علمت من المبحث السابق أن تمييز الطبقة يكون بتمييز إدراك اللاحق للسابق وأن معرفة المواليد والوفيات أحسن الطرق لإثبات الإدراك، ومن تعسر علينا معرفة ذلك من أمره اعتبرنا القرائن في إمكان الإدراك، وهذا من حيث التأصيل لموضوع (الطبقات).
أما توزيع الرواة على الطبقات فقد قدمت في أول هذا المبحث أن تقدير الطبقة يعود إلى اصطلاح المصنفين، وفي مجهود أئمتنا السابقين ما يساعد الباحث لاستفادة هذا المعنى، وحيث إن الحاجة إلى تمييز الطبقات تشتد في رواة القرون الأولى، فإن أحسن ما يتفق مع ما شرحت في هذا المبحث هو تقسيم الطبقات الذي جرى عليه الحافظ المحقق ابن حجر العسقلاني في كتابه " تقريب التهذيب "، فإنه قال:
الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضرًا صرحت بذلك (١).
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى منهم الذين رأوا الواحد والاثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.
_________________
(١) والمُخضرم: من أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يَثْبت لهم شرف الصحْبة، مثلي: سُويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي مسلم الخولاني.
[ ١ / ١١١ ]
السابعة: كبار التابعين، كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل.
الحادي عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي.
وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا، كبعض شيوخ النسائي (١).
وهذا من حيث التقسيم دقيق، أما من حيث تطبيق الحافظ له في كتابه، فإنه قد يعد الراوي في طبقة يكون الأليق النزول به عنها.
ويمكن أن تتبع هذه القسمة كمقياس لجميع الرواة من أهل القرون الأولى ممن له رواية عند الأئمة الستة أو عند غيرهم.
_________________
(١) تقريب التهذيب (ص: ٧٥).
[ ١ / ١١٢ ]
المبحث الخامس:
تفسير طبقة الصحابة
الصحابي مبتدأ الإسناد، وحلقة الوصول الضرورية فيه، وتحديد معناه وتوضيح المراد به أساس تمييز سائر الطبقات.
وقد اختلف المتقدمون في تحديد المراد بـ (الصحابي)، فمن المنقول فيه ما يلي:
١ - روي عن سعيد بن المسيب: " الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين ".
قلت: وهذا لا يثبت عن ابن المسيب (١).
٢ - وقال عاصم بن سليمان الأحول: عن عبد الله بن سرجس: أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي ﷺ، وقد رأى النبي ﷺ، ولم تكن له صحبة (٢).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٩) بإسناده إلى محمد بن سعْد بكتاب " الطبقات " لكني لم أجد النص فيه، قال ابن سعد: عن الواقدي محمد بن عُمر، قال: أخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان سعيد بن المسيب يقول، فذكره. قلت: الواقدي ليس بعُمدةٍ، وشيخه طلحة مجهول.
(٢) أخرجه أحمد (٣٤/ ٣٧٢، ٣٧٥ رقم: ٢٠٧٧٤، ٢٠٧٧٩) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٨) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١١٣ ]
قلت ذهب عاصم إلى أن ابن سرجس وإن رأى النبي ﷺ فليس بصحابي، من أجل أنه اعتبر في الصحبة الملازمة لبعض الوقت.
٣ - وروي عن أحمد بن حنبل، قال: " كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه (١).
٤ - وقال البخاري: " من صحب النبي ﷺ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه " (٢).
قال ابن حجر: " هذا الذي ذكره البخاري هو الراجح "، وقال: " هو قول أحمد والجمهور من المحدثين " (٣).
قلت: ويشير قوله: (الراجح) إلى ما ذهب إله بعض السلف كالذي تقدم عن عاصم الأحول، إلى عدم إطلاق الصحبة إلا على الصحبة العرفية، وهي أن يرافقه مدة.
وقال ابن حجر: " ويرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيًا اتفقا، فينبغي أن يزاد فيه: ومات على ذلك " (٤).
وقال ابن حجر: " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام " (٥).
_________________
(١) هذا من قول أحمد في " رسالة عبدوس بن مالك العطار " عنه، ومنها أخرج الخطيب هذا النص في " الكفاية " (ص: ٩٩) وهذه الرسالة رُويت كذلك مُفردةً عن أحمد، كما أخرجها ابنُ أبي يعلى في " طبقات الحنابلة " (١/ ٢٤١ - ٢٤٦)، وفي إسنادها من لم يُعرف بجرحٍ أو تعديل، ولا أجزم بصحتها عن أحمد، لكن لا بأس في الاعتبار بما فيها.
(٢) صحيح البخاري (٣/ ١٣٣٥)، وأخرجه من طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٩).
(٣) فتح الباري (٧/ ٣، ٤)، ومعناه في " الإصابة " (١/ ٨).
(٤) فتح الباري (٧، ٤).
(٥) الإصابة (١/ ٧).
[ ١ / ١١٤ ]
وفيمن يدخل في التعريف قال: " فيد خل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو عنه، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يراه لعارض كالعمى " (١).
قلت: ومن أهل العلم من ذهب إلى التوسع فيمن يدخل في جملة الصحابة، حتى قال: يدخل فيهم الجن الذين أسلموا ممن ينطبق عليه تعريف الصحابي.
وهذا ليس مما له فائدة هنا، فإن تحديد المراد بالصحابي في هذا الموضع إنما هو فيمن روى العلم، وكان له شخصية محددة، أما: هل يدخل في الصحابة مسلمو الجن الذين استمعوا القرآن، أو بعض الملائكة، فهذا مما لا ينبغي عليه عمل، ولا يحقق مصلحة، ولا يُنْتهى فيه إلى شيء بين.
نعم؛ رأيت الطبراني أخرج في " معجمه الكبير " حديثًا عن رجل من الجن، فقال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن صالح، حدثني بن صالح، حدثني عمرو الجني، قال: كنت عند النبي ﷺ فقرأ سورة النجم، فسجد، فسجد، فسجت معه (٢).
قلت: وهذا خبر غريب جدًا، بل منكر، وعثمان بن صالح هو المصري، من أصحاب عبد الله بن وهب، ومن شيوخ البخاري، وهو من طبقة تبع أتباع التابعين، ولو صححنا كونه من التابعين بمثل هذا لروايته عن جني له صحبة، لاضطرب عندنا مقياس الطبقات، ولصار به عامة من روى عنه من أتباع التابعين، وليس هذا محل إشكال إن ثبت، مع شدة غرابته، وإنما الشأن أن عثمان إن صح هذا إليه (٣)، فإنه وإن كان صدوقًا انتقى له
_________________
(١) الإصابة (١/ ٧).
(٢) المعجم الكبير (١٧/ ٤٥)، ومن طريقه: أخرجه ابن نُقطة في " تكملة الإكمال " (٢/ ١٦٦).
(٣) إذ شيخُ الطبراني لم أعرفه بجرْحِ ولا تعديل.
[ ١ / ١١٥ ]
البخاري في صحيحه إلا أن أبا زرعة الرازي سئل عن بعض ما رواه عن عبد الله بن لهيعة، وفيه المنكر؟ فقال: " لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ، أملى عليهم مالم يسمعوا فبلوا به " (١).
قلت: وخالد هذا كذاب معروف.
وقد قال أبو نعيم الأصبهاني في رواية الجني هذه: " في إسناده نظر " (٢)، وقال الهيثمي: " في إسناده من لا يعرف، وعثمان بن صالح لا أراه أدرك أحد من الصحابة " (٣).
كيف تثبت الصحبة؟
تثبت الصحبة بطريق من الطرق التالية:
١ - التواتر، كصحبة حمزة بن عبد المطلب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃.
٢ - الشهرة والاستفاضة، كصحبة كثيرين، علم كونهم من الصحابة بمجيء ذكرهم في الأخبار المعروفة، كياسر والد عمار، وخبيب بن عدي، أو بالرواية عنهم من وجوه عدة تحصل بمثلها الشهرة.
٣ - صحة الإسناد إلى من قال: (سمعت رسول النبي ﷺ).
٤ - الخبر الثابت إلى من هو معروف من الصحابة: أن فلانًا صحب النبي ﷺ، أو يذكره في سياق ما يفيد صحبته. مثال: الحارث بن وقيش.
٥ - أن يخبر عن نفسه أن له صحبة، ويثبت الإسناد عنه بذلك.
_________________
(١) سؤالات البرذعي (٢/ ٤١٧ - ٤١٨).
(٢) معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٤٥).
(٣) مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥).
[ ١ / ١١٦ ]
٦ - معرفة قدم عهده، بحيث لا ينكر أن يكون أدرك زمان النبي ﷺ.
وجدير أن تعلم أن كثيرًا من الأسماء تجده في جملة الصحابة، اعتمد ذاكروها على وجود رواية عنهم عن النبي ﷺ، وإذا تحققت من تلك الرواية وجدت كثير منها لا تثبت أسانيدها إلى ذلك المدعى صحبته.
وكذلك فإن مجرد قول الرجل من الرواة: (قال رسول الله ﷺ)، لا يعني الصحبة، فالتابعي ومن دونه قد يقول ذلك، فيكون من قبيل المرسل أو المعضل.
والتثبت في الصحبة وتحقق إثباتها شرط لصحة الحديث، فدونها ينتفي الاتصال.
وكان النقاد الأولون يحققون ذلك، كما يحققون أحوال سائر النقلة، وبه كشفوا الخطأ في ظن الصحبة لطائفة.
فمن أمثلة ذلك:
قال أبو حاتم في (عبد الرحمن بن عئاش الحضرمي): " أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي، هو عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ " يعني: الصواب في روايته كذلك، وقال أبو زرعة: " ليس بمعروف " (١).
وقال أبو حاتم في (عيسى بن يزداد): لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان " (٢).
وسأل البرقاني الدارقطني: مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي ﷺ؟ قال: " مسلم مجهول، لا يحدث عن أبيه إلا هو " (٣).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٦٢).
(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٩١).
(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٤٩٠).
[ ١ / ١١٧ ]
كما يجب أن تعلم أن النقاد ربما اختلفوا في إثبات الصحبة لشخص، والواجب حينئذ المصير إلى الترجيح بما ذكرنا من الطرق لإثبات الصحبة أو نفيها.
من رأى النبي ﷺ وهو صغير، هل تصح صحبته؟
حدث شعبة بن الحجاج عن أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس، قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير، فمسح رأسه، واستغفر له.
قال شعبة: فقلت: أله صحبة؟ فقال لا، ولكنه كان على عهده قد حلب وصر (١).
قلت: فهو قد ولد في حياة النبي ﷺ، لكن لم يكن سنه سن من يحمل العلم؛ لعدم التمييز من أجل الصغر.
واختلف أصحاب الزهري عنه على حديث رواه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن جابر بن عبد الله في قتلى أحد، فمنهم من ذكر فيه جابرًا ومنهم من لم يذكره، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: " الصحيح مرسل " قال: قلت: عبد الله بن ثعلبة أليس قد رأى النبي ﷺ؟ قال: " نعم، وهو صغير " (٢).
قلت: فعد حديثه مرسلًا من أجل عدم السماع للصغر.
والتحقيق: أن هذا الصنف يثبت لهم شرف الصحبة، لكن رواياتهم عن النبي ﷺ مرسلة ملحقة بعموم مراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة الذين لهم من النبي ﷺ سماع، يروي أحدهم عنه ﷺ ما لم يسمعه، وإنما سمعه من صحابي غيره، فأرسله، بل هؤلاء الذين لهم شرف الصحبة تابعيون في الحكم (٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (النص: ٣٨١٩) وإسناده صحيح.
(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٠١٥).
(٣) وانظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤).
[ ١ / ١١٨ ]
فمن أدخلهم في الصحابة في كتب تراجم الصحابة، فإنما فعل ذلك لثبوت معنى الصحبة لهم، لا لاتصال رواياتهم برسول الله ﷺ، فاحذر أن تعتمد على ذلك للقول باتصال الإسناد.
فائدة هل للصحابة عدد محصور؟
بالنظر إلى تاريخ المجتمع الإسلامي في حياة النبي ﷺ، فإن المعلوم أنه صحبه خلق كثير، منهم من لقي ربه في حياته ﷺ، ومنهم من بقي بعده، ومنهم من عرف اسمه، ومنهم من لم يعرف، ومنهم من حمل عنه العلم، ومنهم من لم يحمله، وممن حمل العلم كمن شهد معه حجة الوداع من روى وحفظ عنه الحديث، ومنهم من لم يحفظ عنه الحديث.
قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة (يعني الرازي) وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: " ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قُبِضَ رسول الله ﷺ
عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه "، فقال له الرجل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: " أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد حجة الوداع، كل رآه وسمع منه يعرفه " (١).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم ١٨٩٤) وإسناده جيِّد إلى ابن جامع هذا راويه عن أبي زُرعة، ولم أقِف على ما يُبين حاله، وقد روى عن أبي حاتم الرازي كذلك، فهو مستورٌ على أقل الأحوال إن لم تثبت ثقته، ومثله في هذا الخبر يُحتمل.
[ ١ / ١١٩ ]
فرع:
فإذا ميزت الصحابي تيسر لك تمييز التابعي، فإنه: من لقي رجلًا من الصحابة فأكثر، فيثبت له به شرف التابعية، ولا يتحصل حديثه بالصحابي حتى ينقل شيئًا سمعه من الصحابي أو رآه.
وعلى معناه فقس تفسير كل طبقة تليه.
* * *
[ ١ / ١٢٠ ]
المبحث السادس:
تمييز المشتبه من أسماء الرواة
الاشتباه في أسماء الرواة يقع بواحد من سببين:
السبب الأول: التشابه في الرسم
ويكون معوقًا دون الوقوف على شخصية الراوي؛ ذلك لما يقع به من التصحيف والتحريف.
قال علي بن المديني: " أشدُّ التصحيف في الأسماء " (١).
واصطلحوا على تسميته بـ (المؤتلف والمختلف).
ومعناه: ما يتفق من الأسماء في الخط صورة، ويختلف في اللفظ صيغة.
وهذا يعني الاتحاد في الرسم، والاختلاف في النقط والشكل.
وتقدمت بعض أمثلته في (تمييز الأسماء)، وإليك صورًا منها زيادة في التوضيح والتأكيد:
_________________
(١) أخرجه أبو أحمد العسْكري في " أخبار المصحفين " (ص: ٣٢ - ٣٣) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٢١ ]
(سلًّام) بالتشديد، وهو أكثر، و(سَلَام) بالتخفيف في أسماء معينة.
(مَعْمَر) بفتح الميم وإسكان العين ثم ميم مفتوحة خفيفة، و(مُعَمَّر) بضم أوله فعين مفتوحة فميم مشددة.
و(البَرَاء) بالتخفيف، في الأسماء جميعًا، و(البَرَّاء) بالتشديد في نسب ثلاثة من الرواة: أبي العالية البَرَّاء، واسمه: زياد بن فيروز، وقيل غير ذلك، وأبي معشر البَرَّاء، واسممه: يوسع بن يزيد، وحماد بن سعيد البَرَّاء.
وما كان من هذا النمط مما يرجع إلى الشكل، فإن ما يقع من الخفاء بسببه قليل، وإنما مثله مظنة اللحن.
أم ما كان مثل (جَرير) بجيم أوله، وراء آخره، و(حَرِيز) بحاء مهملة أوله، وزاي آخره، ومثل (شُرَيح بالشين المعجمة أوله، و(سُرَيج) بالسين المهملة أوله، ومثل (يَزيد) بياء مثنَّاة أوله، و(بَرِيد) بباء موحدة مفتوحة أوله، ومثل (الهَمْداني) بميم ساكنة بعدها دال مهملة، و(الهَمَذاني) بميم مفتوحة بعدها ذال معجمة، و(الزُّبَيْري) بزاي مضمومة فباء موحدة مفتوحة فمثناة تحتية، و(الزَّنْبريِّ) بزاي مفتوحة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة؛ فإن التصحيف بمثله أشد، ويكون معوقًا دون الوقوف على الترجمة وتمييز المقصود.
وأغمض منه ما رجع إلى بابه، لكن بزيادة حرف ونقصة، كالذي بين (عبد) و(عبيد)، أو (عمر) و(عمرو)، أو (بشر) و(بشار).
وأشد منه ما اتحد الرسم أو تقارب إلا في حرف، مثل: (سفيان) و(شيبان)، و(عنان) و(غياث).
والغلط في مثل هذا لا يكاد يسلم منه أحد، وهو في الكتب المطبوعة غير قليل، فلا تركن إلى هذا.
واعلم أن ضبط الأسماء لا يخضع إلى قاعدة في القياس، إنما
[ ١ / ١٢٢ ]
العمدة فيه السماع، فعليك بضبطها وتجويدها وحفظ مواضع اجتماعها وافتراقها تسلم من اللحن والتصحيف.
وقد نبهت سالفًا على أسماء أهم المصنفات المفيدة في هذا الفن، وفي " إكمال " ابن ماكولا، ثم " تكملة " ابن نقطة، ثم " توضيح " ابن ناصر.
السبب الثاني: الاشتراك
وربما صار بك إلى جرح عدل، أو تعديل مجروح، كما يكون سببًا في أن يدخل على الراوي ما ليس من حديثه.
والطريق إلى معرفة ذلك بتمييز ما اصطلحوا عليه بـ (المتفق والمفترق).
وهو فن يعسر فهمه وتحتاج معرفته إلى يقظة شديدة، فإن الرجل تراه في الإسناد، فتبحث عن ترجمته، فتجد في التراجم من هو مسمى بنفس اسمه، ولا تجد في الإسناد من العلامة ما يساعدك على تمييزه، فكيف الطريق إلى معرفته؟
تقدم أن النظر في الشيوخ والتلاميذ يساعدك على كشف الالتباس عن كثير من الرواة ممن هذه صفته، لكنك قد لا تصل إلى ذلك بمجرد هذا الطريق لعدم وجود الاستقصاء لجميع شيوخ الراوي أو تلاميذه عادة على ما علمت شرحه، أو ترى الراويين يشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أي: تتحد طبقتهما، فيبقى لك أن تميزه بمعرفة هذا الطريق.
اعلم أن الاتفاق والافتراق في أسماء الرواة ممن تذكر أسماؤهم غير مميزة بما يدفع الاشتباه؛ يرجع إلى صور ثلاث:
الأولى: الاتفاق في الاسم مع الافتراق في الطبقة.
مثاله: (حيوة بن شريح) رجلان، أحدهما من طبقة الأولى من أتباع التابعين، من أقران الليث بن سعد ومالك بن أنس وأقدم منهما قليلًا، وهو من أعيان المصريين.
[ ١ / ١٢٣ ]
والثاني من شيوخ البخاري والدارمي وأبي داود، من الشاميين، يروي عن بقية بن الوليد وطبقته.
وكلاهما يأتي ذكره كثيرًا في الأسانيد (حيوة بن شريح) من غير علامة مفسرة.
فهذا النمط يسهل تمييزه بتمييز الطبقة.
وقد يكون الراويان المشتركان عدلين كهذا المثال، فيكون محذور الغلط في تمييزه أخف منه حين يكون أحدهما مجروحًا والآخر ثقة.
مثل: (سعيد بن سنان) راويان معروفان، البُرْجُمي كوفي ثقة صدوق، والآخر أبو مهدي، شامي متروك الحديث.
لكن البرمجي متأخر الطبقة عن الشامي.
والثانية: الاتفاق في الاسم مع اتحاد الطبقة، لكن مع وجود علامة تساعد على التمييز بمراجعة التراجم المشتبه في كتب الرواة.
مثاله: (عبد الرحمن بن إسحاق) رجلان من طبقة واحدة يأتيان في الأسانيد غير مميزين، أما أحدهما فهو كوفي ضعيف الحديث، وأما الآخر فهو مدني نزل البصرة صدوق، ولا يشتركان في الشيوخ، فحديث الأول عند الكوفيين وحديث الثاني عند البصريين.
قال الحافظ محمد بن سعيد وذكر الأول في الكوفيين: " عبد الرحمن بن إسحاق، ويكنى أبا شيبة، وكان ضعيف الحديث، روى عن الشعبي، وهو الذي روى عنه أبو معاوية الضرير والكوفيون، وعبد الرحمان بن إسحاق المديني أثبت منه في الحديث، وهو الذي روى عنه إسماعيل بن علبة والبصريون " (١).
_________________
(١) الطبقات الكبرى، لابن سعد (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢).
[ ١ / ١٢٤ ]
ويقرب منه في إمكان الفصل مثل: (إسماعيل بن أبان) رجلان، أحدهما (الوراق) والثاني (الغنوي)، كلاهما كوفيان، واشتركا في شيء قليل من الشيوخ والتلاميذ، والغنوي أقدم قليلًا، ولعله لا يأتي إلا منسوبًا فلا يشق التمييز.
قال يحيى بن معين: " إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه، وإسماعيل بن أبان الوراق ثقة " (١).
وهذا النمط من الرواة يمكن التوصل إلى تمييز المقصود منهم ببعض البحث المتحري بتأمل بلد الراوي أو شيوخه وتلاميذه.
فإن لم يتميز فلاحتمال أن يكون المجروح، يجب التوقف عن قبول تلك الرواية.
والثالثة: الاتفاق في الطبقة والبلد والاشتراك في بعض الشيوخ والتلاميذ، مما يجعل عملية الفصل بينهما شاقة في كثير من الأحيان يحتاج الباحث معها إلى قرينة تصير به إلى أي ترجيح.
مثاله: (حماد) ابن زيد، و(حماد) ابن سلمة، كلاهما من طبقة واحدة، ومن بلد واحد فهما بصريان، واشتركا في طائفة من الشيوخ رويا عنهما جميعًا، مثل: (أيوب السختياني، وثابت البناني، وحميد الطويل، وأبي عمران الجوني، وغيرهم)، كما اشتركا في طائفة من التلاميذ رووا عنهما جميعًا، منهم: (عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وغيرهم).
ولا إشكال عند مجيء اسم أحدهما منسوبًا إلى أبيه، وإنما في وروده مهملًا من القيد المفسر.
وههنا فصل مفيد أورده الحافظ الذهبي في ترجمة (ابن زيد)، قال:
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢٨) بإسناد صحيح.
[ ١ / ١٢٥ ]
" اشتركا الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن، وذلك قليل، لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو تقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا.
فمن شيوخهما معًا: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن الديني، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي،
[ ١ / ١٢٦ ]
وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن (حماد) وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأنه لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك؛ ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.
ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن المنهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: (حدثنا حماد) فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: (حدثنا حماد) فهو ابن سلمة، فهو روايته، والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عينية صغار لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى فقال: (حدثنا سفيان) وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس " (١).
هذا الذي حكيت لك عن الذهبي مثال لاشتراك الثقتين.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٦٤ _٤٦٥)، وسبقه إلى بَعض هذا المزِّي في " التهذيب " (٧/ ٢٦٩).
[ ١ / ١٢٧ ]
أغمض منه اشتراك ثقة ومجروح.
ومثاله: (عبد الكر يم) رجلان من طبقة واحدة، يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد مهملين من العلامة المساعدة على التمييز، ويشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أما أحدهما فهو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية متروك الحديث، والثاني عبد الكريم بن مالك الجزري ثقة، رويا جميعًا عن سعيد بن جبير، وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنهما جميعًا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله القاضي.
فهذا النمط إذا جاء مهملًا فإما أن تجد قرينة خارجية مساعدة في تفسير المقصود، أو تعذر التمييز، وعليه فالمصير إلى التوقف في شأنه.
تنبيه:
يقع الالتباس في بعض أسماء الرواة من جهة مظنة القلب فيها، حيث تأتي على خلاف المعروف من الأسماء، فيظن الظان أنها جاءت على الغلط، وإنما هي أسماء لرواة آخرين جاءت على العكس من أسماء مشهورة في التقديم والتأخير في الاسم واسم الأب.
