أضرار رواية الأحاديث شديدة الضعف
الأحاديث شديدة الضعف لا تنفك عن أضرار جسيمة منها:
أ- الكذب على رسول الله ﷺ كما تقدم بيانه.
ب- العمل بها وذلك يؤدي إلى زيادة في الدين لا أصل لها.
ج- تفضي إلى الإبتداع في الدين، لأن معظم البدعة قدم أمرها، أم حدث مستندها حديث لا أصل له١
د- ما توجده من الشقاق والخلاف بين صفوف المسلمين، وهي لا أصل لها.
هـ- تحليل بعض المحرمات، أو تحريم بعض الحلال.
والخوض في شأن بعض الصحابة الذين قال فيهم الرسول ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"٢.
ز- مدح بعض المهن والبلاد أو ذمها.
ح- تضارب الأحاديث في مدح أو ذم بعض الصحابة، مما يؤدي إلى التناقض الذي قد ينسب إلى السنة، والسنة منه براء.
ط- انشغال الناس بها عن أمور دينهم، الثابتة بالأدلة الصحيحة.
ى- ما تحدثه من بعض التكاليف، التي لا أصل لها، حتى يتصور أن دين الإسلام شاق وصعب.
ك- أنه يفتح ثغرة لأعداء الإسلام لنيل منه باستغلال تلك الأحاديث لخدمة أغراضهم الدنيئة، ولتشويش أذهان بعض المسلمين.
الجواب عن رواية بعض كبار الأئمة عن الضعفاء:
قال الإمام النووي في شرح مسلم٣: "قد يقال لم حدَّث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يُحتج بهم؟ ويجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أنهم رووها ليعرفوها، وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم، أو على غيرهم، أو يتشككوا في صحتها.
الثاني: أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر به أو يستشهد، ولا يحتج به على إنفراده.
الثالث: رواية الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والضعيف والباطل، فيكتبونها
_________________
(١) ١ راجع الإعتصام: ١/ ٢٢٤. ٢ صحيح البخاري: فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ " لو كنت متخذًا خليلًا " فتح الباري ٧/ ٢١ وصحيح مسلم: فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃ ٤/١٩٦٧. ٣ ١/١٦٢- ١٦٣.
[ ٣٠ ]
ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم، معروف عندهم. وبهذا احتج سفيان ﵀، حين نهى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه.! فقال:"أنا أعلم صدقه من كذبه".
الرابع: أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال، والقصص، وأحاديث الزهد، ومكارم الأخلاق، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام، وسائر الأحكام.
وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه، ورواية ما سوى الموضوع منه، والعمل به١ لأن أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع، معروفة عند أهله.
وعلى كل حال فإن الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئًا يحتجون به على انفراده في الأحكام، فإن هذا الشيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء وأما فِعْلُ كثيرين من الفقهاء، أو أكثرهِم، ذلك، وِاعتمادهم عليه، فليس بصواب! بل قبيح جدًاَ! وذلك لأنه إن كان يعرف ضعْفه لم يحلّ له أن يحتجّ به فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإنْ كان لا يعرف ضعفه، لم يحل له أن يهجم على الإحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا، أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفًا" انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قد يكون الرجل عندهم ضعيفًا لكثرة الغلط في حديثه، ويكون حديثه الغالب عليه الصحة، فيروون عنه لأجل الإعتبار به، والإعتضاد به، فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فجارًا وفساقًا، فكيف إذا كانوا علماء عدولًا، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟ ومثل هذا عبد الله بن لهيعة، فإنه من أكابر علماء المسلمين، وكان قاضيًا بمصر، كثير الحديث، لكن احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير، مع أن الغالب على حديثه الصحة. قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل للإعتبار به، مثل ابن لهيعة، وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئًا. وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره، لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب، لكن يروي عمن عرف منه الغلط للإعتبار به، والإعتضاد. ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب
_________________
(١) ١ قلت: العمل بالحديث الضعيف يأتي بيانه مفصلًا في رد القول بجواز العمل بالحديث الضعيف ص٣٨.
[ ٣١ ]
ويقول: إنه يميز بين ما يكذبه وبين مالا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي، وينهى عن الأخذ عنه، ويذكر أنه يعرف. ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرًاَ بشخص، إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه، وما كذب فيه، بقرائن لا يمكن ضبطها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق، أو تقترن به القرائن تدل على أنه كذب"١ انتهى.
وروى الإمام ابن عبد البر٢ في (جامع بيان العلم وفضله) في باب الرخصة في كتابة العلم، عن سفيان الثوري أنه قال: "إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًاَ، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به، كما تتعلم ما يؤخذ به"٣.
_________________
(١) ١ الفتاوى: ١٨/ ٢٦- ٢٧. ٢ جامع بيان العلم وفضله ٧٦. ٣ قواعد التحديث ١١٤- ١١٦.
[ ٣٢ ]