"من هو الصحابي"؟:
تعريف الصحبة:
الصحبة لغة: قال في المصباح المنير: "صحبته فأنا صاحب، والجمع صحب، وأصحاب، وصحابة. قال الأزهري: ومن قال: صاحب وصحبة فهو مثل فاره وفرهة والأصل في هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين والصاحبة تأنيث للصاحب وجمعها صواحب".
وقال صاحب القاموس: "صحبه كسمعه صحابة ويكسر وصحبة عاشره، وهم أصحاب، وأصاحيب، وصحبان، وصحاب، وصَحابة وصحابة وصحب، واستصحبه: دعاء إلى الصحبة"، ومن ثم نرى أن الصحبة بمعنى العشرة والرؤية والمجالسة طالت أم قصرت.
أما في اصطلاح المحدثين فالصحابي -في تعريف بعض العلماء- كل مسلم رأى النبي -ﷺ- وذكر نحو ذلك الإمام البخاري حيث قال في صحيحه "ومن صحب النبي -ﷺ- أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه".
وقد انتقد هذا التعريف بأنه يقتضي أن لا يدخل في الصحابة من لم ير النبي لعارض كالعمى مثل ابن أم مكتوم، وهو صحابي بالإجماع، وكذلك يقتضي أن من رأى النبي مؤمنا به ثم ارتد، ولم يعد إلى الإسلام يكون صحابيا مع أن هذا لم يقل به أحد قط ولذلك كان هذا التعريف غير جامع ولا مانع وهما شرطان في التعريف الصحيح، فهذا التعريف في حاجة إلى التحرير والتدقيق.
تعريف المحققين من المحدثين: الصحابي: من لقي النبي -ﷺ- مؤمنا به ومات على ذلك، وهو ما ذهب إليه الحافظان العراقي وابن حجر ووافقهم بعض الأصوليين فيدخل في التعريف من طالت صحبته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه
[ ٤٩٠ ]
رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالأكفاء، والمراد باللقاء في حال الحياة فأما من رآه بعد موته قبل الدفن فلا صحبة له كما وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر، فقد أسلم في حياة النبي ولم يره فقدم المدينة يوم توفي رسول الله فإذا الناس لهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج بالإحرام فقال: مه؟ -يعني: ما الخبر؟ - فقالوا: توفي رسول الله -ﷺ- فذهب إلى بيت رسول الله، فإذا هو مسجى على سريره قبل غسله، وأهله يحيطون به، فسأل عن الصحابة، فقيل له: في سقيفة بني ساعدة، فذهب إليهم وحضر مجتمع السقيفة، وإذا كان بعض المؤلفين في الصحابة ذكروا أبا ذؤيب وأمثاله في كتبهم فلقرب منزلتهم منهم للتنبيه عليهم، وإلا فهم ليسوا بصحابة باتفاق١، ويدخل في التعريف كل مكلف من الجن والإنس أما الملائكة فلا يدخلون، لأنهم غير مكلفين ويخرج عن التعريف من رآه كافرا ثم أسلم بعد كرسول هرقل فلا صحبة له، وكذلك من آمن به ثم ارتد ومات كافرا كعبد الله بن خطل، وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة ونحوهم، فلا شك أن هؤلاء لا يطلق عليهم اسم الصحبة.
وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في حياته ﷺ، ولقيه فالصحبة عائدة إليهم بالإجماع كعبد الله بن أبي سرح، وأما من ارتد منهم في حياته ﷺ أو بعد موته ثم عاد إلى الإسلام بعد موته كالأشعث بن قيس٢، وقرة بن هبيرة٣، ففي عودة الصحبة إليه خلاف.
_________________
(١) ١ الإصابة في تاريخ الصحابة ج١ ص٦. ٢ قدم على النبي في سبعين راكبا من كندة وكان من ملوكها، سنة عشر، ثم ارتد فأتي به إلى الصديق أسيرا فأطلقه فأسلم وحسن إسلامه وزوجه أخته أم فروة، وقد حضر القادسية واليرموك ومات قبل وفاة سيدنا علي بقليل وقيل بعده بسنتين. ٣ قرة بن هبيرة كان ممن أسلم ثم ارتد فأسره خالد بن الوليد وأرسله إلى الصديق فاعتذر عن ارتداده بخوفه على ولده وماله من مسيلمة، وأنه كان مؤمنا باطنا، فأطلقه الصديق.
[ ٤٩١ ]
قيل: لا تعود وهو مذهب من يقول من الأئمة: إن الردة تحبط العمل وإن لم تتصل بالموت، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وفي عبارة الشافعي في الأم ما يدل عليه، وقيل: تعود وهو مذهب من يرى أن الردة محبطة للعمل بشرط اتصالها بالموت، وقد حكاه الرافعي عن الشافعي، وهو مذهب الإمام مالك والراجح هو الثاني، وليس أدل على هذا من أن الأشعث بن قيس لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد والصحاح وغيرها١.
قال الإمام العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح: "ووراء ذلك أمور في اشتراط أمور أخر من التمييز أو البلوغ في الرائي، واشتراط كون الرؤية بعد النبوة أو أعم من ذلك، واشتراط كونه -ﷺ- حيا حتى يخرج من رآه بعد موته وقبل الدفن، واشتراط كون الرؤية له في عالم الشهادة دون عالم الغيب"، وقد ذكر هذا الإمام فصلا طويلا نفيسا في بيان ذلك، وإليك خلاصة ما قال مع بعض الزيادة.
فأما التمييز فظاهر كلامهم اشتراطه كما هو موجود في كلام يحيى بن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البر، وغيرهم، فإنهم لم يثبتوا الصحبة لأطفال جيء بهم إلى النبي -ﷺ- فحنكهم ومسح على وجوهم أو تفل في أفواههم كعبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الله بن معمر، وعبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله وأمثالهم، فأما عبد الرحمن بن عثمان فقال أبو حاتم: كان صغيرا له رؤية وليست له صحبة؛ وأما عبد الله بن معمر فقال ابن عبد البر ذكر بعضهم أن له صحبة وهو غلط بل له رؤية وهو غلام صغير، وأما عبد الله بن أبي طلحة فهو أخو أنس لأمه أتي به النبي فحنكه كما ثبت في الصحيح. قال العلائي: لا تعرف له رؤية بل هو تابعي وحديثه مرسل،
_________________
(١) ١ شرح نخبة الفكر ص٤٨.
[ ٤٩٢ ]
وأما محمد بن طلحة فهو الملقب بالسجاد أتى به أبوه إلى النبي -ﷺ- فمسح رأسه وسماه محمد، قال العلائي: ولم يذكر أحد فيما وقفت عليه له رؤية بل تابعي، وإذا كان بعض المؤلفين ذكروا أحدا من هؤلاء في كتبهم، فعلى سبيل الإلحاق لهم بالصحابة لغلبة الظن على أنه -ﷺ- رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم، ففي صحيح مسلم عن عائشة "أن النبي -ﷺ- كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم" وقد ذكرت طرفا من ذلك آنفا.
وأما اشتراط البلوغ في حالة الرؤية فالصحيح أنه ليس شرطا في حد الصحابي، وإلا لخرج به من أجمع العلماء على عدهم في الصحابة كعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ﵃.
وأما كون المعتبر في الرؤية وقوعها بعد النبوة، فلم أر من تعرض لذلك إلا أن ابن منده ذكر في الصحابة زيد بن عمرو بن نفيل، وإنما رأى النبي -ﷺ- قبل البعثة ومات قبلها، وقد روى النسائي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنه يبعث أمة واحدة"، أقول: ولا يلزم من نجاته أن يكون صحابيا؛ لأنه من الموحدين ومن أهل الفترة، وقد جزم الحافظ ابن حجر بعدم دخوله في الصحبة في مقدمة الإصابة، وقد استدل العراقي لاعتبارهم الرؤية بعد النبوة بأن أكثر المؤلفين في الصحابة ذكروا فيهم ولده إبراهيم ﵇ دون من مات قبلها كالقاسم وأخويه الطاهر وعبد الله، وأما ورقة بن نوفل فقد توقف فيه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة حيث قال: "لكن هل يخرج من لقبه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة؟ فيه نظر". ومع هذا فقد ذكره في القسم الأول من الصحابة، وكذا ذكره غيره في الصحابة.
وأما كون الرؤية في عالم الشهادة فالظاهر اشتراطه حتى لا يطلق اسم الصحبة على الأنبياء الذين رأوا النبي ورآهم ليلة الإسراء والمعراج
[ ٤٩٣ ]
قال: وفي المسألة تفصيل؛ فأما من رآه من الذين ماتوا منهم كإبراهيم، ويوسف، وموسى، وهارون، ويحيى، فلا شك أنهم لا يطلق عليهم اسم الصحبة لكون رؤيتهم له بعد الموت، وأيضا فمقاماتهم أجل وأعظم من رتبة أكبر الصحابة وأما من هو حي إلى الآن كعيسى ﵇، فإنه سينزل في آخر الزمان ويراه خلق كثير، فهل يوصف من رآه بأنه من التابعين لكونه رأى من رأى النبي -ﷺ- أو المراد من لقيه من أمته الذين أرسل إليهم حتى لا يدخل فيهم عيسى، والخضر، وإلياس على قول من يقول بحياتهما من الأئمة؟ هذا محل نظر ولم أر من تعرض لذلك من أهل الحديث، والظاهر أن من رآه منهم في الأرض وهو حي له حكم الصحبة فإن كان الخضر أو إلياس حيا أو كان قد رأى عيسى في الأرض فالظاهر إطلاق اسم الصحبة عليهم، فأما رؤية عيسى له في السماء، فقد يقال السماء ليست محلا للتكليف، ولا لثبوت الأحكام الجارية على المكلفين، فلا يثبت بذلك اسم الصحبة لمن رآه فيها، وقد ثبتت رؤيته لعيسى في الأرض كما في صحيح مسلم، والظاهر أنه رآه ببيت المقدس لما لقيه الأنبياء به واختلفوا به، وإذا كان كذلك فلا مانع من إطلاق الصحبة عليه؛ لأنه حين ينزل يكون مقتديا بشريعة نبينا -ﷺ- لا بشريعته المتقدمة، روى أحمد في مسنده من حديث جابر مرفوعا: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" ١.
"فائدة": هذا الذي ذكرناه من تعريف الصحابي على ما ذكره المحققون من المحدثين قد وافقهم عليه كثير من الأصوليين وهو الذي صححه الآمدي واختاره ابن الحاجب٢، وإذا كنا رجحنا هذا التعريف فليس معنى هذا أن الصحابة جميعا سواء في المنزلة والرتبة وأن
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي من ص٢٥٢-٢٥٥. ٢ المصدر السابق ص٢٥٦.
[ ٤٩٤ ]
الأعراب الذين رأوه رؤية كمن عاشره ولازمه وغزا معه وجاهد وتحمل في سبيل الإسلام ما تحمل قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "لا خفاء في رجحان رتبة من لازمة -ﷺ- أو قاتل معه، أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه ولم يحضر معه مشهدا أو على من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا أو رآه على بعد أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه بحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية"١.
تعريف بعض الأصوليين: الصحابي من طالت صحبته للنبي -ﷺ، وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه وقالوا: إن الصحابي لغة هو من كان كذلك، وقد انتقد ما قالوه من احتجاجهم باللغة بأنه مردود، فقد وقع في كلام القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني إجماع أهل اللغة على خلافه، وأن الصحبة لغة تطلق على من صحب غيره قليلا كان أم كثيرا، ثم قال: ومع ذلك فقد تقرر في العرف أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واستمر لقاؤه نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي في "كفايته"، ولكن العرف شيء واللغة شيء آخر.
تعريف سعيد بن المسيب: نقل عنه أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله -ﷺ- سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين، وهو قريب من قول الأصوليين ووجه قوله بأن لصحبته -ﷺ- شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة المتمثلة على الفضول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.
انتقاد هذا القول: قال ابن الصلاح وتبعه النووي: إن صح عنه
_________________
(١) ١ شرح النخبة ص٤٧.
[ ٤٩٥ ]
فضعيف من جهة معناه كان مقتضاه أن لا يعد جرير بن عبد الله البجلي١، وأمثاله كوائل بن حجر صحابة، ولا خلاف بين العلماء أنهم صحابة؛ ولكن الإمام العراقي قال: إن نقل هذا المذهب عنه غير صحيح؛ لأن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث.
ولعل مما يشهد لما قاله بعض الأصوليين، ونقل عن ابن المسيب ما رواه محمد بن سعيد بسند جيد في كتابه "الطبقات" عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني٢، وأثنى عليه خيرًا قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله -ﷺ؟ قال: "قد بقي قوم من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فأنا آخر من بقي"، وقد رواه الإمام مسلم بحضرة أبي زرعة، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه أراد صحبة خاصة، ولا ينفي هذا ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إثبات الصحبة.
وهناك أقوال أخرى غير معتد بها، منها ما قاله الجاحظ: إن الصحابي من طالت صحبته للنبي وروى عنه، ومنها أنه من رآه بالغًا حكاه الواقدي، ومنها أنه من أدرك زمنه وإن لم يره، وشرط الماوردي في الصحابي أن يتخصص بالرسول ويتخصص به الرسول٣.
والصحيح ما قدمناه عن محققي المحدثين، وهو الذي يشهد له صنيع جمهور المؤلفين في الصحابة، وذلك لشرف رسول الله -ﷺ- وجلالة قدره، وقوة تأثيره في نفس من يراه من المسلمين، فكأنه إذا رأى مسلمًا أو رآه
_________________
(١) ١ الصحيح أن جرير البجلي أسلم في رمضان سنة عشرة من الهجرة، أما ما روي أنه أسلم في أول البعثة، أو أنه أسلم قبل وفاة النبي بأربعين يومًا فغير صحيح. ٢ قال العراقي: وقع في مقدمة ابن الصلاح "السبلاني" بفتح السين المهملة وفتح الباء الموحدة، والمعروف أنه بسكون الياء المثناة من تحت هكذا ضبطه السمعاني في الأنساب. ٣ التدريب ص٢٠٤.
[ ٤٩٦ ]
مسلم لحظة طبع قلبه على الإيمان، وجوارحه على الاستقامة على الدين؛ لأنه بإسلامه متهيئ للقبول والتأثر، فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه، فظهر أثره على قلبه بقوة الإيمان، وعلى جوارحه بالاستقامة والعمل الصالح، والأخلاق الكريمة، وقد كان يأتيه الكافر، فينظر إليه فإذا به يصير مؤمنا صادقا، فما بالك بالمسلم؟ ويشهد لهذا الرأي الراجح الحديث المروي في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام ١ من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله -ﷺ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله -ﷺ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله -ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".
_________________
(١) ١ جماعة وهو بكسر الفاء وهمزة على الياء وحكى فيه ترك الهمزة.
[ ٤٩٧ ]
"بم تعرف الصحبة؟ ":
تعرف الصحبة بأمور:
١- بالتواتر: كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم وسواء أكان ذلك بالقرآن على سبيل التنصيص على الصحبة كالصديق أبي بكر ﵁ فقد أجمع المفسرون على أنه المراد بالصاحب في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، أو ذكر اسمه كزيد بن حارثة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، أو بالسنة المتواترة.
٢- أو بالاستفاضة والشهرة كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن وسلمة بن الأكوع وغيرهم.
[ ٤٩٧ ]
٣- أو يقول صحابي عنه أنه صحابي كحممة بن أبي حممة الدوسي، الذي مات مبطونا بأصبهان زمن سيدنا عمر، فشهد له أو موسى الأشعري أنه سمع النبي -ﷺ- حكم له بالشهادة. ذكره أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ورويت قصته في مسند الطيالسي ومعجم الطبراني.
٤- أو بإخبار بعض ثقات التابعين عنه بأنه صحابي وهذا بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح.
٥- أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي، وذلك بشرط أن يكون معروف العدالة وبشرط أن يكون ادعاؤه لذلك قبل مضي مائة سنة من وفاته -ﷺ- فإن ادعاها بعد المائة، فلا تقبل دعواه ويكون كاذبا وذلك كجماعة ادعوا الصحبة بعد المائة كأبي الدنيا الأشج، ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي، فقد أجمع أهل الحديث على كذبهم، وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". الحديث١، وفيه: "يريد بذلك انخرام ذلك القرن"، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ"، وهذه الرواية المقيدة باليوم يحمل عليها ما ورد في بعض طرق حديث جابر عند مسلم أيضا: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة".
وبهذه المناسبة أنبه إلى أن بعض المستشرقين وتابعهم بعض الكتاب المعاصرين٢ زعموا أن الحديث يدل على قيام الساعة، والساعة لم تقم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في الليل. ٢ فجر الإسلام ص٢٦٦ للأستاذ أحمد أمين.
[ ٤٩٨ ]
بعد مائة سنة من مقالته، وقالوا: إن الحديث غير صحيح لمخالفته للواقع والمشاهدة! ولو أنهم عقلوا وتأملوا لعلموا أن المراد انخرام ذلك القرن أي انتهاء أهله كما بينته رواية البخاري، بل جاء في روايته أيضا أن بعض الناس وهموا وظنوا أن المراد قيام الساعة، ثم تبين لهم أن المراد انتهاء الجيل، والساعة كما نطلق على الساعة الكبرى تطلق على الساعة الخاصة كساعة الأمم أو الأجيال، فرد الحديث بناء على وهم وخطأ في الفهم ليس من قواعد البحث العلمي الصحيح في شيء.
وكلام الأصوليين أيضا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت الصحبة بادعائه أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي. قال الآمدي في الإحكام: "فلو قال من عاصره: أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، وحكاهما ابن الحاجب احتمالين من غير ترجيح. قال: ويحتمل أن لا يصدق لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه"١.
_________________
(١) ١ شرح مقدمة ابن الصلاح ص٢٦١.
[ ٤٩٩ ]
"عدالة الصحابة":
١- الصحابة كلهم عدول عند جمهور الفقهاء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم استقامتهم على الدين، وائتمارهم بأوامره وانتهاؤهم عن نواهيه، وأنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله -ﷺ- وذلك لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور، وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو من الغلط، فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم أو عدالة بعضهم إلا شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء لا يعتد بأقوالهم وآرائهم؛ لعدم استنادها إلى برهان وسنعرض لهذه الآراء فيما بعد ومناقشتها.
[ ٤٩٩ ]
وعدالة الصحابة ثابتة معلومة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكلام من يعتبر به أئمة الدين والعلم من السلف الصالح ومن جاء بعدهم.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١، والمقصود بالخطاب أولا بالذات هم الصحابة، والوسط هم الخيار العدول إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢، ففي الآية شهادة لهم بالخيرية، وهي خيرية الدين ففيها شهادة لهم بالعدالة، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، الآية٣، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، الآية٤، وهم أهل بيعة الرضوان وكانوا زهاء ألف وخمسمائة، وقال عز شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٦ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم؛
_________________
(١) ١ البقرة: ١٤٣. ٢ آل عمران: ١١٠. ٣ التوبة: ١٠٠. ٤ الفتح: ١٨. ٥ الفتح: ٢٩. ٦ الحشر الآية ٨-١٠.