مثالها: في الرواة (مسلم بن الوليد) وهو ابن رباح، مدني، من أتباع التابعين، وليس هو بالمشهور، فانقلب على البخاري، فسماه (الوليد بن مسلم)، وخطأه فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرويان (١)، وهو على القلب يشارك راويين مشهورين في الاسم واسم الأب، كلاهم يدعى (الوليد بن مسلم)، أحدهما بصري، والآخر الشامي المعروف.
_________________
(١) بيان خطأ البخاري، لابن أبي حاتم (ص: ١٣٠) والجرح والتعديل، له (٤/ ١ / ١٩٧).
[ ١ / ١٢٨ ]
وكان أئمة الحديث يتحرون تمييز هذا النوع من الرواة:
أخرج الترمذي قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:
لا أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى لله عليه وسلم.
في الرواة (العلاء بن عبد الرحمن) يروي عن أبيه عن الصحابة، وهذا هنا (عبد الرحمن بن العلاء) يروي عن أبيه عن الصحابة، وحيث إن الأول (العلاء عن أبيه) أشهر، وهو معروف بمولى الحرقة، فربما ظن الظان أن الثاني الوارد في إسناد الترمذي الذكور غلط وقلب، لذا قال الترمذي بعد روايته:
سألت أبا زرعة فقلت له من: عبد الرحمن بن العلاء هذا؟ فقال: هو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (١).
تتمة:
ولا تعجزن عن زيادة البحث والتنقيب عما يشتبه، حتى تقف على اليقين بدليله وحجته ما أمكنك، ولا تقنعن بالوقوف على أصل ينفرد لك بالدلالة على ما تبحث عنه حتى تعدم بغيتك في غيره، إلا أن يقطع بحجته النظر.
وذلك أن طائفة من كبار النقاد بذلوا من الوسع غايتهم، لكن الكمال ميؤوس منه للبشر، فجاء بعدهم من أهل صنعتهم من استدرك وناقش، وحلل واستدل، ووهم وسلم، وزاد وأفاد، وكان لإمام الصناعة حافظ دار
_________________
(١) الجامع، للترمذي (رقم: ٩٧٩)، والشمائل، له (رقم: ٣٧١).
[ ١ / ١٢٩ ]
السلام، بل إمام دار السلام في هذا الفن أبي بكر الخطيب، أن أتى بتحرير لا ينقضي من حسنها العجب، في هذه الأبواب المشكلة.
ومن أنفع ما صنف فيها كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق "، تعقب فيه كبار أئمة هذا العلم، ﵏.
* * *
[ ١ / ١٣٠ ]
الفصل الثاني:
اتصال الإسناد
اتصال الإسناد طريق تلقي كل راو للحديث عمن فوقه.
والتحقق من اتصال الإسناد يوجب معرفة الصيغ التي يقع عليها تحمل الرواية من قبل التلميذ عن الشيخ، وهي محصورة في القسمة التالية:
الأول: صيغة سماع صريحة، لا تحتمل الواسطة بحال.
الثاني: صيغة اتصال هي بمنزلة السماع، كالمكاتبة.
الثالث: صيغة تحتمل السماع ولا تنتفي بذاتها الانقطاع، كالعنعنة.
وهذا الفصل معقود لبيان هذه القسمة في المباحث الثلاثة التالية، ثم إلحاقه بمبحث متمم.
* * *
[ ١ / ١٣١ ]
المبحث الأول:
الصيغة الصريحة بالسماع
ويقع بألفاظ، أكثرها استعمالًا: (سمعت، حدثني، حدثنا، أنبأني، أنبأنا، أخبرني، أخبرنا).
قال الخطيب: " ما يسمع من لفظ المحدث، الراوي له بالخيار فيه، بين قوله: (سمعت) و(حدثنا)، و(أخبرنا)، و(أنبأنا)، إلا أن أرفع هذه العبارات: سمعت " (١).
قال: " ليس يكاد أحد يقول: (سمعت) في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه؛ فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها، ثم يتلوها قول: (حدثنا) و(حدثني) " (٢).
قال: " وإنما كان قول: (حدثنا) أخفض في الرتبة من قول: (سمعت)؛ لأن بعض أهل العلم كان يقول فيما أجيز له: (حدثنا) " (٣).
وجرت مذاهب الأكثرين على التسوية بينها، ذلك في قول سفيان بن
_________________
(١) الكفاية (ص: ٤١٢).
(٢) الكفاية (ص: ٤١٣).
(٣) الكفاية (ص: ٤١٣).
[ ١ / ١٣٣ ]
عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وفقهاء الكوفة، وغيرهم (١).
وصيغة (قال لي) و(قال لنا) و(ذكر لي)، و(ذكر لنا) و(زعم لي) و(زعم لنا) هي بمنزلة السماع، وإن احتملت أن تكون مناولة.
مسألة: قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى: حدث أهل بلدنا، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ (حدثنا) (٢).
نعم؛ توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان)، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها، أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا.
شرط قبول صيغة السماع:
لا يصح التسليم لمجرد الوقوف على صيغة السماع بين الراوي وشيخه في رواية إلا عند اجتماع شروط ثلاثة:
الأول: صحة الإسناد إلى الراوي المصرح بالسماع.
وهذا يجب أن يعتبر فيه أن لا يقوم دليل على وهم أحد رواة الإسناد فيما دون الراوي المصرح بالسماع في تلك الدعوى، فإن أهل العلم ردوا التصريح بالسماع في بعض الأسانيد.
كقول أبي بكر الأثرم لأحمد بن حنبل: عراك بن مالك قال: (سمعت عائشة)؟ فأنكره، وقال: " عراك بن مالك، من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ "، قال لي: " من روى هذا؟ "،
_________________
(١) جمعت ذلك عنهم في جزء مُحرر.
(٢) وانظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٣٣).
[ ١ / ١٣٤ ]
قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: " رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: (سمعت)، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه (سمعت) " (١).
الثاني: أن يكون ذلك الراوي ممن يصلح الاستدلال بخبره.
فأما إذا كان ممن يحتج بخبره فظاهر.
وأما إذا كان من الضعفاء الذين يعتبر بهم، فإن الراوي ما دام صدوقًا في الأصل فإذا قال: (حدثني) فهو خبر عن شيخه المباشر لا يحتمل الكذب، نعم قد يحتمل الوهم، فقد يشبه للراوي، لكن احتمال وهمه في ذلك ضعيف، فلا يصار إليه إلا بدليل، ويكون قوله: (حدثني) اتصالًا.
الثالث: السلامة من المعرض المؤثر.
وهذان مثالان لتحقيق هذه الشروط:
المثال الأول: رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه:
اختلفوا فيها على أقوال أربعة:
أولها: لم يسمع من أبيه شيئًا.
وإليه ذهب شعبة بن الحجاج (٢)، ويحيى بن معين في روايتي عباس الدوري وابن الجنيد عنه (٣)، وبه جزم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (٤)، والنسائي (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٦٣) وإسناده صحيح.
(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥٢).
(٣) تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوريِّ (النص: ١٧١٦)، وسؤالات ابنِ الجنيد (النص: ٨١٩).
(٤) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٣٥/ ٧٠).
(٥) السنن (بعد رقم: ١٤٠٤).
[ ١ / ١٣٥ ]
وثانيها: التردد في إمكان سماعه؛ لكونه كان صغيرًا.
وهذا ظاهر المنقول عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: " أما سفيان الثوري وشريك فإنهم ليقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت " (١).
قلت: وهذا الذي حكى عن الثوري وشريك ليس فيه نفي السماع، إنما فيه أنهما حدثنا بحديث عبد الرحمن عن أبيه وليس فيه (سمعت).
وكان سبب تردد أحمد عائدًا إلى ما حكاه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " مات ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست، أو نحو ذلك " (٢).
وتعقب هذا يعقوب بن شيبة بقوله: " أخاف أن يكون هذا غلطا ً" (٣).
وعلى التردد جرى الحاكم النيسابوري، فإنه خرج لعبد الرحمن في " المستدرك " في مواضع، فهو يقول: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل " (٤)، وعليه فتارة يقول بعد تخريج حديثه: " إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك " (٥)، وتارة يقول: " صحيح الإسناد " دون تردد (٦).
وثالثها: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (٣٥/ ٦٧، ٦٩) بإسناد صحيح إلى أبي بكر مُحمدِ بن عليِّ بن شعيب السمسار عن أحمد، والسمسار هذا لم يُجرح، وكانَ من أصحاب أحمد.
(٢) أخرجه ابن عساكر (٣٥، ٦٨) وإسناده صحيح.
(٣) تاريخ ابن عساكر (٣٥/ ٦٨).
(٤) المستدرك (١/ ٨٢ بعد رقم ٢٧٥).
(٥) المستدرك (٢/ ٣٠٥ بعد رقم ٣١٩٤)، ونحوه (٤/ ٣٦٥ بعد رقم: ٨٠٨٦، ٨٠٨٧).
(٦) انظر مثلًا: المستدرك (٤/ ١٥٩، ٢٣٩، ٤٠٤ الأرقام ٧٢٧٥، ٧٥٩٩، ٨٢٣٢).
[ ١ / ١٣٦ ]
وهذا ذكره العجلي ممرضًا، فقال: " يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحد محرم الحلال كمستحل الحرام " (١).
وإلى قريب منه ذهب ابن سعد، فبعد أن أسند إليه هذا الأثر وفيه قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) (٢) قال ابن سعد: " كان ثقة، قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا " (٣).
ورابعها: سمع من أبيه وإليه ذهب علي بن المديني، ويحيى بن معين في رواية معاوية بن صالح عنه (٤)، والبخاري، وأبو حاتم الرازي (٥).
قال علي بن المديني: " قد لقيَ أباه " (٦).
وقال: " سمع من أبيه، وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه، وهو عندي قد أدركه " (٧).
واستدل له البخاري بما رواه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود):
أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.
_________________
(١) ترتيب الثقات، للعجلي (النص: ١٠٥٢).
(٢) وكذلك أسنده ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٤) من وجه آخر، وفيه تصريح عبد الرحمن بسماعه من أبيه. وهذا حدَّث به عبد الرحمن حين ذُكر بحضرته تحريم الضب، فأنكر ذلك وحدَّث بهذا عن أبيه. فهذا هو حديث الضب الذي أشار بعض العلماء إلى أن عبد الرحمن سمعه من أبيه.
(٣) الطبقات الكُبرى (٦/ ١٨١).
(٤) أخرجه ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٩) بإسناد صحيح.
(٥) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٤٨) ونص قوله: " سمِع أباه ".
(٦) نقله ابن عساكر (٣٥/ ٦٥) بإسناده الصحيح إلى يعقوب بن شيبة، عن علي.
(٧) نقله ابن عساكر في " تاريخه " (٣٥/ ٦٧) بإسناد صحيح، وهو إسناده بكتاب " العلل " لابن المديني.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال البخاري: " شعبة يقول عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي " (١).
وقال في " تاريخه الكبير ": " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير " (٢).
قلت: فإذا جئت للنظر أولًا في دليل نفي السماع أو التردد فيه، فأحسن ما يمكن التعلق به أمران:
أولهما: أن بعض من روى حديث عبد الرحمن لا يذكرون له فيما رووا سماعا من أبيه.
وهذا فيما لم يقل فيه الراوي: (سمعت) وما في معناها، فروايته بتلك الصيغة محلها (المبحث الثالث)، وإنما الشأن في روايته الصريحة بالاتصال، فحيث جاء نقل السماع من وجه صحيح سالم من المعارض الراجح، فيجب المصير إليه، ويكون من أتى به زاد علمًا لم يأتي به الآخر.
وثانيهما: أن عبد الرحمن كان صغيرًا يوم مات أبوه، وهو ابن ست سنين في قول يحيى القطان، فكيف لابن ست سنين أن يحفظ كالذي رواه عبد الرحمن عن أبيه؟
وهذا شكك فيه يعقوب بن شيبة، كما تقدم، كما أن ابن سعد مع إقراره بصغره، فإنه أورد له خبره الصريح في السماع من أبيه، وهو صحيح، فهو صغر لم يحل دون الحفظ.
وتحديد سنه يوم مات أبوه بست سنين يحتاج إلى نقل صحيح، حيث قابل الثابت، إذ السماع ثبت به الإسناد، أما تحديد السن فمنقطع، القطان لم يدرك ذلك العهد.
_________________
(١) التاريخ الأوسط (رقم: ٢٤٦) - ومن طريقه: ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٧) - وإسناده بخبرِ ابن خُثيْم صحيح إلى ابن خثيم، أما إلى ابن مسعود فحسن، ابن خُثيم صدوق لا بأس به. وأخرجه ابن عساكر في " تاريخه " ٣٥/ ٦٣) من طريق آخر إلى ابن خُثيم بسياق متْنه.
(٢) التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٢٩٩ - ٣٠٠).
[ ١ / ١٣٨ ]
وأما النظر في القول الثالث، فإن القائل به قد حضر السماع في تلك الرواية الخاصة، وكان ينبغي أن تكون مظنة راجحة على السماع في الجملة، كما سيأتي في (المبحث الثالث)؛ وذلك لعدم ثبوت المعارض، ولما جرى عليه عمل الجميع أن الراوي إذا ثبت سماعه من الشيخ ولو مرة، ولم يثبت عنه التدليس، فكل ما حدث به عن ذلك الشيخ بالعنعنة فهو متصل.
وهذا القول في التحقيق وارد في نصرة القول الرابع.
ثم يزيد عليه القول الرابع من الأدلة ما ذكره البخاري، وهو ثابت إلى عبد الرحمن من جهة الإسناد،
فهو وقصة الضب الصحيحة الإسناد دليلان.
ينضم إليهما ثالث:
وهو ما حدث به عبد الملك بن عمير، قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن سعود أوصى ابنه عبد الرحمن، فقال: " يا بني، إني أوصيك بتقوى الله، وأمسك عليك لسانك، وابك من خطيئتك، وليسعك بيتك " (١).
وهذه رواية صحيحة، فمن كان في سن يعقل فيه مثل هذه الموعظة، فجدير أن يكون أهلًا لحمل العلم وحفظ الحديث.
ومن خلال القولين الرابع والخامس تعلم خطأ قول الحاكم: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل "، وأبين منه خطأ قوله في موضع آخر: " مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه " (٢)!!
فها هي الأسانيد قد صحت عن عبد الرحمن بتصريحه بالسماع من أبيه
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي عاصم في " الزهد " (رقم: ٣٥) وإسناده صحيح، وهو أصح إسناد رُوي به هذا الخبر عن عبد الملك بن عُمير.
(٢) سؤالات مسعود السجزي (النص: ٢١٥).
[ ١ / ١٣٩ ]
وإدراكه له وهو ثقة مقبول القول أنه سمع أباه، ولم يقم دليل على ضد ذلك، إذا: حديثه عن أبيه عبد الله بن مسعود متصل صحيح، إما يقينا، وذلك فيما جاء بالصيغة الصريحة بالاتصال، وإما رجحانًا، وذلك في سائر ما حدث به دون تصريح بالسماع.
وعلى ذلك جرى طائفة من الأئمة، كالترمذي في مواضع من " الجامع " (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣).
والمثال الثاني: رواية عبدِ الجبار بن وائل بن حُجر، عن أبيه:
اختلف فيها على قولين:
الأول: متصلة، من جهة مجيء ذكره السماع من أبيه في شيء من الرواية عنه.
وهذا روي فيه ما قاله البخاري: " قال فطر: عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار، سمعت أبي ".
لكن قال البخاري: " ولا يصح " (٤).
وقال ابن حبان: " وقد وهم فطر بن خليفة " (٥).
ولا يوجد لدينا ما يستدل به صراحة في إثبات السماع غير هذا.
والثاني: منقطعة؛ لانتفاء ثبوت رواية في كونه سمع، ولقيام المعارض الصحيح.
_________________
(١) منها: (رقم: ١٢٠٦، ٢٢٥٧، ٢٦٥٧).
(٢) انظر مثلًا في " صحيحه " (رقم: ١٧٦).
(٣) انظر " صحيحه " (رقم: ٦٦، ٩٧٢، ١٠٥٣، ٤٤١٠).
(٤) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٦٩).
(٥) المجروحين (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٤٠ ]
وقال يحيى بن معين: " ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يحدث عن أهل بيته عن أبيه " (١).
وقال: " لم يسمع من وائل، يقولون: إنه مات وهو حبل " يعني أن أمه به حبلى (٢).
وقال ابن حبان: " ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مات وائل بن حجر وأم عبد الجبار حامل به، وهذا ضرب من المنقطع الذي لا تقوم به الحجة " (٣).
قلت: وأصل هذه الحكاية التي ذكر يحيى بن معين ما حدث به البخاري، قال: قال لي ابن حجر: " ولد عبد الجبار بعد موت أبيه بستة أشهر " (٤).
وابن حجر هذا هو محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، وهو هنا يخبر عن نبأ جده، لكن محمد هذا لين الحديث، وقد قال البخاري فيه: " فيه نظر "، ثم هو لم يدرك جده إنما يروي عن عمه عنه، فالرواية ضعيفة إذًا لا يصلح الاعتماد عليها في نفي إدراك عبد الجبار لأبيه.
ومع ذلك فكأن البخاري حين لم يقف على ضده يقاومها قد استند إليها، فقال: " عبد الجبار لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر " (٥).
_________________
(١) تاريخ يحيى بن مَعين، رواية الدُّوري (النص: ٤٤).
(٢) تاريخ يحيى بن مُعين، رواية الدوري (النص: ١٨٩٠)، وحكى أبو داود عن يحيى بن مَعين قوله: " مات وهو حمْلٌ " (سؤالات الآجري، النص ٤٢٢).
(٣) المجروحين (٢/ ٢٧٣ ترجمة: مُحمد بن حُجر)، وبعض ذلك في " الثقات " أيضًا (٧/ ١٣٥) في ترجمة (عبد الجبار).
(٤) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٦٩، و٣/ ٢ / ١٠٦).
(٥) نقله عنه الترمذي في " الجامع " (بعد رقم: ١٤٥٣) وفي " العلل الكبير " (٢/ ٦١٩).
[ ١ / ١٤١ ]
وابن حبان استدل بهذه الحكاية على توهيم فطر بن خليفة في الرواية التي فيه تصريح عبد الجبار بالسماع من أبيه (١).
وقال أبو حاتم الرازي: " روى عن أبيه، مرسل، ولم يسمع منه " (٢).
وكذلك قال الترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان كما تقدم، ولذا أورده في ثقات أتباع التابعين، حيث لم تثبت عنده تابعيته.
كذلك ذكر ابن حجر نفي سماعه من أبيه عن جماعة من الأئمة (٥).
فالخبر إذًا بإثبات سماعه من أبيه لم يصح؛ لضعف فطر، وكذلك لم يقم دليل على اتصال ما بين عبد الجبار وأبيه.
لكن هل لأجل أنه كان حملًا حين مات أبوه؟ أم لصغره يومئذ؟
دليل الأول لا يثبت من جهة النقل.
ورده المزي، فقال: " وهذا القول ضعيف جدًا، فإنه قد صح عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل، لم يقل هذا القول " (٦).
فتعقَّبه ابن حجر فقال: " نص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار " (٧).
قلت: وهذا تعقب ضعيف، فإن المحفوظ أن علقمة كان في سن
_________________
(١) الثقات (٧/ ١٣٥).
(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٠).
(٣) الجامع (بعد رقم: ١٤٥٤).
(٤) السنن (بعد رقم: ١٤٠٤).
(٥) تهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٠).
(٦) تهذيب الكمال (١٦/ ٣٩٥)، وكذلك وافقه العلائي في " جامع التحصيل " (ص: ٢٦٧).
(٧) تهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٠).
[ ١ / ١٤٢ ]
يعقل فيه صلاة أبيه، وقد سمع منه، ثم إن الرواية المشار إليها ترد هذا الاحتمال، فإن عبد الوارث بن سعيد (وهو ثقة)، قال: حدثنا محمد بن جحادة (وهو ثقة) قال: حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: " كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي "، على هذا اتفق جميع من رواه عن عبد الوارث (١).
وهذا صريح في أن قائل ذلك هو عبد الجبار، فكيف يصح ما نقله ابن حجر عن البزار ولا اختلاف في الرواية أصلًا من الوجه المذكور؟
فهذه الرواية كما أفاد المزي تدل على أن عبد الجبار كان قد ولد في حياة أبيه، وأدركه ورآه، لكنه لم يكن يميز يومئذ، ولذلك لم يسمع منه، إنما أخذ صلاة أبيه وروايته عن أخيه علقمة وغيره من أهل بيته.
لذا فروايته عن أبيه منقطعة، إلا ما تبين أنه مما حدثه به ثقة عن أبيه، وهذا موجود في بعض حديثه.
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٧٢٣) قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر بن ميسرة، وابن خزيمة (رقم: ٩٠٥) - ومن طريقه: أبو نعيم في " المستخرج على مُسلم " (رقم: ٨٨٩) - قال: حدثنا عِمران بن موسى القزَّاز، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (رقم: ٢٦١٩) قال: حدثنا مُحمد بن عُبيد بن حساب، والطحاوي في " شرح المعاني " (١/ ٢٥٧) من طريق أبي مَعْمرٍ المقعد، والطبراني في " الكبير " (٢٢/ ٢٨ رقم: ٦١) من طريق المقعد وابن حساب، وابن حبان (رقم: ١٨٦٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، هؤلاء الخمسة قالوا: حدثنا عبدُ الوارث، به. وجميعهم ثقات، والإسناد إلى عبد الجبار صحيح.
[ ١ / ١٤٣ ]
المبحث الثاني:
الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه
هي ما يتحمل بصيغة لا تحتمل الواسطة، وليست سماعًا، ولا في معنى السماع كالتحديث والإخبار، إنما تنزل منزلته، هذه تعود جملتها إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: القراءة على الشيخ
وتمسى: (العرض) كذلك.
وهو أن يقرأ على الشيخ حديثه، ولا فرق أن يكون القارئ هو الراوي نفسه، أو غيره وهو حاضر يسمع.
وصيغتها: (قرأت على فلان)، أو: (قرئ على فلان وأنا أسمع)، أو: (قراءة عليه وأنا أسمع)، وما يدل على معنى ذلك.
وحكم الرواية بها أنه صحيحة بمنزلة السماع، ويعتبر فيها ما تقدم من شروط صحة السماع.
قال الترمذي: " القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه،
[ ١ / ١٤٤ ]
أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع " (١).
وقال القاضي عياض: " لا خلاف أنها رواية صحيحة " (٢).
وروي تصحيحها عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ولا يثبت عنهما.
إنما ثبت ذلك عمن بعد الصحابة من أئمة الحديث أنهم ذهبوا إلى تصحيحها، كعامر بن شراحيل الشعبي، والحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي باح، ومكحول الشامي، وابن شهاب الزهري، وكبار الأئمة بعدهم، كمنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (٣).
وعلى هذا جرى العمل، وكان بعضهم يرى التمييز في صيغة الأداء بين السماع والعرض، ولكن لم ينضبط ذلك في الواقع العملي من أجل أن الأكثرين لم يكونوا يرون التفريق في الصيغة، ولا يأتي له في الأسانيد فصل عادة، فلا يقال مثلًا: هذا الحديث تحمله فلان من فلان قراءة أو عرضًا، إلا بدليل خارج عن نفس ذلك الإسناد، أو يأتي التمييز صريحًا في نفس الإسناد، وهو نادر (٤)، فلما تعذر الفصل فيه كان لا فرق بين السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه.
_________________
(١) كتاب (العلل) من آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٤).
(٢) الإلماع (ص: ٧٠).
(٣) بينت نُصوصهم في الجزء المشار إليه في طُرقِ التحمل.
(٤) جاء ذلك عن سفيان بن عيينة وشُعبة بن الحجاج وغيرهما في بعْض الرواية عنهم، كما بيَّنتُ مثاله في الجزء المشار إليه.
