الفصل الأول: التدوين في القرن الأول
أولا: تدوين السنة بدأ في حياة النبى ﷺ
الفصل الأول: التدوين في القرن الأول
أولًا: تدوين السُّنَّة بدأ في حياة النبى ﷺ
اشتهر بين عامة الناس من غير ذوي التتبع والاستقصاء أن الحديث أو ما يطلق عليه علماء الحديث لفظ العلم ظلَّ أكثر من مائة سنة يتناقله العلماء حفظًا دون أن يكتبوه، واستمرَّ هذا الظن قرابة خمسة قرون متتابعة وهو يزيد توسعًا ويطَّرد قوةً، حتى جاء الخطيب فتتبع مسائل هذا الموضوع وجمع شتاته، وألَّف في ذلك "تقييد العلم".
أما سبب هذا الظن فهو خطأ في تأويل ما ورد عن المحِّدثين في تدوين الحديث وتصنيفه، فقد ذكر هؤلاء أنَّ أوَّل من دوَّن العلم ابن شهاب الزهري المتوفى سنة (١٢٤ أو١٢٥ هـ)، وذكروا أوَّل من صنَّف الكتب فإذا هم جميعًا ممن عاش حتى بعد سنة (١٤٣ هـ) تقريبًا.
ولم يعط العلماء قبل الخطيب هذه الأقوال حقَّها من التَّأويل العميق والفهم الدقيق، بل رووا هذه الأقوال بشكلٍ يوهم بأنه فعلًا أوَّل من كتب الحديث ودوَّنه ابن شهاب الزهري، وأوَّل من صنَّفه في
[ ٦٥ ]
الكتب أتى بعده.
وغلبت هذه الفكرة على أصحاب الكتب الجامعة: كأبي طالب المكي، والامام الذهبي، والحافظ ابن حجر، والمقريزي، وصاحب "أبجد العلوم" وغيرهم فكانوا يؤيدونها رغم أنهم كانوا يجدون لها نقيضًا، وذلك أنهم يذكرون أن مَنْ بعد الصحابة والتابعين كانوا يروون العلم من صحفٍ صحيحةٍ غير مرتبة كتبت في عصر الصحابة والتابعين.
إذن حصل هناك تدوينٌ قبل عصر الإمام الزهري الذي يُعدُّ من طبقة صغار التابعين.
وقد حاول الخطيب أن يثبت أن تقييد العلم كان موجودًا في حياته ﷺ وفي عصر الصحابة والتابعين كذلك، فقاده ذلك إلى البحث في تاريخ تقييد العلم، فجمع الأحاديث والأخبار التي لها صلة بنشأة تقييد العلم، وهي أكثر مما جمعه سلفه، ووجدها تنتظم في حلقتين مختلفتين متضادتين، فبعضها يشير إلى جواز كتابة الحديث والإقبال عليه، والآخر يظهر خلاف ذلك، وهذا ما قد كان وجده متقدموه، غير أنَّه ألفى شيئًا جديدًا فيها، وهو أن بعضها يتضمن الإشارة إلى سبب كراهة الكتابة، فبدا له أن يفرد هذه النصوص بباب خاص علَّها تنطق من نفسها عما يزيل الخلاف ويرفع التناقض.
وقد خصص - رحمه الله تعالى - الفصل الأول من القسم الأول من كتابه للأحاديث المرفوعة التي تنهى عن كتابة الحديث، وقد
[ ٦٦ ]
حاول استيعابها بكافة طرقها الصحيحة والضعيفة.