[ ٥٠٠ ]
وتشيد بفضلهم ومآثرهم، وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسموا أخلاقهم، وأي شيء أكبر شهادة من الله الذي علم ما كان وما يكون؟ بل من أصدق من الله قيلا؟
أما السنة فقد نوه النبي -ﷺ- بعد التهم، ودعا إلى معرفة حقوقهم وإنزالهم منازلهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال والفضائل، ففي الصحيحين عن النبي -ﷺ- قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" الحديث، وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١، وروي الترمذي وابن حبان في صحيحه أن النبي -ﷺ- قال: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه"، وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين".
والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث وغيره كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى، والتضحية بالنفس والمال والأهل والولد وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات.
وقد كان كبار الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدون المهديون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي، ولو لم يكن له من الصحبة إلا الرؤية، فقد روي
_________________
(١) ١ قد يقول قائل: إن هذا الحديث أريد به صحبة خاصة؛ لأن النبي قاله لخالد بن الوليد، لما تقاول هو وعبد الرحمن بن عوف، والجواب أنه لا يلزم من ورود الحديث على سبب خاص أنه لا يعم جميع الصحابة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا فإذا نهى الصحابي عن سب الصحابي، فغيره أولى بالنهي وأجدر.
[ ٥٠١ ]
أنه جيء للفاروق عمر ﵁ برجل بدوي قد هجا الأنصار وكانت له صحبة فقال لهم: "لولا أن له صحبة من رسول الله -ﷺ- ما أدري ما نال فيها لكفيتموه، ولكن له صحبة منه"، فها هو عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته، فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه حظي بشرف الصحبة١.
قال الخطيب البغدادي في "كفايته" بعد أن ذكر الكثير من الآيات والأحاديث: على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحالة التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم ثم روي بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: "إذا رأيت الرجل يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة". وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان الإمام أبي زرعة ﵀ وأثابه.
وكذلك عرف للصحابة فضلهم كبار أئمة الفقه والأصول والرواية روى الحافظ البيهقي عن الإمام الشافعي -وهو هو دينا وعقلا وعلما وألمعية- أنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا"٢.
_________________
(١) ١ مقدمة الإصابة ج١ ص١١٠، مقدمة ابن الصلاح بشرحها ص٢٦٠. ٢ مقدمة ابن الصلاح ص٢٦٣.
[ ٥٠٢ ]
ولا يشكلن عليك ما روي من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدا ثانيا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر، فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو زيادة في اليقين والتثبيت في الرواية، وبهذا التحوط وضع الخليفتان الراشدان المنهج السليم في التثبيت والاحتياط لمن يأتي بعدهما، وليس أدل على هذا من قول عمر لأبي موسى الأشعري، وقد طلب منه أن يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه عن رسول الله -ﷺ: "أما إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله -ﷺ". فهل بعد هذا التصريح يتهم الصحابة متهجم، ويتظنن عليهم متظنن؟
٢- "رأي المازري": قال المازري في شرح البرهان: "لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رآه -ﷺ- يوما ما، أو زاره يوما ما، أو اجتمع به لفرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعو النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"، وقد رد كلام المازري هذا كثير من العلماء ولم يوافقوا عليه، قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد على رسول الله -ﷺ- ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر١.
٣- القول الثالث أن الصحابة كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا، ويرده ما ذكرنا من الآيات والأحاديث وأقوال جمهور الأئمة.
٤- أنهم عدول إلى وقت وقوع الفتن، وأما بعد ذلك فلا بد من
_________________
(١) ١ التدريب ص٢٠٤.
[ ٥٠٣ ]
البحث عمن ليس ظاهر العدالة منهم.
٥- قول المعتزلة: إنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليّ بن أبي طالب منهم فإنه ليس بعدل.
٦- ويقرب من هذا القول من قال: كلهم عدول إلا من داخل الفتنة مقاتِلا أو مقاتَلا.
وكل هذه الأقوال ليست بصواب إحسانا للظن بهم، وحملا لهم فيما شجر بينهم من خلاف وحروب على الاجتهاد، قال الحافظ ابن كثير: "وأما ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ، ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ مأجور أيضا، وأما المصيب فله أجران، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين.
وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل عليًّا. قول باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله -ﷺ- أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه عليّ، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمي "عام الجماعة" وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمى الجميع "مسلمين" وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم "مؤمنين" مع الاقتتال، ومن كان من الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، والله أعلم وجميعهم صحابة فهم عدول كلهم"١.
_________________
(١) ١ الباعث الحثيث لابن كثير ص٢٢٠.
[ ٥٠٤ ]
"المكفرون لبعض الصحابة":
وهناك طوائف من الروافض وأضرابهم كفروا الصحابة إلا البعض من غير دليل من عقل أو نقل، وإنما هو الهوى والتعصب المذهبي المذموم، وهم أحق أن يبوءوا بما رموا به هؤلاء السادة الأماجد، ولقد ضلوا ببدعتهم التي خالفوا فيها نصوص القرآن والسنة الصحيحة والعقل والتاريخ الصحيح وأضلوا غيرهم، وليحملن أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم إلى يوم القيامة. قال العلامة ابن كثير: "وأما طوائف الرفض١ وجهلهم، وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيا وسموهم، فهو من الهذيان بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهو متبع، وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، في سائر الأحيان والأوقات مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثله في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين ولعن الله من يتهم الصادق، ويصدق الكاذب، آمين يا رب العالمين"٢.
_________________
(١) ١ هم قوم من غلاة الشيعة يرفضون إمامة الشيخين، بل يكفرونهما وغيرهما من الصحابة. ٢ الباعث الحثيث ص٢٢١.
[ ٥٠٥ ]
"أكثر الصحابة رواية للحديث":
لم يكن الصحابة في الرواية سواء، فمنهم المقل ومنهم المكثر، وأكثرهم رواية سبع، منهم من زادت مروياته عن الألفين، ومنهم من كانت مروياته دون الألفين وفوق الألف وقد نظمهم بعضهم بقوله:
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضر
[ ٥٠٥ ]
أبو هريرة سعد١ جابر أنس
صديقه وابن عباس كذا ابن عمر
وإليك أسماءهم على ترتيبهم الأكثر فالأكثر:
١- أبو هريرة: روى خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعين حديثًا "٥٣٧٤".
٢- عبد الله بن عمر: روى ألفين وستمائة وثلاثين حديثًا "٢٦٣٠".
٣- أنس بن مالك: روى ألفين ومائتين وستًا وثمانين حديثًا "٢٢٨٦".
٤- عائشة: روت ألفين ومائتين وعشرة أحاديث "٢٢١٠".
٥- ابن عباس: روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا "١٦٦٠".
٦- جابر بن عبد الله: روى ألفا وخمسمائة وأربعين حديثًا "١٥٤٠".
٧- أبو سعيد الخدري: روى ألفا ومائة وسبعين حديثًا "١١٧٠".
ويلي هؤلاء في الكثرة:
١- عبد الله بن مسعود، فقد روى ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثًا.
٢- عبد الله بن عمرو بن العاص روى سبعمائة حديث.
وقد اعتمد العلماء في ذلك على ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "تلقيح فهوم أهل الأثر"، وقد اعتمد ابن الجوزي في عدده على ما وقع لكل صحابي في مسند الإمام الجليل بقي بن مخلد الأندلسي٢ المتوفى سنة ٢٧٦هـ، فقد ذكر في كتابه أصحاب الألوف يعني من روى عنه أكثر من ألفي حديث، ثم أصحاب الألف يعني من روى فوق الألف
_________________
(١) ١ مراده بسعد أبو سعيد الخدري إذ اسمه سعد بن مالك بن سنان. ٢ "بقي" بفتح الباء وكسر القاف وتشديد الياء، و"مخلد" بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام.
[ ٥٠٦ ]
ودون الألفين، ثم أصحاب المئين يعني من روى أكثر من مائة وأقل من ألف، وهكذا إلى أن ذكر من روى عنه حديثان ثم من روى عنه حديث واحد.
ومسند بقي بن مخلد من أجل كتب المسانيد، كتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه فجاء كتابا حافلا في بابه جامعا بين الطريقتين: طريقة المسانيد وطريقة التأليف على الأبواب، وقد فضله الإمام ابن حزم على مسند الإمام أحمد، ومن أراد الاستيعاب عن بقي ومسنده فليرجع إلى كتابي "أعلام المحدثين ص١٠٣".
ومما ينبغي أن يعلم أن هذا العدد يدخل فيه الأحاديث المكررة، فإن بعض المحدثين يعتبرون الحديث المكرر بمنزلة أحاديث، والحديث الواحد المفرق قطعا على حسب الاستدلال بمثابة أحاديث، ولم توجه سهام النقد الطائشة لأحد من المكثرين من الرواية أكثر ما وجهت إلى الصحابي الجليل أبي هريرة؛ لذلك رأيت لزاما عليّ في هذا المقام أن أكتب كلمة إنصاف لهذا الصحابي المظلوم على أساس من قواعد البحث العلمي الصحيح لا على أساس من الهوى والتعصب.
[ ٥٠٧ ]
"الصحابي المظلوم أبو هريرة":
لم أر أحدا من الصحابة -فيما أعلم- تعرض لسهام النقد الظالم بمثل ما تعرض له سيدنا أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- وهذه الحملة الجائرة تضرب في القدم إلى آماد بعيدة، فقد نقل لنا العلامة ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" الكثير مما رمي به أبو هريرة في القديم من النظام وأمثاله من أهل البدع والأهواء الذين لا علم لهم بالحديث ورجاله، ثم رد على طعونهم وتكلم كلام رجل عالم عاقل مثبت
[ ٥٠٧ ]
نرجو أن يكافئه الحق عليه١.
ولم نر أحدا يعتد به من أئمة العلم في الإسلام تعرض لأبي هريرة بما يغض من شأنه، أو يحط من قدره، ثم جاء بعض المستشرقين فوقعوا على أقوال هؤلاء المتحاملين، فأخذوها وزادوا وأعادوا فيها، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة، ولعل من نافلة القول أن أنبه إلى الأغراض السيئة التي يقصدها المستشرقون من وراء حملاتهم التي هي امتداد للحملات الصليبية، والتي يقصدون منها تقويض دعائم الإسلام والعروبة، وإضعاف الروح الدينية في نفوس المسلمين، كي يتم لدولهم ما تريد من الغلب السياسي، والاستئثار بخيرات البلاد، واستذلال رقاب العباد، وهم -شهد الله- يريدون من الطعن في بعض الصحابة حينا وفي السنة حينا آخر تشكيك المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام، وهي السنة، وتقليل الثقة بها، وإذا تشكك المسلمون في السنة، وقللوا الثقة بها استعجم عليهم فهم القرآن، ومعرفة المراد منه، وإذا استعجم القرآن، فقل على الإسلام العفاء.
وقد نجح المستشرقون إلى حد ما في التأثير في بعض الكتاب المسلمين، ولا سيما الذين صنعوهم على يديهم في العصر الأخير، فاقتفوا آثارهم فيما زعموا، ورددوا دعاواهم التي لم يقم عليها دليل، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم، وهؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم تحت ستار البحث وحرية النقد، والله يعلم والراسخون في العلم أن ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح والبحث القويم، والنقد النزيه.
وقد تابعهم بعض الباحثين من أهل العلم والمعرفة في بعض ما قالوا وذلك كما صنع صاحب "فجر الإسلام" و"ضحاه"، وتابعهم أيضا
_________________
(١) ١ من المؤسف أن بعض الطاعنين في أبي هريرة من المتأخرين نسبوا هذا إلى ابن قتيبة مما يوهم القارئ أن الطاعن ابن قتيبة، وهو تدليس قبيح، وافتراء دنيء لا يليق افتراؤه بأهل العلم والأدب.
[ ٥٠٨ ]
بعض أدعياء العلم والأدب في كل ما قالوه، بل وأربي عليهم، وذلك كما صنع صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" وقد عقد في كتابه فصلا طويلا تحت عنوان "أبو هريرة" حشاه بكل حارجة من السباب والشتيمة، وتهجم فيه عليه وعلى بعض الصحابة ورماهم بالكذب والاختلاق، وردد في هذا مقالة النظام وغيره من الطاعنين، وتبعهم حذو النعل بالنعل، ولا تكاد تطلع على صفحة من هذا الفصل إلا وتجد فيها من الأخطاء العلمية، والإسفاف في التعبير ما نربأ بأي كاتب عنهما مما يدل على أنه دخل إلى هذا البحث، وهو متشبع بأهواء وأحقاد نفسية مما نأى به عن البحث المستقيم، والرأي الصواب.
وقواعد البحث النزيه تقتضي من الباحث إذا ما شرح في بحث أن يجمع مادته ونصوصه ثم يجرد نفسه من أي هوى أو رأي خاص، ثم يبحث ويمحض الروايات، ويوازن بين النصوص حتى يأتي حكمه أقرب إلى الحق والصواب، أما أن يأخذ ما يشاء بهواه، ويدع ما يشاء بهواه، فهذا ما لا تقره قواعد البحث العلمي الصحيح والنقد النزيه.
من هو أبو هريرة؟ هو عبد الرحمن بن صخر أو عبد الله على الأصح على كثرة ما اختلف في اسمه، واسم أبيه في الجاهلية والإسلام، وهو دوسي ودوس قبيلة من الأزد إحدى قبائل اليمن، وكان ذا شرف فيهم. قال ابن إسحاق: "كان وسيطا في دوس" ولم يختلف أحد أنه قدم على النبي مسلما عقب خيبر وكانت في المحرم سنة سبع فيكون صاحب النبي أربع سنين قضى منها فترة وجيزة مع الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي بالبحرين مؤذنا ومعلما كما روى ذلك ابن سعد في الطبقات فما يخلص له من زمن مصاحبته للنبي يزيد عن ثلاث سنوات، وهي ليست بالزمن القصير في عمر الصحبة، وليس ببدع في العقل، ولا في العادة أن يجمع شخص فيها من الأحاديث أكثرها مما يجمعه غيره، ولا سيما إذا كان له من التفرغ والإقبال على العلم وقوة الحافظة والذكاء، وطول العمر
[ ٥٠٩ ]
والأسباب الحاملة على الإكثار ما لم يتهيأ لغيره، وإنا لنجد في العصور المتقدمة والمتأخرة -على فرق ما بين الحالين- بعض التلاميذ والمريدين الذين لازموا أساتذتهم وشيوخهم مدة غير طويلة يقيدون عنهم الكتب والمجلدات ويحفظون عن ظهر قلب من كلامهم ما يربو على ما حفظه أبو هريرة عن رسول الله -ﷺ- وأحب أن لا يعزب عن علمنا أن هذه الخمسة الآلاف وزيادة من الأحاديث؛ منها ما لا يزيد عن بضعة أسطر ومنها ما هو دون ذلك؛ وهي تشمل كل ما سمعه من النبي أو رآه من فعله، أو تلقاه عن غيره من قدماء الصحابة فأي غرابة في هذه؟ وإليك أهم الأسباب والبواعث لهذا الإكثار.
[ ٥١٠ ]
بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به "١.
٢- هذا إلى ما امتاز به من ذاكرة قوية، وحافظة نادرة بسبب دعاء النبي -ﷺ- وقد سمعت ما رواه مسلم آنفا، وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: "قلت يا رسول الله إني لأسمع منك حديثا أنساه فقال: "ابسط رداءك" قال: فبسطته، فغرف بيده، ثم قال: "ضمه"، فضممته فما نسيت شيئا بعد"، وقد رويت هذه القصة من طرق كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة٢ وقد عد العلماء هذا من معجزاته -ﷺ- وروى النسائي بسند جيد في "العلم" من كتاب "السنن"، والحاكم في المستدرك أن زيد بن ثابت قال: "كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي -ﷺ، فقال: "ادعوا" فدعوت أنا وصاحبي، وأمن النبي -ﷺ، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبي -ﷺ- فقلنا: ونحن يا رسول الله، فقال: "سبقكما به الغلام الدوسي"، وقد صدقت الحوادث هذه الميزة في أبي هريرة، روي عن أبي الزعيزعة كاتب مروان قال: "أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غير حرفا عن حرف" وروى البخاري في التاريخ من حديث محمد بن عمارة بن حزم "أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلا فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله -ﷺ- بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه فعل ذلك مرارا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الصحابة".
فلا تعجب إذا كان حظي بثناء الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم
_________________
(١) ١ شكك في هذا الحديث المستشرق اليهودي "جولد زيهر". انظر "دائرة المعارف الإسلامية المجلد الأول ص٤٠٧" وتابعه على إنكارها أبو رية وأمثاله. ٢ "الإصابة في تمييز الصحابة" من أجل الكتب في سير الصحابة.
[ ٥١١ ]
من أئمة العلم والفقه والرواية، فهذا هو ابن عمر ﵄ يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث النبي -ﷺ"، رواه ابن سعد في طبقاته، وروى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح قال: "كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد -ﷺ"، وقال الإمام الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره"، وقال الإمام البخاري: "روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الحديث في عصره"، فهل نصدق هؤلاء الأئمة أم نصدق المستشرقين وأبواقهم؟
وكان ﵁ إذا بدأ الحديث يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبو القاسم -ﷺ: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه أحمد، وروى مسدد في مسنده عن أبي هريرة قال: "بلغ عمر حديثي فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم إن رسول الله قال يومئذ: "من كذب عليّ " الحديث، قال: فاذهب الآن فحدث"، وهذا يدل على شدة تحريه وتنبئه في الرواية.
٣- حرصه البالغ على حديث رسول الله -ﷺ- قولا وعملا؛ وقد شهد له النبي -ﷺ- بذلك، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه".
٤- لقد كان من دواعي إكثاره أيضا تفرغه للعلم والرواية والفتيا بعد رسول الله -ﷺ، ولم يتول الإمارة إلا فترة من حياته زمان الفاروق عمر ثم رغب عنها فيما بعد، روى عبد الرزاق بسنده عن ابن سيرين: "أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية
[ ٥١٢ ]
تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك قال: إنه يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أمية، وأخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري ويشتم عرضي وينزع مالي.
٥- تأخر وفاته، فقد توفي سنة سبع وخمسين على الصحيح، وقيل ثمان أو تسع وخمسين للهجرة، وقد أتاح له تفرغه، وتأخر وفاته أن كان الآخذون عنه كثيرون جدا، وقد سمعت مقالة البخاري الآنفة، وأنه له من الأصحاب والتلاميذ نحو الثمانمائة١، وغير خفي عنا أن للأصحاب والتلاميذ الفضل الأكبر في نشر علم الشيخ وحديثه وعلى قدر كثرتهم أو قلتهم يكون شهرة مذهب الإمام أو عدم شهرته، ومن الكلمات المأثورة عن الإمام الشافعي قوله: "الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به"، فلا تعجب بعد هذه المقدمات أن يكون أبو هريرة أكثر الصحابة رواية، ومن أراد استيفاء الرد على كل ما أثير حول أبي هريرة وغيره من الصحابة فليرجع إلى كتابي "دفاع عن السنة"٢.
