الحَدِيث المعضل والمنقطع
وَالْقسم الثَّالِث من أَقسَام الْقسْط من الْإِسْنَاد: إِن كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا أَي حذف من بَين طرفِي إِسْنَاده راويان فَأكْثر مَعَ التوالي / فَهُوَ المعضل بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. فَقَوله مَعَ التوالي يخرج (الْمُنْقَطع) من موضِعين فَأكْثر.
وَإِلَّا بِأَن كَانَ السقط بِاثْنَيْنِ غير متواليين فِي موضِعين فَهُوَ الْمُنْقَطع، سَوَاء كَانَ السَّاقِط محذوفا، أَو مُبْهما كَرجل، وَكَذَا إِن سقط وَاحِد فَقَط، أَو أَكثر من اثْنَيْنِ بِشَرْط عدم التوالي
لَو اقْتصر على التَّمْثِيل بِالسقطِ بِوَاحِد كَانَ أولى لوُجُود التّكْرَار فِيمَا ذكره، إِذْ يصدق عَلَيْهِ أَنه سقط وَاحِد فِي موضِعين أَو
[ ٢ / ٣ ]
مَوَاضِع. نبه عَلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين.
قَالَ المُصَنّف: وَيُسمى مَا سقط مِنْهُ وَاحِد فِي مَوضِع، وَمَا سقط مِنْهُ اثْنَان - بِالشّرطِ الْمَذْكُور - مُنْقَطع فِي موضِعين، وَهَكَذَا إِن ثَلَاثَة فَفِي ثَلَاثَة، وان أَرْبَعَة فَفِي أَرْبَعَة وَهَكَذَا.
وللمنقطع أَمْثِلَة مِنْهَا: مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عَائِشَة، فَإِن يحيى بن سعيد لم يسمع من عَائِشَة وَإِنَّمَا سمع مِمَّن سمع مِنْهَا.
وللمعضل أَمْثِلَة مِنْهَا: الإِمَام الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أبي هُرَيْرَة، بِإِسْقَاط أَبى الزِّنَاد والأعرج.
وَأعلم أَن التبريزى خص فِي " الْكَافِي ": الْمُنْقَطع والمعضل
[ ٢ / ٤ ]
بِمَا بَين طرفِي الْإِسْنَاد وَلم يَخُصهَا ابْن الصّلاح بِهِ. فَمَا حذف من أول إِسْنَاده وَاحِد مُنْقَطع عِنْده، وَمَا حذف من أَوله اثْنَان متواليان معضل عِنْده، وَكِلَاهُمَا عِنْد التبريزى مُعَلّق.
وَذكر الجوزقانى فِي مُقَدّمَة كِتَابه " الموضوعات ": أَن المعضل أَسْوَأ حَالا من الْمُنْقَطع، والمنقطع أَسْوَأ حَالا من الْمُرْسل، والمرسل لَا يقوم بِهِ حجَّة.
قَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا يكون المعضل أَسْوَأ حَالا إِذا كَانَ انْقِطَاع فِي مَحل وَاحِد، فَإِن كَانَ فِي محلين سَاوَى الْمُنْقَطع فِي سوء الْحَال.
وَذكر الرشيد الْعَطَّار: أَن فِي مُسلم بضعَة عشر حَدِيثا فِي
[ ٢ / ٥ ]
إسنادها انْقِطَاع. اه وَأجِيب عَنهُ بتبين اتصالها إِمَّا من وَجه آخر عِنْده، وَإِمَّا من ذَلِك الْوَجْه عِنْد غَيره.
وَمن مظان الْمُرْسل والمعضل والمنقطع: كتاب السّنَن لسَعِيد بن مَنْصُور، ومؤلفات ابْن أَبى الدُّنْيَا.
ثمَّ إِن السقط من الْإِسْنَاد قد يكون وَاضحا يحصل الِاشْتِرَاك فِي مَعْرفَته وَهُوَ الَّذِي يظْهر لكَون الرَّاوِي - مثلا - لم يعاصر من روى
[ ٢ / ٦ ]
عَنهُ. بِأَن مولد الرَّاوِي مُتَأَخّر عَن وَفَاة من روى عَنهُ، أَو تكون جهتهما مُخْتَلفَة كخراسان وتلمسان وَلم ينْقل أَن إحدهما رَحل عَن جِهَته إِلَى جِهَة الآخر.
أَو يكون خفِيا فَلَا يُدْرِكهُ إِلَى الْأَئِمَّة الحذاق المطلعون على طرق الحَدِيث، وَعلل الْأَسَانِيد، فَالْأول - وَهُوَ الْوَاضِح - يدْرك بِعَدَمِ التلاقي بَين الرَّاوِي وَشَيْخه لكَونه لم يدْرك عصره، أَو أدْركهُ لَكِن لم يجتمعا وَلَيْسَت مِنْهُ إجَازَة وَلَا وجادة فَهَذَا وَاضح لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى شَيْء آخر.
قَالَ بَعضهم: وَلَا بُد أَن تقترن الوجادة بِالْإِجَازَةِ فَهِيَ أخص، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا لكنه / جرى على طَريقَة من لَا يشْتَرط فِيهَا الْإِجَازَة.
[ ٢ / ٧ ]
وَاعْلَم أَن الشَّيْخ قَاسم قد اعْترض قَول الْمُؤلف أَو لَا يحصل. . إِلَى آخِره مَعَ قَوْله بعد ذَلِك يدْرك بِأَنَّهُ تكْرَار مَحْض، لَا فَائِدَة لَهُ.
وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا احْتِيجَ إِلَى معرفَة التَّارِيخ فِي هَذَا الْفَنّ لتَضَمّنه تَحْرِير مواليد الروَاة ووفاتهم وأوقات طَلَبهمْ وارتحالهم وَنَحْو ذَلِك وَقد أفتضح أَقوام كَثِيرُونَ ادعوا الرِّوَايَة عَن شُيُوخ ظهر بالتاريخ كذب دَعوَاهُم.
والتاريخ ذكر ابْتِدَاء الْمدَّة، قَالَ الْحَاكِم: لما قدم علينا أَبُو جَعْفَر الكشى - بِضَم الْكَاف وَشدَّة الْمُعْجَمَة - وَحدث عَن عبد بن حميد سَأَلته عَن مولده؟ فَذكر أَنه سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فَقلت لِأَصْحَابِنَا: هَذَا الشَّيْخ سمع من عبد حميد بعد مَوته بِثَلَاثَة عشر سنة.
[ ٢ / ٨ ]
وَقَالَ الْحميدِي: ثَلَاثَة أَشْيَاء يجب تَقْدِيم الْعِنَايَة بهَا: الْعِلَل وَأحسن مَا وضع فِيهِ كتاب الدَّارَقُطْنِيّ، و" المؤتلف والمختلف " وَأحسن مَا فِيهِ كتاب " ابْن مَاكُولَا "، و" الوفيات " وَلَيْسَ فِيهِ كتاب. وَكَأَنَّهُ يُرِيد " الِاسْتِيعَاب " (وَإِلَّا فهناك كتب فِيهِ) . وَاعْلَم أَنه لم يكن التَّارِيخ فِي صدر الْإِسْلَام إِلَى أَن ولى عمر فَوَضعه.
[ ٢ / ٩ ]
معرفَة المدلس
وَالْقسم الثَّانِي: وَهُوَ الْخَفي، المدلس بِفَتْح اللَّام وَهُوَ مَا رَوَاهُ الرَّاوِي عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن لقِيه وَسمع مِنْهُ غير الَّذِي رَوَاهُ / بِلَفْظ مُحْتَمل للسماع وموهم لَهُ.
سمي بذلك لكَون الرَّاوِي لم يسم من حَدثهُ، وأوهم سَمَاعه للْحَدِيث مِمَّن لم يحدث بِهِ. واشتقاقه من الدلس - بِالتَّحْرِيكِ - وَهُوَ اخْتِلَاط الظلام. الَّذِي هُوَ سَبَب لتغطية الْأَشْيَاء عَن الْبَصَر.
وَمِنْه التَّدْلِيس فِي البيع يُقَال: دلّس فلَان على فلَان أَي ستر عَنهُ الْعَيْب الَّذِي فِي مَتَاعه كَأَنَّهُ أظلم عَلَيْهِ الْأَمر. وَهُوَ اصْطِلَاحا رَاجع إِلَى ذَلِك
سمي بذلك لاشْتِرَاكهمَا فِي الخفاء فَإِن من أسقط من الاسناد شَيْئا
[ ٢ / ١٠ ]
فقد أخْفى ذَلِك الَّذِي أسْقطه وغطاه، وَزَاد فِي التغطية بإتيانه بِعِبَارَة موهمة. وَكَذَا تَدْلِيس الشُّيُوخ فَإِن الرَّاوِي يخفي النَّعْت الَّذِي يعرف بِهِ الشَّيْخ ويغطيه بِالْوَصْفِ بِغَيْر مَا شهر بِهِ.
وَأعلم أَن قَول المُصَنّف وَالْقسم الثَّانِي. . إِلَى آخِره قد اعْتَرَضَهُ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الْمقسم السقط والمدلس والإسناد الَّذِي وَقع فِيهِ السقط فَلَا يكون الْحمل حَقِيقِيًّا. انْتهى.
وَمِثَال ذَلِك مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن زيد بن يثيع - بمثناة تحتية مَضْمُومَة ففوقية - عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا:
[ ٢ / ١١ ]
" إِن وليتموها أَبَا بكر فقوي أَمِين. فَهَذَا الحَدِيث فِي صُورَة الْمُتَّصِل، لِأَن عبد الرَّزَّاق سَمَاعه من الثَّوْريّ مَشْهُور وَكَذَا سَماع / الثَّوْريّ من أبي إِسْحَق وَهُوَ مُنْقَطع فِي موضِعين: فَإِن عبد الرَّزَّاق لم يسمعهُ من الثَّوْريّ وَإِنَّمَا سَمعه من النُّعْمَان بن أبي شيبَة. وَلم يسمعهُ - الثَّوْريّ من أبي إِسْحَق وَإِنَّمَا سَمعه من شريك عَن أبي إِسْحَاق كَمَا جَاءَ ذَلِك مُبينًا من وَجه آخر.
وَاعْلَم أَن مَا رَوَاهُ الصَّحَابِيّ عَن الْمُصْطَفى وَلم يسمعهُ مِنْهُ مُرْسل صَحَابِيّ وَلَا يُسمى مدلسا أدبا.
وَيرد المدلس بِصِيغَة من صِيغ الْأَدَاء يحْتَمل وُقُوع اللِّقَاء بَين المدلس وَمن أسْند عَنهُ موهما الِاتِّصَال.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَكَانَ الأولى أَن يَقُول يحْتَمل السماع كَمَا
[ ٢ / ١٢ ]
صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره من أهل الْفَنّ.
كعن وَيُسمى المعنعن كَقَوْل الرَّاوِي فلَان عَن فلَان بِلَفْظ عَن من غير بَيَان التحديث والإخبار وَالسَّمَاع.
وَكَذَا قَوْله قَالَ فلَان أَو فعل كَذَا، فَإِنَّهُ مثل عَن عِنْد الْجُمْهُور مخالفين للْإِمَام أَحْمد.
وَمثل عَن وَقَالَ مَا لَو أسقط أَدَاة الرِّوَايَة فَقَالَ فلَان، قَالَ عَليّ بن خشرم: كُنَّا عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ: الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ: حَدثكُمْ الزُّهْرِيّ؟ فَسكت. ثمَّ قَالَ: الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ: سمعته من الزُّهْرِيّ؟ قَالَ: لَا، وَلَا عَمَّن سَمعه من الزُّهْرِيّ، حَدثنِي عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ.
وَمَتى وَقع بِصِيغَة صَرِيحَة لَا تجوز فِيهَا كَانَ كذبا.
[ ٢ / ١٣ ]
قَالَ الْمُؤلف: أردْت بالتجوز نَحْو قَول / الْحسن: حَدثنَا ابْن عَبَّاس على مِنْبَر الْبَصْرَة، فَإِنَّهُ لم يسمع مِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل الْبَصْرَة الَّذين هُوَ مِنْهُم. وَقَول ثَابت البنانى خَطَبنَا عمرَان بن حُصَيْن. كَذَا نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف وَغَيره.
وَأما حَدِيث الْحسن: فَرَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن الْحسن قَالَ: خسف الْقَمَر وَابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فصلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان، فَلَمَّا فرغ خَطَبنَا، فَقَالَ: صليت بكم كَمَا رَأَيْت رَسُول الله يصلى بِنَا.
قَالَ الْمُؤلف فِي تَخْرِيج (أَحَادِيث) الرَّافِعِيّ: وَإِبْرَاهِيم
[ ٢ / ١٤ ]
ضَعِيف، وَقَول الْحسن خَطَبنَا لم يَصح، فَإِن الْحسن لم يكن بِالْبَصْرَةِ لما كَانَ ابْن عَبَّاس بهَا. وَيُقَال: إِن هَذَا من تدليسه وَإِن خَطَبنَا أَي خطب أهل الْبَصْرَة.
وَضَابِط ذَلِك أَن يجمع الرَّاوِي الضَّمِير ويقصد أهل بَلَده، أَو أَقَاربه، أَو المشاركين لَهُ فِي صفة مَا، وَيدل لجَوَاز ذَلِك قَول الرجل الَّذِي يقْتله الدَّجَّال: أشهد أَنَّك الرجل الَّذِي حَدثنَا رَسُول الله أَي حدث الْأمة الَّذِي أَنا مِنْهُم.
والتدليس قِسْمَانِ:
١ - الأول: تَدْلِيس الْإِسْنَاد: بِأَن يروي عَمَّن لقِيه مَا لم يسمعهُ مِنْهُ موهما سَمَاعه. وَرُبمَا لم يسْقط شَيْخه وأسقطه غَيره لكَونه ضَعِيفا أَو صَغِيرا تحسينا للْحَدِيث.
٢ - الثَّانِي: تَدْلِيس الشُّيُوخ: بِأَن يُسمى شَيْخه، أَو يكنيه، أَو
[ ٢ / ١٥ ]
ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يعرف بِهِ، أَو يصف شيخ شَيْخه بذلك.
فَالْأول مَكْرُوه جدا، ذمه الْجُمْهُور حَتَّى قَالَ شعبه: لِأَن أزني أحب إِلَى من أَن أدلس. وَقَالَ التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب. وَحكمه أَن مَا رَوَاهُ بِلَفْظ مُحْتَمل لم يبين فِيهِ السماع لم يقبل، وَمَا بَينه فِيهِ كسمعت وَحدثنَا وَأخْبرنَا وَنَحْو ذَلِك فمقبول يحْتَج بِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَغَيرهمَا - مِنْهُ كثير.
وَمَا فِي نَحْو الصَّحِيحَيْنِ عَن المدلسين بعن مَحْمُول على ثُبُوت اللِّقَاء من جِهَة أُخْرَى، وَإِنَّمَا آثر صَاحب الصَّحِيح طَرِيق العنعنة لِأَنَّهَا على شَرطه دون تِلْكَ.
[ ٢ / ١٦ ]
وَأما الثَّانِي: فكراهته أخف، وَيخْتَلف الْحَال فِي كَرَاهَته بِحَسب قَصده، ككون المغير اسْمه ضَعِيفا فيدلسه لِئَلَّا يظْهر رِوَايَته عَن الضُّعَفَاء. وَالأَصَح أَنه لَيْسَ بِجرح إِذا كَانَ لكَونه صَغِيرا أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة أَو نَحْو ذَلِك، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ كثيرا فَامْتنعَ فِي تكراره على صُورَة وَاحِدَة إيهاما لِكَثْرَة الشُّيُوخ.
قَالَ لي شَيخنَا عَالم الشَّافِعِيَّة (فِي الأقطار المعربة) الشَّمْس الرملى - رَحمَه الله تَعَالَى - عَن مُحَقّق الشَّافِعِيَّة أَبِيه عَن شُيُوخه: أَن الْمُؤلف احْتَاجَ إِلَى رِوَايَته عَن ولد شَيْخه الْحَافِظ الزين
[ ٢ / ١٧ ]
الْعِرَاقِيّ - هُوَ شيخ الْإِسْلَام الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ - فَصَارَ يَقُول فِي " أَمَالِيهِ ": حَدثنِي أَحْمد الصحراوي موهما أَنه غَيره لصغره ومشاركته لَهُ / فِي شُيُوخه.
وَمن أَقسَام التَّدْلِيس: عكس هَذَا، وَهُوَ إِعْطَاء شخص آخر مَشْهُورا تَشْبِيها، ذكره فِي " جمع الْجَوَامِع " فَيَقُول أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يَعْنِي الذَّهَبِيّ، تَشْبِيها بالبيهقي حَيْثُ يَقُول حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يعْنى بِهِ الْحَاكِم لظُهُور الْمَقْصُود.
وَكَذَا إِبْهَام اللقي والرحلة كحدثنا من وَرَاء النَّهر يُوهم أَنه نهر جيحون - يعْنى نهر بَلخ -، وَمَا رَوَاهُ إقليم اشْتهر أَهله بِأَهْل
[ ٢ / ١٨ ]
مَا وَرَاء النَّهر مِنْهُم كثير من الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيد الجيزة - مثلا - وَهُوَ بِمصْر، وَلَيْسَ هَذَا بِجرح قطعا لِأَنَّهُ من المعاريض لَا من الْكَذِب كَمَا فِي " الاقتراح " و" أَحْكَام " الآمدى وَغَيرهمَا.
وَحكم من يثبت عَنهُ التَّدْلِيس إِذا كَانَ عدلا أَن لَا يقبل مِنْهُ إِلَّا مَا صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ على الْأَصَح. وَمُقَابل الْأَصَح: الْقبُول مُطلقًا، وَالرَّدّ مُطلقًا وَإِن صرح بِالتَّحْدِيثِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْأُصُول أَن التَّدْلِيس فِي الْأَسَانِيد لَيْسَ بِجرح مُطلقًا. وَقَول ابْن السَّمْعَانِيّ: إِلَّا أَن يكون بِحَيْثُ لَو يسْأَل عَنهُ لم يُبينهُ فَإِن صنعه حِينَئِذٍ جرح لَهُ
[ ٢ / ١٩ ]
لظُهُور الْكَذِب فِيهِ. رد بِمَنْع ذَلِك فَترك الِاسْتِثْنَاء أظهر مِنْهُ، فالاطلاق أظهر. اه.
أما مُدَلّس الْمُتُون وَهُوَ من يدرج كَلَامه مَعهَا بِحَيْثُ لَا يتميزان فمجروح لإيقاعه غَيره فِي الْكَذِب على رَسُول الله.
[ ٢ / ٢٠ ]
الْمُرْسل الْخَفي
وَكَذَا الْمُرْسل (الْخَفي) أَي وَمثل المدلس فِي خَفَاء السقط الْمُرْسل / الْخَفي، وَبَينه وَبَين الْمُنْقَطع عُمُوم مُطلق، فَكل مُرْسل خَفِي مُنْقَطع وَلَا عكس.
إِذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عَنهُ أَي لم يعرف أَنه لقِيه بل بَينه وَبَينه وَاسِطَة هَذَا الشَّرْط، هُوَ مَا وَقع للمؤلف (أَي لم يعرف أَنه لقِيه) .
ورده تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم بِمَا نَصه: هَذَا الشَّرْط يُوهم أَن لَهُ مفهوما وَلَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لَيْسَ لنا مُرْسل خَفِي إِلَّا مَا صدر من معاصر لم يلق. انْتهى.
وَقد جعل قوم الْمُرْسل الْخَفي قسما من المدلس لَا قسيما لَهُ،
[ ٢ / ٢١ ]
وعرفوه: بِأَنَّهُ رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن عاصره وَلم يلقه، أَو عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا بِلَفْظ موهم للسماع.
وَقَالَ (شَيخنَا النَّجْم) الغيطي: المُرَاد بِالْإِرْسَال هُنَا مُطلق الِانْقِطَاع لَا مَا سقط مِنْهُ الصَّحَابِيّ كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي حد الْمُرْسل، وَالْجُمْهُور على أَن الْمُرْسل الْخَفي قسم من المدلس لَا قسيما لَهُ، انْتهى. وَالْمُخْتَار عِنْد الْمُؤلف أَنه قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ كَمَا بَينه بقوله وَالْفرق بَين المدلس والمرسل الْخَفي دَقِيق حصل تحريره بِمَا ذكر هُنَا، وَهُوَ أَن التَّدْلِيس يخْتَص بِمن روى عَمَّن عرف لقاؤه إِيَّاه قد جعله أَولا: أَن
[ ٢ / ٢٢ ]
يرد بِصِيغَة يحْتَمل اللقي فبينهما مُخَالفَة فَتَأَمّله.
فَأَما إِن عاصره وَلم يعرف أَنه لقِيه بطرِيق مُعْتَبر فَهُوَ الْمُرْسل الْخَفي، وَمن أَدخل فِي تَعْرِيف التَّدْلِيس المعاصرة وَلَو بِغَيْر لَقِي لزمَه دُخُول الْمُرْسل الْخَفي فِي تَعْرِيفه، وَالصَّوَاب التَّفْرِيق بَينهمَا. وَيدل على (أَن) اعْتِبَار اللقي فِي التَّدْلِيس / دون المعاصرة وَحدهَا (قَالَ بَعضهم: لَو ترك قَوْله دون المعاصرة وَحدهَا) كَانَ أولى. لَا بُد مِنْهُ.
وَقَوله إطباق (فَاعل يدل أَي يدل إطباق) أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ على أَن رِوَايَة المخضرمين بِضَم الْمِيم، وَفتح الْخَاء، وَسُكُون الضَّاد المعجمتين، وَفتح الرَّاء واحده المخضرم - بِفَتْح الرَّاء - وَهُوَ: الْمَاضِي نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام أَو من
[ ٢ / ٢٣ ]
أدْركهَا كَمَا فِي " الْقَامُوس " وَفِي " تَارِيخ ابْن خلكان ".
أصل إِطْلَاقه فِي الشُّعَرَاء ثمَّ توسع فِيهِ فَاسْتعْمل فِي غَيرهم، وَقد سمع فِيهِ محضرم بحاء مُهْملَة وَكسر الرَّاء.
كَأبي عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقيس بن أبي حَازِم عَن النَّبِي من قبيل الْإِرْسَال لَا من قبيل التَّدْلِيس.
وَكَذَا كل مَا رَوَاهُ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يسمعهُ مِنْهُ يُسمى مُرْسل صَحَابِيّ وَلَا يُسمى مدلسا أصلا.
وَلَو كَانَ مُجَرّد المعاصرة يكْتَفى بِهِ فِي التَّدْلِيس لَكَانَ هَؤُلَاءِ مدلسين لأَنهم عاصروا النَّبِي قطعا، وَلَكِن لم يعرف
[ ٢ / ٢٤ ]
هَل لقوه أم لَا؟
قَالَ بعض مَشَايِخنَا: قَالَ يُقَال إِنَّمَا وصفوا رِوَايَة من ذكره بِالْإِرْسَال لأَنهم من التَّابِعين، وتحديث التَّابِعِيّ عَن النَّبِي لَا شكّ فِي وَصفه بِالْإِرْسَال.
وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَن تحديث الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي بِحَدِيث لم يسمعهُ عَنهُ مَعَ تحقق اللقا لَا يُوصف بالتدليس أدبا مَعَ أَنه مِنْهُ، إِلَّا أَن يُجَاب بِأَن تحديث الصَّحَابِيّ / الْمَذْكُور قد أطلق عَلَيْهِ بَعضهم أَنه تَدْلِيس، وَرِوَايَة هَؤُلَاءِ وَقع اتِّفَاقهم على أَنَّهَا لَيست من التَّدْلِيس كَمَا ذكره الشَّارِح، وَلم يعد (أحد) هَؤُلَاءِ من المدلسين مَعَ محافظتهم على عد من وصف بذلك من غَيرهم.
وَمِمَّنْ اشْترط اللِّقَاء فِي التَّدْلِيس الإِمَام الشَّافِعِي و(أَبُو بكر) الْبَزَّار
[ ٢ / ٢٥ ]
وَكَلَام الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه " الْكِفَايَة " فِي آدَاب الرِّوَايَة يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمد.
وتعرف عدم الملاقاة بإخباره عَن نَفسه بذلك فِي بعض طرق الحَدِيث أَو بجزم إِمَام مطلع وَذَلِكَ كَحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا: " رحم الله حارس الحرس ". فَإِن عمر لم يلق عقبَة كَمَا قَالَ الْمزي فِي " الْأَطْرَاف ". وكأحاديث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه. . ابْن مَسْعُود فقد
[ ٢ / ٢٦ ]
روى التِّرْمِذِيّ: أَن عَمْرو بن مرّة قَالَ لأبى عُبَيْدَة: هَل تذكر عَن عبد الله شَيْئا؟ قَالَ: لَا.
وَلَا يَكْفِي أَن يَقع فِي بعض الطّرق زِيَادَة راو بَينهمَا، لاحْتِمَال أَن يكون من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد، وَلَا يحكم فِي هَذِه الصُّورَة بِحكم كلي، لتعارض احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع.
وَقد صنف فِيهِ أَي فِي هَذَا النَّوْع الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ كتاب " التَّفْصِيل لمبهم الْمَرَاسِيل " وَكتاب الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد ".
وَالْحَاصِل أَن فِي الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة أَقْوَال:
١ -. الأول: الِاكْتِفَاء / بالمعاصرة وَهُوَ مَذْهَب مُسلم، ادّعى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي مُقَدّمَة " صَحِيحَة "، وَقَالَ: اشْتِرَاط اللِّقَاء قَول مخترع لم يتَقَدَّم قائلة إِلَيْهِ أحد.
[ ٢ / ٢٧ ]
٢ -. الثَّانِي: إِنَّه يشْتَرط اللِّقَاء فَقَط، وَهُوَ قَول البُخَارِيّ والمحققين.
٣ -. الثَّالِث: إِنَّه يشْتَرط طول الصُّحْبَة وَلَا يكْتَفى ثُبُوت اللِّقَاء وَهُوَ قَول السَّمْعَانِيّ.
٤ -. الرَّابِع: يشْتَرط مَعْرفَته بالرواية عَنهُ، وَهُوَ قَول أبي عَمْرو الداني.
قَالَ الْمُؤلف: وَمن حكم بالانقطاع مُطلقًا شدد، ويليه من شَرط طول الصُّحْبَة، وَمن اكْتفى بالمعاصرة تساهل، وَالْوسط الَّذِي لَيْسَ بعده إِلَّا التعنت مَذْهَب البُخَارِيّ وَمن وَافقه. وَيدل لَهُ مَا ذكر فِي المخضرمين، لَا يُقَال: إِنَّمَا لم يُطلق على المخضرمين اسْم التَّدْلِيس صونا لأهل الْقرن الأول عَن بشاعة هَذَا اللَّفْظ بِدَلِيل أَن حد التَّدْلِيس منطلق على من حدث عَن الْمُصْطَفى بِشَيْء لم يسمعهُ
[ ٢ / ٢٨ ]
مِنْهُ وَلم يطلقوا ذَلِك عَلَيْهِ، بل صَارُوا إِلَى تَسْمِيَته مُرْسلا، فَيَقُولُونَ مُرْسل صَحَابِيّ، لأَنا نفرق بَين الصحب وَهَؤُلَاء بِأَن الصحب كل حَدِيثهمْ مَقْبُول، لأَنهم يرسلون عَن صحابة مثلهم وَكلهمْ عدُول، وَقد تتبع مَا أسندوه عَن التَّابِعين فَلم يُوجد فِيهِ حكم إِنَّمَا هُوَ أَخْبَار الْأُمَم وَنَحْوهَا.
والتدليس إِنَّمَا لطخ بِهِ من لطخ لِأَنَّهُ يُوجب / التَّوَقُّف فِي قبُول مَا كَانَ بِصِيغَة مُحْتَملَة لاحْتِمَال كَونه حذف الَّذِي حَدثهُ بِهِ وَهُوَ ضَعِيف، وَهَذَا الِاحْتِمَال مُمكن فِي المخضرمين، فَإِنَّهُم رووا عَن التَّابِعين فَأَكْثرُوا عَن ثقاتهم وضعفائهم فَلم يبْق إِلَّا الْفرق من حَيْثُ اللِّقَاء.
وانتهت إِلَى هُنَا أَي هَذَا الْموضع أَقسَام حكم السَّاقِط من الْإِسْنَاد وَمن هُنَا وَقع الشُّرُوع فِي الْمَرْدُود لِلطَّعْنِ.
[ ٢ / ٢٩ ]
أَسبَاب الطعْن فِي الروَاة إِجْمَالا
وَقَالَ: ثمَّ الطعْن فِي الْمَتْن أَو الْإِسْنَاد يكون بِعشْرَة أَشْيَاء أَي بأحدها بَعْضهَا أَشد فِي الْقدح من بعض خَمْسَة مِنْهَا تتَعَلَّق بِالْعَدَالَةِ، وَخَمْسَة تتَعَلَّق بالضبط. وَلم يحصل الاعتناء فِي هَذَا الْكتاب بتمييز أحد الْقسمَيْنِ من الآخر كَمَا اعتنى بِهِ الْغَيْر لمصْلحَة اقْتَضَت ذَلِك هُنَا وَهِي ترتيبها على بَيَان الأشد فالأشد (فِي الْقدح) .
قَالَ بَعضهم: وَلَو قَالَ الأشد فالشديد لَكَانَ أنسب لقَوْله فِي مُوجب الرَّد على سَبِيل التدلي من الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَإِن ترتيبها على الأشد فَمَا دونهَا أَكثر نفعا، وَأعظم فَائِدَة من تَمْيِيز أحد الْقسمَيْنِ على الآخر سِيمَا للمبتدئ، مَعَ أَنه يُمكن أَن يَسْتَخْرِجهُ الطَّالِب إِذا تَأمله. ذكره الْكَمَال ابْن أبي شرِيف، لِأَن الطعْن إِمَّا أَن يكون لكذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث بِأَن يروي عَنهُ أَو عَن أحد من
[ ٢ / ٣٠ ]
أَصْحَابه مَا لم يقلهُ / أَو مَا لم يقر عَلَيْهِ مُعْتَمدًا لذَلِك أما إِذا قَالَه وَلَيْسَ الْإِسْنَاد الَّذِي أوردهُ بِهِ إِسْنَاده مُعْتَمدًا لذَلِك فَفِيهِ خلاف.
أَو تُهْمَة بذلك أَي بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ مُتَعَمدا وَذَلِكَ بِأَن لَا يرْوى ذَلِك الحَدِيث إِلَّا من جِهَته وَلَا يكون فِي السَّنَد من يَلِيق أَن يتهم بِهِ إِلَّا هُوَ. ذكره الْكَمَال ابْن أَبى شرِيف وَيكون مُخَالفا للقواعد الْمَعْلُومَة قَضيته أَنه إِذا رُوِيَ من غير جِهَته - أَيْضا - وَكَانَ مُخَالفا للقواعد لَا يحصل التُّهْمَة بذلك للاثنين.
لَكِن صرح غَيره بِأَن كل حَدِيث أوهم بَاطِلا، وَلم يقبل التَّأْوِيل، أَو خَالف الْقَوَاعِد (الْكُلية) القطعية الْمجمع عَلَيْهَا يكون مكذوبا عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٣١ ]
وَحمل على ذَلِك حَدِيث أَحْمد وَغَيره. . " إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تنكره قُلُوبكُمْ، وتنفر مِنْهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ، وترون أَنه بعيد مِنْكُم فَأَنا أبعدكم عَنهُ ".
وَكَذَا من عرف بِالْكَذِبِ فِي كَلَامه وَإِن لم يظْهر مِنْهُ وُقُوع ذَلِك فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ فَإِنَّهُ يكون مُتَّهمًا عِنْد التفرد وَهَذَا دون الأول قَالَ البقاعي: مُرَاده بِالْأولِ مَا قبله وَهُوَ الْمُخَالف للقواعد، وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا مُسْتَغْنى عَنهُ. أه لعلمه مِمَّا مر.
[ ٢ / ٣٢ ]
أَو فحش غلطه أَي كثرته أَو غفلته عَن الإتقان والضبط الْكَثِيرَة - كَمَا يَأْتِي -.
قَالَ بَعضهم: وَفِي كَونهَا أَشد من الْفسق نظر ظَاهر.
أَو فسقه أَي الظَّاهِر كَمَا يعلم مِمَّا يَأْتِي بِالْفِعْلِ أَو بالْقَوْل مِمَّا لَا يبلغ الْكفْر، وَبَينه وَبَين الأول أَي الْكَذِب (عُمُوم) وَإِنَّمَا (أفرد) الأول لكَون الْقدح بِهِ أَشد، مِنْهُ بِالثَّانِي فِي هَذَا الْفَنّ أَي فِي فن الحَدِيث وَأما الْفسق بالمعتقد فَسَيَأْتِي بَيَانه.
أَو وهمه بِأَن يروي على طَرِيق التَّوَهُّم، أَو مُخَالفَته للثقات، أَو جهالته بِأَن لَا يعرف فِيهِ تَعْدِيل وَلَا تجريح معِين.
[ ٢ / ٣٣ ]
قَالَ الْمُؤلف: فَقولِي جهالته مصدر مُضَاف للْمَفْعُول.
وَقَالَ البقاعي: وَقَوله معِين قيد لتجريح فَقَط، احْتَرز بِهِ عَمَّا لم يعين فِيهِ الْجرْح بِأَن يَقُول: فلَان ضَعِيف أَو مَجْرُوح فَلَا ترده بِمُجَرَّد قَوْله، بل يتَوَقَّف عَن الرِّوَايَة عَنهُ حَتَّى يظْهر لنا حَاله وَيعرف مَقْصُوده بقوله مَجْرُوح.
أَو بدعته وَهِي اعْتِقَاد مَا أحدث على خلاف الْمَعْرُوف عَن النَّبِي لَا معاندة بل بِنَوْع شُبْهَة وَإِن كَانَت ضَعِيفَة جدا.
أَو سوء حفظه وَهُوَ عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته هَذَا مَا فِي نُسْخَة، وَفِي أُخْرَى وَهُوَ عبارَة عَمَّن يَسْتَوِي غلطه وإصابته قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَقَوله فِي النُّسْخَة الأولى عَمَّن يكون غلطه
[ ٢ / ٣٤ ]
أقل من إِصَابَته لَا يُوَافق قَوْله فِيمَا بعد من لم يرجح وَقَوله فِي النُّسْخَة الْأُخْرَى يستوى هُوَ الْمُوَافق لَهُ. انْتهى.
وَلم يقف البقاعي على الثَّانِيَة فتعقبه بِأَنَّهُ: مُخَالف لما يَأْتِي فِي تَفْسِير السَّبَب الْعَاشِر عِنْد تَفْصِيل ذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمرَاد بِهِ من لم يرجح / جَانب إِصَابَته على جَانب خطأه وَلَو قَالَ هُنَا: وَهِي عبارَة عَمَّا لَا يكون غلطه أقل (من) إِصَابَته ليُوَافق ذَلِك. انْتهى.
وَاعْلَم أَن مَا جرى عَلَيْهِ المُصَنّف من هَذَا التَّرْتِيب هُوَ مَا اخْتَارَهُ، وَالْمَوْجُود فِي كَلَام بعض الْمُحدثين (خِلَافه) . فقد قَالَ الْخطابِيّ: شَرها الْمَوْضُوع - وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ - ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمَجْهُول.
وَقَالَ الزركشى فِي " مُخْتَصره " فَمَا ضعفه لَا لعدم اتِّصَاله
[ ٢ / ٣٥ ]
سَبْعَة أَصْنَاف: شَرها الْمَوْضُوع، ثمَّ المدرج، ثمَّ المقلوب، ثمَّ الْمُنكر، ثمَّ الشاذ، ثمَّ الْمُعَلل، ثمَّ المضطرب. انْتهى.
قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: وَهَذَا تَرْتِيب حسن، وَيَنْبَغِي جعل الْمَتْرُوك قبل المدرج، وَأَن يُقَال فِيمَا ضعفه لعدم اتِّصَال: شَره المعضل، ثمَّ الْمُنْقَطع، ثمَّ المدلس، ثمَّ الْمُرْسل.
وَنقل الشمني عَن الجوزقاني: إِن المعضل أَسْوَأ حَالا من الْمُنْقَطع، والمنقطع أَسْوَأ حَالا من الْمُرْسل. ثمَّ اعْتَرَضَهُ: بِأَن ذَلِك إِذا كَانَ الِانْقِطَاع فِي مَوضِع وَاحِد، وَإِلَّا فَهُوَ يُسَاوِي المعضل.
فالقسم الأول: وَهُوَ الطعْن بكذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ هُوَ الْمَوْضُوع.
[ ٢ / ٣٦ ]
قَالَ بَعضهم: فِي حمله الْمَوْضُوع على الْقسم الأول الَّذِي هُوَ الطعْن نظر، إِلَّا أَن يؤول الطعْن بالمطعون.
وَيُسمى الْمَصْنُوع والمختلق، وَقد جعل الذَّهَبِيّ بَين الْمَوْضُوع والضعيف نوعا سَمَّاهُ الْمَطْرُوح وعرفه بِأَنَّهُ مَا نزل عَن رُتْبَة الضَّعِيف وارتقى عَن رُتْبَة الْمَوْضُوع، وَمثل لَهُ بِحَدِيث عَمْرو بن شمر عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الْحَارِث عَن عَليّ، وبجويبر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَجعله الْمُؤلف من أَفْرَاد الْمَتْرُوك.
وَالْحكم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الظَّن (الْغَالِب) لَا بِالْقطعِ،
[ ٢ / ٣٧ ]
إِذْ قد يصدق الكذوب، لَكِن لأهل الْفَنّ ملكة قَوِيَّة يميزون بهَا ذَلِك، وَإِنَّمَا يقوم بذلك مِنْهُم من يكون اطِّلَاعه تَاما، وذهنه ثاقبا، وفهمه قَوِيا، ومعرفته بالقرائن الدَّالَّة على ذَلِك متمكنة.
قَالَ الرّبيع بن خَيْثَم: إِن للْحَدِيث ضوء كضوء النَّهَار تعرفه، وظلمة كظلمة اللَّيْل تنكره.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الحَدِيث الْمُنكر يقشعر مِنْهُ جلد طَالب الْعلم، وينفر مِنْهُ قلبه.
وَقيل لِابْنِ الْمُبَارك: هَذِه الْأَحَادِيث المصنوعة؟ قَالَ: تعيش
[ ٢ / ٣٨ ]
لَهَا الجهابذة (إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون) .
وَقد يعرف الْوَضع بِإِقْرَار وَاضعه قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَكِن لَا يقطع بذلك أَي بِكَوْنِهِ غير مُوَافق لما فيي نَفسِي الْأَمر لاحْتِمَال أَن يكون كذب فِي ذَلِك الْإِقْرَار. انْتهى.
وَيدل لَهُم قَوْلهم: المُرَاد بِالصَّحِيحِ والضعيف مَا هُوَ الظَّاهِر لَا مَا فِي نفس الْأَمر.
وَفهم مِنْهُ بَعضهم وَهُوَ الذَّهَبِيّ فِي " الموقظة " أَنه لَا يعْمل بذلك الْإِقْرَار (أصلا) وَلَيْسَ ذَلِك مُرَاده أَي مُرَاد ابْن دَقِيق الْعِيد وَإِنَّمَا نفى الْقطع بذلك، وَلَا يلْزم من نفي الْقطع نفي الحكم، لِأَن الحكم يتبع الظَّن الْغَالِب، وَهُوَ هُنَا كَذَلِك، وَلَوْلَا ذَلِك لما سَاغَ
[ ٢ / ٣٩ ]
قتل الْمُعْتَرف بِالْقَتْلِ وَلَا رجم الْمُعْتَرف بِالزِّنَا لَا حتمال أَن يَكُونَا كاذبين فِيمَا اعترفا بِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهل يثبت بِالْبَيِّنَةِ على أَنه وَضعه؟ يشبه أَن يكون فِيهِ التَّرَدُّد فِي أَن شَهَادَة الزُّور هَل تثبت بِبَيِّنَة؟ مَعَ الْقطع بِأَنَّهُ لَا يعْمل بِهِ. انْتهى.
وَألْحق بِإِقْرَارِهِ مَا ينزل منزلَة الْإِقْرَار: كَأَن يحدث بِحَدِيث عَن شيخ وَيسْأل عَن مولده فيذكر تَارِيخا يعلم موت الشَّيْخ قبله، وَلَا يعرف ذَلِك الحَدِيث إِلَّا عِنْده. وَمن الْقَرَائِن المفيدة للوضع مَا يُؤْخَذ من حَال الرواي كَمَا وَقع لمأمون بن أَحْمد إِنَّه ذكر بِحَضْرَتِهِ الْخلاف فِي كَون الْحسن سمع من
[ ٢ / ٤٠ ]
أبي هُرَيْرَة أَو لَا؟ فساق إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي أَنه قَالَ: سمع الْحسن من أبي هُرَيْرَة.
وَقيل لَهُ: أَلا ترى إِلَى الإِمَام الشَّافِعِي (وَمن) تَابعه بخراسان؟ فَقَالَ فَوْرًا: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله حَدثنَا عبد الله بن معدان الْأَزْدِيّ عَن أنس مَرْفُوعا: " يكون فِي أمتِي رجل يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس أضرّ على أمتِي من إِبْلِيس، وَرجل يُقَال لَهُ أَبُو حنيفَة هُوَ سراج أمتِي ".
وكما وَقع لغياث بن إِبْرَاهِيم إِنَّه دخل على الْمهْدي فَوَجَدَهُ يلْعَب بالحمام، فساق فِي الْحَال إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي (إِنَّه
[ ٢ / ٤١ ]
قَالَ): لَا سبق (بِالتَّحْرِيكِ) - إِلَّا فِي نصل، أَو خف، أَو حافر. فَزَاد فِيهِ: أَو جنَاح. فَعرف الْمهْدي أَنه كذب لأجل والسبق محركة: المَال الَّذِي تقع الْمُسَابقَة / عَلَيْهِ.
وَمِمَّا دلّ على وَضعه قرينَة فِي الرَّاوِي مَا أسْندهُ الْحَاكِم عَن سيف
[ ٢ / ٤٢ ]
ابْن عمر التَّمِيمِي: كنت عِنْد سعد بن طريف فجَاء ابْنه من الْكتاب يبكي، فَقَالَ لَهُ: مَالك؟ قَالَ: ضَرَبَنِي الْمعلم. قَالَ: لأخزينه الْيَوْم حَدثنِي عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: " معلمو صِبْيَانكُمْ شِرَاركُمْ، أقلهم رَحْمَة للْيَتِيم وأغلظهم على الْمِسْكِين ".
وَمِنْهَا: مَا يُؤْخَذ من حَال الْمَرْوِيّ كَأَن يكون مناقضا لنَصّ الْقُرْآن، أَو السّنة المتواترة، أَو الْإِجْمَاع الْقطعِي، أَو صَرِيح الْعقل حَيْثُ لَا يقبل شَيْء من ذَلِك التَّأْوِيل. أَو نَحْو ذَلِك: كركاكة لَفظه وَمَعْنَاهُ كالأحاديث الطَّوِيلَة المروية فِي موت الْمُصْطَفى وَغير ذَلِك، كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ كَابْن الصّلاح.
قَالَ الْمُؤلف: والمدار بِالْحَقِيقَةِ على ركة الْمَعْنى، فَحَيْثُ وجدت
[ ٢ / ٤٣ ]
دلّ على الْوَضع وَإِن انْتَفَت ركة اللَّفْظ، فَإِن هَذَا الدّين كُله محَاسِن والركة ترجع إِلَى الرداءة. وَأما ركة اللَّفْظ فَقَط فَلَا تدل لاحْتِمَال الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، نعم إِن صرح بسماعة من لفظ الْمُصْطَفى فكاذب.
وككون الْحس يَدْفَعهُ، وككونه خَبرا عَن أَمر جسيم تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله بِحَضْرَة جمع ثمَّ لم يَنْقُلهُ عَنهُ إِلَّا وَاحِد، وككونه فِيهِ إفراط بالوعيد الشَّديد على أَمر صَغِير أَو وعد عَظِيم على فعل / حقير، وَهَذَا كثير فِي حَدِيث الْقصاص. ذكره كُله الْمُؤلف وَسَبقه إِلَى غالبه الزَّرْكَشِيّ فَقَالَ: يعرف بِإِقْرَار وَاضعه كَمَا قيل لأبي عصمَة نوح بن أبي مَرْيَم: من أَيْن لَك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي
[ ٢ / ٤٤ ]
فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة، وَلَيْسَ عِنْد أَصْحَاب عِكْرِمَة؟ قَالَ: رَأَيْت النَّاس أَعرضُوا عَنهُ وَاشْتَغلُوا بالفقه والمغازي فَوضعت هَذَا الحَدِيث احتسابا.
قَالَ: وَيعرف - أَيْضا - من حَال الرَّاوِي كَقَوْلِه سَمِعت فلَانا يَقُول، وَعلمنَا موت الْمَرْوِيّ عَنهُ قبل وجوده.
أَو من حَال الْمَرْوِيّ كركة لفظ حَيْثُ تمْتَنع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، ومخالفته الْقَاطِع وَلم يقبل التَّأْوِيل، أَو لتَضَمّنه لما تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله، أَو لكَونه أصلا فِي الدّين وَلم يتواتر كالنص الَّذِي زعم الرافضة دلَالَته على إِمَامَة عَليّ - ﵁.
وَفِي " جمع الْجَوَامِع " أخذا من " الْمَحْصُول ": الْمُعْتَمد أَن كل خبر أوهم بَاطِلا وَلم يقبل التَّأْوِيل فمكذوب. اه قَالَ الْبَيْضَاوِيّ
[ ٢ / ٤٥ ]
وَقع هَذَا عَن الثِّقَات لَا عَن تعمد بل لنسيان كَمَا رُوِيَ أَن ابْن عمر روى أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله فَبلغ ابْن عَبَّاس فَقَالَ: ذهل أَبُو عبد الرَّحْمَن انه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِيَهُودِيٍّ يبكي على ميت فَقَالَ: " إِنَّه يبكي عَلَيْهِ وَإنَّهُ يعذب ".
أَو لالتباس لفظ، أَو تَغْيِير عبارَة كَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وقف على قَتْلَى بدر فَقَالَ: " هَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا؟ " / ثمَّ قَالَ: " إِنَّهُم الْآن يسمعُونَ مَا أَقُول ". فَبلغ ذَلِك عَائِشَة فَقَالَت: لَا بل قَالَ: إِنَّهُم ليعلمون مَا أَقُول، أَن الَّذِي
[ ٢ / ٤٦ ]
كنت أَقُول لَهُم هُوَ الْحق.
أَو لِأَنَّهُ ذكره الرَّسُول حِكَايَة فَحسب الرَّاوِي أَنه قَوْله، كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة: " الشؤم فِي ثَلَاث "، فَقَالَت عَائِشَة: إِنَّمَا قَالَه حِكَايَة عَن غَيره.
أَو لِأَن مَا قَالَه كَانَ مُخْتَصًّا بِسَبَب فَنقل الرَّاوِي عَنهُ كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة: " التَّاجِر فَاجر ". فَقَالَت عَائِشَة: إِنَّمَا قَالَه فِي تَاجر مُدَلّس.
[ ٢ / ٤٧ ]
وَمن الْمَقْطُوع بكذبه مَا ثَبت عِنْد من الْأَخْبَار وَلم يُوجد عِنْد أَهله من صُدُور الروَاة وبطون الْكتب، قَالَ الْعِزّ ابْن جمَاعَة: وَقد تنَازع فِي إفضائه إِلَى الْقطع غَايَته غَلَبَة الظَّن.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَمَا أحسن قَول الْقَائِل: إِذا رَأَيْت الحَدِيث يباين الْمَعْقُول، أَو يُخَالف الْمَنْقُول، أَو يُنَاقض الْأُصُول، فَاعْلَم أَنه مَوْضُوع.
وَمن الْمُخَالف لِلْعَقْلِ مَا رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أسلم عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: " إِن سفينة نوح طافت بِالْبَيْتِ سبعا وصلت عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ".
وَقد ألف ابْن الْجَوْزِيّ كتاب " الموضوعات "، وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٨ ]
انتقادات، قَالَ الْمُؤلف: وغالب مَا فِي كتاب ابْن الْجَوْزِيّ مَوْضُوع وَالَّذِي ينْتَقد عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لما لَا ينْتَقد قَلِيل جدا.
ثمَّ الْمَوْضُوع تَارَة يخترعه الْوَاضِع كأكثر الموضوعات / وَتارَة يَأْخُذ كَلَام غَيره كبعض السّلف الصَّالح أَو الزهاد أَو الْحُكَمَاء أَو الْإسْرَائِيلِيات كَحَدِيث " الْمعدة بَيت الدَّاء وَالْحمية رَأس الدَّوَاء ". لَا أصل لَهُ من كَلَام الْمُصْطَفى بل هُوَ كَلَام الْحَارِث بن كلدة طَبِيب الْعَرَب.
وَمثله الْعِرَاقِيّ فِي " شرح الألفية " بِحَدِيث: " حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة " فَإِنَّهُ كَلَام مَالك بن دِينَار كَمَا رَوَاهُ ابْن (أبي الدُّنْيَا فِي
[ ٢ / ٤٩ ]
نظمه " المكايد "، أَو كَلَام عِيسَى ابْن مَرْيَم كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد. وَلَا أصل لَهُ فِي الحَدِيث إِلَّا من مَرَاسِيل الْحسن وَهِي عِنْدهم شبه الرّيح. قَالَ الْمُؤلف: لَكِن إِسْنَاده إِلَى الْحسن حسن، ومراسيله أثنى عَلَيْهَا ابْن الْمَدِينِيّ.
أَو يَأْخُذ حَدِيثا ضَعِيف الْإِسْنَاد فيركب لَهُ إِسْنَادًا صَحِيحا ليروج. وَقيل: إِن الْحَافِظ ابْن دحْيَة كَانَ يفعل ذَلِك.
[ ٢ / ٥٠ ]
وَالْحَامِل للواضع على الْوَضع: إِمَّا اتِّبَاع هوى بعض الرؤساء كقصة الْمهْدي، وَالْأَحَادِيث الَّتِي وضعت فِي الدولة العباسية نصوصا على إِمَامَة الْعَبَّاس وَأَوْلَاده إِلَى قيام السَّاعَة، أَو التكسب والارتزاق بِهِ فِي قصصهم.
أَو عدم الدّين كالزنادقة فيفعل أحدهم ذَلِك طَعنا فِي الدّين، وتنفيرا للعقلاء عَنهُ، كَمَا رُوِيَ أَنه قيل لَهُ: يَا رَسُول الله: مِم رَبنَا؟ فَقَالَ: " خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نَفسه عَن ذَلِك الْعرق ". تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا.
[ ٢ / ٥١ ]
أَو غَلَبَة الْجَهْل كبعض / المتعبدين كَمَا وَقع لغلام بِبَغْدَاد كَانَ يتعبد ويتزهد وَيتْرك الشَّهَوَات، فَقيل لَهُ عِنْد مَوته: حسن ظَنك؟ قَالَ: كَيفَ لَا وَقد وضعت سبعين حَدِيثا فِي فضل عَليّ. فَمَاتَ فأغلقت بَغْدَاد لمشهده.
أَو فرط العصبية كبعض المقلدين أَي كفرط تعصبه لمَذْهَب إِمَامه على مَذْهَب غَيره، فَيَضَع ذَلِك تقريرا لمذهبه وردا للخصم، كَمَا رُوِيَ أَنه قَالَ: " سَيَجِيءُ أَقوام
[ ٢ / ٥٢ ]
من أمتِي يَقُولُونَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَمن قَالَ ذَلِك فقد كفر، " وَطلقت امْرَأَته لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لمؤمنة أَن تكون تَحت كَافِر ".
أَو الإغراب لقصد الاشتهار كَأَن يقلب سَنَد الحَدِيث المستغرب فيرغب فِي سماعهَا كَمَا وَقع لِابْنِ أبي دحْيَة،
[ ٢ / ٥٣ ]
وبهلول بن عبيد، وأصرم بن حَوْشَب وَغَيرهم.
وكل ذَلِك حرَام بِإِجْمَاع من يعْتد بِهِ إِلَّا أَن بعض الكرامية وَبَعض المتصوفة نقل عَنْهُم إِبَاحَة (الْوَضع فِي) التَّرْغِيب والترهيب وَهُوَ خطأ فَاحش من فَاعله، نَشأ عَن جهل لِأَن التَّرْغِيب من جملَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة.
قَالَ فِي " التَّقْرِيب " - كَأَصْلِهِ:
[ ٢ / ٥٤ ]
وأعظمهم ضَرَرا قوم ينسبون إِلَى الزّهْد وضعوه حسبَة لله فِي زعمهم الْفَاسِد فَقبلت موضوعاتهم ثِقَة بهم، وركونا لَهُم. وَلِهَذَا قَالَ يحيى الْقطَّان: مَا رَأَيْت الْكَذِب فِي أحد أَكثر مِنْهُ فِيمَن ينْسب للخير - أَي لعدم علمهمْ بتفرقة مَا يجوز لَهُم وَيمْتَنع عَلَيْهِم. اه قَالَ ابْن عدي: كَانَ وهب بن حَفْص من الصلحاء قلت عشْرين سنة لَا يكلم أحده وَكَانَ يكذب فِي الحَدِيث.
وَأعظم الْبلَاء من الْقصاص يَفْعَلُونَ ذَلِك ترقيقا لقلوب الْعَوام
[ ٢ / ٥٥ ]
وترغيبا فِي الْأَذْكَار والأوراد، كَمَا يحْكى أَن أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن معِين حضرا مَسْجِد رصافة، فَقَامَ قاص فَقَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن معِين وسَاق بإسنادهما حَدِيثا أَن: من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله خلق الله من كل كلمة مِنْهَا طيرا منقاره من ذهب. . وَأخذ فِي قصَّة طَوِيلَة فَنظر يحيى إِلَى أَحْمد وَقَالَ: أَنْت حدثته. فَقَالَ: مَا سمعته إِلَّا السَّاعَة. فَدَعَاهُ يحيى وَقَالَ: مَا سمعنَا بِهَذَا قطّ. قَالَ: مَا زلت أسمع أَن يحيى أَحمَق وَمَا تحققته إِلَّا السَّاعَة، لَيْسَ فِي الدُّنْيَا غيركما أَحْمد وَيحيى قد كتبت على سَبْعَة عشر أَحْمد وَيحيى ابْن معِين.
