بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(باسمه تقدس أستفتح وَبِه أستعين وأستنجح)
الْحَمد لله الَّذِي جعل أهل الحَدِيث فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم نخبة خلقه، وحباهم بالإجلال والتعظيم، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة تنجي قَائِلهَا من نَار الْجَحِيم، (وتوجب لَهُ الْفَوْز بجنات النَّعيم) .
وَأشْهد أَن مَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، الْمَبْعُوث بِالدّينِ القويم، والصراط الْمُسْتَقيم، (ﷺ) وعَلى آله وَصَحبه المخصوصين بالفيض العميم، وَبعد.
فَيَقُول العَبْد الحقير والقائم على قدم الْقُصُور وَالتَّقْصِير، مُحَمَّد الْمَدْعُو، عبد الرؤوف ابْن الْمَنَاوِيّ، (الْحداد كَفاهُ الله الْمُنَادِي والمعادي) الشَّافِعِي - غفر الله تَعَالَى ذنُوبه، وَستر عيوبه - قد كنت سُئِلت
[ ١ / ١١٣ ]
مرَارًا وكرارًا فِي وضع شرح النخبة فِي عُلُوم الحَدِيث، لعالم هَذَا الْفَنّ وإمامه، وجهبذه وواسطة عقد نظامه، شيخ الْإِسْلَام، قَاضِي الْقُضَاة، خَاتِمَة الْحفاظ أبي الْفضل أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي - طيب الله ثراه، وَجعل الْجنَّة متقلبه ومئواه - فأجبت إِلَى ذَلِك (بعد التسويف وإهابه السلوك فِي هَذِه المسالك) .
شرعت فِيهِ (بعد الإلحاح) مَعَ قل البضاعة، وَقصر الباع فِي هَذِه الصِّنَاعَة، فسودت أَكْثَره ثمَّ حَال دون إِتْمَامه وتبييضه أَنِّي رميت بخطوب سقتني من الهموم عقارا، ومصائب لم أجد لي مَعهَا عَن تمني الْمَوْت اصطبارا / كَيفَ لَا وَقد أَصبَحت القريحة قريحة، والجوارح جريحة، والحواس الْعشْرَة عليلة غير صَحِيحَة، قد رماني بِالسَّهْمِ زماني، حَتَّى أحجمت النَّفس عَن الْأَمَانِي، وَللَّه در
[ ١ / ١١٤ ]
الطغرائي (حَيْثُ يَقُول):
(هَذَا جَزَاء امرء أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الْأَجَل)
نعم، وَثَمَرَة الْفُؤَاد قد فقدت، ونار الْحزن فِي الْجنان قد اشتعلت واتقدت، والخاطر منكسر، والدمع منهمر، وصرت كمعتوه، أَو من بِهِ طيف من متقطع جُنُون، فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.
(خلا الرّبع من سلمى وَهَا (تيك) دارها وأظلم لما أَن تَوَارَتْ بدورها)
(وأقوت عقيب الراحلين قصورهم وَقد عمرت بالنازلين قبورها)
(فيا صَاحِبي مَاذَا انتظاري بعدهمْ وَلَا شكّ أَنا قريب نزورها)
[ ١ / ١١٥ ]
وَهَذِه نفثة مصدور، فليسدل الْوَاقِف عَلَيْهَا الستور.
وَمَعَ اتصافي بِهَذَا الْحَال، قد ألح عليّ بعض أهل الْكَمَال فِي الْإِكْمَال، فبيضت مَا كنت سودته، وأبرزت مَا عَن النَّاس كتمته، ضامًا إِلَيْهِ مَا لأسلافنا وَآبَائِنَا - رَحِمهم الله تَعَالَى - من الْكَلَام على هَذَا الْكتاب، وَالله تَعَالَى هُوَ الملهم للصَّوَاب، وسميته: اليواقيت والدرر فِي شرح شرح نخبة ابْن حجر، وَمن الله أَسْتَمدّ التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق، (لَا معبود سواهُ، وَلَا ملْجأ لي إِلَّا إِيَّاه) .
[ ١ / ١١٦ ]
تَرْجَمَة الْحَافِظ ابْن حجر
وَقد رَأَيْت أَن أورد تَرْجَمَة الْمُؤلف / - رَحمَه الله تَعَالَى - ليعلم جلالته تَفْصِيلًا من علمهَا إِجْمَالا فَأَقُول:
اسْمه وَنسبه ومذهبه وكنيته وَالثنَاء عَلَيْهِ
هُوَ أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي الأَصْل الْمصْرِيّ المنشأ الشَّافِعِي (الْمَذْهَب) شيخ الْإِسْلَام، شهَاب الدّين أَبُو الْفضل ابْن حجر.
فريد زَمَانه حَامِل لِوَاء السّنة فِي أَوَانه، ذهبي عصره ونضاره وجوهره الَّذِي ثَبت بِهِ على كثير من الْأَعْصَار افتخاره، إِمَام هَذَا الْفَنّ للمقتدين ومقدم عَسَاكِر الْمُحدثين، مرجع النَّاس فِي التَّضْعِيف والتصحيح، وَأعظم الشُّهُود والحكام فِي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، قضى لَهُ كل حَاكم بارتقائه فِي علم الحَدِيث إِلَى أَعلَى الدرج، حَتَّى قيل: حدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج.
[ ١ / ١١٧ ]
وَأعظم بتصانيفه فِيهِ الَّتِي مَا شبهت إِلَّا بالكنوز والمطالب فَمن ثمَّ قيض لَهَا مَوَانِع تحول بَينهَا وَبَين كل طَالب.
زين الله بِهِ فِي هَذَا الزَّمَان الْأَخير وَأَحْيَا بِهِ، وَشَيْخه الْحَافِظ الزين الْعِرَاقِيّ سنة الْإِمْلَاء بعد انْقِطَاعه من زمن كثير.
طلبه للْعلم ومشايخه والعلوم الَّتِي برع فِيهَا
كَانَ أَبوهُ بارعًا فِي الْفِقْه والعربية وَالْأَدب ذَا نظم ونثر، (واجتهاد فَبلغ الإرب)، وَمَات وَتَركه طفْلا.
فَلَمَّا (شب) ترعرع، وَحفظ القرءان و" الْحَاوِي "،
[ ١ / ١١٨ ]
" والعمدة " و" مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب "، و" الملحة " وَغَيرهَا.
واعتنى بالأدب وَالنّظم والنثر حَتَّى برع ونظم كثيرا فأجاد وَهُوَ ثامن السَّبْعَة الشهب الشُّعَرَاء.
ثمَّ أقبل على الحَدِيث / سَمَاعا وَكِتَابَة وتخريجًا وتعليقًا وتأليفًا.
ولازم الْحَافِظ الزين الْعِرَاقِيّ حَتَّى تخرج بِهِ وَرَأس فِي حَيَاته وتفقه
[ ١ / ١١٩ ]
على السراجين: البُلْقِينِيّ وَابْن الملقن والبرهان الأبناسي.
وَأخذ الْأُصُول والعربية عَن الْعِزّ بن جمَاعَة، واللغة عَن صَاحب الْقَامُوس.
رحلاته
ورحل إِلَى الْحجاز، وَالشَّام واليمن.
المناصب الَّتِي تقلدها
وَولى مدارس كَثِيرَة: كالشيخونية وجامع
[ ١ / ١٢٠ ]
القلعة والبيبرسية والجماليه، والصلاحية والحسينية والمنصورية والزينية وجامع طولون، والمحمودية والخروبية والشريفية
[ ١ / ١٢١ ]
والفخرية والصالحية النجمية والمؤيدية.
وَقَضَاء الْقُضَاة بالديار المصرية وَكَانَ قبل ذَلِك نَائِبا عَن الْجلَال البُلْقِينِيّ.
[ ١ / ١٢٢ ]
مؤلفاته
ثمَّ تصدى للتصنيف فزادت مؤلفاته على مائَة وَخمسين وأعماله أَضْعَاف مَا عمل الْجلَال السُّيُوطِيّ، (فَإِن الْجلَال) وَإِن كَانَت تصانيفه أَكثر عددا فاكثرها صغَار، والمؤلف تصانيفه أَكْثَرهَا كبار، وَمن تصانيفه:
(١) فتح الْبَارِي بشرح البُخَارِيّ، (وَلما تمّ عمل لختمه وَلِيمَة صرف فِيهَا نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار وَبيع مِنْهُ نُسْخَة بثلاثمائة دِينَار) .
(٢) و(٣) - وَآخر يُسمى هدي الساري - وَهُوَ أكبر مِنْهُ - وَاخْتَصَرَهُ وَلم يتما.
[ ١ / ١٢٣ ]
(٤)
و(٥) و(٦) وتغليق التَّعْلِيق ومختصره يُسمى بالتشريق (إِلَى وصل المهم من التَّعْلِيق)، ومختصر الْمُخْتَصر يُسمى التَّوْفِيق.
(٧) وتقريب الْغَرِيب فِي غَرِيب البُخَارِيّ.
(٨) والاحتفال بِبَيَان أَحْوَال الرِّجَال (الْمَذْكُورين فِي البُخَارِيّ) زِيَادَة على مَا فِي تَهْذِيب الْكَمَال. (٩)
(وثقات الرِّجَال بِمَا لَيْسَ فِي تَهْذِيب الْكَمَال) . (١٠)
وَشرح التِّرْمِذِيّ - وَلم يتم -. /
(١١) واللباب فِي شرح قَول التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب - وَلم يتم -
[ ١ / ١٢٤ ]
(١٢) وإتحاف المهرة بأطراف الْعشْرَة: الْمُوَطَّأ ومسند الشَّافِعِي وَأحمد وصحيح ابْن خُزَيْمَة والدارمي وَابْن حبَان وَأبي عوَانَة ومنتقى ابْن الْجَارُود ومستدرك الْحَاكِم، وَشرح مَعَاني الْآثَار للطحاوي، وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ.
(١٣) وأطراف الْمسند المعتلي بأطراف الْمسند الْحَنْبَلِيّ.
[ ١ / ١٢٥ ]
(١٤) وتهذيب التَّهْذِيب.
(١٥) ومختصره الْمُسَمّى تقريب التَّهْذِيب.
(١٦) وطبقات الْحفاظ.
(١٧) وَالْكَاف الشاف فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْكَشَّاف.
(١٨) (والاستدراك عَلَيْهِ - لم يتم -
(١٩) والواف بآثار الْكَشَّاف) .
(٢٠) وَنصب (الرَّايَة) فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْهِدَايَة.
(٢١) وهداية الروَاة إِلَى تَخْرِيج المصابيح والمشكاة.
(٢٢) والإعجاب بِبَيَان الْأَنْسَاب.
(٢٣) وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْأَذْكَار فِي أَرْبَعَة أسفار كبار. (٢٤) وَتَخْرِيج أَحَادِيث مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب. (٢٥) والتمييز فِي تَخْرِيج أَحَادِيث شرح الْوَجِيز.
(٢٦) والإصابة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة.
[ ١ / ١٢٦ ]
(٢٧) وتسديد الْقوس فِي إطراف مُسْند الفردوس.
(٢٨) وزهر الفردوس.
(٢٩) والإحكام لبَيَان مَا فِي القرءان من الْإِبْهَام.
(٣٠) والنخبة.
(٣١) وَشَرحهَا.
(٣٢) والإيضاح بنكت ابْن الصّلاح.
(٣٣) والاستدراك على نكت ابْن الصّلاح لشيخه الْعِرَاقِيّ ثمَّ لم يتم.
(٣٤) ولسان الْمِيزَان.
(٣٥) وتحرير الْمِيزَان.
(٣٦) وتبصير المنتبه / بتحرير المشتبه.
(٣٧) والإيناس بمناقب الْعَبَّاس.
[ ١ / ١٢٧ ]
(٣٨) وتقريب الْمنْهَج بترتيب المدرج.
(٣٩) والافتتان فِي رِوَايَة الأقران.
(٤٠) والمقترب فِي رِوَايَة المضطرب.
(٤١) وشفاء الغلل فِي بَيَان الْعِلَل.
(٤٢) والزهر المطلول فِي الْخَبَر الْمَعْلُول.
(٤٣) والتفريج على التدبيج.
(٤٤) ونزهة الْأَلْبَاب فِي الألقاب.
(٤٥) ونزهة السامعين فِي رِوَايَة الصَّحَابَة عَن التَّابِعين.
(٤٦) ونزهة النواظر الْمَجْمُوعَة فِي الهوادر المسموعة.
(٤٧) وَالْمَجْمُوع الْعَام فِي آدَاب الشَّرَاب وَالطَّعَام وَدخُول الْحمام.
(٤٨) وَالْخَبَر الثبت فِي صِيَام السبت.
(٤٩) وَتبين الْعجب فِيمَا ورد فِي صَوْم رَجَب.
(٥٠) وزوائد الْأَدَب الْمُفْرد للْبُخَارِيّ.
[ ١ / ١٢٨ ]
(٥١) وزوائد مُسْند الْحَارِث على السِّتَّة ومسند أَحْمد.
(٥٢) والبسيط المبثوث بِخَبَر البرغوث.
(٥٣) وكشف السّتْر بركعتي الْوتر.
(٥٤) وردع المجرم فِي الذب عَن عرض الْمُسلم.
(٥٥) وأطراف الْأَحَادِيث المختارة للضياء الْمَقْدِسِي.
(٥٦) وتعريف الفئة بِمن عَاشَ بِهَذِهِ الْأمة مائَة.
(٥٧) وَإِقَامَة الدَّلَائِل على معرفَة الْأَوَائِل.
(٥٨) وترتيب المبهمات على الْأَبْوَاب.
(٥٩) وأطراف الصَّحِيحَيْنِ على الْأَبْوَاب مَعَ المسانيد.
(٦٠) والتذكرة الحديثية عشرَة أَجزَاء.
(٦١) التَّذْكِرَة الأدبية فِي أَرْبَعِينَ جُزْءا.
[ ١ / ١٢٩ ]
(٦٢) والخصال المكفرة فِي الذُّنُوب الْمُقدمَة والمؤخرة.
(٦٣) وَتَخْرِيج الْأَحَادِيث المنقطعة / فِي السّير الهشامية.
(٦٤) وَالشَّمْس المنيرة فِي تَعْرِيف الْكَبِيرَة.
(٦٥) والمنحة فِيمَا علق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على الصِّحَّة.
(٦٦) وتوالي التأنيس بمعالي ابْن إِدْرِيس.
(٦٧) وتحفة المستريض المتمحص.
(٦٨) وفهرس الرِّوَايَات.
(٦٩) وَعلم الوشي فِيمَن رُوِيَ عَن أَبِيه عَن جده.
(٧٠) والأنوار بخصائص الْمُخْتَار.
(٧١) والآيات النيرات بخوارق المعجزات.
(٧٢) وَالْقَوْل المسدد فِي الذب عَن مُسْند أَحْمد.
[ ١ / ١٣٠ ]
(٧٣) وتعريف أولى التَّقْدِيس بمراتب الْمَوْصُوف بالتدليس.
(٧٤) والمطالب الْعَالِيَة فِي زَوَائِد المسانيد الثَّمَانِية.
(٧٥) وأنباء الْغمر بأنباء الْعُمر.
(٧٦) والدرة الكامنة فِي أَعْيَان الْمِائَة الثَّامِنَة.
(٧٧) ونزهة الْقُلُوب فِي معرفَة الْمُبدل والمقلوب.
(٧٨) ومزيد النَّفْع بِمَعْرِفَة مَا رجح فِيهِ الْوَقْف على الرّفْع.
(٧٩) وَبَيَان الْفَصْل بِمَا رجح فِيهِ الْإِرْسَال على الْوَصْل.
(٨٠) وتقويم السناد بمدرج الْإِسْنَاد.
(٨١) وتعجيل الْمَنْفَعَة بِرِجَال الْأَرْبَعَة.
(٨٢) وَالرَّحْمَة الغيثية بالترجمة الليثية.
(٨٣) والإعلام بِمن ولي مصر فِي الْإِسْلَام.
«٨٤) وَرفع الإصر عَن قُضَاة مصر.
(٨٥) انتفاض الِاعْتِرَاض - مُجَلد - أجَاب فِيهِ عَن اعْتِرَاض الْعَيْنِيّ عَلَيْهِ فِي شرح البُخَارِيّ.
(٨٦) (وحواشي على طَبَقَات السُّبْكِيّ.)
[ ١ / ١٣١ ]
(٨٧) وبلوغ المرام فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام.
(٨٨) وقوت الْحجَّاج فِي عُمُوم الْمَغْفِرَة للحجاج.
(٨٩) والخصال الموصلة للظلال.
(٩٠) والإعلام بِمن سمي مُحَمَّدًا قبل الْإِسْلَام.
(٩١) وَقُوَّة الْحِيَل فِي الْكَلَام على الْخَيل /.
(٩٢) والإيثار بِرِجَال الْآثَار لمُحَمد بن الْحسن.
(٩٣) وبذل الماعون فِي فضل الطَّاعُون.
(٩٤) والمنتخب من زَوَائِد الْبَزَّار على الْكتب السِّتَّة ومسند أَحْمد.
(٩٥) (والاستنثار على الأعن المعتار) .
(٩٦) وَأَسْبَاب النُّزُول.
(٩٧) ومعجم شُيُوخه.
(٩٨) (وَالْمجْمَع المؤسس فِي المعجم المفهرس) .
(٩٩) وفهرست مروياته.
(١٠٠) وَالْبناء الأبنة فِي بِنَاء الْكَعْبَة.
(١٠١) ونزهة النواظر إِلَى مَجْمُوعه.
[ ١ / ١٣٢ ]
(١٠٢) وإفراد مُسلم على البُخَارِيّ.
(١٠٣) وزيادات بعض الْمُوَطَّأ على بعض.
(١٠٤) وطرق حَدِيث صَلَاة التَّسْبِيح.
(١٠٥) وطرق حَدِيث: لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكُم.
[ ١ / ١٣٣ ]
(١٠٦) وطرق حَدِيث: من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط.
(١٠٧) وطرق حَدِيث جَابر فِي الْبَعِير.
(١٠٨) وطرق حَدِيث: نضر الله امْرَءًا.
(١٠٩) الإنارة بطرق حَدِيث غب الزِّيَارَة.
[ ١ / ١٣٤ ]
(١١٠) وطرق حَدِيث الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة من رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر خَاصَّة.
(١١١) وطرق حَدِيث: تعلمُوا الْفَرَائِض.
(١١٢) وطرق حَدِيث: المجامع فِي رَمَضَان.
(١١٣) وطرق حَدِيث: (الْقُضَاة) ثَلَاثَة.
[ ١ / ١٣٥ ]
(١١٤) وطرق حَدِيث: مِمَّن بنى لله مَسْجِدا.
(١١٥) وطرق حَدِيث المغفر.
(١١٦) وطرق حَدِيث: الْأَئِمَّة من قُرَيْش يُسمى: لَذَّة الْعَيْش.
(١١٧) وطرق حَدِيث: مِمَّن كذب عَليّ مُتَعَمدا.
[ ١ / ١٣٦ ]
(١١٨) وطرق حَدِيث: يَا عبد الرَّحْمَن لَا تسْأَل الْإِمَارَة.
(١١٩) وطرق حَدِيث: الصَّادِق المصدوق.
(١٢٠) وطرق حَدِيث: قبض الْعلم.
[ ١ / ١٣٧ ]
(١٢١) وطرق حَدِيث: الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
(١٢٢) وطرق حَدِيث: مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ.
(١٢٣) وطرق حَدِيث: احْتج آدم ومُوسَى.
[ ١ / ١٣٨ ]
(١٢٤) وطرق / حَدِيث: أولى النَّاس بِي.
(١٢٥) وطرق حَدِيث: مثل أمتِي مثل الْمَطَر.
(١٢٦) والنكت على نكت الْعُمْدَة للزركشي.
(١٢٧) وَالْكَلَام على حَدِيث: إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس.
(١٢٨) والمهمل من شُيُوخ البُخَارِيّ.
(١٢٩) والأصلح فِي إِمَامَة غير الْأَفْصَح.
(١٣٠) والبحث عَن أَحْوَال الْبَعْث.
(١٣١) وتلخيص التَّصْحِيف للدارقطني.
(١٣٢) وترتيب الْعِلَل على الْأَنْوَاع.
(١٣٣) ومختصر تلبيس إِبْلِيس.
[ ١ / ١٣٩ ]
(١٣٤) وَالْجَوَاب الْجَلِيل الْوَقْعَة فِيمَا يرد على الْحُسَيْنِي وَأبي زرْعَة.
(١٣٥) والنكت الظراف على الْأَطْرَاف للمزي.
(١٣٦) وَالِاعْتِرَاف بأوهام الْأَطْرَاف.
(١٣٧) والإمتاع بالأربعين المتباين بِشَرْط السماع.
(١٣٨) وَالْأَرْبَعُونَ المهذبة بالأحاديث الملقبة.
(١٣٩) وَبَيَان مَا أخرجه البُخَارِيّ عَالِيا عَن شيخ أخرج ذَلِك الحَدِيث أحد الْأَئِمَّة عَن وَاحِد عَنهُ.
(١٤٠) ومناسك الْحَج.
(١٤١) وَشرح مَنَاسِك الْمِنْهَاج للنووي - لم يتم.
(١٤٢) (والا فِي فَضَائِل القرءان) .
(١٤٣) وعشاريات الصَّحَابَة.
[ ١ / ١٤٠ ]
(١٤٤) وَالْفضل الأحمد فِي كنية أبي الْفضل واسْمه أَحْمد.
(١٤٥) والإجزاء بأطراف الْأَجْزَاء على المسانيد.
(١٤٦) والفوائد الْمَجْمُوعَة بأطراف الْأَجْزَاء المسموعة، على الْأَبْوَاب مَعَ المسانيد.
المصنفات الَّتِي لم يكملها وَكتب مِنْهَا الْيَسِير: -
وَمِمَّا شرع فِيهِ وَكتب مِنْهُ الْيَسِير:
(١٤٧) حَوَاشِي الرَّوْضَة.
(١٤٨) والمقرر فِي شرح الْمُحَرر.
(١٤٩) والنكت على شرح ألفية الْعِرَاقِيّ.
(١٥٠) (وَشرح التِّرْمِذِيّ.
(١٥١) وَرِجَال الْمسند) .
(١٥٢) ونكت على شرح مُسلم للنووي.
(١٥٣) ونكت على شرح الْمُهَذّب.
(١٥٤) ونكت على تَنْقِيح الزَّرْكَشِيّ.
(١٥٥) ونكت على شرح / الْعُمْدَة لِابْنِ الملقن.
(١٥٦) ونكت على جمع الْجَوَامِع سَمَّاهَا التَّعْلِيق النافع.
[ ١ / ١٤١ ]
(١٥٧) وَتَخْرِيج أَحَادِيث شرح التَّنْبِيه للزنكلوني.
(١٥٨) وَتَعْلِيق على مُسْتَدْرك الْحَاكِم.
(١٥٩) وَتَعْلِيق على مَوْضُوعَات ابْن الْجَوْزِيّ.
(١٦٠) ونظم وفيات الْمُحدثين.
(١٦١) (وَتَصْحِيح الرَّوْضَة كتب مِنْهُم مجلدًا إِلَى بَاب الصَّلَاة)
(١٦٢) وَالْجَامِع الْكَبِير فِي سنَن البشير النذير.
(١٦٣) وَشرح ألفية السِّيرَة للعراقي.
(١٦٤) وَالْمَسْأَلَة (السريجية) .
(١٦٥) والمؤتمن فِي جمع السّنَن - (مَحْذُوف الْأَسَانِيد) .
(١٦٦) وزوائد الْكتب الْأَرْبَعَة مِمَّا هُوَ صَحِيح.
(١٦٧) وَتَخْرِيج أَحَادِيث مُخْتَصر الْكِفَايَة.
(١٦٨) والاستدراك على تَخْرِيج أَحَادِيث الْإِحْيَاء للعراقي.
المصنفات الَّتِي رتبها
وَمِمَّا رتبه:
(١٦٩) تَرْتِيب الْمُتَّفق والمفترق للخطيب.
(١٧٠) وترتيب سَنَد الطَّيَالِسِيّ.
[ ١ / ١٤٢ ]
(١٧١) وترتيب غرائب شُعْبَة لِابْنِ مَنْدَه.
(١٧٢) وترتيب مُسْند عبد بن حميد.
(١٧٣) وترتيب فَوَائِد سمويه.
(١٧٤) وترتيب فَوَائِد تَمام.
مصنفات أُخْرَى مُخْتَلفَة
وَمِمَّا خرجه:
(١٧٥) الْمِائَة العشارية من حَدِيث الْبُرْهَان الشَّامي.
(١٧٦) وَالْأَرْبَعُونَ المتباينة.
(١٧٧) والعشارية من حَدِيث الْعِرَاقِيّ.
(١٧٨) والمعجم الْكَبِير للسامي.
(١٧٩) ومشيخة ابْن أبي الْمجد الَّذين تفرد بهم.
[ ١ / ١٤٣ ]
(١٨٠) ومشيخة ابْن الكويك الَّذين أَجَازُوا لَهُ.
(١٨١) وَالْأَرْبَعُونَ الْعَالِيَة لمُسلم على البُخَارِيّ.
(١٨٢) وضياء الْأَنَام لعوالي البُلْقِينِيّ شيخ الْإِسْلَام.
(١٨٣) وَالْأَرْبَعُونَ المختارة عَن شُيُوخ الْإِجَازَة للمراغي.
(١٨٤) ومشيخة القباني وَفَاطِمَة. /
(١٨٥) وبغي الرَّاوِي بأبدال البُخَارِيّ.
(١٨٦) والأبدال العوالي
(١٨٧) والإفراد الحسان من مُسْند الدَّارمِيّ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن.
(١٨٨) وثنائيات الْمُوَطَّأ.
(١٨٩) وخماسيات الدَّارَقُطْنِيّ.
[ ١ / ١٤٤ ]
(١٩٠) والأبدال المصفيات من السقفيات.
(١٩١) والأبدال العليات من الخلعيات.
(١٩٢) وتلخيص مغازي الْوَاقِدِيّ.
(١٩٣) وتلخيص الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة لِابْنِ كثير.
(١٩٤) وتلخيص الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ.
(١٩٥) (وتلخيص التَّصْحِيف للدارقطني) .
(١٩٦) وتلخيص التَّرْغِيب والترهيب لِلْمُنْذِرِيِّ.
(١٩٧) وَتَجْرِيد الوافي للصفدي.
(١٩٨) والأجوبة المشرقة عَن الْمسَائِل المفرقة.
(١٩٩) وَعجب الدَّهْر فِي فتاوي شهر.
(٢٠٠) وديوان الشّعْر.
[ ١ / ١٤٥ ]
(٢٠١) ومختصر يُسمى ضوء الشهَاب.
(٢٠٢) ومختصر مِنْهُ يُسمى السَّبْعَة السيارة.
(٢٠٣) وديوان الْخطب الأزهرية.
(٢٠٤) وديوان الْخطب القلعية.
(٢٠٥) ومختصر الْعرُوض.
(٢٠٦) والأمالي الحديثية وعدتها أَكثر من ألف مجْلِس وَقد نظم قبل مَوته فِيهَا أبياتًا فَقَالَ:
(يَقُول راجي إِلَه الْخلق أَحْمد من أمْلى حَدِيث نَبِي الْحق مُتَّصِلا)
(تدنوا من الْألف إِن عدت مجالسه تَخْرِيج إِذْ كَانَ رب قد دنا وَعلا)
(دنا برحمته لِلْخلقِ يرزقهم كَمَا علا عَن ممات الحادثات علا)
[ ١ / ١٤٦ ]
(فِي مُدَّة نَحْو كح قد مَضَت هملًا ولي من الْعُمر فِي ذَا الْيَوْم قد كملا /)
(سِتا وَسبعين عَاما رحت أحسبها من سرعَة السّير سَاعَات فيا خجلا)
(إِذا رَأَيْت الْخَطَايَا أوبقت عَمَلي فِي موقف الْحَشْر لَوْلَا أَن لي أملا)
(تَوْحِيد رَبِّي يَقِينا والرجاء لَهُ وخدمتي ولإكثار الصَّلَاة على)
(مُحَمَّد فِي صباحي والمسا وَفِي حظي ونطقي عساها تمحق الزللا)
(فأقرب النَّاس مِنْهُ فِي قِيَامَته من بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَانَ مشتغلًا)
(يَا رب حقق رجائي وَالَّذِي سمعُوا مني جَمِيعًا بِعَفْو مِنْك قد شملا)
[ ١ / ١٤٧ ]
وَلما عزل بالقاياتي سلم كل مِنْهُمَا على الآخر وَأنْشد ابْن حجر:
(عِنْدِي حَدِيث ظريف بِمثلِهِ يتَغَنَّى)
(من قاضيين يعزى هَذَا وَهَذَا يهنى)
(فَذا يَقُول أكرموني وَذَا يَقُول اسْتَرَحْنَا)
(ويكذبان جَمِيعًا فَمن يصدق منا)
وَقَالَ عِنْد موت الْجلَال البُلْقِينِيّ:
(مَاتَ جلال الدّين قَالُوا ابْنه يخلفه أَو فالأخ الْكَاشِح)
(فَقلت تَاج الدّين لَا لَائِق بِمنْصب الحكم وَلَا صَالح)
[ ١ / ١٤٨ ]
قَالَ: فَكَانَ كَمَا قلت فَإِنَّهُ ولي وَظهر مِنْهُ من التهور والإقدام على مَا لَا يَلِيق، وَتَنَاول المَاء من أَي جِهَة حَلَالا وحرامًا مِمَّا كَانَ يظنّ بِهِ وَلَا ألف النَّاس نَظِيره مِمَّن كَانَ قبله / مِمَّن ولي قَضَاء الشَّافِعِيَّة فِي الدولة التركية فَكتب البُلْقِينِيّ عَليّ الْهَامِش بِخَطِّهِ:
(أَخْطَأت يَا كَاذِب فِي قَوْله بل صَالح أهل لَهُ صَالح)
وَلَقَد - وَالله - لقد اخْتلف فِيمَا قَالَه أَنه كم قلت إِلَى آخر قَوْله فَالله يعامله بعدله. انْتهى.
وَكَانَ بَينه وَبَين الْجلَال البُلْقِينِيّ مَوَدَّة فَلذَلِك أنابه عَنهُ فِي الْقَضَاء، وَلما مَاتَ أَسف عَلَيْهِ، وَحكي أَنه لما وضع على المغتسل سمع قَائِل يَقُول - وَلم ير شخصه:
(يَا دهر بِعْ رتب العلى من بعده بيع الْهَوَاء إِن ربحت أم لم تربح)
[ ١ / ١٤٩ ]
(قدم وَأخر من أردْت من الورى مَاتَ الَّذِي قد كنت مِنْهُ تَسْتَحي)
وَكَانَ بَينه وَبَين الْعلم البُلْقِينِيّ مناقش بِسَبَب الْقَضَاء فَإِن كلا مِنْهُمَا عزل بِالْآخرِ وَإِن زَيْنَب بنت صَالح بن مظفر بنت عَم شَيخنَا البُلْقِينِيّ أم وَلَده صَالح تزَوجهَا الشَّيْخ فأولدها صَالحا، ثمَّ قدمت عَلَيْهِ أُخْته من بلقينه فَذكرت لَهُ أَنَّهَا أرضعتها فبحث الشَّيْخ عَن ذَلِك فصح لَهُ فاجتنبها قبل مَوته بِعشر سِنِين ثمَّ تزوجت بعده رجلا من الْعَوام فَوقف على ذَلِك الشَّيْخ صَالح فَكتب بِخَطِّهِ على الْهَامِش /
(أُخْت الشَّيْخ مُقِيمَة عِنْده قبل أَن يتَزَوَّج بالوالدة)
(وَلم يَصح هَذَا لِأَن أُخْته حَلَفت لَهُ أَنَّهَا لم ترضعها)
(لِأَنَّهَا كَانَت عجوزًا لما ولدت الوالدة)
وَقَالَ المص فِي " تَارِيخه ": سَأَلَ علم الدّين البُلْقِينِيّ نَاظر
[ ١ / ١٥٠ ]
الْجَيْش أَن ينْزع لَهُ من كِتَابه نظر جَامع طولون والناصرية ليشترك الْقَضَاء، وَالْعود لَهُ وَالسَّعْي فِيهِ فَرضِي كَاتبه بذلك. هَذَا كَلَامه. وَكتب الْعلم البُلْقِينِيّ على هَامِش النُّسْخَة بِخَطِّهِ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعجب من هَذَا المؤرخ - عَامله الله بعدله - هُوَ الَّذِي كتب قصَّة بِخَطِّهِ إِلَى السُّلْطَان يسْأَل فِيهَا النظرين لي وأرسلها لَهُ صُحْبَة القَاضِي عبد الباسط، وَلما عزل وَوليت أَنا كتبت أَنا قصَّة للسُّلْطَان أسأَل لَهُ فِيهَا بذلك فأرسلتها للسُّلْطَان بِسَبَبِهِ، وَكتب عَلَيْهَا وباشر، فَيُقَال لَهُ:
(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي بِمثلِهِ وَكم يفتري على الْجَانِي على نَفسه)
انْتهى.
ثمَّ قَالَ المص: حَضَرنَا مجْلِس البُخَارِيّ بالقلعة على الْعَادة، وَحضر الْعلم البُلْقِينِيّ بسعي شَدِيد مِنْهُ، فَكتب الْعلم البُلْقِينِيّ: وَالله لَيْسَ هَذَا بِصَحِيح، وَلم أسع فِي ذَلِك بل طُلبت. انْتهى.
[ ١ / ١٥١ ]
ثمَّ قَالَ المُصَنّف: وَلما شاع غضب السُّلْطَان من / الْقُضَاة، تحرّك صَالح البُلْقِينِيّ فِي الْعود إِلَى الْقَضَاء، فَكتب البُلْقِينِيّ على حَاشِيَته: يكذب، وَالله لم يَقع ذَلِك.
ثمَّ قَالَ المص: إِن الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ لما صرف عَن الْقَضَاء حصل لَهُ سوء مزاج لكَون الْأَخْذ عَنهُ بعض تلامذته بل وَيفهم عَنهُ وَأَرَادَ بذلك الْعلم البُلْقِينِيّ، فَكتب الْعلم على الْهَامِش بِخَطِّهِ: لم يكن من بعض تلامذته، وَلَا مِمَّن يفهم عَنهُ. وَمن نظمه:
(ثَلَاث من الدُّنْيَا إِذا حصلت لشخص فَلم يخْش من الضّر والضير)
(غنى عَن بنيها والسلامة مِنْهُم وَصِحَّة جسم ثمَّ خَاتِمَة الْخَيْر)
[ ١ / ١٥٢ ]
وَكتب الشريف صَلَاح الدّين الأسيوطي إِلَيْهِ ملغزًا فِي الْعقل:
(أَلا يَا ذَوي الْآدَاب وَالْعلم والنهى وَمن عَنْهُم طابت صبا وَقبُول)
(فديتكم لم لَا نَفِيس نفوسكم تصونونه كَيْمَا يعز وُصُول)
(فَإِنِّي رَأَيْت الْفضل قد صَار كاسدًا على إِن أهليه إِذن لقَلِيل)
(فَعَن رُؤَسَاء الْوَقْت عد وخلهم فَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سَبِيل)
(وَلَا تنس أَبنَاء الزَّمَان فشرح مَا يَسُرك مِنْهُم إِنَّه لطويل)
(سوى صَاحب يَا صَاح بِي مترفق وَذَاكَ لَهُ بَين الضلوع مقيل)
(يحِق لَهُ مني الصيانة أَنه قؤول لما قَالَ الْكِرَام فعول /)
(يصاحبني فِي الْقَبْض والبسط دَائِما وَلَيْسَ لَهُ بَين الْأَنَام عديل)
(وَلَيْسَ بجسم مَعَ جَهَالَة قدره على أَنه للجسم سَوف يؤول)
(وَفِي طردة تَلقاهُ بِالْقَلْبِ سَاكِنا وَلَيْسَ لميل الْقلب عَنهُ ذُهُول)
(إِذا اقْتصّ مِمَّن (قد) جنى عَنهُ لم يكن وفا وَقد صحت بِذَاكَ نقُول)
[ ١ / ١٥٣ ]
(لَهُ دِيَة كالنفس كَامِلَة إِذا وجوبا على الجانين حِين يَزُول)
(ويحسب حرف مِنْهُ نصف جَمِيعه وَفِي جمل الْحساب فِيهِ فُصُول)
(وَزَاد على عد الثَّلَاثِينَ ثَلَاثَة وَفِيه معَان فِي الْبَيَان يطول)
فَأَجَابَهُ: الْحَمد واهب الْعقل.
(أيا سيدًا شيدت معاليه رفْعَة وَجَرت لَهَا فَوق (السَّمَاء) ذيول)
(لكم فِي العلى وَالْفضل أَي نباهة وللضد عِنْد العارفين خمول)
(أَتَانِي لغز مِنْك لِلْعَقْلِ مدهش قؤول لما قَالَ الْكِرَام فعول)
(تنظم فِي سلك البلاغة درة وَذَلِكَ عِنْدِي فِي القلائد لولو)
(يَقُول جَوَابا لاعتذاري تهكمًا لأَنْت عَليّ بِالْجَوَابِ كَفِيل)
[ ١ / ١٥٤ ]
(نعم كَانَ فِي ميلي إِلَى الشّعْر نزهة وأبكار فكري مَا لَهُنَّ بعول)
(تشعب مني فكرتي غصب منصب تحملت مِنْهُ فِي كاهلي ثقيل)
(وَفصل قضايا فِي تفاصيل أمرهَا فُصُول وَكم عِنْد الْخُصُوم فُصُول)
(ومجلس إملاء وخطبة جُمُعَة ودرس وتعليل لَهُ وَدَلِيل /)
(حَدِيث وَتَفْسِير وَفقه كَرَامَة عقول تعاني فهمها وَتقول)
(لمستنبطاء الْفِقْه مستنبطاتها تزور فَإِن لم أضبطهن تَزُول)
[ ١ / ١٥٥ ]
(فطالب أسماع وفتيا وحاجة وطالب علم فِي البحوث سؤول)
(وَكلهمْ يرعوا نجاح مُرَادهم ويصحب إِن أرجأ بهم ويصول)
(وَهَذَا إِلَى أَوْقَات نوم وراحة وَأكل وَشرب يَعْتَرِيه ذُهُول)
(وَفِي نَفسِي ترويح نفس أحمها وناسب هزل هزلهن هزيل)
(وَأمر معاد رحت فِيهِ مفرطًا وَأمر معاش قد حواه وَكيل)
(وَلَا تنس أَبنَاء الرسائل أَنهم معي عوقوا نَحْو العقيق يمِيل)
(فَهَل لَا يرى هَذَا تفاصيل أمره فرَاغ لنظم فارغ وَيَقُول)
[ ١ / ١٥٦ ]
(أَنى يرى من لَيْسَ للشعر شَاعِر تطيع مفاعيل لَهُ وفعول)
(وَلست الَّذِي يُرْضِي ملوكا بِبَعْض مَا يدل عَلَيْهِ الْعقل وَهُوَ جليل)
(فانظم مَا لَو قَالَه الْغَيْر منشدًا لعاد وَسيف الذِّهْن مِنْهُ كليل)
«فعذرا) فَمَا أخرت نظم جوابكم لبخل وَلَكِن مَا إِلَيْهِ سَبِيل)
(وَقد صَحَّ قولي إِن جسمي مملًا وجسم انتحالي للقريض بخيل)
(فَإِن أَنْت لم تعذر أَخَاك وجدته وإيثاره للصبر عَنْك جميل)
(ولغزك فِي الْقلب اسْتَقر مقَامه وثلثاه للقلب الزكي مثيل)
[ ١ / ١٥٧ ]
(نَفِيس فَإِن قبلته فنفوس من يعافي الصِّبَا ظلت إِلَيْهِ تميل /)
(وَفِي قلبه أَيْضا يُرِيك مُسَافر يطيب إِذا هبت عَلَيْهِ قبُول)
(بقيت صَلَاح الدّين تقمع بالنهى فَسَادًا لَهُ فِي الفاضلين دُخُول)
(وَلم لَا يجوز الْعقل أجمع سيد غَدا حَمْزَة عَمَّا لَهُ وَعقيل)
وَمن نظم مَا كتب بِهِ إِلَى قُضَاة الْقُضَاة عَليّ الْآدَمِيّ الْحَنَفِيّ واقترح عَلَيْهِ أَن يعْمل على نمطه قَوْله:
(نسيمكم ينعشني والدجى طَال فَمن لي بمجيء الصَّباح)
(وَيَا صباح الْوَجْه فارقتكم فَثَبت لَهما إِذا فقدت الصَّباح)
[ ١ / ١٥٨ ]
فَأجَاب الْآدَمِيّ بقوله:
(يَا متهمي بِالصبرِ كن منجدي وَلَا تطل رفضي فَإِنِّي عليل)
(أَنْت خَلِيل لي عَن الْهوى كن لشجوني راحمًا يَا خَلِيل)
وَلما عمر السُّلْطَان الْمُؤَيد المؤيدية وأتمها مَالَتْ المئذنة الَّتِي بنيت على البرج الشمالي فخيف سُقُوطهَا فَهَدمهَا، فَقَالَ الْمُؤلف فِي ذَلِك معرضًا بالعيني شَارِح البُخَارِيّ:
(بِجَامِع مَوْلَانَا الْمُؤَيد رونق منارتها بالْحسنِ تزهو وبالزيني)
(تَقول وَقد مَالَتْ عَن الْقَصْد أمهلوا فَلَيْسَ على جسمي أضرّ من الْعَيْنِيّ)
[ ١ / ١٥٩ ]
فَبلغ الْعَيْنِيّ فَقَالَ:
(مَنَارَة كعروس الْحسن إِذْ جليت وهدمها بِقَضَاء الله وَالْقدر /)
(قَالُوا أُصِيب أحبيت بِعَين قلت ذَا غلط مَا أوجب الْهدم إِلَّا خسة الْحجر)
قَالَ الْمُؤلف: وَهَذَانِ البيتان عملهما لَهُ النواجي - لَا بَارك الله فِيهِ.
وَورد لصَاحب التَّرْجَمَة سُؤال فِي الْفَرَائِض منظوم مَعْنَاهُ:
إِن وَرَثَة اقتسموا مَال مُورثهم وَفِيهِمْ غَاصِب، ثمَّ قبل وَفَاء دينه طالبهم صَاحب الدّين، فَقَالَ: لَا أعطي إِلَّا مَا يخصني، وَكَانُوا عَالمين بِالدّينِ، فَأجَاب عَنهُ بِبَيْت وَاحِد، وَتعقبه فِيهِ السيرجي:
(لصَاحب الدّين أَخذ الدّين أجمعه فِي حِصَّة الْغَاصِب الْمَذْكُور فِي طلق)
(وَقِسْمَة المَال قبل الدّين بَاطِلَة وَبعد أَن علمُوا ضرب من الْحمق)
[ ١ / ١٦٠ ]
(وَمَا احتوى العاصب الْمَذْكُور مُرْتَهن بِالدّينِ فَهُوَ بِهِ فِي ربقة الْعُنُق)
(هَذَا بَيَان جَوَاب الحبر سيدنَا قَاضِي الْقُضَاة المفدى عَالم الْفرق)
(فَخذ جَوَابا لنجل السيرجي فقد جَاءَ الْجَواب بِالِاسْتِثْنَاءِ على نسق)
(ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضر خير الْبَريَّة فِي خلق وَفِي خلق)
ثمَّ قرىء على صَاحب التَّرْجَمَة فأسدى إِلَيْهِ مَعْرُوفا فمدحه بِهَذِهِ الأبيات:
(بِاللَّه قل لإِمَام الْعَصْر سيدنَا قَاضِي الْقُضَاة المفدى عَالم الْفرق)
(يَا حَافظ الْعَصْر حَتَّى لَا نَظِير لَهُ يَا نخبة الدَّهْر مِمَّن قد مضى وبقى)
(يَا جَامعا من فنون الْفضل أجمعها وَيَا خَطِيبًا إِلَى الْمجد المنيف رقى)
(جمعت مفرقات الْحسن فانعطفت عَلَيْك طرًا وَهَذَا الْعَطف بالنسق /)
[ ١ / ١٦١ ]
(لقد حرست سَمَاء الْعلم فانحفظت بثاقب الْفَهم يردي كل مسترق)
(وَقد روينَا أَحَادِيث الشهَاب بِإِسْنَاد يجود لَهُ الْمَأْثُور بالطرق)
(إِن كنت فِي النَّاس معزوًا إِلَى حجر فَإِنَّهُ الأثمد الْمَوْصُوف للحدق)
(بل المكرم من جَاءَت مدائحنا لِلْإِسْلَامِ تَجِد السّير فِي حنق)
(قلدتنا مثل أطواق الْحمام فِي الْأَنْعَام فضلا فصرنا وَهِي فِي نسق)
(فالورق تصدح بالأشجار فِي ورق وَنحن نمدح بالأسحار فِي ورق)
(وأسأل الله مجري سحب أنعمه من فَضله غدقًا من فضلك الغدق)
[ ١ / ١٦٢ ]
(ثمَّ الصَّلَاة على خير الورى وعَلى أَصْحَابه وَذَوِيهِ أنجم الغسق)
وَسَأَلَ الشَّمْس الْمصْرِيّ صَاحب التَّرْجَمَة سؤالًا صورته:
(يَا حَافظ الْعَصْر وَيَا من لَهُ تشد من أقْصَى الْبِلَاد الرّحال)
(وَيَا إِمَامًا للورى أمة محط آمال الثِّقَات الرِّجَال)
(ابْن الْعِمَاد الشَّافِعِي ادّعى وُرُود مَا فاد بِهِ فِي الْمقَال)
(شِرَاركُمْ عُزَّابُكُمْ إِنَّه من خبر الْمَرْوِيّ حَقًا يُقَال)
(فَهَل أَتَى فِي مُسْند مَا ادّعى أَو أثر يرويهِ أهل الْكَمَال)
(بَين رعاك الله يَا سَيِّدي جَوَاب مَا ضمنته فِي السُّؤَال)
(لَا زلت يَا مَوْلَانَا لنا دَائِما فِي الْحَال والماضي كَذَا فِي المَال)
[ ١ / ١٦٣ ]
فَأَجَابَهُ /:
(أَهلا بهَا بَيْضَاء ذَات اكتحال بالنقش تزهو ثوبها بالصقال)
(منت بوصل بعد وصل شفى من ألم الْفرْقَة بعد اعْتِدَال)
(لتسأل هَل جَاءَ لنا مُسْندًا عَمَّن لَهُ الْمجد سما والكمال)
(ذمّ أولي الْعزبَة قُلْنَا نعم من مَال عَن ألف وَفِي الْكَفّ مَال)
(أرذال الْأَمْوَات عُزَّابُكُمْ شِرَاركُمْ عُزَّابُكُمْ يَا رجال)
[ ١ / ١٦٤ ]
(أخرجه أَحْمد والموصلي وَالطَّبَرَانِيّ الثِّقَات الرِّجَال)
(من طرق فِيهَا اضْطِرَاب وَلَا تخلوا من الضعْف على كل حَال)
وَفَاته
وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْحجَّة سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وثمان
[ ١ / ١٦٥ ]
وَمِائَة، عَن تسع وَسبعين سنة، وَدفن بالقرافة.
