التنظيم على النسب
أسس تنظيم كتب علم الرجال:
اتبعت كتب علم الرجال في تنظيم مادتها الأسس الأربعة التالية:
١- التنظيم على النسب.
٢- التنظيم على الطبقات.
٣- التنظيم على المدن.
٤- التنظيم على حروف المعجم.
١- التنظيم على النسب:
كان للأنساب أهمية كبيرة عند العرب في الجاهلية فاهتموا بحفظها وكان شعرهم الذي يكون الشطر الأكبر من أدبهم يحتوي على ثروة من علم النسب١، ولا شك أن حياة البداوة التي جعلت من القبيلة أكبر وحدة اجتماعية وسياسية في حياتهم لها دخل كبير في اهتمامهم بالأنساب إذ لابد لأفراد القبيلة من معرفة مفاخر آبائهم وأجدادهم وأصالة أنسابهم، كما لابد لهم منمعرفة مثالب القبائل الأخرى فبذلك يوفرون مادة لأهم أغراض شعرهم: الفخر والهجاء.
وقد استمر الاهتمام بالأنساب بعد ظهور الإسلام وانتشاره وقيام دولته، فلم يمنع الإسلام الاهتمام بالأنساب وإن كان قد قاوم العصبية القبلية، وكل
_________________
(١) ١ أنظر عن احتواء الشعر على الأنساب: Dentan، The Idea of History in the ancient Near East، p. ٢٤٦-٢٤٩.
[ ١٧١ ]
عصبية جاهلية ذلك لأن العصبية شيء ومعرفة الأنساب شيء آخر، فقد حث القرآن الكريم الناس على التعارف، ولا يكون التعارف دون معرفة الأنساب١.
وقد نسب النبي ﷺ نفسه، وحض على تعلم الأنساب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "علموا أنسابكم تصلوا أرحامكم" ٢.
وكان الرسول ﷺ يعرف أنساب قبائل العرب وربما نسب بعض أصحابه، "قال عمرو بن مرة الجهني كنت عند رسول الله ﷺ فقال: "من كان من معد فليقم" فقمت فقال لي: "إجلس" فعل ذلك ثلاثا. قلت يا رسول الله ممن نحن؟ قال: "أنتم من قضاعة بن مالك بن حمت بن سبأ" ٣. كما نسب أيضا سعدا حين سأله: من أنا يا رسول الله؟ قال: "أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير ذلك فعليه لعنة الله" ٤.
وكان أبو بكر الصديق ﵁ أعلم قريش بأنسابها شهد له النبي ﷺ بذلك٥.
وورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله "تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون به ما يحل كم مما يحرم عليكم من النساء، ثم انتهوا" ٦.
وقد حدث في حياته ﷺ أن اجتمع بعض الصحابة على رجل يحدث بالأنساب في المسجد فيذكر ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد فإذا
_________________
(١) ١ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ "سورة الحجرات: آية ١٣". ٢ الحاكم: معرفة علوم الحديث، ١٦٩؛ وانظر ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، ٣. ٣ خليفة: الطبقات، ٣٢أ. ٤ الحاكم: معرفة علوم الحديث، ١٦٩. ٥ المصدر السابق، ١٦٩. ٦ السمعاني: أنساب، ١/ ١١. وقوله "ثم انتهوا" أي: عن التفاخر المؤدي إلى العصبية.
[ ١٧٢ ]
جماعة فقال: "ما هذا؟ " قالوا: رجل علامة. قال النبي ﷺ: وما العلامة؟ " قالوا: رجل عالم بأيام الناس وعالم بالعربية وعالم بالأشعار وعالم بالأشعار العرب، فقال رسول الله ﷺ: "هذا علم لا يضر أهله" ١. وبإسناد آخر عن أبي هريرة، أنه قال: "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" ٢، وهكذا لم ينههم النبي ﷺ عن الاجتماع على تعلم الأنساب والأخبار والأشعار، وقد حدث الكلام عنها في مسجده بالذات، وأما قوله: "هذا علم لا ينفع" في رواية أبي هريرة ﵁ فلعله أراد الأشعار والأخبار لأن نفع علم الأنساب ظاهر وقد حض ﷺ تعلمه٣. إذ أن قسما من أحكام الشرع يحتاج تطبيقها إلى معرفة الأنساب، ولذلك كانت معرفة بعض الأنساب فرضا على المسلمين كمعرفة نسب النبي ﷺ ومعرفة أن الخلافة لا تجوز إلا في قريش فلو جهلت الأنساب لأمكن ادعاء الخلافة لمن لا تحل له، وكمعرفة الأنسان أباه وأمه وكل من يلقاه بنسب في رحم محرمة لما يترتب على ذلك من أحكام الزواج والمواريث٤.
لقد رتب ديوان الجند الذي أنشأه عمر بن الخطاب ﵁ على القبائل، وقد راعى عمر القرابة من النبي ﷺ في تسلسل القبائل التي سجلها فقدم بني هاشم على غيرهم من العشائر القرشية، وقدم قريش على غيرها من القبائل العربية٥، وقد أصبح هذا التسلسل في ترتيب العشائر أساسا اتبعته كتب النسب التي كتبت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري فيما بعد.
ويمكن أن نعتبر ديوان الجند أول تقييد شامل للأنساب وكانت الحاجات العملية للدولة هي التي أدت إلى ظهوره.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ١/ ٩. ٢ المصدر السابق. ٣ يرى ابن حزم أن حديث "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" موضوع لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ أنظر: جمهرة أنساب العرب، ٣-٤. ٤ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، ٢. ٥ ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٢٨٢-٢٩٦؛ والطبري: تاريخ الرسل والملوك، ١/ ٢٧٤٩-٢٧٥٠.
[ ١٧٣ ]
لقد أعطت السابقة في الإسلام والمشاركة في الغزوات الأولى مع النبي ﷺ أصحابها مكانة مرموقة بين المسلمين، وهذا ما حدث للمهاجرين الأولين والبدريين والأحديين وأهل بيعة العقبة، وقد امتدت آثار ذلك إلى ابنائهم وأحفادهم فاهتم هؤلاء بحفظ أنسابهم والتعريف بها لما في ذلك من قيمة اجتماعية، وينبغي أن لا ننسى أن أهل السابقة في الجهاد تمتعوا بامتيازات اقتصادية أيضا زمن عمر بن الخطاب١.
وقد ظل التماسك القبلي قويا عندما استقر العرب في الأمصار المفتوحة فكانت خطط الأمصار كالبصرة والكوفة قائمة على أساس قبلي حيث سكنت كل عشيرة في موضع خاص بها٢.
وكانت القبيلة هي الوحدة العسكرية في ميادين القتال، كما كانت أساسا للتنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار٣.
وهذه العوامل جعلت معرفة الأنساب ضرورة دينية واجتماعية وعسكرية وإدارية فاستمر الاهتمام بها حتى برز في ظل الدولة الإسلامية عدد من كبار النسابين الذين كانوا يعتمدون على ذاكرتهم قبل بدء تدوين الأنساب منهم من جيل الصحابة أبوجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي فهو أحد أربة كانت قريش تأخذ منهم علم النسب٤، وقد استمر اهتمامه بالأنساب بعد إسلامه، وجبير بن مطعم بن عدي الذي كان من أعلم الناس بالأنساب٥، ودغفل بن حنظلة السدوسي الذي اختاره معاوية بن أبي سفيان لتعليم ابنه يزيد علم الأنساب٦ وعبيد بن شرية الذي اشتهر بمعرفة أنساب
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٢٩٦. ٢ أنظر أحمد كمال زكي: الحياة الأدبية في البصرة، ٢٧-٢٩. ٣ العلي: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة، ٣٨-٤٠. ٤ ابن عبد البر: الاستيعاب، ٤/ ١٦٢٣. ٥ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، ٥. ٦ ابن عبد البر: الاستيعاب، ٤/ ١٦٢٣، وقال: "يقال أن له صحبة ورواية ولا يصح عندي سماعه من النبي ﷺ".
[ ١٧٤ ]
وأخبار اليمن وصحار العبدي والشرقي بن القطامي وغيرهم١ وقد استمر الاهتمام بالأنساب خلال القرنين الأول والثاني الهجريين ولكن التأليف في الأنساب بدأ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ولعل أول من ألف في الأنساب بعد محاولة الزهري التي لم تتم هو أبو اليقظان النسابة "ت١٩٠هـ" ومعاصره مؤرج بن عمرو السدوسي "ت١٩٥هـ" وهشام بن الكلبي "ت٢٠٤هـ" ولا غرابة في أن يكون هؤلاء الثلاثة عراقيين فقد تركزت في العراق فعاليات النسابين خلال القرنين الأولين للهجرة في الكوفة والبصرة وهما مركزان نشيطان للقبال العربية٢.
ولم يقتصر الاهتمام بالأنساب على النسابين الذين كانت الأنساب مادتهم الرئيسية فقد اهتم المحدثون أيضا منذ القرون الأولى بالأنساب فلا نجد محدثا كبيرا إلا وله علم بالنسب وممن عرف بذلك سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين، وقد تابعه في الاهتمام بالأنساب ابنه محمد بن سعيد٣ وتلميذه محمد بن شهاب الزهري الذي يقول: "ما خططت سوداء في بيضاء إلا نسب قومي"٤ وقتادة بن دعامة السدوسي الذي قال فيه أبو عمرو بن العلاء: "أنه كان من أنسب الناس"٥، والقاسم بن ربيعة وكان الحسن البصري إذا سئل النسب، قال: "عليكم بالقاسم بن ربيعة"٦.
وترجع عناية المحدثين بالأنساب إلى أهميتها في معرفة رواة الحديث ولذلك فقد استمر الاهتمام بالأنساب في أوساط المحدثين خلال القرن الثاني الهجري وعندما ظهرت المصنفات في رجال الحديث احتوت مادة غزيرة في
_________________
(١) ١ ابن النديم: الفهرست، ١٣٧-١٣٨. ٢ الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب، ٣٤. ٣ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، ٥. ٤ الرامهرمزي: المحدث الفاصل، ٥٢. ٥ الذهبي: تذكرة الحفاظ، ١/ ١٢٣. ٦ ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٧/ ١٥٢.
[ ١٧٥ ]
النسب. وليست مادة النسب هذه دخيلة على علم الرجال، فالأصل في كتب الرجال التعريف بالرواة بذكر أنساب آبائهم وأمهاتهم، وقد انتقد ابن الأثير كتابي أبي عبد الله بن مندة وأبي نعيم الأصبهانيين في معرفة الصحابة لأنهما أكثرا ذكر الأحاديث والكلام عليها وبيان عللها ولم يطيلا نسب الشخص وأخباره وأحواله مما يعرف به، وامتدح من ناحية كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر القرطبي لأنه استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه وكل ما يعرف به حتى أنه يقول هو ابن أخي فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية، وكان هذا هو المطلوب من التعريف أما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه١.
وهكذا أوضح ابن الأثير أن النسب من المادة الأساسية في كتب الرجال، فلا عجب إذا وجدنا بعض المصنفين في علم الرجال يرتبون مادتهم على النسب.
والترتيب على النسب يعني أن المصنف يجمع الرواة الذين هم من عشيرة أو قبيلة واحدة في موضع واحد يقدم لهم مثلا بقوله: ومن قريش ثم من بني هاشم فلان وفلان.. ويذكرهم، ثم يتبع نسقا معينا في عرض القبائل والعشائر بأن يبدأ بمضر ثم قحطان، ولا يقدم قحطان على مضر، كذلك يبدا من مضر بقريش ثم بقية قبائل مضر وهذا التقديم قائم على أساس القرابة من النبي ﷺ، وقد سبق القول أن أول من اتبع هذا التسلسل عند سرد الأنساب عمر بن الخطاب في تدوين الديوان، ولما ظهرت كتب الأنساب تقيدت بهذا التسلسل، ثم امتد هذا التنظيم إلى كتب الرجال التي نظمت مادتها على النسب، بل امتد أيضا إلى بعض المسانيد الحديثية التي رتبت الشيوخ على القبائل٢. ومن هذا يتضح أن تنظيم القبائل بهذا الشكل إسلامي بحت ولا يرجع إلى أصول جاهلية.
