مدخل
وجوه الإعجاز في القرآن الكريم (١)
هذا من جهة سبب الإعجاز، ومصدره أما بالنسبة لأوجه الإعجاز فإني قد حاولت أن أستخرجها من كتاب الله تعالى مستقرئًا الآيات التي تحدثت عن القرآن الكريم، وقبل المضي في هذا السبيل سأتحدث عن الوجه المعجز في القرآن الكريم، ولعل أقرب التعاريف لذلك هو:
"كل مزية في القرآن خارجة عن طاقة المخلوقين، أو علمهم وقت نزول القرآن".
وبهذا يدخل كل مزية في القرآن لم تأت في غيره سواء كانت في النظم، أو المعاني البيانية، وكذا ما ورد فيه من القضايا العلمية التي لم يكن للإنسان معرفة بها حين نزول القرآن الكريم، وإن عرفها بعد ذلك.
وإني بالرغم من ذكر الوجه المعجز في القرآن فقد اعتمدت على الآيات القرآنية التي تحدثت عن القرآن العظيم وأخذت منها وجوه الإعجاز، فقد وجدت أن كتاب الله قد أشار إلى جميع الوجوه التي ذكرها الأقدمون
_________________
(١) ذكر الكثير من الباحثين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، في كتبهم، ومن ذلك: "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" عبد الله بن عبد العزيز المصلح-" تأصيل الإعجاز العلمي"للشيخ عبد المجيد الزنداني- و"الإشارات العلمية في القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق " لكارم السيد غنيم - و"إعجاز القرآن" للسيد محمد الحكيم – و"البيان في إعجاز القرآن" لصلاح عبد الفتاح الخالدي- و" الإعجاز العلمي (وجوهه وأسراره) " لعبد الغني محمد سعد بركة – و"مباحث في إعجاز القرآن" لمصطفى مسلم- و"من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم"لحسن أبو العينين-و"إعجاز القرآن الكريم" لفضل حسن عباس وسناء فضل عباس- و" الإيجاز في آيات الإعجاز" للشيخ أبي اليسر عابدين إلى غير ذلك من الكتب التي ظهرت في عصرنا هذا.
[ ١٩ ]
والمحدثون، وبكلمات أدق، وأجمع للمعاني، وبخاصة في أوائل السور، وبعض الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل السور وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف المقطعة إشارة إلى تحدّى العرب بالقرآن، وأنه مؤلف من حروف تتحدثون بمثلها، ورغم ذلك لا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن نظمًا وبيانًا، وجمعًا لعلوم شتى، وفنون متنوعة.
هذا ولم تتعد وجوه الإعجاز التي استنبطتها أربعة في الإجمال، وهي:
١- كونه عربيًا.
٢- أنه حق.
٣- أنه هدى.
٤- أنه شريف، وشرف حملته (١) .
هذا ما رأيته، وسأبين ذلك بالتفصيل، وأذكر ما يدخل في كل وجه من هذه الوجوه من نواحي الإعجاز التي ذكرها العلماء في ذلك، والله المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) وهذا الذي استخرجته لا شك أنه جهدي، ومن الممكن أن يأتي غيري من الباحثين، فيصل إلى أكثر أو أفضل مما وصلت إليه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢٠ ]
الوجه الأول: كونه عربيًا
قال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١-٢]
وقال– عز من قائل -: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] .
وقال سبحانه: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١-٣] .
وقال جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥] .
وقال – جل ذكره -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] .
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي ذكرت إنزال القرآن باللسان العربي، فقد ذكر الله تعالى أن اختيار اللغة العربية، واللسان العربي لينزل به القرآن الكريم هذا القرآن لقوم يعلمون العربية، وطرائقها، وأساليبها، وبلاغتها، وأدبها فيعقلون عن الله تعالى ما أراده بكل لفظٍ، وتركيبٍ، وبيانٍ، ووجهٍ، فيشمل ذلك نظم القرآن، ومتانة نسجه، وقوة أسلوبه، وروعة بيانه، وكون كلمه إنما يقع من نفس القارئ والسامع موضع القبول، وتصادف من
[ ٢١ ]
قلبه موطن الارتياح والانشراح لكونها جاءت مرتبة الترتيب اللائق بها من جهة المعنى.