[ ٢ / ٥٦ ]
وَمن الْمَوْضُوع: حَدِيث فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة كَمَا مر، وَضعه ميسرَة بن عبد ربه، وَأَخْطَأ من ذكره من الْمُفَسّرين كَالثَّعْلَبِيِّ، والزمخشري، والبيضاوي.
وَمِنْه أَحَادِيث الْأرز، والعدس، والباذنجان
[ ٢ / ٥٧ ]
والهريسة وفضائل من أُسَمِّهِ أَحْمد وَمُحَمّد، ووصايا عَليّ وَأَحَادِيث الْعقل.
[ ٢ / ٥٨ ]
وَحَدِيث القس بن سَاعِدَة وَغير ذَلِك. وَاتَّفَقُوا أَي الْعلمَاء قاطبة على أَن تعمد الْكَذِب على النَّبِي من الْكَبَائِر، وَبَالغ الْجُوَيْنِيّ بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَة إِلَى جوينة نَاحيَة / بنيسابور، وقرية بسرخس، وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ. فَكفر
[ ٢ / ٥٩ ]
من تعمد الْكَذِب عَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيّ: حكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن أَبِيه: أَن من كذب على رَسُول الله عمدا كفر. ثمَّ رده: بِأَنَّهُ لم يره لأحد من الْأَصْحَاب، وَأَنه هفوة عَظِيمَة. وَفِي " الْإِحْيَاء ": أَنه من الْكَبَائِر الَّتِي لَا يقاومها شَيْء.
وَاتَّفَقُوا - أَيْضا - على تَحْرِيم رِوَايَة الْمَوْضُوع إِلَّا مَقْرُونا ببيانه كَأَن يُقَال: هَذَا حَدِيث مَوْضُوع وتسميته حَدِيثا إِنَّمَا هُوَ بزعم وَاضعه.
بقوله: " من حدث عَنى بِحَدِيث يرى - بِضَم فَفتح يظنّ، وبفتحتين يعلم، وَالْأول أشهر - أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين " بِصِيغَة الْجمع بِاعْتِبَارِهِ كَثْرَة النقلَة، وبالتثنية بِاعْتِبَار المفترى والناقل عَنهُ، رَوَاهُ مُسلم وَأحمد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب.
[ ٢ / ٦٠ ]
الحَدِيث الْمَتْرُوك
وَالْقسم الثَّانِي من أَقسَام الْمَرْدُود: وَهُوَ مَا يكون بِسَبَب تُهْمَة الرَّاوِي بِالْكَذِبِ هُوَ الْمَتْرُوك. وَمثل لَهُ الْمُؤلف بِحَدِيث صَدَقَة الدقيقي عَن فرقد عَن مرّة عَن أبي بكر، وَحَدِيث عَمْرو بن شمر عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن
[ ٢ / ٦١ ]
الْحَارِث عَن عَليّ. وَالسُّديّ الصَّغِير مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ الْمُؤلف: هَذِه سلسلة الْكَذِب لَا الذَّهَب.
الحَدِيث الْمُنكر
وَالثَّالِث: الْمُنكر على رَأْي من لَا يشْتَرط فِي الْمُنكر قيد الْمُخَالفَة قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: قَوْله وَالثَّالِث الْمُنكر على رَأْي متن، وَقَوله / من لَا . إِلَى آخِره شرح وَلَيْسَ من الدمج بِشَيْء، فَكَانَ اللايق أَن يَقُول: على رَأْي هُوَ رَأْي من لَا. . إِلَى آخِره.
وَالْمرَاد بالمخالفة: مُخَالفَة من هُوَ أحفظ مِنْهُ، وأضبط، فالمنكر
[ ٢ / ٦٢ ]
عِنْد صَاحب هَذَا: الرَّاوِي الْفَرد الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيه من الثِّقَة والضبط مَا يجْبر تفرده.
وَكَذَا الرَّابِع وَالْخَامِس: فَمن فحش غلطه، أَو كثرت غفلته، أَو ظهر فسقه فَحَدِيثه مُنكر.
[ ٢ / ٦٣ ]
الحَدِيث الْمُعَلل
ثمَّ الْوَهم وَهُوَ الْقسم السَّادِس، وَإِنَّمَا أفْصح بِهِ الْمُؤلف فِي الْمَتْن وَكَذَا بِمَا بعده وَلم يقل وَالسَّادِس كَمَا قَالَ فِيمَا قبله: وَالْأول كَذَا وَالثَّانِي كَذَا إِلَى آخِره لطول الْفَصْل. قَالَ الْمزي فِي " الْأَطْرَاف ": وَالوهم تَارَة يكون فِي الضَّبْط، وَتارَة يكون فِي القَوْل، وَتارَة يكون فِي الْكِتَابَة.
ثمَّ الْوَهم الْمَذْكُور هُنَا إِن اطلع عَلَيْهِ أَي على الْوَهم أَي وهم الرَّاوِي بالقرائن الدَّالَّة على وهم رَاوِيه من وصل مُرْسل أَو مُنْقَطع (أَو رفع مَوْقُوف) أَو إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث، أَو نَحْو ذَلِك من الْأَشْيَاء القادحة الَّتِي يغلب على الظَّن عدم صِحَة الحَدِيث أَو التَّرَدُّد فِيهِ.
وَيحصل معرفَة ذَلِك بِكَثْرَة التتبع وَجمع الطّرق وَالنَّظَر فِي
[ ٢ / ٦٤ ]
اخْتِلَاف رُوَاته وضبطهم وإتقانهم وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ الْمُعَلل قَالَ بعض من لقيناه: لَيْسَ الْمُعَلل هُوَ الْوَهم الَّذِي اطلع عَلَيْهِ بالقرائن / وَإِنَّمَا هُوَ الْخَبَر الَّذِي وَقع فِيهِ ذَلِك فالعلة حصلت بِسَبَب الْوَهم. انْتهى.
وَعدل عَن تَسْمِيَة أكَابِر الْمُحدثين كالترمذي، وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن عدي، والخليلي لَهُ بالمعلول لقَوْل ابْن الصّلاح: إِنَّه مَرْدُود عِنْد أهل اللُّغَة. وَقَول النَّوَوِيّ: إِنَّه لحن.
وَهُوَ أَي هَذَا النَّوْع من أغمض أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث وأدقها وَأَشْرَفهَا وَلَا يقوم بِهِ إِلَّا من رزقه الله فهما ثاقبا، وحفظا وَاسِعًا، وَمَعْرِفَة تَامَّة بمراتب الروَاة، وملكة قَوِيَّة بِالْأَسَانِيدِ والمتون أَي بمعرفتها وَلِهَذَا لم يتَكَلَّم فِيهِ إِلَّا الْقَلِيل من أهل هَذَا الشَّأْن
[ ٢ / ٦٥ ]
الجهابذة الْكِبَار كعلي بن الْمَدِينِيّ فألف فِيهِ تأليفا حافلا وَأحمد ابْن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ، وَيَعْقُوب بن شيبَة، وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ.
وَألف فِيهِ تأليفا مُسْتقِلّا وَأبي زرْعَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ (والخلال) وأضرابهم.
فالعلة: عبارَة عَن سَبَب غامض خَفِي قَادِح مَعَ أَن الظَّاهِر السَّلامَة.
قَالَ الْحَاكِم: وَإِنَّمَا يُعلل الحَدِيث من أوجه لَيْسَ للجرح فِيهَا مدْخل.
وَقَالَ ابْن مهْدي: لِأَن أعرف عِلّة حَدِيث وَاحِد أحب إِلَيّ من أَن أكتب عشْرين حَدِيثا لَيست عِنْدِي.
وَقد تقصر عبارَة الْمُعَلل عَن إِقَامَة حجَّة على دَعْوَاهُ
[ ٢ / ٦٦ ]
كالصيرفي فِي نقد الدِّينَار وَالدَّرَاهِم. وَلِهَذَا قَالَ ابْن مهْدي: معرفَة عِلّة / الحَدِيث إلهام، لَو قلت للْعَالم: من أَيْن هَذَا؟ لم يكن لَهُ عَلَيْهِ حجَّة.
وَتَقَع الْعلَّة فِي الْإِسْنَاد - وَهُوَ الْأَكْثَر - وَفِي الْمَتْن وَمَا وَقع فِي الْإِسْنَاد قد يقْدَح فِيهِ وَفِي الْمَتْن - أَيْضا - كالإرسال وَالْوَقْف، وَقد يقْدَح فِي الْإِسْنَاد فَقَط وَيكون الْمَتْن مَعْرُوفا صَحِيحا.
وَقد تطلق الْعلَّة على غير مقتضاها ككذب الرَّاوِي، وفسقه، وغفلته، وَسُوء حفظه، وَنَحْو ذَلِك من أَسبَاب ضعف الحَدِيث.
فَائِدَة:
قَالَ البُلْقِينِيّ فِي المحاسن: أجل كتاب ألف فِي الْعِلَل
[ ٢ / ٦٧ ]
كتاب ابْن الْمَدِينِيّ، ثمَّ ابْن أبي حَاتِم، والخلال. وأجمعها كتاب الدَّارَقُطْنِيّ. انْتهى.
وَقد ألف المُصَنّف فِيهَا كِتَابه " الزهر المطلول فِي الْخَبَر الْمَعْلُول ".
الحَدِيث المدرج
ثمَّ الْمُخَالفَة وَهِي السَّابِع، إِن كَانَت وَاقعَة بِسَبَب تَغْيِير السِّيَاق - أَي سِيَاق الْأَسَانِيد - ف الحَدِيث الْوَاقِع فِيهِ ذَلِك التَّغْيِير فَهُوَ مدرج الْإِسْنَاد (على المُصَنّف) فَقَالَ بَعضهم: الْوَاقِع فِيهِ التَّغْيِير هُوَ السَّنَد وَلَيْسَ مدرج الْإِسْنَاد بل مدرج فِيهِ، فتغييره غير قويم.
وَيدْرك ذَلِك بوروده مفصلا فِي رِوَايَة أُخْرَى أَو بِالنَّصِّ
[ ٢ / ٦٨ ]
على ذَلِك من الرَّاوِي، أَو من بعض أَئِمَّة الْفَنّ وَهُوَ (أَي مدرج الْإِسْنَاد) أَقسَام: - الأول: أَن يروي جمَاعَة الحَدِيث بأسانيد مُخْتَلفَة وَيَرْوِيه عَنْهُم راو وَاحِد فَيجمع الْكل على إِسْنَاد وَاحِد من تِلْكَ الْأَسَانِيد / وَلَا يتَبَيَّن الِاخْتِلَاف.
مِثَاله: حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن الثَّوْريّ عَن وَاصل وَمَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن عبد الله قلت: يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم؟ . . الحَدِيث فرواية وَاصل مدرجة على رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش؛ لِأَن واصلا لم
[ ٢ / ٦٩ ]
يذكر فِيهِ عمرا، بل. . يَجعله عَن أبي وَائِل عَن عبد الله. . وَقد بَين الإسنادين مَعًا يحيى الْقطَّان فِي رِوَايَته عَن الثَّوْريّ، وَفصل أَحدهَا عَن الآخر كَمَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره.
٢ - الثَّانِي: أَن يكون الْمَتْن عِنْد راو وَاحِد إِلَّا طرفا مِنْهُ، فَإِنَّهُ عِنْده بِإِسْنَاد آخر فيرويه راو آخر عَنهُ تَاما بِالْإِسْنَادِ الأول. وَلَا يذكر إِسْنَاد الطّرف الثَّانِي (كَذَا ذكره) الْمُؤلف.
وَاعْتَرضهُ الْكَمَال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِسْنَاد الأول شرطا،
[ ٢ / ٧٠ ]
وَإِنَّمَا المُرَاد أحد الإسنادين. انْتهى.
مِثَال ذَلِك: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زَائِدَة وَشريك فرقهما وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة كلهم عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن وَائِل بن حجر فِي صفة صَلَاة الْمُصْطَفى وَفِيه: ثمَّ جئتهم بعد ذَلِك فِي زمَان فِيهِ برد شَدِيد فَرَأَيْت النَّاس عَلَيْهِم جلّ الثِّيَاب تحرّك أَيْديهم تَحت الثِّيَاب) . . قَوْله: ثمَّ جئتهم بعد ذَلِك لَيْسَ هُوَ
[ ٢ / ٧١ ]
بِهَذَا / الْإِسْنَاد، وَإِنَّمَا أدرج وَهُوَ من رِوَايَة عَاصِم عَن عبد الْجَبَّار بن وَائِل عَن بعض أَهله عَن وَائِل. رَوَاهُ هَكَذَا مُبينًا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَأَبُو بدر شُجَاع بن الْوَلِيد (فميزا) قصَّة تَحْرِيك الأيادي من تَحت الثِّيَاب، وفصلاها من الحَدِيث ذكرا إسنادهما كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَمِنْه أَن من هَذَا أَن يسمع الحَدِيث من شَيْخه بِلَا وَاسِطَة إِلَّا طرفا مِنْهُ، فيسمعه عَن شَيْخه بِوَاسِطَة فيرويه راو عَنهُ تَاما بِحَذْف
[ ٢ / ٧٢ ]
الْوَاسِطَة التَّامَّة.
٣ - الثَّالِث: أَن يكون عِنْد الرَّاوِي متنان مُخْتَلِفَانِ بِإِسْنَادَيْنِ مُخْتَلفين فيرويهما راو عَنهُ مُقْتَصرا على أحد الإسنادين، أَو يروي أحد الْحَدِيثين بِإِسْنَادِهِ الْخَاص بِهِ لَكِن يزِيد فِيهِ من الْمَتْن الآخر مَا لَيْسَ فِي الأول.
مِثَال ذَلِك: حَدِيث سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس رَفعه: " لَا تباغضوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تدابروا، وَلَا تنافسوا. . الحَدِيث فَقَوله " وَلَا تنافسوا " أدرجه ابْن أبي مَرْيَم من حَدِيث آخر
[ ٢ / ٧٣ ]
لمَالِك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث، وَلَا تجسسوا، وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا " وكلا الْحَدِيثين مُتَّفق عَلَيْهِ من طَرِيق مَالك، وَلَيْسَ فِي الأول " وَلَا تنافسوا " وَإِنَّمَا هِيَ فِي الثَّانِي.
٤ - الرَّابِع: أَن يَسُوق الرَّاوِي الْإِسْنَاد فَيعرض لَهُ عَارض فَيَقُول كلَاما من قبيل نَفسه / فيظن بعض من سَمعه أَن ذَلِك الْكَلَام هُوَ متن ذَلِك الْإِسْنَاد فيرويه عَنهُ كَذَلِك.
كَحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل الطلحي عَن ثَابت بن
[ ٢ / ٧٤ ]
مُوسَى الزَّاهِد عَن شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر مَرْفُوعا: " من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ ". قَالَ الْحَاكِم: دخل ثَابت على شريك وَهُوَ يَقُول: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر: قَالَ رَسُول الله وَسكت ليكتب الْمُسْتَمْلِي فَلَمَّا نظر إِلَى ثَابت قَالَ: من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ، وَقصد بذلك ثَابتا لزهده وتهجده، فَظن ثَابت أَنه متن ذَلِك الْإِسْنَاد، فَكَانَ يحدث بِهِ. وَقَالَ ابْن حبَان: وَإِنَّمَا هُوَ قَول شريك. فَهَذَا يشبه الْمَوْضُوع بِغَيْر قصد وَلَيْسَ مَوْضُوع حَقِيقَة.
هَذِه (الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة) أَقسَام مدرج الْإِسْنَاد.
وَأما مُقَابِله وَهُوَ مدرج الْمَتْن: فَهُوَ أَن يَقع فِي الْمَتْن كَلَام لَيْسَ مِنْهُ قَالَ بعض من لقيناه: الْوَاقِع هُوَ المدرج لَا الْوُقُوع الْمعبر عَنهُ بِأَن يَقع، ثمَّ أَن قَوْله أَن يَقع فِي الْمَتْن مَعَ جعله المدرج يكون مصاحبا لآخر الْمَتْن فِيهِ تجوز، إِذْ كَونه مُتَّصِلا بِآخِرهِ لَا يُطلق عَلَيْهِ أَنه فِيهِ. انْتهى.
[ ٢ / ٧٥ ]
فَتَارَة فِي أَوله، وَتارَة فِي أَثْنَائِهِ، وَتارَة فِي آخِره، وَهُوَ أَي وُقُوعه فِي الآخر هُوَ الْأَكْثَر وهبه وُقُوعه فِي الأول، وَإِنَّمَا كَانَ وُقُوعه فِي الأول أَكثر لِأَنَّهُ يَقع بعطف جملَة على جملَة.
كَذَا ادَّعَاهُ المُصَنّف، وَتعقبه / الْكَمَال ابْن أبي شرِيف بِأَن فِي صلاحيته تعليلا - كَمَا ذكره - وَقْفَة للمتأمل.
أَو بدمج مَوْقُوف من كَلَام بعض الصَّحَابَة أَو من بعدهمْ من
[ ٢ / ٧٦ ]
التَّابِعين وتابع التَّابِعين بمرفوع أَي بمتن مَرْفُوع من كَلَام النَّبِي من غير فصل (وَلَا يتَبَيَّن) فَهَذَا هُوَ مدرج الْمَتْن.
قَالَ المُصَنّف: وَالْبَاقِي بمرفوع يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى من أَو مَعَ. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم أما اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى مَعَ فوارد نَحْو (﴿اهبط بِسَلام﴾ وَقد دخلُوا بالْكفْر)، إِمَّا بِمَعْنى من فَلم أَقف عَلَيْهِ.
وَيدْرك الإدراج بورود رِوَايَة مفصلة للقدر المدرج مِمَّا أدرج فِيهِ، أَو بالتنصيص على ذَلِك من الرَّاوِي أَو من بعض الْأَئِمَّة المطلعين، أَو اسْتِحَالَة كَون النَّبِي يَقُول ذَلِك.
[ ٢ / ٧٧ ]
وَمِثَال وُقُوعه فِي الأول: حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد وَفِيه: إِذا قلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك. . الحَدِيث فَإِن هَذَا مدرج من كَلَام ابْن مَسْعُود.
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الْخَطِيب مَرْفُوعا: " أَسْبغُوا الْوضُوء، ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار ". فَقَوله " أَسْبغُوا الْوضُوء " مدرج من قَول أبي
[ ٢ / ٧٨ ]
هُرَيْرَة كَمَا بَين فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن ابْن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أَسْبغُوا الْوضُوء فَإِن أَبَا الْقَاسِم قَالَ: " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار. . إِلَى آخِره ".
وَمِثَال وُقُوعه فِي الْوسط: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة عبد الحميد ابْن جَعْفَر عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن / بسرة بنت صَفْوَان مَرْفُوعا: من مس ذكره أَو أنثييه أَو رفغيه فَليَتَوَضَّأ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ:
[ ٢ / ٧٩ ]
كَذَا رَوَاهُ عبد الحميد عَن هِشَام وَوهم. . فِي ذكر الْأُنْثَيَيْنِ والرفغ وإدراجه لذَلِك فِي حَدِيث بسرة، وَالْمَحْفُوظ أَنه قَول عُرْوَة لَا قَول النَّبِي، وَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَات عَن هِشَام. ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أَيُّوب بِلَفْظ: من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ. قَالَ كَانَ عُرْوَة يَقُول: إِذا مس رفغيه أَو أنثييه أَو ذكره فيتوضأ. اه فعروة لما فهم من لفظ الْخَبَر أَن سَبَب نقض الْوضُوء مَظَنَّة الشَّهْوَة جعل حكم مَا قرب من الشَّهْوَة كَذَلِك فقاله، فَظن بعض الروَاة أَنه من الحَدِيث فنقله مدرجا فِيهِ.
[ ٢ / ٨٠ ]
وَخبر عَائِشَة فِي بَدو الْوَحْي: كَانَ الْمُصْطَفى يَتَحَنَّث فِي غَار حراء - وَهُوَ التَّعَبُّد - اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد. فَقَوله " وَهُوَ التَّعَبُّد ". مدرج من كَلَام الزُّهْرِيّ. وأمثلة ذَلِك كَثِيرَة.
وَمِثَال وُقُوعه فِي الآخر - وأمثلته لَا تحصى: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي خَيْثَمَة عَن الْحسن بن الْحر عَن الْقَاسِم بن مخيمرة عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن النَّبِي أَخذ بِيَدِهِ وَعلمه التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة، فَذكر التَّشَهُّد وَفِي آخِره: فَإِذا قلت هَذَا أَو قضيت
[ ٢ / ٨١ ]
فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ، وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. قَالَ ابْن الصّلاح: قَوْله إِذا قلت هَذَا. . إِلَى آخِره من كَلَام ابْن مَسْعُود / لَا من كَلَام النَّبِي لِأَن الثِّقَة الزَّاهِد عبد الرَّحْمَن بن ثَابت، وَالْحُسَيْن الْجعْفِيّ، وَابْن عجلَان، وَغَيرهم رَوَوْهُ عَن الْحسن ابْن الْحر بترك إِذا قلت. . إِلَى آخِره.
وَرَوَاهُ شَبابَة عَن أبي خَيْثَمَة وَبَين أَنه من قَول عبد الله فَقَالَ: قَالَ عبد الله: إِذا قلت هَذَا. . إِلَى آخِره رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: شَبابَة ثِقَة.
والمدرج فِي الْمَتْن يعرف بِأُمُور: -
١ - أَحدهَا: أَن يمْتَنع صُدُور ذَلِك الْكَلَام من النَّبِي كَحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " للْعَبد الْمَمْلُوك أَجْرَانِ "، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَاد وَالْحج وبر أُمِّي لَا أَحْبَبْت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك فَقَوله وَالَّذِي. إِلَى آخِره من كَلَام أبي هُرَيْرَة لِامْتِنَاع تمني الْمُصْطَفى الرّقّ، وَأمه لم تكن إِذْ ذَاك مَوْجُودَة حَتَّى يبرها.
[ ٢ / ٨٢ ]
٢ - ثَانِيهَا: أَن يُصَرح الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك، كَحَدِيث ابْن مَسْعُود عَنهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: من مَاتَ وَهُوَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة وَمن مَاتَ وَهُوَ يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار. كَذَا رَوَاهُ احْمَد بن عبد الْجَبَّار العطاردي (عَن أبي بكر بن عَيَّاش. . وَرَوَاهُ الْأسود بن عَامر شَاذان وَغَيره) عَن أبي بكر بن عَيَّاش بِلَفْظ. .
[ ٢ / ٨٣ ]
سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " من جعل لله ندا دخل النَّار "، وآخرى أقولها وَلم أسمعها مِنْهُ: من مَاتَ لَا يَجْعَل لله دخل الْجنَّة.
٣ - ثَالِثهَا: أَن يُصَرح بعض الروَاة بتفصيله كَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد الَّذِي / تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ: وَحكمه - أَي الإدراج - بأقسامه أَنه حرَام بِإِجْمَاع أهل الحَدِيث وَالْفِقْه لَكِن قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: عِنْدِي أَن مَا أدرج لتفسير غَرِيب لَا يمْنَع، وَلذَلِك فعله الزُّهْرِيّ وَغير وَاحِد من الْأَئِمَّة. اه
[ ٢ / ٨٤ ]
وَقد نقل عَن الْمَاوَرْدِيّ، وَالرُّويَانِيّ، وَابْن السَّمْعَانِيّ، أَنهم قَالُوا: إِن من تعمد الإدراج سَاقِط الْعَدَالَة، وَهُوَ كمن يحرف الْكَلم عَن موَاضعه فَكَانَ مُلْحقًا بالكذابين.
وَقد صنف الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي أَقسَام المدرج كتابا سَمَّاهُ: " الْفَصْل فِي الْوَصْل المدرج فِي النَّقْل " شفى بِهِ وَكفى. قَالَ الْمُؤلف: ولخصته أَنا وزدت عَلَيْهِ من الْأَشْيَاء المهمة قدر مَا ذكر مرَّتَيْنِ أَو أَكثر فجَاء كتابا حافلا جَامعا، وَهُوَ مَوْجُود الْآن يُسمى " تقريب الْمنْهَج لترتيب المدرج ".
[ ٢ / ٨٥ ]
الحَدِيث المقلوب
أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بِتَقْدِيم وَتَأْخِير - أَي - فِي الْأَسْمَاء: كمرة بن كَعْب وَكَعب بن مرّة، لِأَن اسْم أَحدهمَا اسْم أبي الآخر فَهَذَا هُوَ المقلوب.
قَالَ بعض من لقيناه: وسيحيء قَرِيبا مَا يُشِير إِلَى أنِشرطه أَن يَقع غَلطا. ثمَّ إِن هَذَا مَا ذكره الْمُؤلف هُنَا. وَقَالَ فِي كتاب آخر: المقلوب أَن تخْتَلف الروَاة فِي اسْم وَاحِد فيرويه بَعضهم على الصَّوَاب، ويهم بَعضهم فَيَجْعَلهُ إباه وَيجْعَل إباه هُوَ، كمرة بن كَعْب فَجعله بَعضهم: كَعْب بن مرّة، بِخِلَاف المشتبه، فَإِنَّهُ يكون راويان أَحدهمَا / اسْم أبي الآخر. انْتهى.
وللخطيب الْبَغْدَادِيّ فِيهِ أَي المقلوب مؤلف مُفْرد وَهُوَ كتاب " رَافع
[ ٢ / ٨٦ ]
الارتياب فِي المقلوب من الْأَسْمَاء والأنساب ".
وَقد يَقع الْقلب فِي الْمَتْن - أَيْضا - كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم فِي صَحِيحَة فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظلّ عَرْشه يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله فَفِيهِ: وَرجل تصدق بصدقه أخفاها حَتَّى لَا تعلم يَمِينه مَا تنْفق شِمَاله. فَهَذَا مِمَّا انْقَلب على أحد الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ " حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
[ ٢ / ٨٧ ]
وَمثل لَهُ شَيْخه البُلْقِينِيّ - أَيْضا - بِمَا رَوَاهُ حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة مَرْفُوعا: إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا. . الحَدِيث. رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان وَالْمَشْهُور من حَدِيث ابْن عمر وَعَائِشَة: إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم. فَالرِّوَايَة بِخِلَاف ذَلِك مَقْلُوبَة. وَيُمكن أَن يُسمى ذَلِك بالمعكوس، ويفرد بِنَوْع مُسْتَقل. اه.
[ ٢ / ٨٨ ]
وَمثل لَهُ السُّيُوطِيّ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوهُ، وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شئ فَاجْتَنبُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم. فَإِن الْمَعْرُوف مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ وَمَا أَمرتكُم بِهِ فافعلوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم.
وَجعل النَّوَوِيّ كَابْن / الصّلاح الْقلب فِي الْإِسْنَاد قسمَيْنِ:
١ - الأول: أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا براو فَيجْعَل مَكَانَهُ آخر فِي طبقته، نَحْو حَدِيث مَشْهُور عَن سَالم جعل عَن نَافِع ليرغب فِيهِ لغرابته. اه وَعَن مَالك جعل عَن عبيد الله بن عمر قَالَ
[ ٢ / ٨٩ ]
ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطلق على رَاوِيه: أَنه يسرق الحَدِيث. ٢ - الثَّانِي: أَن يُؤْخَذ إِسْنَاد متن فَيجْعَل على متن آخر وَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا قد يقْصد بِهِ الإغراب فَيكون كالوضع، وَقد يفعل اختبارا لحفظ الْمُحدث، أَو لقبوله التَّلْقِين. اه. وَقد يَقع الْقلب غَلطا لَا قصدا كَحَدِيث رَوَاهُ جرير بن حَازِم عَن ثَابت عَن أنس مَرْفُوعا: إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني.
[ ٢ / ٩٠ ]
فَهَذَا حَدِيث انْقَلب إِسْنَاده على جرير وَهُوَ مَشْهُور ليحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن الْمُصْطَفى.
[ ٢ / ٩١ ]
الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد
وَإِن كَانَت الْمُخَالفَة بِزِيَادَة راو فِي أثْنَاء الْإِسْنَاد وَمن لم يزدها أتقن مِمَّن زَادهَا فَهَذَا هُوَ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد.
ومثاله: مَا روى ابْن الْمُبَارك قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد حَدثنِي بسر بن عبيد الله سَمِعت أَبَا إِدْرِيس الْخَولَانِيّ سَمِعت وَاثِلَة يَقُول: سَمِعت أَبَا مرْثَد يَقُول: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا. فَذكر سُفْيَان وَأبي إِدْرِيس فِي هَذَا الْإِسْنَاد زِيَادَة وَوهم، فالوهم فِي سُفْيَان مِمَّن
[ ٢ / ٩٢ ]
دون ابْن الْمُبَارك، لِأَن الثِّقَات رَوَوْهُ عَن ابْن الْمُبَارك (عَن ابْن جَابر نَفسه من غير ذكر سُفْيَان)، وَمِنْهُم من صرح فِيهِ بالإخبار. وَالوهم فِي أبي إِدْرِيس من ابْن الْمُبَارك، فَإِن الثِّقَات رَوَوْهُ عَن ابْن. يزِيد فَلم يذكرُوا أَبَا إِدْرِيس (بَين بسر وواثلة، وَمِنْهُم من صرح بِسَمَاع بسر من وَاثِلَة) . وَقد حكم الْأَئِمَّة - البُخَارِيّ وَغَيره - على ابْن الْمُبَارك بالوهم فِيهِ. اه
وَقد صنف الْخَطِيب فِي هَذَا النَّوْع كتابا سَمَّاهُ: (تَمْيِيز الْمَزِيد فِي مُتَّصِل
[ ٢ / ٩٣ ]
الْأَسَانِيد) فِي كثير مِنْهُ نظر.
قَالَ الْمُؤلف - كَغَيْرِهِ - وَشَرطه أَي هَذَا النَّوْع أَن يَقع التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ (فِي مَوضِع الزِّيَادَة وَإِلَّا أَي وَإِن لم يَقع التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ) فِي موضعهَا فَمَتَى كَانَ مُعَنْعنًا مثلا كَأَن كَانَ بِحرف عَن أَو نَحْوهَا مِمَّا لَا يَقْتَضِي الِاتِّصَال ترجحت الزِّيَادَة، لِأَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة.
[ ٢ / ٩٤ ]
الحَدِيث المضطرب
أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بإبداله - أَي الرَّاوِي - أَي بإبدال الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ، كَأَن يروي اثْنَان حَدِيثا فيرويه أَحدهمَا عَن شيخ، وَالْآخر عَن آخر، ويتفقان فِيمَا بعد ذَلِك الشَّيْخ، قَالَ (بَعضهم): وَلَو قَالَ الْمُؤلف: أَي بإبدال راو كَانَ أولى.
وَلَا مُرَجّح لأحد الرِّوَايَتَيْنِ على الْأُخْرَى لحفظ، أَو كَثْرَة صُحْبَة على من خَالفه وَلَا بِمن خَالفه عَلَيْهِ فَهُوَ المضطرب أَي النَّوْع / الْمُسَمّى بِالِاضْطِرَابِ.
وَيكون ذَلِك غَالِبا فِي الْإِسْنَاد، كَحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن
[ ٢ / ٩٥ ]
حُرَيْث عَن جده حُرَيْث عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: إِذا صلى أحدكُم فليجعل شَيْئا تِلْقَاء وَجهه. . الحَدِيث فقد اخْتلف فِيهِ على إِسْمَاعِيل، فَرَوَاهُ بشر بن الْمفضل - وَغَيره - هَكَذَا، وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَنهُ عَن أبي عَمْرو بن حُرَيْث عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ غير الْمَذْكُورين على هَيْئَة أُخْرَى. أما إِذا كَانَت لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ - أَو الرِّوَايَات - مُرَجّح كحفظ رواتها، أَو كَثْرَة (صُحْبَة) الْمَرْوِيّ عَنهُ، أَو غير ذَلِك من وُجُوه المرجحات،
[ ٢ / ٩٦ ]
فَالْحكم للراجحة وَلَا (يكون الحَدِيث مضطربًا لَا الرِّوَايَة الراجحة وَلَا) المرجوحة بل هِيَ شَاذَّة أَو مُنكرَة على مَا مر.
وَاعْلَم أَن الْعِرَاقِيّ فِي " الفيتة " قد جعل جَمِيع ذَلِك من أَقسَام المقلوب.
وَهُوَ أَي الِاضْطِرَاب الْمشَار إِلَيْهِ بالمضطرب يَقع فِي الْإِسْنَاد - غَالِبا - كَمَا مثلنَا. وَقد يَقع فِي الْمَتْن كَحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس قَالَت: سَأَلت - أَو سُئِلَ - النَّبِي عَن الزَّكَاة؟ فَقَالَ: إِن فِي المَال لَحقا سوى الزَّكَاة. وحديثها - أَيْضا -: لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة، روى الأول التِّرْمِذِيّ، وَالثَّانِي ابْن مَاجَه.
[ ٢ / ٩٧ ]
وَهَذَا الِاضْطِرَاب لَا يحْتَمل التَّأْوِيل. اه قَالَ الْحَافِظ: لَكِن قل أَن يحكم الْمُحدث على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاخْتِلَاف / فِي الْمَتْن دون الْإِسْنَاد، لِأَن تِلْكَ وَظِيفَة الْمُجْتَهد فِي الحكم.
وَأعلم أَن الِاضْطِرَاب يُوجب ضعف الحَدِيث لإشعاره بِعَدَمِ الضَّبْط، الَّذِي هُوَ شَرط الصِّحَّة وَالْحسن. كَذَا أطلقهُ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - لَكِن قَالَ المُصَنّف: إِن الِاضْطِرَاب قد يُجَامع الصِّحَّة، وَذَلِكَ بِأَن يَقع الِاخْتِلَاف فِي اسْم رجل وَاحِد وَأَبِيهِ وَنسبه وَنَحْو ذَلِك،
[ ٢ / ٩٨ ]
وَيكون ثِقَة فَيحكم للْحَدِيث بِالصِّحَّةِ وَلَا يضر الِاخْتِلَاف فِيمَا ذكر مَعَ تَسْمِيَته مضطربا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة بِهَذِهِ المثابة.
وَسَبقه لذَلِك الزَّرْكَشِيّ فِي " مُخْتَصره " فَقَالَ: قد يدْخل الْقلب، والشذوذ، وَالِاضْطِرَاب فِي قسم الصَّحِيح وَالْحسن.
وَقد يَقع الْإِبْدَال عمدا لمن يُرَاد اختبار حفظه امتحانا من فَاعله كَمَا وَقع للْبُخَارِيّ والعقيلي (بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف) وَغَيرهمَا كشعبة، وَحَمَّاد بن سَلمَة. وَذَلِكَ أَن البُخَارِيّ لما دخل بَغْدَاد قلب عَلَيْهِ
[ ٢ / ٩٩ ]
أَهلهَا مائَة حَدِيث امتحانا لَهُ، فَردهَا على وجوهها فأذعنوا لَهُ لفضله.
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: وَفِي جَوَاز هَذَا الْفِعْل نظر.
لَكِن إِذا فعله لَا يسْتَمر حَدِيثا. فَلهَذَا قَالَ الْمُؤلف: وَشَرطه أَي شَرط جَوَازه أَن لَا يسْتَمر عَلَيْهِ أَي على الْمُبدل بل يَنْتَهِي بانتهاء الْحَاجة يَعْنِي لَا يبْقى الْمُبدل على صورته لِئَلَّا يظنّ أَنه ورد كَذَلِك عَن رَسُول الله ذكره الشَّيْخ قَاسم.
فلوا وَقع الْإِبْدَال عمدا لَا لمصْلحَة بل للإغراب مثلا فَهُوَ من / أَقسَام الْمَوْضُوع يقْدَح فِي فَاعله وَيُوجب رد حَدِيثه وَلَو وَقع غَلطا فَهُوَ من المقلوب أَو الْمُعَلل.
[ ٢ / ١٠٠ ]
مِثَاله للغلط: مَا رَوَاهُ يعلى بن عبيد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَاق النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام مائَة بَدَنَة فِيهَا جمل لأبي جهل. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ؟ فَقَالَ: هَذَا خطأ، إِنَّمَا هُوَ الثَّوْريّ عَن ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، وَالْخَطَأ فِيهِ من يعلى بن عبيد.
ومثاله لقصد الإغراب: حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: إِذا لَقِيتُم الْمُشْركين فِي طَرِيق فَلَا تبدوهم بِالسَّلَامِ. رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة شُعْبَة وَالثَّوْري وَجَرِير بن عبد الحميد وَعبد الْعَزِيز ابْن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي كلهم عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ حَمَّاد بن عَمْرو النصيبي عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح
[ ٢ / ١٠١ ]
عَن أبي هُرَيْرَة ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ.
وَقد يَقع الْإِبْدَال فِي الْمَتْن: كَحَدِيث ابْن خُزَيْمَة عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله قَالَ: إِن ابْن أم مَكْتُوم يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن بِلَال، وَكَانَ بِلَال لَا يُؤذن حَتَّى يرى الْفجْر. قَالَ السراج البُلْقِينِيّ: هَذَا مقلوب، وَالصَّحِيح من حَدِيث عَائِشَة: إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان ابْن أم / مَكْتُوم. وَكَانَ رجلا أعمى لَا يُنَادي حَتَّى يُقَال لَهُ: أَصبَحت، أَصبَحت. قَالَ: وَمَا تَأَوَّلَه ابْن خُزَيْمَة من أَنه يجوز أَن يكون النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام جعل الْأَذَان نوبا بَين بِلَال وَبَين ابْن أم مَكْتُوم بعيد.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَأبْعد مِنْهُ جزم ابْن حبَان بذلك. ذكره الشمني.
المؤلفات فِي المضطرب: -
وَقد ألف المُصَنّف فِي هَذَا النَّوْع كتابا جيدا سَمَّاهُ " المقترب فِي المضطرب ".
[ ٢ / ١٠٣ ]
الْمُصحف والمحرف
أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بتغيير حرف أَو حُرُوف مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط أَي صُورَة الْحُرُوف الخطية فِي السِّيَاق، فَإِن كَانَ ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى النقط فالمصحف.
وَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشكل يَعْنِي حَرَكَة الْحُرُوف مَعَ بَقَاء الْحُرُوف فالمحرف كتحريف سليم. . بسليم أَو عَكسه.
تَنْبِيه:
اعْترض الشَّيْخ قَاسم صَنِيع الْمُؤلف فَقَالَ: لَا يظْهر لهَذَا السِّيَاق كثير معنى وَيخرج من الشَّرْح، نظر فِي الْمَتْن لِأَن صَرِيح الشَّرْح أَن المحرف مَا وَقع التَّغْيِير فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَكَة الْحُرُوف، وصريح الْمَتْن أَن يكون بتغيير الْحُرُوف وَلَيْسَ كَذَلِك، فالباء بَاء، سَوَاء كَانَت مَضْمُومَة
[ ٢ / ١٠٤ ]
أَو مَفْتُوحَة أَو مَكْسُورَة.، إِن كَانَ المُرَاد أَعم من تَغْيِير الذَّات والهيئة فَمَا وَجهه؟ .
وَمَعْرِفَة هَذَا النَّوْع أَي الْمُصحف والمحرف مُهِمّ وَكَانَ الأولى أَن يَقُول مهمة، وَإِنَّمَا تحَققه حذاق الْحفاظ (وأجود كتاب فِيهِ كتاب) الدَّارَقُطْنِيّ (وَقد صنف فِيهِ) العسكري (وَالدَّارَقُطْنِيّ) / وَأكْثر مَا يَقع التَّصْحِيف والتحريف فِي الْمُتُون وَقد يَقع فِي الْأَسْمَاء الَّتِي فِي الْأَسَانِيد
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَمِنْه الْعَوام بن مواجم بِالْوَاو وَالْجِيم، صحفه ابْن معِين فَقَالَ: مُزَاحم - بالزاي والحاء الْمُهْملَة - وَعتبَة بن الندر بنُون مَضْمُومَة ومهملة مُشَدّدَة مَفْتُوحَة صحفه ابْن جرير بِالْمُوَحَّدَةِ ومعجمة.
وَمن الأول: حَدِيث زيد بن ثَابت أَن الْمُصْطَفى احتجر فِي الْمَسْجِد - وَهُوَ بالراء - أَي اتخذ حجرَة من نَحْو حَصِير يصلى عَلَيْهَا
[ ٢ / ١٠٦ ]
صحفه ابْن لَهِيعَة فَقَالَ: احْتجم - بِالْمِيم -.
وَحَدِيث من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال - بسين مُهْملَة، ومثناة فوقية -، صحفه الصولي فَقَالَ: شَيْئا - بِالْمُعْجَمَةِ والتحتية -.
وَحَدِيث مُعَاوِيَة: لعن رَسُول الله الَّذين
[ ٢ / ١٠٧ ]
يشققون الْخطب - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة المضمومة - صحفه وَكِيع بِفَتْح الْمُهْملَة، وَكَذَا صحفه ابْن شاهين فَقَالَ بعض الفلاحين - وَقد سَمعه: فَكيف يَا قوم وَالْحَاجة ماسة.
وَحَدِيث زر غبا تَزْدَدْ حبا (صحفه بَعضهم فَقَالَ: زرعنا تردد حنا) .
ثمَّ فسره بِأَن قوما كَانُوا لَا يؤدون زَكَاة زرعهم فَصَارَت كلهَا حناء.
فَائِدَة:
أورد الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب " التَّصْحِيف " كل تَصْحِيف وَقع للْعُلَمَاء
[ ٢ / ١٠٨ ]
حَتَّى فِي القرءان، وَمِنْه مَا رَوَاهُ أَن عُثْمَان بن أبي شيبَة قَرَأَ على أَصْحَابه فِي التَّفْسِير جعل السَّفِينَة فِي رجل أَخِيه فَقيل لَهُ إِنَّمَا هُوَ جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه: فَقَالَ أَنا وَأخي / أَبُو بكر لَا نَقْرَأ لعاصم. وَقَرَأَ عَلَيْهِم فِي التَّفْسِير: ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل فَقَالَهَا ألم يَعْنِي كأول الْبَقَرَة.
وَلَا يجوز تعمد تَغْيِير صُورَة الْمَتْن مُطلقًا عَن التَّقْيِيد أَي سَوَاء كَانَ فِي الْمُفْردَات، أَو فِي المركبات. ذكره الشَّيْخ قَاسم.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَلَا الِاخْتِصَار مِنْهُ بِالنَّقْصِ. أَي بِحَذْف بعضه وَلَا إِبْدَال اللَّفْظ المرادف لَهُ إِلَّا لعالم أَي عَارِف، (وَلَو عبر بِهِ كَانَ أولى) بمدلالولات الْأَلْفَاظ (وَذَلِكَ) لتمكنه تَمْيِيز الْمَحْذُوف من الْمُثبت وَتَحْقِيق ذَلِك. وَبِمَا يحِيل الْمَعْنى على الصَّحِيح فيهمَا.
فَيجوز للعارف مُطلقًا حَتَّى عِنْد من لم يجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى.
[ ٢ / ١١٠ ]
اخْتِصَار الحَدِيث
أما اخْتِصَار الحَدِيث فالأكثرون على جَوَازه بِشَرْط أَن يكون الَّذِي يختصره أَي يحذف مِنْهُ بعض اللَّفْظ عَالما أَي عَارِفًا، فَلَا يحذف مَا يتَعَلَّق بِمَا يبقيه، فَإِن حذفه غير جَائِز اتِّفَاقًا، فَلذَلِك قَالَ: لِأَن الْعَالم لَا ينقص من الحَدِيث إِلَّا مَا لَا تعلق لَهُ بِمَا يبقيه مِنْهُ بِحَيْثُ لَا تخْتَلف الدّلَالَة. أَي دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى قبل الْحَذف وَبعده. وَلَا يخْتل الْبَيَان حَتَّى يكون الْمَذْكُور والمحذوف بِمَنْزِلَة خبرين مستقلين لَا تعلق لأَحَدهمَا بِالْآخرِ وَمَا ذكره يدل على مَا حذفه أَو يتضمنه، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ فِي الْأَطْرَاف. بِخِلَاف الْجَاهِل فَإِنَّهُ قد ينقص مَا لَهُ تعلق كالاستثناء نَحْو حَدِيث مُسلم لَا تَبِيعُوا
[ ٢ / ١١١ ]
الذَّهَب بِالذَّهَب / وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا هَاء وهاء.
وكالغاية (نَحْو حَدِيث) الشَّيْخَيْنِ نهى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا.
أما مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ فَيجوز حذفه لِأَنَّهُ كَخَبَر مُسْتَقل، وَقيل لَا يجوز لاحْتِمَال أَن يكون للضم فَائِدَة تفوت بِالتَّفْرِيقِ، وَكَلَامه شَامِل لما إِذا كَانَ الرَّاوِي الْمُخْتَصر روى الحَدِيث أَولا تَاما. وَقد صرح بَعضهم بِخِلَافِهِ فَقَالَ: إِذا رَوَاهُ تَاما ثمَّ خَافَ من رِوَايَته مُخْتَصرا أَن يتهم بِالزِّيَادَةِ أَو النَّقْص، (أَو بالغفلة وَقلة الضَّبْط)، فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع عَلَيْهِ.
[ ٢ / ١١٢ ]
الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى
وَأما الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَالْخِلَاف فِيهَا شهير، وَالْأَكْثَر على الْجَوَاز - أَيْضا -. وَعَلِيهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَأكْثر السّلف وَالْخلف من الْفُقَهَاء والأصوليين والمحدثين لَكِن الْعَارِف بمدلولات الْأَلْفَاظ، ومقاصدها، وَمَا يحِيل مَعَانِيهَا وَمَا لَا، مواقع الْكَلَام بِأَن يَأْتِي بِلَفْظ بدل آخر مسَاوٍ لَهُ فِي المُرَاد مِنْهُ وفهمه بِأَن يَأْتِي بِلَفْظ مسَاوٍ لَهُ فِي الْفَهم أَي فهم الْمَعْنى مِنْهُ - بِأَن يكون مثله فِي الْجلاء والخفاء، فَلَا يُبدل لفظا ظَاهرا لدلَالَة على معنى بِلَفْظ خَفِي الدّلَالَة على ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا الْعَكْس، لِأَنَّهُ ينشأ عَن ذَلِك تَقْدِيم مَا رتبته التَّأَخُّر أَو الْعَكْس، لوُجُوب تَقْدِيم أحد الْخَبَرَيْنِ المتعارضين على مُخَالفَة.
[ ٢ / ١١٣ ]
قَالَ بعض مَشَايِخنَا: فعلى هَذَا إِذا رَوَاهُ غَيره مِمَّن تقوم بِهِ الْحجَّة امْتنعت عَلَيْهِ الرِّوَايَة، وَالْمَقْصُود / الْمَعْنى وَاللَّفْظ آلَة لَهُ.
وَأما غير الْعَارِف فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك قطعا إِجْمَاعًا، ويشمل قَوْلهم: الْجَاهِل بالنحو لِأَن اللّحن يُغير الْمَعْنى، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من كَونه نحويا. قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ الْأَصْمَعِي: أخوف مَا إخاف على الطَّالِب العاري من النَّحْو دُخُوله فِي قَول الْمُصْطَفى من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار. والمصطفى مَحْفُوظ من اللّحن، فَمن روى عَنهُ ولحن فقد كذب عَلَيْهِ، واللاحن يحملهُ لحنه أَن يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيخرج مِنْهُ
[ ٢ / ١١٤ ]
مَا هُوَ فِيهِ.
وَلذَلِك قَالَ ابْن الصّلاح: فَحق على طَالب الحَدِيث أَن يتَعَلَّم من النَّحْو واللغة مَا يخلصه من شَيْئَيْنِ: اللّحن والتحريف.
وَالْوَاجِب فهم مُقَدّمَة فِيهِ أصُول مَقَاصِد النَّحْو بِحَيْثُ يُمَيّز بهَا حركات الْأَلْفَاظ وَالْإِعْرَاب، بِحَيْثُ لَا يلتبس عَلَيْهِ فَاعل بمفعول، وَلَا خبر بِأَمْر.
قَالَ المُصَنّف: وَأَقل مَا يَكْفِي مُرِيد الحَدِيث من الْعَرَبيَّة حفظه من اللّحن ويستأنس لَهُ بِمَا روينَاهُ: كُنَّا نؤمر - أَو كَانُوا يؤمرون - أَن نتعلم القرءان، ثمَّ السّنة ثمَّ الْفَرَائِض، ثمَّ الْعَرَبيَّة، ثمَّ الْحُرُوف الثَّلَاثَة: الْجَرّ وَالرَّفْع وَالنّصب. وَأما التوغل فِيهِ فمنهي عَنهُ لتعطيله على الْإِحَاطَة بِهَذَا الْفَنّ الَّذِي لَا يقبل شركَة فِي غَيره مَعَه.
وَكَذَلِكَ لم يكترث بعض الْأَئِمَّة بالنحو خوفًا على ضيَاع: الرِّوَايَة / كَأبي دَاوُد، وَالطَّيَالِسِي، وهشيم وَغَيرهم.
[ ٢ / ١١٥ ]
وَكَانَ فِي الروَاة قوم لَا يكترثون بِالْعَرَبِيَّةِ، وَاحْتج بروايتهم فِي الصِّحَاح. وَقَرَأَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ على الذهلي كتابا قَالَ لَهُ: قرأته عَلَيْك كَمَا قرأته أَنْت؟ قَالَ نعم إِلَّا اللحنة بعد اللحنة. فَقَالَ لَهُ: أَيهَا القَاضِي أسمعته معربا؟ قَالَ: لَا. قلت: هَذِه بِهَذِهِ.
وَمَا ورد من ذمّ طلب الحَدِيث إِن لم يبصر الْعَرَبيَّة فَمَحْمُول على الْمُحدث من لم يقف على شَيْء مِنْهُ كَمَا مر. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وعَلى الْمُحدث تعلم شَيْء من التصريف لتوقف معرفَة أَحْوَال أبنية الْكَلم الَّتِي لَيست بإعراب عَلَيْهِ.
وَأول من تكلم فِيهِ الْمعَانِي، إِذْ مَعْرفَته مُلَازمَة لمعْرِفَة النَّحْو لَا يفترقان، وَتعلم شَيْء من اللُّغَة لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهَا فِي معرفَة أَلْفَاظ الحَدِيث، ومشتبه الْأَسْمَاء واللغات والكنى والأنساب وَهُوَ ظَاهر فِي وُجُوبه، وَقد صرح ابْن الصّلاح بذلك فِي اللُّغَة، وَجزم المُصَنّف
[ ٢ / ١١٦ ]
بترجيح من عرف مُشكل الْأَسْمَاء والمتون على من عرف الْعَرَبيَّة. انْتهى.
وَمن أقوى حججهم الْإِجْمَاع على جَوَاز شرح الشَّرِيعَة للعجم بلسانهم للعارف بِهِ، فَإِذا جَازَ الْإِبْدَال بلغَة أُخْرَى فجوازه باللغة الْعَرَبيَّة أولى.
قَالَ بعض من لقيناه: قد يُقَال: إِنَّمَا جَازَ هُنَاكَ للضَّرُورَة فَلَا دلَالَة فِيهِ هُنَا.
وَقيل: إِنَّمَا يجوز فِي الْمُفْردَات دون المركبات. وَقيل: إِنَّمَا يجوز لمن / يستحضر اللَّفْظ ليتَمَكَّن من التَّصَرُّف وَقيل: إِنَّمَا يجوز لمن كَانَ يحفظ الحَدِيث فينسى لَفظه وَبَقِي مَعْنَاهُ مرتسما فِي ذهنه، فَلهُ أَن يرويهِ بِالْمَعْنَى لمصْلحَة تَحْصِيل الحكم مِنْهُ. (قَالَ بعض مَشَايِخنَا: فعلى هَذَا إِذا رَوَاهُ غَيره مِمَّن تقوم بِهِ الْحجَّة امْتنعت عَلَيْهِ الرِّوَايَة) . بِخِلَاف من كَانَ مستحضرا للفظة. وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل الْمَاوَرْدِيّ. قَالَ: فَإِن لم ينسه فَلَا، لفَوَات الفصاحة فِي كَلَام النَّبِي أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
[ ٢ / ١١٧ ]
وَقيل: يجوز إِن كَانَ مُوجبه - أَي الحَدِيث - علما - أَي اعتقادا -، فَإِن كَانَ مُوجبه عملا فَلَا يجوز فِي بعض، كَحَدِيث أبي دَاوُد - وَغَيره -: مِفْتَاح الصَّلَوَات الطّهُور، وتحريمها التَّكْبِير، وتحليلها التَّسْلِيم.
وَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ: خمس من الدَّوَابّ كُلهنَّ فَاسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم: الْغُرَاب، والحدأة، وَالْعَقْرَب، والفأرة، وَالْكَلب الْعَقُور.
وَيجوز فِي بعض. انْتهى وَقَوْلهمْ فِي بعض لم يذكرُوا للْبَعْض ضابطا، وَيُمكن أَن يضْبط بِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي إِيرَاده بِاللَّفْظِ مزية تفوت بإيراده
[ ٢ / ١١٨ ]
بِالْمَعْنَى كفوات الرُّتْبَة الْعليا من البلاغة فِي إِفَادَة الحكم الشَّرْعِيّ، فَإِن إِفَادَة اشْتِرَاط الطَّهَارَة وتقدمها على الصَّلَاة، وإفادة انْعِقَاد الصَّلَاة بالتكبيرة الأولى وانقضائها بِالسَّلَامِ لَو حصلت بِغَيْر الْأَلْفَاظ الْمشَار إِلَيْهَا لفاتت الْمرتبَة الْعليا من البلاغة.
