أصناف الحديث
من جهة القبول والرد
[ ٢ / ٧٨٥ ]
الباب الأول
الحديث المقبول
[ ٢ / ٧٨٧ ]
الفصل الأول
الحديث الصحيح
[ ٢ / ٧٨٩ ]
المبحث الأول
تعريف الحديث الصحيح
المتحرر في تعريف الحديث الصحيح من مجموع عبارات المتقدمين واستعمالهم، هو:
الحديث الذي يجمع الشروط الأربعة التالية:
الأول: اتصال السند.
والثاني: عدالة الرواة.
والثالث: ضبط الرواة.
والرابع: السلامة من العلل المؤثرة.
وجرى المتأخرون على جعل نفي الشذوذ شرطًا مستقلًا غير نفي العلة، والتحقيق: أنه صورة من صور العلل المؤثرة، وأئمة النقاد في هذا الفن أعلوا بالشذوذ في معنى التعليل بسائر العلل غير الظاهرة.
والحديث إذا حقق الشروط المتقدمة مجتمعة فهو (الحديث الصحيح لذاته)، وإن تخلف شرط فلا يوصف بالصحة.
[ ٢ / ٧٩١ ]
ومن عبارات الأئمة المتقدمين في تعريف الحديث الصحيح ما يلي: ١ - قال الشافعي: " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:
منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه.
معروفًا بالصدق في حديثه.
عاقلًا لما يحدث به.
عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ.
وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.
حافظًا إذا حدث به من حفظه.
حافظًا لكتابه إذا حدث من كتابه.
إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.
بريا من أن يكون مدلسًا: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ.
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ، أو إلى من انتهي به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت " (١).
٢_ وقال أبو بكر الحميدي: " فإن قال قائل فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟
_________________
(١) الرسالة (النص: ١٠٠٠ - ١٠٠٢)
[ ٢ / ٧٩٢ ]
قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله ﷺ، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته، وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي ﷺ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو: (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا، مدركًا لمن روى ذلك عنه.
مثل شاهدين شهدا عند حاكم على شهادة شاهدين، يعرف الحاكم عدالة اللذين شهدا عنده، ولم يعرف عدالة من شهدا على شهادته، فعليه إجازة شهادتهما على شهادة من شهدا عليه، ولا يقف عن الحكم بجهالته بالمشهود على شهادتهما.
فهذا الظاهر الذي يحكم به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث، وكذبه، ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا أو أكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال؛ فلا نكلف علمه، إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله؛ لما ظهر لنا منه " (١).
٣_ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: " لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح (٢).
٤ - وقال ابنه الثقة يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي: " لا يكتب الخبر عن النبي ﷺ حتى يرويه ثقة عن ثقة، حتى يتناهى الخبر إلى النبي ﷺ بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٣ - ٦٤) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٦) وإسناده جيد.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
الخبر عن النبي ﷺ بهذه الصفة؛ وجب قبوله، والعمل به وترك مخالفته " (١).
قلت: وشرط صاحبي الصحيح، ومن عرف عنه من الأئمة المتقدمين الحكم على الحديث بالصحة، وطرقهم في تعليل الحديث، مع هذه التعاريف عن هؤلاء الأعلام، استخلصنا منه هذه القيود كحد للحديث الصحيح.
وعلى المنهج ذاته جرى المتأخرون كابن الصلاح فمن بعده في تعريف الحديث الصحيح، واجتهدوا على حصره بأوصاف هي واضحة المعالم في الجملة، سوى ما حصل من مناقشات لهم في اشتراط نفي الشذوذ مستقلًا بالشرط عن شرط نفي العلة، وكذلك في اشتراط نفي العلة مطلقًا، أو مقيدًا بالقادحة.
وما حرزته من عبارات جميعهم فمغن إن شاء الله عن الإيراد والنزاع، وناقل إلى اعتبار تحرير المراد بهذه الأوصاف، لا الإسهاب في كلام نظري أطال فيه المتأخرون دون فائدة تذكر سوى القصد إلى تقويم تعريف ابن الصلاح.
المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال:
تحرير المراد بالشروط الأربعة المتقدمة المثبت اجتماعها صحة الحديث، سبق مفصلًا في فصوله ومباحثه من هذا الكتاب، وإنما يوجب فهم التعريف إيضاح المراد بقيوده، ودفع محترزاته، وبيانها كالآتي:
الشرط الأول: اتصال السند.
المراد به: أن يكون كل راو من رواة الإسناد أخذ الحديث ممن فوقه
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٦) وإسناده صحيح
[ ٢ / ٧٩٤ ]
مباشرة، وذلك بصيغة من صيغ التحمل الصريحة بالسماع كأن يقول: (سمعت فلانًا)، أو الصريحة بالاتصال دون سماع كالمكاتبة من الشيخ للتلميذ بخط موثوق به، أو المحتملة للسماع احتمالًا راجحًا، كالعنعنة ممن انتفت عن روايته عن شيخه شبهة الانقطاع بتدليس أو إرسال.
فيخرج بذلك المنقطع في جميع صوره، وألقابه المعروفة في هذا العلم هي: المنقطع، والمرسل، والمعضل، والمدلس، والمعلق.
الشرط الثاني: عدالة الرواة.
العدالة: استقامة الراوي في الظاهر على طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ.
وطريق تمييز الطاعة: الكتاب والسنة، وذلك فيما لا يحتمل خلافًا من نصوصهما.
فخرج به:
رواية الفاسق بالكذب في الحديث، أو في لسانه في غير الحديث، ومن يدعي سماع ما لم يسمع، أو الفاسق بالمعصية التي لا يدخلها تأويل كشرب الخمر المتفق على حرمته، ورواية الكافر.
ولا يقدح في العدالة شيء مما يلي:
أولًا: فعل المباحات مجردة عن المخالفة في أمر آخر، وإن جرى العرف على العيب بها.
ثانيًا: موافقة الصغيرة بمجرده؛ من أجل انتفاء العصمة منه.
ثالثًا: موافقة المعاصي بالتأويل؛ لاعتقاد المواقع كونها مباحة.
رابعًا: البدعة غير القاضية بكفر صاحبها لعينه؛ لكون الأصل فيه قصد إصابة الحق.
وقد تشددت طائفة فقدحت في الرواة بما تقدم، وحررت المذهب الراجح من مذاهب أهل العلم في الفصول المعقودة لذلك من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الشرط الثالث: ضبط الرواة.
والمعتبر في الضبط أن يكون الراوي حافظًا لحديثه، إما عن ظهر قلب، وإما في كتاب متقن صحيح، بحيث يقدر على أداء الحديث كما سمعه، لفظًا أو معنى، على ما تقدم شرحه في القسم الأول.
واعتبار الحفظ شرط لا يختلف فيه لصحة الحديث.
وأما فقه الراوي فوجده ليس علامة على كونه ضابطًا؛ فإن من الفقهاء من كان همه الاستدلال للمسألة، فلا يبالي كيف ساق متن الحديث، فربما تصرف في لفظه وحدث به على ما فهم، وهذا كثير شائع في كتب الفقه.
كما أن طائفة منهم لغلبة اعتنائها بالفقه فإنهم لم يكونوا يقيمون الأسانيد، فتراهم تكثر في رواياتهم المراسيل، وحمل اللفظ على اللفظ، وإدخال حديث في حديث، مثل الفقيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١).
لا ريب أن الفقه إذا انضم إلى الحفظ فهو مزية للتقديم، ولكنه ليس بشرط يطلب لصحة الحديث.
وقد كان أئمة السلف يعتبرون فقه الراوي مع حفظه مرجحًا على مجرد الحفظ، وإنه والذي نفسي بيده لجدير بذلك.
كما جاء عن وكيع بن الجراح، قال: " أيما أحب إليكم: سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؟ أو سفيان عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال علي؟ "، قيل له: أبو إسحاق عن عاصم عن علي، قال: " كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة " (٢).
_________________
(١) انظر: المجروحين، لابن حبان (١/ ٩٣)
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
كذلك قال الثقة عبد الله بن هاشم النيسابوري: قال لنا وكيع: " أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله؟ أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ "، فقلنا: الأول، فقال: " الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ " (١).
وكان مالك بن أنس لا يحمل الحديث عمن لم يكن يفهمه، حيث قال: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئًا، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافًا: فمنهم من كان كذابًا في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلًا بما عنده، فلم يكن عندي موضعًا للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (٢).
وقال مالك: " أدركت بالمدينة مشايخ أبناء مئة وأكثر، فبعضهم قد حدثت بأحاديثه، وبعضهم لم أحدث بأحاديثه كلها، وبعضهم لم أحدث من أحاديثه شيئًا، ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا، إلا أنهم حملوا شيئًا لم يعقلوه " (٣).