_________________
(١) ١ ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ١/ ٥. ٢ السيوطي: تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ٣٥٤-٣٥٥.
[ ١٧٦ ]
إن أقدم من أخذ بالترتيب على النسب من المصنفين في الرجال هما خليفة ابن خياط "ت٢٤٠هـ" في "الطبقات" ومحمد بن سعد "ت٢٣٠هـ" في "الطبقات الكبرى".
فأما خليفة فقد كان أكثر التزاما بالترتيب على النسب حيث جعل النسب هو الأساس الوحيد في ترتيب الصحابة في المدينة، ولم يعتبر السابقة في الإسلام ولا تقدم سنة الوفاة، ولا التفاضل بين الصحابة، وبهذا استطاع أن يعرض الرواة من الصحابة على أساس العشائر دون إخلال بهذا الأساس سواء في ما كتبه عن الصحابة في المدينة أو ما كتبه عن الصحابة في الأمصار كالكوفة والبصرة، وكذلك فعل عند كلامه عن الصحابة الذين نزلوا بلاد الشام.
ويستمر التقسيم على النسب ظاهرا في طبقات خليفة عند كلامه عن التابعين في الكوفة والبصرة والمدينة، ولا يتجاوز هذا الأساس إلا في موضع واحد فقط عند ذكره للطبقة الثانية من التابعين في المدينة، فقد قدم ابناء المهاجرين على غيرهم معتبرا السابقة في الإسلام، ولكنه عاد بعد ذلك إلى الترتيب النسبي.
وقد حافظ خليفة بن خياط على النسق الذي اتبعه في تسلسل القبائل من بداية كتابه حتى يتلاشى عنده الترتيب على النسب بعد التابعين، مما يؤكد أن تسلسل القبائل عنده لم يكن مجرد ترتيب عرضي بل هو أمر مقصود قائم على فكرة القرابة من النبي ﷺ وهو بذلك يتابع كتب الأنساب.
إن الترتيب على النسب يختفي بعد طبقة التابعين، ولا يعود إلى الظهور إلا في القسم الأخير الذي خصصه للنساء.
أما محمد بن سعد فقد مزج بين الترتيب حسب السابقة في الإسلام وحسب النسب في القسم الذي خصصه للصحابة في المدينة١، حيث اعتبر السابقة في الإسلام الأساس الأول، فوضع البدريين طبقة أولى، وجعل من له إسلام قديم وهاجر إلى الحبشة أو شهد أحدا ثم من أسلم قبل فتح مكة طبقة
_________________
(١) ١ وهما المجلدان الثالث والرابع من طبعة بيروت.
[ ١٧٧ ]
ثانية من الصحابة، ولم يسم الطبقة الثالثة من الصحابة وهم من أسلم بعد الفتح، غير أنه رتب الرجال ضمن الطبقة الواحدة على اساس النسب، فهو يبدأ في طبقة البدريين مثلا ببني هاشم ثم بقية بطون قريش ثم مضر فالأوس فالخزرج.. إن اعتبار ابن سعد السابقة في الإسلام جعله يقسم الصحابة إلى ثلاث طبقات١. ومن ثم فلم يعد بإمكانه المحافظة على الترتيب النسبي بصورة دقيقة كما فعل خليفة بن خياط الذي اعتبر الصحابة طبقة واحدة، فترجمة العباس بن عبد المطلب مثلا تأتي عند خليفة بن خياط بعد ترجمة النبي ﷺ مباشرة في حين تتقدمها عند ابن سعد تراجم الكثيرين من الذين شهدوا بدرا ولا تأتي ترجمة العباس عنده إلا في الطبقة الثانية من الصحابة.
وبينما يمتد الترتيب على النسب في طبقات خليفة إلى الصحابة في الأمصار وإلى طبقة التابعين فغن ابن سعد يقتصر في استعمال الترتيب النسبي على الصحابة والصحابيات٢ في المدينة.
إن خليفة وابن سعد اهتما بالترتيب على النسب في القسم الذي خصصاه للصحابة من كتابيهما في الطبقات، في حين تقل مراعاتهم لذلك في بقية أقسام كتابيهما، وقد ألفت كتب كثيرة في معرفة الصحابة منذ أوائل القرن الثالث الهجري، ولكن لم يصل إلينا منها إلا القليل، وأقدم ما وصل إلينا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لعلي بن المديني "ت٢٣٤هـ" ورغم أنه لا يرتب كتابه على النسب
_________________
(١) ١ ذهب البعض إلى أنه جعلهم خمس طبقات "العراقي: فتح المغيث، ٤/ ٥٣". ولعل ذلك باعتبار البدريين طبق أولى. ومن له إسلام قديم أوهاجر إلى الحبشة طبقة ثانية، ومن شهد أحدا طبقة ثالثة، ومن أسلم قبل الفتح طبقة رابعة، ومن أسلم بعد الفتح طبقة خامسة، لكن الفصل بين من له إسلام قديم أو هاجر إلى الحبشة وبين من شهد أحدا ومن أسلم قبل الفتح وجعلهم ثلاث طبقات غير واضح عند ابن سعد. ٢ خصص ابن سعد المجلد الثامن للنساء الصحابيات، ولا يظهر فيه الترتيب على النسب واضحا، ولكن ملاحظة تعاقب التراجم يدل على أنه جمع النسوة من العشيرة الواحدة في موضع واحد متبعا النسق التقليدي في تسلسل العشائر.
[ ١٧٨ ]
بل اعتبر في الترتيب السابقة في الإسلام والفضل إلا أن أثر الترتيب النسبي يظهر في ذكر ابناء الصحابة وأحفادهم بصورة مجتمعة.
وأما كتاب "معرفة الصحابة" لأبي عبد الله بن مندة "ت٣٩٥هـ" فهو مرتب على حروف المعجم، وكذلك كتاب "معرفة الصحابة" لأبي نعيم "ت٤٣٠هـ". وكتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر "ت٤٦٣هـ".
ومن الكتب المتأخرة التي اعتمدت على كتب المتقدمين وحفظت لنا بعض مادتها كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير الجزري "ت٦٣٠هـ" وقد جمع فيه كتب ابن مندة وأبي نعيم وابن عبد البر ونقل عن أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني "ت٥١٨هـ" الذي استدرك على ابن مندة، وعن أبي علي الغساني الذي استدرك على ابن عبد البر، كما نقل عن آخرين أيضا لم يذكرهم في قائمة مصادره منهم جعفر بن محمد المستغفري "ت٤٣٢هـ" ولكن ابن الأثير لم يذكر شيا عن ترتيب هذه المؤلفات، أما كتاب ابن الأثير نفسه فقد رتبه على حروف المعجم. وكذلك رتب العسقلاني "ت٨٥٢هـ" كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" على حروف المعجم أيضا.
وهكذا فإن سائر ما وصل إلينا من كتب الصحابة مرتب على حروف المعجم إلا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لابن المديني، كما يشير السخاوي إلى أن كتاب أبي أحمد العسكري "ت٣٨٢هـ" في "معرفة الصحابة" مرتب على القبائل١.
وخلاصة القول، أنه لا يوجد ما يشير إلى استمرار الترتيب على النسب بصورته الدقيقة كما استعمله ابن سعد وخليفة بن خياط، ويمكن القول أن معظم المصنفين في "معرفة الصحابة" تركوا الترتيب على النسب لأنه يجعل تناول الكتاب والإفادة منه من الصعوبة بمكان خاصة وأنهم لم يكونوا يستعملون
_________________
(١) ١ السخاوي: الاعلان بالتوبيخ، ٥٤٢.
[ ١٧٩ ]
فهارس مفصلة كالتي نجدها في المصادر المطبوعة في وقتنا الحاضر، ولذلك فقد لجأوا إلى الترتيب على حروف المعجم.
وأخيرا فليس من الغريب أن لا نجد أثرا للترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى فإن الترتيب على النسب كما تمثل بدقة عند ابن سعد، وخليفة إنما يتعلق بالقسم الخاص بالصحابة وأنساب الصحابة معلومة، فإذا تخلت كتب معرفة الصحابة عن الترتيب على النسب فكيف نتوقع استمرار الترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى التي تشتمل على كثيرين من الموالي أو العرب الذين لم تضبط أنسابهم كما ضبطت أنساب الصحابة.
[ ١٨٠ ]
٢- التنظيم على الطبقات:
لم يستعمل القرآن الكريم لفظ "الطبقة" ولكنه استمعل "طبق" و"طباق" قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق﴾ ١. وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ٢.وتذكر معاجم اللغة كلمة "الطبقة" في مادة "طبق". وطبق من الناس أي جماعة، والمطابقة: الموافقة، وطبقات الناس مراتبهم٣. قال ابن الأعرابي: "الطبق الجماعة من الناس يعدلون جماعة مثلهم"٤. وقد حاول اللغويون المتقدمون تحديد الطبقة زمنيا فذكر الهجري عن ابن عباس: الطبقة عشرون سنة٥. ولكننا إذا قبلنا مثل هذا التحديد فإن من الصعوبة أن نسلم بظهور فكرة الطبقات بهذا الوضوح والدقة في جيل ابن عباس. ولا يمكن في هذا المجال أن نعول على حديث "أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة
_________________
(١) ١ سورة الانشقاق: آية ١٩. ٢ سورة الملك: آية٣، سورة نوح: آية ١٤. ٣ الجوهري: الصحاح، ٤/ ١٥١٢. ٤ ابن منظور: لسان العرب، ١٢/ ٧٩. ٥ المصدر السابق، ١٥/ ٨٠؛ وانظر الزبيدي: تاج العروس، ٦/ ٤١٤.
[ ١٨٠ ]
أهل تراحم وتواصل ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج النجا النجا"١. فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات٢.
وقد أطلقت الطبقة على القرن مجازا، إذا اقتصرنا على تحديد معين للقرن وهو الجيل٣.
ورغم هذه المحاولات في تحديد الطبقة زمنيا فإن استعمال الطبقة كوحدة زمنية ثابتة لم يظهر إلا في فترة متأخرة جدا وذلك حينما استعملها الذهبي وجعلها تساوي عشر سنين٤.
ويرى روزنثال أن تقسم الطبقات إسلامي أصيل وأنه أقدم تقسيم وجد في التفكير التاريخي الإسلامي وأنه نتيجة طبيعة لفكرة صحابة الرسول فالتابعون إلخ، ولا علاقة له بمؤثرات خارجية٥. ومما يؤيد هذا الرأي حديث أورده البخاري ونصه "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"٦، فخير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين٧. على أن للقرن تعاريف متباينة منها أنه مائة سنة وقد بين الحافظ ابن حجر أنه التحديد المشهور، وقال: "والمراد بقرن النبي ﷺ الصحابة، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها"٨.
_________________
(١) ١ ابن ماجة: السنن، ٢/ ١٣٤٩. ٢ المصدر السابق، السنن، ٢/ ١٣٤٩؛ أنظر الحاشية منها. ٣ ابن منظور: لسان العرب، ١٢/ ٨٠؛ وانظر الزبيدي: تاج العروس، ٦/ ٤١٤. ٤ الذهبي في تاريخ الإسلام. ٥ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ١٣٣-١٣٤. ٦ البخاري: الصحيح، ٥/ ٢-٣. ٧ العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٦/ ١٧٠. ٨ فتح الباري، ٧/ ٣-٤.
