نقل الذهبي قول أبي الحسن بن القطان في (بقية بن الوليد): " بقية يدلس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته " (١)، ثم تعقبه بقوله: " نعم، والله! صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس أنه تعمد الكذب، هذا أمثل ما يعتذر به عنهم " (٢).
ومن اجتهادهم: إحسان الظن بمن أسقطوه، وإن كان مجروحًا عند غيرهم، وأسقطوه تمشية لروايته.
ومن ذلك: صغر سن الشيخ المدلس عن سن المدلس.
ومن ذلك: كراهة ذكره، لسوء حاله من جهة أمر لا يعود إلى نفس حديثه.
مثل ما وقع للوليد بن مسلم، حدث بحديث عن شيبان بن عبد الرحمن، عن علي بن عبد الله بن عباس، فبين أبو حاتم الرازي أن الوليد ترك من الإسناد (سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس)، بين ذلك وعلله فقال: " الذي أرى أن الوليد بن مسلم ترك (سليمان) من الإسناد على العمد؛ لأن سليمان أسرف في القتل والنكاية فيهم، فكان يكره أن يكون ذكره في الحديث " (٣).
النوع الثاني: تدليس الأسماء.
ويقال: تدليس الشيوخ.
_________________
(١) انظر: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لابن القطان (النص: ١٦٣٣).
(٢) ميزان الاعتدال (١/ ٣٣٩).
(٣) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٩٧٨)
[ ٢ / ٩٥٩ ]
تعريفه: " أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا، فغير اسمه، أو كنيته، أو نسبه، أو حاله المشهور من أمره؛ لئلا يعرف " (١).
وذلك يفعل لأسباب، منها:
١ - كون الشيخ مجروحًا.
٢ - كون المدلس قد شورك في الرواية عن ذلك الشيخ من قبل من هم دونه في السن أو العلم أو غير ذلك.
٣ - كون ذلك الشيخ أصغر سنا من الراوي عنه.
كما وقع لسفيان بن عيينة، فيما أخبر به أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن عيينة يوما ً عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: " يجزئ الجنب أن ينغمس في الماء "، قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر، قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك الصنعاني عبد الرزاق (٢).
٤ - كثرة ما عند ذلك الراوي عن الشيخ، فيغير في اسمه دفعًا للتكرار (٣).
ومن أمثلة هذا النوع من التدليس:
عطية بن سعد العوفي، كان روى عن أبي سعيد الخدري، روى التفسير عن محمد بن السائب الكلبي، فكنى هذا الأخبار (أبا سعيد) (٤)،
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٢٠) ونحوه (ص: ٥٩).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣١) وإسناده صحيح. وفي " مصنف عبد الرزاق " (١/ ٢٦٤ رقم: ١٠١٤) عن معمر، عن زيد بن أسلم في الرجل يغسل رأسه بالخِطْمي وهو جنب ثم يتركه حتى يجف، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: ما مَسَّ الماءَ منك وأنت جُنبٌ فقد طهر ذلك المكان.
(٣) ذكر هذه الأسباب الأربعة الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢٠).
(٤) العلل، للإمام أحمد (النص: ١٣٠٦، ١٣٠٧)، المجروحين، لابن حبان (٢/ ٢٥٣)، الكفاية، للخطيب (ص: ٥١٢).
[ ٢ / ٩٦٠ ]
والكلبي متهم بالكذب، فما يرويه في التفسير عن أبي سعيد فالمظنة أن يكون الكلبي، ما لم يقل: (الخدري).
ومنهم زهير بن معاوية، فقد روى عن أبي يحيى القتات، أحد الضعفاء، وكان يقول: (أبو يحيى الكناسي) ينسبه إلى كناسة الكوفة (١)، وهو غير مشهور بذلك.
ومنهم: الوليد بن مسلم الدمشقي، ومن أمثلة فعله ذلك، أنه كان يروي عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم) فيقول: " قال أبو عمرو "، و" حدثنا أبو عمرو عن الزهري " يوهم أنه الأوزاعي، وإنما ابن تميم، وكلاهما رويا عن الزهري (٢)، وابن تميم هذا منكر الحديث ليس بثقة.
ومنهم: بقية بن الوليد الشامي، ومن أمثلة صنيعه: أنه كان يقول: " حدثنا الزبيدي "، فيذهب الظن إلى أنه عنى (محمد بن الوليد الزبيدي)، الثقة، وإنما هو (زرعة بن عبد الله، أو عمرو الزبيدي) (٣) أحد المجهولين الضعفاء.
بل ذكر بهذا التدليس سفيان الثوري على جلالته، فقد كان يروي عن الكلبي، فيقول: " حدثنا أبو النضر " فيظن أنه أراد به (سعيد بن أبي عروبة) أو (جرير بن حازم) (٤)، فالجميع يكنون بهذه الكنية، وكلهم يروي عنهم الثوري، والكلبي متهم بالكذب، والآخران ثقتان.
وكان يحدث عن عبيدة بن معتب الضبي، قال يعقوب بن سفيان: " حديثه لا يسوى شيئًا، وكان الثوري إذا حدث عنه كناه، قال: أبو عبد الكريم، ولا يكاد سفيان يكني رجلًا إلا وفيه ضعف، يكره أن يظهر اسمه فينفر منه الناس " (٥).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد (النص: ١٥٢٣).
(٢) المجروحين (١/ ٩١، و٢/ ٥٥).
(٣) المجروحين (١/ ٩١)
(٤) المجروحين (١/ ٩١).
(٥) المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان الفسوي (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ٢ / ٩٦١ ]
وذكر ابن حبان في ترجمة (محمد بن سالم الكوفي) أن الثوري كان يحدث عنه ويكنيه، يقول: (حدثني أبو سهل)، قال ابن حبان: " كان هذا مذهبًا للثوري: إذا حدث عن الضعفاء كناهم حتى لا يعرفوا، كان إذا حدث عن عبيدة بن معتب قال: حدثنا أبو عبد الكريم، وإذا حدث عن سليمان بن أرقم قال: حدثنا أبو معاذ، وإذا حدث عن بحر السقاء قال: حدثنا أبو الفضل، وإذا حدث عن الكلبي قال: حدثنا أبو النظر، وإذا حدث عن الصلت بن دينار قال: حدثنا أبو شعيب، ومن يشبه هؤلاء من الضعفاء ممن يكثر عددهم " (١).
ومنهم: قيس بن الربيع، فقد روى عن عمرو بن خالد الواسطي أحد المتروكين، فسماه مرة: (عمرو بن عبد الله مولى عنبسة)، ومرة: (عميرًا مولى عنبسة) (٢).
ومنهم: مروان بن معاوية الفزاري، قال يحيى بن معين: " كان مروان بن معاوية يغير الأسماء؛ يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وهو الحكم بن ظهير، ويروي عن علي بن أبي الوليد، وهو علي بن غراب " (٣).
وقال يحيى بن معين وسئل عن مروان الفزاري: " كان ثقة فيما يروي عمن يعرف، وذاك أنه كان يروي عن أقوام لا يدري من هم، ويغير أسماهم، وكان يحدث عن محمد بن سعيد المصلوب، وكان يغير اسمه يقول: حدثنا محمد بن أبي قيس؛ لئلا يعرف " (٤).
_________________
(١) المجروحين (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وقال نحوه الحاكم النيسابوري في " سؤالات مَسعود السجزي له " (النص: ٥١).
(٢) انظر: الموضع لأوهام الجمع والتفريق، للخطيب (٢/ ٢٨٩).
(٣) المجروحين (١/ ٩١ - ٩٢) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢١ - ٥٢٢) وابنُ عساكر في " تاريخه " (٥٧/ ٣٥٥) من رواية ابن أبي خيثمة، عنه، وروى نحو ذلك غيره عن يحيى بن معين، منهم: الدوري في " تاريخ يحيى " (النص: ٢٦١١ - ٢٦١٢).
(٤) الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٢٠٣)، ومن طريقه: ابنُ عساكر في " تاريخه " (٥٧/ ٣٥٤)، وضبطُ السياق منه، وهو من رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن ابن معين
[ ٢ / ٩٦٢ ]
قلت: والمصلوب هذا كان يدلس اسمه على نحو من مئة اسم (١).
ومنهم: هشيم بن بشير الواسطي، فقد كان يروي عن (عبد الله بن ميسرة السجستاني) أحد الضعفاء، ويكنيه بكنى مختلفة، قال يحيى بن معين: " كان يكنيه بثلاث كنى: أبو إسحاق الكوفي، وأبو ليلى، وأبو جرير " (٢)، وزاد ابن عدي كنية رابعًا (أبا عبد الجليل) (٣).
ومن غريب ما وقفت عليه من أمثلة تدليس هذا النوع ما حكاه الدارقطني عن (سليمان بن الربيع النهدي)، قال: " يقال: كادح بن رحمة له اسم كان يعرف به، فغيره سليمان بن الربيع فسماه كادحًا، ذهب إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦] "، قال " وقد روى سليمان بن الربيع هذا أحاديث مناكير عن شيخ آخر، فغير اسمه سماه همام بن مسلم، وأظنه ذهب إلى قول النبي ﷺ: كل بني آدم همام " (٤)، قال الدارقطني: " أراد: منهم من يهم بالخير، ومنهم من يهم بالشر، وذهب إلى أن أباه كان مسلمًا، فقال: همام بن مسلم " (٥).
ومن كان يفعله لا لجرح في الراوي، وإنما للسبب الرابع المتقدم، وهو دفع الملالة بالتكرار، جماعة من المتأخرين، منهم الخطيب البغدادي، كقوله: (أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي)، ويقول أحيانًا: (أخبرنا أحمد بن
_________________
(١) الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٧٢)، والكفاية، للخطيب (ص: ٥٢٢).
(٢) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (٥/ ٢٨٢) وإسناده صحيح.
(٣) الكامل (٥/ ٢٨١).
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ من وَجهٍ يثبت، ورُوي من حديث أنس، وذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (رقم: ٢٤١٣) من حديث جابر بن عبد الله، لكن بيَّن أبو حاتم أنها لفظة أدرجت في الحديث. ويُروى من غير وجْه عن النبي ﷺ: " أحب الأسماء إلى الله: عبْد الله وعبْد الرحمن، وأصْدقها حارثٌ وهمام، وأقبحها حرْبٌ ومُرة "، فقد جاء من وُجوه مُرْسَلة ثلاثة عن أهل الشام، لتفصيلها مَقام آخر.
(٥) تاريخ بغداد (٩/ ٥٥).
[ ٢ / ٩٦٣ ]
محمد بن أحمد الروياني)، وهو شيخه الثقة الحافظ أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، نسبه إلى (القطيعة) محلة ببغداد نزلها لا يعرف بالنسبة إليها، ونسبته (الروياني) صحيحة لكنه غير مشهور بها كذلك (١).
ومن مظان كشف هذا النوع من التدليس، كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق " للحافظ الناقد أبي بكر الخطيب البغدادي.
واعلم أن تدليس الأسماء يصير إلى الجهالة بها، والجهالة سبب لرد الحديث أصلًا، فإذا لم تتبين حقيقة ذلك الراوي فهو مجهول، لكن تكمن الخطورة في إيهام هذا التدليس أن الراوي ثقة إذا التبس باسم أو كنية شيخ له من الثقات، لذا يوجب تيقظًا زائدًا.
وكذلك ينبغي الاعتناء بمعرفة أسماء من كان يفعل هذا من الشيوخ، فإنه يورد ريبة في كل شيخ لأحدهم غير معروف.
تحرير الفرق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي):
تقدم تعريف (تدليس الإسناد) عن أبي بكر الخطيب، وأنه شامل لما يرويه الراوي عمن لم يلقه ولم يسمع منه، وقد أدرك زمانه.
وأشرت إلى أن هذه صورة (الإرسال الخفي) لا التدليس.
وذكر ابن عبد البر عن طائفة تسميتها لرواية الرجل عمن لم يدركه تدليسًا أيضًا، لكن تعقبه بقوله: " إن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان " (٢).
قلت: وهذه الصورة إنما هي انقطاع ظاهر، وليست تدليسًا، ولا إرسالًا خفيا.
_________________
(١) وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٦٠٣)
(٢) التمهيد (١/ ١٥).
[ ٢ / ٩٦٤ ]
وتحرير القول في الإرسال الخفي، أنه: رواية الراوي عمن أدركه بصيغة العنعنة، وثبت أنه لم يسمع منه البتة، أو سمع منه شيئًا معينًا ولم يسمع منه غيره.
وهذا يعود إلى أسباب:
أولها: صغر الراوي، فلم يتهيأ له السماع من الشيخ البتة، أو سمع منه أو رأى شيئًا معينًا فبقي يذكره، فرواه.
مثل جماعة من التابعين رأوا بعض الصحابة ولم يسمعوا منهم، كالأعمش، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه.
وممن سمع لهذه العلة حرفًا أو شيئًا يسيرًا ولم يسمع غيره، ما رواه الحسن البصري عن عثمان أنه رآه يصنع أشياء، أو يأمر بأشياء فمن ذلك: قوله: رأيت عثمان يخطب وأنا ابن خمس عشرة سنة قائمًا وقاعدًا (١).
وعنه: أنه رأى عثمان بن عفان يصب عليه من إبريق (٢).
وعنه قال: شهدت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام (٣).
_________________
(١) أخرجه ابنُ سعد في " الطبقات " (٧/ ١٥٧) وإسناده حسن.
(٢) أخرجه ابن سعد (٧/ ١٥٧) وإسناده صحيح
(٣) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم: ١٣٠١) وابنُ أبي الدنيا في " ذمِّ الملاهي " (رقم: ١٣٨) - ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (٥/ ٢٤٥ رقم: ٦٥٣٦) - وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (رقم: ٥٢١) والذهبي في " السير " (١٠/ ٣١٧) من طرق عن المبارك بن فَضالة، عن الحسن، به، وبيَّن مُبارك سماعه من الحسن، وإسناده صحيح. وتابعه عليه: يونس بن عبيدٍ عن الحسن أن عثمان، ولم يقل: شَهدت، أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣ رقم: ١٩٧٣٤) وإسناده صحيح. كما تابعه: يوسف بن عبدة قال: حدثنا الحسن، قال: كان عثمان لا يخطب جُمعة إلا أمرَ .. الأثر. أخرجه البخاري في " الأدب " (رقم: ١٣٠١) وإسناده حسن، يوسف صالح الحديث. كما ذكره الذهبي في " السير " (٤/ ٥٦٨) من طريق قتادة وشعيب بن الحبحاب عن الحسن، قال في رواية قتادة: سمعت عثمان، وفي رواية شُعيب: شَهدت عُثمان. فالخبر بهذه الطرق صحيح بلا ريبة عن الحسن عن عثمان. تنبيه: من غريب ما وقفت عليه من التحريف: أن البيهقي أخرج هذه الرواية في " السنن " (٢/ ٤١٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس، عن الحسن، أن عثمان بن عفان، ﵁، كان يأمر بغسل الكلاب في الحمام. كذا وقعَ في المطبوعة، وفي هامشها تنبيه على الرواية الصحيحة عن أكثر من نسخة: (يأمر بقتل الكلاب والحمام)، لكن يبدو أن الناشر أبقى على هذه الرواية في أصل الكتاب من أجل الباب الذي أوردها البيهقي تحته، حيث قال: " باب نجاسة الأبوال والأرواث وما خرج من مخرج حي " مع ما ذكره تحته من الرواية فإنه لا يُناسبه إلا هذه الرواية المحرَّفة.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
وثانيها: أن يكونا تعاصرا لكن لا يثبت اللقاء من أجل اختلاف البلد، وعدم قيام الدليل على اجتماعهما في محل.
ومن أمثلته:
قال علي بن المديني: " الحسن لم يسمع من الضحاك (يعني ابن سفيان)؛ فكان الضحاك يكون بالبوادي ولم يسمع منه " (١).
وقال الدارقطني: " لا يثبت سماع سعيد (يعني ابن المسيب) من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا " (٢).
قلت: فكأنه يقول: لأن أبا الدرداء سكن الشام وأقام بها، وسعيدًا كان بالمدينة.
وفي معناه، ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: سئل أبي عن ابن سيرين: سمع من أبي الدرداء؟ قال: " قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة " (٣).
_________________
(١) العلل، لابن المديني (ص: ٥٥)، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٤٢).
(٢) العلل، للدارقطني (٦/ ٢٠٤).
(٣) المراسيل (ص: ١٨٧).
[ ٢ / ٩٦٦ ]
وعن أحمد بن حنبل، قال: " لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصريٌّ " (١).
قلت: وهذا من هذا القبيل، لكن صح عن زرارة قال: " حدثني تميم الداري " (٢)، وهذا نص لا يقبل التأويل في عدم ثبوت السماع، بل فيه دليل على أن عدم اللقاء في رأي أحمد كان مبنيا على مجرد المظنة، فحيث ثبت سماعه منه فقد اندفعت بذلك تلك المظنة.
ثالثها: أن يكون اللقاء ممكنًا، ولكن الراوي عن ذلك الشيخ لا يذكر في شيء من حديثه عنه ما يدل على السماع، وثبت أنه أحيانًا يروي عنه بعض حديثه بالوسائط.
وهذا مثل سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فإنه حدث عنه بأحاديث، وعامة النقاد كأحمد بن حنبل والبخاري على أنه لم يسمع منه، وأن روايته عنه في مواضع جاءت بواسطة معدان بن أبي طلحة.
نعم، قال أبو حاتم الرازي مرة: " لم يسمع من ثوبان شيئًا، يدخل بينهما معدان "، وهو كقول أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وقال مرة: " لم يدرك ثوبان " (٣)، واللفظ الأول في نفي السماع أولى، من أجل قوة مظنة الإدراك في الجملة، ولذا قال يعقوب بن سفيان: " لم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس " (٤).
واستُعمل هذا الطريق في التعليل نقاد الحديث، وهو من خفيه ومشكله، ويحتاج إلى فطنة وبحث، وتقدم في (النقد الخفي).
وأعل الدارقطني بمثله ما يرويه الحسن البصري عن أبي بكرة، من
_________________
(١) نقله ابن رجب في " شرح العلل " (١/ ٣٦٨).
(٢) أخرج ذلك البُخاري في " التاريخ الكبير " (٢/ ١ / ٤٣٩) بإسناد صحيح إلى زُرارة
(٣) المراسيل (ص: ٨٠).
(٤) المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٩٦٧ ]
أجل أنه وجد أحاديث الحسن عن أبي بكرة تأتي تارة بواسطة الأحنف بن قيس، وبه أعل أربعة أحاديث في " صحيح البخاري " (١).
غير أن قوله مرجوح، لثبوت الرواية عن الحسن صريحة بسماعه من أبي بكرة، وثبوت السماع مرة يخرج روايته عن شمولها بمبحث (الإرسال الخفي).
والعلم بوقوع الإرسال الخفي حاصل إما بتنصيص النقاد كالذي ذكرت بعض مثاله عنهم، أو أن يتبين باستقراء وسبر طرق الحديث، وهي الطريق لتمييز علل الحديث.
تاريخ التدليس:
وقوع التدليس قديم في الأسانيد، بدأ في عصر التابعين (٢).
_________________
(١) قال في " التتبع " (ص: ٣٢٣): " أخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها: زادك الله حرْصًا ولا تَعد، ومنها: لا يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة، ومنها: ابني هذا سيد. والحسن لا يَروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة ". قلت: وهو مُتعقب بما وَقع عند البخاري في رواية حديث: " ابني هذا سيد "، فإن الحسن قال فيه: " ولقد سمعْت أبا بكرة "، كما أخرجه البخاري في (كتاب الصلح) (رقم: ٢٥٥٧) و(كتاب الفتن) (رقم: ٦٦٩٢)، ومُختصرًا في (كتاب فضائل الصحابة) (رقم: ٣٥٣٦)، قال البخاري في الموضع الأول: قال لي عليُّ بن عبْد الله (يعني ابن المديني): " إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث "، ومعنى ذلك في " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٥٦). وفسَّر أبو الوليد الباجي في " التعديل والتجريح " (٢/ ٤٨٦) (الحسن) قائل تلك العبارة: " سمعت أبا بكْرة " بأنه (الحسن بن علي) من أجل سياق القصة بذكْره، فجعل هذا الحديث من رواية الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبي بكرة، وهو قولٌ ظاهر الضعف، ومُخالفٌ للظاهر، ولم يروَ الحسن بن علي عن أبي بكرة. وأثبت سماع الحسن البصري من أبي بكرة بهْز بن أسد، فقال: " سمع من أبي بكْرة شيئا " (المراسيل، لابن أبي حاتم، ص: ٤٥).
(٢) أما ما حُكي عن شُعبة، أنه قال: " أبو هريرة كان يدلس ". فهذا بينت وهاءه سندًا، وقُبحه إطلاقًا في (المبحث السابق).
[ ٢ / ٩٦٨ ]
قال يعقوب بن سفيان: " أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث، هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان يدلسون، والتدليس من قديم " (١).
وهؤلاء الثلاثة من أئمة الأمة: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وسفيان بن سعيد الثوري، ومع ذلك كانوا يفعلونه، بل ربما سوغ صنيعهم ذلك أن يترخص فيه بعض من بعدهم.