وقد شدد ابن حبان، فجعل الفقه شرطًا في راوي الحديث الصحيح، وبين علة ذلك بقوله: " إذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهًا وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغير المعنى؛ حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في" الكامل " (١/ ١٧٢) والحاكم في " تاريخه " (كما في " السير " ١٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩) والسياق له، والبيهقي في " المدخل " (رقم: ١٤، ١٥) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٢٣٨) عن شيخٍ مجهول بإسناده إلى ابن هاشم. كما أخرجه الحاكم في " المعرفة " (ص: ١١) والخطيب في " الكفاية " (ص:) من رواية علي بن خشرم، عن وكيع.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٧) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار " (١).
قلت: وهذا تعليل ذاهب الأثر باشتراطنا الإتقان للمحفوظ؛ إذ القلب في الرواية وتغيير المعنى مظنة لا تجتمع في الراوي مع نعته بالحفظ.
قال الخطيب: " إن لم يكن من أهل العلم بمعنى ما روى لم يكن بذلك مجروحًا؛ لأنه ليس يؤخذ عنه فقه الحديث، وإنما يؤخذ منه لفظه، ويرجح في معناه إلى الفقهاء، فيجتهدون فيه بآرائهم " (٢).
واستدل لذلك بحديث: " نضر (٣) الله امرأ سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه. . " الحديث (٤).
قلت: وهذا الذي قاله الخطيب هو الصواب، ولو تأملت حال أكثر النقلة الثقات لم تجدهم ممن عرف بالفقه، أو حتى ذكر به أصلًا، فالعبرة بثقة الراوي وصحة الإسناد.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ إذا صح مثل حديث سعيد وأبي سلمة، والرواية عن علقمة والأسود عن ابن مسعود، والرواية عن سالم عن ابن عمر، إذا رووا عن النبي ﷺ؟ فقال: " كل ثقة، وكل يقوم به الحجة إذا كان الإسناد صحيحًا " (٥).
وذكر ابن رجب كلام ابن حبان المتقدم، وقال: " وفيما ذكره نظر،
_________________
(١) المجروحين (١/ ٩٣)
(٢) الكفاية (ص: ١٥٧).
(٣) بالتخفيف أصح، وانظر ما تقدم من تعليقٍ بخصوصه في (المبحث السابع) من مباحث (تفسير التعديل).
(٤) سبق تخريجه في القسم الأول في المبحث المشار إليه في التعليق السابق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين، كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه كان لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به، فأما مجرد الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه فلا يكفي في رد حديثه " (١).
كذلك فإن الراوي قد يكون حافظًا، لكن جل اهتمامه بمراعاة الطرق والأسانيد، ولا يلتفت إلى سياقات المتون (٢).
ومن أسوأ ما يقع من بعض الرواة: اختصار متن الحديث، دون وقوع العلم به من طريق آخر، ودون تحديث هذا المختصر له في موضع آخر بتمام سياقه، فهذا يفوت مصلحة ما يقع في ذلك المتن من الفائدة.
لكن هذا القصور لا أثر له في الجملة على تحقق شرط الضبط الذي يصح به الحديث.
الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة.
والعلة: سبب قادح في الحديث يظهر بالتتبع.
فإن كانت في المتن فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك المتن بنظائره بعد صحة الإسناد، فتبدو فيه مخالفة لما هو مسلم أو أصح منه، كحكاية خلق الأرض دون السماوات في ستة أيام، وكمجيئه على غير ما رواه من هو أقوى.
وإذا كانت في الإسناد فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك الإسناد بسائر أسانيد الحديث، كالحديث يرويه الثقة مرفوعًا، فإذا بك تجده موقوفًا أو مقطوعًا، أو يرويه متصلًا فإذا بك تجده منقطعًا أو مرسلًا.
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ١٥١).
(٢) نبَه على ذلك ابن حبان قبلَ سياق النص السابق
[ ٢ / ٧٩٩ ]
على ما تقدم من بيانه في (النقد الخفي) من هذا الكتاب.
ومنها الشذوذ، وهو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه.
والعلة المؤثرة هنا: هي رواية الثقة المرجوحة.
وفي هذا ما يدل على أن وصف الراوي بالثقة وإن كانت القاعدة أن يصحح حديثه، لكن ذلك مشروط بسلامة رواياته من القوادح.
ولا يتم إلا بجمع طرق حديثه المعين للتأكد من حفظه له.
وهذا على خلاف ما يظنه كثير من الناس أن ثقة الراوي مجردة كافية وحدها للحكم لحديثه بالصحة دون تحقيق هذا الشرط.
* * *
[ ٢ / ٨٠٠ ]
المبحث الثاني:
تطبيق لإظهار تحقق شروط الحديث الصحيح
قال الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده ": حدثنا ابن نمير، عن مالك - يعني ابن مغول _، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر:
إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: " رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور " مئة مرة (١).
مخرج هذا الحديث هو أحمد بن حنبل وهو أحد كبار حفاظ الأمة وأئمتها، وكتابه " المسند " من أعظم دواوين الإسلام في حديث النبي ﵊، ولا يشك أهل العلم بالحديث في صحة نسبة هذا الديوان إليه، كما لا يشكون في صحة أصوله التي نشر عنها.
ولما كان أحمد ﵀ لم يشترط في " مسنده " أن لا يخرج إلا الصحيح، احتجنا للنظر في درجة هذا الحديث.
وترتيب البحث فيه على مرحلتين:
المرحلة الأولى: النظر في إسناد أحمد لهذا الحديث، ويعني أمرين:
أولًا: معرفة أحوال نقلته، بتمييز العدالة والضبط لكل راو.
_________________
(١) مُسند أحمد (رقم: ٤٧٢٦)
[ ٢ / ٨٠١ ]
وثانيًا: معرفة وقوع الاتصال فيما بينهم من عدمه.
فتحقيق أحوال النقلة على النحو الذي شرحه في (تمييز النقلة)، وباتباع ذلك المنهاج تبين ما خلاصته: أن رواة الإسناد كلهم ثقات، وروى لهم البخاري ومسلم.
وأما الأمر الثاني: وهو سلامة الإسناد من الانقطاع، فإن كل موضع يصرح فيه الثقة بالسماع فإنه يزيل مظنة الانقطاع فيه بينه وبين شيخه، لكن هذا الإسناد كله معنعن، والعنعنة صيغة ليست قطعية بالاتصال، ولا يحكم باتصال الإسناد بها إلا إذا سلم المعنعن من التدليس، وثبت إمكان سماعه ممن فوقه، وقد وجدنا في تراجم رجال هذا الإسناد أن كل راو من رواته ممكن سماعه ممن فوقه، ولم يوصف أحد منهم بتدليس.
فحيث تحقق هذا؛ فهو إسناد متصل برواية الثقات.
المرحلة الثانية: تحقيق السلامة من العلل المؤثرة.
وهذا يتم بتتبع طرق هذا الحديث ومواضع وروده عند أحمد في غير الموضع المذكور، وعند غير أحمد في كتب رواية الحديث الأخرى.
رجعنا فوجدنا الحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " في موضعين (١)، قال في الموضع الأول: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا مالك بن مغول، وفي الموضع الثاني كما رواه أحمد.
وفيه أن ابن أبي شيبة وهو أحد الأئمة الحفاظ وافق الإمام أحمد على روايته، وهذه (متابعة)، وفي روايته من الفائدة تمييز (ابن نمير) وذكر سماعه من ابن مغول صريحًا.
وتابع أحمد وابن أبي شيبة عليه: أحمد بن عبد الله، ويقال له: ابن
_________________
(١) المصنف (١٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨، و١٣/ ٤٦٢).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
أبي شعيب الحراني، وهو ثقة، رواه عنه البخاري في كتاب " الأدب المفرد " (١).
ثم وجدنا ابن نمير لم يتفرد بروايته عن مالك بن مغول، بل تابعه جماعة من الثقات، منهم:
١_ أبو أسامة (٢)، واسمه حماد بن أسامة ثقة محتج به في " الصحيحين ".
٢_ المحاربي (٣)، واسمه عبد الرحمن بن محمد، كوفي ثقة احتج به الشيخان، تكلم فيه بعض الحفاظ؛ لأنه كان يروي عن مجاهيل أحاديث منكرة، والعيب فيها من جهتهم لا من جهته، وهو هنا روى عن ثقة.
٣_ أبو بكر الحنفي (٤)، واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: (حدثنا مالك بن مغول)، وأبو بكر هذا بصري ثقة، احتج به الشيخان.
فهذا ابن نمير لم بنفرد برواية هذا الحديث عن مالك بن مغول، وهل انفرد ابن مغول عن محمد بن سوقة.
لا، بل وجدناه تابعه الحافظ الإمام سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن سوقة (٥).
وهل وافق ابن سوقة أحد عن نافع؟ لم نجد ذلك، لكنه ثقة فلا يضره التفرد، لا سيما أنه لم يخالفه أحد.
