واعلم أن قول بعض المتأخرين: (تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة) لا يصح بإطلاق؛ لأن مرجع الاستفاضة والشهرة إلى النقل الثابت عن الرواة، كالأخبار التي تحكي سيرهم وأحوالهم، فإن العدالة إنما استفيدت بدلالة تلك الأخبار، لا بمجرد استفاضة ذكرهم وشهرتهم.
المسألة الثالثة: في تعريف العدالة عند أبي عمر بن عبد البر:
قال ابن عبد البر: " كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله أو في كثرة غلطه؛
لقوله ﷺ: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " (١).
هذا النص في تفسير العدالة أنكره المتأخرون، فلماذا؟ هل لأنهم فهموا أنه يجعل العدالة وصفًا ثابتًا بمجرد الإسلام؟ أم لغير ذلك؟
عمليًا وجدت ابن عبد البر جرح بالجهالة في مواضع كثيرة، ورد بها أحاديث رواها مجهولان لا طعن عليهم إلا بالجهالة، في كتبه: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، فدل على أنه لم يعن إثبات العدالة لكل من روى تأصيلًا، وإنما جعل في التحقيق على العدالة من حمل العلم وعرف أنه اعتنى به، والمجهولون لم يعرفوا بحمل العلم، إذ المعرفة والاعتناء بالعلم توجب الشهرة به، وهو ما ينافي الجهالة، وهذا الكلام لا إشكال فيه، ولم يقل ابن عبد البر: (كل من روى الحديث فهو عدل) ليصح التعقب عليه.
فقوله صحيح في الجملة في المعروفين من الرواة.
وأما الحديث الذي ذكره فضعيف على التحقيق (٢).
* * *
_________________
(١) التمهيد (١/ ٢٨).
(٢) بينته في كتابي " علل الحديث ".
[ ١ / ٢٥١ ]
المبحث الرابع:
معنى الضبط
الصلاح في الدين بمجرده وصف قاصر لقبول حديث الراوي والاحتجاج به، ولا يتم وصفه بالأهلية الكافية لذلك حتى يكون حافظًا لحديثه متقنًا له.
قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: " أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله " (١).
وقال مالك بن أنس: " لقد أدركت في هذا البلد - يعني المدينة - مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثًا قط "، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: " لم يكونوا يعرفون ما يحدثون " (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في " مقدمة صحيحه " (١/ ١٥) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (رقم: ٤٢٥) وابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٧٧، ٢٥٩) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨، ٢٥٢)، وإسناده حسن.
(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (١/ ٦٨٤) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (رقم: ٤١٨) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٣ - ١٤) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤١) والحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٤٨) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٨٩) و" الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٦٨) وإسناده صحيح. وأخرج ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٧) معناه بإسناد صحيح إلى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك. وإسماعيل صالحُ الأمر في مثل هذا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وعن حماد بن زيد: أن فرقدًا (يعني السبخي) ذُكر عند أيوب (يعني السختياني)، فقال: " لم يكن صاحب حديث، وكان متقشفًا، لا يقيد علمًا، ذاك لون، والبصر بالعلم لون آخر " (١).
وقال عمرو بن محمد الناقد: سأل رجل وكيعًا (يعني ابن الجراح)، قال: يا أبا سفيان، تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ فقال: " من يرويه؟ "، قلت: وهب بن إسماعيل، قال: " ذاك رجل صالح، وللحديث رجال " (٢).
قلت: واعتبار الضبط الركن الأساس لتزكية الراوي؛ من أجل كونه يباشر ذات الراوية، لذلك كان القدح في النقلة بتخلفه أكثر، فالوهم والغلط قليل ذلك وكثيره إنما هو في ضعف الحفظ.
وليست كذلك العدالة في الدين، وإنما طلبت لدفع مظنة الكذب، إذ ضعف الوازع عند رقيق الدين مما يورد الشبهة في أمانته ولا يؤمن منه معه الكذب، فيكون قادحًا بمجرده للمظنة لا لمباشرته الرواية، إلا أن يكون ثبوت الكذب منه في الحديث، وكم تجد فيمن قدح في عدالته الدينية من كان يحفظ ما يحفظ الناس؟
والضبط: حفظ الراوي لحديثه.
ويلزم لتمامه: أن يقدر الراوي على أداء الحديث كما تلقاه.
وهو واقع على نوعين:
النوع الأول: حفظ الصدر.
كثير من الرواة، بل لو قلت: أكثر الرواة كانوا يعتمدون حفظ الصدر في أداء الحديث، ولم يكونوا يكتبون.
_________________
(١) أخرجه الجوزَجاني في " أحوال الرجال " (النص: ١٥٣) بإسناد صحيح.
(٢) وأخرجه مسلم في " المقدمة " (١/ ١٧) والحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٦٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٥٠) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فهذا أبو هريرة حافظ، وأكثرهم حديثًا عن النبي ﷺ، ما حدث إلا من حفظه بصدره.
قال: " ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب " (١).
وربما قلت: كانوا يعتمدون حفظ الصدور؛ لأنهم نهوا أولًا عن كتابة الحديث مخافة اختلاطه بالقرآن، لكن الكتابة شاعت بعدئذ.
وأقول: هذا صحيح في الجملة، لكن بقي الاعتماد على حفظ الصدور واستمر حتى بعد التدوين.
فكثير من كبار الأئمة كان اعتمادهم على الحفظ، كسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد.
وهذا يحيى بن معين وسئل عن (وكيع بن الجراح): كيف كان يحدثهم؟ فقال: " كان يحدث من حفظه، كل شيء حدث به حفظًا " (٢).
كيف يثبت حفظ الراوي؟
قال الخطيب: " وإذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه، فحدث من حفظه، لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه " (٣).
قلت: أي لابد من تزكية أهل المعرفة بهذا العلم له أنه موثوق الحفظ، فيحتج بما يؤديه عندئذ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ١١٣).
(٢) معرفة الرجال، رواية: ابن مُحرز (٢/ ٧٥).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ١٣٥).
[ ١ / ٢٥٤ ]
النوع الثاني: حفظ الكتاب.
وهو: أن يكون الحديث مكتوبًا عند الراوي.
وكان مالك بن أنس ينكر أن يكون هذا طريقًا يعتمد فيه حديث الراوي.
قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ ويأتي بكتبه فيقول: قد سمعتها، وهو ثقة؟ فقال: " لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل " (١).
وقال أشهب في رواية: سمعت مالكًا، وسئل عن الرجل الثقة، فيدفع إليه الكتاب، فيعرف الحديث، إلا أنه ليس له حفظ ولا إتقان؟ قال: " لا يؤخذ عنه، إذا زيد في الحديث شيء لم يعرف " (٢).
قال الباجي: " هذا الذي قاله ﵀ هو النهاية في الاجتهاد، إلا أنه قد عدم من يحفظ، ولو لم يؤخذ إلا عمن يحفظ لعدم من يؤخذ عنه، فقد قل الحفاظ، واحتيج إلى الأخذ عمن له كتاب صحيح وهو ثقة ينقل ما في كتابه، فإذا كان الآخذ ممن يميز تبينت له الزيادة، وإن كان لا يميز فالأمر فيه ضعف، ولعله الذي عنى مالك، ﵀ " (٣).