"فائدة": السبب في قلة مرويات الصديق رضي الله تعالى عنه مع أنه أول من آمن من الرجال وأفضل الصحابة مع كثرة ملازمته للنبي -ﷺ- أن الكثرة في الرواية لا ترجع إلى طول الصحبة فحسب، بل هناك عوامل أخرى عرضنا لها في بيان الحق في كثرة رواية أبي هريرة كالتفرغ للعلم والرواية، وتأخر الوفاة، والصديق ﵁ اشتغل عقب وفاة الرسول بمهام الخلافة، وتثبيت دعائم الإسلام بقتال المرتدين، ونشر رسالة الإسلام، فلم يكن عنده وقت للرواية، وأيضا فقد تقدمت وفاته قبل استقرار الأحوال، وانتشار الحديث وتفرغ الناس للعلم، واعتنائهم بسماعه وتحصيله وحفظه.
_________________
(١) ١ الإصابة في تاريخ الصحابة ج٤ ص٢٠٢-٢١٠، والاستيعاب على هامش الإصابة ج٤ ص٢٠٢. ٢ من ص١٠٧-١٤٧، وقد طبع ونفذ، وقد نعيد طبعه إن شاء الله تعالى.
[ ٥١٣ ]
"أكثر الصحابة علما وفتيا":
كما اشتهر بالإكثار من الرواية بعض الصحابة، كذلك اشتهر بالفقه والفتيا آخرون، ومنهم من جمع بين الأمرين كالإكثار من الرواية والفقه والفتوى كابن عباس ﵃.
وقد اختلف في أكثرهم فتيا، فقيل: ابن عباس، روي عن أحمد بن حنبل قال: "ليس أحد من أصحاب النبي -ﷺ- يروى عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس"، وقد جمع بعض أئمة الإسلام فتيا ابن عباس في عشرين كتابا١.
وقيل: غير ذلك، روي عن مسروق بن الأجدع التابعي الجليل أنه قال: "انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وابن مسعود، ثم انتهى علم الستة إلى علي وابن مسعود"، وروى الشعبي عنه -أي مسروق- نحوه إلا أنه ذكر أبا موسى الأشعري بدل أبي الدرداء، وقد استشكل قول مسروق بأن عليًّا وابن مسعود ماتا قبل زيد بن ثابت وأبي موسى بلا خلاف، فكيف ينتهي علم من تأخرت وفاته إلى علم من مات قبله! وقد أجاب الحافظ العراقي عن ذلك بأنهما ضما علم المذكورين إلى علمهما في حياتهم، وإن تأخر زمان وفاة بعضهم عنهما٢.
والذي يظهر لي في الجواب -والله أعلم- أنه ليس المراد به الانتهاء الزمني فحسب، وإنما المراد ذلك مع الشهرة في العلم، وأن علم هذين طغى على علم غيرهما حتى من تخلف عنهما وفاة، والظاهر أن علم أبي موسى اندرج تحت علم عليّ، وأن علم زيد اندرج تحت علم ابن مسعود كما يدل على ذلك كلام الشعبي الآتي، ولولا تقدم وفاة عمر
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ج١ ص٩. ٢ شرح مقدمة ابن الصلاح ص٢٦٢.
[ ٥١٤ ]
لانتهى إليه هو وأبو الحسن على علم الصحابة، وبوفاته تزعم مدرسته تلميذه وخريجه ابن مسعود.
ولم يكن هؤلاء الستة يمثلون مشربا واتجاها واحدا في الفقه والفتيا، بل كانوا على منحيين واتجاهين، ويفصح عن هذا ما روي عن الشعبي أيضا قال: "كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله -ﷺ- وكان عمر وعبد الله يعني ابن مسعود، وزيد يشبه علم بعضهم بعضا، ويقتبس بعضهم من بعض، وكان عليّ والأشعري وأبي -يعني ابن كعب- يشبه علم بعضهم بعضا وكان يقتبس بعضهم من بعض"، وكان ابن مسعود شديد الاقتداء بعمر في علمه وفتواه، روي عنه أنه كان يقول: "لو سلك الناس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه"، فلا عجب أن كان متزعما لمدرسة عمر العلمية والفقهية وأن انتهى إليه علمها.
[ ٥١٥ ]
المعروفون بالفتوى من الصحابة:
وهناك آخرون من الصحابة عرفوا بالفتوى غير هؤلاء الذين اشتهروا بها، وروي عنهم فيها أكثر ممن روي عن غيرهم، والصحابة متفاوتون في الفتوى قلة وكثرة وتوسطا، وإليك ما قاله الإمام أبو محمد بن حزم قال: "أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال: ويمكن أن يجمع في فتوى كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، وقال: ويليهم عشرون وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة. قال: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير، قال:
[ ٥١٥ ]
وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والثلاث يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث كأبي بن كعب وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وغيرهم وسرد الباقين"١.
وقد يستشكل عد ابن حزم أُبيًّا وأبا الدرداء من المقلين، بينما عدهم مسروق أنهم ممن انتهى إليهم العلم من الصحابة، وكذلك اختلاف العلماء في الأكثر أو الأقل رواية وفتوى.
والذي يظهر لي في الجواب -والله أعلم- أنه لا يلزم من كثرة العلم والفتيا في الحقيقة ونفس الأمر أن ينقل ذلك عنه، فهناك أئمة كبار ملئوا الأرض علمًا كالليث والأوزاعي، ولكن لم ينقل لنا من علمهم وفقههم إلا القليل، وذلك لقلة تلاميذهم وأتباعهم أو لغير ذلك من الأسباب، وهناك أئمة لولا تلاميذهم لما وصل إلينا هذا العلم الكثير عنهم، يؤيد هذا ما روي عن عليّ بن المديني أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب النبي -ﷺ- له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس -﵃- كان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس به"٢، ولعل مراده أن هؤلاء أكثر من غيرهم تلامذة وأتباعًا أمناء، وإلا فهناك سيدنا عليّ كان له أتباع وتلامذة وأصحاب نشروا علمه لكن بعض أتباعه -وهم الشيعة- أفسدوا كثيرًا من علمه وفتياه بالكذب والاختلاق عليه، وقال ابن القيم: "وكان من المفتين عثمان بن عفان، قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه". وقال: "وأما عليّ بن أبي طالب ﵇ "كذا"
_________________
(١) ١ مقدمة الإصابة ج١ ص١٢، إعلام الموقعين ج١ ص٩-١١. ٢ مقدمة ابن الصلاح ص٢٦٢.
[ ٥١٦ ]
فانتشرت أحكامه وفتاويه ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود "كعبيدة" السلماني، وشريح، وأبي وائل ونحوهم، وكان ﵁ وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال: "إن هاهنا علما لو أصبت له حملة"١، فمن ثم اختلفت أنظار العلماء وأقوالهم في بعض الأشخاص تبعا لهذه الاعتبارات، فلعل مسروقا لقرب عهده من الصحابة اطلع على قدر كبير من علمهما وفتاويهما، فصدر منه هذا الحكم، بينما ابن حزم لتأخر زمنه لم يطلع إلا على القليل من فتاويهما فحكم عليهما بالقلة، فكن على بينة من هذا ولا يشكلن عليك مثل هذا.
"العبادلة الأربعة":
سئل الإمام أحمد بن حنبل، فقيل له: من العبادلة؟ قال: "عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص"، فقيل له: فأين ابن مسعود؟ فقال: "ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة"، وعلل لذلك الإمام البيهقي فقال: "لأن ابن مسعود تقدم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم".
وهذا هو الصحيح المشهور بين علماء الحديث والفقه، وقيل: هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير منهم، وعليه اقتصر الجوهري في الصحاح، وأما ما حكاه الإمام النووي في "تهذيبه" عنه: أنه ذكر ابن مسعود، وأسقط ابن العاص فوهم، وذكر الرافعي في "الديات" والزمخشري في "المفصل" أن العبادلة هم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقد غلطا في ذلك من حيث الاصطلاح.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ج١ ص١٦.
[ ٥١٧ ]
وقد سمي بعبد الله من الصحابة كثيرون قيل نحو مائتين وعشرين كما قال ابن الصلاح في مقدمته، واستدرك عليه ابن فتحون كثيرين، والذي حققه العراقي أنهم يبلغون نحو الثلاثمائة١.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرحها ص٢٦٢.
[ ٥١٨ ]
"عدد الصحابة":
قد حظي بشرف صحبة رسول الله -ﷺ- الألوف ممن لا يحصيهم العدد، ولا يجمعهم ديوان روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك: "وأصحاب رسول الله -ﷺ- كثير لا يجمعهم كتاب حافظ" يعني الديوان١، وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن أبي زرعة الرازي، وقد قيل له: أليس يقال: حديث النبي -ﷺ- أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قوله الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله -ﷺ؟! قبض رسول الله -ﷺ- عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع، وفي رواية: ممن رآه وسمعه، فقيل له: يا أبا زرعة أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع كل رآه، وسمع منه بعرفه.
وقد استشكل الحافظ العراقي التحديد بهذا العدد وقال: "وكيف يمكن الاطلاع على تحديد ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى" ثم قال: وقريب منه ما أسنده أبو موسى المديني في ذيله على كتاب "الصحابة" لابن منده على أبي زرعة الرازي قال: توفي النبي -ﷺ- ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، وكل قد روى سماعا أو رؤية، وهذا لا تحديد فيه، فاعتراضه في الحقيقة على التحديد لا على الكثرة.
_________________
(١) ١ الديوان: السجل الذي يدون فيه أرزاق الجند والعمال وغيرهم ثم أطلق على المكان مجازا وهو معرب.
[ ٥١٨ ]
والذي يظهر لي أن أبا زرعة إنما أراد التقريب لا التحديد، وأنه قال ذلك اجتهادا فقد روى ابن الصلاح عن أبي زرعة أنه سئل عن عدة من روى عن النبي -ﷺ- فقال: "ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي -ﷺ- حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه تبوك سبعون ألفا".
وروى أبو بكر الساجي في مناقب الشافعي بسند جيد عنه أنه قال: "قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا: ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغير ذلك"، والحق أن ضبط العدد على التحديد الدقيق متعذر وأن كلا قال ما قال على اجتهاده، وما وصل إليه علمه، ولعل ما ذكره أبو زرعة هو الأقرب إلى الحق والصواب.
ولا يشكلن عليك أن جميع ما ألف في الصحابة من كتب لا يزيد عددهم فيها عن عشر هذا المقدار إلا قليلا، وأوفاها وهو الإصابة مجموع التراجم التي فيها "١٢٢٨٩" بما في ذلك المكرر للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بلقب، أو كنية أو نحو ذلك، وبما فيه أيضا ممن ذكره بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم؛ لأنه ليس بلازم أن كل صحابي يصل خبره إلى الرواة المؤلفين مهما بالغوا في التتبع والاستقصاء، فكثير منهم أعراب حضروا حجة الوداع، ثم رجعوا إلى البادية، فلم يعلم عنهم خبر، وكثير منهم مات في حروب الردة، وفي الفتوحات في عهد أبي بكر وعمر -﵄- وفي الطاعون العام كعمواس وغير ذلك، وكل هذا من أسباب خفاء الأسماء وضياع الأخبار.
ومهما يكن من شيء فتحديد أحاديث رسول الله -ﷺ- بأربعة آلاف مقالة زنديق ولا ريب يقصد بها التشكيك في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السنة، ورحم الله الإمام الجليل أبا زرعة لتنبيهه إلى ذلك، وشكر الله ﵎ له على هذه الالتفاتة الذكية الواعية، وليس أدل على هذا من أن الدواوين الواسعة المؤلفة في
[ ٥١٩ ]
الأحاديث من الصحاح، والمسانيد والسنن، والجوامع، والأجزاء تضم الألوف الكثيرة الثابتة من الأحاديث الصحاح والحسان.
[ ٥٢٠ ]
"طبقات الصحابة":
من العلماء من نظر إلى الصحابة من حيث اشتراكهم في شرف الصحبة، فجعلهم طبقة واحدة، كالإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي "م٣٥٤"، وغيره من العلماء من نظر إليهم باعتبار سبقهم إلى الإسلام والهجرة وشهودهم المشاهد الفاضلة، فجعلهم طبقات، وقد استدلوا لهذا بقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية١، وقول الرسول: "ولو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، وغير ذلك مما ورد فيه تفضيل أهل بدر والحديبية على غيرهم، وذكر فضائل بعض الصحابة التي يستدل بها على منازلهم، ومن هؤلاء محمد بن سعد، فقد جعلهم في كتابه "الطبقات" خمس طبقات، وزاد بعضهم أكثر من ذلك، والمشهور ما ذهب إليه الحاكم فقد جعلهم اثنتي عشرة طبقة وها هي:
١- قوم تقدم إسلامهم بمكة كالخلفاء الأربعة.
٢- الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.
٣- مهاجرة الحبشة.
٤- أصحاب العقبة الأولى.
٥- أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
٦- أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي -ﷺ- بقباء قبل أن يدخل المدينة.
٧- أهل بدر.
٨- الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
٩- أهل بيعة الرضوان في الحديبية.
١٠- من هاجر بين الحديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
١١- مسلمة الفتح الذين أسلموا في فتح مكة.
١٢- صبيان وأطفال رأوا النبي -ﷺ- يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما.
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ١٠.
[ ٥٢٠ ]
أفضل الصحابة
مدخل
"أفضل الصحابة":
وأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان، وهو أبو قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب، وذلك بإجماع أهل السنة. قال القرطبي: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع ولا أهل البدع". ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وهذا رأي المهاجرين والأنصار حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة فانحصر في عثمان وعليّ. واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب، فلم يعدلوا بعثمان أحدا فقدمه على عليّ وولاه الأمر قبله. ولهذا قال الدارقطني: "من قدم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار". وعلى هذا جمهور الفقهاء والمحدثين والأشعري والباقلاني وكثير من المتكلمين والدليل عليه قول ابن عمر: "كنا في زمن النبي -ﷺ- لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان"، رواه البخاري ورواه الطبراني في الكبير عنه بلفظ: "كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ولا ينكره"، وذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري ولكن يقال: إنه رجع عنه، ونقل مثله عن وكيع بن الجراح، ونصرة بن خزيمة والخطابي.
ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، ثم بعدهم أهل بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشرة ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان.
وممن لهم مزية فضل على غيرهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، واختلف في المراد بهم على أربعة أقوال فقيل: هم أهل بيعة
[ ٥٢١ ]
الرضوان، وهو قول الشعبي، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة وغيرهم، وقيل: هم أهل بدر، وهو قول محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار، وقيل: هم الذين أسلموا قبل فتح مكة، وهو قول الحسن البصري، وممن لهم مزية أيضا أهل العقبتين من الأنصار رضي الله عن الجميع.
[ ٥٢٢ ]
"خصائص بعض الصحابة":
لقد خص رسول الله -ﷺ- بعض أعيان أصحابه بخصائص ومميزات، ووسمهم بصفات، منها ما يرجع إلى الصفات الجبلية كالرحمة واللين أو الشدة والصلابة في الحق، ومنها ما يرجع إلى الصفات الكسبية كالفقه، والعلم بالحلال والحرام، والأمانة والصدق في القول ونحوها، وهذه الخصائص والمميزات لا تقتضي تفضيلا عاما، وقد يكون في الفاضل من الصفات ما ليس في الأفضل من ذلك ما رواه الترمذي بسنده عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم -أي أعلمهم بالمواريث- زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". وروى الحاكم وصححه حديث: "أفرض أمتي زيد"، ورواه أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب بأوفى من هذا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ: "أرحم أمتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ، وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو هريرة وعاء للعلم -أو قال: وعاء العلم- وعند سلمان علم لا يدرك، وما أظلت الخضراء -السماء- ولا أقلت الغبراء -أي الأرض- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر". وروي أيضا مرفوعا: "عليّ
[ ٥٢٢ ]
أقضى أمتي، وأبي أقرؤهم، وأبو عبيدة أمينهم"، وروي عن عمر من وجوه: "عليّ أقضانا وأبي أقرؤنا"، وقال سعيد بن المسيب: "كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن" يعني عليًّا، وقال النبي -ﷺ- في ابن مسعود: "من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، وقال: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل"، رواه البخاري إلى غير ذلك مما ورد في خصائص بعض الصحابة.
[ ٥٢٣ ]
"أزواجه -ﷺ":
أفضل نساء هذه الأمة أزواج النبي قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾، وأفضل أزواجه خديجة وعائشة، وقد اختلف العلماء في التفضيل بينهما، فمنهم من فضل خديجة، ومنهم من فضل عائشة ومنهم من توقف في التفضيل بينهما، وقد استدل القائلون بتفضيل عائشة بما يأتي:
١- ما اشتهرت به من الفقه والعلم.
٢- ولنزول تبرئتها من فوق سبع سماوات.
٣- ولأنها كانت أحب نسائه إليه.
٤- ولما رواه البخاري في صحيحه مرفوعا: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
واختار السبكي في "الحلبيات" تفضيل خديجة ثم عائشة ثم حفصة ثم الباقيات سواء، والذي أرجحه ما ذهب إليه السبكي من تفضيل خديجة ﵂ وذلك:
١- لأنها أول من آمن بالنبي وواسته بنفسها ومالها، ووفرت له في حياتها كل وسائل الراحة النفسية والبيتية وأعانته على تأدية رسالته.
٢- وأيضا فقد روى البخاري ومسلم عن علي قال:
[ ٥٢٣ ]
سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" أي كل منهما خير نساء زمانها.
٣- ورويا أيضا بسنديهما عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب١ لا صخب فيه ولا نصب"، فقد أقرأها ربها السلام، ولم يثبت ذلك لأحد من نساء النبي، وكل ما ثبت لعائشة إقراء جبريل السلام لها، وقد وفرت السيدة خديجة للنبي -ﷺ- كل وسائل الراحة في دنياها، فكان جزاء وفاقا أن يوفر الله سبحانه لها كل وسائل الراحة والنعيم في أخرها، وقد زاد الطبراني في رواية الصحيحين السابقة أنها قالت: "هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام" في رواية النسائي، "وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته"، وفي هذا الجواب ما يدل على فقهها، ووفور عقلها، وحسن أدبها ﵂.
٤- وأصرح من ذلك في الدلالة على تفضيلها على عائشة ما رواه ابن مردويه في تفسيره بسند صحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث ٢ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد٣ على سائر الطعام".
"عرفان الرسول لها فضلها": فلا تعجب إذا كان رسول الله -ﷺ- حزن لموتها حزنا شديدا، وكان دائم الذكر لها والترحم عليها، روي عن عائشة
_________________
(١) ١ القصب اللؤلؤ المجوف. ٢ من الموافقات اللطيفة التي جمعت الثلاث في نسق واحد أن كل واحدة منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت له الصحبة وآمنت به، فآسية ربت موسى وأحسنت إليه، وصدقت به حين بعث، ومريم كفلت عيسى، وربته وصدقت به حين أرسل، وخديجة رغبت في النبي، وواسته بنفسها ومالها، وأحسنت صحبته، وكانت أول من صدقه حين نزل عليه الوحي. ٣ الفت باللحم وكان عند العرب من أطيب الأطعمة.
[ ٥٢٤ ]
قالت: كان رسول الله -ﷺ- لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها فذكرها يوما من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، ثم قال: "والله ما أبدلني خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها"، وقالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدا. رواه أحمد والطبراني.