فإن قلت: فهل تجد أحدًا عن ابن عمر غير نافع؟
_________________
(١) الأدب المفرد (رقم: ٦١٨)
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (رقم: ١٥١٦) وابنُ ماجه في " سننه " (رقم: ٣٨١٤).
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم: ٣٤٣٠) وابنُ ماجه في الموضع المتقدم.
(٤) أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (رقم: ٤٥٨).
(٥) أخرجه الترمذي بعد روايته الماضية، وابنُ حبان في " صحيحه " (رقم: ٩٢٧)
[ ٢ / ٨٠٣ ]
قلت: نعم، وجدته عن ابن عمر من طريقين آخرين، كلاهما عند أهل العلم بالحديث صالح.
فإن قلت: نافع حجة بنفسه لا يتوقف في صحة حديثه حتى يوجد الموافق.
قلت: نعم، لكن البحث قد يدل على مخالفة لنافع مؤثرة في حديثه، لا لاحتياج حديثه إلى عاضد، فحيث جاء الموافق دل على ضعف احتمال المخالفة، خصوصًا وأنك لم تجد مخالفة حصلت لأحد ممن روى هذا الحديث.
بل قد روى غير ابن عمر عن النبي ﷺ ما يشهد لأصل هذا الحديث، فجاء معناه من حديث الأغر المزني وحذيفة بن اليمان وغيرهما.
فدل التتبع والبحث على أن هذا الحديث سلم من العلل المؤثرة.
فإن قلت: رأينا بعض من رواه قال في لفظه في آخره: " الغفور "، وبعضهم قال: " الرحيم ".
قلت: هذا واسع في الألفاظ، فإن الله تعالى كذلك، على أنه قد ترجح أن من قال " الغفور " فروايته أقوى وأبين.
وقد وجدنا الإمام الترمذي قال في هذا الحديث: " حديث حسن صحيح " فزاد ذلك الطمأنينة في صحة ما استخلصناه من هذا البحث من الحكم بصحة الحديث.
* * *
[ ٢ / ٨٠٤ ]
المبحث الثالث:
نقد تعريفات الصحيح
١_ قسم الحاكم النيسابوري الحديث الصحيح بحسب استعمال أهل العلم له من فقهاء الحجاز وفقهاء العراق، وهم فقهاء الأمصار في العصر الأول، إلى عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها:
فالمتفق عليها:
(١) ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهو ما رواه الصحابي المشهور الذي عنه راويان ثقتان، في شرط ذكره.
قلت: وهذا منتقد على الحاكم فيما ذكره من شرط الشيخين، وهو غير مصيب فيه، كما ذكرته في محله من هذا الكتاب (١).
(٢) الحديث برواية العدل عن العدل إلى الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد.
(٣) أخبار جماعة من التابعين الثقات لا يعرف أحدهم إلا برواية واحد عنه.
(٤) الأفراد الغرائب، يتفرد بها الثقة، وليس لها طرق مخرجة في الكتب.
_________________
(١) فيما سيأتي في (المبحث السابع) من (الفصل الثالث).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
(٥) أحاديث من روى عن أبيه عن جده من الثقات، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قلت: والمتأخرون على أن هذه الصحيفة حسنة الإسناد، والمتقدمون لم يتفقوا على الاحتجاج بها، لكن أن تقول: أكثرهم كان على قبولها والاحتجاج بها.
وفي إدخال الحاكم لها تحت (الصحيح) إنما هو من أجل عدم فصله له عن (الحديث الحسن)، كما جرى على ذلك في حكمه على الأحاديث في كتابه " المستدرك ".
والخمسة المختلف فيها، هي:
(١) المراسيل، والمراد: ما يرفعه التابعي أو تابع التابعي. صحيحة عند جماعة من الكوفيين، كإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد.
قلت: وهذا شامل لبعض صور (المعضل) بتعريف المتأخرين، لأن ما يرفعه تابع التابعي قد زاد فيه السقط على واحد بيقين، وهو سقط على التوالي، وهي سمة (المعضل).
(٢) روايات المدلسين التي لا يذكرون فيها السماع.
هي صحيحة عند بعض أئمة الكوفة، ضعيفة عند آخرين (١).
(٣) خبر يرويه ثقة عن إمام ثقة فيسنده، ويرويه عن ذلك الإمام جماعة من الثقات فيرسلونه. أو يرفعه الثقة ويوقفه الجماعة.
فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، إذ القول عندهم قول من زاد. وعند غيرهم من أئمة الحديث قول الجماعة (٢).
_________________
(١) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٥)
(٢) في تفصيل بينته في (النقد الخفي) في القسم الأول من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
(٤) روايات محدث صحيح السماع صحيح الكتاب، ظاهر العدالة، لكنه لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه.
فهذا يحتج به أكثر أهل الحديث، ولا يرى أبو حنيفة ومالك صحة الاحتجاج به.
(٥) روايات أهل البدع المعروفين بالصدق.
مقبولة عند أكثر أهل الحديث. وليس ذلك عند آخرين.
قلت: وهذه الأقسام العشرة التي عدها الحاكم أقسامًا للصحيح، فإنما هي بالنظر كما قدمت لاستعمال العلماء لها.
والتحقيق: أن الحاكم وغيره ممن نسبوا وصف (الصحيح) لهذه الأقسام التي لم تستوف شروط الصحة، فذلك لكونهم وجدوا الفقهاء يحتجون بالشيء منها. والواجب اعتباره في هذا أن يعلم أن الفقيه قد يستعمل الحديث المرسل، أو المختلف فيه رفعًا ووقفًا، أو المعلول بعلة غير مسقطة بمرة؛ لكونه وجد تلك الرواية جاءت موافقة لأصل، أو دليل آخر، لا لكونها صحيحة لذاتها مع قصورها عن استيفاء شرط الصحة، لذا تجدهم يستعملون الشيء من ذلك، لكن لا تجدهم يقولون: (هو صحيح)، كذلك تراهم يعلون روايات مخالفيهم بالقصور عن استيفاء شروط الصحة.
٢ - من العلماء من عرف الحديث الصحيح بغير ما تقدم، وهي تعريفات يرد عليها الاعتراض.
منها: تعريف الحاكم النيسابوري، فإنه قال: " صفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " (١).
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢)
[ ٢ / ٨٠٧ ]
قلت: وفي هذا أن الصحابي الذي لم يسم، والصحابي الذي لم يعرف إلا برواية عدل واحد عنه، ليس حديثه مما يصح وصفه بالصحة عند الحاكم.
وهذا ضعيف، بل ما كان عند الحاكم من أعلى درجات الصحيح، وهو ما اتفق عليه الشيخان، فيه الرواية عن جماعة لم يرو عن أحدهم إلا واحد، كما سيأتي في شرط الشيخين في الحديث الصحيح.
كذلك فإن الصحابي الذي لم يسم إذا صح الإسناد إليه فحديثه صحيح، كما بينته في الكلام في (العدالة والجهالة) مما تقدم في هذا الكتاب.
* * *
[ ٢ / ٨٠٨ ]
المبحث الرابع:
الحديث الصحيح في اصطلاح الترمذي
يقول الترمذي كثيرًا في حكمه على الأحاديث المخرجة في " جامعه ": " حديث حسن صحيح "، في جملة اصطلاحات أخرى، تبيين سائرها في موضعه.
فما مراده هنا بهذه العبارة؟
أوجدنا النظر والتتبع لما حكم عليه من الحديث بذلك، أنه أراد به: الحديث من رواية الثقات العدول المتقنين، المحفوظ غير الشاذ، والذي جاء معناه من غير وجه (١).
فإن زاد: (غريب) فيكون حسنًا صحيحًا بذلك اللفظ بذلك الإسناد، ولا يمنع مجيء معناه من وجه آخر، كما هو الشأن في أكثر أحاديث الثقات.
وفرق ما بين وصف الحديث بكونه (صحيحًا) أو (حسنًا صحيحًا) أن الوصف بالصحة المجردة غير مشروط أن يكون معناه جاء من وجه آخر، فبهذا الاعتبار يكون قوله: (حسن صحيح) أقوى مرتبة من القول: (صحيح)
_________________
(١) وانظر شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٨).
[ ٢ / ٨٠٩ ]
فقط؛ من جهة أنه صحيح لذاته، وأن معناه جاء من غير وجه، فله عاضد من غيره (١).
ولكثرة استعمال الترمذي لهذه الصيغة ظن كثير من الناس أنه أقدم من عرف عنه ذلك، وليس كذلك، بل وقع استعماله في كلام شيخه البخاري، كما نقل الترمذي عنه شيئًا من ذلك، وأبي حاتم الرازي، لكن قليلًا.
فمنه قول ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: " يجندون أجنادًا؟ قال: " هو صحيح حسن غريب" (٢).