فكل هذه الوجوه إنما يعرفها أهل اللسان العربي الذين تعمقوا في فهمه، ورسخت أقدامهم في أرضه، ففهموا ما لم يصل ويفطن إليه غيرهم.
وقد سماه الله تعالى أحسن الحديث في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] فهو أحسن الحديث من كل ناحية من نواحي البلاغة والبيان والنحو والصرف، والتقديم والتأخير، والسؤال والقسم لا يصل إلى حسنه كتاب آخر.
وقد أشارت هذه الآية إلى ما في القرآن الكريم من تشابه، وتكرار، فهو آيات تتوارد على قضية واحدة، ولكنها في كل موضع تختلف عن الموضع الآخر في تناولها، وإنما يدرك حسنها أهل الصنعة والعلم والمعرفة والبيان.
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] .
والقصة فن من فنون العربية قائم بنفسه، وللقصة في القرآن حديث، بل أحاديث تظهر مدى الإعجاز فيها، فأشارت هذه الآية إلى القصة لينبه
[ ٢٢ ]
الباحثين لها بصورة خاصة (١) .
والطرف الثاني الذي تشير إليه الآيات الكريمة في كون القرآن عربي اللسان، ويطلب من أهل اللسان أن يعقلوا ما فيه" المقدرة على استنباط الأحكام" ومعرفة وجه التشريع في كل آية، وفي كل لفظة من كلمات القرآن، وماذا تؤدي هذه الكلمة من معنى"فهو حمال أوجه"، وماذا يفيد هذا المعنى من حكم، ولهذا نرى الفقهاء يختلفون في إعطاء حكم لمسألة واحدة، وأدلتهم فيها من كتاب الله تعالى كل بحسب علمه وفهمه، واستنباطه.
وهذا إنما يخوض فيه أهل أصول الفقه الذين تمرسوا فيه، وعرفوا الدلالات والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والنص، والمقيد، والمجمل والمبيّن فأعطوا لكلٍ حكمه الذي يفيده النص الذي جاء فيه، وهم وإن اعتمدوا كثيرًا على أصول اللغة العربية، وما تفيده من أحكام إلا أنهم أضافوا إليها قواعد خاصة استخرجوها من كتاب الله وسنة نبيه.
_________________
(١) وأريد أن أنبه على أن بعض الباحثين زعم أن هناك إعجازًا أطلق عليه اسم الإعجاز الموسيقي، ذكره د. كارم السيد غنيم في كتابه الإشارات العلمية في القرآن الكريم، وأظنه في هذا قد ذهب بعيدًا، فإن القرآن الكريم لاشك أنه يتصف بالجرس الصوتي المنسجم في كل سورة من سوره مع المعنى الذي جاءت الآيات لبيانه، ومع اللفظة التي اختيرت لهذا المعنى، وليس المقصود أنه موسيقي جاء بالنغمات الموسيقية، حتى لو حاول بعض الناس الذين ساروا مع وسوسة الشيطان ليخرجوا القرآن عن منهج الهداية، كما أخرج بعضهم كتاب" وجوه الإعجاز الموسيقي في القرآن " [د. محيي الدين رمضان-نشر دار الفرقان –عمان الأردن] فإن هذا مما لا ينسجم مع رسالة الإسلام، ومكانة القرآن.
[ ٢٣ ]
الوجه الثاني: أنه حق
فهو حق لا يأتيه الباطل من أي وجه من الوجوه، فهو حق في أخباره التي يوردها، وهو حق في أحكامه التي يقررها، وهو حق في إحكامه لا يستطيع أحد أن يجد فيه وجهًا من الوجوه بعيدًا عن الحق، أو مضطربًا في حكمه، لا شك فيه، ولا ريب في شيء منه، وكل من قرأه، وأمعن النظر فيه، علم أنه حق وصدق.
قال-جل شأنه-: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
فلما كان من عند الله تعالى كان حقًا ولم يكن فيه أي اختلاف.
وقال - عز من قائل ـ: ﴿المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١-٢]
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] .
وقال الله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] .
وقال سبحانه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٠] .
وقال – جلّ ثناؤه -: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
[ ٢٤ ]
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] .