[ ١ / ١٤٥ ]
القسم الثاني: الإجازة
اعلم أن المتأخرين توسعوا في هذا، وابتكروا له أنواعًا وصورًا، خرجت عما يأتي بيانه، ولم آت على تفصيل ما ذكروه، من أجل أن جميع ما يخرج عما أذكره من صور الإجازة فهو باطل غير صحيح، وما أذكره فهو بحسبه، والمقصود إبراز ما قبله الأوائل من أنواع الإجازة وضروبها، حيث الحاجة إلى تمييز طرق الأسانيد قبل استقرار مصير الناس إلى الكتب المدونة الصحيحة.
وبالاستقراء وجدت ما استعمله السلف وصححوه وخرجت به أحاديث في كتب السنة، ومنها الصحيحان، ما يلي:
١ - مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوبًا، وإذنه له في روايته عنه
وهذه أعلى صور الإجازة؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق.
قال الخطيب: " يجوز للطالب روايته عنه، وتحل الإجازة محل السماع عند جماعة من أئمة الحديث " (١).
وقال عياض: " هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين " (٢).
وممن صح عنه من أئمة السلف تصحيحها: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، ومعتمر بن سليمان، وعبد الرزاق الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وكذا من قال بتصحيح الإجازة بإطلاق فإن هذا النوع أولى بالدخول
_________________
(١) الكفاية (ص: ٤٦٦).
(٢) الإلماع، للقاضي عياض اليَحصُبي (ص: ٨٠).
[ ١ / ١٤٦ ]
فيه من غيره، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والبخاري، وغيرهم.
٢ - إعلام التلميذ للشيخ أن لديه بعض حديثه، أيرويه عنه؟ فيقول الشيخ: نعم.
ثبت هذا عن الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، ومكحول الشامي، وهشام بن عروة، وابن جريج، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم، وروى عنهم الثقات بذلك كما رووا عنهم بالسماع.
وعن بعض أهل الحديث من لم يكن يختار الرواية بهذا، وهو مذهب تشدد، كيحيى بن سعيد القطان، وصالح جزرة، وإبراهيم الحربي، وروي عن شعبة ولا يصح عنه، أو مذهب تحوط كالمنقول عن أبي زرعة الرازي، وروي عن مالك، وذلك خشية الاتكال.
والأصل وثوق الشيخ بأن التلميذ عنى حديثًا معروفًا له من روايته، وعلامته ثقة التلميذ وأنه غير مجروح.
قال أبو طاهر السلفي: " الأصل في ذلك معرفة الراوي وضبطه وإتقانه على أي وجه كان، سماعًا، أو مناولة، أو إجازة " (١).
قلت: والأحاديث المروية بهذا الطريق لا يميز أكثرها في كتب الحديث، فلا يبين الراوي أنه أخذها عن الشيخ إجازة، ويستعمل فيها صيغة (أخبرنا) كما هو عند طائفة، وجوز بعضهم (حدثنا)، وهذا إذا لم يبين في الرواية أنه إجازة، فلا سبيل إلى تمييزه عن السماع الصريح، وحين جعلوا ذلك اتصالًا، فلم يبق للجدل فيه فائدة.
_________________
(١) الوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز (ص: ٥٧).
[ ١ / ١٤٧ ]
٣ - كتابة الشيخ للتلميذ بشيء معين من حديثه، يقرنه بلفظ الإجازة، أو لا.
وصورتها أن يقول الراوي: (كتب إليَّ فلان) وما في معناها.
فهذه رواية متصلة، إذا روعيت الشروط المتقدمة لتثبيت السماع، مع شرط رابع، وهو: صحة الكتاب، بمعنى: أن يكون الكتاب كتاب الشيخ.
قال الخطيب: " فإذا عرف المكتوب إليه خط الراوي، وثبت عنده أنه كتابه إليه، فله أن يروي عنه ما تضمن كتابه ذلك من أحاديث " (١).
وتصحيح الرواية بهذا أيضًا مما عليه عمل أئمة كبار، قبل الناس ذلك منهم، واحتجوا به من روايتهم، منهم: منصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم.
والسنة وعمل المسلين في الصدر الأول بالمكاتبة متواتر، وهي عندهم حجة، كتب النبي ﷺ إلى ملوك، وكتب أبو بكر وعمر إلى الأمراء والولاة، ولزمت الحجة بتلك الكتب.
قال القاضي عياض: " استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: (كتب إلي فلان، قال: أخبرنا فلان)، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك " (٢).
وما ذكرنا من اشتراط صحة ذلك الكتاب عمن نسب إليه، طريقه: اعتماد نسبة الراوي عن الشيخ ذلك الكتاب إليه، مادام الراوي ثقة.
وقد يتأكد ذلك بقرينة زائدة، كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كتب
_________________
(١) الكفاية (ص: ٤٨٠)، وذكر معناه القاضي عِياض في " الإلماع " (ص: ٨٤).
(٢) الإلماع (ص: ٨٦).
[ ١ / ١٤٨ ]
إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، يذكر الليث بن سعد حدثهم " (١).
فهذه زيادة وتوكيد، وإلا فمجرد أن يقول عبد الله: (كتب إلي قتيبة) فقد بين أن ذلك الكتاب كتاب قتيبة: ومادام ثقة فهو صادق في تلك النسبة.
ومن أمثلة ما احتجوا به وهو مما روي بهذه الطريق:
١ - قال قتادة: كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعي نسأله عن الرضاع؟ فكتب: إن شريحًا حدثنا، أن عليًا وابن مسعود كانا يقولان: يحرم من الرضاع قليله وكثيره. وكان في كتابه: إن أبا الشعثاء المحاربي حدثنا، أن عائشة حدثته، أن نبي الله ﷺ كان يقول: " لا تحرم الخطفة والخطفتان " (٢).
٢ - وقال عبد الله بن عون: كتب إليَّ نافع: أن ابن عمر قال: " نُهي عن لحوم الحمر الإنسية " (٣).
٣ - وقال الأوزاعي: كتب إلي قتادة، قال: حدثني أنس بن مالك: أنه صلى خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله رب العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول القراءة ولا في آخرها (٤).
_________________
(١) مُسند الإمام أحمد (رقم: ٥٧٥)، وساقَ ذلك الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٨٦) بإسناد إلى عبد الله، بزيادة.
(٢) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه بهذا السياق: النسائي (رقم: ٣٣١١) وأبو يعلى (٨/ ١٦٣ رقم: ٤٧١٠) والرامهرمزي (ص: ٤٤١ - ٤٤٢) من طريق يزيد بن زُريع، حدثنا سعيد (هو ابن عروبة) عن قتادة، به. وسنده صحيح.
(٣) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٢/ ٣٨٤ رقم: ١٣٤٢١) وإسناد حسنٌ، وصحَّة الحديث من جهة أصله.
(٤) أخرجه أبو عوانة (٢/ ١٣٤ - ١٣٥) والرامهرمزي (ص: ٤٤٢)، ونحوه عند مسلم في " صحيحه " (١/ ٢٩٩) قلت: تكلموا فيما كتب به قتادة، قالوا: قتادة وُلد أكمه، فكيف كتب؟ إنما هذا مجاز حقيقته أنه أمر من كتب له، وعليه فيدخل الكاتب واسطة مَجهولة في الرواية، فتكون مُنقطعة، كما قال ذلك بعض العلماء، كالذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٧/ ١٢١). وأقول: هذا تكلف، فإن الأعمى يُكتب له ما يُنسب إليه من القول، كما يُكتب للأمي الذي لايقرأ، ويُنسب ذلك إليه، ويُعتدُّ بذلك المكتوب، إذ الواجب أن يطمئنَّا إلى ما كُتب وأنهما لا يُقرَّان أنه كلاهما حتى يتيقَّناه كذلك. وهذه غير مسألة أن يعتمد الضرير فيما يُحدث به على كتاب كُتب له، فهو هنا أمر بأن يُكتب له مما أملاه من حفظه.
[ ١ / ١٤٩ ]
٤ - ومما اتفق عليه الشيخان مما جاء بهذا الطريق:
رواية أبي عثمان النهدي، قال: " أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله ﷺ " فذكر الحديث في النهي عن الحرير.
وفي لفظ، قال أبو عثمان: " كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان "، وفي لفظ ثالث: " كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر " (١).
٥ - وما أخرجه البخاري من طريق هشام الدستوائي، قال: " كتب إلي يحيى " يعني ابن أبي كثير، وساق حديثًا في الصلاة " (٢).
٦ - وما أخرجه البخاري من طريق الليث بن سعد، قال: " كتب إلي هشام " يعني ابن عروة، وساق حديثًا في فضل خديحة (٣).
٧ - وما أخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني قال: " كتب إلي يعلى بن حكيم " وساق حديثًا في كراء الأرض (٤).
بل إن البخاري ومسلمًا خرجا رواية الرجل عن الرجل ممن لم يثبت السماع بينهما البتة، وإنما كان ذلك مكاتبة، وتلك رواية الليث بن سعد عن
_________________
(١) هذه الألفاظ للبخاري (رقم: ٥٤٩٠ - ٥٤٩٢)، ولمسلمٍ نحو ذلك (٣/ ١٦٤٢ - ١٦٤٣).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٦١١).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٣٦٠٥).
(٤) صحيح مسلم (٣/ ١١٨١).
[ ١ / ١٥٠ ]
عبيد الله بن أبي جعفر المصري، فإنه صح عن الليث قال: " لم أسمع من عبيد الله بن أبي جعفر، إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضه عليه " (١).
نعم الرواية في الكتابين بصيغة العنعنة، لكن المقصود أن الشيخين لم يريا تلك الصورة انقطاعًا، مع أن طريق التلقي فيها لم يكن إلا المكاتبة، بل قال البخاري في ترجمة (ابن أبي جعفر): " سمع منه الليث " (٢)، فعد المكاتبة بمنزلة السماع.
وهو مذهب الليث بن سعد نفسه، فإن عبد الله بن وهب قال: لقد كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: " حدثني يحيى بن سعيد "، وكان هشام بن عروة يكتب إليه، فيقول " حدثني هشام " (٣).
والوجه في صحة الاحتجاج بالمكاتبة: ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم، قال: " المكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكًا فيه، فإن كان شاكًا فيه لم تجز له روايته عنه، وإن كان متيقنًا له فهو وسماعه الإقرار منه سواء؛ لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة: إما بكتاب، وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه، كان ذلك كله سواء " (٤).
وقال الزيعلي في معرض نقد حديث ابن عكيم في جلود الميتة:
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٨٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٦٠) بإسناد صحيح. ومن مواضع تخريجها عند البخاري (الأحاديث: ٢٨٤، ١٤٠٥، ٢٢١٠) وعند مسلم (٢/ ٧٢٠، و٣/ ١٢١٤، ١٤٧٨).
(٢) التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٣٧٦).
(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ٨٢٤ - ٨٢٥) - ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٩١) - بإسناد صحيح.
(٤) المحدث الفاصل (ص: ٤٥٢ - ٤٥٣).
[ ١ / ١٥١ ]
عيب الإجازات المعاصرة
" الكتاب والوجادة والمناولة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة " (١).
قلت: لا عبرة بهذا الشبه، فإن العلة في رد المنقطع هي وجود الواسطة المجهولة، لا عدم المشافهة، وهي معدومة هنا.
وقد قال الحافظ محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بلوين: " كتب إلي، وحدثني واحد، وإن كتب النبي ﷺ قد صارت دينًا يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين، فهو معمول به، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي، يحكم به ويعمل به " (٢).
هذه الصور من الإجازة هي التي توجد في استعمال السلف، وقد توسع فيها المتأخرون، وزادوا في أنواعها، وأدخلوا فيها صورًا منكرة، شبيهًا بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراسًا جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة، كالصحيحين والسنن، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له، أن يروي تلك الكتب عنه، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث، كالحافظ ابن حجر أو غيره، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب.
والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره، خصوصًا بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك: (لدي برواية صحيح البخاري إجازة) و: (أنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان)، ما
_________________
(١) نصب الراية (١/ ١٢١ - ١٢٢).
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٩١) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٥٢ ]
أراه - والله - إلا يكذب في دعواه، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما، فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأي صدق في دعواه: (أروي هذا عن فلان؟)، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم.
القسم الثالث: الوجادة
صيغتها: (وجدت، أو: وجدنا في كتاب فلان)، وقد يقول الراوي: (قرأت في كتاب فلان).
قال عياض: " لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيها بـ (حدثنا) و(أخبرنا)، ولا من يعده معد المسند " (١).
وأمثلتها في استعمال السلف كثيرة.
وربما زاد المحدث التصريح بكون تلك الوجادة بخط من وجدت عنه، وكثيراٍ ما يستعمل ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في " المسند " عن أبيه، فيقول: " وجدت في كتاب أبي بخط يده "، ويسوق الحديث.
قلت: وهذا التصريح زيادة توكيد، فإن اكتفى بالقول: (وجدت في كتاب فلان) فالأصل حمل تلك الإضافة على أنَّ ذلك الكتاب صحيح النسبة إليه.
فمثل قول محمد بن المثنى: " نسخت هذا الحديث (٢) من كتاب غندرٍ
_________________
(١) الإلماع (ص: ١١٧).
(٢) يعني حديثه أن رجلين تداعيا عنْد رسول الله ﷺ، فحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله ﷺ: " إن الله قد غفر لك بإخلاصك ".
[ ١ / ١٥٣ ]
عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ، ولم أسمعه منه " (١) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى.
أما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب.
وذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: " وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. " فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي ﷺ بمكة، وذكر أسمائه.
والإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: " أرجو أن يكون صحيحًا (٢).
حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف:
ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.
وعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان.
وممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.
_________________
(١) مُسند البزار (٦/ ١٣٧) وفي الإسناد اختلاف على عطاء، وهو ابن السائب.
(٢) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم: ١٥٣٢).
[ ١ / ١٥٤ ]
صحة رواية الحسن عن سمرة
وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.
والتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود.
ومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين.
قال الخطيب: " لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من
سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: (أخبرنا) أو (حدثنا)، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة " (١).
وفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (٢).
وهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة:
المثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب.
قال العلائي: " قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة " (٣).
وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنه لم يسمع من سمرة.
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٠٤).
(٢) ذكرت الرواية بذلك، وعامة ما لم أعزه من النقل في بيان طُرق التحمل إلى الجزء المفرد في ذلك.
(٣) جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١ / ١٥٥ ]
وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (١)، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال: " لم يسمع الحسن من سمرة " (٢).
وجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (٣) وغيره.
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة.
قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: " سمعنا أنها من كتاب " (٤).
وهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: " كتب سمرة " (٥).
قال يحيى بن معين: " لم يسمع من سمرة حرفًا قط " (٦).
وسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: " لا " (٧).
وبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال: " لم يسمع الحسن من سمرة شيئًا، هو كتاب " (٨).
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٩)، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.
_________________
(١) ذكره يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٤) دون إسناد.
(٢) رواه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٣) وإسناده صحيح.
(٣) صحيحه (٥/ ١١٣ بعد رقم: ١٨٠٧).
(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١١) وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٣٢) عن شيخه محمد بن سعيد بن بلج الرازي، ولم أقف له على ترجمة.
(٦) معرفة الرجال، رواة ابن مُحرز (١/ ١٣٠)، وروى الدقاق عنه: " الحسن لم يَسمع من سمُرة " (من كلام أبي زكريا، النص: ٣٩٠).
(٧) تاريخ الدارمي (النص: ٢٧٧)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩٦).
(٨) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٠٩٤).
(٩) يعني حديث: " الغلام مُرْتهنٌ بعقيقته. . " ساق لفظه الترمذي (رقم ١٥٢٢) وغيره.
[ ١ / ١٥٦ ]
وهو قول النسائي، قال: " الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة " (١).
وهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (٢).
والثالث: أنه سمع من سمرة.
قال علي بن المديني: " سماع الحسن من سمرة صحيح " (٣).
وقال وقد ذكر رواية الحسن: " أما أحاديث سمرة فهي صحاح " (٤).
وقال: " وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثًا مرفوعًا وغيرهما،
_________________
(١) السنن، للنسائي (بعد رقم: ١٣٨٠).
(٢) أخرجه البُخاري (رقم: ٥١٥٥) قال: حدثنا عبد الله بنُ أبي الأسود، وفي " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠) - وعنه: الترمذي في " جامعه " (عقب رقم: ١٨٢) - قال: قال لي عليٌّ (يعني ابن المديني)، والترمذي كذلك قال: حدثنا محمد بن المثنى، والنسائي (رقم: ٤٢٢١) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٠٤٤) قال: حدثني أبو خيثمة، والبيهقي في " الكبرى " (٩/ ٢٩٩) والمزيُّ في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨) من طريق أبي قلابة الرقاشي، قالوا جميعًا: حدثنا قريشُ بن أنس به، وفي رواية أبي خيثمة وأبي قلابة عنه قال: حدثنا حَبيب بن الشهيد. وقد ذكروا أن قريشًا اختلط وتغير قبل موته بستِّ سنين، وذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٩/ ٥٩٣) أن الأثرم حكى أن الإمام أحمد بن حنبل ضعَّف حديث قريش هذا، وقال: " ما أراه بشيء "، وردَّه ابنُ حجر أنَّ لحديثه المذكور في العقيقة طريقًا آخر، وقال: " وأيضًا فسماع علي بن المديني وأقرانه من قريش كان قبل اختلاطه، فلعل أحمد إنما ضعفه؛ لأنه ظنَّ أنه إنما حدث به بعد الاختلاط ". قلت: ويؤيد صحة رواية ابن المديني عنه، أنه قال في رواية البُخاري لحديث العقيقة عنه في " التاريخ ": " حدثنا قريش بن أنس وكان ثقة ".
(٣) نقله عنه البخاري في " التاريخ الأوسط " (١/ ٣٩٣)، و" التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠)، وحكاه الترمذي عن البُخاري عنه في " الجامع " (بعد حديث رقم: ١٨٢)، وفي " العلل الكبير " (٢/ ٩٦٣ - بترتيب أبي طالب القاضي).
(٤) رواه عنه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٥٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد " (١).
وتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في " الجامع " (٢)، وكذلك صنع ابن خزيمة في " صحيحه " (٣)، والحاكم في " المستدرك " (٤).
والقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة.
قال العلائي: " وذلك لا يقتضي الانقطاع " (٥).
وقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: " قرأت في كتاب سمرة " (٦).
بل صح عن عبد الله بن عون، قال: " دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتابًا من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق " (٧).
فهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب.
على أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة:
الأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.
_________________
(١) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣).
(٢) انظر الأحاديث: (رقم: ١٨٢، ١٢٣٧، ١٢٩٦).
(٣) انظر الحديثين: (رقم: ١٧١٠، ١٧٥٧).
(٤) انظر " المستدرك " (١/ ٢١٤ بعد رقم: ٧٨٠).
(٥) جامع التحصيل (ص: ١٩٩).
(٦) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣) وذكر أنه وقع في حديث واحد رواه الحسن عن سمُرة.
(٧) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٢١٨٧) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٥٨ ]
والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه.
فقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (١).
فهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة.
والثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبدًا له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (٢).
وهذه رواية صحيحة عن الحسن.
والثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (٥٩) أو (٦٠) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، ﵁، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ
_________________
(١) أورد ذلك المزِّي في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٨) بعد رواية قصِّة حديث العقيقة، وإسناده إلى أبي قلابة صحيح.
(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٣٣/ ٣١٦ رقم: ٢٠١٣٦)، وعلق محققه بالتشكيك إن كان حُميد حفظ تصريح الحسن بالسماع، وذلك من أجل أن يزيد ين إبراهيم التُّستَري رواه عن الحسن قال: (عن سمرة)، وجعل المحقق ذلك مخالفةً لحميد، وهذا عجيب، فلم يزل هذا المحقق وغيره يجعلون ذكر السماع من راوٍ من قبيل زيادة الثقة، وهو الأمر عليه إطباق عامة أهل العلم بالحديث، والعنعنة لا تُنافي السماع.
[ ١ / ١٥٩ ]
صحة رواية مخرمة بن بكير عن أبيه
ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة.
فهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (١)، وهو مقصود هنا.
المثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه.
حكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان:
الأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: " لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه " (٢).
وفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتابًا، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: " لم أسمع من أبي شيئًا، وهذه كتبه " (٣).
_________________
(١) للذهبي تشكيك في عامة ما يقول فيه الحسن: (عن فلان) اغترَّ به جماعةٌ من المعاصرين، وذلك أنه وصف الحسن بالتدليس عن الضعفاء، فلا يُقبل منه ما قال فيه: (عن) حتى وإن ثبت سماعه أو لُقيُّه لذلك الشيخ في الجملة، وهذا القول غيرُ محرر، وليت الذهبي ﵀ لم يُرسله فيتعلق به من جاء بعده، فما هو إلا دعوى، ولمناقشتها موضعٌ آخر، وإنما كان الحسن يُرسل عمَّن لم يلقه أو لم يسمع منه، أما التدليس فهي تُهمةٌ مرسلةٌ لا تثبت عليه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ٣٦٤) و" المراسيل " (ص: ٢٢٠) بإسناد صحيح إلى موسى.
(٣) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى، كما رواه (٨/ ١٧٧) عن شيخه علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، وهو شيخٌ متهم، وهو بمعناه مختصرًا عند الطحاوي في " شرح المعاني " (٣/ ١٦٤) من طريق صحيح.
[ ١ / ١٦٠ ]
وقال في لفظ: " ما سمعت عن أبي شيئًا، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه "، وزاد: " ما أدركت أبي إلا وأنا غلام " (١).
لكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة.
ووجدت له موافقًا من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتبًا، فقال: " هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئًا " (٢).
والحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال: " ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي " ثلاثًا (٣).
قلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قويًا في الحديث.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٧ - ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى.
(٢) أخرج ذلك عنه مباشرة: أحمد بن حنبل في " العلل " (رقم: ٥٤٥، ١٩٠٧، ٥٥٩٢) وعنه: البُخاري في " التاريخ الكبير " (٤/ ٢ / ١٦) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٢٢٠) ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١٨٣).
(٣) أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة " (١/ ٦٦٣) عن إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس. كما رواهُ بمعناه مُختصرًا عن ابن أبي أويس: أبو حاتم الرازي، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٤)، أحمد بن صالح المصري عندَ أبي زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٤٤٢) ومن طريقه: ابنُ حبان في " الثقات " (٧/ ٥١٠).
[ ١ / ١٦١ ]
ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعرًا بضعفها: " إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثًا يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير " (١).
غير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة: " مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار " (٢).
وأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئًا، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث:
قال أبو داود السجستاني: " لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحد، وهو حديث الوتر " (٣).
وقال علي بن المديني: " ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (٤)، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي " (٥).
قلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
(٢) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إليه.
(٣) نقله المزي في " تهذيب الكمال " (٢٧/ ٣٢٦).
(٤) يعني ابن يسار.
(٥) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
[ ١ / ١٦٢ ]
وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد:
قال أحمد بن حنبل: " مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئًا " (١).
وكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد: " إنما يروي من كتاب أبيه " (٢).
وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: " يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه " (٣).
وقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: " كان مخرمة ثبتًا، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه " (٤).
وقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة: " ضعيف الحديث " (٥)، ومرة: " ليس حديثه بشيء " (٦)، وفي رواية ابن محرز: " لا يكتب حديثه " (٧).
قلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئًا سمعه، إنما هي وجادة.
_________________
(١) العلل (النص: ٣٢٣٠).
(٢) نقله عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣) و" المراسيل " (ص: ٢٢٠)، وابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨).
(٣) تاريخ يحيى بن معين (النص: ١١٩٢)، ونقل ابنُ أبي خيثمة عن يحيى نحوه، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣)، وفي رواية ابن مُحرز (١/ ٥٦): سُئل يحيى بن معين: مخرمة بن بُكير سمع من أبيه؟ فقال: " كتاب ".
(٤) نقله ابن عبد البر في " التمهيد " (٢٤/ ٢٠٢).