كما قال عبيد الله بن عمر القواريري: " كتب وكيع إلى هُشيم: بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها. فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش وسفيان " (٢).
وقال عبد الله بن المبارك: قلت لهشيم: ما لك تدلس وقد سمعت؟ قال: " كان كبيراك يدلسان " وذكر الأعمش والثوري (٣).
وهذا الذي حمل مغيرة بن مقسم الضبي، وكان من أصحاب إبراهيم النخعي، على أن يقول: " ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق والأعمش، أتيا بأحاديث لا يدرك ما وجوهها ولا معانيها " (٤).
قلت: هذا مع أن مغيرة نفسه واقع ذلك.
وكان التدليس في الكوفيين كثيرًا، مع ما كان فيهم من حفظ السنن والعلم بها.
_________________
(١) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣٣).
(٢) نقله عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (النص: ٢١٩٠)
(٣) أخرجه الترمذي في " العلل الكبير " (٢/ ٩٦٦) وابن عدي في " الكامل " (٢/ ٥٢٠، و٨/ ٤٥٢) وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٣٢٢، ٩٩٠) وابنُ عدي (١/ ٢٤٢) واللفظ له، وإسناده صحيح. كما أخرج طرفًا منه معناه الجوزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٨١).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
ومن أجله قال عبد الرحمن بن مهدي: " حديث أهل الكوفة مدخول " (١).
مذاهب أهل العلم في خبر المدلس:
ذهب بعض السلف مذهبًا شديدًا في التدليس، حتى عده بعضهم بمنزلة الكذب، مع أن الواقع العلمي أننا رأيناهم جميعًا لا يجعلون التدليس جرحًا يرد به حديث الراوي مطلقًا، وإنما يرد ما عرف أنه دلس فيه، أو ما ظن أنه دلس فيه بمجرد عنعنته على قول آخرين.
فلم يكن وقوع التدليس من الراوي قادحًا عندهم في عدالته، مع ما جاء عن طائفة من عيبه وإنكاره.
قال حماد بن زيد وعوف الأعرابي: " التدليس كذب " (٢).
وقال شعبة بن الحجاج: " التدليس أخو الكذب " (٣).
وقال: " لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أدلس " (٤).
وقال أبو عاصم النبيل: " أقل حالات المدلس عندي، أن يدخل في حديث النبي ﷺ: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٢) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٨٧٩) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن عدي (١/ ١٠٦ - ١٠٧) بإسناد حسن عن حماد، وصحيح عن عوْف.
(٣) أخرجه ابن عدي (١/ ١٠٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٨) من طريق الشافعي، قال: قال شُعبة، به. وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٩٢) وإسناده صحيح. ورُوي عن عبد الله بن المبارك معناه. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٩) وفي إسناده أحمد بن محمد بن عمران الجندي وهو ضعيف، ومنهم من اتهمه.
(٥) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٠٧ - ١٠٨) وإسناده صحيح. ورُوي قبله عن حماد بن زيد أيضًا، أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٨ - ٥٠٩). وأما حديث الذي استدلَّ به أبو عاصم، فهو مُتفق عليه من حديث أسماء بنت أبي بكر: أخرجه البُخاري (رقم: ٤٩٢١) ومُسلم (رقم: ٢١٣٠).
[ ٢ / ٩٧٠ ]
فهؤلاء شددوا في إنكار التدليس، لكن ليس فيهم من جرح راويًا بالتدليس، فرد حديثه بذلك مطلقًا.
وبين الشافعي فيما سيأتي من عبارته أن التدليس ليس كذبًا يرد به كل حديث الراوي، وقال ابن رجب: " هذا أيضًا قول أحمد وغيره من الأئمة " (١).
قلت: التهمة بالتدليس جرح، لكنه نسبي، فهو لا ينافي الثقة، وما من أحد شدد في التدليس إلا روى عمن ذكر به، وشعبة من أظهرهم في ذلك روى عن جماعة من شيوخه من المعروفين بالتدليس، كأبي إسحاق السبيعي والأعمش من أئمة زمانه، فما منعه وقوع ذلك منهم من الرواية عنهم، ولا دعاه إلى الطعن عليهم.
والمذاهب المعتبرة لأهل العلم في حديث المدلس الذي لا يذكر فيه السماع تحصر في الأربعة التالية:
المذهب الأول: قبول روايته مطلقًا ما دام ثقة، ولم يتبين فيها علة قادحة، وإن لم يبين سماعه.
وهذا يمكن أن تنزل عليه مذاهب من رأى قبول المراسيل؛ لأنه في التحقيق أولى بالقبول من المرسل فالمرسلُ قد عمل في الانقطاع جزمًا، والمدلس انقطاعه على سبيل المظنة الواردة بسبب العنعنة.
وممن ذهب إلى هذا أبو محمد ابن حزم، فقال: " نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: (أخبرنا فلان)،
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٦)
[ ٢ / ٩٧١ ]
أو قال: (عن فلان)، أو قال: (فلان عن فلان)، كل ذلك واجب قبوله، ما لم يتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته " (١).
والمذهب الثاني: منع قبول رواية من عرف بالتدليس ولو مرة واحدة، إلا فيما بين فيه سماعه صريحًا، وردّ ما رواه بصيغة احتمال السماع واحتمال التدليس، كالعنعنة.
وهذا هو مذهب الشافعي، فإنه قال: " ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في رواياته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني، أو: سمعت " (٢).
وقال ابن حبان: " المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به، فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: (سمعت) أو: (حدثني)، فلا يجوز الاحتجاج بخبره " (٣).
وقال: " وهذا أصل أبي عبد الله الشافعي، ﵀، ومن تبعه من شيوخنا " (٤).
قال الخطيب: " وهذا هو الصحيح عندنا " (٥).
وقال الخطيب: " فإن قيل: لم إذا عرف تدليسه في بعض حديثه وجب حمل جميع حديثه على ذلك، مع جواز أن لا يكون كذلك؟
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٤٢).
(٢) الرسالة (الفقرات: ١٠٣٣ - ١٠٣٥)
(٣) الثقات (١/ ١٢)، معنى ذلك له أيضًا في " المجروحين " (١/ ٩٢) و" صحيحه " (١/ ١٦١).
(٤) المجروحين (١/ ٩٢).
(٥) الكفاية (ص: ٥١٥).
[ ٢ / ٩٧٢ ]
قلنا: لأن تدليسه الذي بان لنا صير ذلك هو الظاهر من حاله، كما أن من عرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها، فكذلك حال من عرف بالتدليس، ولو بحديث واحد، فإن وافقه ثقة على روايته وجب العمل به؛ لأجل رواية الثقة له خاصة دون غيره " (١).
والمذهب الثالث: رد رواية من شاع عنه التدليس واشتهر به وكثر منه، حتى يبين سماعه صريحًا. دون من ذكر به، ولم يعرف له كبير أثر على صحة حديثه وروايته في الجملة، فهذا يقبل حديثه وإن عنعن فيه، من أجل ضعف مظنة التدليس، خصوصًا وأن حديث الراوي معروض في العادة على المعروف من حديث الثقات المتقنين، فلدينا بهذا الاعتبار ميزان لكشف أثر تدليسه إن وجد.
كذلك يقال كما سبق: التدليس قدح نسبي في الراوي، مظنته فيمن استقرت ثقة ولم يكثر منه شبيهة بمظنة خطئه، فمع احتمال وقوع ذلك منه، إلا أن روايته مقبولة ما لم يثبت خطؤه فيها.
وعلى هذا المذهب في التحقيق عمل الشيخين، وعليه دلت عبارات كبار أئمة الحديث:
قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى من معين عن التدليس؟ فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى؟ أو حتى يقول: (حدثنا) و(أخبرنا)؟ فقال: " لا يكون حجة فيما دلس " (٢).
قلت: فابن معين هنا لا يشترط بيان السماع لقبول حديث المدلس، وإنما هو لديه مقبول، إلا فيما ثبت أنه دلس فيه.
_________________
(١) الكفاية (٥١٨)
(٢) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ١٠٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٦) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
وقال يعقوب بن شيبة: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: (حدثنا)؟ قال: " إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا " (١).
قلت: فجعل غلبة التدليس على الراوي هي السبب في رد ما لم يبين فيه السماع، دون من لم يغلب عليه وكان يذكر به نادرًا.
وكأن من هذا صنيع أحمد بن حنبل في توقفه في قبول رواية لهشيم بن بشير، وهو معروف بالتدليس مشهور به، فقد قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: " حديث ابن شبرمة: قال رجل للشعبي: نذرت أن أطلق امرأتي، لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا " (٢).
كذلك قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل (سمعت)؟ قال: " لا أدري "، فقلت: الأعمش، متى تصاد له الألفاظ؟ قال: " يضيق هذا، أي: أنك تحتج به " (٣).
قلت: فهذا د ل على توقف أحمد في قبول عنعنة المدلس في حال، وقبولها دون توقف في حال أخرى، فحال التوقف ينبغي أن تحمل على عنعنة من اشتهر أمره بالتدليس وكثر ذلك منه كهشيم، أما من ذكر به وكان كثير الحديث الصحيح المتصل، وشق تتبع ذكره للسماع في كثرة ما روى وندرة أثر ما ذكر به من التدليس، كالأعمش، فهذا يحتج به.
لكن يجب أن يقيد بالقول: ما لم يثبت أنه دلس فيه.
ومن ذلك قول البخاري: " لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٦ - ٥١٧) وإسناده صحيح.
(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٢).
(٣) سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل (النص: ١٣٨).
[ ٢ / ٩٧٤ ]
ثابت، ولا عن سلمة بن سهيل، ولا عن منصور - وذكر مشايخ كثيرة - لا أعرف لسفيان هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه " (١).
وقال مسلم بن الحجاج: " وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه حتى تنزاح عنهم علة التدليس " (٢).
وقال يعقوب بن سفيان: " حديث سفيان وأبي إسحاق، والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة " (٣).
قلت: وقد جهدت لأقف لأبي حاتم الرازي أو صاحبه أبي زرعة على حديث أعلاه بمجرد العنعنة من موصوف بالتدليس، فلم أجد، وإنما وجدتهما في شيء قليل يحيلان التهمة بنكارة الحديث على عنعنة المدلس، حيث لم يبين السماع، ولا ريب أن هذا أولى من تخطئة الثقة أو الصدوق أو حمل النكارة في الرواية عليه. وتارة لثبوت التدليس في الحديث المعين (٤)، كما رأيت أبا حاتم توقف في بعض الأسانيد خشية التدليس لغلبة المظنة (٥).
وجائز حمل عبارة ابن عبد البر على هذا المذهب، حين قال بعد أن ذكر الاتفاق على الإسناد المعنعن: " إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه خلافًا " (٦).
_________________
(١) العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٩٦٦)
(٢) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٣).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣٧).
(٤) انظر إن شئت: علل الحديث، لابن أبي حاتم (الأرقام: ٦٠، ١٠٩، ٤٧٤، ٧٢٥، ١٢٢١، ٢٠٧٨، ٢٣٠٨، ٢٥٧٩).
(٥) علل الحديث (رقم: ٢١١٩، ٢٤٦٣).
(٦) التمهيد (١/ ١٣).
[ ٢ / ٩٧٥ ]
ولما ذكر ابن رجب مذهب الشافعي في رد خبر المدلس بوقوعه في التدليس مرة، قال: " واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل " وذكره عن علي بن المديني (١).
والمذهب الرابع: التفريق بين أصناف المدلسين من الثقات، بين من عرف أنه لم يدلس إلا عن ثقة معروف عند أهل العلم بالحديث، وبين من عرف بالتدليس عن المجروحين والضعفاء والمجهولين (٢).
وهذا المذهب يجب اعتباره على تفصيل:
فمن قالوا فيه: (لا يدلس إلا عن ثقة) فيجب أن يكون ذلك الثقة معروفًا لأهل العلم، لا بناء على قول الناقد: (فلان لا يدلس إلا عن ثقة)، فذلك الثقة عنده ربما كان مجروحًا عند غيره لو سمي.
ولو قيل: بل نقبل ذلك بإطلاق، ما دام قائله في الراوي من النقاد العارفين.
قلنا: إذا يلزم أن نقبل بإطلاق كذلك خبر الحافظ الناقد المدلس إذا روى لنا عن شيخ له بالعنعنة، من أجل ما أحسناه فيه من الظن: أنه دلسه وهو عنده ثقة، لأنه لو كان يعده مجروحًا فدلسه كان ذلك مما يقدح فيه؛ لما فيه من ضد الأمانة في الدين، والصواب أن حسن الظن هنا لا يغني شيئًا.
وقد بينا في (مباحث التعديل) أن قول الناقد: (حدثني الثقة) ولا يسميه، لا يعتمد عليه، بل هو منزل منزلة المجهول، وفي التدليس لم يقل شيئًا من ذلك، بل أسقطه جملة، فزاد في الريبة، خصوصًا مع استحضار أن المدلس قد يسقط واسطتين أو أكثر.
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٢) نقل ابن رجب هذا المذهب في " شرح العلل " (١/ ٣٥٤) عن الكرابيسي وأبي الفتح الأزدي وبعض فُقهاء الحنابلة، وقال: " هذا بناء على قولهم في قبول المرسل "
[ ٢ / ٩٧٦ ]
والواجب تقسيم هذه المسألة إلى صورتين:
الأولى: من عرف بالتدليس عن الثقات في الجملة، كالذي ذكر به سفيان بن عيينة، فهذا إن احتملنا تدليسه عن شيخ في موضع العنعنة، وقلنا: لا يدلس إلا عن ثقة، فحيث جهلنا من يكون ذلك الثقة فهو بمنزلة تصريحه بمن دلسه بصيغة الإبهام فقال: (حدثني ثقة عن ذلك الشيخ)، والراوي إذا أبهم شيخه، فإنه لا يغني في قبول روايته أن يطلق توثيقه دون تسميته، من أجل أنه لو سماه فجائز أن يكون مجروحًا عند غيره، كما تقدم.
فهذه الصورة لا تكاد تختلف عن صورة التدليس عن مجهول، فلا يصح إطلاق القبول فيها.
وقد شبهها ابن حبان بمراسيل الصحابة في القبول (١)، وليس كذلك فإن جهالة الصحابي لا تضر على التحقيق؛ لعدالتهم جميعًا، بخلاف جهالة غيره.
والثانية: أن نكون قد عرفنا من دلسه الراوي إن كان دلس، وكان المدلس ثقة، فهذا لا يقدح في ثبوت الرواية بين المدلس ومن روى عنه.
ومن أمثلة من كانوا يدلسون عن الثقات جماعة، منهم:
١ - حميد الطويل عن أنس بن مالك.
قال ابن عدي: " الذي رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت " (٢).
٢ - يونس بن عبيد وهو من أصحاب الحسن البصري.
_________________
(١) في " صحيحه " (١/ ١٦١).
(٢) الكامل (٣/ ٦٧)
[ ٢ / ٩٧٧ ]
قال شعبة: " عامة تلك الدقائق التي حدث بها يونس عن الحسن، إنما كانت عن أشعث " يعني ابن عبد الملك. قال ابن أبي حاتم: " يعني أن يونس أخذها من أشعث عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر الخبر " (١).
٣ - عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد في رواية التفسير:
ذكر ابن أبي خيثمة عن علي بن المديني، أنه سمع يحيى بن سعيد، وذكر تفسير مجاهد، فقال: " لم يسمعه ابن أبي نجيح عن مجاهد، كله يدور على القاسم بن أبي بزة " (٢).
٤ - وذكر الحاكم قتادة وأبا سفيان طلحة بن نافع فيمن يدلس عن الثقات (٣).
وفي هذه الأمثلة رد على ما ادعاه ابن حبان بقبوله: " هذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده
فإه كان يُدلس، ولا يُدلَّسُ إلا عن ثقة مُتقن، ولا يكادُ يوجد لسفيان بن عيينة خبرٌ دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه " (٤).
قلت: تبين أن ذلك غير محصور في سفيان بن عيينة.
وهؤلاء لا يضر تدليسهم لمن دلسوه، ولا يقدح في صحة رواياتهم بذلك التدليس، فحيث علم طريق الاتصال فقد زال الإشكال.
الترجيح:
من خلال ما تقدم عرضه من مذاهب أهل العلم فإنه لا ينبغي العدول عن المذهب الثالث، الذي جرى عليه عمل الشيخين.
_________________
(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٣٤ - ١٣٥) بإسناد صحيح إلى شُعبة.
(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " في (أخبار المكيين) (ص: ٣٢١).
(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ١٠٣).
(٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦١)
[ ٢ / ٩٧٨ ]
كذلك يستفاد من المذهب الرابع أيضًا قبول حديث من ذكر بالتدليس، غير أنه كان يدلس ثقة معروفًا.
والحديث إذا ثبت تدليس الراوي فيه فهو منقطع ضعيف.
وإن لم يثبت، ولكنه كان محتملًا، من أجل ما اشتهر به بالراوي وعرف عنه، وكان تدليسه عن غير الثقات، فهذا يحكم على ما عنعنه عن شيخه بالضعف؛ من أجل مظنة التدليس، ما لم ينف أثرها متابعة أو شاهد.
وإن كان ممن عرف بتدليس التسوية فإنه لا يقبل حديثه حتى يحفظ السماع فيمن فوقه إلى أن يبلغ الصحابي؛ لأن محذور تدليسه محتمل في أي موضع عنعنة.
لكن يستثنى من هذا الصورة الأخيرة أن يكون سائر الإسناد سلسلة معروفة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فلو أن من يدلس التسوية روى عن مالك حديثًا فقال: (حدثنا)، ثم ذكره بالعنعنة بين مالك ونافع، وبين نافع وابن عمر، لم يضره ذلك؛ لأنها سلسلة قد عرف اتصالها.
واعلم أن بعض العلماء التزموا مذهب الشافعي، وهو الذي جرى عليه عمل المنتسبين إلى هذا العلم من المتأخرين، خصوصًا من أهل زماننا، فلما وجدوا أحاديث لجماعة من الموصوفين بالتدليس مخرجة في " الصحيحين " بالعنعنة، لا يوقف في شيء من طرقها على ذكر السماع، تحيروا في الجواب، إذ مقتضى أصلهم رد مثل تلك الأحاديث.
قال ابن حجر: " في الصحيحين جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة " (١).
فأجابت طائفة بأجوبة ضعيفة عن ذلك تحسينًا للظن بالشيخين، وهذا مما لا يصلح في العلم.
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٣٥).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
تنبيه: التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم
ونقل ابن حجر عن الفقيه صدر الدين ابن المرحل قوله: " إن في النفس من هذا الاستثناء غصة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها " (١).
قلت: وهذا كله إنما نتج من إجراء أحاديث الصحيحين على قول الشافعي، واعتبار ظاهر المصطلحات، وقد علمت أن منهج الشيخين وكبار أهل التحقيق قبلهما وبعيدهما قبول الحديث المعنعن لموصوف بالتدليس على معنى غير قادح، على ما تقدم بيانه.
تنبيه:
التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح.
تسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسرًا.
ومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راو معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلسًا، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه من غير ثقة.
وإنما يستثنى منه من كان التدليس شعارًا له، حتى كثُر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن)، فهذا يرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه.
_________________
(١) النكت (٢/ ٦٣٥)
[ ٢ / ٩٨٠ ]
والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب، أظهرها:
أولًا: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان، شهد بعض النقاد ببراءتهم منه.
ومما يبين ذلك - مثلًا - أن الحسن البصري أطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئًا معينًا دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي.
كذلك قال أبو حاتم الرازي في (أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي): " لا يعرف له تدلس " (١).
بينما قال الذهبي: " يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس " (٢).
قلت: فكانوا يطلقون على الإرسال اسم التدليس، وأبو قلابة لم يكن يدلس بمعنى التدليس الاصطلاحي، إنما كان يرسل، وذلك منصوص عليه في رواةٍ أدركهم ولم يسمع منهم.
وقول أبي حاتم أولى بالاعتبار والتقديم؛ لموافقته المعنى الاصطلاحي المتميز للتدليس.
قال ابن حجر بعد ذكر عبارة أبي حاتم في نفي تدليس أبي قلابة: " وهذا يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء في التدليس، لا الاكتفاء بالمعاصرة " (٣).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٥٨).
(٢) ميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٦).
(٣) تهذيب التهذيب (٢/ ٣٤٠)
[ ٢ / ٩٨١ ]
ثانيًا: وجدنا من الرواة من يتنازع في إطلاق وصف التدليس عليه، بمنزلة اختلافهم في جرح الراوي وتعديله.
قال أبو داود السجستاني في (مغيرة بن مقسم الضبي): " مغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثًا " (١).
وقال العجلي: " كان (يعني مغيرة) يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا أوقف أخبرهم عمن سمعه " (٢).
قلت: وهذا من قول العجلي يثبت تدليسه عن إبراهيم، فكأن أبا داود أراد غالب أمره.
ثالثًا: وجدنا بعض من أطلق عليه وصف التدليس استفيد ذلك فيه من جهة وقوعه منه في روايته عن بعض شيوخه دون سائرهم، فإطلاق العبارة يوهم اندراج جميعهم.
