق إِلَيْهِ وَقد حكى أَبُو دَاوُد السجسْتانِي قَرِيبا من ذَلِك فِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل الْأَمْصَار فِي سَبَب كِتَابَة السّنَن فَقَالَ وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم فِيهِ وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره انْتهى
وَهَذَا مَرْدُود فقد قَالَ سعيد بن الْمسيب وَهُوَ إِمَام التَّابِعين إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة كَذَا نَقله عَنهُ [الْحَافِظ أَبُو عبد الله] الْحَاكِم وَنَقله ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول عَن الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ [و] صَحَّ ذَلِك عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره
وَفِي مُقَدّمَة صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنه لم يقبل مُرْسل بعض التَّابِعين وَكَانَ من الثِّقَات المحتج بهم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَصَحَّ
[ ١ / ٤٩٣ ]
فِيهِ أَيْضا عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ كَانُوا لَا يسْأَلُون عَن الْإِسْنَاد فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة قَالُوا سموا لنا رجالكم فَينْظر إِلَى أهل السّنة فَيُؤْخَذ عَنْهُم وَإِلَى أهل الْبدع فَلَا يُؤْخَذ عَنْهُم وَكَانَ يحيى بن سعيد الْقطَّان - ووفاته قبل الشَّافِعِي - شَدِيد الْإِنْكَار للمرسل فروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَحْمد بن سِنَان عَنهُ أَنه كَانَ لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وَيَقُول هَؤُلَاءِ قوم حفاظ كَانُوا إِذا سمعُوا الشَّيْء علقوه وَقَالَ سعيد بن الْمسيب عَن أبي بكر ذَاك شبه الرّيح
وَقَالَ مَالك عَن سعيد بن الْمسيب أحب إِلَيّ من سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم وكل ضَعِيف وَقَالَ سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم لَا شَيْء وَقَالَ مرسلات أبي
[ ١ / ٤٩٤ ]
إِسْحَاق الْهَمدَانِي عِنْدِي لَا شَيْء وَالْأَعْمَش والتيمي وَيحيى بن أبي كثير يَعْنِي مثله وَقَالَ مرسلات أبن أبي خَالِد يَعْنِي إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ مرسلات ابْن عُيَيْنَة شبه الرّيح
ثمَّ قَالَ (إِي وَالله) وسُفْيَان بن سعيد وَقَالَ كَانَ شُعْبَة يضعف إِبْرَاهِيم عَن عَليّ هَذِه أَقْوَال يحيى بن سعيد وناهيك بِهِ
وَفِي هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه عَن شُعْبَة من تَضْعِيفه (أ / ٧٩) إِبْرَاهِيم عَن عَليّ تعقب على أبي عَمْرو فَإِنَّهُ روى أثرا عَن إِبْرَاهِيم عَن عَليّ فِي الَّذِي يُرَاجع وَلم
[ ١ / ٤٩٥ ]
تعلم الْبَرَاءَة فَتزوّجت فَإِن الأول أَحَق بهَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَأَجْمعُوا أَن مَرَاسِيل إِبْرَاهِيم صِحَاح وَمرَاده بالمرسل الْمُنْقَطع لما تقدم
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أبي وَأَبا زرْعَة يَقُولَانِ لَا يحْتَج بالمراسيل وَإِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الْمُتَّصِلَة وبقولهما أَقُول
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله والْحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَلَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث قد ضعفه غير وَاحِد مِنْهُم قَالَ وَمن ضعفه فَإِنَّمَا ضعفه من قبل أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قد حدثوا عَن الثِّقَات وَغير الثِّقَات فَإِذا روى أحدهم حَدِيثا وأرسله لَعَلَّه أَخذه عَن غير ثِقَة قَالَ وَقد احْتج بَعضهم بالمراسيل وَحَكَاهُ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ
