الفصل الأول: ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سُّنَّة
الفصل الأول: ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سُّنَّة
رسول الله ﷺ ١
السُّنَّة بالمعنى الذي مرَّ ذكره في التمهيد "ما أضيف إلى النَّبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ " هى أحد قسمي الوحي الإلهي الذي أُنزل على رسول الله ﷺ والقسم الآخر من الوحي هو القرآن الكريم الذي
_________________
(١) ١ هذا العنوان مقتبسُ مما عنون به الخطيب في كتابه "الكفاية" ص: ٣٩ يشير بهذا العنوان إلى أن القرآن والسُّنَّة متساوين في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والحُجِّيَّة في إثبات الأحكام الشرعية، وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في رسالة " بحوث في السُّنَّة المشرَّفة" المختصرة من كتابه "حُجِّيَّة السُّنَّة": إن السنة مع الكتاب مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعية ولبيان ذلك نقول: من المعلوم أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السُنَّة ويفضل عنها بأن لفظه منزَّل من عند الله سبحانه، متعبَّدٌ بتلاوته، معجِزٌ للبشر أن يأتوا بمثله بخلافها فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي لكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من الحجِّيَّة بأن تكون مرتبة السُنَّة التأخُّر عن الكتاب فتُهدر ويُعمل به وحده عند تعارضهما، وإنما كان الأمر كذلك لأن حُجِّيَّة الكتاب إنما جاءت من ناحية أنه وحيٌ من عند الله، والسنَّة مساوية للقرآن من هذه الناحية فإنها مثله، فيجب القول بعدم تأخُّرها عنه في الاعتبار. اه بتصرفٍ يسير. ثم ذكر الشُّبَه التي تعلَّق بها من يقول بتأخر السنَّة عن الكتاب في الاعتبار، وردَّها بردودٍ دقيقة. راجع تفصيل ذلك في " بحوث في السنَّة المشرَّفة" ص: ٢٥ – ٣٠ وما سيأتي في هذا الفصل من أقوال السلف يؤيِّد ما ذكره رحمه الله تعالى.
[ ١٧ ]
هو كلام الله ربِّ العالمين، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقد جاءت النصوص من القرآن والسُّنَّة وإجماع السلف مصرحة بذلك.
فمن القرآن:
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى﴾ ١
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ٢ وقوله سبحانه: ﴿وَمَاآتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَابِ﴾ . ٣
وقوله سبحانه: ﴿قلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوُنَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ٤
وقوله ﵎: ﴿فلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْمًَا﴾ . ٥
_________________
(١) ١ الآيتان ٣ – ٤ من سورة النجم. ٢ الآية ٤٤ من سورة النحل. ٣ الآية ٧ من سورة الحشر. ٤ الآية ٣١ من سورة آل عمران. ٥ الآية ٦٥ من سورة النساء.
[ ١٨ ]
وقوله ﷿: ﴿فليحذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ﴾ . ١
وهناك آياتٌ كثيرة في الحثِّ على اتباع السُّنَّة ووجوب لزومها وتحريم مخالفتها، ولا يتسع المقام لسردها كلها هنا.
ومن السُّنَّة:
١- عن أبي رافعٍ مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمرٌ مما أَمرتُ به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". ٢
٢- وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرَّم الله". ٣
٣- وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لعلَّ أحدكم يأتيه حديثٌ من حديثي وهو متكئٌ على أريكته
_________________
(١) ١ الآية ٦٣ من سورة النور. ٢ رواه أبو داود في سننه ٥ / ١٢ ح: ٤٦٠٥ ورجاله كلهم ثقات، ورواه أيضًا الترمذي في كتاب العلم من جامعه ٥ / ٣٧ ح: ٢٦٦٣ وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٣ رواه أبو داود في سننه ٥ / ١٠ ح: ٤٦٠٤ ورجاله كلهم ثقات، ورواه أيضًا الترمذي في كتاب العلم من جامعه ٥ / ٣٨ ح: ٢٦٦٤ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ١٩ ]
فيقول: دعونا من هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه". ١
٤- وعن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة". ٢
والنصوص من السُّنَّة كثيرة في الحثِّ على الالتزام بالسُّنَّة وتبليغها، وأكتفي هنا بما ذكرت. ٣
ومن أقوال السلف:
١- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالسًا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا والمغرب ثلاثًا تقرأ في اثنتين
أرأيت لو وُكِلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تَجد الطواف سبعًا، والطواف بالصفا والمروة؟
_________________
(١) ١ أخرجه الخطيب في كتابه الكفاية ص: ٤٢ من طريقين، وكذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٨٩. ٢ رواه أبو داود في سننه ٥ / ١٣ ح: ٤٦٠٧، وكذلك الترمذي في كتاب العلم من جامعه ٥ / ٤٤ ح: ٢٦٧٦ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح ٣ ومن أراد الاطلاع على المزيد من هذه النصوص فليراجع "حجِّيَّة السنَّة" لعبد الغني بن عبد الخالق ص: ٣٠٨ – ٣٢٢.
[ ٢٠ ]
ثم قال: أي قوم خذوا عنَّا، فإنَّكم والله إن لا تفعلوا لتضُلُّن". ١
٢- عن محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النَّبي ﷺ بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن". ٢
٣- وعن أيوب السختياني: أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله ابن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنَّا والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". ٣
٤- وعن الأوزاعي قال: قال أيوب السختيانى: "إذا حدثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ". ٤
٥- قال الأوزاعي، ومكحول، ويحي بن أبى كثير وغيرهم: "القرآن أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى الكتاب، والسُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على السُّنَّة". ٥
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في مدخل الدلائل ١ / ٢٥، وأخرجه الخطيب في الكفاية ص: ٤٨ من عدة طرق، وكذلك أبو عمر بن عبد البر في الجامع ٢ / ١٩١. ٢ رواه الدارمي في السنن ١ / ١٧٧ ح: ٥٤٩ باب السنة قاضية على كتاب الله، والخطيب في الكفاية ص: ٤٨، وأخرجه ابن عبد البر في الجامع ١ / ١٩١، وأخرجه البيهقي في المدخل كما في "مفتاح الجنة" للسيوطي ص: ١٠. ٣ رواه البيهقي في المدخل كما في حجية السنة ص: ٣٣١، وابن عبد البر في الجامع ١ / ١٩١. ٤ أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص: ٦٥، والبيهقي في المدخل كما في حجية السنة ص: ٣٣٢، والخطيب في الكفاية ص: ٤٩ ٥ رواه الدارمي في سننه ١ / ١٧ ح: ٥٩٣ باب السنة قاضية على كتاب الله
[ ٢١ ]
٦- وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل - وسئل عن الحديث الذي روي أن السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب فقال -: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السُّنَّةَ تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبيِّنُه". ١
٧- ذكر الإمام الشافعي الآيات التي ذكر فيها الكتاب والحكمة كقوله تعالى: ﴿لقدَ مَنَّ اللهُ عَلَى المؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيْهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيْهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . ٢
ثم قال: "ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سُّنَّة رسول الله ﷺ؛ لأنَّ القرآن ذِكرٌ واتَّبعته الحكمة، وذكر الله منَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز- والله أعلم – أن يقال: الحكمة ها هنا إلا سُّنَّة رسول الله ﷺ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتَّم على الناس اتِّباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقولٍ: فرض إلا لكتاب الله، ثم سُّنَّة رسول الله ﷺ. ٣
٨- قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: "البيان منه ﷺ على ضربين:
_________________
(١) ١ أخرجه الخطيب في الكفاية ص: ٤٧، وابن عبد البر في الجامع ٢ / ١٩١ – ١٩٢. ٢ الاية ١٦٤ من سورة آل عمران. ٣ انظر: الرسالة ص: ٧٦ – ٧٧.
[ ٢٢ ]
الأول: بيان المجمل في الكتاب العزيز كالصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه للزكاة وحدِّها ووقتها وما الذي تؤخذ منه الأموال، وبيان مناسك الحج، قال رسول الله ﷺ إذ حج الناس: "خذوا عني مناسككم" ١.
الثاني: زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحُمُر الأهلية، وكل ذي نابٍ من السباع إلى أشياء يطول ذكرها.