وَقيل: يجوز / بِلَفْظ مرادف، وَاخْتَارَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِأَن يُؤْتى بِلَفْظ بدل مرادفه مَعَ بَقَاء التَّرْكِيب وموقع الْكَلَام على حَاله، بِخِلَاف مَا إِذا لم يُؤْتى بِلَفْظ مرادف فَلَا يجوز، لِأَن النَّبِي أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أُوتى جَوَامِع الْكَلم، وَأما غَيره فقد لَا يُوفي بِالْمَقْصُودِ.
وَأما من ذهب إِلَى منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى مُطلقًا كَابْن سِيرِين، وثعلب وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة لما فِيهِ من إِضَافَة
[ ٢ / ١١٩ ]
لفظ للنَّبِي ﵇ لم يقلهُ، وحذرا من التَّفَاوُت. وَإِن ظن النَّاقِل عَدمه فَإِن الْعلمَاء كثيرا مَا يَخْتَلِفُونَ فِي معنى الحَدِيث المُرَاد.
فَرد بِأَن الْكَلَام فِي الْمَعْنى الظَّاهِر لَا فِيمَا يخْتَلف فِيهِ، كَمَا أَنه لَيْسَ الْخلاف فِيمَا تعبد بِلَفْظِهِ من الْأَذْكَار: كالأذان، وَالتَّشَهُّد، وَالتَّكْبِير، وَالتَّسْلِيم فَلَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى قطعا، وَلَا فِيمَا هُوَ من جَوَامِع الْكَلم (الَّتِي أوتيها الْمُصْطَفى ﵇، فَلَا يجوز نقلهَا بِغَيْر الفاظها نَحْو: الْخراج بِالضَّمَانِ الْبَيِّنَة على
[ ٢ / ١٢٠ ]
الْمُدَّعِي، العجماء جَبَّار، لَا ضَرَر وَلَا ضرار، الْآن حمي الْوَطِيس.
[ ٢ / ١٢١ ]
وَلَا فِي الْمُتَشَابه فَلَا تجوز رِوَايَته بِالْمَعْنَى، بل ينْقل بِلَفْظِهِ ليَقَع الْإِيمَان بِلَفْظِهِ من غير تَأْوِيل، أَو بِتَأْوِيل على المذهبين السلَفِي والخلفي) .
وَجَمِيع مَا تقدم يتَعَلَّق بِالْجَوَازِ وَعَدَمه، وَلَا شكّ أَن الأولى إِيرَاد الحَدِيث بألفاظه المضبوطة عَن ناقليه وبتمامه دون التَّصَرُّف فِيهِ نعم كتب الْأَطْرَاف يَكْتَفِي فِيهَا بِبَعْض الحَدِيث مُطلقًا وَإِن لم يفد، وتقطيع الحَدِيث فِي الْأَبْوَاب كَمَا فعله البُخَارِيّ قَالَ ابْن الصّلاح: لَا يَخْلُو عَن كَرَاهَة. قَالَ النَّوَوِيّ: وَمَا أَظُنهُ يُوَافق عَلَيْهِ.
[ ٢ / ١٢٢ ]
قَالَ القَاضِي عِيَاض: يَنْبَغِي سد بَاب الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى مُطلقًا لِئَلَّا يتسلط من لَا يحسن مِمَّن يظنّ / أَنه يحسن. أَي يرى نَفسه أَنه يحسن وَلَيْسَ كَذَلِك. ذكره الشَّيْخ قَاسم. كَمَا وَقع لكثير من الروَاة قَدِيما وحديثا.
تَنْبِيهَانِ:
١ - الأول: قَالَ البُلْقِينِيّ: يجوز حذف زِيَادَة مَشْكُوك فِيهَا بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة، وَكَانَ مَالك - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - يَفْعَله تورعا. وَمحله فِي زِيَادَة لَا تعلق لَهَا بالمذكور، فَإِن تعلق ذكرهَا مَعَ الشَّك كَحَدِيث الْعَرَايَا فِي خَمْسَة أوسق، أَو دون خَمْسَة أوسق. اه. امْتنع.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الثَّانِي: ذهب المُصَنّف تبعا لجمع إِلَى جَوَاز النَّقْل من الْكتب والدفاتر وَإِن لم يكن حَدِيثه بِالْمَعْنَى، للعارف إِن قرنه بِمَا دلّ عَلَيْهِ كنحوه. وَأما مَا جرى عَلَيْهِ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ - كَابْن الصّلاح - من الْمَنْع مُطلقًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا سومح بذلك فِي الرِّوَايَة لما ضبط الْأَلْفَاظ والجمود عَلَيْهَا من الْحَرج، وَهُوَ مَفْقُود فِيمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ الْكتب. قَالَا: فَلَا يجوز أَن يُغير لفظ من كتاب مُصَنف بِلَفْظ آخر بِمَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ إِن ملك تَغْيِير اللَّفْظ فَلَيْسَ يملك تَغْيِير تصنيف غَيره اه.
فَرده ابْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ إِذا لم يؤد إِلَى تَغْيِير ذَلِك التصنيف فَلَا مَانع من الْجَوَاز إِذا نَقَلْنَاهُ إِلَى أجزائنا وتصانيفنا.
[ ٢ / ١٢٤ ]
شرح غَرِيب الحَدِيث
وَلما ذكر جَوَاز تَغْيِيره الْمَتْن بالمرادف أرشد إِلَى بَيَان مَا يكْشف ذَلِك مِنْهُ وَهُوَ شرح الْغَرِيب فَقَالَ: فَإِن خَفِي الْمَعْنى المُرَاد من الحَدِيث بِأَن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بقلة. أَي قَلِيل / الِاسْتِعْمَال احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح الْغَرِيب.
وَهُوَ فن مُهِمّ يقبح جَهله بِأَهْل الحَدِيث، والخوض فِيهِ صَعب، حقيق بِالتَّحَرِّي، جدير بالتوقي، فليحذر خائضه وليتق الله ربه أَن يقدم على تَفْسِير كَلَام نبيه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام رجما بِالظَّنِّ إِن بعض الظَّن إِثْم. وَكَانَ السّلف يتثبتون فِيهِ اشد التثبت، ويتحرون فِيهِ أعظم التَّحَرِّي، وَلِهَذَا لما سُئِلَ أَحْمد - ﵁ - عَن حرف مِنْهُ قَالَ: سلوا أهل الْغَرِيب، فَإِنِّي أكره أَن أَتكَلّم فِي الحَدِيث بِالظَّنِّ. وَسُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن معنى حَدِيث الْجَار أَحَق بسقبه؟ فَقَالَ: أَنا
[ ٢ / ١٢٥ ]
لَا أفسر حَدِيث رَسُول الله، وَلَكِن الْعَرَب تزْعم أَن السقب اللزيق.
وَقد أَكْثرُوا التصنيف فِيهِ، وَقيل: إِن أول من صنف فِيهِ النَّضر بن شُمَيْل، وَقيل أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى، ثمَّ النَّضر، ثمَّ الْأَصْمَعِي اه.
ثمَّ كثرت التصانيف وانتشرت (ككتاب أبي عبيد بِالتَّصْغِيرِ الْقَاسِم بن سَلام
[ ٢ / ١٢٦ ]
بشد اللَّام وَهُوَ غير مُرَتّب وَلَا مهذب وَقد رتبه الشَّيْخ موفق الدّين بن قدامَة بِالضَّمِّ من أكَابِر الْحَنَابِلَة والمحدثين على الْحُرُوف فسهل بذلك تنَاوله، لكنه مَعَ ذَلِك غير جَامع) وَأجْمع مِنْهُ كتاب ابي / عبيد (التصغير) الْهَرَوِيّ بِفتْحَتَيْنِ نِسْبَة إِلَى هراة مَدِينَة بخراسان الْمُسَمّى ب " الغريبين " وَقد اعتنى بِهِ الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو مُوسَى فَنقبَ عَلَيْهِ واستدرك فِي كتاب سَمَّاهُ " الذيل ". وَألف فِيهِ - أَيْضا - ابْن قُتَيْبَة، ثمَّ الْخطابِيّ، ثمَّ عبد الغافر الْفَارِسِي كتابا سَمَّاهُ " مجمع الغرائب "،
[ ٢ / ١٢٧ ]
ثمَّ السَّرقسْطِي كتابا سَمَّاهُ " غَرِيب الحَدِيث " وللزمخشري فِي هَذَا النَّوْع كتاب اسْمه " الْفَائِق " فِي مجلدين ضخمين حسن التَّرْتِيب بليغ الْعبارَة ثمَّ جمع الْجَمِيع أَي جَمِيع التصانيف المذكوره ابْن الْأَثِير فِي كتاب " النِّهَايَة " وَكتابه الْمَذْكُور أسهل الْكتب المذكوره تناولا وأحسنها وضعا مَعَ إعواز قَلِيل فِيهِ بل فَاتَهُ الْكثير، فذيل عَلَيْهِ الصفي الأرموي وَغَيره.
وَإِن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بِكَثْرَة لَكِن فِي مدلولة دقة احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح مَعَاني الْأَخْبَار وَبَيَان الْمُشكل فِيهَا، وَقد أَكثر
[ ٢ / ١٢٨ ]
الْأَئِمَّة من التصانيف فِي ذَلِك كالطحاوي فألف فِيهِ كتابا حافلا والخطابي وَأَبُو عمر ابْن عبد الْبر وَابْن فورك وَغَيرهم.
[ ٢ / ١٢٩ ]
الْجَهَالَة بالراوي
ثمَّ الْجَهَالَة بالراوي: وَهِي السَّبَب الثَّامِن فِي الطعْن كَذَا عبر الْمُؤلف - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَهِي الْقسم الثَّامِن من أَقسَام الطعْن.
وسببها أَمْرَانِ / أَحدهمَا: إِن الرَّاوِي قد تكْثر نعوته من أسم أَو كنية، أَو لقب، أَو صفة، أَو حرفه، أَو نسب إِلَى أَب، أَو بلد، أَو حِرْفَة فيشتهر بِشَيْء مِنْهَا فيذكر فِي سَنَد بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ لغَرَض من الْأَغْرَاض، فيظن أَنه آخر فَتحصل الْجَهَالَة بِحَالهِ. دون الْبَاقِي، أَو يروي عَنهُ جمع فيعرفه كل وَاحِد بِغَيْر مَا عرفه بِهِ الآخر، أَو يروي عَنهُ وَاحِد فيعرفه مرّة بِهَذَا مرّة بِذَاكَ فيلتبس على من لَا معرفَة عِنْده، بل وعَلى كثير من أهل الْمعرفَة.
وَأكْثر من يفعل ذَلِك المدلسون، وَيُسمى عِنْدهم تَدْلِيس الشُّيُوخ،
[ ٢ / ١٣٠ ]
وَهُوَ فن غويص جدا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ، فَإِن كَانَ الْغَرَض إخفاء ضعفه لكَونه لَو سمي عرف حَاله كَانَ ذَلِك قادحا فِي فَاعله، لِأَن فِيهِ إخراجا لذَلِك الرَّاوِي من حيّز الْقطع وتطرحه لكَونه متروكا والتسامح بقبوله لصيرورته مَجْهُولا وأقبح من ذَلِك أَن يكنى الضَّعِيف بكنية الثِّقَة الْمُسَمّى باسمه.
وصنفوا فِيهِ - أَي فِي هَذَا النَّوْع - الموضح لَا وهام الْجمع والتفريق وأجاد فِيهِ الْخَطِيب، وَسَبقه إِلَيْهِ عبد الْغَنِيّ وَهُوَ ابْن سعيد الْأَزْدِيّ ثمَّ الْمصْرِيّ، صنف كتابا نَافِعًا سَمَّاهُ " إِيضَاح الْإِشْكَال " ثمَّ الصُّورِي وَهُوَ تلميذ عبد الْغَنِيّ وَشَيخ الْخَطِيب.
وَمن أمثلته مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشر الْكَلْبِيّ الْمُفَسّر الْعَلامَة فِي
[ ٢ / ١٣١ ]
/ الْأَنْسَاب، أحد الضُّعَفَاء، وراوي حَدِيث ذَكَاة كل مسك دباغة نسبه بَعضهم وَهُوَ أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بنم أُسَامَة إِلَى جده فَقَالَ: مُحَمَّد بن بشر، وَسَماهُ بَعضهم: حَمَّاد بن السَّائِب، وكناه بَعضهم وَهُوَ مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق أَبَا النَّضر، وَبَعْضهمْ وَهُوَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ أَبَا سعيد وَلم يذكرُوا اسْمه لتوهم النَّاس أَنه إِنَّمَا روى عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ الصَّحَابِيّ (وَبَعْضهمْ: أَبَا هِشَام. فَهَذَا يظنّ أَنه جمَاعَة وَهُوَ وَاحِد) وَمن لَا يعرف (حَقِيقَة الْأَمر فِيهِ) وَهُوَ أَن هَذِه مسميات لمسمى وَاحِد لَا
[ ٢ / ١٣٢ ]
يعرف شَيْئا من ذَلِك.
وَمثل ذَلِك سَالم الرَّاوِي عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعُثْمَان وَعَائِشَة وَسعد بن أبي وَقاص. هُوَ سَالم أَبُو عبد الله الْمدنِي، وَسَالم مولى مَالك بن أَوْس، وَسَالم مولى شَدَّاد بن الْهَاد، وَسَالم مولى دوس، وَسَالم مولى الْمهرِي، وَأَبُو عبد الله مولى شَدَّاد.
وَمثله مُحَمَّد بن قيس الشَّامي المصلوب الوضاع دلّس اسْمه على خمسين وَجها، بل يُقَال: مائَة.
وَاسْتعْمل الْخَطِيب شَيْئا كثيرا من هَذَا، قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: وَتبع الْخَطِيب فِي ذَلِك المحدثون - خُصُوصا الْمُتَأَخِّرين - أخرهم شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر. وَلم أر الْعِرَاقِيّ فِي " أَمَالِيهِ " يصنع
[ ٢ / ١٣٣ ]
شَيْئا من ذَلِك. اه وَهَذَا النَّوْع عويص جدا.
وَالْأَمر الثَّانِي: الرَّاوِي / قد يكون مقلا من الحَدِيث فَلَا يكثر الْآخِذ عَنهُ. بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَلَيْسَ هُوَ الْآخِذ بِلَفْظ الْمصدر كَمَا وهم فِيهِ بَعضهم.
وَاعْترض: بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول الآخذون إِذْ لَا يلْزم من كثرت الْآخِذ كَثْرَة الآخذين.
وَالِاعْتِبَار فِي الْجَهَالَة وَعدمهَا بالآخذين وَبِقَوْلِهِ لَا يخفي مَا بَين قَوْله، فَلَا يكثر الْأَخْذ عَنهُ وَبَين قَوْله.
وَقد صنفوا فِيهِ الوحدان وَهُوَ من لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد، وَلَو سمى بالنباء للْمَفْعُول فَمِمَّنْ جمعه مُسلم، وَالْحسن بن سُفْيَان
[ ٢ / ١٣٤ ]
فألفا فِيهِ وَغَيرهمَا.
وَمن فَوَائده معرفَة الْمَجْهُول إِذا لم يكن صحابيا فَلَا يقبل. مِثَاله: وهب بن خنبش - بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة بَينهمَا نون سَاكِنة - الطَّائِي، وعامر بن شهر، وَعُرْوَة بن مُضرس، وَمُحَمّد بن صَفْوَان، وَمُحَمّد ابْن صَيْفِي صحابيون، لم يرو عَنهُ غير الشّعبِيّ. وأمثلته فِي التَّابِعين - فَمن بعدهمْ - كَثِيرَة.
[ ٢ / ١٣٥ ]
المبهمات
أَو لَا يُسمى الرَّاوِي اختصارا من الرَّاوِي عَنهُ، كَقَوْلِه أَخْبرنِي فلَان، أَو شيخ، أَو رجل، أَو بَعضهم، أَو ابْن فلَان. ويستدل على معرفَة اسْم الْمُبْهم بوروده مُسَمّى من طَرِيق أُخْرَى تسمى بِغَيْر ذَلِك.
وَقد صنفوا فِيهِ أَي فِيمَن ابهم اسْمه المبهمات وَهِي كَثِيرَة جدا، كَذَا ذكره المُصَنّف وَتعقبه الْكَمَال بن أبي شرِيف بِأَن مَوْضُوع كتب المبهمات / أَعم من ذَلِك، لتناولها تَفْسِير إِبْهَام صَاحب الْوَاقِعَة كجاء رجل وَالنَّبِيّ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم يخْطب. فَقَالَ رجل: إِلَّا الْإِذْخر، فَقَالَ
[ ٢ / ١٣٦ ]
رجل: (مَا أحْسنهَا) أكسنيها يَا رَسُول الله من الْحلَّة الَّتِي أهديت لَك. اه.
وَقد يكون الِاسْم الْمُبْهم فِي الْمَتْن، وَقد ألف فِيهِ عبد الْغَنِيّ، والخطيب، وَابْن بشكوال.
وَلَا يقبل حَدِيث الْمُبْهم فِي السَّنَد مَا لم يسم لِأَن شَرط قبُول الْخَبَر عَدَالَة راوية وَفِي بعض النّسخ عَدَالَة رُوَاته وَهِي الأصوب،
[ ٢ / ١٣٧ ]
وبإبهامه يَنْتَفِي تحقق الْعَدَالَة وظنها.
وَمن أبهم اسْمه لَا تعرف عينه فَكيف عَدَالَته؟ كَذَا عبر المُصَنّف، وَاعْتَرضهُ البقاعي بِأَنَّهُ تَعْبِير غير قويم، لِأَنَّهُ إِذا سمي خرج عَن كَونه مُبْهما فَلَا حَاجَة لتقييده بذلك، بل الصَّوَاب تَركه لإفهامه أَن حَدِيثه كَانَ مَقْبُولًا كَذَلِك فقد ذكر هُوَ على الْأَثر فِيهِ تَفْصِيلًا لَا يُقَال الْمَفْهُوم إِذا كَانَ فِيهِ تَفْصِيل لَا يرد، لأَنا نقُول ذَلِك لَا يدْفع الْأَوْلَوِيَّة فَلَو قَالَ لَا تعرف عينه فَلَا تعرف عَدَالَته كَانَ أولى.
تَنْبِيه:
لَو روى الثِّقَة عَن إِنْسَان سَمَّاهُ لم يكن تَعْدِيل، وَقيل هُوَ تَعْدِيل، لَكِن ذهب جمع إِلَى أَنه إِن كَانَ لَا يروي إِلَّا عَن عدل كالشيخين فتعديل إِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ ابْن الْجَزرِي.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَكَذَا لَا يقبل خَبره وَلَو أبهم بِلَفْظ التَّعْدِيل كَأَن يَقُول الرَّاوِي عَنهُ أَخْبرنِي أَو حَدثنِي الثِّقَة لِأَنَّهُ قد يكون / ثِقَة عِنْده مجروحا عِنْد غَيره. معما فِي ترك تَسْمِيَته من الرِّيبَة الموقعة فِي التَّرَدُّد. هَذَا مَا ذكره المُصَنّف.
ورده الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك تَقْدِيم الْجرْح المتوهم على التَّعْدِيل الثَّابِت وَهُوَ خلاف النّظر، على أَنه لَو عرف فِيهِ الْجرْح كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ وَلَيْسَ بمردود اه.
وَهَذَا على الْأَصَح فِي الْمَسْأَلَة. وَبِه قطع الْخَطِيب، والصيرفي، وارتضاه ابْن الْجَزرِي. وَجزم غَيرهم بِالْقبُولِ قَالُوا: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَا لَو عدله مَعَ التَّعْيِين لِأَنَّهُ مَأْمُون فِي الْحَالَتَيْنِ.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَحكى ابْن الصّلاح عَن بعض الْمُتَأَخِّرين: إِن الْقَائِل لذَلِك إِن كَانَ عَالما أَجْزَأَ فِي حق يُوَافقهُ فِي مذْهبه.
وبهذه النُّكْتَة لم يقبل الْمُرْسل وَلَو أرْسلهُ الْعدْل جَازِمًا بِهِ لهَذَا الِاحْتِمَال بِعَيْنِه.
قَالَ بَعضهم: وَهَذَا تكْرَار مَعَ قَوْله وبهذه النُّكْتَة. وَقيل: يقبل مُطلقًا كَمَا لَو عينه لِأَنَّهُ مَأْمُون فِي الْحَالَتَيْنِ وتمسكا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ السَّلامَة إِذْ الْجرْح على خلاف الأَصْل فالتمسك بِالظَّاهِرِ أولى. وَقيل: إِن كَانَ الْقَائِل عَالما أَجْزَأَ ذَلِك يَعْنِي من أَئِمَّة الحَدِيث وَالْفِقْه كَقَوْل الإِمَام الشَّافِعِي كثيرا: أَخْبرنِي الثِّقَة، وَكَذَا مَالك قَلِيلا. يَعْنِي كفى فِي حق من يُوَافقهُ من أَئِمَّة مذْهبه لِأَن واصفه من أَئِمَّة الحَدِيث وَالْفِقْه لَا يصفه بالثقة إِلَّا وَهُوَ كَذَلِك، وعَلى هَذَا جمَاعَة من الْمُحَقِّقين وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ والرافعي فِي شرح الْمسند / قَالَ السُّبْكِيّ: وَهُوَ
[ ٢ / ١٤٠ ]
الْوَجْه (لِأَن واصفه لَا يصفه بالثقة إِلَّا وَهُوَ كَذَلِك) .
وَقَول الصَّيْرَفِي والخطيب: لَا يقبل لجَوَاز أَن يكون فِيهِ جارح لم يطلع عَلَيْهِ الواصف. رد ببعد ذَلِك جدا مَعَ كَون مثل مَالك أَو الإِمَام الشَّافِعِي محتجا بِهِ على حكم دين الله.
وَهَذَا يعرف عِنْد كثير من الْمُحدثين بالتعديل على الْإِبْهَام، وَعند بَعضهم بالتعديل الْمُبْهم.
وَمثل مَا لَو قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: أَخْبرنِي من لَا أَتَّهِمهُ بِأَنَّهُ يقبل خلافًا للصيرفي وَغَيره. وَقَول الذَّهَبِيّ: لَيْسَ توثيقا بل نفيا
[ ٢ / ١٤١ ]
للاتهام. رد: بِأَن مثل ذَلِك إِذا وَقع من الشَّافِعِي يحْتَج بِهِ على حكم فِي دين الله كَانَ المُرَاد بِهِ مَا يُرَاد بِالْوَصْفِ بالثقة وَإِن كَانَ دونه فِي الرُّتْبَة.
وَيقبل من أقدم جَاهِلا على فعل مفسق مظنون كشرب نَبِيذ، أَو مَقْطُوع كشرب خمر فِي الْأَصَح، سَوَاء اعْتقد الْإِبَاحَة أم لم يعْتَقد شَيْئا لعذره بِالْجَهْلِ. أما الْمُقدم على المفسق عَالما فَلَا يقبل قطعا.
وَهَذَا لَيْسَ من مبَاحث عُلُوم الحَدِيث بل من مبَاحث علم أصُول الْفِقْه
[ ٢ / ١٤٢ ]
مَجْهُول الْعين
فَإِن سمى الرَّاوِي وَانْفَرَدَ راو وَاحِد بالرواية عَنهُ وَلم يشْتَهر بِنَفسِهِ بِطَلَب الْعلم، وَلَا بحرفة الْعلمَاء، وَلَا يعرف حَدِيثه إِلَّا من جِهَته فَهُوَ مَجْهُول الْعين عِنْد الْمُحدثين.
كالمبهم إِلَّا أَن يوثقه غير من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا اخْتِيَار الْقطَّان، وَقَيده الموثق / بِكَوْنِهِ من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَقد أهمله الْمُؤلف. وَقَالَ الشَّيْخ الْمَنَاوِيّ: وَفِي مَجْهُول الْعين خَمْسَة أَقْوَال، الْمُصَحح مِنْهَا عدم الْقبُول، لانضمام جَهَالَة الْعين إِلَى جَهَالَة الْحَال. وَكَذَا من ينْفَرد عَنهُ إِذا كَانَ متأهلا لذَلِك. قَالَ بَعضهم: مَا جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف هُوَ مَا حَكَاهُ الْخَطِيب فِي " كِفَايَته " عَنْهُم، ونازعه ابْن الصّلاح بِرِوَايَة
[ ٢ / ١٤٣ ]
البُخَارِيّ عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ، وَمُسلم عَن ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ وَلم يرو عَنْهُمَا غير وَاحِد وَهُوَ قيس بن أبي حَازِم عَن الأول، وَأَبُو سَلمَة عَن الثَّانِي. وَذَلِكَ مصير مِنْهُمَا إِلَى أَن الرَّاوِي يخرج عَن كَونه مَجْهُولا بِرِوَايَة وَاحِد عَنهُ.
قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّوَاب مَا نَقله الْخَطِيب وَلَا يَصح الرَّد عَلَيْهِ بذينك، فَإِنَّهُمَا صحابيان مشهوران، وَالصَّحَابَة عدُول فَلَا يحْتَاج فِي رفع الْجَهَالَة عَنْهُم إِلَى تعدد الروَاة. وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: إِن كَانَ الَّذِي انْفَرد عَنهُ راو وَاحِد من التَّابِعين يَنْبَغِي أَن يقبل خَبره، وَلَا يضرّهُ مَا ذكره المُصَنّف، لأَنهم قبلوا الْمُبْهم من الصَّحَابَة وَقَالُوا: كلهم عدُول. وَاسْتدلَّ لَهُ الْخَطِيب فِي " الْكِفَايَة "
[ ٢ / ١٤٤ ]
بِخَبَر خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، وَهَذَا بِعَيْنِه جَار فِي التَّابِعِيّ فَيكون الأَصْل الْعَدَالَة إِلَى أَن يقوم دَلِيل الْجرْح، وَالْأَصْل لَا يتْرك للاحتمال. انْتهى.
وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن كثير: الْمُبْهم إِذْ سمي وَلم يعرف عينه لَا يقبل رِوَايَته عِنْد أحد علمناه إِلَّا إِن كَانَ من عصر التَّابِعين.
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله إِن كَانَ متأهلا يُقَال عَلَيْهِ: مَا الْفرق بَين من يتفرد عَنهُ وَبَين غَيره حَتَّى يشْتَرط تأهل غير الْمُنْفَرد بالتوثيق دون الْمُنْفَرد.
(قَالَ الشَّيْخ الْقَاسِم): وَقَوله اثْنَان فَصَاعِدا قَيده ابْن الصّلاح
[ ٢ / ١٤٥ ]
بكونهما عَدْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَمن روى عَنهُ عَدْلَانِ ارْتَفَعت عَنهُ هَذِه الْجَهَالَة - أَي جَهَالَة الْعين.
وَقَالَ الْخَطِيب: أقل مَا يرفع الْجَهَالَة رِوَايَة اثْنَيْنِ مشهورين بِالْعلمِ. والمؤلف أهمل ذَلِك مَعَ كَونه لَا بُد مِنْهُ.
[ ٢ / ١٤٦ ]
مَجْهُول الْحَال
أَو أَن روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا وَلم يوثق أَو لم ينص أحد من أَئِمَّة الحَدِيث على تعديله وَلَا تجريحه فَهُوَ مَجْهُول الْحَال، وَهُوَ المستور وَهُوَ من لم يطلع لَهُ على مفسق وَلم تعلم عَدَالَته لعدم تزكيته وَقد قبل رِوَايَته جمَاعَة بِغَيْر قيد مِنْهُم ابْن فورك، وسليم الرَّازِيّ، وعزي لأبي حنيفَة اكْتِفَاء بِظَنّ حُصُول الشَّرْط لِأَن الظَّاهِر من عَدَالَته فِي (الظَّاهِر عَدَالَته فِي) الْبَاطِن. قَالَ ابْن الصّلاح: وَعَلِيهِ الْعَمَل فِي كتب الحَدِيث الْقَدِيمَة الْعَهْد وَتعذر خبْرَة باطنهم.
وردهَا الْجُمْهُور قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْمَشْهُور وَالتَّحْقِيق أَن رِوَايَة المستور وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ الِاحْتِمَال كمن جرح من غير بَيَان سَببه لَا
[ ٢ / ١٤٧ ]
يُطلق / القَوْل بردهَا وَلَا بقبولها بل يُقَال هُوَ مَوْقُوفَة (عَن الْقبُول وَالرَّدّ) إِلَى استبانه حَالَة بالبحث عَنهُ كَمَا جزم بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَنَحْوه قَول ابْن الصّلاح فِيمَن جرح بِجرح غير مُفَسّر (بِفَتْح السِّين)، وَعبارَة الإِمَام: يُوقف إِلَى تَبْيِين حَاله بالبحث عَنهُ، وَيجب الْكَفّ عَمَّا ثَبت حلّه بِالْأَصْلِ إِذا روى هُوَ التَّحْرِيم فِيهِ إِلَى الظُّهُور احْتِيَاطًا.
وَاعْترض ذَلِك التَّاج السُّبْكِيّ - مَعَ قَول الأبياري بِالْمُوَحَّدَةِ ثمَّ التَّحْتَانِيَّة - فِي " شرح الْبُرْهَان " أَنه مجمع عَلَيْهِ. بِأَن الْيَقِين لَا يرفع بِالشَّكِّ، يعْنى فالحل الثَّابِت بِالْأَصْلِ لَا يرفع بِالتَّحْرِيمِ الْمَشْكُوك فِيهِ كَمَا لَا يرفع الْيَقِين أَي استصحابه بِالشَّكِّ بِجَامِع الثُّبُوت.
[ ٢ / ١٤٨ ]
حكم رِوَايَة المبتدع
ثمَّ الْبِدْعَة، وَهِي السَّبَب التَّاسِع من أَسبَاب الطعْن فِي الرَّاوِي كَذَا عبر الْمُؤلف - ﵀ -.
قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَهِي الْقسم التَّاسِع من أَقسَام الطعْن فِي الرَّاوِي.
وَهِي لُغَة: مَا أحدث على غير مِثَال سبق. فَشَمَلَ الْمَحْمُود والمذموم. وَقد أجْرى فِيهَا ابْن عبد السَّلَام الْأَحْكَام الْخَمْسَة، وَالشَّرْع
[ ٢ / ١٤٩ ]
خصها بالمذموم وَهِي إِمَّا أَن تكون بمكفر كَأَن يعْتَقد مَا يسْتَلْزم الْكفْر كَذَا عبر بِهِ الْمُؤلف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَفِي التَّكْفِير باللازم كَلَام لأهل الْعلم /. انْتهى. وَلم يبين ذَلِك، وَقد بَينه ابْن أبي شرِيف فَقَالَ: لَيْسَ المُرَاد بِمن كفر ببدعة من أَتَى بِمَا هُوَ صَرِيح كفر كالغرابية وَنَحْوهم، بل من يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَقد الْإِسْلَام، غير أَنه ارْتكب بِدعَة يلْزمهَا أَمر هُوَ كفر، فكفره من يرى أَن لَازم الْمَذْهَب مَذْهَب كالمجسمة فَإِنَّهُ يلْزم قَوْلهم الْجَهْل بِاللَّه، وَالْجهل بِاللَّه كفر. وَيلْزمهُ أَن العابد لجسم غير عَابِد لله وَهُوَ كفر.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وَمن لَا يرى تكفيرهم يُجيب عَن الأول: بِأَن الْجَهْل بِاللَّه من بعض الْوُجُوه لَيْسَ بِكفْر بعد الْإِقْرَار بِوُجُودِهِ ووحدانيته، وَأَنه الْخَالِق الْعَلِيم، الْقَدِيم الأزلي، وبرسالة الرُّسُل.
وَعَن الثَّانِي: بِمَنْع كَونه عابدا لغير الله، بل هُوَ مُعْتَقد فِي الله ﷾ مَا لَا يجوز عَلَيْهِ، مِمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرْع على تَأْوِيل وَلم يؤوله فَلَا يكون كَافِرًا.
وَقد قرر الْغَزالِيّ أَن عدم التَّكْفِير اقْربْ إِلَى السَّلامَة، هَذَا وَالَّذِي جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع التَّكْفِير.
أَو بمفسق فَالْأول لَا يقبل صَاحبهَا الْجُمْهُور لعظم بدعته وقبحها، بل حكى فِي " التَّقْرِيب " كَأَصْلِهِ الِاتِّفَاق على عدم الْقبُول. لَكِن نوزع: بِأَن الإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه قَائِلُونَ بقبوله إِذا كَانَ يحرم الْكَذِب وَإِن كفر ببدعته لَا من الْكَذِب فِيهِ أَي لِأَن اعْتِقَاده حُرْمَة
[ ٢ / ١٥١ ]
الْكَذِب يزجره عَن الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَيحصل ظن صَدَقَة / وَهُوَ مُوجب للْعَمَل بِخَبَرِهِ، لعُمُوم اعْتِبَار الظَّن الْحَاصِل عَن خبر الْعدْل، إِذْ الأَصْل عدم اعْتِبَار الظَّن، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: (إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا) خُولِفَ: فِي خبر من ظَهرت عَدَالَته، وفيمن كَانَ فسقه مظنونا، وَذَلِكَ لدَلِيل خَاص بهما.
وَقيل: يقبل مُطلقًا أَي حَيْثُ كَانَ يحرم الْكَذِب، وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال وأولاها بِالرَّدِّ.
وَقيل: إِن كَانَ لَا يعْتَقد حل الْكَذِب لنصرة مقَالَته قبل. وَاخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول " وَقَالَ: إِنَّه الأَصْل الْأَصَح.
قَالَ الْمُؤلف: وَالتَّحْقِيق إِنَّه لَا يرد كل مكفر ببدعته لِأَن كل طَائِفَة تَدعِي أَن مخالفيها مبتدعة، وَقد تبالغ فتكفر مخالفيها، قَول أَخذ ذَلِك على الْإِطْلَاق لاستلزم تَكْفِير جَمِيع الطوائف، فَالْمُعْتَمَد أَن الَّذِي ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع، مَعْلُوما من الدّين
[ ٢ / ١٥٢ ]
بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَا من اعْتقد عَكسه. بِأَن اعْتقد أمرا يُخَالف مَا علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ.
وَأما من لم يكن بِهَذِهِ الصّفة، وانضم إِلَى ذَلِك ضَبطه لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه فَلَا مَانع من قبُوله. كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام مُسلم، حَيْثُ قَالَ: اعْلَم أَن الْوَاجِب على كل أحد إِلَى أَن قَالَ: ويتقى مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَن أهل التهم، والمعاندين من أهل الْبدع. . فَهَذَا مذْهبه.
وَالثَّانِي وَهُوَ / من لَا تَقْتَضِي بدعته الْكفْر أصلا وَقد اخْتلف - أَيْضا - فِي قبُوله ورده، فَقيل: يرد مُطلقًا. لِأَن مُخَالفَته للقواطع يَقْتَضِي الْقطع بِفِسْقِهِ، ودخوله فِي قَوْله تَعَالَى: (إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) . وَلَا يَنْفَعهُ التَّأْوِيل. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا القَوْل ضَعِيف
[ ٢ / ١٥٣ ]
جدا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من كتب أَئِمَّة الحَدِيث الِاحْتِجَاج بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة، وَلم يزل السّلف وَالْخلف على قبُول الرِّوَايَة مِنْهُم، والاحتجاج بهم، وَالسَّمَاع مِنْهُم، وإسماعهم من غير نَكِير مِنْهُم. اه.
قَالَ الْمُؤلف: وَهُوَ أَي هَذَا القَوْل بعيد، وَأكْثر مَا علل بِهِ أَن فِي الرِّوَايَة عَنهُ ترويجا لأَمره، وتنويها بِذكرِهِ. وَهُوَ من لَا ينْهض حجَّة، وَمِمَّا ضعف بِهِ - أَيْضا - احتجاج صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِكَثِير من المبتدعة.
وعَلى هَذَا فَيَنْبَغِي أَن لَا يروي عَن مُبْتَدع شَيْء يُشَارِكهُ فِيهِ غير مُبْتَدع لوُجُود الْعلَّة، وَهِي ترويج حَاله، والتنويه بِذكرِهِ، وَهُوَ بعيد - أَيْضا -.
وَقيل يقبل مُطلقًا إِلَّا إِن اعْتقد حل الْكَذِب فِي نصْرَة مذْهبه أَو لأهل - مذْهبه كَمَا تقدم أَي وَإِن كَانَ دَاعِيَة. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ محكي عَن الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وَقيل: يقبل من لم يكن دَاعِيَة إِلَى بدعته أَي يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، أَي وَكَانَ يحرم الْكَذِب كَمَا فِي " جمع الْجَوَامِع " / فَغير الداعية مَقْبُول بِخِلَاف الداعية. لِأَن تَزْيِين بدعته يحملهُ على تَحْرِيف الرِّوَايَات وتسويتها على مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه.
وَاعْترض الْكَمَال ابْن أبي شرِيف عبارَة المُصَنّف هَذِه فَقَالَ: إِنَّمَا ذكره من التَّعْلِيل منطبق على مَفْهُوم هَذِه الْعبارَة، أما منطوقها فَلم يُصَرح بتعليله: وَهُوَ انْتِفَاء الْمَحْذُور. وَكَأَنَّهُ سكت عَنهُ اعْتِمَادًا على أَنه يفهم مِمَّا قدمه، وَمِمَّا فِي تَعْلِيله الْمَفْهُوم، فَإِن عِلّة قبُول غير الداعية هُوَ انْتِفَاء الْمَحْذُور من خشيَة تَحْرِيف الحَدِيث، وتسويته على مُقْتَضى بدعته إِذْ الْغَرَض أَنه يروي مَا لَيْسَ فِيهِ تَقْوِيَة لبدعته كَمَا صرح بِهِ بعد ذَلِك.
ثمَّ فِي انطباق تَعْلِيله على مَفْهُوم الْعبارَة نظر، فَإِن مفهومها أَن الداعية ترد مُطلقًا وَالتَّعْلِيل أخص مِنْهُ، فَإِنَّهُ أورد على مَا لَهُ تعلق ببدعته فَقَط فَيَقْتَضِي أَن مَا لَا تعلق لَهُ بهَا يقبل.
[ ٢ / ١٥٥ ]
فَإِن قيل: لَيْسَ أخص، إِذْ الداعية قد يحرف مَا لَيْسَ لَهُ تعلق ببدعته فَيَجْعَلهُ على مُقْتَضى بدعته. قُلْنَا: الْكَلَام فِي حَدِيث وَجَدْنَاهُ من رِوَايَته، وَلَا تعلق لَهُ ببدعته، وَلَا ملائمة بَينه وَبَينهَا. إِلَى هُنَا كَلَامه.
وَقَالَ البقاعي: لم يُعلل المُصَنّف مَنْطُوق قَوْله يقبل من لم يكن دَاعِيَة وتعليله: إِنَّه لَا مَحْذُور فِي رِوَايَته لعدم خوف أَن يحرف الحَدِيث إِلَى بدعته لِأَن الْغَرَض أَنه لَيْسَ / دَاعِيَة، بل علل مفهومة وَهُوَ أَن الداعية لَا تقبل، وَعبارَته تفهم أَن الداعية ترد مُطلقًا، وتعليله أخص من هَذَا فَإِنَّهُ وَارِد على مَا لَهُ تعلق ببدعته فَقَط، فَيَقْتَضِي أَن مَا لَا تعلق لَهُ بهَا يقبل. فتقدير كَلَامه: يقبل من لم يكن دَاعِيَة مُطلقًا وَمن كَانَ دَاعِيَة وروى حَدِيثا لَا يتَعَلَّق ببدعته لعدم الْمَحْذُور فيهمَا. وَلَا يقبل الداعية إِذا روى مَا يتَعَلَّق ببدعته إِلَى آخِره. انْتهى.
وَهَذَا فِي القَوْل الْأَصَح الَّذِي قَالَ النَّوَوِيّ فِي " تقريبه " وَغَيره: أَنه الْأَظْهر الأعدل، وَقَول الْكثير أَو الْأَكْثَر. قَالَ: وَضعف الْمَنْع مُطلقًا باحتجاج صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة.
[ ٢ / ١٥٦ ]
وَأغْرب ابْن حبَان فَادّعى الِاتِّفَاق على قبُول غير الداعية وَلَيْسَ كَمَا زعم، بل الْخلاف مُحَقّق بِغَيْر تَفْصِيل، نعم الْأَكْثَر على قبُول غير الداعية إِلَّا أَن يروي مَا يُقَوي بدعته.
قَالَ المُصَنّف: وَيُقَاس عَلَيْهِ مَا إِذا روى الداعية شَيْئا يرد بدعته فَيقبل، أَي إِذا اجْتمعت فِيهِ بَقِيَّة شُرُوط الْقبُول. نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف وارتضاه.
فَيرد على الْمَذْهَب الْمُخْتَار عِنْد الْمُؤلف تبعا لجمع، وَهُوَ كَمَا قَالَ الأشموني: جَار على مَذْهَب من يرى رد الشَّهَادَة بالتهمة.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه مَذْهَب كثيرين أَو الْأَكْثَرين من الْعلمَاء، قَالَ: وَهُوَ الأعدل الصَّحِيح /.
وَبِه صرح الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني بِضَم الْجِيم الأولى وَفتح الزَّاي شيخ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي كِتَابه " معرفَة
[ ٢ / ١٥٧ ]
الرِّجَال " فَقَالَ فِي وصف الروَاة: وَمِنْهُم زائغ عَن الْحق أَو السّنة صَادِق اللهجة، فَلَيْسَ فِيهِ حِيلَة إِلَّا أَن يُوجد فِي حَدِيثه مَا لَا يكون مُنْكرا، إِذا لم يقو بِهِ بدعته. انْتهى.
وَمَا قَالَه مُتَّجه، لِأَنَّهُ الْعلَّة الَّتِي يرد بهَا حَدِيث الداعية وَارِدَة فِيمَا إِذا كَانَ ظَاهر الْمَرْوِيّ يُوَافق مَذْهَب المبتدع وَلَو لم يكن دَاعِيَة.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَظَاهر كَلَام الْمُؤلف هَذَا قبُول رِوَايَة المبتدع إِذا كَانَ ورعا فِيمَا عدا الْبِدْعَة، صَادِقا ضابطا سَوَاء كَانَ دَاعِيَة أَو غير دَاعِيَة إِلَّا فِيمَا يتَعَلَّق ببدعته. انْتهى.
تَنْبِيهَات:
١ - الأول: قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: اعْترض على ذَلِك بِأَن الشَّيْخَيْنِ
[ ٢ / ١٥٨ ]
احتجا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " بالدعاة، فاحتج البُخَارِيّ بعمران بن حطَّان وَهُوَ مِنْهُم.
ثمَّ أجَاب: بَان أَبَا دَاوُد قَالَ: لَيْسَ فِي أهل الْأَهْوَاء أصح حَدِيثا من الْخَوَارِج. واحتجا بِعَبْد الحميد الْحمانِي وَكَانَ دَاعِيَة إِلَى الإرجاء. ٢ - الثَّانِي: الْأَصَح أَنه لَا يقبل رِوَايَة الرافضة، وساب السّلف كَمَا فِي " الرَّوْضَة " فِي الْقَضَاء وَإِن سلف فِي بَاب الشَّهَادَة عَن التَّصْرِيح باستثنائهم. ٣ - الثَّالِث: ألحق السلَفِي وَابْن رشيد بالمبتدع المشتغل (بعلوم
[ ٢ / ١٥٩ ]
الْأَوَائِل) كالفلسفة / والمنطق نَقله عَنْهُم السُّيُوطِيّ.
٤ - الرَّابِع: يقبل رِوَايَة التائب من الْكَذِب فِي حَدِيث النَّاس وَالْفِسْق مُطلقًا، وَأما تعمد الْكَذِب على الْمُصْطَفى فَقَالَ أَحْمد والْحميدِي: على أَنه لَا يقبل تَوْبَته تمسكا بقوله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: (إِن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد. .) وَنَقله الْحَارِثِيّ عَن أبن الْمُبَارك، وَالثَّوْري، وَرَافِع بن الأشرس، وَأبي نعيم وَغَيرهم. قَالَ الْخَطِيب: وَهُوَ الْحق. ورده النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم " وَقطع بِصِحَّة تَوْبَته، وَقبُول رِوَايَته لإجماعهم على صِحَة رِوَايَة الْكَافِر بعد إِسْلَامه، وَقبُول شَهَادَته. وَحمل قَول الْمُخَالف على التغليط
[ ٢ / ١٦٠ ]
وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر عَنهُ لمُخَالفَته للقواعد، وَلعدم الْفرق بَينه وَبَين الشَّهَادَة.
وانتصر بَعضهم للْأولِ: بِأَنَّهُ الْأَصَح عِنْد الْمُحدثين وَجُمْهُور الْفُقَهَاء.
وَأغْرب الدَّامغَانِي الْحَنَفِيّ بقبوله مُطلقًا حَتَّى بحَديثه الْمَرْدُود.
وتوسط بَعضهم فَقَالَ: يقبل فِي غير الْمَرْدُود لَا فِيهِ إِن لم يكن بِتَأْوِيل. أما مَا كَانَ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَلم يعْتَقد ضَرَره أَو فعله دفعا لضَرَر يلْحقهُ من الْعَدو فَيقبل تَوْبَته. قَالَ الْحَازِمِي والخطيب: وَلَو قَالَ لم أتعمد قبل مُطلقًا.
٥ - (الْخَامِس): فِي جمع الْجَوَامِع وشروحه: يقبل المتساهل فِي غير الحَدِيث بِأَن يتحرز فِي الحَدِيث عَن النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصلاو وَالسَّلَام لَا من الْخلَل فِيهِ، بِخِلَاف المتساهل فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يقبل: وَقيل: يرد مُطلقًا وَسَوَاء الحَدِيث وَغَيره، لِأَن التساهل فِي غير
[ ٢ / ١٦١ ]
الحَدِيث يجر إِلَى التساهل فِيهِ. وَيقبل من لَيْسَ فَقِيها خلافًا للحنفية فِيمَا يُخَالف الْقيَاس.
وَيقبل المكثر من الرِّوَايَة وَإِن ندرت خالفته للمحدثين أَي وَالْحَال كَذَلِك، لَكِن إِذا أمكن تَحْصِيل ذَلِك الْقدر الْكَبِير الَّذِي رَوَاهُ من الحَدِيث فِي ذَلِك الزَّمَان الَّذِي خالط فِيهِ الْمُحدثين، فَإِن لم يُمكن فَلَا تقبل فِي شَيْء مِمَّا رَوَاهُ لظُهُور كذبه فِي بعض لَا تعلم عينه.
[ ٢ / ١٦٢ ]
الشاذ
ثمَّ سوء الْحِفْظ وَهُوَ السَّبَب الْعَاشِر (من أَسبَاب الطعْن) كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: وَهُوَ الْقسم الْعَاشِر من أَقسَام الطعْن وَالْمرَاد بِهِ: من لم يرجح جَانب إِصَابَته على جَانب خطأه.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا يُنَافِي مَا مر من قَوْله أَو سوء حفظه وَهِي عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته وَقد أصلحته بِلَفْظ نَحوا من إِصَابَته.
قَالَ المُصَنّف: وَفهم مِمَّا لم يرجح، أما من يرجح جَانب خطأه أَو اسْتَويَا (فَلَيْسَ بسئ الْحِفْظ) .
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا يُؤَيّد أَن قَوْله فِيمَا مر فِي حد سوء الْحِفْظ وَهُوَ عبارَة عَمَّن يكون خَطؤُهُ كأصابته. من النّسخ
[ ٢ / ١٦٣ ]
الصَّحِيحَة بِخِلَاف أقل من إِصَابَته فَإِنَّهَا مُخَالفَة لما هُنَا، وَلَيْسَت بصحيحة من جِهَة الْمَعْنى لِأَن / الْإِنْسَان لَيْسَ بمعصوم من الْخَطَأ، فَلَا يُقَال فِيمَن وَقع لَهُ الْخَطَأ مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَنه سيء الْحِفْظ وَإِن كَانَ يصدق عَلَيْهِ أَن خطأه أقل من إِصَابَته، لِأَنَّهُ لم يصدق عَلَيْهِ إِنَّه لم يرجح إِصَابَته.
وَهُوَ على قسمَيْنِ: إِن كَانَ لَازِما للراوي فِي جَمِيع حالاته فَهُوَ الشاذ أَي يُسمى حَدِيث ذَلِك الرَّاوِي بالشاذ على رَأْي بعض أهل الحَدِيث قَوْله على (رَأْي) متن وَشَرحه الْمُؤلف بِمَا بعده، قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: واللايق بالدمج أَن يُقَال على رَأْي هُوَ رَأْي. . إِلَى آخِره كَمَا مر نَظِيره مرَارًا.
قَالَ بعض من لقيناه: وَمَا ذكره الْمُؤلف فِيهِ مُسَامَحَة، إِذْ سوء الْحِفْظ لَا يُوصف بالشذوذ وَكَذَلِكَ لَا يُوصف بالاعتداد.
[ ٢ / ١٦٤ ]
الْمُخْتَلط
أَو إِن كَانَ سوء الْحِفْظ طارئا على الرَّاوِي الثِّقَة: إِمَّا لكبره أَو لعماة أَو خرافة أَو فَسَاد عقل أَو لذهاب بَصَره، أَو لاحتراق كتبه، أَو عدمهَا بِأَن كَانَ يعتمدها فَرجع إِلَى حفظه فسَاء أَي حفظه فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَلط أَي يُسمى ذَلِك الرَّاوِي مختلطا.
وَالْحكم فِيهِ: أَن مَا حدث فِيهِ قبل الِاخْتِلَاط إِذا تميز قبل، وَإِذا لم يتَمَيَّز وأشكل الْحَال توقف فِيهِ إِلَى التَّبْيِين. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالْمرَاد إِذا تميز لنا وَإِلَّا فَهُوَ يتَمَيَّز فِي نَفسه إِذْ الْأَعْرَاض (لَا يتَصَوَّر) فِيهَا الِاخْتِلَاط الَّتِي لَا تميز مَعَه.
وَكَذَا من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ كَذَا عبر الْمُؤلف، وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا اللَّفْظ فِيهِ إِبْهَام لِأَن ظَاهر السُّوق أَنه كَحَدِيث الْمُخْتَلط، وَلَفظه من لمن يعقل، فَلَا تصلح للْحَدِيث، فَإِن استعملها فِيمَن يعقل
[ ٢ / ١٦٥ ]
يكون انْتقل من الحَدِيث إِلَى الرَّاوِي فَلَيْسَ بِظَاهِر.
وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك بِاعْتِبَار الآخذين عَنهُ. فَمن أَخذ عَنهُ قبل الِاخْتِلَاط فروايته مَقْبُولَة، أَو بعده فمردودة، أَو أشكل الْحَال فَيتَوَقَّف عَن الْعَمَل بهَا إِلَى الظُّهُور.
مِثَال من اخْتَلَط لكبر صَالح بن نَبهَان مولى التَّوْأَمَة قَالَ أَحْمد: أدْركهُ مَالك وَقد اخْتَلَط وَهُوَ كَبِير، وَمَا أعلم مِمَّن سمع مِنْهُ قَدِيما. وَقَالَ ابْن معِين: ثِقَة خرف قبل مَوته، فَمن سمع مِنْهُ قبل فَهُوَ ثَبت، فَقيل لَهُ: إِن مَالِكًا تَركه؟ قَالَ: إِنَّمَا ادركه بعد أَن خرف. وَقد ميز الْأَئِمَّة من سمع مِنْهُ قبل وَبعد.
وَمِثَال من اخْتَلَط لذهاب بَصَره عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ قَالَ أَحْمد: أتيناه قبل الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ صَحِيح الْبَصَر، وَمن سمع مِنْهُ بِعْ عماه فَهُوَ ضَعِيف، وَكَانَ يلقن بعد عماه فيتلقن.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَقد صنف مغلطاي كتابا حافلا فِي " الْمُخْتَلطين "، وَذكر الْحَازِمِي فِي " التُّحْفَة " أَنه ألف فيهم كتابا، وَلم يقف على ذَلِك الْعِرَاقِيّ - كَابْن الصّلاح - فَقَالَا: إِن (هَذَا النَّوْع) لم يؤلف فِيهِ.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الْحسن لغيره
وَمَتى توبع السئ الْحِفْظ الصدوق الْأمين بمعتبر بِأَن يكون فَوْقه أَو مثله لَا دونه قَالَ المُصَنّف: إِذا تَابع السيء الْحِفْظ شخص فَوْقه انْتقل بِسَبَب ذَلِك إِلَى دَرَجَة ذَلِك الشَّخْص، (وينتقل ذَلِك الشَّخْص) إِلَى أَعلَى من دَرَجَة / نَفسه الَّتِي كَانَ فِيهَا، حَتَّى يتَرَجَّح على مساويه من (غير) مُتَابعَة من دونه. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: المُرَاد بقوله فَوْقه أَو مثله أَي فِي الدرجَة من السَّنَد اه لَا فِي الصّفة.
وَكَذَا الْمُخْتَلط الَّذِي لَا يتَمَيَّز، والمستور أَي الْمَجْهُول الْحَال والإسناد الْمُرْسل، وَكَذَا المدلس (بِفَتْح اللَّام) إِذا لم يعرف الْمَحْذُوف مِنْهُ
[ ٢ / ١٦٨ ]
صَار حَدِيثهمْ حسنا. يَعْنِي اعتضد مَا روره، وَقَوي وَخرج عَن كَونه ضَعِيفا إِلَى كَونه حسنا لغيره.
وَقد اعْترض الشَّيْخ قَاسم قَوْله حَدِيثهمْ: بِأَن كَانَ الأولى أَن يُقَال صَار الحَدِيث لِأَن الضَّمِير للمختلط والمستور والإسناد فعلى مَا قَالَ يكون على وَجه التغليب، أَو تَقْدِير مُضَاف. وعَلى مَا قُلْنَا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك.