وقال: سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد، عن مغيث بن سمي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: " محموم القلب، صدوق اللسان "، قالوا: صدوق اللسان نعرف، فما محموم القلب؟ قال: " هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا غل ولا حسد "، قالوا: من يليه يا رسول الله؟ قال: " الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة "، قالوا: ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله ﷺ، فمن يليه؟ قال: " مؤمن في خلق حسن "، قال أبي: " هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر " (٣).
* * *
_________________
(١) ذكر معنى ذلك ابن رجب في " شرح العلل " (١/ ٣٨٨).
(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٠٠١)
(٣) علل الحديث (رقم: ١٨٧٣).
[ ٢ / ٨١٠ ]
الفصل الثاني
الحديث الحسن
[ ٢ / ٨١١ ]
المبحث الأول:
تعريف الحديث الحسن
الحديث الحسن في استعمال المتقدمين له، واقع على صورتين:
الصورة الأولى: ما تقاصر عن درجة الصحيح، من جهة قدر الإتقان في بعض رواته فيما لا يهبط عن درجة القبول غالبًا، مع اعتبار سائر شروط الصحة (١).
والطريق إلى إدراكه: أنك تجده في الراوي الموصوف بالصدق، لكنه: إما أن يثبت له من الوهم والغلط ما نزل بحفظه عن درجة أهل الإتقان، غير أنه لم يزل فوق الضعف الذي يسقط بالرواية.
وإما أن يكون لم يرو إلا القليل ولم يتميز من مجموع ما روى أنه يلحق بالثقات، فيبقى دون الثقة.
والتحقيق:
أن الفصل بين مقبول ومردود في هذا المقام في غاية المشقة؛ لذلك كان هذا النمط من الرواة يشترط لقبول حديثه والحكم بحسنه شرطان زائدان على شروط الصحيح:
_________________
(١) انظر شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)
[ ٢ / ٨١٣ ]
الأول: زيادة التحري لتحقيق شرط السلامة من العلل المؤثرة.
والثاني: البحث عن وجود ما يوافق روايته، فلو تفرد بمضمونها؛ كأن يأتي بحكم لم يأتي به غيره، ولا يعرف في قرآن أو سنة صحيحة كان الحديث بذلك من (قسم المردود).
ولهذا يعبر بعض أهل الحديث عن الراوي الذي خف ضبطه أو لم يتبين إتقانه بعبارة: (يكتب حديثه وينظر فيه)، وهذا الشرط ليس مطلوبًا في حديث الثقة تام الضبط راوي الحديث الصحيح.
والصورة الثانية: الحديث يكون ناقصًا في شرط الاتصال، أو نازلًا في شرط الضبط عن حد من يقبل منفردًا، فيأتي معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، في نفس منزلته أو يقرب منها، بحيث إذا نظرت إلى كل من الوجهين منفردًا رددته، لكنك إذا جمعتهما قوى أحدهما الآخر، حيث سد كل منهما نقص الآخر.
وهذا هو الحديث (الحسن لغيره).
وهو في التحقيق: الضعيف المنجبر.
الترمذي و(الحديث الحسن):
أول من جاء عنه تعريف (الحديث الحسن) هو الإمام الترمذي، ومعلوم أن له في كتابه " الجامع " مصطلحات مبتكرة، اضطرب العلماء بعده في تفسيرها، وهذا محل بيان (الحديث الحسن) عنده (١).
قال الترمذي: " ما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم
_________________
(١) وسائر استعمالاته في محالِّها من هذا الكتاب، كقوله: (حديث حسنٌ صحيحٌ) و(حديثٌ غريب)، وقد ذكر ابنُ رجب ما تأوَّله المتأولون لتفسير المراد بتلك الاصْطلاحات، انظر: شرح العلل (٣٨٨ - ٣٩٤).
[ ٢ / ٨١٤ ]
بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك. فهو عندنا حديث حسن " (١).
وهذا يبينه ابن رجب بقوله: " الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن، بشرط أن لا يكون شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة " (٢).
وكونه جعل الشرط فيه: رواية معناه من غير وجه، فإذا قال: (حديث حسن غريب) فيعني غرابة لفظه من ذلك الوجه، وحسنه لمجيء معناه من وجه آخر (٣).
قلت: وهذا التعريف من الترمذي يمكن إجراء هـ على صورة (الحسن لغيره)، إذ مجيء معنى الحديث من وجه آخر لا يطلب في رواية من ثبت حفظه بثبوت السلامة من الوهم، وإن كان في حفظه لين إنما تُطلب فيه السلامة من التفرد بما لا أصل له، وفرق بين الصورتين لا يخفى.
ولذا كان (الحسن لذاته) مندرجًا عند أكثر الأئمة تحت (الصحيح)؛ لاعتبار النظر عندهم إلى ذات الإسناد وذات المتن، وأنه نفس ما اعتبروه للحديث الصحيح لذاته.
والحديث الحسن بتعريف الترمذي هو الضعيف الصالح عند من تقدمه من أهل العلم.
قال ابن رجب: " كان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن " (٤).
_________________
(١) كتاب (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٥١).
(٢) شرح العلل (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٣) بيَّنه ابنُ رجب كذلك (١/ ٣٨٦)
(٤) شرح علل الترمذي (١/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٨١٥ ]
قلت: وهذا نسبه كذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى طريقة أحمد وغيره من الأئمة المتقدمين:
فقال ابن تيمية: " والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح وحسن وغريب وضعيف، ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد، لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به، وهو الحسن في اصطلاح الترمذي،. . ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفًا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحًا " (١).
وقال ابن القيم وهو يبين أصول مذهب أحمد: " الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعًا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس.
وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس " (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٠ - ١٤١ - وفاء)، ونحوه في: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٣)
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٣١ - ٣٢)، معنى هذا أيضًا في كتاب " الفروسية " (ص: ٦٧).
[ ٢ / ٨١٦ ]
الحديث نوعان
قلت: ومن هذا القبيل ما حكاه ابن أبي حاتم الرازي في ترجمة (مخلد بن خفاف الغفاري)، قال: سئل أبي عنه؟ فقال: " لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد تقوم به الحجة " يعني الحديث الذي يروي مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ: أن الخراج بالضمان، " غير أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال " (١).
وهذا الحديث يتقوى بالطرق عند جماعة من العلماء، والعلة في هذا الإسناد من جهة عدم شهرة مخلد، فمثله يحسن حديثه في غير الأحكام، أما في الأحكام كهذا الحديث فيحتاج إلى عاضد، وقد جاء ما يشده ويدفع عن مخلد فيه التفرد (٢).
وهذا النوع من الحديث كان الأئمة من السلف يصيرون إليه عند فقدهم ما هو أولى منه، وبينت في (المرسل) أن احتجاج من احتج به من أكثرهم كان من هذه الجهة، لا من جهة اعتقاد ثبوته في لفظه وروايته.
وحاصل ما تقدم أن (الحسن) يندرج تحته نوعان:
الأول: الحسن بتعريفه الذي صدرت به، وهو ما عاد الفارق بينه وبين (الصحيح) إلى قدر الإتقان فيمن ترجح حفظه ولم يتفرد بأصل.
وهذا هو (الحسن لذاته).
والثاني: المروي من وجه لين أو ضعيف لم يبلغ السقوط، جاء معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، فتقوى به.
وهذا هو (الحسن لغيره)، وهو رواية الضعيف المنجبرة.
وكيف يتقوى الحديث الضعيف بتعدد الطرق حتى يلحق بالمقبول من الحديث؟ بيانه في (الفصل الثالث) من (الباب الثاني).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٤٧).
(٢) بما تحريره في كتابي (نُصوص المعاملات الماليَّة) يسَّر الله إتمامه
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقد قال السخاوي: " قال النووي ﵀ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوي بعضها بعضًا، ويصير الحديث حسنًا، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن ابن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا " يعني ابن حجر، وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف (١).
قلت: واعلم أنه لم يذهب أحد من متقدمي أئمة الحديث، ولا متأخري المحققين منهم إلى أن قبول مثل هذا الحديث هو من جهة اشتمال الإسناد على شروط القبول، وإنما بإقرار جميع من تعرض إلى هذا النوع: هو حديث ضعيف لذاته، لكنهم وجدوا الضعف مما أشار إليه تعريف الترمذي للحديث الحسن بقوله: " لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك "، فيطلبون فيه وجود ما ذكره الترمذي على التحقيق.
وبعض المتأخرين توسعوا، وأهملوا اعتبار هذه الأوصاف، فقووا أحاديث بممجرد تعدد الطرق، وتسهلوا في درجات الرواة، كما وقع لمثل السيوطي ﵀ وغيره.
واعلم أنه لا حاجة بك أن تقول فيما يتقوى عندك بهذا الطريق بعد اعتبار شروطه: (حديث حسن لغيره) كما لا حاجة للقول في الصورة الأولى: (حديث حسن لذاته)، وإنما جرى عمل المتقدمين وأكثر المتأخرين على إطلاق القول: (حديث حسن).