ولم يقف الأمر عند ذكرها، بل كان يحب حبيباتها، ويصلهن فكان يذبح الشاة ويقطعها ويقول: أرسلوا إلى صديقات خديجة، رواه البخاري، وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيذكره صوتها بصوت خديجة، وحديثها العذب، وأيامها الحلوة فيهش لها، وترتاح نفسه لذلك، وتشرق أسارير وجهه، وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحباتها، فأحسن لقاءها، وصار يسأل عن أحوالها وما صارت إليه، فقالت عائشة لما خرجت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: "إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان"، رواه الحاكم والبيهقي في الشعب ومما كافأ النبي به خديجة -﵂ وأرضاها- في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها وهذا أمر متفق عليه، وقد عاش معها زهرة شبابه ومعظم حياته الزوجية، فقد عاش النبي بعد زواجها ثمانيا وثلاثين عاما انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما تقريبا وبذلك صان قلبها فيها من الغيرة التي هي من ملازمات النساء، ومن تكدير الضرائر لها، وهي فضيلة لم يشاركها فيها أحد غيرها من نساء النبي.
"التفضيل بين عائشة وفاطمة": وكذلك اختلفوا في التفضيل بين السيدة فاطمة والسيدة عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال:
[ ٥٢٥ ]
١- فاطمة أفضل.
٢- عائشة أفضل.
٣- التوقف في هذا.
والأصح تفضيل فاطمة من حيث كونها بضعة منه -ﷺ- ففي صحيح البخاري: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني"، وفي الصحيح أيضًا مرفوعًا: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" وقد صحح هذا الرأي السبكي في "الحلبيات" وبالغ في تصحيحه، وقد ثبت في الصحيح أنها سيدة هذه الأمة، وروى النسائي عن حذيفة مرفوعًا قال: "هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم عليّ، وبشرني أن حسنًا وحسينًا سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة"، وفي مسند الحارث بن أسامة بسند صحيح لكنه مرسل: "مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها"، ورواه البخاري موصولًا من حديث علي بلفظ: "خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة"، قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسر المتصل يعني أن المراد نساء عالمها. قال الحافظ ابن حجر: "وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها ومن بعدهن ما ذكر من قوله -ﷺ: "إنها سيدة نساء العالمين إلا مريم"، وأنها رزئت بالنبي -ﷺ، فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها وكنت أقول ذلك استنباطا إلى أن وجدته منصوصًا، فذكر ما رواه ابن جرير الطبري في تفسير سورة آل عمران من تفسيره"١.
"بين السيدة خديجة والسيدة فاطمة": وكذلك اختلف في التفضيل بين خديجة وابنتها فاطمة، فمن العلماء من فضل أمها لما ذكرنا في فضلها، ومنهم من فضل فاطمة؛ لأنها بضعة منه -ﷺ- قال السبكي الكبير: "الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة أفضل ثم عائشة أفضل"، وقيل: إنهما سواء وهذا الرأي أولى وهو ما أميل إليه ويشهد له ما ذكرناه من حديث: "خير نسائها خديجة". وحديث: "خير نسائها
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص٨٣، ٨٤، التدريب ص٢٠٨.
[ ٥٢٦ ]
فاطمة"، وما رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن عباس رفعه: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد"، فقد سوى بينهما.
وقد سئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدا من نساء النبي -ﷺ- غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: "قال به من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نساء النبي -ﷺ- على جميع الصحابة؛ لأنهن في درجته -ﷺ- في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود"، قال الحافظ ابن حجر: وقائل هذا هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر١، وقد استطردت في هذا الموضوع؛ لأنه يكثر فيه السؤال والاستفسار، والحمد لله الذي وفقنا لهذا البيان، وجمعه من مصادره المتعددة.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص٨٣، ١٠٤، ١١٠.
[ ٥٢٧ ]
"أول الصحابة إسلاما":
قد اختلف العلماء في أول الصحابة إسلاما.
١- فقيل أولهم الصديق أبو بكر، وإلى هذا ذهب غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو المروي عن أبي بكر وابن عباس وحسان وغيرهم، يدل على ذلك ما رواه مسلم عن عمرو بن عنبسة في قصة إسلامه، وقوله للنبي -ﷺ: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، وروى الطبراني في المعجم الكبير عن الشعبي قال: سألت ابن عباس: من أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فذكرك أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا
[ ٥٢٧ ]
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن خالد بن سعيد قال: سئل الشعبي عن أول من أسلم فقال: أما سمعت قول حسان وذكر الشعر السابق، وروى الترمذي من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: "قال أبو بكر: الست أول من أسلم " الحديث، والحق أنه أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين وأول من أعلن إسلامه.
٢- وقيل: أول من أسلم علي بن أبي طالب، وإليه ذهب كثير من الصحابة كأبي ذر وسلمان، وخباب بن الأرت، وزيد بن أرقم وغيرهم، ورواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "أول من أسلم عليّ وروى الطبراني أيضا أن النبي -ﷺ- قال: "السباق ثلاثة: السابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد -ﷺ- عليّ بن أبي طالب"، وفي إسناده "حسين الأشقر" كوفي منكر الحديث كما قال أبو زرعة، وقال البخاري: فيه نظر، وروى الطبراني أيضا عن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ رسول الله -ﷺ- بيد عليّ وقال: "إن هذا أول من آمن بي"، وفي إسناده إسماعيل بن موسى السدي ضعيف، قال ابن عدي: أنكروا منه غلوه في التشيع، وروى الطبراني عن سلمان موقوفا عليه: "أول هذه الأمة ورودا على نبيها أولهم إسلاما عليّ بن أبي طالب"، وروي أيضا نحوه مرفوعا بسند فيه انقطاع، وروى أحمد مثله مرفوعا بسند فيه مجهول، وروى أحمد أيضا عن عليّ قال: "أنا أول من صلى لله مع رسول الله -ﷺ"، وفي سنده حبة بن جوين العرني ضعفه الجمهور، وهو من غلاة الشيعة، وروى الحاكم في المستدرك من رواية مسلم الملائي قال: "نبئ النبي -ﷺ- يوم الاثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء"، وادعى الحاكم إجماع أهل التاريخ على هذا القول. قال ابن الصلاح: واستنكر هذا من الحاكم، فقد ذكر بعض أهل التاريخ كعمر بن شبة أن خالد بن سعيد بن العاص أسلم قبل عليّ، وهذا وإن كان الصحيح خلافه، ولكنه ينقص دعوى الإجماع، وقال ابن إسحاق في السيرة: أول من أسلم خديجة
[ ٥٢٨ ]
ثم عليّ بن أبي طالب وهو ينقضها أيضا١، وأنشد القضاعي لعليّ ﵁:
سبقتكم إلى الإسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي
وقال كعب بن زهير يمدح عليًّا من قصيدة له:
إن عليًّا لميمون نقيبته بالصالحات من الأعمال مشهور
صهر النبي وخير الناس مفتخرا فكل من رامه بالفخر مفخور
صلى الطهور مع الأمي أولهم قبل المعاد ورب الناس مكفور
٣- وقيل: أول من أسلم زيد بن حارثة روى ذلك معمر عن الزهري.
٤- وقيل: أول من أسلم أم المؤمنين خديجة ﵂، روي ذلك من وجوه عن الزهري، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق في السيرة، وروي عن ابن عباس، وادعى الثعلبي المفسر إجماع العلماء على ذلك وأن الاختلاف إنما هو فيمن أسلم بعد، ورواه أحمد في مسنده والطبراني عن ابن عباس، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن خديجة أول من أسلم ثم عليّ بعدها، ثم ذكر أن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم روي عن محمد بن كعب القرظبي أن عليًّا أخفي إسلامه عن أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه، ولذلك أشبه على الناس، وروى الطبراني في الكبير من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده -أي أبي رافع- قال: "صلى النبي -ﷺ- غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين من آخر النهار، وصلى عليّ يوم الثلاثاء"، قيل: المراد صلاة ركعتين بالغداة، ومثلها بالعشيّ قيل: فرضا. وقيل: نفلا أما الصلوات الخمس المفروضة، فلم تفرض إلا ليلة الإسراء والمعراج باتفاق قبيل الهجرة، وإليك مقالة ابن إسحاق في سيرته: "أول من أسلم خديجة، ثم
_________________
(١) ١ شرح مقدمة ابن الصلاح ص٢٦٦-٢٦٨، التدريب ص٢٠٨، ٢٠٩.
[ ٥٢٩ ]
عليّ، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، وكان أول ذكر أسلم، وصلى بعد عليّ بن أبي طالب، ثم أبو بكر بن أبي قحافة، فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله -ﷺ- حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام"١.
وفي الحق أن حديث الصحيحين في بدء الوحي يدل على أنها أول من آمنت به، فقد قالت للنبي لما أخبرها الخبر، وأنه خشي على نفسه: "ما كان الله ليفعل بك، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل فأخبر النبي أنه هو الناموس الذي كان ينزل على موسى وبشره بالنبوة، فكأنها لما سمعت ذلك آمنت به.
٥- وقال العراقي: ينبغي أن يقال إن أول من آمن من الرجال ورقة ابن نوفل لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة في قصة بدء الوحي ونزول صدر سورة ﴿اقْرَأْ﴾، وهو الحديث الذي أشرنا إليه آنفا، فقد قال ورقة للنبي بعد أن بشره بالنبوة: "ليتني فيها جذعا، ليتني حيا إذ يخرجك قومك، فقال النبي: "أومخرجيّ هم؟ "، قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا"، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي٢.
وقد روى أبو يعلى والبزار في مسنديهما أن النبي سئل عن ورقة فقال: "أبصرته في بطنان الجنة عليه سندس"، وفي رواية البزار: "عليه حلة من سندس"، ويظهر لي أنه لولا تقدم وفاته قبل البعثة لعده
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٤٠-٢٥٢. ٢ صحيح البخاري، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله.
[ ٥٣٠ ]
البعض أول من أسلم، وحق له ذلك قال ابن الصلاح، وتبعه النووي، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال، ويحكى هذا التوفيق بين الروايات عن الإمام أبي حنيفة، وهو توفيق حسن.
وهناك أقوال أخرى غير مشهورة منها: إن أول من أسلم خالد بن سعيد ابن العاصي، وهو قول ضعيف، ومنها: إن أول من أسلم خباب بن الأرت، ومنها: أولهم بلال، ومنها: أولهم عبد الرحمن بن عوف. والذي يظهر لي في كثرة هذه الآراء والأقوال المتغايرة أن كلا أخبر بما علم، وقد يكون عند أحدهم من العلم ما ليس عند الآخر، وقد يقول أحدهم قولا ثم يظهر له خلافه، فيرجع عنه إلى غيره، ولا ينقل عنه الرجوع، وأن اللغة العربية باب التجوز فيها واسع، فقد يقول قائل: فلان أول الناس إسلاما مثلا ويريد أنه من أولهم، أو أنه بالنسبة لمن تأخر عنه، فكن على ذكر من هذا إذا عرض لك ما يشبه هذا.
[ ٥٣١ ]
"آخر الصحابة موتا":
كما عني المحدثون بالصحابة من حيث بيان صحبتهم وعدالتهم وطبقاتهم وتفاوتهم في الفضل والمنزلة، وأولهم إسلاما، وتواريخهم وسيرهم، عنوا بهم من حيث بيان وفياتهم ومتى ماتوا؟ وأين ماتوا؟ وقد تبين لهم بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يتأخر أحد منهم عن مائة سنة من وفاته -ﷺ- مصداقا للحديث الصحيح المتفق عليه الذي ذكرناه في بحث ثبوت الصحبة فيما سبق، وستجد اختلافا كبيرا فيما ذكروه في سنوات وأماكن وفياتهم سواء أكان ذلك في الآخرية المطلقة أو في الآخرية المقيدة بالأقطار والأمصار، والبلدان، فلا يهولنك كثرة الاختلاف في هذا؛ لأن الضبط الدقيق في مثل هذا متعذر، ولأن كل واحد حدث
[ ٥٣١ ]
بما علم على حسب ما رأى أو سمع، وقد يرى أحدهما ما لا يرى الآخر، أو يسمع ما لم يسمع الآخر، وقد يكون منشأ هذا الاختلاف في الآخرية اختلافهم في موطن وفاته، فمثلا الذي عليه الجمهور أن آخر الصحابة موتا بالمدينة سهل بن سعيد قاله عليّ بن المديني والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، ولكن قتادة يرى أنه توفي بمصر فمن ثم جعل آخرهم وفاة بالمدينة جابر بن عبد الله، وقال أبو بكر بن أبي داود أنه توفي بالأسكندرية ولذلك جعل آخرهم وفاة بالمدينة السائب بن يزيد، وقد مات بالمدينة بلا خلاف أما جابر فيرى ابن أبي داود أنه مات بمكة١، وإن كان المشهور وفاته بالمدينة، وهذا مثل من أمثلة كثيرة يهون عليك كثرة هذا الاختلاف.
وآخر الصحابة موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل سنة اثنين ومائة، وقيل سبع ومائة، وقيل عشر ومائة، وهو الذي صححه الذهبي، ويؤيد هذا الأخير ما رواه وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا: "هذا أبو الطفيل" ويدل على أن أبا الطفيل آخرهم موتا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله -ﷺ، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري"، وكانت وفاته ﵁ بمكة.
قال الحافظ العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد حكى ذلك في كتابه "المعارف"، وهو كثير الغلط، ومع ذلك فالحكاية
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص٢٧١.
[ ٥٣٢ ]
بغير إسناد وهي محتملة للتأويل بأنه استكمل المائة بعد الجمل لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة وأنه أخذه من قول سهل: "لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله -ﷺ"، وإنما كان خطابه لأهل المدينة.
وأما بالنسبة إلى النواحي والمدن والأقطار فإليك آراءهم في هذا.
آخر الصحابة موتا بالمدينة: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد، وقيل: جابر بن عبد الله، والحق ما قاله العراقي: إن آخرهم موتا بالمدينة محمود بن الربيع الذي عقل من النبي مجة مجها في وجهه، وهو ابن خمس سنين كما رواه البخاري وكانت وفاته سنة تسع وتسعين.
وآخر الصحابة موتا بمكة: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة على الصحيح، وآخرهم موتا بالبصرة: أنس بن مالك مات سنة تسعين، وقيل: إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتا بالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ست وثمانين وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقال ابن المديني: أبو جحيفة. والأول أصح فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، وقد اختلف في وفاة عمرو بن حريث فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني، فهو آخرهم موتا بها، وابن أبي أوفى آخر من مات من أهل بيعة الرضوان.
وآخرهم موتا بالشام: عبد الله بن بسر المازني، قاله كثيرون، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين، وقيل: آخرهم أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول؛ لأن أقصى ما قيل في وفاته: سنة ست وثمانين، وقيل: آخرهم واثلة بن الأسقع، وموته بدمشق وقيل: ببيت المقدس
[ ٥٣٣ ]
وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين وقيل: ست.
وآخرهم بالجزيرة: العرس بن عميرة الكندي.
وآخرهم بفلسطين: أبو أبي عبد الله بن أم حرام ربيب عبادة بن الصامت مات ببيت المقدس.
وآخرهم بمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مات سنة خمس وثمانين، وقيل: وسبع، وقيل: وتسع، وكانت وفاته "بسفط القدور" وتعرف الآن "بسفط أبي تراب".
وآخرهم باليمامة الهرماس بن زياد الباهلي سنة اثنتين ومائة أو بعدها.
وآخرهم ببرقة: رويفع بن ثابت الأنصاري وقبره بها، وقيل: غير ذلك مات سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين.
وآخرهم بالبادية: سلمة بن الأكوع، قاله أبو زكريا ابن منده، والصحيح أنه نزل المدينة قبل موته بليال، فمات بها سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين.
وآخرهم موتا بخراسان: أبو برزة الأسلمي غزا بخراسان ومات بها سنة أربع وستين.
وآخرهم بسجستان: العداء بن خالد بن هوذة، وآخرهم بأصبهان النابغة الجعدي، وآخرهم بالطائف عبد الله بن عباس وقبره بها مشهور، وآخرهم بسمرقند قثم بن العباس ﵃ وأرضاهم أجمعين١.
"لطائف وعجائب": منها ما ذكره العلماء في هذا الباب من أنه لا يعرف أب وابنه شهدا بدرا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص٢٧٠-٢٧١، والتدريب ص٢٠٩-٢١١.
[ ٥٣٤ ]
الغنوي وأعجب من هذا ما ذكره السيوطي أن الأخنس السلمي شهد هو وابنه يزيد وابن ابنه معين بدرا مسلمين، وأنه لا يعرف سبعة إخوة شهدوا بدرا مسلمين إلا بنو عفراء: معاذ، ومعوذ، وإياس، وخالد، وعاقل، وعامر، وعوف، ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، ومن عجيب ذلك: امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرا: أخوان وعم مع المسلمين وأخوان وعم مع المشركين، وهي أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شبية بن ربيعة، ومن المفاخر ما قاله ابن الصلاح: بنو مقرن المزنيون: سبعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي -ﷺ- ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم، وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، والسبعة هم: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وسابع لم يسم لنا، وقد استدرك عليه العراقي، فقال: إنه قد سمى لنا سابع وثامن وتاسع وهم: نعيم بن مقرن، وضرار بن مقرن، وعبد الله بن مقرن، وذكر بعض مآثرهم ومفاخرهم، بل قال الطبري: إنهم كانوا عشرة إخوة، وكذلك استدرك عليه العراقي بأنهم لم ينفردوا بهذه المآثر الخالدة، وأنهم شاركهم فيها أولاد الحارث بن قيس السهمي كلهم هاجر وصحب النبي -ﷺ، وعدهم ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة سبعة، وقد تتبعهم العراقي فوجدهم تسعة، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس أولاد الحارث بن قيس السهمي، ثم قال: فهؤلاء تسعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي -ﷺ- وهم أشرف نسبا في الجاهلية والإسلام، وزادوا على بقية الإخوة بأن استشهد منهم سبعة في سبيل الله فقتل تميم، والحارث، والحجاج بأجنادين وقتل سعد يوم اليرموك، وقتل السائب يوم فحل، وقيل: يوم الطائف، وقتل عبد الله يوم الطائف وقيل:
[ ٥٣٥ ]
باليمامة، وقتل أبو قيس يوم اليمامة١.
ومن اللطائف والمفاخر ما قالوا: لم يعرف أربعة أدركوا النبي -ﷺ- متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃، وقال شيخ الإسلام ابن حجر: "وقد ذكرنا أن أسامة ولد له في حياة النبي -ﷺ- فعلى هذا يكون كذلك إذ حارثة والد زيد صحابي كما جزم به المنذري في مختصر مسلم، وحديث إسلامه في مستدرك الحاكم، وكذا زيد وأسامة.
وكذا إياس بن سلمة بن عمرو بن الأكوع؛ الأربعة ذكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن خالد بن العباس بن مرداس في أمثلة أخرى لا تصح، وقال السيوطي: ليس في الصحابة من اسمه "عبد الرحيم" ولا من التابعين ولا من اسمه "إسماعيل" من وجه يصح إلا واحد بصري روى عنه أبو بكر بن عمارة حديث: "لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص٢٩٧-٢٩٩.