أشعار مُخْتَلفَة لِابْنِ حجر
وَمن نظمه:
(أظهر جمالك للعيون وابده وصل الوداد لمن رضيك لوده)
(فحسام هَذَا الجفن مذ جردته للنَّاس أضحى خَارِجا عَن حَده)
(وَالِي مر صبك بالجفا فِي عَكسه وتزيد عَن بَاب الجفا فِي طرده)
(وتسيل أدمعه إِذا فارقته وَإِذا أَقمت بَكَى ليَالِي صده)
[ ١ / ١٦٦ ]
(إِذْ يخض أَيَّام الْهوى بِحِسَابِهِ جاوزه عَن بَاب الصدود وعده)
(ومهفهف فِي عارضيه جنَّة نَبتَت على نيران صفحة خَدّه)
(لما رأى الألحاظ ترشق خَدّه جَاءَ العذار مُقَدرا فِي سرده)
(وَمن الْعَجَائِب أَنه نسل الخطا وَهُوَ الَّذِي قتل الْمُحب بعمده /)
(وَمن المصايب أَن سيف لحاظه قتل النُّفُوس وَمَا بدا من غمده)
(إِن مَاتَ تجْرِي مقلتي بدمائها فكأنني فِيهَا طعنت بقده)
(وَلَقَد نثرت مدامعي فنظمتها فِي لَفظه أَو ثغره أَو عقده)
[ ١ / ١٦٧ ]
(غلب النحول عليّ حَتَّى أنني حاكيت رقة خصره أَو بنده)
(إِنِّي بليت بِمن أروم وصاله وأخاف وَالِده وسطوة جده)
(وفتنت بالخد الَّذِي هُوَ خطه فطويل هجري من أَبِيه وجده)
(عمري لَئِن تاه الحبيب بحسنه فالعاشق المهجور تاه بمجده)
وَله أَيْضا - ﵀ -:
(بَان سرى من دموعي حِين بانوا وافتضاحي)
(وجهاتي مليت من فرط حزني ونواحي)
وَله أَيْضا:
(خَاضَ العواذل فِي حَدِيث مدامعي لما رأو كالسير سرعَة سيره)
[ ١ / ١٦٨ ]
(فحبسته لأصون سر هواكم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره)
وَله أَيْضا:
(وعاشق لَيْسَ لَهُ إِلَّا الجبا أدنى سَبَب دب على معشوقه فَمَا رأى مِنْهُ أدب)
نظمه أَسمَاء الصَّحَابَة الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ
ونظم عدد أَسمَاء الصَّحَابَة الْعشْرَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَقَالَ /:
(لقد بشر الْهَادِي من الصحب عشرَة بجنات عدن كلهم قدره عَليّ)
[ ١ / ١٦٩ ]
(عَتيق سعيد سعد عُثْمَان طَلْحَة زبير ابْن عَوْف عَامر عمر عَليّ)
نظمه جَوَاز الشّرْب قَائِما
ونظم جَوَاز الشّرْب قَائِما فَقَالَ:
(إِذا رمت تشرب فاجلس تفز بِسنة صفوة أهل الْحجاز)
(وَقد صححوا شربه قَائِما وَلكنه لبَيَان الْجَوَاز)
نظمه الْأَيَّام الَّتِي يتوقى الِانْتِقَال فِيهَا من أَيَّام الشَّهْر
وَله فِي الْأَيَّام الَّتِي يتوقى الِانْتِقَال فِيهَا من أَيَّام الشَّهْر هُوَ مَا قَالَ:
(توق من الْأَيَّام سبعا كوامل وَلَا تحدثن فِيهِنَّ امْرَءًا وَلَا سفر)
[ ١ / ١٧٠ ]
(وَلَا تحتفر بِئْرا وَلَا دَار تشتري وَلَا تصْحَب السُّلْطَان فالحذر الحذر)
(وَلَا تلبس ثوبا جَدِيدا وحلة وَلَا تنْكح الْأُنْثَى وَلَا تغرس الشّجر)
(ثَلَاث وَخمْس ثمَّ ثَالِث عشرَة وتتبعه من بعده السَّادِس الْعشْر)
(وحادية الْعشْرين إياك شومة وَأَرْبَعَة الْعشْرين وَالْخَامِس الأشر)
(روينَاهُ عَن بَحر الْعُلُوم نصيحة عَليّ ابْن عَم الْمُصْطَفى سيد الْبشر)
الْأَشْعَار فِي مدح ابْن حجر
وَقد مدحه جمَاعَة كَثِيرُونَ، مِنْهُم مبارك شاه ذَاكِرًا ختم
[ ١ / ١٧١ ]
البُخَارِيّ تأليفه:
(أتبرز خدا للمقبل أم يدا وَتعطف قدا للمعانق أميدا)
(وتسبل فرعا طَال سهدي بليله وتطلع من فرق الغزالة فرقدا)
(فديتك لَا أخْشَى الغلال بقرعها وَقد لَاحَ فرق للضلال من الْهدى)
(وَمن عجب أَنِّي خليع صبَابَة وشوقي إِلَيْهَا لَا يزَال مجددًا /)
(وأعجب من ذَا إِن لين قوامها تثني بِجمع الْحسن يخْطر مُفردا)
(لَهَا سيف لحظ فَوق دِينَار وجنة فيا فرق قلب قد رَآهُ مُجَردا)
(وطرف غَد فِي السحر فتْنَة عاشق نحيل من حَبل الذوايب أسودا)
[ ١ / ١٧٢ ]
(ومذ قلت إِن الْوَجْه لِلْحسنِ جَامع غَدا الطّرف فِي محرابه مترددا)
(وَلم لَا يكون الْوَجْه قبْلَة عاشق إِذا مَا جلا ركنا من الْخَال أسودا)
(فوا لهف قلبِي وَهِي تقلبه فِي القلى على قيس من ضدها قد توقدا)
(وَمَجْنُون طرفِي فِي شبابيك هَدْيه مسلسلة من دمعة قد تعبدا)
(وَلَو لَاحَ للأحي بديع جمَالهَا لما رَاح فِيهِ الْيَوْم يلحي وَلَا غَدا)
(لَهَا طلعة أبهى من الشَّمْس بهجة كَأَن شهَاب الدّين فِي وَجههَا بدا)
[ ١ / ١٧٣ ]
(شهَاب ضِيَاء الدّين من نور فَضله زكي على الْآفَاق يشرف بالهدا)
(وَنحر رَأَيْت الْقلب مِنْهُ بصدره وَلَكِن حوى ذهنًا غَدا متوقدا)
(فكم رمت مَحْمُود الأيادي فَلم أجد ريسا غير أَحْمد أحمدا)
(وناهيك من قدر حواه وَكَاد أَن يدر والورى مِنْهُ يكون مجيدا)
(لَهُ منطق فِي كل عقد يحله من الشهد أشهى حِين تحضر مشهدا)
(لَهُ قلم كالميل والنقش كحله يداوي بِهِ من كَانَ فِي النَّاس أرمدا)
(لمرتاح حسن الْخط والحظ والنهى فَمَا سود التصنيف إِلَّا وجودا)
[ ١ / ١٧٤ ]
(وزهد فِي التَّأْلِيف كل مؤلف فَصَارَ بتأليف الحَدِيث مزهدا /)
(إِذا مَا حضرت الْيَوْم مجْلِس حكمه ترى فِيهِ مَا فِيهِ الْخَلَاص لَهُ عدا)
(فدم لجَمِيع النَّاس فِي الْعَصْر سيدا فَإنَّك فِي الْعليا قد لحت مُفردا)
(عَن الصعب يرَوْنَ المكارم للورى وَلَا زَالَ عَن سهل عطاؤك مُسْندًا)
(وعلمك جم والتصانيف جملَة وَوَاللَّه مَا فِي الْعَصْر غَيْرك يقتدا)
(صَحِيح البُخَارِيّ مذ شرحت حَدِيثه بِفَتْح من الْبَارِي وَنصر تأيدا)
(فكم مغلق بِالْفَتْح أصبح وَاضحا إِلَى فهم لولاك مَا كَانَ مهتدا)
[ ١ / ١٧٥ ]
(فَللَّه فتح طن فِي الْكَوْن ذكره أغار إِلَى أقْصَى الْبِلَاد وأنجدا)
(وَكم صدر صدر قد شرحت بختمه وَكم حَاسِد بالهم مِنْهُ تنهدا)
(هَنِيئًا لَهُ قد سَار بَين ذَوي النهى وَمَا سَار حَتَّى صَار مثلك أوحدا)
(وَكم دمد حلي على حسنه انطوى فأظهر حَقًا بالسرور وموردا)
(فعش لوفود سيف نَحْوك عيشهم إِذا زَمْزَم الْحَادِي بذكرك أوحدا)
وللمنصوري يمدح صَاحب التَّرْجَمَة:
(إِن قَاضِي الْقُضَاة باسم أَبِيه رفع الله قيمَة الْأَحْجَار)
[ ١ / ١٧٦ ]
(هُوَ من جَوْهَر عَجِيب ومرجان غَرِيب وَفِضة ونضار)
(يهْبط الْبَعْض مِنْهُ من خشيَة الله وَبَعض ينشق بالأنهار)
وللشمس النواجي أديب الْعَصْر، وفريد الدَّهْر، وَقد أعطَاهُ شاشا:
(شكرا لفضلك يَا قَاضِي الْقُضَاة وَمن يحار فِي معنى جوده الناشي /)
(توجت رَأْسِي بِمَا أهديته فغدت لي حلية بك أرويها عَن الشَّاشِي)
فَقَالَ أَحْمد بن نصر الله التسترِي لما أتم تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ:
(جزى الله رب الْعَرْش خير جَزَائِهِ مخرج ذَا الْمَجْمُوع يَوْم لِقَائِه)
[ ١ / ١٧٧ ]
(لقد حَاز قصبات السباق بأسرها وفاز بمرقى لَا انْتِهَاء لارتقائه)
(يَدُوم لَهُ عز بِهِ وجلالة وَذكر جميل شامخ فِي ثنائه)
(فَلَا زَالَ مَقْرُونا بِكُل سَعَادَة وَلَا انْفَكَّ محروس الْعلَا فِي اعتلائه)
(وَلَا بَرحت أقلامه فِي سَعَادَة توقع الْأَحْكَام طول بَقَائِهِ)
(وخرقت الْعَادَات فِي طول عمره تزيد على الْأَعْمَار عِنْد وفائه)
وَقَالَ ابْن الْمُقْرِئ:
(قل لِلشِّهَابِ بن عَليّ بن حجر سورا على مودتي من الْغَيْر)
[ ١ / ١٧٨ ]
(فركن ودي فِيك قد أسسته من الصَّفَا والمروتين وَالْحجر)
فَأَجَابَهُ الْمُؤلف بقوله:
(يَا أَيهَا القَاضِي الَّذِي مُرَاده مُوَافق حكم الْقَضَاء وَالْقدر)
(در لَهُ ثدي الْمعَانِي حافلًا حَتَّى احتوى على الْمعَانِي وَقت در)
ومدحه الأبي بقوله:
(أَقمت بِمصْر يَا صدر الأعالي وصيتك فِي العوالم غير خافي)
(وينت الوري جيلًا فجيلًا فشرقت القوادم والخوافي /)
وَطلب من إِبْرَاهِيم بن رِفَاعَة إِجَارَة بقوله:
(تطلب إِذْنا بالرواية عَنْكُم فعادتكم إِيصَال بر وإحسان)
[ ١ / ١٧٩ ]
(ليرْفَع مقداري ويخفض حاسدي وافخر بَين الطالبين ببرهان)
فَأَجَابَهُ مخطيا للوزن فِي الْبَيْت الثَّانِي:
(أجزت شهَاب الدّين دَامَت حَيَاته بِكُل حَدِيث حَاز سَمْعِي بإتقان)
(وَفقه وتاريخ وَشعر رويته وَمَا سَمِعت أُذُنِي وَقَالَ لساني)
ومدحه الشهَاب ابْن عمر التروجي بقصيدة مِنْهَا:
(جمال الدّين أَحْمد جَاءَت فِيهِ آيَات وَفِي مَعَانِيه قد صحت رِوَايَات)
(وَفِي محاسنه الْحسنى قد وَردت أَخْبَار صدق وَفِي الْمَعْنى حكايات)
ومدحه إِبْرَاهِيم الخوافي بقوله:
(شهَاب الْمجد من شرف وَقدر علا مستغنيًا عَن اتصاف)
[ ١ / ١٨٠ ]
(مُحِيط الْفَخر طود الْعلم حَقًا لَهُ الْفضل الْعَظِيم بِلَا خلاف)
انْتهى مَا أوردناه من تَرْجَمَة الْمُؤلف الْمَذْكُور - رَحمَه الله تَعَالَى - ولنشرع الْآن فِي الْمَقْصُود من شرح شرح النخبة الْمَذْكُورَة. وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان.
[ ١ / ١٨١ ]
شرح الْبَسْمَلَة والحمدلة
قَالَ ﵀: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، الْحَمد الله. افْتتح بالبسملة، وعقبها بالحمدلة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْمجِيد، المفتتح بِالتَّسْمِيَةِ والتحميد، وَعَملا بالأثر الْمَأْثُور، وَالْخَبَر الْمَشْهُور، / (كل أَمر ذِي لَا يبتدأ فِيهِ بِسم الله فَهُوَ أَبتر) . . (وكل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم) .
وَمعنى بَدو الْأَمر ذِي البال بذلك أَن تصدره بِهِ، وتذكره بَادِي بَدو وتجعله أول الْعَمَل على مَا هُوَ الشايع الْمُتَبَادر من بَدو الشَّيْء بالشَّيْء، وَقد نَص عَلَيْهِ
[ ١ / ١٨٢ ]
فِي " الْكَشَّاف "، وَوَقع عَلَيْهِ عمل أهل الْحل وَالْعقد من الْعَهْد النَّبَوِيّ إِلَى الْآن، وَلِهَذَا أوردوا أَن بَين ظاهري الْحَدِيثين تَعَارضا إِذْ الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا يفوت الْعَمَل بِالْآخرِ.
وَالْبَاء للإلصاق، كَقَوْلِك بِهِ دَاء، وَأَقْسَمت بِاللَّه فَإِن البدو لصق باسم الله لصوق الرَّاء بِالرجلِ. وَلَا يَنْبَغِي حملهَا على الِاسْتِعَانَة لِأَنَّهَا إِنَّمَا تتَصَوَّر فِي الْأُمُور الَّتِي لَهَا شَأْن وخطر من حَيْثُ أَن الحَدِيث أَفَادَ أَنَّهَا خداج لَا يعْتد بهَا شرعا وَإِن تمت حسا مَا لم تصدر باسمه تَعَالَى فَكَانَ بِمَنْزِلَة آله يستعان بهَا فِي إِتْمَامهَا، وَأما البدؤ فِي محقرات الْأُمُور فَلَا يتَصَوَّر فِيهَا ذَلِك لتمامها بِدُونِهِ حسا وَشرعا، تيسيرًا على الْعباد، وصونًا لذكر الله عَن الابتذال.
وَلَا على الملابسة لِأَن بَاء الملابسة تفِيد تلبس فَاعل الْفِعْل
[ ١ / ١٨٣ ]
الَّذِي وَقع فِي خَبره أَو فِي مَفْعُوله. بمجردها حَال تلبسه بذلك للْفِعْل كَمَا فيقولك: خرج زيد بعشيرته، واشتريت / الرَّحَى بأدواتها، فَيكون الْمَعْنى وجوب تلبس الْفَاعِل بِذكر بِسم الله حَال تلبسه بذلك للْفِعْل كَمَا فِي قَوْلك: خرج زيد بعشيرته، واشتريت / الرَّحَى بأدواتها، فَيكون الْمَعْنى وجوب تلبس الْفَاعِل بِذكر بِسم الله حَال تلبسه بِعَمَل آخر جُزْء من الْأَمر الْمَشْرُوع فِيهِ، فَيفوت الْمَعْنى المُرَاد على أَنه لَا يُمكن ذَلِك فِي بعض الْأَفْعَال كالتلاوة، وَالْأكل، وَالشرب.
ومنشأ الِاشْتِبَاه مَا قيل: من تَعْلِيق اسْم الله بِالْفِعْلِ الْمَقْصُود فِي قَول الْفَاعِل بِسم الله تعلق الِاسْتِعَانَة أَو الملابسة فَظن أَن الْحَال فِي لفظ الحَدِيث على ذَلِك، حَتَّى قيل لَا تعَارض بَين الْحَدِيثين إِذْ يُمكن الِاسْتِعَانَة فِي عمل وَاحِد بأمرين، وَكَذَا صور مثل ذَلِك فِي التَّلَبُّس بارتكاب مَا فِيهِ تعسف ثمَّ أَن الْآيَة الْمُبْتَدَأ بهَا كتاب الله بَيَان لِمَعْنى الْحَدِيثين، وَكَيْفِيَّة الْعَمَل بهما، حَيْثُ وصف فيهمَا أثْنَاء التَّيَمُّن باسمه بِكَوْنِهِ معطيًا لجلائل النعم، ودقائقها فَإِن الْحَمد لله الَّذِي هُوَ الْوَصْف بالجميل على الْجَمِيل قبل الْفَرَاغ من أَمر التَّسْمِيَة، فَظهر أَن التَّسْمِيَة لكَونهَا ذكر الذَّات يجب تَقْدِيمهَا بِوَجْه مَا على
[ ١ / ١٨٤ ]
الْحَمد الَّذِي هُوَ ذكر الْوَصْف بِقدر مَا ينْدَفع بِهِ ضَرُورَة امْتنَاع الْجمع بَينهمَا فِي المبدؤ، فَيكون البدو بِالْحَمْد إضافيًا قَرِيبا من الْحَقِيقِيّ.
وَأما جعل الِابْتِدَاء أمرا عرفيًا ممتدًا فَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَقد أُجِيب أَيْضا بأجوبة غير طايل لَا نطيل بهَا.
معنى علم الله
الَّذِي / لم يزل عليما بِجَمِيعِ الكليات والجزئيات، محيطا بهَا، قَالَ تَعَالَى: (عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة) . وَهَذِه الْأَفْعَال المتقنة تدل على علم فاعلها، وَمن تفكر فِي بَدَائِع الْآيَات السماوية والأرضية وَفِي نَفسه وجد دقائق حِكْمَة تدل على كَمَال حكم مبدعها، وَعلمه الْكَامِل، (سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم) .
وَلَا يرد أَن الْحَيَوَانَات قد يصدر عَنْهَا أَفعَال عَجِيبَة متقنة كَمَا يُشَاهد من
[ ١ / ١٨٥ ]
بيُوت النَّمْل والنحل، فَإِنَّهَا مخلوقة لله على أصُول الْأَشْعَرِيّ، إِذْ لَا يُؤثر غَيره على أَن عدم علم تِلْكَ الْحَيَوَانَات بهَا محَال، بل بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة يدل على علمهَا، قَالَ تَعَالَى (وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا) . ونظائره كثير، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْعلمِ فِي حَقه تَعَالَى مَا يشبه علم الْمَخْلُوق، فَإِن علمنَا عرض ومحدث وقاصر، ومستفاد من الْغَيْر، وَعلمه تَعَالَى صفة أزلية كَامِلَة ذاتية، يدْرك بهَا كل مَعْلُوم على وَجه الشُّمُول والإحاطة: وَاجِبا، أَو جَائِزا، أَو محالًا كليًا، أَو جزئيًا، يعلم ذَلِك كَمَا هُوَ بِعلم قديم وَاحِد، وَلَا تَتَعَدَّد المعلومات، وَلَا تتجدد بتجددها، أحَاط بِكُل شَيْء علما، فَعلمه مُحِيط بِكُل شَيْء جملَة وتفصيلا، كليًا وجزئيًا، كَيفَ لَا يُعلمهُ وَهُوَ خلقه؟ (أَلا يعلم من خلق) وَقد اشْتهر عَن الْحُكَمَاء / أَنه لَا يعلم الجزئيات المادية بِالْوَجْهِ الجزئي، بل إِنَّمَا يعلمهَا بِوَجْه كلي محتم فِي الْخَارِج وَقد كثر تشنيع الطوائف عَلَيْهِم فِي ذَلِك، وَكَفرُوا من قَالَ بِهِ، حَتَّى أَن
[ ١ / ١٨٦ ]
الْعَلامَة النصير الطوسي - مَعَ توغله فِي الِانْتِصَار لَهُم - قَالَ: هَذِه السِّيَاقَة مِنْهُم تشبه سِيَاقَة الْفُقَهَاء فِي تَخْصِيص بعض الْأَحْكَام بِأَحْكَام تعارضها فِي الظَّاهِر، وَذَلِكَ أَن الحكم بِأَن الْعلم بِالْعِلَّةِ يُوجب الْعلم بالمعلول إِن لم يكن كليًا لم يُمكن أَن يحكم بإحاطة الْوَاجِب بالكلي وَإِن كَانَ كليًا وَكَانَ الجزئي الْمُتَعَيّن من جملَة معلولاته يُوجب ذَلِك الحكم أَن يكون عَالما بِمَا لَهُ فَالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون عَالما بِهِ لِامْتِنَاع أَن يكون الْوَاجِب مَوْضُوعا للتغيير
[ ١ / ١٨٧ ]
بتخصيص لذَلِك الحكم الْكُلِّي بِأَمْر آخر يُعَارضهُ فِي بعض الصُّور، وَهَذَا دأب الْفُقَهَاء وَمن يجْرِي مجراهم، وَلَا يجوز أَن يَقع مثل ذَلِك فِي المباحث المعقولة لِامْتِنَاع تعَارض الْأَحْكَام فِيهَا. إِلَى هُنَا كَلَامه.
وَمِمَّا رد بِهِ عَلَيْهِم أَن تغير الْإِضَافَة لَا يُوجب تغير الْمُضَاف كالقديم يُوجد قبل الْحَادِث ثمَّ بعده.
فَإِن قلت: كَيفَ مَال إِلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام مَعَ تصريحهم بتكفير منكري الْعلم بالجزئيات؟ قلت: قَالَ فِي " الفتوحات " إِنَّمَا أَرَادَ / الْحُكَمَاء بِمَا عزي إِلَيْهِم أَنه سُبْحَانَهُ عَالم بالجزئيات فِي ضمن الكليات، من غير احْتِيَاج إِلَى تَحْلِيل وتفصيل كَمَا فِي علم الْمَخْلُوقَات، فأرادوا الْمُبَالغَة فِي التَّنْزِيه فأخطأوا فِي التَّعْبِير فَقَط، فالحجة لحظ ذَلِك، وَعَلِيهِ لَيْسَ فِي الْعَالم من يُنكر تعلق الْعلم بالجزئيات، فَإِن وَقع ذَلِك من بعض المقلدين فَهُوَ خطأ فِي الْفَهم عَن أسلافهم.
بَيَان قدرَة الله ﷿
قَدِيرًا أَي قدرَة ذَا تَامَّة، واستيلاؤه عَام على كل مَوْجُود، جوهرًا
[ ١ / ١٨٨ ]
كَانَ أَو عرضا. وَقدرته غير مُنْقَطِعَة وَلَا مقتصرة على بعض الممكنات، لِأَن الْمُقْتَضى للقادرية هُوَ الذَّات والمصحح للمقدورية الْإِمْكَان، فَالله على كل شَيْء قدير، وخالفت الْمُعْتَزلَة فِي القبائح، وَالْبَعْض فِي مَقْدُور العَبْد، وَالْبَعْض فِي مثله.
وَالْمرَاد بالمقدور الْمُمكن، فالمستحيل لَا تتَعَلَّق الْقُدْرَة بِهِ لَا لنَقص فِيهَا بل لعدم قابليته للوجود، فَلم يصلح محلا لمتعلقها، وَقَول من قَالَ هُوَ قَادر على اتِّخَاذ ولد وَإِلَّا فَهُوَ عجز.
رد بِأَن اتِّخَاذه محَال، وَهُوَ لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة فَلَا عجز. وَأنكر الْحُكَمَاء كَونه قَادِرًا، لِأَن صُدُور الْفِعْل عَن الْقَادِر يتَوَقَّف عِنْدهم على الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَقه غير مُتَصَوّر، لِأَنَّهُ الْغَنِيّ الْمُطلق فَلَا محَال لِأَن يكون الدَّاعِي مصلحَة الْغَيْر، والعالي لَا يفعل لأجل السافل / فَلَا احْتِمَال لِأَن يكون الذاتي مصلحَة الْغَيْر فانسد بَاب الدَّاعِي فِي حَقه تَعَالَى.
ورد بِأَنَّهُ لَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يكون مُتَمَكنًا من الْفِعْل وَالتّرْك أصلا حَتَّى يلْزم الْإِيجَاب، لِأَن التَّمَكُّن من الْفِعْل وَالتّرْك فِي الْجُمْلَة بِأَن لَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا لَازِما لذات الْفَاعِل لَا يسْتَلْزم الْحَاجة إِلَى الدَّاعِي، إِنَّمَا الْحَاجة إِلَيْهِ عِنْد صِحَة كل مِنْهُمَا بَدَلا عَن الآخر فِي الْوَاقِع، وَهَذَا أخص من الأول.
[ ١ / ١٨٩ ]
بَيَان حَيَاة الله ﷿
حَيا أَي ذَا حَيَاة أزلية، وَلَيْسَ المُرَاد فِي حَقه تَعَالَى بِالْحَيَاةِ مَا يشبه حَيَاة الْمَخْلُوق، لِأَنَّهَا إِمَّا اعْتِدَال المزاج النوعي، أَو قُوَّة تتبع ذَلِك المزاج تفيض مِنْهَا قوى الْحس وَالْحَرَكَة، وكل ذَلِك محَال فِي حَقه تقدس، بل صفة أزلية توجب صِحَة الْعلم وَالْقُدْرَة.
بَيَان قيوميته ﷾
قيومًا أَي قَائِما بِكُل شَيْء تدبيرًا، وحفظًا، وَرِزْقًا، وَالْقِيَام بِأَمْر الموجودات هُوَ قيام لَا يتناهى فَيكون الْقيام بِأَمْر لَا يتناهى لَا سِيمَا إِذا لوحظ أَن الصِّفَات والذات غي متناهية، وَلَيْسَ قِيَامه تَعَالَى بالموجودات فِي حفظهَا وأرزاقها فَقَط، بل فِي ذَاتهَا وصفاتها قيَاما مستمرًا تتجدد بِهِ التعلقات.
وَقيل: القيوم الْقَائِم بِنَفسِهِ الْمُقِيم لغيره مقَام كل متجدد بِهِ، لَا يُقَال يَسْتَحِيل عَلَيْهِ تَعَالَى تجدّد التَّعَلُّق، أَو التجدد مُطلقًا / لأَنا نقُول لم يَتَجَدَّد لَهُ التجدد، وَوجه الْمُبَالغَة على الْوَجْهَيْنِ زِيَادَة الْكمّ والكيف.
وَقَالَ الرَّاغِب: يُقَال قَامَ كَذَا: أَي دَامَ، وَقَامَ بِكَذَا: أَي حفظه، والقيوم
[ ١ / ١٩٠ ]
الْقَائِم الْحَافِظ لكل شَيْء، الْمُعْطِي مَا بِهِ قوامه وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى الْمَذْكُور فِي آيَة: (أعْطى كل شَيْء خلقه) وَفِي: (أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت) .
قَالَ الْمُحَقق الدواني: وَظَاهره أَن الْقيام بِمَعْنى الدَّوَام، ثمَّ يصير بِسَبَب التَّعْدِيَة بِمَعْنى الإدامة وَهُوَ الْحِفْظ، وَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه عَلَيْهِ أَن الْمُبَالغَة فِي اللَّازِم رُبمَا تَتَضَمَّن معنى آخر مُتَعَدِّيا، بل الْمَعْنى اللَّازِم قد يتَضَمَّن بِنَفسِهِ ذَلِك كالقيام المتضمن لتحريك الْأَعْضَاء.
نعم يرد على من فسره بالقائم بِذَاتِهِ الْمُقَوّم لغيره، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا مَا أجَاب صَاحب الْكَشْف فِي الطّهُور من أَنه لما لم تكن الطَّهَارَة فِي نَفسهَا قَابِلَة للزِّيَادَة رجعت الْمُبَالغَة فِيهَا إِلَى انضمام معنى التَّطْهِير إِلَيْهَا، وَذَلِكَ
[ ١ / ١٩١ ]
لِأَنَّهُ قَابل للزِّيَادَة كَمَا وكيفا - كَمَا مر - على أَن فِي جَوَابه وَقْفَة من حَيْثُ أَنه انضمام معنى التَّطْهِير لما كَانَ مستفادًا من الْبَالِغَة بمعونة عدم قبُول الزِّيَادَة كَانَت الْمُبَالغَة فِي الْجُمْلَة سَببا للتعدي، وَيُمكن التَّقَصِّي بِأَن الْمَعْنى اللَّازِم بَاقٍ بِحَالهِ وَالْمُبَالغَة أوجبت انضمام الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِ لَا تَعديَة ذَلِك باللازم، وَبَينهمَا فرقان، ثمَّ الظَّاهِر / أَن القوام الْمَذْكُور فِي قَوْله: أعْطى مَا بِهِ القوام بِمَعْنى الْوُجُود إِذْ جعله بِإِحْدَى الْمَعْنيين غير منَاف كَمَا لَا يخفى أَن الْمُبَالغَة لَيست من أَسبَاب التَّعْدِيَة، فَإِذا عري القيوم عَن أَدَاة التَّعْدِيَة لم يكن إِلَّا بِالْمَعْنَى اللَّازِم، فَلَا يَصح تَفْسِيره بِالْحَافِظِ، ثمَّ أَن الْمُبَالغَة فِي الْحِفْظ كَيفَ أعْطى مَا بِهِ القوام وَلَعَلَّه من حَيْثُ الِاسْتِقْلَال بِالْحِفْظِ إِنَّمَا يتَحَقَّق بذلك، لِأَن الْحِفْظ فرع التقوم فَلَو كَانَ التقوم لغيره لم يكن مُسْتقِلّا بِالْحِفْظِ، وعَلى هَذَا لَا يرد مَا أوردهُ على تَفْسِير الطّهُور بالطاهر فِي نَفسه
[ ١ / ١٩٢ ]
المطهر لغيره، من أَن الطَّهَارَة لَازم وَالْمُبَالغَة فِي اللَّازِم لَا توجب التَّعَدِّي وَذَلِكَ لِأَن الْمُبَالغَة فِي اللَّازِم رُبمَا تَتَضَمَّن معنى آخر مُتَعَدِّيا فَلَا يخفى.
بَيَان كَونه تَعَالَى سميعًا بَصيرًا
سميعًا بَصيرًا لكل مبصر، وَلكُل مسموع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر مَا يشبه سمعنَا وبصرنا، بل هما صفتان قديمتان زائدتان على الْعلم، لَيْسَ كسمع الْخلق وبصرهم لدلَالَة النُّصُوص القاطعة، وَإِجْمَاع الْأَنْبِيَاء بل الْعُقَلَاء على ذَلِك، وَلِأَن الْخُلُو عَنْهُمَا نقص، وَلَا يلْزم قدم المسموع والمبصر وَذَلِكَ لما ثَبت أَنه تَعَالَى هُوَ الْمُحدث لهَذَا الْعَالم البديع وَمن أحدث مثله لَا يكون مَوْصُوفا إِلَّا بِهَذِهِ الصِّفَات.
قَالَ الدواني: نقل ابْن تيميه أَن هَذَا عَلَيْهِ إِجْمَاع الْعُقَلَاء قاطبة وَلَا خلاف / بَين الْمُتَكَلِّمين والحكماء فِي كَونه تَعَالَى عَالما قَادِرًا، وَهَكَذَا فِي جَمِيع الصِّفَات، لكِنهمْ مخالفون فِي كَون الصِّفَات عين الذَّات أَو غير الذَّات،
[ ١ / ١٩٣ ]
أَو لَا عين وَلَا غير.
فَذهب الْمُعْتَزلَة والحكماء إِلَى أَنَّهَا غير الذَّات، ومحصول كَلَام الْحُكَمَاء نفي الصِّفَات وَإِثْبَات نتائجها وغياياتها، وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهَا عِنْدهم من الاعتبارات الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج، وَاسْتدلَّ الْفَرِيقَانِ على نفي الغيرية بِأَنَّهَا لَو زَادَت لكَانَتْ مُمكنَة لاحتياجها إِلَى الْمَوْصُوف.
وَذهب أهل السّنة إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة على الذَّات، قَالُوا: وَقَول الْمُعْتَزلَة فِيهِ استكمال بِالْغَيْر، وتكثير للقدماء مَمْنُوع بِأَن الصّفة لَا عين وَلَا غير، وَالْكفْر تعدد الذوات الْقَدِيمَة كَمَا لزم النَّصَارَى لَا تعدد الصِّفَات.
وَاعْلَم بِأَن الْمُؤلف قد افْتتح بِهَذَيْنِ الوصفين إِشَارَة إِلَى تأهيل الله إِيَّاه لتأليف مثل هَذَا الْكتاب الْمُفْرد الظريف اتصاف بصفتي الْعلم والاقتدار على
[ ١ / ١٩٤ ]
التصنيف فِي هَذَا الْفَنّ، وَلَيْسَ ذَلِك تَزْكِيَة لنَفسِهِ، بل لأمرين:
١ - الأول: امْتِثَال قَوْله تَعَالَى: (وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث) .
٢ - وَالثَّانِي: أَن يعْتَمد وَيعرف بالوصفين الموجبين للركون إِلَى كَلَامه وتوثيقه، وَقد وصف البُخَارِيّ نَفسه بِحِفْظ مائَة ألف حَدِيث.
بيد أَنه / لَو قَالَ: عَلَيْهِمَا لتجري الْأَوْصَاف على نسق وَاحِد لَكَانَ اقعد.
وَقد فَاتَهُ مَعَ مِمَّا اتّصف بِهِ من البلاغة والبراعة ورسوخ قدمه فِي الْإِنْشَاء وَالنّظم الْإِشَارَة إِلَى براعة الاستهلال وَهِي عبارَة: عَن أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم فِي مطلع كَلَامه بِمَا يُشِير إِلَى مجامع الْعلم الْمُؤلف فِيهِ، كَقَوْلي فِي " شرح الْجَامِع الصَّغِير ": الْحَمد لله الَّذِي علمنَا من تَأْوِيل الْأَحَادِيث.
[ ١ / ١٩٥ ]
وَفِي ابْتِدَاء " شرح بهجة الْفُؤَاد الْحَاوِي لكَمَال الْإِرْشَاد ": حمدا لله وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ عَادَة البلغاء من الاعتناء بِمَا يكسوا الْكَلَام رونقًا وبراعة فِي ابْتِدَاء المطلع. فَكَانَ مُتَعَيّنا عَلَيْهِ أَن يفْتَتح هُنَا بِشَيْء من أَنْوَاع الحَدِيث: كالمرفوع، والمرسل، وَالصَّحِيح، وَالْحسن، وَنَحْو ذَلِك كَمَا فعل شَيْخه الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " شرح ألفيته ": الْحَمد لله الَّذِي قبل تَصْحِيح النِّيَّة، وَحسن الْعَمَل، وَحمل الضَّعِيف الْمُنْقَطع على مراسل لطفه فاتصل إِلَى آخر مَا قَالَ.
معنى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله
وَأشْهد أَي أعلم وَأبين، وَعطف الفعلية على الإسمية لَا يخفى مَا فِيهِ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة، أَن لَا إِلَه أَي لَا معبود بِحَق إِلَّا الله والكلمة للتوحيد إِجْمَاعًا، وَهِي المُرَاد بِكَلِمَة التَّقْوَى، ثمَّ وضح مَا دلّت عَلَيْهِ بقوله: وَحده نصب على الْحَال، بِمَعْنى متوحد، أَو هُوَ تَأْكِيد لتوحيد الذَّات / والمتوحد ذُو الوحدانية.
[ ١ / ١٩٦ ]
لَا شريك أَي مشارك لَهُ تَأْكِيد لتوحيد الْأَفْعَال ردا على نَحْو الْمُعْتَزلَة، ثمَّ زَاد مقَام الْخطاب بالثناء عَلَيْهِ بالكبرياء بقوله: وأكبره تَكْبِيرا أَي أعظمه تَعْظِيمًا، وأتى بِهِ امتثالا لقَوْله تَعَالَى: (وَكبره تَكْبِيرا)، وأتى بالتشهد لحَدِيث أبي دَاوُد - وَغَيره -: " كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء ". أَي المقطوعة الْبركَة.
معنى الصَّلَاة على رَسُوله الله
ثمَّ أَنه بعد التَّيَمُّن بِالتَّسْمِيَةِ، والتحميد، وَالثنَاء عَلَيْهِ تَعَالَى بِبَعْض صِفَاته، صلى على رَسُول لما أَنه الْوَاسِطَة فِي وُصُول الْفَيْض مِنْهُ تَعَالَى إِلَيْنَا، وَالشَّرْع الصَّحِيح وَالنَّقْل الصَّرِيح، أطبقا على وجوب شكر الْمُنعم لَا سِيمَا وَقد ورد النَّص بالندب إِلَى خُصُوص تِلْكَ
[ ١ / ١٩٧ ]
الْمَادَّة، حَيْثُ قَالَ عزت قدرته: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا) فَقَالَ: وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله أَي أنزل الرَّحْمَة المقرونة بِكَمَال التَّعْظِيم.
على سيدنَا أَي أعظمنا، وأشرفنا، وأعلانا منزلَة، وأسمانا قدرا.
و(السَّيِّد) الْمُتَوَلِي للسواد أَي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة، وينسب ذَلِك فَيُقَال: سيد الْقَوْم وَلَا يُقَال: سيد الثَّوْب، وَلَا سيد الْفرس، وَلما كَانَ من شَرط الْمُتَوَلِي للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَن يكون النَّفس مظهر الطَّبْع / قيل لكل من كَانَ فَاضلا فِي نَفسه.
وَإِطْلَاق السَّيِّد على النَّبِي مُوَافق لما ورد فِي حَدِيث:
[ ١ / ١٩٨ ]
" أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر ". لَكِن هَذَا مقَام الْإِخْبَار بِنَفسِهِ عَن مرتبته، ليعتقد أَنه كَذَلِك.
وَأما فِي ذكره وَالسَّلَام عَلَيْهِ فقد علمهمْ الصَّلَاة عَلَيْهِ لما ورد سَأَلُوهُ عَن كيفيتها أجَاب بقوله: " قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد ". فَلم يذكر لفظ السَّيِّد، وَمن ثمَّ تردد ابْن عبد السَّلَام فِي أَن الْأَفْضَل ذكر السَّيِّد رِعَايَة للأدب؟ أَو عدم ذكره مُرَاعَاة للوارد، وَمَال بَعضهم إِلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيث: " من قَالَ بعد صَلَاة الْجُمُعَة اللَّهُمَّ صلَّ على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك النَّبِي
[ ١ / ١٩٩ ]
الْأُمِّي ثَمَانِينَ مرّة غفر لَهُ ". أَنه الْأَفْضَل فِيهِ التَّعَبُّد بِلَفْظِهِ، وَعدم الزِّيَادَة على الْوَارِد.
وَفصل بَعضهم فَقَالَ: صِيغَة الْوَارِد لَا يُزَاد عَلَيْهَا، وَأما إِذا أنشأ صلا من عِنْده على غير الصِّيغَة الْوَارِدَة فيزيد فِيهَا.
مُحَمَّد من التَّحْمِيد وَهُوَ الْمُبَالغَة فِي الْحَمد، يُقَال: حمدت فلَانا أَحْمَده إِذا أثنيت على جَمِيع خصاله، وَيُقَال: فلَان مَحْمُود. فَإِذا بلغ النِّهَايَة وتكاملت
[ ١ / ٢٠٠ ]
فِيهِ المحاسن قيل مُحَمَّد.
الَّذِي أرْسلهُ الله للنَّاس كَافَّة فَفِي حَدِيث الشَّيْخَيْنِ - وَغَيرهمَا: " بعثت إِلَى النَّاس عَامَّة " وَالْمرَاد نَاس / زَمَنه فَمن بعدهمْ إِلَى آخِرهم، وَلم يذكر الْجِنّ.
قَالَ أَبُو الْبَقَاء: الكافة بِمَعْنى الْجَمَاعَة، وإضافته إِلَى مَا بعده خطأ لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا حَالا، وَإِنَّمَا قيل للنَّاس كَافَّة لِأَنَّهُ ينكف بَعضهم إِلَى بعض، وبالإضافة يصير من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. انْتهى.
وأصل ذَلِك لِأَن الْإِنْس أصل، أَو لِأَن النَّاس لفظته تعمهم لِأَنَّهُ من نَاس ينوس إِذا تحرّك، وَظَاهر هَذَا إِنَّه لم يُرْسل إِلَى الْمَلَائِكَة وَهُوَ مَا
[ ١ / ٢٠١ ]
عَلَيْهِ الْحَلِيمِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، بل حكى الإِمَام الرَّازِيّ والنسفي عَلَيْهِ الْإِجْمَاع. لَكِن انتصر جمع مِنْهُم السُّبْكِيّ للتعميم بِآيَة: (ليَكُون للْعَالمين نذيرًا) .
إِذْ الْعَالم مَا سوى الله، وبراوية: " وَأرْسلت إِلَى الْخلق "، وإيثار الْمُؤلف التَّعْبِير بِلَفْظ الرِّوَايَة الأولى يرشد إِلَى أَنه من الموافقين للأولين.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وبشيرًا وَنَذِيرا أَي بَالغا فِي الوصفين غَايَة الْكَمَال، فَهُوَ بشير للْمُؤْمِنين بِالْجنَّةِ، ونذير للْكَافِرِينَ وَفِيه من أَنْوَاع البديع الطباق وَهُوَ إِيرَاد المتضادين، وهما الْبشَارَة والنذارة، وَقدم الْوَصْف بالبشارة عَلَيْهِ بالنذارة إِشَارَة إِلَى سبق الرَّحْمَة للغضب.
معنى آل مُحَمَّد
وعَلى آل مُحَمَّد إِضَافَة إِلَى الظَّاهِر دون الضَّمِير تلذذًا بِتَكَرُّر ذكر اسْم الْمُصْطَفى، وتجنبا لخلاف من منع إِضَافَة آل إِلَى الضَّمِير كَابْن النّحاس، وَإِن كَانَ مردودًا بِعَمَل النَّاس. وهم مؤمنو بني هَاشم وَالْمطلب عِنْد / الشَّافِعِي، وَإِذا أطلق فِي التعارف شَمل الصحب وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان.
[ ١ / ٢٠٣ ]
لكنه صرح بهم زِيَادَة فِي الْبَيَان فَقَالَ: وَصَحبه اسْم جمع لصَاحب، بِمَعْنى الصَّحَابِيّ وَهُوَ لُغَة: من صَحبه غَيره مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الصُّحْبَة.
وَاصْطِلَاحا: من لَقِي الْمُصْطَفى يقظه بعد النُّبُوَّة وَقبل وَفَاته مُسلما وَمَات على ذَلِك وَإِن تخللته ردة.
وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا، قرن الصَّلَاة بِالسَّلَامِ خُرُوجًا من كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر الَّذِي نَقله النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء، لَكِن نوزع فِي ذَلِك نقلا ودليلا:
١ -) أما الأول: فَقَالَ الشَّيْخ الْجَزرِي: لَا أعلم أحدا قَالَ بِالْكَرَاهَةِ أصلا.
٢ -) وَأما الثَّانِي: فَقَالَ الْمُؤلف لم أَقف على دَلِيل يَقْتَضِي الْكَرَاهَة.
وَيُجَاب: بِأَن النَّوَوِيّ من أَرْكَان الْمُحدثين، وأعاظم الْفُقَهَاء، وَهُوَ ثَبت ثَبت فِي النَّقْل ثِقَة بِاتِّفَاق جَمِيع الطوائف لم يُخَالف فِي ذَلِك
[ ١ / ٢٠٤ ]
مُخَالف، وَلم يُنَازع فِيهِ مُنَازع مَعَ الْوَرع التَّام، وَقد جزم بِهَذَا النَّقْل فَلَا يبعد أَن يكون اطلع على مَا لم يطلع الْجَزرِي وَالْمُصَنّف، وَمن حفظ حجَّة على من لَا يحفظ.
وَأما حرف فِيهِ معنى الشَّرْط بِدَلِيل لُزُوم الْفَاء لجوابه غَالِبا، نَحْو: فَأَما زيد فمنطلق.
بعد أَي مهما يَجِيء من شَيْء بعد حمد الله، وَالثنَاء على صِفَاته الكمالية /، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على خلصته من خلقه.
البوادر الأولى للتصنيف فِي عُلُوم الحَدِيث
فَإِن التصانيف جمع تصنيف، وأصل التصنيف تَمْيِيز بعض الْأَشْيَاء عَن بعض، وَمِنْه أَخذ تصنيف الْكتب، وَيُقَال: صنف الْأَمر تصنيفا أدْرك بعضه دون الْبَعْض، ولون بعضه دون بعض.
فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث. الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق قوم على تَسْمِيَة الشَّيْء
[ ١ / ٢٠٥ ]
باسم مَا ينْقل عَن مَوْضُوعه الأول، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا مُجَرّد الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور بل الْمُشْتَمل على أَحْوَال الرِّجَال، والعلل وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يصير بِهِ الرجل نقادا مِمَّا يَأْتِي.
وَلأَهل هَذَا الْعلم اصْطِلَاح يعبرون بِهِ عَن مقاصدهم إِذا حكمُوا على متن من الْمُتُون بِشَيْء. وَهَذِه النخبة فِي علم الِاصْطِلَاح الْمَنْسُوب إِلَى أَئِمَّة علم الحَدِيث، وَأهل الحَدِيث هم المشتغلون بِهِ.
قد كثرت. من الْكَثْرَة ضد الْقلَّة، يُقَال كثر الشَّيْء يكثر بِالضَّمِّ، كَثْرَة بِالْفَتْح وَالْكَسْر قَلِيل، وَقيل: بل خطأ. وَيَتَعَدَّى بالتضعيف والهمزة فَيُقَال: كثرته، وأكثرته، واستكثرته، عَدو بِهِ كثير.
للأئمة أَي أَئِمَّة الحَدِيث، جمع إِمَام وَهُوَ من يؤتم أَي يقْتَدى بِهِ، سَوَاء كَانَ إنْسَانا يقْتَدى بقوله وَفعله - وَهُوَ المُرَاد هُنَا - أَو كتابا، أَو غَيرهمَا محقا أَو مُبْطلًا فَكَذَلِك قَالُوا الإِمَام: الْخَلِيفَة / وَالسُّلْطَان، والعالم المقتدى بِهِ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فِي الْقَدِيم والْحَدِيث أَي فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم، والزمن الْمُتَأَخر، وَالْقَدِيم يُطلق على الْمَوْجُود الَّذِي لَيْسَ وجوده مَسْبُوقا بِالْعدمِ، وَهُوَ الْقَدِيم بِالذَّاتِ ويقابله الْمُحدث بِالزَّمَانِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وَفِيه من أَنْوَاع البديع الطباق ثمَّ أَن قَوْله فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى مَجْمُوع الشَّيْئَيْنِ والإلزام كَون الْكَثْرَة فِي كل مِنْهُمَا، وَهُوَ مُخَالف للْوَاقِع إِذْ هِيَ إِنَّمَا فِي الثَّانِي كَمَا نبه عَلَيْهِ بعض أَرْبَاب الْمعَانِي فَأول من صنف فِيهِ - أَي فِي ذَلِك - القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن ابْن عبد الرَّحْمَن الرامَهُرْمُزِي بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم وَضم الْهَاء وَالْمِيم الثَّانِيَة وَآخره زَاي، نِسْبَة إِلَى رامهرمز كورة من كور الأهواز من بِلَا خوزستان، يُقَال: أَن سلمَان الْفَارِسِي الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور مِنْهُ، وَخرج مِنْهَا جمَاعَة من الْأَعْيَان كَثِيرُونَ مِنْهُم القَاضِي الْمَذْكُور. ولي الْقَضَاء بِبِلَاد خوزستان، وروى عَن أَحْمد بن حَمَّاد بن سُفْيَان وعاش قَرِيبا من سنة سِتِّينَ وثلاثمائة. فِي كِتَابه الْمُحدث الْفَاصِل أَي فِي الَّذِي أَلفه فِي عُلُوم الحَدِيث، وَسَماهُ
[ ١ / ٢٠٧ ]
بذلك لكنه لم يستوعب أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث، لكَونه من أول من اخترع ذَلِك وَوَضعه. /
والاستيعاب أَخذ الشَّيْء جَمِيعه، يُقَال: وعبته وعبا من بَاب وعد، وأوعبته إيعابا واستوعبته كلهَا بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الْأَزْهَرِي: الوعب إيعابك الشَّيْء فِي الشَّيْء حَتَّى تَأتي عَلَيْهِ أَي تدخله فِيهِ جَمِيعه.
وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن حَمْدَوَيْه الضَّبِّيّ الإِمَام الرّحال الشَّافِعِي، الْمَعْرُوف بِابْن البيع أحد الْأَعْلَام، ثِقَة ثَبت لكنه يتشيع ويحط على مُعَاوِيَة. قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: وَالله يحب الْإِنْصَاف مَا الرجل برافضي كَمَا زَعمه ابْن طَاهِر، وَهُوَ من أعلم الْأَئِمَّة الَّذين حفظ الله بهم
[ ١ / ٢٠٨ ]
الدّين النَّيْسَابُورِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْيَاء وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَضم الْمُوَحدَة، نِسْبَة إِلَى نيسابور أحسن مدن خُرَاسَان وأجمعها لِلْخَيْرَاتِ، سميت بذلك لِأَن سَابُور لما رأى أرْضهَا قَالَ: يصلح أَن يكون هُنَا مَدِينَة، وَكَانَت قصبا فَقَطعه وبناها. والنّي الْقصب فَقيل: نيسابور. لكنه لم يهذب كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث وَلم يرتب أَنْوَاعه. والتهذيب التصفية والتخليص، وهذبه نقاه، وخلصه. وَالتَّرْتِيب لُغَة: جعل كل الشَّيْء فِي مرتبته، وَاصْطِلَاحا: جعل الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة بِحَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا اسْم الْوَاحِد، وَيكون لبَعض أجزاه نِسْبَة / إِلَى بَعْضهَا بالتقدم والتأخر.
وتلاه أَي جَاءَ بعده الْحَافِظ أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله بن احْمَد الصُّوفِي، الْفَقِيه، الشَّافِعِي أَخذ عَن الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، وَعنهُ الْخَطِيب وَغَيره الْأَصْبَهَانِيّ بِكَسْر الْألف وَفتحهَا، وصاد مُهْملَة، وَآخره نون، نِسْبَة إِلَى بلد هِيَ أشهر بَلْدَة بالجبال، وَهِي جموع عَسَاكِر الأكاسرة فَعمل على
[ ١ / ٢٠٩ ]
كِتَابه أَي الْحَاكِم مستخرجا وَجمع أَشْيَاء كَثِيرَة بِالنِّسْبَةِ لمن تقدمه وَلكنه أبقى شَيْئا للمتعقب المريد الاسيتعاب.
ثمَّ جَاءَ بعدهمْ جَمِيعهم الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه، الشَّافِعِي، أحد أَعْلَام الْحفاظ ومهرة الحَدِيث فصنف فِي قوانين الرِّوَايَة جمع قانون فَهُوَ أَمر كلي ينطبق على جَمِيع جزئياته الَّتِي يتعرف أَحْكَامهَا مِنْهُ، كَقَوْل النُّحَاة: الْفَاعِل مَرْفُوع، وَالْمَفْعُول مَنْصُوب. كتابا من الْكتب وَهُوَ ضم أَدِيم إِلَى أَدِيم بالخياطة، وَعرفا: ضم الْحُرُوف بَعْضهَا إِلَى بعض بالخط، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم للصحيفة مَعَ الْمَكْتُوب فِيهَا سَمَّاهُ الْكِفَايَة وَفِي آدابها كتابا آخر سَمَّاهُ الْجَامِع لِآدَابِ الشَّيْخ وَالسَّامِع. أَي سَمَّاهُ بِمَجْمُوع الْمَوْصُوف وَالصّفة وَقل الْجَامِع لِآدَابِ الشَّيْخ وَالسَّامِع. أَي سَمَّاهُ بِمَجْمُوع الْمَوْصُوف وَالصّفة وَقل
[ ١ / ٢١٠ ]
فن من فنون الحَدِيث والفن من الشَّيْء هُوَ النَّوْع مِنْهُ إِلَّا وَقد صنف فِيهِ كتابا مُفردا حَتَّى زَادَت تصانيفه على الْخمسين فَكَانَ كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر ابْن نقطة بِضَم النُّون / وَسُكُون الْقَاف كل من أنصف، من الْإِنْصَاف وَهُوَ الْعدْل فِي القَوْل وَالْفِعْل بِأَن لَا يَأْخُذ من صَاحبه الأمثل مَا يُعْطِيهِ من الْمَنَافِع، وَلَا ينيله من المضار إِلَّا كَمَا ينيله، علم أَي اعْتقد اعتقادا جَازِمًا مطابقا أَن الْمُحدثين الَّذين وجدوا بعد الْخَطِيب عِيَال على كتبه، الْعِيَال: أهل الْبَيْت وَمن يمونه الْإِنْسَان، فَأطلق على الْمُحدثين عِيَاله لكَونه أَعْطَاهُم مَا يمونهم أَي يقوم بكفايتهم فِي هَذَا الشَّأْن وكفاهم مُؤنَة ذَلِك، حَيْثُ لم يحتاجوا مَعَ وجود كتبه إِلَى غَيرهَا. وَيُقَال: عَال الْيَتِيم إِذا قَامَ بكفايته.
وَفِي تصانيفه قَالَ السلَفِي:
(تصانيف ابْن ثَابت الْخَطِيب ألذ من الصِّبَا الغض الرطيب)
[ ١ / ٢١١ ]
(ترَاهَا إِذا رَوَاهَا من حواها رياضًا للفتى اليقظ اللبيب)
(وَيَأْخُذ حسن مَا قد صاغ مِنْهَا بِنَقْل الْحَافِظ الفطن الأديب)
ثمَّ قد جَاءَ بعض من تَأَخّر عَن الْخَطِيب فِي الزَّمَان فَأخذ من هَذَا الْعلم بِنَصِيب أَي الْحَظ. والنصيب فِي الأَصْل اسْم للحظ الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ للْقِسْمَة بَين الْجَمَاعَة فَجمع من الْجمع وَهُوَ ضم مَا شَأْنه الِافْتِرَاق والتنافر، وَيُقَال ضم الشَّيْء بتقريب بعضه من بعض القَاضِي عِيَاض الْمَالِكِي الإِمَام الْمَشْهُور كتابا صَغِيرا أَي الحجم / حسن النّظم سَمَّاهُ الإلماع.
وَأَبُو حَفْص الميانجي بِفَتْح الْمِيم، ومثناة تحتية مُخَفّفَة، وَفتح النُّون، وَآخره جِيم نِسْبَة إِلَى ميانة بلد بِأَذربِيجَان،
[ ١ / ٢١٢ ]
وَهُوَ أحد الْفُضَلَاء، الْمَشْهُورين، وَالْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة المتورعين، تفقه على القَاضِي أبي الطّيب، وَكَانَ رَفِيق الشَّيْخ أبي إِسْحَق الشِّيرَازِيّ.
[ ١ / ٢١٣ ]
روى عَنهُ ابْن الصَّائِغ، ومدح ماوشان - وَهُوَ مَوضِع كثير الشّجر وَالْمَاء بهمذان:
(إِذا ذكر الحسان من الْجنان فخيهلا بوادي ماوشان)
(تَجِد شعبًا يشعب كل هم وملهى ملهيا عَن كل شَأْن)
(ومغنى مغنيا عَن كل ظَبْي وغانية تدل على الغواني)
(وتغريد الهزار على ثمار ترَاهَا كالعقيق وكالجمان)
[ ١ / ٢١٤ ]
(فيا لَك منزلا لَوْلَا اشتياقي أصيحابي بدرب الزَّعْفَرَان)
فَلَمَّا سَمعهَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق وَكَانَ مُتكئا جلس وَقَالَ: أَنا المُرَاد بأصيحابي بدرب الزَّعْفَرَان. جزؤا لطيفًا أَيْضا سَمَّاهُ: مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله. وأمثال ذَلِك من التصانيف الَّتِي اشتهرت بَين أهل الحَدِيث وَبسطت ليتوفر علمهَا أَي ليكْثر الْعلم الْمُسْتَفَاد مِنْهَا، والبسط: نشر الشَّيْء وتوسيعه، فَتَارَة يتَصَوَّر فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَتارَة أَحدهمَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ) / أَي وَسعه.
والتوفر على الشَّيْء صرف الهمة لَهُ واختصرت ليتيسر فهمها قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ - تلميذ الْمُؤلف: أوردت على المُصَنّف أَن الِاخْتِصَار
[ ١ / ٢١٥ ]
لتيسير الْحِفْظ لَا لتيسير الْفَهم فَأجَاب: بِأَن المُرَاد فهم متين لَا يَزُول سَرِيعا، فَإِنَّهَا إِذا اختصرت سهل حفظهَا، وَحِينَئِذٍ يسهل فهمها بِسَبَب حفظهَا، وَلَا كَذَلِك المبسوطة لِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى الآخر قد يغْفل عَن الأول. انْتهى.
ولخص لَك بَعضهم فَقَالَ: اختصرت لتيسر الْفَهم الْمعِين عَلَيْهِ الْحِفْظ، الَّذِي هُوَ فِي نفس الْأَمر عِلّة اللاختصار فَيكون فهما راسخا لَا يَزُول.