وذلك مثل رواية أبي حرة واصل بن عبد الرحمن البصري عن الحسن البصري، فإنه كان يدلس عنه، وضُعف فيه من أجل أنه لم يسمع منه إلا شيئًا يسيرًا، وكان يقول في سائر روايته عنه: (عن الحسن)، فكلامهم فيه بالتدليس محصور في الحسن خاصة، لا في سائر شيوخه أو حديثه.
فهذه الأسباب موجبة لتمييز معنى لفظ التدليس وصحته ووجهه، فأما اللفظ المجمل فلا يصح اعتماده لرد الحديث المعنعن للراوي الثقة يرويه عن شيوخه.
كيف يعرف التدليس؟
يعرف التدليس في الراوية بطرق:
الأولى: تفقد السماع من فم الراوي نفسه.
_________________
(١) سؤالات الآجري لأبي داود (النص: ١٦٦).
(٢) ترتيب ثقات العجلي (النص: ١٧٧٧).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
وذلك كثير الأمثلة من صنيع الأئمة في توقيف الراوي على ما سمع وما لم يسمع، يستكشفون به وقوع التدليس أو عدم السماع.
كما كان يصنع شعبة بن الحجاج في حق من ذكر من شيوخه بالتدليس، كقتادة وأبي إسحاق السبيعي، وهو أبرز من شاع عنه ذلك من الأقدمين في تتبع السماع، والحكايات الصحيحة عنه في ذلك كثيرة جدًا، وكان لا يدلس أبدًا، وكان شديدًا جدًا في إنكار التدليس.
فكان يقول مثلًا: " كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو: حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته " (١).
وكذلك ربما فعل سفيان الثوري، وإن كان ربما وقع منه التدليس في الشيء النادر.
قال عبد الرحمن بن مهدي: " كنت مع سفيان عند عكرمة (يعني ابن عمار)، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع " (٢).
وفي رواية، قال ابن مهدي: " قال لي سفيان الثوري بمنى: مر بنا إلى عكرمة بن عمار اليمامي، قال: فجعل يملي على سفيان، ويوقفه عند كل حديث: قل حدثني، سمعت " (٣).
_________________
(١) أخرجه عُثمان الدارمي في " تاريخه " (النص: ٧٠٣) وابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٦١، ١٦٩) والبغوي في " الجعديات " (رقم: ١٠٧٤) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٥٠٧٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٧) بإسناد صحيح. وروى ابنُ أبي حاتم كذلك في " التقدمة " (ص: ١٦٩ - ١٧٠) و" الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٤، و٢/ ١ / ٣٧٠) والبغوي أيضًا (رقم: ١٠٧٣، ١٠٧٥) وعبد الله في " العلل " (النص: ٥٠٦٨) والرامهرمزي (ص: ٥٢٢) وابنُ عدي (١/ ١٥١) والحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٤٣) والخليلي في " الإرشاد " (٢/ ٤٨٧) والخطيب في " الكفاية " وابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٥) معناه من غير وجه
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٦٨) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: ١١٧) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
وقال يحيى القطان: " شهدت سفيان يقول لأبي الأشهب: قل سمعت، قل سمعت " (١).
وقد جرى يحيى القطان على منهاج شيخه شعبة في التشديد في التدليس، والتنقيب والبحث عن السماع، حتى جاء عن أحمد بن حنبل: لم لا تقول ليحيى بن سعيد: قل حدثنا؟ فقال: " مثل يحيى يقال له: قل حدثنا؟! " (٢).
قلت: يعني أن مثله لا يتفقد منه السماع؛ لأنه لا يروي إلا متصلًا.
وعن مالك بن أنس قال: " كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا كذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه، فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم " (٣).
الثانية: مقارنة الأسانيد، فيكشف بذلك من أسقط في موضع العنعنة للشيخ المعين، مع إدراك ذلك الشيخ وسماعه في الأصل ممن عنعن عنه.
وذلك مثل: حديث رافع بن خديج، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ".
هذا الحديث رواه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر ويحيى بن سعيد القطان، وهؤلاء كلهم ثقات، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع، به.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: ٨٢) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٣٣ - ٢٣٤) وإسناده جيد.
(٣) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٧٦) - ومن طريقه: ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٧) - وابن سعد في " الطبقات " (ص: ١٧٩ - القسم المتمم) وإسناده صحيح
[ ٢ / ٩٨٤ ]
ورواه جماعة عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة، عن عاصم بن عمر، ولم يقل في شيء من الروايات: (حدثني عاصم).
وهذه متابعة لابن عجلان، هكذا أوهم ابن إسحاق بتدليسه، وكشفت رواية أخرجها الإمام أحمد (١) عن حقيقة ذلك قال فيها: حدثنا يزيد (وهو ابن هارون)، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم، بباقي الإسناد به.
فعاد الحديث لابن عجلان، فتأمل كيف أوهم التدليس طريقًا جديدًا للحديث، ولو كان ابن عجلان ضعيفًا وأسقط، وبقي في السند الثقات لأوهم القبول، وقد عهد ابن إسحاق بكثرة التدليس، وهو يدلس عن مجروحين.
الثالثة: معرفة قدر ما روى الراوي عن شيخه متصلًا، فإذا روى عنه غير ذلك علمنا أنه إنما تلقاه عنه بواسطة، فأسقطها.
لكن هذا الطريق يوجب تحريا ًشديدًا قبل الجزم به.
فلو اعتمدت مثلًا قول يحيى بن سعيد القطان: " كان ابن جريج لا يصحح أنه سمع من الزهري شيئًا "، قال: " فجهدت به في حديث: إن ناسًا من اليهود غزوا مع رسول الله ﷺ فأسهم لهم. فلم يصحح أنه سمع من الزهري. ولم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثًا واحدًا " (فطلقوهن في قبل عدتهن). ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثًا في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام. ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثًا: لا تجوز صدقة حتى تقبض " (٢).
فهذا لا يسلم على إطلاقه فيمن ذكر، ولا يصلح أن يبنى عليه بمجرده
_________________
(١) في " مُسنده " (٣/ ٤٦٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤٥) بإسناد صحيح إلى يحيى.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
مثلًا أن يكون جميع ما يرويه ابن جريج عن الزهري غير هذا الحديث مما لم يسمعه منه، فيحمل على أن ابن جريج دلس فيه؛ وذلك لأننا وجدنا في أحاديث كثيرة يقول فيها ابن جريج: (أخبرني الزهري) وغير ذلك من صيغ التحمل المباشر.
وقد قال سفيان بن عيينة: " ابن جريج جاء إلى الزهري بأحاديث، فقال: أريد أن أعرضها عليك، فقال: كيف أصنع بشغلي؟ قال: فأرويها عنك؟ قال: نعم " (١).
وقال أحمد بن حنبل: " ابن جريج عرض، وهو يقول: سألت ابن شهاب " (٢).
وقال علي بن المديني: " ابن جريج لم يسمع من ابن شهاب شيئًا، إنما عرض له عليه "، قال: " وقال يحيى (يعني القطان): قال لي سفيان بن حبيب: بلى قد سمع منه كذا كذا، قال: فأتيته، فسألته عنه؟ فقال: ما أدري، سمعته أو قرأته " (٣).
قلت: عرض على الزهري، وطائفة من الأئمة منهم الزهري نفسه يرون العرض كالسماع.
إذًا، فلا تحمل روايته عنه لغير الحديث المذكور لو ذكر السماع على
_________________
(١) أثر صحيح. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٥٧) من طريق مُحمد بن عباد، عن سُفيان به، وإسناده جيد. ورَوى ابن عيينة عنه معنى ذلك كذلك في قصة ابن جريج من غير هذا الوجه، أخرجه الرامهرمزي (ص: ٤٣٦) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٥٧).
(٢) أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٢٩٦٢) عن مُحمد بن علي الجوزجاني المعروف بحمدان الوراق عن أحمد، وإسناده صحيح، الجوزجاني من أصحاب أحمد بغدادي ثقة
(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ١٣٩) - ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٨٨) بأوله - وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
الخطأ، بل هي أخبار متصلة، إلا أن تكون معنعنة، فتحمل على مظنة التدليس.
وكذلك، ثبت سماع ابن جريج من عبد الله بن طاوس لغير الحديث المذكور (١).
وأما مجاهد، فقد روى ابن جريج عنه كثيرًا في التفسير، لكنها مدلسة عن ثقة معروف، كما قال ابن حبان: " ما سمع التفسير عن مجاهد غير القاسم بن أبي بزة. نظر الحكم بن عتيبة وليث بن أبي سليم وابن أبي نجيح وابن جريج وابن عيينة في كتاب القاسم، ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد " (٢).
طبقات المدلسين:
وباعتبار ما تقدم بيانه وترجيحه من مذاهب أهل العلم في رواية من ذكر أو اشتهر بالتدليس، فإن مما يساعد لمعرفة المدلسين اعتبار تقسيمهم إلى طبقات، بحسب من يقدح وصفه به في رواياته ومن لا بقدح.
وقد ذهب جماعة من متأخرين الحفاظ إلى تقسيمهم إلى خمس طبقات:
الأولى: من لم يوصف به إلا نادرًا، بحيث إنه لا ينبغي عده فيهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة.
_________________
(١) ووجدت النص عن يحيى القطان قد حدَّث به يحيى بن مَعين عنه في " تاريخه " (النص: ٥٤٣) وفيه: (طاوس) لا (ابن طاوس)، وكذلك في نسخه من " التقدمة " لابن أبي حاتم، كما في الهامش، فإن كان كذلك فإن ابن جريج روى عن طاوس شيئًا معنعنًا.
(٢) مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٦)، ونحوه في " الثقات " (٧/ ٣٣١). وعدم سماع ابن جريج التفسير من مجاهد هو قول يحيى القطان، كما نقله عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٤٩٩)
[ ٢ / ٩٨٧ ]
والثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، واحتج به أصحاب الصحيح وإن لم يبين السماع، لإمامته، أو قلة تدليسه، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل: الزهري، والأعمش، وسفيان الثوري.
قلت: الإمامة ليست معيارًا لقبول حديثه لو كان كثير التدليس، فابن جريج إمام، لكن لا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، سوى ما يرويه عن عطاء والتفسير عن مجاهد.
والثالثة: من توقف فيهم جماعة من العلماء، فلم يحتجوا إلا بما بينوا فيه السماع، مثل: أبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي.
والرابعة: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما بينوا فيه السماع، لغلبة ذلك منهم، وكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجهولين، مثل: محمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.
والخامسة: من ضعفوا بأمر آخر مع جرحهم بالتدليس، مثل: أبي سعد البقال.
هذه القسمة والتمثيل للحفاظ العلائي بتصرف، وهي أدق وألصق بالمذاهب المنقولة عن السلف من قسمة من جاء بعده (١).
لكن محاكمة من أطلقت فيه العبارة من أولئك الرواة يحتاج إلى تحرير في حق كل راو مذكور به على سبيل الاستقلال، بمنزلة تحرير ألفاظ الجرح والتعديل فيه، لما تقدم بيانه من كون إطلاق اسم التدليس على الراوي إنما هو من قبيل الجرح المجمل.
وكثير من المتأخرين من العلماء وطلبة هذا العلم صاروا إلى تقليد ابن حجر فيمن سماهم في " طبقات المدلسين " من تأليفه، وسلموا له بمجرد إيراده للراوي فيما اصطلحه (الطبقة الثالثة) وما بعدها لرد حديثه بمجرد
_________________
(١) جامع التحصيل (ص: ١٣٠ - ١٣١).
[ ٢ / ٩٨٨ ]
العنعنة، وفي ذلك قصور ظاهر، والتقليد في هذا لا يجوز، فهذا علم بناؤه على البحث والنظر، فلا يسوغ لمنتصب له أن يقلد فيه، فيصير إلى الطعن في الحديث الصحيح بمجرد كون ابن حجر أورد هذا الراوي أو ذاك في كتابه، علمًا بأن ابن حجر أورد الأسماء في غاية من الاختصار، والمتتبع لكلامه نفسه في تقوية الأحاديث يجده لا يلتزم ما التزمه هؤلاء المقلدون.
فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس:
قال الحاكم: " أهل الكوفة منهم من دلَّس، ومنهم من لم يدلس، وقد دلس أكثرهم، والمدلسون منهم: حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما، فأما الطبقة الثانية، فمثل أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وغيرهما، فإن أكثرهم لم يدلسوا " (١).
وقال: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خرسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة " وذكر أهل بغداد، ونفى أن يكون التدليس فيهم موجدًا إلى زمان أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فهو الذي أظهر فيها التدليس (٢).
وقد صح عن شعبة بن الحجاج قال: " ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس، إلا ابن عون وعمرو بن مرة " (٣).
قلت: وهذا عام فيمن رآه شعبة من المعروفين بالاعتناء بالحديث، وحمله على العراقيين أهل بلده أظهر، من أجل قلة ذلك في غيرهم.
_________________
(١) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٦)
(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١١١، ١١٢).
(٣) أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٥٢) وإسناده جيد.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
وأما ما رُوي عن يزيد بن هارون أنه قال: " قدمت الكوفة، فما رأيت بها أحدًا لا يدلس، إلا ما خلا مسعرًا وشريكًا "، فهذا لا يثبت عنه (١).
الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به:
كل صيغة أداء صريحة في عدم احتمال الواسطة بين الراوي وشيخه فهي دافعة لمظنة التدليس ما دامت محفوظة عنه.
مثل: (سمعت) و(حدثني) و(حدثنا) و(أخبرني) و(أخبرني) و(أنبأني) و(أنبأنا) و(قال لي) و(قال لنا) و(ذكر لي) و(ذكر لنا)، وما في معنى ذلك.
ولا يقدح في هذا استعمال بعض الرواة صيغة (أخبرنا) مثلًا فيما تحملوه بالإجازة والمكاتبة والمناولة، فإن التحمل بتلك الطرق اتصال؛ لانعدام الواسطة، كما بينته في موضعه.
والمعتبر في التدليس إسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه، فكل ما لم يكن للواسطة فيه وجود فلا يقحم في التدليس، وإن لم يكن تلقيه بطريق السماع.
ومن ذلك الراوي من كتاب الشيخ الصحيح النسبة إليه.
تتمة في مسائل في التدليس:
المسألة الأولى: الراوي إذا لم يكن مدلسًا وقال فيما يرويه عن شيوخه: (عن) فهو اتصال، ولا يطلب ذكر السماع إلا زيادة في التوثق، لا شرطًا في الاتصال.
وهذا الأصل تقدم شرحه في بيان ركن الاتصال في (القسم الأول).
_________________
(١) أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (٧/ ٢٥٠ رقم: ١٠٣٩٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٥) وإسناده واهٍ بمرة، فيه الحسن بن علي بن زكريا العدوي البصري كان معروفًا بوضْع الحديث
[ ٢ / ٩٩٠ ]
قيل لسعيد بن سليمان الواسطي سعدويه: لم لا تقول: (حدثنا)؟ فقال: " كل شيء حدثتكم به فقد سمعته، ما دلست حديثًا قط، ليتني أحدث بما قد سمعت " (١).
فالثقات الذين لا يعرفون بالتدليس إذا حدثوا عن شيوخهم فقالوا فيما يروونه عنهم: (عن فلان)، فالأصل أنه مسموع لهم من أولئك الشيوخ.
المسألة الثانية: تمييز من عرف بالتدليس، لكنه لا يدلس عن بعض الرواة خاصة.
وهذا مراد به الراوي يرد ما لم يبين في السماع من حديثه، حتى يوقف على ما يدفع مظنة تدليسه، لكنه استثني مما يدلس فيه روايته عن بعض شيوخه بالعنعنة.
منهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فهو مدلس مشهور بذلك يدلس عن المجروحين؛ لكنه لم يكن يدلس عن عطاء بن أبي رباح، وهو كثير الحديث عنه.
فقد صح عنه قال: " إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت " (٢).
وكذلك فيما يرويه عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية، فقد قال عمرو بن علي الفلاس، سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: " أحاديث ابن جريج عن ابن أبي ملكية كلها صحاح "، وجعل يحدثني بها، ويقول: "
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٩/ ٨٥ - ٨٦) بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (ص: ٣٥٦، ٣٦٩ - أخبار المكيين) وإسناده صحيح. قلت: وهذا نصٌّ من ابن جريج عن نفسه، مُقدم على ماجاء عن أحمد بن حنبل قال: " كلُّ شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء " (شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٦).
[ ٢ / ٩٩١ ]
حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي ملكية "، فقال في واحد منها: " عن ابن أبي مليكة "، فقلت: قل حدثي، قال: " كلها صحاح " (١).
وقال أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن سعيد، قلت: هذه الأحاديث كلها صحاح - يعني أحاديث ابن أبي خالد عن عامر - ما لم يقل فيها: حدثنا عامر؟ فكأنه قال: " نعم "، وقال يحيى: " إذا كان - يريد أنه - لم يسمع أخبرتك " (٢).
ولك أن تعد من هذا قول الذهبي في (سليمان بن مهران الأعمش): " يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال " (٣).
قلت: أراد بهذا الصنف سوى من ذكر من شيوخ الأعمش الذين اعتنى بالرواية عنهم، والتحقيق: أن رواية الأعمش على القبول في الجملة، وما أورده الذهبي من احتمال التدليس نادر لا أثر له في كثرة حديث الأعمش، غير أن التحري لدفع العلة مطلوب لتحقيق صحة الحديث.
المسألة الثالثة: من عرف بالتشديد في الأخذ عمن عرف بالتدليس، فكان يوقفهم على السماع، فهذا يقبل حديث هؤلاء المدلسين من روايته عنهم.
ورأس من يذكر مثالًا لهؤلاء المشددين شعبة بن الحجاج، فجميع من يروي عنه من المدلسين فحديثهم عمن حدثوا عنه سماع.
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤١) وإسناده صحيح.
(٢) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ١٢١٨، ٣٥٦٧، ٤٣٢٠)، وابنُ أبي خالد هوَ إسماعيل، وعامرٌ هو الشعبي
(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٤) وإبراهيم هو ابنُ يزيد النخعي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو صالح هو ذكوان.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
قال يحيى بن سعيد القطان: " كل ما حدث به شعبة عن رجل، فقد كفاك أمره، فلا تحتاج أن يقول لذلك الرجل: سمع ممن حدث عنه؟ " (١).
وعرف هذا التحري عن يحيى بن سعيد القطان نفسه.
المسألة الرابعة: الراوي المعروف بالثقة والإتقان، يوجد له الحديث أو الأحاديث المنكرة يأتي بها معنعنة، فوجهه أن يحمل منه ذلك على التدليس، وإن لم ينص على نعته بالتدليس أحد.
مثل ما حكاه الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) قال: أنكروا على الخفاف (يعني عبد الوهاب) حديثًا رواه لثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ، حديثا في فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحيى بن معين يقول: " هذا موضوع وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة " (٢).
وقال البخاري: " يكتب حديثه "، قيل له: يحتج به؟ قال: " أرجو، إلا أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير " (٣).
المسألة الخامسة: الراوي يروي الحديث عن ثقة ومجروح أو مجهول، فيسقط غير الثقة، فهذا ليس من التدليس.
كحديث يرويه الراوي عن الليث بن سعد وابن لهيعة عن شيخ لهما، فيسقط الراوي ذكر ابن لهيعة لما فيه من الجرح، ويقتصر على الليث لثقته.
فهذه الصورة لأهل العلم بالحديث فيها قولان:
أولهما: لا يحسن فعل ذلك، قال الخطيب: " خوفًا من أن يكون في
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١١/ ٢٣ - ٢٤) بإسناد صحيح إلى صالح
(٣) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٦٤٠).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر وحمله عليه " (١).
وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل، فقد روى حرب بن إسماعيل، أن أبا عبد الله قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتًا وأترك أبانًا؟ قال: " لا، لعل في حديث أبان شيئًا ليس في حديث ثابت "، وقال: " إن كان هكذا فأحب أن يسميهما " (٢).
وثانيهما: جواز ذلك.
وفعله البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
فمثاله عند البخاري، قوله: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس، أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، على عهد رسول الله ﷺ (وذكر الحديث) (٣).
ومثاله عند مسلم، قوله: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: " المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر " (٤).
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٣٧).
(٢) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٣٧) وإسناده صحيح.
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٤٣٢٠).
(٤) صحيح مسلم (رقم: ١٤١٤)
[ ٢ / ٩٩٤ ]
قلت: فهذا (الغير) في الموضعين هو عبد الله بن لهيعة، وليس على شرطهما، فكنيا عنه.
بين ذلك في حديث البخاري أن ابن أبي حاتم الرازي أخرجه في " تفسيره " (١) وغير من رواية ابن لهيعة.
والحديث معروف من روايته ورواية حيوة بن شريح والليث بن سعد، فأما رواية حيوة فهي التي احتج بها البخاري، وأما رواية الليث فعلقها بعدها، فدل على أن ذلك (الغير) ليس سوى ابن لهيعة.
وأما حديث مسلم، فإن أبا نعيم في " المستخرج " أخرجه من طريق الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، عن الليث وابن لهيعة، عن يزيد، به (٢).
