مدخل
"معرفة التواريخ لمواليد الرواة، والسماع، والقدوم، والوفيات لهم":
وهو فن مهم به يعرف اتصال السند وانقطاعه، وقد ادعى قوم الرواية عن قوم فنظر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين، كما سأل إسماعيل بن عياش رجلا اختيارا له: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان، فقال: سنة ثلاث عشرة ومائة، فقال: إنك تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين؛ فإنه مات سنة ست ومائة، وقيل: غير ذلك في وفاته.
وسأل الحاكم أبو عبد الله محمد بن حاتم الكسي١ عن مولده لما حدث عن عبد بن حميد٢ فقال: سنة ستين ومائتين، فقال: هذا سمع من
_________________
(١) ١ الكسي: بكسر الكاف والسين نسبة إلى كِس وهي مدينة فيما وراء النهر، وقد يفتحون الكاف ويبدلون السين شينا فيقال الكشي، وخطأه ابن ماكولا. ٢ هو عبد الحميد -كما قال ابن حبان- بن حميد بن نصر المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين.
[ ٦٥٢ ]
عبد -يعني ابن حميد- بعد موته بثلاث عشرة سنة، وللعلماء الأجلاء في ذلك عبارات حسنة دقيقة.
قال حفص بن غياث القاضي: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين"، يعني سنة وسن من روى عنه، وقال سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"، وقال حسان بن يزيد: "لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولد عرفنا صدقه من كذبه"، وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: "ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التهم١ بها: العلل، والمؤتلف، والمختلف ووفيات الشيوخ، وليس فيه كتاب".
المؤلفات في هذا النوع: قال السيوطي في "تدريبه" تعليقا على كلمة الحميدي:
"وليس فيه كتاب يعني على الاستقصاء، وإلا ففيه كتب كالوفيات لابن زَبْر٢ ولابن قانع٣ وذيل على ابن زَبْر الحافظ عبد العزيز بن أحمد الكِناني٤، ثم أبو محمد الأكفاني٥ ثم الحافظ أبو الحسن عليّ بن المفضل٦، ثم المنذري٧، ثم الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني٨، ثم المحدث أحمد بن أيبك الدمياطي٩، ثم الإمام الحافظ أبو
_________________
(١) ١ أي الاهتمام. ٢ بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة، هو أبو سليمان محمد بن أبي محمد عبد الله الربعي محدث دمشق المتوفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وكتابه مرتب على السنين. ٣ هو الحافظ أبو الحسن عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الأموي مولاهم، المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. ٤ الدمشقي الصوفي المتوفى سنة ستين وأربعمائة. ٥ هو أبو محمد هبة الله بن أحمد الأنصاري الأكفاني المتوفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة سمى كتابه "جامع الوفيات" بفتح الفاء وفتح الياء المخففة لا بكسرها مع التشديد كما ينطق بعضهم. ٦ المقدسي ثم الإسكندري المالكي ذو التصانيف المتوفى بالقاهرة سنة إحدى عشرة وستمائة. ٧ هو الإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري صاحب التصانيف الكثيرة المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة وهو ذيل كثير الإتقان والفائدة. ٨ الحلبي ثم المصري تلميذ الحافظ المنذري المتوفى سنة خمس وتسعين وستمائة. ٩ المتوفى عام الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
[ ٦٥٣ ]
الفضل العراقي١.
أقول: ثم ذيل عليه ولده أبو زرعة ولي الدين العراقي المتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة والذيول المتأخرة أبسط من المتقدمة وأكثر فوائد وكلها مرتبة على السنين والله أعلم.
_________________
(١) ١ هو الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي نسبة إلى عراق، العرب صاحب المؤلفات الكثيرة والتحقيقات النافعة المفيدة المتوفى سنة ست وثمانمائة.
[ ٦٥٤ ]
فروع:
الفرع الأول:
الصحيح في سن سيدنا محمد سيد البشر رسول الله -ﷺ- وصاحبيه: أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق -﵄- ثلاث وستون سنة قاله الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وصححه ابن عبد البر والجمهور، وقيل: غير ذلك.