١٣٥ - (قَوْله) وَفِي صدر صَحِيح مُسلم [الْمُرْسل] فِي أصل قَوْلنَا وَقَول أهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة
اعْترض عَلَيْهِ فِيمَا نَقله فَإِن مُسلما إِنَّمَا ذكره فِي اثناء كَلَام خَصمه الَّذِي رد
[ ١ / ٤٩٦ ]
عَلَيْهِ اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء فِي الْإِسْنَاد المعنعن فَقَالَ فَإِن قَالَ قبلته لِأَنِّي وجدت رُوَاة الْأَخْبَار قَدِيما وحديثا يروي أحدهم عَن الآخر الحَدِيث وَلما يعاينه وَمَا سمع مِنْهُ شَيْئا قطّ فَلَمَّا رَأَيْتهمْ استجازوا رِوَايَة الحَدِيث بَينهم هَكَذَا على الْإِرْسَال من غير سَماع والمرسل من الرِّوَايَات فِي أصل قَوْلنَا وَأهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة أحتجت لما وصفت من الْعلَّة إِلَى الْبَحْث عَن سَماع رَاوِي كل خبر عَن رَاوِيه إِلَى آخر كَلَامه
وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن حَكَاهُ عَن لِسَان خَصمه لَكِن لما لم يعْتَرض عَلَيْهِ بِشَيْء فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ فَلهَذَا سَاغَ لِابْنِ الصّلاح عزوه إِلَيْهِ وَيُؤَيِّدهُ قَول التِّرْمِذِيّ الحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث
١٣٦ - (قَوْله) وَابْن عبد الْبر حَافظ الْمغرب مِمَّن حكى ذَلِك عَن (جمَاعَة) أَصْحَاب الحَدِيث
أَي فِي كل الْأَمْصَار وَنَقله عَن سَائِر أهل الْفِقْه أَيْضا قَالَ الْإِجْمَاع على
[ ١ / ٤٩٧ ]
الْحَاجة إِلَى عَدَالَة (د ٥٠) الْمخبر وَأَنه لَا بُد من علم ذَلِك
وَقَالَ ابْن خلفون فِي الْمُنْتَقى وَلَا اخْتِلَاف أعلمهُ بَينهم أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل إِذا كَانَ مرسله غير متحرز يُرْسل عَن غير الثِّقَات
١٣٧ - (قَوْله) والاحتجاج بِهِ - أَي مُطلقًا - مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وأصحابهما فِي طَائِفَة وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا هَذَا الْكَلَام يحْتَمل ثَلَاثَة أَشْيَاء
أَحدهَا وَهُوَ الظَّاهِر أَنه هُوَ والمسند سَوَاء
وَثَانِيها أَنه يحْتَج بِهِ مَعَ احْتِمَال كَونه أولى من الْمسند وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن [ابْن] خويز منداد الْمَالِكِي الْبَصْرِيّ وَلَكِن المُرَاد هُوَ الأول
[ ١ / ٤٩٨ ]
الْأَمر الثَّانِي أَن ابْن الصّلاح أطلقهُ وَشَرطه عِنْدهم أَن يكون مرسله ثِقَة يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم فَلَا خلاف أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره من الْمَالِكِيَّة وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وعَلى هَذَا (فصل النزاع) فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن الشَّافِعِي يقبله حِينَئِذٍ كَمَا سبق ثمَّ الْخلاف فِي الْمُرْسل الَّذِي لَا عيب فِيهِ سوى الْإِرْسَال فَأَما إِذا انْضَمَّ إِلَى كَونه مُرْسلا ضعف راو من رُوَاته فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسْوَأ حَالا من الْمسند الضَّعِيف لِأَنَّهُ يزِيد عَلَيْهِ بالانقطاع وَلَا خلاف فِي رده وَعدم الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَه أَبُو الْحسن بن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام وَكَذَا أَبُو الْحُسَيْن فِي الْمُعْتَمد وخلائق من الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة مِنْهُم القَاضِي عبد الْوَهَّاب والمازري والباجي وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ
[ ١ / ٤٩٩ ]
الثَّالِث مَا نَقله عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ فِيمَا نَقله أَبُو دَاوُد وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم وَغَيرهم وَلَكِن نقل أَبُو عبد لله الْحَاكِم عَنهُ أَنه لَيْسَ بِحجَّة
١٣٨ - (قَوْله) ثمَّ (إِنَّا لم) نعد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله تَخْصِيص (أ ٨٠) الْخلاف السَّابِق بمرسل التَّابِعين فَمن دونهم أما مُرْسل الصَّحَابَة فمقبول أَي بِالْإِجْمَاع كَمَا صرح بِهِ بَعضهم لَكِن حكى الْخَطِيب وَغَيره عَن بعض الْعلمَاء أَنه لَا يحْتَج بِهِ كمرسل غَيرهم إِلَّا أَن يَقُول لَا أروي إِلَّا مَا سمعته عَن رَسُول الله ﷺ أَو عَن صَحَابِيّ لِأَنَّهُ قد يروي عَن غير صَحَابِيّ
قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا مَذْهَب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائني وَالصَّوَاب
[ ١ / ٥٠٠ ]
الْمَشْهُور أَنه يحْتَج بِهِ مُطلقًا لِأَن روايتهم عَن غير الصَّحَابِيّ نادرة وَإِذا رووها بينوها
قلت وَأغْرب ابْن برهَان فِي الْأَوْسَط فَقَالَ عَن مقَالَة الْأُسْتَاذ إِنَّهَا الصَّحِيح وَأغْرب ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فحكاه عَن الشَّافِعِي وَاخْتِيَار القَاضِي أبي بكر كَذَا ذكره فِي بَاب التناوب فِي الْعلم قَالَ لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يسمع مِمَّن لَا يضْبط كواحد أَو أَعْرَابِي لَا حجَّة لَهُ وَلَا تعرف عَدَالَته
وَقَالَ الكيا الهراسي وَأما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فعلى قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يَقُول الْوَاحِد مِنْهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ من غير أَن يَقُول سمعته
وَالثَّانِي أَن يَقُول حَدثنِي رجل عَن رَسُول الله ﷺ وفيهَا خلاف عِنْد من يرد الْمَرَاسِيل وَمن قبله يَقُول الِاعْتِمَاد على الظَّاهِر فَإِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَالظَّاهِر أَنه سَمعه لوُجُود دَلِيل السماع وَهُوَ الصُّحْبَة
فَإِن قيل ظهر من حَال ابْن عَبَّاس إرْسَال الْأَحَادِيث فَإِن رَسُول الله ﷺ توفّي
[ ١ / ٥٠١ ]
وَهُوَ صبي لم يبلغ فَكَانَ أَكثر مَا رَوَاهُ مُرْسلا وَأطْلقهُ عَن رَسُول الله ﷺ وروى عَن النَّبِي ﷺ أَفعَال الْحَج وَلم يكن شَاهدهَا فَإِنَّهُ ﵊ بَعثه مَعَ أغيلمة بني عبد الْمطلب لَيْلَة الْمزْدَلِفَة وَأَنه سمع ذَلِك من أَخِيه الْفضل بن عَبَّاس وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﵊ قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك سمعته من الْفضل
وَقَالَ الْبَراء بن عَازِب مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه بل سمع بَعْضنَا من بعض وَلَكنَّا لَا نكذب
قيل هَب أَن الْأَمر كَذَلِك فَظَاهر ذَاك الصَّحَابِيّ لَا يَخْلُو من أَن يكون سمع الرَّسُول أَو سمع مِنْهُم وهم معدلون فَلَا تضر الْجَهَالَة بهم انْتهى
[ ١ / ٥٠٢ ]
الثَّانِي أَن هَذَا لَا يخْتَص بأحداث الصَّحَابَة كَمَا عبر بِهِ بل مُرْسل الْكل كَذَلِك وَكَأَنَّهُ ذكره ليعلم كبارهم من بَاب أولى