وقد أمر الله - ﷿ - بطاعته واتباعه أمرًا مطلقًا مجملًا لم يُقيَّد بشيءٍ كما أمرنا باتِّباع كتاب الله، ولم يقل ما وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ". ٢
٩- قال ابن القيم: "وقد صنَّف الإمام أحمد - ﵁ - كتابًا في طاعة الرسول ﷺ ردَّ فيه على من احتجَّ بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله ﷺ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن الله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدَّال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله ﷺ هو
_________________
(١) ١ هذا جزءٌ من حديث جابر في ذكر حجة رسول الله ﷺ، انظر: صحيح مسلم – كتاب الحج ٢ / ٩٤٣ ح: ٣١٠. ٢ جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٩٠.
[ ٢٣ ]
المعبِّر عن كتاب الله، الدَّال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبِّرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به".
ثم ساق الآيات الدَّالة على طاعة الرسول ﷺ. ١
_________________
(١) ١ أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين ٢ / ٢٩٠ – ٢٩١.
[ ٢٤ ]
الفصل الثاني: عناية السلف بالسنة
أولا: العناية بالسنة في عصر الصحابة
الفصل الثاني: عناية السلف بالسُّنَّة
تنوعت عناية السلف - رحمهم الله تعالى - بالسُّنَّة المطهرة، وذلك حسب الإمكانات والوسائل المتاحة في كل عصر، ولذلك نلاحظ أنهم يبذلون غاية الجهد وكافة الإمكانات ومختلف الوسائل في العناية بالسُّنَّة علمًا وعملًا، حفظًا وكتابة، ودراسة ونشرًا بين الأمة كما سأبيِّنه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وسأذكر نماذج من تلك العناية مراعيًا ترتيب العصور تاريخيًا ومقتصرًا على القرون المفضلة التي تنتهي بنهاية القرن الثالث الهجري عصر ازدهار تدوين السُّنَّة وعلومها.
أولًا: العناية بالسُّنَّة في عصر الصحابة:
كان الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الرسول الله ﷺ يستفيدون أحكام الشريعة من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول ﷺ.
وكثيرًا ما كانت تنزل آيات من القرآن الكريم مجملة غير مفصلة، أو مطلقة غير مقيدة كالأمر بالصلاة جاء مجملًا لم يبيّن في القرآن عدد ركعاتها ولا هيئتها ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقًا لم يقدر بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة ولم يبين مقاديرها ولا شروطها.
وكذلك كثيرٌ من الأحكام التي لا يمكن العمل بها دون الوقوف
[ ٢٥ ]
على شرح ما يتصل بها من شروط وأركان، فكان لا بد لهم من الرجوع إلى رسول الله ﷺ لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية
ورسول الله ﷺ هو المبلِّغ عن ربِّه وأدرى الخلق بمقاصد شريعة الله - ﷿ - وحدودها ومراميها.
وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول ﷺ بالنسبة للقرآن أنه مبيِّنٌ له، وموضحٌ لمراميه وآياته حيث يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ١
وكان الصحابة ﵃ يلتزمون حدود أمره ونهيه، ويقتدون به ﷺ في كل أعماله وعباداته ومعاملاته - إلا ما علموا منه أنه خاص به - فكانوا يتعلمون منه أحكام الصلاة وأركانها وهيئتها أخذًا بقوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ٢
ويأخذون عنه مناسك الحج وشعائره امتثالًا لأمره ﷺ: "خذوا عني مناسككم". ٣
وقد بَلَغَ من اقتدائهم به أنْ كانوا يفعلون ما يفعل، ويتركون ما
_________________
(١) ١ الآية ٤٤ من سورة النحل. ٢ رواه البخاري في كتاب الأذان من صحيحه – باب الأذان للمسافر فتح ٢ / ١١ ح: ٦٣١. ٣ رواه مسلم في صحيحه عن جابر، وذلك في ذكر حجة النبي ﷺ ٢ / ٩٤٣ ح: ٣١٠ من كتاب الحج.
[ ٢٦ ]
يترك دون أن يعلموا لذلك سببًا، أو يسألوه عن علَّته أو حكمته.
أخرج البخاري عن ابن عمر - ﵄ - قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي ﷺ وقال: إني لن ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم". ١
وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذْ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوأ نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ: إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا، أو قال: أذى". ٢
ولقد بلغ حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يومًا بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب رضي اله عنه يقول - فيما أخرجه عنه البخاري -: "كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ، ينزل يومًا
_________________
(١) ١ رواه البخاري، انظر: البخاري مع الفتح ١٠ / ٣١٨ ح ٥٨٦٦ كتاب اللباس – باب خاتم الفضة. ٢ رواه أبو داود في سننه – كتاب الصلاة – باب الصلاة في النعال ١ / ٤٣٦ ح: ٦٥٠، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١ / ٤٨٠ من عدة طرق.
[ ٢٧ ]
وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك". ١
كما كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه ﷺ بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ﷺ ثم يرجعون إليه معلمين ومرشدين، بل كان الصحابي يقطع المسافات الشاسعة ليسأل رسول الله ﷺ عن مسألةٍ نازلةٍ أو حكمٍ شرعيٍ، ثم يرجع لا يلوي على شيء.
أخرج البخاري في صحيحه عن عقبة بن الحارث "أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته وزوجته فركب من فوره – وكان بمكة - قاصدًا المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأةً لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال النبي ﷺ: "كيف وقد قيل". ٢
وكذلك كان من عادتهم ﵃ أن يسألوا زوجات النَّبي ﷺ فيما يتعلق بشئون الرجل مع زوجته لعلمهن بذلك.
كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النَّبي ﷺ ليسألنهن عن أمور دينهن، وأحيانأ يسألن رسول الله صلى الله
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب العلم من صحيحه – باب التناوب في العلم فتح ١ / ١٨٥ ح: ٨٩. ٢ رواه البخاري في كتاب العلم – باب الرحلة في المسألة النازلة فتح ١ / ١٨٤ ح: ٨٨.
[ ٢٨ ]
عليه وسلم ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي ﷺ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه كما في حديث عائشة - ﵂ - في كيفية التطهُّر من الحيض. ١
هكذا كانت عناية خير القرون - رضوان الله عليهم - بالسُّنَّة المطهَّرة في حياته ﷺ اقتداءًا تامًا به ووقوفًا عند حدود أمره ونهيه، وتسليمًا كاملًا لحكمه، والتزامًا دقيقًا بهديه، وحرصًا شديدًا على تعلم سنَّتِه ﷺ.
أما بعد وفاته ﷺ فإننا نجدهم ﵃ - إضافة إلى ما سبق ذكره - يسلكون مجالات أخرى للعناية بسُنَّة المصطفى ﷺ والحفاظ عليها، من ذلك حفظها والتثبت من ذلك حتى كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسافة شهر ليتثبَّت من حفظه، وكذلك كتابتها في الصحف والأجزاء، ثم نشرها بين الناس وغير ذلك من المجالات.
كل ذلك وفق منهج عملي وعلمي يمكن الإشارة إلى أهم ملامحه فيما يلي:
استشعر الصحابة الكرام ﵃ عظم المسؤلية الملقاة على عواتقهم لحفظ الشريعة - كتابًا وسنةً - وتطبيقها، ثم تبليغها إلى الأمة أداءًا للأمانة التي اختيروا لها كما أدَّاها رسول الله ﷺ إليهم. وقد
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب الحيض – باب دلك المرأة نفسها إذا تطهَّرت من الحيض فتح ١ / ٤١٤ ح ٣١٤.