[ ١٨١ ]
إن أبسط أشكال التقسيم على الطبقات هواستعمالها بمعنى جيل، وقد استعمل بعض المصنفين كلمة قرن بدل طبقة، فعل ذلك بحشل في "تاريخ واسط" الذي ألفه سنة ٢٨٨هـ، رغم ان استعمال الطبقات كان معروفا في عصره١، بل أن بحشل نفسه استعمله في مؤلفه مرة٢. وقد قسم الرواة من أهل واسط حتى طبقة شيوخه إلى أربعة قرون٣.
إن استعمال الطبقة للدلالة على الجيل يتمثل بصورة واضحة في مصنفات ابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" ففي كتابيه" الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار" قسم الرواة إلى أربع طبقات هي الصحابة والتابعون وأتباع التابعين وتبع الأتباع. وكذلك فعل الحاكم النيسابوري "ت٤٠٤هـ" في تاريخ نيسابور حيث قسم الرواة إلى صحابة، تابعين، أتباع التابعين. فلما انتهى من ذكر أتباع التابعين، قال: "ثم الأتباع وهو القرن الرابع بعد النبوة والثالث بعد الصحابة"٤، وهكذا استعمل الحاكم الطبقة والقرن والجيل كمترادفات.
ولكن أقدم استعمال للطبقة لم يكن بمعنى الجيل كما لم يكن بسيطا كما استعمله ابن حبان فيما بعد وإن كان التقسيم إلى صحابة تابعين. أتباع التابعين واضحا تمام الوضوح في أقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات ولكنه بمثابة إطار يحتوي على تقسيمات أصغر ضمنه. فقد قسم الصحابة وحدهم إلى عدة طبقات بلغت أحيانا اثنتي عشر طبقة بالنظر إلى السبق في الإسلام والهجرة وشهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٥. وقد قسمهم البعض إلى أكثر من اثنتي عشر طبقة٦. وكذلك قسم كل من التابعين وأتباع التابعين إلى عدة طبقات.
وقد تباين عدد طبقات كل من الصحابة والتابعين والأتباع في كتب الرجال لأن
_________________
(١) ١ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ٢٢٩. ٢ بحشل: تاريخ واسطن ١٢٢، ١٣١. ٣ المصدر السابق، ٤٧، ٨٥، ١٥١، ٢١٨. ٤ تاريخ نيشابور، ١٧٥. ٥ الحاكم: معرفة علم الحديث، ٢٢-٢٥. ٦ المصدر السابق.
[ ١٨٢ ]
ذلك يتصل بذوق المصنف واجتهاده، وأقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد وكتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ". وتسمية هذه الكتب بالطبقات يدل على تأصل نظام الطبقة في هذه الفترة المبكرة.
أما خليفة بن خياط فقد اعتبر الصحابة كلهم طبقة واحدة إذ لم يعتبر شرطا غير كونهم صحابة فلم يأبه إلى السابقة في الإسلام أوالفضل كما يفعل معاصره محمد بن سعد.
أما التابعون والأتباع فقد قسمهم إلى عدة طبقات يتباين عددها بين المدن ولم يميز بين طبقات التابعين وطبقات الأتباع ومن بعدهم بل ذكر طبقات الرواة بتعاقب حتى عصره.
وأما محمد بن سعد فقد جعل الصحابة ثلاث طبقات١، ويرى البعض أنه جعلهم خمس طبقات٢ وقد اعتبر في تقسيمهم السابقة في الإسلام فقد جعل البدريين طبقة أولى والمسلمين الأوائل ممن شهد أحدا وما بعدها من المشاهد طبقة ثانية وألحق بهم من أسلم قبل الفتح٣، ولم يذكر ابن سعد من أسلم بعد الفتح حيث يكونون حسب ترتيبه الطبقة الثالثة. أما التابعون فتختلف طبقاتهم بين المدن ولكنه بصورةعامة جعلهم ثلاث طبقات وربما بلغ بهم أربع طبقات٤، ولكن التمييز بين التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في طبقات ابن سعد عسير إلا على من له معرفة واسعة بالرجال، لأنه سرد طبقاتهم جميعا بتعاقب ولم يفصل بينهم كما فعل في تمييز الصحابة عن غيرهم٥.
_________________
(١) ١ ابن الصلاح: مقدمة، ١٢١. ٢ العراقي: فتح المغيث، ٤/ ٥٣. ٣ مبدأ اعتبار السابقة في الإسلام والفضل في تقسيم الصحابة اتبعه عمر بن الخطاب ﵁ في توزيع العطاء. ٤ العراقي: فتح المغيث، ٤/ ٥٣. ٥ في الطبقات الكبرى "ليدن" تجد في آخر الطبقة السابعة من أهل المدينة قوله "آخر طبقات التابعين" وهذا خطأ لأن فيهم من توفي سنة ٢٢٩هـ ولا أعلم مصدر هذا الوهم.
[ ١٨٣ ]
ويحق هنا أن نتساءل عن مفهوم الطبقة عند خليفة بن خياط ومحمد بن سعد؟ هل للطبقة عندهما مفهوم زمني معين؟
إن التمحيص يدل على أن خليفة بن خياط ومحمد بن سعد كليهما لم يعتبرا سني الوفيات أساسا يعتمدانه في التقسيم على الطبقات. فالتداخل كبير بين سني وفيات تراجم الطبقات المتتالية، ففي طبقات خليفة نجد أن وفيات الطبقة الرابعة من البصريين مثلا تتراوح بين "١١٠-١١٥هـ" بينما وفيات الطبقة الخامسة تتراوح بين "١٢٨-١٣٢هـ" كذلك تتراوح وفيات الطبقة السادسة منهم بين "١٣٦-١٥٦هـ" في حين تترواح وفيات الطبقة السابعة منهم بين "١٤٩-١١٥هـ" وأما في طبقات ابن سعد فتتراوح وفيات الطبقة الأولى من الكوفيين مثلا بين "٦٢-١١٥هـ" وتترواح وفيات الطبقة الثانية منهم "٨٣-١١١هـ" وهكذا جعل في الطبقة الأولى من تأخرت وفياتهم عن أهل الطبقة الثانية. فالتقسيم على الطبقات إذ لا يقوم على اعتبار سني الوفيات في هذه الفترة المبكرة فعلى أي أساس يقوم إذا؟
لقد ذكرت أن أساس تقسيم الصحابة إلى طبقات عند ابن سعد هو اعتبار السابقة في الإسلام، أما طبقات التابعين ومن بعدهم فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل، وهم الطبقة الأولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك فإن من روى عن سعيد بن المسيب وغيره من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الأولى من أتباع التابعين.
إن كتابي خليفة بن خياط ومحمد بن سعد في تراجم المحدثين قد وضعا لخدمة علم الحديث ومن ثم فقد جاء ترتيب كتابيهما على الطبقات ملائما لهذا
[ ١٨٤ ]
الغرض حيث استعملا الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاء والسن وبعبارة أدق من حيث تقاربهم في السن وفي الشيوخ الذين أخذوا عنهم.
وذكر التقارب في السن هنا لا يتناقض مع قولي أن الطبقات لم تعتبر الوفيات أساسا تقوم عليه إذ من الطبيعي أن من يلقى كبار الصحابة يكون متقدما في السن وتتقدم وفاته في العادة على وفاة من يلقى صغار الصحابة، ولذلك نجد أن وفيات الطبقة الأولى غالب ما تتقدم على وفيات الطبقات التالية.
إن عدم اعتبار سني الوفيات أساسا للتقسيم على الطبقات هو الذي جعل الطبقة في فترة النشأة لا تتخذ مفهوم الوحدة الزمنية الثابتة، فمرة تكون حوالي العشر سنوات، وأخرى تقارب العشرين سنة، وثالثة في حدود الجيل وربما تجاوزته.
إن التمييز بين طبقات الصحابة والتابعين ومن بعدهم لها علاقة بنقد إسناد الحديث فهي وسيلة لمعرفة ما في الحديث من غرسال أو انقطاع١ أو عضل أو تدليس٢. وبمعرفة طبقات الرواة أيضا يمكن التمييز بين السماء المتشابهة والمتفقة، فقد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر، فإذا أردنا التمييز بينهما فينبغي معرفة طبقتيهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الإسم لا يروي عمن روى عنه الآخر فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روي عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ والمعرفة٣.
_________________
(١) ١ ابن الصلاح: مقدمة، ١٢٣. ٢ المرسل: هو ما سقط من إسناده إسم الصحابي. "انظر ابن كثير: الباعث، ص٤٧". المنقطع: هو أن يسقط من السند رجل ليس بصحابي. "انظر: الباعث، ص٤٧". المعضل: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا. "الباعث، ص٥١". المدلس: أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمعه منه. "ابن كثير: الباعث الحثيث، ص٥٣". ٣ العراقي: فتح المغيث / ١٦١.
[ ١٨٥ ]
وبسبب الجهل بالطبقات غلط غير واحد من المصنفين فربما ظن راويا آخر غيره، وربما أدخل راويا في غير طبقته١.
إن فائدة التقسيم على الطبقات تتم لو اتبع المصنفون تقسيما واحدا، ولم يتباين عدد الطبقات بين مصنف وآخر. فتباين عدد الطبقات عندهم يجعل النسبة إلى الطبقة ليست مطلقة بل تتقيد بطريقة كل مصنف، فلم يعد بالإمكان أن نكتفي بالقول مثلا أن عبد الرحمن بن أبي الزناد في الطبقة السادسة من أهل المدينة فهو كذلك عند ابن سعد فقط أما في طبقات خليفة فهو في الطبقة الثامنة. ومن ذلك أيضا أن أنس بن مالك وغيره من صغار الصحابة مع العشرة وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة كما فعل خليفة بن خياط ومن بعده ابن حبان، أما إذا نظرنا إلى تفاوت الصحابة في سوابقهم ومراتبهم كانوا عدة طبقات كما فعل ابن سعد ومن قلده وعندها لا يكون أنس وغيره من صغار الصحابة من طبقة العشرة بل دونهم بطبقات٢. وقد أخذ الحافظ المزي على نظام الطبقات أنه يوهم أحيانا، ذلك أن للصحابي رواية عن النبي ﷺ وعن غيره، فإذا رأى من لا خبرة له رواية الصحابي عن الصحابي ظن الأول تابعيا فيكشفه في التابعين فلا يجده، لذلك رأى العسقلاني أن سياق الرواة علىاختلاف طبقاتهم مساقا واحدا على الحروف أولى٣.
ورغم المآخذ على نظام الطبقات إلا أنه كان ملائما لأغراض الحديث التي ابتكر من أجلها، ومن ثم فإن استعماله لم يقتصر على خليفة بن خياط ومحمد بن سعد بل استعمله معاصرون لهم ومتأخرون عنهم، واستمر التقسيم على الطبقات أساسا تتبعه بعض المصنفات في الرجال حتى القرن الثامن الهجري.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٤/ ١٦١. ٢ ابن الصلاح: مقدمة، ١٦٠-١٦١. ٣ العسقلاني: تهذيب، ١-٧.
[ ١٨٦ ]
وممن رتب كتابه على الطبقات الإمام مسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ" في كتابه "الطبقات" وقد ذكرت المراجع أنه اقتصر على الصحابة والتابعين واكتفى بتجريد الأسماء١، وأنه قسم التابعين إلى ثلاثة طبقات٢، إلا أن المراجع لم تشر إلى طريقته في عرض الصحابة وهل اعتبرهم طبقة واحدة أم أكثر؟
واتبع نظام الطبقات أبوعروبة الحسين بن محمد بن مودود الحراني "ت١٣٧هـ" في كتابه "الطبقات"٣ إلا أن ما بقي منه لا يكفي لتوضيح حدود الطبقة عنده، إلا أنه اعتبر الصحابة طبقة واحدة.
واتبع هذا الترتيب ابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" في كتابيه "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار"، وقد اعتبر الصحابة طبقة أولى والتابعين طبقة ثانية والأتباع طبقة ثالثة وتبع الأتباع طبقة رابعة.
