الضابط الأول
ضوابط القول بالإعجاز:
لابد للعمل الصحيح أن يكون له ضوابط حتى لا يخرج عن المسار الصحيح الذي يسير فيه، أو الذي يجب أن يسير فيه، وبخاصة إذا كان الأمر متعلقًا بأصول الشريعة الأساسية، وبالأخص الإعجاز الذي نحن بصدده، فإنه حكم على كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ بما يكتشفه أهل العلوم المختلفة، ولهذا كان من الواجب وضع قيود دقيقة تضبط القول بالإعجاز حتى لا يكون هناك شطط، ولا تعد في القول بالإعجاز، وإليكم ذكر الضوابط التي رأيت أن تكون نصب عيني الباحث عند تناول مسائل الإعجاز في الكتاب والسنة (١):
الضابط الأول:
أرى أن الضابط الأول للإعجاز يسير مع الوجه الأول للإعجاز وهو
_________________
(١) هذا وقد تناول كثير من أهل العلم هذا الموضوع، وذكروا له ضوابط، ولن أتعرض لمناقشة ذلك لأنها في جملتها لا اعتراض عليها، وإنما قمت بتناولها بأسلوب جديد ينسجم مع تناولي لوجوه الإعجاز المستنبطة أصلا من كتاب الله تعالى، وإني سأذكر بعض الكتب التي تناولت ذكر الضوابط، وهي: " إعجاز القرآن الكريم" لفضل عباس، وسناء عباس- و"من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم" لحسن أبو العينين – و" من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم" لزغلول النجار- و"مباحث في إعجاز القرآن" لمصطفى مسلم-و"تأصيل الإعجاز العلمي" لعبد المجيد الزنداني- و"المنظار الهندسي للقرآن الكريم" لخالد فائق العبيدي- و"الإشارات العلمية في القرآن" لكارم السيد غنيم- و" الكون والإعجاز العلمي في القرآن" لمنصور حسب النبي – و"الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (تاريخه وضوابطه) " لعبد الله ابن عبد العزيز المصلح – و"كيف نتعامل مع القرآن الكريم" ليوسف القرضاوي- و"رحيق العلم والإيمان" لأحمد فؤاد باشا. وغير أولئك كثير
[ ٤٣ ]
كونه عربي التركيب، عربي المعاني والبيان، فيجب أن يكون القول بالإعجاز ليس فيه تعسف، أو جناية على النص العربي الوارد، بل يجب إجراء النص الوارد على ما تعرفه الأمة العربية وقت نزول القرآن من المفاهيم والمعاني التي تستخدم لها الكلمة العربية الموجودة في النص من الكتاب، أو السنة، فاللغة هي الضابطة للنص، وليس المفهوم الحادث، أو الفهم الذي يخطر للإنسان خارج نطاق اللغة هو الذي ننزل النص عليه.
[ ٤٤ ]
الضابط الثاني:
يسير أيضًا مع الوجه الثاني للإعجاز وهو كونه حقًا، فلما كان القرآن حقًا، وكانت السنة حقًا [وذلك أننا لا يجوز لنا أن نستند في موضوع الإعجاز إلا على حديث صحيح شهد له علماء بذلك، أما الأحاديث الضعيفة، فلا يجوز لنا أن نحتج بها] فلا بد حين مقارنة ما ورد فيهما من نصوص بأمور العلم لا بد أن تكون حقًا أيضًا، فما دام الأمر العلمي لم يزل بين الإثبات والنفي، فلا يجوز مقارنته مع القرآن بأي وجه من الوجوه لأننا نكون قد قارنا حقًا مع ظن، أو وهم..
ويدخل في هذا ما يجب التنبه له، ألا وهو أن الحقيقة المطلقة هي ما عند الله تعالى، أما ما عند الإنسان فإنما هي حقيقة نسبية، ولذلك لا بد أن يكون النص هو الأصل، والحقيقة العلمية هي الفرع الذي يبنى على ذلك الأصل، وبهذا يتبين لنا أنه إذا جاء النص الواضح في نصوص الشريعة فهو الحق حتى لو خالفته النظريات العلمية، ونحن نعتقد أنه لا يوجد نص شرعي يعارض حقيقة علمية، لأن هذا أمر الله، وهذا خلق الله، فلا يمكن أن يتعارض الأمر مع الخلق.
[ ٤٤ ]
كما يدخل في هذا أيضًا ما يوضع من الضوابط التي تقضي أن المتكلم في الإعجاز ينبغي أن يكون عالمًا متثبتًا، وذلك لأن غير العالم لا يعرف الحق من غيره. ويدخل أيضًا في هذه النقطة الإشارة إلى أن القول بالإعجاز يجب أن يتوافر عليه فريق متكامل من أهل العلم بشتى أنواع التخصص حتى يستطيعوا أن يحيطوا بدقائق العلوم التي يحويها النص القرآني، أو النص النبوي.
إضافة إلى هذا يجب أن يراعى في جانب تفسير النص القرآني، أو النبوي أن أفضل ما يبين المعنى فيها هو ما جاء فيها حول الموضوع الذي يبحث فيه، فلذا كان على الباحث أن يجمع كافة النصوص الواردة في الموضوع ذاته ليتبين له المعنى الصحيح منه قدر الإمكان.
ويدخل في هذا اعتبار ما في النص القرآني أو النبوي من الحقيقة أو المجاز، فيفسر حسب ذلك على ظاهره ما لم يكن في النص قرينة على إرادة المجاز، أو في نصوص أخرى بيان للمعنى المراد، ولهذا ذكرت أنه لا بد من جمع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الواردة في الموضوع لمعرفة المعنى المراد للشارع.