[ ٥٣٦ ]
"المؤلفون في الصحابة":
لقد ألف كثيرون من الأئمة في الصحابة وسيرهم، وما يتعلق بهم منهم من ألف فيهم من غيرهم من التابعين وتابعيهم، ومنهم من ألف فيهم على سبيل الاستقلال.
فممن ألف فيهم مع غيرهم جماعة منهم:
١- الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري الحافظ نزيل بغداد المعروف بكاتب الواقدي صحبه زمانًا
[ ٥٣٦ ]
وكتب له فعرف به، المتوفى ببغداد سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين له كتاب "الطبقات الكبرى" جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد وأحسن، وكتابه طبع في "ليدن"، ثم طبع في مصر.
٢- الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري١ البصري المعروف بشباب أحد شيوخ البخاري صاحب التاريخ الحسن وغيره، المتوفى سنة ثلاثين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين.
٣- الإمام أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو من أقران الإمام البخاري.
٤- يعقوب بن سفيان بن جوان -بفتح الجيم، والواو المثقلة آخره نون- الفارسي الفسوي٢ الإمام الحافظ المصنف المكثر صاحب التاريخ الكبير المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين، وهو من أقران البخاري.
وممن ألف في تاريخ الصحابة وسيرهم على سبيل الاستقلال.
٥- الإمام أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن نجيم السعدي مولاهم المديني حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو أحد شيوخ البخاري وكتابه هو "كتاب معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" في خمسة أجزاء لطيفة.
٦- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين، وقد اعتبره الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة" أول من عرفه صنف في ذلك ومراده -والله أعلم- على سبيل الاستقلال، وإلا فقد سبقه من هم من شيوخه أو من طبقة شيوخه
_________________
(١) ١ نسبة إلى العصفر -بضم العين، والفاء- ما يصبغ به. ٢ نسبة إلى "فسا" مدينة بفارس.
[ ٥٣٧ ]
أو أقرانه ولكن لا على سبيل الاستقلال، أفرد في ذلك تصنيفا فنقل عنه أبو القاسم البغوي وغيره.
٧- الإمام أبو القاسم البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي الأصل البغدادي الحافظ الكبير مسند العالم، المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
٨- الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني صاحب السنن الحافظ ابن الحافظ، المتوفى سنة ست عشر وثلاثمائة.
٩- الإمام أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، له كتاب "معرفة الصحابة".
١٠- الإمام أبو عليّ ابن السكن البغدادي المصري نزيل مصر، المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
١١- الإمام أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم البغدادي الحافظ المصنف القاضي المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
١٢- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، المتوفى سنة خمس أو ست وتسعين وثلاثمائة وله في الصحابة كتاب كبير جليل قال ابن عساكر: "وله فيه أوهام كثيرة" وقد ذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني ذيلا كبيرا.
١٣- الإمام أبو نعيم أحمد بن علي الأصبهاني، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة، وله كتاب "معرفة الصحابة" في ثلاث مجلدات.
١٤- الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وله كتاب مختصر في مجلد في "معرفة الصحابة".
١٥- الإمام أبو عمر بن عبد البر النميري القرطبي المالكي، المتوفى
[ ٥٣٨ ]
سنة ثلاث وستين وأربعمائة وسمى كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك فقد فاته شيء كثير ومجموع التراجم التي ذكرها ثلاثة آلاف وخمسمائة ترجمة.
١٦- وقد ذيل عليه أبو بكر بن فتحون، المتوفى سنة سبع عشرة أو تسع عشرة وخمسمائة ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة آخرون في تصانيف لطيفة.
قال الحافظ ابن حجر: "وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا".
١٧- وفي أوائل القرن السابع الهجري ألف الحافظ عز الدين بن الأثير الجزري صاحب كتاب "الكامل" في التاريخ، المتوفى سنة ثلاثين وستمائة "٦٣٠" كتابا سماه: "أسد الغابة"١ جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، وقد اشتمل على سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيا.
١٨- ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الإمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة في كتاب سماه "تجريد أسماء الصحابة"، وعلم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
١٩- ثم جاء الإمام الحافظ ابن حجر، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، فألف كتابه القيم "الإصابة في تمييز الصحابة"، وهو أكثرها جمعا وتحريرا وتحقيقا، وإن كانت بعض التراجم فيه مختصرة، وهو في ثمانية مجلدات، وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه: أنه مكث في تأليفه نحو الأربعين سنة، وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات ﵀ ورضي عنه
_________________
(١) ١ أسد: بضم الهمزة وسكون السين المهملة جمع أسد بفتحهما، والغابة بالباء الموحدة لا بالياء المثناة.
[ ٥٣٩ ]
وقد طبع في أربعة مجلدات كبار ومجموع التراجم التي في "الإصابة" تسع وسبعون ومائتان واثنا عشر ألفا بما في ذلك المكرر، للاختلاف في اسم الصحابي، أو شهرته، بكنية أو لقب أو نحو ذلك وقد رتب فيه الصحابة على أربعة أقسام:
١- فيمن وردت صحبته بطريقة الرواية عنه أو عن غيره سواء أكانت الطريقة صحيحة أم حسنة أم ضعيفة.
٢- فيمن ذكر في الصحابة من التمييز.
٣- فيمن ذكر في الصحابة من المخضرمين في الكتب المذكورة.
٤- فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط١.
_________________
(١) ١ الإصابة ج١ ص٣٠٢ "الرسالة المستطرفة" ص٩٥، ٩٦، وتدريب الراوي ص٣٩٥.
[ ٥٤٠ ]
التابعون ﵃
مدخل
"التابعون ﵃":
وهذا المبحث والذي قبله وهو بحث الصحابة، معرفتها من الأهمية بمكان، وهما أصلان عظيمان بها يعرف المتصل من المرسل عند رفع الحديث، والموقوف من المقطوع عند عدم رفعه ومفرد التابعين تابعي، وتابع.
وأما تعريف التابعين فقد اختلف فيه العلماء:
فقال الحاكم أبو عبد الله، هو من لقي الصحابي، وإن لم يصحب أي لم تطل صحبته له قال ابن الصلاح: وهو أقرب يعني من تعريف غيره كالخطيب، وقال النووي: وهو الأظهر.
وقال الخطيب: هو من صحب صحابيا، ولا يكتفى فيه بمجرد اللقي يعني بل لا بد من طول الصحبة والرواية عنه، بخلاف الصحابي فإنه يكتفى فيه بمجرد اللقاء.
والسر في هذه التفرقة شرف منزلة النبي -ﷺ- وقوة تأثيره فيمن
[ ٥٤٠ ]
يلقاه، فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي، والانشراح الصدري، واستقامة السلوك أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار.
وقال الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة": هو من لقي الصحابي كذلك ومراده من لقي الصحابي وهو مؤمن بالنبي -ﷺ- سواء قصر اللقاء أم طال، فمن لقي الصحابي أو طالت صحبته له وهو ليس بمؤمن بالنبي فلا يعتبر صحابيا، وهذا التعريف يؤيد ما قاله الحاكم.
وهذا الذي ذكره الحاكم، ووافقه عليه الحافظ ابن حجر هو ما عليه عمل الأكثرين من علماء الحديث كما قال العراقي في تعليقاته على "علوم الحديث" لابن الصلاح.
وقد أشار النبي -ﷺ- إلى فضل الصحابة والتابعين والاكتفاء فيهم بالرؤية بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" الحديث فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
قال السيوطي في "تدريبه"١ قال ابن الصلاح: مطلق التابعي مخصوص بالتابعين بإحسان، وقد عقب العراقي فقال: "إن أراد بالإحسان الإسلام فواضح إلا أن الإحسان أمر زائد عليه٢، فإن أراد به الكمال في الإسلام والعدالة، فلم أر من اشترط ذلك في حد التابعين، بل من صنف في الطبقات أدخل فيهم الثقات وغيرهم.
أقول: والذي يظهر لي أن مراد ابن الصلاح التابعي الذي وردت في فضله الأحاديث الصحاح والحسان والمستحق لهذا الفضل، أما من لم يستقم على الإسلام الكامل، وأساء إلى الإسلام والمسلمين، فهو بمعزل عن أن يكون من التابعين بإحسان، وذلك كالحجاج بن يوسف الثقفي، وعمرو
_________________
(١) ١ ص٤١٧ ط المحققة. ٢ وهو ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث سؤال جبريل ﵇ له -ﷺ: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" متفق عليه.
[ ٥٤١ ]
بن سعيد الذي كان يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، فقد أساء إلى الحرم وإلى الكعبة وإلى أهل الحرم، فابن الصلاح على حق في هذا التعبير والله أعلم.
[ ٥٤٢ ]
"طبقات التابعين":
من نظر إلى التابعين على أنهم الذين لقوا الصحابة جعلهم طبقة١ واحدة كما فعل ابن حبان، ومن نظر إلى تفاوتهم في الفضل جعلهم طبقات، فجعلهم مسلم بن الحجاج ثلاث طبقات، وجعلهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات" أربع طبقات، وأما الحاكم فقد جعلهم خمس عشرة طبقة.
١- فأعلى هذه الطبقات من روى عن العشرة المبشرين بالجنة وذكر منهم: سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد٢، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حصين بن٣ المنذر وغيرهم.
قال ابن الصلاح: "وعليه في بعض هؤلاء إنكار فإن سعيد بن المسيب ليس بهذه المثابة؛ لأنه ولد في خلافة عمر ولم يسمع من أكثر العشرة".
وقال العلامة ابن كثير٤: وعليه في هذا الكلام دخل٥ كثير، فقد قيل: إنه لم يرو عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم قال ابن خراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع٦ من عبد الرحمن بن عوف والله أعلم.
_________________
(١) ١ الطبقة في اصطلاح العلماء: الجماعة الذين تقاربوا في السن، واشتركوا في الأخذ عن الشيوخ. ٢ بضم العين، وفتح الباء المخففة. ٣ حصين بضم الحاء المهملة وفتح الضاد على صيغة المصغر. ٤ اختصار علوم الحديث ص١٩٢. ٥ بفتح الدال المهملة والخاء المعجمة: فساد. ٦ يعني قيس.
[ ٥٤٢ ]
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق قولا واحدا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل لم يسمع -يعني سعيد- من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان -أي سعد- آخرهم وفاة والله أعلم.
٢- ومن هؤلاء التابعين من ولدوا في حياة النبي -ﷺ- من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبو إدريس الخولاني، قال البلقيني: والأولى أن يجعل هؤلاء قبل القسم الأول إذ كيف يجعل من ولد في حياة رسول الله يلي من ولد بعده؟
قال ابن كثير: أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله -ﷺ- فحنكه وبرك عليه، وسماه عبد الله، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة لمجرد الرؤية، ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد له عند الشجرة١ وقت الإحرام بحجة الوداع فلم يدرك من حياته -ﷺ- إلا مائة يوم، ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي -ﷺ- ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم٢.
وقد ذكر الحاكم النعمان، وسويد ابني مقرن٣ من التابعين، وهو وهم منه، وهما صحابيان ولم يختلف في صحبتهما أحد.
٣- المخضرمون: وهم الذين أدركوا الجاهلية زمن النبي -ﷺ،
_________________
(١) ١ يعني التي بذي الحليفة ميقات أهل المدينة للحج والعمرة، وتسمى الآن "أبيار علي". ٢ ص١٩٢، ١٩٣. ٣ سويد بضم السين وفتح الواو، وسكون الياء، ومقرن: بضم الميم وفتح القاف، وكسر الراء المشدودة.
[ ٥٤٣ ]
وأسلموا ولم يروه، ولا صحبة لهم، وهذا مصطلح أهل الحديث١.
وقد اختلف في ضبط "مخضرم" فقيل بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من خضرم مأخوذ من الخضرمة بمعنى القطع؛ لأنهم خضرموا أي قطعوا عن نظرائهم الذين أدركوا الصحبة وغيرها، وقيل: مخضرم: بضم الميم وكسر الراء اسم فاعل؛ لأن الواحد منهم كان إذا أسلم خضرم أذن ناقته أي قطعها علامة على إسلامه فيكون في أمن بذلك، وقيل في الخضرمة غير ذلك٢.
وقد عدهم الإمام مسلم نحو عشرين نفسا منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة٣، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي٤، وعبد خير الخيواني٥، وربيعة بن زرارة٦ قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب٧ وزاد ابن كثير: وعبد الله بن عكيم٨، والأحنف بن قيس وقد ذكر العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح أنهم أكثر من ذلك، فزاد على ما لم يذكره مسلم وابن الصلاح نحوا من عشرين شخصا٩، وقد سرد أسماء هؤلاء وأولئك صاحب "التدريب"١٠.
أفضل التابعين: وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟
_________________
(١) ١ وأما مصطلح أهل اللغة فالمخضرم هو الذي عاش نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام سواء أدرك الصحابة أم لا. ٢ انظر ما ذكره العراقي في تعليقاته على علوم الحديث لابن الصلاح. ٣ بفتح الغين المعجمة والفاء، واللام. ٤ الحلال: بفتح الحاء المهملة، وتخفيف اللام، والعتكي: بفتح العين المهملة والتاء المثناة. ٥ بفتح الخاء المعجمة وإسكان الياء المثناة من تحت. ٦ زرارة بضم الزاي، وربيعة هذا هو أبو الحلال العتكي السابق ذكره، وقد وهم المؤلف في جعل الاسم والكنية لشخصين مختلفين، وقد ذكره السيوطي في التدريب على الصواب. ٧ بضم الثاء المثلثة وفتح الواو. ٨ بضم العين المهملة وفتح الكاف. ٩ في شرحه على مقدمة ابن الصلاح. ١٠ ص٤٢٠، ٤٢١.
[ ٥٤٤ ]
فالمشهور أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره، وقال أهل البصرة: الحسن البصري. وقال أهل الكوفة: علقمة بن قيس، والأسود، وقال بعضهم: أويسا القرني١، وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
قال العراقي: الصحيح بل الصواب ما ذهب إليه بعض أهل الكوفة لما روى مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وله والدة وكان به بياض فمروه أن يستغفر لكم"، وفي الرواية الأخرى أن الفاروق عمر صار يسأل عنه حتى لقيه، فقال له: أنت من مراد، ثم من قرن؟ قال: "نعم"، وفيها: "إن له والدة هو بار بها لو أقسم على الله لأبره"، فطلب منه عمر أن يستغفر له، فاستغفر له، فقال له أين تريد: قال: الكوفة، فقال له: أكتب لك إلى عاملها قال: لا، أكون في غبراء الناس وعامتهم"٢.
قال العراقي: فهذا قاطع للنزاع قال: وأما تفضيل أحمد لابن المسيب فلعله لم يبلغه الحديث أو أراد بالأفضلية في العلم لا الخيرية وقال البلقيني: والأحسن أنه يقال: "الأفضل من حيث الزهد والورع أويس، ومن حيث حفظ الخبر والأثر سعيد"، وقال أحمد: ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن وعطاء، وكان عطاء مفتي مكة، والحسن مفتي البصرة"، وهذا الذي ذكره البلقيني هو ما أذهب إليه.
_________________
(١) ١ بفتح القاف والراء بطن من مراد. ٢ صحيح مسلم -كتاب الفضائل- باب فضل أويس القرني.
[ ٥٤٥ ]
"سيدات النساء التابعيات":
وسيدات النساء التابعيات:
١- حفصة بنت سرين، وهي أخت التابعي الجليل محمد بن سيرين.
٢- وعمرة بنت عبد الرحمن.
٣- وتليهما أم الدرداء الصغرى واسمها هجيمة، وقيل جهمية، وليست
[ ٥٤٥ ]
كهُما -يعني كالاثنتين السابقتين- أما أم الدرداء الكبرى فصحابية.
وقال إياس بن معاوية: "ما أدركت أحدًا فضله على حفصه" يعني بنت سيرين، فقيل له: الحسن وابن سيرين؟ قال: "أما أنا فما أفضل عليها أحدًا".
"الفقهاء السبعة":
ومن أكابر التابعين وأعلمهم الفقهاء السبعة بالمدينة، وهم:
١- سعيد بن المسيب.
٢- والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
٣- وعروة بن الزبير.
٤- وخارجة بن زيد.
٥- وسليمان بن يسار.
٦- وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
٧- وقد اختلفوا في السابع، فقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
[ ٥٤٦ ]
"جماعة عدوا من التابعين وليسوا منهم":
بل هم من أتباع التابعين كإبراهيم بن سويد النخعي لم يدرك أحدًا من الصحابة، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور وبكير بن أبي السميط -بفتح السين وكسر الميم- لم يصح له عن أنس رواية، إنما أسقط قتادة من الوسط.
ووقع لقوم عكس ذلك فعدوا طبقة من التابعين في أتباع التابعين لكون الغالب عليهم روايتهم عنهم: كأبي الزناد: عبد الله بن ذكوان لقي ابن عمر وأنسًا.
[ ٥٤٦ ]
"قوم من الصحابة عدوا من التابعين وبالعكس":
إما غلطًا كالنعمان وسويد ابني مقرن عدهما الحاكم في الإخوة من التابعين، وهما صحابيان معروفان، أو لكون ذلك الصحابي من صغار الصحابة يقارب التابعين في كون روايته أو غالبها عن الصحابة، كما عد مسلم من التابعين يوسف بن عبد الله بن سلام، ومحمود بن لبيد، ووقع
[ ٥٤٦ ]
عكس ذلك فعدوا بعض التابعين من الصحابة، وكثيرا ما يقع ذلك لمن يرسل كما عد محمد بن الربيع الجيزي عبد الرحمن بن غنم١ الأشعري ممن دخل مصر من الصحابة، وليس منهم على الأرجح، فليتفطن لذلك وأمثاله.
_________________
(١) ١ غنم: بفتح الغين وسكون النون قال الحافظ مختلف في صحبته وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين مات سنة ثمان وسبعين.
[ ٥٤٧ ]
"آخر التابعين":
قال الحاكم في شأن التابعين: وهم خمس عشرة طبقة.
"آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل المدينة، وعبد الله بن الحارث بن جزء من أهل الحجاز، وأبا أمامة الباهلي من أهل الشام، فلم يعد من الطبقات سوى الثلاثة الأولى والأخيرة.
وأما صاحب الطبقات محمد بن سعد، فقد قسم التابعين إلى أقسام باعتبار منازلهم: كوفيين، وبصريين، وشاميين، ومكيين، ومدنيين، وعراقيين، ويمنيين، ومصريين، ومن نزل اليمامة، ومن نزل البحرين، وغير ذلك، وقد جعل كل قسم من هذه الأقسام إما طبقة واحدة كمن نزل اليمامة واليمن، وإما طبقات متعددة كالكوفيين، والبصريين، والشاميين، والمصريين، ومن أراد معرفة ذلك بالتفصيل فليرجع إلى كتاب الطبقات ففيه ما يشفي ويكفي.
[ ٥٤٧ ]
"اتباع التابعين":
وهم من صحبوا التابعين وإن لم تطل صحبتهم لهم.
ومن هؤلاء الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، والإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي نسبة إلى جده شافع المطلبي المكي نزيل مصر، وليس في الأئمة الأربعة المشهورين المتبوعين من هو من
[ ٥٤٧ ]
التابعين إلا الإمام أبو حنيفة ﵀، فقد صح أنه لقي أنس بن مالك وإن لم يسمع منه.