لَا لذاته، بل وَصفه بذلك بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع من المتابع بِفَتْح الْبَاء والمتابع بِكَسْرِهَا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم احْتِمَال كَون رِوَايَته صَوَابا أَو غير صَوَاب على حد سَوَاء فَإِذا جَاءَت من المعتبرين رِوَايَة مُوَافقَة لأَحَدهم رجح. ببنائه للْمَفْعُول أحد الْجَانِبَيْنِ من الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورين، وَدلّ على أَن الحَدِيث مَحْفُوظ، فارتقى من دَرَجَة (التَّوَقُّف إِلَى دَرَجَة الْقبُول وَمَعَ ارتقائه إِلَى دَرَجَة)
[ ٢ / ١٦٩ ]
الْقبُول فَهُوَ منحط عَن رُتْبَة الْحسن لذاته، وَرُبمَا توقف بَعضهم فِي إِطْلَاق اسْم الْحسن عَلَيْهِ.
كَذَا عبر الْمُؤلف، وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مُقْتَضى النّظر أَنه ارجح من الْحسن لذاته، لَان المتابع - بِكَسْر الْبَاء - إِذا كَانَ مُعْتَبرا فَحَدِيثه حسن، وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِ المتابع / - بِالْفَتْح. انْتهى.
وعَلى الأول فمثاله مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - وَحسنه - من طَرِيق شُعْبَة عَن عَاصِم بن عبيد الله عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه أَن امْرَأَة من بني فزاره تزوجت على نَعْلَيْنِ، فَقَالَ الْمُصْطَفى
[ ٢ / ١٧٠ ]
أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: أرضيت من نَفسك وَمَالك بنعلين؟ قَالَت نعم. فَأجَاز.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة.
فعاصم ضَعِيف لسوء حفظه، وَقد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث لوروده عَن غير عَاصِم.
ومثاله مر فِي نوع الْمُرْسل. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - أَيْضا - وَحسنه من طَرِيق هشيم عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن ابْن ابي ليلى عَن الْبَراء مَرْفُوعا: إِن حَقًا على الْمُسلمين أَن يغتسلوا يَوْم الْجُمُعَة، وليمس أحدهم من طيب أَهله. . الحَدِيث.
فهشيم مَوْصُوف بالتدليس، لَكِن مَا تَابعه عِنْد التِّرْمِذِيّ أَبُو يحيى
[ ٢ / ١٧١ ]
التَّمِيمِي، وَكَانَ للمتن شَوَاهِد من حَدِيث أبي سعيد وَغَيره حسنه.
أما الضَّعِيف لفسق الرَّاوِي أَو كذبه فَلَا يُؤثر فِيهِ مُتَابعَة وَلَا مُوَافقَة إِذا كَانَ الآخر مثله، لقُوَّة الضعْف وتقاعد هَذَا الجابر، نعم (يرتقي) بِمَجْمُوع طرقه عَن كَونه مُنْكرا أَو لَا اصل لَهُ - كَمَا قَالَه الْمُؤلف - قَالَ: بل رُبمَا كثرت الطّرق حَتَّى أوصلته إِلَى دَرَجَة المستور والسئ الْحِفْظ بِحَيْثُ إِذا وجد لَهُ طرق أخر فِيهِ ضعف قريب / مُحْتَمل ارْتقى بِمَجْمُوع ذَلِك إِلَى الْحسن.
[ ٢ / ١٧٢ ]
تَنْبِيه:
علم مِمَّا مر أَن الضَّعِيف مَا لم يجمع صفة الصَّحِيح أَو الْحسن، وَقد قسمه ابْن الصّلاح إِلَى أَقسَام كَثِيرَة بِاعْتِبَار فقد صفة من صِفَات الْقبُول السِّتَّة وَهِي: الِاتِّصَال، وَالْعَدَالَة، والضبط، والمتابعة فِي المستور، وَعدم الشذوذ، وَعدم الْعلَّة.
وَبِاعْتِبَار فقد صفة مَعَ صفة أُخْرَى، أَو مَعَ أَكثر من صفة إِلَى أَن تفقد السِّتَّة، فبلغت فِيمَا ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " شرح ألفيته ": اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين قسما.
وَوَصله غَيره إِلَى ثَلَاثَة وَسِتِّينَ، قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي " شرح التَّقْرِيب ": وَقد جمع فِي ذَلِك شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين الْمَنَاوِيّ كراسة، وَنَوع مَا فقد الِاتِّصَال إِلَى مَا
[ ٢ / ١٧٣ ]
سقط مِنْهُ الصَّحَابِيّ، أَو وَاحِد غَيره، أَو اثْنَان. وَمَا فقد الْعَدَالَة إِلَى: مَا فِي سَنَده ضَعِيف أَو مَجْهُول. وَقسمهَا بِهَذَا الِاعْتِبَار إِلَى مائَة وَتِسْعَة وَعشْرين قسما بِاعْتِبَار الْعقل، وَإِلَى أحد وَثَمَانِينَ بِاعْتِبَار إِمْكَان الْوُجُود وَإِن لم يتَحَقَّق وُقُوعهَا. انْتهى.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَقد انْقَضى مَا يتَعَلَّق بِالْمَتْنِ من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ، ثمَّ الْإِسْنَاد، وَهُوَ الطَّرِيق الموصلة إِلَى الْمَتْن.
كَذَا قَالَه الْمُؤلف هُنَا، وَقَالَ فِي صدر الْكتاب: الْإِسْنَاد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن، فَجعله هُنَاكَ / الْحِكَايَة وَهنا المحكي، فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ اسْتِعْمَالا.
والمتن: هُوَ غَايَة مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْإِسْنَاد من الْكَلَام.
كَذَا عبر الْمُؤلف، ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن لَفظه غَايَة زَائِد مُفسد للمعنى، لِأَن لفظ مَا المُرَاد بِهِ الْكَلَام كَمَا فسره بقوله من الْكَلَام، فَيصير التَّقْدِير: الْمَتْن غَايَة كَلَام كَمَا فسره بقوله من الْكَلَام فَيصير التَّقْدِير يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْإِسْنَاد، فعلى هَذَا الْمَتْن حرف اللَّام من قَوْله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل. انْتهى.
وَوَافَقَهُ على ذَلِك غَيره فَقَالَ: لَا يخفى مَا فِي هَذَا من الْفساد، إِذْ الاسناد يَنْتَهِي إِلَى الْمَتْن، وَقد جعله غَايَة الْمُنْتَهى إِلَيْهِ فَيكون الشَّيْء غَايَة لنَفسِهِ.
[ ٢ / ١٧٥ ]
الْمَرْفُوع
وَهُوَ إِمَّا أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي من اصل الْمَتْن وَيَقْتَضِي لَفظه إِمَّا تَصْرِيحًا أَو حكما أَن الْمَنْقُول بذلك الْإِسْنَاد من قَوْله، أَو من فعله، أَو من تَقْرِيره بِسَنَد مُتَّصِل أَو غير مُتَّصِل.
مِثَال الْمَرْفُوع من القَوْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصَّحَابِيّ سَمِعت رَسُول الله يَقُول، أَو حَدثنَا. أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره قَالَ رَسُول الله كَذَا، أَو عَن رَسُول الله أَنه قَالَ كَذَا. (أَو نَحْو ذَلِك) .
كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف، وَقَوله أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره أَي الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ (وتابعيه) فَمَا أضيف إِلَى النَّبِي مَرْفُوع وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا بِسُقُوط الصَّحَابِيّ مِنْهُ أَو غَيره. كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ
[ ٢ / ١٧٦ ]
- كَابْن الصّلاح - فِي كَلَامه.
لَكِن قَالَ الْخَطِيب: الْمَرْفُوع مَا أخبر بِهِ الصَّحَابِيّ عَن فعل الْمُصْطَفى أَو قَوْله. فَأخْرج بذلك الْمُرْسل فَلَا يُسمى مَرْفُوعا.
قَالَ الْمُؤلف: لَكِن الظَّاهِر أَن الْخَطِيب لم يشرط ذَلِك وَأَن كَلَامه خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن غَالب مَا يُضَاف إِلَى النَّبِي إِنَّمَا يضيفه الصَّحَابِيّ.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَمن جعل الْمَرْفُوع فِي مُقَابلَة الْمُرْسل - أَي حَيْثُ يَقُول: رَفعه فلَان أَو أرْسلهُ فلَان - فقد عَنى بالمرفوع الْمُتَّصِل.
ومثاله الْمَرْفُوع من الْفِعْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصاحبي رَأَيْت رَسُول الله فعل كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: كَانَ رَسُول الله يفعل كَذَا.
ومثاله من التَّقْرِير أَي تَصْرِيحًا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ فعلت بِحَضْرَة النَّبِي كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: فعل فلَان بِحَضْرَة النَّبِي
[ ٢ / ١٧٧ ]
كَذَا، أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا وَلَا يذكر إِنْكَاره لذَلِك.
ومثاله من القَوْل حكما لَا تَصْرِيحًا: مَا (مَصْدَرِيَّة) يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات أَي اسْتِقْلَالا أَو بِوَاسِطَة مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ، وَلَا لَهُ تعلق بِبَيَان لُغَة أَو شرح غَرِيب كالإخبار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخلق وأخبار الْأَنْبِيَاء، أَو الْإِخْبَار عَن الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة بِكَسْر الْبَاء على الصَّوَاب أَو الْقيَاس الْآتِيَة كالملاحم وَهِي / الْفِتَن الْعِظَام.
فَقَوله والفتن عطف عَام على خَاص، والبعث وأحوال يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا الْإِخْبَار عَمَّا يحصل بِفِعْلِهِ ثَوَاب مَخْصُوص أَو عِقَاب مَخْصُوص يَتَرَتَّب على عمل مَخْصُوص فَهَذَا كُله يحمل على السماع كَمَا صرح بِهِ الإِمَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول ".
مِثَاله: قَول ابْن مَسْعُود: من أَتَى ساحرا أَو عرافا فقد كفر بِمَا
[ ٢ / ١٧٨ ]
أنزل على مُحَمَّد. لِأَن مثله لَا يَقُوله الصَّحَابِيّ إِلَّا بتوقيف. وَمن ثمَّ قَالَ الْمُؤلف: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حكم الْمَرْفُوع لِأَن إخْبَاره بذلك يَقْتَضِي (مخبرا)، وَمَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ يَقْتَضِي موقفا للقائل بِهِ، وَلَا موقف للصحابي إِلَّا النَّبِي، أَو بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة.
وَالْغَرَض أَنه لم يَأْخُذ عَن أَهلهَا، قَالَ الْحَاكِم: وَمِنْه تَفْسِير
[ ٢ / ١٧٩ ]
الصَّحَابِيّ الَّذِي يشْهد الْوَحْي والتنزيل. وَخَصه النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح -: بِمَا فِيهِ سَبَب النُّزُول. وَاسْتحْسن بَعضهم مَا اقْتَضَاهُ قَول ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا: التَّفْسِير على أَرْبَعَة أوجه:
١ - تَفْسِير تعرفه الْعَرَب من كَلَامهَا.
٢ - وَتَفْسِير لَا يعْذر أحد بجهله.
٣ - وَتَفْسِير تعلمه الْعلمَاء.
٤ - وَتَفْسِير لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
فَمَا كَانَ عَن الصَّحَابَة مِمَّا هُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين غير مَرْفُوع، لأَنهم أَخَذُوهُ عَن معرفتهم بِلِسَان الْعَرَب، وَمَا كَانَ من الْوَجْه الثَّالِث فمرفوع / إِذْ لم يَكُونُوا يَقُولُونَ كالقرءآن بِالرَّأْيِ، وَالْمرَاد بالرابع: الْمُتَشَابه.
قَالَ الْمُؤلف: وَمَا ذَكرُوهُ من أَن سَبَب النُّزُول مَرْفُوع يُعَكر على
[ ٢ / ١٨٠ ]
إِطْلَاقهم مَا إِذا استنبط الرَّاوِي السَّبَب كَمَا فِي حَدِيث زيد بن ثَابت: أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الظّهْر.
وَبِهَذَا وَقع الِاحْتِرَاز عَن الْقسم الثَّانِي قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وهم بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة، وَوَقع الِاحْتِرَاز عَنهُ بقوله - فِيمَا تقدم - مَا يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات. لِأَن من كَانَ من بني إِسْرَائِيل كَعبد الله بن سَلام، وَمِمَّنْ نظر فِي كَلَامهم كَعبد لله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ حصل لَهُ فِي وقْعَة اليرموك كتبا كَثِيرَة من كتب أهل الْكتاب، لَا يحمل ذَلِك مِنْهُ على الرّفْع لاحْتِمَال أَن يكون نَقله عَن ذَلِك.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلهُ حكم. . مَا لَو قَالَ: قَالَ رَسُول الله فَهُوَ مَرْفُوع على الْأَصَح سَوَاء كَانَ سَمعه مِنْهُ أَو عَنهُ بِوَاسِطَة. لِأَن الصَّحَابَة لَا يبْحَث عَن عدالتهم - كَمَا تقدم.
[ ٢ / ١٨١ ]
لَكِن قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ شخص بِحَضْرَة رَسُول الله وَأقرهُ، فنقله بعض من سمع من الصَّحَابَة كَذَلِك، فَيكون من الْمَرْفُوع تقريرا.
وَقيل: لَا يحْتَج بِهِ لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من تَابِعِيّ، وَعَلِيهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق، وَعَلِيهِ جرى القَاضِي فِي " التَّقْرِيب " وَمِمَّنْ حكى الْخلاف ابْن برهَان / فِي " الْأَوْسَط " والآمدي وَغَيرهمَا.
وَمثل قَول الصَّحَابِيّ قَالَ قَوْله عَن، فَالْأَصَحّ أَن لَهُ حكم الْمَرْفُوع، وَقيل لَا لظُهُوره فِي الْوَاسِطَة، وَيحْتَمل كَونه تابعيا.
وَمِثَال الْمَرْفُوع من الْفِعْل حكما: أَن يفعل الصَّحَابِيّ مَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَينزل على أَن ذَلِك الْفِعْل عِنْده عَن النَّبِي.
قَالَ بعض من لقيناه: يحْتَمل أَن يكون عَن قَوْله
[ ٢ / ١٨٢ ]
لَا عَن فعله بِأَن اخبر بِالْجَوَازِ. كَمَا قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي صَلَاة عَليّ - ﵁ - فِي الْكُسُوف فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين.
كَذَا مثل الْمُؤلف، وَخَالفهُ الشمني فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ: لَا يَتَأَتَّى فعل مَرْفُوع حكما. قَالَ: وَلَا يلْزم من كَونه عِنْده عَن النَّبِي أَن يكون عِنْده من فعله، لجَوَاز أَن يكون عِنْده من قَوْله. انْتهى /
وَقَالَ البقاعي: أَظن قَول الْمُؤلف فِي الْكُسُوف وهما، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الزلزلة، فقد روى الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " و" الْمعرفَة " عَن الإِمَام
[ ٢ / ١٨٣ ]
الشَّافِعِي فِيمَا بلغَة عَن عباد عَن الْأَحول عَن قزعة عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه صلى سِتّ رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات. . قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: وَلَو ثَبت هَذَا عَن عَليّ خص بِهِ وهم يثبتونه.
وَأما الْكُسُوف: فقد رُوِيَ أَن فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين عَن فعل النَّبِي - أَيْضا - فِي عدَّة طرق، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّمَسُّك بِفعل عَليّ /. انْتهى
[ ٢ / ١٨٤ ]
وَمِثَال الْمَرْفُوع من التَّقْرِير حكما: أَن يخبر الصَّحَابِيّ أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي زمَان النَّبِي كَذَا أَو يَقُول كُنَّا نَفْعل كَذَا، أَو نرى كَذَا، أَو كُنَّا معاشر النَّاس نَفْعل فِي عَهده كَذَا فَإِنَّهُ يكون لَهُ حكم الرّفْع على الاصح، خلافًا للإسماعيلي وَغَيره من جِهَة أَن الظَّاهِر هُوَ اطِّلَاعه على ذَلِك، وَإِقْرَاره عَلَيْهِ لتوفر دواعيهم على سُؤَاله عَن أُمُور دينهم، وَلِأَن ذَلِك الزَّمَان زمَان نزُول الْوَحْي فَلَا يَقع من الصَّحَابَة فعل شَيْء ويستمرون عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ (غير) مَمْنُوع الْفِعْل، وَقد اسْتدلَّ جَابر وَأَبُو سعيد على جَوَاز الْعَزْل (بِعَين مُهْملَة بعْدهَا زَاي وَهُوَ منع الْإِنْزَال فِي فرج الْأُنْثَى) بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ والقرءان ينزل، وَلَو كَانَ مِمَّا ينْهَى عَنهُ لنهى عَنهُ القرءان. كَذَا أخرجه الشَّيْخَانِ عَن جَابر.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وَقَالَ الْحَاكِم والخطيب: هُوَ لَيْسَ بمرفوع ولجواز أَن لَا يعلم النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِهِ. وَمن ذَلِك مَا لَو قَالَ: كَانَ النَّاس يَفْعَلُونَ فِي عَهده كَذَا فَلهُ حكم الرّفْع، وَكَانُوا لَا يقطعون فِي الشَّيْء التافه قالته عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - لظُهُور ذَلِك فِي جَمِيع النَّاس الَّذِي هُوَ إِجْمَاع.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَقيل: لَا لجَوَاز إِرَادَة نَاس مخصوصين وَمن أَمْثِلَة ذَلِك - ايضا قَول جَابر: كُنَّا نَأْكُل لُحُوم الْخَيل على عهد رَسُول الله رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَكَذَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا لَا نرى بَأْسا بِكَذَا فِي حَيَاة / الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو وَهُوَ فِينَا، أَو بَين أظهرنَا، أَو كَانُوا يَقُولُونَ، أَو يَفْعَلُونَ أَو لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا فِي حَيَاته.
أما إِذا لم يضفه إِلَى زمن النَّبِي فَهُوَ مَوْقُوف. على مَا جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي " التَّقْرِيب " تبعا لِابْنِ الصّلاح التَّابِع للخطيب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ - أَيْضا - فِي " شرح مُسلم " عَن جُمْهُور الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول.
وَأطلق الإِمَام الرَّازِيّ، والآمدي، وَالْحَاكِم أَنه مَرْفُوع وَقَالَ
[ ٢ / ١٨٧ ]
ابْن الصّباغ: إِنَّه الظَّاهِر، وَمثل لَهُ بقول عَائِشَة: كَانَت الْيَد لَا تقطع فِي الشَّيْء التافه. وَحَكَاهُ فِي " الْمَجْمُوع " وَقَالَ: هُوَ قوي من حَيْثُ الْمَعْنى. وَصَححهُ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ ثمَّ الْمُؤلف قَالَ: لكنه أنزل رُتْبَة من الأول لتردده بَين أَن يُرِيد الْإِجْمَاع أَو تَقْرِير الشَّارِع.
وَمن أمثلته: مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ: كُنَّا إِذا صعدنا كبرنا وَإِذا نزلنَا سبحنا.
وَمن التَّقْرِير الْحكمِي: قَول الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يقرعون بَابه بالأظافير. لاستلزامه اطلَاع الْمُصْطَفى على ذَلِك وإقرارهم عَلَيْهِ.
ويلتحق بِقَوْلِي حكما مَا ورد بِصِيغَة الْكِنَايَة (بالنُّون وَالْيَاء
[ ٢ / ١٨٨ ]
التَّحْتِيَّة) فِي مَوضِع الصِّيَغ الصَّرِيحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي قَول التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ يرفع الحَدِيث أَو يرويهِ أَو ينميه أَو يبلغ بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو رِوَايَة أَو رَوَاهُ. كَقَوْل ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الشِّفَاء فِي ثَلَاثَة: شربة عسل، وَشَرطه محجم، وكية نَار، وَآيَة من كتاب الله ﷿. رفع الحَدِيث. رَوَاهُ الْحَاكِم.
وكحديث الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة - ﵁ - يبلغ بِهِ: النَّاس تبع لقريش. أخرجه الشَّيْخَانِ.
فَكل هَذَا كيرويه وَرَوَاهُ بِلَفْظ الْمَاضِي مَرْفُوع. قَالَ الْمُؤلف: وَلم يذكرُوا مَا حكم ذَلِك لَو قيل عَن النَّبِي قَالَ: ظَفرت لذَلِك بمثال فِي " مُسْند الْبَزَّار " عَن رَسُول الله " يرويهِ - أَي عَن ربه ﷿ - فَهُوَ حِينَئِذٍ من الْأَحَادِيث القدسية.
وَقد يقتصرون على القَوْل مَعَ حذف الْقَائِل ويريدون بِهِ النَّبِي
[ ٢ / ١٨٩ ]
كَقَوْل ابْن سِيرِين عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ: تقاتلون قوما صغَار الْأَعْين. . الحَدِيث. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وكقول ابْن سِيرِين - أَيْضا - عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ: أسلم وغفار وَشَيْء من مزينة. . الحَدِيث. وَفِي كَلَام الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ أَنه اصْطِلَاح خَاص بِأَهْل الْبَصْرَة لَكِن روى عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: كل شَيْء حدثت بِهِ عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ مَرْفُوع.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وَمن الصِّيَغ المحتملة قَول الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ: من السّنة كَذَا، فالأكثر على أَن ذَلِك مَرْفُوع. لِأَن الظَّاهِر أَنهم لَا يُرِيدُونَ بِالسنةِ عِنْد الْإِطْلَاق إِلَّا سنة النَّبِي ﵇ كَقَوْل عَليّ: من / السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ فِي الصَّلَاة تَحت السُّرَّة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ مَرْفُوع قَالَ فِي " التَّقْرِيب " - كَأَصْلِهِ: على الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور.
قَالَ المُصَنّف: وَمِمَّا يرجح أَنَّهَا من سنة النَّبِي كبر الصَّحَابِيّ كَأبي بكر مثلا، فَإِنَّهُ لم يكن قبله سنة غير سنة رَسُول الله. وَكَذَلِكَ إِذا أوردهُ مقَام الِاحْتِجَاج
[ ٢ / ١٩١ ]
على صحابة مجتهدين أَو فيهم مُجْتَهد.
وَاحْتِمَال أَن يُرِيد سنة غير النَّبِي كَسنة الْبَلَد بعيد، مَعَ أَن الأَصْل خِلَافه وَنقل ابْن عبد الْبر عَن الْعلمَاء فِيهِ الِاتِّفَاق قَالَ: وَإِذا قَالَهَا غير الصَّحَابِيّ فَكَذَلِك مَا لم يضفها إِلَى صَاحبهَا كَسنة العمرين قَالَ الشَّيْخ قَاسم: فبذلك يظْهر أَن هَذَا من التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، فَإِذا قَالَهَا التَّابِعِيّ فَهُوَ كَذَلِك بِالْأولَى.
وَفِي نقل الِاتِّفَاق نظر، فَعَن الإِمَام الشَّافِعِي فِي أصل الْمَسْأَلَة قَولَانِ، وَذهب إِلَى أَنه غير مَرْفُوع الصَّيْرَفِي من الشَّافِعِيَّة، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة، وَابْن حزم من الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتَجُّوا بِأَن السّنة تَتَرَدَّد بَين النَّبِي وَبَين غَيره. وأجيبوا: بِأَن احْتِمَال غير النَّبِي بعيد. وَقد روى البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " فِي حَدِيث ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن
[ ٢ / ١٩٢ ]
عمر عَن أَبِيه. . فِي قصَّته مَعَ الْحجَّاج حِين قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ السّنة فَهجر بِالصَّلَاةِ. قَالَ ابْن / شهَاب: فَقلت لسالم: أَفعلهُ رَسُول الله: فَقَالَ سَالم وَهل يعنون بذلك إِلَّا سنته. فَنقل سَالم وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وَأحد الْحفاظ من التَّابِعين عَن الصَّحَابَة أَنهم إِذا أطْلقُوا السّنة لَا يُرِيدُونَ إِلَّا سنة النَّبِي، وَأما قَول بَعضهم يعْنى ابْن حزم كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف فِي غير هَذَا الْكتاب إِن كَانَ
[ ٢ / ١٩٣ ]
مَرْفُوعا فَلم لَا يَقُولُونَ فِيهِ: قَالَ رَسُول الله؟ فَجَوَابه: إِنَّهُم تركُوا الْجَزْم تورعا واحتياطا، وَمِنْه قَول أبي قلَابَة (بِكَسْر الْقَاف) عَن أنس: من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا. أخرجه الشَّيْخَانِ قَالَ أَبُو قلَابَة: لَو شِئْت لَقلت: إِن أنسا رَفعه إِلَى النَّبِي - أَي لَو قلت لم أكذب - لِأَن قَوْله من السّنة هَذَا مَعْنَاهُ لَكِن إِيرَاده بالصيغة الَّتِي أوردهَا الصَّحَابِيّ أولى. وَخص بَعضهم الْخلاف بِغَيْر الصّديق، أما هُوَ إِن قَالَه فمرفوع اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ قبله سنة غير سنة النَّبِي.
وَمن ذَلِك: قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا وَأوجب أَو حرم أَو رخص بِبِنَاء الْجَمِيع للْمَفْعُول فِي الْأَظْهر. فمثال قَوْله
[ ٢ / ١٩٤ ]
أمرنَا: قَول أم عَطِيَّة: أمرنَا أَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الخذور / وَأمر الْحيض أَن يعتزلن مصلى الْمُسلمين. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وَمِثَال قَوْله نهينَا: قَوْلهَا - أَيْضا: نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا. أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا.
فَالْخِلَاف فِيهِ كالخلاف فِي الَّذِي قبله والتصحيح فِيهِ كالتصحيح فِي الَّذِي قبله فَإِن مُطلق ذَلِك إِنَّمَا ينْصَرف بِظَاهِرِهِ إِلَى من لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَمن يجب اتِّبَاع سنته وَهُوَ الرَّسُول وَلِأَن مَقْصُود الصَّحَابِيّ بَيَان الشَّرْع لَا اللُّغَة وَلَا الْعَادة، وَالشَّرْع يتلَقَّى من السّنة وَالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَمر الْكتاب لكَون مَا فِي الْكتاب مَشْهُورا يعرفهُ النَّاس، وَلَا الْإِجْمَاع لِأَن الْمُتَكَلّم.
[ ٢ / ١٩٥ ]
بِهَذَا من أهل الْإِجْمَاع، ويستحيل أمره نَفسه، وَلَا الْقيَاس إِذْ لَا أَمر فِيهِ، فَتعين كَون المُرَاد أَمر الرَّسُول فَلذَلِك قَالَ المُصَنّف: وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة تمسكوا بِاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد غَيره، كأمر القرءان أَو الْإِجْمَاع أَو بعض الْخُلَفَاء أَو بعض الْوُلَاة أَو الاستنباط قَائِله من قَائِله للْإِيجَاب أَو التَّحْرِيم أَو الترخيص.
واجيبوا: بَان الأَصْل هُوَ الأول، وَمَا وَمَا عداهُ مُحْتَمل لكنه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَرْجُوح. وَأَيْضًا فَمن كَانَ فِي طَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ أمرت لَا يفهم عَنهُ أَن أمره إِلَّا رئيسه. قَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يخرج / احْتِمَال القرءان وَلَا أَمر الْخُلَفَاء.
وَأما قَول من قَالَ: يحْتَمل أَن يظنّ مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، بل هُوَ مَذْكُور فِيمَا لَو صرح فَقَالَ: أمرنَا رَسُول الله بِكَذَا وَهُوَ احْتِمَال ضَعِيف، لِأَن الصَّحَابِيّ عدل، عَارِف بِاللِّسَانِ فَمَا يُطلق ذَلِك إِلَّا بعد التحقق.
وَمن ذَلِك: قَوْله كُنَّا نَفْعل كَذَا فَلهُ حكم الْمَرْفُوع كَمَا تقدم.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْبيُوع من البُخَارِيّ: أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْتَأْذن على عمر. . فَذكره إِلَى أَن قَالَ: فَكُنَّا نؤمر بذلك. فَقَالَ عمر: تَأتِينِي بِالْبَيِّنَةِ على ذَلِك. فالتعبير بِهِ يدل على مساواته للفظ الَّذِي ورد مُصَرحًا بِإِسْنَاد الْأَمر إِلَى النَّبِي سَوَاء كَانَ من قَول أبي مُوسَى أَو غَيره من الروَاة الْعَالمين بمدلولات الْأَلْفَاظ وَلَا فرق بَين قَوْله - أَي الصَّحَابِيّ - مَا تقدم فِي حَيَاة النَّبِي أَو بعده.
وَمن ذَلِك: أَن يحكم الصَّحَابِيّ على فعل من الْأَفْعَال بِأَنَّهُ طَاعَة لله أَو لرَسُوله، أَو مَعْصِيَته كَقَوْل عمار بن
[ ٢ / ١٩٧ ]
يَاسر من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم. فَلهَذَا حكم الرّفْع - أَيْضا - لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِمَّا تَلقاهُ عَنهُ. كَمَا جزم بِهِ الزَّرْكَشِيّ فِي " مُخْتَصره " نقلا عَن ابْن عبد الْبر وَغَيره. لَكِن خَالف فِي ذَلِك البُلْقِينِيّ فَقَالَ فِي / " محَاسِن الِاصْطِلَاح ": الْأَقْرَب أَنه لَيْسَ بمرفوع لجَوَاز إِحَالَة الْإِثْم على مَا ظهر من الْقَوَاعِد. اه. وَسَبقه إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم الْجَوْهَرِي وَغَيره.
قَالَ المُصَنّف: وَقَوله كُنَّا نَفْعل كَذَا أحط رُتْبَة من قَوْلهم كُنَّا نَفْعل فِي عهد النَّبِي، لَان هَذَا وَإِن أوردهُ محتجا بِهِ
[ ٢ / ١٩٨ ]
يحْتَمل أَن يُرِيد الاجماع، أَو تَقْرِير النَّبِي، فالاحتجاج الصَّحِيح وَفِي كَونه من التَّقْرِير التَّرَدُّد.
أَو تَنْتَهِي غَايَة الْإِسْنَاد إِلَى الصَّحَابِيّ كَذَلِك - أَي مثل مَا تقدم - فِي كَون اللَّفْظ يَقْتَضِي التَّصْرِيح بِأَن الْمَنْقُول هُوَ من قَول الصَّحَابِيّ أَو من فعله أَو من تَقْرِيره، وَلَا يجِئ فِيهِ جَمِيع مَا تقدم بل معظمه، والتشبيه لما يشْتَرط فِيهِ الْمُسَاوَاة من كل جِهَة. بل يَكْتَفِي من بعض الْوُجُوه، وَجزم ابْن الصّباغ فِي كتاب " الْعدة ": بِأَن التَّابِعِيّ إِذا قَالَ ذَلِك فَهُوَ مُرْسل، ثمَّ حكى فِيهِ إِذا قَالَه ابْن الْمسيب وَجْهَيْن: هَل يكون حجَّة أَو لَا؟ وللغزالي فِيهِ احْتِمَالَانِ بِلَا تَرْجِيح: هَل يكون مَوْقُوفا أَو مَرْفُوعا مُرْسلا؟ وَقَالَ: قَوْله من السّنة فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم " وَغَيره، وَصحح وَقفه. وَحكى الداوودي الرّفْع عَن الْقَدِيم.
[ ٢ / ١٩٩ ]
معرفَة الصَّحَابَة - ﵃ -
وَلما كَانَ هَذَا الْمُخْتَصر شَامِلًا لجَمِيع أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث استطرد فِيهِ وَفِي نُسْخَة: مِنْهُ إِلَى تَعْرِيف الصَّحَابِيّ مَا هُوَ؟ فَقلت: وَهُوَ من لَقِي النَّبِي مُؤمنا وَمَات على / الْإِسْلَام وَلَو تخللت ردة فِي الْأَصَح.
قَالَ البقاعي: وَقَوله شَامِلًا أَي أُرِيد أَن يكون شَامِلًا. وَلم أدر مَا يعود عَلَيْهِ ضمير مِنْهُ، وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: والصحابي هُوَ من لَقِي النَّبِي. . إِلَى آخِره، أَو يكْتب الْوَاو بالحمرة (والصحابي) بِالسَّوَادِ وَهُوَ وَمَا بعْدهَا بالحمرة. وَيُمكن أَن يعود ضمير مِنْهُ على الْإِسْنَاد الْمُحدث عَنهُ فِي قَوْله ثمَّ الْإِسْنَاد.
وَلَكِن كَيفَ يكون الاستطراد (مَشْرُوطًا بِكَوْن الْمُخْتَصر شَامِلًا لما ذكر؟ إِن كَانَ التَّعْرِيف من أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث لم يكن ذكره اسْتِطْرَادًا)
[ ٢ / ٢٠٠ ]
بل متأصلا، وَإِلَّا لم يشْتَرط فِيهِ شُمُول الْمُخْتَصر لجَمِيع الْأَنْوَاع، بل الْبَعْض الَّذِي بِهِ تعلق، وَهُوَ مَا ذكر فِيهِ الصَّحَابِيّ كَانَ فِي توسيع الاستطراد إِلَيْهِ.
وَالْمرَاد باللقاء: مَا هُوَ أَعم من المجالسة والمماشاة والمكالمة ووصول أَحدهمَا إِلَى الآخر (وَإِن لم يكالمه) لكَون أَحدهمَا بشاهق جبل وَالْآخر بوهدة وَيدخل فِيهِ رُؤْيَة أَحدهمَا الآخر سَوَاء كَانَ ذَلِك أَي الرُّؤْيَة بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ أَي سَوَاء كَانَ اللِّقَاء بِنَفسِهِ - وَهُوَ ظَاهر -، أَو بِغَيْرِهِ كَمَا إِذا حمل طِفْل رَضِيع إِلَيْهِ وَالتَّعْبِير باللقي أولى من قَول بَعضهم وَهُوَ ابْن الصّلاح: الصَّحَابِيّ من رأى النَّبِي، لِأَنَّهُ يخرج ابْن أم مَكْتُوم وَنَحْوه من العميان وهم صحابة بِلَا تردد.
كَذَا قَالَه الْمُؤلف هُنَا، وَقَالَ فِي كتاب آخر: الَّذِي اخترته أخيرا أَن
[ ٢ / ٢٠١ ]
قَول من قَالَ رأى النَّبِي لَا يرد عَلَيْهِ الْأَعْمَى، لِأَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ مَا هُوَ أَعم من الرُّؤْيَة بِالْقُوَّةِ أَو بِالْفِعْلِ / وَالْأَعْمَى فِي قُوَّة من يرى بِالْفِعْلِ وَإِن عرض مَانع من الرُّؤْيَة بِالْفِعْلِ. إِلَى هُنَا كَلَامه.
ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا اخْتِيَار مجازي بِلَا قرينَة فَلَا عِبْرَة بِهِ. واللقي فِي هَذَا التَّعْرِيف كالجنس.
وَقَوْلِي: مُؤمنا كالفصل، يخرج من حصل لَهُ اللِّقَاء الْمَذْكُور لَكِن فِي حَال كَونه كَافِرًا. وَإِن أسلم بعد كرسول قَيْصر، فَلَا صُحْبَة لَهُ كَمَا جزم بِهِ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي " شرح التَّقْرِيب ". وَيُوَافِقهُ قَول الأشموني فِي " شرح نظم النخبة ": يخرج من لقِيه قبل الْبعْثَة وَغَابَ ثمَّ أسلم زمن الْبعْثَة حَال كَونه مُسلما كسعيد بن حَيْوَة الْبَاهِلِيّ. هَذِه عِبَارَته. وَقَوْلِي: بِهِ فصل ثَان، يخرج من لقِيه مُؤمنا لَكِن بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وَتعقب هَذِه الْعبارَة الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بقوله مُؤمنا بِغَيْرِهِ: أَنه مُؤمن بِأَن ذَلِك الْغَيْر نَبِي، وَلم يُؤمن بِمَا جَاءَ بِهِ كَأَهل الْكتاب الْيَوْم من الْيَهُود فَهَذَا لَا يُقَال لَهُ مُؤمن، فَلم يدْخل فِي الْجِنْس فَيحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه بفصل، وَحِينَئِذٍ لَا يَصح أَن يكون هَذَا فصلا وَإِنَّمَا هُوَ لبَيَان مُتَعَلق الْإِيمَان. وَإِن كَانَ المُرَاد مُؤمنا بِمَا جَاءَ بِهِ غَيره من الْأَنْبِيَاء فَذَلِك مُؤمن بِهِ إِن كَانَ لقاؤه بعد الْبعْثَة، وَإِن كَانَ قبلهَا فَهُوَ مُؤمن بِأَنَّهُ سيبعث فَلَا يَصح أَيْضا أَن يكون فصلا لما ذكره فِي قَوْله لَكِن هَل يخرج بِهِ من لقِيه مُؤمنا أَنه سيبعث وَلم يدْرك الْبعْثَة / فِيهِ نظر. يعْنى أَنه مَحل تَأمل.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقد رجح الْمُؤلف أحد جَانِبي هَذَا الترديد فَقَالَ: إِن الصُّحْبَة وَعدمهَا من الْأَحْكَام الظَّاهِرَة فَلَا تحصل إِلَّا عِنْد حُصُول مقتضيها فِي الظَّاهِر، وحصوله فِي الظَّاهِر يتَوَقَّف على الْبعْثَة. انْتهى كَذَا نَقله الشَّيْخ عَن الْمُؤلف.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَجه النّظر أَنه لم يكن حِينَئِذٍ نَبيا فِي الظَّاهِر، فملاقيه لم يلق النَّبِي، لكنه كَانَ نَبيا عِنْد الله فَيصدق أَنه لَقِي النَّبِي، فَيخرج بِالِاعْتِبَارِ الأول وَيدخل بِالثَّانِي، وَهَذَا مثل بحيرا الراهب وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. انْتهى.
وَذكر نَحوه البقاعي ثمَّ قَالَ: وَيظْهر لي فِي وَجه النّظر أَن يُقَال: نَحن وَإِن تَبينا أَن النَّبِي كَانَ وَقت اللِّقَاء نَبيا فَمن لم يتَبَيَّن أَن ذَلِك الْإِنْسَان يثبت على إيمَانه أَو ترك فَإِن الْحَالين مُخْتَلِفَانِ
[ ٢ / ٢٠٤ ]
من العلمين، كَمَا وَقع لورقة فَإِنَّهُ يثبت، وَأُميَّة فَإِنَّهُ كفر بعد أَن كَانَ مُصدقا أَنه هُوَ. وَنحن نشترط الْمَوْت على إِيمَان بعد الْبعْثَة فَهَذَا يدْفع عده فِي الصَّحَابَة وَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى مَا فِي نفس الْأَمر أما بِالنّظرِ إِلَى التَّعْرِيف فَلَا يَصح دُخُوله، لِأَن النُّبُوَّة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْإِخْبَار لَا يُطلق عَلَيْهِ إِلَّا بمجاز الأول، وألفاظ التَّعْرِيف تصان من الْمجَاز الَّذِي لَيْسَ بشهير، والشهير يجوز وَهُوَ مَا صحبته قرينَة تتَعَيَّن المُرَاد فَهِيَ أخص من / الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة. ولمثل ذَلِك أخرج الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " نكته " على ابْن الصّلاح من رأى النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد مَوته. اه مَعَ أَن مجَاز الْكَوْن أرجح من مجَاز الأول وَيخرج من جِهَة
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أُخْرَى وَهِي اشْتِرَاط الْإِسْلَام عِنْد اللقي، وَبِه يعرف أَن المُرَاد بِمن يسلم أَي الصَّحَابِيّ مُسلم لَقِي النَّبِي وَمَات على الْإِسْلَام وَمن كَانَ على دين عِيسَى، أَو مُوسَى لم يسم فِي الإصطلاح إِلَّا نَصْرَانِيّا أَو يَهُودِيّا، فَلَا يُقَال: مُسلم لَا فِيمَا بَيْننَا وَلَا فِيمَا بَين أهل الْكتاب.
وَكَذَا يخرج من التَّعْرِيف: من رَآهُ بعد الْمَوْت وَقبل الدّفن كَأبي ذُؤَيْب فَإِن الْإِخْبَار الَّذِي هُوَ معنى النُّبُوَّة انْقَطع، وَأَيْضًا لَا يعد ذَلِك لقيا عرفا، وَقد صَرَّحُوا بِأَن عدم جعله صحابيا أرجح. انْتهى
وَقَوْلِي: وَمَات على الْإِسْلَام فصل ثَالِث يخرج من ارْتَدَّ بعد أَن لقِيه مُؤمنا بِهِ وَمَات على الرِّدَّة كعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن جحش، وَابْن
[ ٢ / ٢٠٦ ]
خطل (بخاء مُعْجمَة) فَلَا يُسمى صحابيا، قَالَ الْمُؤلف: وَكَذَا من روى عَنهُ ثمَّ مَاتَ مُرْتَدا بعد وَفَاته كربيعة بن أُميَّة بن خلف فَإِنَّهُ لقِيه مُؤمنا بِهِ، وروى عَنهُ، وَاسْتمرّ إِلَى خلَافَة عمر ثمَّ ارْتَدَّ وَمَات على الرِّدَّة.
وَقَوْلِي: وَلَو تخللت ردة أَي بَين لقِيه مُؤمنا بِهِ وَبَين مَوته على الْإِسْلَام، كَذَا فِي نسخ، وَفِي نُسْخَة: بدوين مَوته على الْإِسْلَام فَإِن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام / فِي حَيَاته أَو بعده. أَي بعد مَوته سَوَاء لقِيه ثَانِيًا أَو بعد الْإِسْلَام أم لَا فَإِن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ أَيْضا.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قَالَ بعض من لقيناه: وَقَوله سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام. . إِلَخ يُغني عَن قَوْله سَوَاء لقِيه ثَانِيًا لِأَن من رَجَعَ بعد مَوته لَا يتَصَوَّر فِي حَقه اللِّقَاء، اللَّهُمَّ أَن تكون رَاجِعَة إِلَى الرُّجُوع فِي حَال الْحَيَاة فَقَط، فَلَا يلْزم مَا ذكر.
وَقَول فِي الْأَصَح إِشَارَة إِلَى الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة يعْنى مَسْأَلَة الارتداد. ذكره الشَّيْخ قَاسم وَقد ذهب جمَاعَة إِلَى أَنه لَا يُسمى صحابيا إِذا لم يره بعد ذَلِك. وَيدل على رُجْحَان الأول: قصَّة الْأَشْعَث بن قيس فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وَأتي بِهِ بعد موت الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
[ ٢ / ٢٠٨ ]
إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ أَسِيرًا فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَقبل مِنْهُ ذَلِك، وزوجه أُخْته، تألفا لَهُ، وتقوية وتثبيتا لإسلامه. وَلم يتَخَلَّف أحد من الْمُحدثين وَلَا المؤرخين عَن ذكره فِي الصَّحَابَة، وَلَا عَن تَخْرِيج أَحَادِيثه فِي المسانيد وَغَيرهَا. من الْجَوَامِع، والأجزاء، والطبقات، والوفيات. وَأَشَارَ بذلك إِلَى الرَّد على شَيْخه الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ حَيْثُ قَالَ: فِي دُخُوله فيهم نظر، فقد نَص الإِمَام الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة على أَن الرِّدَّة محبطة للْعَمَل. قَالَ: فَالظَّاهِر أَنَّهَا محبطة للصحبة كقرة بن هُبَيْرَة، والأشعث.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وَدخل فِي التَّعْرِيف: من حكم بِإِسْلَامِهِ تبعا لأحد أَبَوَيْهِ. وَعَلِيهِ عمل / ابْن عبد الْبر وَابْن مَنْدَه وَغَيرهمَا.
وَلَا يشْتَرط الْبلُوغ وَلَا التَّمْيِيز على الْأَصَح، فَيدْخل من حنكه، اَوْ مسح وَجهه، أَو تفل فِيهِ وَهُوَ رَضِيع، نعم لَا خلاف فِي رُجْحَان الْكَامِل كَمَا يعلم من وَقَوله.
تنبيان:
١ - لَا خَفَاء برجحان رُتْبَة من لَازمه، وَقَاتل مَعَه أَو قتل تَحت رايته على من لم يلازمه، أَو لم يحضر مَعَه مشهدا، وعَلى من كَلمه
[ ٢ / ٢١٠ ]
يَسِيرا، أَو مَا شاه قَلِيلا، أَو رَآهُ على بعد، كَكَوْنِهِ مارا فِي بَحر، أَو سَاحل بعيد، أَو على جبل شامخ أَو فِي حَال الطفولية أَو الْجُنُون وَإِن كَانَ شرف الصُّحْبَة حَاصِلا للْجَمِيع. وَمن لَيْسَ لَهُ مِنْهُ سَماع مِنْهُم فَحَدِيثه مُرْسل من حَيْثُ الرِّوَايَة. قَالَ الْمُؤلف: وَهُوَ مَقْبُول بِلَا خلاف، وَالْفرق بَينه وَبَين التَّابِعِيّ حَيْثُ اخْتلف فِيهِ مَعَ اشتراكهما فِي احْتِمَال الرِّوَايَة عَن التَّابِعين أَن احْتِمَال رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ بعيدَة، بِخِلَاف احْتِمَال رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ فَإِنَّهَا غير بعيدَة. اه.
وهم مَعَ ذَلِك معدودون فِي الصَّحَابَة بالِاتِّفَاقِ لما نالوه من شرف الرُّؤْيَة قَالَ بَعضهم: قَوْله وهم مَعَ ذَلِك معدودون فِي الصَّحَابَة مَعْلُوم من قَوْله وَإِن كَانَ شرف الصُّحْبَة حَاصِلا للْجَمِيع فَهُوَ تكْرَار. انْتهى ويلغز بذلك فَيُقَال: صَحَابِيّ حَدِيثه مُرْسل مُحْتَج بِهِ بالِاتِّفَاقِ لَا يطرقه الْخلاف الَّذِي فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة. ذكره
[ ٢ / ٢١١ ]
الْكَمَال ابْن أبي شرِيف ثمَّ رَأَيْت بَعضهم قَالَ نقلا عَن / الْمُؤلف: وَقد يُورد بَعضهم على هَذَا استشكالا وَهُوَ مَوضِع تزل فِيهِ الْأَقْدَام وتحريره مَا هُنَا.
طرق معرفَة الصَّحَابَة:
١ - ثَانِيهمَا. أَي التنبيهان يعرف كَونه صحابيا بالتواتر أَو الاستفاضة أَو الشُّهْرَة، أَو إِخْبَار بعض الصَّحَابَة، اَوْ بعض ثِقَات التَّابِعين، أَو بإخباره عَن نَفسه بِأَنَّهُ صَحَابِيّ. وفَاقا للْقَاضِي الباقلاني، لِأَن عَدَالَته تَمنعهُ من الْكَذِب فِي ذَلِك إِذا كَانَ دَعْوَاهُ ذَلِك يدْخل تَحت الْإِمْكَان وَقَيده ابْن الْحَاجِب، وَابْن الصّلاح، وَالنَّوَوِيّ، وَغَيرهم: بِمَا إِذا كَانَ مَعْرُوف الْعَدَالَة. وَخرج بالإمكان مَا لَو لم يكن عَادَة غَالِبا بِأَن ادّعى ذَلِك بعد مائَة سنة من وَفَاته عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا يقبل
[ ٢ / ٢١٢ ]
كَمَا فِي " التَّقْرِيب ". وَشرط الأصوليون مَعَ ذَلِك قي قبُوله أَن يعْتَرف لَهُ معاصروه.
وَقد اسْتشْكل هَذَا الْأَخير وَهُوَ إخْبَاره عَن نَفسه جمَاعَة من الْمُحدثين والأصوليين من حَيْثُ أَن دَعْوَاهُ ذَلِك نَظِير دَعْوَى من قَالَ: أَنا عدل فَإِنَّهُ لَا يصدق، بل يحْتَاج إِلَى التَّزْكِيَة، بل هَذَا أولى لاتهامه بِدَعْوَى رُتْبَة عَلَيْهِ يثبتها لنَفسِهِ وَيحْتَاج إِلَى تَأمل. أَي وَيحْتَاج الْجَواب عَنهُ إِلَى تَأمل لصعوبته، وَلِهَذَا جزم الْآمِدِيّ بِالْمَنْعِ، وَرجحه أَبُو الْحسن ابْن الْقطَّان وَغَيره.
وَيدْفَع الْإِشْكَال بِمَا اشْتَرَطَهُ أهل الْأُصُول من اعْتِرَاف معاصريه لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة التَّزْكِيَة فتزول التُّهْمَة ويندفع الْإِشْكَال، و(بِأَن)
[ ٢ / ٢١٣ ]
أَكثر / السّلف وَالْخلف على عَدَالَة الصَّحَابَة فَلَا يبْحَث عَنْهَا فِي رِوَايَة وَلَا شَهَادَة لأَنهم خير الْأمة وَمن طَرَأَ لَهُ مِنْهُم قَادِح كسرقة أَو زنا عمل بِمُقْتَضَاهُ، فَلَيْسَ المُرَاد بكونهم عُدُولًا ثُبُوت الْعِصْمَة لَهُم، واستحالة الْمعْصِيَة عَلَيْهِم، بل إِنَّه لَا يبْحَث عَن عدالتهم.
وَمن فَوَائِد القَوْل بِعَدَالَتِهِمْ مُطلقًا: إِنَّه إِذا قيل عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي قَالَ: سمعته يَقُول كَذَا كَانَ حجَّة كتعيينه باسمه.
قَالَ فِي الْمِيزَان: ورتن الْهِنْدِيّ وَمَا أَدْرَاك مَا رتن الْهِنْدِيّ؟ شيخ دجال بِلَا ريب، ظهر بعد الستمائة فَادّعى الصُّحْبَة، وَهَذَا جريء على الله وَرَسُوله. قَالَ: وَقد ألفت فِيهِ جُزْءا
[ ٢ / ٢١٤ ]
تَنْبِيه:
قَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ: قبض الْمُصْطَفى عَن مائَة ألف وَأَرْبَعَة عشر ألفا صَحَابِيّ مِمَّن روى عَنهُ، أَو سمع مِنْهُ.
وَقد جعل الْحَاكِم الصَّحَابَة اثْنَي (عشر) طبقَة:
١ - الأولى: قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة كالخلفاء الْأَرْبَعَة.
٢ - الثَّانِيَة: أَصْحَاب دَار الندوة.
٣ - الثَّالِثَة: مهاجرة الْحَبَشَة.
٤ - الرَّابِعَة: أَصْحَاب الْعقبَة الأولى.
٥ - الْخَامِسَة: أَصْحَاب الْعقبَة الثَّانِيَة وَأَكْثَرهم من الْأَنْصَار.
[ ٢ / ٢١٥ ]
٦ - السَّادِسَة: أول الْمُهَاجِرين الَّذين وصلوا إِلَيْهِ بقباء قبل دُخُوله الْمَدِينَة.
٧ - السَّابِعَة: أهل بدر.
٨ - الثَّامِنَة: الَّذين هَاجرُوا بَين بدر وَالْحُدَيْبِيَة.
٩ - التَّاسِعَة: أهل بيعَة الرضْوَان.
١٠ - الْعَاشِرَة: من هَاجر بَين الْحُدَيْبِيَة وَفتح مَكَّة كخالد بن الْوَلِيد.
١١ - الْحَادِيَة عشر: من هَاجر بعد الْفَتْح.
١٢ - الثَّانِيَة عشر: صبيان وَأَطْفَال رَأَوْهُ يَوْم الْفَتْح، وَحجَّة الوادع كالسايب بن يزِيد، وَعبد الله بن ثَعْلَبَة وَغَيرهمَا.
[ ٢ / ٢١٦ ]
معرفَة التَّابِعين
أَو يَنْتَهِي غَايَة الْإِسْنَاد لفظ غَايَة زايد كَمَا قَالَ الشَّيْخ قَاسم: بل مُفسد كَمَا مر.
إِلَى التَّابِعِيّ، وَهُوَ: من لقى الصَّحَابِيّ كَذَلِك، وَهَذَا مُتَعَلق باللقي.
وَمَا ذكر مَعَه إِلَّا قيد الْإِيمَان بِهِ فَذَلِك خَاص بِالنَّبِيِّ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وخصوصه بِالْعقلِ لَا بِاللَّفْظِ. اه. خلافًا لما يُوهِمهُ كَلَامه.
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: قَوْله خَاص بِالنَّبِيِّ أَي فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِي التَّابِعِيّ أَن يكون وَقت تحمله عَن
[ ٢ / ٢١٧ ]
الصَّحَابِيّ مُؤمنا، بل لَو كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم بعد موت الصَّحَابِيّ وروى سميناه تابعيا وقبلناه. انْتهى.
وعَلى هَذَا فَلَا يشْتَرط فِي التَّابِعِيّ طول ملازمته للصحابي بل هُوَ كالصحابي. وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ الْحَاكِم وَغَيره خلافًا لمن اشْترط فِي التَّابِعِيّ طول الْمُلَازمَة، أَو صِحَة السماع أَو التَّمْيِيز. كَمَا فِي الصَّحَابِيّ. وَاخْتَارَ الْمُؤلف هَذَا القَوْل لقَوْل ابْن الصّلاح: إِنَّه الْأَقْرَب. وَقَول النَّوَوِيّ فِي " التَّقْرِيب ": إِنَّه الْأَظْهر. وَقَول الْعِرَاقِيّ: عَلَيْهِ عمل الْأَكْثَر.
لَكِن الْأَصَح - كَمَا ذهب الْخَطِيب - فِي أَنه يشْتَرط فِي التَّابِعِيّ طول الْمُلَازمَة للصحابي، أَو سَمَاعه مِنْهُ وَلَا يَكْفِي مُجَرّد اللقي بِخِلَاف الصَّحَابِيّ مَعَ النَّبِي لشرف منزلَة الْمُصْطَفى / فالاجتماع بِهِ يُؤثر من النُّور القلبي أَضْعَاف مَا يؤثره الِاجْتِمَاع الطَّوِيل بالصحابي وَغَيره.
وَجعل مُسلم التَّابِعين ثَلَاث طَبَقَات، وَالْحَاكِم خمس عشرَة طبقَة.
[ ٢ / ٢١٨ ]
قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الشيرزاي: وَاخْتلف فِي أفضل التَّابِعين، فَأهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: سعيد بن الْمسيب، وَأهل الْبَصْرَة: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَأهل الْكُوفَة: أويس الْقَرنِي. قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَالصَّوَاب مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْكُوفَة لما روى مُسلم فِي حَدِيث عمر بن الْخطاب قَالَ: سَمِعت النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: إِن خير التَّابِعين رجل يُقَال لَهُ أويس الْقَرنِي. . الحَدِيث. .