وكذلك فإن قسما من التواريخ المحلية اتبعت نظام الطبقات أيضا مثل "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" لأبي الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" حيث قسمهم حتى عصره إلى إحدى عشرة طبقة.
وكذلك "تاريخ الرقة" لمحمد بن سعيد القشيري "ت٣٣٤هـ" و"تاريخ داريا" لعبد الجبار الخولاني "ت٣٧٠هـ" ولا يختلف مفهوم الطبقة عند هؤلاء المؤلفين جميعا علما وجدناه عند ابن سعد وخليفة بن خياط.
وقدامتد استعمال نظام الطبقات إلى كتب التراجم الأخرى كتراجم
_________________
(١) ١ السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، ٦٨٤. ٢ العراقي: فتح المغيث، ٤/ ١٦١. ٣ ولأبي عروبة كتاب "طبقات الجزريين" و"طبقات أهل الرقة" مفقودان.
[ ١٨٧ ]
القراء١ والفقهاء٢ والصوفية٣ والشعراء٤ والأدباء٥ والنحاة٦ والأطباء٧ مما يدل على تأثير نظام الطبقات وشيوع استعماله في مجالات عديدة في حين أنه لم يبتكر إلا لخدمة علم الحديث. وعندما لم يلتزم أبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "حلية الأولياء" بنظام الطبقات بصورة دقيقة في سائر كتابه بل اكتفى بالتمييز بين الصحابة ومن تلاهم وخلط التابعين ومن بعدهم انتقده ابن الجوزي "ت٥٩٧هـ" فقال "إنه خلط في ترتيب القوم من ينبغي أن يؤخر وأخر من ينبغي أن يقدم فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل ولا على ترتيب المواليد ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط خصوصا في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه"٨. وقد رتب ابن الجوزي كتابه "صفة الصفوة" على الطبقات متبعا طريقة ابن سعد حيث اعتبر السابقة في الإسلام فقسم الصحابة إلى خمس طبقات، ثم ذكر التابعين ومن بعدهم على الطبقات أيضا، ويتداخل التنظيم على الطبقات مع التنظيم على المدن حيث يذكر الطبقات ضمن المدينة الواحدة، ويذكر أنه فعل ذلك تسهيلا للطلب على الطالب٩.
_________________
(١) ١ مثل "طبقات القراء" لخليفة بن خياط "ت٢٤٠هـ". ٢ مثل "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي "ت٤٧٦هـ". ٣ مثل "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي "ت٤١٢هـ". ٤ مثل "طبقات الشعراء" لمحمد بن سلام الجمحي "ت٢٣٢هـ". ٥ مثل "نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري "ت٥٧٧هـ". ٦ مثل "طبقات النحويين" لأبي بكر الزبيدي "ت٣٧٩هـ". ٧ مثل "طبقات الأطباء والحكماء" لأبي داؤد سليمان بن حسان الأندلسي "ت٣٧٧هـ. ٨ ابن الجوزي: صفة الصفوة ١/ ٥ ٩ المصدر السابق ١/ ٧.
[ ١٨٨ ]
إن الترتيب على الطبقات استمر متبعا في ميدانه الأصيل فرتبت بعض كتب الرجال على الطبقات حتى فترة متأخرة، فقد رتب عبد الغني المقدسي الجماعيلي "ت٦٠٠هـ" كتابه "الكمال في معرفة الرجال"١ على الطبقات، ولكن المزي "ت٧٤٢هـ" لم يحافظ على ترتيب الكمال عندما هذبه حيث رتبه على حروف المعجم وكذلك الذهبي "ت٧٤٨هـ" في كتابه "الكاشف عن رجال الكتب الستة"٢ وهو مختصر من تهذيب الكمال للمزي٣ اتبع الترتيب على حروف المعجم، كذلك فعل العسقلاني في كتابه "تهذيب التهذيب" الذي هو تهذيب لكتاب "تهذيب الكمال للمزي".
إن أبرز من اهتم بنام الطبقات في القرن الثامن الهجري هو الحافظ الذهبي "ت٧٤٨هـ" في كتبه "تذكرة الحفاظ" و"تاريخ الإسلام" و"المجرد في أسماء رجال كتاب ابن ماجه" ففي ثالث هذه الكتب نجده يرتب الرجال على الطبقات ويسمي الطبقة بإسم أحد الأعلام البارزين فيها فيقول: طبقة الأعمش وابن عون؛ طبقة الزهري وأيوب؛ طبقة ابن المسيب ومسروق، إلا أن هذه الطبقات ليست مرتبة على أساس زمني كما هو شأن كتب الطبقات الأخرى، بل اكتفى بتجميع من هم من طبقة واحدة، أما كتابه "تذكرة الحفاظ" فهو كما يدل عنوانه في تراجم الحفاظ فقط، وليس كتابا شاملا لرواة الحديث، وقد قسم الحفاظ حتى عصره إلى إحدى وعشرين طبقة، واعتبر في ذلك اللقيا، وقلما اعتبر سني الوفيات٤ التي نلاحظ تداخلها بين الطبقات
_________________
(١) ١ يوجد المجلد الرابع منه فقط مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق "حديث ٣٦٧ رقم ١١٥٨. ٢ مخطوط في دار الكتب الظاهرية "حديث ٣٢٠". وانظر العسقلاني: تهذيب ١/ ٧. وقد نشر أخيرا. ٣ الذهبي: الكاشف عن رجال الكتب الستة، المقدمة. ٤ من ذلك ترجمة زيد بن أبي أنيسة في الطبقة الرابعة مع أنه من طبقة الأوزاعي في الخامسة وعلل الذهبي ذلك بتقدم سنة وفاة زيد "أنظر تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٠" وربما فعل عكس ذلك كتأخيره ترجمة أبي الأحوص إلى الطبقة السادسة مع أن مكانه الخامسة وعلل ذلك بصغر سنه "انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٠".
[ ١٨٩ ]
المتتالية، وقد أشار الذهبي إلى ذلك بقوله "ولابد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين، وإلا فلو بولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات وأكثر"١.
ويمكن القول أن الطبقة في "تذكرة الحفاظ" تساوي الجيل في الغالب. أما كتابه "تاريخ الإسلام" فقد رتبه الذهبي على السنين والطبقات معا، فهو يذكر أحداث كل سنة ثم يترجم لم توفي فيها، وربما قدم الوفيات على الأحداث.
وقد أشار الذهبي إلى نقص المادة التي اعتمدها "ولم يعتن القدماء بضبط وفيات العلماء وغيرهم حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظ وفيات خلق من المجهولين، وجهلت وفيات أئمة من المعروفين، وأيضا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءها أحد من الحفاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا"٢.
وبسبب عدم ضبط القدماء للوفيات لجأ الذهبي إلى عقد فصل في الوفيات التي حدثت خلال فترة حكم الخليفة كلها فقد عقد فلا فيمن توفي في خلافة عمر٣، وفصلا آخر فيمن توفي في خلافة عثمان٤، ولكنه استطاع في معظم السنين أن يذكر سني الوفيات، وقد استعمل الطبقة كوحدة زمنية واضحة الحدود وجعلها تساوي عشر سنوات٥، وبذلك خالف الذهبي الأقدمين الذين اعتبروا اللقيا أساس التقسيم على الطبقات بل خالف نهجه هو في تذكرة الحفاظ الذي اعتبر فيه اللقيا ولم يعتبر الوفيات، ومع ذلك فإن الذهبي المحدث لا يستطيع أن يتخلص نهائيا من اعتبار اللقيا ففي ترجمة عبد الله بن الصمات في الطبقة الثامنة يقول "وقد تأخرت وفاته عن هذه الطبقة فسيعاد إن شاء الله تعالى"٦.
_________________
(١) ١ الذهبي: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٠. ٢ الذهبي: تاريخ الإسلام ١/ ١٧. ٣ الذهبي: تاريخ الإسلام ٢/ ٦٦. ٤ المصدر السابق ٢/ ٨٦. ٥ يلاحظ أن الإمام البخاري في التاريخ الصغير له ذكر من مات "من بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة" أي خلال عشر سنوات "انظر ص١٢٣ منه" فهل أفاد الذهبي منه؟. ٦ المصدر السابق ٣/ ١٧٦.
[ ١٩٠ ]
٣- التنظيم على المدن:
إن أقدم ما وصل إلينا من كتب الرجال التي اتبعت التنظيم على المدن كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد ثم كتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "٢٦١هـ" ثم كتاب "التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة "٢٧٩هـ" ثم كتاب "مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" وقد مثل هؤلاء المؤلفون شمول النظرة واتساع الأفق فكانت رقعة العالم الإسلامي بحدوده المترامية ميدانا فسيحا لدراساتهم، على أن نصيب المدن في كتبهم كان يتوقف على مكانتها العلمية ومدى نشاط الرواية فيها، فكلما كان عدد علمائها كثيرا وكانت الرواية فيها نشيطة كلما خصص لا المصنفون نصيبا أوفر في كتبهم، لذلك كان حظ المدينة المنورة وافرا في هذه المصنفات جميعا. فقد خصص لها خليفة بن خياط أكثر من ثلث كتابه وكان حظها في طبقات ابن سعد وافرا أيضا. فمن مجموع الستة مجلدات التي تناولت تراجم رجال الحديث نجد ثلاثة أجزاء تخصص للصحابة والصحابيات من أهل المدينة١، ومجلدا رابعا أشرك فيه مع المدينة بقية مدن الحجاز الأخرى إلا أن للمدينة فيه حصة أكبر٢. وللمدينة نصيب كبير أيضا في تاريخ ابن أبي خيثمة وفي كتاب مشاهير علماء الأمصار لابن حبان، واتفاق المصنفين على إعطاء المدينة هذه الأهمية الكبيرة له أهمية في الدلالة على كثرة العلماء ونشاط الرواية فيها وتفوقها على مراكز لعلم الأخرى في العالم الإسلامي خلال القرنين الأولين للهجرة على الأقل، ولا عجب في ذلك لأن المدينة دار السنة فيها تجمع الصحابة في حياة رسول الله ﷺ عن طريق الهجرة حيث تلقوا الرواية عن النبي ﷺ فكانوا مصادر العلم لمن جاء بعدهم من حملة العلم ورواة الآثار. ومن المدينة انتشر العلم إلى بقية المدن والأمصار بخروج عدد كبير من الصحابة منها بعد وفاة النبي ﷺ حيث استقروا في البلاد المفتوحة ونشروا العلم والرواية فيها.
_________________
(١) ١ المجلد الثالث والرابع والثامن من الطبقات الكبرى لابن سعد "طبعة بيروت". ٢ المجلد الخامس "طبعة بيروت".
[ ١٩١ ]
إن المكانة العلمية والأدبية التي تمتعت بها المدينة تجعل من الصعوبة بمكان أن تتقدمها أية بلدة أخرى حتى أن ابن الجوزي "القرن السادس الهجري" أراد أن يتخذ بغداد نقطة البداية في ترتيب كتابه "صفة الصفوة" لأنها أولى من غيرها إلا أنه "لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفهما"١ فإنه بدأ بالمدينة ثم ذكر مكة قبل بغداد.
أما بقية مدن الحجاز فقد كان دورها في الرواية ضئيلا إذا قيست بالمدينة، وتبرز بينها مكة بسبب مركزها الديني واجتماع العلماء فيها في مواسم الحج حيث يعقدون بعض الحلقات العلمية خلال هذا الموسم كما برز بعض الموالي من أهلها في العلم والرواية. إن نشاط الرواية يظهر بصورة قوية تكاد تضاهي المدينة في العراق وعلى وجه التحديد في الكوفة والبصرة فقد استقر فيهما عدد كبير من الصحابة فيهم من اشتهر بقراءة القرآن مثل أبي موسى الأشعري وفيهم من عرف بالفقه مثل عبد الله بن مسعود الذي أسس مدرسة في الكوفة برز من بين تلاميذها عدد من جهابذة العلم، وكان للدور السياسي الذي لعبته الكوفة في القرن الأول الهجري خاصة أثر كبير في تنشيط الرواية فيها فالنزاع السياسي بين دمشق والكوفة جعل الحاجة إلى الرواية قوية لدعم وجهات نظر المتنازعين في عصر كان أهله يهتمون كثيرا بموافقة أعمالهم للشرع الذي كان يعني آنذاك نصوص القرآن والحديث.