وقال هشيم بن بشير: " من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث، يجيء أحدهم بكتاب يحمله كأنه سجل مكاتب " (٤).
قلت: وهذا محمول على إرادة شحذ الهمم لحفظ الصدور، لا على معنى تأثيره أن يكون طريقًا لضبط الرواية.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٣٧) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٢) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٣٧) وإسناده صحيح.
(٣) التعديل والتجريح (١/ ٢٨٩).
(٤) أخرجه ابن عدي (١/ ١٨١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٣٨) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٥٥ ]
والتحقيق:
أن الكتاب المتقن الموثق حجة عند أهل العلم، بل هو ميزان، ودليل على صحة الحفظ، ومقوم لخلله، فإن الحفظ خوان، والحافظ بشر جائز عليه الوهم والخطأ، لا سيما مع طول الأسانيد.
قال الرامهرمزي: " الأولى بالمحدث والأحوط لكل راوٍ أن يرجع عند الراوية إلى كتابه؛ ليسلم من الوهم " (١).
قال الثقة مروان بن محمد الطاطري: " ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنه غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأت واحدة وكانت فيه ثنتان لم تضره: إن أخطأ في الحفظ ورجع إلى صدق وصحة كتب لم يضره "، وقال مروان: " طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب " (٢).
وقال علي بن المديني: " ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة " (٣).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " ما رأيت أبي، ﵀، حدث من غير كتاب، إلا بأقل من مئة حديث " (٤).
وقال علي بن المديني: سمعت يحيى (يعني القطان) يقول في حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في رجل آجر نفسه في الحج،
_________________
(١) المحدث الفاصل (ص: ٣٨٨).
(٢) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٦٣) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٤٠ - ٣٤١) وابن عساكر في " تاريخه " (٥٧/ ٣١٨) وإسناده صحيح. وبنحوه: أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٦) والرامهرمزي (ص: ٤٠٥ - ٤٠٦) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٤٠) وإسناده صحيح كذلك.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٩٥) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٠٣٠) وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٠٣٤) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٥٦ ]
قال: " أملى علي من حفظه: حدثنا عطاء عن ابن عباس، وكان في كتابه: حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء: عن ابن عباس ". قلت ليحيى: تراه حديث مسلم البطين؟ قال: " نعم، وليس من صحيح حديثه عن عطاء " (١).
قلت: يريد يحيى أن هذا الحديث إنما هو حديث مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأن جريج أخطأ في التحديث به عن عطاء، وجعل ما في كتاب ابن جريج أنه حدث بذلك الحديث عن ابن جبير دليلًا على ما قال، وأن جريج وهم في قوله: (حدثنا عطاء)، وليس في هذا شيء من باب التدليس (٢).
وقال عبد الله بن المبارك: " إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم فيما بينهم " (٣).
وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم، وذكر عنده حماد بن زيد وابن علية، وأن حمادًا حفظ عن أيوب، وابن علية كتب، فقال: " ضمنت
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٣٨) بإسناد صحيح إلى القطان.
(٢) وهو صحيح محفوظ من حديث مسلم البَطين عن سعيد، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، فقال: إني آجرت نفسي من قومي على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجْرتي على أن يدعوني أحجُّ معهم، أفيُجزي ذلك؟ قال: أنت من الذين قال الله ﷿ ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ أخرجه ابن أبي شيبة (ص: ٤٤٤ - الجزء المستدرك) وابن أبي حاتم في " تفسيره " (رقم: ١٨٨٨) والحاكم (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم: ٣٠٩٩) من طُرق عن الأعمش، عن مسلم، به. ولم ينفرد به مسلم عن سعيد، بل تابعه عبد الكريم الجزري، أخرجه عبد الرزاق في " تفسيره " (١/ ٨٠) ومن طريقه: ابنُ خزيمة (رقم: ٣٠٥٣) - والحاكم (١/ ٤٨١ رقم: ١٧٧٠) من طريق زيد بن المبارك، كلاهما عن معمر، عن عبد الكريم، به. وخرجه الشافعي من رواية ابن جريج عن عطاء التي حكم يحيى بعدم صحتها.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٧١) و" الجرح والتعديل " (٣/ ٢ / ٢٢١) بإسناد صحيح.
[ ١ / ٢٥٧ ]
لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل " (١).
وقال أحمد بن حنبل: " ما كان أقل سقطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدث من كتابه، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٢).
وقال الميموني لأبي عبد الله بن أحمد بن حنبل: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل (٣)، قال: " إذًا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، حدثونا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن " (٤).
ومن المثال التطبيقي لذلك، ما حدث به عبد الرحمن بن مهدي، قال: " لما حدث سفيان عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان قال: إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور. قلت له: هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال من يقول ذا؟ قلت: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أمضه، قلت: حدثنا شعبة، قال أمضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، فأطرق هنيهة، ثم قال: أمضه، سمعت حمادًا يحدثه عن عمرو بن عطية عن سلمان ".
قال عبد الرحمن: " فمكثت زمانًا أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر عن شعبة، فإذا هو: عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي عن
_________________
(١) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٧) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٠٢٣).
(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ١٩٧) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٠٢٤) وإسناده صحيح.
(٣) يعني والله أعلم: من أجل ما ورد من النهي عن كتابة الحديث، والذي كان لعلة الاختلاط بالقرآن، فلما ذهبت العلة ذهب أثرُ النهي.
(٤) أخرجه الخطيب في " تقييد العلم " (ص: ١١٥) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٥٨ ]
سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه " (١).
وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: " كنا إذا أعطينا صخر بن جويرية يقرأ علينا، ما كان يجيء على ما يقرأ علينا، حتى أخذنا كتاب غندر، فكان يقرأ علينا على ما هي في كتاب غندر " يعني أنه كان كتابًا صحيحًا (٢).
وقال يزيد بن هارون وذكر أهل البصرة: " إذا ختلفوا في حديث نطقوا بكتاب عبد الوارث " (٣).
قال الحميدي: " من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه، ولا يكون ضارًا ذلك له في حديثه، إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره، إذا اقتصر على كتابه ولم يقبل التلقين " (٤).
وقال الخطيب: " من سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابه، ثم حفظه من كتابه، فلا بأس براويته " (٥).
قلت: يقول في هذا: إن الكتاب المتقن حجة.
والثقات الذين عرفوا بحفظ الكتاب كثير.
ومنهم من كان يجمع بين الضبطين، وهذا كثير بعد اعتناء الناس بالتدوين.
وفيهم من كان ضابطًا لكتبه ولم يكن حافظًا لحديثه في صدره، وقد يوصف بسوء الحفظ، وهو الذي يقولون فيه: (صحيح الكتاب) وشبه ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٦٤ - ٦٥) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١١٢٨) بإسناد صحيح عن ابن مهدي.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في " العلل " (النص: ٣٦٠٨).
(٣) أخرجه مسلم في " التمييز " (رقم: ٣٠) بإسناد صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٧).
(٥) الكفاية (ص: ٢٥٤).
[ ١ / ٢٥٩ ]
فمثله إذا علم أن حديثه من كتابه فهو محقق لشرط الضبط، منهم: همام بن يحيى، وحفص بن غياث، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويونس بن يزيد الأيلي، وجماعة ليست بكثيرة.