(٥) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٤٠، ١٠١٩، ٥١٥٧)، وكذلك رَوى مُعاوية بن صالح عن يحيى، كما في " الكامل " لابن عدي (٨/ ١٧٨).
(٦) تاريخ يحيى (النص: ١١٢١).
(٧) معرفة الرجال (١/ ٥٦).
[ ١ / ١٦٣ ]
ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني: " ثقة " (١)، وقال أحمد بن صالح المصري: " من ثقات الناس " (٢)، وقال أو حاتم: " صالح الحديث " (٣)، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة.
فالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها: (عن)، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح.
وهي رواية متصلة؛ نظرًا لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه.
ولهذا احتج مسلم في " صحيحه " برواية مخرمة عن أبيه.
نعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعًا، فكذلك الوجادة الصحيحة
* * *
_________________
(١) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
(٢) رواه عنه أبو زُرعة الدمشقي في تاريخه " (١/ ٤٤٢).
(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
[ ١ / ١٦٤ ]
المبحث الثالث:
صيغة العنعنة وما يجري مجراها
العنعنة، هي: قول الراوي: (عن فلان)، وتقع من لفظ المحدث نفسه عن شيخه، كما يمكن أن تكون من تصرف من روى عنه.
وهي صيغة لا تعني الاتصال ولا الانقطاع بمجردها، وقد استعملت في السند المتصل، كما استعملت في السند المنقطع، وبها يوهم المدلسون الاتصال فيما دلسوا فيه.
والناظر المحرر للأسانيد يجد أن استعمال (عن) في محل السماع هو الغالب، وكانوا يتخففون بترك الصيغة الصريحة، ويكتفون بالقول: (فلان عن فلان) ".
قال الخطيب: " إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة؛ لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرر القول من المحدث: (حدثنا فلان عن سماعه من فلان) يشق ويصعب؛ لأنه لو قال: (أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان) حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي ﷺ، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه
[ ١ / ١٦٥ ]
تحرير المذاهب في حكم الإسناد المعنعن وبيان الراجح
إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان " (١).
ومن الدليل على إرادة التخفيف في استعمالها:
قول عفان بن مسلم: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد، فجعل جرير يقول: " حدثنا محمد، قال: سمعت شريحًا. حدثنا محمد، قال: سمعت شريحًا "، فجعل حماد يقول: " يا أبا النضر: عن محمد عن شريح، عن محمد عن شريح " (٢).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ فقال: " أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش _، شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والإخبار، أبو معاوية عن عن مع أن أبا معاوية يخطئ على الأعمش خطأ " (٣).
وقال الوليد بن مسلم: " كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حتى ينتهي، فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: (عن عن عن) تخففنا من الأخبار " (٤).
والعلماء في حكم الإسناد المعنعن على مذاهب، يعتبر التنبيه فيها على ثلاثة:
المذهب الأول: هو من قبيل المرسل والمنقطع (٥).
وهذا ذكره ابن الصلاح، ولم ينسبه لأحد، وهو مذكور عن شعبة بن الحجاج.
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٥٣ - ٥٥٤).
(٢) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٢٦٢) وإسناده صحيح.
(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٦٨٠).
(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ٤٦٤) وإسناده صحيح.
(٥) انظر: المحدث الفاصل، للرامَهرمُزي (ص: ٤٥٠)، والسنن الأبين، لابن رُشيْد (ص: ٢٢ - ٢٥).
[ ١ / ١٦٦ ]
فقد قال: " فلان عن فلان مثله لا يجزئ "، وكان سفيان الثوري يقول: " يجزي " (١)، فلذا جاء شعبة أنه رجع عن قوله إلى قول سفيان (٢)، ورأيت ظاهر عبارة ابن رجب الحنبلي من المتأخرين يدل عليه، كما سيأتي ذكره.
وهو مذهب مهجور، لا تساعد عليه طريقة النقلة في رواية الحديث، ولا منهج الأئمة الكبار في الحكم بصحة الحديث.
وقال ابن الصلاح وقد ذكر الإسناد المعنعن: " الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من وصمة التدليس " (٣).
والمذهب الثاني: اشترط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة، ولو مرة، ثم جميع ما يرويه ذلك الراوي بالعنعنة عن ذلك الشيخ فهو محمول على الاتصال، ما لم يعرف بتدليس.
وهذا يمكن أن يستفاد من طريقة شعبة بن الحجاج، الذي عرف بتنقيبه عن السماع فيما أخذ عن شيوخه، إلى أن قال تلميذه يحيى بن سعيد القطان:
" كل شيء يحدث به شعبة عن رجل، فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل: إنه سمع فلانًا، قد كفاك أمره " (٤).
_________________
(١) أخرجه عبدُ الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٣٠٢٦).
(٢) حكى ذلك ابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ١٣) ولم أقف عليه مُسندًا.
(٣) علوم الحديث (ص: ٦١).
(٤) أخرجه ابنُ أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٦٢) و" الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٦٧ ]
وهو مذهب كبار أئمة الحديث، فإنهم كانوا لا يثبتون الاتصال في محل العنعنة حتى يقوم الدليل عليه بين التلميذ والشيخ.
فهو قول ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ومقتضى كلام أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أعيان الحفاظ (١).
قلت: حكايته عن علي بن المديني، ذكره كثير من الأئمة، ولم أقف عليه مسندًا عنه، لكن في كلامه المعروف عنه ما يثبته ويدل عليه، كما علمناه مذهبًا للبخاري من خلال كتبه، إذ عليه بنى (صحيحه).
قال الشافعي في جواب قول من قال له: " فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول: (عن)
وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ " فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده: " وكان قول الرجل: (سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا يقول)، وقوله: (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق، قَبِلنا منه: (حدثني فلان عن فلان) " (٢).
وقال الخطيب بعد أن أورد عن بعض متأخري الفقهاء رد المعنعن بمجرد العنعنة: " أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك، حديثًا نازلًا، فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عاليًا، فيقول: (حدثنا فلان عن فلان) أعني الذي لم يسمعه
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٦٥، ٣٧٢)، وانظر: موقف الإمامين، لخالد الدُّريس (ص: ٢٦٩ - ٢٨٧) فقد ساق فيه عبارات طائفة من كبار الأئمة المتقدمين في إثبات هذا المذهب.
(٢) الرسالة (الفقرة: ١٠٣٢).
[ ١ / ١٦٨ ]
منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده " (١).
وقال ابن عبد البر: " تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس " (٢).
وهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة كابن الصلاح (٣)، وابن رشيد الفهري (٤)، والنووي (٥)، والذهبي (٦)، وغيرهم.
وهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه.
واللقاء وحده مع عدم التدليس كاف عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المدني يرى (٧).
واللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلًا عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ، مع السلامة في كل ذلك من المعارض الراجح.
وحين ادعى مسلم الإجماع على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمعاصرة،
_________________
(١) الكفاية (ص: ٤٢١).
(٢) التمهيد (١/ ١٢).
(٣) صِيانة صحيح مسلم (ص: ١٢٨).
(٤) السنن الأبين (ص: ٣٢).
(٥) شرح صحيح مسلم (ص: ١٢٨).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٣).
(٧) وهذه مسألة يطول سردها ببراهينها، وقد وجدت الباحث الأستاذ خالد الدريس قد بينها بيانًا جيدًا في كتابه: " موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين " (ص: ١٠٨ - ١١٤)، وهو كتاب قيم مفيد، وإن كان في بعض ما استنتجه فيه مما يناقش أو يخالف فيه.
[ ١ / ١٦٩ ]
قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذهب الأئمة الكبار على خلافه، وعلى اشتراط ثبوت السماع، وقال: " بل اتفاق هؤلاء الأئمة يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم " (١).
وأقول: فيما أطلقه ابن رجب من أن مذاهب أولئك الأئمة على اشتراط ثبوت السماع لا يساعد عليه ما أورده دليلًا لما قال، وبيانه: أنه استدل لذلك بأمثلة تطبيقية، تلخيصها في التالي:
١ - جماعة رأوا النبي ﷺ، لكنهم لم يثبت لهم منه سماع، فروايتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب.
_ جماعة ثبتت رؤيتهم لبعض الصحابة، لكن حديثهم عنهم مرسل؛ لعدم السماع، كالأعمش، والرؤية أبلغ في الاتصال من مجرد إمكان اللقاء.
٣ - وجود بعض من ثبت له اللقاء والسماع اليسير من شيخ، ولم يسمع أكثر ما روى عنه معنعنًا، كسعيد بن المسيب عن عمر.
وساق ابن رجب بعض عبارات الأئمة أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في ذلك، ثم قال: " فدل كلامهم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع " (٢).
قلت: والنقد لما استخلصه ابن رجب عن هؤلاء الأئمة من وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره من عباراتهم مستدلًا به فجميعه لا يخلو من واحد من الأحوال الأربعة التالية:
الأول: ما استدل به أن جماعة ثبتت لهم الرؤية ولم يثبت لهم
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٢).
(٢) شرح علل الترمذي (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ١٧٠ ]
السماع، فإن ذلك عرف بصغر سن أحدهم يوم إدراكه، وأنه لم يكن في عمر من يحتمل عنه ما روى عن ذلك الشيخ، كرواية ابن المسيب عن عمر، ورواية الأعمش عن أنس، مع ما ينضم إلى هذا الأخير مما عرف عنه من التدليس.
الثاني: عبارات لأحمد بن حنبل وغيره فيها التوقف عن القطع بالاتصال؛ لأنه لم يقف على ما يدل عليه، كقول أحمد، وقد سئل: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟: " قد رآه، قال: رأيت أنسًا، ولا أدري سمع منه أم لا " (١).
قلت: وهذا التوقف من جهة ما ورد من الريبة في الانقطاع؛ من أجل صغر يحيى حين أدرك أنسًا.
الثالث: ما يوجد من نفي السماع في عبارات بعضهم في حق من عرف لهم الإدراك وإمكان اللقاء، كقول أبي زرعة الرازي في (أبي أمامة بن سهل بن حنيف): " لم يسمع من عمر " (٢)، مع أنه رأى النبي ﷺ، فليس في محل النزاع، إذ لانزاع أن الراوي إذا ثبت عدم سماعه فلا يغني لاتصال روايته ثبوت اللقاء، وإنما الشأن فيمن لم يثبت أنه لم يسمع، ولم يأت أنه سمع، وكان اللقاء والسماع ممكنًا لثبوت الإدراك المجيز لتحقق ذلك.
الرابع: قيام شبهة في عدم الاتصال في محل العنعنة، مثل أن يروي الراوي عن رجل عاصره، لكنهما قد تباعدت أرضهما، ولا يعرف لأحدها ارتحال إلى بلد الآخر، مثل قول أبي حاتم الرازي في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: " قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة " (٣).
_________________
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٢٤٠).
(٢) المراسيل لا بن أبي حاتم (ص: ١٦، ٢٥٨).
(٣) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٨٧).
[ ١ / ١٧١ ]
ويشبه هذا في قيام الشبهة، قول أحمد بن حنبل: " ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس " (١)، فإن أحمد قال في نص آخر: " لم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس " (٢)، فالانقطاع بينهما فيما يقول فيه (عن ابن عباس) في بعض الرواية عنه لا يحمل على الاتصال لمجرد الإدراك والمعاصرة، من أجل ما قام من شبهة التلقي بالواسطة.
ومثله كذلك، قول أحمد حين سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟: " ما رأى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة " (٣) يعني إنما المعروف من حديثه عن عائشة بالواسطة، فقام ثبوت ذلك في حديثه شبهة على كونه لم يسمع منها البتة وإن عاصرها.
والوجه الثاني: ما ثبت عن هؤلاء الأئمة من اعتبار إمكان السماع قائمًا مقام السماع.
فمن نصوصهم:
قال أبو داود السجستاني: قيل لأحمد (يعني ابن حنبل): سمع الحسن من عمران (٤)؟ قال: " ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه " (٥).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: عباس بن سهل، أدرك أبا حميد؟ قال: " عباس قديم " (٦).
وقال ابن هانئ لأحمد بن حنبل: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٨٧) بإسناد صحيح.
(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١١٢٣، ٣٥٢٦).
(٣) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ١١٥) ونُسب فيه القول إلى عبد الله بن أحمد، والتصويب من " شرح العلل " لابن رجب (١/ ٣٦٩).
(٤) أي الحسن البصري سمع من عمران بن حصين.
(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٢).
(٦) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٦).
[ ١ / ١٧٢ ]
" نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح " (١).
وقال أبو بكر الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: " نعم، قد سمع من الأسود غير شيء " كأنه يقول: إن الأسود أقدم (٢).
وسئل أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: " ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر " (٣).
وسأل الترمذي أبا عبد الله البخاري عن حديث رواه عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي، قال: أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: " نعم "، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: " ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي: " الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا؛ لا لأنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة " (٥).
قلت: أما قوله في الزهري عن أبان، فإنه علله بقوله: " كيف سمع من أبان وهو يقول: بلغني عن أبان؟ " (٦)، فقام هذا شبهة تمنع من قبول عنعنته عن أبان.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢٣٩).
(٢) نقله ابن رجب في " شرح علل الترمذي " (١/ ٣٦٤).
(٣) نقله ابن رجب في " شرح العلل " (١/ ٣٧٥).
(٤) العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٦٣٣).
(٥) المراسيل (ص: ١٩٢).
(٦) المراسيل (ص: ١٩١).
[ ١ / ١٧٣ ]
وأما ما ذكره في رواية حبيب عن عروة، وهو محل الشاهد، فمقتضى قوله أن لولا اتفاق أهل الحديث على نفي سماع حبيب من عروة لكانت روايته عنه متصلة؛ من أجل أنه سمع ممن هو أكبر منه.
وهذا موافق لأصل إجراء العنعنة على الاتصال ما لم يثبت ما ينافيه.
وحدث أحمد بن حنبل في " المسند " بحديث قال فيه: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة ..، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: " كان أصله شاميًا، سمع منه بالشام " (١).
قلت: لعل الشبهة دخلت على عبد الله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهانًا كافيًا على إثبات الاتصال.
وجرت بين ابن أبي حاتم وأبيه محاورة في سماع غزوان أبي مالك الغفاري من عمار بن ياسر، قال فيها: ما تنكره أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: " بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة " (٢).
قلت: فدل هذا على أن اعتبار المعاصرة مع القرائن المساعدة دليلًا على الاتصال كان معروفًا من منهجهم.
فمن هذا يظهر أن ما خلص إليه ابن رجب من القول: " والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين " (٣)، فهذا في التحقيق ضعيف، مع مراعاة الذي لأجله كانوا يستعملون العنعنة.
_________________
(١) المسند (٥/ ٢٦٤).
(٢) علل الحديث (١/ ٢٤).
(٣) شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٤).
[ ١ / ١٧٤ ]
المذهب الثالث: أن (عن) اتصال بشرط المعاصرة.
وهو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج، وحكي فيه إجماع من تقدمه.
وقد ذكر مسلم في صدر " صحيحه " مقالة لم يفصح عن قائلها، حاصلها: أنه لا يكفي قول الراوي: (عن فلان) لإثبات اتصال ما بينهما، حتى وإن ثبت أنهما كانا جميعًا في عصر واحد، ومحتمل أن يكون الحديث الذي روى عن ذلك الشيخ قد سمعه منه وشافهه به، لكنا لا نعلم له منه سماعًا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث، وإنما يثبت الاتصال إذا ثبت أنهما اجتمعا مرة فأكثر، أو تشافها بالحديث (١).
ثم رد مسلم هذه المقالة وأنكرها، ووصفها بكونها مخترعة.
وقال: " القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه؛ لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا " (٢).
وناقش مسلم المقالة السابقة ورد ما يمكن التعلق به لأجلها، وهو احتمال الإرسال وعدم السماع بين الراوي وذلك الشيخ الذي عنعن عنه.
ثم أبطل ذلك بأن الاحتمال عندئذ يرد على كل موضع عنعنة، حتى في رواية الراوي عمن سمع منه مرة أو أكثر؛ لجواز أن يكون روى عنه بالواسطة فأسقطها وأرسله عنه.
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٢٩).
(٢) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٢٩ - ٣٠).
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال مسلم: " وما علمنا أحد من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد .. وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس " (١).
وذكر مسلم أمثلة عديدة لقبول أهل العلم الحديث تصحيحه والاحتجاج به، مع أنه لم يأت إلا من وجه قد قال فيه الراوي: (عن فلان) ولم يثبت أنهما اجتمعا ولا تشافها في شيء من الرواية.
وقال الحاكم في المعنعنات: " هي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن أنواع التدليس " (٢).
وهذا بينه مسلم ودل عليه ما ذكره الحاكم، تفيده كذلك عبارات بعض المتقدمين:
فقد قال أبو بكر الحميدي وهو يذكر صفة الحديث الثابت، فجعل ما يحدثه الراوي عن شيخ قد أدركه متصلًا بمجرد ذلك، قال: " وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا، مدركًا لمن روى ذلك عنه " (٣).
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٢ - ٣٣).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ٣٤).
(٣) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٣) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت؟ قال: " وما ينكر أن يكون قد لقيه "، قلت روى عن أبي صالح عن زيد بن ثابت؟ قال: " قد روى شفيق عن رجل عن عبد الله " (١).
قلت: طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه.
وتحرير محل النزاع:
أن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال: أن يكون الراوي المعنعن لم يثبت عليه في حديثه المعنعن تدليس، وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجح.
فشرط البخاري ومن وافقه: أن يكون قد عرف بينهما اللقاء ولو مرة.
وشرط مسلم ومن وافقه: أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء الموجب للسماع فالاتصال.
وما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مندفع عند مسلم بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه، فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائل بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة، أنه وارد كذلك في حالة اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضًا، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنة.
والبخاري ومن وافقه يقولون بما قال به مسلم من تصحيح الاتصال بالمعاصرة إذا ترجح اللقاء بالقرائن، ومسلم أطلق القول في الاكتفاء بها، فأخذت على " صحيحه " أسانيد أعلت بالانقطاع، وليس كذلك البخاري.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٢٤٤) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٧ ]
وطريق البخاري أمكن وأرجح، والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للحديث الصحيح.
وعليه فالراجح: أن الإسناد المعنعن يحكم له بالاتصال فيما بين الراوي والمروي عنه بتلك الصيغة، بشرط ثلاثة:
الأول: أن يثبت اللقاء بينهما يقينًا أو غالبًا.
والثاني: أن يسلم التلميذ من التدليس.
والثالث: أن لا يقوم دليل على عدم سماعه.
* * *
[ ١ / ١٧٨ ]
المبحث الرابع:
مسائل متفرقة في اتصال الإسناد
المسألة الأولى:
مما ينبغي مراعاته صيغ تلحق بالإسناد المعنعن،
وتأخذ أحكامه، بيانها فيما يلي:
(١) قول الراوي: (قال فلان).
هذه الصيغة في التحقيق بمنزلة (العنعنة) يحتمل معها السماع والانقطاع.
لكن يستثنى منها من عرف أنه لا يقولها إلا في حديث مسموع له (١).
مثل همام بن يحيى عن قتادة، فإنه قال: "ما قلت: (قال قتادة)، فأنا سمعته من قتادة " (٢).
_________________
(١) انظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٤١٨).
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤١٩) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٢٣) من طريق آخر فيه عبادٌ غير منسوبِ راويه عن همام، وعنه علي بن سهل، لم أهتدِ إليه، وسواهما ثقات.
[ ١ / ١٧٩ ]
وقال حماد بن زيد: " إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب (يعني السختياني) حديثًا أن أقول: (قال أيوب كذا كذا) فيظن الناس أني قد سمعته منه " (١).
وكان الحجاج بن محمد الأعور يقول: (قال ابن جريج)، وذلك فيما قرأه على ابن جريج، وهو متصل عنه (٢).
(٢) قول الراوي: (عن فلان أن فلانًا قال).
قال ابن عبد البر: " جمهور أهل العلم على أن (عن) و(أن) سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع ".
ورد قول من جعل (أن) ليست اتصالًا بأن استدل بكون قول الصحابي: (قال رسول الله)، أو: (أن رسول الله) أو: (عن رسول الله)، أو: (سمعت رسول الله ﷺ) سواء عند أهل العلم (٣).
وهذا هو التحقيق مادامت تلك الصيغة واقعة بين راويين قد ثبت اتصال ما بينهما.
إنما تستثنى صورة ما إذا حدَّث الراوي عن حدث لم يدركه، وفي سياق الحديث ذكر لشيخه، ولم يبين إن كان قد أخذه عن ذلك الشيخ أم لا، كقول عروة بن الزبير: (أن عائشة قالت يا رسول الله)، فعروة سمع من عائشة، لكنه في التحقيق هنا لم يحدث عنها، إنما حدَّث عن حدث لها وقع مع رسول الله ﷺ، فهذا صورته صورة المرسل.
_________________
(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٢٦) وإسناده صحيح.
(٢) انظر تاريخ بغداد، للخطيب (٨/ ٢٣٧).
(٣) التمهيد (١/ ٢٦).
[ ١ / ١٨٠ ]
وقد قال أحمد بن حنبل: " كان مالك - زعموا - يرى (عن فلان) و(أن فلانًا) سواء " (١).
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: (عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله) و(عن عروة عن عائشة) سواء؟ قال: كيف هو سواء؟ "، أي ليس هو بسواء (٢).
(٣) ومن الصيغ:
(ذكر فلان) و(ذَكره فلانًا) صيغتان قليتا الاستعمال.
(زَعم فلان) نادرة الاستعمال.
وكذا: (فلان يأثر عن فلان)، وتفيد احتمال الاتصال كمجرد العنعنة.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أترخص في أن أضع صدقة مالي في مواضعها، أو إلى الأمراء لا بد؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: " إذا وضعتها مواضعها ما لم تعط منها أحدًا شيئًا تعوله أنت، فلا بأس "، سمعته مرة يأثره عن ابن عباس (٣).
قلت: فههنا اتصال.
لكن ما رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، يأثره عن ابن مسعود، أنه قال: " في كل مُعاهد مجوسي أو غيره الدية وافية " (٤).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣١١) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٧٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣١٢) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٧٥).
(٣) أثر صحيح، أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٤/ ٤٤ رقم: ٦٩١٧) وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٩٧ رقم: ١٨٤٩٧) - ومن طريقه: الطبراني في " الكبير " (٩/ ٤٠٩ رقم: ٩٧٣٩) - وإسناده صحيح إلى مجاهد، ضعيف عن ابن مسعود.
[ ١ / ١٨١ ]
فهذا منقطع، مجاهد لم يدرك عبد الله بن مسعود.
ووقعت في رواية بعض الأحاديث القدسية فيما رواه النبي ﷺ عن ربه ﵎.
(٤) ومن ذلك: (فلان رد ذلك إلى فلان) أو (يرد إلى فلان).
كقول محمد بن سيرين: عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، ورد الحديث حتى رده إلى أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث في العزل (١).
المسألة الثانية:
رموز صيغ الأداء
استخدام الاختصار في كتابة صيغ الأداء كان عليه عمل الكتَّاب والنساخ غالبًا، وذلك بكتابتهم:
(حدثنا): (نا) أو (ثنا)، وربما كتبها بعضهم: (دثنا) وهي نادرة.
و(أخبرنا): (أنا) غلبًا، ومنهم من كان يكتبها: (أبنا) بتقديم الباء على النون، وتحرف في المطبوعات إلى تقديم النون على الباء، فيحسبها من لا يفهم هذا العلم من الإنباء. ويكتبها بعضهم أيضًا: (أرنا)، وهو قليل نادر.
وقد يجمع لفظ القول إلى التحديث في اختصار الكتابة، فيكتبون: (قال: حدثنا): (قثنا)، وليس بالشائع جدًا.
ولا تختصر: (سمعت) ولا (أنبأنا) ولا صيغ الأداء غير الصريحة بالسماع مثل (عن) و(قال).