فدل صنيع الشيخين أن الحديث إذا رواه الراوي عن رجلين عن شيخ لهما، فأسقط أحدهما لكونه مجروحًا، أو أبهمه، فلا أثر لذلك، بناء على اعتبار أصل ما تفيده المتابعة من الاتفاق في اللفظ، أو في المعنى، وكون من جمع بينهما من الثقات، فالأصل أنه يعلم اتفاقهما، ولو اختلفا لوجب عليه البيان.
وكذلك فإنه لو سماهما جميعًا: الثقة والمجروح، فإن الحديث ثابت صحيح، اعتمادًا على الثقة منهما، وأن رواية المجروح جاءت على وفاقه.
وبهذا يتضح رجحان طريقة الشيخين، وضعف المظنة التي ذكرها الخطيب وسبقه إلى معناها الإمام أحمد بن حنبل، وأن الأمر على أي حال كان فليس هو من باب التدليس.
* * *
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٥).
(٢) المستخرج على صحيح مسلم (رقم: ٣٢٩٥)
[ ٢ / ٩٩٥ ]
الفصل الثاني
ألقاب الحديث الضعيف
بسبب جرح الراوي
[ ٢ / ٩٩٧ ]
المبحث الأول:
حديث المجهول
تعريفه:
هو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو مجهول.
ويقع في كلام أئمة الحديث قولهم: (إسناده مجهول)، ويريدون هذا المعنى.
والجهالة وإن لم تكن جرحًا حقيقيا للراوي، غير أنها اعتبرت سببًا لرد حديث الموصوف بها، إذ كون قبول الرواية يقتضي عدالة الرواة، وهي لم تثبت للمجهول، فكان القدح فيها من أجله، فصح أن تكون بمنزلة الجرح.
قال الشافعي: " لا يقبل إلا حديث ثابت، كما لا يقبل من الشهود إلا من عرفنا عدله، فإذا كان الحديث مجهولًا أو مرغوبًا عمن حمله كان كما لم يأت؛ لأنه ليس بثابت " (١).
وقال ابن عدي: " إذا لم يعرف الرجل وكان مجهولًا، كان حديثه مثله " (٢).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (رقم: ٢٨٦).
(٢) الكامل (٣/ ٥٣٥).
[ ٢ / ٩٩٩ ]
وتفسير الجهالة وبيان رد حديث بتفصيله في (القسم الأول).
واستعمال أهل العلم بالحديث للقب (الحديث المجهول)، معروف عند المتقدمين، فمن أمثلته:
أخرج ابن عدي (١) من طريق ابن أبي فديك، عن بريه بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ احتجم فقال له: " خذ هذا الدم فادفنه من السباع والدواب "، قال: فتغيبت فشربته، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فضحك.
وقد قال البخاري في (عمر بن سفينة): " عن أبيه، روى عنه ابنه بريه، إسناده مجهول " (٢).
وقال الترمذي (٣): حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها، قال: قال رسول الله ﷺ: " يشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا ".
قال الترمذي: " هذا حديث غريب، وإسناده مجهول ".
قلت: قال ذلك لأن عمر وأمه وجده مجهولون.
* * *
_________________
(١) في " الكامل " (٦/ ١٠٩).
(٢) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١٦٠).
(٣) في " جامعه " (رقم: ٢٧٤٥)
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
المبحث الثاني:
الحديث اللين
تعريفه:
هو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو لين الحفظ، كالموصوف بسوء الحفظ وكثرة الأوهام والخطأ أو الغفلة مع صدقه في الجملة، ولم يبلغ به خطؤه درجة الفحش إلى حد الترك.
والواقع في كلام أهل الحديث وصفهم لهذا النوع من الأحاديث بقولهم: (حديث ضعيف)، فمع أن كل أنواع الحديث المردود موصوفة بالضعف إلا أنهم يستعملون وصف (الضعيف) لهذا النوع كالاسم العلم له، كما تجد قولهم: (إسناد لين) و(إسناد ليس بالقوي) وشبه ذلك.
وأمثلته كثير شائعة، كروايات خصيف بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعلي بن زيد بن جدعان، وأمثالهم ممن ثبت صدقه، لكن كثر غلطه ووهمه واضطرابه في رواياته، فصار دون من تقبل رواياته عند انفراده، ولا يخلو حديث هذا الصنف من وقوع المنكرات فيه، لكنهم لا يطرحون طرحًا تامًا.
ومن العبارة المفسرة المبينة لهذا المعنى قول ابن حبان في تحرير حال (أبي هلال محمد بن سليم الراسبي): " والذي أميل إليه في أبي هلال
[ ٢ / ١٠٠١ ]
الراسبي: ترك ما انفرد من الأخبار التي خالف فيها الثقات، والاحتجاج بما وافق الثقات، وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير؛ لأن الشيخ إذا عرف بالصدق والسماع، ثم تبين منه الوهم ولم يفحش ذلك منه لم يستحق أن يعدل به عن العدول إلى المجروحين، إلا بعد أن يكون وهمه فاحشًا وغالبًا، فإذا كان كذلك استحق الترك، فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير فهو عدل، وهذا مما لا ينفك عنه البشر، إلا أن الحكم في مثل هذا إذا علم خطؤه تجنبه واتباع ما لم يخطئ فيه، هذا حكم جماعة من المحدثين العارفين الذين كانوا يخطئون، وقد فصلناهم في الكتاب (١) على أجناس ثلاثة:
فمنهم من لا يحتج بما انفرد من حديثه ذلك، ويقبل غير ذلك من روايته.
ومنهم من يحتج بما وافق الثقات فقط من روايته.
ومنهم من يقبل ما لم يخالف الأثبات، ويحتج بما وافق الثقات " (٢).
قلت: هذا المعنى الذي بينه ابن حبان هو من أحسن التفصيل لحال المراد بلين الحديث، أو سيء الحفظ، ممن لا يسقط حديثهم، ولا يحتج به لذاته، وفي كلامه ما يبين أنهم درجات تعود إلى قدر اللين في حفظهم من جهة خطئهم كما وكيفًا، مما بينته مفصلًا في محله من هذا الكتاب.
ويلخص القول في علة إلحاق هذا النوع بالحديث الضعيف: هو رجحان جانب الخطأ من قبل الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وإن لم نجزم به أنه وقع في الحديث الذي ضعفناه لأجله، فحيث علمنا ضعف حفظه، فمجرد نزول ضبطه عن درجة من غلب عليه الحفظ، جعل ذلك كافيًا في رد حديثه.
_________________
(١) يعني كتابه: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.
(٢) المجروحين (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
ولك أن تقول: رددنا حديثه من أجل الشك الراجح في ثبوته.
فأما إذا تبين أن الحديث المعين مما خالف فيه، أو أخطأ، فهو محكوم عليه بلقب آخر، وهو (المنكر)، وما في معناه.
وهذا النوع من الحديث المردود لعلة سوء حفظ راويه، مما يتنازعه علماء الحديث، فمنهم من يجعله حسنًا؛ وذلك من أجل صدق راويه في الجملة، وعدم القطع بخطئه في الحديث المعين، ومنهم من يضعفه؛ لما تقدم من غلبة الظن أن التفرد من مثله محل شك.
والتحقيق: أنه حديث ضعيف؛ من أجل أن الحسن مطلوب فيه رجحان الراوي إلى جانب صحة حديثه، لسلامته في غالب أمره من الوهم والخطأ، بحيث غلب وصفه بالحفظ على وصفه بسوء الحفظ، بخلاف راوي هذا النوع من الحديث فإن اختبار أمره أوجدنا وهمًا وخطأً ومخالفات إسنادية ومتنية وقعت منه أورثت الريبة في سائر أفراده التي لا نقطع بخطئه فيها، إلا أن يندفع ذلك عنه بطريق صالح، فيرقى حديثه إلى القبول، وهو (الحسن لغيره) على ما تقدم ذكره في محله.
واعلم أنه يلحق بهذا النوع من الحديث: رواية الراوي المختلط الواقعة بعد اختلاطه المؤثر، فإنه باختلاطه صار سيء الحفظ لما حدث به بعد الاختلاط، على ما بينته في (المبحث الخامس) من مباحث (تفسير الجرح).
* * *
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
المبحث الثالث:
الحديث المقلوب
وهو ثلاث صور بحسب القلب، منها يتبين معناه:
الصورة الأولى: قلب في الإسناد.
وهو أن يقلب الراوي اسم راو في الإسناد فيقول مثلًا: (معاذ بن سعد) بدل (سعد بن معاذ)، أو (مرة بن كعب) بدل (كعب بن مرة)
فإن كان الاسم لواحد لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيره بالقلب رجلًا آخر، فلا يشكل على صحة الرواية إذا كانا ثقتين أو ضعفها إذا كانا ضعيفين، إنما يقدح فيها لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا، ويعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكمًا على الحديث بالضعف.
كما وقع لعبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: " ما حدث عن عبيد الله بن عمر، فهو عن عبد الله بن عمر "، وفي رواية: " ربما قلب حديث عبد الله العمري، يرويه عن عبيد الله بن عمر " (١).
قلت: الدراوردي سمع من عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة، وسمع
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢/ ٢ / ٣٩٥، ٣٩٦).
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
من عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، فكان ربما قلب أحاديث عبد الله فجعلها عن عبيد الله، مما أوقعه في رواية المنكرات عن عبيد الله، والتي أصلها أحاديث عبد الله، فصار حديثه ضعيفًا عن عبيد الله، وإن كان الدراوردي ثقة في غيره.
ومن مثال وقوع ذلك من الراوي دون أن يقدح في نفس حديثه وإن كان خطأ منه، من أجل قلبه من ثقة إلى ثقة، قول الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد: " انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها "، قال: " انقلبت عليه وكان عنده عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار، فقال: عن يحيى بن سعيد عن ابن دينار، في الأحاديث كلها " (١).
قلت: فلو سلم ابن صرمة من جرح سوى وقوع هذا منه، لما أضر في روايته؛ من أجل العلم بكونها في الأصل عن ثقة، وهو قد انتقل بها من ثقة إلى ثقة، لكن الرجل ضعيف.
ومن أسوأ أمثلة القلب: ما نقله ابن أبي حاتم، قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ "؟ قال أبو زرعة: " هو مرسل مقلوب " (٢).
يعني أبو زرعة أن صوابه: (ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن جابر عن الشعبي عن النبي ﷺ).
فهذا قلب مفسد جدًا، ليس في تصيير المرسل موصولًا فقط؛ إذ الشعبي تابعي، بل جابر هذا في حال الوصل هو جابر بن عبد الله الأنصاري
_________________
(١) نقله ابن عدي في " الكامل " (١/ ٤٠٨).
(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٣٧١)
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
الصحابي، وفي حال كونه الراوي عن الشعبي فهو جابر بن يزيد الجعفي أحد المتهمين بالكذب في الحديث، فتأمل !
الصورة الثانية: قلب في المتن.
وهو كما وقع في " صحيح مسلم " في سياقه للفظ حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "، فساق الحديث، وفيه: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ".
فعكس لفظ الحديث، والرواية المحفوظة: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "، كما هي عند البخاري (١) وغيره.
فهذا وقع الخطأ في رواية مسلم؟ فيه اختلاف، يرجع فيه إلى مظانه، إذ ليس للإطالة به هنا ضرورة (٢).
فهذا إذا قام عليه دليل بأنه مقلوب، كما هو الشأن في هذا المثال، فالمقلوب خطأ، وهو لاحق بقسم المردود، ولا يعتبر به ولا يتكلف له التأويل.
الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث.
ويفسر هذه الصورة قول ابن عدي في (ثابت بن حماد أبي زيد البصري): " له أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات، وأحاديثه مناكير ومقلوبات "، فلما جئنا لتبين معنى القلب فيها وجدنا مثاله، ما أخرجه ابن عدي من طريقه، قال: عن سعيد (٣)، عن قتادة عن أنس، قال: قال
_________________
(١) في " صحيحه " (رقم: ٦٢٩، ١٣٥٧، ٦٤٢١).
(٢) انظر لذلك: إكمال المعلم بفوائد مُسلم، للقاضي عِياض (٣/ ٥٦٣) وفتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٤٦).
(٣) هو ابن أبي عروبة.
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
رسول الله ﷺ: " لو يعلم الناس ما في الصف المقدم، لكانت قرعة "، قال ابن عدي: " وهذا الحديث وهم فهي ثابت بن حماد، وإنما يرويه قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة " (١).
قلت: يعني ابن عدي أنه قلبه، فركّب إسنادًا على غير متنه.
وعبارات النقاد في المجروحين من الرواة لهذه العلة كثيرة، فمن ذلك:
قال عمرو بن علي الفلاس: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: " حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة " (٢).
وقال أحمد بن حنبل في (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم): " قلب أحاديث شهر بن حوشب وصيرها حديث الزهري " وجعل يضعفه (٣).
وقال في (مصعب بن سلام): " انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم بن أبي شيبة مرة فجعل يذاكر عنه أحاديث عن شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة، انقلبت عليه أيضًا (٤).
وقال أبو زرعة الرازي في (معاوية بن يحيى الصدفي): " ليس بقوي، أحاديث كله مقلوبة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالًا " (٥).
هؤلاء كان القلب يقع لأحدهم دون تعمد، إنما هو لسوء الحفظ.
_________________
(١) الكامل (٢/ ٣٠٣)
(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٨٦).
(٣) العلل، لأحمد (النص: ٤٣٩٠).
(٤) العلل (النص: ٥٣١٧)، وانظر: التاريخ الكبير، للبخاري (٤/ ١ / ٣٥٤) والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٣٠٨).
(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٨٤).
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
وممن كان يتعمد القلب من المتروكين الهلكى: صالح بن أحمد القيراطي، قال ابن حبان: " يسرق الحديث، ولعه قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث " (١).
وقال ابن عدي: " يسرق الأحاديث، ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم " (٢).
قلت: وهذا هو وجه إطلاقهم: (يسرق الحديث) على الراوي (٣)، لكن لا يصح تسليم العبارة لقائلها في حق من أوقعه في القلب سوء الحفظ وضعف التيقظ، إنما هي في المتعمدين من جهة ادعاء أحدهم سماع ما لم يسمع.
ومما يستدل به تارة لهذه الصورة عند النقاد شبه حديث الراوي بحديث راو آخر، فيستدلون بذلك الشبه على كون أحدهما سرقه من الآخر.
هذه هي صور الحديث المقلوب، وما ثبت أنه كذلك فهو ضعيف خطأ، حتى ما ذكرته في الصورة الأولى من وقوع القلب بالتحول من ثقة إلى ثقة في الإسناد، فالحديث في هذه الحالة وإن كان محفوظًا في أصله، إلا أن ذلك الإسناد الذي وقع فيه القلب خطأ ضعيف، لا يعتبر به.
* * *
_________________
(١) المجروحين (١/ ٣٧٣).
(٢) الكامل (٥/ ١١٢).
(٣) وانظر: الاقتراح، لابن دقيق العيد (ص: ٢٣٦) والموقظة للذهبي (ص: ٦٠). وانظر تفسير هذه العبارة في (المبحث الثاني) من مباحث (تفسير الجرح)
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
المبحث الرابع:
الحديث المصحف
تعريفه:
هو الحديث يقع فيه تغيير في نقط الكلمة في إسناد أو متن، مع بقاء صورة الخط.
مثل تصحيف: (جمرة) إلى (حمزة) في الأسماء، و(الحر) إلى (الخز) في المتون.
ويعدون تغيير (عبيد الله) إلى (عبد الله) تصحيفًا لقرب الرسم.
فإن وقع التغيير في حروف الكلمة مما تختلف به صور الخط، سمي (المحرف).
مثل تحريف: (وكيع بن حدس) وهو الصواب، إلى: (وكيع بن عباس).
وعند تحريف كثير من العلماء جواز إطلاق أحد اللفظين على الآخر، ومن اعتنى بهذا الباب سماه جميعًا (التصحيف).
طريق معرفة التصحيف أو التحريف في الرواية:
إن كان في أسماء الرواة فبمراجعة كتب التراجم، خصوصًا كتب
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
المتاشبه والمؤتلف والمختلف، وإن كان في المتون فبتتبع لفظ الحديث في كتب الرواية، وبمراجعة كتب اللغة، وغريب الحديث.
وفي هذا الباب كتب خاصة مفيدة، منها: " إصلاح غلط المحدثين " للخطابي، و" تصحيفات المحدثين " لأبي أحمد العسكري.
وأهمية معرفة هذا النوع من علوم الحديث لا تخفى؛ لما يقع بالتصحيف من الإحالة، فربما صيرت الراوي المجروح ثقة أو العكس، وما يقع في ألفاظ المتون من إفساد المعنى والخروج به عن جادته.
والقدر المتميز تحريفه أو تصحيفه من الحديث ضعيف، وهو خطأ لا يعتبر به وسببه: وهم الراوي وخطؤه، فهو نتيجة لعدم إتقانه لما أخطأ فيه من ذلك.
ومن مثاله: ما رواه قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض (١)، عن أبي سعيد، قال:
كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ، يعني الجد.
فبين مسلم بن الحجاج أن قبيصة لم يحسن قراءته فصحف فيه، قال مسلم: " وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ، يعني في الطعام وغيره في زكاة الفطر "، قال مسلم: " فقلب قوله إلى أن قال: نورثه، ثم قلب له معنى فقال: يعني الجد " (٢).
وتكلم النقاد في طائفة من الرواة، بسبب ما عرفوا به من التصحيف في الأسماء والمتون، كما بينت في أسباب الجرح في باب (تمييز النقلة).
* * *
_________________
(١) هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرْح العامرِي
(٢) التمييز، لمسلم بن الحجاج (ص: ١٨٩ - ١٩٠).
[ ٢ / ١٠١٠ ]
المبحث الخامس:
الحديث المدرج
المدرج قسمان (١)، ببيانهما يتضح معناه الاصطلاحي:
القسم الأول: مدرج الإسناد
وهو أربع صور:
الصورة الأولى: أن يقع الحديث للراوي عن جماعة يحمله عنهم فيجمع الكل بإسناد واحد، ولا يبين الاختلاف.
وصورته: أن يروي الثقة الحديث عن رجلين، يجمع بينهما، رواية أحدهما مرسلة، ورواية الآخر متصلة، فيسوقه متصلًا، ومثل هذا الصنيع قيل: فعله سفيان بن عيينة مع حفظه، كما ذكره بعض الحفاظ (٢)، ولم أقف له على مثال صالح من فعل سفيان، أو من فعل غيره من الثقات المتقنين.
وكذلك سأل أيوب بن إسحاق بن سافري أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)، قال: يا أبا عبد الله، ابن إسحاق إذا تفرد بحديث
_________________
(١) تقدم ذكْر ما يقع الإدراج فيه من روايات الثقات في مباحث (النقد الخفي).
(٢) نقله ابن رجب في " شرح العلل " (٢/ ٧٦٥) عن يعقوب بن شيبة.
[ ٢ / ١٠١١ ]
تقبله؟ قال: " لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا " (١).
قلت: فأحمد لينه لهذا الصنيع.
وكذلك كان من أسباب الطعن على (محمد بن عمر الواقدي)، حيث قال أحمد بن حنبل: " كنا نرى أن عنده كتبًا من كتب الزهري أو كتب ابن أخي الزهري، فكان يحيل، وربما يجمع، يقول: فلان وفلان عن الزهري إخال حديث نبهان عن معمر. والحديث لم يروه معمر أيضًا، هو حديث يونس، حدثناه عبد الرزاق عن ابن المبارك عن يونس، كان يحيل الحديث ليس هذا من حديث معمر " (٢).
الصورة الثانية: أن يكون المتن عند راو بإسناد، إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو عنه تاما بالإسناد الأول.
ومن هذا ما رأيته وقع من بعض أهل الحديث، يجد خبرًا ساقه محمد بن إسحاق في السير والمغازي، ذكر طرفًا منه مسندًا، ثم أدرج فيه شيئًا في ذلك الخبر ليس مما وقع له بنفس ذلك الإسناد، فيخرجه الراوي من طريق ابن إسحاق بالإدراج كالجزء من ذلك الحديث المسند، بل ربما فصل المدرج عن سياق الخبر المسند مركبًا له على إسناده (٣).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١/ ٢٣٠) بإسناد لا بأس به، وابن سافري صدوق.
(٢) العلل (النص: ٥١٣٩)
(٣) كما يصلح له مثالًا الحديث الذي تعلق به طائفة من الفقهاء في مسألة مترتبةٍ على إسلام المرأة قبل زوجها، وهو ما جاء في قصة زينب ابنة النبي ﷺ في شأنها مع زوجها أبي العاص بن الربيع فقال: " أي بُنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنَّ إليك، فإنك لا تحلين له "، وسياقه وعلته في كتابي " إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح ". ومن مثاله أيضًا ما وقعَ لسعيد بن أبي مرْيم في روايته لحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ: " لا تَباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا .. " الحديث، فأدرج فيه: " ولا تنافسوا "، وكان قد رواه كذلك بالإدراج عن مالك، وأخطأ فيه، دخلت عليه هذه اللفظة من حديث أبي هريرة، انظر بيانه في تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقن (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان كل منهما بإسناد يخصه، فيرويهما راو عنه بأحد الإسنادين، أي يدخل متن أحدهما على إسناد الآخر.