ومن عبارات أئمة الشأن في طائفة:
قال أحمد بن حنبل في (حاتم بن إسماعيل): " حاتم أحب إلي من الدراوردي زعموا أن حاتمًا كان رجلًا فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح " (١).
وقال يحيى بن معين: " أتيت حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ علينا حديثًا قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتابًا، فشككت في حديث منها، فلست أحدث عنه قليلًا ولا كثيرًا " (٢).
وقال أحمد بن حنبل في (أبي عبيدة الحداد): " لم يكن صاحب حفظ، وكان كتابه صحيحًا " (٣).
وقال يحيى بن معين في (محمد بن مسلم الطائفي): " كان إذا حدث من حفظه يقول: كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي في (أبو عوانة وضاح اليشكري): " كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق ثقة "، وقال أبو زرعة الرازي: " ثقة إذا حدث من كتابه " (٥).
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي في (شريك القاضي): " كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح " (٦).
_________________
(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢ / ٢٥٩).
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٤٧).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ٢٤).
(٤) تاريخ يحيى ين مَعين (النص: ٣٠٤).
(٥) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٤١).
(٦) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٣٢) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٦٠ ]
١ - بعرض روايات الراوي عن روايات غيره
المبحث الخامس:
كيف يعرف الضبط؟
جرى نقاد المحدثين على تمييز ضبط الراوي بطرق ترجع إلى ما يأتي:
١ - عرض رواياته على روايات غيره لتبين قد موافقته أو مخالفته أو تفرده.
ويتم ذلك بالمقارنة بين حديث الراوي وأحاديث الثقات المعروفة، وأحاديث المجروحين المنكرة، ويعتبر حاله في الإتقان بقدر ما وافق فيه الثقات، وحاله في الجرح بحسب ما تفرد به، أو خالف فيه الثقات، أو وافق المجروحين.
وهذا طريق تمييز أكثر النقلة.
قال الشافعي: " يعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف أهل الحفظ له " (١).
_________________
(١) الرسالة (الفقرة: ١٠٤٧).
[ ١ / ٢٦١ ]
وكان الاستثبات بعرض حديث الراوي على حديث غيره، أو طلب الموافق له إذا أتى بما يستغرب من العلم، قديم منذ عهد الصحابة، وذلك لتبين حفظ ذلك الراوي للحديث من عدمه.
ومن شائع أمثلته:
١ - قصة أبي بكر في توريث الجدة، فعن قبيصة بن ذؤيب، قال:
جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق (١).
٢ - وقصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان، فعن أبي سعيد الخدري، قال:
كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثًا، فلم يرد علي، فرجعت، فقال ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا علي، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ: " إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع "، فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر
_________________
(١) حديث صحيح في قول الترمذي وغيره، وهو الراجح عندي. أخرجه مالك (رقم: ١٤٦١)، ومن طريقه: أبو داود (رقم: ٢٨٩٤) والترمذي (رقم: ٢١٠١) والنسائي في " الكبرى " (رقم: ٦٣٤٦) وابن ماجة (رقم: ٢٧٢٤) وأحمد في " المسند " وابنه عبد الله في " زوائده " (٢٩/ ٤٩٩ رقم: ١٧٩٨٠) وغيرهم. وتكلمت عنه في " علل الحديث ".
[ ١ / ٢٦٢ ]
القوم. قال أبو سعيد: قلت أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر، فشهدت (١).
٣ - وقصة عائشة في حديث حدث به عبد الله بن عمرو، فعن عروة بن الزبير، قال:
قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا.
قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: " إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رءوسا ًجهالًا يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون ".
قال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟
قال عروة: حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمر قد قدم فالقه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم.
قال: فلقيته، فساءلته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٧/ ٧٤ رقم: ١١٠٢٩) والحُميدي (رقم: ٧٣٤) والبُخاري (رقم: ٥٨٩١) ومُسلم (٣/ ١٦٩٤) وأبو داود (رقم: ٥١٨٠) وأبو يعلى (٢/ ٢٦٩ رقم: ٩٨١) والبزَّار (٨/ ١٣ رقم: ٢٩٨١) وأبو نُعيم في " المستخرج على البخاري " - (كما في " الفتح " ١١/ ٢٩) - والبيهقي في " الكبرى " (٨/ ٣٣٩) من رواية سُفيان بن عُيينة، قال: حدثنا - والله - يزيد بن خُصيْفةَ، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول، به. ولهذا الحديث طرق أخرى، وقد قال عمر في رواية عند مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشْعري نفسه: " سبحان الله ! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت ".
[ ١ / ٢٦٣ ]
قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص (١).
وفي هذه الآثار وما في معناها دليل على أن التيقظ والتثبت لقبول الحديث، والتحري لأحوال نقلته بدأ منذ بدأت الرواية في عهد أصحاب النبي ﷺ.
وهذا المنهج في المقابلة لحديث الراوي بحديث غيره، ليتبين منها قدر ما يشهد له وما لا يشهد له، أو ما يخالفه ويناقضه، هو القاعدة العظمى لتمييز الحفاظ الثقات من غيرهم، وازداد ظهور ذلك كلما تأخر الزمن بعد الصحابة، بسبب طول الإسناد وتشعبه المقتضى كثرة الناقلين، مما تزداد معه مظنة الخطأ والوهم، مع ضعف الوازع عند كثير من الناس، مما ظهر معه الكذابون الذين كانوا يتعمدون وضع الحديث: متنًا أو إسنادًا، أو جميعًا.
قال الذهبي: " اعلم أن أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات " (٢).
وأقول: ولتفردهم عن المعروفين بما لا يعرف من رواية الثقات عنهم.
ومن مثاله الموضح له:
قوله يحيى بن معين: " قال لي إسماعيل بن علية يومًا: كيف حديثي؟
_________________
(١) حديث صحيح. مُتفق عليه، أخرجه البُخاري (رقم: ٦٨٧٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٩) والبيهقي في " المدخل " (رقم: ٨٥٢) والسياق للأخيرين، من طريق عبد الله بن وهب، حدثني أبو شريح، أن أبا الأسود حدثه، عن عروة، به. أبو شريح هو عبد الرحمن بن شريح، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل. ووقع ذكر القصة كذلك باختصار في بعض طُرق الحديث من رواية هِشام بن عُروة عن أبيه. أخرجه كذلك مسلم (٤/ ٢٠٥٨) وفي " التمييز " له (رقم: ١٢)، والحديث مرويٌّ دون هذه القصة في أكثر الأصول.
(٢) الموقظة (ص: ٥٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
قال: أنت مستقيم الحديث، قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، قال: فقال: الحمد لله " (١).
وقال يحي بن معين: " ربما عارض بأحاديث يحيى بن يمان أحاديث الناس، فما خالف فيها الناس ضربت عليه، وقد ذكرت لوكيع شيئًا من حديثه عن سفيان، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه " (٢).
وكما قال مسلم بن الحجاج: " من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس " (٣).