[ ٢ / ٢١٩ ]
المخضرمون
وَبَقِي بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ طبقَة اخْتلف فِي إلحاقهم بِأَيّ الْقسمَيْنِ وهم: المخضرمون. بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الضَّاد وَفتح الرَّاء.
وهم الَّذين أدركوا الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، وَلم يرَوا عَن النَّبِي. فعدهم ابْن عبد الْبر. فِي كتاب " التَّمْهِيد " فِي الصَّحَابَة. كَذَا عبر الْمُؤلف. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم " بِأَنَّهُ كَانَ الأولى أَن يَقُول: فعدهم مَعَهم لما يَأْتِي من أَنه لم يعْتد لَهُم بِهِ.
وَادّعى عِيَاض - وَغَيره - أَن ابْن عبد الْبر يَقُول: إِنَّهُم أَصْحَابه وَفِيه نظر ظَاهر لِأَنَّهُ أَي ابْن عبد الْبر أفْصح فِي خطْبَة كِتَابه الْمُسَمّى ب " الِاسْتِيعَاب " بِأَنَّهُ إِنَّمَا أوردهم فِيهِ ليَكُون كِتَابه جَامعا مستوعبا لأهل
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الْقرن الأول. قَالَ / الشَّيْخ قَاسم " يُقَال للمؤلف: أَنْت صرحت بِأَنَّهُ عدهم فِيهِ، فَمَا ورد على عِيَاض فَهُوَ وَارِد على ظَاهر عبارتك، فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَاهُ.
وَالصَّحِيح إِنَّهُم معدودون فِي كبار التَّابِعين، سَوَاء أعرف أَن الْوَاحِد مِنْهُم كَانَ مُسلما فِي زمن النَّبِي كالنجاشي أم لَا؟ لَكِن أَن ثَبت أَن النَّبِي لَيْلَة الْإِسْرَاء كشف لَهُ عَن جَمِيع من فِي الأَرْض فَرَآهُمْ فَيَنْبَغِي أَن يعد من كَانَ مُؤمنا بِهِ فِي حَيَاته إِذْ ذَاك وَإِن لم يلاقه فِي الصَّحَابَة.
[ ٢ / ٢٢١ ]
مُتَعَلق بيعد لحُصُول الرُّؤْيَة من جَانِبه ﷺ.
كَذَا بَحثه الْمُؤلف، ورده الْكَمَال ابْن أبي الشريف بِأَن هَذَا لَا يسلم على مَا ذكره من التَّعْرِيف باللقي مُتَابعًا فِيهِ غَيره، إِنَّمَا يسلم على تَعْرِيف من عرف الصَّحَابِيّ: بِأَنَّهُ من رَأْي النَّبِي إِلَى آخِره. انْتهى.
وَقَالَ البقاعي: قَالَ الزَّرْكَشِيّ: من وَقع بصر النَّبِي وَلم يره هُوَ لَيْسَ بصحابي وَلَا قَائِل بِهِ، لِئَلَّا يلْزم دُخُول كل من عاصره، لِأَنَّهُ كشف لَهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء - وَغَيرهَا - عَنْهُم أَجْمَعِينَ، ورآهم كلهم. انْتهى.
فقد أَتَى بِصِيغَة تدل على إِثْبَات الْجَزْم بِالرُّؤْيَةِ لَيْلَة الْإِسْرَاء
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وَغَيرهَا، وَمَعَ ذَلِك نفى اسْم الصُّحْبَة عَن المرئيين. انْتهى.
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا ذكره المُصَنّف - فِيمَا تقدم - من الصُّحْبَة من الْأَحْكَام الظَّاهِرَة / يدل على أَن ذَلِك لَو ثَبت لَا يدل على الصُّحْبَة، لِأَن مَا فِي عَالم الْغَيْب لَا يكون حكمه حكم مَا فِي عَالم الشَّهَادَة.
ثمَّ قَالَ: وَالْحق أَن الْأُمُور الْحَاصِلَة لَهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بالكشف حكمهَا حكم الْأُمُور الْحَاصِلَة لَهُ بالعيان، وَلَا علاقَة لما ذكره فِي الصُّحْبَة بِهَذَا، لِأَن ذَاك فِي الظَّاهِر الَّذِي يُقَابل الِاعْتِقَاد.
قَالَ: وَقَوله وَإِن لم يلاقه لَيْسَ بجيد، لِأَنَّهُ تقدم لَهُ أَن اللقي يصدق بِرُؤْيَة أَحدهمَا للْآخر، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: وَلم يجْتَمع مَعَه. انْتهى.
تَنْبِيه:
قَالُوا معرفَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أصلان عظيمان، بهما يعرف الْمُتَّصِل والمرسل وَغير ذَلِك، فَلَا بُد لأَصْحَاب عُلُوم الشَّرْع الثَّلَاثَة من ذَلِك.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف والمقطوع
وَالْقسم الأول - مِمَّا تقدم ذكره - من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ: مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ غَايَة الْإِسْنَاد، إِلَى النَّبِي.
كَذَا عبر الْمُؤلف، وَتعقبه الْكَمَال ابْن أبي الشريف: كَأَن حق الْعبارَة أَن يَقُول: وَالْقسم الأول وَهُوَ مَا يَنْتَهِي فِيهِ غَايَة الْإِسْنَاد إِلَى النَّبِي.
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: قَوْله غَايَة زايد مُفسد كَمَا مر. هُوَ الْمَرْفُوع سَوَاء كَانَ ذَلِك الِانْتِهَاء بِإِسْنَاد مُتَّصِل أم لَا
وَالثَّانِي: الْمَوْقُوف وَهُوَ: مَا انْتهى إِلَى الصَّحَابِيّ.
وَالثَّالِث: الْمَقْطُوع وَهُوَ: مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ قولا وفعلا.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَمن دون التَّابِعِيّ كَذَلِك من أَتبَاع التَّابِعين فَمن بعدهمْ / فِيهِ - أَي التَّسْمِيَة - مثله - أَي (مثل) مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ.
قَالَ بَعضهم فِيهِ: جعل من دون التَّابِعِيّ مثل قَول التَّابِعِيّ فِي تَسْمِيَة جَمِيع ذَلِك مَقْطُوعًا. كَذَا شَرحه الْمُؤلف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن فِيهِ صرف الضَّمِير إِلَى خلاف من هُوَ لَهُ، فَإِنَّهُ فِي قَوْله فِيهِ للمقطوع، وَفِي مثله للتابعي لَا للمقطوع، فعلى ظَاهره يصير التَّابِعِيّ مثل الْمَقْطُوع وَلَا يخفى مَا فِيهِ فَكَانَ الأولى أَن يَقُول فِيهِ - أَي فِي الْمَقْطُوع - مثله - أَي مثل التَّابِعِيّ - فِي أَن مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ يُسمى مَقْطُوعًا. اه.
وَإِن شِئْت قلت: مَوْقُوف على فلَان فحصلت التَّفْرِقَة فِي الِاصْطِلَاح. أَي اصْطِلَاح الْمُحدثين بَين الْمَقْطُوع والمنقطع فالمنقطع عِنْدهم من مبَاحث الْإِسْنَاد كَمَا تقدم، (والمقطوع) من مبَاحث الْمَتْن. وَقد أطلق بَعضهم هَذَا فِي مَوضِع هَذَا وَبِالْعَكْسِ تجوزا عَن الِاصْطِلَاح الَّذِي أصلوه وقرروه إِلَى غَيره.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وَيُقَال للآخرين: الْأَثر. أَي الْمَوْقُوف والمقطوع. وَمِمَّنْ اسْتعْمل الْمَقْطُوع فِي الْمُنْقَطع الَّذِي لم يتَّصل إِسْنَاده الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالطَّبَرَانِيّ، والْحميدِي، وَالدَّارَقُطْنِيّ. لَكِن الإِمَام الشَّافِعِي اسْتعْمل ذَلِك قبل الإستقرار الاصطلاحي كَمَا قَالَ فِي بعض الْأَحَادِيث: حسن وَهُوَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ.
فَائِدَة:
جمع الْموصِلِي كتابا سَمَّاهُ " معرفَة الْوُقُوف على الْمَوْقُوف " أورد فِيهِ مَا أوردهُ أَصْحَاب الموضوعات / فِي كتبهمْ وَهُوَ صَحِيح عَن غير
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الْمُصْطَفى: إِمَّا عَن صَحَابِيّ، أَو تَابِعِيّ فَمن بعده. وَقَالَ: إِن إِيرَاده فِي الموضوعات غلط وَبِذَلِك يبطل كثير مِمَّا أوردوه، فَبين الْمَوْضُوع وَالْمَوْقُوف فرق.
وَمن مظان الْمَوْقُوف والمقطوع: مُصَنف ابْن أبي شيبَة، وَعبد الرَّزَّاق، وَتَفْسِير ابْن جرير الطَّبَرِيّ، وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
الْمسند
والمسند بِفَتْح النُّون فِي قَول أهل الحَدِيث: هَذَا حَدِيث مُسْند. هَذَا احْتِرَاز عَن الْمسند: بِمَعْنى الْإِسْنَاد: " كمسند الشهَاب " و" مُسْند الفردوس " أَي إِسْنَاد حَدِيثهمَا.
وَعَن الْمسند بِمَعْنى الْكتاب الَّذِي جمع فِيهِ مَا أسْندهُ الصَّحَابَة أَي رَوَوْهُ.
وَهُوَ مَرْفُوع صَحَابِيّ بِسَنَد ظَاهره الِاتِّصَال. كَذَا ذكره المُصَنّف. قَالَ بَعضهم: وَلَا حَاجَة إِلَى التَّعَرُّض للصحابي مَعَ التَّعَرُّض للاتصال.
فَقولِي: مَرْفُوع كالجنس، وَقَوْلِي: صَاحِبي كالفصل يخرج مَا رَفعه التَّابِعِيّ فَإِنَّهُ مُرْسل، أَو من دونه فَإِنَّهُ معضل أَو مُعَلّق. وَقَوْلِي ظَاهره الِاتِّصَال يخرج مَا ظَاهره الِانْقِطَاع، وَيدخل مَا فِيهِ الِاحْتِمَال، وَمَا يُوجد فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال الِاتِّصَال من بَاب أولى. وَيفهم من التَّقْيِيد بالظهور أَن
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الِانْقِطَاع الْخَفي كعنعنة المدلس، والمعاصر الَّذِي لم يثبت لقِيه لَا يخرج الحَدِيث عَن كَونه مُسْندًا، لإطباق الْأَئِمَّة الَّذين خَرجُوا / المسانيد على ذَلِك. وَهَذَا التَّعْرِيف مُوَافق لقَوْل أبي عبد الله الْحَاكِم وَمن تبعه الْمسند هُوَ مَا رَوَاهُ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ، وَكَذَا شَيْخه عَن شَيْخه مُتَّصِلا إِلَى صَحَابِيّ إِلَى رَسُول الله.
فَأصل التَّعْرِيف للْحَاكِم - وَأَتْبَاعه - فَالْمُسْنَدُ عِنْد الْحَاكِم أخص من الْمَرْفُوع، قَالَ: وَمن شَرط الْمسند أَن لَا يكون فِي إِسْنَاده أخْبرت عَن فلَان وَلَا حدثت عَن فلَان وَلَا بَلغنِي عَن فلَان وَلَا أَظُنهُ مَرْفُوعا وَلَا رَفعه فلَان.
وَأما الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَقَالَ: فِي كِتَابه " الْكِفَايَة " وَتَبعهُ ابْن الصّباغ فِي " الْعدة ": الْمسند هُوَ الْمُتَّصِل. فَشَمَلَ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف والمقطوع إِذا ورد بِسَنَد مُتَّصِل كَمَا قَالَ.
فعلى هَذَا أَي على كَلَام الْبَغْدَادِيّ الْمَوْقُوف إِذا جَاءَ بِسَنَد مُتَّصِل يُسمى عِنْده مُسْندًا، لَكِن قَالَ: أَن ذَلِك قد يَأْتِي لَكِن بقلة. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ورده الشَّيْخ قَاسم من وَجْهَيْن:
١ - الأول: أَن الْخَطِيب لم يذكر للمسند تعريفا من قبل بِنَفسِهِ ليلزمه مَا ذكره الْمُؤلف.
٢ - الثَّانِي: أَن قَوْله لَكِن قَالَ: أَن ذَلِك قد يَأْتِي بقلة لَيْسَ بِظَاهِر المُرَاد، فَإِن الظَّاهِر أَن ترجع الْإِشَارَة إِلَى مجئ الْمَوْقُوف بِسَنَد مُتَّصِل وَلَيْسَ بِمُرَاد، إِنَّمَا المُرَاد استعمالهم الْمسند فِي كل مَا اتَّصل إِسْنَاده مَوْقُوفا أَو مَرْفُوعا وَبَيَانه / أَن لفظ الْخَطِيب: وَصفهم الحَدِيث بِأَنَّهُ مُسْند يُرِيدُونَ بِهِ أَن إِسْنَاده مُتَّصِل بَين رَاوِيه وَبَين من أسْند عَنهُ إِلَّا أَن أَكثر استعمالهم هَذِه الْعبارَة فِيمَا اسند عَن النَّبِي خَاصَّة. وَأبْعد ابْن عبد الْبر حَيْثُ قَالَ فِي كتاب " التَّمْهِيد ": الْمسند الْمَرْفُوع مُتَّصِلا كمالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر عَن النَّبِي
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أَو مُنْقَطِعًا كمالك عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن الْمُصْطَفى. قَالَ: فَهَذَا مُسْند لِأَنَّهُ أسْند إِلَى الْمُصْطَفى ﵇، وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمع من ابْن عَبَّاس.
ورده الْمُؤلف بِمَا تضمنه قَوْله: وَلم يتَعَرَّض للإسناد فَإِنَّهُ يصدق على الْمُرْسل والمعضل والمنقطع إِذا كَانَ الْمَتْن مَرْفُوعا وَلَا قَائِل بِهِ وَتَبعهُ على ذَلِك غَيره.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الْإِسْنَاد العالي وأقسامه
فَإِن قل عدده - أَي عدد رجال الْمسند - من غير نقص فإمَّا أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي بذلك الْعدَد الْقَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَنَد آخر يرد بِهِ ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه بِعَدَد كثير، أَو يَنْتَهِي إِلَى إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث ذِي صفة عَلَيْهِ كالحفظ، وَالْفِقْه، والضبط والتصنيف، وَغير ذَلِك من الصِّفَات الْمُقْتَضِيَة للترجيح كشعبة، وَالْأَعْمَش، وَمَالك، وَالثَّوْري، وَالْإِمَام الشَّافِعِي، وَالْبُخَارِيّ، وَمُسلم وَنَحْوهم فَالْأول الْمعول عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي / وَهُوَ الْعُلُوّ الْمُطلق وَهُوَ الْقرب من رَسُول فَإِن اتّفق أَن يكون سَنَده صَحِيحا كَانَ الْغَايَة القصوى فِي الْعُلُوّ وَإِلَّا فَإِن لم يتَّفق ذَلِك فِيهِ فصورة الْعُلُوّ فِيهِ مَوْجُودَة لَا حَقِيقَة مَا لم يكن مَوْضُوعا فَهُوَ كَالْعدمِ وَقَوْلنَا: من غير نقص احْتِرَازًا عَن السَّنَد الَّذِي قل عدد رِجَاله لوُقُوع نقص فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِ الْعُلُوّ.
وَالثَّانِي: الْعُلُوّ النسبي، وَهُوَ مَا يقل الْعدَد فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الإِمَام وَلَو كَانَ الْعدَد من ذَلِك الإِمَام إِلَى منتهاه كثيرا. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُؤلف: من اشْتِرَاط قلَّة الْعدَد، وَكَونه غير ذِي صفة عَلَيْهِ، وَأَن مَا كثر عدده عَن حَافظ ضَابِط فَقِيه، أَو قل عدده عَن ذِي صفة لَا يُطلق عَلَيْهِ الْعُلُوّ، وَهُوَ غير مرضِي.
فقد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ - وَأقرهُ السخاوي -: الْعُلُوّ بِالنِّسْبَةِ لغير الضَّابِط المتقن صوري، وَلِذِي الإتقان والضبط وَإِن (كثر) الْعدَد معنوي. اه. فَإِن تَعَارضا فَمَا فضل بالإتقان والضبط أَعلَى.
وَاعْلَم أَن طلب الْعُلُوّ فِي الْإِسْنَاد سنة، وَلذَلِك اسْتحبَّ الرحلة، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل طلب الْإِسْنَاد العالي سنة عَمَّن سلف. وَقَالَ الطوسي: قرب الْإِسْنَاد قرب أَو قربَة إِلَى الله. قيل لِابْنِ معِين
[ ٢ / ٢٣٣ ]
- فِي مرض مَوته: مَا تشْتَهي؟ قَالَ: / بَيت خَال، وَسَنَد عَال. وَمحله فِيمَن جمع مَعَ قلَّة الْعدَد وَكَمَال الضَّبْط والإتقان مَعَ توفر بَقِيَّة صِفَات التَّرْجِيح فَلَا عِبْرَة بِمُجَرَّد الْقرب (قَالَ وَكِيع لأَصْحَابه: الْأَعْمَش. . عَن أبي وَائِل عَن عبد الله: أحب إِلَيْكُم أم سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله؟ .
قَالُوا: الْأَعْمَش عَن أَبى وَائِل أقرب.
قَالَ: الْأَعْمَش شيخ، وسُفْيَان عَمَّن ذكر فَقِيه عَن فَقِيه. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: لَيْسَ جودة الحَدِيث قرب الْإِسْنَاد بل صِحَة الرِّجَال) .
وَقد عظمت رَغْبَة الْمُتَأَخِّرين فِيهِ، حَتَّى غلب ذَلِك على كثير مِنْهُم بِحَيْثُ أهملوا الِاشْتِغَال بِمَا هُوَ أهم. وَاشْتَغلُوا بِهِ لما يَقع لَهُم فِي ذَلِك
[ ٢ / ٢٣٤ ]
من: الْمُوَافقَة، وَالْبدل، والمساواة، والمصافحة.
وَإِنَّمَا كَانَ الْعُلُوّ مرغوبا فِيهِ لكَونه أقرب إِلَى الصِّحَّة، وَقلة الْخَطَأ، لِأَنَّهُ مَا من راو من رجال الْإِسْنَاد إِلَّا وَالْخَطَأ جَائِز عَلَيْهِ عقلا فَكلما كثرت الوسائط وَطَالَ السَّنَد كثرت مظان التجويز للخطأ، وَكلما قلت قلت.
قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: النُّزُول شُؤْم. وَقَالَ ابْن معِين: الْإِسْنَاد النَّازِل قرحَة فِي الْوَجْه.
فَإِن كَانَ فِي النُّزُول مزية لَيست فِي الْعُلُوّ كَأَن يكون رِجَاله أوثق مِنْهُ، أَو أحفظ، أَو أفقه. والاتصال فِيهِ أظهر فَلَا تردد فِي أَن النُّزُول حِينَئِذٍ أولى. لِأَنَّهُ ترجح بِأَمْر معنوي فَكَانَ أولى.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
ذكره الشَّيْخ قَاسم. لَا سِيمَا إِذْ كَانَ فِيهِ بعض الْكَذَّابين مِمَّن ادّعى سَمَاعا من الصَّحَابَة كَأبي هدبة وخراش. قَالَ الذَّهَبِيّ: مَتى رَأَيْت الْمُحدث يفرح بعوالي هَؤُلَاءِ فَاعْلَم أَنه عَامي.
قَالَ الشمني: وأقسام الْعُلُوّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير المتقن الضَّابِط: علوها صوري / أما بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَوي الإتقان والضبط فَعَلُوهَا - وَلَو كَانَ الْعدَد أَكثر معنوي، فَلَو تَعَارضا فضل علو الإتقان والضبط كَمَا رُوِيَ عَن وَكِيع أَنه قَالَ: الْأَعْمَش أحب إِلَيْكُم عَن أَبى وَائِل عَن أَو سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله؟ .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فَقُلْنَا: الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل أقرب.
فَقَالَ: الْأَعْمَش شيخ وَأَبُو وَائِل شيخ وسُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه.
وَنَحْوه عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ: لَيْسَ جودة الحَدِيث قرب الْإِسْنَاد بل جودة الحَدِيث صِحَة الْإِسْنَاد.
وَمَا أحسن قَول الْحَافِظ السلَفِي:
(لَيْسَ حسن الحَدِيث قرب رجال عِنْد أَرْبَاب علم النقاد)
(بل علو الحَدِيث بَين أولي الْحِفْظ والإتقان صِحَة الْإِسْنَاد)
(وَإِذا مَا اجْتمعَا فِي حَدِيث فاغتنمه فَذَاك أقْصَى المُرَاد)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَقَول أبي الْحسن بن الْمفضل الْحَافِظ:
(إِن الرِّوَايَة بالنزول عَن الثِّقَات الأعدلين)
(خير من العالي عَن الْجُهَّال وَالْمُسْتَضْعَفِينَ)
أما من رجح النُّزُول مُطلقًا من أهل النّظر وَاحْتج بِأَن كَثْرَة الْبَحْث (عَن رُوَاة الحَدِيث) تَقْتَضِي الْمَشَقَّة فيعظم الْأَمر، فَذَلِك تَرْجِيح بإمر أَجْنَبِي يتَعَلَّق بالتصحيح والتضعيف. هَذَا أَخذه الْمُؤلف من كَلَام ابْن دَقِيق الْعِيد فَإِنَّهُ / قَالَ: التَّرْجِيح الْمَذْكُور مَرْدُود بِأَن كَثْرَة الْمَشَقَّة الْمَذْكُورَة غير مَطْلُوبَة لنَفسهَا، ورعاية الْمَعْنى الْمَقْصُود من الرِّوَايَة وَهُوَ الصِّحَّة أقرب إِلَى الصَّوَاب. على أَن ذَلِك تَرْجِيح بِأَمْر أَجْنَبِي عَمَّا يتَعَلَّق بالتصحيح والتضعيف. انْتهى.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وَأعلم أَن الْإِسْنَاد من خَصَائِص هَذِه الْأمة، قَالَ ابْن حزم: نقل الثِّقَة عَن الثِّقَة يبلغ بِهِ الْمُصْطَفى مَعَ الِاتِّصَال مَخْصُوص بِالْمُسْلِمين دون جَمِيع الْملَل، أما مَعَ الْإِرْسَال والإعضال فيوجد فِي الْيَهُود لَكِن لَا يقربون بِهِ من مُوسَى قربنا من نَبينَا بل يقفون حَيْثُ يكون بَينهم وَبَينه أَكثر من ثَلَاثِينَ نفسا، وَإِنَّمَا يبلغون بِهِ إِلَى نوح وشمعون، وَأما النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدهم من صفة هَذَا النَّقْل إِلَّا تَحْرِيم الطَّلَاق
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الْمُوَافقَة
وَفِيه - أَي الْعُلُوّ النسبي - الْمُوَافقَة وَهِي الْوُصُول أَي وُصُول راو فِي الحَدِيث إِلَى شيخ أحد المصنفين وَإِن لم يكن من أهل الْكتب السِّتَّة كَمَا وَقع لبَعض الْأَئِمَّة فِي مُسْند أَحْمد إِلَّا أَن الْغَالِب الِاقْتِصَار فِي اسْتِعْمَال المخرجين على السِّتَّة. من غير طَرِيقه - أَي الطَّرِيق الَّتِي توصل إِلَى ذَلِك المُصَنّف الْمعِين.
كَرِوَايَة الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، فَإِنَّهُ إِذا رُوِيَ من طريقهم كَانَ أنزل.
مِثَاله: روى البُخَارِيّ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك حَدِيثا، فَلَو روينَاهُ من طَرِيقه أَي البُخَارِيّ كَانَ بَيْننَا وَبَين قُتَيْبَة ثَمَانِيَة وَلَو روينَا ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه أَي إِسْنَادًا ومتنا من طَرِيق أبي الْعَبَّاس السراج عَن قُتَيْبَة
[ ٢ / ٢٤٠ ]
- مثلا - لَكَانَ بَيْننَا وَبَين قُتَيْبَة فِيهِ سَبْعَة، فقد حصل لنا الْمُوَافقَة مَعَ البُخَارِيّ فِي شَيْخه بِعَيْنِه مَعَ علو الْإِسْنَاد على الْإِسْنَاد إِلَيْهِ.
[ ٢ / ٢٤١ ]
الْبَدَل
وَفِيه - الْعُلُوّ النسبي - الْبَدَل أَيْضا وَهُوَ الْوُصُول أَي وُصُول الرَّاوِي فِي حَدِيث إِلَى شيخ شَيْخه كَذَلِك. أَي من غير طَرِيق ذَلِك المُصَنّف الْمعِين من طَرِيق آخر أقل عددا من طَرِيقه. ذكره الشَّيْخ قَاسم كَأَن يَقع لنا ذَلِك الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قَالَ بَعضهم: صَوَاب (الْعبارَة): ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه. من طَرِيق أُخْرَى إِلَى القعْنبِي عَن مَالك، فَيكون القعْنبِي بَدَلا فِيهِ عَن قُتَيْبَة.
قَالَ المُصَنّف: واستخرجت قسما يجْتَمع فِيهِ الْبَدَل والموافقة مِثَاله: حَدِيث يرويهِ البُخَارِيّ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَيُوجد من طَرِيق آخر فيوافق فِي قُتَيْبَة، وَيَرْوِيه قُتَيْبَة عَن الثَّوْريّ.
وَأكْثر مَا يعتبرون الْمُوَافقَة وَالْبدل إِذا قَارنا الْعُلُوّ والا فاسم الْمُوَافقَة وَالْبدل وَاقع بِدُونِهِ. أَي فَلَيْسَ قيد الْوَاحِد مِنْهُمَا، وقيدهما ابْن
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الصّلاح: بعلو الطَّرِيق الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ على طَرِيق ذَلِك المُصَنّف، وَعبارَته: وَلَو لم يكن ذَلِك عَالِيا فَهُوَ - أَيْضا - مُوَافقَة / وَبدل لَكِن لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُوَافقَة وَالْبدل لعدم الِالْتِفَات إِلَيْهِ. انْتهى.
قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَفِي كَلَام غَيره من المخرجين إِطْلَاق اسْم الْمُوَافقَة وَالْبدل مَعَ عدم الْعُلُوّ، فَإِن علا قَالُوا: مُوَافقَة عالية أَو بَدَلا عَالِيا.
وَوَقع فِي كَلَام الظَّاهِرِيّ والذهبي: فوافقناه بنزول فسمياه مَعَ النُّزُول مُوَافقَة. وَقَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: وَقد تطلق الْمُوَافقَة وَالْبدل مَعَ عدم الْعُلُوّ بل وَمَعَ النُّزُول - أَيْضا - وَوَقع فِي كَلَام الذَّهَبِيّ وَغَيره.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الْمُسَاوَاة
وَفِيه - أَي الْعُلُوّ النسبي - أَيْضا - الْمُسَاوَاة كَذَا وَقع للْمُصَنف. وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ تقدم: أَن الْعُلُوّ النسبي أَن يَنْتَهِي الْإِسْنَاد إِلَى إِمَام ذِي صفة عَلَيْهِ. وَهَذِه الْمُسَاوَاة لَيست كَذَلِك، بل إِنَّمَا تَنْتَهِي إِلَى النَّبِي فحقها أَن تكون من أَفْرَاد الْعُلُوّ الْمُطلق اه. لَا النسبي.
وَهِي اسْتِوَاء عدد رجال الْإِسْنَاد من الرَّاوِي إِلَى آخِره - أَي الْإِسْنَاد - مَعَ إِسْنَاد أحد المصنفين، بِأَن يكون الْعدَد الَّذِي بَين ذَلِك الرَّاوِي وَبَين النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام مثل الْعدَد بَين ذَلِك المُصَنّف وَبَين النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
كَأَن يرْوى النَّسَائِيّ - مثلا - حَدِيثا يَقع بَينه وَبَين النَّبِي أحد عشر نفسا فَيَقَع لنا ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه بِإِسْنَاد آخر إِلَى النَّبِي، يَقع بَيْننَا فِيهِ وَبَين النَّبِي أحد عشر نفسا فنساوي النَّسَائِيّ فِيهِ من حَيْثُ / الْعدَد مَعَ قطع النّظر عَن
[ ٢ / ٢٤٤ ]
مُلَاحظَة ذَلِك الْإِسْنَاد الْخَاص. وَلَا يحصل ذَلِك - كَمَا قَالَه السخاوي - بِالنِّسْبَةِ لأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وطبقتهم أما من بعدهمْ كالبيهقي وَالْبَغوِيّ فقد تقع الْمُسَاوَاة، وَعبارَته: والمساواة مَعْدُومَة فِي هَذِه الْأَزْمَان وَمَا قاربها بِالنِّسْبَةِ لأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة وَمن فِي طبقتهم، نعم يَقع لنا ذَلِك فِيمَن بعدهمْ كالبيهقي وَالْبَغوِيّ فِي " شرح السّنة " وَنَحْوهمَا. انْتهى.
كَذَا قَالَ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: هَذَا كَانَ يُوجد قَدِيما وَأما الْآن فَلَا يُوجد فِي حَدِيث بِعَيْنِه، بل الْمَوْجُود مُطلق الْعدَد.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
المصافحة
وَفِيه - أَي الْعُلُوّ النسبي أَيْضا - المصافحة كَذَا عبر الْمُؤلف. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ إِذا كَانَت المصافحة مَا ذكره فَلم تدخل فِي تَعْرِيف الْعُلُوّ النسبي كَمَا مر فِي الْمُسَاوَاة. انْتهى.
وَهِي الاسْتوَاء مَعَ تلميذ ذَلِك المُصَنّف على الْوَجْه المشروح أَولا. يعْنى فِي الْمُسَاوَاة فِي الْعدَد مَعَ ملاحظته الْإِسْنَاد الْخَاص.
وَسميت مصافحة: لِأَن الْعَادة جرت فِي الْغَالِب بالمصافحة بَين من تلاقيا، وَنحن فِي هَذِه الصُّورَة كأنا لَقينَا النَّسَائِيّ، فكأنا صافحناه، وأخذنا عَنهُ.
فَإِن كَانَت الْمُسَاوَاة لشيخ شيخك كَانَت المصافحة لشيخك وَإِن كَانَت.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
لشيخ (شيخ) شيخك (كَانَت المصافحة لشيخ. . شيخك وَهَكَذَا، قَالَ / السخاوي: وَهِي الْآن مفقودة.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الْإِسْنَاد النَّازِل
ويقابل الْعُلُوّ بأقسامه الْمَذْكُورَة النُّزُول، فَيكون كل قسم من أَقسَام الْعُلُوّ يُقَابله قسم من أَقسَام النُّزُول، خلافًا لمن زعم أَن الْعُلُوّ قد يَقع غير تَابع للنزول.
فلولا نزُول النَّسَائِيّ لم يحصل الْعُلُوّ، وَمرَاده بالمخالف الزين الْعِرَاقِيّ فَإِنَّهُ نَازع فِي ذَلِك ابْن الصّلاح كَمَا ذكره فِي " شرح ألفيته ".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
رِوَايَة الأقران وأقسامها
فَإِن تشارك الرَّاوِي وَمن روى عَنهُ فِي أَمر من الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بالرواية مثل السن بِأَن يكون مولده قَرِيبا من مولد شَيْخه، أَو فِي اللقي - وَهُوَ الْأَخْذ عَن الْمَشَايِخ بِأَن يكون أَخذ عَن غَالب من أَخذ عَنهُ شَيْخه، فَإِذا روى أحد القرينين عَن الآخر من غير أَن يروي الآخر عَنهُ قَالَ بعض مَشَايِخنَا: رَأَيْت بِخَط ابْن حسان على نُسْخَة من نسخ هَذَا الْكتاب مَا صورته: وَكَانَ فِي الأَصْل: وَهُوَ ثمَّ أَمر المُصَنّف بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ، وإبقاء الْوَاو فَقَط، لَكِن رَأَيْتهَا بَاقِيَة فِي نُسْخَة الْمُؤلف.
فَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ: رِوَايَة الأقران أَي يروي أَحدهمَا عَن الآخر، وَهَكَذَا القَوْل فِيمَا بعده. وَهَذَا (التَّرْكِيب) فِيهِ تَغْيِير لإعراب الْمَتْن، لِأَن الْمَتْن فَهُوَ الإقران وَمَا بَينهمَا شرح، فَلَو قَالَ: فَهُوَ الإقران أَي النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ رِوَايَة الأفران، لسلم.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون رَاوِيا عَن قرينَة وَقد صنف فِيهِ: أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ.
لَطِيفَة:
قد يجْتَمع جمَاعَة من الأقران فِي حَدِيث، كَمَا روى أَحْمد بن حَنْبَل عَن أبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب عَن يحيى بن معِين عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة عَن أبي بكر بن حَفْص عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة: كن أَزوَاج النَّبِي يَأْخُذن عَن شعورهن حَتَّى تكون كالوفرة.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فَأَحْمَد وَالْأَرْبَعَة فَوْقه خمستهم أَقْرَان.
وَمن فَوَائِد هَذَا النَّوْع أَن لَا تظن الزِّيَادَة فِي الْإِسْنَاد أَو إِبْدَال عَن بِالْوَاو. والقرينان هما المتقاربان فِي السن - كَمَا تقرر - والإسناد. وَرُبمَا اكْتفى الْحَاكِم بِالْإِسْنَادِ - أَي بالتقارب فِيهِ - وَإِن لم يتقاربا فِي السن.
المدبج
وَأَن روى كل مِنْهُمَا - أَي القرينين - عَن الآخر كعائشة عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي هُرَيْرَة عَنْهَا فَهُوَ المدبج أَي فَهُوَ النَّوْع الْمُسَمّى بالمدبج بِضَم الْمِيم وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة وَآخره جِيم من دبجت بِمَعْنى زينت.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وَهُوَ أخص من الأول فَكل مدبج أَقْرَان وَلَا عكس، وَقد صنف الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِك وَهُوَ أول من سَمَّاهُ بذلك (وصنف أَبُو الشَّيْخ الْأَصْفَهَانِي فِي الَّذِي قبله) .
مِثَاله فِي الصَّحَابَة: رِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن عَائِشَة وَرِوَايَة عَائِشَة عَنهُ. وَفِي التَّابِعين: رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي الزبير وَرِوَايَة أبي الزبير عَنهُ. وَفِي أَتبَاع التَّابِعين: مَالك عَن الْأَوْزَاعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ عَن مَالك. وَفِي أَتبَاع أَتبَاع التَّابِعين: أَحْمد عَن ابْن الْمَدِينِيّ وَرِوَايَة ابْن الْمَدِينِيّ عَنهُ.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
قَالَ الزين الْعِرَاقِيّ: وَسمي / هَذَا النَّوْع مدبجا لحسنه، لِأَنَّهُ لُغَة: المزين وَالرِّوَايَة كَذَلِك إِنَّمَا تقع لنكتة يعدل فِيهَا عَن الْعُلُوّ إِلَى الْمُسَاوَاة أَو النُّزُول فَيحصل للإسناد بذلك تَحْسِين وتزيين.
وَإِذا روى الشَّيْخ عَن تِلْمِيذه صدق أَن كلا مِنْهُمَا يروي عَن الآخر، فَهَل يُسمى مدبجا؟ فِيهِ مَبْحَث. وَالظَّاهِر لَا لِأَنَّهُ من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر. والتدبيج مَأْخُوذ من ديباجة الْوَجْه وهما الخدان فَيَقْتَضِي أَن يكون ذَلِك مستويا من الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَجِيء فِيهِ هَذَا.
وعَلى هَذَا فالمدبج مُخْتَصّ بالقرينين، وَبِه صرح ابْن
[ ٢ / ٢٥٣ ]
الصّلاح - كالحاكم - أما رِوَايَة القرين عَن قرينه من غير أَن تعلم رِوَايَة الآخر عَنهُ فَلَا يُسمى مدبجا كَرِوَايَة زَائِدَة بن قدامَة عَن زُهَيْر ابْن مُعَاوِيَة وَلَا يعلم لزهير رِوَايَة عَنهُ.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر
وَإِن روى الرَّاوِي عَمَّن هُوَ دونه فِي السن أَو فِي الْمِقْدَار فَهَذَا النَّوْع هُوَ رِوَايَة الأكابر سنا، أَو قدرا عَن الأصاغر أَي هَذَا النَّوْع الْمُسَمّى بذلك، وَالْأَصْل فِيهِ رِوَايَة الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن تَمِيم الدَّارِيّ حَدِيث الْجَسَّاسَة، وَهُوَ عِنْد مُسلم.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
رِوَايَة الْآبَاء عَن الْأَبْنَاء وَنَحْوهَا
وَمِنْه - أَي من جملَة هَذَا النَّوْع - خلافًا لِابْنِ الصّلاح وَمن تبعه حَيْثُ جَعَلُوهُ قسما مُفردا وَهُوَ أخص من مطلقه رِوَايَة الْآبَاء عَن الأنباء (وَفِي عَكسه) وَالصَّحَابَة عَن التَّابِعين. كَرِوَايَة العبادلة الْأَرْبَعَة وَأبي هُرَيْرَة وَمُعَاوِيَة وَأنس عَن كَعْب الْأَحْبَار وَالشَّيْخ عَن تِلْمِيذه وَنَحْو ذَلِك.
وكرواية الْعَبَّاس عَن ابْنه الْفضل عَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: أَنه جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَة. وَرِوَايَة وَائِل بن دَاوُد عَن ابْنه بكر بن وَائِل عَن الزُّهْرِيّ عَن
[ ٢ / ٢٥٦ ]
أنس أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: أولم على صَفِيَّة بسويق وَسمن. وَفِي عَكسه أَي وَفِي رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء كَثْرَة وَمِنْه: من روى عَن أَبِيه عَن جده لِأَنَّهُ هُوَ الجادة المسلوكة الْغَالِبَة قَالَ الشَّيْخ قَاسم: كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِير قَوْله وَمِنْه من روى عَن أَبِيه عَن جده عَن قَوْله لِأَنَّهُ إِلَى آخِره.
وَفَائِدَة معرفَة ذَلِك أَي هَذَا النَّوْع التَّمْيِيز بَين مَرَاتِبهمْ وتنزيل النَّاس مَنَازِلهمْ، لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الْمَرْوِيّ عَنهُ أفضل، أَو أكبر من الرَّاوِي لكَونه أغلب، وَهُوَ أَقسَام:
١ - أَحدهمَا: أسن وأقدم طبقَة من الْمَرْوِيّ عَنهُ كالزهري عَن
[ ٢ / ٢٥٧ ]
مَالك، وكالأزهري عَن تِلْمِيذه الْخَطِيب. ٢ - وَالثَّانِي: أكبر قدرا لَا سنا كمالك عَن عبد الله بن دِينَار وَأحمد بن حَنْبَل عَن عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي.
٣ - الثَّالِث: أكبر من الْوَجْهَيْنِ مَعًا، كالحافظ عبد الْغَنِيّ عَن تِلْمِيذه الصُّورِي، وكالبرقاني عَن الْخَطِيب، والخطيب عَن ابْن مَاكُولَا.
وَقد صنف الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي رِوَايَة الْآبَاء عَن الْأَبْنَاء تصنيفا حافلا جَامعا وأفرد جُزْءا لطيفا فِي رِوَايَة الصَّحَابَة عَن التَّابِعين على
[ ٢ / ٢٥٨ ]
اخْتِلَاف طبقاتهم.
وَجمع الْحَافِظ صَلَاح الدّين العلائي بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف نِسْبَة إِلَى سكَّة الْعلَا ببخاري، وَقيل إِلَى الْجد / مجلدا كَبِيرا فِي معرفَة من روى عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي، وقسمه أقساما:
١ - فَمِنْهُ: مَا يعود الضَّمِير فِي قَوْله عَن جده على الرواي.
٢ - وَمِنْه: مَا يعود الضَّمِير فِيهِ على أَبِيه أَي أبي الرَّاوِي فَيكون جد أَبِيه لَا جده هُوَ أعنى الراوية. ذكره الشَّيْخ قَاسم.
وَبَين ذَلِك بَيَانا شافيا وحققه تَحْقِيقا كَافِيا وافيا وَخرج فِي كل تَرْجَمَة مِنْهُ حَدِيثا من مرويه عَن الْأَب عَن الْجد وَقد لخصت كِتَابه الْمَذْكُور وزدت عَلَيْهِ تراجم كَثِيرَة فَاتَتْهُ.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: طالعت التَّلْخِيص الْمَذْكُور من خطّ الْمُؤلف، وأظهرت فِيهِ سِتّ تراجم لَا وجود لَهَا فِي الْوُجُود وَهِي:
١ - حَمَّاد بن عِيسَى الْجُهَنِيّ عَن أَبِيه عَن جده عُبَيْدَة بن صَيْفِي.
٢ - وَعبد الله بن عبد الحكم عَن أمه أُمَيْمَة عَن أمهَا رقيقَة.
٣ - وَعَن عبد الله بن معَاذ بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن جده.
٤ - وَبشير بن النُّعْمَان بن بشير بن النُّعْمَان بن بشير عَن أَبِيه عَن جده.
٥ - وخَالِد بن مُوسَى بن زِيَاد بن جهور عَن أَبِيه عَن جده جهور.
وَلما رَأَيْت هَذَا وضعت كتابا فِي هَذَا النَّوْع، وبينت فِيهِ مَا كَانَ مُتَّصِلا بِالْآبَاءِ مِمَّا فِيهِ انْقِطَاع الْآبَاء، وفصلت كل قسم على حِدة، وَخرجت فِي كل تَرْجَمَة حَدِيثا إِلَّا مَا كَانَ فِي أحد الْكتب السِّتَّة، وَمَا فِي
[ ٢ / ٢٦٠ ]
بعض الْكتب الَّتِي لم تكن بحضرتي إِذْ ذَاك فنسبته إِلَيْهَا. انْتهى
وَأكْثر مَا وَقع فِيهِ مَا تسلسلت فِيهِ الرِّوَايَة عَن الْآبَاء أَرْبَعَة عشر أَبَا. وَلم يتَّفق وُقُوع أَكثر من ذَلِك بالاستقراء التَّام.
فَائِدَة:
يلْتَحق بِرِوَايَة الرجل عَن أَبِيه عَن جده: رِوَايَة الْمَرْأَة عَن أمهَا عَن جدَّتهَا وَهُوَ عَزِيز جدا. وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن بنْدَار حَدثنَا عبد الحميد بن عبد الْوَاحِد حَدَّثتنِي أم جنوب بنت نميلَة عَن أمهَا سويدة بنت جَابر عَن أمهَا عقيلة بنت أسمر بن مُضرس عَن أببها أسمر قَالَ:
[ ٢ / ٢٦١ ]
أتيت النَّبِي فَبَايَعته فَقَالَ: من سبق إِلَى مَا لم يسْبق إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ. .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
معرفَة السَّابِق واللاحق
وَإِن اشْترك اثْنَان فِي الْأَخْذ عَن شيخ فِي آن وَاحِد وَتقدم موت أَحدهمَا على موت الآخر فَهُوَ من أَقسَام الْعُلُوّ الْمُسَمّى السَّابِق واللاحق وَهُوَ الْعُلُوّ بتقدم الْوَفَاة - أَي وَفَاة الرَّاوِي - سَوَاء كَانَ سَمَاعه مَعَ الْمُتَأَخر الْوَفَاة فِي آن وَاحِد أَو قبله، وَكَذَا إِذا كَانَ بعده (- فِيمَا يظْهر من إِطْلَاقهم -) لكَون الْمُتَقَدّم الْوَفَاة نقل الروَاة عَنهُ فيرغب فِي تَحْصِيل مروية. قَالَه السخاوي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -. وَفِي كَلَام الْمُؤلف شُمُول لما تقدم موت أَحدهمَا على الآخر بِزَمن قَلِيل، أَو كَانَ مَوْتهمَا فِي حَيَاة شيخهما، وَلَا يخفى أَنه لَا يُطلق على ذَلِك مثله. كَمَا ذكره بعض الْمُتَأَخِّرين.
وَأكْثر مَا وقفنا عَلَيْهِ من ذَلِك (مَا بَين) الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
فِي الْوَفَاة مائَة وَخَمْسُونَ سنة، وَلم يُوجد أَكثر من ذَلِك بالاستقراء وَذَلِكَ أَن الْحَافِظ السلَفِي سمع مِنْهُ أَبُو عَليّ / البرداني بِالتَّحْرِيكِ أحد مشايخه أَي السلَفِي حَدِيثا وَرَوَاهُ عَنهُ وَمَات على رَأس الْخَمْسمِائَةِ ثمَّ كَانَ آخر أَصْحَاب السلَفِي موتا سبطه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مكي ووفاته سنة خمسين وسِتمِائَة فبينهما مائَة وَخَمْسُونَ سنة.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَمن قديم ذَلِك أَن البُخَارِيّ حدث عَن شَيْخه أبي الْعَبَّاس السراج بِالتَّشْدِيدِ أَشْيَاء فِي التَّارِيخ وَغَيره، وَمَات سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَآخر من حدث عَن السراج بِالسَّمَاعِ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد الْخفاف النَّيْسَابُورِي وَمَات سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة فَبين وفاتيهما مائَة وَسبع وَثَلَاثُونَ سنة.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَقد سمع الذَّهَبِيّ من أبي إِسْحَق التنوخي وَحدث عَنهُ كَمَا ذكره الْمُؤلف فِي " تَارِيخه " وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، وَآخر من مَاتَ من أَصْحَاب التنوخي الشهَاب الساوي مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة.
وغالب مَا يَقع من ذَلِك أَن المسموع مِنْهُ يتَأَخَّر بعد أَخذ الرَّاوِي عَنهُ زَمَانا حَتَّى يسمع مِنْهُ بعض الْأَحْدَاث، ويعيش بعد السماع مِنْهُ دهرا طَويلا، فَيحصل من مَجْمُوع ذَلِك نَحْو هَذِه الْمدَّة.
وَمن فَوَائِد هَذَا النَّوْع: حلاوة علو الْإِسْنَاد فِي الْقُلُوب وَإِن لَا يظنّ سُقُوط شَيْء من الْإِسْنَاد.
وَقد ألف فِيهِ الْخَطِيب كتابا.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
المهمل
وَإِن روى الرَّاوِي عَن اثْنَيْنِ متفقي الِاسْم فَقَط، أَو والكنية أَو مَعَ اسْم الْأَب، أَو مَعَ اسْم / الْجد، أَو مَعَ نسبته وَلم يتميزا بِمَا يخص كلا مِنْهُمَا.
كَذَا عبر المُصَنّف، وَاعْترض بإنما قد يتميزا بِمَا يخص أَحدهمَا فَقَط.
فَإِن كَانَا ثقتين لم يضر فهم مِنْهُ أَنَّهُمَا إِذا كَانَا غير ثقتين أَنه يضر، قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهُوَ الصَّحِيح، وَالْفرق بَين الْمُبْهم والمهمل أَن الْمُبْهم لم يذكر لَهُ اسْم، والمهمل ذكر اسْمه مَعَ الِاشْتِبَاه.
وَمن ذَلِك مَا (وَقع) فِي البُخَارِيّ فِي رِوَايَته عَن أَحْمد غير مَنْسُوب عَن ابْن وهب، فَإِنَّهُ: إِمَّا أَحْمد بن صَالح، أَو أَحْمد بن
[ ٢ / ٢٦٧ ]
عِيسَى. أَو عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَن أهل الْعرَاق، فَإِنَّهُ: إِمَّا مُحَمَّد ابْن سَلام (بِالتَّشْدِيدِ) أَو مُحَمَّد بن يحيى الذهلي (بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء، نِسْبَة إِلَى قَبيلَة ذهل بن ثَعْلَبَة أَو غَيرهَا) .
وَقد استوعبت ذَلِك فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ، وَمن أَرَادَ لذَلِك ضابطا كليا يمتاز بِهِ أَحدهمَا عَن الآخر فباختصاصه - أَي الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ - كَذَا فِي نسخ، وَفِي نُسْخَة أَي الرَّاوِي وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. بِأَحَدِهِمَا يتَبَيَّن المهمل أَي الَّذِي روى عَنهُ المهمل إِن كَانَ شَيخا
[ ٢ / ٢٦٨ ]
لوَاحِد من المهملين فَقَط يعرف بِهِ، قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهَذَا الضَّمِير رَاجع إِلَى غير مَذْكُور، وَتقدم ذكر الرَّاوِي فيتوهم عوده عَلَيْهِ فَصَارَ الْمحل قلقا، فَكَانَ حَقه أَن يَقُول: فباختصاص أَحدهمَا بالمروي عَنهُ يتَبَيَّن المهمل. انْتهى.
وَقَالَ بعض تلامذة المُصَنّف: فِيهِ اخْتِلَاف عود الضمائر فِي الْمَتْن بِلَا قرينَة، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمروي الرَّاوِي عَن الِاثْنَيْنِ لِأَن الحَدِيث مَرْوِيّ عَنهُ، وَيكون المُرَاد بالاختصاص كَثْرَة الْمُلَازمَة، فَإِذا أطلق اسْما وَله شَيْخَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِك الِاسْم يحمل على من عرفت ملازمته / لَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا خلاف فِي عود الضَّمِير كَذَا قَرَّرَهُ، وَنَقله عَن المُصَنّف.
ثمَّ وقفت على نُسْخَة الْكَمَال ابْن أبي شرِيف الَّتِي قَرَأَهَا على الْمُؤلف، وَبلغ لَهُ عَلَيْهَا بِخَطِّهِ فِي كل ورقة غَالِبا، فَوجدت فِيهَا:
[ ٢ / ٢٦٩ ]
فباختصاصه - أَي الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ - ثمَّ ضرب الْكَمَال على قَوْله الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ وَكتب على الْهَامِش بِخَطِّهِ - أَي الرَّاوِي - وَصحح عَلَيْهِ.
وَمَتى لم يتَبَيَّن ذَلِك، أَو كَانَ مُخْتَصًّا بهما مَعًا فإشكاله شَدِيد، فَيرجع فِيهِ إِلَى الْقَرَائِن أَو الظَّن الْغَالِب.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
معرفَة من حدث وَنسي
وَإِن (روى عَن شيخ حَدِيثا) فَجحد الشَّيْخ مرويه فَإِن كَانَ جزما كَأَن يَقُول: كذب عَليّ أَو مَا رويت هَذَا أَو نَحْو ذَلِك. فَإِن وَقع مِنْهُ ذَلِك.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قَوْله فَإِن. . إِلَى آخِره حَشْو رد ذَلِك الْخَبَر الَّذِي تكاذبا فِيهِ، وَذَلِكَ يتَنَاوَل مَا إِذا تكاذبا فِي حَدِيث بجملته وَمَا إِذا تكاذبا فِي لَفْظَة وَنَحْوهَا. لكذب وَاحِد مِنْهُمَا قطعا لَكِن لَا بِعَيْنِه فَيحْتَمل كَونه الْفَرْع فَلَا يثبت مرويه وَلَا يكون ذَلِك قادحا فِي وَاحِد مِنْهُمَا للتعارض. حَتَّى تصح شَهَادَتهمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، لِأَن كلا
[ ٢ / ٢٧١ ]
مِنْهُمَا يظنّ أَنه صَادِق وَالْكذب على النَّبِي الَّذِي يؤول إِلَيْهِ الْأَمر فِي ذَلِك إِنَّمَا يسْقط الْعَدَالَة إِذا كَانَ عمدا، وَلم يتَحَقَّق الْعمد لاحْتِمَال نِسْيَان الأَصْل أَو غلط الْفَرْع بِأَن الْتبس عَلَيْهِ بشيخ آخر كَذَا قَرَّرَهُ بَعضهم.
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: قَوْله لكذب أَحدهمَا. . إِلَى آخِره يَعْنِي لكذب / الأَصْل فِي قَوْله: كذب عَليّ أَو مَا رويت إِن كَانَ الْفَرْع صَادِقا فِي الْوَاقِع، أَو لكذب الْفَرْع فِي الرِّوَايَة إِن كَانَ الأَصْل صَادِقا فِي قَوْله: كذب عَليّ أَو مَا رويت إِلَّا أَن عَدَالَة الأَصْل تمنع كذبه فَيجوز النسْيَان. . على الْفَرْع، وعدالة الْفَرْع تمنع كذبه فَيجوز النسْيَان على الأَصْل، وَلم يتَبَيَّن مُطَابقَة الْوَاقِع مَعَ أَيهمَا فَلذَلِك لَا يكون قادحا. انْتهى.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَخَالف فِي ذَلِك السَّمْعَانِيّ فَقَالَ: تَكْذِيبه لَا يسْقط الْمَرْوِيّ لاحْتِمَال نِسْيَان الاصل بعد رِوَايَته للفرع، فَلَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا مجروحا، وَاخْتَارَهُ فِي " جمع الْجَوَامِع ".
وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مبَاحث علم أصُول الْفِقْه. وَخرج بالجحد مَا لَو حَدثهُ ثمَّ قَالَ: منعتك من الرِّوَايَة عني، أَو لَا ترو عني، أَو رجعت عَن إخبارك فَلَا يضر إِلَّا إِن أسْندهُ إِلَى تبين خطأه أَو شكه فِي السماع فَحِينَئِذٍ يمْتَنع عَلَيْهِ الرِّوَايَة عَنهُ.
وَبِقَوْلِهِ رد الْخَبَر رِوَايَة غير الْخَبَر الَّذِي تكاذبا فِيهِ، فَتقبل رِوَايَة كل مِنْهُمَا لَهُ كَمَا جزم بِهِ جمع. أَو كَانَ جَحده احْتِمَالا وعَلى سَبِيل التَّرَدُّد كَأَن قَالَ: مَا أذكر هَذَا، أَو مَا أعرفهُ وَالْفرع جازم قبل ذَلِك الحَدِيث فِي الْأَصَح.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن ذل يحمل على نِسْيَان الشَّيْخ كَمَا مر تَقْرِيره.