وفي عصر أتباع التابعين كثر تدوين الحديث كما كثر تدوين غيره من العلوم أثناء المائة الثانية، وكان التدوين في أول أمره؛ تدون الأحاديث في الباب الواحد، ثم جمعت الأحاديث على الأبواب، وذلك كما صنع الإمام الجليل مالك في "الموطأ".
وعلى رأس الماء الثانية أفرد حديث رسول الله -ﷺ- عن غيره، فألفت المسانيد، وقد سبق التعريف بها وبيان طريقتها.
وفي عصر أتباع التابعين ظهر علماء كثيرون لا يحصيهم العد في جمع الأحاديث والسنن، وفي التعديل والتجريح، وفي هذا العصر كان أول جمع للحديث الصحيح على حده على يدي البخاري ومسلم، وبذلك خطا التدوين في الحديث خطوة مباركة، ولم ينته القرن الرابع حتى كان تم جمع السنن والأحاديث كلها، فلله الحمد والمنه.
ومن أتباع التابعين العلماء: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج، وغيرهم، ومن فوائد معرفة الطبقات الوقوف على تدليس المدلسين ومعرفة حقيقة العنعنة اتصالا وانقطاعا.
ومما ينبغي أن يعلم أن ما عدا الصحابة من التابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم محل التعديل والتجريح وأول التابعين موتا معمر بن يزيد قتل بخراسان، وآخرهم موتا خلف بن خليفة سنة ثمانين ومائة.
[ ٥٤٨ ]
"رواية الأكابر عن الأصاغر":
قد يروي الكبير القدر، أو السن، أو هما معا عمن دونه في كل منهما أو فيهما الأصل في هذا الباب ما ذكره رسول الله -ﷺ- في خطبته عن تميم الداري الصحابي العابد الناسك العالم مما أخبر به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في قصة الجساسة١.
وروايته عن مالك بن مزرد، وقيل: ابن مرارة، وقيل ابن مرة الرهاوي فيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن سيف بن ذي يزن: "أن النبي -ﷺ- كتب إليه كتابا، وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين، فأبشر بخير " الحديث.
وكذا ما ثبت في صحيح البخاري من رواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك بن يخامر٢ عن معاذ، وهو قوله: "وهم بالشام" في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، رواه الشيخان.
فائدة معرفة هذا: من فائدة معرفة هذا النوع أن لا يتوهم أن المروي عنه أكبر وأفضل لكونه الأغلب في ذلك تنزيلا لأهل العلم منازلهم وفي مقدمة صحيح مسلم تعليقا بصيغة التمريض أي التضعيف قال: وذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن ننزل الناس منازلهم"، ورواه أبو داود في "سننه" وفي سنده انقطاع.
أقسامه: وينقسم إلى أقسام ثلاثة:
الأول: أن يكون الراوي أكبر سنا وأقدم طبقة من المروي عنه كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في روايتهما عن مالك بن أنس، وكالأزهري أبي القاسم عبيد الله بن أحمد في روايته عن تلميذه الخطيب البغدادي، وهو إذ ذاك شاب.
الثاني: أن يكون الراوي أكبر قدرا لا سنا كحافظ عالم روى عن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم -كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب قصة الجساسة. ٢ ومعاوية صحابي، ومالك بن يخامر تابعي كبير، وقد عده بعضهم في الصحابة ولم يثبت له ذلك.
[ ٥٤٩ ]
شيخ ممن لا علم عنده مثل مالك في روايته عن عبد الله بن دينار، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في روايتهما عن عبيد الله بن موسى العبسي.
الثالث: أن يكون الراوي أكبر من المروي عنه من الوجهين معا مثل عبد الغني بن سعيد الحافظ في روايته عن محمد بن علي الصوري تلميذه، وكالبرقاني في روايته عن الخطيب البغدادي، وكالخطيب في روايته عن ابن ماكولا١.
ومن هذا القسم الثالث من رواية الأكابر عن الأصاغر رواية الصحابة عن التابعين كالعبادلة وغيرهم من الصحابة كأبي هريرة ومعاوية، وأنس في روايتهم عن كعب الأحبار.
ومنه أيضا رواية التابعي عن تابع التابعي كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وكعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ليس تابعيا، وروى عنه منهم أي التابعين أكثر من عشرين نفسا فيما جمعهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في جزء له، بلغ بهم تسعة وثلاثين، وقيل أكثر من سبعين قاله الحافظ أبو الفضل الطبسي٢، وعدهم الحافظ أبو الفضل العراقي فبلغ بهم نيفا وخمسين، وذكرهم عنه صاحب التدريب٣.
وما جزم به ابن الصلاح وتبعه النووي من كون عمرو بن شعيب ليس تابعيا تبع فيه الحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا بكر النقاش المفسر٤ رده الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح على علوم ابن
_________________
(١) ١ هو الأمير أبو نصر عليّ بن الوزير أبي القاسم هبة الله بن عليّ بن جعفر البغدادي المعروف بابن ماكولا، وهو اسم أعجمي قال ابن خلكان: لا أعرف معناه توفي سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وقيل: سنة ست وثمانين أو سبع أو تسع وثمانين. ٢ نسبة إلى طبس وهي بين نيسابور، وأصبهان، وكرمان، وكانت وفاته في حدود سنة ثمانين وأربعمائة. ٣ ص٤٢٥. ٤ وهو ضعيف.
[ ٥٥٠ ]
الصلاح"١، وقبله المزي الحافظ الكبير، وقال: قد سمع من غير واحد من الصحابة منهم زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وهما صحابيتان.
_________________
(١) ١ علوم الحديث بشرحه للعراقي ص٣٣١، ٣٣٢.
[ ٥٥١ ]
المدبج وراية القرين عن القرين
"المدبج ورواية القرين عن القرين":
القرينان: هما المتقاربان في السن والإسناد، وربما اكتفى الحاكم بالتقارب في الإسناد، وإن لم يتقاربا في السن.
ومن فوائد معرفة هذا النوع: أن لا يظن الزيادة في الإسناد، أو إبدال "عن" "بالواو".
فإن روى كل واحد من القرينين عن صاحبه كعائشة، وأبي هريرة في الصحابة والزهري وأبي الزبير في الأتباع، ومالك والأوزاعي في أتباع الأتباع فهو المدبج -بضم الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحدة لمفتوحة وآخره جيم- وهو اسم مفعول من دبج.
قال العراقي: وأول من سماه بذلك -فيما أعلم- الدارقطني قال: إلا أنه لم يقيده بكونهما قرينين، بل كل اثنين روى كل منهما عن الآخر يسمى بذلك، وإن كان أحدهما أكبر وذكر منه رواية النبي -ﷺ- عن أبي بكر، وعمر، وسعد بن عبادة، وروايتهم عنه، ورواية الفاروق عمر عن كعب الأحبار، ورواية كعب عنه وبذلك يندفع اعتراض ابن الصلاح على الحاكم في ذكره في هذا رواية أحمد عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق عنه؛ لأنه ماشٍ على ما قاله شيخه ونقله عنه، وهو الدارقطني.
وجه التسمية بالمدبج: قال العراقي: لم أر من تعرض لها، قال: إلا أن الظاهر أنه سمي به لحسنه؛ لأنه لغة: المزين، والرواية كذلك إنما
[ ٥٥١ ]
تقع لنكتة يعدل فيها عن العلو إلى المساواة أو النزول فيحصل للإسناد بذلك تزيين.
قال: يحتمل أن يكون سمي بذلك لنزول الإسناد فيكون ذما، من قولهم رجل مدبج: قبيح الوجه والهامة حكاه صاحب المحكم قال: وفيه بعد والظاهر الأول.
قال: ويحتمل أن يقال: إن القرينين الواقعين في المدبج في طبقة واحدة بمنزلة واحدة شبها بالخدين، إذ يقال لهما: الديباجتان كما قال الإمام الجوهري اللغوي وغيره.
قال: وهذا لمعنى متوجه على ما قاله ابن الصلاح والحاكم: إن المدبج مختص بالقرينين أقول وهذا المعنى هو الذي جزم به الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة" حيث قال: "والتدبيج مأخوذ من ديباجتي الوجه، فيقتضي أن يكون ذلك مستويا من الجانبين فلا يجيء فيه هذا"١.
أما رواية القرين عن قرينة من غير أن يعلم رواية الآخر عنه فلا يسمى مدبجا كرواية زائدة بن قدامة عن زهير بن معاوية، ولا يعلم لزهير رواية عنه، وأما تمثيل ابن الصلاح برواية التميم عن مسعر وقوله: ولا يعلم لمسعر رواية عنه فاعترض العراقي بأنه أيضا روى عنه فيما ذكره الدارقطني في "المدبج" وتمثيل الحاكم أبي عبد الله برواية يزيد بن الهاد عن إبراهيم بن سعد، وسليمان بن طرخان عن رقبة بن مصقلة٢ وقوله: لا أعلم لابن سعد ورقبة رواية عن يزيد وسليمان اعترض عليه العراقي في "التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح"
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ص٤٢٧، ٤٢٨، ونزهة النظر ص٦٠ ط العاصمة، علوم الحديث بشرح العراقي من ص٣٣٣-٣٣٦. ٢ رقبة: بفتح الراء والقاف الباء، ومصقلة: بفتح الميم وسكون الصاد وفتح القاف، وقد تبدل الصاد سنا.
[ ٥٥٢ ]
بوجودهما، فرواية ابن سعد عن يزيد في صحيح مسلم والنسائي، ورواية رقبة عن سليمان في "المدبج" للدارقطني.
لطيفة: قد يجتمع جماعة من الأقران في حديث كما روى أحمد بن حنبل عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن يحيى بن معين، عن علي بن المديني، عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن سعيد عن أبي بكر بن حفص عن أبي سلمة عن عائشة قال: "كان أزواج النبي -ﷺ- يأخذن من شعورهن حتى يكون كالوفرة"١ فأحمد والأربعة فوق خمستهم أقران، ومن المدبج أيضا نوع مقلوب في تدبيجه، وليس فيه شيء من الضعف الذي في نوع المقلوب، ومثال هذا النوع عجيب مستطرف وهو: رواية مالك بن أنس عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن جريج وروى أيضا عبد الملك عن الثوري عن مالك، فهذا إسناد كان على صورة، ثم جاء في رواية أخرى مقلوبا.
_________________
(١) ١ الوفرة ما جاوز شحمة الأذن.
[ ٥٥٣ ]
"معرفة الإخوة والأخوات من الرواة":
وقد أفرده بالتأليف علي بن المديني، ثم النسائي، ثم أبو العباس السراج١ وغيرهم كمسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستاني.
ومن فوائده: أنه لا يظن من ليس بأخ أخا عند الاشتراك في اسم الأب مثال الأخوين في الصحابة: عمر وزيد ابنا الخطاب، وهذا المثال زيادة على ما ذكره ابن الصلاح وعبد الله، وعتبة ابنا مسعود، وزيد ويزيد ابنا ثابت، وعمرو وهشام ابنا العاص.
ومن التابعين: عمرو، وأرقم ابنا شرحبيل كلاهما من أفاضل أصحاب ابن مسعود ثم قال ابن الصلاح: هزيل بن شرحبيل وأرقم أخوان آخران
_________________
(١) ١ السراج: بفتح السين والراء المشددة، نسبة لعمل السروج وهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي مولاهم محدث عصره بنيسابور روى عنه الشيخان وتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
[ ٥٥٣ ]
من أصحابه أيضا وقد اعترض العراقي في "تعليقاته على مقدمة ابن الصلاح" بأن جعل أرقم اثنين: أحدهما أخو عمرو، والآخر أخو هزيل. ليس بصحيح، وأرقم بن شرحبيل واحد، وإنما اختلف كلام التاريخيين والنسابين هل الثلاثة إخوة، وهم: عمرو بن شرحبيل، وأرقم بن شرحبيل، وهزيل بن شرحبيل، أو أن أرقم وهزيلا أخوان، وليس عمرو أخالهما، فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى الأول، قال: هم ثلاثة إخوة.
والصحيح الذي عليه الجمهور أن أرقم وهزيلا أخوان فقط، وهو الذي اقتصر عليه البخاري في "التاريخ الكبير" وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وحكاه عن أبيه أبي حاتم، وعن أبي زرعة، وكذلك ابن حبان في "الثقات"، واقتصر عليه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" في النوع السادس والثلاثين، وكذلك اقتصر المزي في "تهذيب الكمال" على أن أرقم وهزيلا أخوان، ذكر ذلك في ترجمة أرقم، وترجمة هزيل، ولم يتعرض في ترجمة عمرو لشيء من ذلك.
وما ذكره ابن عبد البر من كونهم ثلاثة أخوة ليس بجيد، فإن عمرو بن شرحبيل همداني، وهزيل، وأخوه أرقم أوديان١ ولا تجتمع همدان الكبرى ولا همدان الصغرى مع أود.
قال العراقي: فما ذكره ابن الصلاح لا يتأتى على قول الجمهور، ولا قول ابن عبد البر، وكذا ما صنعه النووي في "تقريبه" وإن حذف هزيلا، لأنه على قول ابن عبد البر يعد في الثلاثة لا في الأخوين٢.
ومثاله في الثلاثة في الصحابة: عليّ، وجعفر، وعقيل بنو أبي طالب، وهذا المثال زيادة على ما ذكره ابن الصلاح، وسهل، وعثمان، وعباد،
_________________
(١) ١ ينسبان إلى أود -بفتح الهمزة وسكون الواو- وهو أود بن صعب بن سعد العشيرة من مذجح. ٢ علوم الحديث بشرح العراقي ص٣٣٧، ٣٤٨ ط العاصمة.
[ ٥٥٤ ]
بفتح العين، وفتح الباء المشددة، بنو حنيف.
وفي غير الصحابة في التابعين: أبان، وسعيد، وعمرو أولاد عثمان رضي الله تعالى عنهم وبعدهم عمرو -بفتح العين- وعمر -بضم العين- وشعيب بنو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
ومثاله في الأربعة من الصحابة: عبد الرحمن، ومحمد، وعائشة، وأسماء أولاد أبي بكر الصديق ﵃.
وفي التابعين: عروة، وحمزة، ويعقوب، والعفار أولاد المغيرة بن شعبة وبعدهم سهيل، وعبد الله، ومحمد وصالح بنو أبي صالح السمان.
وأما قول ابن عدي: إنه ليس في ولد أبي صالح محمد، وإنما هم سهيل، ويحيى، وعباد، وعبد الله، وصالح فوهم كما قال العراقي حيث أبدل محمدا بيحيى وجعل عبادا، وعبد الله اثنين، وإنما هو لقبه.
ومثاله في الخمسة: قال السيوطي: لم أقف عليه في الصحابة.
وفي التابعين: موسى، وعيسى، ويحيى، وعمران، وعائشة أولاد طلحة بن عبيد الله.
وبعدهم: سفيان، وآدم، وعمران، ومحمد، وإبراهيم بنو عيينة، حدثوا كلهم، وأجلهم سفيان وقيل: إنهم عشرة إلا أن الخمسة الآخرين لم يحدثوا وسمى منهم: أحمد ومخلدا.
ومثاله في الستة: قال السيوطي: لم أقف عليه في الصحابة.
وفي التابعين: محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، وحفصة، وكريمة بنو سيرين هكذا سماهم ابن معين، والنسائي، والحاكم.
وذكر أبو عليّ الحافظ شيخ الحاكم خالدا بدل كريمة، وزاد ابن سعد: فيهم: عمرة وسودة قال العراقي: ولا رواية لهما فلا يردان.
[ ٥٥٥ ]
وفي كتاب "المعارف" لابن قتيبة: ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولدًا من أمهات أولاد وقد روى محمد بن سيرين عن أخيه يحيى، عن أخيه أنس عن مولاه أنس بن مالك حديثًا، وهو أن رسول الله -ﷺ- قال: "لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًا ورقًّا"، أخرجه الدارقطني في "العلل" من رواية هشام بن حسان عنه.
وهذه لطيفة غريبة: ثلاثة إخوة، قد روى بعضهم عن بعض في إسناد واحد، وذكر ابن طاهر أن هذا الحديث رواه محمد عن أخيه يحيى، عن أخيه سعيد، عن أخيه أنس، وهو في جزء أبي الغنائم النرسي١ فعلى هذا اجتمع أربع أخوة في إسناد واحد.
ومثاله في السبعة من الصحابة: النعمان: ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان وعبد الرحمن، وسابع لم يسم بنو مقرن" وكلهم صحابة مهاجرون لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة من كونهم سبعة هاجروا وصحبوا، وقيل: شهدوا الخندق وهذا الذي لم يسمه ابن الصلاح قد سماه ابن فتحون في "ذيل الاستيعاب" عبد الله وقد اعترض ما ذكره ابن الصلاح من كون بني مقرن سبعة، بأن ابن عبد البر زاد فيهم ضررًا، ونعيمًا، وحكى غيره أن أولاد مقرن عشرة.
وعلى هذا فالمثال الصحيح للسبعة الأخوة من الصحابة أولاد عفراء٢ وهم:
١- معاذ.
٢- ومعوذ٣.
٣- وإياس.
٤- وخالد.
_________________
(١) ١ بفتح النون وسكون الراء نسبة إلى نرس نهر من أنهار الكوفة، وأبو الغنائم هو: محمد بن عليّ بن ميمون الكوفي روى عنه أبو بكر السمعاني والد أبي سعد صاحب الأنساب، وتوفي سنة سبع وخمسمائة. ٢ هي أمهم تزوجت أولًا بالحارث بن رفاعة الأنصاري فأولادها معاذًا، ومعوذًا، ثم تزوجت بعد طلاقها له بالبكير بن عبد ياليل فأولدها إياسًا، وخالدًا، وعاقلًا، وعامرًا، ثم عادت إلى الحارث فأولدها عوفًا، فأربعة منهم أشقاء وهم بنو البكير، وثلاثة أشقاء وهم بنو الحارث، وسبعتهم شهدوا بدرًا مع رسول الله -ﷺ- ومعاذ ومعوذ اشتركَا في قتل أبي جهل، ثم احتز رأسه عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين، وأمهم عفراء بنت عبيد تعتبر من النساء المنجبات. ٣ معوذ: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة آخره ذال معجمة.
[ ٥٥٦ ]
٥- وعاقل.
٦- وعامر.
٧- وعوف.
كلهم شهدا بدرا.
ومثاله في التابعين: سالم، وعبد الله، وعبيد الله، وحمزة، وورش، وواقد وعبد الرحمن أولاد عبد الله بن عمر ﵄، وكذلك قول ابن الصلاح: لم يشاركهم أحد في الهجرة والصحبة، والعدد ذكره أيضا ابن عبد البر وجماعة.
وقد اعترض عليه بأولاد الحارث بن قيس السهمي كلهم هاجروا، وصحبوا، وهم سبعة أو تسعة:
١- بشر.
٢- وتميم.
٣- والحارث.
٤- والحجاج.
٥- والسائب.
٦- وسعيد.
٧- وعبد الله.
٨- ومعمر.
٩- وأبو قيس.
وهم أشرف نسبا في الجاهلية والإسلام من بني مقرن وزادوا عليهم بأن استشهد منهم سبعة في سبيل الله.