أقول: وهذا مبني في جانب رسول الله -ﷺ- على ما ذكره ابن إسحاق وابن سعد والجمهور على أنه ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وبنى على رأس الأربعين يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول هذا العام، وتمت هجرته يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول إلى المدينة المنورة، وجاور الرفيق الأعلى يوم الاثنين الثاني عشر١ من ربيع الأول عام إحدى عشرة للهجرة٢.
وقد استشكل ذلك السهيلي شارح سيرة ابن هشام بكتابه القيم "الروض الأنف" ومن تبعه ما ذهب إليه الجمهور، من أجل أنهم اتفقوا على أن أول ذي الحجة في عام حجة الوداع كان يوم الخميس ويوم عرفة كان يوم الجمعة بالاتفاق فمهما فرضت الشهور الثلاثة كوامل
_________________
(١) ١ لم يختلف أصحاب السير في كون الوفاة كانت يوم الاثنين، وإنما الخلاف في تاريخ هذا اليوم، فابن إسحاق وابن سعد، وابن حبان، وابن عبد البر وغيرهم على أنه في الثاني عشر من ربيع الأول وقال موسى بن عقبة في "مغازيه" والليث بن سعد مستهل ربيع الأول وقال سليمان التيمي: ثاني يوم منه. ٢ تدريب الراوي ص٥٠٦، ٥٠٧، وشرح السخاوي على الألفية جزء ٣ ص٢٨٩-٢٩٣.
[ ٦٥٤ ]
أو نواقص أو بعضها كامل وبعضها ناقص لم يصح ذلك، وهو ظاهر لمن تأمله.
وقد أجاب الشرف ابن البارزي ثم الحافظ ابن كثير في "بدايته" باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة قد اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة فحصلت وقفة عرفات يوم الجمعة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، فكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد، وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون الثاني عشر منه يوم الاثنين.
وأجاب البدر بن جماعة بجواب آخر فقال: "يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة خلت يعني بأيامها، فيكون موته -ﷺ- في اليوم الثالث عشر وتفرض الشهور كوامل فيصح قول الجمهور"، وكأنه لم يعتبر يوم الوفاة، وأما على قول الأولين -ابن البارزي وابن كثير- فاعتبروا يوم الوفاة فقد كانت وفاته -ﷺ- يوم الاثنين ضحى وترك رسول الله -ﷺ- مسجى بأكفانه بقية يوم الاثنين يصلي عليه المسلمون أرسالا فرادى لا إمام يجمعهم حتى كان يوم الثلاثاء ضحى فدفن فيه، وقيل: دفن ليلة الأربعاء والله أعلم.
[ ٦٥٥ ]
الهجرة مبدأ التاريخ الإسلامي:
ومن الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة حدث الأحداث في الإسلام، كان ابتداء التاريخ الإسلامي، وقد كان العرب في الجاهلية يؤرخون بالأحداث العظيمة كحادث الفيل، وقد جاء الإسلام وهم على هذا، ثم فيه صدر الإسلام أرخوا بشهر المبعث، وهو شهر ربيع الأول الذي نبئ فيه النبي -ﷺ- ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة أرخوا بها؛ إلا أنهم سموا
[ ٦٥٥ ]
كل سنة أتت عليهم باسم حادثة وقعت فيها: كسنة القدوم، وسنة الإذن وسنة الأمر، وسنة الابتلاء، واستمر الأمر على هذا المنوال في حياة النبي -ﷺ- وفي خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، حتى كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فيقال: إن أبا موسى الأشعري كتب إليه: إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيها نعمل؟ وقد قرأنا صكًا مجلة شعبان، فلم ندر أي الشعبانين: الماضي أم الآتي؟ ويقال: إن أمير المؤمنين عمر رفع إليه صك مجلة شعبان فقال: أي شعبان هو؟ ثم قال: إن الأموال كثرت فينا، وما قسمناه غير مؤقت، فكيف التوصل إلى ضبطه؟ واتفق أن قدم رجل من اليمن فقال للفاروق عمر: رأيت باليمن شيئًا يسمونه التاريخ يكتبونه من عام كذا، وشهر كذا، فقال عمر: إن هذا لحسن، فأرخوا فاجتمعوا وتشاوروا بمحضره، فقال قوم: نؤرخ بمولد النبي -ﷺ، وقال قوم بالبعث، وقال قوم من حين خروجه من مكة إلى المدينة، وقال قوم بالوفاة١، فقال الفاروق: أرخوا من خروجه -ﷺ- من مكة إلى المدينة وكان ذلك سنة سبع عشرة، ومن يومها وقد أصبحت الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي ولأجل أن لا يكون هناك خلاف بين مبدأ التاريخ ومبدأ السنة القمرية تأخروا بتاريخ الهجرة إلى شهر المحرم، وكان هذا توفيقًا عظيمًا من الله ﵎ للمسلمين وعلى هذا فلا يجوز للمسلمين -ولا سيما العرب- استبدال التاريخ الميلادي، أو التاريخ الشمسي بالتاريخ الهجري أو تقديم التاريخ الميلادي أو الشمسي عند الكتابة على التاريخ الهجري ولا سيما وقد أصبح التاريخ الهجري مما يميز المسلمين عن غيرهم، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد "ما عدوا من مبعث
_________________
(١) ١ أما البعث فلم يؤرخوا به لأن الإسلام لم يكن قد ظهر، وأما الوفاة فلم يؤرخوا بها لما فيها من الذكرى المؤلمة، فلم يبق إلا الهجرة لأن بعدها ظهر الإسلام وانتشر.
[ ٦٥٦ ]
النبي -ﷺ- ولا من متوفاة، إنما عدوا من مقدمه المدينة"١.
١- وتوفي الخليفة الأول الراشد أبو بكر الصديق في جمادى الأول سنة ثلاث عشرة يوم الاثنين، وقيل: ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان، وقيل: لثلاث بقين منه، وقيل: في جمادى الآخرة لسبع عشرة مضت منه، وقيل: غير ذلك. قال السيوطي:
والصحيح الذي جزم به الأئمة، وصححه الحفاظ، وثبت بأسانيد صحيحة عن عائشة وغيرها عشية ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة.
٢- وتوفي شهيدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد في شهر ذي الحجة آخر يوم منه يوم الجمعة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم السبت مستهل المحرم.
٣- وقتل شهيدا ذو النورين عثمان بن عفان في ذي الحجة ثاني عشر منه، وقيل: ثامن عشرة منه، وقيل: غير ذلك سنة خمس وثلاثين، وقيل: سنة ست وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين.
٤- وقتل شهيدا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في شهر رمضان ليلة الحادي والعشرين منه، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: ليلتها سابع عشرة منه سنة أربعين للهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: غير ذلك.
٥، ٦- وقتل الصحابيان الجليلان: طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، والزبير بن العوام القرشي الأسدي في يوم "وقعة الجمل" في يوم واحد في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة وعليه الجمهور سنة ست وثلاثين للهجرة، قال الحاكم: كانا ابني أربع وستين سنة وقيل غير ذلك،
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ص٥٠٨، ٥٠٩، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ح٢ ص٤، وشرح ألفية العراقي للسخاوي ج٣ ص٢٩٠.
[ ٦٥٧ ]
قال السيوطي في "تدريبه": فائدة: قال الزبير بن بكار: أعرف الناس في القتل عمارة بن حمزة، بن مصعب بن الزبير بن العوام، قتل عمارة وأبوه حمزة يوم فديد، وقتل مصعبا عبد الملك بن مروان، وقتل الزبير يوم "الجمل" وقتل العوام يوم الفجار، زاد أبو منصور الثعالبي في كتابه "لطائف المعارف": وقتل خويلد أبو العوام في حرب خزاعة، قال: ولا نعرف في تاريخ العرب والعجم ستة مقتولين في نسب واحد إلا في آل الزبير.