إلى آيات أخر اقتصرت على ما ذكرت للاختصار، كلها تبين أن هذا القرآن حق لا مرية فيه، وسيبقى هذا وصفه إلى أن يرث الله تعالى الأرض وما عليها.
ومما يدخل ضمن كونه حقًا أنه لا يستطيع أحد أنْ يُدخل فيه شيئًا مما ليس منه، أو يبدل، أو يغير منه شيئًا، أو ينقص أو يزيد، وقد جاء ذلك صريحًا في كتاب الله تعالى بالنسبة لنبي الله ﷺ فكيف بغيره!
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٧] هذا جزاء من يتقول على الله بعض الأقاويل، فينسب إليه ما لم يقل، فما ظنكم أيها الناس بمن ينسب كتابًا كاملًا لله جل في علاه! وليبقى القرآن المعجزة الخالدة لرسول الله ﷺ، وليبقى القرآن حقًا في كل زمان، وكل مكان إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فتبقى هذه المعجزة محفوظة لا يقدر أحد على إجراء أي تغيير، أو تبديل فيها تكفل الله تعالى بحفظها، فقال– عز من قائل-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
إننا اليوم بعد أربعة عشر قرنًا من نزول القرآن على نبي الله سيدنا محمد ﷺ لو أخذنا أحدث طبعات هذا القرآن الكريم– في أي مكان من المعمورة- وقارنَّا بينها وبين ما هو محفوظ في مكتبات الدنيا من نسخ القرآن المخطوطة منذ زمن مديد لما وجدنا بينهما أي اختلاف، هذا رغم تعرض البلاد الإسلامية إلى الاحتلال الذي أراد أن يسلب البلاد الإسلامية كل خصائصها،
[ ٢٥ ]
ولو أخطأ أحد من الناس كبيرًا أو صغيرًا في شكل حرف من حروف هذا القرآن، لرد عليه الحفظة المنتشرون في كل بقاع الدنيا، حتى لو كان طفلًا صغيرًا.
ومن الحق الذي في كتاب الله تعالى " المغيبات" التي كانت قبل النبي ﷺ وكذا قصص الأنبياء السابقين التي ذكرت في كتاب الله سبحانه. قال تعالى في أول سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وجاء في آخر السورة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] فأحسن القصص هو أصدقها.
وقال تعالى: ﴿طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ١-٣] وجاء بعد ذكر قصة مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] .
وجاء بعد قصة موسى﵇-: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو
[ ٢٦ ]
عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٤-٤٥] .
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]
ومن الحق الذي فيه، ما فيه من الإخبار عما سيقع في مستقبل الأيام من الوقائع، سواء في الحياة الدنيا، أو ما بعدها من حوادث الآخرة، كظهور يأجوج ومأجوج، وإخراج الدابة، ووصول الإنسان في العلم إلى درجة يظن معها أنه قادر على كل شيء في هذه الدنيا، وقيام الساعة بما فيها من الأهوال
ومن الحق الذي في هذا القرآن ما فيه من الدلالات العلمية الباهرة، قال الله تعالى مشيرًا إلى هذا الوجه من الإعجاز: ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ١-٦] .
فبين أن ميدان الإعجاز الذي ينبغي أن يمضي فيه عقل الإنسان مفكرًا ومتدبرًا هو هذه الطبيعة المحيطة به من أرض وسماء.. وفي الخلق–خلق الإنسان والحيوان- وفي الليل والنهار، وفي مظاهر الطبيعة من مطر نازل، وأرض تحيا بعد يباس إلى ما هنالك.
وبعد أن ذكر الله تعالى الذي يكذب بآيات الله تعالى قال: ﴿هَذَا هُدىً
[ ٢٧ ]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ، اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١١-١٣] وهنا يبين سبحانه أن التسخير آية باهرة من آيات الله تعالى تدل على وجوب الإذعان للخالق العظيم.. ويدخل في ذلك كل القوانين التي تسير عليها الطبيعة، فإنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء وهيأه لما فيه خير الإنسان، وصلاحه، فكأن الله تعالى يشير إلينا إلى أن نفكر بما في كتاب الله المنزل إلينا من إشارات علمية في هذه المجالات المختلفة لنذعن ونقر بألوهيته التي تشهد بها كل حقائق الكون، ونقر بنبوة محمد ﷺ الذي نزل عليه هذا القرآن العظيم، يقول د. عبد الرحمن حسن حبنكه: "ومن الحقائق الثابتة أن القرآن المجيد حق لا ريب فيه، فلا يمكن أن يختلف مع الواقع في شيء (١) ".