[ ٢٩ ]
كانوا ﵃ خير من حمل هذه الأمانة وخير من أدَّاها بعد نبي الله ﷺ، وكان هذا الاستشعار لعظم المسؤلية منطلقًا مما وعوه عن رسول الله ﷺ في مثل قوله: "بلغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". ١
وقوله: "نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي ووعاها فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مُبلغٍ أوعى من سامع". ٢
وكذلك في مثل قوله ﵊: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". ٣
وقوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع". ٤
وقوله: "من حدث عني بحديثٍ يرى أنه كذبٌ فهو أحد الكذابين". ٥ وغير ذلك من الأحاديث
لذلك كله كان الصحابة رضوان الله عليهم مع حرصهم على تبليغ دين الله للأمة شديدي التحرِّي والتثبُّت فيما يروونه عن رسول الله ﷺ، فكانوا لا يحدِّثون بشيءٍ إلا وَهُم واثقون من صحته عن رسول الله ﷺ، ولا يقبلون من
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه – كتاب أحاديث الأنبياء – باب ما ذكر عن بني إسرائيل الفتح ٦ / ٤٩٦ ح: ٣٤٦١ ٢ رواه أبو داود في سننه – كتاب العلم – باب فضل نشر العلم ٤ / ٦٨ ح ٣٦٦٠، ورواه أيضًا الترمذي في سننه – كتاب العلم – باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ٥ / ٣٣ ح ٥٦٥٧ – ٥٦٥٨ وقال بعده: هذا حديث حسن صحيح. ٣ رواه البخاري في صحيحه – كتاب العلم – باب إثم من كذب على النبي ﷺ الفتح ١ / ١٩٩ –١٢٠٠ ح: ١٠٧. ٤ رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ١ / ١٠ ح: ٥. ٥ رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ١ / ٨ – ٩ ح: ١.
[ ٣٠ ]
الأخبار إلا ما عرفوا صحته وثبوته. وهذه نماذج من أقوالهم ومواقفهم في ذلك:
١- عن أنس ﵁ قال: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ، أو قالها رسول الله ﷺ وذلك أني سمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار". ١
٢- وعن ابن سيرين قال: "كان أنس قليل الحديث عن رسول الله ﷺ، وكان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ قال: أو كما قال رسول الله ﷺ". ٢
٣- وعن الشعبي وابن سيرين: "أن ابن مسعود كان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ في الأيام تربد وجهه، وقال: وهكذا أو نحوه، وهكذا أو نحو٥". ٣
٤- عن الشعبي قال: "جالست ابن عمر سنة فلم أسمعه يذكر حديثًا عن رسول الله ﷺ". ٤
٥- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من
_________________
(١) ١ سنن الدارمي – باب اتقاء الحديث عن النبي ﷺ والتثبت فيه ١ / ٦٧ ٢ رواه ابن ماجه في سننه – المقدمة – باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ ١ / ١١ ح ٢٤، والدارمي في سننه ١ /٧٣ باب من هاب الفتيا مخافة السقط. ٣ سنن الدارمي – باب من هاب الفتيا مخافة السقط ١ / ٧٢ ٤ رواه ابن ماجه في سننه – المقدمة – باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ ١ / ١١ ح ٢٦، والدارمي في سننه ١ /٧٣ باب من هاب الفتيا مخافة السقط.
[ ٣١ ]
الأنصار من أصحاب محمد ﷺ ما منهم أحدٌ يحدث بحديثٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه إياه" ١.
وفي رواية: "يسأل أحدهم المسألة فيردَّها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول". ٢
٦- وعن السائب بن يزيد قال: "خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثًا عن رسول الله ﷺ حتى رجعنا إلى المدينة". ٣
٧- وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "قلنا لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله ﷺ، فقال: كَبِرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديدٌ". ٤
_________________
(١) ١ سنن الدارمي ١/٤٩/رقم١٣٧ في المقدمة. ٢ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢ / ١٦٣، مختصر المؤمل ص: ٤٠ ح ٦٤ فصل: السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها. ٣ ابن ماجه في سننه – المقدمة – باب توقي الحديث ١ / ١٢ ح ٢٩، والدارمي في سننه – باب من هاب الفتيا مخافة السقط ١ / ٧٣. ٤ ابن ماجه في سننه – المقدمة – باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ.
[ ٣٢ ]
ثانيًا: العناية بالسُّنَّة المطهَّرة في عصر التابعين فمن بعدهم
ما كاد عصر الصحابة ينقضي ليبدأ عصر التابعين حتى بدأ بزوغ شمس الفتن والأهواء والبدع، وذلك أن أعداء الاسلام من يهودٍ ونصارى ومجوس وصابئة وفلاسفة شرقوا بهذا الدين الذي حمله هؤلاء الصحابة الكرام إلى الناس كافة، كما ضاق هولاء الأعداء ذرعًا بتلك الإنتصارات العظيمة التي حققها الإسلام وذلك الانتشار السريع في
[ ٣٢ ]
أنحاء الأرض، ولما لم تُجْدِهم المقاومة العسكرية لهذا المد الإسلامى شيئًا رام هؤلاء الأعداء: المكر والكيد لهذا الدين وأهله، فأخذوا يثيرون الفتن والشكوك والشبهات بين المسلمين وخاصة حديثي العهد بالكفر، وكانت بداية تلك الفتن بكسر ذلك الباب الذي أخبر عنه حذيفة ﵁ فيما رواه عنه الإمام مسلم في صحيحه عندما سأله أمير المؤمنين عمر ﵁ عن الفتنة التي أخبر عنها المصطفى ﷺ أنها تموج كموج البحر، فقال له حذيفة: "مالك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، فقال عمر: وهل يفتح الباب أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال: فإنه حري ألا يغلق مرة أخرى".وأخبر حذيفة في الحديث أن عمر كان يعلم أنه هو الباب كما يعلم أن دون غدٍ الليلة. ١
وكان كسر ذلك الباب بقتل عمر - ﵁ وأرضاه – وذلك بمؤامرة مجوسية صليبية، وبذلك انفتح باب الفتن التي كان عمر - رضى الله تعالى عنه - بابًا موصدًا في وجوه أصحابها، والمتتبِّع لسيرة عمر يجد ذلك واضحًا جليًا حيث كان عمر ﵁ متيقظًا فما تكاد تبزغ فتنةٌ أو بدعةٌ هنا أو هناك إلا ويقضي عليها في مهدها، وما قصة صَبيغ بن عِسل ٢، وصاحب دانيال ٣ الذي كان
_________________
(١) ١ صحيح مسلم – كتاب الفتن واشراط الساعة – باب في الفتنة التي تموج كموج البحر ٤ / ٢٣١٨ ح ٢٦. وهو أيضا في كتاب الفتن في صحيح البخاري. ٢ صبيغ – بوزن عظيم – آخره معجمة، بن عسل – بمهملتين الأولى مكسورة – انظر قصته مع عمر في تفسير ابن كثير في تفسير سورة الذاريات ٧ / ٣٩ والإصابة لابن حجر ٥ / ٣٨.وانظر سنن الدارمي ١/٥١/ح١٤٦. ٣ انظر: قصته مع عمر في تقييد العلم للخطيب ص: ٥١.
[ ٣٣ ]
ينسخ صحفه وينشرها بين الناس إلا نماذج من الأدلة على ذلك التيقظ والصرامة من عمر في وجوه أصحاب الفتن والبدع والأهواء، فقد حسم عمر أمرهما باستدعائهما إليه في المدينة وحَبَسَهما وضَرَبَهُما حتى تابا وأعلنا توبتهما عند ذلك ردَّهما إلى أهلهما ثم منع عمر ﵁ المسلمين من تكليمهما أو الجلوس إليهما وذلك لمدة شهر من الزمان حتى قال الراوي: "ولقد رأيت صبيغ يمشي في البصرة كالناقة الجرباء لايقربه أحد وذلك عزمة أمير المومنين".
هكذا تكون حماية الأمَّة ودينها ومعتقدها من المرجفين وأصحاب البدع والأهواء، وهكذا يكون الحاكم المسلم الحارس الأمين على دين الأمَّة وعقائدها وأخلاقها، رحم الله شهيد المحراب عمر ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا معه يوم القيامة وذلك بحبِّنا له.
ثم انضم إلى ذلك التآمر المجوسي النصراني: المكر اليهودي على يد ابن سبأ الذي أصبح بعد ذلك أساس كل فتنة في الاسلام، ثم تتابعت الفتن والبدع، فظهرت بدعة القول بالقدر، ثم التجهُّم والرفض فالاعتزال وغيرها.
وعند انتشار هذه الفتن والبدع والأهواء سلكت الأجيال التالية لجيل الصحابة الأخيار من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم من أهل القرون المفضَّلة طرقًا ومجالات أخرى لحفظ السُّنَّة والعناية بها حسب الإمكانات والوسائل المتوفرة لهم في تلك العصور.
[ ٣٤ ]
وقد تمثلت تلك المجالات في:
١- العناية بحفظها.
٢- السؤال عن الإسناد.
٣ - البحث في أحوال الرجال ونقلة الأخبار الذي نتج عنه علم الرجال الذى أصبح ميزة هذه الأمَّة المسلمة عن غيرها من الأمم.