والاختصار إقلال اللَّفْظ بإكثار الْمَعْنى، وَاخْتصرَ ذَلِك بَعضهم فَقَالَ: إقلال بِلَا إخلال، وَقيل غير ذَلِك.
والتيسير: التسهيل. والفهم: تصور الْمَعْنى من لفظ الْمُخَاطب.
[ ١ / ٢١٦ ]
وَيُقَال: هَيئته للنَّفس بهَا يتَحَقَّق مَعَاني مَا يحسن.
إِلَى أَن جَاءَ من الْمَجِيء وَهُوَ الْإِتْيَان بسهولة الْحَافِظ الْفَقِيه الشَّافِعِي تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن الصّلاح صَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن الشهرزوري بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الْهَاء وَضم الرَّاء وَالزَّاي وَآخره رَاء أُخْرَى نِسْبَة إِلَى شهرزور، بَلْدَة بَين الْموصل وهمدان بناها زور ابْن الضَّحَّاك فَقيل: شهر زور مَعْنَاهُ / مَدِينَة زور نزيل دمشق.
ولد ابْن الصّلاح سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة، وتفقه على أَبِيه،
[ ١ / ٢١٧ ]
وَكَانَ وَالِده شيخ تِلْكَ النَّاحِيَة، وَجمع بَين طريقي الْمَذْهَب قبل أَن يطر شَاربه، وساد، وتفقه، وارتحل، فَأخذ عَن جمَاعَة، وَسمع الحَدِيث، ودرس بالشامية الجوانية، والأشرفية، والرواحية بِالشَّام، والصالحية بالقدس، وَمَات سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة.
فَجمع لما ولي تدريس الحَدِيث بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الَّتِي بِدِمَشْق كِتَابه الْمَشْهُور أَي الفاشي بَين النَّاس فهذب فنونه أَي نقاها وخلصها من الشوائب وأملاه من الْإِمْلَاء وَهُوَ إِلْقَاء مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الضَّمِير إِلَى اللِّسَان قولا وعَلى الْكتاب رسمًا شَيْئا بعد شَيْء على حسب الدُّرُوس فَلهَذَا لم يحصل ترتيبه على الْوَضع المتناسب أَي المتقارب الْمُتَشَابه، وَالْمُنَاسِب الْقَرِيب، وَبَينهمَا مُنَاسبَة، وَهَذَا يُنَاسب هَذَا أَي يُقَارِبه شبها واعتنى بتصانيف الْخَطِيب المتفرقة فَجمع شتات مقاصدها، الاعتناء: الإهتمام بالشَّيْء والاحتفال بِهِ، وَيُقَال: شت شتا إِذا تفرق وَالِاسْم الشتات
[ ١ / ٢١٨ ]
وَضم إِلَيْهَا أَي إِلَى مَا اشْتَمَلت على تِلْكَ الْكتب من غَيرهَا نخب فوائدها أَي زبد فَوَائِد تصانيف / غَيرهَا. وَالضَّم: الْجمع بَين شَيْئَيْنِ فَأكْثر.
والنخب: جمع نخبة وَهِي الشَّيْء الْمُخْتَار، وَيُقَال: هُوَ نخبة قومه أَي خيارهم، وَهُوَ نخيب الْقَوْم. وانتخبه انتزعه. والفوائد: فواعل غير منصرف جمع فَائِدَة، من الْفَوَائِد لِأَنَّهَا تفعل بِهِ، أَو من الفيد لَا من الفود وَهِي لُغَة: مَا اسْتُفِيدَ من علم أَو مَال. وَعبر عَنهُ بَعضهم بقوله: الزِّيَادَة تحصل للْإنْسَان، اسْم فَاعل من فادت لَهُ فَائِدَة فيدًا، وأفيدته أَعْطيته، وأفدت مِنْهُ أخذت، وَعرفا كل نَافِع ديني أَو دُنْيَوِيّ.
فَاجْتمع فِي كِتَابه مَا تفرق فِي غَيره فِي الْكتب الْكَبِيرَة والمتكثرة فَلهَذَا عكفت النَّاس أهل الحَدِيث عَلَيْهِ أَي أَقبلُوا عَلَيْهِ،
[ ١ / ٢١٩ ]
وَاشْتَغلُوا بِهِ والعكوف: لإقبال على الشَّيْء وملازمته على سَبِيل التَّعْظِيم لَهُ.
وَسَارُوا بسيره أَي مَشوا على طَرِيقَته فَلَا (يُحْصى) كم ناظم لَهُ كالحافظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ - جدنا الْأَعْلَى من قبل الْأُم - فِي ألفيته الْمَشْهُورَة، الَّتِي هِيَ الْمرجع فِي هَذَا الشَّأْن ومختصر لَهُ كالنووي اخْتَصَرَهُ مرَّتَيْنِ سمى أحد الْكِتَابَيْنِ " التَّقْرِيب " وَالْآخر " الْإِرْشَاد "، وَابْن كثير
[ ١ / ٢٢٠ ]
اخْتَصَرَهُ وأضاف إِلَيْهِ الْكثير ومستدرك عَلَيْهِ كمغلطاي فِي كِتَابه " إصْلَاح ابْن الصّلاح " وَالْإِمَام البُلْقِينِيّ فِي كِتَابه " محَاسِن الِاصْطِلَاح " ومقتصر ومعارض لَهُ كالبلقيني ومنتصر كالعراقي فِي نكته.
فَسَأَلَنِي من السُّؤَال وَهُوَ: طلب الْأَدْنَى من / الْأَعْلَى بعض الإخوان
[ ١ / ٢٢١ ]
جمع أَخ، وَأَصله المشارك لآخر فِي الْولادَة، ثمَّ استعير للمشارك فِي دين، أَو حِرْفَة، أَو مَوَدَّة كَمَا هُنَا، أَن ألخص لَهُم من التَّلْخِيص وَهُوَ: اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد بِكَلَام موجز المهم من ذَلِك فلخصته فِي أوراق لَطِيفَة أَي قَليلَة الحجم، وَلَو عبر بورقات كَانَ أولى لِأَنَّهَا دون الْعشْرَة، وَالْوَرق: الكاغد كَذَا ذَكرُوهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَهَذَا لم يُوجد فِي الْكَلَام الْقَدِيم، بل الْوَرق اسْم لجلود رقاق يكْتب فِيهَا وَهِي مستعارة من ورق الشّجر.
وَقَالَ لخصت وَلم يقل اختصرت لِأَن الِاخْتِصَار أَعم من التَّلْخِيص، فَتَارَة يكون اختصارًا على بعض الأَصْل مَعَ عدم اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد وَغَيرهَا بِكَلَام موجز، وَتارَة يكون مَعَ اسْتِيفَاء، وَالْمُصَنّف لم يسْتَوْف.
سميتها نخبة الْفِكر فِي مصطلح أهل الْأَثر أَي سميتها لمجموع الْمَوْصُوف وَالصّفة. والفكر بِفَتْح فَكسر جمع فكر بِالْكَسْرِ، وَهُوَ تردد
[ ١ / ٢٢٢ ]
الْقلب بِالنّظرِ والتدبر لطلب الْمعَانِي، أَو تَرْتِيب أُمُور فِي الذِّهْن ليتوصل بهَا إِلَى مَطْلُوب. والأثر بحركة الحَدِيث على تَرْتِيب ابتكرته أَي اخترعته. والابتكار: اتِّخَاذ الشَّيْء على غير مِثَال سبق وسبيل انتهجته أَي طَرِيق وضحته وأبنته فَصَارَ متبينا مَعَ مَا ضممت إِلَيْهِ من شوارد الْفَوَائِد جمع شارد وَهِي النافرة، وَالْمرَاد بهَا هُنَا: مَا ذكر فِي غير مظنته. وبزوائد الفرائد جمع فريد، وَهِي وَاسِطَة العقد الْمُنْفَرد فِي حسنها.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فَرغب إِلَى ثَانِيًا أَي أَرَادَ مني بعد أَن أَجَبْته / أَولا بِوَضْع الْمَتْن أَن أَضَع عَلَيْهِ شرحًا يحل رموزها جمع رمز وَهُوَ: التلطف فِي الإفهام وَالْإِشَارَة إِلَى أصُول الْكَلَام وَيفتح كنوزها أَي يزِيل المغلق عَن فوائدها المدخرة المستورة ويوضح مَا خَفِي على الْمُبْتَدِي أَي فِي معرفَة اصْطِلَاح أهل الحَدِيث. والمبتدي: من حصل شَيْئا مَا من الْفَنّ. والمنتهي: من حصل مِنْهُ أَكْثَره وَصلح لإفادته، وَقيل: من شرع فِي فن فَإِن لم يشْتَغل بتصور مسَائِل فمبتد، وَإِلَّا فمنته إِن استحضر غَالب أَحْكَامه وَأمكنهُ الِاسْتِدْلَال، وَإِلَّا فمتوسط.
وَقيل: الْمُبْتَدِي هُوَ الَّذِي لم يسند شَيْئا والمنتهي هُوَ الَّذِي يسند. ذكره البقاعي.
[ ١ / ٢٢٤ ]
من ذَلِك أَي بكشفه لَهُ فأجبته إِلَى سُؤَاله أَي وافقته عَلَيْهِ، والإجابة الْمُوَافقَة على بذله الْمَطْلُوب، وَعبارَة المُصَنّف تَقْتَضِي أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد أَن شرع فِي الشَّرْح وَذَلِكَ لَا يغْفل، نبه عَلَيْهِ الشَّيْخ قَاسم حَيْثُ قَالَ: قَوْله فِي الْمَتْن فَسَأَلَنِي بعض الإخوان أَن ألخص لَهُم المهم من ذَلِك وَقَالَ فِي الشَّرْح فلخصته إِلَى أَن قَالَ: فَرغب إِلَيّ ثَانِيًا أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحًا ثمَّ قَالَ فِي الْمَتْن: فأجبته إِلَى سُؤَاله ثمَّ قَالَ: فيلوح من هَذَا كُله تنكيت على المُصَنّف وَهُوَ أَن عبارَة الْمَتْن بِحَسب مَا شرحت تفِيد أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد الشَّرْح / رَجَاء الاندراج فِي تِلْكَ المسالك أَي فِي مَسْلَك من اختصر وَاقْتصر والرجاء: توقع حُصُول مَحْبُوب عَن قرب. والاندراج: الدُّخُول فِي زمرة الْقَوْم. والمسالك: جمع مَسْلَك وَهُوَ الطَّرِيق.
فبالغت فِي شرحها فِي الْإِيضَاح والتوجيه أَي بذلت الْجهد فِي
[ ١ / ٢٢٥ ]
ذَلِك ونبهت على خبايا زواياها فَإِن صَاحب الْبَيْت أدرى بِمَا فِيهِ، وَظهر لي أَن إِيرَاده أَي الشَّرْح على صُورَة الْبسط أليق من الِاخْتِصَار ودمجها أَي النخبة الَّتِي هِيَ الْمَتْن ضمن توضيحها وَهُوَ الشَّرْح أوفق للمشتغل بمطالعتها، وقراءتها، وإقرائها، والدمج: إِدْخَال الشَّيْء فِي الشَّيْء بِحَيْثُ يحصل الامتزاج فسلكت هَذَا الطَّرِيق القليلة السالك فَأَقُول طَالبا من الله التَّوْفِيق فِيمَا هُنَاكَ والتوفيق: جعل الله فعل عَبده مُوَافقا للصَّوَاب.
وَيفهم من كَلَامه أَنه سمى الشَّرْح توضيح النخبة، وَأَن بعض الْخطْبَة تقدم على وضع الشَّرْح وَالْبَعْض تَأَخّر.
[ ١ / ٢٢٦ ]
أَقسَام الْخَبَر
الْخَبَر (أى ماهيته أَو حَقِيقَته) عِنْد أهل اللُّغَة: مَا ينْقل ويتحدث بِهِ.
وَعند أهل الْمعَانِي: مَا يحصل مَدْلُوله فِي الْخَارِج بِغَيْرِهِ. وَعند أهل الْأُصُول مركب كَلَامي يدْخلهُ عقلا الصدْق - وَهُوَ مَا طابق الْوَاقِع - وَالْكذب - وَهُوَ مَا لَا يطابقه - أَي من حَيْثُ الْعقل (وَكَونه) خَبرا كقام زيد.
أما من حَيْثُ اللَّفْظ / فَلَا يحْتَمل إِلَّا الصدْق وَالْكذب احْتِمَال عَقْلِي، وَشَمل تعريفهم مَا يقطع بصدقه كخبره تَعَالَى وَخبر رَسُوله الله والمتواتر، أَو بكذبه كَذَلِك كالنقيضين يَجْتَمِعَانِ أَو يرتفعان، فَإِن ذَلِك لَيْسَ من مبَاحث كَونه خَبرا بل لخارج. ينْسبهُ عِنْد عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ وهم المحدثون مرادف للْحَدِيث قَالَ فِي الْخَبَر بِالنِّسْبَةِ
[ ١ / ٢٢٧ ]
إِلَى مَا عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ بِخُصُوصِهِ عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَأَصله خبر الرَّسُول. والْحَدِيث: وَهُوَ مَا أضيف إِلَى النَّبِي وَقيل الحَدِيث مَا جَاءَ عَن النَّبِي سَوَاء كَانَ كلمة، أَو كلَاما، أَو فعلا، أَو تقريرًا، أَو صفة حَتَّى الحركات والسكنات، يقظة أَو مناما.
وَالْخَبَر مَا جَاءَ عَن غَيره من صَحَابِيّ أَو من دونه فَلَا يُطلق الحَدِيث على غير الْمَرْفُوع إِلَّا بِشَرْط التَّقْيِيد فَيُقَال: هَذَا حَدِيث مَوْقُوف، أَو مَقْطُوع، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ كَثِيرُونَ.
وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا قيل لمن اشْتغل بالتواريخ وَمَا شاكلها من الوفيات والمناقب الإخباري لَا الْمُحدث وَلمن اشْتغل بِالسنةِ النَّبَوِيَّة الْمُحدث لَا الإخباري، فبينهما تبَاين، أما السّنة فتختص بالمرفوع اتِّفَاقًا وَقيل بَينهمَا خُصُوص وَعُمُوم مُطلق، فَكل حَدِيث خبر من غير عكس قَالَه الشَّيْخ قَاسم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وعبرت هُنَا بالْخبر ليَكُون أشمل لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَرْفُوع عِنْد الْجُمْهُور بِاعْتِبَار الترادف ويتناول / الْمَوْقُوف والمقطوع عِنْد من عدا الْجُمْهُور. اه. وَهُوَ أشهر، وَالْأول أصح.
وَقَالَ الْمُؤلف: قولي ليَكُون أشمل بِاعْتِبَار الْأَقْوَال، فَأَما على الأول فَوَاضِح وَأما على الثَّالِث فَلِأَن الْخَبَر أَعم مُطلقًا، فَكلما ثَبت للأعم ثَبت للأخص، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إِذا اعْتبرت هَذِه الْأُمُور فِي الْخَبَر إِلَى هُوَ وَارِد عَن النَّبِي فَلِأَن يعْتَبر ذَلِك فِيمَا ورد عَنهُ - وَهُوَ الحَدِيث - أولى، بِخِلَاف مَا
[ ١ / ٢٢٩ ]
إِذا اعْتبرت فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يلْزم اعْتِبَارهَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُ أدون رُتْبَة من الحَدِيث على هَذَا القَوْل. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَمَا ذكرته أولى، إِذْ فِي هَذَا التَّقْرِيب مَا لَا يَصح وَهُوَ قَوْله: فَكلما ثَبت الْأَعَمّ ثَبت الْأَخَص مَعَ الإطناب المخل. انْتهى.
وَذكر النَّوَوِيّ فِي " تقريبه " أَن الْمُحدثين يسمون الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف بالأثر، وان فُقَهَاء خُرَاسَان يسمون الْمَوْقُوف بالأثر وَالْمَرْفُوع بالْخبر.
تَعْرِيف علم الحَدِيث رِوَايَة ودراية
وَعلم الحَدِيث رِوَايَة: علم يشْتَمل على نقل ذَلِك، وَقيل: علم يعرف بِهِ أَقْوَال رَسُول الله وأفعاله وأحواله.
ودراية - قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ - وَهُوَ المُرَاد عِنْد الْإِطْلَاق -: علم يعرف بِهِ حَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ وَمَا يتَعَلَّق بذلك فِي معرفَة اصْطِلَاح أَهله.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَقيل: هُوَ الْقَوَاعِد الْكُلية الْمعرفَة بِحَال الرَّاوِي والمروي وغايته: معرفَة المقبول والمردود.
ومسائله /: مَا حوته كتبه من الْمَقَاصِد.
وَقيل: علم بقوانين يعرف بهَا أَحْوَال الْإِسْنَاد والمتن. وَاخْتَارَهُ ابْن جمَاعَة.
قَالَ: مَوْضُوعه السَّنَد والمتن. وغايته تَمْيِيز الصَّحِيح من غَيره. وَقَالَ ابْن قطلوبغا والبقاعي: مَوْضُوعه طرق الحَدِيث، لِأَن الْمُحدث يبْحَث عَمَّا يعرض لذاتها من الِاتِّصَال وأحوال الرِّجَال. وَأما قَول الْكرْمَانِي: حَده علم يعرف بِهِ أَقْوَال النَّبِي وأفعاله، وأحواله. وموضوعه ذَات النَّبِي من حَيْثُ إِنَّه نَبِي.
[ ١ / ٢٣١ ]
فَرد بشموله لعلم الاستنباط، وَبِأَن هَذَا مَوْضُوع الطِّبّ لَا الحَدِيث.
الحَدِيث الْمُتَوَاتر
فَهُوَ بِاعْتِبَار وُصُوله إِلَيْنَا لَا بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ وَلَا نَفسه إِمَّا أَن يكون لَهُ طرق أى أَسَانِيد كَثِيرَة قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لَا حَاجَة إِلَى ذكر الْأَسَانِيد فِي تَفْسِير طرق، لقَوْله بعده: وَالْمرَاد بالطرق إِلَى آخِره. وردّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَسَانِيدِ هُنَا التوطية لقَوْله كَثِيرَة وَفِيمَا يَأْتِي التَّفْسِير لِأَن طرقا جمع طَرِيق، وفعيل فِي الْكَثْرَة تجمع على فعل بِضَمَّتَيْنِ، وَفِي الْقلَّة على أفعلة واعتراضه بِأَنَّهُ لَا يصلح دَلِيلا على أَن طرقًا جمع كَثْرَة لِأَنَّهُ لم يوضع جمع قلَّة وَإِنَّمَا يَصح فِيمَا لَهُ جمع قلَّة وَكَثْرَة، وَمَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا جمع كَثْرَة يسْتَعْمل فيهمَا، فَلَا يدل اسْتِعْمَاله
[ ١ / ٢٣٢ ]
على الْكَثْرَة، فَلَو اسْتدلَّ بِجعْل التَّنْوِين للتكثير والتعظيم كَانَ ظَاهرا عقله من عَظِيم، كَيفَ وَقد صرح / جمع - مَا بَين مُتَقَدم ومتأخر - بجمعه على أطرقه، فَمن الْأَوَّلين الْجَوْهَرِي وناهيك فِي " صحاحه " الَّذِي الْتزم فِيهِ الصَّحِيح، والأزهري فِي " تهذيبه "، والصغاني فِي " عبابه ". وَمن الْمُتَأَخِّرين الفيومي فِي " مصباحه "، وَالْمجد فِي " قاموسه "،
[ ١ / ٢٣٣ ]
والرازي فِي " مختاره " وَغَيرهم مِمَّن يطول ذكرهم، وكل ذَلِك فِي نظر الْمُعْتَرض، لَكِن حب التغليط يعمي ويصم.
المُرَاد بِالْإِسْنَادِ
وَالْمرَاد بالطرق الْأَسَانِيد، والإسناد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن أَي والسند طَرِيق الْمَتْن كَمَا قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف.
قَالَ القَاضِي: هَذَا هُوَ التَّحْقِيق. وَتعقبه الْكَمَال بِأَنَّهُ فسر الْإِسْنَاد بِالطَّرِيقِ ثمَّ بالحكاية الْمَذْكُورَة فَلَزِمَ مِنْهُ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، إِذْ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن الْإِضَافَة فِيهِ غير بَيَانِيَّة. انْتهى.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والبقاعي بِأَنَّهُ أَرَادَ بِاعْتِبَار اللُّغَة فممكن، وَأما اصْطِلَاحا فَلَا يشك مُحدث أَن السَّنَد والإسناد مُتَرَادِفَانِ، ومعناهما طَرِيق الْمَتْن، وأدل دَلِيل على تَفْسِير الطّرق بِالْأَسَانِيدِ.
وَالطَّرِيق لَيست الْحِكَايَة بل المحكي، وَسَيَأْتِي قَوْله: ثمَّ الْإِسْنَاد وَهُوَ الطَّرِيق الموصلة إِلَى الْمَتْن. انْتهى /
وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن قَوْله: المُرَاد بالطرق الْأَسَانِيد مُسْتَدْرك، فَإِنَّهُ قد صَار الْحَاصِل أَن الطَّرِيق حِكَايَة الطَّرِيق، قَالَ: وَمَا طرق المُصَنّف هَذَا الِاعْتِرَاض.
قَالَ: التَّحْقِيق أَن تكون الْإِضَافَة بَيَانِيَّة / فِي قَوْله: طَرِيق حِكَايَة الْمَتْن، إِذْ لَا يلْزم من إِفَادَة عدد معنى للْعلم فِي صُورَة مُعينَة إفادته لَهُ فِي جَمِيع الصُّور، لاخْتِلَاف الْحَال فِي ذَلِك باخْتلَاف الوقائع والمحدثين والسامعين.
فَقلت لَهُ: التَّحْقِيق خلاف هَذَا التَّحْقِيق، لِأَن الْحِكَايَة فعل (و) الطَّرِيق أَسمَاء الروَاة فَلَا يَصح أَن يكون أَحدهمَا عين الآخر. انْتهى.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وأصل ذَلِك قَول ابْن جمَاعَة وَالطِّيبِي: السَّنَد الْإِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن، والإسناد رفع الحَدِيث إِلَى قَائِله.
قَالَ الطَّيِّبِيّ: نعم هما متقاربان فِي معنى اعْتِمَاد الْحفاظ فِي صِحَة الحَدِيث وَضَعفه عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ ابْن جمَاعَة: المحدثون يستعملون السَّنَد والإسناد لشَيْء وَاحِد. انْتهى. قَالَ الْكَمَال: وَقد أَشَارَ الْمُؤلف إِلَى ذَلِك الِاسْتِعْمَال بقوله هُنَا: الْإِسْنَاد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن، وَبِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي فِي مَبْحَث الصَّحِيح وَغَيره: والسند تقدم تَعْرِيفه، مَعَ أَنه لم يقدم إِلَّا هَذَا فَجعله تَعْرِيف السَّنَد هُوَ تَعْرِيف الْإِسْنَاد بِعَيْنِه بَين بِهِ أَن كلا مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلهُ المحدثون مَكَان
[ ١ / ٢٣٦ ]
الآخر اصْطِلَاحا، وَحِينَئِذٍ فَلَا اتجاه لحكم تِلْمِيذه السخاوي لمتبوعه على كَلَامه بالتعارض.
شُرُوط الحَدِيث الْمُتَوَاتر
وَتلك الْكَثْرَة أحد شُرُوط التَّوَاتُر إِذا وَردت بِلَا حصر عدد معِين أَي مشترط وَلَا صفة مَخْصُوصَة بل بِحَيْثُ يوقفون / إِلَى حد تكون (الْعَادة) قد أحالت مَعَه تواطؤهم أَي توافقهم على الْكَذِب أَو وُقُوعه مِنْهُم اتِّفَاقًا من غير قصد قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله اتِّفَاقًا يُغني عَن قَوْله: عَن غير قصد. اه. وَلذَلِك قَالَ بَعضهم: هَذَا تَفْسِير لقَوْله اتِّفَاقًا.
وَقَوله: الْعَادة هُوَ مَا صرح بِهِ الْعَضُد فِي شُرُوط التَّوَاتُر وفَاقا
[ ١ / ٢٣٧ ]
لغيره، وَفِيه تَنْبِيه على أَن من قَالَ عقلا أَرَادَ أَن الْعقل لَا يجوز من حَيْثُ الِاسْتِنَاد إِلَى الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب، وَإِلَّا فالتجويز الْعقلِيّ دون نظر إِلَى الْعَادة لَا يرْتَفع وَإِن بلغ الْعدَد مَا عَسى أَن يسع.
وَقَوله: تواطؤهم. أَي توافقهم على الْكَذِب، أَي على الْإِخْبَار بِخَبَر غير مُطَابق للْوَاقِع، بِأَن يتواردوا عَلَيْهِ وَهُوَ أَعم من توافقهم، على أَن كلامنا بِخَبَر بِكَذَا. وَفِي كَلَامه إِشَارَة إِلَى أَن منشأ إِحَالَة الْعَادة لذَلِك كثرتهم فَلَا يرد النَّقْض لخَبر الْوَاحِد الْمُفِيد الْعلم بالقرائن الخارجية.
وَلَا يشْتَرط فِي الْجَمَاعَة الَّذين يَرْوُونَهُ أَن يكون فيهم مَعْصُوم، وَلَا أهل الذلة خلافًا لمن شَرط الأول وَإِلَّا لم يمْتَنع التوافق على
[ ١ / ٢٣٨ ]
الْكَذِب. وَلمن شَرط الثَّانِي لِأَنَّهُ يمْتَنع تواطؤهم عَادَة للخوف بِخِلَاف أهل الْعِزَّة، وَحِينَئِذٍ فَلَا معنى لتعين الْعدَد على الصَّحِيح بل الصَّوَاب. وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّد الْمُحَقق فِي شرح المواقف /: من اعْتبر فِي التَّوَاتُر - يعْنى لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَو عبر بِهِ كَانَ أولى - عددا معينا فقد أحَال، فَإِن ذَلِك مِمَّا يخْتَلف بِحَسب الوقائع، وَالضَّابِط مبلغ يَقع مِنْهُ الْيَقِين، فَإِذا حصل الْيَقِين فقد تمّ الْعدَد.
وَقَالَ بَعضهم: وَجه عدم اشْتِرَاط الْعدَد أَنا نقطع بِحُصُول الْعلم من المتواترات من غير علم بِعَدَد مَخْصُوص لَا سَابق وَلَا لَاحق، وَذَلِكَ أَن الِاعْتِقَاد يتوفر عِنْد الْأَخْبَار بتدريج خَفِي إِلَى أَن يحصل الْقطع.
وَمِنْهُم من عينه فِي الْأَرْبَعَة قَالَ بَعضهم: وَلم ترد الْأَرْبَعَة فِي دَلِيل أَفَادَ الْعلم أصلا. وَقيل فِي الْخَمْسَة يَعْنِي فِيمَا فَوق الْأَرْبَعَة، وَعَلِيهِ الباقلاني لاحتياجهم إِلَى التَّزْكِيَة فِيمَا لَو شهدُوا بِالزِّنَا، فَلَا
[ ١ / ٢٣٩ ]
يُفِيد قَوْلهم الْعلم. وَقيل فِي السَّبْعَة وَقيل فِي الْعشْرَة لِأَن مَا دونهَا آحَاد كَذَا علله الْجلَال الْمحلي قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: فَظَاهره إِرَادَة اصْطِلَاح الْحساب، وَعَلِيهِ لَا جِهَة للتمسك لَهُ وَهُوَ تَوْجِيه غَرِيب، وَالْمَعْرُوف التَّوْجِيه بِأَن مَا دونهَا جمع قلَّة وَلَا يخفي ضعفه وَقيل فِي الاثْنَي عشر كعدد نقباء بني إِسْرَائِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا) بعثوا إِلَى الكنعانيين بِالشَّام طَلِيعَة لبني إِسْرَائِيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا أَنه أهل مَا يُفِيد الْعلم بالمطلوب. وَقيل فِي الْأَرْبَعين وَقيل
[ ١ / ٢٤٠ ]
فِي الْعشْرين لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ) فيفهم بعث عشْرين إِلَى مِائَتَيْنِ إخبارهم لغَيرهم فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أهل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك /. وَأما الْأَرْبَعين لقَوْله تَعَالَى: (يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ) وَكَانُوا أَرْبَعِينَ، فإخبار الله عَنْهُم بِأَنَّهُم كَانُوا مُؤمنين تَنْبِيه يَسْتَدْعِي إخبارهم عَن أنفسهم بذلك لَهُ لِيَطمَئِن قلبه، وكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك. وَقيل فِي السّبْعين عدَّة أَصْحَاب مُوسَى لقَوْله تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا) أَي للاعتذار إِلَى الله من عبَادَة الْعجل، ولسماعهم كَلَامه من أَمر وَنهي ليخبروا قَومهمْ بِمَا يسمعُونَ فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك وَقيل غير ذَلِك فمما قيل ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر عَنهُ أهل طالوت وَأهل بدر.
وَتمسك كل قَائِل على مَا عينه من الْعدَد بِدَلِيل جَاءَ فِيهِ ذكر ذَلِك الْعدَد فَأفَاد الْعلم اليقيني وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد فِي غَيره لاحْتِمَال
[ ١ / ٢٤١ ]
الِاخْتِصَاص قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَلم ترد الْأَرْبَعَة، والخمسة، والسبعة، وَالْعشرَة، وَالْأَرْبَعُونَ فِي دَلِيل أَفَادَ الْعلم أصلا، فَلَا يَصح أَن يُقَال فِي هَذِه: وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد فِي غَيره. انْتهى.
وَيُجَاب بِأَن الْمُؤلف من أكَابِر الْحفاظ، وَمن حفظ حجَّة على من لم يحفظ.
فَإِذا ورد الْخَبَر كَذَلِك وانضاف إِلَيْهِ أَن يَسْتَوِي الْأَمر (فِيهِ) فِي الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة قَالَ بَعضهم: كَلَامه هَذَا كالناطق بِأَن أَقَله عِنْده / عشرَة، وَأَنه لَا يَكْفِي مَا دونهَا فيناقض مَا ذكره قبله، لِأَنَّهُ اشْترط الْكَثْرَة، وَالْعشرَة أقل جموعها وَمَا دونهَا جمع قلَّة وَهِي رأى الْإِصْطَخْرِي.
وَقَالَ فِي " التَّقْرِيب ": إِنَّه الْمُخْتَار. لَكِن رد بِأَنَّهُ لَا ارتباط عَادَة بَين خُرُوج الْعدَد عَن جمع الْقلَّة وَبَين إِفَادَة الْعلم الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرط، نعم
[ ١ / ٢٤٢ ]
يشْتَرط أَن يكون الْعدَد فَوق أَرْبَعَة بِاتِّفَاق جُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَبِذَلِك عرف أَن الْمُؤلف لم يعْتَبر هُنَا - وَفِيمَا يَأْتِي - بِجمع الْكَثْرَة، كَانَ أولى وأنفى للتعارض بَين كلاميه. من ابْتِدَائه وَيسْتَمر ذَلِك فِي كل طبقَة إِلَى انتهائه الَّذِي من ابْتِدَاء السَّنَد إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى من أخْبرهُم بالواقعة القولية، أَو الفعلية، لِأَن خبر كل طبقَة وعصر مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَلَا بُد فِيهِ من ذَلِك.
وَالْمرَاد بالاستواء أَن لَا تنقص الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة فِي بعض الْمَوَاضِع اعْتِرَاض بِأَنَّهَا قد تنقص وَلَا يضر بِأَن تكون قد جَاوَزت الْحَد الْمُشْتَرط. وَأجِيب بِأَن مُرَاده أَن لَا ينقص الْمُعْتَبر لَا أَن لَا تزيد لِأَن الزِّيَادَة هُنَا مَطْلُوبَة من بَاب الأولى لِأَنَّهَا زِيَادَة فِي الْقُوَّة وَأَن يكون مُسْتَند انتهائه أَي الْخَبَر الْأَمر الْمشَاهد أَو المسموع من رَسُول الله أَو من الصَّحَابِيّ، أَو بعده على مَا مر. لَا أَن كَانَ
[ ١ / ٢٤٣ ]
مُسْتَنده مَا ثَبت بقضية الْعقل الصّرْف أَي الْمَحْض لِإِمْكَان الْغَلَط فِيهِ كَخَبَر الفلاسفة بقدم الْعَالم، وَلَو قَالَ بِالْعقلِ / فَقَط بدل الصّرْف كَانَ أولى.
فَإِذا جمع الْخَبَر هَذِه الشُّرُوط الْأَرْبَعَة وَهِي عدد كثير قد أحالت الْعَادة أَي منعت تواطؤهم وتوافقهم على الْكَذِب رووا ذَلِك عَن مثلهم فِي امْتنَاع وُقُوع تواطؤهم على الْكَذِب، وَيسْتَمر الْحَال كَذَلِك بِأَن يكون كل طبقَة جمَاعَة بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء أَي من ابْتِدَاء السَّنَد إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى من أخْبرهُم. وَقَول الْمُؤلف فِي تَقْرِيره: المُرَاد مثلهم فِي كَون الْعَادة تحيل تواطؤهم على الْكَذِب وَإِن لم يبلغُوا عَددهمْ، فالسبعة الْعُدُول ظَاهرا بَاطِنا مثل عشرَة عدُول فَقَط فِي الظَّاهِر، فَإِن الصِّفَات تقوم مقَام الذوات بل قد يُفِيد قَول سَبْعَة صلحاء الْعلم وَلَا يُفِيد قَول عشرَة دونهم فِي الصّلاح فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ الْمُمَاثلَة فِي الْعلم لَا فِي إِفَادَة الْعدَد. انْتهى.
[ ١ / ٢٤٤ ]
رده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الأول هُوَ الصَّحِيح، وَأما قَوْله فالسبعة إِلَى آخِره فَلَيْسَ بِشَيْء، إِذْ لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، وَالْمقَام مستغن عَن هَذَا كُله.
وَكَانَ مُسْتَند انتهائهم الْحس أَي مَا من شَأْنه ذَلِك، قَالَ فِي " شرح المواقف ": الْحَاصِل فِي التَّوَاتُر علم جزئي من شَأْنه أَن يحصل بالإحساس فَلذَلِك لَا يَقع فِي الْعُلُوم بِالذَّاتِ.
وانضاف إِلَى ذَلِك أَي مَا ذكر من الشُّرُوط أَن يصحب خبرهم بِالضَّرُورَةِ إِفَادَة الْعلم جَوَاب قَوْله: قيل فَإِذا ورد الْخَبَر إِلَخ لسامعه فَهَذَا هُوَ الْمُتَوَاتر كَذَا وَقع للمؤلف، وَاعْترض بِأَن هَذَا حكم التَّوَاتُر / فَكيف يَجْعَل حكم الشَّيْء شرطا لَهُ؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيد أَنه من شُرُوط الْعلم.
[ ١ / ٢٤٥ ]
التَّوَاتُر النسبي واللفظي والمعنوي
وَاعْلَم أَن التَّوَاتُر قد يكون نسبيا فيتواتر الْخَبَر عِنْد قوم دون قوم كَمَا يَصح الْخَبَر عِنْد بعض دون بعض.
وَقد يكون لفظيًا أَو معنويًا، فَإِنَّهُم إِن اتَّفقُوا فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فلفظي. وَإِن اخْتلفُوا فِيهَا مَعَ رجوعهم إِلَى معنى كلي مُشْتَرك فِيهِ فمعنوي، لَا يُقَال هَذَا تَقْسِيم أهل الْأُصُول فَذكره هُنَا من الفضول إِذْ لَا تعلق لهَذَا الْفَنّ بِهِ، وَالَّذِي يتَعَلَّق بالمحدث إِنَّمَا هُوَ اللَّفْظِيّ على مَا فِيهِ أَيْضا؟ لأَنا نقُول: هَذَا غير مَقْبُول، بل هُوَ مَبْحَث عَن الْقسمَيْنِ جَمِيعًا.
أما اللَّفْظِيّ فأمثلته كَثِيرَة، وَأما الْمَعْنَوِيّ فقد مثلُوا لَهُ بِأَحَادِيث مِنْهَا: أَخْبَار رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء، فقد ورد عَن الْمُصْطَفى نَحْو مائَة حَدِيث فِيهَا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء، لَكِن فِي قضايا مُخْتَلفَة،
[ ١ / ٢٤٦ ]
فَكل قَضِيَّة مِنْهَا لم تتواتر، وَالْقدر الْمُشْتَرك - وَهُوَ الرّفْع عِنْد الدُّعَاء - متواتر بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع، وَقد ألف بعض الْمُحدثين فِي ذَلِك كتابا حافلا.
وَمَا تخلفت إِفَادَة الْعلم عَنهُ كَانَ مَشْهُورا فَقَط قَالَ السيخ قَاسم: وَلَا بُد أَن يزِيد هُنَا مِمَّا رُوِيَ بِلَا حصر عدد معِين وَإِلَّا لصدق الْمَشْهُور على الْجَمِيع، فينافيه قَوْله: إِن الْمَشْهُور مَا رُوِيَ مَعَ حصر عدد بِمَا يفوق الِاثْنَيْنِ.
فَكل متواتر مَشْهُور من غير عكس هَذَا إِذا أَخذ الْجِنْس من غير / فصل، وَهُوَ تخلف إِفَادَة الْعلم، وَخطأ هَذَا مُبين فِي مَبْحَث الْمُبَاح فِي الْأُصُول.
وَقد يُقَال: إِن الشُّرُوط الْأَرْبَعَة إِذا حصلت استلزمت حُصُول الْعلم - وَهُوَ كَذَلِك - فِي الْغَالِب، لَكِن قد يتَخَلَّف عَن الْبَعْض لمَانع.
[ ١ / ٢٤٧ ]
اعْترض الْكَمَال ابْن أبي شرِيف، والشرف الْمَنَاوِيّ: بِأَنَّهُ مَتى حصلت الشُّرُوط حصل الْعلم فَكيف تخلف حُصُوله؟ والعاد تحيل الْكَذِب، إِلَّا أَن يُقَال: إِن الإحالة سَبَب للْعلم وَلَا بُد مَعَ وجود سَبَب الشَّيْء من انْتِفَاء مانعه، وَفِيه مَا فِيهِ.
وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: الصَّوَاب حذف الْأَرْبَعَة، أَو يُقَال لَهَا الثَّلَاثَة، إِلَّا أَن يُقَال أَن قَوْله وانضاف إِلَى ذَلِك إِلَى آخِره زَائِد على الشُّرُوط الْأَرْبَع، وَإِن أَولهَا عدد كثير فَقَط.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وَقد وضح بِهَذَا تَعْرِيف الْمُتَوَاتر وَهُوَ أَنه خبر جمع يحِيل الْعقل بملاحظ الْعَاد تواطؤهم على الْكَذِب، عَن خبر جمع مثلهم فِي امْتنَاع وُقُوع التواطؤ الْمَذْكُور، وَيسْتَمر الْحَال كَذَلِك بِأَن يكون كل طبقَة من الصّفة الْمَذْكُورَة من ابْتِدَاء الرِّوَايَة إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى مخبرهم بالواقعة القولية أَو الفعلية.
سَوَاء كَانَت بِعَينهَا مُتَعَلق أخبارهم وَيُسمى تواترًا لفظيًا، أَو مُشْتَركا بَين متعلقات أخبارهم وَيُسمى تواترًا معنويًا كَمَا مر.
وَإِذا كَانَ الْخَبَر كَذَلِك أوجب حُصُول الْعلم، وَلم يذكر كَثِيرَة ضد الْعَدَالَة، وَتَأْتِي الأوطان لعدم اشْتِرَاطهَا، فَلَو أخبر جمع وَلَو فساقًا أرقاء إِنَاثًا بِخَبَر أوجب ذَلِك لنا الْعلم، لِأَن الِاتِّفَاق على شَيْء مخترع / مَعَ تبَاين الْأَغْرَاض والطبائع مِمَّا يجْزم الْعقل بامتناعه.
[ ١ / ٢٤٩ ]
الْمَشْهُور
وخلافه قد يرد بِلَا حصر - أَيْضا - لَكِن مَعَ فقد بعض الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة، وَاعْتَرضهُ البقاعي: بِأَن مَا يرد بِلَا حصر هُوَ الْمَشْهُور وَإِن لم يكن فَهُوَ قسم آخر، فَمَا اسْمه؟
وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن قَوْله مَعَ فقد بعض الشُّرُوط زِيَادَة زَادهَا تبعا لرأي من لَا رَأْي لَهُ، إِذْ يُغني عَنْهَا قَوْله الْآتِي: مَا لم يجمع شُرُوط التَّوَاتُر.
أَو مَعَ حصر بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ - أَي بِثَلَاثَة فَصَاعِدا - مَا لم يجمع شُرُوط الْمُتَوَاتر. هَذَا التَّعْبِير غير مُسْتَقِيم، فقد تعقبه البقاعي: بِأَن الْحصْر إِنَّمَا يكون فِي شَيْء بِعَيْنِه - كَمَا مر فِي تِلْكَ الْأَقْوَال: خَمْسَة عشر، اثْنَي عشر، إِلَى آخِره - وَأما ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَلَيْسَ بحصر، فَحق التَّقْسِيم أَن يَقُول: إِمَّا أَن يكون لَهُ طرق بِغَيْر حصر فِي عدد معِين، وَحِينَئِذٍ فإمَّا أَن يُفِيد الْعلم أَولا، أَو يحصر فِي اثْنَيْنِ أَو وَاحِد إِلَى آخِره، وَغَيره باقتضائه أَن الْمَشْهُور مَخْصُوص بِمَا لم يجمع شُرُوط التَّوَاتُر، فَيكون بَين الْمَشْهُور والمتواتر مباينة كُلية فتخالف مَا قدمه من أَن بَينهمَا عُمُوما مُطلقًا.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وَاعْتذر عَنهُ بَعضهم بِأَن الْمَشْهُور يُطلق على مَا يُقَابل الْمُتَوَاتر، وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وعَلى مَا هُوَ أَعم مِنْهُ وَهُوَ مُرَاده هُنَاكَ فَلَا تعَارض.
وَقَالَ السخاوي: الْمَشْهُور قِسْمَانِ: قسم لم يرتق إِلَى التَّوَاتُر وَهُوَ الْأَغْلَب فِيهِ، وَقسم يرتقي إِلَيْهِ.
فَمَعْنَى قَول الْمُؤلف: كل متواتر / مَشْهُور وَلَا عكس أَنه لَا يرتقي إِلَى التَّوَاتُر إِلَّا بعد الشُّهْرَة، فَلَا تنَاقض فِي عباراته.
الْعَزِيز
أَو بهما - أَي بِاثْنَيْنِ فَقَط - (أَو بِوَاحِد)، وَالْمرَاد بقولنَا: إِن يرد بِاثْنَيْنِ أَن لَا يرد بِأَقَلّ مِنْهُمَا، فَإِن ورد بِأَكْثَرَ فِي بعض الْمَوَاضِع من سَنَد وَاحِد لم يضر فِي تَسْمِيَته عَزِيزًا إِذْ الْأَقَل فِي هَذَا الْعلم يقْضِي على الْأَكْثَر. حَتَّى إِذا وجد فِي بعض الطَّبَقَات مَا ينقص عَن الشُّرُوط خرج عَن التَّوَاتُر، كَذَا قرر بِهِ تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم عِبَارَته.
[ ١ / ٢٥١ ]
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: قَول الْمُؤلف فِي بعض الْمَوَاضِع دَلِيل على أَنه لَو ورد فِي كلهَا لَا يُسمى عَزِيزًا بل مَشْهُورا، فَلَيْسَ بَينهمَا عُمُوم مُطلقًا، فَشرط تَسْمِيَة الحَدِيث عَزِيزًا أَن يرد فِيهِ اثْنَان وَلَو فِي مَوضِع وَاحِد. انْتهى.
وَقَالَ البقاعي: عبارَة الْمُؤلف مُخْتَلفَة، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بالاثنين فَقَط أَن لَا ينقص فَلَا حَاجَة لقَوْله يقْضِي على الْأَكْثَر، إِذْ هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي إِذا كَانَ معنى فَقَط لَا أقل وَلَا أَكثر، وَيكون دُخُوله بطرِيق التغليب، فَكيف هَذَا. انْتهى.
وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَرَادَ بقوله: إِذْ الْأَقَل إِلَى آخِره بَيَان كَيْفيَّة وجود الْأَكْثَر مَعَ ذكر الِاثْنَيْنِ.
سَبَب تَسْمِيَة الْمُتَوَاتر
فَالْأول: الْمُتَوَاتر بمثناة فوقية، سمي متواترًا لما أَنه لَا يَقع دفْعَة وَإِنَّمَا الَّذِي يَقع دفْعَة الْعلم الْحَاصِل عَنهُ. وَقيل: لتواتر رِجَاله حَيْثُ جَاءُوا وَاحِدًا بعد آخر بفترة. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: سمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقع دفْعَة
[ ١ / ٢٥٢ ]
بل على التَّعَاقُب / والتوالي وَهُوَ (الْمُفِيد) للْعلم أَي مُوجبا بِنَفسِهِ إِيجَابا عاديًا لسامعه حُصُول الْعلم بِصدق مضمونه، وَإنَّهُ تخلف عَنهُ ذَلِك الْحُصُول بِالْفِعْلِ الْمَانِع لحصوله بِغَيْرِهِ، لِامْتِنَاع تَحْصِيل الْحَاصِل.
فَخرج بِمَا أوجب الْعلم بِالْغَيْر الْمَذْكُور مَا لَا يُوجب كَذَلِك.
وبنفسها مَا لَا يُوجِبهُ بِنَفسِهِ بل بِوَاسِطَة الْقَرَائِن الزَّائِدَة على الْقَرَائِن الَّتِي لَا يَنْفَكّ الْخَبَر عَنْهَا عَادَة. ونقضه بتخلف إِفَادَة الْمُتَوَاتر الْعلم فِي إِخْبَار النَّصَارَى بقتل عِيسَى، وَالْيَهُود عَن التَّوْرَاة بتأبيد دين مُوسَى، فَإِن كلا مِنْهُمَا خبر مُفِيد للْعلم بمضمونه مَعَ أَنه كذب كَمَا دلّت عَلَيْهِ الشَّرَائِع.
رد بِمَنْع كَون كل مِنْهُمَا متواترًا لِأَن مرجع خبر النَّصَارَى إِلَى الْيَهُود الَّذين دخلُوا على عِيسَى الْبَيْت، وَقد كَانُوا تِسْعَة، فَلَا يحِيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب.
[ ١ / ٢٥٣ ]
أما إِخْبَار الْيَهُود بتأبيد دين مُوسَى فَإِن كَانَ افتراؤهم إِيَّاه بعد وَاقعَة بخْتنصر فانتفاء تواتره فِيمَا قبل ظَاهر، أَو قبلهَا فقد قتل بخْتنصر كل يَهُودِيّ من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَلم يتْرك إِلَّا الْأَطْفَال، فَانْتفى عدد التَّوَاتُر مِنْهُم، على أَنهم حرفوا التَّوْرَاة وَزَادُوا ونقصوا، ودلت معجزات عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام على أَن خبرهم آحَاد كذب.
اليقيني يَعْنِي الضَّرُورِيّ بِدَلِيل مُقَابلَته لَهُ بالنظري فِي قَوْله فَأخْرج النظري على مَا يَأْتِي تَقْرِيره بِشُرُوطِهِ الَّتِي تقدّمت وَذَلِكَ لَا يُخَالف الْمَعْرُوف فِي الِاصْطِلَاح كَمَا ادَّعَاهُ / / الْكَمَال ابْن أبي شرِيف. لِأَن
[ ١ / ٢٥٤ ]
أهل الِاصْطِلَاح قد يسمون كل يقيني ضَرُورِيًّا وَعَكسه، أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي " شرح المواقف " عِنْد نقد المحصل: قد يُرَاد الضَّرُورِيّ معنى اليقيني دون البديهي المستغني عَن النّظر. قَالَ: وَقد يُسمى كل يقيني ضَرُورِيًّا مُوَافقَة لقَوْل (الشَّيْخ) الْأَشْعَرِيّ. وَمعنى كَونه ضَرُورِيًّا أَنه يحصل عِنْد سَمَاعه من غير احْتِيَاج إِلَى نظر، ومصادفة حُصُول الْعلم بمضمون ذَلِك الْخَبَر من غير شُبْهَة.
فَاعْلَم أَن تَعْرِيفه بِالْعلمِ دوري لتوقفه على مَعْرفَته وعَلى تَعْرِيفه. ذكره البقاعي. وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: إِن كَانَ الْعلم بمضمون الْخَبَر مستفادًا من التَّوَاتُر فإثبات التَّوَاتُر بِهِ دوري.
وَأجِيب: بِأَن استفادة الْعلم بمضمون الْخَبَر من التَّوَاتُر بِاعْتِبَار
[ ١ / ٢٥٥ ]
حُصُوله، وترتبه على سَمَاعه، وَفهم معنى اللَّفْظ المسموع ودلالته على صدق التَّوَاتُر على الْخَبَر بِاعْتِبَار كَون حُصُوله وترتبه مَعْلُوما لمن حصل لَهُ، فالتحقيق أَن الْحَاصِل بالتواتر هُوَ الْعلم بمضمون الْخَبَر، وَدَلِيل صدق الْمُتَوَاتر هُوَ الْعلم بذلك وهما غيران.
وَالْيَقِين: هُوَ الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق أَرَادَ بالجازم مَا لَا احْتِمَال مَعَه، وَلَا يَزُول بالتشكيك فَلَا حَاجَة لزياد بَعضهم الثَّابِت.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ يَعْنِي هُوَ مُوجب للْعلم بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الَّذِي يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ دَفعه قَالَ / بَعضهم: وَهَذَا التَّعْبِير غير قوي؛ لِأَن النّظر بعد مُبَاشرَة الْأَسْبَاب كَذَلِك، والضروري قبل مباشرتها يُمكنهُ دَفعه بِصَرْف نظره عَنهُ.
وَقيل: يَعْنِي وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا
[ ١ / ٢٥٦ ]
نظريًا وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء يعْتد بِهِ لِأَن الْعلم بالتواتر قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لَو قَالَ بالمتواتر - بِالْمِيم - كَانَ أولى حَاصِل لمن لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة النّظر كالعامي، إِذا النّظر تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة، أَو مظنونة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَعْلُوم أَو مظنون، وَلَيْسَ فِي الْعَاميّ أَهْلِيَّة ذَلِك، فَلَو كَانَ نظريًا لما حصل لَهُم.
وَاعْترض هَذَا: بِأَن الْعَاميّ فِيهِ أَهْلِيَّة النّظر على طَرِيق الْعَوام فَلَا يَصح التَّمْثِيل بِهِ، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول كَمَا غَيره: كالبله وَالصبيان.
وَالتَّحْقِيق أَنه لَا خلاف، فَإِن من قَالَ أَنه نَظَرِي كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وأتباعهما فسروا كَونه نظريًا بتوقفه على مُقَدمَات حَاصِلَة عِنْد السَّامع، وَهِي مُحَققَة لكَونه الْخَبَر متواترا من كَونه خبر جمع، وكونهم لَا يُجِيز الْعقل توافقهم على الْكَذِب، وَكَونه عَن حسي، وَلَيْسَ مُرَادهم الِاحْتِيَاج إِلَى النّظر عقب سَمَاعه فَلَا خلاف فِي الْمَعْنى فِي أَنه ضَرُورِيّ،
[ ١ / ٢٥٧ ]
وتوقفه على تِلْكَ الْمُقدمَات لَا يُنَافِي كَونه ضَرُورِيًّا. قَالَ بَعضهم: وَحَاصِل مَا مر وَيَأْتِي أَن الْعلم الضَّرُورِيّ الْحَاصِل من التَّوَاتُر فِي قَول مَنْقُول عَن الرَّسُول وَغَيره هُوَ الْعلم بِتِلْكَ الْأَلْفَاظ / وَكَونهَا كَلَام من أسندت إِلَيْهِ، وَأما الْعلم بِثُبُوت مَدْلُوله فِي الْوَاقِع فَهُوَ استدلالي.
ولاح بِهَذَا التَّقْرِير الْفرق بَين الْعلم الضَّرُورِيّ وَالْعلم النظري إِذْ الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال. قَالَ بَعضهم: هَذَا التَّرْكِيب فَاسد، لِأَن الضَّرُورِيّ هُنَاكَ صفة لعلم فَيصير معنى التَّرْكِيب أَن الْعلم الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال، وَلَا يخفى فَسَاده.
