المطلب الأول: حدّه التدليس: مشتق من الدَّلَسِ، وهو في أصل معناه الظلام (١)،ثم استعمل التدليس في اللغة بمعنى إخفاء العيب في المبيع ونحوه (٢)؛ وإنما استعملت هذه اللفظة في مصطلح المحدثين بالمعنى الآتي شرحه؛ لأن المدلس - مهما كان نوع تدليسه - كأنه قد أظلم شيئًا من أمر الحديث على الناظر بتغطية وجه الصواب فيه (٣). وأما في الاصطلاح، فلم أقف على تعريف يجمع كل الأقسام، وإنما ُيعّرف دومًا
_________________
(١) ينظر لسان العرب، ابن منظور ١/ ١٠٠٢مادة (دلس).
(٢) ينظر لسان العرب ١/ ١٠٠٢،وظفر الأماني، اللكنوي ص ٣٧٣.
(٣) ينظر النكت على ابن الصلاح، ابن حجر العسقلاني ص ٢٤٢.
[ ٢ ]
بشر أنواعه تدليس الإسناد، ولعل الجامع بين تلك الأقسام هو إخفاء العيب، فلعل أقرب المعاني إلى ذلك ما قاله الطيبي في خلاصته وهو أن الحديث المدلس: (ما أخفي عيبه) (١).
المطلب الثاني: أقسام التدليس
قسم علماءُ المصطلح التدليسَ على عدة أقسام، واختلفوا في ذلك، فمنهم من عدها ستة ومنهم من عدها أقل من ذلك أو أكثر، واليك التفصيل:
أولًا: عند أبي عبد الله الحاكم النيسابوري: عدها ستة أقسام أذكرها باختصار (٢):
١ - من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه الا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين تقبل أخبارهم فمنهم من التابعين أبو سفيان طلحة بن نافع وقتادة
٢ - قوم يدلسون الحديث فيقولون قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينقر سماعاتهم ويلح ويراجع ذكروا فيه سماعاتهم.
٣ - قوم دلسوا على أقوام مجهولين لا يدرى من هم ومن أين هم.
٤ - قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يُعرفوا.
٥ - قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه.
٦ - قوم رووا عن شيوخ لم يَرَوْهم قط، ولم يسمعوا منهم، وإنما قالوا: قال فلان، فحُمل ذلك منهم على السماع وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل.
ثانيًا: عند الحافظ ابن الصلاح (٣):وقسّمه على قسمين رئيسين، هما:
١ - تدليس الإسناد.
٢ - تدليس الشيوخ.
ثالثًا: عند الحافظ العراقي: ذهب الحافظ العراقي في تعليقه على الحافظ ابن الصلاح إلى إنّ التدليس ثلاثة أقسام، فزاد عليه: تدليس التسوية، فقال:"القسم الثالث من أقسام التدليس الذي لم يذكره
_________________
(١) الخلاصة ص٧٤،وينظر ظفر الأماني، اللكنوي ص ٣٧٣.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٠٥ - ١٠٨.
(٣) مقدمة علوم الحديث ص ٦٦.
[ ٣ ]
ابن الصلاح وهو تدليس التسوية ". (١):،ونقل عنه الحافظ في النكت القول " ترك المصنف قسمًا ثالثًا من أنواع التدليس وهو شر الأقسام .. " (٢).
وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال:"فيه مشاحة والتسوية على تقدير تسليم تسميتها تدليسًا هي من قبيل القسم الأول " (٣).
فالذي جرى عليه أهل علماء المصطلح بعدُ هو تقسيم الحافظ ابن الصلاح وأنّ الأنواع التي ذكرت في أقسام التدليس تدخل جميعها تحت هذين القسمين، كالخطيب البغدادي (٤) والإمام النووي (٥) وابن كثير (٦) والطيبي (٧) وابن حجر (٨) والسخاوي (٩) والسيوطي (١٠) وغيرهم.
وهو ما سنعتمده في بحثنا هذا إن شاء الله تعالى.
يقول الإمام البلقيني: الأقسام الستة الذي ذكرها الحاكم داخلة تحت القسمين السابقين: فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول -أي تدليس الإسناد-.والرابع: عين القسم الثاني – أي الشيوخ-" (١١).
وقال البقاعي معلقًا على تقسيم الحافظ العراقي:"إن أراد أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من كونها اثنين باعتبار إسقاط الراوي أو ذكره وتعمية وصفه، وإن أراد الأنواع فهي أكثر من ثلاثة بما يأتي من تدليس القطع وتدليس العطف" (١٢). وقال أيضًا:" التحقيق أنه ليس
_________________
(١) شرح ألفية الحديث، العراقي ص ٨٠.
(٢) النكت على ابن الصلاح، ابن حجر ص٢٤٣
(٣) المصدر نفسه.
(٤) الكفاية ص٣٦٠.
(٥) تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي ١/ ٢٢٣.
(٦) شرح الفية الحديث، العراقي ص ٨٠.،وينظر النكت على ابن الصلاح، ابن حجر ص٢٤٢.
(٧) الخلاصة في أصول الحديث ص ٧٤.
(٨) النكت على ابن الصلاح ص٢٤٢.
(٩) فتح المغيث ١/ ١٦٩.
(١٠) تدريب الراوي١/ ١٦٩
(١١) محاسن الاصطلاح ص ١٦٨.
(١٢) توضيح الأفكار، الصنعاني ١/ ٣٧٥.
[ ٤ ]
إلا قسمين: تدليس الإسناد وتدليس التسوية، ويتفرع عن الأول: تدليس العطف وتدليس الحذف. وأما تدليس التسوية فيدخل في القسمين " (١).
وقد قسم اللكنوي التدليس إلى تسعة أقسام ونبه على أن بعض الأقسام تدخل في القسم الأول تدليس الإسناد. (٢)