وهذه من صور دخول حديث في حديث، وشرحت مثالها في (النقد الخفي)، وهي غير الصور المتقدمة في (القلب).
الصورة الرابعة: أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قبل نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن الحديث فيرويه بذلك الإسناد.
ومثال هذا ما وقع لثابت بن موسى الزاهد، قال ابن حبان: " روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي ﷺ قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "، وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد)، فأدرج ثابت بن موسى في الخبر، وجعل قول شريك كلام النبي ﷺ، ثم سرق هذا من ثابت بن موسى جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك " (١).
قلت: وهذا ضعف بين وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث.
قال أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل (وكان ثقة): قلت لمحمد بن عبد الله بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: " شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة "، قلت: ما تقول في حديث جابر: " من كثر صلاته بالليل؟ " فقال: " غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه " (٢).
_________________
(١) المجروحين (١/ ٢٠٧)، وانظر: الإرشاد، للخليلي (١/ ١٧١)، انظر كذلك قصة ثابت هذا في " المدخل إلى الإكليل " للحاكم (ص: ٦٣)
(٢) أخرجه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٦٣) بإسناد صحيح.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
القسم الثاني: مدرج المتن
قال الذهبي: " هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنه من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة لا تفصل هذا من هذا " (١).
طريق معرفة الإدراج:
يعرف الإدراج في المتن بأمور:
أولها: وجود قرينة في السياق تدل على أن الجملة مدرجة، كاستحالة إضافته إلى النبي ﷺ.
مثل ما وقع في رواية البخاري (٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك ".
فقوله: " والذي نفسي بيده " إلى آخره، ليس من كلام النبي ﷺ، بقرينة قوله: " وبر أمي "، فإن أمَّه ﷺ ماتت عنه وهو صغير.
وهذه الصورة من الإدراج متميزة دون حاجة إلى دليل خارجي، مع أن مسلمًا حين أخرج الحديث (٣) قال في روايته: " والذي نفس أبي هريرة بيده. . " فذكره.
وثانيها: تصريح الصحابي راوي الحديث بأن تلك الجملة من كلامه.
وذلك كحديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: " من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار "، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (٤).
_________________
(١) الموقظة (ص: ٥٣ - ٥٤).
(٢) في " صحيحه " (رقم: ٢٤١٠).
(٣) في " صحيحه " (رقم: ١٦٦٥).
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ١١٨١، ٤٢٢٧، ٦٣٠٥)
[ ٢ / ١٠١٤ ]
قلت: وهذا الإدراج لا يخفى.
وثالثها: تصريح بعض رواة الحديث بفصلها عن أصل الحديث.
ومثاله ما وقع من بعض الرواة لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة ".
فأدرج فيه بعضهم سياق الأسماء، كما أخرجه الترمذي (١) وغيره، من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا، زاد بعد قوله ﷺ: " دخل الجنة ": " هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك. . " إلى آخرها، لم تفصل فيه هذه الزيادة عن الحديث، مما ظنه بعض الناس في جملة الحديث.
وهو عند البخاري (٢) وغيره، عن أبي اليمان عن شعيب، دون ذكرها، وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، دونها (٣)، ومن غير وجه عن أبي هريرة بدونها أيضًا.
ولك أن تقول: زادها ثقة، والزيادة وغير المخالفة من الثقة مقبولة.
ونقول: نعم، على التحقيق، هي كذلك، لو كان بعض الرواة لم يذكرها وبعضهم ذكرها، وليس في مجرد ذلك دليل على الإدراج، ولكنا وجدنا ما بين أنها مدرجة:
فأخرج الحديث عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد آخر للوليد بن مسلم،
_________________
(١) في " جامعه " (رقم: ٣٥٠٧)، وقال: " غريب "، وقال: " لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذِكر الأسماء إلا في هذا الحديث ".
(٢) في " الصحيح " (رقم: ٢٥٨٥، ٦٩٥٧).
(٣) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٦٠٤٧) ومسلم (رقم: ٢٦٧٧).
[ ٢ / ١٠١٥ ]
قال عثمان: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: لله تسعة وتسعين (١) اسمًا، من أحصاها كلها دخل الجنة ".
زاد بعده: قال هشام (يعني ابن عمار): وحدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو، فساق الأسماء (٢).
فدل هذا على أن الوليد كان يحدث بالحديث المرفوع بإسنادين، وكان يدرج فيه الأسماء مما أخذه عن سعيد بن عبد العزيز قوله.
لكن يجب أن تعلم أن كشف مثل هذه العلة ليس مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث.
قال الذهبي: " هذا طريق ظني، فإن ضعف توقفنا، أو رجحنا أنها من المتن " (٣).
واعلم أن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كان ممن عرف بالإدراج في المتون، يدرج اللفظ يفسر فيه اللفظ، ونحو ذلك، وليس بالكثير في حديثه.
والتأصيل في الجملة: أنه لا يصح ادعاء الإدراج في إسناد أو متن إلا إذا قام برهان بين على وجوده، وإذا ثبت فإن كان من مدرج المتن حكم لذلك القدر المدرج بكونه ليس من الخبر، ولا يقدح هذا في سائر الخبر ويكون ذلك القدر من الجملة الحديث الضعيف رفعه إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) كذا، والجادة: (وتسمعون).
(٢) انظر: النقض على المريسي، لعُثمان الدارمي (١/ ١٨٠ - ١٨٣)
(٣) الموقظة (ص: ٥٤).
[ ٢ / ١٠١٦ ]
وإن كان من مدرج الإسناد فإنه قد يستدل به على لين الرواي أو ضعفه، وإن كان من الثقات المتقنين فبيان إدراجه فيها مزيل لأثر محذورها، ولا يقدح صنيع ذلك فيه، إنما يقدح فيما نتج عن إدراجه من أثر، وحديثه دون الإدراج صحيح.
وللحافظ أبي بكر الخطيب كتاب " الفصل للوصل المدرج في النقل "، وهو كتاب ثري نافع في بابه.
* * *
[ ٢ / ١٠١٧ ]
المبحث السادس:
الحديث الشاذ
الشذوذ هو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه، وقعت المخالفة في المتن أو السند.
والأقوى منه قد يكون ثقة آخر، وقد يكون عددًا حاصلًا بمجموعهم رجحان إتقانهم على إتقانه.
كما أنه إذا وقع فقد يكون في سند أو بعض سند، ومتن أو بعض متن.
وقد عرفه الشافعي بقوله: " ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثًا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم " (١).
وعرفه الحاكم بقوله: " حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة " (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ومناقبه " (ص: ٢٣٣) بإسناد صحيح، ونحوه (ص: ٢٣٤).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١١٩)، وفي سؤالات مسعود السجزي له (النص: ١٥٠) قال: " بهْز بن حكيم بن معاوية بن حيْدة القشيري من ثقات البصريين ممن يُجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذةٌ لا مُتابع لها في الصحيح ". قلت: بل لم يُخرجاها لأنها دون شرطهما في القوة، وإلا فهي جيدة قوية
[ ٢ / ١٠١٨ ]
ثم استدل بتعريف الشافعي للشاذ، وبين التعريفين مفارقة، وهي أن الشافعي اشترط لصحة الوصف بالشذوذ المخالفة من قبل الثقة، واقتصر الحاكم على مجرد تفرد الثقة بما لم يأت عن غيره.
والتحقيق أن تعريف الشافعي يبطل تعريف الحاكم الذي استشهد به، فإنه نفى أن يكون الشذوذ تفرد الثقة، والحاكم يجعله تفرد الثقة، وأكده بالمثال الذي مثل به، وهو حديث معاذ بن جبل في جمع الصلاتين في غزوة تبوك، وهو حديث لم تأت في إسناده ولا في متنه مخالفة من ثقة، ولكنه حديث فرد.
والحاكم حكم عليه بالشذوذ، بل زعم أن الحديث موضوع، مع أنه قال: " لا نعرف له علة نعلله بها " (١).
والتحقيق: أن تفرد الثقة بحديث من غير مخالفة لا يعد من الشذوذ، بل وقوع المخالفة شرط في الشذوذ، أو ما ينزل منزلة المخالفة، كزيادة الثقة المتوسط الرفع أو الوصل وليس محله في الإتقان محل من تسلم زيادته على من لم يأت بها، هذه هي القاعدة (٢).
مثال الشذوذ في الإسناد:
حديث حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٣).
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (ص: ١٢٠).
(٢) انظر الكلام حول التفرد في (النقد الخفي).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وأحمد (٦/ ١٤٤) والدارمي (رقم ٢١٢٧) وأبو داود (رقم: ٢١٣٤) والترمذي في " الجامع " (رقم: ١١٤٠) و" العلل " (١/ ٤٤٨) والنسائي (رقم: ٣٩٤٣) وابن ماجة (رقم: ١٩٧١) وابن أبي حاتم في " العلل " (رقم: ١٢٧٩) والطحاوي في " شرح المشْكل " (رقم: ٢٣٢، ٢٣٣) وابن حبان (رقم: ٤٢٠٥) والحاكم (٢/ ١٨٧ رقم: ٢٧٦١) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٢٩٨) والخطيب في " الموضع لأوهام الجمع والتفريق " (٢/ ١٠٧) من طرق عن حماد بن سلمة، بإسناده به.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث.
قال أبو زرعة الراوي: " لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا " (١).
قلت: خالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله ﷺ، فذكر الحديث (٢).
وهذه رواية مرسلة، وحماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟.
فلذا حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة.
فرجح أبو زرعة الرازي الإرسال.
وقال الترمذي بعد ذكر مخالفة حماد بن زيد وغير واحد لابن سلمة: " وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة "، وكان في " العلل " سأل البخاري عنه؟ فأشار إلى تعليله بإرسال حماد بن زيد له.
وكذلك أعقبه النسائي بذكر إرسال ابن زيد له، مشيرًا إلى علته.
_________________
(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٢٧٩).
(٢) أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٥/ ٣١٥) من طريق حماد بن زيد. وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وابنُ سعد في " الطبقات " (٨/ ١٦٨) عن ابنِ عُلية. وابن جرير أيضًا (٥/ ٣١٤) من طريق ابنِ عُلية وعبد الوهاب. وكان قد أخرجه عن عبد الوهاب بواسطة مُحمد بن بشار عنه، بالرواية المرسلة، وأخرجه (٥/ ٣١٥) عن سُفيان بن وكيع، عن عبد الوهاب، بمثل رواية حماد بن سلمة موصولة، لكن هذه رواية ضعيفة، ابنُ وكيع ضعيف، وخالف ابن بشار الثقة الحافظ عن عبد الوهاب
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
وحاصله: أن رواية الجماعة (محفوظة) ورواية ابن سلمة (شاذة).
وهذا مثال للشذوذ مع أن وجه المخالفة فيه ليس على معنى المعارضة للرواية الأخرى، وإنما جاء من جهة أن حماد بن سلمة ليس في الإتقان في درجة من يستقل عن الجماعة بزيادة، لما له من الأوهام مع ثقته.
مثال الشذوذ في المتن:
ما رواه همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ".
قال فيه أبو داود: " هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق، ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام " (١).
قلت: أراد أبو داود بالمنكر الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة شذوذ لا نكارة، وهمام ثقة، لكن هذا معنى اصطلاحي واسع، وإنما ذكرت هذا الحديث مثالًا للتنبيه أيضًا على إطلاقهم النكارة على الشذوذ، بجامع الوهم والخطأ في كلٍّ.
وما ذكره من تفرد همام به بهذا اللفظ صحيح بالنظر إلى وروده من طريق ثقة، وإلا فقد جاء من وجه آخر ضعيف لا يعتبر به.
وقد قال النسائي: " هذا الحديث غير محفوظ " (٢)، وهذه العبارة ألصق بالاصطلاح من عبارة أبي داود.
والحديث شاذ لمخالفة سياق متنه لما هو المحفوظ من رواية أصحاب الزهري كيونس بن يزيد الأيلي وشعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن سعد
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ١٩).
(٢) السنن الكبرى (رقم: ٩٥٤٢).
[ ٢ / ١٠٢١ ]
وزياد بن سعد وغيرهم، والحكم بالوهم فيه من قبل همام مظنة لا قطع، إذ يحتمل أن يكون ابن جريج دلس فيه (١).
والحكم بشذوذ هذا اللفظ إدراك من الناقد لما وراء ظاهر الإسناد، وإبانة لوهم الثقة بالبرهان، إذ أتى بما هو على خلاف المحفوظ عن الزهري من رواية متقني أصحابه.
وتلاحظ من هذا أن اعتبار درجات الثقات هو المقياس لتمييز الحفظ من الشذوذ.
ويتفرع عن الكلام في (الشذوذ) مسألتان:
المسألة الأولى: زيادات الثقات.
الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه.
فهذان نوعان، فأما الأول فليس مرادًا هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصًا أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به.
كما قال علي بن المديني: " نظرنا فإذا يحيى بن سعيد يروي عن سعيد بن المسيب ما ليس يروي أحد مثلها، ونظرنا فإذا الزهري يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد، ونظرنا فإذا قتادة يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد " (٢).
وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة.
_________________
(١) وانظر الحديث بتخريجه والكلام في علته في تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقن (١/ ١٨٢ - ١٨٤)
(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٧٦).
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
وجملة ما يحتاج إليه في هذا المقام هو أن الزيادة كانت في الإسناد أو المتن، لا تخلو من أن تكون مخالفة لرواية من لم يأت بها أو غير مخالفة:
فإن كانت مخالفة لرواية الأقوى ضبطًا، حكمنا بكونها (شاذة).
وإن كانت غير مخالفة نظرنا اعتبار أمرين لقبولها: أن تكون من ثقة متقن، وأن لا يقوم دليل على خطئه فيها، فإن كانت بهذه كانت المثابة حكمنا بكونها (محفوظة).
وإن لم يكن من أتى بها في إتقانه في المنزلة التي ترجح معها زيادته، للين في حفظه، كحماد بن سلمة في المثال المتقدم، حكمنا بكونها (شاذة) (١).
وما حكمنا بشذوذه فهو (ضعيف).
المسألة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد.
هذا مبحث يراد به الإسناد الذي يأتي صريحًا بذكر السماع بين ثقتين، فيقول الراوي الثقة المسمى (خالد) مثلًا: (حدثني زيد) ثم يوجد عن خالد هذا قوله: (حدثني بكر عن زيد)، ويبحث في كل من الإسنادين إلى (خالد) فلا يوجد فيهما علة تدل على وهم أو خطأ، وخالد نفسه لا يعاب في حفظه وصدقه، بل هو ثقة، فيقال: (هذا من المزيد في متصل الأسانيد) حملًا على كون (خالد) سمع الحديث أولا بواسطة، ثم لقي (زيدًا) فحدثه به، وهذا واقع في الأسانيد غير مستنكر.
فالقول: هو من المزيد في متصل الأسانيد أولى من تخطئة الثقة بغير حجة بينة، إلا أن يوجد أن خالدًا لم يدرك زيدًا، فيكون بعض الرواة أخطأ فيه، أو وقع في الإسناد سقط من نسخة أو كتاب.
_________________
(١) وراجع القول في (زيادات الثقات) فيما تقدَّم في (النقد الخفي)
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
مثاله: ما رواه حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى ".
قال (أي عكرمة): فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة، فقالا: صدق.
فهذا إسناد صحيح متصل، جاء بيان سماع رواته بعضهم من بعض من وجوه عن حجاج الصواف، وهو ثقة.
وروى الحديث معمر بن راشد ومعاوية بن سلام، وهما ثقتان، وسعيد بن يوسف، وهو ضعيف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري.
فزادوا عن ابن كثير رجلًا بين عكرمة والحجاج.
وهذه رواية صحيحة كذلك، لكنها لا تقدح في اتصال الأولى، لثقة حجاج الصواف وإتقانه عن يحيى بن أبي كثير.
فهذه صورة للمزيد في متصل الأسانيد، بنيت على اعتبار انتفاء المسوغ لتخطئة الثقة، فيكون الجمع: أن عكرمة سمعه بواسطة عن الحجاج، ثم لقي الحجاج فسمعه منه دون واسطة (١).
أما إن جاء الإسناد معنعنًا في موضع، وجاء من جهة أخرى صحيحة بزيادة راو في محل العنعنة، فليس من المزيد في متصل الأسانيد، بل الرواية الناقصة ضعيفة للانقطاع، لا للشذوذ، والمزيدة هي المحفوظة.
وذلك مثل: ما رواه أبان بن يزيد العطار وحرب بن شداد،
_________________
(١) شرحت الاختلاف في هذا الحديث في كتاب " علل الحديث "، وهناك تخريجه
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
ومحمد بن المثنى، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:
أنه دخل على عائشة، وهو يخاصم في أرض، فقالت عائشة: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض، فإن رسول الله ﷺ قال: " من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " (١).
ولا إشكال في صحته على هذا الظاهر، لكن رواه أصحاب ابن أبي كثير مرة أخرى: علي بن المبارك، وحسين المعلم، وأبان العطار، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، به (٢).
فزادوا واسطة بين يحيى وأبي سلمة، ولم نجد في شيء من الطرق أن يحيى سمعه من أبي سلمة، فدل على أنه تلقاه عنه بالواسطة، وروايته بدونها منقطعة.
أما مجيء الزيادة وهي مرجوحة شاذة، فمثل ما رواه زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: لبى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معًا، فقال: " لبيك بعمرة وحجة ".
قال البخاري: " هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسًا " (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٦٤، ٢٥٩) من طريق أبان بن يزيد العطار، والطحاوي في " شرح المشْكل " (رقم: ٦١٤٥، ٦١٤٦) من طريق حرْب بن شداد، ومُحمد بن المثنى، جميعًا، عن يحيى بن أبي كثير، به، واللفظ لأبان.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٧٨) والبخاري (رقم: ٢٣٢١) من طريق حسين المعلم، والبخاري (رقم: ٣٠٢٣) من طريق علي بن المبارك، وأحمد (٦/ ٢٥٢) ومسلم (رقم: ١٦١٢) من طريق حرْبٍ، ومسلم من طريق أبان، وفي رواية حُسين وأبان قال يحيى: " حدثني مُحمد بن إبراهيم، أن أبا سلمة حدثه ".
(٣) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣٧٥).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
قلت: كذلك قال هشيم بن بشير (١)، ويحيى بن سعيد القطان (٢)، وسفيان بن عيينة (٣)، ذكروا جميعًا عن حميد سمع أنسًا.
كما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفسًا من أصحاب حميد، عنه، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس، بما يأتي على تأييد رواية من ذكر السماع.
فهذه الصورة أيضًا ليست من المزيد في متصل الأسانيد.
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩/ ٢٢ رقم: ١١٩٥٨) ومسلم (رقم: ١٢٥١) وأبو داود (رقم: ١٧٩٥) والنسائي (رقم: ٢٧٢٩) وابنُ خزيمة (رقم: ٢٦١٩) والطبراني في " الصغير " (رقم: ٩٦٨) والبيهقي في " الكبرى " (٥/ ٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٣٦ رقم: ١٢٨٧٠).
(٣) أخرجه الحميدي (رقم: ١٢١٥) وأبو يعلى (٦/ ٣٢٥، ٣٩١ رقم: ٣٦٤٨، ٣٧٣٧ - وسقط منه ذكر سفيان في الموضع الأول)
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
المبحث السابع:
الحديث المعلل
تعريفه:
هو الحديث الذي يُطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الجامع شروط الصحة في الظاهر.
ويندرج فيه مما تقدم: صور من المعلل بالقلب، والتصحيف، والإدراج، كما يندرج تحته: الشذوذ، والاضطراب.
فهذه وإن كانت لها ألقابها في الضعف، لكن يصلح تسميتها عند اكتشاف الضعف بسببها: (المعلل).
ويدخل في المعلل ما هو أوسع من ذلك، إذ تارة تكون العلة من جهة تفرد الراوي، وتارة من جهة المخالفة، وتارة من جهة الاختلاف.
وشرح هذا النوع بعمومه، وأمثلته، وصوره، وطرق كشفها في (النقد الخفي).
كما يجب ملاحظة أن من الصور ما يدرج تحت العلة، لكنه لا يقدح في ثبوت الحديث، كشك الراوي وتردده بين ثقتين، يقول: (حدثني فلان
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
أو فلان)، فهذا وشبهه لا يقدح؛ لأن الحديث كيفما كان فهو عن ثقة (١).
ومن هذا: " الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن تابعي مثلًا عن صحابي، ويرويه آخر مثله سواء عن ذلك التابعي بعينه، لكن عن صحابي آخر، فإن الفقهاء وأكثر المحدثين يجوزون أن يكون التابعي سمعه منهما معًا إن لم يمنع منه مانع " (٢).
قال السخاوي: " وفي الصحيحين الكثير من هذا، وبعض المحدثين يعلون بها، متمسكين بأن الاضطراب دليل على عدم الضبط في الجملة ".
قال: " والكل متفقون على التعليل بما إذا كان أحد المتردد فيهما ضعيفًا " (٣).