والنظري يفِيدهُ لَكِن مَعَ الِاسْتِدْلَال على الإفادة اعْترض هَذَا الصَّنِيع، لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بِهِ الْعلم لزم الدّور، أَو اللَّفْظ - أَي لفظ الضَّرُورِيّ يُفِيد كَذَا بِحَسب الْوَضع - فَصَحِيح، لَكِن خلاف الْمُتَبَادر من كَلَامه. فَلذَلِك قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف - كالبقاعي -: صَوَاب الْعبارَة أَن يَقُول الضَّرُورِيّ الْعلم الْحَاصِل بِلَا اسْتِدْلَال، والنظري هُوَ المفاد بالاستدلال. قَالَ الْكَمَال: وَقَوله على الإفادة منتقد بِأَن الْمُسْتَدلّ إِنَّمَا يسْتَدلّ على الحكم لَا على الإفادة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
فَإِن الضَّرُورِيّ يحصل لكل سامع، والنظري لَا يحصل إِلَّا لمن فِيهِ أَهْلِيَّة النّظر وَزعم أَن خبر كل وَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، وَضم الظَّن إِلَى الظَّن لَا يُوجب إِلَّا الْيَقِين، وَجَوَاز كذب كل وَاحِد يُوجب جَوَاز كذب الْمَجْمُوع لِأَنَّهُ نفس الْآحَاد.
رد بِأَنَّهُ قد يكون مَعَ الِاجْتِمَاع مَا لَا يكون مَعَ الِانْفِرَاد كقوة الْحَبل الْمُؤلف من شَعرَات.
وَالْقَوْل بِأَن الضروريات لَا يَقع فِيهَا / تفَاوت وَلَا اخْتِلَاف مَعَ أَن الْعلم بِكَوْن الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ أقوى من الْعلم بِوُجُود ذِي القرنين.
منع بِأَن الضَّرُورِيّ قد تَتَفَاوَت أَنْوَاعه لتَفَاوت الإلف وَالْعَادَة والممارسة والإخطار بالبال، وتصورات أَطْرَاف الْأَحْكَام، وَقد تخْتَلف فِيهِ عنادًا، أَو تصورا، أَو مُكَابَرَة، أَو قصورًا فِي الْإِدْرَاك.
سَبَب إِبْهَام ابْن حجر شُرُوط التَّوَاتُر
وَإِنَّمَا أبهمت شُرُوط الْمُتَوَاتر فِي الأَصْل يَعْنِي الْمَتْن لِأَنَّهُ على هَذِه الْكَيْفِيَّة لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا ذكره فِيهِ للتكثير إِذْ علم الْإِسْنَاد يبْحَث فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه، ليعْمَل بِهِ أَو يتْرك. أَي
[ ١ / ٢٥٩ ]
ليعلم هَل هُوَ صَحِيح أَو حسن فَيجب الْعَمَل بِهِ، أَو ضَعِيف فَلَا يعْمل بِهِ فِي الْأَحْكَام بل فِي الْفَضَائِل إِن لم يشْتَد ضعفه.
من حَيْثُ صِفَات الرِّجَال وصيغ الْأَدَاء، والمتواتر لَا يبْحَث عَن رِجَاله بل يجب الْعَمَل بِهِ من غير بحث. كعن وَنَحْوهَا من المدلس. وَلذَلِك لم يفرد ابْن الصّلاح وَلَا من اختصر كِتَابه كالنووي، أَو نظمه كالعراقي الْمُتَوَاتر بِنَوْع.
وَاعْترض على الْمُؤلف من وَجْهَيْن: -
[١] الأول: إِنَّه يجب بَيَان شُرُوط ليتميز من غَيره فَإِن شُرُوطه مَأْخُوذَة فِي تَعْرِيف الْمَشْهُور الَّذِي هُوَ من مبَاحث هَذَا الْفَنّ.
وَأجَاب ابْن الْجَزرِي عَن عدم إفرادهم لَهُ: بِأَنَّهُم اكتفوا من مبَاحث هَذَا الْفَنّ بِالصَّحِيحِ الْمجمع عَلَيْهِ عِنْدهم المتلقى بِالْقبُولِ.
[٢] الثَّانِي: إِن مَا ذكره من أَن / الْمُتَوَاتر لَا يبْحَث عَن رِجَاله يُوجب أَنه لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، وَهُوَ نقيض لما قدمه آنِفا.
[ ١ / ٢٦٠ ]
(فَائِدَة) من الْفُؤَاد، لانها تعقل بِهِ. أَو من الفيد لَا من الْفُؤَاد على مَا مر قريره فِي الْخطْبَة.
ذكر ابْن الصّلاح فِي " مُخْتَصره " أَن مِثَال الْمُتَوَاتر على التَّفْسِير الْمُتَقَدّم فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة يهز وجوده إِلَّا أَن يدعى ذَلِك أَي وجوده فِي حَدِيث من كذب على مُتَعَمدا قد نقل النَّوَوِيّ فِي " شَرحه لمُسلم " أَنه ورد عَن مائتى صَحَابِيّ مِنْهُم الْعشْرَة، فَمن الصِّحَاح: عَليّ
[ ١ / ٢٦١ ]
وَالزُّبَيْر. وَمن الحسان: طَلْحَة، وَسعد، وَسَعِيد، وَأَبُو عُبَيْدَة.
وَمن الضَّعِيف المتماسك طَرِيق عُثْمَان، وَبَقِيَّة طرقه واهية أَو سَاقِطَة.
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيث أجمع على رِوَايَته
[ ١ / ٢٦٢ ]
الْعشْرَة غَيره، وَغير حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
وَمن ذَلِك - أَيْضا: حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة، فقد تتبع الذَّهَبِيّ طرقه فبلغت نيفًا وَأَرْبَعين صحابيًا.
وَذكر المُصَنّف - غَيره - أَن من أمثلته: من بنى لله مَسْجِدا،
[ ١ / ٢٦٣ ]
وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ، والشفاعة والحوض، ورؤية الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة، وَالْأَئِمَّة من قُرَيْش، وَأنزل القرءان على سَبْعَة أحرف، وَغسل الْيَدَيْنِ فِي الْوضُوء، وَخير النَّاس قُرَيْش، واتخاذ الْقُبُور
[ ١ / ٢٦٤ ]
مَسَاجِد، وسؤال الْقَبْر، وكل مُسكر حرَام، ونضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي، وَبَدَأَ الْإِسْلَام / غَرِيبا، وكل ميسر لما خلق لَهُ، والمرء مَعَ من أحب.
فَلذَلِك رد المُصَنّف مَا ادَّعَاهُ ابْن الصّلاح بقوله: وَمَا ادَّعَاهُ من الْعِزَّة مَمْنُوع، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره. قَالَ الشَّيْخ
[ ١ / ٢٦٥ ]
قَاسم: وَذكر بعض المحققيين أَن الْمَنْع الْمُجَرّد مَعَ الْمَيِّت لَا يقبل، لِأَن الْمَنْع طلب الدَّلِيل وَلَا طلب مِمَّن مَاتَ.
وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره كَابْن حبَان وَغَيره من الْعَدَم من بَاب أولى لَان ذَلِك نَشأ عَن قلَّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال، وصفاتهم الْمُقْتَضِيَة لإبعاد الْعَادة أَن يتواطؤا على الْكَذِب، أَو يحصل مِنْهُم اتِّفَاقًا أَرَادَ بالقلة مَا يَشْمَل عزة الْوُجُود والعدم ليصلح عِلّة لادعاء الْقلَّة والعدم، وَلَو أخذت الْقلَّة بِأحد الْمَعْنيين دون الآخر لفات تَعْلِيل أَحدهمَا وَلم يصلح لَهُ، هَذَا مَا ذكره بعض الْمُتَكَلِّمين عَلَيْهِ.
وَقَالَ البقاعي: كَلَام المُصَنّف فَاسد من أَصله، لِأَن قلَّة الِاطِّلَاع لَيست عِلّة لِامْتِنَاع دَعوَاهُم وَإِنَّمَا هُوَ عِلّة لوقوعهم فِيمَا ادعوهُ، وصواب الْعبارَة أَن يَقُول: وَإِنَّمَا صدرت هَذِه الدَّعْوَى مِمَّن صدرت مِنْهُ لِأَن ذَلِك نَشأ إِلَى آخِره على أَنه إِنَّمَا نَشأ عَن الْغَفْلَة عَن أَنه لَا يحْتَاج إِلَى
[ ١ / ٢٦٦ ]
إِسْنَاد خَاص فِي نِسْبَة الْكتب الْمَشْهُورَة إِلَى مصنفها الَّذِي سَيذكرُهُ وَأَن ذَلِك ثَبت بالتواتر، وَإِمَّا قلَّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق من المصنفين. انْتهى.
وَاعْترض الشَّيْخ قَاسم مَا ذكره المُصَنّف أَيْضا / بِأَنَّهُ قدم قبله: إِن التَّوَاتُر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد، وَإنَّهُ لَا يبْحَث عَن رِجَاله، وَحِينَئِذٍ فَلَو سلم قلَّة اطلَاع من ذكرهم المُصَنّف على أَحْوَال الرِّجَال وصفاتهم لم يُوجب مَا ذكره. انْتهى.
وَقد أجَاب بعض شرَّاح الألفية عَن ابْن الصّلاح وَمن تبعه: بِأَن مُرَادهم الْعِزَّة من حَيْثُ الرِّوَايَة لَا الشُّهْرَة.
وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: أَرَادَ ابْن الصّلاح بِالْعِزَّةِ عدم الْوُجُود بِدَلِيل قَوْله: إِلَّا أَن يدعى ذَلِك إِلَى آخِره، وَإِن كَانَ قَول المُصَنّف وَمَا ادَّعَاهُ غَيره من الْعَدَم يدل على أَن مُرَاده الْقلَّة.
وَمن أحسن مَا بِهِ تقرر كَون الْمُتَوَاتر مَوْجُودا - وجود كَثْرَة فِي
[ ١ / ٢٦٧ ]
الْأَحَادِيث - وَأَن الْكتب الْمَشْهُورَة المتداولة بَين أَيدي أهل الْعلم شرقًا وغربًا الْمَقْطُوع عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مصنفيها إِذا اجْتمعت على إِخْرَاج حَدِيث، وتعددت طرقه تعددًا يحِيل الْعَادة بتواطئهم أَي الواقعين فِي الطّرق على الْكَذِب إِلَى آخر الشُّرُوط أَفَادَ الْعلم اليقيني بِصِحَّة نسبته إِلَى قَائِله وَمثل ذَلِك فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كثير.
قَالَ البقاعي: وَلَيْسَ القَوْل قيدا خلافًا لما يُوهِمهُ كَلَامه، بل لَو كَانَ الحَدِيث فعليًا كَانَ كَذَلِك بِلَا ريب، أَو علم أَن مقَالَة الْمُؤلف قد كَاد يجمع من جَاءَ بعده على ترتيبها، فتعقبها بعض الآخذين عَنهُ: بِأَن أول مقَالَته هَذِه لَا تلتئم مَعَ مَا سلف تَحْقِيقه من أَنه لَا دخل لصفات المخبرين من التَّوَاتُر.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَالشَّيْخ قَاسم / بِأَن الْبَحْث فِي وجود الْمُتَوَاتر لَا فِي طَرِيق إِمْكَان وجوده. وَبِأَن قَوْله الْمَقْطُوع عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مؤلفيها إِن سلم مَا ذكره من الْقطع وَهُوَ بِنَفس النِّسْبَة لَا بِصِحَّتِهَا. وَقَوله وَمثل ذَلِك كثير. دَعْوَى مُجَرّدَة فَلَا يُفِيد فِي مَحل النزاع.
والكمال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من الْقطع بِصِحَّة نِسْبَة الْكتب إِلَى مصنفيها كَون ذَلِك الْقطع حَاصِلا فِي التَّوَاتُر، وَقد يحصل بِخَبَر الْآحَاد المحتف بالقرائن وَإِلَّا فَهَذَا صَحِيح البُخَارِيّ الَّذِي هُوَ أصح كتاب بعد كتاب الله لَا يروي الْآن بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل إِلَّا عَن الْفربرِي، بل وغالب الْكتب الْمَشْهُورَة لَا تبلغ - فِيمَا تعلم رواتها عَن مؤلفيها
[ ١ / ٢٦٩ ]
الَّذين يتَّصل الْإِسْنَاد فِي عصرنا إِلَيْهِم سَمَاعا - عدد التَّوَاتُر
أَقسَام الْآحَاد
وَالثَّانِي وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد بِالْمدِّ، وأخره عَن الْمُتَوَاتر لاعتباره فِي معنى الْآحَاد نفي معنى الْمُتَوَاتر.
مَا لَهُ طرق محصورة بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ قَالَ البقاعي: هَذَا يَأْتِي فِيهِ مَا مر من أَن الْحصْر إِنَّمَا يكون فِي معِين وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين أَي النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ الْمَشْهُور عِنْدهم سمي بذلك لوضوحه أَشَارَ بذلك إِلَى الْمُنَاسبَة المصححة لنقله من الْمَعْنى اللّغَوِيّ إِلَى الاصطلاحي. قَالَ
[ ١ / ٢٧٠ ]
البقاعي: وَلَو قَالَ لظُهُوره كَانَ أبلغ لأهل اللُّغَة، فَإِنَّهُم قَالُوا: الْمَشْهُور ظُهُور الشَّيْء، والشهير مَعْرُوف.
وَاعْلَم أَن مَا / جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف من أَن أقل عدد الْمَشْهُور ثَلَاثَة هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَام ابْن الصّلاح.
لَكِن اخْتَار ابْن الْحَاجِب - تبعا للآمدي والإمامين والغزالى - أَن أَقَله مَا زَادَت نقلته على ثَلَاثَة مَا لم يبلغ حد التَّوَاتُر، وَهُوَ رأى مأثور عَن النظام، وَجزم بِهِ البُلْقِينِيّ وَمَال إِلَيْهِ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف
[ ١ / ٢٧١ ]
وَقَالَ: القَوْل بِالثَّلَاثَةِ غَرِيب. قَالَ: وَلَا يُقَال هَذَا اصْطِلَاح أهل الْأُصُول دون الْمُحدثين لأَنا نقُول: مَمْنُوع، وَقد جزم ابْن الْجَزرِي فِي " منظومته " الَّتِي نظمها فِي هَذَا الْعلم بِأَنَّهُ الْمَشْهُور فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث حَيْثُ قَالَ:
(واصطلحوا الْمَشْهُور مَا يرويهِ فَوق ثَلَاثَة عَن الْوَجِيه)
أَي عَن راو ذِي وجاه وَقدر.
وَهُوَ المستفيض على رَأْي جمَاعَة من أَئِمَّة الْفُقَهَاء أَي قَول جمَاعَة من الْفُقَهَاء، وَكَذَلِكَ للأصوليين وَبَعض الْمُحدثين كَمَا عبر بِهِ السخاوي، وَأَخْطَأ من قَالَ كلهم. وعَلى هَذَا الرَّأْي جرى المُصَنّف فِي " الْإِصَابَة "، لَكِن هَذَا الرَّأْي مَرْجُوح كَمَا أفهمهُ تَعْبِير " جمع الْجَوَامِع " بقوله: قد يُسمى أَي المستفيض مَشْهُورا.
[ ١ / ٢٧٢ ]
قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف، والشرف الْمَنَاوِيّ: واللايق بالدمج أَنه كَانَ يَقُول: على رَأْي. هُوَ رَأْي جمَاعَة، أَو على رَأْي لجَماعَة، لِأَن الرَّأْي فِي الْمَتْن منون.
سمي بذلك لانتشاره واشتهاره وإشاعته فِي النَّاس، مَأْخُوذ من قَوْلهم فاض / المَاء يفِيض فيضًا وفيوضة، إِذا كثر حِين سَالَ على صفة الرَّاوِي.
وَمِنْهُم من غاير بَين المستفيض وَالْمَشْهُور وَفرق بَينهمَا أَن المستفيض يكون فِي ابْتِدَائه وانتهائه يعْنى وَفِيمَا بَينهمَا سَوَاء وَقد صرح بذلك الْمُؤلف فِي " تَقْرِيره " فَقَالَ: من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء حَتَّى تدخل الْوَاسِطَة.
وَالْمَشْهُور أَعم من ذَلِك بِحَيْثُ يَشْمَل مَا كَانَ أَوله مَنْقُولًا عَن وَاحِد
[ ١ / ٢٧٣ ]
كَحَدِيث " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، وَإِن اعْترض ابْن الصّلاح التَّمْثِيل بِهِ لِأَن الشُّهْرَة فِيهِ نسبية.
وَمِنْهُم من غاير على كَيْفيَّة أُخْرَى فَفرق بِأَن المستفيض مَا تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ دون اعْتِبَار عدد، وَلذَلِك قَالَ الصَّيْرَفِي والقفال: إِنَّه هُوَ والمتواتر بِمَعْنى وَاحِد.
بل قَالَ الْمَاوَرْدِيّ أَنه أقوى من التَّوَاتُر كَذَلِك نَقله ابْن كثير عَنهُ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا اصْطِلَاح (مِنْهُ) .
وَمِنْهُم من غاير بِأَن المستفيض هُوَ الشَّائِع عَن أصل كَيفَ كَانَ،
[ ١ / ٢٧٤ ]
وَالْمَشْهُور مَا زَادَت رُوَاته على ثَلَاثَة.
وَلَيْسَ من مبَاحث هَذَا الْفَنّ أَي وَلَيْسَ تَحْقِيق الْمُغَايرَة أَو الترادف بَينهمَا من مبَاحث علم الحَدِيث بل مَحَله أصُول الْفِقْه.
ثمَّ الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين (قِسْمَانِ الأول أَنه) يُطلق على مَا حرر هُنَا قَالَ العلائي: وَهَذَا الْقسم مُلْحق بالتواتر عِنْد الْمُحدثين، يُفِيد الْعلم النظري إِذا كَانَت طرقه متباينة / سَالِمَة من ضعف الروَاة، وَمن الشذوذ وَالْعلَّة، لكنه يُفَارق الْمُتَوَاتر فِي أَنه يشْتَرط عَدَالَة نقلته، فَإِن الْمَشْهُور قد يكون أحادي الأَصْل ثمَّ يشْتَهر بعد الصَّحَابَة فِي الْقرن الثَّانِي فَمن بعدهمْ، وَفِي أَن الْمَشْهُور لَا يحصل الْعلم بِهِ إِلَّا لعالم بِالْحَدِيثِ متبحر فِيهِ، عَارِف بأحوال الروَاة، مطلع على الْعِلَل بِخِلَاف الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ يحصل بِهِ لكل سامع.
وَالثَّانِي: أَنه يُطلق على مَا أَي على الحَدِيث الَّذِي اشْتهر على
[ ١ / ٢٧٥ ]
الْأَلْسِنَة فَيشْمَل مَا لَهُ إِسْنَاد وَاحِد (فَصَاعِدا) وَإِن لم يكن صَحِيحا بل مَا لَا يُوجد لَهُ إِسْنَاد أصلا.
ك " عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل "، و" ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل كسْرَى "، و" من بشرني بِخُرُوج آذار بَشرته بِالْجنَّةِ "، و" يَوْم نحركم يَوْم صومكم ".
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَمن نظر " الواهيات " و" الموضوعات " لِابْنِ الْجَوْزِيّ علم لذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة.
وَمن الْقسم الأول وَهُوَ الصَّحِيح: حَدِيث " إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعًا ينتزعه "، وَحَدِيث " من أَتَى الْجُمُعَة فليغتسل ".
ومثاله وَهُوَ حسن: حَدِيث " طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم ". فقد أَفَادَ الْمزي أَن طرقه يرتقى بهَا إِلَى الْحسن.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَحَدِيث: " للسَّائِل حق وَإِن جَاءَ على فرس ". قَالَ السخاوي: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْحُسَيْن وَعَن وَالِده، وخرجه أَحْمد عَن الْحُسَيْن وَغَيره.
ومثاله وَهُوَ ضَعِيف: " الأذنان من الرَّأْس ". قَالَ
[ ١ / ٢٧٨ ]
بَعضهم: وينقسم الْمَشْهُور - أَيْضا - إِلَى مَشْهُور عِنْد / الْمُحدثين فَقَط، (وَإِلَى مَشْهُور بَينهم وَبَين غَيرهم فمثال الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين فَقَط) كَحَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي مجلز عَن أنس أَن الْمُصْطَفى قنت شهرا بعد الرُّكُوع. فَهَذَا مَشْهُور بَين الْمُحدثين وَرَوَاهُ التَّيْمِيّ عَن أنس - أَيْضا -، وَأما غَيرهم فيستغربه من جِهَة أَن التَّيْمِيّ يروي عَن أنس بِلَا وَاسِطَة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الْعَزِيز
وَالثَّالِث الْعَزِيز وَهُوَ أَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ أَي يرويانه عَن اثْنَيْنِ، فَقَوله: عَن اثْنَيْنِ. نعت اثْنَيْنِ لَا مُتَعَلق بيروي هَذَا مَا جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف هُنَا، لَكِن كَلَام شَيْخه الْعِرَاقِيّ فِي " ألفيته " ظَاهر - كَمَا قَالَه السخاوي - فِي الِاكْتِفَاء بِوُجُود ذَلِك فِي طبقَة وَاحِدَة بِحَيْثُ لَا يمْتَنع أَن يكون فِي غَيرهَا من طباقه غَرِيبا بِأَن يتفرد بِهِ راو آخر عَن شَيْخه، بل وَلَا أَن يكون مَشْهُورا كاجتماع ثَلَاثَة فَأكْثر على رِوَايَته فِي بعض طباقه، وَجرى على ذَلِك فِي غير هَذَا الْكتاب. وَإِلَّا وَجه كَمَا صَار إِلَيْهِ السخاوي: إِن مَا كَانَت الْعِزَّة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى راو يُقيد أَو بِأَن يُقَال عَنهُ فِيهِ عَزِيز من حَدِيث فلَان، وَأما عِنْد الْإِطْلَاق
[ ١ / ٢٨٠ ]
فَيَنْصَرِف لما أَكثر طباقه كَذَلِك، لِأَن وجود سَنَد على وتيرة وَاحِدَة بِرِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ ادّعى فِيهِ ابْن حبَان عدم الْوُجُود، وَكَاد الْمُؤلف أَن يُوَافقهُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّه يُمكن أَن يسلم بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَة الَّتِي جوزناها وَهِي أَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن أقل من اثْنَيْنِ يَعْنِي على مِمَّا حَرَّره هُوَ فَإِنَّهُ مَوْجُود.
سمى بذلك (إِمَّا) لقلَّة وجوده لِأَنَّهُ يُقَال عز يعز / بِكَسْر الْعين فِي الْمُضَارع عزا وعزازة بِفَتْح الْعين إِذا قل بِحَيْثُ لَا يكَاد يُوجد. وَإِمَّا لكَونه عز أَي قوي بمجيئه من طَرِيق أُخْرَى من عز يعز - بِفَتْح الْعين فِي الْمُضَارع - عزازة أَيْضا إِذا اشْتَدَّ وَقَوي، وَمِنْه (فعززنا بثالث)
[ ١ / ٢٨١ ]
أَي قوينا وشددنا، وَجمع الحَدِيث عزاز ككرم وكرام قَالَ الشَّاعِر:
(بيض الْوُجُوه البة ومعاقل فِي كل نائبة عزاز الْأَنْفس)
وَلَيْسَ اشْتِرَاط الْعدَد بِأَن لَا يرويهِ اقل من اثْنَيْنِ شرطا لصحيح أَي للْحَدِيث الصَّحِيح خلافًا لمن زَعمه وَهُوَ أَبُو عَليّ الجبائي بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد نِسْبَة إِلَى جبى الْقصر وَالتَّشْدِيد قَرْيَة بِالْبَصْرَةِ من الْمُعْتَزلَة أهل الْأُصُول حَيْثُ قَالَ: لَا يقبل خبر الْوَاحِد الْعدْل إِلَّا إِن انْضَمَّ إِلَيْهِ آخر، وعضده مُوَافقَة الْكتاب، أَو ظَاهر خبر آخر، وانتشر بَين الصَّحَابَة، أَو عمل بِهِ بَعضهم، بل نقل عَنهُ (أَنه) اشْترط أَرْبَعَة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وَنقل النَّوَوِيّ عَن بعض الْقَدَرِيَّة أَنه اشْترط أَرْبَعَة أَيْضا، قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَلَا عِبْرَة بِخِلَاف أبي على الجبائي وَلَا بِبَعْض الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك. وَإِلَيْهِ يؤمي كَلَام الْحَاكِم أبي عبد الله من أكَابِر الْمُحدثين فِي كِتَابه الْمُسَمّى " بالمدخل " - وَقَوله أَبُو عبد الله احْتَرز بِهِ عَن الْحَاكِم أبي أَحْمد - فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي عُلُوم الحَدِيث حَيْثُ قَالَ: الصَّحِيح أَن يرويهِ الصَّحَابِيّ الزائل / عَنهُ اسْم الْجَهَالَة، بِأَن يكون لَهُ راويان ثمَّ يتداوله أهل الحَدِيث إِلَى وقتنا كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة. وَوَافَقَهُ
[ ١ / ٢٨٣ ]
على ذَلِك من الْمُحدثين - أَيْضا - ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة " جَامع الْأُصُول "، وَوَافَقَهُمَا على ذَلِك من الْفُقَهَاء إِبْرَاهِيم ابْن علية، وَجزم بذلك الْبَيْضَاوِيّ فَقَالَ: إِن روايه - أَي الحَدِيث - إِن كَانَ مثنى أَو أَكثر كَمَا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا الإمامان البُخَارِيّ وَمُسلم يُسمى صحاحًا.
والميانجي - من الْمُحدثين - وَزَاد: إِن شَرط الشَّيْخَيْنِ أَن يرويهِ عَن الْمُصْطَفى اثْنَان فَأكْثر، وَيَرْوِيه عَن كل مِنْهُمَا أَرْبَعَة، وَيَرْوِيه عَن كل مِنْهُم أَكثر من أَرْبَعَة.
ورده الْمُؤلف بِأَنَّهُ لَو قيل: أَنه لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد بِهَذِهِ الصّفة لم يبعد.
[ ١ / ٢٨٤ ]
قَالَ شَيخنَا الغيطي: والإيماء فِي كَلَام الْحَاكِم من قَوْله: كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة. فَإِنَّهُ اقْتضى أَن يكون الحَدِيث رَوَاهُ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ من الصَّحَابِيّ الَّذِي زَالَ عَنهُ اسْم الْجَهَالَة إِلَيْنَا، لكنه لم يشْتَرط أَن يرويهِ اثْنَان عَن النَّبِي كَمَا اشْتَرَطَهُ غَيره. انْتهى.
وَبِذَلِك علم أَن اشْتِرَاط الْعدَد لَيْسَ خَاصّا بِبَعْض الْمُعْتَزلَة، بل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْمُحدثين وَغَيرهمَا، فَقَوْل الْمُؤلف فِي " نكته عَن ابْن الصّلاح " أَنه خَاص بِبَعْض الْمُعْتَزلَة غير صَحِيح.
وَصرح أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي فِي شرح البُخَارِيّ بِأَن ذَلِك شَرط البُخَارِيّ / حَيْثُ قَالَ: مَذْهَب البُخَارِيّ أَن الصَّحِيح لَا يثبت حَتَّى يرويهِ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ، وَهُوَ بَاطِل.
وتقدمه إِلَى القَوْل بذلك بعض الْمُحدثين حَكَاهُ الْجُوَيْنِيّ عَنْهُم
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَأجَاب أَي ابْن الْعَرَبِيّ عَمَّا أورد عَلَيْهِ من ذَلِك من أَن حَدِيث " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " الَّذِي هُوَ أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ انْفَرد بِهِ عمر بِجَوَاب فِيهِ نظر ثمَّ بَين وَجه النّظر بقوله لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِن قيل حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَرد بِأَنَّهُ لم يروه عَن عمر بن الْخطاب إِلَّا عَلْقَمَة بن وَقاص قُلْنَا: قد خطب بِهِ عمر على الْمِنْبَر بِحَضْرَة الصَّحَابَة فلولا أَنهم يعرفونه لأنكروه عَلَيْهِ. قَالَ: فَالْبُخَارِي وَإِن كَانَ بنى كِتَابه على حَدِيث يرويهِ اكثر من وَاحِد، فَهَذَا الحَدِيث لَا يرد عَلَيْهِ، فَإِن عمر لما قَالَه بِمحضر الصَّحَابَة وأقروه صَار كالمجمع عَلَيْهِ، فعمر ذكرهم لَا أخْبرهُم.
وَتعقب يعْنى تعقبه ابْن رشيد فِي " ترجمان التراجم " بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونهم سكتوا عَنهُ أَن يَكُونُوا سَمِعُوهُ من غَيره. قَالَ الشَّيْخ قَاسم:
[ ١ / ٢٨٦ ]
حَاصِل السُّؤَال أَنه لم يروه عَن عمر إِلَّا وَاحِد، وَحَاصِل الْجَواب أَنه رَوَاهُ عمر وَغَيره، فَلَا يمس هَذَا الْجَواب السُّؤَال بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَإِن هَذَا لَو سلم فِي عمر أَي فِي انْفِرَاده بِهِ وَحده منع فِي تفرد عَلْقَمَة عَنهُ بِهِ ثمَّ تفرد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، ثمَّ تفرد يحيى بن سعيد بِهِ / عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة وَعنهُ تعدّدت رُوَاته.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن ظَاهر التعقب أَنه على اشْتِرَاط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ وَمن بعده، وَظَاهر كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ وَالْحَاكِم أَنه لَا يشْتَرط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ بل فِيمَن بعده على مَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف عِنْد الْمُحدثين، وَقد وَردت لَهُ
[ ١ / ٢٨٧ ]
متابعات كَغَيْرِهِ لَا عِبْرَة بهَا لِضعْفِهَا وَقد أَفَادَ المُصَنّف فِي تَقْرِير هَذَا حِين قرئَ عَلَيْهِ الشَّرْح: إِن هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن المتابعات الَّتِي وَردت لهَذَا الحَدِيث لَا تخرجه عَن كَونه فَردا لِضعْفِهَا فَلَا يعْتد بهَا.
وَكَذَا لَا نسلم جَوَابه فِي غير حَدِيث عمر كالوارد من غير طَرِيق أبي سعيد عِنْد الْبَزَّار قَالَ ابْن رشيد بِالتَّصْغِيرِ فِي كِتَابه " ترجمان التراجم " بَعْدَمَا تعجب من ابْن الْعَرَبِيّ وَاشْتَدَّ إِنْكَاره عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ يَكْفِي القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ فِي بطلَان مَا ادّعى أَنه شَرط البُخَارِيّ أول حَدِيث مَذْكُور فِيهِ وَهُوَ حَدِيث " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " فَإِنَّهُ مَرْوِيّ آحادًا. قَالَ: وَكَيف يَدعِي عَلَيْهِ ذَلِك ثمَّ يزْعم أَنه بَاطِل؟ وَمن أعلمهُ بِأَنَّهُ شَرطه؟ إِن كَانَ مَنْقُولًا فليبينه؟ أَو عرفه بالاستقراء فقد وهم، وَأَخْطَأ.
وَقَوله ذكرهم لَا أخْبرهُم من قبيل الرَّجْم بِالْغَيْبِ، لاحْتِمَال كَون السُّكُوت لقبُول الْخَبَر لَا لمعْرِفَة مَا أخبر بِهِ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وَقد استبان بذلك أَن أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ مَرْوِيّ بالآحاد، وَكَذَا آخر حَدِيث / فِيهِ، فَإِن أَبَا هُرَيْرَة تفرد بِهِ عَن الْمُصْطَفى، وَتفرد بِهِ عَنهُ أَبُو زرْعَة وَتفرد بِهِ عَنهُ عمَارَة بن الْقَعْقَاع، وَتفرد بِهِ عَنهُ مُحَمَّد بن فُضَيْل وَعنهُ انْتَشَر.
وَادّعى ابْن حبَان نقيض دَعْوَاهُ أَي القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ: إِن رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى أَن يَنْتَهِي الْإِسْنَاد لَا يُوجد أصلا فِي شَيْء من الْجَوَامِع، وَلَا المسانيد وَغَيرهَا. وَكَاد الْمُؤلف أَن يُوَافقهُ على ذَلِك حَيْثُ
[ ١ / ٢٨٩ ]
قَالَ: قلت: إِن أَرَادَ أَن رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا يُوجد أصلا فَيمكن أَن يسلم لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ قريب.
وَأما صُورَة الْعَزِيز الَّتِي حررناها فِيمَا تقدم فموجودة بِكَثْرَة، وَذَلِكَ بِأَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن أقل من اثْنَيْنِ يَعْنِي على مَا حَرَّره هُوَ، فَإِنَّهُ مَوْجُود بِكَثْرَة مِثَاله: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس بن مَالك وَالْبُخَارِيّ فَقَط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الدوسي أَن رَسُول الله قَالَ: " لَا يُؤمن أحدكُم " وَفِي رِوَايَة: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده ". الحَدِيث أَي إِلَى تَمام الحَدِيث، وَهُوَ قَوْله: " وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ".
رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ عَن أنس قَتَادَة بن دعامة الْأنْصَارِيّ وَعبد الْعَزِيز بن
[ ١ / ٢٩٠ ]
صُهَيْب بِالتَّصْغِيرِ وَرَوَاهُ عَن قَتَادَة شُعْبَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَرَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز / الْمَذْكُور إِسْمَاعِيل ابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَشدَّة الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعبد الْوَارِث بن سعيد كَمَا فِي مُسلم وَرَوَاهُ عَن كل مِمَّن ذكر جمَاعَة هَذَا مَا ذكره الْمُؤلف.
وَتعقبه السخاوي بِأَن مَا ذكره من رِوَايَة سعيد لم يقف عَلَيْهِ بعد التتبع والكشف.
وَاعْترض شَيخنَا النَّجْم الغيطي صَنِيع الْمُؤلف هَذَا بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بروايتين عَن الراويين عَنْهُمَا وَهَكَذَا، فاقتصاره على هَذَا الْوَجْه غير جيد.
[ ١ / ٢٩١ ]
الْغَرِيب
الرَّابِع: الْغَرِيب كَانَ اللايق أَن يقدم الْغَرِيب على الْعَزِيز، والعزيز على الْمَشْهُور، لِأَن الْغَرِيب من الْعَزِيز بِمَنْزِلَة الْبَسِيط من الْمركب، كَمَا أَن الْعَزِيز كَذَلِك، ذكره بعض شُيُوخنَا.
وَهُوَ هُنَا، أَي فِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ مَا أَي حَدِيث ينْفَرد بروايته أَي بِرِوَايَة زِيَادَة فِي مَتنه أَو إِسْنَاده شخص وَاحِد فِي أَي طبقَة عَن جَمِيع رُوَاته الثِّقَات وَغَيرهم، فَلم يرو ذَلِك غَيره فِي أَي مَوضِع وَقع التفرد بِهِ فِي السَّنَد أَي سَوَاء وَقع التفرد فِي جَمِيع طباقه بِأَن انْفَرد بِهِ الصَّحَابِيّ، ثمَّ التَّابِعِيّ ثمَّ تَابع التَّابِعِيّ وهلم جرا. أَو فِي بَعْضهَا، قَالَ بَعضهم: وَلَو قَالَ فِي مَوضِع مَا من إِسْنَاده كَانَ أولى على مَا سيقسم إِلَيْهِ: الْغَرِيب الْمُطلق، والغريب النسبي. وَالْقسم مُطلق الْغَرِيب، وكل من الْقسمَيْنِ لَهُ أَمْثِلَة كَثِيرَة سَيَجِيءُ بَعْضهَا وَلَا يدْخل / فِيهِ إِفْرَاد الْبلدَانِ المضافة إِلَيْهَا إِلَّا أَن يُرَاد بقوله تفرد بِهِ أهل الْبَصْرَة مثلا أَو أحد من أَهلهَا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَكلهَا - أَي الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة - سوى الأول وَهُوَ الْمُتَوَاتر أَن يُسمى خبر آحَاد، وَيُقَال أَيْضا لكل مِنْهُمَا خبر وَاحِد بِالْإِضَافَة، سَوَاء كَانَ مَشْهُورا، أَو عَزِيزًا أَو غَرِيبا، أَو يمْتَنع تواطؤ رُوَاته على الْكَذِب فِي بعض طباقه دون كلهَا، أَو خبر عَمَّا لَيْسَ بمحسوس.
وَخبر الْوَاحِد فِي اللُّغَة: مَا يرويهِ شخص وَاحِد وَفِي الِاصْطِلَاح أَي فِي اصْطِلَاح الْمُحدثين مَا لم يجمع شُرُوط التَّوَاتُر. هَذَا تَقْرِير عبارَة المُصَنّف، وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الَّذِي تحصل من كَلَامه أَن الْخَبَر يَنْقَسِم إِلَى متواتر وآحاد، وَأَن الْآحَاد: مَشْهُور، وعزيز، وغريب، وَأَن الْمَشْهُور مَا رُوِيَ مَعَ حصر عدد بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ، وَأَن الْغَرِيب هُوَ الَّذِي ينْفَرد بِهِ شخص وَاحِد فِي أَي مَوضِع وَقع التفرد بِهِ.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وَقد تقدم أَن خلاف الْمُتَوَاتر يرد بِلَا حصر عدد فَهُوَ خَارج عَن الْأَقْسَام، غير مَعْرُوف الِاسْم.
وفيهَا أَي الْآحَاد: المقبول وَهُوَ مَا يجب الْعَمَل بِهِ عِنْد الْجُمْهُور وَإِن لم يجب الْعَمَل بِهِ عِنْد الْبَعْض كالمعتزلة وَغَيرهم مِمَّن لَا يرى الْعَمَل بِخَبَر على مَا يَأْتِي تَفْصِيله.
وفيهَا الْمَرْدُود وَهُوَ الَّذِي لم يرجح صدق الْمخبر بِهِ كَذَا ذكره المُصَنّف، وَاعْترض بِأَن تَعْرِيفه المقبول بِأَنَّهُ مَا يجب الْعَمَل بِهِ غير مُسْتَقِيم، لِأَن وجوب الْعَمَل / بِهِ حكمه لَا حَده، وَالصَّوَاب أَن يَقُول: المقبول هُوَ مَا يرجح صدق الْمخبر بِهِ كَمَا ذكره البقاعي.
وَذكر الشَّيْخ قَاسم نَحوه فَقَالَ: قَوْله المقبول يجب الْعَمَل
[ ١ / ٢٩٤ ]
بِهِ هَذَا حكم المقبول، وَهُوَ أَثَره الْمُرَتّب عَلَيْهِ، فَلَا يَصح تَعْرِيفه بِهِ، وَقد ادعوا الدّور فِي دون هَذَا، فَكَانَ الصَّوَاب أَن يُقَال: إِن الْمَرْدُود حَيْثُ كَانَ هُوَ الَّذِي لم يرجح صدق الْمخبر بِهِ، والمقبول هُوَ الَّذِي يرجح صدق الْمخبر.
قَالَ: وَقَوله فِي الْمَرْدُود: هُوَ الَّذِي لم يرجح صدق الْخَبَر بِهِ يَشْمَل المستور والمختلف فِيهِ بِلَا تَرْجِيح، فَلْيحْفَظ هَذَا فَرُبمَا يَأْتِي مَا يُخَالف. انْتهى.
وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: يَأْتِي فِي كَلَام الْمُؤلف تَقْسِيم المقبول إِلَى مَعْمُول بِهِ كالمنسوخ فَإِنَّهُ يُسمى مَقْبُولًا، وَكَذَا الحديثان الصحيحان المتعارضان حَيْثُ لَا تَرْجِيح، لَا يُقَال: مَا ذكر من المتعارضين غير مُسلم لِأَنَّهُمَا غير مقبولين لأَنا نقُول: قَوْله فِي الْمُتَوَاتر وَكله مَقْبُول، يُوضح ذَلِك لِأَنَّهُ قد يكون مَنْسُوخا، لَكِن الْكَلَام حَيْثُ لم يُمكن أمرا آخر يُوجب عدم الْقبُول فَلَا إِيرَاد.
وَإِنَّمَا كَانَت الْآحَاد كَذَلِك لتوقف الِاسْتِدْلَال بهَا على الْبَحْث عَن
[ ١ / ٢٩٥ ]
أَحْوَال الرِّجَال ورواتها جرحا وتعديلًا فَكل راو ثَبت اتصافه بِصِفَات الْقبُول فخبره مَقْبُول، وَإِن جَازَ كَونه فِي نفس الْأَمر كَاذِبًا أَو غالطًا، وكل من لم يثبت اتصافه بذلك فخبره مَرْدُود، وَإِن جَازَ كَونه فِي نفس الْأَمر صَادِقا.
دون الأول - وَهُوَ الْمُتَوَاتر - فَإِنَّهُ لَا يتَوَقَّف على ذَلِك / فكله مَقْبُول لإفادته الْقطع بِصدق مخبره كَمَا تقدم بِخِلَاف غَيره من (أَخْبَار) الْآحَاد، لَكِن إِنَّمَا وَجب الْعَمَل بالمقبول مِنْهَا لِأَنَّهَا إِمَّا أَن يُوجد فِيهَا أصل صفة الْقبُول وَهُوَ ثُبُوت صدق النَّاقِل. أورد عَلَيْهِ إِنَّه قد يقبل الْآحَاد من لم يعلم صدق النَّاقِل للاعتضاد.
وأصل صفة الرَّد - وَهُوَ - ثُبُوت كذب النَّاقِل أَولا، فَالْأول:
[ ١ / ٢٩٦ ]
يغلب على الظَّن صدق الْخَبَر لثُبُوت صدق ناقله فَيُؤْخَذ بِهِ، وَالثَّانِي: يغلب على الظَّن كذب الْخَبَر لثُبُوت كذب ناقله فيطرح، وَالثَّالِث: إِن وجدت فِيهِ قرينَة تلْحقهُ بِأحد الْقسمَيْنِ الْتحق بِهِ، وَجرى عَلَيْهِ حكمه وَإِلَّا فَيتَوَقَّف فِيهِ إِلَى تَبْيِين الْحَال بالبحث والاستقراء وَإِذا توقف عَن الْعَمَل بِهِ وَهُوَ مَا توقف فِيهِ صَار كالمردود لَا لثُبُوت صفة الرَّد بل لكَونه لم يُوجد فِيهِ صفة توجب الْقبُول.
اعْتَرَضَهُ تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم من وَجْهَيْن: -
١ - الأول: إِن قَوْله: إِنَّمَا وَجب الْعَمَل بالمقبول مِنْهَا إِلَى آخِره.
ظَاهر السُّوق أَن قَوْله: لِأَنَّهَا دَلِيل لوُجُوب الْعَمَل بالمقبول. وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا هُوَ دَلِيل انقسامها إِلَى المقبول والمردود. قَالَ: وَلَو كَانَ لي من الْأَمر
[ ١ / ٢٩٧ ]
شَيْء لَقلت بعد قَوْله الأول فَإِن وجد فيهم مَا يغلب ظن صدقهم فَالْأول، وَإِلَّا فَإِن ترجح عدم الصدْق فَالثَّانِي، وَإِن تساوى الطرفان فالثالث.
٢ - وَالْوَجْه الثَّانِي: قَوْله إِذْ أصل صفة الرَّد - وَهُوَ - ثُبُوت كذب النَّاقِل. يُخَالف مَا قدمه فِي تَفْسِير الْمَرْدُود فَهُوَ تنَاقض /. انْتهى.
وَاعْلَم أَن الغرائب وَإِن انقسمت إِلَى الصِّحَّة وَالْحسن والضعيف لَكِن الْغَالِب عَلَيْهَا عدم الصَّحِيح، فَلَا يعْمل بأكثرها إِلَّا فِي الْفَضَائِل، وَلِهَذَا كره جمع من الْأَئِمَّة تتبع الغرائب فَقَالَ أَحْمد: لَا تكتبوها فَإِنَّهَا مَنَاكِير، وعامتها فِي الضَّعِيف.
وَسُئِلَ عَن حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَتردينَ
[ ١ / ٢٩٨ ]
عَلَيْهِ حديقته؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُرْسل. فَقيل: إِن ابْن أبي شيبَة زعم أَنه غَرِيب. قَالَ: صدق إِذا كَانَ خطأ فَهُوَ غَرِيب.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من طلبَهَا كذب.
وَقَالَ مَالك: شَرّ الْعلم الْغَرِيب وخيره الظَّاهِر الَّذِي رَوَاهُ النَّاس. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: كُنَّا نرى أَن الْغَرِيب خير فَإِذا هُوَ شَرّ. تَنْبِيه: مَا تقرر من أَن وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مر مجمله
[ ١ / ٢٩٩ ]
وتفصيله، إِنَّمَا يقبل من خبر الْوَاحِد يجب الْعَمَل بِهِ فِي الْفَتْوَى وَالشَّهَادَة إِجْمَاعًا، وَأما بَقِيَّة الْأُمُور الدِّينِيَّة فَذهب قوم إِلَى وجوب الْعَمَل - أَيْضا - فِيهَا كَأَن يخبر بتنجيس المَاء، وَالْمَاء وبدخول وَقت الصَّلَاة، وَنَحْو ذَلِك.
ووجوبه سمعا، وَقيل: عقلا وَإِن دلّ عَلَيْهِ السّمع - أَيْضا - لِأَنَّهُ لَو لم يجب الْعَمَل بِهِ تعطلت وقائع الْأَحْكَام المروية بالآحاد وَهِي كَثِيرَة جدا، وعزى هَذَا إِلَى الإِمَام أَحْمد والقفال وَابْن سُرَيج وَبَعض الْمُعْتَزلَة.
وَقَالَت الظَّاهِرِيَّة: لَا يجب الْعَمَل بِهِ فِي الْحُدُود لِأَنَّهَا تدرأ بِالشُّبْهَةِ.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يجب الْعَمَل بِهِ فِي ابْتَدَأَ النصب. وَقَالَ قوم: لَا يجب الْعَمَل بِهِ فِيمَا عمل فِيهِ الْأَكْثَر بِخِلَافِهِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّة: لَا يجب الْعَمَل بِهِ /
[ ١ / ٣٠٠ ]
فِيمَا عمل أهل الْمَدِينَة فِيهِ بِخِلَافِهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّة: لَا يجب الْعَمَل بِهِ فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى، وَلَا فِيمَا خَالفه رَاوِيه، وَلَا فِيمَا إِذا كَانَ مُعَارضا للْقِيَاس وَلم يكن رَاوِيه فَقِيها.
وَالْحق وجوب الْعَمَل بِهِ مُطلقًا، لِأَن الْمُصْطَفى كَانَ يبْعَث الْآحَاد إِلَى الْآفَاق لتبليغ الْأَحْكَام، فلولا لُزُوم الْعَمَل بخبرهم لَهُ لم يكن لبعثهم فَائِدَة.
لَا يُقَال: الْوَارِد ببعثه الْآحَاد حاد، فإثبات حجَّته خبر الْوَاحِد بهَا مصادرة على الْمَطْلُوب، فَلَا يثبت بحجته.
لأَنا نقُول: التفاصيل الْوَارِدَة ببعثهم - وَإِن كَانَت أَخْبَار - آحَاد - فجملتها تفِيد التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، كالأخبار الدَّالَّة على وجود حَاتِم
[ ١ / ٣٠١ ]
وشجاعة عَليّ - ﵁ - وَقد يَقع فِيهَا يَعْنِي وَكَثِيرًا مَا يَقع أَي فِي أَخْبَار الْآحَاد المنقسمة إِلَى: مَشْهُور، وعزيز، وغريب، مَا يُفِيد الْعلم لَا مُطلقًا، لاحْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ عَادَة، فَإِن رَاوِيه من لم يبلغ عَادَة وُقُوع الْكَذِب مِنْهُ، والتواطىء عَلَيْهِ من مثله فِي جَمِيع الطَّبَقَات لَا يُفِيد (الْعلم) الْقطعِي بل النظري بالقرائن المحتفة بِهِ على الْمُخْتَار الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الإمامان والغزالى، والآمدي، وَابْن الْحَاجِب، والبيضاوي حَيْثُ قَالُوا: خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا بِقَرِينَة، كَأَن يخبر إِنْسَان بِمَوْت وَلَده الْمَرِيض مَعَ قرينَة الْبكاء، وإحضار الْكَفَن والنعش.
خلافًا لمن أَبى ذَلِك وهم الْجُمْهُور، فَقَالُوا: لَا تفيده مُطلقًا، قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " شرح الْمُخْتَصر ": وَهُوَ الْحق.
وَتَبعهُ الشَّيْخ قَاسم فَقَالَ عِنْد (قَول) المُصَنّف: على الْمُخْتَار: الْمُخْتَار
[ ١ / ٣٠٢ ]
خلاف هَذَا / الْمُخْتَار.
قَالُوا: وَمَا ذكره مَعَ الْقَرِينَة يُوجد مَعَ الْإِغْمَاء. وَاعْترض بِأَن هَذَا قدح فِي الْمِثَال الجزئي، وَلَا يلْزم الْقدح فِي الْمُدعى الْكُلِّي وَدفع بِمَا هُوَ مَبْسُوط فِي المطولات، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل: يفِيدهُ مُطلقًا.
وَأطَال التَّاج السُّبْكِيّ فِي رده لِأَنَّهُ - لَا يجب الْعَمَل بِهِ - كَمَا مر - وَإِنَّمَا يجب الْعَمَل بِمَا يُفِيد الْعلم.
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَق الإسفرائني وَابْن فورك: يُفِيد المستفيض دون غَيره.
وجري عَلَيْهِ من الشَّافِعِيَّة ابْن سُرَيج، والعناني والشرف الْمَنَاوِيّ.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَالْخلاف فِي التَّحْقِيق لَفْظِي، لِأَن من جوز إِطْلَاق الْعلم قَيده بِكَوْنِهِ نظريًا وَهُوَ الْحَاصِل عَن الِاسْتِدْلَال، وَمن أبي الْإِطْلَاق قَالَ بَعضهم: لَيْسَ المُرَاد بِالْإِطْلَاقِ هُنَا أَن لَا يُقيد، بل المُرَاد من جَوَاز التَّسْمِيَة خص لفظ الْعلم بالمتواتر، وَمَا عداهُ عِنْده ظَنِّي، لكنه لَا يَنْفِي أَن مَا احتف بالقرائن أرجح مِمَّا خلا عَنْهَا كَذَا ادَّعَاهُ المُصَنّف، ورده ابْن أبي شرِيف والشرف الْمَنَاوِيّ بِأَن القَوْل بِأَن مَا حَفَّتْهُ الْقَرَائِن أرجح لَيْسَ قولا بِأَنَّهُ يُفِيد الْعلم، فَلم يفد هَذَا الِاسْتِدْلَال كَون الْخلاف لفظيًا بل هُوَ معنوي، نعم إِن أَرَادَ من أَن الْإِطْلَاق بِالْعلمِ الْعلم الَّذِي يفِيدهُ التَّوَاتُر - وَهُوَ الضَّرُورِيّ - كَانَ الْخلاف لفظيًا. انْتهى.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وتلميذه الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ فَقَالَ عِنْد قَوْله: الْخلاف فِي التَّحْقِيق لَفْظِي. التَّحْقِيق خلاف هَذَا التَّحْقِيق - كَمَا يَأْتِي.
قَالَ: وَقَوله: لكنه لَا يَنْفِي أَن مَا احتف بالقرائن أرجح. يَقُول: نعم هُوَ أرجح وَمَعَ / كَونه هُوَ أرجح لَا يُفِيد الْعلم، فَالْحَاصِل عِنْد من يَقُول: أَن الْآحَاد لَا تفِيد الْعلم أَن الدَّلِيل الظني على طَبَقَات، وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يُفِيد الْعلم.
والمناوي فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف فِيهِ نظر، لِأَن الْخلاف فِي إِفَادَة الْعلم فِي الرجحان فِيهِ.