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني لَيْسَ يعد مُرْسل الصَّحَابِيّ مُرْسلا فقد كَانَ يَأْخُذ بَعضهم عَن بعض ويروي بَعضهم عَن بعض وَقَالَ كَانَ لعمر بن الْخطاب جَار من الْأَنْصَار يتناوب مَعَه النُّزُول إِلَى رَسُول الله ﷺ ينزل هُوَ يَوْمًا وَالْآخر يَوْمًا قَالَ فَإِذا نزلت جِئْته بِخَبَر ذَلِك الْيَوْم من الْوَحْي وَغَيره وَقَالَ الْبَراء مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن سمعناه وَحدثنَا أَصْحَابنَا وَكُنَّا لَا نكذب
وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كتاب اليواقيت كَانَ من مَذْهَب الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم [أَنه] إِذا صَحَّ عِنْدهم أَن رَسُول الله ﷺ ذكر حَدِيثا رَوَوْهُ عَنهُ من غير أَن
[ ١ / ٥٠٣ ]
تذكر الْوَاسِطَة بَينهم فقد روى أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس قصَّة ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت بِمَكَّة فِي بَدْء الْإِسْلَام لم يحضرها أَبُو هُرَيْرَة ويصغر عَنْهَا سنّ ابْن عَبَّاس وروى ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وقُوف النَّبِي ﷺ على قليب بدر وَابْن عمر لم يحضر بَدْرًا
وروى الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم قصَّة الْحُدَيْبِيَة وسنهما لَا يحْتَمل
[ ١ / ٥٠٤ ]
ذَلِك لِأَنَّهُمَا ولدا بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وروى أنس بن مَالك حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر وَذَلِكَ كَانَ قبل الْهِجْرَة وَقد أخرج الْأَئِمَّة هَذِه الْأَحَادِيث وأمثالها فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَأَجْمعُوا على الِاحْتِجَاج بهَا
قلت وَلم أر من خَالف فِي ذَلِك سوى ابْن الْقطَّان فَإِنَّهُ علل حَدِيث جَابر فِي صَلَاة النَّبِي ﷺ عِنْد الْكَعْبَة بِأَن جَابِرا لم (أ / ٨١) يدْرك من حَدثهُ بذلك وَهُوَ لم يشْهد صَبِيحَة الْإِسْرَاء لما علم أَنه أَنْصَارِي إِنَّمَا صَحبه بِالْمَدِينَةِ وَلَا يلْزم مثل [ذَلِك] فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فَإِنَّهُمَا رويا إِمَامَة جِبْرِيل من قَول النَّبِي ﷺ ونازعه تِلْمِيذه ابْن الْمواق فِي كِتَابه بغية النقاد فَقَالَ وَقد تكَرر من
[ ١ / ٥٠٥ ]
ابْن الْقطَّان مثل هَذَا فِي تَعْلِيل أَحَادِيث كَثِيرَة كَحَدِيث أُسَامَة بن زيد فِي الانتضاح وَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْوضُوء بِفضل مَيْمُونَة وَحَدِيث زَيْنَب
[ ١ / ٥٠٦ ]
الثقفية وَغير ذَلِك والبحث فِيهِ قَلِيل الجدوى فَإِنَّهُم كلهم عدُول وكيفما كَانَ فالحجة فِيهِ لَازِمَة
الثَّالِث ظَاهره أَن مَرَاسِيل الصَّحَابَة إِنَّمَا تعرف بطرِيق وَاحِد وَهُوَ أَن يكون الرَّاوِي مِنْهُم صَغِير السن أَي بِحَيْثُ يغلب على الظَّن أَنهم أخذُوا (د ٥١) مَا رَوَوْهُ عَن غَيرهم من الأكابر فَأَما مُرْسل أكَابِر الصَّحَابَة فَإِنَّهُ يعرف بتبيينهم لَهُ وَإِلَّا فَمَا رَوَوْهُ مَحْمُول على السماع وَإِن لم يصرحوا بِهِ
الرَّابِع أَشَارَ إِلَى الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة لقبُول رِوَايَته بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ إِنَّمَا رددنا الْمُرْسل لاحْتِمَال عدم عَدَالَة الْوَاسِطَة وَهَذَا الْمَانِع مَفْقُود فِي الصَّحَابَة لعدالتهم فَلَا فرق بَين ذكر الْوَاسِطَة وحذفها لَكِن هَذَا ينْتَقض بِأَنَّهُم قد يروون عَن التَّابِعين وَقد صنف الْخَطِيب كتابا فِي الصَّحَابَة عَن التَّابِعين فَبلغ عَددهمْ نَحْو
[ ١ / ٥٠٧ ]
الْعشْرين وَهَذَا يقْدَح فِي الْعلَّة الْمَذْكُورَة