ومن الحق الذي في القرآن ما جاء فيه من الوعد والوعيد، والإخبار بحدوثه في مستقبل الزمان قَرُب الزمان أو بَعُد، فكل ما جاء من أخبار فلا بد أن تحدث، لأنه من الله تعالى العليم الخبير. وأورد مثالًا على ذلك قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
_________________
(١) قواعد التدبر الأمثل/٢٢٥/
[ ٢٨ ]
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١-٥] .
قال ابن الجوزي في زاد المسير: ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه كان بين فارس والروم حرب فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه، فشق ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون الأصنام، والروم أصحاب كتاب، فقال المشركون لأصحاب رسول الله ﷺ:
إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فنزلت هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق ﵁ إلى المشركين، فقالوا: هذا كلام صاحبك! فقال: الله أنزل هذا. فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس، فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فقالوا: الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرهان وفي رواية "أن رسول الله ﷺ قال له: "ألا احتطت، فإن البضع ما بين الثلاث والتسع" فخرج أبو بكر فقال لهم: أزايدكم في الخطر، وأمد في الأجل إلى تسع سنين، فقهرهم أبو بكر، وأخذ رهانهم" (١) . فالمشركون راهنوا لأنهم لا يؤمنون أنه من عند الله، وأبو بكر راهن لأنه يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه من عند الله تعالى، وأنه حق لا مرية فيه.
_________________
(١) زاد المسير ٦/ ٢٨٦-٢٨٨/
[ ٢٩ ]
الوجه الثالث: "كون القرآن هدى"
فكل ما في القرآن هداية لمن أراد الخير والرشاد، ودلالة على ما يجب اتباعه من سبل الحياة المختلفة، والمضطربة، فكل إرشاده هداية للسبيل الأقوم، ودلالة على الطريق الأسلم، ولذا كان القرآن الكريم معجزًا في هدايته، وتشريعه الذي جاء به في محكم آياته، وفي أخلاقه التي دعا إليها، وحث عليها، ومدحها، ومدح المتخلقين بها، وهو وجه أساسي كبير لأن الهداية هي المطلب الرئيس للإسلام، ولذلك علمنا الله تعالى في أول سورة من القرآن أن نطلب الهداية إلى الصراط المستقيم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وأمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأها - ضمن سورة الفاتحة - في كل ركعة من ركعات الصلاة، وقد بين الله سبحانه أن المهمة الأساسية لهذا القرآن هي الهداية: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١-٢] وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] .
وقال– عز من قائل -: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ، هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١-٢] .
وقال-جل اسمه-: ﴿الم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ١-٣] .
وقال رب العزة والجلال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ
[ ٣٠ ]
رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] .
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] .
وهذه الآية بينت أمرين:
- الأول كون القرآن هدى.
- والثاني– وهو أحد أركان الدعوة وسُبُلها- أن يكون الكلام مؤثرًا في النفوس حتى تقبله، ويستقر فيها، وتستريح القلوب به، وله.
ولا أريد أن أطيل في ذكر الآيات، فكل آية وُصِف القرآنُ فيها أنه مبشر، أو منذر، أو أنه ذكر، أو ذكرى، أو فرقان، أو حكمة كل ذلك داخل ضمن الدعوة التي يراد منها الوصول إلى الهدى الذي جاء به القرآن الكريم.
ومما يشمله كونه هدى أن فيه من الآيات البينات التي تخاطب صاحب العقل فيفهم ما فيها، ويخاطب صاحب القلب، فينمو حب الله ورسوله فيه، كل إنسان بلغته التي يصل معها إلى الهداية المنشودة، وكذلك فيه تربية للنفس الإنسانية التي يخاطبها حتى تصبح زكية، مرتقية عن سفاسف هذه الدنيا، وترتقي لتكون راضية مرضية، تتلقى آيات كتاب الله بقلب سليم، وتسعى لإيصال الخير إلى الناس بشتى الوسائل.