وَالْخَبَر المحتف بالقرائن أَنْوَاع: مِنْهَا مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِمَّا لم يبلغ التَّوَاتُر فَيُفِيد الْعلم النظري عِنْد ابْن الصّلاح وَجَمَاعَة فَإِنَّهُ احتفت بِهِ قَرَائِن مِنْهَا جلالتهما فِي هَذَا الشَّأْن ورسوخ قدمهما فِيهِ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وتقدمهما فِي الْمعرفَة بِهَذِهِ الصِّنَاعَة لَا سِيمَا فِي تَمْيِيز الصَّحِيح من الضَّعِيف على غَيرهمَا وجودة الْوَضع، وبلوغهما أَعلَى الْمَرَاتِب، وَالِاجْتِهَاد فِي الْإِمَامَة فِي هَذَا الْعلم وتلقي الْعلمَاء لكتابيهما بِالْقبُولِ وَإِجْمَاع الْأمة المعصومة فِي إجماعها عَن الْخَطَأ على ذَلِك.
وَهَذَا التلقي وَحده أقوى فِي إِفَادَة الْعلم من مُجَرّد كَثْرَة الطّرق القاصرة عَن التَّوَاتُر، إِلَّا أَن هَذَا يخْتَص بِمَا (لم) ينتقده أحد من الْحفاظ مِمَّا فِي الْكِتَابَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْعلمَاء لم يتلقوا كل مَا فِي الْكِتَابَيْنِ بِالْقبُولِ وَبِمَا لم يَقع التجاذب بَين مدلوليه مِمَّا وَقع فِي الْكِتَابَيْنِ حَيْثُ لَا تَرْجِيح. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لقَائِل أَن يَقُول: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا لِأَن الْكَلَام فِي إِفَادَة الْعلم بِثُبُوت الْخَبَر لَا فِي إِفَادَة الْعلم بمضمونه. لِاسْتِحَالَة ان يُفِيد المتناقصان الْعلم بصدقهما من غير تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر، وَمَا عدا ذَلِك فالإجماع حَاصِل / على تَسْلِيم
[ ١ / ٣٠٦ ]
صِحَّته قَالَ بَعضهم: كَانَ الصَّوَاب أَن يَقُول لَا على الْعلم بِهِ، وَالْإِجْمَاع من مجتهدي الْأمة على أَنه صَحِيح، وَإِن قَالُوا ذَلِك عَن ظن فَإِنَّهُ - لعصمتهم عَن الْخَطَأ - لَا يخطيء.
قَالَ بَعضهم: لَا يخفى أَنَّهُمَا إِذا كَانَ فِي أَحدهمَا تَرْجِيح لَا يفيدان الْعلم بصدقهما.
فَإِن قيل: إِنَّمَا اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ لَا على صِحَّته منعناه، وَسَنَد الْمَنْع أَنهم متفقون على وجوب الْعَمَل بِكُل مَا صَحَّ وَلَو لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ، فَلم يبْق لِلصَّحِيحَيْنِ (فِي هَذَا) مزية، وَالْإِجْمَاع قَائِم (حَاصِل) على أَن لَهما مزية فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصِّحَّة.
لَكِن لحديثه احْتِمَال كَونه المزية أَن أحاديثهما أصح الصَّحِيح كَذَا قَالَ بَعضهم.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: حَاصِل السُّؤَال أَنهم اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل - وَهُوَ لَا يسْتَلْزم صِحَة الْجَمِيع - بِالْمَعْنَى المصطلح عَلَيْهِ، لِأَن الْعَمَل يجب بالْحسنِ كَمَا يجب بِالصَّحِيحِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم أَن يكون الِاتِّفَاق على الصِّحَّة.
قَالَ: وَقَوله منعناه أَي منعنَا قَوْله لَا على صِحَّته، وَحَاصِل الْجَواب أَن لِلشَّيْخَيْنِ مزية فِيمَا خرجاه، وَمَا حسن أَو صَحَّ وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يكن من مرويهما فَيلْزم أَن مَا أَخْرجَاهُ أَعلَى الْحسن وَأَعْلَى الصَّحِيح، فَيلْزم من الِاتِّفَاق على وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا مَعَ مزيتهما الِاتِّفَاق على صِحَّته، هَذَا نِهَايَة الْمُمكن فِي تَقْرِير هَذَا الْمحل، وَأما الْعبارَة فَإنَّك إِذا نظرت إِلَيْهَا تجدها تنبو عَن ملائمة الطَّبْع السَّلِيم. انْتهى /
وَبَقِي أَن يُقَال: سلمنَا حُصُول الْإِجْمَاع على أَن لَهما مزية فِيمَا يرجع
[ ١ / ٣٠٨ ]
إِلَى نفس الصِّحَّة، لَكِن هَل المُرَاد أَن الْإِجْمَاع حصل على أَن شُرُوط الصِّحَّة مجتمعة فِي رُوَاة أحاديثهما غير المنتقدة؟ فَإِن لَهَا مزية وَهِي كَون الْإِجْمَاع حصل بذلك بِخِلَاف غَيرهَا، إِذْ لَيْسَ مجمعا عَلَيْهِ، بل لم يتَكَلَّم على صِحَّته وَعدمهَا إِلَّا بعض الْعلمَاء.
أم المُرَاد بالمزية أَنه قطع لصِحَّة الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة؟ الَّذِي أَخْرجَاهُ مَحل تردد كَذَا قَالَه الْمُؤلف وَقَضيته كَلَامهم تَرْجِيح الثَّانِي، وَهَذَا كُله جَار على مَا صَححهُ ابْن الصّلاح فِي طَائِفَة من الْمُحدثين، والأصوليين، وَالْفُقَهَاء من الْقطع بِصِحَّة كل مَا ذكرَاهُ مُجْتَمعين، ومنفردين، بإسنادهما الْمُتَّصِل، دون المنتقد وَهُوَ نَحْو مِائَتي حَدِيث، والتعاليق، وَمَا وَقع التجاذب بَين مدلوليه وَلَا مُرَجّح - كَمَا مر -.
قَالَ البُلْقِينِيّ: قد تقدم ابْن الصّلاح إِلَى القَوْل بذلك: أَبُو حَامِد،
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَأَبُو الطّيب، وَأَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ من الشَّافِعِيَّة، والسرخسي من الْحَنَفِيَّة، وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة، وَأَبُو يعلى، وَأَبُو الْخطاب من الْحَنَابِلَة.
وَمِمَّنْ صرح بإفادة مَا أخرجه الشَّيْخَانِ الْعلم النظري الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني بِالْكَسْرِ وَسُكُون الْمُهْملَة، وَفتح الْفَاء وَالرَّاء، وَكسر التَّحْتِيَّة نِسْبَة إِلَى إسفراين بليدَة بنواحي نيسابور وَهُوَ بِلَا همز وَمن أَئِمَّة الحَدِيث: أَبُو عبد الله الْحميدِي نِسْبَة بِالتَّصْغِيرِ إِلَى جده حميد وَأَبُو
[ ١ / ٣١٠ ]
الْفضل / (مُحَمَّد) بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَغَيرهمَا أَي من أَئِمَّة الحَدِيث، وَلِهَذَا أعَاد الضَّمِير على الْمُحدثين.
وَعبارَة الْأُسْتَاذ الإسفرايني: أهل الصَّنْعَة مجمعون على الْأَخْبَار الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الصحيحان، مَقْطُوع بِصِحَّة أُصُولهَا ومتونها، وَلَا يحصل الْخلاف فِيهَا بِحَال، فَمن خَالف خَبرا مِنْهَا بِلَا تَأْوِيل نقض حكمه، لِأَن هَذِه الْأَخْبَار تلقتها الْأمة بِالْقبُولِ.
قَالَ ابْن قطلوبغا: وَحجَّة ابْن الصّلاح - وَمن وَافقه - إِن الْأمة تلقت ذَلِك بِالْقبُولِ، وَمَا تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ، وَهَذِه الصِّحَّة غير مسلمة لصِحَّة تلقيهم بِالْقبُولِ مَا غلب على ظنهم صِحَّته. قَوْله:
[ ١ / ٣١١ ]
إِن التلقي بِالْقبُولِ مُوجب للْعَمَل بِهِ، ووجوبه يَكْفِي فِيهِ الظَّن، لِأَن ظنهم لَا يخطي لعصمتهم لَا يفِيدهُ فِي مَطْلُوبه، لِأَن مُتَعَلق ظنهم الحكم الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ هُوَ مَحل وجوب الْعَمَل لَا أَن مُتَعَلق ظنهم أَن الْمُصْطَفى قَالَ لَهُ كَذَا، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ مَطْلُوبه وَمَا ذكره لَا يفِيدهُ فِي مَطْلُوبه إِلَّا أَن يَدعِي إِجْمَاع الْأمة على الصِّحَّة نَفسهَا، وأنى لَهُ ذَلِك بِهِ. وَلذَلِك لما نظر فِي الْمقنع إِلَى ذَلِك قَالَ فِيهِ نظر، لِأَن الْإِجْمَاع إِن وصل إِلَيْنَا بأخبار الْآحَاد كَانَ ظنيًا، وَلِهَذَا استدرك النَّوَوِيّ على ابْن الصّلاح، قَالَ: قد خَالف الْمُحَقِّقُونَ وَالْجُمْهُور لِأَنَّهُ لَا يُفِيد فِي أَصله قبل التلقي / إِلَّا الظَّن، وَهُوَ لَا يَنْقَلِب بتلقيهم قطعا، وَقد عَابَ ابْن عبد السَّلَام على ابْن
[ ١ / ٣١٢ ]
الصّلاح - وَمن قَالَ بمقالته - فَقَالَ: إِن الْمُعْتَزلَة يرَوْنَ إِن الْأمة إِذا عملت بِحَدِيث اقْتضى الْقطع بمضمونه، وَهُوَ مَذْهَب ردي. وَأَيْضًا إِن أَرَادَ كل الْأمة فَلَا يخفى فَسَاده، إِذْ الْأمة الَّذين وجدوا بعد وضع الْكِتَابَيْنِ فهم بَعْضهَا لَا كلهَا، وَإِن أَرَادَ كل حَدِيث مِنْهَا يلقى بِالْقبُولِ (فِي كَافَّة النَّاس فَغير مُسلم، ثمَّ أَنا نقُول التلقي بِالْقبُولِ) لَيْسَ بِحجَّة، فَإِن النَّاس اخْتلفُوا أَن الْأمة إِذا عملت بِحَدِيث وَأَجْمعُوا على الْعَمَل بِهِ هَل يُفِيد الْقطع؟ أَو الظَّن؟ وَمذهب أهل السّنة أَنه يُفِيد الظَّن مَا لم تتواتر. انْتهى.
قَالَ قَاسم: وَإِذا تَأَمَّلت هَذَا وجدته عقدا تناثرت درره.
[ ١ / ٣١٣ ]
وَمِنْهَا أَي مَا احتف بالقرائن الْمَشْهُور إِذا كَانَت لَهُ طرق متباينة اعْترض بَعضهم هَذَا التَّعْبِير: بِأَنَّهَا لَا يكون إِلَّا متباينة، وَقد تزيد الطّرق على ثَلَاثَة وَيحصل فِي بَعْضهَا عدم التباين لَكِن الزِّيَادَة غير شَرط فِي الْمَشْهُور سَالِمَة من ضعف الروَاة والعلل لِأَنَّهُ يُفِيد الْعلم النظري وَمِمَّنْ صرح بإفادته الْعلم الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو بكر بن فورك (وَغَيرهمَا) بِضَم الْفَاء مَمْنُوع من الصّرْف، فَإِنَّهُم يدْخلُونَ الْكَاف عوض يَاء التصغير، وَمثله ابْن زيرك كَذَا نَقله (الشَّيْخ) قَاسم عَن الْمُؤلف / ثمَّ رده بِأَن هَذَا لَيْسَ عِلّة منع عَن الصّرْف كَمَا عرف فِي الْعَرَبيَّة. اه وَجعله الْأُسْتَاذ وَابْن فورك وَاسِطَة بَين الْمُتَوَاتر الْمُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ والآحاد الْمُفِيد للظن.
وَمِنْهَا المسلسل بالأئمة الْحفاظ المتقنين حَيْثُ لَا يكون غَرِيبا
[ ١ / ٣١٤ ]
كالحديث الَّذِي يرويهِ أَحْمد بن حَنْبَل - مثلا ويشاركه فِيهِ غَيره عَن الشَّافِعِي، ويشاركه فِيهِ (غَيره أَي غير ابْن حَنْبَل عَن الشَّافِعِي ويشاركه أَي الشَّافِعِي فِيهِ) غَيره عَن مَالك بن أنس، فَإِنَّهُ يُفِيد الْعلم عِنْد سامعه بالاستدلال من جِهَة جلالة رُوَاته، وَأَن فيهم من الصِّفَات اللايقة الْمُوجبَة للقبول مَا يقوم مقَام الْعدَد الْكثير من غَيرهم، وَلَا يتشكك من لَهُ أدنى ممارسة بِالْعلمِ وأخبار النَّاس أَن مَالِكًا مثلا لَو شافهه بِخَبَر أَنه صَادِق فِيهِ، فَإِذا انضاف إِلَيْهِ من هُوَ فِي تِلْكَ الدرجَة ازْدَادَ قُوَّة، وَبعد مَا يخْشَى عَلَيْهِ من السَّهْو.
تعقب الشَّيْخ قَاسم قَوْله: إِنَّه صَادِق إِلَى آخِره. بِأَنَّهُ إِن أَرَادَ أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب فَلَيْسَ مَحل النزاع، وَإِن أَرَادَ أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ السَّهْو والغفلة والغلط فَمحل تَأمل. اه
[ ١ / ٣١٥ ]
وَانْظُر إِلَى قَول عَائِشَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ.
وَهَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لَا يحصل الْعلم بِصدق الْخَبَر مِنْهَا إِلَّا للْعَالم بِالْحَدِيثِ، المتبحر فِيهِ، الْعَارِف بأحوال الروَاة، المطلع على الْعِلَل وَكَون / لَا يحصل لَهُ الْعلم بِصدق ذَلِك لقصوره عَن بُلُوغ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة لَا يَنْفِي حُصُول الْعلم للمتبحر الْمَذْكُور.
كَذَا زَعمه الْمُؤلف، ورده ابْن قطلوبغا بِأَنَّهُ لَو سلم حُصُول مَا ذكر لم يكن مَحل النزاع، لِأَن الْكَلَام فِيمَا هُوَ سَبَب الْعلم لِلْخلقِ لَا لبَعض الْأَفْرَاد. انْتهى.
[ ١ / ٣١٦ ]
ومحصل الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا (وَهِي مَا خرجه الشَّيْخَانِ، وَالْمَشْهُور، والمسلسل) أَن الأول يخْتَص بالصحيحين، وَالثَّانِي بِمَا لَهُ طرق مُتعَدِّدَة، وَالثَّالِث بِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْكِبَار كمالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد وَيُمكن اجْتِمَاع الثَّلَاثَة فِي حَدِيث وَاحِد، فَلَا يبعد حِينَئِذٍ الْقطع بصدقه. انْتهى.
قَالَ تِلْمِيذه الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَقَوله: وَيُمكن اجْتِمَاع الثَّلَاثَة. هُوَ بِاعْتِبَار المسلسل بالأئمة الْحفاظ لَا بالذين مثل بهم، فَإِن الشَّافِعِي لَا رِوَايَة لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهر.
أَقسَام الغرابة
ثمَّ الغرابة عبر ثمَّ إِشَارَة إِلَى (تراخي) رُتْبَة الْغَرِيب كَمَا مر، وَهِي معِين فِي الْغَرِيب كالفاعلية (معِين فِي الْفَاعِل) والقادرية معِين فِي الْقَادِر.
[ ١ / ٣١٧ ]
إِمَّا أَن يكون فِي أصل السَّنَد - أَي فِي الْموضع الَّذِي يَدُور الْإِسْنَاد عَلَيْهِ وَيرجع وَلَو تعدّدت الطّرق إِلَيْهِ. قَالَ الْمُؤلف: أصل السَّنَد وأوله ومنشؤه وَآخره وَنَحْو ذَلِك يُطلق وَيُرَاد (بِهِ الطّرف الأول) من جِهَة الصَّحَابِيّ، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الطّرف الآخر بِحَسب الْمقَام - أَي - وَالْمرَاد هُنَا الأول كَمَا صرح بِهِ فِي قَوْله وَهُوَ أَي هُنَا طرفه الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيّ قَالَ المُصَنّف /: أَي الَّذِي يروي عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ التَّابِعِيّ، وَإِنَّمَا لم يتَكَلَّم فِي الصَّحَابِيّ لِأَن الْمَقْصُود مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْقبُول وَالرَّدّ، وَالصَّحَابَة عدُول، وَهَذَا بِخِلَاف مَا تقدم فِي حد الْعَزِيز وَالْمَشْهُور حَيْثُ قَالُوا: إِن الْعَزِيز لَا بُد أَن لَا ينقص عَن اثْنَيْنِ من الأول إِلَى الآخر، فَإِن إِطْلَاقه يتَنَاوَل ذَلِك، وَوَجهه أَن الْكَلَام هُنَاكَ فِي وصف السَّنَد بذلك، وَهنا فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقبُولِ وَالرَّدّ. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَفِيه مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمقَام.
[ ١ / ٣١٨ ]
أَو لَا يكون كَذَلِك، بِأَن يكون التفرد فِي أَثْنَائِهِ كَأَن يرويهِ عَن الصَّحَابِيّ أَكثر من وَاحِد ثمَّ يتفرد بروايته عَن وَاحِد مِنْهُم شخص وَاحِد. قَالَ الْمُؤلف: إِن روى ن الصَّحَابِيّ تَابع وَاحِد فَهُوَ الْفَرد الْمُطلق، سَوَاء اسْتمرّ التفرد أَو لَا، بِأَن رَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة.
وَإِن روى عَن الصَّحَابِيّ أَكثر من وَاحِد ثمَّ تفرد عَن أحدهم وَاحِد فَهُوَ الْفَرد النسبي، وَيُسمى مَشْهُورا فالمدار على أَصله. انْتهى.
قَالَ ابْن قطلوبغا: وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن قَوْله - كَمَا تقدم -: أَو مَعَ حصر عدد بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ لَيْسَ بِلَازِم فِي الصَّحَابِيّ.
فَالْأول هُوَ الْفَرد الْمُطلق أَي سمي بذلك كَحَدِيث النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته، تفرد بِهِ عبد الله
[ ١ / ٣١٩ ]
ابْن دِينَار عَن ابْن عمر بن الْخطاب. وَحَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن / الْمُصْطَفى دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر تفرد بِهِ مَالك عَن الزُّهْرِيّ.
وَقد يتفرد بِهِ راو عَن ذَلِك الْمُنْفَرد كَحَدِيث الْبَيْهَقِيّ الَّذِي أوردهُ فِي كتاب " شعب الْإِيمَان " فَإِنَّهُ قد تفرد بِهِ أَبُو صَالح السمان عَن أبي هُرَيْرَة، وَتفرد بِهِ عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح، وَقد يسْتَمر التفرد فِي جَمِيع رُوَاته أَو أَكْثَرهم. نَحْو مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن
[ ١ / ٣٢٠ ]
الْأَرْبَعَة من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن وَائِل بن دَاوُد عَن ابْنه بكر ابْن وَائِل عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن الْمُصْطَفى أَو لم على صَفِيَّة بسويق. قَالَ ابْن طَاهِر: تفرد بِهِ وَائِل عَن ابْنه، وَلم يروه عَنهُ غير سُفْيَان.
[ ١ / ٣٢١ ]
وَفِي مُعْجم الْأَوْسَط للطبراني، ومسند الْبَزَّار أَمْثِلَة كَثِيرَة لذَلِك وَقد ألف فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ مؤلفًا حافلًا جدا.
وَالثَّانِي هُوَ الْفَرد النسبي، سمي نسبيًا لكَون التفرد بِهِ حصل بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص معِين (أَو صفة مُعينَة، أَو إِلَى مَدِينَة أَو بلد، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفي مَا فِيهِ إِذْ الْفَرد الْمُطلق كَذَلِك) وَإِن كَانَ الحَدِيث فِي نَفسه مَشْهُورا.
مِثَاله فِي آخر الْإِسْنَاد بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص معِين حَدِيث: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " رَوَاهُ مُسلم عَن أبي غَسَّان
[ ١ / ٣٢٢ ]
عَن عبد الْملك بن الصَّباح عَن شُعْبَة عَن وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن جده ابْن عمر.
تفرد بِهِ أَبُو غَسَّان عَن ابْن الصَّباح، وَلم ينْفَرد ابْن الصَّباح بل تَابعه ابْن عمَارَة عَن / شُعْبَة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ومثاله فِي أثْنَاء الْإِسْنَاد بِالنِّسْبَةِ إِلَى صفة مُعينَة حَدِيث أَن الْمُصْطَفى - كَانَ يقْرَأ فِي الْأَضْحَى وَالْفطر بقاف واقتربت.
رَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن ضَمرَة عَن عبيد الله ابْن عبد الله عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ عَن النَّبِي.
انْفَرد بِهِ من الثِّقَات ضَمرَة وَهُوَ مدَار الحَدِيث. ومثاله بِالنِّسْبَةِ إِلَى بلد معِين أَن يتفرد بِهِ أهل بلد بِنَقْل حَدِيث لم يشاركهم فِيهِ
[ ١ / ٣٢٤ ]
غَيرهم، كَقَوْلِهِم تفرد بِهِ أهل مَكَّة، أَو بَغْدَاد، أَو مصر، أَو الشَّام، أَو الْبَصْرَة، مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ عَن همام عَن قَتَادَة عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد أمرنَا أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَمَا تيَسّر.
قَالَ الْحَاكِم: تفرد بِذكر الْأَمر فِيهِ أهل الْبَصْرَة من أول السَّنَد إِلَى آخِره.
وَمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبد الله بن زيد فِي صفة وضوء الْمُصْطَفى وَمسح رَأسه بِمَاء غير فضل يَده.
[ ١ / ٣٢٥ ]
قَالَ الْحَاكِم: هَذِه سنة غَرِيبَة تفرد بهَا أهل مصر
ويقل إِطْلَاق الفردية عَلَيْهِ أَي الْفَرد النسبي، قَالَ بَعضهم: لَا يخفى مَا فِي هَذِه الْعبارَة، وَإِن (كَانَ آخرهَا رُبمَا) أوضح الْمَقْصُود لِأَن الْغَرِيب والفرد مُتَرَادِفَانِ لُغَة وَاصْطِلَاحا، إِلَّا أَن أهل الحَدِيث غايروا بَينهمَا من جِهَة كَثْرَة الِاسْتِعْمَال وقلته، فالفرد أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد الْمُطلق، والغريب أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد النسبي وَهَذَا من حَيْثُ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِمَا، أما من حَيْثُ استعمالهم الْفِعْل الْمُشْتَقّ فَلَا يفرقون بَينهمَا فَيَقُولُونَ / فِي الْمُطلق والنسبي جَمِيعًا تفرد بِهِ فلَان أَو أغرب فلَان.
كَذَا ادَّعَاهُ الْمُؤلف وَفِيه أَمْرَانِ: -
١ - الأول: قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: فِيمَا زَعمه من كَونهمَا مترادفين لُغَة نظر، أَي لِأَن الْفَرد فِي اللُّغَة الْوتر، وَهُوَ الْوَاحِد. والغريب
[ ١ / ٣٢٦ ]
من بعد عَن وَطنه، وَأغْرب فلَان جَاءَ بِشَيْء غَرِيب أَو كَلَام غَرِيب بعيد عَن الْفَهم. هَذَا كَلَام أهل اللُّغَة، فَالْقَوْل بالترادف لُغَة بَاطِل.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ قَاسم: الله أعلم بِمن حكى هَذَا الترادف، وَقد قَالَ ابْن فَارس فِي " الْمُجْمل ": عزب بعد، والغربة الاغتراب عَن الوطن. والفرد: الْوتر، والفرد الْمُنْفَرد هَذَا كَلَام أهل اللُّغَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الترادف وَلَا يُوهِمهُ.
٢ - الثَّانِي: هَذَا التَّعْلِيل - أَعنِي قَوْله: لِأَن الْغَرِيب إِلَى آخِره - فِي حيّز الرَّد، قَالَ البقاعي: لَيْت شعري هَذَا التَّعْلِيل لماذا؟ إِن كَانَ لعِلَّة إِطْلَاق الفردية لم يَصح، لِأَن الترادف إِن لم يقتض التَّسْوِيَة فِي الْإِطْلَاق لم يقتض تَرْجِيح أحد المترادفين فِيهِ، وَإِن كَانَ تعليلًا لإِطْلَاق الْفَرد الْمُطلق والفرد النسبي على الْغَرِيب لم يَصح أَيْضا، لِأَن الترادف
[ ١ / ٣٢٧ ]
إِنَّمَا هُوَ بَين مُطلق الْغَرِيب وَمُطلق الْفَرد (لَا بَين الْفَرد) الْمُقَيد بِالْإِطْلَاقِ أَو بِالنِّسْبَةِ بَينه وَبَين الْغَرِيب، فأنعم النّظر فِيهِ. انْتهى.
وَقَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: لما كَانَ الْغَرِيب والفرد مترادفين اصْطِلَاحا قصد أهل الِاصْطِلَاح الْإِشْعَار بِالْفرقِ بَين الْفَرد الْمُطلق والفرد النسبي، فغايروا بَينهمَا من جِهَة الِاسْتِعْمَال / فَكَانَ أَكثر استعمالهم الْفَرد فِي الْمُطلق، والغريب فِي النسبي، لذَلِك فَهَذَا معنى الْعبارَة - (وَإِن كَانَ فِي أَخذه مِنْهَا تَكْلِيف - وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه معنى الْعبارَة) لِأَنِّي سَمِعت الْمُؤلف يقرره هَكَذَا إِلَى هُنَا كَلَامه.
وَقَرِيب من هَذَا أَي التغاير بَين الْفَرد والغريب اخْتلَافهمْ فِي
[ ١ / ٣٢٨ ]
الْمُنْقَطع والمرسل، هَل هما متغايران أَو لَا؟ فَأكْثر الْمُحدثين على التغاير لكنه عِنْد إِطْلَاق الِاسْم، وَأما عِنْد اسْتِعْمَال الْفِعْل الْمُشْتَقّ فيستعملون الْإِرْسَال فَقَط، فَيَقُولُونَ: أرْسلهُ فلَان أَي وَلَا يَقُولُونَ قطعه فلَان سَوَاء كَانَ مُرْسلا أم مُنْقَطِعًا، وَمن ثمَّ أَي وَمن جِهَة اسْتِعْمَال لفظ أرْسلهُ فِي الْمُرْسل والمنقطع أطلق غير وَاحِد مِمَّن لم يُلَاحظ مواقع استعمالهم على كثير من الْمُحدثين خرج بِهِ الأصوليون على مَا سَيَأْتِي تَقْرِيره أَنهم لَا يغايرون بَين الْمُرْسل والمنقطع وَلَيْسَ كَذَلِك لما حررناه، وَقل من تنبه على النُّكْتَة فِي ذَلِك.
قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَالسَّبَب فِي ذَلِك - أَي فِي استعمالهم الْإِرْسَال فَقَط حَتَّى فِي الْمُنْقَطع - أَنهم لَو قَالُوا قطعه فلَان لسبق
[ ١ / ٣٢٩ ]
إِلَى الْوَهم أَنه مَقْطُوع، والمقطوع غير الْمُنْقَطع اصْطِلَاحا، إِذْ الْمَقْطُوع من أَوْصَاف الْمَتْن والمنقطع من أَوْصَاف السَّنَد، وَالْقطع لَازم لَا يُمكن إِسْنَاده إِلَى الرَّاوِي فألجأهم ذَلِك إِلَى التَّعْبِير بأرسله فافهمه فَإِنَّهُ دَقِيق.
قَالَ: وَقَول المُصَنّف: من الْمُحدثين. احْتَرز بِهِ عَن الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّهُ لَا فرق عِنْدهم بَين الْمُرْسل والمنقطع أصلا.
تَنْبِيهَات
: -
١ - الأول: يَنْقَسِم / الْغَرِيب إِلَى صَحِيح كأفراد الصَّحِيح، وَغير صَحِيح وَهُوَ الْغَالِب، قَالَ الإِمَام أَحْمد: لَا تكْتبُوا هَذِه الْأَحَادِيث الغرائب (فَإِنَّهَا مَنَاكِير، وعامتها عَن الضُّعَفَاء. وَقَالَ مَالك: شَرّ الْعلم الْغَرِيب) وَخير الْعلم الظَّاهِر الَّذِي رَوَاهُ النَّاس. وَقَالَ عبد الرازق:
[ ١ / ٣٣٠ ]
كُنَّا نرى أَن غَرِيب الحَدِيث خير فَإِذا هُوَ شَرّ. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: خير الْعلم الَّذِي يَأْتِيك من هَا هُنَا، وَهَا هُنَا يَعْنِي الْمَشْهُور.
رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمدْخل ". وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَيْسَ الْعلم مَا لَا يعرف إِنَّمَا الْعلم مَا عرف. وروى ابْن عدي عَن أبي يُوسُف: من طلب الدّين بالْكلَام تزندق، وَمن طلب غَرِيب الحَدِيث كذب، وَمن طلب المَال بالكيميا أفلس.
٢ - الثَّانِي: يَنْقَسِم الْغَرِيب - أَيْضا - إِلَى:
أ - غَرِيب متْنا وإسنادًا كَأَن تفرد بمتنه وَاحِد.
ب - وَإِلَى غَرِيب إِسْنَادًا لَا متْنا كَحَدِيث روى مَتنه جمع من الصَّحَابَة انْفَرد وَاحِد بروايته عَن صَحَابِيّ آخر، وَفِيه يَقُول التِّرْمِذِيّ: غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَمن أمثلته - كَمَا قَالَ ابْن سيد النَّاس -: مَا رَوَاهُ عبد الْمجِيد بن
[ ١ / ٣٣١ ]
عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء عَن أبي سعيد عَن الْمُصْطَفى: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ".
قَالَ الخليلي فِي " الْإِرْشَاد ": أَخطَأ فِيهِ عبد الْمجِيد، وَهُوَ غير مَحْفُوظ عَن زيد بن أسلم، فَهَذَا مِمَّا أَخطَأ فِيهِ الثِّقَة عَن الثِّقَة.
قَالَ ابْن سيد النَّاس: هَذَا إِسْنَاد غَرِيب كُله والمتن صَحِيح. انْتهى.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَلَا يُوجد غَرِيب متْنا فَقَط لَا إِسْنَادًا إِلَّا إِذا اشْتهر الْفَرد فَرَوَاهُ عَن الْمُنْفَرد كَثِيرُونَ / صَار غَرِيبا مَشْهُورا غَرِيبا (متْنا) لَا إِسْنَادًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد طَرفَيْهِ وَهُوَ الْأَخير كَحَدِيث " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ".
٣ - الثَّالِث: قد يكون الحَدِيث - أَيْضا - عَزِيزًا مَشْهُورا، وَقَالَ الْحَافِظ العلائى: حَدِيث " نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة " عَزِيز عَنهُ، رَوَاهُ عَنهُ حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ مَشْهُور. وَعَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَنهُ
[ ١ / ٣٣٣ ]
سِتَّة: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأَبُو حَازِم، (طَاوُوس)، والأعرج، وَهَمَّام، وَأَبُو صَالح.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الحَدِيث الصَّحِيح بنوعيه
وَخبر الْآحَاد حَال كَونه بِنَقْل عدل (وَهُوَ من لَهُ ملكة تحمله على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة) تَامّ الضَّبْط عَن مثله، بِأَن أتقن مَا سَمعه بِحَيْثُ يُمكنهُ استحضاره مَتى شَاءَ على مَا يَأْتِي، لَكِن توقف فِيهِ الشَّيْخ قَاسم وَقَالَ: الله أعلم بِتمَام الضَّبْط.
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وَكَانَ الأخصر الْأَحْسَن (أَن يَقُول: بِنَقْل ثِقَة، لِأَنَّهُ من جمع الْعَدَالَة والضبط، والتعاريف تصان عَن الإسهاب) .
مُتَّصِل بِالنّصب على الْحَال السَّنَد غير مُعَلل وَلَا شَاذ هُوَ الصَّحِيح لذاته (أَي لنَفسِهِ)، وَهُوَ أول تَقْسِيم المقبول إِلَى أَرْبَعَة أَنْوَاع، لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يشْتَمل من صِفَات الْقبُول على أَعْلَاهَا أَو لَا،
[ ١ / ٣٣٥ ]
الأول الصَّحِيح لذاته، وَالثَّانِي يَأْتِي لنَفسِهِ أما إِن وجد مَا يجْبر ذَلِك الْقُصُور لِكَثْرَة الطّرق فَهُوَ الصَّحِيح - أَيْضا - لَكِن لذاته بل لغيره وَحَيْثُ لَا جبران فَهُوَ الْحسن لذاته، وَإِن قَامَت قرينَة ترجح جَانب قبُول مَا يتَوَقَّف فِيهِ فَهُوَ الْحسن أَيْضا لَكِن لَا لذاته بل لغيره، بِأَن يَأْتِي من طَرِيق آخر، وَقد يُقَال: يلْزم تَقْدِيم الْحسن لغيره على الْحسن لذاته بِاعْتِبَار الْقَرِينَة كَمَا ذكره بَعضهم.
وَقدم الْمُؤلف كَغَيْرِهِ من الْمُحدثين الْكَلَام على / الصَّحِيح لذاته لعلو رتبته على غَيره من بَقِيَّة الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ الأَصْل، ومدار الْعَمَل عَلَيْهِ، ومرادهم بِالصَّحِيحِ مَا وجدت بِهِ هَذِه الشُّرُوط، وبالضعيف مَا لم تُوجد فِيهِ أَو بَعْضهَا لَا مَا هُوَ صَحِيح فِي نفس الْأَمر أَو ضَعِيف
[ ١ / ٣٣٦ ]
فِيهِ، لجَوَاز صدق الْكَاذِب وَخطأ الصَّادِق، وَإِن الصَّحِيح قد يكون فَردا وَغير فَرد - كَمَا علم مِمَّا مر وَيَأْتِي - لِأَن الْأَدِلَّة على قبُول خبر الْوَاحِد لَا تفرق بَين الْفَرد وَغَيره.
الْعَدَالَة وَالْمرَاد بِالْعَدْلِ
وَالْمرَاد بِالْعَدْلِ: من لَهُ ملكة تحمله على ملازمته التَّقْوَى والمروءة.
اعْترض بِأَن الأولى أَن يَقُول كَمَا قَالَ أهل الْأُصُول - ملكة أَي هَيْئَة راسخة فِي النَّفس، تمنع عَن اقتراف الْكَبَائِر، وصغائر الخسة كسرقة لقْمَة وتطفيف تَمْرَة، والرذائل الْمُبَاحَة - أَي الْجَائِزَة - كالبول فِي الطَّرِيق الَّذِي هُوَ مَكْرُوه، وَالْأكل فِي السُّوق لغير سوقي، وَاتِّبَاع هوى النَّفس.
وَالْمعْنَى عَن اقتران كل فَرد من أَفْرَاد مَا ذكر، فباقتران الْفَرد من ذَلِك تَنْتفِي الْعَدَالَة.
أما صغائر غير الخسة ككذبة لَا يتَعَلَّق بهَا ضَرَر، ونظرة إِلَى
[ ١ / ٣٣٧ ]
أَجْنَبِيَّة فَلَا يشْتَرط الْمَنْع عَن اقتران كل مِنْهَا، فباقتران الْفَرد مِنْهَا لَا تَنْتفِي الْعَدَالَة. وَأما تَعْبِير المُصَنّف بِمَا ذكره فقد تبع فِيهِ صَاحب " البديع " حَيْثُ قَالَ: الْعَدَالَة هَيْئَة تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة وَقد رد بِأَنَّهُ يفْسد بِهِ طرد التَّعْرِيف.
الضَّبْط وأنواعه
وَالْمرَاد بالتقوى اجْتِنَاب / الْأَعْمَال السَّيئَة من شرك، أَو فسق، أَو بِدعَة. والضبط نَوْعَانِ:
١ - الأول: ضبط صدر أَي يُسمى بذلك، وَيُسمى أَيْضا ضبط حفظ وَهُوَ أَن يثبت الرَّاوِي مَا سَمعه من شَيْخه متقنًا لذَلِك فِي حافظته بِحَيْثُ أَنه يتَمَكَّن عَادَة من استحضاره لَهُ مَتى شَاءَ لَكِن لَا يشْتَرط أَن يكون استحضاره دفعيًا، بل يَكْفِي أَن يستحضره شَيْئا فَشَيْئًا على التدريج.
[ ١ / ٣٣٨ ]
٢ - وَالثَّانِي: ضبط كتاب أَي يُسمى بذلك وَهُوَ صيانته أَي الْكتاب إِن كَانَ حدث فِيهِ لَدَيْهِ أَي عِنْده مُنْذُ سمع فِيهِ وَصَححهُ إِلَى أَن يُؤَدِّي مِنْهُ ليصير حِينَئِذٍ على يَقِين من عدم إِدْخَال أحد فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
وَتعقبه تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن قَوْله والضبط ضبط صدر إِلَى آخِره، إِن كَانَ هَذَا هُوَ التَّام فَلَا تتَحَقَّق الْمَرَاتِب، فَإِن من لم يكن بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة فَهُوَ سيء الْحِفْظ أَو ضعيفه، وَلَيْسَ حَدِيثه بِالصَّحِيحِ. ثمَّ الضَّبْط بالصدر لَا يتَصَوَّر فِيهِ تَمام وقصور أصلا، وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي التَّعْرِيف تجهيل.
وَقيد الضَّبْط بالتمام إِشَارَة إِلَى بُلُوغ الرُّتْبَة الْعليا فِي ذَلِك ليخرج الْحسن لذاته فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك.
اتِّصَال السَّنَد
والمتصل هُوَ مَا أَي حَدِيث سلم إِسْنَاده من سُقُوط فِيهِ، بِحَيْثُ يكون كل من رِجَاله سمع ذَلِك الْمَرْوِيّ من شَيْخه بِلَا وَاسِطَة، وَلَو قَالَ: من شَيْخه فِيهِ كَانَ أولى، وَقد يسمع من شَيْخه الحَدِيث ثمَّ يطْرَأ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٣٩ ]
عِلّة بِنَحْوِ مرض فينسى / بِسَبَبِهِ مسموعه، فيضطر إِلَى سَماع ذَلِك الحَدِيث بِوَاسِطَة عَن شَيْخه، ثمَّ تسْقط الْوَاسِطَة وَيَأْتِي بِلَفْظ مُحْتَمل، فقد صدق أَنه سَمعه من شَيْخه، فَقَوْل المُصَنّف: مَا سلم إِسْنَاده من سُقُوط جيد لَوْلَا قَوْله بعده: بِحَيْثُ إِلَى آخِره، لَكِن قَوْله: غير مُعَلل، يخرج ذَلِك والسند تقدم تَعْرِيفه وَمر مَا فِيهِ من النَّقْد.
الْمُعَلل
والمعلل لُغَة نصب على الظَّرْفِيَّة الاعتبارية، بِمَعْنى نِسْبَة الْخَبَر إِلَى الْمُبْتَدَأ، أَو حَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي حَال كَونه، أَو لَفظه فِي اللُّغَة أَي معدودًا من جملَة مَعَانِيهَا أَو من جِهَتهَا.
مَا فِيهِ عِلّة، واصطلاحهًا ظرف اعتباري مُتَعَلق بِمَعْنى نِسْبَة الْخَبَر
[ ١ / ٣٤٠ ]
إِلَى الْمُبْتَدَأ، أَو بِمَحْذُوف حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي حد الْمُعَلل حَال كَون الْمُعَلل فِي مَعَاني الِاصْطِلَاح، أَو معدودًا من الْمعَانِي المتعارفة بَين أهل الِاصْطِلَاح، المُرَاد (اصْطِلَاح الْمُحدثين) مَا فِيهِ عِلّة خُفْيَة على غير المتبحر فِي هَذَا الشَّأْن قادحة طرأت على الحَدِيث السَّالِم ظَاهره مِنْهَا، فَخرج بالخفية الظَّاهِرَة كانقطاع وَضعف رَاوِي. وبالقادحة غَيرهَا كَرِوَايَة الْعدْل الضَّابِط.
الشاذ
والشاذ لُغَة هُوَ الْمُنْفَرد عَن غَيره بقال وَاصْطِلَاحا مَا يُخَالف فِيهِ الرَّاوِي من هُوَ أرجح مِنْهُ فِي الْعَدَالَة والضبط والإتقان، وَهَذَا قد تعقبه عَلَيْهِ الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ لَيْسَ بجيد، إِذْ يدْخل فِيهِ الْمُنكر، قَالَ: فَالصَّوَاب أَن يَقُول مَا خَالف فِيهِ الثِّقَة من هُوَ أرجح مِنْهُ وَله تَفْسِير آخر يَأْتِي بَيَانه أَي فِي / أَوَاخِر الْكَلَام على سوء الْحِفْظ حَيْثُ قَالَ: إِنَّه إِن
[ ١ / ٣٤١ ]
كَانَ لَازِما للراوي فَهُوَ الشاذ على رَأْي، نبه على ذَلِك الْكَمَال بن أبي شرِيف.
(وَقَالَ بَعضهم: سَيَأْتِي قَوْله بَيَانه أَي وَهُوَ قَوْله، وَعرف من هَذَا التَّقْرِير أَن الشاذ مَا رَوَاهُ مُخَالفا مِمَّن هُوَ أولى مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَمد فِي تَعْرِيف الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح. انْتهى) .
وَاعْلَم أَنهم قد يحكمون للإسناد بِالصِّحَّةِ فَيَقُولُونَ: هَذَا حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح دون الحكم للمتن بهَا، وَنَحْو هَذَا حَدِيث صَحِيح لِأَن الْإِسْنَاد قد يَصح لثقة رِجَاله وَلَا يَصح حَدِيثه لشذوذ أَو عِلّة، لَكِن الْمُعْتَمد فيهم: إِذا اقْتصر على قَوْله صَحِيح الْإِسْنَاد الظَّاهِر مِنْهُ الحكم بِأَنَّهُ صَحِيح فِي نَفسه بِقَرِينَة عدم ذكره القادح.
(تَنْبِيه):
قَوْله فِي الْمَتْن وَخبر الْآحَاد كالجنس، وَبَاقِي قيوده كالفصل
[ ١ / ٣٤٢ ]
وَتَقْدِير الْكَلَام: الصَّحِيح لذاته هُوَ خبر الْآحَاد (فخبر الْآحَاد) هُوَ الْحَد والمحدود، وَهُوَ الصَّحِيح، وَقدم الْمُعَرّف على الْمُعَرّف لِأَن معرفَة الْمُعَرّف أقدم من معرفَة الْمُعَرّف عِنْد الْعقل، فَقدم فِي الْوَضع ليطابق مَا عِنْد الْعقل.
وَقَوله: بِنَقْل عدل، احْتِرَازًا عَمَّا يَنْقُلهُ غير الْعدْل. وَقَوله هُوَ يُسمى فصلا يتوسط بَين الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ هُنَا: وَخبر الْآحَاد وَالْخَبَر الَّذِي هُوَ قَوْله: هُوَ الصَّحِيح. يُؤذن أَي يعلم بِأَن مَا بعده خبر عَمَّا قبله وَلَيْسَ بنعت لَهُ اعْتَرَضَهُ بعض الْمُحَقِّقين بِأَن هَذِه لَيست نُكْتَة الْإِتْيَان بِهِ على مَا قَالَه أَرْبَاب الْمعَانِي، بل نكتته إِفَادَة التَّخْصِيص وَالْقصر.
وَقَوله فِي الْمَتْن - أَيْضا - لذاته يخرج مَا يُسمى صَحِيحا لأمر خَارج
[ ١ / ٣٤٣ ]
عَنهُ - كَمَا تقدم -. كالحسن إِذا روى من غير / وَجه، وَمَا اعتضد بتلقي الْأمة لَهُ بِالْقبُولِ وَإِن لم يكن لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَلَو قَالَ: وَخبر الْآحَاد إِن نَقله عدل تَامّ الضَّبْط حَال كَونه مُتَّصِلا السَّنَد إِلَى آخِره كَانَ أولى.
محترزات تَعْرِيف الصَّحِيح
وَخرج بالقيد الأول: مَا نَقله فَاسق أَو مَجْهُول عينا أَو حَالا، أَو مَعْرُوف بالضعف.
وَبِالثَّانِي: مَا نَقله مُغفل كثير الْخَطَأ.
وبالثالث: الْمُنْقَطع والمعضل والمرسل على رَأْي من لَا يقبله.
وبالرابع وَالْخَامِس: الْمُعَلل والشاذ.
انتقادات لتعريف الصَّحِيح
وَهَذَا التَّعْرِيف قد انتقد من وُجُوه:
[ ١ / ٣٤٤ ]
١ - الأول: وَهُوَ للْمُصَنف إِن ذكر الْقَيْد الثَّانِي مُسْتَدْرك فَإِنَّهُ يُغني عَنهُ الأول، لِأَن اشْتِرَاط الْعَدَالَة يَسْتَدْعِي صدق الرَّاوِي وَعدم غفلته وَعدم تساهله عِنْد التَّحَمُّل وَالْأَدَاء.
٢ - الثَّانِي: أَن اشْتِرَاط نفي الشذوذ يُغني عَن اشْتِرَاط الضَّبْط، لِأَن الشاذ إِذا كَانَ هُوَ الْفَرد الْمُخَالف، وَكَانَ شَرط الصَّحِيح إِن سلم مِنْهُ تَنْتفِي مِنْهُ الْمُخَالفَة، فَمن كثرت مِنْهُ الْمُخَالفَة - وَهُوَ غير الضَّابِط - أولى.
وَأجِيب: بِأَن (الْكَلَام) فِي مقَام التَّبْيِين فَلم يكتف بِالْإِشَارَةِ.
٣ - الثَّالِث: إِن اشْتِرَاط السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة لم يذكرهَا الْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول بل زَاده المحدثون، وَفِيه نظر على مُقْتَضى نظر الْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَأجِيب: بِأَن من يؤلف فِي علم إِنَّمَا يذكر الْحَد عِنْد أَهله لَا عِنْد غَيرهم. كَون أُولَئِكَ لم يشترطوا ذَلِك فِي الصَّحِيح لَا يفْسد الْحَد / عِنْد من يشترطهما.
٤ - الرَّابِع: إِن هَذَا التَّعْرِيف نَاقص إِذْ بَقِي من تَمَامه أَن يَقُول: (وَلَا مُنكر) .
ورد: بِأَن الْمُنكر عِنْد الْمُؤلف - التَّابِع للنووي وَابْن الصّلاح - هُوَ والشاذ سيان، فَذكره مَعَه تكْرَار، وَعند غَيرهم أَسْوَأ حَالا من الشاذ، فاشتراط نفي الشذوذ يقتضى اشْتِرَاط نَفْيه بِالْأولَى.
- الْخَامِس: إِنَّه لم يفصح كَابْن الصّلاح بمراده من الشذوذ فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور فِي الْمَتْن، وَذكر فِي الشَّرْح أَنه مُخَالفَة الثِّقَة لأرجح مِنْهُ، وَاعْتَرضهُ فِي غير هَذَا الْكتاب: بِأَن الْإِسْنَاد إِذا كَانَ مُتَّصِلا، وَرُوَاته
[ ١ / ٣٤٦ ]
عدُول ضابطون فقد انْتَفَت عَنهُ الْعِلَل الظَّاهِرَة، وَإِذا انْتَفَى كَونه معلولًا فَمَا الْمَانِع من الحكم بِصِحَّتِهِ. وَغَايَة مَا فِيهِ رُجْحَان رِوَايَة على أُخْرَى، والمرجوحية لَا تنَافِي الصِّحَّة، وَأكْثر مَا فِيهِ أَن يكون هُنَا صَحِيح وَأَصَح فَيعْمل بالراجح لَا بالمرجوح، وَلَا يلْزم مِنْهُ الحكم بضعفه بل غَايَته الْوَقْف عَن الْعَمَل بِهِ كَمَا فِي النَّاسِخ والمنسوخ.
وبفرض تَسْلِيم أَن الشاذ لَا يُسمى صَحِيحا فَلَا يلْزم مِنْهُ جعل انتقائه شرطا فِي الصِّحَّة، وَلم لَا يحكم للْحَدِيث بِالصِّحَّةِ إِلَى أَن تظهر الْمُخَالفَة، فَيحكم بالشذوذ.
وَمنع بِأَن هَذَا يُفْضِي إِلَى الاسترواح بِحَيْثُ يحكم على الحَدِيث بِالصِّحَّةِ قبل تتبع طرقه الَّتِي يعلم بهَا الشذوذ نفيا وإثباتًا، وَقد يتَمَسَّك بذلك من لَا يحسن فَالْأَحْسَن / سد الْبَاب.
٦ - السَّادِس: إِن قَوْله غير مُعَلل وَلَا شَاذ نَاقص، فَلَا بُد أَن يكون
[ ١ / ٣٤٧ ]
فِي التَّعْرِيف بعلة قادحة.
وَأجِيب: بِأَن ذَلِك يُؤْخَذ من تَعْرِيف الْمَعْلُول حَيْثُ ذكر فِي مَوْضِعه، قَالَ الْمُؤلف: وَلَا يرد ذَلِك إِلَّا على من قَالَ من غير شذوذ وَلَا عِلّة. فَإِن عَلَيْهِ أَن يصف الْعلَّة بِكَوْنِهَا قادحة وَكَونهَا خُفْيَة.
قَالَ: وَلم يصب من قَالَ لَا حَاجَة إِلَى ذَلِك، لِأَن لفظ الْعلَّة لَا يُطلق إِلَّا على مَا كَانَ قادحًا.
٧ - السَّابِع: إِنَّهُم أوردوا عَلَيْهِ الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ صَحِيح قطعا، وَلَا يشْتَرط فِيهِ هَذِه الْقُيُود.
لَكِن فِي وجود حَدِيث متواتر لَا يجمع هَذِه الشُّرُوط توقف.
وتتفاوت رُتْبَة أَي الصَّحِيح من حَيْثُ هُوَ بتفاوت هَذِه الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للتصحيح فِي الْقُوَّة. اسْتشْكل ذَلِك ابْن قطلوبغا فَقَالَ: لَا
[ ١ / ٣٤٨ ]
أعلم بعد التَّمام رُتْبَة، وَدون التَّمام لَا يُوجد الْحَد، فليطلب تَصْوِير هَذِه الْأَوْصَاف وَكَيف تَتَفَاوَت؟ . انْتهى.
فَإِنَّهَا لما كَانَت مفيدة لغَلَبَة الظَّن الَّذِي عَلَيْهِ مدَار الصِّحَّة اقْتَضَت أَن يكون لَهَا دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض بِحَسب الْأُمُور المقوية. قَالَ المُصَنّف: وَالْغَلَبَة لَيست بِقَيْد وَإِنَّمَا أردْت دفع توهم إِرَادَة الشَّك لَو عبرت بِالظَّنِّ.
وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَمَا (أَي فَالْحَدِيث الَّذِي) تكون رُوَاته فِي الدرجَة الْعليا من الْعَدَالَة والضبط وَسَائِر الصِّفَات الَّتِي توجب التَّرْجِيح كَانَ أصح مِمَّا دونه. بذلك، وَاسْتشْكل بِأَن هَذَا شَيْء لَا يَنْضَبِط، وَلَا يعتبروه / فِي الصَّحَابَة، فَكيف بغيرهم؟ من الْأَحَادِيث
[ ١ / ٣٤٩ ]
الصَّحِيحَة الَّتِي لم تبلغ رواتها تِلْكَ الدرجَة.
أصح الْأَسَانِيد
فَمن الْمرتبَة الْعليا فِي ذَلِك مَا أطلق عَلَيْهِ بعض الْأَئِمَّة أَنه أصح الْأَسَانِيد كالزهري أَي كالحديث الَّذِي يرويهِ الزُّهْرِيّ الْمَعْرُوف بِابْن شهَاب عَن سَالم أَي نَاقِلا لَهُ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه وَمذهب أَحْمد وَابْن رَاهَوَيْه أَن هَذَا أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا. قَالَ بعض الْمُحَقِّقين على الألفية: وَمَا الْجمع بَين هَذَا و(بَين) قَول الْمُؤلف - كَغَيْرِهِ: أصح الصَّحِيح مَرْوِيّ البُخَارِيّ وَمُسلم وَمَعَ أَنَّهُمَا لم يرويا حَدِيثا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَا بِمَا بعده؟ .