والأصل أن طريق معرفة علة الحديث جمع طرقه، ثم النظر في اختلاف رواته، ومراعاة مكانهم في الحفظ والضبط.
* * *
_________________
(١) انظر معنى ذلك في " الكفاية " للخطيب (ص: ٥٣٤).
(٢) فتح المغيث، للسخاوي (١/ ٢٠).
(٣) فتح المغيث، للسخاوي (١/ ٢٠)
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
المبحث الثامن:
الحديث المضطرب
تحرير معنى الاضطراب يتبين من حصره في الصورتين التاليتين:
الصورة الأولى: أن يروى الحديث على أوجه مختلفة متساوية في القوة، بحيث يتعذر الترجيح.
فهذا وإن لم نجزم بخطأ أحد من رواته، لكن الخطأ موجود من راو أو أكثر من غير تعيين.
وتصح دعوى الاضطراب حين يتعذر الجمع بين الوجوه المختلفة، فإذا أمكن الجمع فلا اضطراب.
وهذه الصورة واردة في السند والمتن.
فمثالها في السند: ما وقع من الاضطراب الشديد في إسناد حديث جرهد عن النبي ﷺ قال: " الفخذ عورة ".
فهذا الحديث اضطرب فيه الرواة على نحو من عشرين وجهًا مختلفًا، قد يمكن إرجاع بعض منها إلى بعضها الآخر، لكن لا انفكاك عن بقاء الاختلاف المؤثر، الذي يتعذر معه ترجيح بعضها على بعض (١).
_________________
(١) شرحت علته في كتابي " أحكام العورات ".
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
كما يصلح له مثالًا حديث: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث "، فإن التحقيق أنه مضطرب سندًا ومتنًا (١).
والصورة الثانية: التردد في الإسناد أو المتن من الراوي المعين، فيقال: (كان فلان يضطرب فيه فتارة يقول كذا، وتارة يقول كذا).
مثاله: ما أخرجه الترمذي (٢) من طريق شعبة بن الحجاج، قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم ".
قال الترمذي: " كان ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث، يقول أحيانًا: عن أبي أيوب عن النبي ﷺ، ويقول أحيانًا: عن علي، عن النبي ﷺ ".
قلت: وابن ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كان ضعيفًا لسوء حفظه.
وفي هذا أن اضطراب الراوي المعين في أحاديثه من أسباب ضعفه في حفظه، والحديث الذي اضطرب فيه يعل من جهة لين ذلك الراوي في حفظه، ومن جهة اضطرابه في تلك الرواية.
وربما وقع الاضطراب من الثقة، لكن يكون قليلًا إلى جنب ما روى، فمثله يوجب احتياطًا ومزيد تحر قبل تسليم قبول روايته، وذلك بتتبع طرق حديثه المعين، فإن سلم من الاختلاف المؤثر فهو صحيح الحديث؛ إعمالًا لما ترجح من الثقة المقتضية لضبطه.
_________________
(١) كما بينته في كتابي " علل الحديث "، وتقدم لهذه الصورة مَزيد تمثيل في (النقد الخفي).
(٢) في " جامعه " (رقم: ٢٧٤٢)
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
مثال هؤلاء (عبد الملك بن عمير)، فهو ثقة، وقد ذكر بذلك، قال أحمد بن حنبل: " مضطرب الحديث جدا مع قلة حديثه، ما أرى له خمس مئة حديث، وقد غلط في كثير منها "، وقال يحيى بن معين: " مخلط " (١) وهو يريد هذا المعنى.
واضطرابه بينه أحمد بن حنبل في رواية أخرى عنه، فقال: " يختلف عليه الحفاظ " (٢).
قلت: وهذا يعني أن ما لم يختلف عليه فيه فهو من صحيح حديثه، وما اختلف عليه فيه اختلافًا غير قادح على أي وجوهه كان، فهو كذلك من صحيح حديثه، وما كان منه غير ذلك فهو مما يعل باضطرابه فيه، ويضعف لذلك.
وقد يقع الاضطراب للرواي الثقة في روايته عن شيخ معين لا مطلقًا.
وذلك كقول أحمد بن حنبل في (محمد بن عجلان): " ثقة "، فقيل له: إن يحيى (يعني القطان) قد ضعفه؟ قال: " كان ثقة، إنما اضطرب عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة " (٣).
قلت: فمثل هذا إن قدح في حديث الراوي، فإنه لا يقدح إلا فيما رواه عن ذلك الشيخ، على أن ابن عجلان لم يضر حديثه عن المقبري أنه اضطرب فيه خلافًا لما قد يفهم من جرح يحيى القطان؛ لأن اضطرابه من جهة أن سعيدًا المقبري كان يروي عن أبيه عن أبي هريرة، وسمع كذلك من أبي هريرة، فذكر ابن عجلان عن نفسه أنها اختلطت عليه، فجعلها جميعًا عن سعيد عن أبي هريرة، فما ذكر فيه من روايته عن سعيد: (عن
_________________
(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ٢ / ٣٦١).
(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٦٠ - ٣٦١)، أي: أنَّ الرواة الثقات المتقنين إذا رووا عنه يذْكرون في رواياته اختلافًا، وذلك من جهته لا من جهتهم؛ لحفظهم.
(٣) العلل، رواية أبي بكر المروذي وغيره (النص: ١٦٢)
[ ٢ / ١٠٣١ ]
أبيه) فهو متصل صحيح، وما لم يذكر (عن أبيه) فإما أن يكون سعيد بين سماعه من أبي هريرة، وإما أن يكون رواه بالعنعنة، فإن كان مبين السماع فهو كذلك متصل، وما لم يبين فإن وافق ابن عجلان عليه غيره، فهو متصل، وإلا وردت عليه مظنة الانقطاع بين سعيد وأبي هريرة، وإذا احتملنا فيه سقوط الواسطة فهو منقطع مظنة، لكن حيث علمنا الواسطة المظنون سقوطها وهي (أبو سعيد المقبري) وهو ثقة، فلك أن تقول: عاد الإسناد إلى أن يكون صحيحًا للعلم بالساقط المتعين كونه ثقة.
* * *
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
الصورة الأولى: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه مستور أو سيء الحفظ
المبحث التاسع:
الحديث المنكر
هو ضد (المعروف).
وله بعد الاصطلاح صورتان:
الصورة الأولى: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض.
مثل ما رواه مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: " عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء ".
قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قلت: خالف مصعب سليمان التيمي وأبو بشر جعفر بن إياس، فقالا: عن طلق، قال: فذكراه من قوله.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
الصورة الثانية: الحديث الذي يتفرد به الضعيف
وهذان ثقتان، ومصعب ضعيف، ولا متابع له (١).
الصورة الثانية: الحديث الذي يتفرد به الراوي الضعيف ولا يوجد له أصل من غير طريقه.
فهذا منكر لمجرد تفرد الضعيف وإن لم يخالف.
مثل ما رواه محمد بن عمر بن الرومي، قال: حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا دار الحكمة، وعلي بابها " (٢).
فهذا تفرد به ابن الرومي هذا عن شريك، وهو ضعيف، قال أبو حاتم الرازي: " روى عن شريك حديثًا منكرًا " (٣).
قلت: يعني هذا الحديث.
وقال الترمذي: " هذا حديث غريب منكر "، وقال ابن حبان: " هذا خبر لا أصل له عن النبي ﵊، ولا شريك حدث به، ولا سلمة بن كهيل رواه، ولا الصنابحي أسنده " (٤).
قلت: والرومي هذا لين الحديث ليس بالقوي.
واعلم أن النكارة تقع في الإسناد وتقع في المتن، إذ التفرد أو المخالفة واردة فيهما.
ومظنة وجوده: كتب الضعفاء التي عنيت بذكر ما يؤخذ على الراوي أو بعض ما يؤخذ عليه، مما يندرج تحت أسباب ضعفه، مثل: " الكامل "
_________________
(١) خرجت هذا الحديث وبينت علته بتفصيل في كتابي " إعفاء اللحية، دراسة حديثية فقهية "
(٢) أخرجه الترمذي (رقم: ٣٧٢٣).
(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٢).
(٤) المجروحين (٢/ ٩٤).
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
لابن عدي، و" الضعفاء " للعقيلي، و" المجروحين " لابن حبان، وهي أنفع الكتب في هذا الباب.
تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين:
وقع في كلام متقدمي أئمة الحديث إطلاق وصف (المنكر) على ما يأتي:
أولًا: تفرد الثقة، وقع هذا في بعض كلام أحمد بن حنبل، وقاله أبو بكر البرديجي (١).
وكان يحيى القطان يتشدد في تفرد الثقة، حتى ربما عد ذلك من وهمه.
قال أحمد بن حنبل: قال لي يحيى بن سعيد: " لا أعلم عبيد الله (يعني ابن عمر) أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام "، قال أحمد: فأنكره يحيى بن سعيد عليه، فقال لي يحيى بن سعيد: " فوجدته، فوجدت به العمري الصغير (٢) عن نافع عن ابن عمر، مثله "، قال أحمد: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه (٣).
قلت: حكم بالنكارة للغرابة، فلما زالت بالمتابعة حكم بصحته، مع أنها متابعة من لين، إذ العمري الصغير ضعيف ليس بالقوي في الحديث، لكنه صالح في المتابعات.
وهذا مما لم تجر عليه طريقة الشيخين ولا غيرهما، بل الثقة مقبول التفرد، ما لم يأت بما يخالف فيه.
_________________
(١) انظر: شرح علل الترمذي (١/ ٤٥٠ - ٤٥٢)
(٢) يعني عبد الله بن عمر العمري.
(٣) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢١٦)
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
ثانيًا: أنواع من الحديث الضعيف لأسباب أخرى، كالحديث الشاذ، أو الحديث الفرد الذي قام الدليل على أنه قد وهم فيه الثقة، والمدرج، والمنقطع، وحديث المجهول، وقع ذلك في كلام غير واحد من الأئمة المتقدمين، كيحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم، يطلقون لقب (المنكر) على هذه الأنواع.
ثالثًا: الحديث الفرد الذي يرويه الصدوق النازل عن درجة أهل الإتقان، وليس له عاضد يصحح به، ترى هذا في كلام أحمد بن حنبل وأبي داود والنسائي والعقيلي وابن عدي وغيرهم.
وهذا هو (الحديث الحسن) وهو أحد قسمي (الحديث المقبول).
فالنكارة هنا لا يراد بها غير معنى التفرد، ويزول أثرها إذا استقصينا تحقيق شروط حسن الحديث.
رابعًا: الحديث الفرد الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أوالمضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض، وليس له عاضد يقوي به.
وهذا يوجد في كلام كثير من أئمة الحديث.
مثل ما رواه جعفر بن سلميان الضبعي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال:
" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، ويقال له: يرحمكم الله، وإذا قيل له: يرحمكم الله، فليقل: يغفر الله لكم " (١).
_________________
(١) أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (رقم: ٢٢٤) وعنه: ابن السني في " اليوم والليلة " له (رقم: ٢٥٩). وأخرجه الهيثم الشاشي في " مسنده " (رقم: ٧٥١) والحاكم (٢/ ٢٦٦ رقم: ٧٦٩٤) وابن عبد البر في " التمهيد " (١٧/ ٣٣١) من طريق مُحمد بن عبد الله الرقاشي، عن جعفر، به. تابع جعفرًا عليه: أبيض بن أبان. أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠/ ٢٠٠ رقم: ١٠٣٢٦) و" الأوسط " (٦/ ٣٢٠ رقم: ٥٦٨١) و" كتاب الدعاء " (رقم: ١٩٨٣) والحاكم، والبيهقي في " الشعب " (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٧، ٩٣٤٨). وذكر الطبراني كذلك أن المغيرة بن مسلم رواهُ عن عطاء كما رواهُ أبيض. وقال الحاكم: " هذا حديث لم يرفعه عن أبي عبد الرحمن عن عبْد الله بن مسعود غيرُ عطاء بن السائب، تفرد بروايته عنه جعفر بن سليمان الضُّبعي وأبيض بن أبان القُرشي، والصحيح فيه رواية الإمام الحافظ المتقن سُفيان بن سعيد الثوري عن عطاء بن السائب " يعني موقوفًا من قوْل ابن مسعود. وكذلك قال البيهقي في الموقوف: " وهو الصحيح ". والرواية الموقوفة أخرجها البُخاري في " الأدب المفرد " (رقم: ٩٣٤) والحاكم (رقم: ٧٦٩٥) والبيهقي في " الشعب " (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٦) من طرق عن سفيان، به. وأخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٦٩٠) قال: حدثنا ابنُ فضيل، عن عطاء، بإسناد به موقوفًا كذلك. كذلك ذكر الدارقطني أن جرير بن عبد الحميد وعلي بن عاصم روياه عن عطاء موقوفًا أيْضًا، وقال: " والموقوف أشهر " (العلل ٥/ ٣٣٤)
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
قال النسائي: " هذا حديث منكر، ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، ودخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء ".
وهذه الصورة يمكن إدراجها تحت السادسة الآتية؛ من أجل أنها جاءت عن الراوي في حال الضعف، وإن كان ذلك الراوي قد يقبل في حال أخرى.
خامسًا: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه من سبق وصفه في الصورة الثانية، ويوصف الراوي بالضعف بحسب كثرة ذلك منه أو قلته، وربما كثر منه حتى يصير متروكًا، كما شرحته في (تفسير الجرح).
وعلى هذه الصورة أكثر ما يقع إطلاق وصف (المنكر).
سادسًا: الحديث الذي يتفرد به الضعيف بما لا يعرف من غير طريقه، ولا يحتمل منه.
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
وهذه الصورة مع التي قبلها ينبغي أن يجري عليهما الاصطلاح على ما تقدم اختياره.
سابعًا: حديث المتروكين والكذابين.
وتسميته بـ (المنكر) أولى من غيره، وهو غني عن التمثيل؛ لكثرة وقوعه في كلام علماء الحديث.
وحديث هؤلاء كذلك يطلق عليه وصف: (الحديث الواهي)، وذلك لأجل شدة ضعف راويه، وسقوط الاعتبار به بمرة، يقولون في ذلك: (حديث واه)، و(إسناده واه).
تنبيه:
قد يوصف (الحديث المنكر) عندهم بـ (الحديث الباطل)، ويكثر مثله في كلام الإمام أبي حاتم الرازي، وربما أطلق هذا الوصف على أي من درجات النكارة المتقدمة، وفيما تقدم بعض مثاله.
ومن ذلك قول ابن عدي في (إبراهيم بن البراء الأنصاري): " ضعيف جدًا، حدث عن شعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم من الثقات بالبواطيل "، وساق بعض حديثه، ثم قال: " أحاديثه التي ذكرتها وما لم أذكرها، كلها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جدًا، وهو متروك الحديث " (١).
قلت: بل فيه تسوية بين (المنكر) و(الباطل) و(الموضوع)، ولا يخفى إمكان التناسب بينها، وإن تفاوتت عند التفريق بينها دلالاتها.
* * *
_________________
(١) الكامل (١/ ٤١١ - ٤١٢).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
وضع الحديث تعمدا وقصدا
المبحث العاشر:
الحديث الموضوع
تعريفه:
هو الحديث المختلق المكذوب على النبي ﷺ، ركب له إسناد أو جاء بغير إسناد.
وهذا النوع يدرج في ألقاب الحديث الناتجة عن جرح الراوي، ويذكر في أنواع الحديث الضعيف، وإن كان الضعف فيه ليس حقيقيا؛ فإن الضعف لا يمنع الاحتمال المرجوح، بخلاف (الموضوع)، فإنه المقطوع بكذبه.
والكذب في الحديث من جهة التعمد وعدمه، يعود إلى سببين:
الأول: التعمد والقصد.
وهذا ظاهر، وعرفت به طائفة من الهلكى، لأغراض سيأتي التنبيه عليها.
مثل: محمد بن سعيد الشامي المصلوب، وكان من أجرأ الناس على وضع الحديث، حتى جاء عنه أنه يسمع الكلام يستحسنه فيضع له إسنادًا (١).
_________________
(١) سيأتي تخريجه عنه.
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
مثل: أبي البختري وهب بن وهب القاضي، فقد كان يكذب يضع الحديث بلا حياء، اتفقت على ذلك عبارات جميع النقاد، وأمثلة ما وضعه أسانيد ومتونًا كثيرة في كتب المجروحين.
ومثل: جعفر بن الزبير، قال محمد بن جعفر غندر: رأيت شعبة (يعني ابن الحجاج) راكبًا على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ قال: أذهب فأستعدي (١) على هذا (يعني جعفر بن الزبير)؛ وضع على رسول الله ﷺ أربع مئة حديث كذبًا " (٢).
ومثل: محمد بن أحمد بن عيسى الوراق، قال ابن عدي: (يضع الحديث، ويلزق أحاديث قوم لم يرهم، يتفرد بها، على قوم يحدث عنهم ليس عندهم "، قال: " عندي عنه آلاف الحديث، ولو ذكرت مناكيره لطال به الكتاب " (٣).
وهذا الصنف نفوسهم مريضة عرية من الورع، رخيصة، يكذبون على رسول الله ﷺ بغاية من الوقاحة وسوء الأدب ورقة الدين.
وفيهم طائفة ربما تذرعوا بجهل أنهم قصدوا نصر الدين، فقالوا: نكذب له ﷺ لا عليه، ونكذب لمصلحة لا لمفسدة، والكذب المحرم إنما هو في حق من كذب عليه يريد بذلك شينه وشين الإسلام، كما يتنزل على هذا حال نوح بن أبي مريم وشبهه.
وهذا الصنف من الرواة هم المعنيون بالوعيد الشديد الوارد في الكذب على النبي ﷺ، كالحديث الصحيح المتواتر: " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " (٤).
_________________
(١) أسْتنْصر عليه، كأنه يعني يَشكو أمره إلى السلطان ليَدفع سوءَه.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل " (١/ ١٨٢) وإسناده صحيح
(٣) الكامل (٧/ ٥٥٩، ٥٦٢).
(٤) جمع طرقه الحافظ الطبراني في " جزء "، وابن الجوزي في صدْر كتاب " الموضوعات ".
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
وضع الحديث غفلة وخطأ
والثاني: الغفلة والخطأ.
كمن لا يفهم الحديث، فيحدث فيشبه له، أو يكون أتي من تغير حفظه واختلاطه، أو من قبوله التلقين، أو أن يدس في كتبه وهو لا يعلم.
وهذا مما يصاب به كثير من الرواة ليسوا متهمين، لكن الحديث يكون موضوعًا.
كقصة ثابت الزاهد (١)، وكمن جعل الأثر عن بني إسرائيل حديثًا، وهمًا منه، كحديث: " الربا سبعون بابًا "، والذي صوابه مما حدث به عبد الله بن سلام، وابن سلام كان من أحبار أهل الكتاب فأسلم (٢).
وفي الرواة عدد ذكروا في الكذابين، وعلتهم من جهة الغفلة.
مثل: عباد بن كثير الثقفي، فقد قال أبو طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " عباد بن كثير أسوأهم حالًا "، قلت: كان له هوى؟ قال: " لا، ولكن روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان من أهل مكة، وكان رجلًا صالحًا "، قلت: كيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: " البلاء والغفلة " (٣).
ومثل: عطاء بن عجلان العطار، قال يحيى بن معين: " لم يكن بشيء، وكان يوضع له الحديث: حديث الأعمش، عن أبي معاوية الضريرة غيره، فيحدث بها " (٤).
وبسبب الغفلة ربما وضع للراوي الحديث، فحدث به على أنه من حديثه وهو لا يعلم، مثل (محمد بن ميمون الخياط المكي)، قال أبو حاتم الرازي: " كان أميا مغفلًا، ذكر لي أنه روى عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثًا باطلًا، وما أبعد أن يكون وضع للشيخ؛ فإنه كان أميا " (٥).
_________________
(١) وذكرتها في (الحديث المدرَج).
(٢) شرحت علل هذا الحديث في كتابي " علل الحديث ".
(٣) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٥/ ٥٣٨) وإسناده جيد
(٤) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٧٠).
(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٨٢). قلت: علل بالأمية وأراد الجهْل؛ لأنه المعنى المناسب للغفلة.
[ ٢ / ١٠٤١ ]
بداية ظهور الكذب في الحديث:
عن طاوس بن كيسان، قال: " جاء هذا إلى ابن عباس (يعني بشير بن كعب) فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري، أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه " (١).
وعن محمود بن لبيد، قال أمرني يحيى بن الحكم على جرش، فقدمتها، فحدثوني أن عبد الله بن جعفر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: " اتقوا صاحب هذا الداء - يعني الجذام - كما يتقى السبع، إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره "، فقلت: والله، لئن كان ابن جعفر حدثكم هذا ما كذبكم، قال: فلما عزلني عن جرش قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن جعفر فقلت له: يا أبا جعفر، ما حديث حدثه عنك أهل جرش؟ ثم حدثته الحديث فقال: كذبوا، والله ما حدثتهم (٢).
قلت: هذا يدل على أن الكذب بدأ ظهوره في عصر التابعين، ثم صار يزيد مع الإقبال على الحديث والإسناد والاشتغال بذلك.