أما دور البصرة في الرواية فهو يلي دور الكوفة فقد نزلها صحابة لا يقل عددهم عمن نزلوا الكوفة، ولكن عدد من اشتهر بالرواية من التابعين من أهل البصرة أقل من عددهم في الكوفة. فقد ذكر ابن سعد ما ينيف على الخمسمائة تابعي ممن عرفوا بالرواية من أهل الكوفة ولم يزد عدد التابعين الذين عرفوا بالرواية من أهل البصرة على المائتين إلا قليلا، ولعل في ذلك ما يلقي ضوءا على درجة شيوع العلم وكثرة العلماء في المدينتين.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: صفة الصفوة ١/ ٧-٨.
[ ١٩٢ ]
وتأتي بقية مدن العراق بعد الكوفة والبصرة في النشاط العلمي خلال الفترة التي شملتها دراسة كل من خليفة بن خياط ومحمد بن سعد، ويلاحظ تأخر بناء مدينتي واسط وبغداد فلم ينزل فيها صحابي ولا تابعي بل نزح إليهما أتبع التابعين من الكوفة والبصرة١، فكان إزدهار العلم ببغداد متأخرا عن دراسة خليفة وابن سعد لذلك لم تحظ بنصيب وافر في كتابيهما وقد أصبحت بغداد فيما بعد مدينة العلم وموسم العلماء حتى ذكرها ابن حبان في جملة المدن التي نزلها الصحابة تعصبا لها بعد أن ذكر أنها محدثة لم ينزلها أحد من الصحابة٢. ولم تكن أهمية المشرق الإسلامي قد برزت في الرواية خلال القرنين الأولين للهجرة لذلك لم ينل عناية كبيرة عند خليفة بن خياط ولا عند محمد بن سعد وقد ازدهرت الرواية فيه خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين ومن ثم فقد اعتبرهما ابن حبان من الأقاليم "المشهورة في الإسلام المعروفة بعلماء الأيام"٣. كذلك كان دور غرب العالم الإسلامي ثانويا في الرواية خلال القرنين الأولين إلا الشام فقد نزلها عدد كبير من الصحابة وتليها من حيث نشاط الرواية مصر أما الجزيرة والعواصم والثغور.. أما أيلة وأفريقية الأندلس فلم تبرز في هذه الفترة المبكرة فكان حظها في كتابي خليفة وابن سعد قليلا أيضا. ويبدو من ملاحظة تسلسل المدن عند خليفة بن خياط ومحمد بن سعد أن كليهما راعى في تقديم البلدة على غيرها كثرة العلماء ونشاط الرواية فيها وهذا يظهر في إتفاهما على تقديم المدينة فالكوفة فالبصرة على بقية المدن الإسلامية كذلك فعل ابن حبان بعد ما ينيف على القرن من ظهور كتابي خليفة وابن سعد.
كذلك نجد أن خليفة يذكر الصحابة من أهل المدينة ثم ينتقل مباشرة إلى الكلام عن الكوفة قبل أن يتم طبقات اهل المدينة، ولا يعود إلى ذكر التابعين.
_________________
(١) ١ ابن حبان البستي: مشاهير علماء الأمصار، ١٧٦. ٢ المصدر السابق، ١٩٤. ٣ المصدر السابق، ١-٢.
[ ١٩٣ ]
ومن بعدهم من أهل المدينة إلا بعد أن ينهي كلامه عن أهل الكوفة بكافة طبقاتهم ثم ينتقل إلى البصرة فيذكر طبقاتهم كافة وبعد أن ينتهي منهم يعود إلى المدينة فيذكر بقية طبقاتها، ولعله أراد أن يتم المادة المتعلقة بالصحابة فلاحقهم إلى الأمصار التي استقروا فيها بأعداد كثيفة.
وثمة ظاهرة أخرى تبرز عند خليفة هي أنه لم يراع العامل الجغرافي كثيرا في تسلسل المدن التي ذكرها فهو يقفز من مكان إلى آخر فقد انتقل كما ذكرت من الحجازإلى العراق ثم عاد إلى الحجاز وكذلك لم يتناول واسط وبغداد بعد الكوفة والبصرة بل ذكرهما في آخر كتابه ولعله اعتبر في ذلك المكانة العلمية حيث أن واسط وبغداد تأخرت عمارتهما وبالتالي تأخر ازدهار الرواية فيهما عن المدن الأخرى. إن مراعاة العامل الجغرافي تفي تسلسل المدن يظهر عند محمد بن سعد فعندما ذكر المدينة لم ينتقل من الحجاز إلا بعد أن ذكر مراكز العلم الأخرى فيه وهي الطائف واليمن واليمامة والبحرين على التوالي، وعندما ذكر الكوفة والبصرة لم يغادر العراق إلا بعد ذكر واسط والمدائين وبغداد، ثم ذكر المشرق بكافة مراكزه وهي خراسان والري وهمذان وقم على التوالي، ثم ذكر الأنبار، ثم انتقل إلى المغرب فذكر الشام ثم الجزيرة فالعواصم والثغور فمصر فأيلة فأفريقية فالأندلس وهكذا راعى ابن سعد العامل المكاني تسلسل المدن إلى جانب مراعاته المكانة العلمية، ويظهر اعتبار العامل الجغرافي في تسلسل المدن عند مصنف آخر هو مسلم بن الحجاج حيث أن تسلسل ذكر المدن عنده مطابق لما هو عند ابن سعد١ وكذلك يظهر اعتبار العامل الجغرافي عند ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبيرفقد ذكر مكة فالطائف فاليمن فاليمامة فالمدينة فالكوفة.
وقد أهمل خليفة أماكن ذكرها ابن سعد وهي همذان وقم والأنبار والبحرين والثغور وأيلة والأندلس ولكنه أضاف مراكز جديدة أهملها ابن سعد وهي الموصل والمغرب وقد تناول المغرب بشيء من التفصيل.
_________________
(١) ١ عن تسلسل المدن في طبقات مسلم، أنظر السخاوي: الاعلان، ٦٨٤.
[ ١٩٤ ]
وبعد مضي حوالي القرن من تأليف الكتب السالفة الذكر ألف محمد بن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" كتابه "مشاهير علماء الأمصار" ورتبه على المدن أيضا ولكنه لم يتقيد بتسلسل المدن الذي وجدناه عند خليفة وابن سعد إلا من حيث تقديم المدينة على بقية المدن، وابن حبان صريح في بيان اقتصاره على الأماكن التي شملها بحثه فهي "ستة أصقاع تشملها عمارة الإسلام وما وراءها من المدن يسكنها غير أولي الأحلام أولها الحجاز بحواليها، والثاني العراق بنواحيها، والثالث الشام بأطرافها والرابع مصر بجوانبها، والخامس اليمن بما والاها، والسادس خراسان بما دار عليها، هذه المدن المشهورة في الإسلام المعروفة بعلماء الأيام"١.
وقد ذكر سبب تقديمه المدينة على غيرها من المدن "لأنها مهبط الوحي ومعدن الرسالة وبها نصر المصطفى ﷺ كثيرا، ومنها انتشر الإسلام وظهر أعلام الدين وبها قبر رسول الله ﷺ وضجيعيه أبي بكر وعمر ﵄ وإياها قطن جلة الصحابة"٢. ويشترط ابن حبان استيطان الرجل في المدينة كي يعده من أهلها ولا يهمه بعد ذلك أن تكون وفاته في غيرها٣، ومن هذا العرض نتبين أن العوامل التي أثرت في ترتيب المدن وتقديم بعضها على الآخر هي أولا المكانة العلمية للمدينة، وثانيا الأهمية الدينية وثالثا العامل الجغرافي.
وكان كل من خليفة بن خياط ومحمد بن سعد وابن أبي خيثمة واسع الأفق شامل النظرة حين جعل رقعة العالم الإسلامي ميدانا لدراساته ولا شك أن للرحلة في طلب العلم أثرا كبيرا في امتزاج علم الأمصار المختلفة، فقد بدات الرحلة في طلب العلم في جيل الصحابة، فكان الصحابي يرحل في طلب حديث واحد لم يسمعه عن النبي ﷺ أو للتثبت من حديث يشك في دقة حفظه
_________________
(١) ١ ابن حبان: مشاهير علماء الأمصار، ١-٢. ٢ المصدر السابق، ٣. ٣ ابن حبان: مشاهير علماء الأمصار، ٣٧، ٤٢.
[ ١٩٥ ]
له، وممن عرف بالرحلة من الصحابة جابر بن عبد الله١ وأبو أيوب الأنصاري٢، واستمرت الرحلة في جيل التابعين لتلقي العلم عن الصحابة الذين تفرقوا في الأمصار عقب الفتوحات، وأصبح طلب الإسناد العالي هدفا للمحدثين فبدل أن يأخذ عن تابعي من طبقته فإنه يرحل إلى الصحابي الذي أخذ عنه التابعي فياخذ عنه مباشرة وكان لظهور الوضع في الحديث أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلبا للحديث من مظانه وتدقيقا لمصادره وبحثا عن أصوله وقد اشتهر بذلك من التابعين سعيد بن المسيب ومسروق وعامر الشعبي والحسن البصري وأبو العالية الرياحي٣. وقد اتسع نطاق الرحلة في طلب العلم بعد جيل التابعين وبلغ أوجه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ويقدم الرامهرمزي "ت٣٦٠هـ" قائمة بأسماء المحدثين الذين رحلوا في الأقطار مرتبا إياهم على الطبقات فذكر من رحل منهم إلى عدة أقطار ومن قصد ناحية واحدة للقاء من بها من العلماء، وهذه الأقطار التي كان العلماء يقصدونها هي مراكز الثقافة في العالم الإسلامي آنذاك. وقد كان للرحلة في طلب العلم أثر في شيوع العلم وتكثير طرق الأحاديث والتعرف على رجال الحديث لأن المحدث يذهب إليهم في بلدهم فيخالطهم ويسألهم ويتعرف على أحوالهم وسيرتهم في بلدهم٤، ومع ذك فقد وجدت العصبية المحلية مجالا بين أهل الحديث ففخر بعضهم بمصادر مروايتهم وتهكم بمصادر الآخرين وسخر من شيوخهم "فقد حضر جماعة من أهل الكوفة وأهل الحجاز عند عبد الله بن أدريس فجرى ذكر المسكر فحرمه الحجازيون وجعل أهل الكوفة يحتجون في
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ١/ ٢٩، ابن عبد البر: جامع بيان العلم ١/ ٩٣، الخطيب: الكفاية، ٤٠٢. الرامهرمزي: المحدث الفاصل ١/ ١٨أ. ٢ ابن عبد البر: جامع بيان العلم ١/ ٩٣-٩٤، والخطيب: الكفاية ٤٠٢. ٣ الدارمي: سنن ١/ ١٣٦، الرامهرمزي: المحدث الفاصل ٢/ ١٧ب-١٨أ، ابن عبد البر: جامع بيان العلم ١/ ٩٤، ٩٥. الخطيب: الكفاية، ٤٠٢-٤٠٣. ٤ أنظر موضوع "الرحلة في طلب العلم".