٤- تدوين السُّنَّة الذي بدأ بصحفٍ وأجزاء ثم تطور إلى مصنَّفات مبوَّبة ومرتَّبة إما على الأبواب كالكتب الستة والموطأ وغيرها، وإما على المسانيد كمسند أحمد وغيره، وغير ذلك من المجالات مما سيأتى تفصيله في موضعه من هذا البحث بإذن الله - ﷿ - وفيما يلى نماذج من أقوال أئمة السلف في التثبُّت والتَّحرِّى في أحوال الرجال ونقلة الأخبار، وعدم الأخذ عن غير الثقات:
١- قال الإمام مسلم بن الحجاج: "واعلم وفَّقك الله تعالى أن الواجب على كل أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتَّهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والسِّتَارَة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التُّهم والمعاندين من أهل البدع". ١
ثم ساق بإسناده عن أبي هريرةرضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم، لايضلونكم
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم ١ / ٨.
[ ٣٥ ]
ولا يفتنونكم". ١
ثم ساق بإسناده أيضًا إلى مجاهد قال: "جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ، فجعل ابن عباس لا يأذن ٢ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدِّثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه". ٣
٢- عن ابن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وعنه أيضًا قال: "لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". ٤
٣- وعن عبدان بن عثمان المروزي قال: "سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ٥
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٢ – ١٣. ٢ أي: لا يصغي لحديثه. ٣ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٢ – ١٣. ٤ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٥. ٥ مقدمة صحيح مسلم ١ /١٦.
[ ٣٦ ]
٤- وعن علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: "دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسبُّ السلف". ١
٥- وعن عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: "سألت سفيان الثورى، وشعبة، ومالكًا، وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: أخبر عنه أنه ليس بثبت". ٢
٦- قال عبد الله بن المبارك: "قلت لسفيان الثوريِّ: إن عباد ابن كثير مَن تعرف حاله، وإذا حدَّث جاء بأمرٍ عظيمٍ فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى".
قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلسٍ ذُكر فيه عبادًا أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه ٣
٧- عن الحميدي عن ابن عيينة قال: "كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يُظهِر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتَّهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة. ٤
٨- وعن زكريا بن عدي قال: "قال لي أبو إسحاق الفزاري:
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٦. ٢ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٦. ٣ مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٧. ٤ المصدر نفسه ١ / ٢٠.
[ ٣٧ ]
أكتب عن بقية ما روى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل بن عيَّاش ما روى عن المعروفين ولا عن غيرهم". ١
٩- وعن ابن المبارك قال: "لو خُيِّرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرَّر ٢ لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إليَّ منه". ٣
١٠- قال عبيد الله بن عمرو: قال زيد بن أبي أُنيسة: "لا تأخذوا عن أخي"، وقال عبد الله بن عمرو: "كان أخوه يحيى بن أبى أُنيسة كذابًا. ٤٥
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ١ / ٢٥، ولعله أراد شيوخه عن غير الشاميين، أما شيوخه الشاميين فهو صدوقٌ فيما يرويه عنهم راجع ترجمة: إسماعيل ابن عياش في تهذيب التهذيب لابن حجر وتقريبه. ٢ قال الحافظ: "محرر - بمهملات – الجزري القاضي، متروك، مات في خلافة المنصور التقريب: ٣٢٠. ٣ مقدمة صحيح مسلم ١ / ٢٧. ٤ مقدمة صحيح مسلم ١ / ٢٧. ٥ هكذا يكون أداء الأمانة، وبذلك استحق السلف أن يكونوا أمناء على هذا الدين حقًا، حيث كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، فهم يقولون الحق ولو كلَّفهم بذل المهج والأرواح، فرضي الله عنهم غاية كل غاية، وفوق كل اعتبار، فهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح – أمين هذه الأمة – يقتل أباه الجراح يوم بدر، وذاك علي بن المديني يُسأل عن حال والده فيقول: والدي ضعيف الحديث، وزيد بن أبي أنيسة لم يكتف ببيان حال أخيه بل أتبع ذلك بالتحذير والنهي عن الأخذ عنه، وغير ذلك من الأمثلة كثير.
[ ٣٨ ]
ثالثًا: الرحلة في طلب الحديث:
سبق القول عند الكلام عن مكانة السُّنَّة في الإسلام بأن السُّنَّة
[ ٣٨ ]
وحي من الله وأنها المبيِّنة لما أشكل من كتاب الله، فلما كانت للسنَّة هذه المكانة أولاها السلف غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل جمع الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشُّقَّة وعِظَم المشَقَّة طلبًا للحديث وبحثًا عن أسانيده وذلك امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مُنْهُمْ طَائِفَةً لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . ١
وقوله ﷺ: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة". ٢
وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي، قال الحافظ ابن الصلاح: "وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره".
رُوِّينا عن يحيى بن معين أنه قال: أربعة لا تؤنس منهم رشدًا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.
وَرُوِّينا عن أحمد بن حنبل - ﵁ - أنه قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلو فقال: بلى والله شديدًا، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه.
وعن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: إن الله تعالى
_________________
(١) ١ سورة التوبة – الآية ١٢٢. ٢ رواه مسلم في صحيحه – كتاب الذكر والدعاء – باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤ / ٢٠٧٤ ح ٢٦٩٩.
[ ٣٩ ]
يدفع البلاء عن هذه الأمَّة برحلة أصحاب الحديث. ١
تاريخ نشأة الرحلة في طلب العلم:
الأصل في ذلك رحلة نبي الله وكليمه موسى ﵊ إلى الخضر وقد قصَّها الله علينا في سورة الكهف.
وبدأت الرحلة في الإسلام برحلة تلك الوفود من القبائل العربية إلى كانت تَفِدُ على رسول الله ﷺ من أنحاء الجزيرة العربية تبايعه على الإسلام، وتتعلم منه ما جاء به من الوحي كتابًا وسنَّة
ثم اهتمَّ بها الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ عندما تفرق الصحابة في الأمصار بعد الفتوحات، فرحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُنيس في الشام واستغرق شهرًا ليسمع منه حديثًا واحدًا لم يبق أحدٌ يحفظه غير ابن أنيس. ٢
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر بمصر، فلما لقيه قال: حدِّثنا ما سمعته من رسول الله ﷺ في ستر المسلم لم يبق أحدٌ سمعه غيري وغيرك، فلما حدَّثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدًا إلى المدينة ولم يحل رحله. ٣
وقد استمرت الرحلة في جيل التابعين حيث تفرق الصحابة في
_________________
(١) ١ انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص: ٢٢٢ – ٢٢٣. ٢ ترجم به البخاري في كتاب العلم من صحيحه – باب الخروج في طلب العلم، وأخرجه الخطيب في كتاب الرحلة بسنده ص: ١٠٩ – ١١٨. ٣ الخطيب البغدادي في الرحلة ص: ١٨٨، وابن عبد البر في الجامع ١ / ٩٣ – ٩٤.
[ ٤٠ ]
الأمصار بعد الفتوحات يحملون معهم ميراث النبوة، وما كان يتيسر للرجل أن يحيط علمًا بحديث رسول الله ﷺ دون الرحلة إلى الأمصار وملاحقة الصحابة المتفرقين فيها.
قال الإمام سعيد بن المسيب سيد التابعين: "إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام". ١
وقال بسر بن عبد الله الحضرمي: "إن كنت لأركب إلى مصرٍ من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه"، وقال عامر الشعبي: "لم يكن أحد من أصحاب عبد الله بن مسعود أطلب للعلم في أفقٍ من الآفاق من مسروق". ٢
وحدث الشعبي رجلًا بحديث ثم قال له: "أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركَب فيما دونها إلى المدينة". ٣
وعن أبى العالية الرياحي قال: "كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم". ٤
أسباب الرحلة:
للرحلة في طلب العلم أسباب كثيرة من أهمها:
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/١٢٠، وأبو عمر ابن عبد البر: الجامع ١ / ٩٤. ٢ المصدر السابق. ٣ الخطيب: الكفاية ص: ٤٠٢، ط: حيدر آباد، ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١ / ٩٤. ٤ أبو محمد الدارمي: السنن ١ / ١٤٤ ح ٥٧٠ باب الرحلة في طلب العلم.