ومما يدخل ضمن كونه هدى أنه ميسر للذكر قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
[ ٣١ ]
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: [القمر: ١٧و٢٢و٣٢و٤٠] أي والله قد يسرنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ، أي يقسم الله تعالى على أنه يسر هذا القرآن للذكر، والتدبر، فأين أولئك الذين يقرؤونه ليفقهوا ما فيه من الدروس والعبر، والعظات، والحكم العظيمة التي تدلهم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة!
وذلك أنه لما كان هدى لجميع الناس، وكان منزلًا من عند الله تعالى، فلا بد أن يكون ميسرًا ليستطيع الناس فهمه، والإفادة منه، فبالرغم من أنه في أعلى درجات البلاغة والبيان، وأكمل الكلام في التفصيل والإجمال، رغم ذلك يقرأه العامي فيشعر أنه يفهمه ويعرف ما فيه، ويقرأه العالم فيغوص في بحاره مستخرجًا الدرر، ويقرأه الأعجمي فيشعر براحة نفسية عجيبة، ويقرأه العربي، فيضاف إلى راحته فهم بعض وجوهه ومعانيه، ويكرره هذا وذاك، فلا يزيدهم التكرار إلا قوة في التمسك به، وثباتًا على الاستمرار في الاستهداء بهديه، والاسترشاد بما فيه من آيات الهدى والرشاد.
ولا شك أن هذا من آيات إعجاز القرآن، فكم من كتاب بديع النظم، أدبي الصورة، لا يستطيع أن يقرأه عوام الناس ممن عرف القراءة، ولم يتعمق في العلم، بل إننا نجد في المجتمعات الإنسانية حتى الذين تعمقوا في دراسة الأدب يمجون تلك الكتب المنمقة، المحسنة التي اختيرت لها الألفاظ، وأتقن في تراكيبها أيما إتقان، أما القرآن الكريم فرغم رفعة شأنه، وعظمة إتقانه، وعلو بيانه، فإنه محبب لكل قارئ، ويراه ميسرًا في قراءته، ميسرًا في حفظه، ويجد في نفسه الدافع القوي ليفهم كل كلمة فيه، وليستمر في الصلة به.
[ ٣٢ ]
وهنا أقول: إن كونه هدى يجعل كل ما فيه هدى، فهو هدى بما فيه من عقائد وعبادات، وما فيه من أحكام مختلفة، وكذا ما فيه من الآيات البينات ذات الدلالات العقلية والفكرية، وكذا ما فيه من الدلالات العلمية كل ذلك هدى لأنها تدل في النهاية على أنه منزل من عند الله تعالى العلي الكبير، فلا منافاة بين وجود الدلالات العلمية المعجزة وبين كونه هدى.
[ ٣٣ ]
الوجه الرابع: أن القرآن الكريم ذو شَرَفٍ ويُشَرِّفُ مَنْ نُسِب إليه
قال الله -عزوجل-: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] .
وقال الله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وقال جلت قدرته: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] .
لو تصورنا الأمة العربية تسير عبر العصور، وكر الدهور على ما كانت عليه قبل نزول القرآن الكريم، لرأيناها أمة قابعة في زاوية النسيان من تاريخ الإنسانية فضلًا عن مسير الحضارات، منزوية في جزيرتها التي تغطيها الرمال، تعيش عالة على غيرها من الأمم المجاورة، يظهر فيها أهل الذكاء والفطنة والكياسة والفهم، فيذوب ذكاؤهم وتنطفئ فطنتهم، وتضيع كياستهم، ويطيش فهمهم في العصبية الجاهلية، والصراعات القومية، والعقائد الوثنية، دون أن يكون لهؤلاء أثر يُذْكر، اللهم إلا في نصيحة يبديها أحدهم بترك قومه ما هم عليه من الصراع الدامي، ولأم الصدع، وتجميع الكلمة، ودفع دية القتلى، والإصلاح بين الجهات المتناحرة، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه، فلما جاء القرآن العظيم جعل أمة العرب أمة تقود الأمم، وتأخذ بأيديها إلى ما فيه صلاحها في الدنيا والآخرة، وأصبح الرجل الفطن في الأمة العربية رجل العالم يعرفه كل الناس، ويتحدثون عنه، ويتناقلون حديثه عبرًا في تاريخ الإنسانية قاطبة، وأصبح مثالًا لما برز فيه من المجالات، كل ذلك لأنه
[ ٣٤ ]
فهم القرآن المجيد، وتأدب بأدبه، وفطن إلى ما فيه من دقائق العلم والمعارف.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (١) .