* * *
_________________
(١) فتح المغيث (١/ ٦٩)
[ ٢ / ٨١٨ ]
المبحث الثاني:
تاريخ هذا (المصطلح)
يعزو كثير من المتأخرين استعمال مصطلح (الحديث الحسن) بمعنى: الحديث النازل عن درجة (الصحيح) دون الرد، إلى الإمام الترمذي صاحب " الجامع ".
نعم، تقسيم الحديث المقبول إلى: صحيح، وحسن، لم يكن شائعًا قبل الإمام الترمذي، وكان بعض من تقدم قبله من أئمة الحديث يرون الحديث الحسن درجة من الضعف كما تقدم عن أحمد وغيره فيما كانوا يقدمونه على القياس، ولم يكن مرادهم الضعيف المردود.
فلما جاء الترمذي أظهر الاصطلاح بجعل (الحسن) أحد قسمي المقبول.
والتحقيق: أنه مسبوق إلى استعمال هذا المصطلح بالمعنى الذي قصد إليه، سبقه به أئمة الحديث، لكنه لم يتحرر يومئذ بتعريف، وفضل الترمذي أنه أول من صاغ قانونه، وحرر تعريفه.
فممن استعمله قبله أو من معاصريه من أئمة الحديث:
(١) الإمام مالك بن أنس، وهو أقدم من عرف عنه ذكر (الحديث الحسن).
[ ٢ / ٨١٩ ]
وذلك فيما أخرجه الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي (يعني عبد الله بن وهب) يقول: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال:
رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه ".
فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة " ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع.
وهذا الحديث لو تتبعته صرت إلى أنه (حسن) بالمعنى الاصطلاحي، مع أن الاصطلاح لم يعرف بعد.
(٢) الإمام علي بن المديني.
ومما جاء عنه في ذلك في حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: " من كان ذا وجهين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة "، قال ابن المديني: " إسناده حسن، ولا نحفظه عن عمار عن النبي ﷺ إلا من هذا الطريق " (٢).
(٣) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب " الصحيح ".
فقد نقل عنه الترمذي تحسينه لعدة أحاديث، وذلك في كتابي " الجامع " و" العلل الكبير "، جميعها مما يتطابق مع تعريف الحديث الحسن بما تقدم، وعنى به البخاري درجة في الثبوت، منها: حديث عثمان في تخليل اللحية
_________________
(١) في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٣١ - ٣٢)
(٢) نقله المزِّي في " تهذيب الكمال " (٢٩/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
في الوضوء، وحديث ابن عباس في تخليل الأصابع، وحديث عائشة في " ويل للأعقاب من النار " في الوضوء كذلك، وغيرها.
(٤) أبو حاتم الرازي، فحكم به على الحديث المعين، قوله في ترجمة (عمرو بن محمد) الراوي عن سعيد بن جبير: " هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير فهو حسن " (١).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه شعبة والليث عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا: فقال الليث: عن عمران بن أبي أنس.
وقال شعبة: عن أنس بن أبي أنس.
واختلفا: فقال الليث: عن ربيعة بن الحارث.
وقال شعبة: عن المطلب، عن النبي ﷺ، قال: " الصلاة مثنى مثنى، تخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع بيديك - يقول: يرفعهما - وتقول: يا رب، يا رب، فمن لم يفعل ذلك لم يفعل ذلك فهيَ خداج ".
قال أبي: " ما يقول الليث أصح؛ لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ ".
قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: " حسن ".
قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: " هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ". قلت: سمع من الفضل؟ قال: " أدركه ". قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: " حسن ". فكررت عليه مرادًا فلم يزدني على قوله: " حسن "، ثم قال: " الحجة سفيان وشعبة ".
قلت: فعبد ربه بن سعيد؟ قال: " لا بأس به ". قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " هو حسن الحديث " (٢).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٦٢)
(٢) علل الحديث (رقم: ٣٦٥).
[ ٢ / ٨٢١ ]
قلت: حكم أبي حاتم على راو بكونه (حسن الحديث) كثير، يأتي قريبًا بعض مثاله.
قلت: والأشبه أن يكون ما اصطلحه الترمذي في عد الحديث الحسن قسيمًا للصحيح في جملة الحديث المقبول، مما أخذه عن شيخه البخاري، وأخذه البخاري عن شيخه علي بن المديني.
ولا نعلم أحدًا من أئمة هذا الشأن عاب على الترمذي هذا الاصطلاح عند ظهوره منه، بل إن من جاء من بعد قد تواردوا على متابعة الترمذي في استعماله.
ويعتضد ما بينته عن الترمذي في معنى (الحسن) وعمن سبقه إليه أو وافقه فيه: ما شاع من استعمال إطلاق وصف (حسن الحديث) على الراوي، فمن تأمل أحوال من أطلقت عليه هذه العبارة عند متقدمي العلماء وجدها صفة من يحكم على حديثه بالحسن الاصطلاحي.
فمن ذلك:
(١) قال أحمد بن حنبل في (شهر بن حوشب): " ما أحسن حديثه " ووثقة، قال: " روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانًا " (١).
(٢) وقال أبو داود في (أشعث بن عبد الرحمن): " حسن الحديث " (٢).
(٣) وقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة المسعودي): " حسن الحديث، لا بأس به عنده غرائب عن الأعمش " (٣).
(٤) وقال أبو حاتم في (محمد بن راشد المكحولي): " كان صدوقًا، حسن الحديث " (٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٨٣).
(٢) سؤالات الآجرِّي (النص: ٣١٢).
(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٠٥).
(٤) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٣).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
(٥) وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الله المرادي): " شيخ لشريك، حسن الحديث، صدوق " (١).
وعلى نفس المعنى جرى الناقد أبو أحمد بن عدي في تحرير عبارات المتقدمين، وإن كان قد جاء بعد الترمذي لكنه كان على سنن السابقين، ومن أمثلة كلامه في ذلك:
نقل عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب): " ضعيف "، ثم قال: " هو عندي حسن الحديث، ليس كما رواه معاوية بن صالح عن يحيى، وله أحاديث كثيرة غرائب حسان، تدل على أن أبا إسماعيل من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه " (٢).
وقال ابن عدي في (أبان بن يزيد العطار): " هو حسن الحديث متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق " (٣).
وقال ابن عدي في (بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري) وقد ذكر له حديثًا تفرد به: " هذا طريق حسن، ورواة ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس " (٤).
ولابن عدي بمثل المعنى في رواة آخرين (٥).
قلت: وقول ابن عدي: (يكتب حديثه) ولم يقل: (يحتج به)؛ لأن
_________________
(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٠٩)
(٢) الكامل (١/ ٤٠٤).
(٣) الكامل (٢/ ٧٣).
(٤) الكامل (٢/ ٢٤٧).
(٥) انظر مثلًا قوله في: سعيد بن سالم القدَّاح، وعبد الله بن لَهيعة، وعبد الله بن عُثمان بن خثيم، ومُحمد بن دينار الطاحي، ومُحمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع (الكامل ٤/ ٤٥٤، و٥/ ٢٥٣، ٢٦٨، و٧/ ٤١٤، ٤٨٩)
[ ٢ / ٨٢٣ ]
من كان (حسن الحديث، صدوقًا) لا يصلح الاحتجاج بخبره ابتداء حتى ينظر فيه، فيعرف أنه محفوظ، وإنما تكون عبارة (يكتب حديثه) جرحًا لو جاءت مفردة، أو مضمونة إلى لفظ جرح.
نعم، ربما قال الناقد في الراوي (حسن الحديث) وهو من الثقات المتقنين، كما قال أحمد بن حنبل في أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج: " شعبة حسن الحديث عن أبي إسحاق، وعن كل من يحدث عنه " (١)، وقال في (عيسى بن يونس بن أبي إسحاق): " حديثه حسن " (٢)، وقال العجلي في (سفيان بن عيينة): " كان حسن الحديث " (٣)، وقال أحمد بن حنبل في (زيد بن أبي أنيسة): " إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث " (٤)، وقال علي بن المديني: " ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب وليث بن سعد ومحمد بن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يسندون أحاديث حسانًا، ابن عجلان كان يخطئ فيها " (٥).
غير أن هذا قليل، فيكون التأصيل: أن من قيلت فيه عبارة (حسن الحديث) فهو صدوق حسن الحديث على المعنى الاصطلاح، حتى تدل قرينة على عدم إرادة ذلك.
ومن دلالة القرينة على عدم إرادة ذلك مثلًا قول ابن عدي في (حسام بن مصك): " عامة أحاديثه إفرادات، وهو مع ضعفه حسن الحديث، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق " (٦).
_________________
(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٧٦).
(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٩٧).