قَالَ السرُوجِي فِي الْغَايَة من لم يَجْعَل الْمُرْسل حجَّة لم يَجْعَل مُرْسل الصَّحَابِيّ حجَّة إِلَّا لِأَنَّهُ يحمل على السماع من رَسُول الله ﷺ فَإِذا لم يعلم أَنه سَمعه لَا يُمكن حمله عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ فَيكون حجَّة أَو من تَابِعِيّ مَجْهُول أَو ضَعِيف فَلَا يكون حجَّة وَلَا يَجْعَل حجَّة للشَّكّ والإحتمال قَائِم على أصلهم
قلت لَكِن قَول الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَعَ احْتِمَال سَمَاعه من غَيره أَو من غير صَحَابِيّ احْتِمَال بعيد فَلَا يُؤثر فِي الظَّاهِر وَأما روايتهم عَن [التَّابِعين] فنادرة جدا وَحَيْثُ رووا عَنْهُم بينوهم فَبَان ضعف هَذَا الإحتمال
وَقد قيل أَيْضا وَإِن كَانَت روايتهم عَن الصَّحَابَة لَكِن الِامْتِنَاع من جِهَة أَنه يجوز أَن يرويهِ عَن صَحَابِيّ قَامَ بِهِ مَانع كماعز وسارق رِدَاء صَفْوَان
[ ١ / ٥٠٨ ]
وَذكره الْقَرَافِيّ وَهُوَ ضَعِيف
فَإِن قيل كَيفَ يتَبَيَّن لنا إرْسَال الصَّحَابِيّ قلت قَالَ فِي كِتَابه فِي الْأُصُول إِن ظَاهر السماع لَا يثبت إرْسَاله إِلَّا بِقَرِينَة وَذَلِكَ كَقَوْلِه حَدثنَا الثِّقَة أَو حَدثنِي رجل من الصَّحَابَة وَبَلغنِي عَن رَسُول الله ﷺ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين [بن] [دَقِيق الْعِيد] فِي شرح العنوان وَمن هَذَا الْقَبِيل أَن يَقُول التَّابِعِيّ حَدثنِي رجل من الصَّحَابَة أَو قوم من الصَّحَابَة فَهَذَا من وَجه إِبْهَام اسْمه كالمرسل إِذْ لَا فرق بَين ذكره وَعدم ذكره قَالَ وَمن دَقِيق هَذَا أَن يَقُول الرَّاوِي حَدثنِي من سمع فلَانا فَهَل يكون ذَلِك تعديلا لجزمه بِأَنَّهُ سمع إِذْ لَا يجْزم بذلك حَتَّى يكون عدلا عِنْده أَو يكون مُنْقَطِعًا لإبهامه فِيهِ نظر
[ ١ / ٥٠٩ ]
فَائِدَة
أَكثر مَا تروى الْمَرَاسِيل من أهل الْمَدِينَة عَن سعيد بن الْمسيب وَمن أهل مَكَّة عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَمن أهل مصر عَن سعيد بن أبي هِلَال وَمن أهل الشَّام عَن مَكْحُول وَمن أهل الْبَصْرَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَمن أهل الْكُوفَة عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ
فصل
سعيد بن الْمسيب نَص على قبُول مرسله الإمامان الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا قَالَ أَحْمد أَخذ النَّاس بروايته عَن عمر فِيمَن يقبل وَقَالَ الدوري سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول أصح الْمَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ مُرْسل الشّعبِيّ وَابْن الْمسيب أحب إِلَيّ من دَاوُد بن الْحصين
[ ١ / ٥١٠ ]
عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس حَكَاهُ ابْن الْحذاء فِي رجال الْمُوَطَّأ
وَقَالَ ابْن عبد الْبر مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ عِنْدهم صِحَاح نعم أنكر يحيى بن سعيد مُرْسل سعيد بن الْمسيب عَن أبي بكر وَقَالَ ذَلِك شبه الرّيح (أ / ٢٨)
ابْن سِيرِين قَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد أجمع أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ أَن ابْن سِيرِين أصح التَّابِعين مَرَاسِيل وَأَنه كَانَ لَا يروي وَلَا يَأْخُذ إِلَّا عَن ثِقَة وَأَن مراسيله صِحَاح كلهَا لَيْسَ كالحسن وَعَطَاء فِي ذَلِك انْتهى
[ ١ / ٥١١ ]
الْحسن قَالَ ابْن عدي فِي الْكَامِل سَمِعت الْحسن بن عُثْمَان يَقُول سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ يَقُول كل شَيْء قَالَ الْحسن قَالَ رَسُول الله ﷺ وجدت لَهُ أصلا ثَابتا مَا خلا أَرْبَعَة أَحَادِيث وَقَالَ أَحْمد لَيْسَ فِي المرسلات أَضْعَف من مرسلات الْحسن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح فَإِنَّهُمَا كَانَا يأخذان عَن كل أحد