[ ٤٥ ]
الضابط الثالث:
النظر في سياق الآية وسباقها، فلا يجوز أن نقطع الآية الكريمة عما سبقها، أو عما يأتي بعدها لنبين إعجازًا في جزء منها، اللهم إلا إذا كان بيان الإعجاز في جزء من الآية لا يؤثر في سياق الآية، وسباقها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] فإن بيان أن الحديد ليس في الأصل من معادن الأرض التي خلقت فيها، لا يؤثر في معنى الآية من قريب أو بعيد.
[ ٤٥ ]
الضابط الرابع:
معرفة الحدود التي يجب أن يقف عندها العقل الإنساني أمام الحقائق المطلقة الواردة في النصوص القرآنية والنبوية، فالعقل الإنساني يجب أن يقف عند حدود علمه الذي رزقه الله إياه، ولا يحاول أن يفهم النص بما لا يعلمه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فإن فهم النصوص الشرعية المتعلقة بالحقائق الكونية وكل ما اتصل إليه من أبعاد لها فسحة عمر الإنسانية لتصل إلى حقيقتها: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فليس من واجبنا، ولا يقع على عاتقنا أن نتبين جميع النصوص العلمية الواردة في الوحي المنزل من عند الله تعالى، وإنما علينا أن نبذل قصارى جهدنا، وما آتانا الله تعالى من علم لفهم النص قلنا به متوكلين على الله ﷻ لبيان هذا الفهم، والله المستعان.
هذا الذي قررته سابقًا من الأمور النظرية في قضايا الإعجاز إنما كانت أمورا ركزت عليها أثناء كتابتي لإعجاز السنة النبوية، فمثلًا لو اتخذنا النواحي الطبية ابتداء من خلق آدم ﵇ إلى نهاية الهرم، فإنني كنت أقرر ما جاء في السنة النبوية، ثم آتي بما ثبت عند أهل علم الطب من الحقائق حتى إذا لم أجد شيئًا قررت الحقيقة الثابتة عند رسول الله ﷺ، ثم دعوت أهل البحث والعلم لدراسة هذا الحديث على ضوء المعطيات العلمية الحديثة، وكنت في كل حديث أورده آتي بجميع الروايات، وأثبتها، وأبين ما فيها حتى يظهر لي
[ ٤٦ ]
الحق في المراد بالنص الوارد عن رسول الله ﷺ، وعلى سبيل المثال حديث "خلق الله آدم على صورته" جئت بالروايات التي جاءت في هذا الموضوع، وبمجموعها تبين أن المقصود هو أن الله خلق آدم على صورة آدم، والمراد بهذا الحديث الرد على أولئك الذين يزعمون أن آدم﵇- تطور فوق هذه الأرض في صورته حتى أصبح على هذه الصورة التي استقر عليها الآن، والحديث يقرر أن آدم نزل إلى الأرض وهو على صورته التي هو عليها الآن لم يتغير ولم يتطور كما يزعم الماديون أنصار من يقول بنسبة الإنسان إلى القردة – والعياذ بالله تعالى-، وكذا ما جاء عن طول آدم حين خلقه الله تعالى، فقد جاء في السنة النبوية الصحيحة أنه خلق بطول ستين ذراعًا، فقررت ذلك معرضًا عما يقوله علماء الآثار، والأحياء عن طول الإنسان الذي وجدوه، فما وجدوا في هذه الدنيا من عظام وآثار لا يستطيعون أن يقولوا هي لآدم﵇- ولا لحواء أمنا، وإنما هو ظن لا أثر فيه من الصحة، فما ثبت عن النبي ﷺ من طول آدم هو الصحيح الذي لا مرية فيه، وعلى من يدعي غير ذلك أن يبحث حتى يصل إلى حقيقة ما جاء عن النبي ﷺ.
إضافة إلى أني قارنت بين ما ذكروه عن الديناصورات، وأثبت أن هذه الحيوانات بالنسبة لآدم كانت مثل الحيوانات الحالية بالنسبة للإنسان الحالي وطوله، فهم يقولون إن أطول دِيناصور وجد هو (١٥) مترًا بعنقه الطويل، وذيله الأطول، وهذا بالنسبة للإنسان لا يتعدى طول جاموس أو فيل، بل لعله لا يتعدى طول أسد، أو فهد، والله أعلم وأحكم.
هذا وقد سرت في الكتاب كله في موضوعاته كافة على هذه الصورة من
[ ٤٧ ]
إثبات ما جاء عن النبي ﷺ أولًا، ثم ذكر ما جاء موافقًا لما ثبت عن رسول الهدىصلى الله عليه وسلم، لأنه هو الأصل عندنا إذ لا يمكن للإنسان أن يصل إلى حقائق الكون إلا بإقدار الله تعالى له، أما ما أعطيه الرسول الكريم من العلم، وأظهره لنا فإنما هو من تعليم رب العالمين الخالق البارئ، علمًا بأن الكتاب قد حوى من الموضوعات الكبيرة، والصغيرة أحيانًا- حسب ما هو وارد- (١٢١) واحدًا وعشرين، ومائة موضوع، وأرجو أن أكون بهذا قد سرت على المنهج الذي يرضي الله تعالى، ويرضي رسوله الكريم ﷺ، ويرضي أهل العلم، وأهل الإيمان.
وفق الله السميعُ العليمُ الجميعَ إلى السداد في الأمر كله، كما أسأل الله أن يوفق كل من ساهم لإنجاح هذه الندوة المباركة إن شاء الله–﷿-، وأن يكون من ثمارها اليانعة ما فيه خير للأمة في الدنيا، وفي الأخرى.
[ ٤٨ ]