ولفظه (قال) تحذف عادة في الكتابة، وتنطق عند القراءة، فإذا وجدت
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧/ ١٣٦ رقم: ١١٠٧٨) ومسلم (٢/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣) والنسائي (رقم: ٣٣٢٧) وفي " الكبرى " (رقم: ٥٠٤٨، ٩٠٩٤) والدارمي (رقم: ٢١٤٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
مثلًا: (فلان حدثنا فلان) فتقرأ: (فلان قال: حدثنا فلان)، وشبهها لفظ السماع والإخبار والإنباء.
وكذلك: (فلان قال فلان) تقرأ: (قرئ على فلان، قيل له: أخبر ك فلان)، وهكذا.
والنصح لكل من يحقق كتابًا في الحديث اليوم أن يكتب تلك الكلمات المختصرة على تمامها وفقًا لأصولها الصحيحة؛ لزوال مقتضى الإبقاء على ذلك الاختصار، وليست كتابتها على التمام من الخروج عن مبدأ الأمانة في النقل.
وينبغي أن تلاحظ عند الانتقال من طريق إلى طريق في إسناد الخبر، أنهم يستعملون حرف (ح).
قال النووي: " والمختار أنها مأخوذة من التحول، لتحوله من الإسناد إلى إسناد، ولفظها عند القراءة: ح " (١).
المسألة الثالثة:
يقول البخاري في " تاريخه " في كثير من التراجم:
(فلان .. سمع فلانًا)، فهل هذا إثبات منه لسماعه؟ أم
حكاية لما وقع في الإسناد من طريق ذلك الراوي قال:
(سمعت فلانًا) وما في معناه؟
قال البخاري في (ثعلبة بن يزيد الحماني): " سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر " (٢).
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١/ ٣٨).
(٢) التاريخ الكبير (١/ ٢ / ١٧٤).
[ ١ / ١٨٣ ]
فقال ابن عدي: " أما سماعه من علي، ففيه نظر، كما قال البخاري " (١).
قلت: فهو يفسر قول البخاري أنه أراد بقوله: " فيه نظر " سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله: " سمع عليًا " مجرد حكاية ما وقع في الإسناد.
فهذا القول إن لم يظهر جليًا أن البخاري قصد به إنشاء العبارة في تثبيت السماع من جهة نفسه، فإنه لا يصح الاستدلال به على أنه قول للبخاري، إنما العمدة حينئذ لتصحيح السماع على ثبوت الإسناد الذي حكيت فيه تلك الصيغة.
وأما مثل قول البخاري في ترجمته (عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود): " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير "، فبين أن ذكر سماعه من أبيه جاء في رواية عبد الملك عنه.
وكثيرًا ما يقول البخاري مثل هذا: (فلان .. سمع فلانًا .. قاله فلان).
فهذا لو حكاه إنسان أنه قول للبخاري يكون قد أخطأ عليه.
المسألة الرابعة:
المرسل إذا علمت فيه الواسطة، وتبين أنها ثقة،
فهو صحيح جار مجرى المتصل
قال خالد الحذاء: " كل شيء قال محمد (٢): (نبئت عن ابن عباس)، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة " (٣).
_________________
(١) الكامل (٢/ ٣٢٣).
(٢) يعني ابن سيرين.
(٣) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٥/ ٣٣٤) من طريق أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أميَّة بن خالد، قال: سمعت شُعبة قال: قال خالد، فذكره. وإسناده صحيح. وحكاه أبو داود في " مسائل أحمد " (ص: ٣٢٦) بنحوه، دون تسمية أمية. كما رواه ابنُ سعدٍ في " الطبقات " (٥/ ٢٩١، ٧/ ١٩٤) قال: أخبرت عن أمية، فذكره.
[ ١ / ١٨٤ ]
قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: " كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس، فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار " (١).
ووجدت بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتمادًا على ما جاء عن الأعمش، قال:
قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سميت، وإذا قلت: (قال عبد الله) فهو عن غير واحد عن عبد الله " (٢).
وليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كانت ثقة؛ لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم روى عن أصحاب عبد الله بن مسعود، وفيهم المجاهيل.
* * *
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٦).
(٢) أثرٌ حسنٌ. أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٩) من طريق شُعبة عن الأعمش. وإسناده حسنٌ، قد رواه الترمذي عن شيخه أبي عبيدة أحمد بن عبد الله، وهو صدوق لا بأس به، ويأتي هذا الأثر مرةً أخرى في هذا الكتاب في (القسم الثاني) مباحث (المنقطع والمرسل).
[ ١ / ١٨٥ ]
الباب الثاني
نقد النقلة
[ ١ / ١٨٧ ]
الفصل الأول
حكم نقد النقلة
وصفة الناقد
[ ١ / ١٨٩ ]
المبحث الأول:
حكم نقد الراوي
معنى النقد:
قال ابن فارس: " النون والقاف والدال أصل صحيح، يدل على إبراز شيء وبروزه " قال: " ومن الباب (نقد الدرهم) وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك " (١).
و(نقد الراوي) من هذا، فإنه يكشف عن حاله في أهليته للرواية أو عدم ذلك.
كما سمي من يقوم بعملية الكشف هذه بـ (الناقد) لهذا الاعتبار.
وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية النقد هذه بـ (الجرح والتعديل)، بناء على ما ينتج عنها من ثبوت أهلية الراوي أو عدمها.
وهذان الوصفان يشعران بثنائية القسمة عندهم، فالناقد إما أن يصير إلى (جرح) الرواي، وإما إلى (تعديله)، ولا يفيد مرتبة متوسطة.
وتحقيق ذلك: أن النظر في أحوال الرواة لا يسفر دائمًا عن نتيجة
_________________
(١) مقايس اللغة (٥/ ٤٦٧).
[ ١ / ١٩١ ]
(الجرح) أو (التعديل) لذلك الراوي، وإنما قد تخفى حاله ولا يسعف النظر في التوصل إلى شيء في أمره، فيصير الناقد إلى مرتبة ليست تعديلًا ولا تجرحًا صريحًا، وهي الحكم بـ (جهالة) الراوي.
لكن، حين كان المقصود التوصل إلى كون الراوي مقبول الرواية أو مردودها، فالعبارة إذًا بالقبول أو الرد؛ وعليه فيصح أن تكون القسمة ثنائية، على اعتبار المصير بالمرتبة المتوسطة إلى (الجرح) على مذهب الأكثر، أو (التعديل) على مذهب الأقل، على ما سيأتي تفصيله.
و(نقد الراوي) هي المرحلة الثانية من النظر في الأسانيد، فقد تقدم في الباب الأول تبيين طرق الكشف عن شخصية الراوي، وحيث تميز لنا فيتلو ذلك تمييز حاله من جهة صلاحيته لقبول حديثه أو رده.
وهذا المبحث من أهم مباحث (علوم الحديث) وأصعبها، فأما أهميته فمن جهة كونه (القاعدة العظمى) التي ينبني عليها تصحيح نسبة السنن إلى رسول الله ﷺ، أو نفي ذلك، وأما صعوبته فمن جهتين:
الأولى: ما يدخل على الناقد من الحرج من الكلام في المسلم بالقدح في حال ثبوت ذلك عليه؛ لأنه كلام في عرضه الذي جاءت شريعة الإسلام بحفظه.
والثانية: فهم قوانينه وقواعده ومنهجية تطبيقه.
فأما ما يتصل بالجهة الثانية فهذا الفصل أكثره معقود لهذا الغرض، وأما الجهة الأولى فإنها تستلزم بيان حكم الشريعة في ذلك.
حكم الكلام في النقلة:
حفظ عرض المسلم من المسلمات في دين الإسلام، وحرمته معلومة بالضرورة، والنقاد يقولون: (فلان ضعيف) أو (سيئ الحفظ) أو (كثير الغلط) أو (ليس بشيء) أو (ليس بثقة) أو (متروك) أو (كذاب) أو غير ذلك من
[ ١ / ١٩٢ ]
صيغ قدح تقال في الراوي، ولو علم بها لما رضيها، فكيف يصح مثل هذا القدح مع تلك الضرورة المسلَّمة في تحريم عرض المسلم؟
وإذا تأملت ذلك من جهة أخرى وجدت أحوال نقاد المحدثين محل القدوة في الصلاح والدين، ومع ذلك فهم من كان يقوم بهذه الوظيفة (جرح الرواة وتعديلهم)، فكيف كانوا يرون ذلك؟ وما عذرهم فيه؟
جواب ذلك من وجوه، منها:
١ - حرمة العرض كحرمة الدم والمال، وحرمة الدين أعظم منها جميعًا، فإنه تسترخص له الأنفس والأموال، وهذا أيضًا معلوم من الدين بالضرورة.
والحديث عن رسول الله ﷺ دين، كما قال محمد بن سيرين ﵀: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم " (١)، وهو بيان الكتاب العزيز، وفيه تفصيل الأحكام والأوامر والنواهي، فالمتعرض له إنما يضيف شيئًا إلى الدين، فإما أن يكون أهلًا له صادقًا أمينًا حافظًا أو ليس كذلك، ولا طريق إلى معرفة ذلك إلا بـ (الجرح والتعديل).
فهو واجب ألزمت به ضرورة حفظ الدين.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب الله تعالى التبين في خبر الفاسق قبل قبوله فيما ينبئ به عن قوم آخرين، فكيف الطريق إلى معرفة فسقه إن لم يكن بعلامة علمناها منه دلت على فسقه؟
_________________
(١) أخرجه الدارمي (رقم: ٤٢٥) وابنُ سعد (٧/ ١٩٤) ومسلم في " مقدمة صحيحه " (١/ ١٤) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٥) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١٤) وابن عدي (١/ ٢٥٣، ٢٥٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٦، ١٩٧) و" الجامع لأخلاق الراوي " (رقم ١٣٨) من طريق ابنِ عونٍ عن ابن سيرين، به. وروى معناه غير واحد عن ابن سيرين.
[ ١ / ١٩٣ ]
ولو ثبت فسقه لأحد ما جاز له كتمانه على من يتضرر بخبره من الناس، فإذا كان هذا التثبت في الإخبار عن شخص أو قوم من سائر الناس ممن لا يلزم بخبرهم تحليل ولا تحريم ولا أمر ولا نهي، فكيف يجوز السكوت والإقرار لخبر من يحدث عن رسول الله ﷺ من غير دراية بأهليته أو عدمها؟
وقد تواتر عن رسول الله ﷺ قوله: " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " (١) في لفظ: " إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " (٢)، كما ثبت عنه ﷺ قوله: " يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، من قال علي فلا يقولون إلا حقًا أو صدقًا، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " (٣)، وصح عنه ﷺ قوله: " من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " (٤).
قال الدارمي: " معنى هذا الحديث: إذا روى الرجل حديثًا، ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصل، فحدث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث " (٥).
فهذا حكم من رسول الله ﷺ بتكذيب من حدث عنه بما لم يقل
_________________
(١) حديث صحيح مُتواترٌ، رواه عن النبي ﷺ خلق كثيرٌ من أصحابه. وهو عند البخاري (رقم: ١٠٧) من حديث الزبير بن العوام، ولم يذكر " مُتعمدًا "، و(رقم: ١١٠، ٥٨٤٤) ومسلم (رقم: ٣) من حديث أبي هريرة، والبخاري (رقم: ٣٢٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلم (رقم ٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخُدري.
(٢) حديث صحيح. متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢٩) ومسلم (رقم: ٤) من حديث المغيرة بن شعبة، به.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧) وابن أبي شيبة (٨/ ٧٦١) وابن ماجة (رقم: ٣٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن معبدِ بن كعب، عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: على هذا المنبر، فذكره. قلت: وإسناده جيد، وابن إسحاق ذكر سماعه للحديث عند أحمد.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٩) من حديث سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة.
(٥) الجامع للترمذي (بعد حديث رقم: ٢٦٦٢).
[ ١ / ١٩٤ ]
ناسبًا ذلك إليه، وسبب تغليظ حكم الكذب عليه ﷺ؛ أن من كذب عليه فقد زاد في دين الله، فكأنما كذب على الله عزوجل.
ومن وقع في الكذب على التوهم لا القصد فربما يعذر، لكن لا يعذر من علم غلطه ولم يبين.
فبيان أحوال النقلة يوجبه نفي الكذب عن رسول الله ﷺ ودين الإسلام، الذي يرجح حفظ ضرورته على ضرورة حفظ الأنفس والأموال والأعراض.
٢ - تأملنا فوجدنا التعرض للمسلم إنما يحرم بغير سبب شرعي، أما إن كان بسبب معتبر صحيح في الشرع فإن ذلك يتردد بين إباحة وندب ووجوب، ولا يمتنع، وذلك بنفس أدلة الشرع، فمن اعتدى على غيره وجب منعه، وكان للمعتدي عليه الحق في الانتصار لنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقال النبي ﷺ: " لي الواجد يحل عرضه عرضه وعقوبته " (١)، والواجد: هو الغني يكون عليه الدين يحل أجله فلا يقضيه.
والتعدي على الدين أخطر من التعدي على الأنفس والأعراض والأموال، فكيف يصح أن تأذن الشريعة في الرد عن النفس بما هو ممتنع في الأصل إن لم يكن له سبب، وتمنع الذَّب عن الدين بتخليصه من عدوان الكذابين والمتهمين والغالطين عليه؟
٣ - اعتبرت الشريعة العدالة في الشهود، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩) وأبو داود (رقم: ٣٦٢٨) والنسائي (رقم: ٤٦٨٩، ٤٦٩٠) وابن ماجة (رقم: ٢٤٢٧) من حديث الشريد بن سُويد. وحققت القول فيه في تعليقي على " المنتقى من مُسند المقلين " لدَعلج السجْزي (رقم: ١٢).
[ ١ / ١٩٥ ]
عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعدالة لا سبيل إلى معرفتها في أعيان الشهود إلا بنقدهم ثم الحكم عليهم بمقتضى ذلك النقد من عدالة أو جرح، فإذا صح أن يطلب هذا فيمن يشهد على متاع وشيء ليس له كبير قدر، فصحته ووجوب تحققه فيمن يشهد في دين الله، فينسب شيئًا إلى الله تعالى، أو رسوله ﷺ.
قال الثقة محمد بن عمرو الرازي المعروف بـ (زنيج): سمعت بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: " هذه شهادات العدول المرضيين بعضعم على بعض " وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: " هذا فيه عهدة "، ويقول: " لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده، لم يستطع أخذها منه إلا بشادين عدلين، فدين الله عزوجل أحق أن يؤخذ فيه بالعدول " (١).
٤ - أوجب الله تعالى ورسوله ﷺ النصيحة، فعن تميم الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال: " الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال: " لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " (٢).
والكشف عن أمر الراوي بقصد التحذير من غلطه أو كذبه لئلا يغتر به من لا يعلم حاله من النصيحة لله ولكتابه بنفي نسبة ما لا تصح إضافته إليه، ولرسوله ﷺ بنفي نسبة ما لم يتفوه به من القول إليه، ولعموم المسلمين بوقايتهم من التدين بما ليس من دين الإسلام.
وهذه علة كافية للفصل بين (نقد الرواة) لهذا المقصد، وبين (الغيبة) التي حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٦) وابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٥١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٣٥) و" الجامع " (رقم: ١٣١) بإسناد صحيح. وأخرج ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٢٣) طرفًا منه.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢، ١٠٣) ومُسلم (رقم: ٥٥) وأبو داود (رقم: ٤٩٤٤) والنسائي (رقم: ٤١٩٧، ٤١٩٨).
[ ١ / ١٩٦ ]
ويشهد له ما جاء من حديث عائشة ﵂: أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ، فقال: " ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة " أو: " بئس رجل العشيرة "، فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: " يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: من ودعه - أو: تركه - الناس اتقاء فحشه " (١).
قال الخطيب: " ففي قول النبي ﷺ: " بئس رجل العشيرة " دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيية، إذا لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ، وإنما أراد ﵇ بما ذكر فيه والله أعلم أن بئس للناس الحالة المذمومة منه، وهي الفحش فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة؛ إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره، فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة " (٢).
قال: " وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة وإيجاب الديانة، من التحذير عن ائتمان الخائن، وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب " (٣).
قال مسلم بن الحجاج يصف صنيع نقاد المحدثين: " وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (رقم: ٥٦٨٥، ٥٧٠٧، ٥٧٨٠) ومُسلم (رقم: ٢٥٩١) من طريق مُحمد بن المنكدر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، به.
(٢) الكفاية (ص: ٨٣ - ٨٤).
(٣) الكفاية (ص: ٨٥).
[ ١ / ١٩٧ ]
أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع " (١).
وقال الترمذي: " وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري وطاوُس تكلما في معبد الجهني (٢)، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب (٣)، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور (٤)، وهكذا روي عن أيوب السختياني وعبد الله
_________________
(١) صحيح مُسلم (١/ ٢٨).
(٢) أما أثرُ الحسن، فأخرجه الترمذي في " العلل الصغير " (٦/ ٢٤٨) وعبد الله بن أحمد في " السنة " (رقم: ٨٤٩) والآجري في " الشريعة " (رقم: ٥٩٢، ٥٩٩) وابن عدي في " الكامل " (١/ ١٣١) من طريق مَرحوم بن عبد العزيز العطار، قال: سمعت أبي وعمِّي يقولان: سَمعنا الحسن وهو ينهى عن مجالسة مَعبد الجهني، يقول " لا تُجالسوه؛ فإنه ضال مُضل ". قلت: إسناد هذا الخبر إلى الحسن حسن. وأخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٤/ ٢١٨) بإسناد آخر عن الحسن، وهو جيد. وأما أثر طاوُس، فأخرجه الفريابي في " القدر " (رقم: ٢٦٦) وعبد الله بن أحمد في " السنة " (رقم: ٨٤٧) والآجري في " الشريعة " (رقم: ٥٩٠) واللالكائي في " السنة " (رقم: ١٢٧٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال لنا طاوس: " أخروا معْبد الجهني؛ فإنه قدري ". وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢/ ٢ / ٣٥٩) و" الأوسط " (١/ ٣٦٩) وابن سعد في " الطبقات " (٧/ ٢٢٨) وعبد الله بن أحمد في " السنة " (رقم: ٣٠٣) من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب (يعني السختياني)، قال: ما رأيت أحدًا أعبد من طلْْق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير جالسًا معه، فقال: ألم أرك مع طلقٍ؟ لا تُجالس طلقًا، وكان طلقٌ يرى الإرجاء. قلت إسناده صحيح، وهذا لفظ البخاري.
(٤) أما عن الشعبي، فأخرجه مُسلم في " مُقدمة صحيحه " (١/ ١٩) عنه، قال: حدثني الحارث الأعور، وكان كذابًا ". وأخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١١٦ - ١١٧) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (رقم: ٩٩٠، ١١٤٨) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي (١/ ٢٠٨) وابنُ عدي (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥١) وفي رواية لأكثرهم، قال الشعبي: " حدثني الحارث الأعور، وأشهد أنه أحد الكذابين ". وهو صحيح عنه باللفظين. وأما عن إبراهيم، فأخرجه مسلم في " المقدمة " (١/ ١٩) وابنُ أبي حاتم (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي (١/ ٢٠٨) وابنُ عدي (٢/ ٤٤٩) بإسناد صحيح عن إبراهيم: " أن الحارث اتُّهم ".
[ ١ / ١٩٨ ]
بن عون وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم؛ أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا، وإنما حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا؛ لإن بعضهم من الذين ضعفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهمًا في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتًا؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال " (١).
سياق بعض الآثار عن السلف في شرعية نقد الرواة:
١ - عن يحيى بن سعيد القطان، قال:
سألت سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الرجل يكون واهي الحديث، يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره.
وفي لفظٍ سألهم قال: عن الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: " أخبر عنه، وبين أمره ".
وفي رواية قال لهم: الرجل يكون كثير الغلط في الحديث (وفي لفظ:
_________________
(١) العلل الصغير، للترمذي في آخر كتاب " الجامع " (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ١ / ١٩٩ ]
لا يحفظ، أو يتهم في الحديث) (وفي لفظ: يتهم ويغلِّط ويصّحف) (وفي لفظ: يغلط في الحديث، أو يكذب فيه)، أبين أمره؟ قالوا: " بين أمره " (١).
٢ - وعن حماد بن زيد، قال:
كلمنا شعبة في أن يكف عن أبان بن أبي عياش لسنه وأهل بيته، فضمن أن يفعل، ثم اجتمعنا في جنازة، فنادى من بعيد: يا أبا إسماعيل، إني قد رجعت عن ذاك، لا يحل الكف عنه؛ لأن الأمر دين (٢).
٣ - وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال:
مررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: " كذاب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت " (٣).
٤ - وعن عبد الله بن المبارك، قال:
قلت لسفيان الثوري: إن عبَّاد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: " بلى ".
_________________
(١) أثر صحيح بجميع ألفاظه. أخرجه البُخاري في " التاريخ الأوسط " (رقم: ١٤٣٦) ومسلم في " المقدمة " (١/ ١٧) والجوزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٣٦ - ٣٧) وأبو داود في " سؤالات أحمد بن حنبل " (النص: ١٣٤) والترمذي في " العلل الصغير " (٦/ ٢٣١ - آخر الجامع) وأبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٤٧١) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٦٨٤، ٤٦٨٥) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٣، ٢٤) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ٣ - ٦) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٢٠) وابن عدي في " الكامل " (١/ ١٤٩، ١٥٠) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (رقم: ٨٥٠، ٨٥١) وأبو نُعيم في " المستخرج على مسلم " (رقم: ٤٥، ٥٣) والبيهقي في " الدلائل " (١/ ٤٥) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٨٨) و" الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٠٩) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٤٧) من طرُقٍ عن يحيى بن سعيد، به، وأسانيده صحيحة.
(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (١/ ٣٩) بإسناد جيد، وجاء معناهُ عن حماد بن زيْدٍ من غير وَجْه.
(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه ابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٢١) بإسناد صحيح. وأخرجه أبو نعيم في " المستخرج على مسلم " (رقم: ٤٧) وعنه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٨٩)، ووقع فيه: (شُعبة) بدل (سُفيان)، ولا يَرد احتمال التصحيف على رواية ابن حبان من أجل أنه نُسب فيها: (الثوري)، ومُحتملٌ على رواية الخطيب، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٠ ]
قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عبَّاد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه (١).
٥ - وقال الشافعي: " وأما الرجل من أهل الفقْه يُسْأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كُفوا عن حديثه، ولا تقبلوا حديثَه؛ لأنه يغْلط، أو يُحدث بما لم يَسمع، وليست بينه وبين الرجل عداوة؛ فليس هذا من الأذى الذي يكون به القائل لهذا فيه مجروحًا عنه لو شَهِد بهذا عليه، إلا أن يُعرف بعداوةٍ له، فتُردَّ بالعداوة لا بهذا القول " (٢).
٦ - وعن أبي بكر محمد بن خلاد (وكان ثقة)، قال:
قلت ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تذكر حديثهم خصمائك عند الله يوم القيامة؟ فقال: " لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول: لم حدثت عني حديثًا ترى أنه كذب " (٣).
وفي رواية، قال أبو بكر بن خلاد:
أتيت يحيى مرة، فقال لي: أين كنت؟ فقلت: كنت عند ابن داود فقال: إني لأشفق على يحيى من ترك هؤلاء الرجال الذين تركهم، فبكى يحيى، وقال: " لأن يكون خصمي رجل من عرض الناس شككت فيه فتركته، أحب إلي من أن يكون خصمي النبي ﷺ، ويقول: بلغك عني حديث سبق إلى قلبك أنه وهم فلم حدثت به؟ " (٤).
_________________
(١) أثرٌ صحيح. أخرجه مسلم في " مقدمة صحيحه " (١/ ١٧) بإسناد جيد.
(٢) الأم (٦/ ٢٠٦).
(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه الحاكمُ في " المدخل إلى الصحيح " (١/ ١١١) والبيهقي في " الدلائل " (١/ ٤٥) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٠) بسند جيد.