مُجَاهِد قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ مرسلات مُجَاهِد أحب إِلَيّ من مرسلات عَطاء بِكَثِير كَانَ عَطاء يَأْخُذ عَن كل ضرب
وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ قلت ليحيى بن سعيد مرسلات مُجَاهِد أحب إِلَيْك أَو
[ ١ / ٥١٢ ]
مرسلات طَاوس قَالَ مَا أقربهما
وَفِي تَارِيخ ابْن أبي خَيْثَمَة عَن يحيى بن سعيد قَالَ سعيد مُجَاهِد عَن عَليّ وَعَطَاء عَن عَليّ إِنَّمَا هُوَ كتاب وَقَالَ يحيى بن سعيد أما مُجَاهِد عَن عَليّ فَلَيْسَ بِهِ بَأْس إِنَّه قد أسْند عَن ابْن أبي ليلى عَن عَليّ وَأما عَطاء فَأَخَاف أَن يكون من كتاب
الزُّهْرِيّ قَالَ الشَّافِعِي رَأَيْنَاهُ يُرْسل عَن الضُّعَفَاء وَقَالَ يحيى بن معِين مُرْسل الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء روى ابْن أبي حَاتِم عَن يحيى بن سعيد أَنه كَانَ لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا يَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وَيَقُول هَؤُلَاءِ قوم حفاظ كَانُوا إِذا سمعُوا الشَّيْء علقوه
[ ١ / ٥١٣ ]
وَقَالَ جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي قلت لِأَحْمَد بن صَالح قَالَ يحيى ابْن سعيد مرسلات الزُّهْرِيّ شبه لَا شَيْء فَغَضب أَحْمد وَقَالَ مَا ليحيى بِمَعْرِفَة علم الزُّهْرِيّ لَيْسَ كَمَا قَالَ يحيى
إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ أَحْمد لَا بَأْس بمرسلاته وَقَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان كَانَ شُعْبَة يضعف إِبْرَاهِيم عَن عَليّ وَقَالَ عَبَّاس الدوري عَن يحيى ابْن معِين مَرَاسِيل النَّخعِيّ عِنْدِي صَحِيحَة إِلَّا حَدِيث تَاجر الْبَحْرين وَذكره
[ ١ / ٥١٤ ]
عبد الْحق فِي أَحْكَامه فِي كتاب الطَّهَارَة عَن عَبَّاس نَفسه ورد عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان بِأَنَّهُ من كَلَام يحيى
أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ الشَّافِعِي حَدِيثه ريَاح وَقَالَ ابْن سِيرِين كَانَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن لَا يباليان عَمَّن أخذا حَدِيثهمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ
سعيد بن جُبَير قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول مرسلات سعيد بن جُبَير أحب إِلَيّ من مرسلات عَطاء
[ ١ / ٥١٥ ]
أَبُو إِسْحَاق الْهَمدَانِي قَالَ عَليّ سَمِعت يحيى يَقُول مرسلات أبي إِسْحَاق عِنْدِي شبه لَا شَيْء وَالْأَعْمَش والتيمي وَيحيى بن أبي كثير هِيَ مثله ومرسلات عَمْرو بن دِينَار أحب إِلَيّ
مُعَاوِيَة [بن قُرَّة] قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَمِعت يحيى يَقُول مرسلات مُعَاوِيَة بن قُرَّة أحب إِلَيّ من مرسلات زيد بن أسلم
سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ عَليّ سَمِعت يحيى يَقُول مرسلات ابْن عُيَيْنَة شبه الرّيح
سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مرسلاته شبه الرّيح وَقَالَ عَليّ
[ ١ / ٥١٦ ]
سَمِعت يحيى يَقُول مُرْسل مَالك أحب إِلَيّ من مُرْسل سُفْيَان وَقَالَ أَيْضا سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم لَا شَيْء لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ إِنْسَان صَاح بِهِ
[ ١ / ٥١٧ ]