ومن أجل ذلك كانوا يكتبون حديث الراوي على وجوه المختلفة ليتبينوا موضع الموافقة من موضع المخالفة، وليحكم عليه بحسب ما يظهر من ذلك.
قال يحيى بن معين: " لو نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه " (٤).
وقال ابن حبان: " الإنصاف في النقلة في الأخبار: استعمال الاعتبار فيما رووا " (٥).
_________________
(١) معرفة الرجال، رواية: ابن مُحرز (٢/ ٣٩).
(٢) تاريخ يحيى بن معين (٣/ ٣١٩).
(٣) مُقدمة صحيح مسلم (ص: ٧).
(٤) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٤٣٣٠)، ومن طريقه: ابن حِبان في " المجروحين " (١/ ٣٣)، والحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٣٢)، والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٦٣٩) وفي " تاريخ يحيى ": (الشيء) بدل الحديث.
(٥) الإحسان (١/ ١٥٤).
[ ١ / ٢٦٥ ]
وبين ذلك بالمثال التالي فقال:
" كأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه:
فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أصحاب حماد عنه؟ أو رجل واحد منهم وحده؟
فإن وجد أصحابه قد رووه، علم أن هذا قد حدث به حماد.
وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه.
فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه، ولا يلزق به الوهن، بل ينظر:
هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟
فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه.
وإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟
فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل.
وإن لم يوجد ما قلنا، نظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟
فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل.
ومتى عدم ذلك والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة (١) علم أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه.
_________________
(١) الأشبه أنه أراد: الكتاب والسنة الثابتة والإجماع.
[ ١ / ٢٦٦ ]
هذا الحكم الاعتبار بين النقلة في الروايات " (١).
ومن أمثلة تقريب ما بينه ابن حبان، قول يحيى بن معين: " نظرنا في حديث الواقدي، فوجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث مناكير، فقلنا: يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه، ويحتمل أن تكون منهم، ثم نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب ومعمر، فإنه يضبط حديثهم، فوجدناه قد حدث عنهما بالمناكير، فعلمنا أنه منه، فتركنا حديثه " (٢).
ومن مثال جرح الراوي في حفظه بظهور النكارة فيما روى من أجل مجيئه بمتن منكر لا يعرف إلا به، بإسناد نظيف لا يحتمل مثله:
ما رواه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدثني أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا ليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تضربوا أولادكم على بكائهم، فبكاء الصبي أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر الصلاة على محمد ﷺ، وأربعة أشهر دعاء لوالديه ".
قال الخطيب: " هذا الحديث منكر جدًا، ورجال إسناده كلهم مشهورون بالثقة، سوى أبي الحسن البلدي " (٣).
ومثال وهم الراوي وضعف ضبطه بروايته ما يخالف المحفوظ:
ما رواه يحيى بن عبيد الله عن أبيه (٤)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فأتى الذي هو خير، فهو كفارته " (٥).
_________________
(١) الإحسان (١/ ١٥٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٢١) بإسناد صحيح.
(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٢٣٨).
(٤) هو عبيد الله بن عبد الله بن مَوْهب.
(٥) أخرجه مسلم في " التمييز " (رقم: ٨٢) والبيهقي في " الكبرى " (١٠/ ٣٤).
[ ١ / ٢٦٧ ]
فهذا تفرد به يحيى عن أبيه.
والمحفوظ: ما رواه أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه " (١).
ووافقه أبو صالح السمان عن أبي هريرة. وكذلك وافق أبا هريرة عن النبي ﷺ على ما في رواية أبي حازم: أبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في الرواية المحفوظة عنه، وأبو الدرداء، وغيرهم.
قال مسلم بعد ذكر رواية يحيى: " فلو لم يكن مما يبين فساد هذه الرواية إلا ما ذكرنا قبل (يعني رواية أبي حازم وأبي صالح) لكفى ذلك فكيف ومعه حديث أبي موسى وعدي بن حاتم وأبي الدرداء وغيرهم؟ بمثل هذه الرواية وأشباهها ترك أهل الحديث حديث يحيى بن عبيد الله، لا يعتدون به " (٢).
وقال أبو داود السجستاني: " الأحاديث كلها عن النبي ﷺ: (وليكفر عن يمينه) إلا فيما لا يعبأ به. قلت لأحمد: روى يحيى بن سعيد عن يحيى بن عبيد الله؟ فقال: تركه بعد ذلك، وكان أهلًا لذلك، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وأبوه لا يعرف " (٣).
وقلة حديث الراوي مع تفرده بما لا يرويه غيره من المعروفين، يدل على لينه؛ لأن قلة الحديث لا تساعد في تبين إتقان الراوي من عدمه بعرضه على روايات غيره، وتفرده بما لم يعتن بنقله الحفاظ غيره شبهة، فتكون علامة على لينه لا على حفظه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣/ ١٢٧١ - ١٢٧٢) و" التمييز " (رقم: ٨١) والبيهقي في " الكبرى " (١٠/ ٣٢).
(٢) التمييز (ص: ٢٠٦).
(٣) سنن أبي داود (عقب رقم: ٣٢٧٤).
[ ١ / ٢٦٨ ]
٢ - عرض ما يحدث به حفظا على ما في كتبه
٣ - اختباره بقلب الأحاديث عليه أو تركيبها له
٢ - عرض ما يحدث به الراوي حفظًا على ما في كتبه.
وذلك من أجل ما تقدم من كون الكتاب المتقن حاكمًا على مجرد الحفظ، فهو إما شاهد له دال
على إتقانه، وإما كاشف لسوء حفظه، تارة مطلقًا كما تقدم مثاله، وتارة للدلالة على خطئه في الحديث المعين.
قال البخاري: " يروى عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة، وقال أحمد بن حنبل: عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب، ليس فيه: ثم لم يعد ".
قال البخاري: " فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل ربما حدث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب " (١).
٣ - اختبار حفظ الراوي بقلب الأحاديث عليه، أو تركيبها له.
عن حماد بن سلمة، قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون (٢)، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس. وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا، إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى " (٣).
قلت: وهذا مثال الحافظ المتقن.
وعن عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: " كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، فإذا أبو شيخ جارية بن هرم يكتب
_________________
(١) رفع اليدين في الصلاة، للبُخاري (ص: ٧٩ - ٨٢).
(٢) يعني وأن ثابتًا كان يعد من القصَّاص، وهم الوعاظ.
(٣) أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٤) بإسناد صحيح.
[ ١ / ٢٦٩ ]
٤ - قرينة في السياق
عنه، فجعل حفص يضع له الحديث ويقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا وكذا، فيقول له حفص بن غياث: وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا، فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا، فيقول: حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس. فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال جارية: تحسدونني؟ فقال له حفص: لا، ولكن هذا يكذب ".
قال عمرو بن علي: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يسمه، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد لعل عندي عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: " هو موسى بن دينار " (١).
قلت: وهذا مثال للمغفل الذي لا يدري الحديث ولا الإسناد، أو يعني ما يقول فيعتمد الكذب.
٤ - مجيء قرينة في سياق الرواية تكشف سوء حفظ الراوي.