ومثال الثمانية في الصحابة:
١- أسماء.
٢- وحمران.
٣- وخراش.
٤- وذؤيب.
٥- وسلمة.
٦- وفضالة.
٧- ومالك.
٨- وهند.
بنو حارثة بن سعد، وشهدوا بيعة الرضوان بالحديبية، ولم يشهد البيعة أحد بعدهم.
وفي التابعين: أولاد سعد بن أبي وقاص ﵁ وهم:
١- مصعب.
٢- وعامر.
٣- ومحمد.
٤- وإبراهيم.
٥- وعمرة.
٦- ويحيى.
٧- وإسحاق.
٨- وعائشة.
ومثال التسعة في الصحابة: أولاد الحارث بن قيس السهمي المتقدمين آنفا.
ومثالهم في التابعين أولاد أبي بكر نفيع بن الحارث أحد عتقاء الله في حصار ثقيف سنة ثمان وهم:
١- عبد الله.
٢- وعبيد الله.
٣- وعبد الرحمن.
٤- وعبد العزيز.
٥- ومسلم.
٦- ورواد.
٧- ويزيد.
٨- وعتبة.
٩- وكبشة.
[ ٥٥٧ ]
ومثال العشرة في الصحابة: أولاد العباس ﵁، وهم:
١- عبد الله.
٢- وعبيد الله.
٣- وعبد الرحمن.
٤- والفضل.
٥- وقثم.
٦- ومعبد.
٧- وعون.
٨- والحارث.
٩- وكثير.
١٠- وتمام، وهو أصغرهم.
قال ابن عبد البر: لكل ولد العباس رؤية، والصحبة للفضل وعبد الله.
وفي التابعين: أولاد أنس بن مالك ﵁ الذين رووا فقط، وهم:
١- النضر.
٢- وموسى.
٣- وعبد الله.
٤- وعبيد الله.
٥- وزيد.
٦- وأبو بكر.
٧- وعمر.
٨- ومالك.
٩- وثمامة.
١٠- ومعبد.
ومثال الاثني عشر في الصحابة: أولاد عبد الله بن أبي طلحة، وهم:
١- إبراهيم.
٢- وإسحاق.
٣- وإسماعيل.
٤- وزيد.
٥- وعبد الله.
٦- وعمارة.
٧- وعمر.
٨- وعميرة.
٩- والقاسم.
١٠- ومحمد.
١١- ويعقوب.
١٢- ومعمر.
ومثال الثلاثة عشر أو الأربعة عشر: أولاد العباس بن عبد المطلب المذكور، وله أربع إناث أو ثلاث:
١- أم كلثوم.
٢- وأم حبيب.
٣- وأميمية.
٤- وأم تميم.
"هذه هي المفاخر حقا":
وما ذكر العلماء في هذا النوع يعتبر من المفاخر والمكارم التي تزري بكل مفخرة ومكرمة فليس بعد الإسلام من مفخرة، وليس بعد الصحبة من مكرمة فإذا اجتمع إلى ذلك الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد إن كان فقد حاز هؤلاء المفاخر، والمكارم من جميع أطرافها.
وإذا كان هذا الجهاد، أو الاستشهاد في بدر أول مشهد من مشاهد الإسلام والذي كان له ما بعده، فقد حاز المسلم الثواب الأعظم، والرضوان الأكبر من الله ﵎.
[ ٥٥٨ ]
فهل لشباب الإسلام اليوم أن يعوا هذه المفاخر، والمكارم، وأن يعملوا على تحصيل ما يمكن من هذه المفاخر والمكارم؟
إن نعمة الإسلام لا توازيها نعمة، ومفخرة الجهاد في سبيل الله لإعزاز دين الله تعالى، ونشر كلمة التوحيد في الأرض ونشر شريعة الله في العالم كله لا يساويها الملك، ولا الجاه، ولا السلطان، ولا الغنى، ولو حيزت للمسلم الدنيا، وكل ما فيها وصدق المبلغ عن رب العالمين قال "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" رواه الشيخان.
[ ٥٥٩ ]
"رواية الآباء عن الأبناء":
وللخطيب البغدادي فيه كتاب.
وإليكم أمثلة لذلك:
١- ما ذكره الإمام أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه:
أن أبا بكر الصديق روى عن ابنته عائشة، وروت عنها أمها أم رومان وسيأتي ما فيه.
٢- ومنه رواية العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه عن ابنه الفضل: أن رسول الله -ﷺ- جمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وقيل: إنه روى عن ابنه عبد الله أيضا.
٣- ما روى سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ: "أخروا الأحمال فإن اليد مغلقة، والرجل موثقة" ١.
_________________
(١) ١ الحديث رواه السيوطي في "الجامع الصغير" رقم "٢٩٢"، ونسبه لأبي داود في كتابه "المراسيل" عن الزهري، ولأبي يعلى والطبراني في "الأوسط" عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة "نحوه"، والأحمال جمع حمل -بكسر الحاء- ما يحمل على الدابة، والمعنى توسيط الحمل على ظهر البعير ونحوه، فإن يده مغلقة بثقل الحمل، ورجله موثقة كذلك فارحموه بتوسط الحمل على ظهره حتى لا يؤذيه الحمل، وإنما أمر بالتأخير والمراد التوسيط؛ لأنه -ﷺ- رأى بعيرا متقدما حمله إلى جهة الأمام.
[ ٥٥٩ ]
قال الخطيب: لا يعرف إلا من هذا الوجه.
٤- وروى سليمان بن طرخان التيمي عن ابنه المعتمر بن سليمان قال: حدثني أبي قال: حدثتني أنت عني عن أيوب السختياني عن الحسن، قال: "ويح كلمة رحمة"، قال: النووي متابعا لأبي عمرو بن الصلاح، وهذا مثال ظريف يجمع أنواعا.
قال النووي: بينتها في الكبير -يعني كتابه "الإرشاد" الذي هو أصل "التقريب"- قال فيه: "منها رواية الأب عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعي عن تابعيه، ورواية ثلاثة تابعين بعضهم عن بعض، وأنه حدث غير واحد عن نفسه.
قال: "وهذا في غاية الحسن والغرابة، ويبعد أن يوجد مجموع هذا في حديث".
٥- وروى أبو داود صاحب السنن عن ابنه أبي بكر بن أبي داود حديثين.
٦- وروى أبو عمر حفص بن عمر الدوري المقرئ عن ابنه أبي جعفر محمد ستة عشر حديثا أو نحوها، والدوري نسبه إلى الدور وهي محلة ببغداد، روى عن الكسائي وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين "٢٤٦هـ".
٧- وروى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن أبي المظفر عبد الرحيم ابن الحافظ أبي سعد عن أبيه عن ابنه أبي المظفر بسنده عن أبي أمامة مرفوعا: "أحضروا موائدكم البقل فإنه مردة للشيطان مع
[ ٥٦٠ ]
التسمية"، وسكت عنه، قال العلامة ابن كثير: "وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في "الموضوعات" وأخلق به أن يكون كذلك أبي موضوعا"٢.
قال ابن الصلاح: "وأما الحديث الذي رويناه عن أبي بكر الصديق عن ابنته عائشة عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "في الحبة السوداء شفاء من كل داء" ٣، فهو غلط ممن رواه، إنما هو عن أبي بكر بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة، كما رواه البخاري".
قال الإمام العراقي: "لكن ذكر ابن الجوزي: أن الصديق ﵁ روى عن ابنته عائشة حديثين، وروت عنها أم رومان أمها حديثين، قال العلامة البلقيني: فإن كان ابن الجوزي أخذ رواية الصديق من هذا الحديث فقد تبين أنه وهم".
٨- وروى أنس بن مالك عن ابنه غير مسمى حديثا.
٩- وزكريا بن أبي زائدة عن ابنه حديثا.
١٠- ويونس بن أبي إسحاق عن ابنه إسرائيل حديثا.
_________________
(١) ١ وقد ذكر العراقي سنده نقلا عن السمعاني في "الذيل" من رواية العلاء بن مسلمة الرواس قال: وهو حديث موضوع يذكر غير واحد من الحفاظ أنه موضوع، والعلاء هذا قال فيه أبو حاتم: "يروي عن الثقات الموضوعات لا يحل الاحتجاج به بحال"، وقال فيه نحو ذلك أبو الفتح الأزدي، وابن طاهر، وابن الجوزي. ٢ اختصار علوم ص٢١١. ٣ رواه البخاري، كتاب الطب، باب الحية السوداء، ورواه مسلم، كتاب الطب، باب في التداوي بالحبة السوداء، وقد ورد تفسيرها بالشونيز، وقيل هي الكمون الأسود وتعرف عند العامة بحبة البركة ويستخرج منها زيت نافع مفيد، والمراد بالعموم هنا الخصوص يعني من كل داء تصلح أن تكون دواء له، ومثل هذا الحديث يرجع فيه إلى الأطباء، وبتحليلها كيميائيا تعرف خصائصها الدوائية.
[ ٥٦١ ]
١١- وأبو بكر بن عياش عن ابنه إبراهيم حديثا.
١٢- وشجاع بن الوليد عن ابنه أبي هشام الوليد حديثا.
١٣- وعمر بن يونس اليمامي عن ابنه محمد حديثا.
١٤- وسعيد بن الحكم المصري عن ابنه محمد حديثا.
١٥- وإسحاق البهلول عن ابنه يعقوب حديثين.
١٦- ويحيى بن جعفر بن أعين عن ابنه الحسين حديثين.
١٧- والحسن بن سفيان عن ابنه أبي بكر حديثين.
وفي حكم هذا النوع.
١٨- رواية العباس وحمزة ﵄ عن ابن أخيهما رسول الله -ﷺ- والعم بمنزلة الأب وفي الحديث الصحيح: "أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه".
١٩- ورواية شعيب الزبيري عن ابن أخيه الزبير بن بكار.
٢٠- وإسحاق بن حنبل عن ابن أخيه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل.
٢١- ورواية الإمام مالك عن ابن أخته: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس١.
_________________
(١) ١ علوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي من ص٣٤٤-٣٤٦، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ص٤٣١، ٤٣٢، اختصار علوم الحديث من ص١٩٩-٢٠١.
[ ٥٦٢ ]
"رواية الأبناء عن الآباء":
ولأبي نصر الوائلي فيه كتاب، وأهمه ما لم يسم فيه الأب والجد، فيحتاج إلى معرفة اسمه ويخشى أن يستبهم الأمر على القارئ.
وهو نوعان: أحدهما رواية الرجل عن أبيه فحسب وهو كثير كرواية أبي العشراء الدارمي عن أبيه عن رسول الله -ﷺ- وهو في السنن الأربعة، ولم يسم أبوه وقد اختلف فيه١.
وثانيهما: أي النوعين رواية الرجل عن أبيه عن جده، ثم تارة يراد بالجد أبو الأب وتارة يراد به الجد الأعلى.
وقد روى ابن الصلاح بسنده عن أبي القاسم العلوي أنه قال: "الإسناد بعضه عوال، وبعضه معال وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي من المعالي" قال الحافظ ابن حجر: "وقد جمع الحافظ صلاح الدين العلاني من المتأخرين مجلدا كبيرا في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ- وقسمه أقساما، فمنه ما يعود الضمير في قوله: "عن جده" على الراوي، ومنه ما يعود الضمير فيه على أبيه قال: "وقد لخصت كتابه المذكور وزدت عليه تراجم كثيرة جدا وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلت فيه الرواية عن الآباء بأربعة عشر أبا"٢ ومن أمثلة هذا النوع:
١- عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله بهذا الإسناد نسخة كبيرة، أكثرها فقهيات جياد، والمراد بالجد هنا الأعلى، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص فهو جد الأب، وقد اختلف الأئمة المحدثون في الاحتجاج بهذا السند إذا صح السند إليه قال البخاري: "رأيت أحمد بن حنبل، وعليّ بن المديني، وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا
_________________
(١) ١ قال ابن الصلاح: وقد اختلفوا فيه فالأشهر أن أبا العشراء هو أسامة بن مالك بن قِهْطم قال: وهو فيما نقلته من خط البيهقي بكسر القاف، وقيل قحطم بالحاء المهملة وقيل: هو عطارد بن برز -بتسكين الراء المهملة، ثم زاي- وقيل: بتحريكهما وقيل: ابن بلز باللام، وفي اسمه، واسم أبيه من الخلاف غير ذلك والله أعلم. ٢ قد رأيت الإعراض عما ذكره ابن الصلاح، والنووي، والعراقي، والسيوطي من تسلسل رواية الأبناء عن الآباء بتسعة آباء وباثني عشر أبا، وبأربعة عشر أبا؛ لأن أسانيدها لا تخلو عن وضاع ومتكلم فيه ومجاهيل فأحر بها أن تهمل لا أن تذكر، ومن أراد التأكد فليرجع إلى ما قاله الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه "الوشي المعلم"، وقد نقل كلامه السخاوي في شرحه لألفية العراقي ج٣ ص١٨١ ط العاصمة بمصر.
[ ٥٦٣ ]
يحتجون بحديثه، ما تركه أحد من المسلمين" وزاد مرة: "والحميدي" قال: ومن الناس بعدهم؟ وقال مرة: "احتج علي -يعني ابن المديني- ويحيى بن معين، وأحمد وأبو خيثمة، وشيوخ من أهل العلم فتذاكروا حديث عمرو بن شعيب فثبتوه، وذكروا أنه حجة".
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: احتج أصحابنا بحديثه، قال النووي في "شرح المهذب": وهو الصحيح المختار الذي عليه المحقون من أهل الحديث، وهم أهل الفن وعنهم يؤخذ.
وقد حمل هؤلاء "جده" على عبد الله الصحابي دون محمد التابعي لما ظهر لهم في! طلاقة ذلك، وسماع شعيب من عبد الله بن عمرو ثابت، وقد أبطل الدارقطني وغيره إنكار ابن حبان، ذلك، وحكى الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه أن قال: "إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر".
قال النووي: وهذا التشبيه نهاية الجلالة من مثل إسحاق.
وقال أبو حاتم: عمرو عن أبيه عن جده أحب إليّ من بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وقد ألف العلائي١ جزءا مفردا في صحة الاحتجاج بهذه النسخة، والجواب عما طعن به عليها قال: ومما يحتج به لصحتها احتاج مالك بها في الموطأ، فقد أخرج عن عبد الرحمن بن حرملة عنه حديث: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". وذهب قوم إلى ترك الاحتجاج به، وحكاه الآجري عن أبي داود صاحب "السنن"، وهو رواية عن ابن معين قال: لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة٢ فمن هاهنا جاء ضعفه، لأن التصحيف يدخل
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدا بن عبد الله العلائي الدمشقي المقدسي الشافعي المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة. ٢ يعني عن طريق الوجادة لا عن طريق السماع عنه ولا القراءة عليه: ولا الإجازة، وهي أدنى طرق التحمل.
[ ٥٦٤ ]
على الراوي من الصحف، ولذا تجنبها أصحاب الصحيح.
وقال ابن عدي: روايته عن أبيه عن جده مرسلة؛ لأن جده محمدا لا صحبة له، وقال ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشعيب لم يلقه فيكون متقطعا، وإن أراد محمد فلا صحبة له فيكون مرسلا.
قال الذهبي وغيره: وهذا القول لا شيء، لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله، وهو الذي رباه حتى قيل: إن محمدا مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيبا جده عبد الله، فإذا قال عن أبيه عن جده فإنما يريد بالضمير في "جده" أنه عائد إلى شعيب.
وصح أيضا أن شعيبا سمع من معاوية -يعني ابن أبي سفيان- ومعاوية مات قبل عبد الله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده، سيما وهو الذي رباه وكفله"١.
وهذا القول اختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" إلا أنه احتج بها في "المهذب".
وذهب الدارقطني إلى التفرقة بين أن يفصح بجده أنه عبد الله فيحتج به أولا فلا، وكذا إن قال: عن جده قال: سمعت النبي -ﷺ- ونحوه مما يدل على أن مراده عبد الله.
وذهب ابن حبان إلى التفرقة بين أن يستوعب ذكر آبائه بالرواية، أو يقتصر على أبيه عن جده، فإن صرح بهم كلهم فهو حجة، وإلا فلا، وقد أخرج في صحيحه له حديثا واحدا هكذا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عبد الله بن عمرو، عن أبيه مرفوعا: "ألا أحدثكم بأحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة " الحديث.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ج٣ ص٢٦٦، ٢٦٧ ط الحلبي.
[ ٥٦٥ ]
قال العلائي: ما جاء فيه التصريح برواية محمد عن أبيه في السند، فهو شاذ نادر والراجح والصواب هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين ومنهم أئمة كبار لا يشق لهم غبار.
٢- ومن أمثلة ما أريد فيه الجد الأدنى: بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة١ عن أبيه، عن جده، له هكذا نسخة حسنة، ومعاوية صحابي جليل.
صححها ابن معين واستشهد بها البخاري في الصحيح٢، وقال الحاكم: إنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذة لا متابع له فيها.
وقد اختلف العلماء في أي النسختين أصح وأرجح من الأخرى: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أو رواية بهز عن أبيه عن جده؟
فرجح بعضهم رواية بهز عن أبيه عن جده؛ لأن البخاري استشهد ببعضها في صحيحه تعليقًا دونها.
ورجح غيرهم رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو الصحيح كما يعلم ذلك من كتب الرجال، ومن هؤلاء أبو حاتم الرازي قالوا: لأن البخاري صحح نسخة عمرو، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز بن حكيم.
وأما قول الأولين: لأن البخاري إلخ، فمردود؛ لأن البخاري استشهد أيضًا بحديث عمرو، فقد أخرج حديثًا معلقًا في كتاب اللباس من صحيحه، وخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عمرو بن شعيب. وقال: إنه لم ير في البخاري إشارة إلى حديث عمرو غير هذا الحديث،
_________________
(١) ١ بفتح الحاء وسكون الياء المثناة من تحت القشيري. ٢ يعني أن البخاري ذكرها في الصحيح تعليقًا.
[ ٥٦٦ ]
فيبقى كون البخاري قد صحح نسخة عمرو، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز مرجحا لقول هؤلاء على قول الأولين، وهو الحق١.
٣- ومن أمثلته طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي، وقيل: كعب بن عمرو، عن أبيه عن جده، قال البلقيني: في هذا المثال نظر من جهة أن أبا داود قال في "سننه" في حديث الوضوء: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن عيينة -زعموا- كان ينكره، ويقول: "أيش هذا؟ طلحة عن أبيه عن جده، وقال عثمان بن الدارمي: سمعت ابن المديني يقول: قلت لسفيان: إن ليثا يروي عن طلحة عن أبيه عن جده: "أنه رأى النبي -ﷺ- يتوضأ"، فأنكر سفيان ذلك، وعجب أن يكون جد طلحة لقي النبي -ﷺ.
"فائدة مهمة":
يلحق برواية الرجل عن أبيه عن جده، رواية المرأة عن أمها عن جدتها، وهو غزير جدا ومن ذلك ما رواه أبو داود في "سننه" عن بندار "ثنا" عبد الحميد بن عبد الواحد قال: حدثتني أم جنوب بنت نميله عن أمها سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة بنت أسمر بن مضرس، عن أبيه أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي -ﷺ- فبايعته، فقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له".