(٣) معرفة الثقات (النص: ٦٣١).
(٤) الضعفاء، للعقيلي (٢/ ٧٤)، قلت: وزيد ثقة، وأحسب النكارة التي عنى أحمد التفرد، فإنه ربما أراد ذلك.
(٥) معرفة الرجال، لابن مُحرزٍ (٢/ ٢٠٧).
(٦) الكامل (٣/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٨٢٤ ]
الأول: (الحسن) بمعنى الغريب
فسائر قول ابن عدي مع النظر في كلام غيره من نقاد الحديث في (حسام) هذا، يتبين أن حسن الحديث هنا لم يرد به المعنى الاصطلاحي له، إنما ما يكون من حديث الراوي صالحًا للاعتبار.
خلاصة ما تقدم:
استعمال مصطلح (الحديث الحسن) قديم لأهل العلم بالحديث، واقع في كلام المتقدمين، يعنون به مرتبة من مراتب القبول والاحتجاج، وإنما كان للترمذي فيه فضل الإبراز والتعريف.
تنبيهان:
الأول: وقع إطلاق لفظ (حديث حسن) في كلام بعض المتقدمين، يعنون به الغريب، وليس هذا من المعنى الاصطلاحي في شيء، والقرينة هي التي أخرجت المراد به عن المعنى المتقدم.
فمن ذلك:
قول وكيع بن الجراح: " كل حديث حسن عبد السلام بن حرب يرويه " (١).
فهو يشير إلى أفراده وروايته الغرائب، وليس هذا من الحسن الاصطلاحي.
ومن هذا ما حدث به أمية بن خالد، قال: قلت لشعبة: ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركت حديثه "، قال: قلت: تحدث عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركته "، قلت: إنه كان حسن الحديث، قال: " من حسنها فررت" (٢).
_________________
(١) أخرجه العُقيلي (٣/ ٧٠) بإسناد صحيح
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٤٦) والعقيلي في " الضعفاء " (٣/ ٣٢) وابن عدي في " الكامل " (٦/ ٥٢٥) - ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى " (٦/ ١٠٦) - والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٢٩٦) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
الثاني: (الحسن) بمعنى حسن السياق
والثاني: وقع في كلام بعض العلماء إطلاق وصف (حديث حسن) يريدون به حسن السياقة لا الثبوت، وهذا ليس بجيد ممن فعله؛ لأنه يشكل ويلتبس بالاصطلاح، لكنه قليل نادر.
منه قول الحافظ أبي عمر ابن عبد البر بعد إيراده حديثًا هو عند أهل العلم موضوع من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ: " تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح " في سياق طويل، قال: " هو حديث حسن جدًا، ولكن ليس له إسناد قوي " (١).
* * *
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضْله (١/ ٥٥).
[ ٢ / ٨٢٦ ]
المبحث الثالث:
تطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث
تطبيق للحديث الحسن لذاته:
قال الإمام أبو داود السجستاني (١): حدثنا مؤمل بن الفضل، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه قال:
" من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ".
حال الإسناد من حيث أحوال الرواة واتصاله:
شيخ أبي داود مؤمل وشيخه ابن شابور وشيخه يحيى ثقات، سمع مؤمل من شيخه، وابن شابور لا يعرف بتدليس، ثم هو وشيخه وسائر الإسناد رواة دمشقيون لا ينكر لقاء بعضهم بعضًا وسماع بعضهم من بعض.
وأما القاسم فهو ابن عبد الرحمن تابعي، ويعرف ب " صاحب أبي أمامة " معروف السماع منه، وهو عدل، لكنهم تكلموا في ضبطه وإتقانه، ولينوا روايته، ومنهم من أطلق ضعفه، كما أن منهم من وثقه، وحين تبحث عن
_________________
(١) في " سننه " (رقم: ٤٦٨١)
[ ٢ / ٨٢٧ ]
سبب التضعيف المطلق تجده أن بعض الرواة الضعفاء رووا عنه أحاديث منكرة، ليس البلاء فيها من جهته، إنما من جهتهم، وأمره في التحقيق كما وصفه البخاري أن أحاديث الثقات عنه كيحيى بن الحارث مقاربة، وهذا وصف يعني القبول بحيطة، إذ هذه درجة من في حديثه لين مع الصدق، وهي درجة من يقال في حديثه: (حسن).
ولنأتِ إلى النظر في الشرطين المذكورين آنفًا لقبول حديث الصدوق، فتأملنا فوجدنا الإسناد سالمًا إلى القاسم، وأما هو فوجدناه صاحبًا لأبي أمامة لا ينكر أن يسمع من أبي أمامة ما لم يسمعه غيره منه، لكنا نخشى من التفرد بما روى من العلم، فمثله لو استقل بحفظ حكم لا يعرف في كتاب ولا سنة ثابتة من غير طريقة فإنه لا يقبل منه؛ إذ يقال: أين كان حفاظ الأمة لم يعرفوه وعرفه القاسم وحده؟ فبحثنا في متن هذه الرواية فلم نجده روى ما يسنتكر معناه، وهذا مقدار كاف للحكم بحسن حديثه.
لكن البحث أوجدنا غير أبي أمامة روى نحو ما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ، فتيقنا حسن حديثه، بل زاده ذلك قوة حتى ارتقى به إلى درجة (الحديث الصحيح لغيره).
وذلك ما أخرجه أحمد وغيره (١) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: " من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه ".
_________________
(١) هو في " مسند أحمد " (٣/ ٤٤٠)، كما أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم: ٢٥٢١) وأبو يعلى في " مسنده " (رقم: ١٤٨٥) والحاكم في " مستدركه " (رقم: ٢٦٩٤)
[ ٢ / ٨٢٨ ]
المقرئ وشيخه سعيد من ثقات المصريين ومتقنيهم، وقد بينا السماع، على أنهما لم يعرفا بتدليس، وأبو مرحوم هذا مصري لا بأس به، أطلق ابن معين تضعيفه بعبارة مجملة فسرتها عبارة النسائي فيه، قال: " أرجو أنه لا بأس به "، وهذا هو الصدوق الذي في حفظه لين، والذي يحسن حديثه بعد النظر والتحري، وشيخه سهل هذا لا بأس به إذا روى عنه من يعتد به، وأبوه معاذ الجهني صحابي، فحيث أثبت التحري أن هذين الصدوقين أبا مرحوم وسهلًا رويا ما له أصل من حديث غيرهما، فحديثهما حسن.
تطبيق للحديث الحسن لغيره:
أخرج ابن حبان وغيره (١)، من حديث الصلت بن مسعود، قال: حدثنا مسلم بن خالد، قال: حدثنا شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " ليس للنساء وسط الطريق ".
فهذا الحديث بهذا الإسناد ليس بالقوي، اختل فيه من شروط القبول شرط الضبط في أحد رواته، وهو مسلم بن خالد، وهو المعروف بالزنجي، كان سيء الحفظ، ضعيفًا فيما يتفرد به.
لم نجد بعد النظر في الإسناد علة سوى ذلك، فقلنا: ما نخشاه من سوء حفظ مسلم فجائز أن يندفع بالوقوف على الحديث لفظًا أو معنى من غير طريقه.
فوجدنا الحديث أخرجه الدولابي وغيره (٢) من طريق محمد بن يوسف
_________________
(١) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٥ - ٤١٦ رقم: ٥٦٠١). وأخرجه ابن أبي عاصم في " كتاب الديات " (ص: ١٩٠) وابنُ عدي في " الكامل " (٥/ ٩) ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (٦/ ١٧٤ رقم: ٧٨٢٣) من طريق الصلْت، به.
(٢) أخرجه الدولابي في " الكنى والأسماء " (رقم: ٢٧٣) والبيهقي في " الشعب " (رقم: ٧٨٢١) وله عنده متابعة هاشم بن القاسم لسُفيان عن ابن أبي ذئب
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الفريابي، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، قال: قال النبي ﷺ: " ليس للنساء سراة الطريق ".
والسراة فسرها بعض الرواة: وسط الطريق.
وهذه طريق ثابته إلى ابن أبي ذئب.
لكن أدخل مرة بينه وبين الحارث: ابن شهاب الزهري، كما أخرجه الطبراني بإسناد فيه لين (١)، ولو صحت الزيادة فالزهري هو الحافظ الإمام، والحارث بن الحكم هو الضمري يعتبر بحديثه، صالح للاعتبار، لم يجرح، ووثقه ابن حبان (٢)، وإن كان المحفوظ رواية ابن أبي ذئب عنه لا الزهري، فابن أبي ذئب لم يكن يروي إلا عن ثقة سوى رجل واحد، ليس الحارث بن الحكم به، وابن حماس غير مشهور، ففيه لين بهذا الاعتبار، ثم إن شرط الاتصال إلى منتهى الإسناد قد تخلف، فهذا مرسل، ولم يصب من جعل لابن حماس صحبة.