وَلَعَلَّ الْجمع هُوَ الْجمع بَين قَول الْجُمْهُور أَن كِتَابَيْهِمَا أصح
[ ١ / ٣٥٠ ]
(كتب الحَدِيث وَبَين قَول الشَّافِعِي مَا على وَجه الأَرْض بعد كتاب الله أصح) من موطأ مَالك: إِن ذَلِك قيل قبل وجود الْكِتَابَيْنِ. انْتهى.
وَأجَاب ابْن قطلوبغا - أَيْضا - بِأَن هَذَا لَيْسَ اخْتِيَار الشَّيْخَيْنِ، وَلَا اخْتِيَار من قَالَ: أرفع الصَّحِيحَيْنِ مرويهما، وَالْعبْرَة فِي أصح الْأَسَانِيد مَا نَص عَلَيْهِ من غير نظر إِلَى الْوَاسِطَة بَين صَاحب الْكتاب وَأول التَّرْجَمَة.
وكمحمد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء ابْن عَمْرو السَّلمَانِي عَن عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمذهب ابْن الْمَدِينِيّ
[ ١ / ٣٥١ ]
وَالْفَلَّاس أَن هَذَا أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا وكإبراهيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن ابْن مَسْعُود، وَمذهب ابْن معِين أَن هَذَا أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا. أَو كالزهري عَن زين / العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن جده.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وَهُوَ قَول عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة.
وَقيل: أَصَحهَا يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: قَتَادَة عَن ابْن الْمسيب عَن عَامر أخي أم سَلمَة (عَن أم سَلمَة) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
وَقيل غير ذَلِك.
ودونها أَي الْأَسَانِيد الْمَذْكُورَة فِي الرُّتْبَة، كَرِوَايَة بريد بن عبد الله بن أبي بردة عَن جده عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
اسْتشْكل الشَّيْخ قَاسم: بِأَن بريد بن عبد الله إِن كَانَ
[ ١ / ٣٥٤ ]
تَامّ الضَّبْط فَلَا يَصح جعله فِي الْمرتبَة الَّتِي هِيَ أدنى مِمَّا فَوْقهَا، وَإِن لم يكن تَامّ الضَّبْط فَلَيْسَ حَدِيثه بِالصَّحِيحِ فَلم يدْخل فِي أصل الْمقسم.
وكحماد بن سَلمَة بن دِينَار الْبَصْرِيّ عَن ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك. وَفِيه الْإِشْكَال الْمُتَقَدّم.
ودونها فِي الرُّتْبَة كسهيل (بِالتَّصْغِيرِ) بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة.
وكالعلاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة فَإِن الْجَمِيع
[ ١ / ٣٥٥ ]
يشملهم اسْم الْعَدَالَة والضبط. اعْتَرَضَهُ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا ظَاهر فِي أَن الْمُعْتَبر فِي حد الصَّحِيح مُطلق الضَّبْط لَا الْمَوْصُوف بالتمام فينافي مَا قَدمته.
إِلَّا أَن للمرتبة الأولى من الصِّفَات المرجحة مَا يَقْتَضِي تَقْدِيم روايتهم على الَّتِي تَلِيهَا. أَي على رِوَايَة أهل الْمرتبَة الَّتِي بعْدهَا وَفِي الَّتِي تَلِيهَا من قُوَّة الضَّبْط مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمهَا على الثَّالِثَة.
اعْتَرَضَهُ تِلْمِيذه ابْن قطلوبغا بِأَن مناظرة / أبي حنيفَة مَعَ الْأَوْزَاعِيّ مَعْرُوفَة رَوَاهَا الْحَارِثِيّ وَغَيره.
وَهِي مُقَدّمَة على رِوَايَة من يعد (بِضَم الْيَاء وَفتح الْعين وَشد
[ ١ / ٣٥٦ ]
الدَّال) مَا ينْفَرد بِهِ حسنا لَا صَحِيحا كمحمد بن إِسْحَق صَاحب الْمَغَازِي عَن عَاصِم بن عمر عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَعَمْرو ابْن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عبد الله بن عَمْرو وَقس أَنْت على هَذِه الْمَرَاتِب مَا يشبهها، والمرتبة الأولى هِيَ الَّتِي أطلق عَلَيْهَا بعض الْأَئِمَّة (يَعْنِي الإِمَام ابْن حَنْبَل) أَنَّهَا أصح الْأَسَانِيد قَالَ بَعضهم: فِي كَلَامه هَذَا إِشْعَار باعتماده، لَكِن قَالَ غَيره الْأَصَح مُطلقًا: الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَهُوَ قَول البُخَارِيّ وَالْإِمَام
[ ١ / ٣٥٧ ]
أبي مَنْصُور التَّمِيمِي، وَهُوَ الَّذِي صدر بِهِ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ كَلَامه.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَهُوَ الَّذِي تميل إِلَيْهِ النُّفُوس، وتنجذب إِلَيْهِ الْقُلُوب.
بل نقل السُّهيْلي عَن بَعضهم أَن مثل ذَلِك عَن نَافِع مُوجب للْعلم. وعَلى هَذَا قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور: أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا: أَحْمد عَن الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَتسَمى هَذِه التَّرْجَمَة سلسلة الذَّهَب، وَلَيْسَ فِي مُسْند أَحْمد على كبره مِنْهَا سوى حَدِيث وَاحِد.
[ ١ / ٣٥٨ ]
قَالَ البُلْقِينِيّ: وَأَبُو حنيفَة وَإِن روى عَن مَالك - كَمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ - فَلم تشتهر رِوَايَته عَنهُ كاشتهار رِوَايَة الشَّافِعِي عَنهُ.
الرَّأْي الْمُخْتَار فِي أصح الْأَسَانِيد
وَالْمُعْتَمد عدم الْإِطْلَاق لترجمة مُعينَة مِنْهَا أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ عِنْد متأخري الْمُحدثين منع إِطْلَاق / كَونهَا أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا.
نعم يُسْتَفَاد من مَجْمُوع مَا أطلق الْأَئِمَّة عَلَيْهِ ذَلِك أرجحيته على مَا لم يطلقونه وأصل ذَلِك قَول النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح: وَالْمُخْتَار أَنه لَا يجْزم فِي إِسْنَاد بِأَنَّهُ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا.
لِأَن تفَاوت مَرَاتِب الصِّحَّة مُرَتّب على تمكن الْإِسْنَاد من شُرُوط الصِّحَّة، ويعز وجود أَعلَى دَرَجَات الْقبُول فِي كل وَاحِد وَاحِد من رجال الْإِسْنَاد الكائنين فِي تَرْجَمَة وَاحِدَة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
(قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: بل لم يتَّفق هَذَا قطّ) .
وَلِهَذَا اضْطربَ من خَاضَ فِي ذَلِك فَقَالَ كل بِحَسب مَا رأى، إِذْ لم يكن عِنْدهم استقراء تَامّ، وَإِنَّمَا رجح كل مِنْهُم مَا رَجحه بِحَسب مَا قوي عِنْده، سِيمَا إِسْنَاد بَلَده لِكَثْرَة اعتنائه بِهِ.
نعم يُسْتَفَاد من مَجْمُوع مَا أطلق الْأَئِمَّة ذَلِك أرجحيته. انْتهى.
المفاضلة بَين الصَّحِيحَيْنِ
ويلتحق بِهَذَا التَّفَاضُل مَا اتّفق الشَّيْخَانِ على تَخْرِيجه بِالنِّسْبَةِ لما انْفَرد بِهِ أَحدهمَا. قَالَ الْمُؤلف: مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ رَاجِح - أَيْضا - لترجيح أفضليتهما فَإِنَّهُم إِذا قصروا اخْتِلَافهمَا عَلَيْهِمَا اسْتُفِيدَ مرجوحية غَيرهمَا، وترجيحهما - أَي البُخَارِيّ وَمُسلم - إِذا اتفقَا، وَأفَاد تَصْرِيح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم البُخَارِيّ. كَذَا قَالَه فِي تَقْرِيره حِين قريء عَلَيْهِ الْكتاب. قَالَ الْعَلامَة قَاسم: لَيْسَ فِي هَذَا أَكثر مِمَّا فِي الشَّرْح فِي الْمَعْنى لَكِن فِي اللَّفْظ.
وَمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ بِالنِّسْبَةِ لما انْفَرد بِهِ مُسلم لِاتِّفَاق
[ ١ / ٣٦٠ ]
الْعلمَاء بعدهمَا على تلقي كِتَابَيْهِمَا / بِالْقبُولِ كَمَا تقدم وَاخْتِلَاف بَعضهم فِي أَيهمَا أرجح: فَمَا اتفقَا عَلَيْهِ أرجح من هَذِه الْحَيْثِيَّة. أَي من حَيْثُ تلقي كِتَابَيْهِمَا بِالْقبُولِ مِمَّا لم يتَّفقَا عَلَيْهِ وَقد يعرض عَارض يَجْعَل المفوق فائقًا كَذَا ذكره المُصَنّف. فَإِذا قَالُوا: مُتَّفق عَلَيْهِ، أَو على صِحَّته فمرادهم (اتِّفَاق) الشَّيْخَيْنِ لَا الْأمة لَكِن يلْزم - كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح - من اتِّفَاقهمَا اتِّفَاق الْأمة لتلقيهم لَهما بِالْقبُولِ كَمَا تقرر.
تَقْدِيم صَحِيح البُخَارِيّ على صَحِيح مُسلم
وَقد صرح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم صَحِيح البُخَارِيّ على صَحِيح مُسلم فِي الصِّحَّة أَي الْمُتَّصِل فِيهِ دون نَحْو التَّعَالِيق والتراجم كَمَا مر وَلم يُوجد عَن أحد التَّصْرِيح بنقيضه. كَذَا ادَّعَاهُ المُصَنّف. وَمنع بقول
[ ١ / ٣٦١ ]
مسلمة بن قَاسم فِي كتاب الصِّلَة: صَحِيح مُسلم لم يصنع أحد مثله.
ثمَّ استشعر الْمُؤلف على نَفسه اعْتِرَاض فِي هَذِه الدَّعْوَى فحاول دَفعه بقوله: وَأما مَا نقل عَن أبي عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي بِفَتْح النُّون، وَهُوَ شيخ الْحَاكِم أَنه قَالَ: مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أَي مَا ظهر مِنْهَا أصح من كتاب مُسلم. فَلم يُصَرح بِكَوْنِهِ أصح من صَحِيح البُخَارِيّ.
[ ١ / ٣٦٢ ]
خلافًا لما أفهمهُ كَلَام التَّقْرِيب (وَمن تبعه) لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفي وجود كتاب أصح من كتاب مُسلم، إِذا الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ صِيغَة افْعَل من زِيَادَة صِحَة فِي كتاب شَارك كتاب مُسلم فِي / الصِّحَّة، يمتاز بِتِلْكَ الزِّيَادَة وَلم ينف الْمُسَاوَاة فِي الصِّحَّة فَهُوَ إِنَّمَا نفى الأصحية عَن غير مُسلم عَلَيْهِ، فَيصدق بالمساواة كَمَا فِي حَدِيث: (لَا أظلت الخضراء، وَلَا أقلت الغبراء، أصدق للْخَبَر من أبي ذَر) فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنه أصدق من جَمِيع الصَّحَابَة الَّذين مِنْهُم: أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
لَكِن عورض: بِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب اللُّغَة، وَأما فِي الْعرف فنفى الأرجحية يسْتَلْزم نفى الْمُسَاوَاة، وَبِأَن الْمُسَاوَاة لَا تكَاد تُوجد فَلَا تقصد، فَكَأَن السِّيَاق لإِثْبَات الأصحية.
أَلا ترى إِلَى مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن الْبَراء قَالَ: مَا رَأَيْت قطّ أحسن مِنْهُ - أَي من رَسُول الله. قَالُوا: هَذَا التَّرْكِيب وَإِن أوهم نفي تَفْضِيل الْغَيْر لكنه مُتَعَارَف فِي التَّفْضِيل عَلَيْهِ، لندرة التَّسَاوِي بَين شَيْئَيْنِ وَالْغَالِب التَّفَاضُل، فَإِذا نفى أَفضَلِيَّة أَحدهمَا ثبتَتْ أَفضَلِيَّة
[ ١ / ٣٦٤ ]
الآخر مجَازًا، أَو اسْتِعْمَالا للأخص فِي الْأَعَمّ.
قَالَ المُصَنّف: فَإِن قيل: أَن الْعرف يقْضِي فِي نَحْو قَوْلنَا: مَا فِي الْبَلَد أعلم من زيد، ينفى من يُسَاوِيه أَيْضا.
قُلْنَا: لَا نسلم أَن عرفهم كَانَ كَذَلِك. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَيَردهُ قَول النَّسَفِيّ فِي " الْعُمْدَة " أَن الْمُصْطَفى قَالَ: " مَا أطلعت شمس وَلَا غربت على أحد بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر ". قَالَ النَّسَفِيّ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَن أَبَا بكر أفضل من كل من لَيْسَ / بِنَبِي أَيْضا.
ثمَّ قَالَ الْمُؤلف: سلمنَا، لَكِن يجوز إِطْلَاق مثل هَذِه الْعبارَة وَإِن
[ ١ / ٣٦٥ ]
وجد مسَاوٍ إِذْ هُوَ مقَام مدح ومبالغة وَهُوَ يحْتَمل مثل ذَلِك. انْتهى.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا يفوت فَائِدَة اخْتِصَاصه بِالذكر حِينَئِذٍ وَهُوَ خلاف الْمَقْصُود. اه.
قَالَ: وَقَول ابْن حَنْبَل: مَا بِالْبَصْرَةِ أعلم من بشر بن الْفضل، أما مثله فَعَسَى. اه يقتضى أَن عرفهم كَانَ كَذَلِك.
وَكَذَلِكَ مَا نقل عَن بعض المغاربة وَيُقَال: (إِنَّه ابْن حزم) أَنه فضل صَحِيح مُسلم على صَحِيح البُخَارِيّ (فَإِن ذَلِك لَيْسَ للأصحية بل لما ذكره الْمُؤلف بقوله) فَذَلِك فِيمَا يرجع إِلَى حسن السِّيَاق وجودة الْوَضع (وَالتَّرْتِيب) وَكَونه لَيْسَ فِيهِ بعد الْخطْبَة إِلَّا الحَدِيث فَقَط فسهل تنَاوله بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ قطع الْأَحَادِيث فِي الْأَبْوَاب باستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا، وَأورد كثيرا مِنْهَا فِي غير مظنته.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وَلم يفصح أحد مِنْهُم بِأَن ذَلِك رَاجع إِلَى الأصحية وَلَو أفصحوا بِهِ لرده عَلَيْهِم شَاهد الْوُجُود. قَالَ المُصَنّف: وَفِي هَذِه الْعبارَة إِشَارَة إِلَى التنكيت على ابْن الصّلاح من وَجْهَيْن:
١ - أَحدهمَا: أَنه بعد أَن سَاق كَلَام أبي عَليّ قَالَ: وَهَذَا قَول من فضل من شُيُوخ الحَدِيث كتاب مُسلم على البُخَارِيّ فَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ أَن كتاب مُسلم يتَرَجَّح بِأَنَّهُ لم يمازحه غير الصَّحِيح فَلَا بَأْس بِهِ، وَلَا يلْزم أَن يكون أرجح فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصَّحِيح، وَإِن كَانَ المُرَاد أَنه أصح صَحِيحا فمردود على قَائِله.
فَجمع بَين كَلَامي أبي عَليّ وَبَعض أهل الْمغرب، وَلم يذكر بعدهمَا جَوَابا / عَنْهُمَا، بل إِنَّمَا ذكر مَا يكون جَوَابا عَن كَلَام بعض أهل الْمغرب فَقَط، وَصَارَ كَلَام أبي عَليّ غير مَعْلُوم الْجَواب مِمَّا قَالَه.
٢ - الثَّانِي: أَن قَوْله فَهَذَا مَرْدُود على قَائِله لم يبين وَجه الرَّد فِيهِ. اه وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: هَذَا كَلَام لَا برهَان مَعَه فَلَا يُفِيد دفعا.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فالصفات كَانَ الأولى أَن يَقُول: لِأَن الصِّفَات الَّتِي تَدور عَلَيْهَا الصِّحَّة فِي كتاب البُخَارِيّ أتم مِنْهَا فِي كتاب مُسلم وَأسد، وَشَرطه فِيهَا أقوى وَأَشد:
١ - أما رجحانه من حَيْثُ الِاتِّصَال فلاشتراطه أَن يكون الرَّاوِي قد ثَبت لَهُ لِقَاء من روى عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِد وَاكْتفى مُسلم بِمُطلق المعاصرة، وألزم البُخَارِيّ بِأَنَّهُ يحْتَاج أَن لَا يقبل العنعنة أصلا، وَمَا ألزمهُ بِهِ لَيْسَ بِلَازِم لِأَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللِّقَاء مرّة لَا يجْرِي فِي رواياته احْتِمَال أَن لَا يكون قد سمع مِنْهُ، لِأَنَّهُ يلْزم من جَرَيَانه أَن يكون مُدَلّس وَالْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي غير المدلس.
اعْترض عَلَيْهِ: بِأَن الْغَرَض أَيْضا حَال فِي عنعنة من لم يلق عدم التَّدْلِيس فَلَا احْتِمَال، لَكِن قَالَ الْمُؤلف: إِن شَرط مُسلم لَا يسلم من الْإِرْسَال الْخَفي، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ أَنه هُنَاكَ غَلَبَة
[ ١ / ٣٦٨ ]
الظَّن بِالسَّمَاعِ وَكَذَا الاستقراء.
٢ - وَأما رجحانه من حَيْثُ الْعَدَالَة والضبط فَلِأَن الرِّجَال الَّذين تكلم (بِضَم التَّاء) فيهم من رجال مُسلم أَكثر عددا من الرِّجَال الَّذين تكلم فيهم من رجال البُخَارِيّ. فَإِن الَّذين انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُم دون مُسلم أَرْبَعمِائَة وَبضْعَة وَثَلَاثُونَ، الْمُتَكَلّم فيهم بالضعف ثَمَانُون، وَمن انْفَرد مُسلم بِالْإِخْرَاجِ لَهُ / سِتّمائَة وَعِشْرُونَ، الْمُتَكَلّم فيهم بالضعف مائَة وَسِتُّونَ. والتخريج عَمَّن لم يتَكَلَّم فيهم أصلا أولى مِمَّن تكلم فِيهِ. مَعَ أَن البُخَارِيّ لم يكثر من إِخْرَاج حَدِيثهمْ، بل غالبهم من شُيُوخه الَّذين أَخذ عَنْهُم ومارس حَدِيثهمْ وأطلع على أَحَادِيثهم، والمحدث أعرف بِحَدِيث شُيُوخه مِمَّن تقدم بِخِلَاف مُسلم فِي الْأَمريْنِ فَإِنَّهُ أَكثر من إِخْرَاج حَدِيثهمْ. وغالب الرِّجَال الَّذين تكلم فيهم من رِجَاله لَيْسُوا من شُيُوخه، وَلم يعاصرهم حَتَّى يُمَيّز بَين قوي حَدِيثهمْ وسقيمه. وَلِأَن البُخَارِيّ يخرج عَن الطَّبَقَة الأولى الْبَالِغَة فِي الْحِفْظ والإتقان وَعَن
[ ١ / ٣٦٩ ]
طبقَة تَلِيهَا فِي التثبيت وَطول الْمُلَازمَة انتقاء وتعليقًا، وَمُسلم يخرج عَن هَذِه الطَّبَقَة أصولًا.
وَلِأَن مُسلما يرى أَن للمعنعن حكم الِاتِّصَال إِذا تعاصرا وَإِن لم يثبت اللقي، وَالْبُخَارِيّ لَا يرَاهُ حَتَّى يثبت.
وإلزامه باحتياجه أَن لَا يقبل المعنعن أصلا رد بِأَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللِّقَاء مرّة (وَاحِدَة) لَا يتَطَرَّق لرواياته احْتِمَال أَن لَا يكون سمع وَإِلَّا لزم كَونه مدلسًا. وَالْكَلَام فِي غَيره كَمَا مر.
٣ - وَأما رجحانه من حَيْثُ عدم الشذوذ والإعلال فَلِأَن مَا انتقد على البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث اقل عددا مِمَّا انتقد على مُسلم. وَذَلِكَ لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي انتقدت عَلَيْهِمَا نَحْو مِائَتي حَدِيث (وَعشرَة أَحَادِيث) اخْتصَّ البُخَارِيّ مِنْهَا بِأَقَلّ من ثَمَانِينَ وَمَا / قل الانتقاد فِيهِ أرجح.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وَهَذَا مَعَ اتِّفَاق الْعلمَاء على أَن البُخَارِيّ كَانَ أجل من مُسلم فِي الْعُلُوم، وَأعرف بصناعة الحَدِيث مِنْهُ.
وغوامضه ودقائقه وَأَن مُسلما تِلْمِيذه وخريجه، وَلم يزل يَسْتَفِيد مِنْهُ، ويتتبع آثاره حَتَّى لقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَوْلَا البُخَارِيّ لما رَاح مُسلم وَلَا جَاءَ.
تعقبه بعض الْمُتَأَخِّرين: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك تَفْضِيل التصنيف على التصنيف.
وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا ذكره يتَضَمَّن أرجحية البُخَارِيّ على مُسلم فِي كل من شُرُوط الصِّحَّة الَّتِي هِيَ الِاتِّصَال، وَالْعَدَالَة، والضبط، وَعدم الْعلَّة والشذوذ وَلَيْسَ فِي جَمِيع مَا ذكر حجَّة، لِأَن قَوْله لَا يجْرِي فِي رواياته احْتِمَال أَن لَا يكون سمع: إِن اراد عقلا فَمَمْنُوع، وَإِن أَرَادَ اللَّازِم الْمَذْكُور فَمثله فِي عنعنة المعاصر الَّذِي لم يثبت عدم لِقَائِه لمن عاصره على مَا لَا يخفى.
وَأما قَوْله: فَلِأَن إِلَى آخِره. إِن أَرَادَ الَّذين أخرج عَنْهُم مُسلم فِي غير المتابعات وَمن لَيْسَ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ فَمَمْنُوع، بل هما سَوَاء
[ ١ / ٣٧١ ]
لمن تتبع مَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُطلقًا.
وَقَوله: بل غالبهم من شُيُوخه، صرح المُصَنّف فِي الْمُقدمَة بِخِلَافِهِ.
وَأما قَوْله: فَلِأَن مَا انتقد إِلَى آخِره. فالنقد غير مُسلم فِي نَفسه، ثمَّ إِن هَذَا كُله لَيْسَ من الحيثيتين إِلَى هُنَا كَلَامه.
قَالَ المُصَنّف: وَرَأَيْت فِي كَلَام العلائي مَا يشْعر بِأَن أَبَا عَليّ لم يقف على صَحِيح البُخَارِيّ وَهَذَا بعيد، فقد صَحَّ عَن بلديه وَشَيْخه ابْن / خُزَيْمَة أَنه قَالَ: مَا فِي الْكتب أَجود من البُخَارِيّ.
وَيظْهر من كَلَام أبي عَليّ أَنه قدم صَحِيح مُسلم لِمَعْنى غير الصِّحَّة هُوَ: أَن مُسلما صنف كِتَابه فِي بَلَده محضورًا أُصُوله، فِي حَيَاة كثير من مشايخه، فَكَانَ يتحرز فِي الْأَلْفَاظ ويتحرى فِي السِّيَاق، وَالْبُخَارِيّ رُبمَا كتب الحَدِيث من حفظه فَلم يُمَيّز أَلْفَاظ رِوَايَة، وَبِذَلِك رُبمَا يعرض
[ ١ / ٣٧٢ ]
لَهُ الشَّك. وَصَحَّ (عَنهُ) أَنه قَالَ: رب حَدِيث سمعته بالبصر وكتبته بِالشَّام.
(وَبِالْجُمْلَةِ فقد أجمع النَّاس الْآن على تَرْجِيح البُخَارِيّ) لِأَن مُسلما لم يتصد لما تصدى لَهُ البُخَارِيّ من استنباط الْأَحْكَام، وتقطيع الْأَحَادِيث، وَلم يخرج الْمَوْقُوفَات. وَله فِي مُقَابلَة مُسلم من الْفَضَائِل الجمة مَا ضمنه فِي أبوابه من التراجم الَّتِي تحيرت فِيهَا أفكار الأجلاء. انْتهى.
وَحكى فِي الْمقنع قولا ثَالِثا: أَنَّهُمَا سَوَاء قَالَ ابْن قطلوبغا: وَهُوَ أعدل الْأَقْوَال لعدم دَلِيل التَّفْضِيل فَكل مَا قيل دعاوى مُجَرّدَة عَن دَلَائِل بَاطِلَة.
وَنقل ابْن أبي جَمْرَة عَن بعض الصَّالِحين: أَن البُخَارِيّ مَا قريء فِي شدَّة إِلَّا فرجت، وَلَا ركب بِهِ فِي مركب فغرق.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وَمن ثمَّ - أَي وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة وَهِي أرجحية شَرط البُخَارِيّ (على) غَيره وَقَوله: وَمن ثمَّ متن وَمَا بعده جعله الْمُؤلف شرحًا، وَقد تعقب البقاعي هَذَا الصَّنِيع بِأَن الْإِشَارَة بثم فِي الْمَتْن إِنَّمَا هِيَ إِلَى جِهَة تفَاوت رتب الصَّحِيح بتفاوت أَوْصَاف رُوَاته وَغَيرهَا من شُرُوطه، وَلَا يحسن أَن يُزَاد بِالْمَتْنِ جِهَة مَا ذكرت إِلَّا فِي الشَّرْح. قَالَ: فاللايق أَن يُقَال أَي / وَمن جِهَة تفَاوت رتب الصَّحِيح إِلَى آخِره. انْتهى.
عدد أَحَادِيث صَحِيح البُخَارِيّ
قدم صَحِيح البُخَارِيّ على غَيره من الْكتب المصنفة فِي الحَدِيث.
وَهُوَ - أَعنِي البُخَارِيّ - أول مُصَنف فِي الحَدِيث الْمُجَرّد، وَجُمْلَة مَا فِيهِ:
[ ١ / ٣٧٤ ]
سَبْعَة آلَاف حَدِيث ومائتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ بالمكرر، وبحذفه أَرْبَعَة آلَاف. كَذَا قَالَه النَّوَوِيّ كَابْن الصّلاح لَكِن قَالَ الْمُؤلف: عددتها فبلغت بالمكرر - سوى المتابعات والمعلقات - سَبْعَة آلَاف وثلاثمائة وَسَبْعَة وَتسْعُونَ، وَبِدُون المكرر أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة وَثَلَاثَة عشر.
[ ١ / ٣٧٥ ]
تَوْجِيه كَلَام الشَّافِعِي فِي تَفْضِيل المؤطأ على الصَّحِيحَيْنِ
ثمَّ صَحِيح مُسلم لمشاركته للْبُخَارِيّ فِي اتِّفَاق الْعلمَاء على تلقي كِتَابه بِالْقبُولِ أَيْضا سوى مَا علل وَأما مَا رُوِيَ عَن الشَّافِعِي - ﵁ - أَنه قَالَ: مَا أعلم فِي الأَرْض كتابا أَكثر صَوَابا من كتاب مَالك. (وَفِي رِوَايَة عَنهُ: مَا بعد كتاب الله أصح من موطأ مَالك) . فَذَلِك قبل وجود الْكِتَابَيْنِ.
الْإِجَابَة عَن إِخْرَاج مُسلم حَدِيث بعض الضُّعَفَاء
وَأما عيب بِهِ على مُسلم من إِخْرَاجه عَن ضعفاء ومتوسطين لَيْسُوا من شَرط الصَّحِيح؟ فَأُجِيب عَنهُ:
١ - بِأَن ذَلِك فِيمَن هُوَ ضَعِيف عِنْد غَيره ثِقَة عِنْده.
٢ - وَبِأَنَّهُ وَقع فِي المتابعات والشواهد لَا الْأُصُول.
٣ - وَبِأَن ضعف الضَّعِيف الَّذِي اعْتد بِهِ طَرَأَ بعد أَخذه عَنهُ بِنَحْوِ اخْتِلَاط.
٤ - وَبِأَنَّهُ قد يَعْلُو بالضعيف إِسْنَاده وَهُوَ عِنْده من رِوَايَة الثِّقَات نَازل مقتصر عَن العالي، وَلَا يطول بِإِضَافَة النَّازِل إِلَيْهِ، مكتفيًا بِمَعْرِفَة أهل الْفَنّ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
جملَة مَا فِي صَحِيح مُسلم
قَالَ النَّوَوِيّ: وَجُمْلَة مَا فِي مُسلم باسقاط المكرر نَحْو أَرْبَعَة آلَاف /. وَهُوَ يزِيد على البُخَارِيّ بالمكرر لِكَثْرَة طرقه.
عدم اسْتِيعَاب الشَّيْخَيْنِ للصحيح
وَلم يستوعب الشَّيْخَانِ الصَّحِيح، وَلَا التزماه، بل فاتهما مِنْهُ الْكثير، وَقَول ابْن الصّلاح: لم يفتهما مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل رده النَّوَوِيّ: بِأَن الصَّوَاب أَنه لم يفت الْأُصُول الْخَمْسَة إِلَّا الْيَسِير
المُرَاد من شَرطهمَا وَتَقْدِيم مَا وَافق شَرطهمَا على غَيره
ثمَّ يقدم فِي الأرجحية من حَيْثُ الأصحية مَا وَافق شَرطهمَا لِأَن
[ ١ / ٣٧٧ ]
المُرَاد بِهِ رواتهما أَي رجال إسناديهما كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ.
فَهَذَا هُوَ المُرَاد بشرطهما، إِذْ لَا شَرط لَهما مَذْكُور فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا فِي غَيره، وَأما قَول ابْن طَاهِر: شَرطهمَا أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة نقلته إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور من غير اخْتِلَاف بَين الثِّقَات الْأَثْبَات. فَرده الْعِرَاقِيّ، بِأَن النَّسَائِيّ ضعف جمَاعَة أخرجَا لَهما.
مَعَ بَقِيَّة شُرُوط الصَّحِيح احْتِرَازًا عَن انْقِطَاع وَنَحْوه.
عَدَالَة رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وتقدمهم على غَيرهم
ورواتهم قد حصل الِاتِّفَاق على القَوْل بتعديلهم بطرِيق اللُّزُوم. أَي من الحكم بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّهَا عِنْد التفرد لَا تُوجد بِدُونِ الْعَدَالَة.
وَلم يفرقُوا فِي تلقيهم لَهَا بِالْقبُولِ - وَالْحكم بِصِحَّة غير مَا علل من
[ ١ / ٣٧٨ ]
أحاديثهما - بَين مَا تفرد / بِهِ الرَّاوِي وَغَيره فهم أَي رواتهما مقدمون على غَيرهم فِي رواياتهم وَهَذَا أصل لَا يخرج عَنهُ إِلَّا بِدَلِيل، فَإِن كَانَ الْخَبَر على شَرطهمَا مَعًا كَانَ دون مَا أخرجه مُسلم أَو مثله.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر أَن مَا كَانَ على شَرطهمَا وَلَيْسَ لَهُ عِلّة مقدم على مَا أخرجه مُسلم وَحده، لِأَن قُوَّة الحَدِيث إِنَّمَا هِيَ النّظر إِلَى رِجَاله لَا بِالنّظرِ إِلَى كَونه فِي كتاب كَذَا، فَمَا ذكره المُصَنّف شَأْن الْمُقَلّد فِي الصِّنَاعَة لَا شَأْن الْعَالم بهَا فَتدبر.
قَالَ المُصَنّف: إِنَّمَا قلت: أَو مثله، لِأَن الحَدِيث الَّذِي يرْوى وَلَيْسَ عِنْدهمَا جِهَة تَرْجِيح على مَا كَانَ عِنْد مُسلم، وَمَا كَانَ عِنْد مُسلم جِهَة تَرْجِيح من حَيْثُ أَنه فِي الْكتاب الْمَذْكُور فتعادلا، فَلذَلِك قلت: أَو مثله.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا مبْنى على مَا تقدم من أَن كَون
[ ١ / ٣٧٩ ]
الحَدِيث فِي كتاب فلَان يَقْتَضِي تَرْجِيحه على مَا رُوِيَ بِرِجَالِهِ - وَقد تقدم مَا فِيهِ -. اه.
قَالَ: فَالَّذِي يَنْبَغِي القَوْل بِهِ أرجحية مَا على شَرطهمَا لما لم يُخرجهُ أَحدهمَا، إِذْ لَا تَرْجِيح بِكَوْنِهِ فِي الصَّحِيح، وَزعم أَن مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ يتلَقَّى بِالْقبُولِ فرجح لذَلِك فِي حيّز التهافت، وَمن شَرط فِي الأصحية التلقي الْقبُول؟ فَمَا معنى هَذَا التلقي؟ وَمن هُوَ الَّذِي تلقى ذَلِك؟ .
بَقِيَّة مَرَاتِب الصَّحِيح وَمَا أورد عَلَيْهِ مِنْهَا
وَإِن كَانَ على شَرط أَحدهمَا فَيقدم شَرط البُخَارِيّ وَحده على شَرط مُسلم وَحده تبعا لأصل كل مِنْهُمَا، فَخرج لنا من هَذَا سِتَّة أَقسَام تَتَفَاوَت درجاتها فِي / الصِّحَّة، وَبَقِي قسم سَابِع وَهُوَ مَا لَيْسَ على شَرطهمَا اجتماعا وانفرادًا.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَقد يُقَال: بَقِي ثامن وَهُوَ الْحسن عِنْد من يعده صَحِيحا فَإِنَّهُ دون مَا ذكر من الْأَقْسَام.
وَأورد عَلَيْهِ - أَيْضا - أَقسَام أُخْرَى:
١ - أَحدهمَا: الْمُتَوَاتر.
ورد بِأَنَّهُ لَا يعْتَبر فِيهِ عَدَالَة، وَالْكَلَام فِي الصَّحِيح بالتعريف الْمُتَقَدّم.
٢ - الثَّانِي: الْمَشْهُور.
قَالَ الْمُؤلف: وَهُوَ وَارِد قطعا. قَالَ: وَأَنا مُتَوَقف فِي رتبته، هَل هِيَ قبل الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَو بعده؟
٣ - الثَّالِث: مَا أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة.
[ ١ / ٣٨١ ]
وَأجِيب: بِأَن من لم يشرط الصَّحِيح فِي كِتَابه لَا يزِيد بتخريجه للْحَدِيث قُوَّة، قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: لَكِن مَا اتّفق السِّتَّة على تَوْثِيق رُوَاته أولى بِالصِّحَّةِ مِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ، وَإِن اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ.
٤ - الرَّابِع: مَا فقد شرطا (كالاتصال) عِنْد من يُسَمِّيه صَحِيحا.
٥ - (الْخَامِس: مَا فقد تَمام الضَّبْط وَنَحْوه مِمَّا ينزل إِلَى رُتْبَة الْحسن عِنْد من يُسَمِّيه صَحِيحا) .
٦ - قَالَ الْمُؤلف: وَمَا أخرجه السِّتَّة إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم.
٧ - وَكَذَا مَا أخرجه الْأَئِمَّة الَّذين التزموا الصِّحَّة.
وَنَحْو هَذَا إِلَى أَن تَنْتَشِر الْأَقْسَام فتكثر حَتَّى يعسر حصرها.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وَهَذَا التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة أَي من حَيْثُ تفَاوت الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للتصحيح أما لَو رجح قسم على مَا هُوَ فَوْقه بِأُمُور أُخْرَى تَقْتَضِي التَّرْجِيح فَإِنَّهُ يقدم على مَا فَوْقه، إِذْ قد يعرض للمفوق مَا يَجعله فائقًا. كَمَا مر مرَارًا وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ الحَدِيث عَن مُسلم مثلا وَهُوَ مَشْهُور قَاصِر عَن دَرَجَة التَّوَاتُر لَكِن حَفَّتْهُ قرينَة / صَار بهَا يُفِيد الْعلم، فَإِنَّهُ يقدم على الحَدِيث الَّذِي يُخرجهُ البُخَارِيّ إِذا كَانَ فَردا مُطلقًا. اعْترض بِأَن الْكَلَام فِي المقبول من الْآحَاد.
وكما لَو كَانَ الحَدِيث الَّذِي لم يخرجَاهُ أَي الشَّيْخَانِ من تَرْجَمَة وصنفت بِكَوْنِهَا أصح الْأَسَانِيد من التراجم الْمُتَقَدّمَة كمالك أَي كَحَدِيث رَوَاهُ مَالك بن أنس عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَن ابْن عمر
[ ١ / ٣٨٣ ]
ابْن الْخطاب - (﵃) فَإِنَّهُ يقدم على مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا مثلا لِأَنَّهُ شَارك مَا أَخْرجَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاتِّفَاق على الْقبُول فحصلت الْمُسَاوَاة، وَالْمَقْصُود الأرجحية وَتحصل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحدهمَا لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي إِسْنَاده من فِيهِ مقَال يَعْنِي وَإِن كَانَ عَنهُ جَوَاب، لِأَن من تكلم فِيهِ لَيْسَ كمن لم يتَكَلَّم فِيهِ أصلا كَمَا هُوَ ظَاهر. ذكره الشَّيْخ قَاسم.
فَائِدَة بَيَان مَرَاتِب الصَّحِيح
وَفَائِدَة التَّقْسِيم الْمُقَرّر تظهر عِنْد التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح.
وَهَذَا كُله اصْطِلَاح الْمُحدثين، أما الْفُقَهَاء فَإِنَّهُم قد يرجحون بِمَا لَا دخل لَهُ فِي ذَلِك كَمَا صرح بِهِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيره.
[ ١ / ٣٨٤ ]
تَنْبِيهَات
:
١ - الأول: ذكرُوا أَن أصح مَا صنف فِي الصَّحِيح بعد الشَّيْخَيْنِ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، وَأَبُو عوَانَة، (وَالْحَاكِم، وَأَن صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) أصح من صَحِيح ابْن حبَان، وصحيح ابْن حبَان وَأبي عوَانَة) أصح من مُسْتَدْرك الْحَاكِم لتفاوتهم فِي الِاحْتِيَاط وَتوسع الْحَاكِم وتساهله. وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُم لاحقًا بالصحيحين إِلَّا فِي مُجَرّد التَّسْمِيَة لوُجُود غير الصَّحِيح فِيهَا. وَقَالَ بعض الْحفاظ: يَنْبَغِي أَن يُقَال: أَصَحهَا بعد مُسلم مَا اتّفق / عَلَيْهِ الثَّلَاثَة ثمَّ ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان أَو الْحَاكِم، ثمَّ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، ثمَّ ابْن خُزَيْمَة فَقَط، ثمَّ ابْن حبَان فَقَط، ثمَّ الْحَاكِم فَقَط إِن لم يكن الحَدِيث على شَرط أحد الشَّيْخَيْنِ.
٢ - الثَّانِي: قد يعرض للمفوق مَا يصيره فائقًا - كَمَا مر - وَذَلِكَ كَأَن يتَّفقَا على إِخْرَاج حَدِيث غَرِيب، وَيخرج مُسلم حَدِيثا مَشْهُورا، أَو مِمَّا وصفت تَرْجَمته بِكَوْنِهَا أصح الْأَسَانِيد، وَلَا يقْدَح ذَلِك فِيمَا مر
[ ١ / ٣٨٥ ]
لِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار الْإِجْمَال ذكره الزَّرْكَشِيّ ثمَّ قَالَ:
وَمِنْه يعلم أَن تَرْجِيح كتاب البُخَارِيّ إِنَّمَا المُرَاد بِهِ تَرْجِيح الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لَا كل فَرد من أَحَادِيثه على كل فَرد من أَحَادِيث الآخر. انْتهى.
التَّصْحِيح والتضعيف فِي العصور الْمُتَأَخِّرَة
٣ - الثَّالِث: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَجل الْمُحدثين جَوَاز النّظر فِي الْأَسَانِيد والمتون للعارف بهَا، وَالْحكم عَلَيْهَا بِمَا يظْهر لَهُ من صِحَة وتحسين وَغَيرهمَا حَيْثُ قويت مَعْرفَته وتمكنه.
وَذهب ابْن الصّلاح إِلَى الْمَنْع، محتجًا بِعَدَمِ إِمْكَانه فِي الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة، لتحري الْمُتَقَدِّمين وَشدَّة فحصهم إِذْ لَا يكْتَفى بِمُجَرَّد صِحَة السَّنَد مَعَ ظن أَنه لَو صَحَّ لما أهملوه، لِأَن كل إِسْنَاد فِيهِ من اعْتمد على كِتَابه وَلم يُلَاحظ ضبطًا وَلَا إتقانًا فالاعتماد فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن على مَا فِي تصانيف الْأَئِمَّة الْمَشْهُورَة الَّتِي سلمت من التَّغْيِير والتحريف.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وَتعقبه الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ: بِأَن مَنعه لم يتَحَصَّل مِنْهُ على شَيْء، وَكَيف يَتَأَتَّى القَوْل بِالْمَنْعِ من / الحكم بِالصِّحَّةِ إِذا وجد عَالم (فِي كتاب) كسنن أبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ من التصانيف الْمَشْهُورَة المحفوظة من التَّغْيِير والتحريف حَدِيثا بِإِسْنَاد لَا غُبَار عَلَيْهِ كقتيبة عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، فَإِن إِسْنَاده من فَوق وَاضح الْأَمر، وَمن أَسْفَل لَا يحْتَاج لبَيَان عِنْده لاكتفائه بشهرة التصنيف. انْتهى.
وَقد أَخذه المُصَنّف وَنسبه لنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ الْكتاب الْغَنِيّ بشهرته عَن اعتبارنا لإسناده لمسنده كسنن النَّسَائِيّ لَا يحْتَاج فِي صَحَّ نسبته لاعْتِبَار رجال الْإِسْنَاد، فَإِذا روى حَدِيثا وَلم يعلله وَجمع إِسْنَاده
[ ١ / ٣٨٧ ]
شُرُوط الصِّحَّة وَلم يطلع الْمُحدث الْعَارِف على عِلّة فِيهِ فَلَا مَانع من الحكم بِصِحَّتِهِ و(إِن) لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين، مَعَ أَن أَكثر رُوَاته رَوَاهُ الصَّحِيح. انْتهى.
وَاعْتَرضهُ السخاوي: بِأَنَّهُ كَيفَ يسوغ الرَّد على ابْن الصّلاح بِمَا هُوَ مُصَرح باعتماده وَهُوَ عين كَلَامه.
الحَدِيث الْحسن بنوعيه
فَإِن خف الضَّبْط - أَي قل - يُقَال: خف الْقَوْم خفوفًا أَي قلوا، وَالْمرَاد انه خف لَكِن مَعَ وجود بَقِيَّة الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة فِي حد الصَّحِيح أَي مَعَ وجود بَاقِي الشُّرُوط كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله بعد ذَلِك وَخرج بِاشْتِرَاط بَاقِي الْأَوْصَاف إِلَى آخِره فَهُوَ الْحسن لذاته لَا لشَيْء خَارج عَن ذَاته.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا ذكره لَا يحصل بِهِ تَمْيِيز الْحسن عَن غَيره، لِأَن الخفة الْمَذْكُورَة غير منضبطة وَهُوَ أَي الْحسن لأمر خَارج / هُوَ الَّذِي يكون حسنه حسب الاعتضاد أَي بِحَسب اعتضاده بمتابعة أَو بِمَا لَهُ من الشواهد نَحْو حَدِيث المستور.
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وَأحسن مَا يحد بِهِ الْحسن أَن يُقَال: هُوَ خبر الصَّادِق أَو المستور المعتضد.
[ ١ / ٣٨٨ ]
قَالَ المُصَنّف: الرَّاوِي إِذا لم يسم كَرجل يُسمى مُبْهما، وَإِن ذكر من عدم تَمْيِيز فَهُوَ المهمل، وَإِن ميز وَلم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد فمجهول وَإِلَّا فمستور. انْتهى.
وَقَالَ غَيره: المستور هُوَ الَّذِي لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته وَلَيْسَ مغفلًا كثير الْخَطَأ، وَلَا مُتَّهمًا بفسق، إِذا تعدّدت طرقه أَو وجد لَهُ شَاهد وَهُوَ وُرُود حَدِيث آخر نَحوه، فَيخرج بذلك عَن كَونه شاذًا أَو مُنْكرا.
وَخرج بِاشْتِرَاط بَاقِي الْأَوْصَاف الضَّعِيف كَمَا يَأْتِي، هَذَا مَا لخصه الْمُؤلف وحرره من أقاويل متعارضة، وحدود مُعْتَرضَة، وَحَاصِله أَنه شرك بَين الْحسن لذاته وَبَين الصَّحِيح فِي الشُّرُوط إِلَّا تَمام الضَّبْط
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَنَحْوه قَول الْجَزرِي: الْحسن لذاته مَا حصل بِنَقْل عدل مُتَّصِل السَّنَد سالما من الشذوذ والإعلال. وَهَذَا أحسن مَا قيل، وَقد كثر الِاضْطِرَاب فِي هَذَا الْمقَام، واستقصى تحريره على كثير من الأفهام.
قَالَ ابْن كثير والبلقيني: وَسَببه أَن الْحسن لما توَسط بَين الصَّحِيح والضعيف كَأَن شَيْئا ينقدح فِي نفس الْحَافِظ قد تقصر عِبَارَته كَمَا قيل الِاسْتِحْسَان، فَلذَلِك صَعب تَعْرِيفه.
وَهَذَا الْقسم من الْحسن / مشارك للصحيح فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن كَانَ دونه فِي الْقُوَّة، وَلِهَذَا أدرجه الْحَاكِم وَابْن خُزَيْمَة (وَابْن حبَان فِي نوع
[ ١ / ٣٩٠ ]
الصَّحِيح) مَعَ قَوْلهم أَنه دونه لَكِن قَالَ فِي " الاقتراح ": مَا ذكر من أَن الْحسن يحْتَج بِهِ مُشكل، لِأَن ثمَّ أَوْصَاف يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة إِذا وجدت فَإِن كَانَ هَذَا الْمُسَمّى بالْحسنِ مِمَّا وجدت فِيهِ على أقل الدَّرَجَات الَّتِي يجب مَعهَا الْقبُول فَصَحِيح، وَإِن لم تُوجد لم يجز الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن سمي حسنا، إِلَّا أَن يُرِيد الْأَمر الاصطلاحي بِأَن يُقَال: إِن هَذِه الصِّفَات لَهَا مَرَاتِب ودرجات فأعلاها يُسمى صَحِيحا وَأَدْنَاهَا يُسمى حسنا، وَحِينَئِذٍ يرجع الْأَمر إِلَى الِاصْطِلَاح وَيكون الْكل صَحِيحا. انْتهى.
وَقَضِيَّة كَلَام الْمُؤلف كَمَا قَالَه بعض الْمُحَقِّقين أَن الْحسن لخارج لَا يحْتَج بِهِ، لَكِن يُخَالِفهُ إِطْلَاق (التَّقْرِيب) كَأَصْلِهِ حَيْثُ قَالَ:
[ ١ / ٣٩١ ]
الْحسن كَالصَّحِيحِ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ دونه فِي الْقُوَّة. وَلَا بدع فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث لَهُ طَرِيقَانِ، وَلَو انْفَرد كل مِنْهُمَا لم يكن حجَّة كَمَا فِي مُرْسل ورد من وَجه آخر مُسْندًا، أَو وَافقه مُرْسل آخر بِشَرْطِهِ كَمَا ذكره ابْن الصّلاح.
ومشابه لَهُ فِي الانقسام إِلَى مَرَاتِب بَعْضهَا فَوق بعض فأعلى مراتبه كَمَا قَالَه الذَّهَبِيّ: بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، وَابْن إِسْحَق عَن التَّيْمِيّ
[ ١ / ٣٩٢ ]
وأمثال ذَلِك مِمَّا قيل أَنه صَحِيح، وَهُوَ من أدنى مَرَاتِب الصَّحِيح.
ثمَّ من بعد ذَلِك مَا اخْتلف فِي حسنه وَضَعفه كَحَدِيث الْحَارِث ابْن عبد الله، وَعَاصِم بن ضَمرَة، وحجاج بن / أَرْطَاة
وبكثرة طرقه أَي الْحسن لذاته يصحح قَالَ الْمُؤلف فِي (تَقْرِيره): يشْتَرط فِي التَّابِع أَن يكون أقوى أَو مساوي حَتَّى لَو كَانَ الْحسن لذاته يرْوى من وَجه آخر حسن لغيره لم يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهَذَا معنى قَوْله الْآتِي: تطلق الصِّحَّة على
[ ١ / ٣٩٣ ]
الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو انْفَرد فَقَوله لذاته احْتِرَازًا عَمَّا ذكره وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ من وَجه آخر حسن لغيره.
وَإِنَّمَا يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْد تعدد الطّرق بِالشّرطِ الْمَذْكُور لِأَن للصورة الْمَجْمُوعَة قُوَّة تجبر الْقدر الَّذِي قصر بِهِ ضبط رَاوِي الْحسن عَن رَاوِي الصَّحِيح كالحبل الْمُؤلف من شَعرَات وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا يُطلق الصِّحَّة على الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو تفرد إِذا تعدد فَخرج بقوله لذاته الْحسن لغيره فَلَا يجْبر كَمَا تقرر.
مِثَال ذَلِك حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة
[ ١ / ٣٩٤ ]
مَرْفُوعا: " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ".
فمحمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة مَشْهُور بِالصّدقِ والصيانة، لَكِن لم يكن متقنًا حَتَّى ضعفه بَعضهم من جِهَة سوء حفظه، وَوَثَّقَهُ بَعضهم لصدقه وجلالته، فَحَدِيثه من هَذِه الْجِهَة حسن، فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك كَونه روى من وَجه آخر حكم بِصِحَّتِهِ.
وكحديث البُخَارِيّ عَن أبي بن الْعَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه
[ ١ / ٣٩٥ ]
عَن جده فِي ذكر خيل الْمُصْطَفى.
فَإِن أَبَيَا هَذَا ضَعِيف لسوء حفظه، فَحَدِيثه حسن لَكِن تَابعه عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الْمُهَيْمِن، فارتقى إل دَرَجَة الصِّحَّة. /
وَهَذَا حَيْثُ ينْفَرد الْوَصْف، فَإِن جمعا - أَي الْحسن وَالصَّحِيح - فِي وصف حَدِيث وَاحِد كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَغَيره كيعقوب بن شيبَة، وَابْن
[ ١ / ٣٩٦ ]
الْمَدِينِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقد جمع هَؤُلَاءِ بَين الصِّحَّة وَالْحسن والغرابة فِي مَوَاضِع من كتبهمْ، وَكَذَا أَبُو على الطوسي جمع بَين الصِّحَّة وَالْحسن (فِي مَوَاضِع) من كِتَابه الْمُسَمّى ب " الإحكام ".
وَقد أَشَارَ الْمُؤلف إِلَى ذَلِك بقوله (وَغَيره) ردا إِلَى مَا اشْتهر بَين أهل الْفَنّ من أَن ذَلِك خَاص بالترمذي.
فللتردد الْحَاصِل من الْمُجْتَهد فِي هَذَا الْفَنّ كالترمذي فِي النَّاقِل، هَل اجْتمعت فِيهِ شُرُوط الصِّحَّة أَو قصر عَنْهَا (بِأَن يَقُول فِيهِ بَعضهم صَدُوق مثلا، وَبَعْضهمْ يَقُول ثِقَة وَلَا يتَرَجَّح عِنْد النقاد وَاحِد مِنْهُمَا. أَو يتَرَجَّح لكنه يُرِيد الْإِشَارَة إِلَى كَلَام النَّاس فِيهِ) .
وَهَذَا (حَيْثُ) يحصل مِنْهُ التفرد بِتِلْكَ الرِّوَايَة قَالَ الشَّيْخ
[ ١ / ٣٩٧ ]
قَاسم: يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ الْمُنْفَرد جمع شُرُوط الصِّحَّة عِنْدهم.
وَعرف بِهَذَا جَوَاب من اسْتشْكل كَابْن الصّلاح الْجمع بَين الوصفين فِي حَدِيث وَاحِد / فَقَالَ: الْحسن قَاصِر عَن الصَّحِيح فَفِي الْجمع بَينهمَا إِثْبَات لذَلِك الْقُصُور ونفيه قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره لذَلِك حِين قرىء عَلَيْهِ الشَّرْح: اسْتشْكل الْجمع بَين الصِّحَّة وَالْحسن، فَأُجِيب: بِأَنَّهُ بِحَسب إسنادين.