٧- وتوفي سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين على الأصح، وقيل: غير ذلك، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة أو أربع وسبعين، قال الأول المدائني، والثاني الفلاس.
٨- وتوفي عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: غير ذلك ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: غير ذلك.
٩- وتوفي أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة بلا خلاف في الأمريين.
١٠- وتوفي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل سنة إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين، وقيل: ثمان وخمسين وهو ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين ﵃ أجمعين١.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ص٥١٠، ٥١١.
[ ٦٥٨ ]
الفرع الثاني:
صحابيان عاشا ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين أحدهما: حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي ابن أخي السيدة الجليلة خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة، مات سنة خمس، وقيل: ثمان وخمسين. وقيل: ست وستين.
والثاني: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام -بالراء المهملة- الأنصاري الخزرجي النجاري قال ابن إسحاق، عاش حسان وآباؤه الثلاثة كل واحد مائة وعشرين سنة، ولا نعرف لغيرهم من العرب مثله، وقيل: مات سنة خمسين، وقيل: غير ذلك.
قال السيوطي في "تدريبه" تنبيهان.
أحدهما: في الصحابة أيضا من شارك حكيما وحسان في ذلك، وكحويطب بن عبد العزى القرشي العامري من مسلمة الفتح عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام كما رواه الواقدي، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: اثنتين وخمسين.
وسعيد بن يربوع القرشي مات سنة أربع وخمسين، وله مائة وعشرون سنة، وقيل: وأربع وعشرون.
وحمنن -بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفتح النون الأولى، آخره نون، كما ضبطه ابن ماكولا- وقال بعضهم: حمنز آخره زاي، أخو عبد الرحمن بن عوف، ذكر الزبير بن بكار والدارقطني في كتاب "الإخوة" وابن عبد البر أنه عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، ومات سنة أربع وخمسين.
ومخرمة بن نوفل والد المسور مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة جزم به أبو زكريا ابن منده في جزء له جمع فيه من عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، وقيل: عاش مائة وخمس عشرة سنة، وقد ذكر ابن منده في كتابه هذا جماعة عاشوا مائة وعشرين ولكن لم يعلم كون نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام كعاصم بن عدي العجلاني مات سنة خمس وأربعين والمنتجع جد ناجية، ونافع بن سليمان العبدي، واللجلاج العامري، وسعد بن جناده العوفي والد عطية.
وفاته عدي بن حاتم الطائي، قال ابن سعد وخليفة بن خياط: توفي
[ ٦٥٩ ]
سنة ثماني وستين عن مائة وعشرين سنة، وقيل: سنة ستين، وقيل: سبع وستين.
والنابغة الجعدي، ولبيد بن ربيعة، وأوس بن مغراء السعدي ذكر الثلاثة الصريفيني.
ونوفل بن معاوية، ذكره ابن قتيبة، وعبد الغني بن سعيد في "الكمال".
ومن التابعين: أبو عمرو الشيباني صاحب ابن مسعود، وزر بن حبيش وقد لخصت جزء ابن منده المذكور وزدت عليه ما فاته.
الثاني -يعني من التنبيهين- قال الزبير بن بكار كان مولد حكيم في جوف الكعبة. قال شيخ الإسلام ابن حجر: ولا يعرف ذلك لغيره، وما وقع في "المستدرك" للحاكم من أن عليًّا ولد فيها ضعيف.
[ ٦٦٠ ]
الفرع الثالث:
في وفيات أصحاب المذاهب المتبوعة.
١- إمام الأئمة أبو حنيفة النعمان بن ثابت ولد سنة ثمانين للهجرة، وكانت وفاته ببغداد في رجب سنة خمسين ومائة، ودفن بجوار مقبرة الحيزران أم هارون الرشيد الخليفة العباسي وسنه سبعون سنة، وهو يعتبر من التابعين؛ لأنه لقي الصحابي الجليل أنس بن مالك، وإن لم يسمع منه.