وقد روي من طريق ابن حماس متصلًا بإسناد دون هذا.
أخرجه أبو داود وغيره (٣) من طريق عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن أبي اليمان الرحال، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو
_________________
(١) في " المعجم الأوسط " (٤/ ٣٤ رقم: ٣٠٤٢).
(٢) الثقات (٦/ ١٧٢).
(٣) هو في " سنن أبي داود " (رقم: ٥٢٧٢)، وأخرجه كذلك: البيهقي في " الآداب " (رقم: ٩٧١) و" الشعب " (رقم: ٧٨٢٢) والمزي في " التهذيب " (١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢) جميعًا من طريق الدراوَرْدي به. وللمزي أيْضًا من طريق الدراوردي عن أبي اليمان عن شداد عن أبي أسيد، باللفظ المختصر، أسْقط من إسناده السابق رجلين، وهو راجعٌ إلى نفس العلة.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ للنساء: " استأخرن، فإنه ليس لكن أن تَحْقُقْنَ (١) الطريق، عليكن بحافات الطريق "، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.
قلت: وهذه مخالفة في الإسناد ضعيفة، وسياقٌ مفصل لا يشهد له اللفظ المتقدم لاختصاره، وإن كان معناه متضمن فيه بصيغة أدنى في شدة الحكم.
أما ضعفها فمن جهة أن أبا اليمان هذا غير مشهور، وشدادًا شيخه مجهول.
فالعبرة برواية ابن حماس المرسلة، فهي العاضد الذي يدفع عن رواية مسلم بن خالد أثر سوء حفظه، وبها يكون حديث أبي هريرة حسنًا.
***
_________________
(١) قال ابن الأثير: " هو أن يركبن حُقها، وهو وسَطها " (النهاية ١/ ٤١٥)
[ ٢ / ٨٣١ ]
الفصل الثالث
مباحث في الصحيح والحسن
[ ٢ / ٨٣٣ ]
أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: الصحيحان
المبحث الأول:
الكتب في الحديث الصحيح
أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، لم يسبقهما في الصحة كتاب له مثل درجتهما، ولا خلفهما كذلك، وهما أول الكتب المجردة في الحديث الصحيح، والبخاري قبل مسلم.
وقد جاء عن الشافعي تقديم (الموطأ) للإمام مالك بن أنس.
فعن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، قال: " ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك " (١).
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: " ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صوابًا من موطأ مالك " (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدِمة " (ص: ١٢) و" آداب الشافعي " (ص: ١٩٥ - ١٩٦) والبيهقي في " مناقب الشافعي " (١/ ٥٠٧) وابن عساكر في " كشْف المغطى في فضل الموطَّأ " (رقم: ١٦) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٧٧، ٧٩) وابن عساكر كذلك (رقم: ١٩) نحوه.
(٢) أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (٦/ ٣٦٠ رقم: ٨٩٣٢) وابن عساكر في " كشْف المغطى " (رقم: ٢٠) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
صحة مسندات " الموطأ "
وقال هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعي يقول: "ما كتاب بعد كتاب الله تعالى أنفع [للمسلمين] من كتاب مالك بن أنس " (١).
وقال أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح: سمعت الشافعي يقول: " ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك " (٢).
قلت: وهذا حكم قبل أن يوجد " الصحيحان "، فإن الناس صنفت الكتب في حديث رسول الله ﷺ قبل البخاري ومسلم، فكان " الموطأ " أصح تلك الكتب حديثًا، فهو مقارن بما زامنه إلى عهد الشافعي، فلما ألف " الصحيحان " لم تبق تلك الدعوى صحيحة، خصوصًا وأن مالكًا ﵀ ضمن كتابه الأحاديث والآثار ورأي نفسه، كما وقع في أسانيد أحاديثه المتصل والمرسل والمنقطع والبلاغات، فلم يجرد للحديث الصحيح المتصل.
نعم، (الموطأ) من كتب الحديث الصحيح، وليس فيه حديث مسند إلا وهو صحيح.
وقد استحق " الصحيحان " التقديم لشدة ما اشترط صاحباهما الإمامان: البخاري ومسلم، ولاجتهادهما في تحقيق شرطهما؛ فإنهما التزما بشروط الحديث الصحيح إلى أقصى حد ممكن، لكن صنيعهما صنيع بشر؛ لذا لم يسلم من مؤاخذات، هي على أحرف يسيرة في " البخاري "، وعلى أحاديث قليلة في " مسلم "، قد ميزت وعرفت.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤١) وأبو نُعيم في " الحلية " (٩/ ٧٩ رقم: ١٣١٨٢) والجوهري في " مُسند الموطأ " (رقم: ٧٧) والبيهقي في " مناقب الشافعي " (١/ ٥٠٧) والزيادة له، والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٥٦٤) وابن عبد البر (١/ ٧٦، ٧٧) وابن عساكر في " كشف المغطى " (رقم: ٢٢) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البيهقي في " المناقب " (١/ ٥٠٧) وإسناده جيد. ورُوي هذا المعنى الذي قاله الشافعي عن عبد الرحمن بن مَهدي، ولم يثبت عنه. أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤٢)
[ ٢ / ٨٣٦ ]
والقاعدة: أن كل ما في الصحيحين متلقى بالقبول، محكوم بصحة، وليس فيهما حديث موضوع، ولا منكر، بل ولا ضعيف، إلا أحاديث معللة معدودة في " صحيح مسلم ".
وقد يزعم بعض أهل البدع وجود موضوع أو منكر ساقط فيهما؛ لمجيء بعض الروايات على غير أهوائهم، أو لآخرون ظنوا في بعض الأحاديث مخالفة لمعقولهم فردوها، وفهم معاني الأحاديث يتفاوت فيه الناس كما يتفاوتون في فهم القرآن العظيم، وفوق كل ذي علم عليم.
ولا يهوَّل بما وقع من انتقادات بعض الحفاظ على " الصحيحين " كالحافظ الكبير أبي الحسن الدراقطني، عاب عليهما في التخريج لبعض الرجال، وعاب بعض الأحاديث بالتعليل الخفي، كما في كتاب " التتبع " له.
وسأل السلمي الدارقطني: لم ترك محمد بن إسماعيل البخاري حديث سهيل بن أبي صالح في الصحيح؟ فقال: " لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي إذا مر بحديث لسهيل قال: سهيل - والله - خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير، وكتاب البخاري من هؤلاء ملاء " (١).
وقال أبو عثمان سعيد بن عمرو البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج، ثم الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: " هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه، فعملوا شيئًا يتشوفون به، ألفوا كتابًا لم يسبقوا إليه؛ ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها ". وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب (الصحيح) من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: " ما أبعد هذا من الصحيح ! يدخل في كتابه أسباط بن نصر؟! " ثم رأى في الكتاب قطن بن
_________________
(١) سؤالات السلمي (النص: ١٤٨) وبنحوه كذلك (النص: ١٤٩)
[ ٢ / ٨٣٧ ]
نسير، فقال لي: " وهذا أطم من الأول، قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت، جعلها عن أنس "، ثم نظر فقال: " يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه (الصحيح)؟!. . ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى " وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه، كأنه يقول: الكذب، ثم قال لي: " يحدث عن أمثال هؤلاء، ويترك عن محمد بن عجلان ونظرائه، ويطرق لأهل البدع علينا؛ فيجدون السبيل بأن يقولوا لحديث إذا احتج عليهم به: ليس هذا في كتاب (الصحيح) "، ورأيته يذم وضع هذا الكتاب ويؤنبه.
فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه روايته في هذا الكتاب عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، فقال لي مسلم: " إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات "
وقدم مسلم بعد ذلك إلى الري، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مما قاله أبو زرعة: " إن هذا يطرق لأهل البدع علينا "، فاعتذر إليه مسلم، وقال: " إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح؛ ليكون مجموعًا عندي وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف " ونحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره وحدثه (١).
_________________
(١) ساقَ هذه الحكاية بطولها البَرْذعي في " سؤالاته لأبي زُرعة " (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٧).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
قلت: فهذا عيب للشيخين في بعض من خرجا لهم، لكن قولهما في ذلك أقوى عند نقاد الحديث، بل مع نقد النسائي والدارقطني للبخاري في بعض من أخرج لهم، وأبي زرعة لمسلم في بعض من أخرج لهم، لم يقع منه شيء على سبيل الطعن عليهما، إنما النقد للبخاري في تركه تخريج الثقة الأولى عند من انتقده، على أن البخاري لم يحتج إلا بما لا ينازع في كونه محفوظًا من الحديث، وإن كان خلاف الأولى عند غيره، ونقد أبي زرعة لمسلم فيه تشديد الشيخ على التلميذ حملًا له على مزيد التحري، وتحذيرًا من فتح الطريق لأهل الأهواء.