مِثَاله مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ربيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن صَالح (عَن أَبِيه) عَن أبي هُرَيْرَة أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قضى بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمين.
زَاد أَبُو دَاوُد: قَالَ عبد الْعَزِيز: فَذكرت ذَلِك لسهيل، فَقَالَ: أَخْبرنِي ربيعَة وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة أَنِّي حدثته إِيَّاه وَلَا أحفظه.
وَقيل: لَا يقبل مرويه، لِأَن الْفَرْع تبع الأَصْل فِي إِثْبَات الحَدِيث بِحَيْثُ إِذا ثَبت أصل الحَدِيث ثَبت رِوَايَة الْفَرْع
[ ٢ / ٢٧٤ ]
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون فرعا عَلَيْهِ، وتبعا لَهُ فِي النَّفْي وَقِيَاسًا على نَظِيره فِي الشَّهَادَة على شَهَادَة الأَصْل وَهَذَا القَوْل متعقب أَي تعقبه الْجُمْهُور بِالرَّدِّ فَإِن عَدَالَة الْفَرْع تَقْتَضِي صَدَقَة، وَعدم علم الأَصْل لَا يُنَافِيهِ لاحْتِمَال نسيانه كَمَا مر والمثبت مقدم على النَّافِي. كَذَا قَالَ الْمُؤلف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا لَيْسَ بجيد، لِأَن فِي مَسْأَلَة تَكْذِيب الأَصْل جزما، الأَصْل ناف وَالْفرع مُثبت، وَلَيْسَ الحكم فِيهَا للمثبت بل للنافي، فَالْحق أَن يَقُول: لِأَن الْمُحَقق مقدم على المظنون - كَمَا. . عَلَيْهِ فِي بعض نسخ الأفاضل) - أَو تَقول: الْجَزْم مقدم على التَّرَدُّد. وَأما قِيَاس ذَلِك بِالشَّهَادَةِ ففاسد لظُهُور الْفرق بَينهمَا لِأَن شَهَادَة الْفَرْع لَا تسمع مَعَ الْقُدْرَة قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: لَا يخفى مَا فِي
[ ٢ / ٢٧٥ ]
التَّعْبِير بِالْقُدْرَةِ على شَهَادَة الأَصْل بِخِلَاف الرِّوَايَة. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَظَاهر كَلَامه أَنه جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَحَاصِله جَوَاب بالفارق وَهُوَ لَا يُؤثر حَتَّى يكون واردا على الْعلَّة الجامعة، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. انْتهى.
وَأجَاب أهل الْأُصُول: بِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق، لاعتبارهم فِيهِ الْحُرِّيَّة وَالْعَدَالَة والذكورة وَغَيرهمَا، وَلَو ظن الْفَرْع الرِّوَايَة وَجزم الأَصْل بنفيها أَو ظَنّه، قَالَ الإِمَام الرَّازِيّ: فِي الأول تعين الرَّد، وَفِي الثَّانِي تَعَارضا، وَالْأَصْل الْعَدَم وَالْأَشْبَه الْقبُول.
وَلَو لم يَقع إِنْكَار الحَدِيث إِلَّا من أَصْحَاب الشَّيْخ الَّذِي زعم الرَّاوِي أَنه حَدثهُ فَإِن كَانَ الرَّاوِي من مشاهير أَصْحَابه لم يُؤثر الْإِنْكَار، وَإِلَّا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فَنقل ابْن برهَان عَن أَصْحَابنَا أَنه يرد، كَمَا ردوا حَدِيث أبي خَالِد الدالاني لَيْسَ الْوضُوء على من نَام قَائِما أَو قَاعِدا أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا وَإِنَّمَا الْوضُوء على من نَام مُضْطَجعا، لقَوْل أَحْمد: إِن الدالاني يزاحم أَصْحَاب قَتَادَة وَلَيْسَ مِنْهُم.
قَالَ ابْن برهَان: وَمَا تخيلوه لَا يَصح، لِأَن الْغَرَض أَن النَّاقِل ثِقَة
[ ٢ / ٢٧٧ ]
عدل فَكيف يرد، وَغَايَة ذَلِك زِيَادَة ثِقَة، فاللائق بمذهبنا الرَّد.
وَفِيه - أَي فِي هَذَا النَّوْع - صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب من حدث ونسى. وَفِيه مَا يدل على تَقْوِيَة الْمَذْهَب الصَّحِيح لكَون كثير مِنْهُم حدثوا بِأَحَادِيث فَلَمَّا عرضت عَلَيْهِم لم يتذكروها لكَوْنهم لاعتمادهم على الروَاة عَنْهُم صَارُوا يرونها عَن الَّذِي رَوَاهَا عَنْهُم عَن أنفسهم، كَحَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا الَّذِي أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَنهُ فِي قصَّة الشَّاهِد واليمن أَي / فِي أَنه قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين. قَالَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي بِفَتْح أَوله وَالرَّاء وَالْوَاو وَسُكُون الرَّاء الثَّانِيَة
[ ٢ / ٢٧٨ ]
(وَكسر الدَّال) الْمُهْملَة حَدثنِي بِهِ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح قَالَ فَلَقِيت بعد ذَلِك سهيلا، فَسَأَلته عَنهُ فَلم يعرفهُ، فَقلت: إِن ربيعَة حَدثنِي عَنْك بِكَذَا، فَكَانَ سُهَيْل بعد ذَلِك يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عَنى أَنِّي حدثته عَن أبي بِهِ. كَذَا حَكَاهُ المُصَنّف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ: إِن كَانَ هَذَا لفظ الْقِصَّة من غير تصرف فَكَانَ حق سُهَيْل أَن يَقُول حَدثنِي الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة عني أَنِّي حدثته عَن أبي.
ونظائره كَثِيرَة. وَمن أَطْرَاف ذَلِك رِوَايَة الْخَطِيب عَن
[ ٢ / ٢٧٩ ]
مُعْتَمر بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدَّثتنِي أَنْت عني عَن أَيُّوب عَن الْحسن قَالَ: وَيْح كلمة رَحْمَة. قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - هَذَا مِثَال ظريف يجمع أنواعا مِنْهَا:
١ - رِوَايَة الْأَب عَن أبنه.
٢ - وَرِوَايَة الْأَكْبَر عَن الْأَصْغَر.
٣ - وَرِوَايَة التَّابِعِيّ عَن تابعيه.
٤ - وَرِوَايَة ثَلَاثَة تابعين بَعضهم عَن بعض.
٥ - وَأَنه حدث عَن وَاحِد عَن نَفسه.
قَالَا: وَهَذَا فِي غَايَة الْحسن والغرابة، وَيبعد أَن يُوجد ذَلِك فِي حَدِيث آخر.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
معرفَة المسلسل
وَإِن اتّفق الروَاة فِي إِسْنَاد من الْأَسَانِيد فِي صِيغ الْأَدَاء: كسمعت فلَانا قَالَ سَمِعت فلَانا أَو حَدثنَا فلَان قَالَ حَدثنَا فلَان / وَغير ذَلِك من الصِّيَغ. أَو زمانها أَو مَكَانهَا أَو غَيرهَا من الْحَالَات القولية كسمعت فلَانا يَقُول: أشهد بِاللَّه لقد حَدثنِي فلَان. . إِلَى آخِره أَي يَقُول ذَلِك كل راو مِنْهُم من أول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره.
مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة القولية:
كَحَدِيث معَاذ بن جبل أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَهُ: يَا معَاذ إِنِّي أحبك فَقل فِي دبر كل صَلَاة: اللَّهُمَّ أَعنِي على شكرك وذكرك وَحسن عبادتك. فقد تسلسل بقول كل راو من
[ ٢ / ٢٨١ ]
رُوَاته إِنِّي أحبك.
مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة الفعلية:
أَو الفعلية، كَقَوْلِه: دَخَلنَا على فلَان فأطعمنا تَمرا. . إِلَى آخِره.
أَي قَالَ ذَلِك كل راو مِنْهُم من أول الْإِسْنَاد. . إِلَى آخِره.
مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة القولية والفعلية:
أَو القولية والفعلية مَعًا، كَقَوْلِه: حَدثنِي فلَان وَهُوَ آخذ بلحيته قَالَ آمَنت بِالْقدرِ بِالتَّحْرِيكِ إِلَى آخِره أَي قَالَ كل مِنْهُم ذَلِك وَهُوَ آخذ بلحيته،
[ ٢ / ٢٨٢ ]
من الأول إِلَى الآخر.
مِثَال للتسلسل بأحوال الروَاة الفعلية:
وكحديث أبي هُرَيْرَة قَالَ: شَبكَ بيَدي أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ: خلق الله الأَرْض يَوْم السبت. . إِلَى آخِره. وَكَذَا الْعد والمصافحة والآخذ بِالْيَدِ وَوضع الْيَد على رَأس الرَّاوِي
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وَنَحْو ذَلِك. فَهَذَا أَي هَذَا النَّوْع هُوَ الْمُسَمّى المسلسل وَقد يَقع التسلسل بِزَمن الْأَدَاء أَو مَكَانَهُ، فالمتعلق بِالْمَكَانِ كالمسلسل بإجابة الدُّعَاء بالملتزم، وَقد جمع النَّاس فِي المسلسلات كثيرا.
وَهُوَ أَي المسلسل من صِفَات الْإِسْنَاد وأفضله مَا سلم من التَّدْلِيس، وَدلّ على الِاتِّصَال فِي السماع من أَوله / إِلَى آخِره.
وَمن فَوَائده: اشتماله على زِيَادَة الضَّبْط، وقلما يسلم من خلل فِي التسلسل.
وَقد يَقع التسلسل فِي مُعظم الْإِسْنَاد لَا فِي كُله فتنقطع السلسلة
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فِي وَسطه أَو آخِره كَحَدِيث المسلسل بالأولية وَهُوَ حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو: الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن.
فَإِن السلسلة فِيهِ تَنْتَهِي إِلَى سُفْيَان بن عيينه فَقَط وانقطعت فِيمَن فَوْقه هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمن رَوَاهُ مسلسلا من أَوله إِلَى منتهاه فقد وهم
[ ٢ / ٢٨٥ ]
قَالَ الْمُؤلف: قد رُوِيَ الحَدِيث المسلسل بالأولية من ثَلَاثَة طرق إِلَى منتهاه، والثلالثة وهم.
قَالَ: وَأَصَح مسلسل يروي فِي الدُّنْيَا المسلسل بِقِرَاءَة سُورَة الصَّفّ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَكَذَا المسلسل بالحفاظ،
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وَالْفُقَهَاء. بل قدم الْمُؤلف فِي هَذَا الْكتاب أَن المسلسل بالحفاظ مِمَّا يُفِيد الْعلم الْقطعِي.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
معرفَة صِيغ الْأَدَاء
ثمَّ شرع يتَكَلَّم على صِيغ الْأَدَاء، وأقسام النَّقْل وَهُوَ أَدَاء مَا تحمله مُقْتَصرا على الشايع عِنْد أهل الحَدِيث فَقَالَ:
وصيغ الْأَدَاء الْمشَار إِلَيْهَا على ثَمَان مَرَاتِب على الْمَشْهُور عِنْد متأخري الْمُحدثين، وفيهَا خلاف طَوِيل الذيل لَكِن عمل الْمُتَأَخِّرين على أَنَّهَا ثَمَانِيَة فَقَط فَلذَلِك جزم بِهِ الْمُؤلف وَاقْتصر عَلَيْهِ.
الأولى وَهِي أرفعها سَمِعت وحَدثني أَي قَول الرَّاوِي ذَلِك عَن شَيْخه سَوَاء كَانَ أصلا، أَو حَدِيثا من حفظه، أَو كِتَابه. وَإِنَّمَا كَانَ أرفعها / لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَقُول ذَلِك فِي الْإِجَازَة وَالْمُكَاتبَة، وَلَا فِي تَدْلِيس مَا لم يسمعهُ.
ثمَّ يتلوها فِي الرُّتْبَة أَخْبرنِي وَهُوَ كثير فِي الِاسْتِعْمَال وقرأت عَلَيْهِ، وَهِي الْمرتبَة الثَّانِيَة من الثَّمَانِية.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ثمَّ يتلوها قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع وَهِي الْمرتبَة الثَّالِثَة، ثمَّ يتلوها أنبأني وَهِي الْمرتبَة الرَّابِعَة لِأَنَّهَا عِنْد الْمُتَقَدِّمين كالأخبار كَمَا سيجئ، لَكِن عَن كَذَلِك عِنْدهم أَيْضا.
ثمَّ ناولني وَهِي الْمرتبَة الْخَامِسَة، ثمَّ شافهني أَي بِالْإِجَازَةِ وَهِي الْمرتبَة السَّادِسَة، ثمَّ كتب إِلَيّ أَي بِالْإِجَازَةِ وَهِي الْمرتبَة السَّابِعَة، ثمَّ عَن وَنَحْوهَا من الصِّيَغ المحتملة للسماع وللإجازة وَلعدم السماع ايضا. وَهَذَا مثل: قَالَ، وَذكر، وروى.
فاللفظان الْأَوَّلَانِ من صِيغ الْأَدَاء وهما: سَمِعت وحَدثني صالحان لمن سمع وَحده من لفظ الشَّيْخ، وَتَخْصِيص الحَدِيث بِمَا سمع من لفظ الشَّيْخ هُوَ الشَّائِع بَين الْمُحدثين اصْطِلَاحا. أَرَادوا بِهِ التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ - أَعنِي التحديث والإخبار.
وَلَا فرق بَين التحديث والإخبار من حَيْثُ اللُّغَة بل هما فِي اللُّغَة
[ ٢ / ٢٨٩ ]
بِمَعْنى وَاحِد وَفِي ادِّعَاء الْفرق بَينهمَا تكلّف شَدِيد فِيهِ عناد وَخلف وتعسف. لَكِن لما تقرر الِاصْطِلَاح أَي اصْطِلَاح الْمُحدثين صَار ذَلِك حَقِيقَة عرفيه فَتقدم على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة مَعَ أَن هَذَا الِاصْطِلَاح إِنَّمَا شاع عِنْد المشارقة / يَعْنِي الْجُمْهُور مِنْهُم وَمن تَبِعَهُمْ من المغاربة، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَمُسلم، وَابْن وهب وَأما غَالب المغاربة ومعظم الْحِجَازِيِّينَ وَمَالك فَلم يستعملوا هَذَا الِاصْطِلَاح وَلم يعرجوا عَلَيْهِ بل الْإِخْبَار والتحديث عِنْدهم بِمَعْنى وَاحِد. وَعَلِيهِ البُخَارِيّ.
فَإِن جمع الرَّاوِي أَي أَتَى بِصِيغَة الْجمع فِي الصِّيغَة الأولى كَأَن يَقُول: حَدثنَا فلَان أَو سمعنَا فلَانا يَقُول فَهُوَ أَي فَذَلِك دَلِيل على أَنه سمع مِنْهُ مَعَ غَيره، وَقد تكون النُّون للعظمة لَكِن بقلة. فَأكْثر مَا يَقُوله الْمُنْفَرد حَدثنِي لدلالتها على أَن الشَّيْخ حَدثهُ وَحده، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِم وَسَبقه إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ فِي " الْعِلَل " حَيْثُ قَالَ: مَا قلت حَدثنَا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فَهُوَ مَا سَمِعت مَعَ النَّاس وَمَا قلت فِيهِ حَدثنِي فَهُوَ مَا سَمِعت وحدي.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمدْخل " وَهُوَ معني قَول الإِمَام الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - وَهُوَ حسن.
وَخَالف فِي ذَلِك ابْن دَقِيق الْعِيد.
فَإِن شكّ هَل كَانَ وَحده (أَو مَعَ غَيره)؟ فَالْأَظْهر أَنه يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي لَا حَدثنَا أَو أخبرنَا لِأَن الأَصْل عدم غَيره.
وأولها - أَي الْمَرَاتِب - أصرحهَا أَي أصرح صِيغ الْأَدَاء فِي سَماع قَائِلهَا لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل الْوَاسِطَة. كَمَا ذكره الْخَطِيب، فَلَا يُطلق على الْإِجَازَة غَالِبا وَلَكِن حَدثنِي قد يُطلق فِي الْإِجَازَة تدليسا. قَالَ المُصَنّف
[ ٢ / ٢٩١ ]
فِي " تَقْرِيره ": هَذَا يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم فِي قصَّة الرجل الَّذِي يقْتله الدَّجَّال ثمَّ يحييه فَيَقُول عِنْد ذَاك: أشهد أَنَّك الرجل الَّذِي حَدثنَا رَسُول الله عَنْك، وَمَعْلُوم أَن هَذَا الرجل لم يسمع من رَسُول الله وَإِنَّمَا يُرِيد بحدثنا جمَاعَة الْمُسلمين انْتهى.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بإن هَذَا يدل على جَوَاز الْإِطْلَاق لَا على الْإِطْلَاق تدليسا المستشهد عَلَيْهِ بِمَا ذكره فَلَا يَصح استدلاله.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وأرفعها مِقْدَارًا مَا يَقع فِي الْإِمْلَاء لما فِيهِ من التثبت والتحفظ أَي الِاحْتِرَاز وهوأن الشَّيْخ يتثبت ويتحفظ ويتحرز فِيمَا يمليه، وَالْكَاتِب يتَحَقَّق مَا يسمعهُ مِنْهُ ويكتبه كَمَا سَمعه. وَالثَّالِث أَي من الصِّيَغ لَا من الْمَرَاتِب وَهُوَ أَخْبرنِي. وَالرَّابِع: وَهُوَ قَرَأت لمن قَرَأَ بِنَفسِهِ على الشَّيْخ. ويسميها أَكثر الْمُحدثين عرضا من حَيْثُ أَن الْقَارئ يعرض على الشَّيْخ مَا يقرره كَمَا يعرض الْقُرْآن على الْمُقْرِئ.
لَكِن قَالَ الْمُؤلف فِي " شرح البُخَارِيّ ": بَين الْقِرَاءَة وَالْعرض عُمُوم وخصوص، لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَغَيره، وَلَا يَقع الْعرض إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ على الشَّيْخ سَوَاء أَقرَأ هُوَ أَو غَيره، لِأَن الْعرض عبارَة عَمَّا يُعَارض بِهِ الطَّالِب أصل شَيْخه مَعَه، أَو مَعَ غَيره بِحَضْرَتِهِ. وَسَوَاء كَانَ الشَّيْخ يحفظه أَو ثِقَة غَيره، وَالرِّوَايَة بِهَذَا الْقسم / صَحِيحَة اتِّفَاقًا خلافًا لمن لم يعْتد بِهِ.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فَإِن جمع الرَّاوِي كَأَن يَقُول أخبرنَا أَو قَرَأنَا عَلَيْهِ فَهُوَ كالخامس وَهُوَ: قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع وَعرف من هَذَا أَن التَّعْبِير بقرأ لمن قَرَأَ خير من التَّعْبِير بالإخبار لِأَنَّهُ أفْصح بِصُورَة الْحَال.
تَنْبِيه:
الْقِرَاءَة على الشَّيْخ أحد وُجُوه التَّحَمُّل عِنْد الْجُمْهُور وَهُوَ القَوْل الْمَشْهُور الْمَنْصُور الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل. وَأبْعد من أَبى ذَلِك من أهل الْعرَاق، وَقد اشْتَدَّ إِنْكَار الإِمَام مَالك وَغَيره من الْمَدَنِيين عَلَيْهِم فِي ذَلِك، حَتَّى بَالغ بَعضهم فرجحها على السماع من لفظ الشَّيْخ.
وَذهب جمع جم مِنْهُم البُخَارِيّ وَحَكَاهُ فِي أول صَحِيحه عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة إِلَى أَن السماع من لفظ الشَّيْخ، وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ يَعْنِي فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة سَوَاء.
وَالْحَاصِل أَن فِي الْمَسْأَلَة أقوالا:
١ - الأول: أَنَّهُمَا سَوَاء، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأَصْحَابه وأشياخه
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وغالب عُلَمَاء الْحجاز، وَالْبُخَارِيّ. وَرجحه الزَّرْكَشِيّ فِي طَائِفَة. وَحَكَاهُ الصَّيْرَفِي عَن الإِمَام الشَّافِعِي. وَنقل تَرْجِيحه عَن جُمْهُور المشارقة. وَجرى على تَرْجِيحه ابْن الْجَزرِي، وَاعْتَمدهُ السخاوي.
٢ - الثَّانِي: أَنَّهَا فَوق السماع، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب وَطَائِفَة إِلَى أَنَّهَا فَوق السماع. وروى عَن مَالك تقويته، فَإِن الشَّيْخ رُبمَا سهى أَو غلط فِيمَا يقرره فَلَا يرد عَلَيْهِ السَّامع لجهله أَو لهيبة الشَّيْخ / فَيجْعَل الْخَطَأ صَوَابا، وَإِذا قَرَأَ الطَّالِب فسهى أَو أَخطَأ رد عَلَيْهِ الشَّيْخ أَو غَيره.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
٣ - الثَّالِث: أَنَّهَا دونه، وَعَلِيهِ بعض المشارقة، قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - وَهُوَ الصَّحِيح. قَالَ صَاحب " البديع " بعد اخْتِيَاره للْأولِ: وَمحل الْخلاف مَا إِذا قَرَأَ الشَّيْخ من كِتَابه لِأَنَّهُ قد يسهو، فَلَا فرق بَينه وَبَين الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، أما إِن قَرَأَ الشَّيْخ من حفظه فَهُوَ أَعلَى اتِّفَاقًا. وَاخْتَارَ الْمُؤلف أَن مَحل تَرْجِيح (السماع) مَا إِذا اسْتَوَى الشَّيْخ والطالب أَو كَانَ الطَّالِب أعلم لِأَنَّهُ أوعى لما يسمع، فَإِن كَانَ مفضولا فقرآته أولى لِأَنَّهَا أضبط لَهُ. قَالَ: وَلِهَذَا كَانَ السماع من لَفظه فِي الْإِمْلَاء أرفع الدَّرَجَات لما يلْزم مِنْهُ من تَحْرِير الشَّيْخ والطالب.
تَنْبِيه:
إِذا قَرَأَ الطَّالِب إِسْنَاد شَيْخه بِالْكتاب أَو الْجُزْء
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فَقَالَ فِي أول كل حَدِيث إِذا انْتهى مَا قبله: وَبِه قَالَ حَدثنَا ليَكُون كَأَنَّهُ أسْندهُ لصَاحبه فِي كل حَدِيث. وَقَالَ فِي كل مجْلِس لشيخه: وبسندكم الْمَاضِي إِلَى فلَان اي صَاحب الْكتاب قَالَ حَدثنَا.
وَجَرت الْعَادة بإفادة السَّنَد يَوْم ختم الْكتاب لأجل من يَتَجَدَّد.
(وَلما أنهى المُصَنّف الْكَلَام على صِيغ الْأَدَاء وَالسَّمَاع وَالْقِرَاءَة على الشَّيْخ شرع يبين صِيغ الْإِجَازَة) .
والإنباء من حَيْثُ اللُّغَة واصطلاح الْمُتَقَدِّمين بِمَعْنى الْإِخْبَار إِلَّا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ للإجازة.
تَنْبِيه:
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ " الْمنْهَج ": الْإِجَازَة من التَّجَوُّز وَهُوَ التَّعَدِّي
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فَكَأَنَّهُ عدى رِوَايَته حَتَّى أوصلها للراوي عَنهُ.
وَقَالَ الشمني: هِيَ اصْطِلَاحا إِذن فِي الرِّوَايَة لفظا / أَو خطأ يُفِيد الْإِخْبَار الإجمالي عرفا، وأركانها أَرْبَعَة مجيز، ومجاز لَهُ، ومجاز بِهِ، وَلَفظ الْإِجَازَة.
قَالَ البُلْقِينِيّ: وَلَا يشْتَرط قبُولهَا.
قَالَ الْمُؤلف: والطبقة المتوسطة بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين لَا يذكرُونَ الإنباء إِلَّا مُقَيّدا بِالْإِجَازَةِ، فَلَمَّا كثر واشتهر اسْتغنى الْمُتَأَخّرُونَ عَن ذكره.
وَهَذَا كعن، فَإِنَّهَا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين للإجازة قَالَ الشَّيْخ قَاسم: الْمقَام مقَام الْإِخْبَار لتقدم ذكرهم فَهُوَ أخصر. اه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
عِنْد الْمُتَقَدِّمين.
وعنعنة المعاصر مَحْمُولَة على السماع عِنْد الْمُتَقَدِّمين كمسلم، وَادّعى فِيهِ الْإِجْمَاع وَبِخِلَاف غير المعاصر فَإِنَّهَا تكون مُرْسلَة أَو مُنْقَطِعَة. وَشرط حملهَا على السماع ثُبُوت المعاصرة إِلَّا من المدلس فَإِنَّهَا غير مَحْمُولَة على السماع.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله وَشرط حملهَا. . إِلَى آخِره زِيَادَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذكرت لأجل الِاسْتِثْنَاء الَّذِي فِي الْمَتْن مَعَ تقدم قَوْله بِخِلَاف غير المعاصر فَلَو آخر كَانَ أولى. انْتهى.
أما مَا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فالعنعنة للإجازة.
وَقيل: يشْتَرط فِي حمل عنعنة المعاصر على السماع ثُبُوت
[ ٢ / ٢٩٩ ]
لقائهما - أَي الشَّيْخ والراوي عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِدَة، ليحصل على الْأَمْن من بَاقِي معنعنة عَن كَونه من الْمُرْسل الْخَفي.
فَإِذا لم يعلم لقاؤه لَا يكون حجَّة حَتَّى يَأْتِي بِلَفْظ سَماع أَو حَدِيث. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله ليحصل الْأَمْن. . إِلَى آخِره تقدم مَا فِيهِ فَليُرَاجع. اه بِهَذَا.
وَهُوَ الْمُخْتَار تبعا لعَلي ابْن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ / وَغَيرهمَا من النقاد. لَان العنعنة لَا تَقْتَضِي السماع، لَكِن إِذا ثَبت اللِّقَاء ترجح. كَذَا ذكره الْمُؤلف. وَاعْترض: بِأَنَّهُ يلْزمه عدم تَرْجِيح كتاب البُخَارِيّ بِهَذَا الشَّرْط على كتاب مُسلم إِذْ احْتِمَال عدم سَماع من لَقِي جَار فِي مروياته لاحْتِمَال عدم سَماع من عاصر وَلم يثبت لقاؤه وَلَا عَدمه، فالرافع للاحتمال فِي الأول رَافع للثَّانِي. ورد: بِأَنَّهُ لَا يُنَازع فِي الأرجحية بِهَذَا إِلَّا مكابر.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وأطلقوا أَي أطلق الْمُتَأَخّرُونَ - وهم كَمَا قَالَ الشمني - من بعد الْخَمْسمِائَةِ المشافهة فِي الْإِجَازَة المتلفظ بهَا تجوزا فَيَقُولُونَ: أخبرنَا فلَان بمشافهة أَو شافهني فلَان بِكَذَا وَكَذَا أطْلقُوا - أَيْضا - الْمَكْتُوب فِي الْإِجَازَة المكتبة بهَا تجوزا فَيَقُولُونَ: أخبرنَا فلَان مُكَاتبَة أَو كِتَابَة أَو فِي كِتَابَة. قَالَ بَعضهم: فِي رثبات كَذَا تَغْيِير إِعْرَاب الْمَتْن.
وَهُوَ مَوْجُود فِي عبارَة كثير من الْمُتَأَخِّرين بِخِلَاف الْمُتَقَدِّمين فَإِنَّهُم إِنَّمَا يطلقونها فِيمَا كتب بِهِ الشَّيْخ من الحَدِيث إِلَى الطَّالِب، سَوَاء أذن لَهُ فِي رِوَايَته أم لَا؟ لَا فِيمَا إِذا كتب إِلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ فَقَط.
وَرَأى الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: أَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تسلم من طرق
[ ٢ / ٣٠١ ]
من التَّدْلِيس، أما المشافهة فَلِأَنَّهَا لمشافهته بِالتَّحْدِيثِ، وَأما الْكِتَابَة فلإيهامها الْكِتَابَة بِنَفس الحَدِيث كَمَا يَفْعَله المتقدمون اه. يكْتب الْمُحدث مِنْهُم إِلَى آخر بِأَحَادِيث يذكر يذكر أَنه سمع من فلَان / كَمَا رسمها فِي الْكتاب. وَقد نَص الْحَافِظ الْهَمدَانِي على منع ذَلِك لإبهامه.
الْمُكَاتبَة:
وَاعْلَم أَن من طرق التَّحَمُّل أَن يكْتب الشَّيْخ شَيْئا من حَدِيث بِخَطِّهِ، أَو يَكْتُبهُ غَيره بِإِذْنِهِ ثمَّ يُرْسِلهُ ذَلِك الشَّيْخ إِلَى شخص غَائِب وَلَو عَن مَجْلِسه فيرويه عَنهُ بذلك.
وَقد اخْتلف فِي الصِّيغَة الَّتِي يُؤَدِّي بهَا ذَلِك الشَّخْص، فَاخْتَارَ الْحَاكِم وأئمة عصره أَن يَقُول فِيمَا كتب إِلَيْهِ الْمُحدث من
[ ٢ / ٣٠٢ ]
مدينته وَلم يشافهه بِالْإِجَازَةِ: كتب إِلَيّ فلَان. وَذهب جمع مِنْهُم اللَّيْث إِلَى جَوَاز إِطْلَاق حَدثنَا وَأخْبرنَا. وَالصَّحِيح أَن يُقيد ذَلِك بِالْكِتَابَةِ فَيُقَال: حَدثنَا أَو أخبرنَا كِتَابَة، أَو كتب إِلَيّ، وَنَحْو ذَلِك.
المناولة:
من طرق التَّحَمُّل - أَيْضا - المناولة وَصورتهَا: أَن يدْفع الشَّيْخ أصل سَمَاعه أَو فرعا مُقَابلا بِهِ إِلَى الطَّالِب، أَو يحضر الطَّالِب الأَصْل إِلَى الشَّيْخ وَيَقُول لَهُ الشَّيْخ: هَذَا روايتي عَن فلَان، أَو عَمَّن ذكر فِيهِ فاروه عني، أَو أجزتك بِهِ. فلَان من ذكر ذَلِك فِي الرِّوَايَة كَمَا قَالَ.
واشترطوا فِي صِحَة الرِّوَايَة بالمناولة اقترانها بِالْإِذْنِ بالرواية، وَهِي إِذا حصل هَذَا الشَّرْط أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة مُطلقًا لما فِيهَا من التَّعْيِين والتشخيص للمروي والراوي، كَمَا حكى عِيَاض الِاتِّفَاق عَلَيْهِ حَتَّى
[ ٢ / ٣٠٣ ]
قَالَ جمع مِنْهُم مَالك: إِنَّهَا بِمَنْزِلَة السماع.
وَنقل أبن الْأَثِير فِي " مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول ": إِن من الْمُحدثين من ذهب إِلَى أَنَّهَا أرجح (من السماع) . لِأَن الثِّقَة بِكِتَاب الشَّيْخ مَعَ / إِذْنه فَوق الثِّقَة بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وَأثبت لما يدْخل من الْوَهم على السماع والمسمع.
وَصورتهَا أَن يدْفع الشَّيْخ أَصله أَي أصل سَمَاعه أَو مَا قَامَ مقَامه من فرع مُقَابل لَهُ للطَّالِب، أَو يحضر الطَّالِب الأَصْل للشَّيْخ. فيتناوله مِنْهُ، ويتأمله تأملا شافيا ثمَّ يناوله للطَّالِب وَيَقُول لَهُ أَي الشَّيْخ للطَّالِب فِي الصُّورَتَيْنِ هَذَا روايتي عَن فلَان أَو عَمَّن ذكر فِيهِ فاروه عني أَو وَقد أجزتك بِهِ فَلَا بُد من ذكر أحد هذَيْن اللَّفْظَيْنِ.
وَشَرطه أَيْضا أَي صِحَة الرِّوَايَة بالمناولة أَن يُمكنهُ مِنْهُ: إِمَّا
[ ٢ / ٣٠٤ ]
بالتمليك، وَإِمَّا بالعارية لينقل مِنْهُ ويقابل عَلَيْهِ. أما إِذا نَاوَلَهُ واسترد فِي الْحَال فَلَا يتَبَيَّن لَهَا مزية على الرجازة الْمعينَة وَهِي أَن يُجِيزهُ الشَّيْخ بِرِوَايَة كتاب معِين. كالبخاري - مثلا - أَو جَمِيع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ.
ويعين لَهُ كَيْفيَّة رِوَايَته لَهُ. وَإِذا كَانَت المناولة كَذَلِك لَا تكون أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة.
وَأما إِذا نَاوَلَهُ الطَّالِب نُسْخَة سَمَاعه، فَنَاوَلَهُ الشَّيْخ إِيَّاهَا من غير نظر وَلَا تَأمل وَلَا تحقق لسماعه، فَإِن كَانَ الشَّيْخ يَثِق بالطالب أَو قَالَ لَهُ حدث عني بِمَا فِيهِ إِن كَانَ روايتي مَعَ براءتي من الْغَلَط فصحيحة، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذا خلت المناولة عَن الْإِذْن أَي إِذن الشَّيْخ فِي الرِّوَايَة عَنهُ لم يعْتد بهَا عِنْد الْجُمْهُور الَّذِي رَجحه النَّوَوِيّ وَغَيره، لَكِن ذهب جمع من أهل الْأُصُول مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ إِلَى مُقَابلَته / لِأَنَّهَا لَا
[ ٢ / ٣٠٥ ]
تَخْلُو من إِشْعَار بِالْإِذْنِ.
وجنح من اعتبرها من هَؤُلَاءِ إِلَى أَن مناولته إِيَّاه يقوم مقَام إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب أَي إرْسَال الْكتاب الَّذِي كتبه الشَّيْخ بِالْإِجَازَةِ إِلَيْهِ من بلد إِلَى بلد قَالَ الْمُؤلف: وَالْمرَاد بِالْكتاب الشَّيْء الْمَكْتُوب، (فَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالْكتاب) .
وَقد ذهب إِلَى صِحَة الرِّوَايَة (بِالْكتاب) الْمُجَرَّدَة عَن المناولة وَغَيرهَا جمَاعَة (من الْأَئِمَّة) وَلَو لم يقْتَرن ذَلِك بِالْإِذْنِ بالرواية وَكَأَنَّهُم اكتفوا فِي ذَلِك بِالْقَرِينَةِ. وَلم يظْهر لي فرق قوي بَين مناولة الشَّيْخ الْكتاب من يَده للطَّالِب وَبَين إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب من مَوضِع إِلَى آخر إِذا خلا كل مِنْهُمَا عَن الْإِذْن. وَفصل الزَّرْكَشِيّ تَفْصِيلًا حسنا فَقَالَ: إِن كَانَت المناولة جَوَابا لسؤال كَأَن قَالَ: ناولني الْكتاب لأروية. فَنَاوَلَهُ لَهُ وَلم يُصَرح
[ ٢ / ٣٠٦ ]
بِالْإِذْنِ صحت، وَجَاز لَهُ أَن يرويهِ عَنهُ لِأَنَّهُ أبلغ من الْخط وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَا لَو قَالَ: حَدثنِي بِمَا سَمِعت من فلَان فَقَالَ هَذَا سَمَاعي مِنْهُ، فَإِن نَاوَلَهُ الْكتاب وَلم يُخبرهُ أَنه سَمَاعه لم تجز الرِّوَايَة بِهِ اتِّفَاقًا. اه.
وَحَيْثُ صحت الرِّوَايَة بالمناولة لَا تُؤَدّى عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا بِلَفْظ يشْعر بهَا كناولني أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي فلَان مناولة. وَجوز مَالك كالزهري إِطْلَاق حَدثنَا أَو أخبرنَا، وَالْأول هُوَ الصَّحِيح.
الوجادة:
وَكَذَا اشترطوا الْإِذْن فِي / الوجادة وَهِي بِكَسْر الْوَاو اسْم لما أَخذ من الْعلم مصدر لوجد غير مسموع قِيَاسا. والوجادة اصْطِلَاحا: وجدان شَيْء من علم أَنه بِخَط رَاوِيه أَو مصنفة كَمَا قَالَ: وَهِي أَن يجد بِخَط يعرف كَاتبه فَيَقُول وجدت بِخَط فلَان. أَو قَرَأت فِيهِ كَذَا فَلَا يسوغ فِيهِ إِطْلَاق: أَخْبرنِي بِمُجَرَّد ذَلِك إِلَّا إِن كَانَ لَهُ مِنْهُ إِذن بالرواية عَنهُ. وَأطلق قوم ذَلِك فغلطوا.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الْوَصِيَّة:
وَكَذَا الْوَصِيَّة بِالْكتاب قَالَ بَعضهم: كَانَ يَنْبَغِي إِثْبَات فِي بعد قَوْله وَكَذَا ليستقيم الْكَلَام فِي إِعْرَاب الْمَتْن وَهُوَ أَن يُوصي عِنْد مَوته، أَو سَفَره، بِأَصْلِهِ أَو بأصوله يَعْنِي بِكِتَاب يرويهِ أَو كتب يَرْوِيهَا فقد قَالَ قوم من الْمُتَقَدِّمين يَعْنِي السّلف يجوز لَهُ أَن يروي تِلْكَ الْأُصُول عَنهُ بِمُجَرَّد هَذِه الْوَصِيَّة، وأباه الْجُمْهُور أنكان لَهُ مِنْهُ اجازة فَوجه عِيَاض الصِّحَّة بإنه مُتَضَمّن مُتَضَمّن للْإِذْن، وَفِيه شبه من الْعرض والمناولة.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَالْقَوْل بجوازها مُطلقًا زلَّة عَالم، أَو مَحْمُول على أَنه أَرَادَ رِوَايَته على سَبِيل الوجادة اه. فقد سُئِلَ ابْن سِيرِين عَنْهَا فجوزها ثمَّ تردد وَقَالَ للسَّائِل: لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك.
الْإِعْلَام:
وَكَذَا اشترطوا الْإِذْن بالرواية فِي الْإِعْلَام وَهُوَ: أَن يعلم الشَّيْخ أحد الطّلبَة بأنني أروي الْكتاب الْفُلَانِيّ عَن فلَان /. أَو هَذَا الْكتاب
[ ٢ / ٣٠٨ ]
عَن فلَان فَإِن كَانَ لَهُ مِنْهُ إجَازَة صحت الرِّوَايَة وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بذلك. عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ابْن الصّلاح: وَغير مستبعد تَصْحِيح ذَلِك بِمُجَرَّد هَذَا الْإِعْلَام لِأَن الْقِرَاءَة على الشَّيْخ - مَعَ أَنه لم يتَلَفَّظ بِمَا قرئَ عَلَيْهِ - جعلت إِخْبَارًا مِنْهُ بذلك.
كالاجازة الْعَامَّة أَي كَمَا أَنه لَا عِبْرَة بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة فِي الْمجَاز لَهُ لَا فِي الْمجَاز بِهِ، كَأَن يَقُول: أجزت لجَمِيع الْمُسلمين وَلمن أدْرك حَياتِي. أَو لكل أحد، أَو لأهل زماني أَو لأهل الأقليم الْفُلَانِيّ، أَو لأهل الْبَلَد الْفُلَانِيَّة وَهُوَ أَي وَهَذَا الْأَخير كَمَا قَالَه الْكَمَال بن أبي شرِيف أقرب إِلَى الصِّحَّة لقرب الانحصار وصححها مُطلقًا القَاضِي أَبُو الطّيب، والخطيب وَشبههَا بِالْوَقْفِ على بني تَمِيم
[ ٢ / ٣٠٩ ]
أَو قُرَيْش، واستعملها جمَاعَة كَمَا قَالَه السخاوي، وَمحل الْخلاف إِذا لم يُقَيِّدهُ بِوَصْف خَاص وَإِلَّا كأجزت طلبة الْعلم بِبَلَد كَذَا، وَمن قَرَأَ عَليّ فَتَصِح لِأَنَّهُ مَحْصُور مَوْصُوف كَقَوْلِه لأَوْلَاد فلَان، أَو لأخوة فلَان بِخِلَاف مَا لَا حصر فِيهِ كَأَهل بلد كَذَا فَإِنَّهُ كالعامة الْمُطلقَة، وَقد أفرد الْقُسْطَلَانِيّ فِي هَذَا النَّوْع بتأليف مُسْتَقل. وَمثل ذَلِك: أهل مَذْهَب معِين.
وَكَذَا الْإِجَازَة للْمَجْهُول كَأَن يكون مُبْهما كجماعة أَو مهملا كمحمد. كَذَا شَرحه الْكَمَال ابْن أبي شرِيف /.
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: تقدم أَن الْمُبْهم من لم يسم، والمهمل من سمي وَلم يتَمَيَّز.
وَقَالَ الشّرف الْمَنَاوِيّ عِنْد قَوْله مُبْهما (أَو مهملا): أَي كأجزت
[ ٢ / ٣١٠ ]
لرجل أَو جمَاعَة، أَو لمُحَمد الْمصْرِيّ مثلا وَثمّ جمَاعَة يعْرفُونَ بذلك وَلم يَتَّضِح المُرَاد فباطلة لعدم الْوُصُول لمعْرِفَة الْمجَاز لَهُ.
وَكَذَا الْإِجَازَة للمعدوم كَأَن يَقُول: أجزت لمن سيولد لفُلَان. أَو لطلبة الْعلم بِبَلَد كَذَا مَتى كَانُوا، وَلكُل من دخل بلد كَذَا من طلبة الْعلم، فَهِيَ بَاطِلَة على مَا اخْتَارَهُ الْمُؤلف تبعا للماوردي - رَحمَه الله تَعَالَى - وَابْن الصّباغ وَابْن الصّلاح لِأَن الْإِجَازَة إِخْبَار إجمالي بالمجاز بِهِ، فَكَمَا لَا يَصح الْإِخْبَار للمعدوم لَا يَصح الْإِجَازَة لَهُ.
وَقد قيل: إِن عطفت على مَوْجُود صَحَّ، كَأَن يَقُول: أجزت لَك، وَلمن سيولد لَك. أَو لَك ولعقبك من بعْدك مَا تَنَاسَلُوا فصح قِيَاسا على الْوَقْف، وَاعْتمد ذَلِك الْقُسْطَلَانِيّ فِي الْمنْهَج تبعا لجمع قَالَ الْمُؤلف: وَالْأَقْرَب عدم الصِّحَّة أَيْضا. وَمَا بَحثه صرح بِهِ القَاضِي.
[ ٢ / ٣١١ ]
أَبُو الطّيب وَغَيره، لِأَن الْإِجَازَة فِي حكم الْإِخْبَار فَكَمَا لَا يَصح الْإِخْبَار للمعدوم لَا تصح الْإِجَازَة لَهُ.
وَكَذَا الْإِجَازَة لموجود، أَو مَعْدُوم علقت بِشَرْط مَشِيئَة الْغَيْر، كَأَن يَقُول: أجزت لَك إِن شَاءَ فلَان، أَو أجزت لمن يَشَاء فلَان. فَإِنَّهَا لَا تصح لما فِيهَا من الْجَهَالَة وَتَعْلِيق بِشَرْط وَهُوَ / أَدخل فِي ضرب الْإِجَازَة المجهولة فَلَا تصح وفَاقا للْقَاضِي أبي الطّيب. وَخِلَافًا لأبي يعلى الْحَنْبَلِيّ، وأبى الْفضل الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَا: إِن الْجَهَالَة ترْتَفع عِنْد وجود الْمَشِيئَة وَيتَعَيَّن الْمجَاز لَهُ عِنْدهَا.
إِلَّا أَن يَقُول أجزت لَك إِن شِئْت. أَو أردْت، أَو أجبْت، أَو
[ ٢ / ٣١٢ ]
أجزت لفُلَان كَذَا إِن شَاءَ رِوَايَته عني فَإِنَّهَا لَا تبطل بل تصح.
وَهَذَا على الْأَصَح فِي جَمِيع ذَلِك عِنْد جُمْهُور الْمُحدثين وَمُقَابل الْأَصَح مَا ذكره بقوله وَقد جوز الرِّوَايَة بِجَمِيعِ ذَلِك - سوى الْمَجْهُول مَا لم يتَبَيَّن المُرَاد مِنْهُ - الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَحَكَاهُ عَن جمَاعَة من مشايخه.
وَاسْتعْمل الْإِجَازَة للمعدوم من القدماء لَكِن على سَبِيل الْقلَّة كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤلف (أَبُو بكر بن أبي دَاوُد، وَأَبُو عبد الله بن مَنْدَه وَابْن أبي شيبَة وَاسْتعْمل الْمُعَلقَة مِنْهُم - أَيْضا -) أَبُو
[ ٢ / ٣١٣ ]
بكر ابْن أبي خَيْثَمَة.
وروى بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة جمع كثير جمعهم بعض الْحفاظ فِي كتاب رتبهم على حُرُوف المعجم لكثرتهم (وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: أَفَادَ المُصَنّف فِي " تَقْرِيره ": أَن روايتهم بهَا كَانَت على سَبِيل الْقلَّة) .
وكل ذَلِك كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح: توسع غير مرضى لِأَن الاجازة الْخَاصَّة الْمعينَة مُخْتَلف فِي صِحَّتهَا اخْتِلَافا قَوِيا عِنْد القدماء وان كَانَ الْعَمَل اسْتَقر على اعْتِبَارهَا عِنْد الْمُتَأَخِّرين فَهِيَ دون السماع بالِاتِّفَاقِ فَكيف إِذا حصل فِيهَا الاسترسال الْمَذْكُور فَإِنَّهَا تزداد ضعفا، لَكِنَّهَا فِي الْجُمْلَة خير من إِيرَاد الحَدِيث مفصلا /. بل قيل: إِن
[ ٢ / ٣١٤ ]
الْبطلَان فِي ذَلِك إِحْدَى روايتي الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف. وَنَقله القَاضِي عبد الْوَهَّاب عَن مَالك، وَقَالَ ابْن حزم: هَذِه بِدعَة غير جَائِزَة.
وَإِلَى هُنَا انْتهى الْكَلَام فِي أَقسَام صِيغ الْأَدَاء.
[ ٢ / ٣١٥ ]
خَاتِمَة:
قد علم مِمَّا تقرر فِي كَلَام المُصَنّف آنِفا أَن مُسْتَند غير الصَّحَابِيّ فِي الرِّوَايَة قِرَاءَة الشَّيْخ عَلَيْهِ إملاء.
ويحدثنا من غير إملاء.
فقراءاته على الشَّيْخ.
فسماعه بِقِرَاءَة غَيره على الشَّيْخ.
فالمناولة مَعَ الْإِجَازَة.
فالإجازة من غير مناولة لخاص فِي خَاص نَحْو أجزت لَك رِوَايَة البُخَارِيّ مثلا.
فَخَاضَ فِي عَام نَحْو: أجزت لَك رِوَايَة جَمِيع مسموعاتي فعام فِي خَاص نَحْو: أجزت لمن أدركني رِوَايَة مُسلم. فعام فِي عَام نَحْو: أجزت لمن عاصرني رِوَايَة جَمِيع مروياتي. فلفلان وَمن يُوجد من نَسْله.
فالمناولة من غير إجَازَة.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فالإعلام كَأَن يَقُول: هَذَا الْكتاب من مسموعاتي على فلَان فَالْوَصِيَّة كَأَن يُوصي بِكِتَاب إِلَى غَيره عِنْد سَفَره أَو مَوته فالوجادة كَأَن يجد كتابا أَو حَدِيثا بِخَط الشَّيْخ مَعْرُوف. وَمنع إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ الْإِجَازَة بأقسامها السَّابِقَة. وَمنع قوم الْعَامَّة مِنْهَا دون الْخَاصَّة /.
وَمنع القَاضِي أَبُو الطّيب: إجَازَة من يُوجد من نسل زيد وَهُوَ الصَّحِيح. وَالْإِجْمَاع عَليّ (منع) إجَازَة من يُوجد مُطلقًا أَي من غير تَقْيِيده بِنَسْل فلَان فَصَاعِدا اه.
[ ٢ / ٣١٧ ]
الْمُتَّفق والمفترق
ثمَّ الروَاة إِن اتّفقت أَسمَاؤُهُم وَأَسْمَاء آبَائِهِم فَصَاعِدا وَاخْتلفت أشخاصهم.
(كَذَا عبر الْمُؤلف. قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: لَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِذْ لَا بُد من الِاخْتِلَاف) .
(لَا فَائِدَة فِي قَوْله وَاخْتلفت أشخاصهم لِأَن الْأَشْخَاص لَا تكون إِلَّا مُخْتَلفَة فَقَالَ: الأولى حذفه)
. .
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا التَّعْلِيل لَا معنى لَهُ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: لِأَن لَفْظَة الروَاة واتفقت أَسمَاؤُهُم تغني عَنْهُم. وَيُمكن أَن يُقَال فِي جَوَابه: إِن هَذَا بَيَان للْوَاقِع، وَكَثِيرًا مَا يَقع ذَلِك للبلغاء. اه.
[ ٢ / ٣١٨ ]
سَوَاء اتّفق فِي ذَلِك اثْنَان مِنْهُم أَو أَكثر، وَكَذَلِكَ إِذا اتّفق الِاثْنَان فَصَاعِدا فِي الكنية وَالنِّسْبَة فَهَذَا النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ الْمُتَّفق والمفترق. وَفَائِدَة مَعْرفَته خشيَة أَن يظنّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول الشخصان الراويان المتفقان فِي الِاسْم، أَو الكنية، أَو النِّسْبَة شخصا وَاحِدًا لِكَوْنِهِمَا متعاصرين واشتركا فِي بعض شيوخهما، أَو فِي الرِّوَايَة عَنْهُمَا فيظن أَن الشخصين وَاحِدًا، وَقد زلق بِسَبَبِهِ غير وَاحِد من الأكابر، وَذَلِكَ كالخليل بن أَحْمد سِتَّة، وَأحمد بن جَعْفَر بن حمدَان أَرْبَعَة، كلهم يروون عَن من يُسمى عبد لله، وَكلهمْ فِي
[ ٢ / ٣١٩ ]
عصر وَاحِد. وَأبي عمرَان الْجونِي اثْنَان وَأبي بكر بن عَيَّاش ثَلَاثَة.
والحنفي نسبته إِلَى بني حنيفَة وللمذهب. وأمثلة ذَلِك كَثِيرَة جدا.
وَقد صنف فِيهِ (أَي فِي الْمُتَّفق والمفترق) الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ كتابا / حافلا، وَقد لخصته وزدت عَلَيْهِ شَيْئا كثيرا وَفِي هَذَا تَنْبِيه على خلاف مَا اشْتهر من أَن أول من صنف فِيهِ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ / وَوجه مَا اشْتهر أَن عبد الْغَنِيّ أول من صنف فِيهِ مُفردا.
وَهَذَا عكس مَا تقدم من النَّوْع الْمُسَمّى بالمهمل لِأَنَّهُ يخْشَى مِنْهُ أَن
[ ٢ / ٣٢٠ ]
يظنّ الْوَاحِد اثْنَيْنِ وَهَذَا يخْشَى مِنْهُ أَن يظنّ الِاثْنَان وَاحِدًا وَلَو جَمعهمَا الْمُؤلف فِي مَكَان وَاحِد كَمَا فعله غَيره كَانَ أولى.
[ ٢ / ٣٢١ ]
معرفَة الْمُخْتَلف والمؤتلف
وَإِن اتّفقت الْأَسْمَاء أَو الألقاب أَو الْأَنْسَاب خطا وَاخْتلف (نطقا) . لَو قَالَ خطا لَا لفظا كَانَ أخصر. سَوَاء كَانَ مرجع الِاخْتِلَاف النقط أم الشكل فَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ الْمُخْتَلف والمؤتلف فَهُوَ فن مُهِمّ جليل ومعرفته من مهمات هَذَا الْفَنّ يقبح جَهله بِأَهْل الْعلم لَا سِيمَا أهل الحَدِيث وَمن لم يعرفهُ يكثر خَطؤُهُ ويفتضح بَين أَهله (حَتَّى قَالَ على بن الْمَدِينِيّ): أَشد التَّصْحِيف مَا يَقع فِي الْأَسْمَاء. وَوَجهه بَعضهم بِأَنَّهُ شَيْء لَا يدْخلهُ الْقيَاس، وَلَا قبله شَيْء دَال عَلَيْهِ وَلَا بعده. كَذَا ذكره الْمُؤلف، ونوزع فِيهِ بِأَنَّهُ قد يدل ذكر الشَّيْخ أَو التلميذ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وَقد صنف فِيهِ جمَاعَة من الْحفاظ مِنْهُم أَبُو أَحْمد العسكري بِفَتْح أَوله وَالْكَاف، نِسْبَة إِلَى عَسْكَر مكرم مَدِينَة بالأهواز، هُوَ أول مُصَنف فِيهِ لكنه إِضَافَة إِلَى كتاب التَّصْحِيف لَهُ. ثمَّ أفرده بالتأليف عبد الْغَنِيّ بن سعيد فَجمع فِيهِ كتابين: كتاب فِي مشتبه الْأَسْمَاء، وَكتاب فِي مشتبه النِّسْبَة. وَجمع شَيْخه / الدَّارَقُطْنِيّ كتابا حافلا، ثمَّ جمع الْخَطِيب ذيلا، ثمَّ جمع الْجَمِيع ابْن مَاكُولَا فِي كِتَابه " الْإِكْمَال " واستدرك عَلَيْهِم فِي كتاب آخر، جمع فِيهِ أوهامهم
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وَبَينهَا، وَكِتَابَة من أجمع مَا جمع فِي ذَلِك. قَالَ ابْن الصّلاح: على إعواز فِيهِ وَهُوَ عُمْدَة كل مُحدث بعده، وَقد استدرك عَلَيْهِ الْحَافِظ أَبُو بكر بن نقطة مَا فَاتَهُ أَو تجدّد بعده فِي مُجَلد ضخم. مُفِيد جدا ثمَّ ذيل عَلَيْهِ يَعْنِي على ابْن نقطة مَنْصُور بن سليم - بِفَتْح السِّين - فِي مُجَلد لطيف، وَكَذَا ذيل عَلَيْهِ الْحَافِظ جمال الدّين أَبُو حَامِد الصَّابُونِي نِسْبَة إِلَى عمل الصابون، ثمَّ ذيل عَلَيْهِ - أَيْضا - الْحَافِظ مغلطاي ذيلا كَبِيرا جدا وَجمع الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي ذَلِك كتابا
[ ٢ / ٣٢٤ ]
مُخْتَصرا جدا سَمَّاهُ " مشتبه النِّسْبَة " لكنه أجحف فِي الِاخْتِصَار اعْتمد فِيهِ على الضَّبْط بالقلم فَكثر فِيهِ الْغَلَط والتصحيف والتحريف المباين لموضوع الْكتاب، وَقد يسر الله تَعَالَى تَوْضِيحه فِي كتاب سميته " بتبصير المنتبه بتحرير المشتبه " وَهُوَ مُجَلد وَاحِد (ضخم) فضبطته بالحروف على الطَّرِيقَة المرضية وزدت عَلَيْهِ كثيرا مِمَّا أهمله، أَو لم يقف عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك فقد أهمل مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة، وَكتاب. الْمُؤلف هَذَا أجل كتب هَذَا النَّوْع، وأتمها، وأعمها نفعا، وأحسنها وضعا.