فأورد (عَلَيْهِ): إِنَّه يَقُول حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
فَأُجِيب: بِمَا ذكر، وَمِنْهُم من أجَاب بالترادف فِي الْمَعْنى.
قيل: يرد بِأَصْل الْقِسْمَة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
قَالَ الشَّيْخ / قَاسم: وَلَيْسَ بِشَيْء، بل إِنَّه خلاف الْمُتَعَارف، وَهَذَا الْجَواب عَن قَول من وفْق بِأَن الْحسن فِي اللَّفْظ، وَالصِّحَّة للسند، لَا مَا قيل: إِنَّه يدْخل فِيهِ الضَّعِيف. اه.
ومحصل الْجَواب إِن تردد أَئِمَّة الحَدِيث فِي حَال ناقله بِأَن قَالَ بَعضهم صَدُوق مثلا، وَبَعْضهمْ يَقُول ثِقَة اقْتضى للمجتهد أَن لَا يصفه بِأحد الوصفين (لكَونه لم يتَرَجَّح عِنْده وَاحِد مِنْهُمَا، أَو ترجح لكنه يُرِيد الْإِشَارَة إِلَى كَلَام النَّاس فِيهِ) .
فَيُقَال فِيهِ حسن بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم (لِأَن رَاوِيه عِنْدهم صَدُوق) صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم آخَرين لِأَن رَاوِيه عِنْدهم ثِقَة،
[ ١ / ٣٩٩ ]
(فَهَؤُلَاءِ غير مترددين فِي صِحَّته وَأُولَئِكَ مترددين فِيهَا)، وَهَذَا نَظِير قَول الْفُقَهَاء: فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ، أَو وَجْهَان.
أَو يكون ذَلِك بِحَسب تردد الْمُجْتَهد بِعَيْنِه فِي الرَّاوِي فَتَارَة يُؤَدِّيه اجْتِهَاده بِاعْتِبَار حَدِيثه وَعرضه على حَدِيث الْحَافِظ - وَنَحْو ذَلِك - إِلَى قُصُور ضَبطه، وَتارَة إِلَى تَمَامه.
ثمَّ إِن مَا ذكره الْمُؤلف اعْتَرَضَهُ الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا لَو كَانَ الرَّاوِي جَامعا لشروط بِاتِّفَاق، أَو لم يتَرَدَّد فِيهِ.
وَقَالَ غَيره: قد جزم الْجَزرِي بِأَن هَذَا أَعلَى رتبه مِمَّا قيل فِيهِ حسن، قَالَ هَكَذَا سَمِعت مَعْنَاهُ من شَيخنَا ابْن كثير. وَغَايَة مَا فِيهِ
[ ١ / ٤٠٠ ]
أَنه حذف مِنْهُ حرف التَّرَدُّد لِأَن حَقه أَن يَقُول حسن أَو صَحِيح وَمثل ذَلِك سَائِغ شَائِع فِي كَلَامهم.
وَهَذَا كَمَا حذف الْعَطف من الَّذِي بعده كَمَا قَالَ ابْن مَالك فِي حَدِيث عدي بن حَاتِم - رَفعه - " تصدق رجل (من درهمه)، من ديناره، من صَاع تمره " إِلَى آخِره.
وكما فِي أثر عمر فِي الصَّحِيح: صلى فِي قَمِيص وَإِزَار،
[ ١ / ٤٠١ ]
فِي تبان، فِي رِدَاء، فِي كَذَا.
وكما فِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - " اللَّهُمَّ إِنِّي / أَتَّخِذ عنْدك عهدا فَأَي مُسلم أذيته شتمته لعنته جلدته " الحَدِيث.
وعَلى هَذَا: فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح دون مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط لِأَن هَذَا غير مُتَرَدّد فِي صِحَّته وَذَاكَ مُتَرَدّد فِيهَا والجزم أقوى من التَّرَدُّد وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْمُؤلف للْجمع بِهِ تبعا لجمع وَنقض ذَلِك: بِأَن التِّرْمِذِيّ يجمع بَينهمَا فِي الحَدِيث الَّذِي لَا خلاف فِي رُوَاته.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قَالَ ابْن الْجَزرِي - تبعا لِابْنِ كثير - وَالظَّاهِر أَن مُرَاده اسْتِوَاء الصَّحِيح وَالْحسن فِي الحكم حَيْثُ اجْتمعَا فِي متن فَيلْزم من الحكم بِالصِّحَّةِ الْحسن لدُخُوله تبعا. انْتهى.
وَجرى على ذَلِك - أَيْضا - بَعضهم حَيْثُ قَالَ: يرد عَلَيْهِ أَن التِّرْمِذِيّ يجمع بَينهمَا فِي الحَدِيث الَّذِي لَا خلاف فِي رُوَاته.
وَهَذَا (من) حَيْثُ (يحصل) التفرد وَإِلَّا أَي إِن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين مَعًا على الحَدِيث يكون بِاعْتِبَار إسنادين (أَو أَسَانِيد) أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر حسن فَكَأَنَّهُ قيل: حَدِيث حسن بِالْإِسْنَادِ الْفُلَانِيّ، صَحِيح بِالْإِسْنَادِ الْفُلَانِيّ.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ كلا الإسنادين
[ ١ / ٤٠٣ ]
على شَرط الصَّحِيح. قَالَ: وَمن تتبع وجد صدق مَا قلت فيهمَا.
وَوَافَقَهُ (على ذَلِك) غَيره فَقَالَ: يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ الإسنادان على شَرط الصَّحِيح، أَو كَانَ الْمُنْفَرد جَامعا لشروط الصِّحَّة.
وعَلى هَذَا فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح فَوق مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط إِذا كَانَ فَردا لِأَن كَثْرَة الطّرق تقوى.
لَكِن ضعف بقَوْلهمْ: الحكم على الإٍ سناد بِالصِّحَّةِ لَا يقْضِي بِهِ على الْمَتْن / إِذْ قد يَصح الْإِسْنَاد لثقة رِجَاله وَلَا يَصح الْمَتْن لشذوذ أَو عِلّة، وَقد ضعف غير وَاحِد من الْمُحدثين أَحَادِيث مَعَ حكمهم على إسانيدها بِالصِّحَّةِ.
فَإِن قيل: قد صرح التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِأَن شَرط الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه، فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه؟ فَالْجَوَاب: إِن التِّرْمِذِيّ لم يعرف
[ ١ / ٤٠٤ ]
الْحسن مُطلقًا وَإِنَّمَا عرفه بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَقع فِي كِتَابه وَهُوَ مَا يَقُول فِيهِ حسن من غير صفة أُخْرَى. ثمَّ أَخذ فِي بَيَان الْمُدعى - وَهُوَ أَكثر عرف نوعا مِنْهُ بقوله: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حسن، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح وَفِي بَعْضهَا: غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح، وَفِي بَعْضهَا: حسن غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح غَرِيب.
وتعريفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط، وَعبارَته ترشد إِلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ فِي آخر كِتَابه " الْجَامِع " وَمَا قُلْنَا فِي كتَابنَا: حَدِيث (حسن) فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ حسن إِسْنَاده عندنَا.
قَالَ المُصَنّف: فَفِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ حسن الْإِسْنَاد
[ ١ / ٤٠٥ ]
فَانْتفى أَن يُرِيد حسن اللَّفْظ الَّذِي ادَّعَاهُ بَعضهم وَحمل كَلَامه عَلَيْهِ. انْتهى.
(وأتى بنُون العظمة لإِظْهَار بلزومها الَّذِي هُوَ نعْمَة من تَعْظِيم الله تَعَالَى لَهُ بتأهيله للْعلم امتثالا لقَوْله: (وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث) .
فَكل حَدِيث يرْوى وَلَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بكذب، ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك، وَلَا يكون شاذا فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن. فَعرف بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عرف الَّذِي يَقُول فِيهِ حسن فَقَط، أما مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح، أَو حسن غَرِيب، أَو حسن (صَحِيح) غَرِيب، فَلم يعرج على تَعْرِيفه / كَمَا لم يعرج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ صَحِيح فَقَط، أَو غَرِيب فَقَط.
قَالَ: ويوضح ذَلِك مَا ذكره فِي الْفِتَن من حَدِيث خَالِد الْحذاء
[ ١ / ٤٠٦ ]
عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: " من أَشَارَ على أَخِيه بحديدة " الحَدِيث قَالَ فِيهِ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، فاستغربه من حَدِيث خَالِد لَا مُطلقًا.
وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء بشهرته عِنْد أهل الْفَنّ، وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ فِي كِتَابه: حسن فَقَط، إِمَّا لغموضه، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد وَلذَلِك قَيده بقوله عندنَا وَلم ينْسبهُ لأهل الحَدِيث كَمَا فعل الْخطابِيّ، وَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِي طَال الْبَحْث فِيهَا وَلم يسفر وَجه توجيهها وَللَّه الْحَمد على مَا ألهم وَعلم.
وَهَذَا كُله مركب من أجوبة ثَلَاثَة: لِابْنِ الصّلاح، وَابْن دَقِيق
[ ١ / ٤٠٧ ]
الْعِيد، وَابْن كثير، وَلَيْسَ للمؤلف (من ذَلِك) إِلَّا الْجمع والتركيب وَالتَّلْخِيص.
وَأما الْجَواب بِأَن المُرَاد بالْحسنِ: اللّغَوِيّ لَا الاصطلاحي كَمَا وَقع لِابْنِ عبد الْبر حَيْثُ روى حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا: " تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة " الحَدِيث ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن جدا لَكِن لَيْسَ إِسْنَاده قوي. فَأَرَادَ بالْحسنِ حسن اللَّفْظ فَقَط لِأَنَّهُ من رِوَايَة الْبُلْقَاوِيُّ وَهُوَ كَذَّاب.
فَرد بِأَنَّهُ يُطلق على الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ أَنه حسن وَهَذَا لَا يَقُوله أحد.
[ ١ / ٤٠٨ ]
تَنْبِيهَات
١ - الأول: قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح /: كتاب التِّرْمِذِيّ أصل فِي معرفَة الْحسن، وَهُوَ الَّذِي شهره وَأكْثر من ذكره. وَمن مظانه - أَيْضا - سنَن أبي دَاوُد، وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ نَص على كثير مِنْهُ.
٢ - الثَّانِي: إِذا روى الحَدِيث من وُجُوه ضَعِيفَة لَا يلْزم أَن يحصل من مجمعها أَنه حسن، بل مَا كَانَ ضعفه لضعف حفظ رَاوِيه الصدوق الْأمين زَالَ لمجيئه من وَجه آخر وَصَارَ حسنا، وَكَذَا لَو كَانَ ضعفه لإرسال أَو تَدْلِيس أَو جَهَالَة حَال زَالَ بوروده من طَرِيق آخر.
وَأما الضَّعِيف لفسق الراوى فَلَا يُؤثر فِيهِ مُوَافقَة غَيره.
٣ - الثَّالِث: لم يذكر الْمُؤلف الصَّالح الَّذِي هُوَ بَين الضَّعِيف وَالْحسن،
[ ١ / ٤٠٩ ]
ذَهَابًا مِنْهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر من دُخُوله فِي الْحسن لغيره فمصدقهما وَاحِد.
وَخَالفهُ فِي ذَلِك أَبُو دَاوُد فَجعله قسما بِرَأْسِهِ، وَيُؤَيِّدهُ قَول يَعْقُوب ابْن شيبَة: الصَّالح مَا فِي إِسْنَاده من لَيْسَ بالثبت، وَإِذا عرف بِأَنَّهُ مَا فِي سَنَده الْمُتَّصِل مَسْتُور خَال عَن قادحة كَانَ من الْحسن.
قَالَ أَبُو دَاوُد: مَا فِي كتابي إِذا اشْتَدَّ وهنه بَينته وَإِن سكت فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض - أَي لتَفَاوت مرتبته فِي الصلاحية - ذكريات فِيهِ الصَّحِيح، وَمَا يشبه ويقاربه - أَي الْحسن.
زِيَادَة الثِّقَة
وَزِيَادَة راويهما - أَي الصَّحِيح وَالْحسن أَي زِيَادَة الْعدْل الضَّابِط فِيمَا رَوَاهُ على غَيره من الْعُدُول / مَقْبُولَة لِأَنَّهَا فِي حكم حَدِيث
[ ١ / ٤١٠ ]
مُسْتَقل انْفَرد بِهِ ثِقَة، وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره، وَهَذَا مَا لم تقع أَي الزِّيَادَة مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ أوثق مِمَّن لم يذكر تِلْكَ الزِّيَادَة لمزيد ضبط أَو كَثْرَة عدد. قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَمن فِي قَوْله مِمَّن بَيَان لقَوْله: من هُوَ. اه وَلَيْسَت مُتَعَلقَة بِفعل التَّفْضِيل، لِأَن الزِّيَادَة إِمَّا أَن تكون لَا تنَافِي بَينهَا وَبَين رِوَايَة من لم يذكرهَا فَهَذِهِ تقبل مُطلقًا لِأَنَّهَا فِي حكم الحَدِيث المستقل الَّذِي ينْفَرد بِهِ الثِّقَة وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره.
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك حَدِيث مُسلم وَغَيره من رِوَايَة أبي مَالك
[ ١ / ٤١١ ]
الْأَشْجَعِيّ عَن ربعي عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: " جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا، وَجعلت لنا تربَتهَا طهُورا ". فَإِن زِيَاد تربَتهَا تفرد بِهِ الْأَشْجَعِيّ، وَرِوَايَة جَمِيع الروَاة جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا.
وَحَدِيث ابْن عمر فِي صَدَقَة الْفطر، انْفَرد بِهِ سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي بِزِيَاد أَو صَاعا من قَمح، وَأكْثر الروَاة لم يذكرُوا إِلَّا صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير فَقَط.
[ ١ / ٤١٢ ]
وَأما أَن تكون مُنَافِيَة بِحَيْثُ يلْزم من قبُولهَا رد الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَهَذِهِ الَّتِي يَقع التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين معارضها فَيقبل الرَّاجِح وَيرد الْمَرْجُوح.
وَمن وُجُوه الْمُنَافَاة مَا لَو غيرت الزِّيَادَة إِعْرَاب الْبَاقِي (فيتعارضان - أَي خبر الزِّيَادَة وَخبر عدمهَا - للِاخْتِلَاف حِينَئِذٍ خلافًا لأبي عبد الله الْبَصْرِيّ) .
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله لِأَن الزِّيَادَة إِلَى آخِره تَقْسِيم للزِّيَادَة لَا تَعْلِيل لما وَقع فِي الْمَتْن هَذَا هُوَ الظَّاهِر من السُّوق، فَإِن اعْتَبرهُ المُصَنّف / تعليلا فَهُوَ أَعم مِمَّا فِي الْمَتْن، وَكَانَ اللايق بِالتَّعْلِيلِ أَن يَقُول لِأَن المنافية لرِوَايَة من هُوَ أوثق مُعَارضَة بأرجح فَلم تقبل، وَالَّتِي لم تناف بِمَنْزِلَة حَدِيث مُسْتَقل. وَيفهم مِنْهُ
[ ١ / ٤١٣ ]
أَنه أَن مَا نافى، وَلَيْسَ بأوثق أَنه مقدم.
وَقَالَ البقاعي: لَو قَالَ إِذا لم تناف رِوَايَة أوثق مِنْهُ كَانَ أحسن، فَإِن نافت بِأَن لزم من قبُولهَا رد الْأُخْرَى احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين معارضها، فَيقبل الرَّاجِح وَيرد الْمَرْجُوح.
واشتهر عَن جمع من الْعلمَاء أَي أهل الْأُصُول وَالْفِقْه القَوْل بِقبُول الزِّيَادَة - مُطلقًا من (غير تَفْصِيل) قَالُوا: زِيَاد الثِّقَة مَقْبُولَة إِن علم تعدد الْمجْلس لجَوَاز كَون النَّبِي ذكرهَا فِي مجْلِس وَسكت عَنْهَا فِي آخر، وَكَذَا إِن لم يعلم تعدده وَلَا اتحاده لِأَن الْغَالِب التَّعَدُّد، فَإِن علم اتحاده فأقوال:
١ - أَحدهَا: الْقبُول (مُطلقًا، قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف - كَغَيْرِهِ: وَهُوَ الَّذِي اشْتهر عَن الشَّافِعِي ﵁، وَنَقله الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ عَن جُمْهُور الْعلمَاء والمحدثين بل ادّعى ابْن طَاهِر اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَيْهِ) لجَوَاز غَفلَة غير من زَاد.
[ ١ / ٤١٤ ]
٢ - وَالثَّانِي: عَدمه لجَوَاز خطأ من زَاد.
٣ - وَالثَّالِث: الْوَقْف وَإِن كَانَ السَّاكِت (عَنْهَا - أَي غير) الذاكر لَهَا - أضبط مِمَّن ذكرهَا، أَو صرح بِنَفْي الزِّيَادَة على وَجه لَا يقبل، كَأَن قَالَ: مَا سَمعتهَا - أَي تعَارض الخبران فِيهَا - نعم إِن نفاها على وَجه لَا يقبل بِأَن مَحْض النَّفْي فَقَالَ: لم يقلها النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
فَإِنَّهُ لَا أثر لذَلِك، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك على طَرِيق الْمُحدثين الَّذين يشترطون فِي الصَّحِيح أَن لَا يكون شاذا، ثمَّ يفسرون الشذوذ بمخالفة الثِّقَة لمن هُوَ أوثق مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قد ذكر المُصَنّف فِي تَقْرِيره لذَلِك إِن الْمُخَالفَة تصدق على زِيَادَة / لَا تنَافِي فِيهَا، فَلَا يحسن الْإِطْلَاق، وَلَيْسَ فِي الشاذ مَا يُخَالف، فَلذَلِك قيدت بِقَوْلِي مَا لم تقع مُنَافِيَة إِلَخ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَلَيْسَ فِي هَذَا زِيَاد فَائِدَة وَمَا فِي الشَّرْح يُغني عَنهُ.
وَالْعجب مِمَّن أغفل ذَلِك مِنْهُم مَعَ اعترافه بِاشْتِرَاط
[ ١ / ٤١٥ ]
انْتِفَاء الشذوذ فِي حد الحَدِيث الصَّحِيح وَكَذَا الْحسن.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: أَعَادَهُ لأجل ذكر الْحسن وَأَنه يكون أولى أَن يشْتَرط فِي الصَّحِيح.
وَالْمَنْقُول عَن أَئِمَّة الْمُحدثين الْمُتَقَدِّمين: كَابْن مهْدي وَيحيى الْقطَّان نسبته إِلَى بيع الْقطن وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتِيَّة - نِسْبَة إِلَى مَدِينَة (نيسابور) وَقيل غَيرهَا وَالْبُخَارِيّ وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِفَتْح الرَّاء وَضم الْقَاف وَسُكُون الطَّاء نِسْبَة إِلَى دَار الْقطن محلّة بِبَغْدَاد وَغَيرهم اعْتِبَار التَّرْجِيح فِيمَا يتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ وَغَيرهَا، وَلَا يعرف عَن أحد مِنْهُم إِطْلَاق قبُول الزِّيَادَة، وأعجب من
[ ١ / ٤١٦ ]
ذَلِك إِطْلَاق كثير من الشَّافِعِيَّة القَوْل بِقبُول زِيَادَة الثِّقَة مَعَ أَن نَص الشَّافِعِي يدل على غير ذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه على مَا يعْتَبر فِيهِ حَال الرَّاوِي فِي الضَّبْط مَا نَصه: وَيكون إِذا شرك أحدا من الْحفاظ لم يُخَالِفهُ، فَإِن خَالفه فَوجدَ حَدِيثه أنقص كَانَ فِي ذَلِك دَلِيل على / صِحَة مخرج حَدِيثه وَمَتى خَالف مَا وصفت أضرّ ذَلِك بحَديثه. انْتهى.
(كَلَامه وَمُقْتَضَاهُ أَنه إِذا خَالف فَوجدَ حَدِيثه أَزِيد ضرّ ذَلِك بحَديثه) فَدلَّ على أَن زِيَادَة الْعدْل عِنْده لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا وَإِنَّمَا تقبل من الْحَافِظ، فَإِنَّهُ اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه من الْحفاظ، وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته لِأَنَّهُ يدل على تحريه، وَجعل مَا عدا ذَلِك مضرا بحَديثه فَدخلت فِيهِ الزِّيَادَة، فَلَو كَانَت عِنْده مَقْبُولَة مُطلقًا لم تكن مضرَّة (بِحَدِيث) صَاحبهَا.
[ ١ / ٤١٧ ]
كَذَا زَعمه المُصَنّف، وَقد رده عَلَيْهِ جمع مِنْهُم الْكَمَال بن أبي شرِيف فَقَالَ: الثِّقَة هُوَ الْعدْل الضَّابِط وَكَلَام الشَّافِعِي فِيمَن لم يعرف ضَبطه فَلَا يكون دَلِيلا على عدم قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا كَمَا زَعمه المُصَنّف، إِذْ لَيْسَ الحكم فِيهِ إِلَّا فِي حَدِيث من يختبر ضَبطه.
قَالَ: وَقَول الشَّافِعِي وَيكون مَنْصُوب عطفا على مَا قبله فِي كَلَامه، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا مرغوبًا عَن الرِّوَايَة عَنهُ. ثمَّ قَالَ: وَيكون. انْتهى.
وَمِنْهُم البقاعي فَقَالَ: كَلَام الإِمَام الشَّافِعِي فِي عدل لم يعرف ضَبطه فَلَا يُعَارض قبولهم زِيَادَة الثِّقَة، فَإِن الثِّقَة هُوَ الَّذِي جمع إِلَى الْعَدَالَة الضَّبْط.
قَالَ: وَقَوله وَإِنَّمَا / يقبل من الْحَافِظ يُقَال عَلَيْهِ: سلمنَا ذَلِك،
[ ١ / ٤١٨ ]
فَإِن أردْت مُطلق الثِّقَة فَهُوَ غير مَا قُلْنَا، وَإِلَّا فَلَا دلَالَة لكَلَام الشَّافِعِي عَلَيْهِ.
وَقَوله وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته لِأَنَّهُ يدل على تحريه إِلَى آخِره مُسلم، لَكِن الْكَلَام فِي الزِّيَادَة الْوَاقِعَة من الثِّقَة لَا فِي مُطلق الزِّيَادَة الْوَاقِعَة من الثِّقَة وَغَيره، وَهَذَا كُله لَيْسَ ردا على مَا فصل وَإِنَّمَا هُوَ دفع للاستدلال بِكَلَام الإِمَام الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ على مَا ادَّعَاهُ أصلا.
وَمِنْهُم الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ فَقَالَ: قَوْله وأعجب من ذَلِك إِلَى آخِره إِلَى أَن قَالَ كَونه أعجب لوُجُود نَص أمامهم فِي ذَلِك. أَقُول: لَيْسَ هَذَا مَحل مَا ذكره إمَامهمْ لِأَنَّهُ فِيمَن يختبر ضَبطه، وَكَلَامهم فِي الثِّقَة وَهُوَ عِنْدهم الْعدْل الضَّابِط فَلَا تجب. الْعجب مِنْك.
وَقَوله وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي إِلَى آخِره يُقَال عَلَيْهِ: لم لَا
[ ١ / ٤١٩ ]
يجوز أَن يكون نقصانه دَلِيلا على نُقْصَان حفظه.
وَقَوله: وَجعل مَا عدا ذَلِك إِلَى آخِره. أَقُول إِذا حمل كَلَام الإِمَام على مَا نَحن فِيهِ فَظَاهره منع قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا لَا على التَّفْضِيل الْمَذْكُور، ويتبادر من سوق الْكَلَام فِي قَوْله وَزِيَادَة رَاوِيه إِلَى هُنَا أَن الْمُخَالفَة من حَيْثُ أَن يزِيد الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، أَو يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة، وَالْوَاقِع أَن المُرَاد / مُجَرّد الْمُخَالفَة. انْتهى.
فَإِن خُولِفَ أَي الرَّاوِي بأرجح مِنْهُ لمزيد ضبط وإتقان أَو كَثْرَة عدد أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات سَوَاء خَالفه فِي السَّنَد أَو فِي الْمَتْن فالراجح يُقَال لَهُ الْمَحْفُوظ وَمُقَابِله وَهُوَ الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ الشاذ.
فالمحفوظ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن دونه فِي الْحِفْظ والإتقان، والشاذ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن فَوْقه فِي الْحِفْظ والإتقان. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامه.
وَخرج بالمقبول الْمَعْرُوف وَالْمُنكر فَإِن رَاوِي كل مِنْهُمَا غير مَقْبُول.
وبمن دونه الشاذ كَمَا يَأْتِي.
وَمِثَال ذَلِك يَعْنِي مِثَال الْمُخَالفَة فِي الْإِسْنَاد مَا رَوَاهُ
[ ١ / ٤٢٠ ]
الْحَاكِم وَصَححهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة عَن ابْن عَبَّاس مَوْصُولا أَن رجلا توفى على عهد رَسُول الله وَلم يدع وَارِثا إِلَّا مولى هُوَ أعْتقهُ الحَدِيث وتتمته: فَدفع مِيرَاثه إِلَيْهِ. وتابع ابْن عُيَيْنَة على وَصله ابْن جريج وَغَيره، وَخَالفهُم حَمَّاد بن زيد فَرَوَاهُ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة وَلم يذكر ابْن عَبَّاس. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: الْمَحْفُوظ حَدِيث ابْن عُيَيْنَة.
[ ١ / ٤٢١ ]
انْتهى. وَتَابعه مُحَمَّد بن مُسلم، وَقصر حَمَّاد بن زيد فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط وَمَعَ ذَلِك رجح أَبُو حَاتِم رِوَايَة من هُوَ أَكثر عددا مِنْهُ. وَفِيه هُنَا أَمْرَانِ:
١ - الأول: أَن تمثيله بذلك / قد نازعه فِيهِ ابْن قطلوبغا، فَقَالَ: الأولى فِي الْمِثَال أَن يكون بمتن خَالف فِيهِ الثِّقَة غَيره لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع من الشذوذ وَنَحْوه إِمَّا هِيَ وَاقعَة بِالذَّاتِ على الْمَتْن لما فِيهِ أَو فِي طَرِيقه مَا يقتضيها.
٢ - الثَّانِي: أَن قَوْله قَالَ أَبُو حَاتِم إِلَى آخِره قد رده عَلَيْهِ الشَّيْخ قَاسم بِأَن هَذَا معَارض لما قدمه عَن الشَّافِعِي لِأَن النُّقْصَان أضرّ بحَديثه وَلم يكن ذَلِك دَلِيل تحريه، فَهَذَا هُوَ المُرَاد لما فهمه المُصَنّف.
[ ١ / ٤٢٢ ]
والكمال بن أبي شرِيف على هَذَا. فَذكر مَا ذكره الشَّيْخ قَاسم ثمَّ قَالَ: وعَلى هَذَا) فالثقة فِي قَول الإِمَام الشَّافِعِي الشاذ: أَن يروي الثِّقَة مَا يُخَالف مَا روى النَّاس. بِمَعْنى المقبول الشَّامِل للعدل الضَّابِط، وللصدوق الْقَرِيب من دَرَجَة الضَّبْط والإتقان.
أَو يكون ذكر الثِّقَة للِاحْتِرَاز عَن الضَّعِيف لَا عَن الصدوق بل لإفهام أَن مُخَالفَة الصدوق الْمَذْكُور أولى باسم الشذوذ. انْتهى.
وَمن أمثلته فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث
[ ١ / ٤٢٣ ]
عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع عَن يَمِينه " قَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا فَإِن النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ عَن فعل الْمُصْطَفى لَا من قَوْله، وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ.
وَعرف من هَذَا التَّقْرِير أَن الشاذ مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن هُوَ أولى مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي تَعْرِيف الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح. وَأما بِحَسب اللُّغَة فَإِنَّهُ مُطلق / الِانْفِرَاد.
وَإِن وَقعت الْمُخَالفَة مَعَ الضعْف بِأَن روى الضَّعِيف حَدِيثا وَخَالف فِي إِسْنَاده أَو مَتنه ضَعِيف أرجح مِنْهُ لكَونه أقل مِنْهُ ضعفا، وَأحسن مِنْهُ حَالا فَمَا رَوَاهُ الضَّعِيف الرَّاجِح يُقَال
[ ١ / ٤٢٤ ]
لَهُ الْمَعْرُوف مُقَابِله وَهُوَ مَا رَوَاهُ الضَّعِيف الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ الْمُنكر.
فَخرج بِقَيْد الضَّعِيف فِي كل مِنْهُمَا الْمَحْفُوظ والشاذ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا رَاوِيه مَقْبُول.
ثمَّ مثل لذَلِك بقوله: مِثَاله مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حبيب بِضَم (الْحَاء الْمُهْملَة) وَفتح بَاء مُوَحدَة وَكسر يَاء تحتية مُشَدّدَة مُصَغرًا بن حبيب بِفَتْح فَكسر - (وَهُوَ أَخُو حَمْزَة بن حبيب) -
[ ١ / ٤٢٥ ]
كقريب الزيات الْمقري عَن أبي إِسْحَق عَن الْعيزَار بِعَين مُهْملَة، فزاي بعد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة، وَبعد الْألف رَاء ابْن حُرَيْث بِالتَّصْغِيرِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَحج وَصَامَ وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة ". قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ أَي حَدِيث حبيب هَذَا مُنكر لِأَن غَيره من الثِّقَات رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَق مَوْقُوفا وَهُوَ الْمَعْرُوف.
وَنقل بعض تلامذة الْمُؤلف عَنهُ أَنه قَالَ: المُرَاد بِقَوْلِي وَإِن وَقعت الْمُخَالفَة مَعَ الضعْف أَن يكون فِي الْجَانِبَيْنِ مَعَ رُجْحَان أَحدهمَا.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قَالَ تلميذ المُصَنّف الْمَذْكُور: لَكِن مَا مثل بِهِ أولى وَقَول أبي حَاتِم: هُوَ مُنكر لِأَن غَيره من الثِّقَات رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَق مَوْقُوفا يبين أَن الضعْف فِي أَحدهمَا.
قَالَ: وَقد أوقفت الشَّيْخ يَعْنِي / المُصَنّف على هَذَا فَقَالَ: أَن اللايق فِي التَّمْثِيل التَّمْثِيل بِغَيْرِهِ، وروجع فِي أَن الْمَأْخُوذ أَولا زِيَادَة رَاوِي الْحسن أَو الصَّحِيح.
فَأجَاب: بِأَنَّهُ لَيْسَ معزيا هُنَا، وَأَن الْكَلَام وَقع اسْتِطْرَادًا هُنَا لأجل مُطلق الْمُخَالفَة.
ثمَّ رُوجِعَ، فَأخْبر بِمَا فسر بِهِ أَولا من كَون الضَّعِيف فِي الْمُخَالف مَعَ قَوْله أَو وجا فيهمَا كَانَ كَذَلِك فِي التَّسْمِيَة أَي يُقَال لمن قل ضعفه مَعْرُوف وَالْآخر مُنكر. انْتهى.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وَعرف بِهَذَا أَن بَين الشاذ وَالْمُنكر عُمُوما وخصوصًا من وَجه، لِأَن بَينهمَا اجتماعًا فِي اشْتِرَاط الْمُخَالفَة، وافتراقًا فِي أَن الشاذ رَاوِيه ثِقَة أَو صَدُوق، وَالْمُنكر رَاوِيه ضَعِيف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ يشْتَرط فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه أَن يكون بَين الْمَذْكُورين مَادَّة اجْتِمَاع يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا، وَلَيْسَ الْمَذْكُور هُنَا كَذَلِك.
قَالَ: وَمَا ذكره المُصَنّف فِي تَوْجِيهه لَيْسَ على حد مَا عِنْد الْقَوْم.
والبقاعي فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف من الْعُمُوم وَالْخُصُوص غير صَحِيح، وَإِنَّمَا بَين الشاذ وَالْمُنكر من النّسَب المباينة الْكُلية لَا شَيْء من الشاذ بمنكر، وَلَا شَيْء من الْمُنكر بشاذ، وَلم يجتمعا فِي مُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الشاذ لِأَنَّهَا مُقَيّدَة بالثقة، وَلَا بِمُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الْمُنكر فَإِنَّهَا مُقَيّدَة بالضعيف.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا كالحيوان وَالْأسود فِي فَرد من أَفْرَاد الْحَيَوَان / فَإِنَّهُمَا اجْتمعَا فِي مُطلق الْحَيَوَان الْأسود وَأما هُنَا فَلم يجتمعا فِي فَرد من أَفْرَاد الْمُنكر، وَلَا فِي فَرد من أَفْرَاد الشاذ كَمَا اجْتمع الْحَيَوَان وَالْأسود فِي فَرد
[ ١ / ٤٢٨ ]
من أَفْرَاد الْحَيَوَان، فَكَانَ بعض الْحَيَوَان أسود وَبَعض الْأسود حَيَوَان إِلَى هُنَا كَلَامه.
وتبعهما على ذَلِك الأشموني فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف مَمْنُوع، وَإِنَّمَا الَّذِي بَين الشاذ وَالْمُنكر تبَاين كلي لَا عُمُوم وخصوص من وَجه كَمَا زَعمه، لِأَن الشاذ لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الْمُنكر، كَمَا أَن الْمُنكر لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الشاذ، لِأَن الشاذ من رِوَايَة المقبول وَالْمُنكر من رِوَايَة الضَّعِيف. انْتهى.
وَمَا ذكره غَفلَة عَن مُرَاد الْمُؤلف مِمَّا ذكره، فَإِن الْكَمَال بن أبي شرِيف نقل عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ: إِنَّه لَيْسَ مُرَاده الْعُمُوم وَالْخُصُوص المصطلح عَلَيْهِ: وَهُوَ صدق كل مِنْهُمَا على بعض مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر، وَإِنَّمَا مُرَاده مَا فسر بِهِ وَهُوَ أَن بَينهمَا اجْتِمَاع وافتراق. انْتهى.
وَأما الْجَواب بِأَن شَرط الْعُمُوم وَالْخُصُوص مَوْجُود هُنَا، وَهُوَ وجود مَادَّة يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا لِأَن لنا رَاوِيا وَاحِدًا يكون حَدِيثه شاذًا ومنكرًا، شَاذ
[ ١ / ٤٢٩ ]
بِاعْتِبَار أَنه صَدُوق ومنكر بِاعْتِبَار أَنه سيئ الْحِفْظ أَو مُغفل أَو فَاحش الْغَلَط أَو مُبْتَدع فَهُوَ ضَعِيف بِهَذِهِ الاعتبارات إِذْ كل وَاحِد مِنْهَا - أَي من هَذِه الْأَوْصَاف - يضعف بهَا الرَّاوِي لَا يُنَافِي أَن / يكون صَدُوقًا.
وَالْحَاصِل: أَن بقوله أَو صَدُوق ينْدَفع الِاعْتِرَاض عَنهُ فَفِيهِ تعسف لَا يخفى.
وَقد غفل من سوى بَينهمَا أَي كَابْن الصّلاح حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنكر أَنه بِمَعْنى الشاذ.
وَتعقب الشَّيْخ قَاسم هَذَا: بِأَنَّهُم أطْلقُوا فِي غير مَوضِع النكارة على
[ ١ / ٤٣٠ ]
رِوَايَة الثِّقَة مُخَالفا لغيره، من ذَلِك حَدِيث نزع الْخَاتم حَيْثُ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا حَدِيث مُنكر. مَعَ أَن رَاوِيه همام بن يحيى وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ أهل الصِّحَّة، وَفِي عبارَة النَّسَائِيّ مَا يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه. أَنه يُقَابل
[ ١ / ٤٣١ ]
الْمَحْفُوظ، وَكَأن الْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف ليسَا بنوعين حقيقين تحتهما أَفْرَاد مَخْصُوصَة عِنْدهم، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي التَّضْعِيف فَجَعلهَا الْمُؤلف أنواعًا فَلم يُوَافق مَا وَقع عِنْدهم. انْتهى.
قَالَ بَعضهم: وَالْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف من الْأَنْوَاع الَّتِي أهملها ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ، وحقهما أَن يذكرَا كَمَا ذكر الْمُتَّصِل مَعَ مَا يُقَابله من الْمُرْسل والمنقطع والمعضل.
تَنْبِيه:
وَقع فِي عباراتهم: أنكر مَا رَوَاهُ فلَان كَذَا وَإِن لم يكن ذَلِك الحَدِيث ضَعِيفا، قَالَ ابْن عدي: أنكر مَا روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: " إِذا أَرَادَ
[ ١ / ٤٣٢ ]
بِأمة خيرا قبض نبيها قبلهَا ".
قَالَ: وَهَذَا طَرِيقه حسن، وَرَوَاهُ ثِقَات، وَقد أدخلهُ قوم فِي صحاحهم. انْتهى.
والْحَدِيث فِي مُسلم.
وَقَالَ / الذَّهَبِيّ: أنكر مَا للوليد بن مُسلم من الْأَحَادِيث حَدِيث فِي حفظ
[ ١ / ٤٣٣ ]
الْقُرْآن، وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَحسنه، وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ: على شَرط الشَّيْخَيْنِ.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وَمَا تقدم ذكره من الْفَرد النسبي الْمَتْن هُوَ قَوْله: والفرد النسبي وَقَوله مَا تقدم ذكره من شرح كَذَا صنع الْمُؤلف.
وَتعقبه البقاعي: بِأَن الْفَرد فِي الْمَتْن مُبْتَدأ مَرْفُوع، وَفِي الشَّرْح مجرور فَهُوَ مخل بالمزج. قَالَ البقاعي.
وَقَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: قَوْله من الْفَرد فِيهِ الْفَرد مجرور مَعَ أَنه فِي الْمَتْن مَرْفُوع فَلم يَفِ بِمَا يَنْبَغِي فِي التَّضْمِين، فَلَو قَالَ: وَهُوَ الْفَرد بدل من الْفَرد كَانَ أولى، أَو لَو أَتَى بِعِبَارَة يكون فِيهَا الْفَرد معربًا بِالرَّفْع كَانَ أحسن.
إِن وجد بعد ظن كَونه فَردا قد وَافقه غَيره فَهُوَ المتابع.
[ ١ / ٤٣٥ ]
يَعْنِي فَذَلِك الْغَيْر هُوَ المتابع بِكَسْر الْمُوَحدَة بعد الْألف مصدر ميمي لتابعه تباعا.
وَاصْطِلَاحا: وجدان راو غير صَحَابِيّ مُوَافق لراو ظن صدقه أَنه فَرد نسبي، أَو لشيخه، أَو شيخ شَيْخه، فِي لفظ مَا رَوَاهُ أَو فِي مَعْنَاهُ.
وتخصصه ذَلِك بالفرد النسبي أورد عَلَيْهِ: أَن المتابع قد يكون فِي الْفَرد الْمُطلق.
وتنقسم إِلَى: تَامّ وَإِلَى قَاصِرَة كَمَا بَين ذَلِك بقوله والمتابعة بِفَتْح الْمُوَحدَة على مَرَاتِب: إِن حصلت للراوي على نَفسه فَهِيَ التَّامَّة، وَإِن / حصلت لشيخه فَمن فَوْقه أَي لشيخ شَيْخه أَو شيخ شيخ شَيْخه وَهَكَذَا فَهِيَ القاصرة يَعْنِي الرَّاوِي عَن متابع شَيْخه متابع لَهُ، لَكِنَّهَا لَيست فِي شَيْخه فَهِيَ القاصرة.
وَيُسْتَفَاد مِنْهَا أَي الْمُتَابَعَة بقسميها التقوية فتكسب قُوَّة فِي الْفَرد المتابع ونفعًا فِيهِ.
[ ١ / ٤٣٦ ]
مِثَال الْمُتَابَعَة (التَّامَّة) مَا رَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي كِتَابه " الْأُم " عَن مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله قَالَ: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ ".
كَذَا مثل بِهِ المُصَنّف للمتابعه التَّامَّة، (وَاعْترض مَا لَيْسَ مِثَالا للتامة) وَإِنَّمَا مثالها مَا ذكره بعد من قَوْله لَكِن وجدنَا للْإِمَام الشَّافِعِي مُتَابعًا وَهُوَ عبد الله بن مسلمة إِلَى آخِره. فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمه وَتَأْخِير مَا قدمه، إِلَّا أَن يُقَال: تَقْدِيمه ضَرُورِيّ لَا بتناء الْكَلَام بعده عَلَيْهِ، واتضاح الْمَعْنى المُرَاد بِهِ.
فَهَذَا الحَدِيث (الْمَذْكُور) بِهَذَا اللَّفْظ ظن قوم من الْمُحدثين
[ ١ / ٤٣٧ ]
أَن الإِمَام الشَّافِعِي تفرد بِهِ أَي براويته عَن مَالك فعدوه فِي غرايبه لِأَن أَصْحَاب مَالك رَوَوْهُ عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ قدره " لَكِن وجدنَا للْإِمَام الشَّافِعِي مُتَابعًا وَهُوَ عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ثمَّ لَام وَمِيم / مفتوحتين القعْنبِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ثمَّ نون مُوَحدَة كَذَلِك أخرجه البُخَارِيّ عَنهُ عَن مَالك وَهَذِه مُتَابعَة تَامَّة أَي قَوْله وجدنَا إِلَى آخِره، وَلَا تكْرَار مَعَ قَوْله أَولا مِثَال التَّامَّة لِأَن هَذَا تنصيص على أَنه الْمِثَال فِي الْحَقِيقَة.
وَوجدنَا لَهُ - أَيْضا - مُتَابعَة قَاصِرَة فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة من
[ ١ / ٤٣٨ ]
رِوَايَة عَاصِم بن مُحَمَّد عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد عَن جده عبد الله بن عمر بِلَفْظ " فَكَلَّمُوا ثَلَاثِينَ ". وَفِي صَحِيح مُسلم فِي رِوَايَة عبيد الله ابْن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر بِلَفْظ " فاقدروا ثَلَاثِينَ ".
وَلَا اقْتِصَار فِي هَذِه الْمُتَابَعَة سَوَاء كَانَت تَامَّة أَو قَاصِرَة على اللَّفْظ بل لَو جَاءَت بِالْمَعْنَى لكفى لَكِنَّهَا مُخْتَصَّة بِكَوْنِهَا من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ.
كَذَا ذكره المُصَنّف، وَاعْتَرضهُ الْكَمَال بن أَبى شرِيف والشرف الْمَنَاوِيّ: بِأَن الَّذِي نَقله ابْن الصّلاح ثمَّ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ عَن ابْن حبَان وَلم
[ ١ / ٤٣٩ ]
يتعقباه فِي تَمْثِيل الْمُتَابَعَة يَقْتَضِي أَن رِوَايَة غير الصَّحَابِيّ ذَلِك الحَدِيث عَن الْمُصْطَفى مُتَابعَة للصحابي.
وَإِن وجد متن يرْوى من حَدِيث صَحَابِيّ آخر يُشبههُ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى، أَو فِي الْمَعْنى فَقَط كَمَا فِي الْمِثَال المسوق للمتابعة القاصرة فَإِنَّهُ لَيْسَ بِاللَّفْظِ فَهُوَ الشَّاهِد فالشاهد فِي الِاصْطِلَاح: متن بِمَعْنى الْفَرد النسبي بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ دون لَفظه من رِوَايَة صَحَابِيّ آخر.
ومثاله فِي / الحَدِيث الَّذِي قدمْنَاهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حنين بِالتَّصْغِيرِ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي فَذكر مثل حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر سَوَاء فَهَذَا
[ ١ / ٤٤٠ ]
بِاللَّفْظِ وَأما بِالْمَعْنَى فَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَذَلِكَ شَاهد بِالْمَعْنَى.
وَخص قوم الْمُتَابَعَة بِمَا حصل بِاللَّفْظِ سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك عَن الصَّحَابِيّ أم لَا. وَالشَّاهِد بِمَا حصل بِالْمَعْنَى كَذَلِك أَي سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ أم لَا كَمَا قَالَه المُصَنّف (فِي تَقْرِيره) قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهُوَ ظَاهر.
وَقد يُطلق الْمُتَابَعَة على الشَّاهِد وَعَكسه وَالْأَمر سهل.
كَذَا ذكره الْمُؤلف، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم: وَيُسمى الْمُتَابَعَة شَاهدا وَلَا يُسمى الشَّاهِد مُتَابعَة. وَهُوَ مُخَالف لما ذكره الْمُؤلف.
[ ١ / ٤٤١ ]
وَيدخل فِي الْمُتَابَعَة وَالشَّاهِد رِوَايَة من لَا يحْتَج بِهِ وَلَا يدْخل فِي ذَلِك كل ضَعِيف.
وَاعْلَم أَن تتبع الطّرق الْمَتْن قَوْله وتتبع الطّرق وَقَوله اعْلَم شرح هَكَذَا صنع الْمُؤلف.
وَتعقبه البقاعي: بِأَن تتبع فِي الْمَتْن مَرْفُوع، وَفِي الشَّرْح مَنْصُوب، وَلَيْسَ من طَرِيق المزج فِي شَيْء، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول وتتبع الطّرق من الْمُحدث من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد وَالسّنَن والأجزاء والتواريخ وَغَيرهَا لذَلِك
[ ١ / ٤٤٢ ]
الحَدِيث الَّذِي يظنّ أَنه فَرد ليعلم هَل لَهُ متابع / أَو شَاهد أَو لَا، هُوَ الِاعْتِبَار أَي يُسمى بذلك، فَهُوَ أَن يَأْتِي إِلَى حَدِيث بعض الروَاة فيعتبره بروايات غَيره من الروَاة، بسبر طرق الحَدِيث ليعرف هَل شَاركهُ فِيهِ غَيره فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أَو لَا؟ فَإِن لم يكن فَينْظر هَل تَابع (أحد) شيخ شَيْخه فَرَوَاهُ عَمَّن رَوَاهُ عَنهُ؟ وَهَكَذَا إِلَى آخر الْإِسْنَاد وَذَلِكَ الْمُتَابَعَة، فَإِن لم يكن فَينْظر هَل أَتَى بِمَعْنَاهُ حَدِيث آخر وَهُوَ الشَّاهِد، فَإِن لم يكن فَالْحَدِيث فَرد فَلَيْسَ الِاعْتِبَار قسيما للمتابع وَالشَّاهِد بل للتوصل كَمَا أَشَارَ المُصَنّف إِلَى ذَلِك بقوله: وَقَول ابْن الصّلاح: معرفَة الِاعْتِبَار والمتابعات والشواهد قد يُوهم أَن الِاعْتِبَار قسيم لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَيْهِمَا.
كَذَا زَعمه المُصَنّف، ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا قَالَه ابْن الصّلاح
[ ١ / ٤٤٣ ]
صَحِيح لِأَن هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَى الشَّيْء غير الشَّيْء.
وَجَمِيع مَا تقدم من أَقسَام المقبول تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة.
قَالَ المُصَنّف (فِي تَقْرِيره): يَعْنِي إِذا تعَارض حديثان صَحِيح لذاته وصحيح لغيره، أَو حسن لذاته وَحسن لغيره، قدم الَّذِي لذاته على الَّذِي لغيره.
كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُم لم يراعوا فِي ترجيحاتهم هَذَا الِاعْتِبَار، وَيعرف هَذَا من صَنِيع الْبَيْهَقِيّ فِي " الخلافيات " وَالْغَزالِيّ فِي كِتَابه " تَحْسِين المأخذ " وَغير ذَلِك. انْتهى.
قَالَ ابْن حبَان: وَطَرِيق الِاعْتِبَار أَن يروي / حَمَّاد مثلا حَدِيثا لم يُتَابع عَلَيْهِ، عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن الْمُصْطَفى،
[ ١ / ٤٤٤ ]
فَينْظر هَل رَوَاهُ ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَإِن وجد علم أَن لَهُ أصلا يرجع إِلَيْهِ، وَإِلَّا فثقه غير ابْن سِيرِين رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَن الْمُصْطَفى فَأَي ذَلِك وجد علم أَن للْحَدِيث أصلا وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: فمثال مَا عدمت فِيهِ المتابعات من وَجه يثبت مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه إِلَى الْمُصْطَفى: " أحبب حَبِيبك هونا
[ ١ / ٤٤٥ ]
مَا " قَالَ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
أَي من وَجه يثبت، وَإِلَّا فقد رَوَاهُ الْحسن بن دِينَار عَن أبن سِيرِين، وَالْحسن مَتْرُوك الحَدِيث لَا يصلح للمتابعات.
ثمَّ المقبول يَنْقَسِم - أَيْضا - إِلَى مَعْمُول بِهِ، وَغير مَعْمُول بِهِ، لِأَنَّهُ إِن سلم من الْمُعَارضَة - أَي لم يَأْتِ خبر يضاده فَهُوَ الْمُحكم. بِفَتْح الْكَاف، من أحكمت الشَّيْء: أتقنته. كَذَا عبر المُصَنّف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الْمُعَارضَة مصدر، وَالْخَبَر الَّذِي يضاده اسْم فَاعل، وَلَا حَامِل على هَذَا الِاسْتِعْمَال مَعَ تيَسّر اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة. انْتهى.
وَاعْلَم أَن هَذَا زَاده الْمُؤلف فِي الْأَنْوَاع على الْمُتَأَخِّرين آخِذا من كَلَام الْحَاكِم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وأمثلته كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث: " إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم / الْقِيَامَة الَّذين يشبهون بِخلق الله "، وَحَدِيث: " لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول ". وَحَدِيث: " إِذا وضع الْعشَاء وأقيمت الصَّلَاة إِلَى آخِره ".
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَهَذَا النَّوْع قد صنف فِيهِ الدَّارمِيّ كتابا حافلًا وَإِن عورض بِخَبَر يضاده، بِأَن تنَافِي الدليلان - أَي ظَاهر - إِذْ لَو وَقع حَقِيقَة لم يكن دَفعه.
فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معارضه مَقْبُولًا مثله (أَو يكون مردودًا) مثله.
بِأَن يكون الحديثان ظنيان دلَالَة، مستويان فِي الْقُوَّة، بِأَن نافى كل مِنْهُمَا الآخر كليًا أَو جزئيًا، سَوَاء كَانَا بِاعْتِبَار السَّنَد قطعيين، أَو ظنيين، أَو مُخْتَلفين.
وَأما مَا نَقله الْكَمَال بن أبي شرِيف عَن تَقْرِير الْمُؤلف أَنه قَالَ: المُرَاد أصل الْقبُول لَا التَّسَاوِي فِيهِ، حَتَّى لَا يكون الْقوي نَاسِخا للأقوى، بل لَا يكون الْحسن نَاسِخا للصحيح المقبول، وَاعْتِبَار التَّرْجِيح يدل على هَذَا لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا متساويين لم يتأت التَّرْجِيح.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا مُخَالف لما تقدم من قَوْله تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل هَذَا أَمر وَقع فِي أثْنَاء التَّقْرِير فَلَا يبْحَث فِيهِ؟ .
قُلْنَا: فَقَوله لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معارضه مَقْبُولًا مثله أَو يكون مردودًا تَقْسِيم غير حاصر، لِأَنَّهُ جَائِز أَن يكون معارضه دونه فِي الْقبُول وَلَيْسَ بمردود. انْتهى.
وَهَذَا كُله فِي / الْقَوْلَيْنِ، أما الفعليان فَلَا يتعارضان كَمَا فِي " الْمُخْتَصر " و" الْمِنْهَاج "، والقولي والفعلي فِي تعارضهما خلاف وتفصيل فِي المطولات.
[ ١ / ٤٤٩ ]
فَالثَّانِي لَا أثر لَهُ لِأَن الْقوي لَا تُؤثر فِيهِ مُخَالفَة الضَّعِيف.
فَيجوز نسخ الْآحَاد المقبولة بالآحاد المقبولة وبالمتواتر، وَلَا يجوز نسخ الْمُتَوَاتر بالآحاد وَإِن كَانَت فِي أَعلَى دَرَجَات الْقبُول وَإِنَّمَا ينسخه مثله.