[ ١٩٦ ]
تحليله إلى أن قال بعضهم: حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن ذي لعوة عن علي في الرخصة فقال الحجازيون: والله ما تجيئون به عن المهاجرين ولا عن الأنصار ولا عن ابنائهم وإنما تجيئون به عن العميان والعوران والعرجان والعمشان والحولان"١، فرغم أن الجدل ثار حول مسألة فقهية إلا أن نقد الحجازيين انصب على مصادر روايات أهل الكوفة إذ أن هذه الألقاب كلها للموالي ولم يتلقب بها العرب، وهكذا فخر الحجازيون بشيوخهم من المهاجرين والأنصار وتهكموا بالشيوخ الكوفيين من الموالي، ومن ذلك أيضا ما حدث به الأصمعي "أنه سمع عمرو بن قيس يقول: ما ينصفنا أهل العراق نأتيهم بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله الطبيب ويأتونا بنظرائهم زعموا بأبي التياح وأبي قلابة أسماء المقابلين، لو أدركنا أبا الجوزاء لأكلناه بتمر ولو أدركنا الشعبي لشعب لنا القدور ولو أدركنا النخعي لنخع لنا الشاة!! "٢.
وهكذا تتكرر السخرية بمصادر مرويات أهل العراق، والذين ذكرتهم الرواية كلهم من الموالي. ولنستمع إلى أبي عبد الله المقرئ٣ يخاطب أهل الري فيقول "يا أهل الري من الذي أفلح منكم؟ إن كان ابن الأصبهاني فمنا وإن كان إبراهيم بن موسى قمنا وإن كان جرير فمنا وإن كان الخط فجدي علمكم، ما أفلح منكم إلا رجل واحد ولن أقول لكم حتى تموتوا كمدا"٤.
والطريف أن أبا عبد الله المقرئ ولد بالري وإنما أصله من أصبهان فافتخر بمدينة آبائه وعاب على الري مسقط رأسه أنها لم تنجب علماء مشهورين. ولقد دفعت المنافسة العلمية بين مدينة جرجان ومدينة نيسابور شاعرا من نيسابور وهو محمد بن إبراهيم بن يحيى البشتي إلى نظم قصيدة في رجال مدينته مفتخرا بتاريخ وحاضر المدينة العلمي ومباهيا بذلك مدينة جرجان وهذه بعض أبياتها:
_________________
(١) ١ الحاكم: معرفة علوم الحديث، ٧٣. ٢ ابن عدي: الكامل ١/ ٤٤ب-٤٥أ. ٣ هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن عيسى المقري توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين كان إماما في القراءة وقد صنف كتبا في القرآن ولد بالري وكان أصله من أصبان "أبو الشيخ الأنصاري: طبقات المحدثين بأصبهان ٢/ ١٠٥-١٠٦". ٤ أبو الشيخ الأنصاري: طبقات المحدثين بأصبهان ٢/ ١٠٥-١٠٦".
[ ١٩٧ ]
ودع ذكر جرجان فإن شيوخنا ببلدة نيسابور أعلى فما الحزن
فيحيى بن يحيى لا يقاس بغيره كفاك به عزا إذا كنت ممتحن
وتابعهم إسحق لله دره١ نعم والرباطي فضلهم غير مكتمن٢
وقد لعبت عصبية الأمصار دورا في نشوء تواريخ المدن بصورة عامة وبالتالي ظهور تواريخ الرجال المحلية التي تقتصر في التأليف على رجال بلدة بعينها بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي على غيرها من المدن، وقد كانت عصبية الأمصار دافعا مباشرا في كتابة بعض تواريخ الرجال المحلية قال حمزة السهمي "ت٤٢٧هـ" في مقدمة كتابه تاريخ جرجان "فإني لما رأيت كثير من البلدان تعصب أهلها وأظهروا مفاخرها بدخول الصحابة ﵃ أجمعين بلادهم وكون الخلفاء والأمراء وجماعة من العلماء عندهم، حتى أرخوا لذلك تواريخ وصنفوا فيها تصانيف على ما بلغهم، ولم أر أحدا من مشايخنا ﵏ صنف في ذكرعلماء أهل جرجان تصنيفا أو أرخ لهم تاريخ على توافر علمائها وتظاهر شيوخها وفضلائها فأحببت أن أجمع في ذلك مجموعا" ثم ذكر انحطاط النشاط الفكري في جرجان إذ تفانى العلماء الذين يوثق بعلمهم٣.
ولعل أقدم كتاب خصص لرجال مدينة معينة هو تاريخ واسط لبحشل ألفه سنة ٢٨٨هـ وهذا لا يعني أن التواريخ المحلية لم تكن معروفة قبل بحشل، فقد ألف ابن زبالة كتابه "أخبار المدينة" في حدود سنة ١٩٩هـ٤ والف الأزرقي "ت بعد ٢٤٤هـ" كتابه "أخبار مكة" في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولكن هذه المؤلفات في تواريخ المن لم تتناول تراجم المحدثين في المدينة فلا صلة لها بعلم الرجال. وقد ذكر التقى الفاسي مؤرخ مكة في القرن
_________________
(١) ١ في الأصل "فكر جرجان" وقد اثبت "ذكر جرجان" ليستقيم المعنى، وكذلك "كفاك". أصلها "كلاك" و"دره" أصلها "درة". ٢ الحاكم: تاريخ نيسابور ١٠٢-١٠٣. ٣ السهمي: تاريخ جرجان، ٣-٤. ٤ انظر عن نطاق ابن زبالة صالح العلي: المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ١٣.
[ ١٩٨ ]
الرابع عشر الميلادي في مقدمة كتابه "العقد الثمين" "أنه غير مسبوق بالفصل الذي خصصه للتراجم من كتابه"١ وقد تعجب الفاسي من هذه الظاهرة فقال في كتابه الآخر شفاء الغرام "وإني لا عجب من إهمال فضلاء مكة بعد الأزرقي للتأليف على منواله ومن تركهم تأليفا لتاريخ مكة يحتوي على معرفة أعيانها من أهلها وغيرهم من ولاتها وقضاتها وخطبائها وعلمائها كما صنع فضلاء غيرها من البلاد"٢.
"وأما تاريخ المدينة فقد عولج على نمط ما عولج به تاريخ مكة إذ يبدو أنه لم يحتو إلا على قليل من التراجم، يدل على هذا عدم اقتباس كتاب التراجم المتأخرين شيئا من تواريخ المدينة المنورة"٣، إلا نقولا ضئيلة أوردها السخاوي عن عمر بن شبة "ت٢٦٢هـ" في التحفة اللطيفة وهي لا تدل على أن ابن شبة ترجم للأشخاص بالشكل الذي نده في كتب التراجم٤، فتواريخ المدن التي سبقت بحشل كانت تعني بطوبوغرافية المدينة وأخبارها ولم تركز على رجال البلدة لذلك فيمكن القول أن بحشل هو أقدم من أكد على رجال البلدة فقد أصبح العلماء أهم ما تتميز به المدن المتنافسة، ومن ثم فقد غلبت التراجم على مادة تواريخ المدن بعد بحشل.
وقد قدم بحشل لكتابه بمقدمة مقتضبة جدا عن تاريخ وخطط واسط لا تتناسب وتواريخ المدن المؤلفة قبله، ثم ترجم لعلمائها، وقد تابعته تواريخ الرجال المحلية التالية في الشكل والمحتوى فالمقدمة ثم ذكر الصحابة فبقية رجال البلدة هو الهيكل العام لسائر تواريخ الرجال المحلية، وإن توسع البعض في المقدمة فضمنها معلومات طبوغرافية وأخبارا وأساطير تتصل بالمكان الذي يكتب عنه مما يعبر عن العصبية للأمصار، كما يبدو أن ذكر من دخل البلدة من
_________________
(١) ١ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ٢٢٥. نقل ذلك عن العقد الثمين "أربعة مجلدات تيمور تاريخ ٨٤٩". ٢ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ٢٢٧. ٣ المصدر السابق، ٢٢٤. ٤ انظر العلي: المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ١٨.
[ ١٩٩ ]
الصحابة له صلة بحديث يرفعه بريدة إلى النبي ﷺ ونصه "من مات من أصحابي ببلدة فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة" ١. ومن ثم فقد حوفظ على تقديم الصحابة حتى في التواريخ التي لم ترتب مادتها على الطبقات مثل تاريخ أصبهان لأبي نعيم وتاريخ بغداد للخطيب، لقد نحت كتب الرجال المحلية منحي بحشل في تاريخ واسط فعل ذلك محمد بن سعيد القشيري في "تاريخ الرقة" الذي أملاه سنة ٣٣٤هـ ولكنه اقتصر في المقدمة على خبر فتحها وذكر شروط الصلح٢، وأبو الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" في "طبقات المحدثين بأصبهان" والقاضي عبد الجبار الخولاني "ت٣٧٠هـ" في "تاريخ داريا" ولكن الأخير يحذف المقدمة المتعلقة بأخبار المدينة وأما أبو الشيخ الأنصاري فيتوسع فيها كثيرا يتحدث فيها عن طوبوغرافية المدينة ثم عن فضائلها وعجائبها٣، وقد عبر أبو الشيخ بذلك عن إعجابه بمدينته وتعلقه با وقد تميزت ترجمة سلمان الفارسي الأصبهاني الأصل بطولها حتى أخذت نصف ما خصصه للصحابة الذين نزلوا أصبهان وعددهم ثمانية عشر صحابيا، ولم ينس أن يذكر اختلاف الروايات في فتح أصبهان أكان عنوة أم صلحا؟ ثم رجح أنه كان صلحا٤.
وقد تابعه ونقل عنه كثيرا أبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "ذكر أخبار أصبهان"، وإن خالفه في ترتيب كتابه حيث رتب أبو نعيم كتابه على حروف المعجم. أما "تاريخ نيسابور" للحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ".
_________________
(١) ١ الخطيب: تاريخ بغداد ١/ ١٢٨، البيهقي: تاريخ البيهقي ٢٢، الحاكم: تاريخ نيسابور، ٧. ٢ القشيري: تاريخ الرقة ٣-٧. ٣ كذكره أن أصبهان لا يزال فيها ثلاثون رجلا مستجابي الدعوة بفضل دعاء إبراهيم ﵇ لها. وقد أنبت الله في تربتها الزعفران وألقى في جبالها الشهد، ويورد كتاب الحجاج بن يوسف إلى عامله عليها وفيه أن أصبهان أوسع المملكة رقعة وعملا وأكثرها خراجا بعد فارس والأهواز وأزكاها أرضا ثم يذكر خيراتها الكثيرة بتفصيل. ٤ أبو الشيخ الأنصاري: طبقات المحدثين بأصبهان، المقدمة.
[ ٢٠٠ ]
فلا يختلف عن طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ في مقدمته وفي ترتيب تراجمه، فهو يبدأ بذكر مفاخر خراسان والأحاديث في فضل الأعاجم ثم خص نيسابور بحديثين هما "خير خراسان نيسابور"والآخر" نعم البلد نيسابور"، ثم ترجم لعلمائها على الطبقات.
كذلك فلا يلاحظ وجود اختلاف كبير حتى في التواريخ المحلية المتأخرة مثل "تاريخ بغداد" للخطيب "ت٤٦٣هـ" و"تاريخ دمشق" لابن عساكر "ت٥٥٧هـ" رغم أنهما تميزا بالشمول والتفصيل إذ لم يقتصرا على تراجم المحدثين، كما وتوافرت لهما مادة أضخم نتيجة للتطور الذي أحرزته المدينة الإسلامية.
وهكذا لعبت المفاخرات بين المدن دورا كبيرا في صياغة مقدمات تواريخ الرجال المحلية، بل ربما كانت حافزا لتدوين تواريخ الرجال المحلية بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي، ولكن ينبغي أن لا ننسى أن الحافز الأصلي هو الرغبة القوية في خدمة علم الحديث عن طريق التعريف بالرواة ومواطنهم، فتواريخ الرجال المحلية تدخل ضمن كتب علم الرجال ويجب أن ينظر إليها بهذا المنظار.