مِثَاله سَلام وَسَلام الأول بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ غَالب مَا وَقع، الثَّانِي بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ عبد الله بن سَلام / الحبر الصَّحَابِيّ، وَسَلام بن
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أَخِيه، وَسَلام جد أبي عَليّ الجبائي المعتزلي، وجد النَّسَفِيّ، وجد السيدي، ووالد مُحَمَّد بن سَلام البيكندي الْكَبِير شيخ البُخَارِيّ، وَسَلام ابْن أبي الْحقيق الْيَهُودِيّ، وَكَذَا سَلام بن
[ ٢ / ٣٢٦ ]
مشْكم على مَا قَالَه بَعضهم.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
معرفَة الْمُتَشَابه
وَإِن اتّفقت الْأَسْمَاء خطا (ونطقا، وَاخْتلفت الْآبَاء نطقا مَعَ ائتلافهما خطا) كمحمد بن عقيل - بِفَتْح الْعين -، وَمُحَمّد بن عقيل بضَمهَا، الأول نيسابوريي وَالثَّانِي فريابي بِكَسْر الْفَاء وهما محدثان مشهوران وطبقتهما مُتَقَارِبَة. وكموسى بن عَليّ بِفَتْح الْعين، وكموسى بن عَليّ بضَمهَا، الأول جمَاعَة لَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَلَا فِي تَارِيخ البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم، وَابْن أبي خَيْثَمَة، وَالْحَاكِم، وَابْن يُونُس وَأبي نعيم، وثقات ابْن حبَان، وطبقات ابْن سعد، وكامل ابْن عدي مِنْهُم أحد.
وَفِي " تَارِيخ بَغْدَاد " للخطيب مِنْهُم رجلَانِ متأخران: مُوسَى
[ ٢ / ٣٢٨ ]
ابْن عَليّ أَبُو بكر الْأَحول الْبَزَّار روى عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ. ومُوسَى بن عَليّ أَبُو عِيسَى الْخُتلِي روى عَنهُ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن مقسم وَفِي " تَارِيخ ابْن عَسَاكِر " مُوسَى بن عَليّ أَبُو عمرَان الصّقليّ النَّحْوِيّ روى عَن أبي ذَر الْهَرَوِيّ.
وَذكر فِي " تَلْخِيص الْمُتَشَابه " رَابِعا: مُوسَى بن عَليّ الْقرشِي مَجْهُول.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وَمِنْهُم: مُوسَى بن عَليّ بن قداح أَبُو الْفضل الْخياط الْمُؤَذّن، سمع مِنْهُ ابْن عَسَاكِر، وَابْن السَّمْعَانِيّ. ومُوسَى بن عَليّ بن غَالب الْأمَوِي الأندلسي.
ومُوسَى بن عَليّ بن عَامر الجزيري الأشبيلي / النَّحْوِيّ، ذكرهمَا ابْن الْأَبَّار.
٢ - وَالثَّانِي: مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ الْمصْرِيّ أَمِير مصر. وكأيوب بن بشير وَأَيوب بن بشير الأول أَبوهُ مكبر عجلي، وَالثَّانِي أَبوهُ مصغر عدوي بَصرِي.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أَو بِالْعَكْسِ: كَأَن يخْتَلف الْأَسْمَاء نطقا، وتأتلف خطا، لَو قَالَ: نطقا لَا خطا لَكَانَ أخصر. وتتفق الْآبَاء خطا ونطقا كشريح بن النُّعْمَان، وسريج بن النُّعْمَان، الأول بالشين الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة الْكُوفِي وَهُوَ تَابِعِيّ يروي عَن عَليّ حَدِيثا وَاحِدًا فِي
[ ٢ / ٣٣١ ]
السّنَن الْأَرْبَعَة وَالثَّانِي: بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم وَهُوَ ابْن مَرْوَان اللؤلويي لبغدادي من شُيُوخ البُخَارِيّ وكمحمد
فَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ: الْمُتَشَابه. وَكَذَا إِن وَقع ذَلِك الِاتِّفَاق فِي الِاسْم وَاسم الاب وَالِاخْتِلَاف فِي النِّسْبَة، وَقد صنف فِيهِ أَي فِي الْمُتَشَابه الْخَطِيب كتابا جَلِيلًا سَمَّاهُ " تَلْخِيص الْمُتَشَابه " وَهُوَ من أحسن كتبه ثمَّ ذيل عَلَيْهِ هُوَ - أَيْضا - بِمَا فَاتَهُ وَهُوَ كتاب كثير
[ ٢ / ٣٣٢ ]
الْفَوَائِد عَظِيم العائدة. ويتركب مِنْهُ وَمِمَّا قبله أَي المؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق كَمَا قَالَ (الْكَمَال) ابْن أبي شرِيف أَنْوَاع مِنْهَا: أَن يحصل الِاتِّفَاق أَو الِاشْتِبَاه فِي الِاسْم وَاسم الْأَب مثلا إِلَّا فِي حرف أَو حرفين فَأكْثر من أَحدهمَا أَو مِنْهُمَا، وَهُوَ على قسمَيْنِ:
١ - إِمَّا بِأَن يكون الِاخْتِلَاف بالتغيير مَعَ أَن عدد الْحُرُوف ثَابت فِي الْجِهَتَيْنِ.
٢ - أَو يكون الِاخْتِلَاف بالتغيير مَعَ نُقْصَان بعض الْأَسْمَاء عَن بعض.
فَمن أَمْثِلَة الأول: مُحَمَّد بن سِنَان - بِكَسْر السِّين ونونين بَينهمَا ألف - وهم جمَاعَة / مِنْهُم العوقي بِفَتْح الْعين وَالْوَاو ثمَّ قَاف - نسبته إِلَى العوقة بطن من عبد الْقَيْس، أَو محلّة لَهُم بِالْبَصْرَةِ شيخ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
البُخَارِيّ. وَمُحَمّد بن سيار - بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء التَّحْتِيَّة وَبعد الْألف رَاء - وهم جمَاعَة، مِنْهُم: اليمامي شيخ عمر بن يُونُس.
وَمِنْهَا: مُحَمَّد بن حنين - بِضَم الْمُهْملَة ونونين الأولى مَفْتُوحَة بَينهمَا يَاء تَحْتَانِيَّة - تَابِعِيّ يروي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره.
وَمُحَمّد بن جُبَير - بِالْجِيم بعْدهَا مُوَحدَة وَآخره رَاء - وَهُوَ مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم تَابِعِيّ مَشْهُور.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَمن ذَلِك: معرف بن وَاصل - كُوفِي مَشْهُور - ومطرف بن وَاصل، بِالطَّاءِ بدل الْعين، شيخ آخر يروي عَنهُ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ بِفَتْح فَسُكُون نِسْبَة إِلَى نهد بطن من قضاعة، وَقيل: من هَمدَان.
وَمِنْه - أَيْضا - أَحْمد بن الْحُسَيْن صَاحب إِبْرَاهِيم بن سعيد وَآخَرُونَ، وأحيد بن الْحُسَيْن مثله لَكِن بدل الْمِيم يَاء تَحْتَانِيَّة، وَهُوَ شيخ بخاري يروي عَنهُ عبد الله بن مُحَمَّد البيكندي بموحدة تحتية
[ ٢ / ٣٣٥ ]
(مَفْتُوحَة) ثمَّ مثناة تحتية (سَاكِنة، وكاف مَفْتُوحَة وَنون سَاكِنة ودال مُهْملَة) .
وَمن ذَلِك - أَيْضا - حَفْص بن ميسرَة شيخ مَشْهُور من طبقَة مَالك، وجعفر بن ميسرَة شيخ لِعبيد الله بن مُوسَى الْكُوفِي. الأول بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْفَاء بعْدهَا صَاد مُهْملَة، وَالثَّانِي بِالْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء ثمَّ رَاء. كَذَا وَقع للمؤلف ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون مِنْهُ / لِأَن عدد الْحُرُوف لم تكن ثَابِتَة فِي الْجِهَتَيْنِ اه يم وَقَالَ الشّرف الْمَنَاوِيّ: حق حَفْص وجعفر أَن لَا يذكرَا فِي هَذَا الْقسم بل فِي الثَّانِي، لِأَن الِاخْتِلَاف فِيهِ مَعَ نُقْصَان الأول عَن الثَّانِي، لكنه ذكره فِي الأول لكَون الْفَاء مَعَ الْوَاو تشبه الصَّاد.
وَمن أَمْثِلَة الثَّانِي: عبد الله بن زيد جمَاعَة مِنْهُم فِي الصَّحَابَة:
[ ٢ / ٣٣٦ ]
صَاحب الْأَذَان، وَاسم جده عبد ربه. وراوي حَدِيث الْوضُوء وَاسم جده عَاصِم، وهما أنصاريان.
وَعبد الله بن يزِيد بِزِيَادَة يَاء فِي أول اسْم الْأَب وَالزَّاي مَكْسُورَة - وهم أَيْضا جمَاعَة - مِنْهُم فِي الصَّحَابَة: الخطمي يكنى أَبَا مُوسَى،
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وَحَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ. والقارئ لَهُ ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة وَقد زعم بَعضهم أَنه الخطمي وَفِيه نظر. قَالَ: الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَجه النّظر أَن الخطمي لم يتَحَقَّق طول صحبته للنَّبِي، بل لَعَلَّه كَانَ صَغِيرا فِي عهد النَّبِي ﵇. والقارئ ثبتَتْ كَمَال صحبته، من ذَلِك أَنه سَمعه يقْرَأ فَقَالَ: لقد أذكرتني بِقِرَاءَتِك آيَة كَذَا. فِي قصَّة لَهُ فلتراجع. انْتهى.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: بعد قَوْله وَفِيه نظر مَا نَصه: قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِير هَذَا: تمسك من زعم أَن الْقَارئ هُوَ الخطمي بِأَن الْقَارئ كَانَ صَغِيرا فِي زمن رَسُول الله فَكيف يكون مَذْكُورا؟ وَوجه النّظر إِنَّه لَو كَانَ صَغِيرا لما ذكر فِي / حَدِيث عَائِشَة رضى الله تَعَالَى عَنْهَا فِي الصَّحِيح، وَهُوَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام سَمعه من اللَّيْل يقْرَأ، فَقَالَ رَسُول الله: ذَكرنِي آيَة أنسيتها. أَو كَمَا قَالَ.
فَهَكَذَا ذكر، قَالَ بعض من يدعى علم هَذَا الْفَنّ: قد يُقَال لَا مُنَافَاة بَين كَونه صَغِيرا وَهُوَ مَذْكُور لأمر مَا، وَلَو قرر وَجه النّظر
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بِهَذَا كَانَ أولى، إِذْ لَا يلْزم من ذكره أَن لَا يكون صَغِيرا. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالظَّاهِر أَن من قَالَ كَانَ صَغِيرا إِنَّمَا أَرَادَ أَنه لم يكن بِحَيْثُ يحضر النَّبِي، وَمن أجَاب بِأَنَّهُ لَو كَانَ صَغِيرا - يعْنى بالحيثية الْمَذْكُورَة - لما كَانَ لَهُ ذكر على هَذَا الْوَجْه وَهُوَ أَنه يقْرَأ الْقُرْآن لَيْلًا. انْتهى.
وَمِنْهَا: عبد الله بن يحيى قَالَ الْمَنَاوِيّ: حق هَذَا أَن يذكر فِي الْقسم الأول لِأَن عدد حُرُوف يحيى ونجى سَوَاء. وهم جمَاعَة، وَعبد الله بن نجى - بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء - تَابِعِيّ مَعْرُوف يروي عَن عَليّ. أَو يحصل الِاتِّفَاق فِي الْخط والنطق لَكِن يحصل الِاخْتِلَاف أَو الِاشْتِبَاه بالتقديم وَالتَّأْخِير: إِمَّا فِي الاسمين جملَة، أَو
[ ٢ / ٣٤٠ ]
نَحْو ذَلِك. كَأَن يَقع التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الِاسْم الْوَاحِد فِي بعض حُرُوفه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يشْتَبه بِهِ. مِثَال الأول: الْأسود بن يزِيد النخعيي تابعيي كَبِير حَدِيثه فِي الْكتب السِّتَّة وَيزِيد بن الْأسود الخزاعيي صحابيي لَهُ فِي السّنَن حَدِيث وَاحِد. وَيزِيد بن الاسود الجرشِي التَّابِعِيّ المخضرم / المشتهر بالصلاح، يكنى أَبَا
[ ٢ / ٣٤١ ]
الْأسود وَسكن الشَّام، وَهُوَ الَّذِي استسقى بِهِ مُعَاوِيَة فسقوا للْوَقْت حَتَّى كَادُوا لَا يبلغون مَنَازِلهمْ.
وَهُوَ ظَاهر. وَمِنْه عبد الله بن يزِيد، وَيزِيد بن عبد الله.
وَمِثَال الثَّانِي: أَيُّوب بن سيار بِفَتْح السِّين وَشدَّة الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَأَيوب بن يسَار بِفَتْح الْيَاء وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة الأول: مدنِي مَشْهُور وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَالْآخر مَجْهُول.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وكالوليد بن مُسلم التَّابِعِيّ الْبَصْرِيّ روى عَن جُنْدُب بن عبد الله البَجلِيّ والوليد بن مُسلم الْمَشْهُور الدِّمَشْقِي روى عَنهُ أَحْمد وَالنَّاس. وَمُسلم بن الْوَلِيد بن رَبَاح الْمدنِي روى عَن أَبِيه وَعنهُ الدَّرَاورْدِي.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
معرفَة طَبَقَات الروَاة
خَاتِمَة: من المهم عِنْد الْمُحدثين معرفَة طَبَقَات الروَاة، وَفَائِدَته الْأَمْن من تدَاخل المشتبهين، وَإِمْكَان الِاطِّلَاع على تلبيس المدلسين، وَالْوُقُوف على حَقِيقَة المُرَاد من العنعنة يعْنى هَل هِيَ مَحْمُولَة على السماع أَو مُرْسلَة؟ أَو مُنْقَطِعَة؟ ذكره الشَّيْخ قَاسم.
والطبقة فِي اصطلاحهم: عبارَة عَن جمَاعَة اشْتَركُوا فِي السن ولقاء الشُّيُوخ، وَقد يكون الشَّخْص الْوَاحِد من طبقتين باعتبارين، كأنس بن مَالك فَإِنَّهُ من حَيْثُ ثُبُوت صحبته للنَّبِي يعد بِضَم الْمُثَنَّاة تَحت وَفتح الْعين فِي طبقه الْعشْرَة مثلا. وَمن حَيْثُ صغر السن يعد فِي طبقَة من بعدهمْ، فَمن نظر إِلَى الصَّحَابَة بِاعْتِبَار الصُّحْبَة جعل الْجَمِيع طبقَة وَاحِدَة / كَمَا صنع ابْن حبَان وَغَيره.
وَمن نظر إِلَيْهِم بِاعْتِبَار قدر زَائِد كالسبق إِلَى الْإِسْلَام، أَو شُهُود
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الْمشَاهد الفاضلة جعلهم طَبَقَات وَإِلَى ذَلِك جنح (صَاحب الطَّبَقَات أَبُو عبد الله) مُحَمَّد بن سعد الْبَغْدَادِيّ، وَكتابه أجمع مَا جمع فِي ذَلِك.
وَكَذَا من جَاءَ بعد الصَّحَابَة وهم التابعون من نظر إِلَيْهِم بِاعْتِبَار (الْأَخْذ عَن بعض الصَّحَابَة فَقَط جعلهم طبقَة وَاحِد كَمَا صنع ابْن حبَان، وَمن نظر إِلَيْهِم بِاعْتِبَار) اللِّقَاء قسمهم كَمَا فعل مُحَمَّد بن سعد وَلكُل وَجه.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
معرفَة المواليد والوفيات
وَمن المهم - أَيْضا - معرفَة موالديهم ووفياتهم بِفَتْح الْفَاء وَالتَّخْفِيف وَيتَعَيَّن الاعتناء بِهِ ليعرف اتِّصَال الحَدِيث وانقطاعه.
وبمعرفتها يحصل الْأَمْن من دَعْوَى الْمُدَّعِي للقاء بَعضهم وَهُوَ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك. وَمَنَافع التَّارِيخ عَظِيمَة، وفوائده جليلة، أَلا ترى إِلَى وَاقعَة رَئِيس الرؤساء مَعَ الْيَهُودِيّ الَّذِي أظهر كتابا فِيهِ أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أسقط الْجِزْيَة عَن أهل خَيْبَر، وَفِيه شَهَادَة الصَّحَابَة - وَمِنْه عَليّ كرم الله وَجهه - فَوَقع رَئِيس الرؤساء وَالنَّاس فِي حيرة. فعرضه على الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَتَأَمّله وَقَالَ: هَذَا مزور. فَقيل لَهُ: من أَيْن لَك ذَلِك؟ فَقَالَ: فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة وَهُوَ أسلم عَام الْفَتْح، وَفتح خَيْبَر سنة سبع. وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَقد مَاتَ فِي وقْعَة بني قُرَيْظَة قبل خَيْبَر بِسنتَيْنِ ففرح النَّاس بذلك.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
معرفَة الْبلدَانِ والأوطان
وَمن المهم: معرفَة بلدانهم وأوطانهم، وَفَائِدَته الْأَمْن من / تدَاخل الاسمين إِذا اتفقَا لَكِن افْتَرقَا بِالنّسَبِ. وَقد ادّعى قوم الرِّوَايَة عَن قوم فَنظر فِي التَّارِيخ فَظهر أَنهم زَعَمُوا الرِّوَايَة عَنْهُم بعد وفاتهم بسنين كَثِيرَة، كَمَا سَأَلَ الْحَاكِم مُحَمَّد بن حَاتِم الكسي عَن مولده لما
[ ٢ / ٣٤٧ ]
حدث عَن عبد بن حميد فَقَالَ: سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. فَقَالَ: هَذَا سمع من عبد بن حميد بعد مَوته بِثَلَاث عشرَة سنة.
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: كنت بالعراق فَأَتَانِي أهل الحَدِيث فَقَالُوا: هُنَا رجل يحدث عَن خَالِد بن معدان. فَأَتَيْته فَقلت: إِنَّك تزْعم أَنَّك سَمِعت مِنْهُ بعد مَوته بِسبع سِنِين، لِأَن خَالِدا مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَة.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قَالَ حَفْص بن غياث: إِذا اتهمتم الشَّيْخ فحاسبوه بِالسِّنِينَ - يَعْنِي سنه وَسن من كتب عَنهُ.
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: لما اسْتعْمل الروَاة الْكَذِب استعملنا لَهُم التَّارِيخ. وَقَالَ حسان: لم تستعين على الْكَذَّابين بِمثل التَّارِيخ.
وَقَالَ الْحميدِي: ثَلَاثَة أَشْيَاء من علم الحَدِيث يجب الاهتمام بهَا: الْعِلَل، والمؤتلف والمختلف، ووفيات الشُّيُوخ.
وَفِي أَسمَاء الْبلدَانِ والأوطان كتب كَثِيرَة: لِابْنِ قَانِع،
[ ٢ / ٣٤٩ ]
والأكفاني، وَالْمُنْذِرِي، والمفضل، والحسيني ثمَّ الدمياطي والحافظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ، ثمَّ وَلَده شيخ الاسلام أَحْمد وَغَيرهم.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
معرفَة أَحْوَال الروَاة جرحا وتعديلا
وَمن المهم معرفَة أَحْوَالهم: تعديلا وتجريحا وجهالة لِأَن الرَّاوِي إِمَّا أَن تعرف عَدَالَته أَو يعرف فسقه، أَو لَا يعرف فِيهِ شَيْء من ذَلِك.
وَشرط عَمَّن يقبل خَبره ويحتج بحَديثه / كَونه: ضابطا عدلا لسلامته من أَسبَاب الْفسق من ارْتِكَاب كَبِيرَة أَو إِصْرَار على صَغِيرَة، وَحفظه من خوارم الْمُرُوءَة خلافًا للخطيب فِي الْأَخير.
وَيرجع فِي معرفَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِلَى الْكتب الْمُؤَلّفَة فِيهِ: " كالثقات " وَالْجرْح لِابْنِ حبَان، وَالْعجلِي، والضعفاء، لَهما، وللذهبي. وَإِن لم يذكرُوا فِيهَا سَبَب الْجرْح، إِذْ فائدتها التَّوَقُّف فِيمَن جرحوه، ثمَّ إِن انزاحت الرِّيبَة ببحثنا عَنهُ حصلت الثِّقَة بِهِ، وَقَبلنَا حَدِيثه كَمَا وَقع فِي جمَاعَة فِي الصَّحِيحَيْنِ، وكما فِي اتهام
[ ٢ / ٣٥١ ]
الرَّاوِي بِالْوَضْعِ.
مَرَاتِب الْجرْح: وَمن أهم ذَلِك بعد الِاطِّلَاع الْمَذْكُور معرفَة مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل. ليعرف من يرد حَدِيثه مِمَّن يعْتَبر لأَنهم قد يجرحون الشَّخْص بِمَا لَا يلْزم رد حَدِيثه كُله. بل بعضه، كَأَن يكون ضَعِيفا فِي بعض مشايخه دون بعض، وَمن ذَلِك أَنه قيل لبَعْضهِم: لم تركت التحديث عَن فلَان؟ قَالَ: رَأَيْته يرْكض برذونا. وَقد بَينا أَسبَاب ذَلِك أَي الْجرْح فِيمَا مضى أَوَائِل الْكتاب وحصرناه فِي عشرَة أَي عشر أَسبَاب وَتقدم شرحها مفصلا على وَجه الِاخْتِصَار المحصل للمقصود.
وَالْغَرَض هُنَا ذكر الْأَلْفَاظ الدَّالَّة فِي اصطلاحهم أَي الْمُحدثين على
[ ٢ / ٣٥٢ ]
تِلْكَ الْمَرَاتِب الْعشْرَة الْمُتَقَدّمَة.
وللجرح مَرَاتِب أسوأها أَي أَكْثَرهَا سوء أَي قبحا الْوَصْف بِمَا دلّ على الْمُبَالغَة فِيهِ، وأصرح ذَلِك التَّعْبِير بأفعل بِفَتْح الْهمزَة وَالْعين صِيغَة / مُبَالغَة كأكذب النَّاس، وَكَذَا قَوْلهم إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الْوَضع. أَو - فِي نُسْخَة - الْكَذِب أَو هُوَ ركن الْكَذِب، وَنَحْو ذَلِك.
ثمَّ بعد ذَلِك فِي الرُّتْبَة دجال، أَو وَضاع، أَو كَذَّاب لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت فِيهَا نوع مُبَالغَة لَكِنَّهَا دون الَّتِي قبلهَا فِي الْقبْح، لِأَنَّهَا قد تسْتَعْمل لأصل الْفِعْل فَلذَلِك كَانَت دون، هَذَا مَا اخْتَارَهُ الْمُؤلف تبعا لجمع، وَجعله أَبُو حَاتِم وَتَبعهُ ابْن الصّلاح وَابْن الْجَوْزِيّ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
من الْمرتبَة الأولى: كمتروك الحَدِيث، واه، ذَاهِب الحَدِيث، لسقوطهم وَعدم الْكِتَابَة عَنْهُم.
وأسهلها - أَي الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْجرْح أَي أدناها مَا قرب من التَّعْدِيل قَوْلهم: فلَان لين، أَو سيء الْحِفْظ، أَو فِيهِ أدنى مقَال.
وَبَين أَسْوَأ الْجرْح وأسهله مَرَاتِب لَا تخفى. وَقَوْلهمْ: مَتْرُوك أَو سَاقِط، أَو فَاحش الْغَلَط، أَو مُنكر الحَدِيث اشد من قَوْلهم: ضَعِيف، أَو لَيْسَ بِالْقَوِيّ أَو فِيهِ مقَال.
وَقَالَ بَعضهم: أَسْوَأ الْمَرَاتِب بعد صِيغَة الْمُبَالغَة: يكذب يضع. ويليها مُتَّهم بِالْكَذِبِ، مُتَّهم بِالْوَضْعِ، سَاقِط، هَالك، ذَاهِب الحَدِيث، مَتْرُوك، تَرَكُوهُ، فِيهِ نظر، سكتوا عَنهُ، لَا يعْتَبر حَدِيثه، لَيْسَ بالثقة، غير مَأْمُون. ويليها: مَرْدُود، ضَعِيف جدا، واه بِمرَّة، مطروح، أرم بِهِ، لَيْسَ بشئ، لَا يُسَاوِي درهما، لَا يُسَاوِي فلسًا.
وكل من وصف بِشَيْء من هَذِه الْمَرَاتِب لَا يحْتَج بِهِ، وَلَا
[ ٢ / ٣٥٤ ]
يستشهد بحَديثه، لَا يعْتَبر بِهِ. د
ويليها: ضَعِيف، مُنكر الحَدِيث، مُضْطَرب الحَدِيث، واه / ضَعَّفُوهُ، لَا يحْتَج بِهِ. ويليها: فِيهِ مقَال، لَيْسَ بِذَاكَ لَيْسَ بِالْقَوِيّ، تعرف وتنكر، لَيْسَ بعمدة، فِيهِ خلف، مطعون فِيهِ، سيء الْحِفْظ، لين، تكلمُوا فِيهِ. وَأَصْحَاب هَاتين الرتبتين يكْتب حَدِيثهمْ للاعتبار.
مَرَاتِب التَّعْدِيل:
وَمن المهم - أَيْضا - معرفَة مَرَاتِب التَّعْدِيل وَقد رتبها ابْن أبي حَاتِم فأجاد وَبلغ المُرَاد. وأرفعها أَي أَعْلَاهَا الْوَصْف بِمَا دلّ على الْمُبَالغَة فِيهِ لَكِن صَدُوق وَإِن كَانَ فِيهِ مُبَالغَة - لكِنهمْ لَا يُرِيدُونَ بِهِ إِلَّا
[ ٢ / ٣٥٥ ]
أصل الصدْق فلينتبه لَهُ. كَذَا ذكره المُصَنّف فِي غير هَذَا الْكتاب وأصرح ذَلِك التَّعْبِير بأفعل الدَّالَّة على الْمُبَالغَة كأوثق النَّاس، أَو أثبت النَّاس، أَو إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت، كَمَا وَقع فِي عبارَة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -.
ثمَّ مَا تَأَكد بِصفة من الصِّفَات الدَّالَّة على التَّعْدِيل، أَو صفتين كثقة ثِقَة، أَو ثَبت ثَبت، أَو ثِقَة حَافظ، أَو عدل ضَابِط، أَو نَحْو ذَلِك. كمأمون، حجَّة، لَا بَأْس بِهِ. وَأَدْنَاهَا مَا اشعر بِالْقربِ من أسهل التجريح كشيخ، يروي حَدِيثه، وَيعْتَبر بِهِ وَنَحْو ذَلِك. وَبَين ذَلِك مَرَاتِب لَا تخفى. فأعلاها صِيغَة مُبَالغَة، ثمَّ المكرر كثقة ثِقَة، ثَبت ثَبت، أَو ثِقَة حجَّة، أَو ثِقَة متقن. ويليها: ثِقَة، متقن، حجَّة، ثَبت، حَافظ، ضَابِط، مُفْرد.
ويليه: لَيْسَ بِهِ بَأْس، لَا بَأْس بِهِ، صَدُوق، مَأْمُون، خِيَار.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ويليها: مَحَله الصدْق، رووا عَنهُ، شيخ وسط، صَالح، مقارب، جيد الحَدِيث، حسن الحَدِيث.
ويليها: / الصويلح، صَدُوق إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ.
أَحْكَام مُتَعَلقَة بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل:
وَهَذِه أَحْكَام تتَعَلَّق بذلك، ذكرتها هُنَا لتكملة الْفَائِدَة فَأَقُول:
١ - تقبل التَّزْكِيَة من عَارِف بأسبابها لَا من غير عَارِف لِئَلَّا يُزكي بِمُجَرَّد مَا يظْهر لَهُ ابْتِدَاء من غير ممارسة واختبار.
وَلَا يشْتَرط فِي الْعَارِف ذكر سَببه لِكَثْرَة الْأَسْبَاب، وَلِأَنَّهُ قد يتَعَلَّق بِالنَّفْيِ: كلم يفعل، لم يرتكب فَيشق تعدادها.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَلَو كَانَت التَّزْكِيَة صادرة من مزك وَاحِد. لِأَن الْعدَد لَا يشْتَرط فِي قبُول الْخَبَر على الْأَصَح وَالْجرْح كالتزكية فِيمَا تقرر، وَفِيمَا يَأْتِي.
خلافًا لمن شَرط أَنَّهَا لَا تقبل إِلَّا من اثْنَيْنِ إِلْحَاقًا لَهَا بِالشَّهَادَةِ. أَي بتزكية الشَّهَادَة فِي الْأَصَح - أَيْضا -. نظرا إِلَى أَن الرِّوَايَة شَهَادَة فَلَا بُد فيهمَا من الْعدَد.
وَأَشَارَ بقوله: فِي الْأَصَح - أَيْضا - إِلَى أَن اشْتِرَاط الْعدَد فِي تَزْكِيَة الشَّاهِد فِيهِ خلاف أَيْضا، وَالأَصَح مَا جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْآمِدِيّ، وَابْن الْحَاجِب، والهندي عَن تَصْحِيح الْأَكْثَرين، وَرجحه الإِمَام وَأَتْبَاعه. وَقَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه الصَّحِيح الَّذِي اخْتَارَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَغَيره. وَصَححهُ النَّوَوِيّ - أَيْضا - وَعَلِيهِ جرى الْبرمَاوِيّ فِي
[ ٢ / ٣٥٨ ]
" نَبَذته " و" ألفيته " مُخَالفا لما اقْتَضَاهُ كَلَام التَّاج السُّبْكِيّ تبعا لتصريح الباقلاني من الِاكْتِفَاء بِوَاحِد فِي الشَّهَادَة كالرواية.
وَشَمل الْوَاحِد: العَبْد وَالْمَرْأَة وَهُوَ عدل الرِّوَايَة.
وَالْفرق بَينهمَا: أَن التَّزْكِيَة أَي تَزْكِيَة / الرَّاوِي تنزل منزلَة الحكم، فَلَا يشْتَرط فِيهَا الْعدَد، وَالشَّهَادَة تقع من الشَّاهِد عِنْد الْحَاكِم فَافْتَرقَا.
وَالْحَاصِل: أَن الشَّهَادَة تعلق الْحق فِيهَا بالمشهود لَهُ فاحتيط لذَلِك بِاشْتِرَاط الْعدَد بِخِلَاف الرِّوَايَة، وَلَو قيل: يفصل بَين مَا إِذا كَانَت التَّزْكِيَة فِي الرَّاوِي مستندة من الْمُزَكي إِلَى اجْتِهَاده، أَو إِلَى النَّقْل عَن غَيره لَكَانَ متجها، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الأول فَلَا يشْتَرط الْعدَد
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أصلا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة الْحَاكِم. وَإِن كَانَ الثَّانِي فَيجْرِي فِيهِ الْخلاف، وَتبين - أَيْضا - لَا يشْتَرط الْعدَد لِأَن أصل النَّقْل لَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد فَكَذَا مَا تفرع عَنهُ.
كَذَا بَحثه الْمُؤلف - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -، ورده الشَّيْخ الْمَنَاوِيّ وَغَيره: بِأَنَّهُ لَيْسَ لهَذَا التَّفْصِيل الَّذِي ذكره فَائِدَة إِلَّا نفي الْخلاف فِي الْقسم الأول فَقَط.
وَيَنْبَغِي أَن لَا يقبل الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِلَّا من عدل متيقظ، فَلَا يقبل جرح من أفرط فِيهِ، فجرح بِمَا لَا يَقْتَضِي رد حَدِيث الْمُحدث، كَمَا لَا تقبل تَزْكِيَة من أَخذ بِمُجَرَّد الظَّاهِر فَأطلق التَّزْكِيَة.
وَلَو نظر لذَلِك لرد أَكثر الروَاة حَتَّى الْأَئِمَّة الْكِبَار، فَإِنَّهُ قل من
[ ٢ / ٣٦٠ ]
سلم فِي الْجرْح، وَقد تكلم فِي الْكِبَار من الْأَئِمَّة، لَكِن ينْدَفع ذَلِك بِأَنَّهُ إِذا كَانَ عدم الْقبُول إِنَّمَا هُوَ للتوقف لَا للجرح فَلَا الْتِفَات لكَلَام من جرح أحدا من الْأَئِمَّة، لِأَن الشُّهْرَة بِالْإِمَامَةِ وَالْجَلالَة تغني عَن التَّعْدِيل، وتدفع فِي صدر / من جرح أحدا مِنْهُم.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ - وَهُوَ من أهل الاستقراء التَّام فِي نقد الرِّجَال - لم يجْتَمع اثْنَان من عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن قطّ على تَوْثِيق ضَعِيف، وَلَا تَضْعِيف ثِقَة. انْتهى /
قَالَ الْمُؤلف - ﵀ - فِي " تَقْرِيره ": يَعْنِي يكون سَبَب ضعفه شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين، وَكَذَا عَكسه. انْتهى /
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لم يَقع المُصَنّف على علم ذَلِك، وَلَا يفهم مِنْهُ المُرَاد من قبل هَذَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن اثْنَيْنِ لم يتَّفقَا فِي شخص
[ ٢ / ٣٦١ ]
على خلاف الْوَاقِع (فِي الْوَاقِع) بل لَا يتَّفقَا إِلَّا على من فِيهِ شَائِبَة مِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ. وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب النَّسَائِيّ كَمَا نَقله عَنهُ ابْن مَنْدَه وَغَيره أَن لَا يتْرك حَدِيث الرجل حَتَّى يجْتَمع الْجَمِيع على تَركه قَالَ بَعضهم: وَفِي صَلَاحِية هَذَا تعليلا لما قبله نظر.
وليحذر الْمُتَكَلّم فِي هَذَا الْفَنّ من التساهل فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، فَإِنَّهُ إِن أعدل بِغَيْر تثبت كَانَ كالمثبت حكما لَيْسَ بِثَابِت، فيخشى عَلَيْهِ أَن يدْخل فِي زمرة من روى حَدِيثا وَهُوَ يظنّ أَنه كذب، وَإِن جرح بِغَيْر تحرز أقدم على الطعْن فِي مُسلم برِئ من ذَلِك، ووسمه
[ ٢ / ٣٦٢ ]
بميسم سوء يبْقى عَلَيْهِ عاره أبدا. والآفة تدخل فِي هَذَا تَارَة من الْهوى وَالْغَرَض الْفَاسِد وَكَلَام الْمُتَقَدِّمين سَالم من هَذَا غَالِبا، وَتارَة من الْمُخَالفَة فِي العقائد وَهُوَ مَوْجُود كثيرا قَدِيما وحديثا، وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الْجرْح بذلك، فقد قدمنَا تَحْقِيق الْحَال / فِي الْعَمَل بِرِوَايَة المبتدعة.
٢ - وَالْجرْح مقدم عِنْد التَّعَارُض على التَّعْدِيل إِن كَانَ عدد الْجَارِح أَكثر من عدد الْمعدل إِجْمَاعًا، وَكَذَا إِن كَانَ عدد الْجَارِح والمعدل سَوَاء، أَو كَانَ الْجَارِح أقل عددا من الْمعدل - على الْأَصَح -
[ ٢ / ٣٦٣ ]
لاطلاع الْجَارِح على مَا لم يطلع عَلَيْهِ الْمعدل. كَذَا ذَكرُوهُ وَأخذ مِنْهُ أَنه لَو اطلع الْمعدل على السَّبَب وَعلم تَوْبَته مِنْهُ قدم على الْجَارِح. وَهُوَ كَذَلِك.
وَأطلق ذَلِك جمَاعَة، لَكِن مَحَله إِن صدر مُبينًا أَي مُفَسرًا من عَارِف بأسبابه على الصَّحِيح عِنْد الْأَئِمَّة الشَّافِعِيَّة لاخْتِلَاف النَّاس فِي أَسبَابه، قَالَ بَعضهم: اشْتِرَاط كَون الْجَارِح عَارِفًا بالأسباب بعد اشْتِرَاط كَونه مُبينًا فِيهِ نظر لَا يخفى. لإنه إِذا كَانَ غير مُفَسّر لم يقْدَح فِيمَن يثبت عَدَالَته وَإِن صدر من غير عَارِف بالأسباب لم يعْتَبر بِهِ. وَفِي نسخ: لم يعْتد بِهِ أَي لما ذكر، وَمَا جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف تبع فِيهِ القَاضِي الباقلاني، وَالَّذِي جرى عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَنه يشْتَرط ذكر سَبَب الْجرْح للِاخْتِلَاف فِيهِ دون سَبَب التَّعْدِيل وَهُوَ الْمُخْتَار فِي الشَّهَادَة، أما الرِّوَايَة فَيَكْفِي فِيهَا إِطْلَاق الْجرْح كالتعديل إِذا عرف مَذْهَب الْجَارِح، تَنْزِيلا
[ ٢ / ٣٦٤ ]
لذَلِك منزلَة ذكر السَّبَب، وَظَاهره أَنه يثبت الْجرْح بِدُونِ بَيَان السَّبَب وَإِلَيْهِ يُشِير قَول ابْن الصّلاح: إِنَّمَا يعْتَمد النَّاس فِي جرح الروَاة ورد حَدِيثهمْ / على الْكتب المصنفة فِي الْجرْح، وقلما يتعرضون فِيهَا لذكر السَّبَب بل يقتصرون على فلَان ضَعِيف، أَو لَيْسَ بِشَيْء وَنَحْوهمَا. فاشتراط بَيَان السَّبَب فِي جرح الروَاة يُفْضِي إِلَى سد بَاب الْجرْح غَالِبا. ثمَّ أجَاب عَنهُ ابْن الصّلاح: بِأَنا وَإِن لم نعتمده فِي إِثْبَات الْجرْح وَالْحكم بِهِ فقد اعتمدناه فِي التَّوَقُّف عَن قبُول حَدِيثه لحُصُول رِيبَة لَا لِأَنَّهُ مَجْرُوح فِي نفس الْأَمر، وَلِهَذَا من زَالَت عَنهُ هَذِه الرِّيبَة ببحث عَن حَاله يقبل كَالَّذِين احْتج بهم الشَّيْخَانِ مِمَّن تقدم فيهم الْجرْح. اه /.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وَعمل الْعَالم الْمُشْتَرط للعدالة فِي الرَّاوِي بِرِوَايَة شخص تَعْدِيل لَهُ فِي الْأَصَح وَإِلَّا لما عمل بروايته.
وَرِوَايَة من لَا يروي إِلَّا عَن عدل بِأَن صرح بذلك أَو عرف من عَادَته بالاستقراء أَنه لَا يروي إِلَّا عَن عدل تَعْدِيل لَهُ، كَمَا لَو قَالَ: هُوَ عدل لَكِن هَذَا دون التَّصْرِيح كَمَا قَالَه ابْن دَقِيق الْعِيد.
وَلَيْسَ من الْجرْح ترك الْعَمَل بمرويه وَترك الحكم بمشهوده لاحْتِمَال أَن يكون التّرْك لمعارض.
وَفِيمَا إِذا تَعَارضا فِي ثُبُوت جارح معِين ونفيه تردد.
فَإِن خلا الْمَجْرُوح عَن تَعْدِيل قبل الْجرْح فِيهِ مُجملا غير مُبين السَّبَب إِذا صدر من عَارِف على الْمُخْتَار، لِأَنَّهُ إِذا لم يكن فِيهِ
[ ٢ / ٣٦٦ ]
تَعْدِيل فَهُوَ فِي حيّز الْمَجْهُول، وإعمال قَول الْمَجْرُوح أولى من إهماله، وَمَال ابْن الصّلاح فِي مثل هَذَا إِلَى التَّوَقُّف.
أما إِذا كَانَ من جرح مُجملا قد عدله أحد من أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ فَلَا يقبل الْجرْح فِيهِ من أحد كَائِنا من كَانَ / إِلَّا مُبينًا لَهُ لِأَنَّهُ قد يثبت لَهُ رُتْبَة الثِّقَة فَلَا يزحزح عَنْهَا إِلَّا بِأَمْر جلي. وَهَذَا اخْتِيَار للمؤلف قد نوزع فِيهِ.
(تَنْبِيه):
مَا ذكره الْمُؤلف كُله مَأْخُوذ من كَلَام التَّاج السُّبْكِيّ حَيْثُ قَالَ: هُنَا قَاعِدَة مهمة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، نافعة ضَرُورِيَّة، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا
[ ٢ / ٣٦٧ ]
سَمِعت أَن الْجرْح مقدم على التَّعْدِيل، وَرَأَيْت جرحا وتعديلا فِي رجل، وَكنت غرا بالأمور أَو فدما مُقْتَصرا على مَنْقُول الْأُصُول، جزمت بِأَن الْعَمَل على جرحه. فإياك ثمَّ إياك، والحذر كل الحذر من هَذَا الظَّن، بل الصَّوَاب أَن من تثبت أَمَانَته وعدالته، وَكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وَكَانَت هُنَاكَ قرينَة دَالَّة على سَبَب جرحه: من تعصب مذهبي أَو غَيره لَا يلْتَفت إِلَى الْجرْح فِيهِ، بل يعْمل فِيهِ بِالْعَدَالَةِ، وَإِلَّا فَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب وأخذنا بِتَقْدِيم الْجرْح على إِطْلَاقه لما سلم لنا أحد من الْأَئِمَّة إِذْ مَا من إِمَام إِلَّا وَقد طعن فِيهِ طاعنون، وَهلك فِيهِ هالكون. وَقد عقد الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي " كتاب الْعلم " بَابا فِي حكم قَول الْعلمَاء بَعضهم فِي بعض، بَدَأَ فِيهِ بِحَدِيث: دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْبغضَاء والحسد. . الحَدِيث.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وروى بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - أَنه قَالَ: اسْتَمعُوا علم الْعلمَاء، وَلَا تصدقوا بَعضهم على بعض، فو الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَهُم أَشد تغايرا من التيوس فِي / الزريبة. وَعَن مَالك بن دِينَار - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -: يُؤْخَذ بقول (الْعلمَاء) والقراء فِي كل شَيْء إِلَّا قَول بَعضهم فِي بعض. . وَفِي " معِين الْحُكَّام " لِابْنِ عبد الرفيع الرفيع الْمَالِكِي: لَا تجوز شَهَادَة الْعَالم على مثله لأَنهم أَشد النَّاس تحاسدا وتباغضا وتباغيا.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ، غير أَنا لَا نَأْخُذ بِهِ على إِطْلَاقه بل الضَّابِط عندنَا أَن ثَابت الْعَدَالَة لَا يلْتَفت فِيهِ إِلَى قَول من تشهد الْقَرَائِن بِأَنَّهُ مُتَحَامِل عَلَيْهِ، لتعصب مذهبي أَو غَيره.
ثمَّ قَالَ ابْن عبد الْبر: الصَّحِيح أَن من ثبتَتْ عَدَالَته، وَصحت فِي الْعلم إِمَامَته لَا يلْتَفت فِيهِ إِلَى قَول أحد إِلَّا أَن يَأْتِي فِي جرحه بَينه، وَاسْتدلَّ بِأَن السّلف تكلم بَعضهم فِي بعض بِكَلَام مِنْهُ مَا حمل عَلَيْهِ التعصب أَو الْحَسَد، وَمِنْه مَا دعِي إِلَيْهِ التَّأْوِيل وَاخْتِلَاف الِاجْتِهَاد، وَقد حمل بَعضهم على بعض بِالسَّيْفِ تَأْوِيلا واجتهادا.
ثمَّ انْدفع إِلَى ذكر جمَاعَة من النظراء تكلم بَعضهم فِي بعض، وَعدم الِالْتِفَات إِلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى كَلَام ابْن معِين فِي الإِمَام الشَّافِعِي، وَقَالَ: إِنَّه مِمَّا نقم على ابْن معِين. وَذكر قَول أَحْمد: من أَيْن يعرف ابْن معِين الشَّافِعِي، هُوَ لَا يعرفهُ، من جهل شَيْئا عَادَاهُ.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ثمَّ ذكر ابْن عبد الْبر كَلَام ابْن أبي ذِئْب وَإِبْرَاهِيم بن أبي سعد فِي مَالك. قَالَ: وَقد تكلم - أَيْضا - فِي مَالك عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة، وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن / أسلم وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَابْن أبي يحيى وَابْن أبي الزِّنَاد وعابوا أَشْيَاء من مذْهبه، وَقد برأه الله مِمَّا قَالُوا (وَكَانَ عِنْد الله وجيها)
قَالَ: وَمَا مثل من تكلم فِي مَالك وَالْإِمَام الشَّافِعِي ونظائرهما
[ ٢ / ٣٧١ ]
إِلَّا كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: كناطح صَخْرَة يَوْمًا ليوهنها فَلم يَضرهَا وأوهى قرنه الوعل أَو كَمَا قَالَ الْحسن بن حميد:
(يَا ناطح الْجَبَل العالي ليكلمه أشْفق على الرَّأْس لَا تشفق على الْجَبَل) وَقد أحسن أَبُو الْعَتَاهِيَة حَيْثُ قَالَ:
(وَمن ذَا الَّذِي ينجوا من النَّاس سالما وَلِلنَّاسِ قَالَ بالظنون وَقيل) وَقيل لِابْنِ الْمُبَارك: فلَان يتَكَلَّم فِي أبي حنيفَة فَأَنْشد:
(حسدوا أَن رأوك فضلك الله بِمَا فضلت بِهِ النجبا)
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وَقيل لأبي عَاصِم النَّبِيل: فلَان يتَكَلَّم فِي أبي حنيفَة: قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ نصيب:
سلمت وَهل حَيّ من النَّاس يسلم
وَقَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي:
(حسدوا الْفَتى إِذا لم ينالوا سَعْيه فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم)
ثمَّ قَالَ ابْن عبد الْبر: فَمن أَرَادَ قبُول قَول الْعلمَاء الثِّقَات بَعضهم فِي بعض فليقبل قَول الصَّحَابَة بَعضهم فِي بعض، وَإِن فعل
[ ٢ / ٣٧٣ ]
فقد ضل ضلالا بَعيدا وخسر خسرانا مُبينًا، وَإِن لم يفعل وَلنْ يفعل. . إِن هداه الله فليقف عِنْد / مَا شرطناه فِي أَن لَا يقبل فِي صَحِيح الْعَدَالَة الْمَعْلُوم بِالْعلمِ عنايته قَول قَائِل لَا برهَان لَهُ. انْتهى.
وَهُوَ على حسنه غير صَاف عَن القذى والكدر، إِذْ لم يزدْ فِيهِ على قَوْله أَن من ثبتَتْ عَدَالَته ومعرفته لَا يقبل قَول جارحه إِلَّا ببرهان وَهَذَا قد ذكره الْعلمَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم جَمِيعًا، حَيْثُ قَالُوا: لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُفَسرًا، فَمَا الَّذِي زَاده عَلَيْهِم؟ . وَإِن أَرَادَ: أَن كَلَام النظير فِي نَظِيره، والعالم فِي مثله لَا يقبل فَيَنْبَغِي أَن لَا يُؤْخَذ بِإِطْلَاقِهِ. . بل يُقَال: إِن الْجَارِح لَا يقبل مِنْهُ الْجرْح وَإِن فسره فِي حق من غلبت طَاعَته مَعَاصيه، ومزكوه على جارحيه إِذا كَانَ ثمَّ قرينَة تدل على أَن الْحَامِل على ذَلِك تعصب مذهبي، أَو تنافس دُنْيَوِيّ كَمَا يكون بَين النظراء، مثلا لَا يلْتَفت إِلَى كَلَام ابْن أبي ذِئْب فِي مَالك وَابْن معِين فِي الإِمَام الشَّافِعِي، وَالنَّسَائِيّ فِي ابْن
[ ٢ / ٣٧٤ ]
صَالح لأَنهم أَئِمَّة مشهورين، فالجارح لَهُم كالآتي بِخَبَر غَرِيب لَو صَحَّ توفرت الدَّوَاعِي على نَقله، فَكَانَ الْقَاطِع قَائِما على كذبه. وَيَنْبَغِي أَن يتفقد عِنْد الْجرْح حَال العقائد واختلافها بِالنِّسْبَةِ للجارح والمجروح، وَرُبمَا. خَالف الْجَارِح الْمَجْرُوح فِي العقيدة فجرحه لذَلِك، وَإِلَيْهِ اشار الإِمَام الرَّافِعِيّ بقوله: يَنْبَغِي أَن يكون المزكون بُرَآء أَي من الشحناء / والعصبية فِي الْمَذْهَب لِئَلَّا يحملهم ذَلِك على جرح عدل أَو تَزْكِيَة فَاسق كَمَا وَقع لكثير من الْأَئِمَّة، وَقد أَشَارَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي " الاقتراح " إِلَيْهِ وَقَالَ: أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار، وقف على شفيرها طَائِفَتَانِ: المحدثون والحكام.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وَمن أَمْثِلَة قَول بَعضهم فِي البُخَارِيّ: تَركه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم من أجل مَسْأَلَة اللَّفْظ. فيا لله ايجوز لأحد أَن يَقُول فِي البُخَارِيّ مَتْرُوك مَعَ أَن الْحق فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ مَعَه إِذْ لَا يستريب عَاقل فِي أَن تلفظه من أَفعاله الْحَادِثَة الَّتِي هِيَ مخلوقة لله، وَإِنَّمَا أنكرها أَحْمد لبشاعة لَفظهَا وَهَذَا الذَّهَبِيّ من هَذَا الْقَبِيل، لَهُ علم وديانة وَعِنْده على أهل السّنة
[ ٢ / ٣٧٦ ]
تحمل مفرط، فَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ. قَالَ العلائي: الْحَافِظ الذَّهَبِيّ لَا اشك فِي دينه وورعه، لَكِن غلب عَلَيْهِ مَذْهَب الْإِثْبَات ومنافرة التَّأْوِيل حَتَّى أثر فِي طبعة انحرافا شَدِيدا عَن أهل التَّنْزِيه، وميلا إِلَى أهل الْإِثْبَات، وَإِذا ترْجم أحدهم يطنب فِي وَصفه ويبالغ ويتغافل عَن غلطاته، وَإِذا ذكر أحدا من الطّرف الآخر كإمام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ لَا يُبَالغ فِي وَصفه، وَيكثر من قَول الطاعنين فِيهِ، وَيُعِيد ذَلِك ويبديه، ويعتقده دينا، ويعرض عَن محاسنة الطافحة / وَإِذا ظفر لأَحَدهم بغلطة ذكرهَا، وَكَذَا فعل فِي أهل عصره إِن لم يقدر على أحد مِنْهُم بتصريح يَقُول: الله يصلحه، وَنَحْو ذَلِك، وَسَببه الْمُخَالفَة فِي العقيدة. انْتهى.
قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: وَالْحَال فِي حق شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَزِيد مِمَّا وصف، وَهُوَ شَيخنَا ومعلمنا لَكِن الْحق أَحَق أَن يتبع، وَقد وصل من تعصبه
[ ٢ / ٣٧٧ ]
المفرط إِلَى حد حقد يسخر مِنْهُ، وأخشى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من الْأَئِمَّة الَّذين حملُوا لنا الشَّرِيعَة فَإِن غالبهم أشاعرة، وَهُوَ إِذا وَقع بأشعري لَا يبْقى وَلَا يذر، وَالَّذِي اأركنا عَلَيْهِ الْمَشَايِخ النَّهْي عَن النّظر فِي كَلَامه، وَعدم اعْتِبَار قَوْله مَعَ قلَّة مَعْرفَته بمدلولات الْأَلْفَاظ، وَعدم ممارسته لعلوم الشَّرِيعَة. .، وَكَانَ إِذا ترْجم أحدا من عُلَمَاء الْمذَاهب الثَّلَاثَة - الْحَنَفِيَّة، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم - وَمد الْقَلَم لترجمته غضب غَضبا مفرطا، ثمَّ قرطم الْكَلَام ومزقه، ثمَّ هُوَ مَعَ ذَلِك غير خَبِير بمدلولات الْأَلْفَاظ، وَرُبمَا ذكر لَفْظَة من
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الذَّم لَو عقل مَعْنَاهَا لم ينْطق بهَا، ودائما أتعجب من ذكره فِي " الْمِيزَان " الْفَخر الرَّازِيّ والآمدي فِي الضُّعَفَاء مَعَ أَنَّهُمَا لَا رِوَايَة لَهما، وَلَا جرحهما أحد، وَلَا ضعفهما فِيمَا ينقلانه من الْعُلُوم. . ثمَّ إِنَّا لسنا نقُول: لَا تقبل شَهَادَة سني على بدعى مُطلقًا بل من شهد على آخر وَهُوَ مُخَالف لَهُ فِي / العقيدة أوجب مُخَالفَته لَهُ فِيهَا رِيبَة للْحَاكِم فَيتَوَقَّف إِلَى تبين الْحَال، وَقبُول شَهَادَة المبتدع لَا توجب دفع الرِّيبَة فَيجب الفحص والتثبت وَقد قَالَ ابْن الصّلاح: إمامان ابتليا بأصحابهما وهما بريئان مِنْهُمَا أَحْمد بن حَنْبَل بالمجسمة، وجعفر الصَّادِق بالرافضة.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد حَال الْجَارِح فِي الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة فَرب جَاهِل ظن الْحَلَال حَرَامًا، والمحمود مذموما فجرح بِهِ، وَمن ثمَّ أوجبوا التَّفْسِير. قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: حضرت بِمصْر مزكيا يجرح رجلا فَسئلَ عَن سَببه؟ فَقَالَ: يَبُول قَائِما. وَفِي " الْبَحْر " جرح رجل رجلا وَقَالَ: طين سطحه بطين حَوْض السَّبِيل.