[ ٤١ ]
١- في جيل الصحابة كانت لسماع حديثٍ لم يسمعه الصحابي من رسول الله ﷺ، أو للتثبُّت من حديثٍ يحفظه الصحابى وليس في بلده من يحفظه، فيشد الرحال إلى من يحفظه ولو كان على مسيرة شهر.
٢- أما في التابعين فذلك بسبب تفرق الصحابة في الأمصار وكلٌّ منهم يحمل علمًا من ميراث النبوة، فاحتيج إلى علمهم فرُحِل إليهم.
٣- ظهرت أسباب أخرى فيما بعد هذين الجيلين من تلك الأسباب:
ظهور الوضع في الحديث حيث كَثر أصحاب الأهواء الذين انتحلوا أحاديث تؤيد أهواءهم ونسبوها إلى الرسول ﷺ، فنشط العلماء في الرحلة للتحقُّق من تلك الأحاديث ومعرفة مصادرها ومخارجها.
طلب الإسناد العالي فيُرحَل لأجله كما قال الإمام أحمد: "طلب الإسناد العالي سُّنَّة عمن سلف". ١
ومن أمثلة هذين السببين النموذجان التاليان:
الأول: عن المؤمل بن إسماعيل قال: "حدثني ثقةٌ بفضائل سور القرآن الذي يُروى عن أُبيِّ بن كعب فقلت للشيخ: من حدثك فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه فقلت: من حدثك فقال: شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة
_________________
(١) ١ ابن الصلاح: علوم الحديث ص: ٢٣١.
[ ٤٢ ]
فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدى فأدخلني بيتًا فإذا قومٌ من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك، فقال: لم يحدثني أحد، ولكنَّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن. ١
الثاني: أخرج الحافظ ابن حبان بإسناده إلى أبي نصر بن حماد الورَّاق البجلى قال: "كنا بباب شعبة بن الحجاج ومعي جماعة نتذاكر السُّنَّة فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبى اسحاق، عن
عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء". ٢
فخرج شعبة وأنا أحدث بهذا الحديث، فصفعني ثم قال: يا مجنون، سمعت أبا اسحاق يحدِّث عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر فقلت: يا أبا اسحاق سمعتَ عبد الله بن عطاء يحدِّث عن عقبة ابن عامر قال: سمعت عبد الله بن عطاء، قلت: عبد الله بن عطاء سمع عقبة بن عامر فقال: أسكت، فقلت: لا أسكت، فالتفت إليَّ مِسعر بن كِدَام فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حيٌّ بمكة، فخرجت إلى
_________________
(١) ١ انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص: ٤٠١، والموضوعات لابن الجوزي ١ / ٢٤١ – ٢٤٢. ٢ لم أجده بهذا اللفظ فيما اطلعت عليه من المصادر، وروى الترمذي عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيِّها شاء". ١ / ٧٧ –٧٨ كتاب الطهارة – باب فيما يقال بعد الوضوء. وانظر: طرق الحديث وتخريجه في إرواء الغليل للألباني ١ / ١٣٤ ح ٩٦.
[ ٤٣ ]
مكة فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديث الوضوء، فقال: عقبة بن عامر فقلت: يرحمك الله سمعتَ منه قال: لا، حدثني سعد بن ابراهيم، فأتيت مالك بن أنس - وهو حاج - فسألته عن سعد بن ابراهيم، فقال لي: ما حج العام، فلما قضيتُ نسكي مضيت إلى المدينة فلقيت سعد بن ابراهيم فقلت: حديث الوضوء، فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد ابن مخراق، فانحدرت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق وأنا شاحب اللون وسخ الثياب كثير الشعر، فقال: من أين فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بد، قال: لا، حتى تذهب تدخل الحمام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسلت ثيابى، ثم أتيته، فقال: حدثني شهر بن حوشب عن أبى ريحانة، فقلت: هذا حديث صعد ثم نزل، دمِّروا عليه، ليس له أصل. ١
أهمية هذه الرحلة وأهدافها:
كان للرحلة أثرٌ في شيوع الأحاديث وتكثير طرقها، كما كان لها أثرٌ في معرفة الرجال بصورة دقيقة، لأن المحدِّث يذهب إلى البلدة فيتعرف على علمائها ويخاطبهم ويسألهم، ولذلك اتسع نطاق الرحلة
_________________
(١) ١ في هذين النموذجين بيانٌ لتلك الجهود المضنية التي بذلها السلف – ﵏ – في سبيل تنقية السنَّة المطهَّرة مما أدخله الزنادقة والكذَّابون عليها، وذب الكذب عن رسول الله ﷺ، إنَّ ما قام به هذان الإمامام – المؤمل وشعبة – ما هو إلا نموذج واحد من تلك النماذج الكثيرة التي كان يقوم بها السلف – رضوان الله عليهم – في سبيل خدمة هذا الدين والذود عن حياضه، وهذان النموذجان مثالٌ لذلك الصبر، وتلك المثابرة في طلب العلم والدقَّة في تتبع مسائله، وتحمل الجهد والمشقة في تصحيحه، ثم نشره وتعليمه للناس، فأين طلبة العلم اليوم من هذا العمل، وماذا قدَّموا لخدمة سنَّة نبيِّهمصلى الله عليه وسلم ونشرها وتعليمها للناس.
[ ٤٤ ]
في طلب العلم في القرنين الثاني والثالث.
وقد ذكر الحافظ الرامهرمزي في "المحدِّث الفاصل" قائمة بأسماء المحدثين الذين رحلوا في الأقطار ورتَّبهم على طبقات، فذكر أولًا من رحلوا إلى عدة أقطار، ثم ذكر من رحل إلى ناحية واحدة للقاء مَن بها من العلماء. ١
ومن أهم الأقطار التي كان يرحل إليها طلاب العلم: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، واليمامة، ومصر، ومرو، والري، وبخارى وذلك لأنها مراكز العلم ويكثر فيها العلماء.
سُئل الإمام أحمد عن طالب العلم: هل يلزم رجلًا عنده علم فيكتب عنه، أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم فقال: "يرحل ويكتب عن الكوفيين، والبصريين، وأهل المدينة، ومكة، ويشام الناس يسمع منهم".
وقد تقدم قول ابراهيم بن أدهم: "إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمَّة برحلة أصحاب الحديث".
وقال الخطيب البغدادي: "المقصود بالرحلة في الحديث أمران:
أحدهما: تحصيل علو الاسناد وقدم السماع.
والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم.
فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره، فلا فائدة في الرحلة، فاقتصاره على ما في البلد أولى.
_________________
(١) ١ المحدِّث الفاصل للرامهرمزي ص: ٢٢٩ – ٢٣٣.
[ ٤٥ ]
الفصل الثالث: أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السنة
تمهيد
الفصل الثالث: أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السُّنَّة:
إن أعداء الإسلام من الطوائف والأمم التي قضى عليها الإسلام ونسخ دياناتهم، لم يهدأ لهم بال ولم يقر لهم قرارٌ منذ رأوا ذلك الانتشار السريع للإسلام، وذلك الإقبال الشديد عليه من أبناء شعوبهم، لذلك شرعوا في الكيد والمكر لهذا الدين وأهله.
ولما كانت المجابهة المكشوفة لهذا الدين وكتابه الكريم غير ممكنة لجأ هؤلاء الأعداء إلى حيلة التظاهر بالإسلام وإبطان خلافه ثم أخذوا يثيرون الشبهات ويبثُّون الشُّكوك بين المسلمين، وقد وجَّهوا رماح شكوكهم وسهام شبهاتهم إلى السُّنَّة المطهرة ورواتها، والسُّنَّة هي الموضِّحة والمفسِّرة والشارحة للقرآن، فالطعن فيها طعنٌ في القرآن، والطعن فيهما تحريف لدين الإسلام وهذا ما رامه وقصده أولئك الأعداء مما ألقوه من الشكوك والشبهات، وهو الهدف من تظاهرهم بالإسلام.