ففهمهم للإسلام وما فيه هو الشرط الذي يجعلهم خيار الناس في هذه الحياة الدنيا، فالقرآن الكريم ذو الشرف والمكانة الرفيعة في هذه الدنيا الذي يعظمه الملايين، ويحسب له أعداء الإسلام حسابًا في حربهم للإسلام والمسلمين حتى يمسك أحد ساستهم نسخة من القرآن ويقول: ما دام هذا الكتاب بيد المسلمين فلن تغلبوهم.
فهذا القرآن الذي يعظمه المسلمون في أقصى الأرض وأدناها، بلغ من المجد والرفعة والمكانة العظيمة ما لم يبلغه كتاب آخر في الدنيا، وقد خُدِم هذا الكتاب بكتب لا مثيل لها في الدنيا كلها تفسيرًا وبيانًا، وتوضيحًا لآياته، وفقه ما فيه من الحكم والأحكام، وبيانًا لآدابه، وأخلاقه، ودلالة على مواطن موضوعاته بل حتى عدد حروفه وكلماته وجمله
كل هذا مما يدل على مكانة القرآن في نفوس المسلمين، بل إننا نجد أن أعداء الإسلام قد ألفوا حول هذا القرآن الكتب الكثيرة دراسة وتمحيصًا، أو نقدًا وتهجمًا
والرسول محمد ﷺ شرفه الله تعالى بالقرآن الكريم، فأصبح أشرف خلق
_________________
(١) رواه البخاري في المناقب ضمن حديث آخر (٣٤٩٣) ٦/٥٢٥/ وأطرافه (٣٤٩٧و٣٥٨٨و٣٣٣٦و٣٣٥٣و٣٣٧٤و٣٣٨٣و٤٦٨٩) ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٢٦) ٤/١٨٤٦-١٨٤٧، كما رواه أبو داود وأحمد، والبغوي في شرح السنة، والطيالسي وأبو نعيم، وابن حبان والدارمي، والخطيب في الفقيه، وابن عبد البر في الجامع.
[ ٣٥ ]
الله تعالى، وأعلاهم مكانة، وأرفعهم منزلة، وأسماهم ذكرًا وشرفًا ومجدًا.
وكذا أصبح قومه العرب رغم ضعفهم في هذه الأعصر، وذلتهم، وهوانهم، فإن أكثر ما يخيف العالم أن يستيقظ هؤلاء العرب، ويتمسكوا بكتاب ربهم، ويقودوا العالم مرة ثانية.
والعرب لهم شرف ورفعة لأن القرآن الكريم عربي، بل امض في التاريخ سائلًا عما ألف في اللغة العربية وآدابها لتجد الجم الغفير، والذي صنف، وألف، وبحث فيها له صلة بكتاب الله العظيم، فصار للعرب بفضل القرآن الكريم الشرف العظيم، والذكر الحسن، والمكانة العالية، والصيت الذائع ما لم يكن لهم ولا لغيرهم من الأمم في التاريخ كله، وكذا للغتهم، وأسلوبهم في التخاطب والحديث.
وكذا كل من يحمل هذا القرآن، وينشره، ويذيعه، وكل من يخدمه بنوع خدمة يشرف في المجتمع، ويكرم قدره، ويذيع صيته، ويظهر اسمه، ويرفع شأنه، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: قال نبيكم ﷺ: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع آخرين" (١) .
_________________
(١) رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨١٧) وابن ماجه في المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (٢١٨) وأحمد في المسند ١/٣٥،كما رواه عبد الرزاق في المصنف والدارمي وابن حبان والطحاوي والبغوي والبيهقي في الشعب والسنن وأبو عبيد في فضائل القرآن، وسبب رواية عمر ﵁ للحديث أنه لقي عامله على مكة فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله﷿وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم قال
[ ٣٦ ]