_________________
(١) ١ التدريب من ص٤٣٣-٤٣٦، علوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي ص٣٤٧-٣٤٩، واختصار علوم الحديث من ص٢٠٢-٢٠٤، وتهذيب التهذيب ج٨ من ص٤٨-٥٥.
[ ٥٦٧ ]
"السابق واللاحق":
وهو معرفة من اشترك في الرواية عنه اثنان تباعد ما بين وفايتهما، وهذا إنما يقع عند رواية الأكابر عن الأصاغر، ثم يروي عن المروي عنه متأخر.
وقد ألف الخطيب البغدادي فيه كتابا حسنا سماه: "السابق واللاحق" وهذا النوع من أنواع علوم الحديث فيه طرافة.
ومن فوائده: حلاوة علو الإسناد في القلوب، وعلوم الإسناد من مطلوبات أئمة الحديث وحفاظه وأن لا يظن سقوط شيء من الإسناد.
"أمثلته":
١- ومن أمثلته الإمام محمد بن إسحاق السراج، روى عنه البخاري في "تاريخه" وأبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر، لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، والخفاف توفي سنة ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين وثلاثمائة.
٢- ومن أمثلته الزهري، وزكريا بن دويد١، فإنهما رويا عن الإمام مالك، وبينهما كذلك فإن الزهري مات سنة أربع وعشرين ومائة وزكريا حدث عن مالك سنة نيف٢ وستين ومائتين، ولا يعرف وقت وفاته، فأقل ما يكون بينهما مائة وسبع وثلاثون سنة.
قال العراقي في "التقييد والإيضاح": "والتمثيل بزكريا سبق إليه الخطيب، ولا ينبغي أن يمثل به؛ لأنه أحد الكذابين الوضاعين، ولا يعرف سماعه من مالك، وإن كان حدث عنه، فقد زاد، وادعى أنه سمع من حميد الطويل وروى عنه نسخة موضوعة"، فالصواب: أن آخر أصحاب مالك أحمد بن إسماعيل السهمي ومات سنة تسع وخمسين ومائتين، فبينه وبين الزهري مائة وخمس وثلاثون سنة.
_________________
(١) ١ دويد: بضم الدال المهملة وفتح الواو وسكون الياء على صيغة المصغر. ٢ النيف: كل ما زاد على العقد حتى يبلغ العقد الثاني يقال: عشرة ونيف، ومائة ونيف.
[ ٥٦٨ ]
٣- قال السيوطي: "ومن أمثلة ذلك في المتأخرين أن الفخر بن البخاري سمع منه المنذري، والصلاح بن أبي عمر شيخ شيخنا، وقد مات المنذري سنة ست وخمسين وستمائة، والصلاح سنة ثمانين وسبعمائة" أقول: فيكون بينهما أربع وعشرون ومائة سنة.
٤- قال السيوطي: والبرهان التنوخي شيخ شيوخنا سمع منه الذهبي، وروى عنه فيما ذكر شيخ الإسلام ابن حجر، ومات -يعني الذهبي- سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وآخر أصحابه أي البرهان التنوخي أبو العباس الشاوي مات سنة أربع وثمانين وثمانمائة، أقول فيكون ما بين وفاتيهما ستا وثلاثين ومائة سنة١.
٥- وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك مائة وخمسون سنة وذلك أن أبا علي البرداني٢ سمع من السلفي حديثا ورواه عنه، ومات -أي البرداني- على رأس الخمسمائة، وآخر أصحاب السلفي سبطة أبو القاسم بن مكي مات سنة خمسين وستمائة٣.
_________________
(١) ١ التدريب ص٤٣٨، ٤٣٩، علوم الحديث بشرح العراقي ص٣٥٠، ٣٥١، اختصار علوم الحديث ص٢٠٥. ٢ ينسب إلى بردان وضبطها ابن الأثير بضم الباء، قال: وهي قرية من قرى بغداد على سبعة فراسخ من بغداد، وموضع بالكوفة، وضبطها صاحب "مراصد الاطلاع" بالفتح، وذكر أنها قرية فوق بغداد. ٣ نزهة النظر ص٦٠-٦١.
[ ٥٦٩ ]
"معرفة الوحدان":
الوحدان: جمع واحد كشاب، وشبان، وراع ورعيان.
وهو من لم يرو عنه إلا واحد.
ومن فوائده: معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيا فلا يقبل كما تقدم، وهو أن من لم يرو عنه إلا راو واحد فهو مجهول العين فلا تقبل روايته، إلا أن يكون صحابيا فإن الصحابة كلهم عدول.
وقد ألف فيه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري كتيبا صغيرا١.
"أمثلته":
مثاله في الصحابة:
١- وهب بن خنبش٢ الطائي الكوفي قال ابن الصلاح: وسماه الحاكم، وأبو نعيم: هرما، وذلك خطأ، وكذا وقع عن ابن ماجه.
قال المزي: ومن قال وهب أكثر وأحفظ.
٢- وعامر بن شهر، وعروة بن مضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري ومحمد بن صيفي الأنصاري، وليس بالذي قبله على الصحيح، وهؤلاء صحابيون أجلاء لم يرو عنهم غير الشعبي التابعي الجليل.
وقد عقب على ذلك العراقي في شرح "علوم الحديث" فقال: ما ذكره في عامر قاله مسلم وغيره، وفيه نظر: فإن ابن عباس روى عنه قصة رواها سيف بن عمر في "الردة" -أي قتال أهل الردة- قال: حدثنا طلحة الأعلم عن عكرمة عن ابن عباس قال: أول من اعترض على الأسود العنسي -وكان ادعى النبوة- وكابره عامر بن شهر الهمداني إلى آخر كلامه، وما قاله في عروة قاله أيضا ابن المديني، والحاكم، وليس كذلك فقد روى عنه ابن عمه: حميد بن منهب الطائي، ذكره الحافظ المزي في "تهذيب الكمال".
٣- وانفرد قيس بن أبي حازم بالرواية عن أبيه، وعن دكين٣ أبي
_________________
(١) ١ هي رسالة صغيرة في ٢٤ صحيفة مطبوع طبع حجر بالهند. ٢ بفتح الخاء المعجمة وسكون النون، وفتح الباء الموحدة، آخره شين معجمة. ٣ دكين بضم الدال وفتح الكاف وسكون الياء المثناة من تحت على صيغة المصغر.
[ ٥٧٠ ]
سعيد الخثعمي ويقال المزني، وعن الصنابح١ بن الأعسر، ومرداس بن مالك الأسلمي من الصحابة.
قال العراقي في "شرحه على مقدمة ابن الصلاح": لم ينفرد عن الصنابح، بل روى عنه أيضا الحارث بن وهب ذكره الطبراني.
قال السيوطي: لكن قال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر: إنه وهم والصواب أن الذي روى عنه الحارث، الصنابحي التابعي -يعني لا الصنابح الصحابي- وقال المزي: روى عن مرداس أيضا زياد بن علاقة.
قال العراقي: والصواب خلافه، فإنما روى زياد عن مرداس بن عروة صحابي آخر.
٤- ومن لم يرو عنه من الصحابة إلا ابنه المسيب بن حزن القرشي والد سعيد بن المسيب، ومعاوية بن حيدة القشيري، والد حكيم.
قال العراقي: بل روى عن معاوية أيضا عروة بن رويم اللخمي، وحميد المزني ذكرهما المزي.
وقرة بن إياس والد معاوية، وأبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن، وإن كان عدي بن ثابت أيضا روى عنه، فلم يدركه كما قال المزي.
قال أبو عبد الله الحاكم في "المدخل إلى الإكليل": لم يخرجا -أي الشيخان: البخاري ومسلم- في الصحيحين عن أحمد من هذا القبيل من الصحابة.
وتبعه على ذلك البيهقي، فقال في "سنته" عند ذكر بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في حديث: "ومن كتمهما فإنا آخذوها، وشطر ماله"
_________________
(١) ١ الصنابح: بضم الصاد، وفتح النون الممدودة وكسر الباء الموحدة، آخره حاء مهملة والأعسر بالعين والسين المهملتين.
[ ٥٧١ ]
الحديث، ما نصه: "فأما البخاري ومسلم فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي، إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين، وغلطوه في ذلك وقد نقض هذا القول بإخراجهما حديث المسيب بن حزن أبي سعيد في وفاة أبي طالب مع أنه لا راوي له غير ابنه سعيد.
وبإخراج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب مرفوعا: "إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إليّ"، الحديث. ولم يرو عنه غيره أي غير الحسن وبإخراج البخاري أيضا حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي: "يذهب الصالحون الأول، فالأول"، ولا راوي له غير قيس كما تقدم تحريره.
وبإخراج مسلم حديث عبد الله بن الصامت عن رافع بن عمرو الغفاري، ولا راوي له غيره.
قال العراقي: بل روى عنه ابنه عمران أيضا كما قال المزي، وأبو جسر مولى أخيه كما في "جامع الترمذي".
ونظائره في الصحيحين كثيرة، قال ابن الصلاح: كإخراجه حديث أبي رفاعة العدوي، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي، وحديث الأغر المزني، ولم يرو عنه غير أبي بردة.
وقال العراقي: بل روى عن أبي رفاعة أيضا صلة بن أشيم العدوي، وعن الأغر عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية بن قرة.
ثم قال ابن الصلاح "وهذا مصير منهما -أي البخاري ومسلم- إلى أنه ترتفع الجهالة عن الراوي برواية واحد عنه"، أقول: وإن لم يقل بذلك فكل من ذكرهم صحابة، والصحابة كلهم عدول والله أعلم.
[ ٥٧٢ ]
"مثاله في التابعين":
١- أبو العشراء الدارمي لم يرو عنه غير حماد بن سلمة.
قال العراقي: بل روى عنه يزيد بن أبي زياد، وعبد الله بن محرر كلاهما روى عنه حديث الزكاة متابعين لحماد بن سلمة.
٢- ومثل الحاكم لهذا النوع في التابعين بمحمد بن أبي سفيان الثقفي، وذكر أنه لم يرو عنه غير الزهري فيما نعلم.
قال العراقي: بل قد روى عنه أيضا ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي كما ذكره البخاري في "التاريخ" وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" والمزي في "التهذيب" وروايته عنه في المعجم الكبير للطبراني، وروى عنه أيضا تميم بن عطية العنسي وأبو عمر الأنصاري ذكره المزي في "التهذيب".
٣- قال الحاكم: وكذلك تفرد الزهري عن نيف وعشرين رجلا من التابعين لم يرو عنهم غيره.
٤- وكذلك عمرو بن دينار تفرد عن جماعة من التابعين.
٥- وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي، وهشام بن عروة وغيرهم.
وسمى الحاكم منهم في بعض المواضع فيمن تفرد عنهم عمرو بن دينار: عبد الرحمن بن معبد وعبد الرحمن بن فروخ.
وفيمن تفرد عنهم الزهري عمرو بن أبان بن عثمان وسنان بن أبي سنان الدؤلي وقد تعقبه العراقي في "التقييد والإيضاح" فقال: ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" أنه روى عنه أيضا زيد بن أسلم، وكأنه قلد في ذلك ابن ماكولا، فإنه هكذا قال في "الإكمال" إنه روى عنه وعن أبيه أبي سنان.
[ ٥٧٣ ]
والمشهور أن رواية زيد بن أسلم عن أبيه أبي سنان واسمه يزيد بن أمية، هكذا ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" قال البخاري: وقال زيد بن أسلم: حدثنا أبو سنان يزيد بن أمية، وكذا ذكر النسائي في "الكنى" والحاكم أبو أحمد في "الكنى" في ترجمة أبي سنان، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" أنه روى عنه زيد بن أسلم، وكذلك ذكر الحاكم فيمن تفرد عنهم يحيى بن سعيد الأنصاري عبد الله بن أنيس -بضم الهمزة وفتح النون وسكون الباء آخره سين مهملة- الأنصاري.
وقد تعقبه في ذلك الإمام العراقي فقال: قال الخطيب في كتاب "المتفق والمفترق" عبد الله بن أنيس ثلاثة فذكرهم: فالأولان صحابيان، والثالث تابعي.
فلم يذكر هو ولا غيره تفرد يحيى بن سعيد عن واحد من الثلاثة، بل ولا روايته عن واحد منهم، وقد ذكر البخاري في التاريخ هذا الذي أشار إليه الحاكم، فقال: عبد الله بن أنيس عن أمه، وهي بنت كعب بن مالك "خرج النبي -ﷺ- على كعب بن مالك وهو ينشد".
قال ابن وهب: "أنبأنا عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن أنيس حدثه ولم يذكر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عبد الله بن أنيس هذا، فإن كان هذا هو التابعي المذكور في "المتفق والمفترق"، فلم ينفرد عنه يحيى بن سعيد بل تابعه على الرواية عنه زهرة بن معبد، وإن كان غيره فكان يلزم الخطيب أن يعدهم أربعة، ولهم أيضا خامس اسمه عبد الله بن أنيس الأنصاري صحابي روى عنه ابنه عيسى، وحديثه عند أبي داود والترمذي، وقد فرق بينه وبين عبد الله بن أنيس الجهني عليّ بن المديني، وخليفة بن خياط وغيرهما.
وذكره أبو موسى المديني في "ذيله" على الصحابة وقال في نسبه:
[ ٥٧٤ ]
الزهري، وقد ذكر الطبراني حديث هذا في حديث عبد الله بن أنيس الجهني والله أعلم.
"مثاله في أتباع التابعين":
ومثل له الخطيب في أتباع التابعين بالمسور بن رفاعة القرظي، وذكر أنه لم يرو عنه غير مالك.
قال الحاكم: والذين تفرد عنهم مالك نحو عشرة من شيوخ المدينة منهم المسور بن رفاعة القرظي قال: وتفرد سفيان الثوري عن بضعة عشر شيخا منهم عبد الله بن شداد الليثي، وتفرد شعبة عن نحو ثلاثين شيخا منهم الفضل بن فضالة.
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وأخشى أن يكون الحاكم في تنزيله بعض من ذكره بالمنزلة التي جعله فيها معتمدا على الحسبان والتوهم، والله أعلم.
قال العراقي: "وما خشية المصنف هو المتحقق في بعضهم خصوصا المسور بن رفاعة، لقد روى عنه جماعة آخرون منهم إبراهيم بن سعيد ومحمد بن إسحاق "، وذكر آخرين غير هذين١.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ص٤٣٩-٤٤٢، وعلوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي من ص٣٥١-٣٥٧، واختصار علوم الحديث ص٢٠٦، ٢٠٨.
[ ٥٧٥ ]
"معرفة من ذكر بأسماء أو صفات مختلفة":
من كنى، أو ألقاب، أو أنساب، إما من جماعة من الرواة عنه، يعرفه كل واحد بغير ما عرفه الآخر، أو من راو واحد يعرفه مرة بهذا، ومرة بذاك، فيلتبس على من لا معرفة عنده، بل على كثير من أهل المعرفة والحفظ.
وهو فن عويص أي صعب معرفته تمس الحاجة إليه لمعرفة التدليس، فإن أكثر ذلك إنما نشأ من تدليسهم.
المؤلفات فيه:
١- ألف فيه الإمام الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري النسابة المتفنن، المتوفى سنة تسع وأربعمائة كتابا نافعا سماه "إيضاح الإشكال". قال السيوطي: وقفت عليه وسألخص هنا منه.
٢- وممن ألف فيه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة.
"أمثلته": وهي من كتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد الآنف الذكر.
١- محمد بن السائب الكلبي المفسر العلامة في الأنساب أحد الضعفاء.
٢- وهو أبو النضر المروي عنه حديث تميم الداري وعدي بن بداء، في قصتهما النازل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية١، رواها ابن إسحاق صاحب المغازي عن أبي النضر عن باذان عن ابن عباس، عن تميم.
٣- وهو حماد بن السائب راوي حديث: "زكاة كل مسك ٢ دباغه"، رواه عنه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس: أبو أسامة حماد بن أسامة، وسماه حمادا أخذا من محمد، وقد غلط فيه حمزة بن محمد الكتاني الحافظ، والنسائي.
٤- وهو أبو سعيد الذي روى عنه عطية العوفي التفسير، وكناه
_________________
(١) ١ المائدة: ١٠٦. ٢ المسك: بفتح الميم وسكون السين، الجلد.
[ ٥٧٦ ]
بذلك ليوهم الناس أنه إنما يروي عن أبي سعيد الخدري.
٥- وهو أبو هشام الذي روى عنه القاسم بن الوليد الهمذاني عن أبي صالح عن ابن عباس حديث: "لما نزلت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ ١ "، الحديث. كناه بابنه هشام.
٦- وهو محمد بن السائب بن بشر الذي روى عنه ابن إسحاق أيضا.
٢- ومثاله أيضا:
١- سالم الراوي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان.
٢- وهو سالم أبو عبد الله المدني.
٣- وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان٢ النصري.
٤- وهو سالم مولى شداد بن الهاد النصري الذي روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ونعيم المجمر -بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم آخره راء- وقيل: بتشديد الميم.
٥- وهو سالم مولى النصريين.
٦- وهو سالم مولى المهري الذي روى عنه عبد الله بن يزيد الهزلي.
٧- وهو سالم سبلان٣ الذي روى عنه عمران بن بسير.
٨- وهو سالم أبو عبد الله الدوسي الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير.
٩- وهو سالم مولى دوس الذي روى عنه يحيى أيضا.
_________________
(١) ١ الأنعام: ٦٥. ٢ بفتح الحاء المهملة والدال المهملة والثاء المثلثة، آخره نون. ٣ سبلان: بفتح السين المهملة، والباء الموحدة، واللام، آخره نون.
[ ٥٧٧ ]
١٠- وهو أبو عبد الله مولى شداد الذي روى عنه محمد بن عبد الرحمن وأبو الأسود.
١١- وهو أبو عبد الله الذي روى عنه بكير الأشج.
٣- ومثاله أيضا:
محمد بن قيس الشامي المصلوب في الزندقة، كان يضع الحديث، قال ابن الجوزي دلس اسمه على خمسين وجها، وقال عبد الله بن أحمد بن سوادة: "قلبو اسمه على مائة اسم وزيادة قد جمعتها في كتاب".
فقيل فيه: محمد بن سعيد، وقيل: محمد مولى بني هاشم، وقيل: محمد بن أبي قيس.
وقيل: محمد بن حسان، وقيل: أبو عبد الرحمن الشامي إلى آخر ما ذكره السيوطي في "التدريب".
٤- ومثاله أيضا ما استعمله الخطيب كثيرا في شيوخه.
فيروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والكل واحد، وكذلك يروي الخطيب عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال والجمع عبارة عن واحد.
وكذلك يروي عن أبي القاسم التنوخي، وعن عليّ بن الحسن، وعن القاضي أبي القاسم عليّ بن الحسن التنوخي، وعن عليّ بن أبي عليّ المعدل والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير، والله أعلم.
قال السيوطي: "وتبع الخطيب في ذلك المحدثون، خصوصا المتأخرين، وآخرهم شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر، نعم لم أرَ العراقي في أماليه يصنع شيئا من ذلك"١.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ص٤٤٢-٤٤٤، وعلوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي ص٣٥٨، ط العاصمة بمصر، اختصار علوم الحديث ص٢٠٨، ٢٠٩.
[ ٥٧٨ ]