٢- أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري كان له مقلدون إلى بعد الخمسمائة، ولد سنة سبع وتسعين وقبل سنة خمس وتسعين وكانت وفاته بالبصرة في شعبان سنة إحدى وستين ومائة.
٣- أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ولد سنة ثلاث وتسعين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: أربع، وقيل: سبع وتسعين، وقيل: غير ذلك، وكانت وفاته بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الأول.
[ ٦٦٠ ]
٤- أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ولد سنة خمسين ومائة بغزة من فلسطين، وقيل: بعسقلان، وتوفي بمصر آخر رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة.
٥- أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ولد سنة أربع وستين ومائة، في ربيع الأول، وتوفي ببغداد في ضحوة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وقيل: من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
٦- ومن أصحاب المذاهب المتبوعة مدة أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي١، وكان له مقلدون بالشام نحو من مائتي سنة ومات ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة.
٧- إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
٨- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وله مسائل في الفقه انفرد بها وتوفي سنة عشر وثلاثمائة.
٩- وداود الظاهري إمام الظاهرية وتوفي في ذي القعدة، وقيل: في رمضان ببغداد سنة تسعين ومائتين "٢٩٠" وولد بالكوفة سنة اثنتين ومائتين.
١٠- ومن أصحاب المذاهب المقلدة أيضا سفيان بن عيينة المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة.
١١- والليث بن سعد الفهمي المصري المتوفى سنة خمس وسبعين ومائة في شعبان، قال فيه الإمام الشافعي: "الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به"، يعني لم يقوموا بنشر مذهبه، وكفى بها شهادة له
_________________
(١) ١ نسبة إلى الأوزاع بطن من همدان القبيلة المشهورة.
[ ٦٦١ ]
من مثل الشافعي.
وقد انقرض معظم هذه المذاهب بعد الخمسمائة ولم يبق إلا المذاهب المتبوعة المعروفة: مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃.
[ ٦٦٢ ]
الفرع الرابع:
في وفاة أصحاب كتب الحديث المعتمدة.
١- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية١ الجعفي البخاري نسبة إلى "بخارى" أعظم مدن وراء النهر.
ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت وقت العشاء ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين بقرية "خرتنك"٢ بالقرب من سمرقند خرج إليها لما طلب منه والي بخارى خالد بن أحمد الذهلي أن يحمل له "الجامع" و"التاريخ" ليسمعه منه فقال لرسوله:
قل له: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين فأمره بالخروج من بلده، فخرج إلى خرتنك وكان له بها أقرباء فنزلها، وسأل الله ﷿ أن يقبضه فما تم الشهر حتى مات.
مؤلفاته:
١- الجامع الصحيح.
٢- الأدب المفرد.
٣- رفع اليدين في الصلاة.
٤- القراءة خلف الإمام.
٥- بر الوالدين.
٦ و٧ و٨- التواريخ الثلاثية الكبير والأوسط والصغير.
٩- خلق أفعال العباد.
١٠- الضعفاء.
وكلها موجودة الآن كما قال السيوطي.
قال السيوطي: وما لم نقف عليه:
١١- الجامع الكبير ذكره ابن طاهر.
_________________
(١) ١ بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء وكسر الدال المهملة، وسكون الزاي وفتح الموحدة ومعناها الزراع. ٢ بفتح الخاء وسكون الراء وفتح التاء وسكون النون، آخرها كاف.
[ ٦٦٢ ]
١٢- والمسند الكبير.
١٣- والتفسير الكبير ذكره الفربري.
١٤- والأشربة ذكره الدارقطني.
١٥- والهبة ذكره وراقه -يعني الذي يكتب له وينسخ.
١٦- وأسامي الصحابة ذكره القاسم بن منده وأبو القاسم البغوي.
١٧- والوحدان وهو من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة ذكره البغوي.
١٨- والمبسوط ذكره الخليلي صاحب الإرشاد في علوم الحديث.
١٩- والعلل ذكره ابن منده.
٢٠- والكنى ذكره أبو أحمد الحاكم.