وكان من بين أولئك الذين تظاهروا بالإسلام وكان لهم أثرٌ كبيرٌ في إثارة الشكوك والشبهات حول السُّنَّة المطهَّرة ورواتها:
[ ٤٦ ]
١- عبد الله بن سبأ اليهودي: وأمره معروف مشهور. ١
٢- سوسن النصراني: الذي تلقى عنه معبد الجهني بدعة القدر. ٢
٣- إبراهيم النظَّام المعتزلي: ذكر الإمام الذهبي عن بعض علماء الإسلام أنه كان يخفي بَرْهَمِيَّتَه بالاعتزال ليفسد دين الإسلام. ٣
٤- بشر المريسي: ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته أنه ابن يهودي كان يصنع الكوافي في الكوفة، وكان يخفي زندقته بالاعتزال. ٤
٥- الجهم بن صفوان: الذي أخذ أراءه عن السمنية والهنود، وقد أفسد هذا الرجل في دين الاسلام ما لم تفسده أمم غيره. ٥
وغير هؤلاء كثير من أولئك الذين كانوا يخفون زندقتهم ففضح الله أمرهم على أيدي جهابذة علماء الحديث من أهل السُّنَّة والجماعة. ٦
_________________
(١) ١ راجع كتاب: عبد الله بن سبأ وأثره في الفتنة في صدر الإسلام، للدكتور سليمان بن حمد العودة. ٢ راجع ترجمة معبد الجهني في: تهذيب الكمال للمزي، وميزان الاعتدال للذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر. ٣ انظر: ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٤٢. ٤ راجع ردَّ الدارمي عليه، وتاريخ بغداد ٧ / ٥٦ وما بعدها، وخلق أفعال العباد للبخاري. ٥ انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد ص: ١٠١ – ١٠٥، وفتح الباري لابن حجر ١٣ / ٣٤٥. ٦ أُتي الخليفة هارون الرشيد بأحد الزنادقة ليقتله، فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال الرشيد: فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفًا حرفًا. تذكرة الحفاظ للذهبي ١ / ٢٧٣
[ ٤٧ ]
وقد تركزت جهود هؤلاء الأعداء في محاربة السُّنَّة في النقاط التالية:
١- ردّ السُّنَّة بمجرد عقولهم.
٢- الطعن في رواتها بالهوى.
٣- وضع أحاديث على رسول الله ﷺ وإلصاقها بالسُّنَّة، وهذه الأحاديث إما تناقض السُّنَّة نفسها، أو تناقض المعقول أو المعلوم بالضرورة، وذلك ليُعَادَ باللائمة على السُّنَّة أو رواتها وهما بَرَاءٌ من ذلك. وقد تنوع رفض السُّنَّة بمجرد العقل إلى:
١- الرد المطلق.
٢- رد خبر الآحاد.
٣- ويمكن أن يلحق برد خبر الآحاد، رد الزيادة على النص باعتبار أن السبب في ردَّها لكونها خبر آحاد.
وسأوجز القول فيما يلي عن كل نقطة من هذه النقاط
[ ٤٨ ]
أولًا: رد السُّنَّة مطلقًا:
وخلاصة قول أهل هذا الرأي: أن القرآن وحده يكفي وهو الإسلام وحده، ولا حاجة إلى السُّنَّة، إلا أن بعض القائلين بهذا يستثنون السُّنَّة العملية كتفاصيل الصلاة والزكاة ونحوهما.
وقد بدأت بذور هذا الرأي في أواخر عصر الصحابة وذلك
[ ٤٨ ]
من خلال مواقف بعض الأفراد كما تدل على ذلك النصوص التالية:
١- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالسًا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا والمغرب ثلاثًا تقرأ في اثنتين". ١
٢- وعن أيوب السختياني: أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله ابن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنَّا والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". ٢
٣- وعن أبي عمرو الأوزاعى قال: "قال أيوب السختيانى: إذا حدثت الرجل بالسُّنَّة، فقال: دعنا من هذا، وحدثنا بالقرآن فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ". ٣
ويبدو أن هذه حالات فردية، ولم تتخذ طابعًا جماعيًا إلا أواخر القرن الثاني، لكننا لم نقف على معلومات كافية عن هذه الطائفة إلا ما ورد في كتاب "جماع العلم" من كتاب "الأم" للإمام الشافعي حيث قال: "باب حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها". ٤ ثم شرع في الردِّ عليهم رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١تقدم تخريجه في الفصل الأول. ٢ تقدم تخريجه في الفصل الأول. ٣ تقدم تخريجه في الفصل الأول. ٤ الأم للشافعي ٧ / ٢٧٣.
[ ٤٩ ]
وتعتبر الرافضة ممن ردَّ السُّنَّة مطلقًا لأن من معتقدهم الحكم بالردَّة على الصحابة ﵃ إلا نفر يسير، وعلى ذلك فكل ما جاء من طريقهم من السُّنَّة فهو مردود لاسيما وهم يتَّهمونهم أيضًا بالكذب والخيانة في تبليغ الرسالة، وأنهم كتموا تسعة أعشار القرآن، وأما ما يعملون به مما يسمونه حديثًا أو سُّنَّة فهو في الحقيقة دين جديد اختلقه عبد الله بن سبأ اليهودي، ولفَّقه من اليهودية والاسلام، ثم وضعوا له فيما بعد أسانيد من طريق آل البيت وهى كذب وزور، وآل البيت منهم ومن دينهم برآء برآءة الذئب من دم يوسف.
والإسلام كله - كتابًا وسنَّة - ليس للأمَّة طريق لمعرفته عن رسول الله ﷺ إلا الصحابة، فمن ردَّ ما جاء من طريقهم فمن أين له طريق آخر يعرف به ما جاء عن رسول الله ﷺ ولمزيد تفصيلٍ عن موقف الرافضة من السُّنَّة المطهَّرة فليراجع "منهاج السُّنَّة النبويَّة" للإمام شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية، أو "مختصره" للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، وما كتبه الحافظ السيوطي في كتابه "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّنَّة" و"الروض الباسم في الذب عن سُّنَّة أبي القاسم" للحافظ ابن الوزير اليمني المتوفى سنة (٨٤٠ هـ) .
هذا بالنسبة للعصور الماضية، أما في العصر الحاضر فإن الاستعمار الغربى لم يكد ينتهي من إتمام وإحكام سيطرته على بلاد المسلمين حتى شرع – وذلك عبر طلائعه من المبشرين والمستشرقين -
[ ٥٠ ]
في إحياء ما اندثر من البدع والآراء المنحرفة والفرق والطوائف المعادية للإسلام والتي كان قد غرسها من قَبْلَهم أسلافهم من أعداء الإسلام من يهود ونصارى ومجوس وصابئة.
وكان من تلك البدع والآراء المنحرفة التي أحياها الاستعمار - عن طريق من باعوا ذممهم من جهلة المسلمين للاستعمار نظير حفنة من الجنيهات - تلك المقولة التي تنادى برفض السُّنَّة والاكتفاء بالقرآن وحده، فهو كاف بزعمهم، وهم في الحقيقة يقصدون ردَّ الدين كلِّه كتابًا وسنة.
ففي شبه القارة الهندية استطاع الإنجليز أن يشتروا مجموعة ممن يزعمون أنفسهم من علماء المسلمين ثم اتخذوهم مطية لإنكار الجهاد بالسيف وإقناع المسلمين بذلك، وكان ذلك بعد أن عانى الانجليز الأمرَّين على يد الحركات الجهادية التي كانت تخرج ضدهم في أنحاء الهند.
وكان من أبرز المنادين بإبطال الجهاد "جراغ على" و"ميرزا غلام أحمد القاديانى".