وقد أعتبر التعرف على شيوخ البلد ورواياتهم من أول ما تجب معرفته على طالب الحديث في ذلك البلد، فهذا صالح بن أحمد التميمي الحافظ "ت٣٨٤هـ" مؤلف طبقات الهمذانيين يقول "ينبغي لطالب الحديث وعن عني به أن يبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه من سقيمه، ويعرف أهل التحديث به وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديما وحديثا، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه"١.
أن ميزة تواريخ الرجال المحلية هي أن معلوماتها عن علماء البلد الذي تختص بدراسته أدق وأكثر استقصاء وشمولا نتيجة عيش المصنف في البيئة التي يؤرخ لرجالها ولذلك فإن تواريخ الرجال المحلية لقيت اهتماما من طلاب
_________________
(١) ١ الخطيب: تاريخ بغداد ١/ ٢١٤.
[ ٢٠١ ]
الحديث حتى أن بعضها كان يدرس في حلقات العلم وكان الخطيب البغدادي يحدث بتاريخ بغداد فيها"١ وقد نقل أبو سعد السمعاني عن عبد الرحمن بن محمد القزاز أنه سمع جميع كتاب تاريخ مدينة السلام من مصنفه الخطيب إلا جزآن توفيت والدته فشغله دفنها عن سماعهما، ولم يعد الخطيب عليه ما فاته "لأنه شرط في الابتداء أن لا يعاد الفوت لأحد، فبقي الجزء غير مسموع"٢ ويدل قوله "أن لا يعاد الفوت لأحد" أن الخطيب كان يحدث بتاريخه في حضور عدد من الطلاب.
وربما رحل البعض في طلب أحد تواريخ الرجال المحلية من ذلك رحلة أبي الفضل بن الفلكي الهمذاني إلى نيسابور حيث كان أحد دوفعها الحصول على تاريخ نيسابور للحاكم٣.
أن التقسيم على المدن سواء في كتب الطبقات العامة أم نتيجة التصنيف في رجال بلدة واحدة يمكننا من معرفة بلدان الرواة ومواطنهم والصلة بين بعضهم، فمن طريق معرفة أوطان الرواة يمكن التحقق من اللقاء بين الرواة، فإذا لم يكونا من بلد واحد، ولم يدخل أحدهما بلد الآخر ولا التقيا في حج ونحوه، وليست للراوي إجازة بما يروي فعندئذ يعرف أن في السند إرسالا أو انقطاعا اوعضلا أوتدليسا٤.
كما أن معرفة أوطان الرواة ربما تفيد في التمييز بين الاسمين المتفقين في اللفظ فينظر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه، فربما كانا أو أحدهما من بلد
_________________
(١) ١ ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٣٤٦. ٢ ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٢٥٢-٢٥٣. ٣ الخطيب: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٤. ٤ السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٣٨٦. وقد اكتشف ابن معين كذب عمر المجالدي عندما حدث بحديث عن أبي معاوية لم يحدث به أبو معاوية ببغداد "الخطيب: تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٥".
[ ٢٠٢ ]
أحد المتفقين في الاسم فيغلب على الظن أن أحدهما هو المذكور في السند لا سيما إذا لم يعرف له سماع بغير بلده١.
لقد استعاضت كتب تواريخ الرجال التي لم ترتب على المدن عن ذلك بذكر عداد الرجل في الأمصار، وربما نسبته إلى المدينة والقبيلة معا، أما قول البعض "أن ما حدث للعرب من الانتساب إلى البلاد والأوطان لما غلب عليها من سكنى القرى والمدائن وضياع كثير من أنسابها فلم يبق لها غير الانتساب إلى البلدان، وكانت قبل ذلك تنسب إلى القبائل"٢ فهو يصدق على المتأخرين من الرواة أما المتقدمون فقد ذكرت أنسابهم إلى جانب ذكر الأمصار التي نزلوها وذلك زيادة في التعريف بهم ما فعل البخاري في التاريخ الكبيروهو يترجم للمتقدمين إذ آخرهم من عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري.
_________________
(١) ١ العراقي: فتح المغيث: ٤/ ١٦٤. ٢ العراقي: فتح المغيث ٤/ ١٦٤.
[ ٢٠٣ ]
٤- التنظيم على حروف المعجم:
وقد استعمل هذا الترتيب لتسهيل الكشف عن أصحاب التراجم خاصة وأن المؤلفين القدامى لم يستعملوا الفهارس المفصلة التي نجدها في المطبوعات الحديثة، لكن الترتيب على حروف المعجم لم يكن بالدقة التي تظهر في الفهارس التي يضعها المحققون في عصرنا لما ينشرونه من الكتب، فإن مصنفي كتب علم الرجال أحيانا يراعون الحرف الأول من إسم الرواة كما فعل البخاري في كتابيه "التاريخ الكبير" و"الضعفاء الصغير"، وأحيانا يجمعون بين الرواة ذوي الإسم الواحد، وقد يقدمون الحرف على سابقه إذا كثرت الأسماء التي تبدأ بالحرف المتأخر كأن يكون من إسمهم خالد كثيرون ومن إسمم حنين قليلون فيتقدم عليهم الخالدون رغم أن "الخاء" بعد "الحاء" كذلك كثيرا ما يتجاوز المصنفون القاعدة فيقدمون "المحمدين" على سواهم كما فعل الخطيب البغدادي مثلا في "تاريخ بغداد" أو يقدمون الصحابة عامة على من سواهم ضمن الحرف الواحد كما فعل ابن ابي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل".
[ ٢٠٣ ]
إن تنظيم التراجم على حروف المعجم حدث منذ فترة مبكرة.
فمن كتب الرجال الأولى المرتبة على حروف المعجم كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري المتوفى "٢٥٦هـ" وكتاب "الكنى والأسماء" لمسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ" وكتاب "الضعفاء" للعقيلي "ت٣٢٢هـ" وكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي "ت٣٢٧هـ" وكتاب "تاريخ هراة" لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد "ت٣٣٤هـ"١ وكتاب "المجروحين من المحدثين" لابن حبان "ت٣٣٤هـ" أما كتاب "الثقات" لابن حبان أيضا فقد رتبه على الطبقات ثم على حروف المعجم ضمن الطبقة الواحدة.
وممن رتب كتابه على حروف المعجم ابن عدي الجرجاني "ت٣٦٠هـ" في كتابيه "أسامي من روى عنهم البخاري" وكتاب "الكامل في ضعفاء المحدثين"، ومن بعد الكلاباذي "ت٣٩٨هـ" في كتابه "الأسماء والكنى" وإن كان متأثرا بفكرة الطبقات حيث قسم الرواة إلى صحابة ثم تابعين ومن بعدهم وضمن هذا التقسيم رتب الرواة على حروف المعجم، وكذلك استعمل أبو عبد الله بن مندة "ت٣٩٥هـ" الترتيب على المعجم في كتابه "معرفة الصحابة"، ثم الحاكم "ت٤٠٥هـ" في "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم" رغم أنه قدم الصحابة على غيرهم متأثرا بنظام الطبقات، ثم السهمي "ت٤٢٧هـ" في "تاريخ جرجان".
ثم تلاحقت كتب التراجم المرتبة على حروف المعجم وتدريجيا تخلصت من آثار نظام الطبقات، فالخطيب البغدادي "ت٤٧٦هـ" في "تاريخ بغداد" رتب كتابه على حروف المعجم بادئا بترتيب السماء على المعجم ثم اصحاب الكنى ثم النساء في آخر الكتاب وبذلك تخلى -إلى حدث كبير- عن نظام الطبقات. لقد مالت كتب التراجم منذ القرن الخامس إلى الترتيب على حروف المعجم وترك
_________________
(١) ١ السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، ٦٥٣.
[ ٢٠٤ ]
نظام الطبقات والمدن لتسهيل مهمة من يبحث فيها، فاستعمال كتب الرجال المصنفة على الطبقات والمدن والأنساب تتطلب معرفة بصاحب الترجمة لا يمتلكها الكثيرون ممن يراجعونها خاصة وأنه لا توجد آنذاك فهارس للكتب. لقد صرح كثير من المصنفين بالدافع الذي جعلهم يختارون الترتيب على حروف المعجم.
قال ابن حبان "ت٣٣٤هـ" في كتاب "الثقات" "فإنا نفصل أسماء أتباع التابعين ونذكر ما يعرف من أنساب المشهورين منهم وأوقات موتهم ونقصد في نظر اسمائهم المعجم ليكون أسهل عند البغية لمن أراد، لعلمي بتعذر حفظ الجل منه على أكثر الناس"١.
وقال ابن عدي الجرجاني "ت٣٦٠هـ" في مقدمة كتابه "الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين" "وصنفته على حروف المعجم ليكون أسهل على من طلب راويا منهم"٢.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في مقدمة كتابه "ذكر أخبار أصبهان":
"اما بعد. فإن بعض الإخوان رعاهم الله سأل الاحتذاء بمن تقدمنا من السلف ورواة الحديث في نظم كتاب يشتمل على أسامي الرواة والمحدثين وابتغي أن يكون ذلك مرتبا على حروف المعجم ليسهل الوقوف عليه فأجبته إلى ذلك"٣. لقد كانت الرغبة إذا في تسهيل مراجعة هذه التصانيف هي العامل الوحيد الذي حدا بالأقدمين إلى الترتيب على حروف المعجم متخلين عن نظام الطبقات والمدن بصورة تدرجية.
وقد علل الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي تخليه عن نظام الطبقات الذي اتبعه صاحب الكمال٤ "ت٦٠٠هـ" بأن نظام الطبقات
_________________
(١) ١ ابن حبان: الثقات، مقدمة الجزء الثاني. ٢ ابن عدي: الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين ١/ ١أ. ٣ أبو نعيم الأصبهاني: ذكر أخبار أصبهان ١/ ١. ٤ هو عبد الغني المقدسي الجماعيلي صاحب كتاب "الكمال في معرفة الرجال".
[ ٢٠٥ ]
يوهم أحيانا. إذ أن للصحابي رواية عن النبي ﷺ وعن غيره، فإذا رأى من لا خبرة له رواية الصحابي عن الصحابي ظن الأول تابعيا فيكشفه في التابعين فلا يجده فكان سياق الرواة كلهم مساقا واحدا على الحرف أولى١.
_________________
(١) ١ العسقلاني: تهذيب التهذيب ١/ ٧
[ ٢٠٦ ]
علم الرجال والتاريخ:
لقد كانت كتب الرجال يطلق عليها "تأريخ" سواء كانت مرتبة على الطبقات أم على حروف المعجم، ومن هنا حاول المتأخرون أن يميزوا بين التواريخ والطبقات، وقد اعتبر العز بن جماعة ذلك من الأمور المشكلة، وحاول التمييز بينها بعبارة غامضة فقال: "والحق عندي أنهما بحسب الذات يرجعان إلى شيء واحد، وبحسب الاعتبار يتحقق ما بينهما من التغاير"١.
وقد عقب السخاوي على ذلك بقوله: "بينهما عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التاريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها، لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة"٢.
وقد ذكر السخاوي أن كلامه في التفريق بين التاريخ والطبقات ينطبق على مصنفات الأقدمين في الطبقات، ذلك لأن المتأخرين راعوا في الطبقات سني الوفيات.
إن بعض المؤلفين أطلقوا على كتبهم في الرجال اسم التاريخ منذ فترة مبكرة ترجع إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، حيث أطلقه البخاري على بعض مصنفاته في الرجال وهي "التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" و"التاريخ الصغير" كذلك فعل معاصره علي بن المديني "ت٢٣٤هـ" حيث سمى كتابه في الرجال بـ "التاريخ" وسمى ابن أبي خيثمة "ت٢٧٩هـ".
كتابه بـ "التاريخ الكبير" وتابعهم في ذلك بعض المؤلفين التالين، وكانت كلمة
_________________
(١) ١، ٢ السخاوي: الاعلان بالتوبيخ، ٤٥٣.