_________________
(١) أثرٌ حسن. أخرجه الدارمي (رقم: ٤٣٢) ومُسلم في " مقدمته " (ص: ١٢ - ١٣) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٠٦٩) وابن عدي (١/ ١٢٠) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٣٨) والحاكم في " المستدرك " (١/ ١١٢ - ١١٣ رقم: ٣٨٤) و" المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥٢) وأبو نعيم في " المستخرج على مسلم " (رقم: ٧٢) وابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ٤٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوُس، به. قلت: إسناده حسنٌ، ابن جحير صدوق فيه ضعْفٌ، وقد خرَّج له الشيخان حديثًا اتفقا عليه هوَ مروي عندهما أيضًا من غير طريقه، وتفرَّد عنه مسلم بحديث أيضًا لم ينفرد به كذلك. ولخبره هذا عن طاوس أصْل من رواية ابن طاوُس عن أبيه، ومن رواية مُجاهد أيضًا عن ابن عباس، بمعناه.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٥٢ - ٥٣) وإسناده حسنٌ، وبعد هذا ساق ابنُ جعفر قصة عن عمر
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
أسباب تعمد وضع الحديث:
الحامل للكذابين على وضع الحديث على النبي ﷺ، يرجع إلى أسباب عدة، تعود جملتها إلى ما يلي:
السبب الأول: الطعن على الإسلام، والتشكيك فيه.
قال حماد بن زيد: " وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ اثني عشر ألف حديث " (١).
وهذا سبب ظن بعض الطاعنين على السنة أن أئمة الحديث غفلوا عنه.
وواقع الأمر أن حقيقة هؤلاء كانت مشهورة، وأباطيلهم كانت مكشوفة، ومن عرف مبلغ التثبت الذي أصلت عليه قوانين النقد في الحديث، والتي لا تمرر يسير الوهم من الثقة الحافظ؛ علم أن أمثال هؤلاء المغرضين لم يكونوا ليقدروا على إفساد سنة النبي ﷺ على الأمة دون أن يقيض الله لهم من أنصار دينه من يظهر حقيقة أمرهم.
كما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: " يعيش لها الجهابذة " (٢).
من هؤلاء المفضوحين: محمد بن سعيد المصلوب، ومغيرة بن سعيد البجلي، وبيان بن سمعان، وعبد الكريم بن أبي العوجاء.
ومن مثاله في الحديث: ما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن
_________________
(١) أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٠٤) وابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ٦) وإسناده صحيح لكن عند ابن الجوزي: (أربعة عشر ألف حديث).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٣) و" الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٨) - ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٨٠) - وابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٩٢) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٠) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: " أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله " (١).
فهذا من كذب هذا المصلوب الذي فضحه الله به.
السبب الثاني: نصرة الأهواء:
ومن سلك هذا أصناف بحسب الأهواء:
١ - فمنهم من يضع للسلاطين تزلفًا لهم، في فضائلهم أو مثالب خصومهم، كالذي وضع في بني أمية وبني العباس.
ومنه التقرب إلى السلطان بوضع الحديث في فضل ما يحب.
قال داود بن رشيد: دخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يعجبه الحمام الطيارة التي تجيء من البعد، فروى حديثًا: أن رسول الله ﷺ قال: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح " قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج قال: " أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ، والله ما قال رسول الله ﷺ: جناح، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام، اذبح الحمام "، قال: فذبح الحمام في الحال (٢).
٢ - ومنهم من يضع نصرة للمذهب العقدي، كالأحاديث التي وضعت لنصرة عقائد أهل الإثبات في أبواب الصفات، كبعض المنتسبين إلى طريقة الإمام أحمد، وأكثر منهم مقابلوهم كالمنتصرين لمذهب جهم، والأحاديث التي وضعها سني لنصرة مذهبه في الصحابة، فقابله شيعي فوضع في فضائل أهل البيت وفي مثالب الصحابة.
_________________
(١) ذكره الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥١ - ٥٢). وأخرجه الجُورْقاني في " الأباطيل " (رقم: ١١٦). والحكم بوضْعه مما لا يختلف فيه
(٢) قصة صحيحة. أخرجها الحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٥٥) والخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٣٢٤) وإسنادها لا بأس به. ولها إسنادٌ آخر عند الحاكم، وثالثٌ عند الخطيب.
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
ومن أمثلة هؤلاء:
عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، قال ابن عدي: " كان السلف يتهمونه بأنه يضع الحديث في فضائل أهل البيت، وفي مثالب غيرهم " (١).
ومحمد بن شجاع ابن الثلجي، قال ابن عدي: " كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبه إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به "، فذكر منها حديثًا، ثم قال: " مع أحاديث كثيرة وضعها من هذا النحو، فلا يجب أن يشتغل به؛ لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصب على أنه وضع أحاديث يثلب أهل الأثر بذلك " (٢).
ومن أكثر ما يوجد من هذا ما شحنت به كتب الأصول والفروع العتيقة عند الشيعة، فإن فيها الكثير من الأحاديث والأخبار مما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وغيره من سادة أهل البيت، بأسانيد واهية.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلي: " صحبت عليا، ﵁، في الحضر والسفر، وأكثر ما يحدثون عنه باطل" (٣).
وكان عامر الشعبي يقول: " ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي بن أبي طالب " (٤).
٣ - ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم.
_________________
(١) الكامل (٦/ ٢٥٣).
(٢) الكامل (٧/ ٥٥١).
(٣) أخرجه الجوزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٤٠) والبيهقي في " المدخل " (رقم: ٨٤) واللفظ له، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٢٥٥٦) وإسناده جيد
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
٤ - ومنهم من يضع انتصارًا للأوطان، كمن وضع في فضائل بلد، ومثالب آخر.
السبب الثالث: الترغيب في الأعمال الصالحة.
وهذا يوجد في طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، يرغب في طاعة أو ينفر من معصية.
ويكثر مثل هذا عند الوعاظ.
قال أبو عمار الحسين بن حريث المروزي (وكان ثقة): قيل لأبي عصمة (يعني نوح بن أبي مريم): من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: " إني قد رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة " (١).
وممن كان يفعل ذلك من أولئك الكذابين: ميسرة بن عبد ربه، وأحمد بن محمد بن غالب الباهلي المعروف بغلام خليل (٢).
قال أبو زرعة الراوي وسئل عن ميسرة بن عبد ربه: " كان يضع الحديث وضعًا، قد وضع في فضائل قزوين نحوًا من أربعين حديثًا، كان يقول: إني أحتسب في ذلك " (٣).
ومن هذا ما ذهب إليه بعض أهل الضلالة من جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، والثواب والعقاب؛ لأنه ليس كذبًا عليه ﷺ، إنما هو كذب لمصلحة الإسلام (٤)، زعموا!
_________________
(١) أخرجه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥٤) ومن طريقه: ابنُ الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ١٦) وإسناده صحيح.
(٢) انظر قصته في " الكامل " لابن عدي (١/ ٣٢٢).
(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٥٤)، قلت: فكأنه وضعها للترغيب في الرباط هناك.
(٤) وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (١/ ١٣٤ - ١٣٩).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
السبب الرابع: الرغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه.
كشأن أحاديث القصاص.
قال ابن الجوزي في تعليل صنيع هؤلاء: " يريدون أحاديث تنفق وترقق، والصحاح يقل فيها هذا، ثم إن الحفظ يشق عليهم، ويتفق عدم الدين، ومن يحضرهم جهال " (١).
ومن مثال هذا صنيع (محمد بن أبان ابن عائشة القصراني)، قال أبو زرعة الرازي: " أول ما قدم الري قال للناس: أي شيء يشتهي أهل الري من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء، فافتعل لهم جزءًا في الإرجاء " (٢).
قلت: فهذا لم يفعل ذلك ينتصر به إلى مذهب، إنما قصد به استمالة وجوه العامة إليه.
كذلك الإغراب بالروايات؛ لما يحصل به من الإعجاب.
وذكر ابن عدي (جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء) وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرمًا بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع (٣).
ومن هذا: العمد إلى وضع أسانيد لأحاديث صحيحة مشهورة مروية بغير تلك الأسانيد، كما كان يصنع إبراهيم بن اليسع، وحماد بن عمرو النصيبي، وغيرهما من المذكورين بالكذب.
_________________
(١) الموضوعات (١/ ٢٩)
(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٠٠).
(٣) انظر ترجمته في " الكامل " (٢/ ٤٠٠ - ٤٠٥).
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
مصادر المتون الموضوعة:
متون الأحاديث الموضوعة ترجع إلى واحد من مصادر ثلاثة:
الأول: من ذات واضعه، وذلك بأن يصنعه بألفاظ نفسه.
والثاني: أن يكون مأثورا عن صحابي أو تابعي قولهما، أو قولا من الحكمة أو أمثال الناس السارية، إلى النبي ﷺ.
والثالث: أن يكون من الأخبار المستوردة من بني إسرائيل، والتي تسمى (الإسرائيليات)، فتضاف إلى النبي ﷺ.
وأما الأسانيد لتلك المتون، فإن من وضع المتن فلا يعجزه أن يركب له الإسناد، وقد يكون إسنادًا لا يعرف إلا لذلك الخير، يكون الواضع قد صنعه كما صنع المتن، وهذا قليل (١)، وقد يكون إسنادًا معروفًا نظيفًا، ركب عليه الواضع ذلك المتن، وهذا هو الأكثر، ويفعلون لما يقع من الإغراء به لنظافة الإسناد في الظاهر.
فإن كان الواضع صير ما ليس عن النبي ﷺ عنه كالآثار والإسرائيليات، فتلك ربما مروية بإسناد، فيزيد فيه الواضع النسبة للنبي ﷺ، أو يصله إليه بزيادة ما يقتضيه الوصل، وربما وضع لتلك الآثار الإسناد أيضًا وركبها عليه.
ومن تلك المتون ما لا سند له، وشاع بين الناس منسوبًا إلى النبي ﷺ
_________________
(١) مثل ما قاله ابنُ عدي في (الحسن بن علي بن صالح العدوي): " يضع الحديث، ويسرق الحديث، ويُلزقه على قوم آخرين، ويُحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متهم فيهم، فإن الله لم يخلقهم "، قلت: ومن أمثلة هؤلاء ممن ذكر ابنُ عدي رجلٌ يُقال له: (خِراشُ بن عبد الله) اصْطنعه العَدوي هذا وزَعم أنه خادِم أنس بن مالك، وبعد أن ساق ابن عدي له أحاديث عنه قال: " وهذه الأحاديث أربعة عشر حديثًا، وخِراش هذا لا يُعرف، ولم أسْمع أحدًا يذْكر خراشًا غير العدوي " (الكامل ٣/ ١٩٥، ٢٠٤ - ٢٠٥)
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
الكذب في الحديث يعلم بطرق، تعود جملتها إلى إحدى عشرة طريقا
وهذا أظهر في الوضع مما صيغت له الأسانيد؛ لأن الخبر عن النبي ﷺ لا يقبل بدون الإسناد.
والكذب في الحديث يعلم بطرق، تعود جملتها إلى ما يلي:
الأولى: أن يقر واضعه بأنه وضعه.
ووقع من بعض من عرفوا بالكذب اعترافهم بذلك، كنوح بن أبي مريم، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وزياد بن ميمون، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسي: " أتينا زياد بن ميمون، فسمعته يقول: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث " (١).
قلت: لكن كشف الحديث الموضوع المعين بهذا الطريق فيما في أيدي الناس من الحديث المروي لا يكاد يوجد، إنما كان طريقًا تكشف به حال أولئك المخذولين.
الثانية: أن يكون ظاهرًا منه بحيث كأنه ينزل منزل إقراره بوضعه.
وذلك كما قال يحيى بن معين في (أبي داود النخعي): " رجل سوء كذاب، يضع الأحاديث، انصرفنا من عند هشيم في أبواب من الطلاق، فقال: ليس منها شيء إلا وعندي بإسناد، كان يدخل فيضع الحديث ثم يخرج "، قال يحيى " سمعت أبا داود يقول: حدثني خصيف وخصاف ومخصف، كذب كله " (٢).
قلت: كأن ابن معين يقول: كان الكذب ظاهرًا في وجهه.
وانكشف لكثير من النقاد حال طائفة من هؤلاء الكذابين، فقضوا بأنهم وضعوا الحديث المعين أو الأحاديث، مثل قطعهم بوضع ميسرة بن عبد ربه
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل " لأبيه (النص: ٢٩٩٧) بإسناد صحيح.
(٢) من كلام أبي زكريا يحيى بن مَعين (النص: ٢١٨)
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
كتابًا في أحاديث في فضل العقل، سرقه منه داود بن المحبر وغيره، وحكمهم على نسخ مجموعة من قبل بعض الكذابين بكونها موضوعة، كنسخة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط، وغيره.
الثالثة: أن يظهر من حال الراوي عند تحديثه به ما يدل على أنه وضعه.
كالذي وقع من غياث بن إبراهيم حين دخل على الخليفة المهدي في زيادته في حديث: " لا سبق إلا في خف " ذكر الجناح، حين علم أن المهدي يحب الحماح، فأراد التزلف له، فكشف المهدي حقيقة أمره من ساعته (١).
وهذا طريق كان معتبرًا في كشف روايات الكذابين لمن كان يقظًا عند مباشرة السماع منهم.
الرابعة: أن يستدل بما عرف عن الراوي من أنه كان يكذب، بكون حديثه موضوعًا، وذلك حين تثبت نكارته، ولا يعرف له ما يدل على أن له أصلًا من غير طريقه.
وهذا طريق يستعمله عامة النقاد في الحكم على كثير من الأحاديث الموضوعة، وهو الطريق الواجب اعتباره فيما لم تقم قرينة أخرى على اعتباره كذبًا؛ وذلك لإمكان إجرائه في الواقع.
وبيانه: أنك تجد الحديث يرويه رجل من المعروفين بالكذب بإسناد له، لا يوجد له أصل من وجه آخر بحيث لا تبرأ عهدة ذلك الكذاب منه، فتقول: هذا حديث موضوع، آفته من جهة هذا الكذاب.
مثل: ما رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق
_________________
(١) وتقدم في هذا المبحث سِياق قصته.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
المروزي، قال: حدثنا الحسين بن عيسى، قال: أنبانا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول:
" من سقى مسلمًا شربة من ماء في موضع يوجد فيه الماء فكأنما أعتق رقبة، فإن سقاه في موضع لا يوجد فيه الماء فكأنما أحيا نسمة مؤمنة ".
قال ابن عدي: " هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله ﷺ ".
وحكم على (أحمد بن علي) رواية بقوله: " يضع الحديث عن الثقات " (١).
وهكذا ترى أحكامه وأحكام ابن حبان وابن الجوزي وغيرهم على الأحاديث الكثيرة بالوضع، فإنما هو لكونها لم تعرف إلا من طريق من هو مذكور بالكذب، وربما يكون كذب ذلك الراوي لهم قد انكشف بالمجيء بمثل تلك الأحاديث، فصح لهم أن يستدلوا على كذبه بها، وعلى كذبها به.
الخامسة: أن يكون الحديث شبيهًا بحديث الكذابين، وإن كان لا يتهم بوضعه معين في إسناده، بل ربما كان من رواية مجهول، أو مما أدخل على بعض الرواة الضعفاء، أو دلس اسم الكذاب الذي تلصق به التهمة.
وقد ذكرت في (تفسير الجرح) من نماذج الرواة من لزمه الجرح بسبب إدخال الموضوعات عليه وهو لا يعلم، ومن أجله رد من المدلس المعروف بالتدليس عن المجروحين ما لم يبين فيه السماع لو كان ثقة.
ومن مثال هذه الصورة ما ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثت أبي بحديث حدثنا خالد بن إبراهيم أبو محمد المؤذن، قال: حدثنا
_________________
(١) الكامل (١/ ٣٣٨)
[ ٢ / ١٠٥١ ]
سلام بن رزين قاضي أنطاكية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال:
بينما أنا والنبي ﷺ في بعض طرقات المدينة، إذا أنا برجل قد صرع، فدنوت فقرأت في أذنيه، فاستوى جالسًا، فقال النبي ﷺ: " ماذا قرأت في أذنه يا ابن أم عبد؟ "، قلت: فداك أبي وأني، قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فقال لي النبي ﷺ: " والذي بعثني بالحق، لو قرأها موقن على جبل لزال "؟ أحمد من جهة
قال أحمد بن حنبل: " هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين، منكر الإسناد " (١).
قلت: هو حديث لم يتعين واضعه، أو واضع إسناده، وجائز أن تكون حجة أحمد من جهة أن الأعمش معروف الحديث، وليس هذا عند أحد من أصحابه، فكيف صار مثله إلى رجل مجهول كسلام هذا، وجائز أن تكون الحجة أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن لهيعة، رواه عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن مسعود (٢).
ولم يأت من ابن لهيعة ذكره السماع في روايته، ومعروف أنه وقعت في روايته المنكرات، تارة من جهة حفظه، وتارة من مظنة التدليس.
ومن أثبت الروايات عنه رواية عبد الله بن وهب، وقد رواه عنه بإسناده إلى حنش، مرسلًا (٣).
_________________
(١) العلل (النص: ٥٩٧٩) وعنه: العقيلي في " الضعفاء " (٢/ ١٦٣) وابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ٤٩٨).
(٢) أخرجه أبو يعلى (رقم: ٥٠٤٥) وابن السني في " اليوم والليلة " (رقم: ٦٣١) والحكيم: الترمذي في " نوادر الأصول " (رقم: ٨٤٧ - تنقيح) والطبراني في " الدعاء " (رقم: ١٠٨١) وأبو نُعيم في " الحلية " (١/ ٣٨ رقم: ١١) من طريقين عن ابن لهيعة به
(٣) كذلك أخرجه ابنُ أبي حاتم في " تفسيره " (٨/ ٢٥١٣)، وأيضًا هوَ مرسلٌ عند الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٣١٢) من طريق عفيف بن سالم الموصلي عن ابن لهيعة.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
السادسة: أن يدل جمع الطرق وتتبع الروايات على عورة الكذاب فيه.
وهذا طريق كشف عن حال كثير من الموصوفين بالكذب، وخصوصًا أولئك الذين عرفوا بالكذب في الأسانيد، كتوصيل منقطع يضع له أحدهم الإسناد يوصله به أو وضع إسناد مختلف لحديث صحيح معروف مروي بإسناد آخر صحيح.
ومثل هذا لا يقدح في متن الحديث، ولا يحكم بسببه بكونه موضوعًا، وإنما الموضوع هو الإسناد.
وذلك كحال (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني)، قال يحيى بن معين: " كان يزيد في الأحاديث الرجال، يوصلها لتصير مسندة "، ويفسر ذلك أبو زرعة الرازي فيقول: " هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: الزهري عن عائشة، جعله: عن عروة عن عائشة، متصلًا " (١).
وترى الحكم بالوضع بهذا الطريق وقع من طائفة من متقدمي الحفاظ، كأبي حاتم الرازي في " علل الحديث ".
السابعة: أن يعرف بالتاريخ، كأن يوجد من الراوي ذكر السماع من قوم لم يدركهم، فيكون قرينة على كون ما حدث به عنهم كذبًا، وهو معدود فيمن يسرق الحديث.
ولا يلزم منه أن يكون المتن أو حتى سائر الإسناد موضوعًا، إنما قد يكون الكل موضوعًا، وقد يكون حكم الوضع مقصورًا على رواية ذلك الكذاب عن ذلك الشيخ الذي لم يلقه، فتكون روايته تلك من طريقه ساقطة لا اعتداد بها؛ لأجله.
_________________
(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٤٧، ٣٤٨).
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
والتاريخ من أبرز طرق كشف الكذب والكذابين في الحديث: يحدث الراوي عمن مات قبله، أو كان يوم مات الشيخ في سن لا يحتمل السماع منه.
قال حفص بن غياث: " إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين " يعني: احسبوا سنه وسن من كتب عنه (١).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وذكر المعلى بن عرفان: " قال: حدثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين " فقال أبو نعيم: " أتراه بعث بعد الموت؟ " (٢).
قال البخاري: " وهذا لا أصل له؛ لأن عبد الله مات قبل عثمان، ﵁، وقبل صفين بسنين " (٣).
وقال إسماعيل بن عياش: " كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان، قال: فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع "، قال إسماعيل: " مات خالد سنة ست ومئة " (٤).
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٣) ومن طريقه: ابن عساكر في " تاريخه " (١/ ٥٤) وإسناده لا بأس به. وروُي في هذا المعنى عن سفيان الثوري قال: " لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ " أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٦٩ - ١٧٠) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٣) وابنُ عساكر (١/ ٥٤) وفي إسناده من لم أقف عليه
(٢) أخرجه مسلم في " مقدمته " (ص: ٢٦) وعنه: ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٣٠) وإسناده صحيح إلى أبي نعيم.
(٣) التايخ الأوسط (٢/ ٧٨).
(٤) أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٧١) والحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٦٠ - ٦١) والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٤٥) وإسناده جيد.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
وقال صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) في (محمد بن مهاجر الطالقاني أخي حنيف): " أكذب خلق الله، يحدث عن قوم ماتوا قبل أن يولد هو بثلاثين سنة، وأعرفه بالكذب منذ خمسين سنة " (١).