ثم تطور الأمر إلى إيجاد مجموعة أخرى تنادي برد السُّنَّة مطلقًا والاقتصار على القرآن، وكان على رأس هذه المدرسة "سيد أحمد خان" و"عبد الله جكرألوي" و"أحمد الدين الآمرتسري" وآخرين، ثم جاء "غلام أحمد برويز" فأسس جمعية باسم أهل القرآن، كما أصدر مجلة شهرية،
[ ٥١ ]
ونشر عدة كتب في هذا الصدد. ١
أما في بلاد العرب فقد تولَّى كِبر الدعوة إلى رد السُّنَّة والاقتصار على القرآن وحده طائفتان:
الطائفة الأولى:
من يزعمون أنفسهم من اتباع المدرسة الاصلاحية التي نشأت وترعرعت في أرض الكنانة مصر على يد كل من: محمد عبده وشيخه المتسمي بالأفغاني، وقد نشرت آراء هذه المدرسة من خلال وسيلتين:
الوسيلة الأولى: مجلة المنار التي كان يرأس تحريرها ومؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا أحد أقطاب المدرسة الإصلاحية، فقد نشرت هذه المجلة سلسلة من المقالات بعنوان: الإسلام هو القرآن وحده ٢ بقلم الدكتور توفيق صدقى، وقد أيَّد الشيخ رشيد رضا هذه المقالات إلا أنه زاد الطين بلة حين قسَّم السُّنَّة إلى دين عام - السُّنَّة العملية - يجب قبوله، ودين خاص - وهو ماعدا ذلك - لسنا ملزمين بالأخذ به. ٣
_________________
(١) ١ كتب في الردِّ على هذه الجمعية كتبٌ كثيرة، وأغلبها باللغة الأردية، ومن أجود ما كتب في الرد على هذه الطائفة – فيما وقفت عليه – "القرآنيون وسبهاتهم حول السنَّة" رسالة ماجستير تقدم بها خادم حسين بخش إلى قسم العقيدة في جامعة أم القرى، وطبعتها مكتبة الصديق بالطائف. ٢ مجلة المنار – السنة التاسعة – العددان ٧ – ١٢. ٣ انظر: دراسات في الحديث النبوي للأعظمي ١ / ٢٦ –٢٧ ويذكر الأستاذ السباعي أن رشيد رضا قد رجع عن ذلك في آخر حياته، نقل ذلك عنه الدكتور الأعظمي في: دراسات في الحديث النبوي ١/ ٢٧.
[ ٥٢ ]
الوسيلة الثانية: كتاب "أضواء على السُّنَّة المحمدية" لأبي ريَّة ١
الطائفة الثانية:
بعض الكتاب والأدباء وهم من أبناء الكنانة أيضًا - ممن نشأ وترعرع على أيدي أعداء الإسلام من يهود ونصارى من المستشرقين في جامعات فرنسا وألمانيا وبريطانيا، فتغذَّت عقولهم، وران على قلوبهم شبهات وشكوك مشايخهم من المستشرقين، فعادوا إلى بلاد المسلمين ليكونوا رسلًا لأعداء الله ورسوله، فيبثوا تلك الشبهات ويثيروا تلك الشكوك بين المسلمين، وعلى رأس هؤلاء الأدباء الذين كانت كتبهم تنضح بالطعن على السُّنَّة ورواتها وينادون بردِّها كل من: طه حسين، وأحمد أمين وغيرهما.
_________________
(١) ١ كتب في الرد على أبي ريَّة كتب كثيرة من أجودها: ١- السنة ومكانتها للسباعي ٢- الأنوار الكاشفة للمعلمي رحمهما الله جميعًا
[ ٥٣ ]
ثانيًا: رد خبر الآحاد:
لم يكن هناك خلاف بين أحد من السلف في القرون الثلاثة المفضلة في وجوب العمل بالسُّنَّة دون تفريق بين ما سمِّي فيما بعد بخبر الآحاد وما سمِّي بالمتواتر، ولا ما يسمَّى بأصول الدين وفروعه - وكلها تقسيمات محدثة مبتدعة ٢ - بل لما بزغت بعض رؤوس الفتنة في عصور السلف الأولى وردت السُّنَّة أو بعضها هبوا جميعًا في وجوههم، وحذَّروا منهم، فهذا أيوب السختيانى - كما مرَّ سابقًا - يقول: "إذا حدَّثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن،
_________________
(١) ٢ انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢ / ٤١٣.
[ ٥٣ ]
فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ".
وهذا الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يعقد فصلين في الردِّ على هؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا القول برد السُّنَّة أو بعضها، الفصل الأول في الرد على الطائفة التي ردت السُّنَّة مطلقًا، وذلك في كتاب "جماع العلم" المطبوع ضمن كتاب "الأم" له، والآخر في الرد على من ردَّ خبر الخاصة – الآحاد - وذلك في كتابه "الرسالة".وهكذا بقية السلف كانوا يحاصرون هؤلاء في معاقلهم ويحذرون المسلمين منهم ومن بدعهم، والمتتبع لتاريخ ظهور بدعة القول برد خبر الآحاد يجد الأمور التالية:
أولًا: أن هذا القول لم يظهر إلا على يد المبتدعة وأصحاب الأهواء والمتَّهمين في دينهم من جهمية أو معتزلة أو متكلمين، وأغلب رؤساء هذه الطوائف إمَّا متَّهمٌ بالزندقة أو بأخذ آرائه وعقيدته من أعداء الاسلام، أو على الأقل متَّهمٌ برقَّة دينه، كما قال الإمام الذهبي عن الجاحظ: "كان ماجنًا قليل الدين" ١
وذكر الخطيب بإسناده إلى ابن أبى الذيال أن الجاحظ كان لا يصلى. ٢
ثانيًا: أن حقيقة هذا القول هو رد السُّنَّة بمجرد العقل أو الهوى، إذْ ردهم لخبر الآحاد لتجويزهم عقلًا أن يكذب راويه أو يغلط، ثم
_________________
(١) ١ انظر: سير أعلام النبلاء ١١ / ٥٢٧. ٢ انظر: تاريخ بغداد ١٢ / ٢١٧.
[ ٥٤ ]
إنهم يؤوِّلون المتواتر أو يفوضونه لمجرد مخالفته لعقولهم التي هي مختلفة ومتناقضة وقاصرة. ١
ثالثًا: أن هذا القول طوال القرون الثلاثة بل الأربعة الأولى لم يكتب له الانتشار والظهور - كما حصل فيما بعد - وهذا بفضل الله، ثم بفضل جهود السلف الذين هيأهم الله لحفظ السُّنَّة وتبليغها للأمَّة، فكانوا يجاهدون لإحياء السنن وقمع البدع في مهدها ﵏ وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولم يكتب لهذا القول - فيما أعلم - الانتشار والظهور إلا في عصور الضعف، وظهور البدع، وتسلط أصحاب الأهواء وأهل البدع على رقاب المسلمين، وذلك من أوائل القرن الخامس الهجري فما بعده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في معرض الردَّ على أهل هذا الرأى من معاصريه: "وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب الرازي، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني ٢، وإلا فالسلف مجمعون على قبول خبر الآحاد والعمل به دون تفريق بينه وبين غيره". ٣
_________________
(١) ١ انظر مثلًا على ذلك: كلام أبي المعالي الجويني في كتاب: الإرشاد ص: ١٤٦ – ١٤٨ عند الكلام على صفة اليدين والعينين والوجه. ٢ توفي الباقلاني سنة ٤٠٣ هـ، والغزالي سنة ٥٠٥ هـ. ٣ ذكره ابن القيم عن شيخه في: مختصر الصواعق ٢ / ٤١٢ – ٤٣٣.
[ ٥٥ ]
رابعًا: انتشار القول برد خبر الآحاد في القرن الخامس وما بعده وهي الفترة الزمنية التي سيطر فيها علم الكلام ومنطق اليونان على العلوم الاسلامية وعلى كثير من علماء الأمَّة في تلك الفترة من الزمن، فأفسد ذلك المنطق وعلم الكلام أغلب العلوم الإسلامية، ولا أدلَّ على ذلك من أن الوقت الذي سيطر فيه علم المنطق، وعلم الكلام على الأمَّة والذي يبدأ من بداية القرن الخامس إلى نهاية القرن السابع تقريبًا هو وقت جمود الأمَّة الإسلامية فكريًا وعلميًا، وهو وقت انتشار البدع وانتفاش الباطل وأهله من باطنية ومتفلسفة ومتصوفة، وهذا الوقت هو الذي استغله أعداء الأمَّة من الصليبيين والمغول فهجموا عليها وأطاحوا بخلافتها.
ولم تستيقظ الأمَّة من ذلك الركود والجمود، وتنفض غبار المنطق وعلم الكلام إلا على يد تلك المدرسة السلفيَّة السائرة على منهج أهل السُّنَّة والجماعة - أهل القرون المفضلة - تلك هي مدرسة شيخ الاسلام ابن تيمية وتلاميذه، وذلك في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن من الهجرة.
وقد كان من أكثر العلوم الإسلامية تأثرًا بعلم الكلام: علم أصول الفقه، ثم أصول الحديث بعد القرن الخامس.