٢١- والفوائد، ذكره الترمذي في جامعه.
٢- الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ولد سنة أربع ومائتين، وقيل: سنة خمس، وتوفي بنيسابور عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة أو ست وخمسين سنة.
مؤلفاته:
١- الجامع الصحيح.
٢- الجامع على الأبواب قال الحاكم: رأيت بعضه.
٣- والمسند الكبير على الرجال قال الحاكم: ما أرى أنه سمعه منه أحد.
٤- والأسماء والكنى.
٥- والتمييز.
٦- والعلل.
٧- والوحدان.
٨- والأفراد.
٩- والأقران.
١٠- والطبقات.
١١- وأفراد الشاميين.
١٢- وأولاد الصحابة.
١٣- وأوهام المحدثين.
١٤- والمخضرمون.
١٥- وحديث عمرو بن شعيب.
١٦- والانتفاع بأهب١ السباع.
١٧- وسؤالات أحمد.
١٨- ومشايخ مالك، والثوري، وشعبة.
٣- الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمر بن عمران الأزدي السجستاني٢ -بكسر السين المهملة، والجيم، وسكون السين المهملة أيضا- نسبة إلى سجستان وينسب إليها سجزي أيضا على غير قياس.
_________________
(١) ١ جمع: إهاب بكسر الهمزة وفتح الهاء. ٢ نسبة إلى سجستان الإقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند، وقيل: نسبة إلى سجستان أو سجستانة قرية من قرى البصرى، وهو وهم كما قال السبكي.
[ ٦٦٣ ]
ولد سنة اثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة سادس عشر من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة.
وله من التآليف:
١- السنن.
٢- والمراسيل.
٣- والرد على القدرية.
٤- والناسخ والمنسوخ.
٥- وما تفرد به أهل الأمصار.
٦- ومسند مالك.
٧- والمسائل.
٨- ومعرفة الأوقات.
٩- والأخوة، وغير ذلك.
٤- الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الترمذي١ السلمي٢ الضرير مات بترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة مضت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وقال الخليل: بعد الثمانين، وهو وهم، وكان مولده سنة تسع ومائتين.
وله من التآليف:
١- الجامع.
٢- والعلل الصغرى الملحقة بالجامع.
٣- والعلل الكبرى.
٤- والمفرد.
٥- والتاريخ.
٦- والزهد.
٧- والشمائل المحمدية.
٨- والأسماء والكنى.
٥- الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني النسائي٣ ويقال النسوي نسبة إلى "نسا" بفتح النون والسين والقصر مدينة من مدن خراسان ولد سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائتين، وتوفي بفلسطين بالرملة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر، وقيل: من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
وله من المؤلفات:
١- السنن الكبرى.
٢- والسنن الصغرى وهي المطبوعة وتسمى "المجتبى" وذلك أنه لما ألف السنن الكبرى وأهداها إلى أمير الرملة قال له: أكل ما فيها صحيح؟ قال: فيها الصحيح والحسن، وما يقاربها، فقال له: ميز لي الصحيح من غيره فألف كتاب
_________________
(١) ١ الترمذي بكسر التاء المثناة والميم، وقيل: بضمهما، وقيل: بفتحهما. ٢ نسبة إلى بني سليم بالتصغير، اسم قبيلة من غيلان. ٣ نسبة إلى نساء بفتح النون والسين الممدودة، آخره همزة كما قال ابن خلكان في "الوفيات"، وفي اسم البلد القصر أيضا فمن ثم قيل: النسائي، والنسوي.
[ ٦٦٤ ]
"السنن الصغرى" وسماه "المجتبى من السنن"١، وهي مرتبة على الأبواب الفقهية كبقية كتب السنن.
٣- وخصائص عليّ.
٤- ومسند عليّ ﵁.
٥- ومسند مالك.
٦- والكنى.
٧- وعمل اليوم والليلة.
٨- وأسماء الرواة والتمييز بينهم.
٩- والضعفاء.
١٠- والأخوة.