وَإِن كَانَت الْمُعَارضَة بِمثلِهِ وَكَانَا عَاميْنِ مستويين فِي الْعُمُوم بِأَن يصدق كل مهما على مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر، وَكَذَا إِن كَانَا خاصين فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن الْجمع بَين مدلوليهما بِغَيْر (تعسف أَو لَا، فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا) بِأَن تحمل كل مِنْهُمَا على حَال مُغَاير لما حمل عَلَيْهِ الآخر لَا مَانع شرعا من الْحمل عَلَيْهِ فَيجب الْجمع عِنْد الْإِمْكَان، وَإِن أمكن التَّرْجِيح بِأَن وجد مُرَجّح أَحدهمَا على الآخر فَعلم أَنه إِذا أمكن كل من الْجمع وَالتَّرْجِيح
[ ١ / ٤٥٠ ]
قدم الْجمع وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن فِيهِ عملا بهما مَعًا فَهُوَ النَّوْع الْمُسَمّى مُخْتَلف الحَدِيث. قَوْله فَهُوَ متن وَقَوله النَّوْع الْمُسَمّى شرح وَقَوله مُخْتَلف الحَدِيث متن فقد تغير إِعْرَاب مُخْتَلف الَّذِي هُوَ من الْمَتْن شرح مَا ذكر، لِأَنَّهُ كَانَ مَرْفُوعا فَصَارَ مَنْصُوبًا فَلَو قَالَ: فَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ مُخْتَلف الحَدِيث كَانَ أولى وَخرج بقوله بِغَيْر تعسف مَا لَو لم يكن إِلَّا بتعسف / فَإِنَّهُ ينْتَقل إِلَى مَا بعد ذَلِك من الْمَرَاتِب، لِأَن مَا كَانَ بتعسف فللخصم أَن يردهُ وينتقل إِلَى مَا بعْدهَا. كَذَا قَالَه الْمُؤلف، وَالظَّاهِر خِلَافه فقد أطلق فِي " جمع الْجَوَامِع " وَأقرهُ شَارِحه الْمُحَقق: إِن الْعَمَل بالمتعارضين وَلَو من وَجه أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا وَلم يشْتَرط ذَلِك.
[ ١ / ٤٥١ ]
وَمثل لَهُ جمع بِحَدِيث التِّرْمِذِيّ وَغَيره: " أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر " مَعَ حَدِيث أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا: " لَا تنتفعوا من
[ ١ / ٤٥٢ ]
الْميتَة بإهاب وَلَا عصب ". الشَّامِل للإهاب المدبوغ وَغَيره حملناه على غَيره جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ.
وَمثل لَهُ آخَرُونَ بِحَدِيث: " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث " وَحَدِيث:
[ ١ / ٤٥٣ ]
" خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ شَيْء إِلَّا مَا غلب على طعمه أَو لَونه أَو رِيحه ".
[ ١ / ٤٥٤ ]
فَإِن الأول ظَاهره طَهَارَة الْقلَّتَيْنِ تغير أم لَا، وَالثَّانِي ظَاهره طَهَارَة غير الْمُتَغَيّر هبه قُلَّتَيْنِ أم أقل، فَخص عُمُوم كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ.
وَمثل لَهُ آخَرُونَ - أَيْضا - بِخَبَر " شَرّ الشُّهُود من شهد قبل أَن يستشهد "
[ ١ / ٤٥٥ ]
وَخبر " خير الشُّهُود من شهد قبل أَن يستشهد " فَحمل الأول على غير شَهَادَة الحسية وَالثَّانِي عَلَيْهَا، أَو يحمل الأول على مَا لَو كَانَ من لَهُ الشَّهَادَة عَالما بهَا وَالثَّانِي على خِلَافه.
وَمثل لَهُ آخَرُونَ - أَيْضا - بِخَبَر الشَّيْخَيْنِ أَن الْمُصْطَفى
[ ١ / ٤٥٦ ]
تَوَضَّأ وَغسل رجلَيْهِ وَخبر الْبَيْهَقِيّ - وَغَيره - تَوَضَّأ ورش المَاء على قَدَمَيْهِ وهما فِي النَّعْلَيْنِ، وكل من الْغسْل والرش خَاص، فَجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ سمى الْغسْل رشا مجَازًا، أَو أَرَادَ بِالْوضُوءِ / فِي خبر الْغسْل الْوضُوء الشَّرْعِيّ وَفِي خبر الرش الْوضُوء اللّغَوِيّ، أَو أَن الْغسْل فِي الْوضُوء عَن
[ ١ / ٤٥٧ ]
حدث والرش فِي الْوضُوء المجدد فَيكون إِطْلَاق الْوضُوء عَلَيْهِ مجَازًا شَرْعِيًّا إِن كَانَ الرش على حَقِيقَته لعدم الِاكْتِفَاء بِهِ فِي المجدد كَغَيْرِهِ، فَإِن أُرِيد بِهِ الْغسْل الْخَفِيف الْمُنَاسب للتجديد فحقيقه، أَو المُرَاد الْمسْح على الْخُفَّيْنِ بِقَرِينَة ذكر النَّعْلَيْنِ.
مثل لَهُ ابْن الصّلاح بِحَدِيث " لَا عدوى وَلَا طيرة " مَعَ حَدِيث " فر من المجذوم فرارك من الْأسد " وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيح، وظاهرهما
[ ١ / ٤٥٨ ]
التَّعَارُض، وَوجه الْجمع بَينهمَا: أَن هَذِه الْأَمْرَاض لَا تعدِي بطبعها لَكِن الله ﷾ جعل مُخَالطَة الْمَرِيض بهَا للصحيح سَببا لإعدائه مَرضه، وَقد يتَخَلَّف ذَلِك عَن سَببه كَمَا فِي غَيره من الْأَسْبَاب.
وَقد لَا يتَخَلَّف، كَذَا جمع بَينهمَا ابْن الصّلاح تبعا لغيره. بل نَص عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤلف فِي غير هَذَا الْكتاب وَالْأولَى فِي الْجمع أَن يُقَال: أَن نَفْيه للعدوى بَاقٍ على عُمُومه، وَقد صَحَّ قَوْله: لَا يعدي شَيْء شَيْئا وَقَوله لمن عَارضه بِأَن الْبَعِير الأجرب يكون فِي الْإِبِل الصَّحِيحَة فيخالطها فتجرب حَيْثُ رد عَلَيْهِ بقوله فَمن أعدى الأول يَعْنِي أَن الله ﷾ ابْتَدَأَ ذَلِك فِي الثَّانِي كَمَا ابتدأه فِي الأول. وَأما الْأَمر بالفرار
[ ١ / ٤٥٩ ]
من / المجذوم فَمن بَاب سد الذرائع لِئَلَّا يتَّفق للشَّخْص الَّذِي يخالطه شَيْء من ذَلِك بِتَقْدِير الله تَعَالَى ابْتِدَاء لَا بالعدوى المنفية فيظن أَن ذَلِك بِسَبَب مخالطته فيعتقد صِحَة الْعَدْوى فَيَقَع فِي الْحَرج فَأمر بتجنبه حسمًا للمادة. وَالله تَعَالَى أعلم.
وَاعْترض: بِأَن القَوْل لسد الذرائع إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة.
وَأجِيب - أَيْضا - (عَن التَّعَارُض): بِأَن إِثْبَات الْعَدْوى فِي نَحْو الجذام مَخْصُوص من عُمُوم نفي الْعَدْوى، فَيكون معنى قَوْله لَا عدوى أَي إِلَّا من الجذام وَنَحْوه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يعدي شَيْء شَيْئا إِلَّا فِيمَا تقدم بَيَان أَنه يعدي.
وَمِمَّا أُجِيب بِهِ - أَيْضا: أَن الْأَمر بالفرار رِعَايَة لخاطر المجذوم لِأَنَّهُ إِذا رأى الصَّحِيح تعظم مصيبته، وتزيد حسرته، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث: " لَا تدم النّظر
[ ١ / ٤٦٠ ]
إِلَى المجذوم " فَإِنَّهُ مَحْمُول على هَذَا الْمَعْنى.
قَالَ البقاعي: وَإِنَّمَا اخْتَار الْمُؤلف الْجَواب الثَّانِي لِأَن الإِمَام الشَّافِعِي - ﵁ - نَص على الْعَدْوى، فَقَالَ فِي " الْأُم " فِي بَاب الْخِيَار بعد أَن ذكر أثرا عَن عمر - ﵁ - (فِي الْخِيَار) بالجنون والجذام والبرص: فَإِن قَالَ قَائِل: هَل من عِلّة جعلت لَهَا الْخِيَار غير الْأَثر؟ قيل: نعم، الجذام والبرص فِيمَا زعم أهل الْعلم بالطب والتجارب تعدِي الزَّوْج كثيرا، وَهُوَ
[ ١ / ٤٦١ ]
دَاء مَانع الْجِمَاع لَا تكَاد نفس أحد تطيب بِأَنَّهُ يُجَامع من هُوَ بِهِ، وَلَا نفس امْرَأَة أَن يُجَامِعهَا من هُوَ بِهِ.
فَأَما الْوَلَد فَبين - وَالله أعلم - أَنه إِذا وَلَده أَجْذم أَو أبرص، أَو جذمًا أَو برصًا / قَلما يسلم مِنْهُ، وَإِن سلم أدْرك نَسْله - نسْأَل الله ﵎ الْعَافِيَة - وَالنَّفْي بِلَا يعدي شَيْء شَيْئا وَارِد على مَا كَانُوا يعتقدونه من أَن المخالطة تعدِي بطبعها من غير فعل الله تَعَالَى، وَكَذَا قَوْله فَمن أعدى الأول وَنَحْو ذَلِك كُله إِثْبَات لفعل الله، وَنفى أَن يكون لغيره تَأْثِير مُسْتَقل هَذَا هُوَ المُرَاد، وَلم يرد نفي مَا أثبتته التجربة الَّتِي هِيَ إِحْدَى اليقينيات، هَذَا هُوَ الْأَلْيَق بمحاسن الشَّرِيعَة أَن لَا يحمل شَيْء مِنْهَا على مَا يصادم يَقِينا محسوسًا، فَإِن مثل ذَلِك لَو وَقع لم يعْدم أَن يكون سَببا لوُقُوع شكّ من النَّاس.
(وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك مَعَ إِمْكَان دفع الْمَحْذُور بأسهل مِنْهُ، كَمَا أَن الْمُصْطَفى
[ ١ / ٤٦٢ ]
﵇ لم ينف أَن يكون الدَّجَّال سَببا لظُهُور الخوارق بل أثبت ذَلِك، وَإِنَّمَا نفى أَن يكون هُوَ فاعلها بِالْحَقِيقَةِ، وَأثبت فعلهَا لله تَعَالَى، وَلَا حَاجَة فِي إِثْبَات اخْتِصَاص الله بِالْقُدْرَةِ إِلَى أَكثر من ذَلِك. انْتهى) .
قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح: وَهَذَا النَّوْع من أهم الْأَنْوَاع، ويضطر إِلَى مَعْرفَته جَمِيع طوائف الْعلمَاء، وَإِنَّمَا يتأهل لَهُ الْأَئِمَّة الجامعون بَين الحَدِيث وَالْفِقْه، والأصوليون، والغواصون على الْمعَانِي. اه الدقيقة والتحقيقات الغامضة (الوشيقة) .
وَقد صنف فِي هَذَا النَّوْع (أَي فِيمَا يخصص بمختلف الحَدِيث) الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -، وَهُوَ أول من تكلم فِيهِ واخترعه كِتَابه اخْتِلَاف الحَدِيث لكنه لم يقْصد استيعابه بل ذكر جملا مِنْهُ
[ ١ / ٤٦٣ ]
فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَفِي " الْأُم " وصنف بعده ابْن قُتَيْبَة والطَّحَاوِي (بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف، نِسْبَة إِلَى طحا قَرْيَة بصعيد مصر كَذَا ذكره، وَلَيْسَ هُوَ مِنْهَا بل هُوَ من طحطوط قَرْيَة بقربها وكومعن أَن يُقَال طحطوطي صنف) كِتَابه " مُشكل الْآثَار "، وَجمع فأوعى فِيهِ، وَشَرحه الْعَيْنِيّ فَأفَاد وأجاد وَغَيرهمَا كَابْن خُزَيْمَة وَابْن جرير وَهُوَ من أحسن النَّاس كلَاما فِيهِ حَيْثُ قَالَ: لَا أعرف حديثين متعارضين أصلا.
معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ
وَإِن لم / يُمكن الْجمع بَينهمَا، كَذَا عبر الْمُؤلف، وَعبارَة جمع الْجَوَامِع: فَإِن تعذر الْعَمَل بالمتعارضين أصلا. وَقَوله أصلا: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رد مَا تقدم عَن المُصَنّف أَن الْجمع بتعسف لَا أثر لَهُ.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يعرف التَّارِيخ أَو لَا، فَإِن عرف التَّارِيخ وَلم ينس، وَكَانَ الحكم قَابلا للنسخ - أما مَا لَا يقبله كصفات الْبَارِي - فَإِن كَانَ أَحدهمَا قَطْعِيا وَالْآخر ظنيًا قدم الْقطعِي، أَو ظنيين طلب التَّرْجِيح، فَإِن تعذر لم يبعد التَّخْيِير.
وَثَبت الْمُتَأَخر بِهِ أَو بأصرح مِنْهُ كَذَا وَقع للْمُصَنف، وَاعْتَرضهُ البقاعي - وَغَيره -: بِأَن عِبَارَته تفهمك أَن الْمُتَأَخر لَا يثبت بِمثلِهِ وَلَا بمقبول دونه وَلَيْسَ كَذَلِك، فَلَو قَالَ: بِهِ أَو بمقبول غَيره لسلم من ذَلِك.
فَهُوَ النَّاسِخ وَالْآخر الْمَنْسُوخ وَإِن نقل الْمُتَقَدّم بالتواتر والمتأخر بالآحاد على الْأَصَح، فَيجب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَوَامه بِأَن لَا لَا يُعَارض مظنون، ولبعضهم احْتِمَال بِالْمَنْعِ لِأَن الْجَوَاز يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْمُتَوَاتر بالآحاد فِي بعض الصُّور.
وَقد ألف فِي النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة جمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث: كالزهري، والحافظ أبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، والحافظ أبي بكر بن
[ ١ / ٤٦٥ ]
مُحَمَّد الْحَازِمِي، ثمَّ جَاءَ بعدهمْ الْبُرْهَان الجعبري فألف فِي ذَلِك تأليفًا حافلًا لم يسْبق إِلَيْهِ.
تَعْرِيف النّسخ لُغَة وَشرعا:
والنسخ لُغَة: الْإِزَالَة، أَي الإعدام لذات الشَّيْء أَو صفته، وَإِن كَانَ مزيل الثَّانِي صفة - أَيْضا - كَقَوْلِهِم /: نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته ورفعته بِوَاسِطَة انبساط ضوئها على مَحل الظل.
وَشرعا: رفع تعلق حكم أَي تعلقه بالمكلفين شَرْعِي بِدَلِيل شَرْعِي مَنْطُوق أَي مَفْهُوم قولي أَو فعلي مُتَأَخّر عَنهُ. وَنظر الْبَيْضَاوِيّ فِي هَذَا التَّعْرِيف بِأَن الْحَادِث ضد السَّابِق، وَلَيْسَ رفع الْحَادِث للسابق بِأولى من رفع
[ ١ / ٤٦٦ ]
السَّابِق للحادث، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الَّتِي رد القَاضِي بهَا هَذَا التَّعْرِيف، وَإِنَّمَا كَانَ النّسخ رفع تعلق الحكم لَا نَفسه، لِأَن الحكم قديم فَلَا يرفع، وَالْمَرْفُوع تعلقه التنجيزي وَهُوَ حَادث لَا قديم.
والناسخ يَعْنِي الَّذِي يُسمى هُنَا نَاسِخا مَا دلّ على الرّفْع للْحكم الْمَذْكُور وتسميته نَاسِخا مجَاز لِأَن النَّاسِخ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى.
وَالْمرَاد بِرَفْع الحكم قطع تعلقه عَن الْمُكَلّفين، وَاحْترز بِهِ عَن بَيَان الْمحل، وبإضافته إِلَى الشَّارِع عَن أَخْبَار بعض من شَاهد النّسخ من الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لَا يكون نسخا، وَإِن لم يحصل التَّكْلِيف بِهِ لمن لم يبلغهُ قبل ذَلِك إِلَّا بإخباره. وبالحكم عَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا، وبالمتقدم عَن التَّخْصِيص الْمُتَّصِل بالتكليف كالاستثناء وَالشّرط وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لَا يكون
[ ١ / ٤٦٧ ]
بدلالته على رفع الحكم فِي بعض الْأَحْوَال نَاسِخا، وَعلم بِهَذَا أَن الْمُتَّصِل لَا يكون نَاسِخا.
الطّرق الَّتِي يعرف بهَا النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ:
وَيعرف النّسخ بِأُمُور: أصرحهَا مَا ورد فِي النَّص كَحَدِيث بُرَيْدَة فِي مُسلم: " كنت / نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث فَكُلُوا مَا بدا لكم وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن الظروف الحَدِيث.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وَمِنْهَا: مَا يجْزم الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُ مُتَأَخّر كَقَوْل جَابر آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ترك الْوضُوء من مَا مسته النَّار أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وكحديث أبي بن كَعْب: كَانَ الْمسْح رخصَة فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ أَمر بِالْغسْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. وَقَول عَليّ: قَامَ رَسُول الله للجنازة ثمَّ قعد. رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ ابْن حبَان بِلَفْظ: كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ثمَّ جلس، وأمرنا بِالْجُلُوسِ.
وَاخْتلف فِي قَول الصَّحَابِيّ: هَذَا نَاسخ لذاك فَقَالَ الأصوليون: لَا يثبت بِهِ النّسخ لجَوَاز أَن يكون قَوْله ذَلِك عَن رَأْي واجتهاد. وَقَالَ المحدثون: يثبت، لِأَن النّسخ لَا مدْخل للرأي فِيهِ بل لمعْرِفَة السَّابِق مِنْهُمَا، وَالظَّاهِر من حَال
[ ١ / ٤٧٠ ]
الصَّحَابِيّ أَنه لَا يَقُول ذَلِك إِلَّا بعد الْمعرفَة بِهِ.
وَمِنْهَا: مَا يعرف بالتاريخ وَهُوَ كثير كَصَلَاة الْمُصْطَفى فِي مرض مَوته قَاعِدا وَالنَّاس حوله قيام، وَقد قَالَ قبل ذَلِك: " وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ ".
وكحديث شَدَّاد بن أَوْس مَرْفُوعا: " أفرط الحاجم والمحجوم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره، ذكر الإِمَام / الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه مَنْسُوخ بِحَدِيث
[ ١ / ٤٧١ ]
مُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمُصْطَفى احْتجم وَهُوَ محرم صَائِم، فَإِن ابْن عَبَّاس صَحبه محرما فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر، وَفِي بعض حَدِيث شَدَّاد أَن ذَلِك كَانَ سنة ثَمَان.
وَلَيْسَ مِنْهَا: مَا يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمُتَأَخر الْإِسْلَام مُعَارضا لمتقدم عَنهُ، لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ آخر أقدم من الْمُتَقَدّم الْمَذْكُور أَو مثله فَأرْسلهُ.
كَذَا ذكره الْمُؤلف، قَالَ: وَإِنَّمَا قلته لِأَن الْمُصْطَفى قَالَ لَيْلَة الْعقبَة أَن المصائب للذنوب كَفَّارَة لأَهْلهَا فَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا
[ ١ / ٤٧٢ ]
فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ. وروى أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن لَيْلَة الْعقبَة بِنَحْوِ سبع سِنِين أَن الْمُصْطَفى قَالَ: " لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا أَو لَا ". وَهَذَا خبر لَا يجوز النّسخ فِيهِ.
[ ١ / ٤٧٣ ]
لَكِن إِن وَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ لَهُ من النَّبِي فَيتَّجه أَن يكون نَاسِخا، بِشَرْط أَن يكون لم يتَحَمَّل عَن النَّبِي شَيْئا قبل إِسْلَامه.
كَذَا بَحثه المُصَنّف، قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَيشْتَرط - أَيْضا - أَن يكون مُتَقَدم الْإِسْلَام سمع الحَدِيث الْمعَارض قبل سَماع مُتَأَخّر الْإِسْلَام، بِأَن يعلم ذَلِك بِنَقْل أَو قرينَة.
قَالَ البقاعي: وَلَا بُد من الِاحْتِرَاز عَن هَذَا، لِأَن الْمُتَقَدّم الصُّحْبَة يحْتَمل أَن يسمع حَدِيثا بعد مَا سَمعه فِيهَا الْمُتَأَخر.
[ ١ / ٤٧٤ ]
وَأما / الْإِجْمَاع فَلَيْسَ بناسخ كالإجماع على ترك حَدِيث قتل شَارِب الْخمر فِي الرَّابِعَة.
بل يدل على ذَلِك أَي يدل على النَّاسِخ، وَالْإِجْمَاع لَا ينْسَخ وَلَا ينْسَخ، إِلَّا أَنه قد ثَبت كَونه نَاسِخا كنسخ نِكَاح الْمُتْعَة فَإِنَّهُ ثَبت بِإِجْمَاع الصَّحَابَة، إِذْ لَا إِجْمَاع فِي حَيَاة الْمُصْطَفى لِأَنَّهُ
[ ١ / ٤٧٥ ]
مُنْفَرد بِبَيَان الشَّرَائِع وَلَا ينْسَخ بعده.
وَإِن لم يعرف التَّارِيخ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح الْمُتَعَلّقَة بِالْمَتْنِ أَو بِالْإِسْنَادِ، أَولا، فَإِن أمكن التَّرْجِيح تعين الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قد يُقَال هَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن ركن الْمُعَارضَة تَسَاوِي الحجتين فِي الثُّبُوت، فَإِذا كَانَ أحد السندين أرجح لم يتَحَقَّق الْمُعَارضَة.
فَصَارَ مَا ظَاهره التَّعَارُض وَاقعا على هَذَا التَّرْتِيب: الْجمع إِن أمكن، فاعتبار النَّاسِخ والمنسوخ، فالترجيح. وَهُوَ تَقْوِيَة أحد الطَّرفَيْنِ إِن تعين عبارَة غَيره: إِن أمكن.
قَالَ ابْن قطلوبغا: وَقَوله فَصَارَ إِلَى آخِره
[ ١ / ٤٧٦ ]
مُقْتَضى النّظر طلب التَّارِيخ أَولا لتنتفي الْمُعَارضَة إِن وجدت وَإِلَّا فَيتَحَقَّق للْجَهْل بالتاريخ. اه وَمن أَمْثِلَة التَّرْجِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْمُصْطَفى نكح مَيْمُونَة وَهُوَ محرم.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي رَافع أَنه نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَال قَالَ: وَكنت الرَّسُول بَينهمَا / فرجح بِكَوْن رَاوِيه صَاحب الْوَاقِعَة فَهُوَ أدرى بذلك.
[ ١ / ٤٧٧ ]
والمرجحات كَثِيرَة، بلغَهَا الْحَازِمِي فِي كتاب " الاعتناء فِي النَّاسِخ والمنسوخ " نَحْو الْخمسين، وأوصلها غَيره إِلَى أَكثر من مائَة واستوفاها الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي نكته فَمِنْهَا:
١ - علو الْإِسْنَاد.
٢ - وَفقه الرَّاوِي.
٣ - ولقيه وَنَحْوه.
٤ - وَكَونه مزكى بالاختبار لَا بالأخبار.
٥ - (وورعه.
٦ - وَضَبطه وَحفظه ويقظته.
٧ - وَعدم بدعته.
٨ - وشهرة عَدَالَته) .
[ ١ / ٤٧٨ ]
٩ - أَو أَكثر مزكين.
١٠ - ومعروف النّسَب.
١١ - وَحفظ الْمَرْوِيّ.
١٢ - والتعويل على الْحِفْظ دون الْكِتَابَة.
١٣ - وَظُهُور طَرِيق رِوَايَته.
١٤ - وسماعه من غير حجاب.
١٥ - وَكَونه من أكَابِر الصَّحَابَة.
١٦ - وذكرا خلافًا للإسناد.
١٧ - ومتأخر الْإِسْلَام.
١٨ - وَقيل متقدمه.
١٩ - وَكَونه متحملًا بعد التَّكْلِيف.
٢٠ - وَغير مُدَلّس.
٢١ - وَغير ذِي اسْمَيْنِ.
٢٢ - ومباشر الرِّوَايَة.
٢٣ - وَصَاحب الْوَاقِعَة.
٢٤ - وراويا بِاللَّفْظِ.
٢٥ - وَكَون الْخَبَر لم يُنكره رَاوِي الأَصْل.
٢٦ - وَغير ذَلِك.
[ ١ / ٤٧٩ ]
ثمَّ التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا وجوبا إِلَى تبين التَّارِيخ ليعلم بالمتأخر مِنْهُمَا، (لِاسْتِوَائِهِمَا فِي احْتِمَال تَقْدِيم كل مِنْهُمَا على الآخر)، فَإِن لم يعلم أَو علم وَنسي حمل على الْمُقَارنَة فيستمر الْوَقْف مَعَ أَنه فِي الْوَاقِع أَحدهمَا مَنْسُوخ، لَكِن اشْتِبَاه الْحَال يَقْتَضِي الْوَقْف لِئَلَّا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَذَلِكَ كَحَدِيث أبي دَاوُد قَالُوا يَا رَسُول الله: مَا يحل من الْحَائِض؟ فَقَالَ: مَا فَوق الْإِزَار.
وَحَدِيث مُسلم " اصنعوا كل شَيْء إِلَّا النِّكَاح " يَعْنِي الوطىء، بِقَرِينَة
[ ١ / ٤٨٠ ]
اصنعوا وَمن جملَته الوطىء فِيمَا فَوق / الحايل فيتعارضا فِيهِ، فرجح بَعضهم التَّحْرِيم احْتِيَاطًا، وَالْبَعْض الْحل لِأَنَّهُ الأَصْل. وَالتَّعْبِير بالتوقف أولى بالتساقط (الَّذِي عبر السُّبْكِيّ) وَغَيره لِأَن خَفَاء تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر إِنَّمَا هُوَ بِالنّسَبِ للمعتبر. فِي الْحَالة الراهنة مَعَ احْتِمَال أَن يظْهر لغيره أَو لَهُ فِي حَالَة أُخْرَى مَا خَفِي عَلَيْهِ وَهَذَا ظَاهر وَإِن نوزع بِمَا لَا يجدي.
[ ١ / ٤٨١ ]
معرفَة الضَّعِيف
وَلما فرغ من ذكر أحد قسمي الْإِسْنَاد وَهُوَ المقبول شرع فِي بَيَان قسمه الآخر وَهُوَ الْمَرْدُود فَقَالَ:
ثمَّ الْمَرْدُود، وَمُوجب الرَّد لَو حذف مُوجب وَقَالَ وَالرَّدّ لَكَانَ أحسن، لأجل قَوْله السقط. ذكره بعض الْمُتَأَخِّرين.
إِمَّا أَن يكون لسقط من إِسْنَاد الْمَتْن هُوَ قَوْله ثمَّ الْمَرْدُود وَإِمَّا أَن يكون إِلَى آخِره، وَقَوله مُوجب الرَّد شرح كَذَا فعل الْمُؤلف، قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالشَّرْح غير معنى الأَصْل.
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: اللايق بالدمج أَن يُقَال: ثمَّ الْمَرْدُود إِمَّا أَن يكون رده لسقط من إِسْنَاد - أَي حذف لبَعض رجال الْإِسْنَاد.
[ ١ / ٤٨٢ ]
أَو طعن فِي راو على اخْتِلَاف وُجُوه الطعْن وَذَلِكَ أَعم أَن يكون الْأَمر يرجع إِلَى ديانَة الرَّاوِي وَإِلَى ضَبطه وإتقانه.
وَكَانَ الأولى للمؤلف أَن يذكر مَرَاتِب الْمَرْدُود كَمَا فعل فِي المقبول.
وَقد ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ: أَعلَى مَرَاتِب الضَّعِيف من لم يجمع على ضعفه، بِأَن حكم بَعضهم على متن / أَو إِسْنَاد بِأَنَّهُ ضَعِيف، وَحكم بَعضهم بتقويته، بل هَذَا قد ألحقهُ بَعضهم بقسم المقبول.
وَالْحَاصِل أَن الضَّعِيف يتَفَاوَت رُتْبَة بِحَسب بعده من شُرُوط الصِّحَّة كَمَا يتَفَاوَت دَرَجَات الصَّحِيح بتمكنه فِيهَا، وَقد قسمهَا ابْن حبَان
[ ١ / ٤٨٣ ]
إِلَى نَحْو خمسين قسما شملها الضَّابِط الْمَذْكُور.
فالسقط إِمَّا أَن يكون من مبادئ السَّنَد أَي من طرفه الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيّ. قَالَ بعض مَشَايِخنَا: فِيهِ نظر، إِن يصدق بِمَا إِذا سقط مِنْهُ الرَّاوِي الثَّانِي إِذْ هُوَ من المبادئ فَلَو غير بدله بِأول كَانَ أولى.
من تصرف مُصَنف فِي الْإِسْنَاد، قَالَ بعض مَشَايِخنَا: التَّقْيِيد بِهِ إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى الْغَالِب لَا لإِخْرَاج المذاكرة.
[ ١ / ٤٨٤ ]
أَو من آخِره - أَي الْإِسْنَاد - وَبعد التَّابِعِيّ أَو غير ذَلِك من وُجُوه السقط المبينة فِي المطولات بأمثلتها.
فَالْأول هُوَ الْمُعَلق أَي يُسمى بذلك، مَأْخُوذ من تَعْلِيق الْجِدَار لقطع الِاتِّصَال سَوَاء فِي تَسْمِيَته بذلك كَانَ السَّاقِط وَاحِدًا أَو أَكثر من وَاحِد، وَلم يستعملوه فِيمَا سقط وسط إِسْنَاده.
وَبَينه وَبَين المعضل الْآتِي ذكره عُمُوم وخصوص من وَجه، فَمن حَيْثُ تَعْرِيفه المعضل بِأَنَّهُ الَّذِي سقط مِنْهُ اثْنَان فَصَاعِدا يجْتَمع مَعَ بعض صور الْمُعَلق، وَمن حَيْثُ تَقْيِيد الْمُعَلق بِأَنَّهُ من تصرف مُصَنف من مبادئ السَّنَد يفْتَرق مِنْهُ، إِذْ هُوَ أَعم من ذَلِك. /
أَي فيوجد فِي أثْنَاء السَّنَد، وَآخره، ووسطه، لَكِن قَول الْمَتْن أَو غير ذَلِك اعْتَرَضَهُ بعض تلامذة المُصَنّف: بِأَنَّهُ لَا يصدق على السقط من الْوسط، لِأَن
[ ١ / ٤٨٥ ]
ذَلِك إِشَارَة إِلَى الأول وَالْآخر وَغَيرهمَا هُوَ الْوسط.
وَاعْتَرضهُ - أَيْضا - البقاعي: بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُجَامع الْمُعَلق بل هُوَ معضل فَقَط، وينفرد الْمُعَلق بِأَنَّهُ يكون تَارَة بِسُقُوط وَاحِد من مبادئ السَّنَد فَلَا يجامعه المعضل لشرط أَن يكون بِاثْنَيْنِ فصاعًا. انْتهى.
وَابْن قطلوبغا فَقَالَ: لَا يَقع الِافْتِرَاق بِهَذَا، وَإِنَّمَا يَقع من حَيْثُ صدق الْمُعَلق بِحَذْف وَاحِد كَمَا فِي الصُّورَة الَّتِي اخْتلف فِيهَا وَنَحْوهَا. انْتهى.
وَتعقبه غَيرهمَا: بِأَن هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام غير الْمُؤلف من أهل الِاصْطِلَاح: من أَن المعضل مَا سقط مِنْهُ اثْنَان فَأكْثر على التوالي من أَي مَوضِع كَانَ. قَالَ الْعِرَاقِيّ: سَوَاء سقط الصَّحَابِيّ والتابعي، أَو التَّابِعِيّ وَتَابعه، أَو اثْنَان قبلهمَا. وَأما على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام النخبة هُنَا فَلَيْسَ بَينهمَا إِلَّا التباين فَإِن كلا من الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة خص فِيهَا بخصوصية
[ ١ / ٤٨٦ ]
مَتى وجدت فِي غَيره زَالَ الِاخْتِصَاص. فَخص الْمُعَلق بِأول السَّنَد وَمن تصرف مُصَنف، والمرسل بِآخِرهِ، والمعضل بِغَيْر ذَلِك، وَلَيْسَ غَيره إِلَّا الاثناء فَمَتَى جَامع المعضل الْمُعَلق / انْفَكَّ اخْتِصَاصه بالاثناء، وَقد خص بِهِ هَذَا خلف.
ثمَّ إِن هَذَا على ظَاهر الْعبارَة وَهُوَ أَن يعْطف على مبادئ فَيكون التَّقْدِير: إِمَّا أَن يكون سقط من أول السَّنَد أَو آخِره أَو من غير ذَلِك، وَيُمكن أَن يعْطف على أَن يكون فَيكون التَّقْدِير السقط إِمَّا أَن يكون خَاصّا بِالْأولِ أَو الآخر أَو يغاير ذَلِك بِأَن لَا يكون خَاصّا بِوَاحِد مِنْهُمَا وَحِينَئِذٍ (فيتمشى) الْعُمُوم وَالْخُصُوص بَين الْمُعَلق والمعضل، وَالْمُعَلّق والمنقطع.
قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَاخْتلف فِي صُورَة الْمُنْقَطع فَالْمَشْهُور أَنه مَا سقط من رُوَاته راو وَاحِد.
[ ١ / ٤٨٧ ]
فَلَو قَالَ المُصَنّف: فالسقط إِنَّمَا أَن يخْتَص بِأول السَّنَد وَتصرف مُصَنف، أَو آخِره بعد التَّابِعِيّ أَولا. لم يرد عَلَيْهِ شئ من ذَلِك. انْتهى.
وَمن صور الْمُعَلق قَالَ ابْن الصّلاح أَن يحذف كل رجال السَّنَد، وَيُقَال - مثلا: قَالَ رَسُول الله، وَمِنْهَا أَن يحذف إِلَّا الصَّحَابِيّ، أَو إِلَّا التَّابِعِيّ والصحابي (مَعًا) .
قَالَ الْمُؤلف: أَكثر مَا فِي البُخَارِيّ من الْمُعَلق مَوْصُول فِي مَوضِع آخر مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَن يحذف من حَدثهُ ويضيف إِلَى من فَوْقه فَإِن كَانَ من فَوْقه شَيخا لذَلِك المُصَنّف فقد اخْتلف فِي هَذَا أَي فِي
[ ١ / ٤٨٨ ]
مَحل الْخلاف هَل يُسمى تَعْلِيقا؟ أَو لَا؟ وَالصَّحِيح فِي هَذَا التَّفْصِيل فَإِن عرف بِالنَّصِّ. أَي نَص إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث / ذكره الشَّيْخ قَاسم.
أَو الاستقراء التَّام من أحد من أهل الْفَنّ أَن فَاعل ذَلِك مُدَلّس قضي بِهِ. أَي بالتدليس، وَهَذَا تَقْيِيد لما أطلقهُ فِي الْمَتْن وَإِلَّا أَي بِأَن لم يعرف ذَلِك فتعليق أَي فَيحكم بِأَنَّهُ تَعْلِيق أَي يعْطى لَهُ حكم الْمُعَلق.
وَإِنَّمَا ذكر التَّعْلِيق فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف فَيحْتَمل كَونه مجروحًا فَلَا يحكم بقبوله، قَالَ بَعضهم: وَلَا خُصُوصِيَّة لَهُ بذلك، بل الْمُنْقَطع والمعضل كَذَلِك.
وَقد يحكم بِصِحَّتِهِ إِن عرف، بِأَن يَجِيء السَّاقِط مُسَمّى من وَجه (آخر) فِي (طَرِيق) أُخْرَى.
فَإِن قَالَ (المُصَنّف والراوي) جَمِيع من أحذفه ثِقَات جَاءَت مَسْأَلَة التَّعْدِيل على الْإِبْهَام. أَي جَاءَ هُنَا مَا حُكيَ فِيهَا من
[ ١ / ٤٨٩ ]
الْخلاف وَالْجُمْهُور أَنه لَا يقبل حَتَّى يُسمى لاحْتِمَال أَن يكون ثِقَة عِنْده غير ثِقَة عِنْد غَيره، فَإِذا ذكره يعلم حَاله. ذكره الْمُؤلف. ورده ابْن قطلوبغا: بِأَنَّهُ تَقْدِيم للجرح المتوهم على التَّعْدِيل الصَّرِيح.
لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح (هُنَا) فِي مُخْتَصره وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَغَيره إِن وَقع الْحَذف فِي كتاب التزمت صِحَّته أَي الْتزم مُؤَلفه أَن يُورد فِيهِ إِلَّا الصَّحِيح كالبخاري فِي صَحِيحه، فَخرج بذلك غَيره من كتبه كالأدب الْمُفْرد وتواريخه الثَّلَاثَة فَمَا أَتَى فِيهِ من المعلقات بِالْجَزْمِ أَي بِصِيغَة جزم كقال فلَان، وروى فلَان دلّ على أَنه ثَبت إِسْنَاده عِنْده بطرِيق صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يستجيز / أَن يجْزم بذلك إِلَّا وَقد صَحَّ عِنْده. وَإِنَّمَا حذف لغَرَض من الْأَغْرَاض كَأَن يكون الرَّاوِي لَيْسَ على شَرطه وَإِن كَانَ مَقْبُولًا وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْر جزم بل بِصِيغَة تمريض كيروى وَيذكر وَذكر وَنَحْو ذَلِك فَفِيهِ مقَال،
[ ١ / ٤٩٠ ]
وَقد أوضحت أمثلته فِي النكت على مُخْتَصر ابْن الصّلاح.
وَحَاصِله (كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيّ): إِن أَكثر مَا فِي البُخَارِيّ من الْمُعَلق مَوْصُول فِي مَوضِع آخر مِنْهُ، وَإِنَّمَا أوردهُ مُعَلّقا اختصارًا، ومجانبة للتكرار. وَالَّذِي لم يوصله فِي مَحل آخر مائَة وَسِتُّونَ حَدِيثا (قَالَ: وَقد أوصلتها) فِي " كتاب التَّوْفِيق ".
قَالَ ابْن كثير: لَكِن هَذَا وَإِن حكم بِصِحَّتِهِ لَيْسَ هُوَ من نمط الصَّحِيح الْمسند فِيهِ، فَلَا يُقَال أَنه على شَرطه بل أَنه يلْتَحق بِشَرْطِهِ. انْتهى.
(لَكِن أورد على مَا ذكره المُصَنّف: أَن البُخَارِيّ قَالَ فِي كتاب التَّوْحِيد فِي بَاب وَكَانَ عَرْشه على المَاء: وَقَالَ الْمَاجشون عَن عبد الله بن الْفضل عَن
[ ١ / ٤٩١ ]
أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. ثمَّ ذكر هُوَ بِنَفسِهِ حَدِيث الْمَاجشون فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة لَا ذكر فِيهِ لأبي سَلمَة، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ حَتَّى قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي - ذكر كَلَام البُخَارِيّ - إِنَّمَا يعرف ذَلِك عَن الْمَاجشون عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج) .
هَذَا شيخ ذكره بِصِيغَة الْجَزْم وَهُوَ خطأ. وَقَالَ فِي كتاب الصَّلَاة:
[ ١ / ٤٩٢ ]
وَيذكر عَن أبي مُوسَى قَالَ: كُنَّا نتناوب النَّبِي لصَلَاة الْعشَاء.
ثمَّ قَالَ فِي بَاب فضل الصَّلَاة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بريد عَن أبي مُوسَى. وَقَالَ فِي كتاب الْأَشْخَاص: وَيذكر عَن
[ ١ / ٤٩٣ ]
جَابر أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام رد على الْمُتَصَدّق صدقته. ثمَّ روى هُوَ بِسَنَدِهِ عَن جَابر: دبر رجل عبدا لَيْسَ لَهُ مَال، فَبَاعَهُ النَّبِي من نعيم بن النحام الحَدِيث.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وَقَالَ فِي كتاب الطِّبّ وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي فِي الرقي / بِفَاتِحَة الْكتاب، وأسنده مرّة هُوَ بِنَفسِهِ. وَيُقَال على التَّعْلِيل: أَنه يلْزم مِنْهُ صِحَة الحَدِيث الْمُرْسل عِنْد من أرْسلهُ، فَإِن ابْن الْمسيب لَا يستجيز أَن يجْزم بِأَن النَّبِي قَالَ كَذَا إِلَّا وَقد صَحَّ عَنهُ، وَإِن تَصْحِيح سعيد مثلا أولى من تَصْحِيح البُخَارِيّ بِأَنَّهُ عَارِف حَال من روى عَنهُ بطرِيق الْخَبَر، وَالْبُخَارِيّ بطرِيق الْخَبَر، وَمَا كَانَ عَن اجْتِهَاده فاجتهاد ابْن الْمسيب أولى بالاتباع من اجْتِهَاد البُخَارِيّ، وَظن أَن البُخَارِيّ ينقر عَن أَحْوَال الرِّجَال دون من تقدم حَيْثُ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَن كل ضرب ظن فَاسد، مُخَالف لصريح النَّقْل عَنهُ، روى الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " عَن الإِمَام الشَّافِعِي قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد قَالَ: سَأَلت ابْنا لعبد الله بن عمر عَن مَسْأَلَة فَلم يقل فِيهَا شَيْئا فَقيل لَهُ: إِنَّا نعظم أَن
[ ١ / ٤٩٥ ]
يكون مثلك يسْأَل عَن أَمر لَيْسَ عِنْده فِيهِ علم. فَقَالَ: أعظم وَالله من ذَلِك عِنْد الله، وَعند من عرف الله، وَعند من عقل عَن الله أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِهِ علم، أَو أخبر عَن غير ثِقَة.
وَعَن طاؤوس: إِن كَانَ الَّذِي حَدثَك مَلِيًّا وَإِلَّا فَدَعْهُ - يَعْنِي حَافِظًا ثِقَة -.
وَعَن عَطاء أَنه كَانَ يسْأَل عَن الشَّيْء فيرويه عَمَّن كَانَ قبله، وَيَقُول سمعته وَمَا سمعته من ثَبت.
وَقَالَ الشَّافِعِي: كَانَ ابْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَغير وَاحِد من التَّابِعين يذهب هَذَا الْمَذْهَب فِي أَن لَا يقبل / إِلَّا مِمَّن عرف.
قَالَ: وَمَا لقِيت وَمَا علمت أحدا من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يُخَالف هَذَا الْمَذْهَب.
وروى ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا
[ ١ / ٤٩٦ ]
حَمَّاد قَالَ: قَالَ ابْن زيد رُبمَا حدث الْحسن الحَدِيث، فَأَقُول: يَا أَبَا سعيد مِمَّن سَمِعت هَذَا؟ فَيَقُول: أَخَذته عَن ثِقَة .
فَتبين أَن الْمُرْسل إِنَّمَا يُرْسل مَا ثَبت عِنْده، كَمَا أَن البُخَارِيّ إِنَّمَا يجْزم فِي تَعْلِيقه بِمَا ثَبت عِنْده، وَأَن تَقْلِيد التَّابِعين العارفين بأحوال من أخذُوا عَنهُ بالْخبر أولى.
[ ١ / ٤٩٧ ]
الحَدِيث الْمُرْسل
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا سقط من آخِره من بعد التَّابِعِيّ أَي الحَدِيث الَّذِي حذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ وَرَفعه تَابِعِيّ الصَّحَابِيّ إِلَى الْمُصْطَفى أَي نِسْبَة إِلَيْهِ.
هُوَ الْمُرْسل: أَي النَّوْع الْمُسَمّى بالمرسل، سمي بِهِ لِأَنَّهُ التَّابِعِيّ أرْسلهُ وَلم يُقَيِّدهُ بِتَسْمِيَة من أرْسلهُ عَنهُ.
وَصورته: أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَوَاء كَانَ كَبِيرا وَهُوَ من لَقِي جمعا من الصَّحَابَة كعبيد الله بن الْخِيَار - بِكَسْر الْمُعْجَمَة مخففًا - أَو صَغِيرا وَهُوَ من لَقِي وَاحِدًا مِنْهُم، أَو اثْنَيْنِ كيحيى بن سعيد.
(كَذَا قيل، قَالَ بعض مَشَايِخنَا: ضَابِط التَّابِعِيّ الْكَبِير أَنه من أَكثر رواياته عَن الصَّحَابَة، وَالصَّغِير من أَكثر رواياته عَن التَّابِعين. وَأما ضبط الصَّغِير بِأَنَّهُ لم يلق إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَنَحْوهمَا من الصَّحَابَة فَلَا يلايم تَعْلِيلهم) .
[ ١ / ٤٩٨ ]
قَالَ رَسُول الله أَو فعل كَذَا أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا أَو نَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا ذكر فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون صحابيًا، وَأَن يكون تابعيًا، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون ضَعِيفا (وَيحْتَمل) أَن يكون ثِقَة. وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون حمل عَن صَحَابِيّ وَأَن يكون حمل عَن تَابِعِيّ آخر، وعَلى الثَّانِي / فَيَعُود الِاحْتِمَال السَّابِق، ويتعدد إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَإلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ.
اعْتَرَضَهُ ابْن قطلوبغا: بِأَنَّهُ محَال عِنْد الْعقل أَن يجوز أَن يكون بَين التَّابِعِيّ وَالنَّبِيّ من لَا يتناهى، كَيفَ وَقد وَقع التناهي فِي الْوُجُود الْخَارِجِي بِذكر النَّبِي.
والكمال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَو قَالَ: فَإلَى مَا لَا ضَابِط لَهُ، أَو
[ ١ / ٤٩٩ ]
قَالَ: إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَلَا ضَابِط لَهُ - لَكَانَ متجها - وَإِلَّا فعدد التَّابِعين متناه.
وَإِمَّا بالاستقراء فَإلَى سته أنفس أَو سَبْعَة وَهُوَ أَكثر مَا وجد من رِوَايَة بعض التَّابِعين عَن بعض.
قَالَ الْمُؤلف: أَو هُنَا للشَّكّ، لِأَن السَّنَد الَّذِي ورد فِيهِ سَبْعَة أنفس اخْتلف فِي أحدهم هَل هُوَ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ؟ فَإِن ثبتَتْ صحبته كَانَ التابعون فِي السَّنَد سِتَّة وَإِلَّا فسبعة. انْتهى.
كَذَا نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف - وَغَيره - وَحَاصِل مَا ذكره الْمُؤلف أَن الْخَطِيب صنف فِي ذَلِك، فروى عَن رجل من التَّابِعين بَينه وَبَين امْرَأَة أبي
[ ١ / ٥٠٠ ]
أَيُّوب سِتَّة عَن أبي أَيُّوب. فَقَالَ الْخَطِيب: إِن كَانَت امْرَأَة أبي أَيُّوب صحابية فهم سِتَّة، وَإِلَّا فسبعة.
فَإِن عرف من عَادَة التَّابِعِيّ أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فَذهب جُمْهُور الْمُحدثين إِلَى التَّوَقُّف لبَقَاء الِاحْتِمَال.
لَو قَالَ: لوُجُود لَكَانَ أوضح.
وَهُوَ أحد قولي أَحْمد بن حَنْبَل، وَالْمَشْهُور عَنهُ مُقَابلَة. وَثَانِيهمَا - وَهُوَ قَول المالكيين والكوفيين - يَعْنِي الْحَنَفِيَّة / يقبل مُطلقًا وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ.
[ ١ / ٥٠١ ]
قَالُوا: لِأَن الْعدْل لَا يسْقط الْوَاسِطَة بَينه وَبَين النَّبِي إِلَّا وَهُوَ عدل عِنْده، وَإِلَّا تلبيسًا قادحًا فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: كَانَ الأولى ترك قَوْله مُطلقًا أَو تَأَخّر قَول المالكيين والكوفيين عَن قَول الإِمَام الشَّافِعِي لِئَلَّا يتَوَهَّم من الْإِطْلَاق أَنه سَوَاء عرف من عَادَته (مَا ذكر) أَولا، فيخالف مَا عِنْد الْكُوفِيّين والمالكيين.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: يقبل أَن اعتضد بمجيئه من وَجه آخر تبَاين الطَّرِيق الأولى مُسْندًا كَانَ، أَو مُرْسلا، ليرجح احْتِمَال كَون الْمَحْذُوف ثِقَة فِي نفس الْأَمر.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وَكَذَا لَو عضد مُرْسل كبار التَّابِعين ضَعِيف صَالح للترجيح: لقَوْل صَحَابِيّ، أَو فعله، أَو أَكثر الْعلمَاء، (أَو قِيَاس)، أَو انتشار بِغَيْر نَكِير، أَو عمل لَكِن يكون الْمَجْمُوع حجَّة وفَاقا للشَّافِعِيّ لَا مُجَرّد الْمُرْسل وَلَا المنضم إِلَيْهِ لضعف كل مِنْهُمَا على انْفِرَاده. وَلَا يلْزم من ذَلِك ضعف الْمَجْمُوع لِأَنَّهُ يحصل من اجْتِمَاع الضعيفين قُوَّة مفيدة للظن، وَعَن الشَّافِعِي: ضعيفان يغلبان قَوِيا.
وَأما مُرْسل صغَار التَّابِعين كالزهري وَنَحْوه فباق على الرَّد مَعَ العاضد لشدَّة ضعفه.
وَضَابِط من التَّابِعِيّ الْكَبِير: أَنه من أَكثر رواياته عَن الصَّحَابَة،
[ ١ / ٥٠٣ ]
وَالصَّغِير: من أَكثر رواياته عَن التَّابِعين، وَأما ضبط الصَّغِير بِأَنَّهُ لم يلق إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَنَحْوهمَا من الصَّحَابَة فَلَا يلائم تَعْلِيلهم.
وَلَو تجرد الْمُرْسل عَن العاضد وَلَا دَلِيل فِي الْبَاب سواهُ وَكَانَ مَدْلُوله الْمَنْع من شَيْء / فَالْأَظْهر الانكفاف عَن ذَلِك الشَّيْء لأَجله احْتِيَاطًا.
وَنقل أَبُو بكر الرَّازِيّ برَاء ثمَّ زَاي نِسْبَة إِلَى الرّيّ مَدِينَة من بِلَاد الديلم، وَهُوَ من الْحَنَفِيَّة وَأَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ نِسْبَة إِلَى باجا - بجيم خَفِيفَة - مَدِينَة بالأندلس (وَهُوَ من الْمَالِكِيَّة) أَن الرَّاوِي إِذا كَانَ يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم لَا يقبل مرسله مُطلقًا اتِّفَاقًا.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وَذهب جمع مِنْهُم ابْن الْحَاجِب، وَصَاحب البديع إِلَى أَنه إِن كَانَ الْمُرْسل من أَئِمَّة النَّقْل كسعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ قبل: لانْتِفَاء الْمَحْذُور وَهُوَ حِينَئِذٍ مُسْند حكما.
أَو من غَيرهم فَلَا تعد بِظَنّ من لَيْسَ يعدل عدلا فيسقطه بظنه، وَهُوَ على الِاحْتِجَاج بِهِ أَضْعَف من الْمسند خلافًا لجمع.
تَنْبِيه:
١ - يرد على تَخْصِيصه - كَغَيْرِهِ - الْمُرْسل بالتابعي من سمع من الْمُصْطَفى وَهُوَ كَافِر ثمَّ أسلم بعد مَوته، فَهُوَ تَابِعِيّ اتِّفَاقًا، وَحَدِيثه غير مُرْسل بل هُوَ مَوْصُول لَا خلاف فِي الِاحْتِجَاج
[ ١ / ٥٠٥ ]
بِهِ كرسول هِرقل.
٢ - وَمن رأى الْمُصْطَفى غير مُمَيّز كمحمد بن أبي بكر (فَإِنَّهُ صَحَابِيّ)، وَحكم رِوَايَته حكم الْمُرْسل لَا الْمَوْصُول، وَلَا يَأْتِي فِيهِ مَا قيل فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة، لِأَن أَكثر رِوَايَة هَذَا وَشبهه عَن التَّابِعين بِخِلَاف الصَّحَابِيّ الَّذِي أدْرك وَسمع.
[ ١ / ٥٠٦ ]