خامسًا: بعد انتشار هذا القول بين علماء الأمَّة تلخصت أقوالهم في ثلاثة مذاهب:
[ ٥٦ ]
الأول: أنه لا يفيد إلا الظن، وهؤلاء فريقان:
١- المعتزلة ومن نهج نهجهم يقولون: إنه ظنٌ فلا يفيد علمًا ولا يوجب عملًا، ولذلك ردُّوه في العقائد والأحكام.
٢- متكلموا الأشاعرة يقولون: نعم إنه ظن ولكن يجوز العمل بالظن الراجح في الأحكام دون العقائد.
وحجة هذا المذهب أنك لو سئلت عن أعدل رواة الآحاد أيجوز في حقِّه الكذب والغلط لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له. ١
الثاني: أنه يفيد العلم ويوجب العمل إن كان الرواة عدولًا ضابطين.
قال أبو محمد بن حزم: قال أبو سليمان الخطابي والحسين بن علي الكرابيسى والحارث المحاسبي وغيرهم: "إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معًا، وبهذا نقول، وقد ذكر هذا القول أحمد ابن اسحاق المعروف بابن خويذ منداد عن مالك بن أنس. ٢
ثم شرع بعد ذلك في ذكر البراهين على قبول السلف لخبر الواحد من الصحابة ومن بعدهم. ٣
_________________
(١) ١ مذكرة أصول الفقه لمحمد الأمين الشنقيطي ص: ١٠٣، وانظر: الإحكام لابن حزم ١ / ١٣٣. ٢ الإحكام لابن حزم ١ / ١٣٢. ٣ انظر تفاصيل ذلك في: كتاب الإحكام لابن حزم ١ /١٢٢ – ١٣٢.
[ ٥٧ ]
وأغلب ما ذكر من الأدلة والبراهين - وهي مهمة ومفيدة - قد ذكرها الإمام الشافعي - ﵀ - في "الرسالة". ١
الثالث: التفصيل بأنه إذا احتفَّت بخبر الواحد قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين وإلا أفاد الظن.
ومن أمثلة ما احتفت به القرائن أحاديث الصحيحين لأن القرائن دالَّة على صدقها لجلالتهما في هذا الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق كما قاله غير واحد، واختار هذا القول ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وأبو العباس ابن تيمية ﵏، وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ٢
تنبيهان:
التنبيه الأول: قال شيخ الاسلام ابن تيمية: "وأما قول السائل: إذا صح الحديث هل يكون صدقًا فجوابه أن الصحيح أنواع:
١- فمن الصحيح ما تواتر لفظه كحديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
٢- ومنه ما تواتر معناه، كأحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية،
_________________
(١) ١ انظر: الرسالة ص: ٤٠١ فما بعدها – باب الحجة في تثبيت خبر الواحد وانظر: ما كتب الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه حيث أفرد كتابًا من كتب الصحيح بعنوان: كتاب أخبار الآحاد. الفتح ١٣ / ٢٣١ – ٢٤٤ ٢ مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص: ١٠٣.
[ ٥٨ ]
وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك.
فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق لأنه متواترٌ إما لفظًا وإما معنى.
٣- ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به، كما عملوا بحديث الغرة في الجنين، وكما عملوا بأحاديث الشفعة، وأحاديث سجود السهو ونحو ذلك، فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق، لأن الأمَّة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه، والأمَّة لا تجتمع على ضلالة، فلو كان في نفس الأمركذبًا لكانت الأمَّة قد اتفقت على تصديق أهل الكذب والعمل به، وهذا لا يجوز عليها.
٤- ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث الصحيحين، جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبعًا لهم في معرفة الحديث، وإذا أجمع أهل العلم على شيءٍ فسائر الأمَّة تبعٌ لهم فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ.
٥- ومنه ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء من الأحكام، وهذا لا يكون إلا صدقًا وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب، وعامة هذه المتون تكون مروية عن النبي ﷺ من عدة وجوه، رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب من غير أن يتواطآ، ومثل هذا يوجب العلم القطعي.
[ ٥٩ ]
٦- ومما قد يسمى صحيحًا ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفون في تصحيحه فيقولون: هو ضعيف وليس بصحيح، مثل ألفاظٍ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل".اه ملخصًا ١
التنبيه الثاني: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطى ﵀: "اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي ﷺ بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب اثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أنَّ أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطلٌ لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم ردَّ الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل.
والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي - وهو القياس
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٨ / ١٦ – ٢٢، وانظر: مختصر الصواعق لابن القيم ٢ / ٣٧٢ فما بعدها.
[ ٦٠ ]
المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه - مقدَّمٌ على الوحي، وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن انتاجه للمطلوب قطعي، هو جهلٌ وتخبطٌ في الظلمات.
ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلًا: إنَّ العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحى بناء على ذلك، فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه؛ بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه كذبتم فيه؛ بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة كاختلافهم في أفعال العبد، وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك. فيجب على المسلم أن يتقبل كل شىءٍ عن النبي ﷺ بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتِّباع ما ثبت عنه ﷺ فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل، وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه أوامر الله ونواهيه كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته، وقد بيَّنَّا أنها من إحدى الجهتين قطعية". ١
_________________
(١) ١ مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص: ١٠٤ – ١٠٥، والمراد بالجهتين: "أنه قطعيٌ من جهة غير قطعي من جهة أخرى، أما الجهة التي هو قطعيٌّ منها فهي: العمل به لأن الكتاب والسنَّة والإجماع كلها دالٌّ على العمل بخبر الآحاد أما الجهة التي هي غير قطعي منها فهي: كون الخبر صدقًا في ذات نفسه ".انظر كتاب: الرحلة إلى بيت الله الحرام للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى ص: ٩٨
[ ٦١ ]
ثالثًا: رد الزيادة على النص:
قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين:
أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيَّن رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب. ١
والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيَّن عن الله معنى ما أراد ٢، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب". ٣
وهذا الأخير هو المراد بالزيادة على النص في اصطلاح الأصوليين. ٤
_________________
(١) ١ مثاله قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "بني الإسلام على خمس" مع قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ الآيتان ٤٣ و١٨٣ من سورة البقرة، وقوله سبحانه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ الاية ٩٧ من سورة آل عمران، وغير ذلك كثير. ٢ مثاله: الأحاديث التي فصلت مجمل الصلاة والزكاة والحج وغيرها وهي الأكثر من أنواع السنن والوجوه التي ذكرها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ٣ انظر: الرسالة للشافعي ص: ٩١ – ٩٢. ٤ انظر: ما كتبه الدكتور عمر بن عبد العزيز في كتابه: الزيادة على النص حقيقتها وحكمها ص: ١١ – ٢٦.
[ ٦٢ ]
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"للزيادة على النص مرتبتان:
الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه على وجهٍ لا يكون فيه شرطًا فيه، كزيادة تغريب البِكر على جلده مائة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد، فالأولى زيادة جزء، والثانية زيادة شرط وحكم زيادتهما واحد، لأن التغريب جزء من الحدِّ، فزيادته على الجلد زيادة من الحد كما هو واضح.
ومذهب الجمهور - وهو الظاهر - أن هذا النوع من الزيادات لا يكون ناسخًا لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهى استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليلٌ صارفٌ عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيءٍ سكت عنه النص الأول، فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة - ﵀ - فمنع كون التغريب جزءًا من الحدِّ وإن جاء بذلك الحديث الصحيح قائلأ: "إن الجلد كان مجزءًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده بل لا بد من التغريب، وهذا نسخٌ لاستقلال الجّلْد بتمام الحدِّ"، وهذا بناءً على أن المتواتر لا يُنسخ بالآحاد؛ لأن آية الجَلْدِ متواترة وأحاديث التغريب آحاد، والغرض عنده أن الزيادة نسخٌ والمتواتر
[ ٦٣ ]
لا يُنسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: "إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا"، فيلزم القول به حملًا للمطلق - وهو رقبة كفارة اليمين والظهار - على المقيد بالإيمان وهو كفارة الخطأ، ومنع ذلك أبو حنيفة بأنَّ الزيادة على النص نسخ.
والجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر ولا يمكن الجمع بينهما". ١
_________________
(١) ١ انظر: مذكرة الشيخ محمد الأمين في أصول الفقه ص: ٧٥ – ٧٧.
[ ٦٤ ]