(٤) أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٨٦) والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٢٦٨) بإسناد صحيح.
[ ١ / ٢٠١ ]
٧ - وعن عفان بن مسلم، قال:
كنا عند إسماعيل بن علية، فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، قال: فقال الرجل: اغتبته، قال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت (١).
٨ - وقال أبو زرعة الدمشقي:
سمعت أبا مسهر (هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني حافظ الشاميين) يسأل عن الرجل يغلط ويتهم (وفي لفظ: ويهم) ويصحف؟ قال: " يبين أمره " فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: " لا " (٢).
٩ - وعن محمد بن بندار السباك الجرجاني (وكان لا بأس به)، قال: قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب؟ فقال أحمد: " إذا سكتَّ أنت، وسكتُّ أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ " (٣).
الخلاصة:
فحاصل ما تقدم في بيان حكم (نقد الرواة) أنه: واجب لحفظ الدين، وليس هو من قبيل الغيبة التي حرمها الله ورسوله ﷺ.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في " مقدمته " (١/ ٢٦) و" التمييز " (ص: ١٧٨) وابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٣) والرامهرمُزي (رقم: ٨٥٣) والعقيلي في " الضعفاء " (١/ ١١) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ١٨) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٨٩) بإسناد صحيح.
(٢) تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٣٧٧). وأخرجه من طريقه: ابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٢٠) وابنُ عدي (١/ ١٥٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٢).
(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٢) و" الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٦١٧) بإسناد صحيح إلى السَّبَّاك، به.
[ ١ / ٢٠٢ ]
المبحث الثاني:
صفة الناقد
نقاد المحدثين هم طائفة التي امتن الله على هذه الأمة بأن يوجدها فيها؛ لتحفظ عليها سنن رسول الله ﷺ، ولتميز لها ما هو منها وتنفي عنها ما ليس منها.
قال الخطيب: " لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معا دنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذا كانت مستخرجه من الآثار المحفوظة، ومستفاد من السنن المنقولة " (١).
وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: " أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ قد أميتت، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله، فإنكم أقل الناس " (٢).
قال الخطيب: " قول البخاري: (إن من أصحاب السنن أقل الناس) عنى به الحفاظ للحديث، العاملين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد
_________________
(١) الكفاية (ص: ٣٥).
(٢) أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السامع " (رقم: ٩٠) وإسناده لا بأس به.
[ ١ / ٢٠٣ ]
صدق ﵀ في قوله؛ لأنك إذا عتبرت لم تجد بلدًا من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه، ويعولون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه؛ وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضًا طريًا، والارتسام به محبوبًا شهيًا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب، وقلة الراغب؟ " (١).
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: " فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله ﷿ بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر ومكان " (٢).
قلت: فأبان ﵀ عن كون هذه الطائفة معتبرة بأوصافها فيما يتصل بالدراية بهذا العلم، ليست مقصورة على زمان، ولا محصورة في مكان.
وقال الخطيب: " أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تقبل الشهادة العدل، ولما ثبت ذلك وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد، أن يسأل عنهما، أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفًا في تزكيتهما، فدل على أنه لا بد منه " (٣).
ونقد الرواة - كما تقدم في المبحث السابق - صورة استثنائية من عمومات المنع من القدح في عرض المسلم، أوجبتها ضرورة حفظ الدين.
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (١/ ١١٢ - ١١٣). قلت: وماذا عسى أن يقول الخطيب لو أدرك زَمانَنا؟!
(٢) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ٢).
(٣) الكفاية (ص: ٧٨).
[ ١ / ٢٠٤ ]
وما كان استثناء من أصل؛ وجب في مثله الاقتصار على قدر الاستثناء وعدم مجاوزته بزيادة على ما يتحقق به المقصود.
ولهذه العلة كان أئمة النقد في غاية الحذر في الحكم على الرواة، وقد اتسمت منهجيتهم في صيغة النقد بخصلتين:
الأولى: الاقتصار على وصف الراوي بالأوصاف المؤثرة في روايته، كثبت، وحافظ، ومتقن، وثقة، بما يعود إلى ضبطه لحديثه، أو سيئ الحفظ، ولين الحديث، وليس بقوي، بما يرجع إلى سوء حفظه، أو منكر الحديث إلى نكارة حديثه للتفرد بما لا يعرف مع عدم الشهرة بالعلم والصدق، أو متروك الحديث لغلبة الخطأ وفحشه، وهكذا.
فهذا الإمام البخاري جاء عنه قوله: " إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا " (١).
وتراه يستعمل من العبارات في نقد الرواة مثل: (فلان مقارب الحديث، منكر الحديث، ذاهب الحديث، متروك الحديث، فيه نظر، عنده عجائب، سكتوا عنه، ليس بالقوي عندهم، تركوه "، وهكذا.
فهذا وشبهه عبارات تتصل بالراوي بخصوص مرويه، وهي محققة للمقصود دون تعرض إلى ما لا يحتاج إليه من سيرته وحاله، بل ستعلم لاحقًا أن منهاجهم جار على اعتبار الرواة على السلامة في الدين ما لم يبد غير ذلك ببرهان، ويكن بعد بدوه مؤثرًا في الراوي في صدقه وأمانته في النقل.
والثانية: الإيجاز في العبارة.
وهذه الخصلة تراها شائعة كثيرة في أحوال الرواة، فتراهم يقولون في
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٣).
[ ١ / ٢٠٥ ]
الراوي: " ثقة " لا يفصلون الأسباب التي استوجبت الحكم بثقته؛ لأنهم رأوا هذا الوصف مفيد للتزكية التي تكفي لقبول روايته، ولو ذهب الناقد إلى ذكر أسباب التزكية لطال ذلك ولا ضرورة له.
وجانب التزكية ليس موضع حذر من جهة التوسع في استعمال الألفاظ والإطناب في ذكر أسبابها، وإنما الحذر في ألفاظ الجرح، فإنها قوادح، فترى النقاد اجتهدوا في استعمال الوصف المفيد بكلمة أو كلمتين كون هذا الراوي أهلًا للرواية أو ليس كذلك.
والذي نرجع له سبب ذلك، أنهم حيث بانت اصطلاحاتهم بألفاظهم، فقد أغنت شهرة الاصطلاح عن الإسهاب في ذكر أسباب الجرح، فكانت الزيادة في تلك الألفاظ لا مبرر لها، فتخرج عن حد الاستثناء من الغيبة.
وهذا الاحتياط منهم ﵏ أحوج من بعدهم إلى البحث عن مرادهم بكثير من تلك العبارات، خصوصًا عندما يختلفون في راو جرحًا وتعديلًا، كما سيأتي تفصيله.
فإذا لاحظت هذا من طريقتهم علمت مقدار ما كانوا يتصفون به من الورع في الدين، وأنهم لولا الذَّبُّ عن حماه لما تقحموا الكلام في أحد.
ولعسر هذا المقام ومشقته قال الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد: " أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام " (١).
كما أن هذا الجانب لا يتم إلا بأن يكون الناقد أهلًا للنقد، فليس كل أحد يحسن الكلام في النقلة.
_________________
(١) الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص: ٣٤٤).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وتحرير ذلك بشرح أو صاف الناقد، فإليكها:
١ - صلاح الدين.
وهذه صفة تقتضي بالضرورة أن يكون مسلمًا، ولا يعرف فيمن تعرض لنقد الرواة من كان غير مسلم.
والصلاح يستلزم قدرًا من المحافظة والعمل الصالح، أدناه حفظ الفرائض والواجبات، وترك المحرمات.
والمعتبر في الواجب والمحرم ما ليس محل خلاف.
وعليه؛ فلا يقدح في أهلية الناقد أن يذهب مذهبًا يحتمله الاجتهاد، سواء كان في قضية علمية أو عملية، ويكون مخطئًا في مذهبه.
ونعني بالقضية العلمية الغلط في بعض فروع الاعتقاد، ولما وقع الاعتذار عنهم بالتأويل؛ لم يكن ذلك مسقطًا لاعتبار كلامهم في التجريح والتعديل:
[١] عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد المعروف بـ" ابن خراش " (المتوفى سنة: ٢٨٣).
كان من الحفاظ النقاد العارفين بالحديث وأهله، وكلامه في رواة الحديث يشبه كلام أقرانه الكبار، كأبي حاتم الرازي وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي.
قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: سمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش، وقال: " ما رأيت أحفظ منه، لا يذكر له شيء من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه " (١).
_________________
(١) الكامل، لابن عدي (٥/ ٥١٩)، وأبو نُعيم هذا من الأئمة الحُفاظ المُتقنين.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال الحافظ أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي: " كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم بالحديث والرجال " (١).
قلت: ولكن نقم عليه التشيع، بل رمى بكونه رافضيًا.
وهذا في التحقيق مما يجب أن يكون من قبيل الخطأ في التأويل، ولا يجري على الإنصاف أن يطرح علمه وصدقه ودرايته لرأي أخطأ فيه، والأئمة الذين جمعوا كلام النقاد في الرجال اعتبروا قوله وقبلوه.
[٢] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد " ابن حزم " الأندلسي (المتوفى سنة: ٤٥٦).
الإمام الحافظ الفقيه المحقق صاحب المؤلفات الكثيرة، رأس أهل الظاهر، فضائله كثيرة، وعلمه جم.
لكنه مع وقوفه عند ألفاظ النصوص في الفروع وانتصاره للنص، إلا أنه تجاوزه في أصعب الأمور، وهو باب الاعتقاد، فتكلم بكلام أهل الكلام، فوافقهم في الصفات، وخالف دلالة البرهان، حتى جاءت مقالته فيها شبيهة من بعض الوجوه مقالة جهم بن صفوان، فجرأ بعض من جاء بعده من الأئمة الأعيان لجرحه بذلك:
قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي (المتوفى سنة: ٧٤٤): " طالعت أكثر كتاب " الملل والنحل " لا بن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ونقولًا غريبة، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه وكثرة اطلاعه، لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلًا " وشرح طرفًا من ذلك (٢).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٠/ ٢٨١) بإسناد صحيح.
(٢) طبقات عُلماء الحديث، لابن عبد الهادي (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وبين سببه بما يوافقه فيه الحافظ ابن كثير، حيث قال: " كان من أشد الناس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولًا قد تضلع من علم المنطق .. ففسد بذلك حاله في باب الصفات " (١).
ومع ذلك فقد اعتد أهل العلم بذكر قوله في الرجال، على خطأ له في ذلك وأوهام.
[٣] أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى سنة: ٤٥٨).
الإمام الكبير الحافظ المحقق، صاحب التصانيف النافعة في علوم الدين، شهرته بالإمامة والمعرفة مغنية عن التفصيل.
كان قد اجتهد في إصابة طريقة أهل الحديث والثبات عليها في العقائد، إلا أنه تأثر بشيخه أبي بكر بن فورك من رءوس أتباع أبي الحسن الأشعري، فوافق أهل الكلام في بعض فروع المسائل الاعتقادية، كمسألة القرآن (٢) وغيرها.
ومع ذلك فهو ناقد معتبر القول في الجرح والتعديل وتمييز الرواة.
فهؤلاء الأئمة مثال لكون الخطأ في بعض فروع الاعتقاد بالتأويل لا يؤثر في أهلية الناقد واعتبار قوله.
نعم، يوجب احتياطًا في قبول جرحه أو تعديله عند المعارضة، أي عند اختلاف نقاد المحدثين في راو جرحًا وتعديلًا، لكن ليس هذا من باب كونه معتبر القول جملة أو لا، وهذا الباب هو المقصود هنا بالتقرير.
_________________
(١) البداية والنهاية (١٢/ ٥٥٣).
(٢) شرحتُ اعتقاد الأشعرية في القرآن ومُخالفته لعقيدة السلف، في كتابي " العقيدة السلفية في كلام رب البرية "، وخُلاصة ذلك المذهب أنهم يقولون: القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، إذ هُو كلام نفسيٌّ قائم بذاتِهِ تعالى، ليس هو هذا المؤلف من الحروف باللسان العربي، فهذا إنما هو عبارةٌ عن كلام الله، وليس كلام الله حقيقةً، وهو مخلوق.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وأما المخالف تأويلًا في بعض الفروع العملية؛ فهذا أولى بأن يقبل قوله إذا وجدت سائر الصفات الناقد.
قال الإمام الشافعي: " والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها والعامل بها؛ ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسرًا فنكح أمة مستحلًا لنكاحها مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين يدًا بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم وإن خالفنا الناس فيه، فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حلَّلتم ماحرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله ﷿ " (١).
وهذا الذي قاله الشافعي يتنزل على مزكي الشهود وعلى الشهود أنفسم، ولما كانت الرواية أولى من الشهادة في هذا الباب، فهذا الكلام متنزل كذلك على رواة العلم وعلى الذين تعرضوا لنقدهم من الحفاظ، لا يُقْدح على أحد منهم بشيء ذهب إليه بتأويل وشبهة.
٢ - حفظ الحديث والمعرفة به وبأهله.
وهذان في التحقيق وصفان من باب واحد، فالناقد يحتاج إلى خبرة ودراية بالمروي ليقايس به ويبني
على وفقه موافقة ومخالفة تمييز حال الراوي، ولا تتهيأ له تلك المعرفة دون سعة حفظ واطلاع على الأسانيد والمتون، إضافة إلى دراية بمواضع الاتفاق منها والافتراق، وهذا يستلزم معرفة بجانب من فقهها معانيها، على ما ستعلمه من الفصول التالية في شرح منهج النقد.
_________________
(١) الأم (٦/ ٢٠٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
ووقع من جرى أهل العلم على اعتماد قوله في (الجرح والتعديل) شاهد على مراعاة هذه الصفة في الناقد.
يصدق ذلك: أن الناقد يسعى إلى إثبات عدالة الراوي وضبطه، فإن كان فاقدًا للعدالة أو الضبط في نفسه فكيف يقدر على الحكم على غيره، فأما عدالته فكما مر في بيان الصفة الأولى، وأما الضبط فمن كان كثير الخطأ في نقله وعلمه، أو ضعيفًا، أو متهمًا بكذب، فهذا قد سقط بسقوط درايته بحديث نفسه، فكيف يدري حديث غيره فيتمكن على وفق درايته من نقده؟!
قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): عمير بن سعيد؟ قال: " لا أعلم به بأسًا "، قلت له: فإن أبا مريم قال تسلني عن عمير الكذاب؟ قال: وكان عالمًا بالمشايخ، فقال أحمد: " حتى يكون أبو مريم ثقة " (١)؟.
يقول أحمد: إنما يعتد بكلامه لو كان ثقة، أما وهو رجل مجروح ساقط، فلا.
وأبو مريم هذا هو عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، أحد من ذكروا بمعرفة الحديث، لكنه كان يضع الحديث.
وإليك ثلاثة من هؤلاء الذين لهم قول مذكور في كتب الجرح والتعديل، تحتاج إلى التوقي من نقدهم وكلامهم في الرواة؛ لأن الكلام فيهم أسقط اعتمادهم في الجرح والتعديل:
[١] محمد بن عمر بن واقدٍ الواقدي الأسلمي (المتوفى سنة: ٢٠٧).
كان واسع المعرفة، كثير الأخبار، رواية للسير والمغازي، ومن أكثر الناس كلامًا فيها، وله كلام كثير في وفيات الشيوخ، لكن الأئمة النقاد
_________________
(١) سؤالات أبي داود (النص: ٣٤٢).
[ ١ / ٢١١ ]
الكبار مثل: الشافعي وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين والبخاري وسائر من بعدهم من أمثالهم قد اتفقوا على وهائه وسقوطه، بل منهم من قضى بأنه كان كذابًا، وإنما خالفهم من هو دونهم في المعرفة بالنقلة بدرجات.
فإذا وجدت عبارة نقد معزوة إلى الواقدي فاعلم أنها ليست موضعًا للقبول، علمًا بأن ما له في ذلك قليل.
[٢] محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي (المتوفى سنة: ٣٧٤).
أحد العلماء المذكورين بالحفظ، لكن ضعفه الحافظ أبو بكر البرقاني، وقال الخطيب البغدادي: " في حديثه غرائب ومناكير، وكان حافظًا، صنف كتبًا في علم الحديث " (١).
وحول كلامه في الرواة قال الذهبي: " له كتابًا كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤاخذات " (٢).
ولو تتبعت غلطه في ذلك وجدته كثيرًا، منه ما أنكره عليه الذهبي في ترجمة (أبان بن إسحاق) (٣) حيث قال: " أبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلم فيه ".
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته (خثيم بن عراك بن مالك) (٤): " وشذَّ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي، وأفرط فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ ".
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٤).
(٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٣).
(٣) في " ميزان الاعتدال " (١/ ٥).
(٤) في " هدي الساري " (ص: ٤٠٠).
[ ١ / ٢١٢ ]
[٣] مسلمة بن القاسم الأندلسي (المتوفى سنة: ٣٥٣).
كان محدثًا واسع الرحلة كثير السماع من الشيوخ، له مصنفات في تواريخ المحدثين، وكلام كثير في الجرح والتعديل، لكنه لم يكن مرضيًا عند الأندلسيين، قال ابن الفرضي: " سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال: لم يكن كذابًا، ولكن كان ضعيف العقل " (١)، وقال الذهبي: " لم يكن بثقة " (٢).
فهؤلاء وأمثلهم ممن لهم كلام محفوظ عنهم في كتب الجرح والتعديل، لا يعتمد على جرحهم أو تعديلهم منفردين، فإن جاءت أقوالهم موافقة لأقوال من يعتبر قوله فلا بأس بحكايتها، وإن جاءت مخالفة فمطروحة، وإن لم يوجد لها الموافق أو المخالف فالتعديل منهم غير كاف، والجرح يفيد التوقف في قبول رواية الراوي، لا لأجل اعتمادنا على جرح الواحد منهم، وإنما لمجيء جرحه موافقًا للجهالة بأمر ذلك الراوي، وهي قادحة لذاتها في قبول حديثه.
٣ - الورع، والحذر، والمبالغة في الاحتياط والتيقظ.
قال الذهبي: " الكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله " (٣).
قلت: وهذا يستلزم مراقبة الله تعالى في حرمة دينه من جهة، وحرمة أعراض الرواة من جهة أخرى، ويوجب مبالغة في الاحتياط في التحقق قبل إرسال العبارات بالتعديل أو التجريح.
كما يوجب ترك العصبية لأحد أو على أحد، والنظر بعين الإنصاف والعدل، وإن كان ذلك صعبًا شديدًا.
_________________
(١) تاريخ علماء الأندلس (ص: ١٣٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٠).
(٣) الموقظة (ص: ٨٢).
[ ١ / ٢١٣ ]
قال ابن حبان: سئل علي بن المديني عن أبيه؟ فقال: " اسألوا غيري " فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: " هذا الدين، أبي ضعيف " (١).
وهذا يحيى بن معين يتكلم في صاحب له ممن كان يحبه، فنقل عنه الحسين بن حبان قوله في (محمد بن سليم القاضي): " هو - والله - صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحدًا قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه "، وقال: " قد - والله - سمع سماعًا كثيرًا، وهو معروف، ولكنه لا يقصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع "، قلت له: يكتب عنه؟ قال: " لا ". وفي رواية ابن أبي خيثمة، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: " ليس بثقة "، قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: " لأنه يكذب في الحديث " (٢).
والقاعدة في أئمة هذا الشأن الشهرة بالدين والصلاح والورع، لكن العصمة غير ثابتة لهم، فقد يتأثر الناقد ببعض العوارض فيصدر حكمه على غير سنن العدل، فيجب التفطن إلى ذلك، كما وقع من جماعة من النقاد في حق بعض النقلة وعلمنا بالقرائن أن أحكامهم تلك لم تكن منصفة.
وعليك أن تتفطن إلى أمرين هنا:
الأول: لا يجوز اعتماد قول ذلك الناقد في حق من دلت القرائن أنه على خلاف حكمه فيه، وإنما تلك زلة توجب الاستغفار له.
والثاني: لا يجوز إهدار سائر أحكام ذلك الناقد على غير ذلك الراوي بسبب زلته تلك، وإنما هي باقية على الاعتبار كأقوال غيره من الأئمة.
لكن اعلم أنه لا يجوز الإقدام على رد كلام الناقد وادعاء كونه خرج على غير مخرج الإنصاف إلا بعد ثبوت المعارض الراجح.
_________________
(١) المجروحين، لابن حبان (٢/ ١٥).
(٢) تاريخ بغداد، للخطيب (٥/ ٣٢٦).
[ ١ / ٢١٤ ]
وتفسير ذلك:
لو أن زيدًا من النقاد قال: (فلان كذاب)، ووجدنا عامة النقاد على موافقته في جرح ذلك الراوي بالتكذيب أو ما يقرب منه، فلا يصح رد كلام ذلك الناقد (١)، ولو وجدناهم اختلفوا فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه، لم نقدر أن نقول: (قوله غير منصف)، وإنما نبحث عن طريق آخر للترجيح، ولو وجدناه انفرد بما خالفوه فيه، فإن كان فسر قوله وبين حجة مقنعة قبلناه، وإلا رددنا، وإن كان المنتقد ممن ثبت عدالته واشتهر صدقه فهذا لا يلتفت معه إلى قول الجارح ويحمل على الغلط أو عدم الإنصاف.
ومن أكثر ما وقعت به مجاوزة الإنصاف: الكلام بسبب اختلاف العقائد والمذاهب، وقليل بسبب الغضب، ونادر منه ما قد يحمل على الحسد، فتفطن لذلك.
وهذه أمثلة منقسمة على هذه الوجوه المختلفة:
[١] الحافظ إبراهيم بن يعقوب الجوزاجاني (المتوفى سنة: ٢٥٩)، له مصنف في جرح الرواة تحامل فيه على طائفة من ثقات الكوفيين واصفًا لهم بالزيغ والانحراف وغير ذلك، بسبب ما كان يميل إليه الكوفيون من التشيع، والجوزجاني كان قد سكن الشام، وكان أهلها يميلون إلى النصب، وهو الانحراف عن أهل البيت، فصدرت عباراته في الجرح واضحة التأثر بذلك؛ لذا فإنه لا يقبل كلامه في كوفي إلا أن يوافق من ناقد لم يوصم بذلك.
_________________
(١) مثل قول الإمام مالك بن أنس في (عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني): " كذاب "، فإنه عامة نُقَّاد المحدثين مطبقون على وَهاء هذا الرجل وسُقوطه، وكذَّبه منهم طائفة، فما نقله أحمد بن صالح المصري قال سألت عبدَ الله بن وهب عن عبد الله بن زياد بن سِمعان؟ فقال: " ثقةٌ "، فقلت: إن مالكًا يقول فيه: كذاب؟ فقال: " لا يُقبل قول بعضهم في بعْض ". (تاريخ أبي زُرعة الدمشقي ١/ ٣٧٩، جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ١٥٧)، فهذا الرد من ابن وهبٍ غير معتبر، فمالكٌ تكلم فيه بالإنصاف الذي اتفق عليه عامة الأئمة النقاد بعده.
[ ١ / ٢١٥ ]
قال ابن عدي: " كان مقيمًا بدمشق، يحدث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بكتابه ويقرأه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي ﵁ " (١).
وقال ابن حبان كان حريزيَّ المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلبًا في السنة حافظًا للحديث، إلا أنه من صلابته كان يتعدى طوره " (٢).
و(حريزي) نسبة إلى حريز بن عثمان، وقد اتهم بالنصب، فصار طائفة ينسبون إليه لقولهم بهذا المذهب.
وقال الدارقطني: " كان فيه انحراف عن علي بن أبي طالب ﵁ " (٣).
ونقول: يصح ما يذكره الجوزجاني من البدعة عن كثيرين من أهل الكوفة، ولكنه تجاوز في الجرح وبالغ في الحط، ولم يفرق بين تشيع غال وغير غالٍ.
[٢] الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠).