كقول البخاري مثلًا في (ذوَّاد بن علبة الحارثي): " يخالف في حديثه " (٢)، استدل له بقوله: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد، قال لي أبو هريرة: يا فارسي، أشكم درد (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٦٩) وابن عدي في " الكامل " (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) والعقيلي في " الضعفاء " (٤/ ١٥٦) والحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٦٦) وإسناده صحيح. ومعنى القصة كذلك ذكره ابن المديني عن يحيى القطان أخرجه ابن عدي (٨/ ٦٠) بإسناد صحيح.
(٢) هذه عبارة " التاريخ الأوسط " (٢/ ١٨٥)، وعبارة " التاريخ الكبير " (٢/ ١ / ٢٦٤) و" الضعفاء " (الترجمة: ١١٢): " يُخالف في بعض حديثه ".
(٣) كلمتان فارسيتان: (إشكم) أو (شْكم) البطن، و(درْد) ألم (وانظر: السامي في الأسامي للميداني، ص: ٢١٦).
[ ١ / ٢٧٠ ]
قال ابن الأصبهاني: " ورفعه ذوَّاد (١)، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيًا إنما مجاهد فارسي " (٢).
وتبعه على ذلك العقيلي، وقال: " الموقوف أولى " (٣)، وكذلك قال ابن الجوزي: " وهو أصح " يعني الموقوف (٤).
ومن أجل قلة حديثه، ومجيئه بمثل هذه المخالفات ضعفه الجمهور، فقال يحيى بن معين: " ضعيف، ولا يكتب حديثه " (٥)، وقال أبو حاتم
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥/ ٢٨ - ٢٩، ١٣١ رقم: ٩٠٦٦، ٩٢٤٠) من طريقين عن ذواد بن عُلبة، عن ليث، عن مُجاهد، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يُهجَّر، قال: فصليت، ثم جئت فجلست إليه، فقال: " يا أبا هريرة، اشكنْب درْد؟ "، قال: قلت: لا، يا رسول الله، قال: " صلِّ، فإن الصلاة شِفاء ". وأخرجه ابن ماجة وصاحبه أبو الحسن القطان في " زوائده " (رقم: ٣٤٥٨) والعقيلي في " الضعفاء " (٢/ ٤٨) وابن عدي (٤/ ٢٢) وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (رقم: ٨٠٥) وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (رقم: ٢٦٩ - ٢٧٢) من طُرق أخرى عن ذوَّاد، عن ليث، به مرفوعًا. قال ابن عدي: " ثم وجدناه عن الصلت بن الحجاج عن الليث مرفوعًا أيضًا كما رفعه ذوَّاد بن علبة .. وأظن أن بعض الضعفاء أيضًا قد رواه عن ليثٍ فرفعه، وأظنه معلَّى بن هلال ". قلت: أسنده ابن عدي في ترجمة (الصلت) (٥/ ١٣٠) وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (رقم: ٨٠٦)، وابن الجوزي في " العلل " (رقم: ٢٧٣) والصلت ضعيف منكر الحديث، قال ابن الجوزي: " لعله أخذه من ذوَّاد ".
(٢) التاريخ الأوسط (رقم: ١٤٠٩) ومن طريقه: العُقيلي في " الضعفاء " (٢/ ٤٨) وابن عدي (٤/ ٢٣) وابن الجوزي في " العلل " (رقم: ٢٧٥). وابن الأصبهاني هو: محمد بن سعيد بن سليمان، كان من الثقات الحفاظ، والمحاربي شيخه هو: عبد الرحمن بن محمد.
(٣) كما أسنده العقيلي (٢/ ٤٨) ومن طريقه: ابن الجوزي في " العلل " من طريق عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا شريك، عن ليث، بإسناده موقوفًا. وكذلك ابن عدي (٤/ ٢٣) من طريق عبد السلام بن حرب، عن ليث، بإسناده موقوفًا.
(٤) العلل (١/ ١٧٢).
(٥) أخرجه ابن عدي (٤/ ١٢) من رواية ابن أبي مريم عن يحيى، وإسناده صحيح، وفي رواية عثمان الدارمي (النص: ٣٢٣): " ضعيف "، وفي رواية الدوري (النص: ١٧٦١) وجعفر بن أبان (كما في " المجروحين " ١/ ٢٩٦): " ليس بشيء ".
[ ١ / ٢٧١ ]
الرازي: " ليس بالمتين، يكتب حديثه " (١)، وذكره أبو زرعة في " الضعفاء " (٢)، وقال النسائي مرة: " ليس بالقوي "، ومرة: " ليس بثقة " (٣)، وقال ابن حبان: " منكر الحديث جدًا، يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف " (٤).
فإن قلت: لم لم يحمل الخطأ فيه على ليث بن أبي سليم، فإنه كان مضطرب الحديث ليس بالقوي؟
قلت: قد رواه ليث من وجه صحيح إليه بما لا يحمل معه الوهم في رفعه، والإسناد إن قطع الطريق فيه دون الراوي الضعيف، وذلك بعلة دونه، فلا يجوز أن يكون الحمل بعدها عليه، إلا أن تكون العلة غير مسقطة، فيكون التعليل بضعف ذلك الراوي زائدًا في ضعف الحديث.
تنبيه:
هذه الطرق ربما عرف بها أيضًا كذب الكذابين، ولكشفهم طرق تزيد على هذا ذكرتها في (الحديث الموضوع)، ولم أذكرها هنا؛ من أجل أن الكذب فسق يقدح في العدالة، لا في الحفظ، وهذا المقام إنما هو لبيان ما كان يتبعه النقاد لتمييز حفظ الراوي أو لينه.
* * *
_________________
(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٥٣).
(٢) رواية البرذعي (٢/ ٦١٥).
(٣) نقله المزي في " تهذيب الكمال " (٨/ ٥٢١).
(٤) المجروحين (١/ ٢٩٦).
[ ١ / ٢٧٢ ]
المبحث السادس:
حكم تحمل الحديث في الصغر
العبرة في الرواية بالضبط والتمييز، والقدرة على الأداء بعد على الوجه الذي سمع الراوي، فإن كان في سن لم يمنعه من ذلك، فسماعه صحيح.
قال القاضي عياض: " متى ضبط ما سمعه صح سماعه، ولا خلاف في هذا " (١).
وفي الصحابة جماعة كانوا صغارًا يوم توفي النبي ﷺ، وقد سمعوا منه ورووا عنه، منهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والنعمان بن بشير، وغيرهم، وهؤلاء المذكورين ليس فيهم يوم توفي النبي ﷺ من كان بلغ عشر سنين.
وهناك جماعة من الصحابة، ثبت لهم شرف الصحبة، لكن لم يثبت لهم سماع من النبي ﷺ؛ لأنهم أدركوه صغارًا لا يميزون، منهم: محمود بن لبيد، على الأصح.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في
_________________
(١) الإلماع (ص: ٦٢).
[ ١ / ٢٧٣ ]
الحديث؟ فقال: " إذا عقل وضبط "، قلت: فإنه بلغني عن رجل (سميته) أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأن النبي ﷺ رد البراء وابن عمر، استصغرهم يوم بدر؟ فأنكر قوله هذا، وقال: " بئس القول! يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟! " وذكر أيضًا قومًا (١).