١١- وما أغرب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة.
١٢- ومسند منصور ابن زاذان٢، وغير ذلك.
٦- الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني نسبة إلى قزوين بلد معروف مشهور و"ماجه" بتخفيف الجيم وسكون الهاء، وهو اسم، فيحكى كما ينطق به أهله بسكون الهاء، ولا يقال: "ماجه" بتاء التأنيث، ومن قال ذلك فقد غلط، وما ذكرته هو التحقيق الذي لا ينبغي أن يقال بغيره.
و"ماجه" لقب لوالد الإمام، وهو يزيد كما قال صاحب القاموس "ج١ ص٢٠٨"، ونقل العلامة الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" عن الخليلي أنه قال: "يعرف يزيد بماجه مولى ربيعة" وعلى هذا كان ينبغي أن يقال: "محمد بن يزيد ماجه" لا "ابن ماجه"، ولكن أغلب المترجمين له قالوا: محمد بن يزيد بن ماجه، فتابعتهم حتى لا أغرب ونبهت إليه، ولد سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين للهجرة وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه في قبره أخواه: أبو بكر، وعبد الله، وابنه عبد الله، ولم يذكر ابن الصلاح ولا النووي الإمام محمد بن يزيد ولا وفاته، ولعل ذلك؛ لأن درجة أحاديث كتابه دون درجة أحاديث الكتب الخمسة التي ذكراها.
"فائدة": مما ينبغي أن يعلم أن من العلماء من جعل أصول كتب
_________________
(١) ١ ويقال: المجتنى بالنون والأول أشهر. ٢ بالزاي ثم ألف، ثم ذال معجمة آخره نون.
[ ٦٦٥ ]
الحديث والسنن خمسة، ومنهم من جعلها ستة بضم سنن ابن ماجه إليها، وأول من عدها سادس الستة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة سبع وخمسمائة في كتابه "أطراف الكتب الستة"، وفي رسالته: "شروط الأئمة الستة"، ثم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ستمائة في كتابه "الإكمال في أسماء الرجال" وتابعهما أصحاب كتاب الأطراف والمتأخرون وإنما قدم هؤلاء "سنن ابن ماجه" على "موطأ الإمام مالك" مع جلالته لكثرة زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة، بخلاف الموطأ فإن أحاديثه -إلا القليل منها- موجودة في الكتب الخمسة منذ مجه فيها.
ومن العلماء من جعل موطأ الإمام مالك -﵀- أحد الأصول الستة، ولم يضم إليها سنن ابن ماجه، وأول من فعل ذلك رزين العبدري السرقسطي المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في كتابه "التجريد، في الجمع بين الصحاح"، وتبعه على ذلك أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي المتوفى سنة ست وستمائة، وسار على هذا الشيخ الإمام عبد الرحمن بن عليّ المشهور بابن الديبع١ الشيباني الزبيدي المتوفى سنة أربع وأربعين وتسعمائة في كتابه "تيسير الوصول إلى جامع الأصول".
مؤلفاته وأشهرها:
١- كتاب السنن الذي تحدثنا عنه الآن.
٢- تفسير القرآن الكريم وهو تفسير حافل كما قال ابن كثير.
٣- كتاب التاريخ أرخ فيه من عصر الصحابة إلى وقته.
وبحسبنا هذا القدر في التعريف بأصحاب الكتب الستة في هذا المقام٢.
_________________
(١) ١ بفتح الدال المهملة، وسكون الياء وفتح الباء، آخره عين مهملة. ٢ من أراد تراجم وافية لأصحاب الكتب الستة فليرجع إلى كتابي "إعلام المحدثين من ص١٠٧ إلى ص٢٩٢، وكذلك من أراد تراجم وافية "للموطأ"، و"مسند الإمام أحمد"، و"مستدرك الحاكم وسنن الدارقطني"، وغيرها، فليرجع إلى هذا الكتاب وأسأل الله أن يعينني حتى أصل بتراجم أعلام المحدثين إلى القرن العاشر.
[ ٦٦٦ ]