[ ٢٠٦ ]
التاريخ قد استعملت للتاريخ الحولي منذ تلك الفترة المبكرة أيضا حيث سمي خليفة بن خياط حولياته باسم "التاريخ"١ على أن الجزم بذلك يبدو صعبا وأيا كان الأمر فإن المؤلفين الأوائل في الرجال اعتبروا كتبهم تاريخا ولعل تبرير ذلك يعود إلى ذكر سنوات الولاة والوفاة لبعض المترجمين.
وقد استمر اعتبار كتب الرجال من فروع التاريخ حتى بعد أن تبلورت بعض المفاهيم حول تعريف التاريخ وتحديد مجالاته وأغراضه وظهرت في الدراسات المتأخرة التي قام بها الكافيجي٢ سنة ٨٧٩هـ والسخاوي٣ "ت٩٠٢هـ" فقد اعتبر السخاوي "علم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي"٤.
وذكر في فوائد علم التأريخ أنه "يظهر الشيخ الذي جعل روايته عنه من مقصده كان قد مات قبل مولده أو كان قد اختل عقل أو اختلط أو لم يجاوز بلدته التي لم يدخلها الطالب قط"٥. وبيان ذلك كله من مباحث علم الرجال.
وقد استشهد السخاوي على جلالة علم التاريخ بأن السخاوي ألف "التاريخ الكبير" بين القبر النبوي والمنبر الشريف وكان يصلي لكل ترجمتين ركعتين٦ وكتاب التاريخ الكبيرهذا من كتب الرجال وعندما ذكر السخاوي قوائم بأسماء التصانيف في التاريخ أورد ضمنها أنواع المصنفات في علم الرجال وقد اعتبر السخاوي معرفة تاريخ الرجال واجبا في حين أن معرفة الأخبار والأشعار وما إلى ذلك لا يعدو أن يكون مباحا٧، ولم يقتصر اعتبار علم الرجال من
_________________
(١) ١ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ٢٤-٢٥. ٢ في كتابه: "المختصر في علم التاريخ". ٣ في كتابه القيم: "الاعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ". ٤ السخاوي: الاعلان بالتوبيخ، ٤٥٠. ٥ المصدر السابق، ٤٥٠. ٦ المصدر السابق، ٤٥٢. ٧ المصدر السابق، ٤٥٤.
[ ٢٠٧ ]
فروع التواريخ وذكر فوائده ضمن فوائد التاريخ على السخاوي فقد ذكر معاصره السيوطي "ت٩١١هـ" أن "من فوائد التاريخ معرفة الآجال وحلولها وانقضاء العدد وأوقات التعاليق ووفيات الشيوخ ومواليدهم والرواة عنهم فنعرف بذلك كذب الكاذبين وصدق الصادقين"١.
وقد تابعهما كل من حاجي خليفة وطاش كبرى زاده في اعتبار علم الرجال أحد فروع علم التاريخ٢. وقد تساءل روزنثال عما إذا كان من الصحيح قبول التراجم بشكلها الحالي كعنصر بارز في علم التاريخ كما فعل المؤرخون المسلمون؟ مع اعترافه بأن التراجم جزء أساسي من التاريخ وأن فيها مقدارا لا بأس به من المادة التي يمكن تصنيفها واعتبارها تأريخية٣. وطبيعي أن ذلك ينطبق على كتب التراجم المتأخرة بصورة أوضح إلا أنه ينطبق أيضا على كتب الرجال التي حوت مادة تأريخية دقيقة وموثوقة لكنها قليلة ومشتتة فقد قدمت خلال التراجم معلومات منها ما يتصل بالإدارة، كذكر الولاة والقضاة ومنها ما يتعلق بتواريخ الغزوات والمعارك حيث ترد عرضا عند ذكر اشتراك أصحاب التراجم في الغزوات، ومنها ما يتعلق بخطط المدن التي ترد عرضا أيضا خلال تحديد محل سكنى صاحب الترجمة، وكذلك التعريف بالعشائر التي نزلت في المدن عندما تكون مرتبة على المدن وحاوية على الأنساب.
ولكتب الرجال أهمية خاصة في التعريف بالحياة الثقافية للمدن والأقطار الي تناولت تراجم علمائها، وهذه المعلومات قد تسد بعض الفجوات في المادة التي تقدمها الكتب التأريخية كأن يتم بها إكمال قوائم الولاة أو القضاة في مدينة معينة أو خلال فترة محددة، أو تكمل معلومات الكتب التأريخية عن خطط المدن وما شاكل، على أنه من الضروري عدم المبالغة في أهمية المادة التأريخية التي تقدمها كتب الرجال.
_________________
(١) ١ السيوطي: الشماريخ في علم التأريخ، ٧. ٢ أنظرحاجي: كشف الظنون ١/ ٢٧١. وطاش كبرى زاده: مفتاح السعادة ٢/ ٢٣٧. ٣ روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ٢٨.
[ ٢٠٨ ]
وتظهر أهمية كتب الرجال في نوع من الدراسات التأريخية التي ظهرت حديثا وهي ما يسمى بعلم "تأريخ التأريخ" الذي يتعرض لدراسة الأصول التي استقى منها المؤخرون مادتهم ونقد هذه الأصول حيث تقدم كتب الرجال معلومات لها أهمية بالغة في التعريف برواة الأخبارة وبيان أحوالهم وعقائدهم وأخلاقهم مما يلقي ضوءا على دوافعهم وأغراضهم، وقد مكن من الإفادة من كتب الرجال في هذا المجال المشاركة الجدية التي قام بها المحدثون في نقل الأخبار١ إلى جانب رواية الحديث التي جعلت كتب الرجال تترجم لهم، ولكن ينبغي أن لا يبالغ في ذلك فإن معظم التراجم التي ذكرتها كتب الرجال قصيرة والمعلومات التي أوردتها مقتضبة ولكنها في حالات كثيرة تنفرد بها مما يجعل لها أهمية كبيرة.
ويبرز تأثير علم الرجال على كتب التراجم من حيث الشكل والمحتوى رغم أن كتب التراجم لم تقتصر على رجال الحديث، بل تناولت أيضا الملوك والأمراء والولاة والقضاة والشعراء والأدباء والقراء وغيرهم، فترتيب مادة الترجمة من حيث الاهتمام بضبط الأسماء وذكر الأنساب وبيان الصفات الخلقية والعقلية والجسمية وذكر شيوخ المترجم وتلاميذه وبعض مروياته أحيانا والاعتناء بذكر سني الوفيات، وهذه التراجم لا تختلف في طبيعة المادة ولا التنظيم عما هي عليه في كتب الرجال.
ويظهر أثر علم الرجال في التنظيم العام الذي اتبعته كتب التراجم في ترتيب مادتها، فالتنظيم على الطبقات أو على حروف المعجم هما أساس ترتيب كتب التراجم، وقد سبقت كتب الرجال إلى استعمال هذين الأساسين في عرض مادتها.
وقد لا يكون من المجازفة القول أن كتب التراجم ليست إلا تقليدا لكتب الرجال مع توسيع النطاق بإدخال تراجم لا علاقة لها برواة الحديث، ومع توسع أكثر في الكلام عن أحوال الرجال وأخبارهم.
_________________
(١) ١ يمكن التأكد من ذلك بملاحظة الشيوخ الذين نقل عنهم خليفة بن خياط ومحمد بن سعد والطبري.
[ ٢٠٩ ]
ويظهر مثل هذا التأثير لعلم الرجال أيضا في بعض كتب التاريخ العام التي اهتمت بالتراجم كثيرا مثل كتاب "المنتظم لابن الجوزي وكتاب "البداية والنهاية" لان كثير و"تاريخ الإسلام" للذهبي.
[ ٢١٠ ]
علم الرجال والنقد التاريخي:
إن مناهج المحدثين في نقد رجال الحديث كان لها أثر كبير في تطور وتنمو نقد المصادر والتحري عن الحقيقة ببيان مكانة ناقليها من الصدق والاتقان، قد اشترط المحدثون في الراوي أن يكون متصفا بالعدالة والضبط لقبول الأحاديث التي يرويها، ومن أجل بيان أحوال العدد الهائل من الرواة ألفوا كتب الرجال.
وقد أوضحت كتب مصطلح الحديث التي تبلورت فيها قواعد نقد الحديث طريقة الاستفادة من كتب الرجال، وبطبيعة الحال فإن هذه القواعد وضعت خصيصا لنقد الحديث. ولكن بسبب اشتغال كثير من المحدثين في التاريخ فإن قواعد النقد هذه استعملت -إلى حد ما- في التاريخ أيضا، وقد ساعد على ذلك أن الروايت التأريخية كانت تتصدرها الأسانيد كما هو شأن الأحاديث، كما أن مقاييس المحدثين سرت إلى علم التاريخ فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط١، وبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التأريخية أيضا، ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة، بل حدث تساهل كبير في ميدان التأريخ، فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري استقوا كثيرا من مادتهم التأريخية عن رواة ضعفهم أهل الحديث، وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث، لان الحديث تترتب عليه الأحكام الشرعية، لذلك رفض العلماء الاحتجاج بالأحاديث ذات الأسانيد المنقطعة في حين قبلوا ذلك في الروايات التأريخية، ولم يجدوا بأسا في استعمال صيغ التمريض في بيان طرق التحمل
_________________
(١) ١ الكافيجي: المختصر في علم التأريخ، ٣٣٦. يقول: "وينبغي أن يشترط في المؤرخ ما يشترط في راوي الحديث من أربعة أمور: العقل والضبط والإسلام والعدالة". والسخاوي: الاعلان بالتوبيخ، ٤٩٩-٥٠٠.
[ ٢١٠ ]
بالنسبة للروايات التأريخية، وهكذا ميز العلماء منذ فترة مبكرة بين "التاريخ" و"الحديث"، فلم يطبقوا قواعد نقد الحديث بدقة في نطاق التاريخ.
وعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقدها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التاريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل رجاله ثقات، والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين، فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية. كما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التأريخية ينبغي أن يشتد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الهواء ويشتط عندها الرواة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد كالفتن التي حدثت في جيل الصحابة أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد نقد الحديث بدقة أمرا مقبولا. وعلى ذلك فإن مدى تطبيق قواعد نقد الحديث في التأريخ أمر نسبي تحدده طبيعة الروايات، وقد نبه الكافيجي على ذلك بقوله: "يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولا ضعيفا في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه، ولكن لا يجوز له ذلك في ذات البارئ ﷿ وفي صفاته ولا في الأحكام وهكذا جواز رواية الحديث الضعيف على ما ذكر من التفصيل المذكور"١.
لقد ظلت مقاييس المحدثين واتجاهاتهم في النقد سارية في ميدان التاريخ حتى فترة متأخرة حيث ظهر أثر ذلك فيما كتبه الكافيجي والسخاوي عن علم التاريخ. ولكن هذه المقاييس أغفلت كثيرا في البحوث التاريخية الحديثة ولم يفطن الباحثون إلى هذا الكنز الثمين، ومن ثم فإن الاعتماد في النقد التاريخي انصب على ما أنتجه الغربيون في حقل الميثودولوجي ولا شك أن استعمال الغربيين لقواعد النقد العلمي في حقل الدراسات الإنسانية كان
_________________
(١) ١ الكافيجي: المختصر في علم التأريخ، ٣٢٦.
[ ٢١١ ]
متأخرا بالنسبة لمناهج النقد عند المحدثين، وكان ما عمله أسد رستم من الإفادة من مصطلح الحديث والميثودولوجية الغربية معا في وضع مصطلح للتأريخ محاولة جريئة في الكشف عن أهمية قواعد نقد الحديث في عملية النقد التأريخي١.
_________________
(١) ١ انظر بصورة خاصة الباب السادس وعنوانه: العدالة والضبط"، حيث أن قواعد النقد الداخلي للروايات التأريخية لا تكاد تخرج عما رسمه المحدثون في نطاق نقد الحديث.
[ ٢١٢ ]