وَمِمَّا يَنْبَغِي تفقده كَمَا قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْخلاف الْوَاقِع كثيرا بَين الصُّوفِيَّة والمحدثين. . والطامة الْكُبْرَى إِنَّمَا هِيَ فِي العقائد المثيرة للتعصب والتنافس على حطام الدُّنْيَا. . وَقد وصل حَال بعض المجسمة إِلَى أَن كتب " شرح مُسلم " للنووي وَحذف مِنْهُ
[ ٢ / ٣٨٠ ]
مَا تكلم بِهِ على أَحَادِيث الصِّفَات، فَإِن النَّوَوِيّ أشعري. . وَالْحَاصِل: إِن من تكلم فِي إِمَام اسْتَقَرَّتْ فِي الأذهان عَظمته، وتناقلت الروَاة ممادحه فقد جر الملام إِلَى نَفسه لَكِن لَا نقضي على من عرفت عَدَالَته إِذا جرح من لم يقبل مِنْهُ جرحه إِيَّاه بِالْفِسْقِ، بل يجوز أَن يكون واهما وَمن ذَا الَّذِي لَا يهم، وَأَن يكون / مؤولا، وَأَن يكون نَقله إِلَيْهِ من يرَاهُ صَادِقا ونراه نَحن كَاذِبًا. . ومعنا أصلان نستصحيهما إِلَى تَيَقّن خلافهما: اصل عَدَالَة الْمَجْرُوح الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عَظمته، وأصل عَدَالَة الْجَارِح فَلَا يلْتَفت إِلَى جرحه وَلَا نجرحه بجرحه فاحفظه فَهُوَ من الْمُهِمَّات. . وَهَذَا لَا يُخَالف
[ ٢ / ٣٨١ ]
قَوْلهم: الْجرْح مقدم، فَإِنَّهُم إِنَّمَا عنوا حَالَة تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِذا تَعَارضا لأمر من جِهَة التَّرْجِيح قدم الْجرْح، وتعارضهما هُوَ اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا (لِأَن هَذَا شَأْن المتعارضين إِمَّا لَو لم يَقع اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا) فَلَا تعَارض، بل الْعَمَل بأقوى الظنين من جرح أَو تَعْدِيل، (وَفِي) مَا نَحن فِيهِ لم يتعارضا لِأَن غَلَبَة الظَّن بِالْعَدَالَةِ قَائِمَة، وَهَذَا كَمَا أَن عدد الْجَارِح إِذا كَانَ (أَكثر) قدم الْجرْح إِجْمَاعًا إِذْ لَا تعَارض وَالْحَالة هَذِه، وَلَا يَقُول أحد بِتَقْدِيم التَّعْدِيل لَا من قَالَ بتقديمة عِنْد التَّعَارُض وَلَا غَيره، وعبارتنا فِي " جمع الْجَوَامِع ": الْجرْح مقدم إِن كَانَ الْجَارِح أَكثر من الْمعدل إِجْمَاعًا، وَكَذَا إِن تَسَاويا، أَو كَانَ الْجَارِح أقل. وَقَالَ ابْن شعْبَان: يطْلب التَّرْجِيح. انْتهى.
وَفِيه زِيَادَة على مَا فِي مختصرات أصُول الْفِقْه، فَإنَّا نبهنا فِيهِ على
[ ٢ / ٣٨٢ ]
الْإِجْمَاع وَلم ينبهوا عَلَيْهِ، حكينا مقَالَة ابْن شعْبَان - وَهِي غَرِيبَة - وَلم يذكروها فأشرنا بقولنَا يطْلب التَّرْجِيح إِلَى أَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي حَال التَّعَارُض لِأَن طلب التَّرْجِيح إِنَّمَا هُوَ فِي تِلْكَ الْحَالة. .
إِذا عرف هَذَا علم أَنه لَيْسَ كل جرح مقدما وَقد عقد شَيخنَا / الذَّهَبِيّ فصلا فِي جمَاعَة لَا يعبأ بالْكلَام فيهم بل هم ثِقَات على رغم أَنفه.
نختم هَذِه الْقَاعِدَة بفائدتين لَا تراهما لغيرنا:
١ - إِحْدَاهمَا: أَن قَوْلهم: لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُفَسّر إِنَّمَا هُوَ فِي جرح من ثبتَتْ عَدَالَته واستقرت، فَإِذا أَرَادَ رَافع رَفعهَا بِالْجرْحِ؟ قيل لَهُ: ائْتِ ببرهان (عَلَيْهِ) .
أَو فِيمَن لم يعرف حَاله لَكِن ابتدره جارحان ومزكيان فَيُقَال للجارحين فسرا مَا رميتماه بِهِ
[ ٢ / ٣٨٣ ]
٢ - الثَّانِيَة: أَنا لَا نطلب التَّفْسِير من كل أحد بل حَيْثُ يحْتَمل الْحَال شكا، لاخْتِلَاف فِي الِاجْتِهَاد، أَو لتهمة يسيرَة فِي الْجَارِح، أَو نَحوه مِمَّا لَا يُوجب سُقُوط قَول الْجَارِح، وَلَا يَنْتَهِي أَي الِاعْتِبَار بِهِ على الْإِطْلَاق، بل يكون بَين بَين، أما لَو انْتَفَت الظنون واندفعت التهم، وَكَانَ الْجَارِح حبرًا من أَحْبَار الْأمة مبرءا عَن مظان التُّهْمَة. أَو كَانَ الْمَجْرُوح مَشْهُور الضعْف فَلَا نتلعثم عِنْد جرحه وَلَا نحوج الْجَارِح إِلَى تَفْسِير، بل طلب التَّفْسِير مِنْهُ لَا حَاجَة إِلَيْهِ فنقبل قَول ابْن معِين فِي إِبْرَاهِيم بن شُعَيْب الْمدنِي شيخ روى عَنهُ ابْن وهب: أَنه لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي إِبْرَاهِيم بن يزِيد الْمَدِينِيّ أَنه ضَعِيف. وَفِي الْحُسَيْن بن الْفرج أَنه
[ ٢ / ٣٨٤ ]
كَذَّاب . . وَإِن لم يبين الْجرْح، لِأَنَّهُ إِمَام مقدم فِي هَذِه الصِّنَاعَة وَلَا يقبل قَوْله فِي الشَّافِعِي وَلَو فسر وأتى بِأَلف إِيضَاح لقِيَام الْقَاطِع على أَنه غير محق بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
فَاعْتبر مَا أَشَرنَا / إِلَيْهِ فِي ابْن معِين وَغَيره واحتفظ بِمَا ذَكرْنَاهُ تنْتَفع بِهِ. إِلَى هُنَا كَلَام السُّبْكِيّ:
[ ٢ / ٣٨٥ ]
معرفَة الكنى
فصل: وَمن المهم فِي هَذَا الْفَنّ معرفَة كنى المسمين مِمَّن اشْتهر باسمه. لَو قَالَ نعر كنيته لَكَانَ اشمل. نبه عَلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين.
وَله كنية لَا يُؤمن أَن يَأْتِي فِي بعض الرِّوَايَات مكنيا لِئَلَّا يظنّ أَنه آخر. وَمَعْرِفَة أَسمَاء المكنين وَهُوَ عكس الَّذِي قبله. لِأَنَّهُ قد يَأْتِي فِي بعض الرِّوَايَات مُسَمّى باسمه فيظن أَنه غَيره.
وَمَعْرِفَة من اسْمه كنيته بِأَن لَا يكون لَهُ اسْم غَيرهَا وَلَا كنيته غَيرهَا كَأبي بِلَال الْأَشْعَرِيّ وهم قَلِيل وغالب الروَاة لكل مِنْهُم اسْم وكنية، فَتَارَة يشْتَهر باسمه وَتارَة يشْتَهر بكنيته.
وَمَعْرِفَة من عرف بكنيته وَلم يُوقف على اسْمه فَلم يدر هَل كنيته اسْمه كَأبي شيبَة الْخُدْرِيّ من الصَّحَابَة.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وَمَعْرِفَة من لقب بكنيته كَأبي الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ اسْمه عبد الله وكنيته أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو الشَّيْخ لقب.
وَمَعْرِفَة من قد اخْتلف فِي كنيته وهم كثير.
وَمَعْرِفَة من كثرت كناه كَابْن جريح لَهُ كنيتان أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو خَالِد.
وَمَعْرِفَة من كثرت كناه كَذَا عبر الْمُؤلف - رَحمَه الله تَعَالَى - قَالَ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَلَو عبر بتعددت بدل كثرت لَكَانَ أولى، لَكِن لَعَلَّ الْكَثْرَة فِي كَلَامه بِإِزَاءِ الْوحدَة وَهُوَ خلاف الظَّاهِر الْمُتَبَادر.
وَمَعْرِفَة من كثرت نعوته وألقابه وهم كثير.
وَمَعْرِفَة من اتّفق على اسْمه وَاخْتلف فِي كنيته، وَقد صنف فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين كأسامة بن زيد الْحبّ يكنى أَبَا يزِيد أَو أَبَا مُحَمَّد، أَو أَبَا خَارِجَة أَو أَبَا عبد الله أَقْوَال.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وَمَعْرِفَة من اخْتلف فِي اسْمه وَاتفقَ على كنيته كَأبي هُرَيْرَة فِي اسْمه نَحْو ثَلَاثِينَ قولا.
وَمَعْرِفَة من اخْتلف فِي اسْمه وكنيته مَعًا كسفينة مولى رَسُول الله وَهُوَ لقبه، واسْمه صَالح أَو مهْرَان أَو عُمَيْر أَقْوَال. وكنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَقيل: أَبُو البخْترِي.
وَمَعْرِفَة من لم يخْتَلف فِي اسْمه وَلَا فِي كنيته كأئمة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة.
وَمَعْرِفَة من اشْتهر باسمه دون كنيته كطلحة أبي مُحَمَّد وَالزُّبَيْر
[ ٢ / ٣٨٩ ]
أبي عبد الله.
وَمَعْرِفَة من اشْتهر بكنيته دون اسْمه كَأبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح.
وَمَعْرِفَة من وَافَقت كنيته اسْم أَبِيه كَأبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْمدنِي أحد أَتبَاع التَّابِعين.
قَالَ المُصَنّف: الْمَدِينِيّ نِسْبَة إِلَى مَدِينَة مَا، وَالْمَدَنِي إِلَى مَدِينَة الرَّسُول، وَلم يشذ عَن هَذَا الأَصْل إِلَّا عَليّ بن الْمَدِينِيّ فَإِن وَالِده من أهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة.
وَفَائِدَة مَعْرفَته: نفي الْغَلَط عَمَّن نسبه إِلَى أَبِيه فَقَالَ أنبا ابْن إِسْحَاق وَنسبه إِلَى التَّصْحِيف وَأَن الصَّوَاب انبا أَبُو إِسْحَاق. ليحصل التَّمْيِيز
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وينتفي الْغَلَط.
أَو بِالْعَكْسِ كإسحاق بن أبي إِسْحَاق السبيعِي بِفَتْح فَكسر نسبته إِلَى سبيع بطن من هَمدَان. وَقيل: إِلَى مَحل السبيع بِالْكُوفَةِ.
أَو وَافَقت كنيته كنية زَوجته كَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَأم أَيُّوب صحابيان مشهوران. وكأبي الدَّرْدَاء وَزَوجته أم الدَّرْدَاء كَذَلِك قَالَ (الْجلَال) السُّيُوطِيّ. وَقد رَأَيْت فِي هَذَا النَّوْع تأليفا لطيفا
[ ٢ / ٣٩١ ]
واختصرته أَو وَافق اسْم شَيْخه اسْم أَبِيه كالربيع بن أنس عَن أنس، هَكَذَا يَأْتِي فِي الرِّوَايَات، فيظن أَنه يروي عَن أَبِيه كَمَا وَقع فِي الصَّحِيح عَن عَامر بن سعد عَن سعد وَهُوَ أَبوهُ، وَلَيْسَ أنس شيخ الرّبيع وَالِده بل أَبوهُ بكري، وَشَيْخه أَنْصَارِي وَهُوَ أنس بن مَالك الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَلَيْسَ الرّبيع الْمَذْكُور من أَوْلَاده.
وَمَعْرِفَة من نسب إِلَى غير أَبِيه وَفَائِدَته: دفع توهم التَّعَدُّد عِنْد نسبتهم إِلَى أبائهم كالمقداد بن الْأسود، نِسْبَة إِلَى أسود الزُّهْرِيّ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
(بِضَم الزَّاي نِسْبَة إِلَى زهرَة بن كلاب بن مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي) لكَونه تبناه وَإِنَّمَا هُوَ الْمِقْدَاد بن عَمْرو قَالَ المُصَنّف - ﵀ -: قد نسب عَمْرو إِلَى كِنْدَة / وَلَيْسَ هُوَ من كِنْدَة وَإِنَّمَا هُوَ مهراني نزل كِنْدَة فنسب إِلَيْهَا فاتفق لَهُ مَا اتّفق لوَلَده. وكالحسن بن دِينَار - أحد الضُّعَفَاء - هُوَ زوج أمه وَأَبوهُ وَاصل.
أَو إِلَى أمه كَابْن علية - هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مقسم أحد
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الثِّقَات، وَعليَّة اسْم أمه اشْتهر بهَا. وَهِي بنت حسان مولاة بني شَيبَان وَكَانَ لَا يحب أَن يُقَال لَهُ ابْن علية، وَلِهَذَا كَانَ الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - يَقُول: أنبا إِسْمَاعِيل الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن علية: وَزعم عَليّ بن حجر أَنَّهَا لَيست أمه بل جدته أم أمه.
وكبلال بن حمامة الحبشي الْمُؤَذّن، أَبوهُ رَبَاح، وَسُهيْل وَسَهل وَصَفوَان بَنو بَيْضَاء، أبوهم وهب بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر الْقرشِي الفِهري.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَقد صنف فِي هَذَا الْقسم الْحَافِظ عَلَاء الدّين مغلطاي تصنيفا حسنا، وَذكر النَّوَوِيّ فِي " التَّهْذِيب " أَنه ألف فِيهِ جُزْءا وَلم نقف عَلَيْهِ.
أَو نسب إِلَى غير مَا يسيق إِلَى الْفَهم. لِأَن الرَّاوِي قد ينْسب إِلَى مَكَان، أَو وقْعَة بِهِ أَو قَبيلَة، أَو صَنْعَة، وَلَيْسَ الظَّاهِر الَّذِي يسْبق إِلَى الْفَهم من تِلْكَ النِّسْبَة مرَادا بل لعَارض عرض من نُزُوله إِلَى ذَلِك الْمَكَان أَو تِلْكَ الْقَبِيلَة وَنَحْو ذَلِك.
كالحذاء بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة ممدودا، فَهُوَ خَالِد ابْن مهْرَان ظَاهره أَنه مَنْسُوب رلى صناعتها أَو بيعهَا وَلَيْسَ / كَذَلِك، إِنَّمَا كَانَ مجَالِسهمْ فنسب إِلَيْهِم وكسليمان
[ ٢ / ٣٩٥ ]
التَّيْمِيّ، لم يكن من بني تَمِيم وَلَكِن نزل فيهم أَي بني تَمِيم، فنسب إِلَيْهِم. وكأبي مَسْعُود عقبَة بن (عَمْرو) الْأنْصَارِيّ الخرزجي البدري لم يشهدها فِي قَول الْأَكْثَرين بل نزلها، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: سكنها، وَقَالَ البُخَارِيّ: شَهِدَهَا. وَكَذَا من نسب إِلَى جده فَلَا يُؤمن التباسه بِمن وَافق اسْمه. . وَاسم أَبِيه اسْم الْجد الْمَذْكُور قَالَ المُصَنّف - رَحمَه الله تَعَالَى -:
[ ٢ / ٣٩٦ ]
كمحمد بن بشر، (وَمُحَمّد بن السَّائِب بن بشر)، الأول ثِقَة وَالثَّانِي ضَعِيف، وينسب رلى جده فَيحصل اللّبْس، وَقد وَقع ذَلِك فِي الصَّحِيح وَغَيره. وكأبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وعامر بن عبد الله بن الْجراح. وَأحمد بن حَنْبَل هُوَ ابْن مُحَمَّد بن حَنْبَل.
وَمَعْرِفَة من اتّفق اسْمه وَاسم أَبِيه وجده كالحسن بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَقد يَقع أَكثر من ذَلِك. وكأحمد ابْن جَعْفَر بن حمدَان أَرْبَعَة كلهم يروون عَمَّن يُسمى عبد الله،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وَكلهمْ فِي عصر وَاحِد:
١ - أحدهم: الْقطيعِي أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ روى عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل وَعنهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ.
٢ - الثَّانِي: السَّقطِي أَبُو بكر الْبَصْرِيّ، روى عَن عبد الله بن أَحْمد الدَّوْرَقِي، وَعنهُ أَبُو نعيم - أَيْضا -.
٣ - الثَّالِث: الدينَوَرِي روى عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سِنَان.
٤ - طرسوسي، روى عَن عبد الله بن جَابر الطرسوسي.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وَهُوَ من فروع المسلسل. وَقد يتَّفق الِاسْم وَاسم الْأَب مَعَ اسْم الْجد وَاسم الْأَب فَصَاعِدا كَأبي الْيمن الْكِنْدِيّ. س بِضَم فَسُكُون، نِسْبَة إِلَى كِنْدَة قَرْيَة بسمرقند. قيل: بِالْكَسْرِ إِلَى كِنْدَة قَبيلَة من الْيمن. هُوَ زيد بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن زيد بن الْحسن.
أَو يتَّفق اسْم الرَّاوِي فاسم شَيْخه وَشَيخ شَيْخه فَصَاعِدا.
كعمران عَن عمرَان عَن عمرَان، أَن الأول يعرف الْقصير
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَالثَّانِي أَبُو رَجَاء العطاردي بِالضَّمِّ نِسْبَة إِلَى عُطَارِد جده، وَقيل، بطن من تَمِيم، وَالثَّالِث ابْن حُصَيْن الْهَمدَانِي الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور.
وكسليمان (عَن سُلَيْمَان) عَن سُلَيْمَان، الأول: ابْن أَحْمد بن أَيُّوب الطَّبَرَانِيّ بِفَتَحَات، نِسْبَة إِلَى طبرية مَدِينَة بالأردن وَالثَّانِي: ابْن أَحْمد الوَاسِطِيّ بِكَسْر الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى وَاسِط مَدِينَة بالعراق مَشْهُورَة. وَالثَّالِث: ابْن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن بنت شُرَحْبِيل.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وَقد يَقع ذَلِك للراوي ولشيخه مَعًا قَالَ بَعضهم: كَانَ الأولى جعله هَذَا قبل قَوْله: أَو يتَّفق اسْم الرَّاوِي وَاسم شَيْخه إِلَى آخِره. ليَكُون نوعا من قَوْله: وَقد يتَّفق الِاسْم وَاسم الْأَب مَعَ الِاسْم. . إِلَى آخِره ولترجع الْإِشَارَة إِلَيْهِ من ذَلِك كَمَا هُوَ الْمُنَاسب، وَقد جعله كَذَلِك التقي الشمني فِي شَرحه لنظم وَالِده للنخبة.
كَأبي الْعَلَاء الْهَمدَانِي قَالَ الْمنصف ﵀: الهمذاني بِفَتْح الْهَاء وَالْمِيم والذال الْمُعْجَمَة / نِسْبَة إِلَى الْبَلَد. وبسكون الْمِيم وإهمال الدَّال نِسْبَة إِلَى الْقَبِيلَة.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وَمن الأول مَا فِي الْكتاب الْعَطَّار مَشْهُور بالرواية عَن أبي عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ (الْحداد، وكل مِنْهُمَا اسْمه الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن ابْن أَحْمد بن) الْحسن بن أَحْمد فاتفقا فِي ذَلِك، وافترقا فِي الكنية وَالنِّسْبَة إِلَى الْبَلَد والصناعة، وصنف فِيهِ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ جُزْءا حافلا.
وَمَعْرِفَة من اتّفق اسْم شَيْخه والراوي عَنهُ، وَهُوَ نوع لطيف لم يتَعَرَّض لَهُ ابْن الصّلاح.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَفَائِدَته: رفع اللّبْس عَمَّن يظنّ أَن فِيهِ تَكْرَارا وانقلابا، فَمن أمثلته البُخَارِيّ روى عَن مُسلم وروى عَنهُ مُسلم، فشيخه مُسلم بن ابراهيم الفراديسي بِفتْحَتَيْنِ وَكسر الْمُهْملَة وسين مُهْملَة نِسْبَة إِلَى بَاب الفراديس بِدِمَشْق الْبَصْرِيّ. والراوي عَنهُ مُسلم بن حجاج الْقشيرِي صَاحب الصَّحِيح.
وَكَذَا وَقع ذَلِك لعبد بن حميد - أَيْضا - روى عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وروى عَنهُ مُسلم بن الْحجَّاج فِي صَحِيحه حَدثنَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بِعَينهَا. وَمِنْهَا يحيى بن أبي كثير روى عَن هِشَام وروى عَنهُ هِشَام، فشيخه هِشَام بن عُرْوَة وَهُوَ من أقرانه، والراوي عَنهُ ابْن ابي عبد الله الدستوَائي. بِفَتْح فَسُكُون وَضم الْفَوْقِيَّة نِسْبَة إِلَى دستواء بلد بالأهواز، وَقيل: إِلَى ثِيَاب تجلب مِنْهَا.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَمِنْهَا: ابْن جريج روى عَن هِشَام، وروى عَنهُ هِشَام فالأعلى: ابْن عُرْوَة، والأدنى ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ بِفَتْح فَسُكُون ومهملة وَآخره نون نِسْبَة إِلَى / صنعاء مَدِينَة بِالْيمن.
وَمِنْهَا: الحكم بن عتيبة روى عَن ابْن أبي ليلى وَعنهُ ابْن أبي ليلى، فالأعلى عبد الرَّحْمَن والأدنى مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور، وأمثلته كَثِيرَة.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
معرفَة الْأَسْمَاء الْمُجَرَّدَة
وَمن المهم فِي هَذَا الْفَنّ معرفَة الْأَسْمَاء الْمُجَرَّدَة أَي عَن الكنى، والأنساب، الألقاب، كَذَا عبر الْمُؤلف - ﵀ -.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ إِن كَانَ مُرَاده بالمجردة الَّتِي لَا تفِيد بكونهم ثِقَات، أَو ضعفاء، أَو رجال كتاب مَخْصُوص فَلَا يظْهر معنى قَوْله وَمِنْهُم من جمعهَا بِغَيْر قيد وَيرجع ذَلِك للكتب الْمُؤَلّفَة فِيهَا.
وَقد جمعهَا جمَاعَة من الْأَئِمَّة: فَمنهمْ من جمعهَا بِغَيْر قيد كَابْن سعد فِي (الطَّبَقَات)، وَابْن أَبى خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة، وَفتح الْمُثَلَّثَة وَالْمِيم وَالْبُخَارِيّ فِي تاريخهما، وَابْن أبي حَاتِم فِي (الْجرْح التَّعْدِيل) .
وَمِنْهُم من أفرد الثِّقَات: كالعجلي، وَابْن حبَان، وَابْن شاهين.
وَمِنْهُم من أفرد الْمَجْرُوحين: كَابْن عدي وَابْن حبَان أَيْضا.
وَمِنْهُم من تقيد بِكِتَاب مَخْصُوص (كرجال البُخَارِيّ) لأبي نصر
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الكلاباذي بِفَتْح الْكَاف، وَتَخْفِيف اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَرِجَال مُسلم لأبي بكر ابْن منجوية بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة ورجالهما مَعًا لأبي الْفضل بن طَاهِر وَلابْن رسْلَان الرَّمْلِيّ صَاحب الزّبد وَرِجَال أبي / دَاوُد لأبي عَليّ الجياني بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَنون وَكَذَا رجال التِّرْمِذِيّ وَرِجَال النَّسَائِيّ
[ ٢ / ٤٠٦ ]
لجَماعَة من المغاربة وَمن هَذِه الْجَمَاعَة: الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّوْرَقِي لَهُ لكل مِنْهُمَا كتاب مُفْرد مُسْتَقل.
وَرِجَال الْكتب السِّتَّة: الصَّحِيحَيْنِ، وَأبي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه " الْكَمَال " ثمَّ هذبه الْمزي فِي " تَهْذِيب الْكَمَال " (قَالَ المُصَنّف): وَقد لخصته وزدت عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة، وسميته " تَهْذِيب التَّهْذِيب " وَجَاء مَعَ مَا
[ ٢ / ٤٠٧ ]
اشْتَمَل عَلَيْهِ من الزِّيَادَات قدر ثلث الأَصْل
وَمِنْهُم من أفرد رجال مسانيد الإِمَام الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَأحمد وَمَالك ومعاجم الطَّبَرَانِيّ الثَّلَاثَة، وَغير ذَلِك.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
معرفَة الْأَسْمَاء المفردة
وَمن المهم - أَيْضا - معرفَة الْأَسْمَاء المفردة وَهِي الَّتِي لم يُشَارك من يُسمى بِشَيْء مِنْهَا غَيره فِيهَا.
وَقد صنف فِيهَا: الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن هَارُون البرديجي بِفَتْح الْمُوَحدَة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمُهْملَة وتحتيه وجيم، نِسْبَة إِلَى برديج قَرْيَة بِقرب بردعة وَهِي بلد إِلَى بِأَذربِيجَان فَذكر
[ ٢ / ٤٠٩ ]
أَشْيَاء تعقبوا عَلَيْهِ بَعْضهَا. فَمِمَّنْ تعقب عَلَيْهِ أَبُو عبد الله بن بكير، فاستدرك عَلَيْهِ مَوَاضِع لَيست بمفاريد. . وَمن ذَلِك قَوْله: صغدي بن سِنَان أحد / الضُّعَفَاء - وَهُوَ بِضَم الْمُهْملَة وَقد تبدل سينا مُهْملَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا دَال مُهْملَة ثمَّ يَاء كياء النّسَب، وَهُوَ اسْم علم بِلَفْظ النّسَب، وَلَيْسَ هُوَ فَردا فَفِي (كتاب) " الْجرْح وَالتَّعْدِيل " لِابْنِ أبي حَاتِم (أَي لعبد الرَّحْمَن ابْن أبي حَاتِم الرَّازِيّ. .) صغدي الْكُوفِي، وثقة ابْن معِين، وَفرق بَينه وَبَين الَّذِي قبله فضعفه (يَعْنِي ابْن أبي حَاتِم) . كَذَا ذكره الشَّيْخ قَاسم.
[ ٢ / ٤١٠ ]
وَفِي " تَارِيخ الْعقيلِيّ " بِالتَّصْغِيرِ صغدي بن عبد الله يروي عَن قَتَادَة. قَالَ الْعقيلِيّ: حَدِيثه غير مَحْفُوظ انْتهى وَأَظنهُ هُوَ الَّذِي ذكره ابْن أبي حَاتِم. يَعْنِي صغدي الْكُوفِي وَأما كَون الْعقيلِيّ ذكره فِي " الضُّعَفَاء " فَإِنَّمَا هُوَ للْحَدِيث الَّذِي ذكره، وَلَيْسَ الآفة مِنْهُ بل هِيَ من الرَّاوِي عَنهُ عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَسُكُون النُّون، وَفتح الْمُوَحدَة التَّحْتِيَّة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن عبد الرَّحْمَن.
وَمن ذَلِك: سندر - بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال
[ ٢ / ٤١١ ]
الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة بِوَزْن جَعْفَر وَهُوَ الْخصي مولى زنباع بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة التَّحْتِيَّة وَعين مُهْملَة. الجذامي بِكَسْر الْجِيم وذال مُعْجمَة مُخَفّفَة لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة نزل مصر وَالْمَشْهُور أَنه يكنى أَبَا عبد الله باسم ابْنه وَهُوَ اسْم فَرد لَا يسم بِهِ غَيره - فِيمَا نعلم - لَكِن ذكر أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي / كتاب الذيل لَهُ على معرفَة الصَّحَابَة لِابْنِ مندة بِفَتْح الْمِيم، وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة سندرا أَو الْأسود، وروى لَهُ حَدِيثا
[ ٢ / ٤١٢ ]
وَاحِدًا ففهم بَعضهم من ذَلِك أَنَّهُمَا اثْنَان فَاعْترضَ على ابْن الصّلاح فِي دَعْوَى أَنه فَرد.
وَتعقب عَلَيْهِ ذَلِك فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي ذكره ابْن مَنْدَه، وَقد ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور مُحَمَّد بن ربيع الجيزي بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى الْبَلَد الْمَشْهُور الْمُقَابلَة للفسطاط بِمصْر.
فِي تَارِيخ الصَّحَابَة. . الَّذين نزلُوا مصر فِي تَرْجَمَة سندر مولى زنباع، وَقد حررت ذَلِك فِي كتابي الْمُسَمّى ب " الْإِصَابَة فِي معرفَة الصَّحَابَة " بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فليراجعه من أَرَادَ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
معرفَة الكنى والألقاب الْمُجَرَّدَة
وَكَذَا معرفَة الكنى والألقاب الْمُجَرَّدَة، وَهِي تَارَة تكون بِلَفْظ الِاسْم، وَتارَة بِلَفْظ الكنية، وَتَقَع نِسْبَة إِلَى عاهة أَو حِرْفَة.
والعاهة: كالأعمش، والأعرج، والأعور، والضال لقب مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم لِأَنَّهُ ضل فِي طَرِيق مَكَّة.
وَقد صنف فِي هَذَا النَّوْع جمع مِنْهُم: ابْن الْجَوْزِيّ، والشيرازي، وللجلال السُّيُوطِيّ فِي تأليف وجيز سَمَّاهُ " كشف
[ ٢ / ٤١٤ ]
النقاب فِي معرفَة الألقاب ".
والحرفة (كالبزار) .
[ ٢ / ٤١٥ ]
معرفَة الْأَنْسَاب
وَكَذَا الْأَنْسَاب: وَهِي تَارَة تقع إِلَى الْقَبَائِل وَهُوَ فِي الْمُتَقَدِّمين أكثري / بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرين. قَالَ المُصَنّف - رَحمَه الله تَعَالَى -: (لِأَن الْمُتَقَدِّمين) كَانُوا يعتنون بِحِفْظ أنسابهم، وَلَا يسكنون المدن والقرى غَالِبا بِخِلَاف الْمُتَأَخِّرين.
وَتارَة إِلَى الأوطان، وَهَذَا فِي الْمُتَأَخِّرين أكثري بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَقَدِّمين، لما ذكر (وَالنِّسْبَة إِلَى) الوطن أَعم من أَن يكون بلادا أَو ضيَاعًا، أَو سككا، أَو مجاورة، وَتَقَع إِلَى الصَّنَائِع كالخياط والحرف كالبزار، وَيَقَع فِيهَا الِاشْتِبَاه والاتفاق كالأسماء. وَلابْن السَّمْعَانِيّ كتاب عَظِيم فِي ذَلِك فِي مجلدات، وَألف فِيهِ قبله
[ ٢ / ٤١٦ ]
الرشاطي وَاخْتصرَ ابْن الْأَثِير كتاب ابْن السَّمْعَانِيّ وَزَاد عَلَيْهِ شَيْئا قَلِيلا فِي كتاب سَمَّاهُ " اللّبَاب فِي معرفَة الْأَنْسَاب "، (وَاخْتَصَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي كتاب سَمَّاهُ " لب اللّبَاب فِي معرفَة الْأَنْسَاب ") . وَقد تقع الْأَنْسَاب ألقابا كخالد مخلد بن الْقَطوَانِي بِفَتْح الْقَاف والطاء وَالْوَاو كَانَ كوفيا، ويلقب الْقَطوَانِي وَكَانَ يغْضب مِنْهَا إِذا لقب بهَا.
وَمن المهم - أَيْضا - معرفَة أَسبَاب ذَلِك - أَي الألقاب وَالنّسب - بِكَسْر النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة، جمع نِسْبَة بِكَسْر فَسُكُون. الَّتِي بَاطِنهَا على خلاف ظَاهرهَا.
[ ٢ / ٤١٧ ]
معرفَة الموَالِي
وَمَعْرِفَة الموَالِي من أَعلَى وَهُوَ الَّذِي معتقيه (سائبة) من الْعَرَب وَمن أَسْفَل وَهُوَ الَّذِي مُعْتقه عَتيق الآخر فَإِنَّهُ قد ينْسب إِلَى الْقَبِيلَة مولى مَوْلَاهَا وَالظَّاهِر أَن الْأَعْلَى والأسفل خَاص بِالرّقِّ كَمَا هُوَ صَرِيح صَنِيع التقي / الشمني فِي " شَرحه لنظم النخبة "
بِالرّقِّ، أَو بِالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، أَو بِالْإِسْلَامِ لِأَن كل ذَلِك يُطلق عَلَيْهِ مولى، وَلَا يعرف تَمْيِيزه إِلَّا بالتنصيص عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٤١٨ ]
معرفَة الْأُخوة وَالْأَخَوَات
وَمَعْرِفَة الْأُخوة وَالْأَخَوَات من الْعلمَاء، والرواة كَذَلِك وَقد صنف فِيهِ القدماء كعلي بن الْمَدِينِيّ، وَمُسلم بن لحجاج وَمِثَال ذَلِك فِي الصحافة: عمر وَزيد ابْنا الْخطاب وَعبد الله وَعتبَة ابْنا مَسْعُود.
وَمن لطيفه أَن ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة وَقَعُوا فِي إِسْنَاد وَاحِد، فَفِي " الْعِلَل " للدارقطني من طَرِيق هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أَخِيه يحيى بن سِيرِين عَن أَخِيه أنس بن سِيرِين عَن مَوْلَاهُ
[ ٢ / ٤١٩ ]
أنس بن مَالك أَن رَسُول الله قَالَ: لبيْك حجَّة حَقًا تعبدا وَرقا.
وَذكر ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي: أَن مُحَمَّد بن سِيرِين رَوَاهُ عَن أَخِيه (يحيى عَن أَخِيه) معبد عَن أَخِيه أنس.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
معرفَة آدَاب الشَّيْخ والطالب
وَمن المهم - أَيْضا - معرفَة آدَاب الشَّيْخ والطالب وَقد جَعلهمَا المحدثون على مَرَاتِب:
١ - أَولهَا الطَّالِب: وَهُوَ الْمُبْتَدِئ.
٢ - ثمَّ الْمُحدث: وَهُوَ من تحمل رِوَايَته واعتنى بدرايته.
٣ - ثمَّ الْحَافِظ: وَهُوَ من حفظ مائَة ألف حَدِيث متْنا وإسنادا، وَلَو بِتَعَدُّد الطّرق والأسانيد. أَو من روى ووعى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
٤ - ثمَّ الْحجَّة: وَهُوَ من أحَاط / بثلاثمائة ألف حَدِيث كَذَلِك.
٥ - ثمَّ الْحَاكِم: وَهُوَ من أحَاط بِجَمِيعِ الْأَحَادِيث المروية. ذكره المطري. ويشتركان فِي تَصْحِيح النِّيَّة لِأَن أصل كل عمل (وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين) قَالُوا: الْإِخْلَاص هُوَ النِّيَّة وَخبر " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ".
فَيَنْبَغِي أَن يبْدَأ كل مِنْهُمَا بتصحيح نِيَّته فِي الإفادة والطلب، خَالِصا
[ ٢ / ٤٢١ ]
لله لَا لغَرَض من الْأَغْرَاض. . الدُّنْيَوِيَّة، قَالَ حَمَّاد بن سَلمَة: من طلب الحَدِيث لغير الله مكر بِهِ.
والتطهير من أغراض الدُّنْيَا فَإِن قصد التَّوَصُّل بِهِ إِلَيْهَا مَحْظُور عَظِيم.
وتحسين الْخلق بِضَمَّتَيْنِ أَي أَخذ النَّفس بالأداب السّنيَّة الفاضلة، والابتهال إِلَى الله ﵎ فِي حُصُول التَّوْفِيق والتيسير، وَصدق اللهجة، وَهُوَ أساس هَذَا الْعلم.
وينفرد الشَّيْخ بِأَن يسمع بِضَم أَوله وَكسر ثالثه إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ وَإِن لم يكن فِي سنّ يسن فِيهِ التحديث وَهُوَ من خمسين سنة إِلَى ثَمَانِينَ، فمدار الإسماع فِي الْحَقِيقَة على الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ وَإِن لم يبلغ عشْرين سنة، فقد حدث البُخَارِيّ وَمَا فِي وَجهه شَعْرَة.
وَلَا يحدث بِبَلَد فِيهِ من هُوَ أولى مِنْهُ بِالتَّحْدِيثِ بل يرشد إِلَيْهِ أَي إِلَى من هُوَ أولى مِنْهُ.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وَلَا يتْرك إسماع أحد لنِيَّة فَاسِدَة، وَأَن يتَطَهَّر وَيجْلس بوقار / وَلَا يحدث قَائِما وَلَا عجلا، وَلَا فِي الطَّرِيق إِلَّا إِن اضْطر إِلَى ذَلِك وَأَن يمسك عَن التحديث إِذا خشِي التَّغَيُّر أَو النسْيَان أَو لمَرض، أَو هرم، وَإِذا اتخذ مجْلِس الْإِمْلَاء أَن يكون لَهُ مستملي يقظ وَعَلِيهِ أَن يتبع السّنة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَلَا يتعصب لإمامه، ويورد الحَدِيث بِصَوْت حسن فصيح.
وينفرد الطَّالِب بِأَن يوقر الشَّيْخ وَلَا يضجره، ويرشد غَيره لما سَمعه، وَلَا يدع الاستفادة لحياء، أَو تكبر وَيكْتب مَا سَمعه من الحَدِيث تَاما، ويعتني بالتقييد والضبط لألفاظ الحَدِيث ويذاكر بمحفوظة غَيره ليرسخ فِي ذهنه.
وَيسمع مَا عِنْد أجل شُيُوخ بَلَده إِسْنَادًا وعلما، ودينا وشهرة وَيقدم الْأَعْلَى فالأعلى من الحَدِيث كَمَا تقدم.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
معرفَة سنّ التَّحَمُّل وَالْأَدَاء
وَمن المهم معرفَة وَقت سنّ التَّحَمُّل وَالْأَدَاء وَالأَصَح اعْتِبَارا سنّ التَّحَمُّل بالتمييز وَيحصل غَالِبا باستكمال خمس سِنِين، وَمَا دونهَا فَهُوَ حُضُور، وهم كالمجمعين على صِحَّته هَذَا فِي السماع.
وَقد جرت عَادَة الْمُحدثين بإحضارهم الْأَطْفَال مجَالِس الحَدِيث ويكتبون لَهُم أَنهم حَضَرُوا سَوَاء كَانَ الصَّغِير ابْن يَوْم، أَو ابْن سنة، أَو أَكثر إِلَى أَن يبلغ سنّ السماع، وَلَا بُد فِي مثل ذَلِك من إجَازَة المسمع.
وَالأَصَح فِي سنّ الطّلب بِنَفسِهِ أَن يتأهل / لذَلِك قَالَ الشَّيْخ قَاسم: أَشَارَ بقوله بِنَفسِهِ إِلَى أَن الطَّالِب تَارَة يكون بِنَفسِهِ وَتارَة يكون بِغَيْرِهِ كالأطفال، ويحضرونهم الْمجَالِس. اه.
وَاخْتلف فِي الزَّمن الَّذِي يَصح فِيهِ سَماع الصَّبِي فَقَالَ عِيَاض حدد أهل الصَّنْعَة فِيهِ خمس سِنِين وَهُوَ سنّ مَحْمُود بن الرّبيع
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الَّذِي ترْجم البُخَارِيّ فِيهِ بَاب مَتى يَصح سَماع الصَّغِير. وَقيل: كَانَ ابْن أَربع أَو خمس. قَالَ الشمني: وَهَذَا وَإِن كَانَ هُوَ المستقر عَلَيْهِ الْعَمَل - أَعنِي التسميع لِابْنِ خمس - وَالأَصَح إِنَّه يعْتَبر كل صَغِير بِحَالهِ، فَمَتَى كَانَ فهما للخطاب ورد الْجَواب صححنا سَمَاعه وَإِن كَانَ لَهُ دون خمس، وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يَصح وَإِن كَانَ ابْن خمسين، وَحَدِيث مَحْمُود لَا يُنَافِيهِ لكَونه يدل على ثُبُوته لمن هُوَ مثله لَا على نَفْيه عَمَّن هُوَ دونه مَعَ جودة التَّمْيِيز أَو ثُبُوته لمن هُوَ فِي سنه أَو فَوْقه وَلم يُمَيّز تَمْيِيزه. انْتهى.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
تحمل الْكَافِر وَالْفَاسِق
وَيصِح تحمل الْكَافِر - أَيْضا - إِذا أَدَّاهُ بعد إِسْلَامه وَكَذَا الْفَاسِق من بَاب أولى بِلَا خلاف إِذا أَدَّاهُ بعد تَوْبَته وَثُبُوت عَدَالَته. وَيدل لذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن جُبَير بن مطعم لما قدم فِي أُسَارَى بدر يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ فأداه بعد إِسْلَامه.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
زمن الْأَدَاء
وَأما الْأَدَاء فقد تقدم أَنه / لَا اخْتِصَاص لَهُ بِزَمن معِين بل يُفِيد بالاحتياج إِلَى ذَلِك والتأهل لذَلِك قَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذِه زِيَادَة على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي " التَّقْرِيب والتيسير " حَيْثُ قَالَ: إِنَّه مَتى احْتِيجَ إِلَى مَا عِنْده جلس لَهُ.
وَهُوَ مُخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال.
وَقَالَ ابْن خَلاد بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام إِذا بلغ الْخمسين سنة، وَلَا يُنكر عِنْد الْأَرْبَعين. وَتعقب بِمن حدث قبلهَا كمالك.
قَالَ المُصَنّف فِي " تَقْرِيره ": وَأجِيب عَنهُ بِأَن مُرَاده إِذا لم يكن هُنَاكَ أَمر يَقْتَضِي التحديث كَأَن لم يكن هُنَاكَ أمثل مِنْهُ، وَكَأن يكون قد صنف كتابا وَأُرِيد سَمَاعه. انْتهى.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: فَإِذا لم يكن هُنَاكَ مَا يُوجب التحديث مِمَّا ذكر فالسن مَظَنَّة التأهل عِنْده.
قَالَ الْمَنَاوِيّ هَذَا خصوه بِغَيْر (البارع الْمَطْلُوب مِنْهُ مُجَرّد الْإِسْنَاد، أما البارع فَلَا، فقد حدث مَالك وَله نَيف وَعِشْرُونَ سنة وشيوخه أَحيَاء، وَكَذَا الإِمَام الشَّافِعِي، وَحدث البُخَارِيّ وَمَا بِوَجْهِهِ شَعْرَة. انْتهى.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
صفة كِتَابَة الحَدِيث
وَمن المهم - أَيْضا - كِتَابَة الحَدِيث، وَهُوَ أَن يَكْتُبهُ مُبينًا مُفَسرًا، وَيشكل الْمُشكل (مِنْهُ) بِخِلَاف الْوَاضِح، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالصَّوَاب أَنه يشكل الْجَمِيع لخفائه على الْمُبْتَدِئ وَغير الْعَرَبِيّ، أَلا تراهم اخْتلفُوا فِي رفع / " ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه " ونصبه، وَكَذَا " لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة ".
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وَيَنْبَغِي أَن يكون اعتناؤه بضبط اللّبْس من الْأَسْمَاء أَكثر، لِأَنَّهُ نقل مَحْض لَا مدْخل للإفهام فِيهِ، مثل: بريد بِضَم الْمُوَحدَة فَإِنَّهُ يشْتَبه ببريد، وَلذَا قيل: أولى الْأَشْيَاء بالضبط أَسمَاء النَّاس لِأَنَّهُ لم يكن قبله وَلَا بعده مَا يدل عَلَيْهِ، وَلَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ. وينقطه، وَيكْتب السَّاقِط فِي الْحَاشِيَة الْيَمين مَا دَامَ فِي السطر بَقِيَّة. قَالَ بَعضهم: يَبْغِي أَن يكون مَحل ذَلِك إِذا كَانَ فِي الصفحة الْيَمين
[ ٢ / ٤٣٠ ]
(وَإِلَّا فَإِن كَانَ فِي الصفحة الْيُسْرَى) يَنْبَغِي أَن يكْتب فِي الْحَاشِيَة الْيُسْرَى إِلَّا أَن يكون الحاشيتان سَوَاء.
وَإِلَّا بِأَن لم يبْق فِي السطر شَيْء فَفِي الْيُسْرَى يكْتب ذَلِك.
وَصفَة عرضه وَهُوَ مُقَابلَته مَعَ الشَّيْخ المسمع، أَو مَعَ ثِقَة غَيره، أَو مَعَ نَفسه شَيْئا فَشَيْئًا.
وَصفَة سَمَاعه بِأَن لَا يتشاغل بِمَا يخل بِهِ من نسخ أَو حَدِيث أَو نُعَاس. بِحَيْثُ لَا يفهمهُ.
وَصفَة إسماعه كَذَلِك، وَأَن يكون ذَلِك من أَصله الَّذِي سمع فِيهِ، أَو من فرع قوبل على أَصله فَإِن تعذر فليخبره بِالْإِجَازَةِ لما خَالف إِن خَالف. وَسَوَاء كَأَن الأَصْل أَو الْفَرْع بيد الشَّيْخ أَو الْقَارئ أَو غَيرهمَا من الثِّقَات، فَإِن كَانَ بيد غير ثِقَة لم يَصح، أَو كَانَ الأَصْل غير تَامّ
[ ٢ / ٤٣١ ]
الوثوق بِهِ فليخبره / بِالْإِجَازَةِ لما خَالف مَا لم تكْثر الْمُخَالفَة، هَذَا إِذا لم يكن الشَّيْخ حَافِظًا لما قرئَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَإِن كَانَ السَّامع أَو المستمع ينْسَخ حَال الْقِرَاءَة فَابْن الْمُبَارك، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَآخَرُونَ على صِحَّته.
وَمنعه أَبُو إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ قَالَ ابْن الْجَزرِي: وَالأَصَح أَنه إِن منع النّسخ وَنَحْوه فهمه للمقروء لم يَصح، وَإِلَّا صَحَّ، وَقد حضر الدَّارَقُطْنِيّ فِي حداثته إملاء وَهُوَ ينْسَخ فَقيل لَهُ: لَا يَصح سماعك. فَيرد لَهُم جَمِيع مَا أملاه الشَّيْخ عَن ظهر قلب، فعجبوا مِنْهُ.
وَكَانَ المُصَنّف - رَحمَه الله تَعَالَى - يكْتب حَال الإسماع ويطالع مَعَ رده على الْقَارئ.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وَكَانَ الْمزي يكْتب فِي السماع (وينعس) وَيرد مَعَ ذَلِك ردا جيدا.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
صفة الرحلة فِي طلب الحَدِيث
وَصفَة الرحلة فِيهِ حَيْثُ يَبْتَدِئ بِحَدِيث أهل بَلَده فيستوعبه ثمَّ يرحل اسْتِحْبَابا وَهِي شدّ الرحل فَيحصل فِي الرحلة مَا لَيْسَ عِنْده من الْأَسَانِيد وَيكون اعْتِبَاره بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشُّيُوخ. قَالَ الشمني: وَأما من اقْتصر على تَكْثِير الشُّيُوخ دون المسموع وَهُوَ صَنِيع جلّ أَصْحَابنَا محتجا بِمَا قيل: ضيع ورقة وَلَا تضيع شَيخا فقد ضيع الأَصْل، وَالْأولَى خِلَافه. انْتهى.
ويبادر بِسَمَاع أصُول / الْإِسْلَام وَهِي الْكتب السِّتَّة، وَيقدم البُخَارِيّ مِنْهَا لأرجحيته على غَيره - كَمَا مر - واختصاص صَحِيحه
[ ٢ / ٤٣٤ ]
بمزيد الصِّفَات.
فَمُسلم لجمعه الطّرق فِي مَكَان وَاحِد على كَيْفيَّة حَسَنَة فَأَبُو دَاوُد لِكَثْرَة أَحْكَامه، وَمن ثمَّ قَالُوا يَكْفِي الْفَقِيه فَالتِّرْمِذِي لبيانه للمذاهب وإشارته لما فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث، وَالْحكم عَلَيْهَا.
فالنسائي السّنَن الصُّغْرَى لإشارته للعلل، وَحسن إِيرَاده، وَقد توقف بَعضهم فِي إِلْحَاق ابْن مَاجَه بهم لِكَثْرَة مَا فِيهِ من الضعْف بل الْمَوْضُوع.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
صفة تصنيف الحَدِيث
وَصفَة تصنيفه بِأَن يتَصَدَّى لَهُ إِذا تأهل وَذَلِكَ يعْنى ترتيبه إِمَّا على المسانيد: بِأَن يجمع مُسْند كل صَحَابِيّ على حِدة، فَإِن شَاءَ رتبه على سوابقهم، وَإِن شَاءَ على حُرُوف المعجم وَهُوَ أسهل تناولا.
أَو تصنيفه على الْأَبْوَاب الْفِقْهِيَّة أَو غَيرهَا بِأَن يجمع فِي كل بَاب مَا ورد فِيهِ مِمَّا يدل على حكمه إِثْبَاتًا أَو نفيا، وَالْأولَى أَن يقْتَصر على مَا صَحَّ أَو حسن، فَإِن جمع الْجَمِيع فليبين عِلّة الضعْف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم:. . الِانْقِطَاع وَالْوَقْف وَنَحْوهمَا، فَقَالَ بعض من يدعى علم هَذَا الْفَنّ: ويبوب عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ هَذَا من تَقْرِير مَا ذكر.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
أَو تصنيفه على / الْعِلَل فيذكر الْمَتْن وطرقه وَبَيَان اخْتِلَاف نقلته، وَالْأَحْسَن أَن يرتبها على الْأَبْوَاب ليسهل تنَاولهَا.
أَو تجميعه على الْأَطْرَاف، فيذكر طرف الحَدِيث الدَّال على بَقِيَّته، وَيجمع أسانيده إِمَّا مستوعبا وَإِمَّا متقيدا بكتب مَخْصُوصَة.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
معرفَة سَبَب الحَدِيث
وَمن المهم معرفَة سَبَب الحَدِيث يَعْنِي السَّبَب الَّذِي لأَجله حدث النَّبِي بذلك الحَدِيث كَمَا فِي سَبَب نزُول الْقُرْآن الْكَرِيم.
وَقد صنف فِيهِ بعض شُيُوخ القَاضِي أبي يعلى ابْن الْفراء الْحَنْبَلِيّ وَهُوَ أَبُو حَفْص العكبري بِضَم فَسُكُون وَفتح الْمُوَحدَة وَرَاء، نِسْبَة إِلَى عكبراء بلد على دجلة فَوق بَغْدَاد وَقد ذكر تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فِي أَوَائِل شرح الْعُمْدَة آخر الْكَلَام على حَدِيث " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " أَن أهل عصره شرع فِي جمع ذَلِك، وَكَأَنَّهُ مَا رأى تصنيف العكبري الْمَذْكُور. عبارَة ابْن دَقِيق الْعِيد: شرع . بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل الحَدِيث هُوَ لَا يُنَافِي أَنه لم يكن اطلع على تصنيف العكبري.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
لَا يُقَال: قَوْله شرع ظَاهر فِي ذَلِك.
لأ (نَا) نقُول: يحمل أَن مُرَاده أَن بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن تقدمه شرع فِي تصنيف وَلم يتمه فَلَا دلَالَة فِي ذَلِك على أَنه من أهل عصره.
وصنفوا فِي / غَالب هَذِه الْأَنْوَاع على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِيمَا تقدم فِي هَذَا الْكتاب غَالِبا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه ترك الْإِشَارَة إِلَى بعض تِلْكَ الْأَنْوَاع وَهُوَ كَذَلِك، كَمَا تقدم بعض ذَلِك مَضْمُونا لكَلَامه.
وَهِي أَي هَذِه الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الخاتمة نقل مَحْض بل وَكثير مِمَّا قبلهَا (نقل مَحْض) ظَاهِرَة التَّعْرِيف مستغنية عَن التَّمْثِيل، وحصرها متعسر أَو مُتَعَذر إِذْ لَا ضَابِط لَهَا تدخل تَحْتَهُ فَليُرَاجع لَهَا مبسوطاتها الْمشَار إِلَى كثير مِنْهَا فِيمَا تقدم ليحصل الْوُقُوف على حقائقها. وَالله الْمُوفق الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب لَا غَيره لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب أَي ارْجع بِالتَّوْبَةِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ثمَّ قَالَ مُؤَلفه - متعنَا الله بحياته: وَقد انْتهى شرح شرح النخبة مَعَ انْتِهَاء شهر شعْبَان الْمُعظم قدره سنة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ بعد الْألف. ونسأل سر الْفَاتِحَة حسن الخاتمة، وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلى الله على من لَا نَبِي قبله وَلَا بعده.
وَقد تمّ نسخه لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الْمُبَارك خلال سِتَّة أَيَّام من غرَّة ربيع
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الأول سنة ألف وَمِائَة وَسَبْعَة عشر بعد الْألف على يَد أَضْعَف الْعباد: مصطفى بن مرتضى غفر الله لَهُ ولوالديه وللمسلمين. آمين /.
[ ٢ / ٤٤١ ]