قال الحازمي: " أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حدًا يرد به حديثهم، مع أنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم، ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه " (١).
قلت: يريد الحازمي أن البخاري لم يخرج لمن يرى تسليم القول بضعفه، وإن خالفه فيه غيره، إذا الاختلاف في جرح الرواة وتعديلهم موجد، لكن ليس كل جرح معتبرًا.
ويجب أن تلاحظ في طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة ما يلي:
أولًا: أنهما انتقيا من حديثه ما كان محفوظًا معروفًا، مثلُ: إسماعيل بن أبي أويْسٍ المديني.
ثانيًا: غالب ما خرجاه من حديث هذا الصنف فهو في المتابعات، لا في الأصول.
_________________
(١) شروط الأئمة الخمسة (ص: ١٧٢ - ١٧٣)
[ ٢ / ٨٣٩ ]
نقد الصحيحين
ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم
وربما حسب بعض الناس أن المراد ب (المتابعات) هنا أن يأتي الإسناد من طريق المتكلم فيه بعد إسناد الثقة غير المتكلم فيه، وليس ذلك شرطًا، فالتقديم والتأخير هنا لا أثر له، ما دام تخريج صاحب " الصحيح " لذلك الراوي المتكلم فيه لم يكن بما تفرد به.
ثالثًا: أن الصنف من الرواة أقل عنه صاحبا " الصحيح ".
رابعًا: أنهما إذا اعتمداه فخرجا عنه من محفوظ حديثه، فلا يعتمدانه في الأحكام، إنما ذلك في الرقائق وشبهها، مثل فليح بن سليمان.
ومن هنا يتبين خطأ الحاكم في كثير مما استدركه على الشيخين، وأطلق القول أنه (على شرطهما) أو (شرط أحدهما) على ما سيأتي نقده فيه.
وأما النقد ل " الصحيحين " بتعليل بعض أئمة الحديث لبعض الروايات بالعلل الخفية، كما صنع الدارقطني في كتاب " التتبع "، فأكثره على قلته يعود إلى معنى الصناعة الحديثية، لا إلى رد الحديث، على أن مذهب الشيخين فيه أقوى وأرجح.
وفي الجملة: ف " صحيح البخاري " أقوى وأرجح من " صحيح مسلم "، وذلك يعود إلى قوة شرط الاتصال عنده وزيادة تحريه في الرجال، وندرة الحديث المعلل في " كتابه ".
قال النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري " (١).
قال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: " ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث " (٢).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٢/ ٩) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٦٣) وإسناده صحيح
[ ٢ / ٨٤٠ ]
قال ابن تيمية مقارنًا بين (الصحيحن): " ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله، مع فقهه فيه ".
قال: " جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه، يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه " (١)، وضرب أمثلة لما انتقد على مسلم وكان النقد صوابًا.
وقد امتدح للبخاري جمعه الأبواب وتوزيعه الأحاديث عليها، ولمسلم حسن سياقته للأحاديث مجموعة الطرق والألفاظ في موضع واحد.
وبيان شرط الشيخين يأتي في (المبحث السابع).
* * *
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧١).
[ ٢ / ٨٤١ ]
المبحث الثاني:
ذكر المصنفات المسماة بـ (الصحاح)
غير كتابي الشيخين
وصنفت بعد الشيخين كتب لقبها أصحابها ب " الصحاح "، أشهرها مما وصلنا بعضه أو كله:
١ - صحيح ابن خزيمة.
للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري (المتوفى سنة: ٣١١).
التزم فيه جمع الصحيح والحسن من الحديث على وفق شروط.
وعلم شرطه من تسميته لكتابه: " المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل، من غير قطع في السند، ولا جرح في النقلة " (١).
قال الخطيب: " شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده، بنقل العدل عن العدل، إلى النبي ﷺ (٢).
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٣، و٣/ ١٨٦) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٩١).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ١٨٥).
[ ٢ / ٨٤٢ ]
كما تبين تحقيق هذا الشرط من دراسة كتابه.
٢_ صحيح ابن حبان.
للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى سنة: ٣٥٤) تلميذ ابن خزيمة.
وكان كشيخه ابن خزيمة لا يفرق في " صحيحه " بين الصحيح والحسن، بل كل ما يصلح للحجة عنده فهو صحيح.
قال الحافظ ابن حجر وقد ذكر ما يتفرد به (محمد بن إسحاق) صاحب " السيرة ": " ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه " يعني ابن خزيمة والحاكم (١).
وشرطه في " صحيحه " علم بتصريحه به في أول كتابه، إذ لم يدع منهجه الذي سلك في انتقاء الحديث والحكم عليه بالصحة إلى الظن والتخمين، قال:
" شرطنا فيما أودعناه كتابنا هذا من السنن، فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ١٦٣)
[ ٢ / ٨٤٣ ]
والخامس: المتعري خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به " (١).
وعليه وعلى شيخه ابن خزيمة في " صحيحهما " مآخذ فيهما، وقعت غالبًا في ضعف بعض الشروط، وتخريجهما لحديث لطائفة ممن اختلف فيه وراجح القول فيه أنه ضعيف.
لذا رأى جماعة من النقاد عدم الاكتفاء لقبول الحديث بكونهما أو أحدهما خرجه، ورأوا أنه لا بد من إعادة الدراسة لأحاديث هذين الكتابين، على أنك تجد من عمد إلى ذلك ظهر له قلة ما يؤخذ عليهما.
والذي أقول به: أن اعتماد من لا خبرة له بهذا العلم على تصحيحهما جائز، حت يتبين الخطأ، إجراء لما غلب على ما فيهما من الصحة، وبناء على ما يجوز لغير المتخصص من التقليد لأهل الاختصاص.
وسبق إلى ذلك عمل أكثر متأخري العلماء، قال أبو عبد الله بن رشيد الفهري وذكر ابن حبان: " وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حكم بصحته مما لم يحكم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح يكن من قبيل الحسن، وكلاهما يحتج به ويعمل عليه، إلا أن يظهر فيه ما يوجب ضعفه " (٢).
٣ - المستدرك على الصحيحين.
للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم ابن البيع الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة: ٤٠٥).
_________________
(١) الإحسان (١/ ١٥١)، ثم شرح ابنُ حبان ما ذكر من هذه الشروط، وبينتُ شرح صِفة العدْل عنده في القسم الأول من هذا الكتاب.
(٢) السنن الأبين (ص: ١٤٥)
[ ٢ / ٨٤٤ ]
قصد في هذا الكتاب أن يجمع الأحاديث التي اشتملت على شرط الصحة، ولم يخرجها البخاري ومسلم أو أحدهما.
لكنه تساهل فيه جدًا، وكثرت عليه فيه المآخذ.
قال ابن تيمية بعد أن ذكر عن الحاكم تصحيحه لأحاديث موضوعة: " لهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه، بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرًا، وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده، وأمثالهم فيمن يصحح الحديث، فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم، ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم، ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري " (١).
وقال ابن القيم: " لا يعبأ الحفاظ أطباء الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا، ولا يرفعون به رأسًا البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك فليس بمعيار على سنة رسول الله ﷺ، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئًا، والحاكم نفسه يصحح أحاديث جماعة وقد أخبر في كتاب (المدخل) له أن لا يحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم " (٢).
وقال: " تصحيح الحاكم لا يستفاد منه حسن الحديث البتة فضلًا عن صحته " (٣).
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧٠ - ١٧١).
(٢) الفروسية (ص: ٦٣).
(٣) الفروسية (ص: ٧١).
[ ٢ / ٨٤٥ ]
وقال ابن دحية في كتابه (العلم المشهور): " ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك " (١).
وقال الزيلعي بعد حديث ذكره في الجهر بالبسملة: " رواه الحاكم، وقال: رجاله ثقات، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في (الصحيح) خلافه؛ لما عرف من تساهله، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحيانًا يكون دونه، وأما ابن خزيمة وابن حبان، فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع " (٢).
قلت: ومن أجمع الكلمات في وصفه قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي: " في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءًا " (٣).
وسيأتي ذكر تساهله في الحكم على الحديث بكونه على شرط الشيخين أو أحدهما.
ف " المستدرك " وإن قصد فيه إصابة شرط الصحة على طريقة الشيخين، لكن ليس له نفس منزلة " الصحيحين " أبدًا ولا يقاربهما، بل لا يعتمد على حكمه حتى يوافق عليه من عارف بالصناعة، وذلك لضعف تحقيقه فيه.
كما يجدر بالملاحظة أن الحافظ الذهبي اختصر " المستدرك " وتعقب
_________________
(١) نقله الزيلعي في " نصب الراية " (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) عن كتاب " العلم المشْهور " لابن دِحية
(٢) نصب الراية (١/ ٣٥٢).
(٣) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ١٧٥)
[ ٢ / ٨٤٦ ]