قلت: ينكر أحمد في هذا مذهب صاحبه يحيى بن معين، فإنه قال: " حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة " (٢).
وقال أحمد في استدلال يحيى: " إنما ذلك في القتال " (٣).
أي هو استدلال غير صالح لهذه المسألة، فليست الرواية كالقتال، القتال يحتاج إلى قوة البدن، والرواية لا تحتاج إلا إلى قوة العقل، فإذا تبين من الصبي أنه يضبط، فقد تحقق المقصود.
ويصحح هذا من مذهب أحمد ما رواه عنه حنبل بن إسحاق، قال: قال أبو عبد الله: " كان يحيى بن آدم أصغر من سمع من سفيان عندنا، وقال يحيى: قبيصة (٤) أصغر مني بسنتين "، قلت له: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: " كان كثير الغلط "، قلت له: فغير هذا؟ قال: " كان صغيرًا لا يضبط "، قلت له: فغير سفيان؟ قال: " كان قبيصة رجلًا صالحًا ثقة، لا بأس به في تدينه، وأي شيء لم يكن عنده في الحديث؟! " يذكر أنه كان كثير الحديث (٥).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١١٣) بإسناد صحيح. ونحوه كذلك عنده (ص: ١١٤) من وجه آخر.
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١١٣) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه الخطيب (ص: ١١٤) بإسناد صحيح.
(٤) هو ابن عقبة من صغار من روى عن سفيان الثوري.
(٥) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٤٧٤) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فتكلم فيه أحمد؛ لكونه من أجل صغره لم يضبط ما سمع من سفيان، فهو يقول: لو أنه ضبط ما ضره الصغر، فالشأن في الضبط.
والظاهر أن يحيى بن معين إنما أراد سن النضج، ولم يرد أن الراوي يجرح في روايته عن الشيخ المعين لمجرد كونه حمل عنه في الصغر، وإنما جرحه لو كان، فمن جهة ضعف ضبطه، وذلك من أجل صغره.
ومن الدليل على هذا أن ابن معين قال في (قبيصة): " قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في سفيان؛ فإنه سمع وهو صغير " (١)، وروى عنه عباس الدوري قوله: " قبيصة وأبو أحمد الزبيري ويحيى بن آدم والفريابي، سماعهم من سفيان قريبٌ من السواء " قال عباس: قلت له: فأبو داود الحَفري؟ قال: كان أبو داود خيرًا من هؤلاء كلهم، وكان أصغرهم سِنًّا (٢).
قلت: أبو داود هذا هو عُمر بن سعدٍ، رجحه ابنُ معين على قبيصة ومن معه في سفيان، وعده في رواية الدارمي عنه من ثقات أصحاب سفيان (٣)، مع أنه كان أصغر سنًا من قبيصة ومن معه.
فمن جرى على غمز بعض الرواة بمجرد كونهم حملوا عن بعض شيوخهم في الصغر، لا يعتد بذلك كقادح في حديثهم، حتى يثبت أنهم لم يكونوا ضابطين:
ومن أمثلة ما لا يقبل:
١ - ما حكاه نعيم بن حماد ن قال: سمعت ابن عيينة يقول: " لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن "، قيل لنعيم: لم؟ قال " لأنه كان صغيرًا " (٤).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٤٧٤) عن " تاريخ " ابن أبي خيثمة عن يحيى.
(٢) تاريخ يحيى ابن معين (النص: ١٧٧٢).
(٣) تاريخ عثمان الدارمي (النص: ٩٧).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٤٣) و" الجرح والتعديل " (٤/ ٢ / ٥٦) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٠٣) وإسناده صحيح إلى نعيم، أما هو فصالحُ الأمر في مثل هذا.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قلت: إن كان مراد ابن عيينة ما فسر به نعيم من الصغر، فإنه في التحقيق ضعيف؛ لأسباب ثلاثة:
أولها: أن بعض من حكي عنه غمز روايته عن الحسن لم يذكر أحد منهم الصغر، وفيهم بعض أقرانه، وهم أعلم، ولو كانت العلة من قبل الصغر لسبقوا إلى ذكرها.
وثانيها: أنه ثبت عن هشام قوله: " جاورت الحسن عشر سنين " (١).
قلت: وهذا دليل مساعد يثبت سماعه في الجملة من الحسن.
وثالثها: أن ابن عيينة نفسه قد سمع وهو صغير من جماعة، كالزهري وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح، واحتج الناس بحديثه عنهم، فيكف يصح له الجرح بالرواية لمجرد الصغر؟
والذي ظهر لي أن مراد ابن عيينة غير ذلك، وهو أن هشامًا كان يدلس عن الحسن، وهي مظنة واردة على كل ما لا يذكر فيه السماع الصريح من الحسن.
قال علي من المديني: " حديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب " (٢).
قلت: وحوشب هذا هو ابن مسلم الثقفي من كبار أصحاب الحسن، وكان ثقة (٣)، فلو دلسه هشام فيما يرويه عن الحسن بالعنعنة، فلا يقدح ذلك في ثبوت روايته عنه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ٢ / ٥٦) وإسناده صحيح.
(٢) العلل، لابن المديني (ص: ٦٣)، وعنه: في الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٥٥).
(٣) انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٧٠) وتاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٢٦١) وسؤالات الآجري لأبي داود (النص: ٧٣٧) والجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٨١) والثقات لابن حبان (٦/ ٢٤٣).
[ ١ / ٢٧٦ ]
لكن المقصود هنا تفسير مراد ابن عيينة، وهو هذا في الأصح.
وقد حكى نعيم نفسه عن ابن عيينة أيضًا، قال: " كان هشام أعلم بحديث الحسن من عمرو بن دينار؛ لأن عمرو بن دينار لم يسمع من الحسن إلا بعد ما كبر " (١).
٢ - قول يحيى بن معين في (أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي ألاسود): " ما أرى به بأسًا، ولكنه سمع من أبي عوانة (٢) وهو صغير، وقد كان يطلب الحديث " (٣).
قلت: أبو بكر هذا ثقة حافظ، فغمزه ابن معين بغير مغمز، وإلا فأين ما رواه عن أبي عوانة ولم يضبطه؟
٣ - وقول الحافظ محمد بن مسلم بن وارة في (عمرو بن هشام البيروتي): " كتبت عنه، كان قليل الحديث "، قيل له: ما حاله؟ قال: " ليس بذاك، كان صغيرًا حين كتب عن الأوزاعي " (٤).
قلت: هو صدوق، قال فيه ابن عدي: " ليس به بأس " (٥)، وما قاله ابن وارة تليين، وإنما يكون اللين من جهة الضبط، ومجرد الصغر كما تقدم لا ينافي الضبط.
أما بعد عصر التدوين، ومصير الناس إلى رواية الكتب والأجزاء، فإن المتأخرين سهلوا في السماع في الصغر حتى بالغوا فيه.
ومن أقدم ذلك سماع إسحاق بن إبراهيم الدبري من عبد الرزاق
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ٢ / ٥٤ - ٥٥) وإسناده صحيح إلى نعيم.
(٢) الوضَّاح بن عبد الله.
(٣) معرفة الرجال، رواية: ابن محرز (١/ ٩٠).
(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٦٨).