وقال ابن أبي حاتم الرازي في (محمد بن منده الأصبهاني): " لم يكن عندي بصدوق، أخرج أولًا عن محمد بن بكير الحضرمي، فلما كتب عنه استحلى الحديث، ثم أخرج عن بكر بن بكار، والحسين بن حفص، ولم يكن سنه سن من يلحقها " (٢).
وقال ابن عدي في (أحمد بن محمد بن الصلت أبي العباس): " رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين يحدث عن ثابت الزاهد وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قوم قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه، وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزمًا، فيحدث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد " (٣).
ومثاله أيضًا: محمد بن عبدة بن حرب العباداني، أدركه ابن عدي وكتب عنه، وقال: " قوله: كتبت عن بكر بن عيسى كذب عظيم، وذاك أنه كان يقول: ولد سنة ثماني عشرة، وبكر مات أربع ومئتين، فكيف يكتب عنه؟ " (٤).
وقال ابن حبان في (أبي العباس أحمد بن محمد بن الأزهر) وقد أدركه: " قد روى عن محمد بن المصفى أكثر من خمس مئة حديث، فقلت
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٣/ ٣٠٣) وإسناده صحيح.
(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٧).
(٣) الكامل (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٤) الكامل (٧/ ٥٦٥)
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
له: يا أبا العباس، أين رأيت محمد بن المصفى؟ فقال: بمكة، فقلت: في أي سنة؟ قال: سنة ست وأربعين ومئتين، قلت: وسمعت هذه الأحاديث منه في تلك السنة بمكة؟ قال: نعم، فقلت: يا أبا العباس، سمعت محمد بن عبيد الله بن الفضيل الكلاعي عابد الشام بحمص يقول: عادلت محمد بن المصفى من حمص إلى مكة سنة ست وأربعين، فاعتل بالجحفة علة صعبة، ودخلنا مكة، فطيف به راكبًا، وخرجنا في يومنا إلى منى، واشتدت به العلة، فاجتمع علي أصحاب الحديث، وقالوا: أتأذن لنا حتى ندخل عليه؟ قلت: هو لما به، فأذنت لهم، فدخلوا عليه، وهو لما به لا يعقل شيئًا، فقرأوا عليه حديث ابن جرير عن مالك في المغفر، وحديث محمد بن حرب عن عبيد الله بن عمر: ليس من البر الصيام في السفر، وخرجوا من عنده، ومات فدفناه. فبقي أبو العباس ينظر إلي " (١).
قلت: فرواية الواحد من هؤلاء شيئًا عمن لم يدركوه يدعون السماع منه، كذب، وإسناد ذلك الراوي عن ذلك الشيخ موضوع.
الثامنة: أن يختبر الراوي بسؤاله عن المكان الذي سمع فيه من شيخ معين، أو عن صفة ذلك الشيخ، فيذكر ما يخالف الحقيقة، فيكون تحديثه بما حدث به عن ذلك الشيخ كذبًا.
مثل: سهيل بن ذكوان، فقد ادعى أنه سمع من أم المؤمنين عائشة، فسئل: أين لقيت عائشة؟ قال: بواسط، وعائشة ما دخلت واسط (٢).
كما قيل له: صف عائشة، فقال: كانت أدماء، أو: سوداء (٣)، وكذب في ذلك.
_________________
(١) المجروحين من المحدثين (١/ ١٦٤).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (رقم: ١٥١).
(٣) التاريخ الكبير، للبخاري (٢/ ٢ / ١٠٤)، العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٩٨٨)، تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٤٨٦)
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
التاسعة: أن يكون معلومًا أن زيدًا من الرواة غير معروف بالرواية عن فلان، فيروي رجل حديثًا يذكر فيه رواية لزيد عن فلان هذا، فيستدل به على تركيبه الأسانيد، وأن ذلك الإسناد موضوع مركب.
مثل: (عبد الله بن حفص الوكيل) روى بإسناده عن سليمان التيمي عن حميد عن أنس حديثًا منكرًا، فقال ابن عدي: " هذا موضوع المتن والإسناد، وذاك أن سليمان التيمي لا يحفظ له عن حميد شيء " (١).
والوكيل هذا متهم بالكذب ووضع الحديث، ومثل هذه العلة دليل على أنه كان يركب الأسانيد.
العاشرة: أن يستدل بطراوة الخط في الكتاب العتيق أو بلون الحبر مثلًا على أن الراوي أضاف اسمه في طباق السماع، فادعى لنفسه السماع واتصال ما بينه وبين من روى عنه ذلك الحديث أو الكتاب، وإنما هو يكذب.
وصنيع هذا وقع من طائفة من المتأخرين بعدما صارت الرواية إلى الكتب، ولذا يلزم تتبع ذلك من النقلة لكشف صحة السماع أو عدمه، قال الحاكم: " يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيحدثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها " (٢).
قلت: ومن أمثلة من فضحه الله بتزوير السماع: محمد بن عبد الخالق اليوسفي (٣)، وأبو البقاء محمد بن محمد بن معمر بن طبرزد (٤).
_________________
(١) الكامل (٥/ ٤٣٥).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١٦).
(٣) انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣) ولسان الميزان (٥/ ٢٤٦) وتكملة الإكمال لابن نُقطة (٤/ ٤٨٦).
(٤) انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠ - ٣١) ولسان الميزان (٥/ ٣٦٥)
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
ومنهم: محمد بن أيوب بن سويد الرملي، قال أبو زرعة الرازي: " أتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبوابًا مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها، فإذا الذي بخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة ليست من حديث أيوب بن سويد، قلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات، خط من هو؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها "، قال أبو زرعة: " فاصفار لونه وبقي (١)، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إلي. . " قال: " فبقي ولم يكن له جواب، فقلت له: ويحك ! أما تتقي الله؟ ما وجدت لأبيك ما تفقه به سوى هذا؟ أبوك عند الناس مستور وتكذب عليه؟ أما تتقي الله؟ فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولا يقدر لي على جواب " (٢).
واعلم أنه ليس كل من ادُّعي عليه أنه يفعل ذلك يكون مما يقدح فيه، فقد تكلم الحافظ ابن النجار، في شيخه (عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عبد الكريم السمعاني) فقال: " كانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقًا ظاهرًا، ويدعي سماع أشياء لم يوجد سماعه منها، وكان متسامحًا " (٣).
فاعتذر عنه ابن حجر، فقال: " هذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه كان يلحق اسمه في الطباق، فيجوز أنه
_________________
(١) أي أفحِم وسكت.
(٢) سؤالات البرذعي (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٣) المستفاد من ذيْل تاريخ بغداد، لابن النجار، انتقاء: الدمياطي (ص: ٢٨٩).
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
كان يحقق سماعه، وأما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد، فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وجد الأصل الذي ادعى أنه سمع فيه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه " (١).
الحادية عشرة: أن يكون في نفس المروي قرينة تدل على كونه كذبًا.
كالأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، أو تخالف البراهين الصريحة ولا تقبل تأويلًا بحال.
قال الشافعي: " لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أنه يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه " (٢).
وذكر ابن القيم (٣) لتمييز الحديث الموضوع بهذا الطريق علامات، إليكها ملخصة مقربة مع زيادة فائدة يقتضيها المقام:
[١] اشتمال الحديث على المجازفات في ترتيب الجزاء المبالغ في وصفه على العمل اليسير.
مثل: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيا " (٤).
[٢] مخالفة الواقع المحسوس.
مثل: " الباذنجان شفاء من كل داء " (٥).
_________________
(١) لِسان الميزان (٤/ ٧)
(٢) الرسالة (الفقرة: ١٠٩٩).
(٣) في كتابه: " المنار المنيف في الصحيح والضعيف ".
(٤) وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٩٩٢).
(٥) وانظر: المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: ٢٧٩).
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
قلت: كالذي روى العلاء بن زيدل، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال " العالم لا يخرف ".
سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث فقال: " العلاء ضعيف الحديث، متروك الحديث، قد وجدنا من ينسب إلى العلم: المسعودي، والجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وغيرهم " (١).
قلت: يعني أنه كبروا فخرفوا.
[٣] مناقضة السنن الإلهية في التشريع والتكليف.
مثل ما يروى في حرمة النار على من اسمه (محمد) أو (أحمد) (٢).
[٤] أن يشمل على تحديد تاريخ مستقبل، تقع فيه حوادث، فيقال: " إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت " (٣).
ومن هذا ما يذكر في عمر الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة (٤).
والمبين لكذب هذا النوع من الأخبار: خلو أخبار الوحي المعروفة من ذلك بالاستقراء، مع ظهور كذب تلك الأخبار في الواقع المشاهد.
[٥] أن تقوم الشواهد الصحيحة، والعلم القاطع، للدلالة على بطلانه.
مثل: " إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة ".
[٦] أن يشمل على خلاف الصحيح الثابت.
مثل حديث وضع الجزية على يهود خيبر، فهو باطل لأن فيه شهادة
_________________
(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٨٢١).
(٢) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٣٢٦).
(٣) انظر من ذلك ما في " الموضوعات " لابن الجوزي (رقم: ١٦٨٨ - ١٦٩٨).
(٤) انظر الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٧٩١)
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
سعد بن معاذ، ولم يكن حيا يومئذ، ولم يكن أسلم يومئذ والجزية لم تكن شرعت يومئذ، إلى قرائن أخرى.
[٧] أن يكون سمج اللفظ، أو يكون كلامًا تقبح إضافة مثله إلى نبي.
مثل: " لا تسبوا الديك، فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في صورته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب " (١).
ومثل: " أربع لا تشيع من أربع: انثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر " (٢).
ومن قبيح كذبهم: " عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود، فإن الله يستحيي أن يعذب وجهًا مليحًا بالنار " (٣).
[٨] أن يشتمل على ما يوجب اتفاق الأمة في زمن على الضلالة.
كادعاء أن يكون النبي ﷺ فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من جميع الصحابة، ثم اتفقوا على كتمانه، مثل الذي تدعيه الرافضة في شأن الوصي.
[٩] أن يكون كلامًا هو ألصق بكلام الأطباء أو أصحاب المهن أو الحكماء، منه بكلام الأنبياء.
مثل: " كلوا التمر على الريق، فأنه يقتل الدود " (٤).
قلت: ومما يشكل على هذا الطريق: أن من الكذابين من كان يحاكي الكلمات النبوية، ويأتي بالعبارات البليغة، والحق من القول، مركبًا على الأسانيد التي ظاهرها السلامة، فيحسبه بعض الناس من كلام النبي ﷺ
_________________
(١) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٣٤٧).
(٢) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٤٦٢ - ٤٦٤).
(٣) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٤) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٣٩٢)
[ ٢ / ١٠٦١ ]
وهذا من أغمض ما يكون، إذ لا يتبينه إلا حاذق عارف، يقارن بين المتون والأسانيد فيقيس على المحفوظ المعروف.
ومثال ذلك من هؤلاء الكذابين (أبو جعفر عبد الله بن المسور الهاشمي)، فقد صح عن الثقة رقبة بن مصقلة العبدي قوله: " كان يضع أحاديث، كلام حق، وليست من أحاديث النبي ﷺ، وكان يرويها عن النبي ﷺ " (١).
وثبت عن محمد بن سعيد الشامي المصلوب قوله: " إني لأسمع الكلمة الحسنة، فلا أرى بأسًا أن أنشئ لها إسنادًا " (٢).
قلت: ووجود مثل هذا يبطل عبارة يدعيها بعض الناس في بعض أحاديث الضعفاء المتهمين والمجهولين: (هذه الكلمات حق، لا بد أن تكون خارجة من مشكاة النبوة)، كذلك يبطل قبول خبر المجهول الذي لا يعرف له على خبره متابع معتبر على ما روى؛ لجواز أن يكون على نفس صفة هذا الهالك، حتى يتبين أمره في الثقة والأمانة.
مسائل في الموضوع:
المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له).
كان يستعمل في عرف السلف في الحديث يروى بإسناد، لكنه خطأ أو باطل لا حقيقة له ولم يوجد أصلًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " مقدمته " (١/ ٢٢) وأبو أحمد الحاكم في " الكنى " (٣/ ٤٦) والخطيب في " تاريخه " (١٠/ ١٧٢) بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه أبوزرعه الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٤٥٤) ومن طريقه: ابن حبان في " المجروحين " (٢/ ٢٤٨) وابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ١٩) وابن عساكر في " تاريخه " (٥٣/ ٧٧)، وبنحوه أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفه والتاريخ " (١/ ٧٠٠) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ٢٦٣) والبرذعي في " أسئلته لأبي زرعه " (٢/ ٧٢٦) وابن عدي (٧/ ٣١٧) وابن عساكر، وإسناده جيد
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
وإذا حكموا بذلك على الحديث أرادوا: لا أصل له عن النبي ﷺ، وإذا حكموا على الإسناد أرادوا: لا أصل له عمن أضيف إليه في ذلك الطريق ممن لم يعرف من حديثه من الثقات، وجائز أن يكون له أصل محفوظ عن النبي ﷺ من غير ذلك الوجه.
والعبارة تساوي: ما هو كذب في نفسه متنًا أو سندًا، أو في كليهما، ولذلك كثيرًا ما تقترن بلفظ (موضوع) أو (كذب).
وكثيرًا ما يستعمل هذه العبارة أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والعقيلي وابن عدي وابن حبان، وغيرهم من السالفين في الخبر له إسناد، لكنه باطل أو كذب.
ومن أمثلته:
مثال ما ليس له أصل بإسناد معين، ومتنه محفوظ عن النبي ﷺ من وجه آخر:
سئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات " (١)؟
فقال أبو حاتم: " هذا حديث باطل، لا أصل له، إنما هو: مالك،
_________________
(١) أخرجه من هذا الوجه: أبو نعيم في " الحلية " (٦/ ٣٧٤ رقم: ٨٩٨٤) والخليلي في " الإرشاد " (١/ ٢٣٣) والقضاعي في " مسند الشهاب " (رقم " ١١٧٣) من طرق عن نوح به. كما أخرجه الدارقطني في " غرائب مالك " (كما في " تخريج أحاديث المختصر " لابن حجر ٢/ ٢٧٤) وابن حجر نفسه في الكتاب المذكور، من طريق إبراهيم بن محمد العتيق، عن ابن أبي رواد، به، كما ذكر ابن حجر (٢/ ٢٤٨) تخريج الحاكم له في " تاريخ نيسابور " من وجه ثالث عن ابن أبي رواد.
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي ﷺ (١) " (٢).
ومثال ما روي بإسناد، ولا أصل له عن النبي ﷺ من وجه:
ما رواه العلاء بن عمرو الحنفي، قال: حدثنا يحيى بن بريد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي " (٣).
فهذا قال فيه العقيلي: " منكر، لا أصل له " (٤).
وسبقه أبو حاتم الرازي فقال: " هذا حديث كذب " (٥).
والمتأخرون استعملوا العبارة أيضًا فيما يضاف إلى النبي ﷺ من المتون
_________________
(١) كذلك هو مخرج في " الصحيحين " من طريق مالك: أخرجه البخاري (رقم: ٥٤، ٤٧٨٣) ومسلم (رقم: ١٩٠٧)، وهو في " الموطأ " من رواية محمد بن الحسن (رقم: ٩٨٣). ورواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري خلق كثير، مخرجة رواياتهم في أكثر الأصول.
(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٣٦٢). وقال الخليلي في " الإرشاد " (١/ ١٦٧): " عبد المجيد صالح، محدث ابن محدث .. لكنه يخطئ، ولم يخرج في الصحيح، وقد أخطأ في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري " فذكره بإسناده المعروف إلى عمر بن الخطاب، ثم قال: " وهذا أصل من أصول الدين، ومداره على يحيى بن سعيد، فقال عبد المجيد وأخطأ فيه: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم .. " فذكر هذا الإسناد، وقال: " غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه، فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة ".
(٣) أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣/ ٣٤٨) والطبراني في " الكبير " (١١/ ١٨٥ رقم: ١١٤٤١) و" الأوسط " (٦/ ٢٧١ رقم: ٥٥٧٩) وابن الأنباري في " الوقف والابتداء " (رقم: ١٩) والحاكم في " المستدرك " (٤/ ٨٧ رقم: ٦٩٩٩) و" معرفة علوم الحديث " (ص: ١٦١ - ١٦٢) والبيهقي في " الشعب " (٢/ ١٥٩، ٢٣٠ رقم: ١٤٣٣، ١٦١٠) وأبو زكريا ابن مندة في " ذكر أبي القاسم الطبراني " (ص: ٣٥٧ - ٣٥٩) من طريق العلاء المذكور، به.
(٤) الضعفاء (٣/ ٣٤٩).
(٥) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٦٤١).
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
المسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل وشبهها
الموضوعة، ولا تروى عنه بإسناد، ولا ريب أنه استعمال صحيح أيضًا ليس بخارج عما استعمله فيه السلف، بل إطلاقه على هذه الصورة أولى.
وذلك كحكم ابن حجر العسقلاني وغيره على حديث: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " بقوله: لا أصل له " (١).
ويشبه هذه العبارة في المعنى قول الناقد في حديث ما: " ليس له إسناد "، فإنه حكم بكونه لا أصل له.
ومن ذلك ما حكاه أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " يروى عن النبي ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وليس له إسناد "، قال أبو داود: " يعني حديث عبد الله بن جعفر المخرمي من ولد مسور بن مخرمة، عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، يريد بقوله: ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة " (٢).
المسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل، والترغيب والترهيب، والقصص، والتفسير، والفتن والملاحم، والسير والمغازي.
قال أحمد بن حنبل: " ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير " (٣).
قال الخطيب: " وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أن المراد به كتب
_________________
(١) المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: ٧٠٢)
(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٠ - ٣٠١). والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) والترمذي (رقم: ٣٤٤) والطبراني في " الأوسط " (رقم: ٧٩٤ - ٩١٣٦) من طرق عن المخرمي، به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح "، كذا قال، وقول أحمد في تعليله أرجح، وفصلت القول فيه في كتاب " علل الحديث ".
(٣) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ٢١٢) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٤٩٣) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها " (١).
قال: " أما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية " (٢).
قلت: ومن تأمل الكتب العتيقة المدونة في هذه الأبواب وجد الوهاء سمة مؤلفيها، ككتب محمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الضبي في السير والمغازي، وتفيسر الكلبي ومقاتل بن سليمان.
وإن كان المؤلف موصوفًا بالسلامة كمحمد بن إسحاق، كان تصنيفه كثير الغث قليل الصواب.
نعم، ربما يسهل في قبول بعض ما جمعه هذا الصنف، مما استفادوه من كلام العرب ولغتها، لا الرواية.
قال يحيى بن سعيد القطان: " تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث " ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجرير بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب يعنى الكلبي، وقال " هؤلاء لا يحمد حديثهم، ويكتب التفيسر عنهم " (٣).
ويبين البيهقي وجه هذا الترخص فيقول: " وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط " (٤).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٦٢).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣)
(٣) أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " (١/ ٣٥ - ٣٧) والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٥٨٨) وإسناده صحيح.
(٤) دلائل النبوة (١/ ٣٧).
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
المسألة الثالثة: الكتب المؤلفة في تمييز الأحاديث الموضوعة.
اعلم أن الأحاديث الموضوعة في أزمان أولئك الكذابين كانت كثيرة، ولكن الله نفى أكثرها بأئمة الهدى الذين سخرهم للذب عن دينه، ففضح بهم أمر الكذابين، وكشفوا عن حقيقة أمرهم، وأبطلوا ما جاءوا به، ثم صنفت التصانيف الموثقة في حديث رسول الله ﷺ، فعمد أصحابها إلى انتقاء الحديث فيها، متقين ما انكشف وظهر بطلانه ووضعه، وأكثروا تخريج أحاديث الثقات، وانعدم تارة وندر أخرى فيما خرجوه أحاديث الكذابين، خصوصًا تلك الكتب الأمهات المحتوية على تفاصيل السنن، والتي لا يكاد يخرج عنها من الحديث الصحيح إلا ما ندر.
فحين ترى مثلًا ما جاء عن الرجل الواحد من رءوس الكذب أنه وضع الآلاف من الحديث، فلا يغرنك هذا فتحسب له أثرًا في حفظ سنة النبي ﷺ.
وذلك كقول الحاكم النيسابوري: " مُحمد بن تميم الفاريابي، قد وضَعَ على رسول الله ﷺ أكثر من عشْرة آلافِ حديث، وهُو قريبٌ من الجوباري " (١).
قول ابن حبان في (محمد بن يونس الكديمي): " يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث " (٢).
فهذا وشبهه جميعًا مما لم يبق له وجود من رواية هؤلاء وأمثالهم إلا الشيء اليسير المتميز الذي تسلم منه أمهات السنة بفضل الله ونعمته، فله الحمد.
ولعل من حكمة بقاء ذلك اليسير أن يستدل به على كذب هؤلاء وفضيحتهم، وقد اعتنى ببيانه علماء الأمة، ولا يزالون.
_________________
(١) سؤالات مسعود السجزي (النص: ١٣٧).
(٢) المجروحين (٢/ ٣١٣)
[ ٢ / ١٠٦٧ ]