صاحب كتاب " الكنى والأسماء " وغيره، له كلام في الرجال ونقل كثير، لكنه كان حنفيًا متعصبًا (٤)، وحمله ذلك على المبالغة في الجرح للمخالف لمذهبه، كما حمله على الانتصار للمذهب في موضع الغلط.
ومن الدليل عليه ما يأتي:
نقل عنه ابن عدي - وهو تلميذه - شدة طعنه على نعيم بن حماد
_________________
(١) الكامل (١/ ٥٠٤) في ترجمة (إسماعيل بن أبان الورَّاق).
(٢) الثقات (٨/ ٨١ - ٨٢).
(٣) سؤالات السلمي (النص: ٧٧).
(٤) لسان الميزان (٥/ ٥١).
[ ١ / ٢١٦ ]
الخزاعي الذي كان من أشد الناس خلافًا لأهل الرأي الحنفية، ثم قال ابن عدي: " وابن حماد متهم فيما يقوله لصلابته في أهل الرأي " (١).
وكان حدث برواية أبي حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد بحديث إعادة الوضوء والصلاة من القهقهة، ثم قال: " هو معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في كتابه في تسمية أصحاب النبي ﷺ "، فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي ذكره ابن حماد غلط، وذلك أنه قيل: معبد الجهني، فكيف يكون جهنيًا أنصاريًا؟ ومعبد بن هوذة أنصاري، وله حديث عن النبي ﷺ في الكحل، إلا أن ابن حماد اعتذر لأبي حنيفة فقال: هو معبد بن هوذة؛ لميله إلى أبي حنيفة، ولم يقله أحد (عن معبد) في هذا الإسناد إلا أبو حنيفة " (٢).
فأقول: من كان هذا وصفه فيخشى من جرحه لمخالفه أن لا يكون صدر منه ذلك على وجه الإنصاف، كما يخشى من تعديله لموافقه لنفس المعنى، فلا يجوز أن يقبل منه هذا ولا ذاك في راو علمنا كونه على مذهبه أو على خصام لمذهبه.
ويجب أن لا تغفل ما للخلاف في المذهب من التأثير في المتكلمين في الرجال، فراقب ذلك، خصوصًا في حال تعارض الجرح والتعديل.
وأكثر ما كان شائعًا من العصبية للمذهب في القرون الأولى ما كان بين أهل الحديث وأهل الرأي، فلا يقبل كلام بعضهم في بعض إلا من أهل وبحجة.
واعلم أن المثالين المتقدمين (الجوزجاني والدولابي) قد اختلت فيهما صفة الناقد، فنزل عن كونه أهلًا للاعتماد عليه بينًا انحرافه فيه، لا مطلقًا.
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٧٦).
(٢) الكامل، لابن عدي (٤/ ١٠٢).
[ ١ / ٢١٧ ]
[٣] وهناك أمثلة عديدة لوقوع الغلط من الناقد على سبيل الندرة، قامت الحجة على عدم الاعتماد بها، مع بقاء ذلك الإمام مقبول الجرح والتعديل في سائر الأحوال، منها: جرح مالك بن أنس لمحمد بن إسحاق صاحب " السيرة "، وتكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر.
ومنه كذلك (جرح الأقران لبعضهم) ككلام النسائي في أحمد بن صالح المصري، وكلام محمد بن إسحاق بن منده في أبي نعيم الأصبهاني، وأبي نعيم فيه.
[٤] ما وقع من ترك رواية أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الإمام أبي عبد الله البخاري، اعتمدا فيه على ما كتب لهما به محمد بن يحيى الذهلي الحافظ من أن البخاري يقول: (لفظي بالقرآن مخلوق) (١).
وهذه المسألة نسبت إلى البخاري وهو منها بريء، حكى محمد بن شادل (وكان محدثًا ثبتًا) قال: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحلية لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال: " كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء " فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: " يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها " (٢).
أقول: محمد بن يحيى من بحور الأئمة ومن نقادهم، وجائز أن تكون زورت له المقالة على البخاري، فكان ذلك الموقف منه، وجائز غير ذلك من طباع البشر التي لا يعصمون منها، كالذي أشار إليه البخاري نفسه،
_________________
(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٩١).
(٢) أخرجه الحاكم (كما في " سير أعلام النُّبلاء " ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧) وإسناده جيد. وهذه المسألة بينت فساد نسبتها إلى الإمام البخاري في مبحثٍ نافع في كتابي " العقيدة السلفية في كلام رب البرية " (ص: ٢٦١ - ٢٦٨) فارجع إليه.
[ ١ / ٢١٨ ]
غفر الله للجميع، فلا يجوز أن يستعمل ذلك سببًا للنيل من البخاري بوجه، فضلًا عن ترك حديثه كما صنع أبو زرعة وأبو حاتم، غفر الله لهما.
٤ - المعرفة بأسباب الجرح والتعديل.
هذه الخصلة من أهم ما يجب ملاحظته في الناقد، فلا يقبل جرح أو تعديل إلا من عارف بما يكون جرحًا وما يكون عدالة.
والكلام في الرواة يأتي عادة من أئمة قد عرفوا به وعدوا من أهله وأصحاب الدراية به، لكنك تجد بعد الشيء من ألفاظ الجرح والتعديل يقع من بعض الرواة الثقات في بعض الرواة الآخرين من شيوخهم أو غيرهم، فهؤلاء يجب أن تحتاط في قبول أقوالهم على معانيها المستعملة في هذا العلم؛ لجواز صدورها على غير مراد أهل المعرفة.
ومن هذا ما صدر من جماعة من التابعين في بعضهم، كتكذيب سعيد بن المسيب لعكرمة مولى ابن عباس، وتكذيب سالم بن عبد الله بن عمر لنافع مولى ابن عمر، فإنهم كانوا يطلقون على الخطأ لفظ الكذب، بخلاف ما جرى عليه نقاد المحدثين من بعد فإن الكذب عندهم هو تعمد وضع الحديث عن رسول الله ﷺ.
ومن هذا ما قد تراه في سياق إسناد من قول الراوي الثقة: (حدثنا فلان وكان ثقة) أو شبه ذلك، فإن لم يكن ذلك الراوي معروفًا في أئمة الجرح والتعديل فلا تكفي مجرد ثقته في نفسه لاعتماد قوله والتعويل عليه، إلا أن يوافق من عارف، ومن أمثلته:
[١] قال محمد بن إسحاق صاحب " السيرة ": " حدثني محمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وكانا ثقة " (١).
_________________
(١) سنن النسائي (رقم: ٢٤٧٦)، مُسند أحمد (رقم: ١١٨١٣).
[ ١ / ٢١٩ ]
كما قال ابن إسحاق: " حدثني أبو سفيان الحرشي وكان ثقة فيما ذكر أهل بلاده " (١).
وقال: " حدثني عياض بن دينار وكان ثقة " (٢).
وقال: " حدثني عمران بن أبي أنس أخو بني عامر بن لؤي وكان ثقة " (٣).
[٢] وقال يزيد بن عبد الصمد الدمشقي: " حدثنا عبد الرزاق بن مسلم الدمشقي وكان من ثقات المسلمين من المتعبدين، قال حدثنا مدرك بن سعد " قال يزيد: " شيخ ثقة " (٤).
[٣] وقال سريج بن يونس: " حدثنا محبوب بن محرز بياع القوارير كوفي ثقة " (٥).
فهؤلاء الرواة: محمد بن إسحاق ويزيد بن عبد الصمد وسريج ثقات، وأرفعهم يزيد وهو ابن محمد بن عبد الصمد، لكن ليسوا ممن عرف بالخبرة في الرواة ودرجاتهم في النقل، وذلك علامة على كون التعديل قد لا يصدر من أحدهم على المعنى الذي يقرر عليه نقاد المحدثين، وجائز أن يكون بني على ما رأوا عليه ذلك الراوي من ستر وسلامة في نفسه، أو ذكر له بالخير عند الناس، وهذا غير كاف لتوثيقه حتى ينضم إليه الدراية بحديثه والخبرة به.
لكن لا بأس باعتبار ذلك إذا وافق شهادات النقاد العارفين.
_________________
(١) مُسند أحمد (رقم: ٧٠٢٥).
(٢) مُسند أحمد (رقم: ٧٤٨٩).
(٣) مُسند أحمد (٤/ ٥٧).
(٤) سنن أبي داود (رقم: ٥٠٨١).
(٥) عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (رقم: ٥٤٢).
[ ١ / ٢٢٠ ]
٥ - الاعتدال والتوسط في الجرح والتعديل.
وهذا شرط يوجبه ما تقدم من الشروط، والثالث منها خاصة، في الورع والتيقظ والتحفظ توجب أن يراعي في حكمه أن يكون سديدًا، يوافق حقيقة الموصوف.
لكن التنبيه عليه على التعيين؛ من أجل اعتبار هذا المعنى الخاص مؤثرًا في نقدكثير من الرواة، خصوصًا الجرح، فإن من الأئمة النقاد من اجتمعت فيه جميع الشروط المتقدمة، لكنه كان يبالغ في التحفظ، حتى يقدح في الراوي بالغلطة والغلطتين.
ويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام في (اختلاف الجرح والتعديل).
* * *
[ ١ / ٢٢١ ]
المبحث الثالث:
نماذج لأعيان من يعتمد قوله في نقد الرواة
الخبراء بأحوال النقلة، والمتكلمون فيهم تعديلًا أو جرحًا، ممن إلى كلامهم المرجع لتمييز أحوال الرواة، لا يستقصي ذكرهم في هذا الموضع، وإنما القصد هنا إلى ذكر طائفة من رءوسهم، ممن عرفوا بكثرة النقد، تنبيهًا على مقامهم في هذه الصناعة، مع الإبانة عن منزلة كلام أحدهم بحسب ما يقتضيه المقام من الإيجاز، فمنهم:
١ - شعبة بن الحجاج (المتوفى سنة: ١٦٠).
من أتباع التابعين، كان إمام هذه الصناعة وأمير المؤمنين فيها، حتى قال فيه تلميذه الناقد العارف يحيى بن سعيد القطان: " كان شعبة أعلم الناس بالرجال " (١).
وقال أحمد بن حنبل: " كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن " يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقِّيه للرجال (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: ١٢٧) بإسناد صحيح.
(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٥٥٧) ومن طريقه: ابنُ عدي (١/ ١٥٥).
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقال أبو حاتم الرازي: " كان شعبة بصيرًا بالحديث جدًا، فهمًا له، كأنه خلق لهذا الشأن " (١).
قلت: وكان من شدة تحريه أنه قل من كان يرضى من الرواة؛ لذا فإنه إذا وثق رجلًا فذاك، ما لم تقم حجة بينة على خلافه، وإذا جرح فاحتط من جرحه.
٢ - مالك بن أنس (المتوفى سنة: ١٧٩).
من أتباع التابعين، إمام دار الهجرة.
قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكًا عن رجل؟ فقال: " هل رأيته في كتبي؟ "، قلت: لا، قال: " لو كان ثقة رأيته " (٢).
قلت: وهذا يدل على شدة انتقائه للرواة، ومن أجله عدت روايته عن الرجل توثيقًا له.
وقال علي بن المديني: " كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء " (٣).
٣ - يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة: ١٩٨).
وهو تلميذ شعبة وخريجه، وجارٍ على طريقه ومنهاجه، وكان من أبصر الأمة بالرواة.
قال أبو الوليد الطيالسي: " ما رأيت أحدًا كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد " (٤).
_________________
(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم في " مُقدمة الصحيح " (١/ ٢٦) والرامهرمزي (ص: ٤١٠) والعُقيلي (١/ ١٤) وابن عدي في " الكامل " (١/ ١٧٧) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٨) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه ابن عدي (١/ ٧٧) بإسناد صحيح.
(٤) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٥٢) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكان متشددًا، حتى قال لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة " (١).
وقال محمد بن بشار بندار: سمعت يحيى بن سعيد يقول وقلت له: عن ثقة؟ فقال: " لا تقل (عن ثقة)، لو حققت لك ما حدثتك إلا عن أربعة: ابن عون، وشعبة، ومسعر، وهشام الدستوائي " (٢).
ويحيى القطان لم يرد بهذا جرح سائر من أدرك من النقلة، وفيهم من هو معروف بالحفظ والإتقان، وإنما الشأن كما قال الحاكم: " فيحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات " (٣)، وكما قال أبو الوليد الباجي: " لاخلاف أنه أراد بذلك النهاية فيما يرضيه؛ لأنه قد أدرك من الأئمة الذين لا يطعن عليهم أكثر من هذا العدد " وذكر جماعة من كبار حفاظ شيوخه (٤).
وقال يحيى بن معين: " كان يحيى بن سعيد القطان يضعف عبد الحميد بن جعفر "، قال الدوري: قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: " روى عنه ويضعفه "، قال يحيى: " وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم وما كانوا يساوون عنده شيئًا (٥).
قلت: وإنما كان يفعل في رواة لم يبلغوا السقوط، وإن لم يكونوا عنده في المحل الذي يعدهم فيه من الثقات.
_________________
(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٨٨٥) ومن طريق الدوري عن ابن معين عنه أخرجه: ابن عدي في " الكامل " (٢/ ١٢٨) وابن شاهين في " الثقات " (ص: ٢٧٠) والحاكم في " المدخل إلى الصحيح " (ص: ١١٣).
(٢) أخرجه ابن شاهين في " الثقات " (ص: ٢٧٠) بإسناد جيد.
(٣) المدخل إلى الصحيح (ص: ١١٣).
(٤) التعديل والتجريح (١/ ٢٨٥).
(٥) تاريخ يحيى (النص: ٣٩٣١) ومن طريقه: العقيلي (٣/ ٤٣ - ٤٤) وابنُ عدي (٧/ ٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
٤ - عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة: ١٩٨).
هو تلميذ شعبة كذلك، وصاحب يحيى القطان، كان إمامًا في تمييز النقلة، إمامًا في معرفة علل الحديث.
قال تلميذه علي بن المديني: " أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي " (١).
وقال: " والله، لو أخِذْت وحُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي " (٢).
مقارنة بينه وبين يحيى القطان:
روي عن ابن المديني قال: " إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد " (٣).
قلت: وهذا الاختيار يؤيده الواقع التطبيقي في شأن من اختلفا فيه من الرواة.
أما إذا اتفقا فحسبك.
قال الذهبي، وذكر ابن المهدي: " كان هو ويحيى القطان قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلًا وعلمًا وفضلًا، فمن جرحاه لا يكاد - والله - يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو الحجة المقبول، ومن اختلفا فيه اجتُهِد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، وقد وثقا خلقًا كثيرًا، وضعفا آخرين " (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٤/ ١٠٥).
(٢) أخرجه الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: ٦٨).
(٣) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٠/ ٢٤٣) بإسناد لين.
(٤) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص: ١٦٧).
[ ١ / ٢٢٥ ]
٥ - أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني (المتوفى سنة ٢١٨).
إمام أهل الشام، والمقدم في هذا الفن في معرفة رواة بلده.
قال ابن حبان: " كان يقبل كلامه في التعديل والجرح في أهل بلده، كما كان يقبل ذلك من أحمد ويحيى بالعراق، وكان يحيى بن معين يفخم أمره " (١).
٦ - يحيى معين (المتوفى سنة: ٢٣٣).
هو رأس هذا العلم في معرفة الرجال، وإليه المنتهى فيه، فقل من الرواة وندر من لم يعرف له فيه تعديل أو جرح، كما أنه رأس في معرفة علل الحديث.
وقد قال فيه صاحبه أحمد بن حنبل: " يعرف خطأ الحديث " (٢).
وقال: " أعرفنا بالرجال يحيى بن معين " (٣).
وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى، أو علي بن عبد الله؟ قال: " يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء " (٤).
قال أبو حاتم الرازي في ترجمة (يوسف بن خالد السمتي): " أنكرت قول يحيى بن معين فيه: إنه زنديق، حتى حمل إلي كتاب قد وضعه في
_________________
(١) المجروحين، لابن حبان (٢/ ٧٧)، قلت: جاءَ عن يحيى بن معين قوله " إذا حدَّثت في بلدٍ فيه مثلُ أبي مُسهر، فيجب للحيتي أن تحلق " أخرجه ابن عدي (١/ ٢٠٩) وإسناده جيد.
(٢) تاريخ أسماء الثقات، لابن شاهين (النص: ١٦٥٩).
(٣) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٥٥) والخطيب في " تاريخه " (٩/ ٤١) وإسناده صحيح.
(٤) سؤالات الآجري (النص: ١٩٦٨) ومن طريقه: الخطيب في " تاريخه " (١٤/ ١٨١).
[ ١ / ٢٢٦ ]
التهجم بابا بابا، ينكر الميزان في القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم إلا على بصيرة وفهم " (١).
وقال ابن عدي: " به تستبرأ أحوال الضعفاء " (٢).
وأطلق عليه بعض المتأخرين نعت التشدد، وهذا إن أريد به أنه كان يجرح بالغلطة، فليس صوابًا، فقد وثق وأثنى على كثيرين نالهم غيره بالجرح، بل طريقته من أسد الطرق وألصقها بالعدل، لكنه كان كثير الكلام في النقلة، حتى قل أن يوجد راو ممن تقدمه أو كان في زمانه لم ينزله يحيى منزلته من تعديل أو جرح؛ لذا صح أن يكون من سكت عنه ألصق بالتعديل منه بالجرح.
لذا ربما شدد في عبارة الجرح تارة في رواة قليلين من أجل ما بدا له فيهم من استحقاق ذلك التشديد، ولم يكن عادة مطردة له، بل عادته كما ذكرت قبل الاعتدال في العبارة.
ومن أمثلة ما يعد من مبالغة في الجرح:
(١) قوله في (سويد بن سعيد): " لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزو سويد بن سعيد " (٣).
وقال أبو زرعة الرازي: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه، فقال يحيى: " سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل " (٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٢٢).
(٢) الكامل (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٣) المجروحين لابن حبان (١/ ٣٥٢)، ونحوه في " تاريخ بغداد " للخطيب (٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٤) أسئلة البرذعي لأبي زُرعة (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]
وقال في رواية أبي داود عنه: " هو حلال الدم " (١).
قلت: وتحرير أمره ليس كما قال يحيى، وإنما هو في الأصل صدوق ثقة، لكنه أتي من التدليس، حيث كان يكثر منه، وأنه كان عمي فصار يلقن ما ليس من حديثه فيحدث به.
(٢) وقال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى قلت: شيخ بالكوفة يقال له: زكريا الكسائي، فقال: رجل سوء يحدث بحديث سوء "، قلت ليحيى: إنه قد قال لي: إنك قد كتبت عنه، فحول يحيى وجهه إلى القبلة وحلف بالله مجتهدًا أنه لا يعرفه ولا أتاه ولا كتب عنه، إلا أن يكون رآه في طريق وهو لا يعرفه، ثم قال يحيى: " يستاهل أن يحفر له بئر ثم يلقى فيه " (٢).
قلت: وهذا هو زكريا بن يحيى الكسائي، كوفي متروك الحديث.
وهذا التشديد من يحيى فيه وفي سويد مشعر بأنه صدر مصدر الغضب للدين، فيحيى محمود على حسن قصده فيه إن شاء الله، أما الذي يهمنا فهو منزلة الراوي في روايته، وكلام يحيى في مثله لا غنى لمشتغل بهذا العلم عنه؛ لقوة معرفته وسداد رأيه.
٧ - علي بن عبد الله ابن المديني (المتوفى سنة: ٢٣٤).
قال أحمد بن حنبل: " أعلمنا بالعلل علي بن المديني " (٣).
وقال البخاري: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي: " كان عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل " (٥).
_________________
(١) سؤالات الآجري (النص: ١٩١١).
(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٩٠٤) والكامل لابن عدي (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٣) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٥٥) وإسناده صحيح.
(٤) الكامل لابن عدي (١/ ٢١٣).
(٥) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٩٤).
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة (يعني الرازي) عن فضيل بن سليمان؟ فقال: " لين الحديث، روى عنه علي بن المديني، وكان من المتشددين " (١).
أراد فاجعل من روايته عنه توثيقًا، فإنه كان غاية في الاحتياط.
٨ - أحمد بن حنبل (المتوفى سنة: ٢٤١).
قدوة الناس، وسلطان هذه الصنعة، حتى إنك ترى الإمام الناقد العارف بهذا الفن يجد لرأي أحمد في رجل أو حديث هيبة، لا يملك دفعها، بل إنه ليدفع عن نفسه التردد في الشيء اقتداء بأحمد.
فهذا الناقد البصير أبو حاتم الرازي يقول في (أبي معشر نجيح السندي): " كنت أهاب حديث أبي معشر، حتى رأيت أحمد بن حنبل يحدث عن رجل عنه أحاديث، فتوسعت بعد في كتابة حديثه " (٢).
وأحمد رأسٌ في التثبت في الجرح والتعديل، وسَط العبارة، قوله حكمٌ بين الأقوال، قلما تصيرُ بالمحقق نتيجةُ تحقيقه فيمن اختُلف فيه إلى خلافٍ قوْل أحمد.
وبه تخرَّج رءوس هذا العلم بعده، كالبخاري وأبي داود السجستاني وأبي زُرعة الرازي، وأبي زُرعة الدمشقي، وغيرهم.
٩ - محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة: ٢٥٦).
قال الترمذي: " لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل " (٣).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٧/ ٧٣).
(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٩٤).
(٣) العلل الصغير في آخر " الجامع " (٦/ ٢٢٩).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قلت: البخاري صنع للناس منهاجًا في تمييز الصحييح من السقيم، كما أتى على تتبع النقلة على صفة لم يسبق إليها، وصنف في كل ذلك ما صار للناس إمامًا في صنوف هذا العلم، وعلى منهاجه وأثره جرى مسلم بن الحجاج في تصنيف (الصحيح) وإن انفرد فيه بزيادة وتهذيب، وكذا صار القدوة لجميع من جاء من بعد فجرد الصحيح، وبه تخرج الناقد أبو عيسى الترمذي.
وعلى كتابه في " التاريخ " بنى ابن أبي حاتم كتابه " الجرح والتعديل "، فصار يعرض تراجمه على أبيه أبي حاتم وصاحبه أبي زرعة، ويجيبان بما يأتي على الموافقة والتصديق لما قاله البخاري في أكثر ذلك الكتاب، ثم يزيدان مع ابن أبي حاتم الفوائد مما لم يذكره، ولا يتعقبان البخاري إلا في المواضع اليسيرة.
فأصَّل لذلك البخاري، وهؤلاء الأئمة بعده بنوا على علمه وجروا على أثره، فمعاناته أعظم، وفضله على الجميع إن شاء الله أكبر، ﵀.
١٠ - أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم (المتوفى سنة: ٢٦٤).
قال الذهبي: " يعجبني كثيرًا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح " (١).
١١ - أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس (المتوفى سنة: ٢٧٧).
قال الذهبي: " إذا وثق أبو حاتم رجلًا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلًا صحيح الحديث، وإذا لين رجلًا أو قال فيه: لا يحتج به، فتوقف، حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم؛
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٨١).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فإنه متعنِّت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك " (١).
قلت هؤلاء الأعلام نماذج رءوس المؤسسين لموازين نقد الرواة، وفي طبقة كل آخرون من كبار الأئمة تكلموا في تمييز النقلة، ومن مدارس هؤلاء تخرج من انتهى إليه الناس في أزمانهم في معرفة هذا العلم، وعلى أثرهم جرى من جاء من بعد من متأخري العلماء حين ناقشوا أحوال النقلة وصنفوا فيهم، كالنسائي وابن خزيمة والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني والحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي وابن عبد البر وابن عساكر والمزي والذهبي وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من أهل الطبقات المختلفة، ﵃.
* * *
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٦٠).
[ ١ / ٢٣١ ]
الفصل الثاني
تفسير التعديل
[ ١ / ٢٣٣ ]
المبحث الأول:
معنى العدالة
رواية الحديث لا يجوز إجراؤها على مجرد حسن الظن في الناقل، حتى تبرأ ساحته وتثبت أهليته، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: " خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم، والحديث " (١).