(٥) ذكر ذلك في ترجمة (سليمان بن أبي كريمة) (٤/ ٢٥٠).
[ ١ / ٢٧٧ ]
الصنعاني كتبه، كـ" المصنف "، و" التفسير "، وكان صغيرًا، قال الحافظ إبراهيم الحربي: " مات عبد الرزاق، وللدبري ست سنين أو سبع سنين " (١).
وقال ابن عدي: " استصغر في عبد الرزاق، أحضره أبوه عنده وهو صغير جدًا، فكان يقول: (قرأنا على عبد الرزاق) أي قرأ غيره وحضر صغيرًا، وحدث عنه بحديث منكر " (٢).
قلت: والحمل في تلك النكارة على غيره، إذ في الإسناد مجروح (٣).
ثم إن وجد في تلك الكتب شيء، فينبغي أن يؤخذ فيها على عبد الرزاق، خلافًا لبعض أئمة الحديث، وذلك من أجل أنه اختلط بأخرة (٤)، سوى بعض التصحيف مما أخذ على الدبري، وليس بضاره في أصل سماعه، فإنه في الجملة سماع صحيح؛ لذلك اعتمد من جاء من بعد على ما رواه من كتب عبد الرزاق.
* * *
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١١٦) بإسناد صحيح.
(٢) الكامل (١/ ٥٦٠) و" سِير أعلام النبلاء " للذهبي (١٣/ ٤١٧).
(٣) وقال الذهبي: " لعلَّ النكارة من شيخه، فإنه أضرَّ بأخرةٍ " (سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤١٧). قلت: بل في الإسناد عبدُ الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف.
(٤) قال الحافظ ابن الصلاح في " علوم الحديث " (ص: ٣٩٦): " قد وَجدت فيما رُوي عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق أحاديث استنكرها جِدًا، فأحلْتُ أمرها على ذلك، فإن سماع الدبري منه مُتأخرٌ جِدًا ".
[ ١ / ٢٧٨ ]
المبحث السابع:
حكم الرواية بالمعنى
اختلف المتقدمون في شأن جواز رواية الحديث بالمعنى على مذهبين مشهورين:
المذهب الأول: جواز الرواية بالمعنى
وثبتت الرواية به عن أكثر الأئمة من السلف، منهم: واثلة بن الأسقع من أصحاب النبي ﷺ، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد المكي، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن دينار، والزهري، وجعفر الصادق، والشافعي، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وروي عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، ولم بثبت عنهم.
وروي مرفوعًا في جواز الرواية بالمعنى أحاديث عن النبي ﷺ: عن واثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عمرو، وسليمان بن أكيمة الليثي، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، ورجل من الصحابة، ولا يثبت منها شيء، وليس فيها ما تتقوى به (١).
_________________
(١) كما شرحت ذلك في " تنقيح النقول من نوادر الأصول " (رقم: ٩٨ - ١٠١).
[ ١ / ٢٧٩ ]
ومن دليل أصحاب هذا المذهب:
ما جاء عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ؛ لأن القرآن أعظم حرمة، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدًا " (١).
وقال الرامهرمزي: " ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب: أن الله تعالى قد قص من أنباء ما قد سبق قصصًا، كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان، وغير ذلك " (٢).
كذلك قال الخطيب: " اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي ﷺ، وللسامع بقوله، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه، وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، سيِّما إذا كانوا السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان؛ لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه.
وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته.
وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه، والعلم بأحكامه.
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (٣١٦) وإسناده جيد. كما روى معناه من وجهٍ آخر.
(٢) المحدث الفاصل (ص: ٥٣٠)، وذكر أن مثل هذا الاستدلال قد حُكي عن الحسن البصري، وساقه، لكن في إسناده نظرٌ.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ويدل على ذلك: أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله ﷺ، وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك، كان مخبرًا بالمعنى المقصود من اللفظ وصادقًا على الرسول الله ﷺ " (١).
وابن حزم يعيد ما يكون من اختلاف الألفاظ في بعض الروايات إلى سبب آخر، فيقول: " ليس اختلاف الروايات عيبًا في الحديث إذا كان المعنى واحدًا؛ لأن النبي ﷺ صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث، كرره ثلاث مرات، فنقل كل إنسان بحسب ما سمع، فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحدًا " (٢).
قلت: لكن هذا الاستدلال ضعيف لما يقع من الاختلاف في الرواية المتحدة المخرج عن النبي ﷺ، كما هو الشأن في الحديث الذي قصده ابن حزم بهذا التنبيه، فإنه حديث واحد، مخرجه رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ، وعنه ابنه أبو بردة، وعنه بريد بن عبد الله، ووقع في روايات الرواة عنه اختلاف في بعض الألفاظ، فهذا لا يحسن الاستدلال لمثله بمثل ما صنع ابن حزم.
وأحسبه ألجأه إلى ذلك تشديده في منع رواية الحديث بالمعنى أصلًا، فإنه قال: " من حدث وأسند القول إلى النبي ﷺ، وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي ﷺ، فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها، لا يبدل حرفًا مكان آخر، وإن كان معناهما واحدًا، ولا يقدم حرفًا ولا يؤخر آخر " (٣).
والمذهب الثاني: التمسك باللفظ
وثبتت الرواية به عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، والقاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة، وأبي معمر
_________________
(١) الكفاية (ص: ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٩).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٦).
[ ١ / ٢٨١ ]
الأزدي، وعبد الله بن طاوس، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم.
وأصله من السنة حديثان صحيحان:
الأول: عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: " نضر (١) الله امرأً سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع " (٢).
_________________
(١) بالتخفيف أصح. قال الرامهرمزي: " قوله ﷺ: نضَر الله امرأً، مُخففٌ، وأكثر المحدثين يقوله بالتثقيل إلا من ضبط منهم، والصواب التخفيف، ويحتمل معناه وجْهين: أحدهما: يكون في معنى ألبسه الله النضرة، وهي الحُسنُ وخلوصُ اللون، فيكون تقديره: جمَّله الله وزينه. والوجه الثاني: أن يكون في معنى أوْصله الله إلى نضرة الجنة، وهي نِعمتها ونضارتها " ثم استدل لذلك (المحدث الفاصل، ص: ١٦٧)، وانظُر كذلك: تَصحيفات المحدثين، لأبي أحمد العَسكري (١/ ٣٥٨).
(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (رقم: ٢٦٥٧) وأبو يعلى (٩/ ١٩٨ رقم: ٥٢٩٦) والبزار (٥/ ٣٨٢ رقم: ٢٠١٤) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٩، ١٠) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ١٦٦) والهيثم الشاشي في " مسنده " (رقم: ٢٧٦) وابن حبان (رقم: ٦٦، ٦٨) وأبو عمرو المديني في " جزء حديث: نضَر الله امرأ سمع مقالتي " (رقم: ١، ٢) والخليلي في " الإرشاد " (٢/ ٦٩٨ - ٦٩٩) من طُرق عِدة عن سِماك بن حربٍ، قال: سمعت عبدَ الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، به. رواه عن سماك من الثقات: شُعبة بن الحجاج، وعلي بن صالح، وحماد بن سلمة، وإسرائيل بن يونس، وعمرْو بن أبي قيس. وسماك صدوق جيد الحديث في غير روايته عن عكرمة مولى ابنِ عباس. تابعه عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، به. أخرجه البزار (٥/ ٣٨٥ رقم: ٢٠١٩) وابن عدي في " الكامل " (٨/ ٢٢٣) من طريقين عن مِهران بن أبي عُمر، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الملك. قلت: وهذه طريقٌ حسنة، طريق البزار عن مِهران صحيح، ومِهران صدوق فيه لين، ومن فوقه ثقات، وإن كانَ قد أغرب بهذا عن إسماعيل بن أبي خالد. ورواه إسحاق بن منصور السلولي عن هُريم بن سفيان، وجعفرِ بن زياد الأحمر، كلاهما عن عبد الملك، به. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢/ ١٧٩ - ١٨٠ رقم: ١٣٢٦ وفي سنده سقط) والسهمي في " تاريخ جُرجان " (ص: ١٩٩ - ٢٠٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٦٧). كما أخرجه مُقتصرًا على (هُريم) فقط: البيهقي في " دلائل النبوة " (١/ ٢٣) من طريق إسحاق بن منصور، وابن جُميع في " مُعجمه " (ص: ٣١٥) من طريق يحيى بن أبي بُكير، كلاهما عن هُريم. قلت: وإسناده صحيح، هريم وجعفرٌ ثقتان. وقد قال الترمذي: " حديث حسنٌ صحيح ".
[ ١ / ٢٨٢ ]
وهذا المعنى مروي عن النبي ﷺ من وجوه.
ومما يتعلق به منا أيضًا في هذا الباب مما ثبت إسناده:
حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: " نضر الله امرأً سمع قولي، ثم لم يزد فيه " وذكر سائر الحديث (١).
والحديث الثاني: عن البراء بن عازب، قال: قال النبي ﷺ:
" إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهم آخر ما تتكلم به ".
قال: فرددتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: " اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت " قلت: ورسولك، قال: " لا، ونبيك الذي أرسلت " (٢).
_________________
(١) حديث حسنٌ. أخرجه أبو عمْرو المديني في " جزئه في هذا الحديث " والحاكم في " المدخل إلى الصحيح " (ص: ٨٥ - ٨٦) وفي إسناده تحريف) وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (رقم: ١٩٩) من طُرقِ عن عبد الجبار بن عاصم، قال: حدثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلةَ، عن إبراهيم بن أبي عبلةَ، حدثني عقبة بن وَساج، عن أنس، به. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله غيرُ هانئ ثقات، أما هوَ فلا بأس به.
(٢) حديث صحيح. مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٤٤، ٥٩٥٢) ومُسلم (رقم: ٢٧١٠) من طريق سعْد بن عبيدة، حدثني البراء، به. ورواه غيره عن البراء.
[ ١ / ٢٨٣ ]
تحرير القول في دلالة هذين الحديثين:
أجاب الرامهرمزي بقوله: " قوله: (فأداها كما سمعها) فالمراد منه حكمها لا لفظها، لأن اللفظ غير معتبر به، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله: (فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) " (١).
وأقول: كذلك فإن هذا في حق من لم يكن بفقيه، فهو إذا روى بالمعنى فربما حرف فيه، وشرط جواز الرواية بالمعنى: أن يكون عالما ً بما رواه بالمعنى.
ثم إن هذا الحديث نفسه قد نقله الناقلون الثقات فاختلفوا في لفظه، واتفقوا في معناه، فذلك في نفسه دليل على صحة الرواية بالمعنى، ومبطل للاستدلال به على منع ذلك بإطلاق (٢).
وأما رده ﵇ الرجل من قوله: (برسولك) إلى قوله: (وبنبيك)، فإن النبي أمدح، ولكل نعت من هذين النعتين موضع، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة، واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء ﵈؟ وإنما فضل المرسلون من الأنبياء؛ لأنهم جمعوا النبوة والرسالة جميعًا، فلما قال: (وبنبيك الذي أرسلت) جاء بالنعت الأمدح، وقيده بالرسالة بقوله: (الذي أرسلت). وبيان آخر: أن النبي ﷺ كان هو المعلم للرجل الدعاء، وإنما القول في اتباع اللفظ إذا كان المتكلم حاكيًا لكلام
_________________
(١) هذا السياق الذي علَّق عليه الرامهرمزي للحديث، جاءَ من رواية أبي الحويْرث عبْد الرحمن بن معاوية، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، أنه قال: " نضر الله امرأً سمع مقالتي، فحفظها، فأداها كما سمعها، فرُب حامل فِقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حاملِ فقه غيرُ فقيه ". أخرجه البزار (٨/ ٣٤٢ رقم: ٣٤١٦) وإسناده حسن. وهو مُخرَّجٌ في غير موضعٍ نحوه، كما رواه كذلك غيرُ أبي الحويرث عن مُحمد بن جبير.
(٢) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٣٠٥).
[ ١ / ٢٨٤ ]
تحرير عدم معارضة هذا للمذهب الأول
غيره، فقد ثبت أن النبي ﷺ نقل الرجل من قوله: (وبرسولك) إلى قوله: (وبنبيك) ليجمع بين النبوة والرسالة، ومستقبح في الكلام أن يقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله)، و(هذا قتيل زيد الذي قتله)؛ لأنك تجتزئ بقولك: (رسول فلان) و(قتيل فلان) عن إعادة اسم المرسل والقاتل، إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول، وإنما يحسن أن تقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو)، و(هذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس) أو: (في وقعة كذا) " (١).
قلت: وهذا الجواب محقق للغرض في الإبانة عن دلالة هذين الخبرين، وليس فيهما مقابلة لما استدل به الجمهور على الجواز.
ثم إن جميع المنقول عمن ذهب هذا المذهب من السلف ليس فيه قول واحد مقتضاه المنع للرواية بالمعنى، وإنما على معنى الاجتهاد في الإتيان بالحديث على لفظه ما أمكن، وهذا مقصد لم يتجاوزه المجوزون، بل المعروف عنهم الاجتهاد في الألفاظ، لكن للمشقة سهلوا أن يؤدى الحديث على المعنى، وليس ذلك عندهم بإطلاق، وإنما بشرط أن يكون مؤديه على هذا الوجه فقيها ً عالمًا بما يحيل المعاني، لئلاَّ يقع في الكذب على النبي ﷺ.
فالأصل الذي لا يختلف فيه: أن يؤديه بلفظه، وهذا بلا ريبة أبرأ للذمة، وأنفع للأمة، وأبعد عن التهمة.
كما قال عمر بن الخطاب، ﵁: " من سمع حديثًا، فحدث به كما سمع، فقد سلم " (٢).
_________________
(١) المحدث الفاصل (ص: ٥٣١ - ٥٣٢)، ومعناه في " الكفاية " (ص: ٣٠٦).
(٢) أثرٌ صالح. أخرجه مسلم في " التمييز " (رقم: ٩) والرامهرمزي (ص: ٥٣٨) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٦٧) وإسناده صحيح، فيه الرديني بن أبي مجلز وهو شيخ ليس بالمشهور، وسائر الإسناد إما ثقةٌ وإما صدوقٌ.
[ ١ / ٢٨٥ ]