قلت: يؤيد ذلك ثبوت الجرح في كثير من الرواة.
والأساس الذي ينبني عليه قبول حديث الراوي مما يتصل بشخصه: أن يكون عدلًا في نفسه، ضابطًا لما يرويه.
فهذان أصلان: العدالة، والضبط، لا بد من اجتماعهما فيه على سبيل ثبوتهما كصفة للناقل، لا يصح اعتماد نقله بدونهما.
فما هو معنى العدالة؟
العدل في اللغة، قال ابن فارس: " العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة " (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٥) والعقيلي في " الضعفاء " (١/ ٩) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٤٥) وإسناده صحيح.
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٢٤٦).
[ ١ / ٢٣٥ ]
لا يصلح عد الصغائر مفسقات
أما في الشرع، فالمعتبر في العدالة بعد الإسلام: هو السلوك الظاهر من الراوي، مما عرف معه أنه على استقامةٍ.
والإنسان يذكر بالخير أو بالشر بحسب ما يبدو منه، والسرائر موكولة إلى الله، فليس اعتبارها والبحث عنها مطلوبًا لإثبات العدالة.
وقد صح عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: " إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة " (١).
والحد المعتبر في السلوك الظاهر: أن لا يوقف منه على مفسق في دينه.
ولا يصلح عد الصغائر مفسقات، من أجل انتفاء العصمة منها، فإن الله تعالى قال عن عباده في مقام الثناء عليهم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
وقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه " (٢).
قلت: فهذا دليل على أن الصغائر لا ينفك عنها عموم البشر، وهي
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في " الصحيح " (رقم: ٢٤٩٨) و" خلق أفعال العباد " (رقم: ٤١٦) والبيهقي في " الكبرى " (٨/ ٢٠١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٣٦) من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني حُميد بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عُتبة بن مسعود قال: سمعت عمر، به.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٥٨٨٩، ٦٢٣٨) ومسلم (رقم: ٢٦٥٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
لا فسق مع الشبهة
تكفر عن صاحبها بالحسنات الماحية، كالصلوات الخمس، وشهود الجمعة، وصوم رمضان، والاستغفار، والصدقة وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
ولا يكون الفسق إلا بما يحتمل الشبهة في الشيء الذي يحكى عن الراوي، فقول مثلًا: (فلان كان يشرب المسكر)، كما قيلت في بعض الرواة، فهذه تحتمل أن يكون مراد قائلها بالمسكر: ما كان يراه أهل الكوفة في النبيذ ويستبيحونه منه، وهو مذهب كثير من ثقاتهم وفقهائهم، فلا يكون مفسقًا؛ لما يجري فيه من التأويل.
والفسق لا يجامع التأويل الذي ظهر وجهه.
أي: من وقع في مفسق متأولًا، فلا يفسق به، من أجل اعتقاده أنه غير مفسق، وذلك كالبدعة أيضًا، فهذا لا ينافي العدالة.
وكذلك من غلب فضله وصلاحه، فالأصل اعتبار ذلك منه، ما دام غالب حاله الاستقامة.
قال الشافعي: " لا نعلم أحدًا أعطي طاعة الله تعالى حتى لم يخلطها بمعصية، إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى الله عزوجل فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح " (١).
ويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام على (صور الجرح غير المؤثر).
وهذه هي العدالة الدينية، ولا تغني وحدها لقبول حديث الراوي، حتى ينضم إليها ركن الضبط والإتقان لما يرويه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ومناقبه " (ص: ٣٠٥ - ٣٠٦) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٣٨) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٣٧ ]
المبحث الثاني:
الدليل على اشتراط عدالة الناقل لقبول خبره
دل على ذلك النصوص النقلية من جهتين:
الأولى: إلغاء القرآن الاعتداد بخبر الفاسق لذاته، في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
والفاسق ضد العدل، فإذا ألغى تصديق الفاسق في خبره، وأوجب التحري، من أجل أن الفسق لا يمنع الكذب، بل الكذب ذاته من خصال الفسق، فدل مفهمومه: أن الخبر العدل مقبول.
والجهة الثانية: ما فرض الله من العدالة في الشهود في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وكما قال سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ووجه الدلالة في ذلك على وجوب العدالة لقبول الأخبار، هو أن إيجاب العدالة في الشاهد من أجل ما يحتاج إليه من صدقه لإثبات الحقوق في الأموال وغيرها، وحق الله أعظم من حقوق العباد، وحفظ الدين من حفظ حق الله، وهو الضرورة العظمى التي دونها سائر الضرورات، كضرورة
[ ١ / ٢٣٨ ]
المال والنفس والعرض، فإذا أمر الله بفرض العدالة فيمن يشهد على درهم، ففرضها في حق من يقول: (قال رسول الله ﷺ) آكد وأعظم، من جهة اتصال ذلك بحفظ ضرورة الدين.
فكيف إذا ضممت إلى ذلك ما عظمته النصوص المتواترة في الكذب على النبي ﷺ؟ فغير العدل لا يمنعه شيء من الكذب.
من أجل ذلك قال الله ﷿ في القذفة: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
قال مسلم بن الحجاج: " والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما " (١).
قلت: بل شأن الحديث يرجح من بعض الوجوه، خصوصًا في جانب ضبط الرواية، كما سيأتي في ذكر الفرق ما بين الشهادة والرواية.
وهاتان الجهتان اللتان ذكرت ظاهرتان في وجوب حمل الحديث عن العدول، لا عن غيرهم.
وأما ما روي من نصوص مباشرة في اشتراط ذلك فلا يثبت منه شيء، كحديث: " هلاك أمتي في العصبية والقدرية والرواية عن غير ثبت "، فهذا حديث موضوع (٢).
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٩).
(٢) أخرجه الفريابي في " القدر " (رقم: ٣٨٨) - وعنه: الطبراني في " الكبير " (١١/ ٨٩ - ٩٠ رقم: ١١١٤٢) - وابن أبي عاصم في " السنة " (رقم: ٣٢٦، ٩٥٠) - ومن طريقه: أبو نعيم في " المستخرج (رقم: ٣٩) - والبزار (رقم: ١٩١ - كشف الأستار) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١٢ - ٤١٣) والعقيلي في " الضعفاء " (٤/ ٣٥٩) - ومن طريقه: ابن الجوزي " الموضوعات " (رقم: ٥٣٩) - وابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٤٣، ٢٤٤، و٨/ ٤٣٨) واللالكائي في " السنة " (رقم: ١١٣٠) من طريقين عن هارون بن هارون، عن مجاهد عن ابن عباس، به مرفوعًا. ورواه بقية بن الوليد، فقال: عن أبي العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤) وأبو نعيم في " المستخرج " (رقم: ٣٩) واللالكائي في " السنة " (رقم: ١١٢٩) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٥٨) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٧٤) والسمعاني في " أدب الإملاء " (ص: ٥٦). قلت: أبو العلاء هذا هو هارون بن هارون، كذلك كناه بقية، وكان مبتلى بالتدليس. فأخرجه العقيلي (٤/ ٣٥٩) - ومن طريقه: ابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ٥٣٩) - من طريق بقية، قال: حدثنا هارون بن هارون أبو العلاء الأزدي، عن عبد الله بن زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤)، لكنه لم يذكر كنية هارون. وترى ههنا أنَّ هارون هذا إنما أخذه بواسطةٍ عن مجاهد، فهو تارةً يُسقطها، وتارة يذكرها، وتارة يكني عنها، فقد قال بقية مرة: عن هارون بن هارون أن شيخًا من الأنصار حدثه، عن مجاهد عن ابن عباس. كذلك أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤). وعبد الله بن زياد شيخ هارون فيه: هو آفته، وهو ابن سمعان، وكان يتلاعب بإسناده، فقال فيه مرة أيضا: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤). وقال مرة - إن ثبت عنه _: عن عطاء، يعني ابن رباح، عن ابن عباس. أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١٢) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٧٤) من طريق أحمد بن حازم الغِفاري، قال حدثنا حسن بن قتيبة، عنه. وحسن هذا ضعيف. قال ابن عدي: " رواة هذا الحديث شوَّشوا الإسناد، وبلاءُ هذه الأحاديث من هارون بن هارون، وهو منكر الحديث،. . وعبد الله بن زياد بن سمعان ضعيف جدا، وهؤلاء كلهم اضطربوا في إسناده لوْنًا لوْنًا ". قلت: بل ظاهر الأمر أنه حديث ابن سمعان، هو الذي كان يتلاعب في تركيب أسانيده عن ابن عباس، وهارون أسقطه في بعض روايته تدليسًا، كما قال ابن الجوزي: " ترك ذكر ابن سمعان لأنه كذاب "، وما هذا بالاضطراب. وقال البزار: " لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ من وَجهٍ صحيح، وإنما ذكرناه إذ لا يُحفظ من وجه أحسن من هذا، وهارون ليس بالمعروف بالنقل ". وقال ابن الجوزي: " حديث موضوع على رسول الله ﷺ " وحمل فيه على ابن سمعان، فقال: " هو المتهم بهذا الحديث ". قلت: ابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سِمعان مدني كذبوه، وهو متروك الحديث. فقوْل ابن عبد البر بعد هذا: " هذا حديث انفرد به بقية عن أبي العلاء، وهو إسناد فيه ضعف لا تقوم به حُجة "، وقال: " والحديث الضعيف لا يُدفع وإن لم يُحتج به، ورُبَّ حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى "، فهذا لو كان الضعف يسيرًا لسوء حفظ مع الصدق، أما أن يتبيَّن أن أصل هذا الحديث ينتهي إلى ابن سمعان لا يتجاوزه، فلا. ورُوي مرفوعًا من حديث أبي قتادة الأنصاري، وعلي بن أبي طالب. أما حديث أبي قتادة، فأخرجه الطبراني في " الصغير " (رقم: ٤٣٢) " الأوسط " (٤/ ٣٣٦ رقم: ٣٥٧٩) وابن عدي (١/ ٢٤٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٧٤) و" الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٢٦١) والسمعاني في " أدب الإملاء " (ص: ٥٦) من طريق محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي، حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، به. قلت: وإسناده واهٍ، ابن العلاء هذا مُتهم بوضْع الحديث وسويد ضعيف الحديث. وأما حديث علي، فأخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٥) من طريق عمر بن شبَّة، قال: حدثني عيسى بن مُحمد (!) بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي، به ضمن سياق. في ذم العصبية. قال ابن عدي: " وهذا الحديث لا أعلم يرويه غير عيسى بن محمد ". قلت: كذا ذكره ابن عدي، والصواب: (عيسى بن عبد الله) وذكر (ابن مُحمد) خطأ في الإسناد، فعيسى من أبناء عبد الله، وكذلك ترجم له الأئمة، وهو آفة هذا الحديث، وسائر الإسناد يُحتمل، لكنه قد هوى به، فهو متروك الحديث، أتى بموضوعات. وروى هذا الحديث أبو البختري وهب بن وهب بإسنادٍ إلى الحسن البصري، به مرسلًا. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وأبو البختري هذا من أعيان المعروفين بالكذب ووضْع الحديث.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الفرق بين عدالة الشاهد وعدالة الراوي
ومثل هذه الأحاديث لا يصح التعلق بها في شيء، وقد أغنى الله عنها.
تبيين الفرق بين العدالة للشاهد والعدالة للراوي:
روي في اتحاد معنى العدالة فيهما حديث موضوع: " لا تأخذوا العلم إلا ممن تجيزون شهادته " (١)، وهذا لا يعتمد عليه في شيء.
_________________
(١) أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١١) وابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٥٥، ٢٥٦، و٣/ ٢٨٩ و٥/ ٧٧) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٢٥) والخطيب في " تاريخه " (٩/ ٣٠١) و" الكفاية " (ص: ١٥٨، ١٥٩) والرافعي في " تاريخ قزوين " (٣/ ٣٩٩) وابن الجوزي في " العلل " (رقم: ١٨٧) من طرق عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، به. وفيمن رواه عن صالح ثقة وضعيفٌ، وليس الحمل فيه إلا على صالح هذا وهو مدني، منكر الحديث ليس بثقة. ومن الرواة من حدث به عنه عن محمد بن كعب مُرسلًا، ليس فيه ابن عباس. ومنهم من حدث به عنه عن محمد بن كعب عن ابن عباس قوله ولم يرفعه. أخرج ذلك الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥٩، ١٦٠)، كما روى المرسل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٨). والموقوف ابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٥٦). وهكذا كان أو كذلك، فإنه لا يثبت منه شيء، قال الخطيب: " إن صالح بن حسان تفرَّد بروايته، وهو ممن اجتمع نُقاد الحديث على ترك الاحتجاج به؛ لسوء حفظه، وقلة ضبطه ". وقال ابن حبان: " هذا خبرٌ باطل رفْعه، وإنما هو قول ابن عباس " وحَمل فيه على أحد من رواه عن صالح .. قلت: بل لم يثبت عنه أيضًا؛ لما ذكرت من حال صالحٍ نفسه. وروى بقية بن الوليد، قال: حدثنا إسحاق بن مالك، عن أبي بكر التميمي، عن الحسن، به مرسلًا. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٥٦) وإسناده لا يثبت، فإسحاق من شيوخ بقية المجهولين، والتميمي هذا لم يتبين من يكون، وأخاف أن يكون دلسه بقية، ثم هو إلى ذلك كله مرسل. وأخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١/ ٣١) من رواية الحسن بن ذكوان عن الحسن به مرسلًا. وابن ذكوان هذا ضعيف.
[ ١ / ٢٤١ ]
والتحقيق: أن الاتفاق بين الشاهد والراوي معتبر في العدالة والصدق، لكنهما يفترقان في معاني تقبل فيها الرواية ولا تقبل الشهادة:
فاعتُبِرت مثلًا في الشاهد الحرية، لكنها لا تطلب في الراوي، ففي الرواة الثقات كثير من الموالي؛ إذا الرق لا ينافي العدالة.
ويقبل في الرواية خبر الواحد العدل، ويقبل في صيغة الرواية: (حدثني فلان عن فلان)، وليس كذلك في الشهادة.
والحديث يشهد للحديث، كما تشهد له الأصول، وليس كذلك الشهادة.
يقابل ذلك أن قومًا تقبل شهادتهم، ولكن لا تقبل رواياتهم؛ لما يوجبه حفظ وأداء الرواية من الاحتياط في اللفظ والمعنى (١).
_________________
(١) وانظر: الرسالة، للشافعي (الفقرات: ١٠٠٨ - ١٠١٤)، وانظر لبعض فوارق الشهادة والرواية: شروط الأئمة الخمسة، للحازمي (ص: ١٤٩ - ١٥٠).
[ ١ / ٢٤٢ ]
كما قال الشافعي، وحكي عن سائل سأله: قد أراك تقبل شهادة من لا تقبل حديثه؟ قال: " فقلت: لكبر أمر الحديث وموقعه من المسلمين، ولمعنى بين، قال: وما هو؟ قلت: تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظة المحدث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيحيل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى، كان غير عاقل للحديث، فلن نقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل إن كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى. قال: أفيكون عدلًا غير مقبول الحديث؟ قلت: نعم، إذا كان كما وصفت كان هذا الموضع ظنة بينة يرد بها حديثه، وقد يكون الرجل عدلًا على غيره ظنينًا في نفسه وبعض أقربيه، ولعله أن يخر من بعد أهون عليه من أن يشهد بباطل، ولكن الظنة لما دخلت عليه تركت بها شهادته، فالظنة ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه، أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته فيما هو ظنين فيه بحال " (١).
قلت: وليس اعتبار خصائص الشهادة من مباحثنا هذه، ومحلها مطولات كتب الفقه.
* * *
_________________
(١) الرسالة (ص: ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
المبحث الثالث:
طريق إثبات عدالة الراوي
راوي الحديث قد يكون ممن عرف شأنه وتبينت سيرته بما اشتهر به من العلم أو الصلاح والعبادة أو الحكم أو غير ذلك، لكن أكثر الرواة لم يعرفوا إلا في سياق ما رووه من الحديث، وهؤلاء فيهم المكثر من الرواية، وفيهم المقل، وفيهم من اشتهر بكثرة من حمل عنه الحديث، وفيهم من لم يرو عنه إلا النفر اليسير، وفيهم من لم يرو عنه إلا راو واحد.
وبهذه الاعتبارات المختلفة فإن إثبات العدالة بمعناها المتقدم للراوي، وهو الإسلام واستقامة الظاهر، لا سبيل له إلا اعتماد رواية الراوي عنه كتعريف نسبي به، يثبت به وجوده، ويدل على كونه جار على أصل السلامة والاستقامة في الدين ما لم يحفظ عليه قادح.
وعليه فيمكن تقسيم الرواة إلى قسمين:
القسم الأول: من علمنا دينه وقدر استقامته من خلال سيرته المنقولة إلينا بالطرق المعتبرة، كأبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم ممن عرفت سيرهم واستقرت بذلك عدالتهم، وكسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي حنيفة ومالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الأمة
[ ١ / ٢٤٤ ]
الخلاف في عدد الرواة عن الشيخ لإثبات عدالته، وتحرير الراجح
المستقرة عدالتهم بما عرف من سيرهم في العلم والعبادة والزهد، وهكذا عامة من حفظت عنهم الأخبار في بيان أحوالهم، فدلتا على منزلتهم في العدالة، ومكانتهم في الديانة حتى أغنى ذلك عن تتبع أمرهم والبحث عن درجاتهم، وفي بعض النقلة وإن كانوا قلة من حفظ لنا من سيرهم ما يفيد الجرح في العدالة، كالذي نقل لنا من سير بعض الأمراء وما ذكروا به من الظلم كبسر بن أرطاة (١)، والحجاج الثقفي.
والقسم الثاني: من لم يعرف من سيرته المنقولة ما يساعد على إثبات عدالته، وليس لدينا من أمره إلا راويته الحديث، وهؤلاء هم أكثر الرواة كما تقدم.
فهذا قد اعتبر لإثبات عدالته: ثقة الراوي عنه مع صحة الإسناد إليه.
فكأنهم قالوا: الأصل في الراوي الإسلام، والأصل في المسلم: العدالة، والفسق عارض، فحيث لم ينقل في حق الراوي فهو عدل.
لكن اختلفوا هنا: هل يكفي لإثبات هذه العدالة أن يروي عنه واحد، أم يشترط أن يكون اثنان فصاعدًا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: تثبت العدالة بأن يروي عن الراوي من هو معروف بالثقة والعلم والتثبت في الأخذ، دون اعتبار عدد.
قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: " إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول "، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق قال: " هؤلاء يروون عن مجهولين " (٢).
_________________
(١) ولا صُحبة له على التحقيق، وكان ظالمًا جائرًا.
(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي (١/ ٨١ - ٨٢).
[ ١ / ٢٤٥ ]
قلت: هذا قد اعتبر فيه ابن معين تثبت الراوي في الأخذ واحتياطه في عدم الرواية عمن لم يعرف، فأما من لم يكن يبالي عمن روى فلا تثبت بروايته العدالة وإن كان ثقة.
ومثله في المعنى ما نقله أبو داود السجستاني قال: قلت لأحمد (يعني ابن حبان): إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: " يحتج بحديثه " (١).
وهذا المذهب جرى عليه عمل الشيخين البخاري ومسلم في الاحتجاج بحديثه من لم يرو عنه إلا واحد من الصحابة، لكن ثبوت العدالة المطلقة للصحابة يخرجهم عن سائر الرواة، ويأتي ذلك.
وهو مذهب ابن حبان أيضًا، جرى عليه في " ثقاته " كما سيأتي في مبحث خاص، لكنه توسع فجعل مجرد رواية الثقة وإن لم يعرف بالاحتياط في الأخذ تعديلًا.
والمذهب الثاني: أن يروي عنه اثنان فأكثر.
وهذا المذهب جاء عن الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، قال: " إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة " (٢).
وقد نسبه الحاكم والبيهقي إلى البخاري ومسلم فيمن خرجا حديثه في كتابيهما، وبينت خطأ ذلك في الكلام على شرط الشيخين، وأن الصحيح أنهما أخرجا حديث من لم يرو عنه إلا واحد واحتجابه من الصحابة خصوصًا.
وكذلك قال ابن عدي في ترجمة (سعيد بن أبي راشد): " لا أعلم يروي عنه غير مروان الفزاري، وإذا روى عنه رجل واحد كان شبه مجهول " (٣).
_________________
(١) سؤالات أبي داود لأحمد (النص: ١٣٧).
(٢) الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: ١٥٠) وإسناده صحيح.
(٣) الكامل، لابن عدي (٤/ ٤٤٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقال في (أبي الجهم الإيادي) راوي حديث: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ": " مجهول، لم يحدث عنه غير هشيم، وليس له إلا هذا الحديث الواحد " (١).
فجعل رواية الواحد عن رجل وإن كان ذلك الواحد ثقة لا ترفع عنه الجهالة.
وقال أبو عبد الله بن منده: " من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهورًا، مثل الشعبي وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به " (٢).
قلت: وهذا إذا قاله في الصحابي، فهو عنده في غيره أولى في إثبات الجهالة برواية الواحد.
وهذا القول لم يشترط عدالة الرجلين.
وذكر الدارقطني (خشف بن مالك)، فقال: " هو رجل مجهول، ولم يرو عنه إلا زيد بن جبير، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر يتفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلًا مشهورًا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره " (٣).
واختاره الخطيب، لكن قيده، فقال: " أقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم " (٤).
_________________
(١) الكامل (٥/ ١٣٦).
(٢) شروط الأئمة الستة، لابن طاهر المقدسي (ص: ٩٩ - ١٠٠) قلت: وقوله: واحتج به " غيرُ مسلم إذا أجريناه في غير الصحابة حتى يتوفَّر شرط الضبط.
(٣) سنن الدارقطني (٣/ ١٧٤).
(٤) الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).
[ ١ / ٢٤٧ ]
وهذا القيد: (أن يكون من روى عنه مشهورًا بالعلم) ينبغي أن يراد به الثقة، فالشهرة بالعلم والرواية مع الكذب والوهاء لا خير فيها.
سأل عثمان الدارمي يحيى بن معين قال: قلت: عطاء بن المبارك، تعرفه؟ فقال: " من يروي عنه؟ "، قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بشير، فقال: " هه! " كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن البشير، فقال: " لا أعرفه "، قال عثمان: " أحمد بن بشير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك " (١).
ومثاله أيضًا (أبان الرقاشي) والد يزيد، قال فيه ابن عدي: " لا يحدث عنه غير ابنه يزيد بالشيء اليسير، ومقداره ما يرويه ليس بمحفوظ، على أن له مقدار خمسة أو ستة أحاديث مخارجها مظلمة " (٢).
وهكذا قال ابن حبان: " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٣).
وهذا النمط من المجهولين يتفرد عن أحدهم الراوي المجروح جهالة أحدهم جهالة عين في الرواية.
والراجح:
صحة اعتبار المذهبين في عموم الرواة عدا الصحابة (٤)، على التفصيل التالي:
١ - تثبت العدالة للراوي إذا روى عنه اتصالًا من كان متثبتًا في الأخذ، وإن كان واحدًا.
_________________
(١) تاريخ الدارمي (النص: ٦٦٤).
(٢) الكامل، لابن عدي (٢/ ٦٩).
(٣) المجروجين، لابن حبان (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٤) لعدالة الصحابة تأصيلًا، وأن مجهولهم مقبول الرواية تحقيقًا.
[ ١ / ٢٤٨ ]
٢ - من لم يعرف بالتثبت في الأخذ وإن كان ثقة، لا تثبت العدالة بروايته حتى يوافقه في الحمل عن ذلك الراوي غيره ممن يصلح الاعتداد به، أو يدل اختبار حديثه على حفظه فيقوم ذلك مقام العدد، كما سيأتي في (المبحث التاسع).
٣ - من لم يرو عنه إلا راو مجروح، فهو مجهول، ولا يحكم بعدالته بذاك، من جهة الريبة في إثبات شخصه أصلًا، وهو (مجهول العين).