ولكن هذه الروايات كلها على اختلاف طرقها لم يصح منها شىءٌ سوى حديث أبي سعيد الخدري: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" الحديث الذي أخرجه مسلم مرفوعًا ١، وقد أعلَّه أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد. ٢
وفي الفصلين الثانى والثالث من هذا القسم أورد ما رُوِي من الآثار والأخبار عن الصحابة والتابعين في كراهة كتابة الحديث والنهي عنها. ٣
وعمد - ﵀ - في الفصل الأول من القسم الثاني إلى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم – كتاب الزهد ح ٧٢. ٢ انظر: مناقشة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي لهذه الروايات في كتاب "دراسات في الحديث النبوي" ١ / ٧٦ – ٩٧، وقد وردت أحاديث في الإذن بكتابة الحديث – ستأتي الإشارة إليها – وهي صحيحة وصريحة، وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث عدة آراء أهمها: أأن يكون من منسوخ السنة بالسنة، أي أنه نهي عن كتابة الحديث في أول الأمر خشية التباس القرآن بغيره، وبهذا قال ابن قتيبة، والرامهرمزي، والخطابي وغيرهم. ب أن يكون النهي منصبًَّا على كتابةالقرآن مع غيره في صحيفةٍ واحدة، وذهب إلى ذلك الخطابي، والخطيب البغدادي وغيرهما. ج وقيل: النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، وذكره الخطيب في "تقييد العلم" وهناك أقوالٌ أخرى هذه أشهرها وأوجهها. ٣ أورد الخطيب - ﵀ - في هذين الفصلين آثارًا كثيرة، وذكر لها طرقًا كثيرة، لكن أكثر الروايات ضعيفة، وقد ناقش الشيخ عبد الرحمن المعلمي -﵀ – ما ورد من ذلك عن الصحابة وبيَّن ضعفها، ثم قال: "هذه إن صحَّت حجة لما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الحديث مطلقًا لما جمع أبو بكر ثم أحرق، ولا همَّ عمر ثم عدل، ولا كتب غيرهما ثم محا ما كتب، ثم هذه الروايات تنصُّ على عللٍ من أجلها أحرق من أحرق ومحا من محا ما كتبوه، وليس منها نصٌّ واحدٌ على ذكر النهي عن رسول الله ﷺ لذلك". انظر: الأنوار الكاشفة ص: ٣٧ – ٣٩
[ ٦٧ ]
ذكر الروايات عن الصحابة التي تنصُّ على علة كراهتهم لكتابة ما سوى القرآن، ويلخِّص تلك العلة بقوله: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه ونُهي عن كتب العلم في صدر الاسلام وجِدَّتِه لقلِّة الفقهاء - في ذلك الوقت - والمميِّز بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلا يؤمَن أن يُلحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنَّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن". ١
ويضيف في مطلع الفصل الثانى من القسم الثانى أسبابًا أخرى للنهى أو الامتناع عن الكتابة فيقول: "وأمر الناس بحفظ السنن، إذْ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونُهي عن الإتكال على الكتاب لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عُدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان ولهذا قال سفيان الثوري: (بئس مستودع العلم القراطيس".
وكان سفيان يكتب؛ أفلا ترى أن سفيان ذم الإتكال على الكتاب وأمر بالحفظ وكان مع ذلك يكتب احتياطًا واستيثاقًا، وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفًا من أن يتكل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ. ٢
_________________
(١) ١ انظر: تقييد العلم ص: ٥٧. ٢ تقييد العلم ص: ٥٨، ومثله في الجامع لابن عبد البر ١ / ٦٩.
[ ٦٨ ]
وأما القسم الثالث فقد أفرد منه ثلاثة فصول في الأحاديث والآثار الواردة في الإذن بكتابة العلم: -
الأول: فيما ورد مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: وقد أورد فيه روايات كثيرة منها الصحيح مثل:
١- حديث أبي هريرة: "ما من الصحابة أحدٌ أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب وأنا لا أكتب". ١
٢- وعنه أيضًا قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: "اكتبوا لأبى شاة". ٢
٣- حديث ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده". ٣
٤- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله ﷺ إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ٤
_________________
(١) ١ انظر: باب كتابة من العلم من كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري. ٢ المصدر السابق. ٣ المصدر السابق. ٤ رواه الإمام احمد في مسنده ٢ / ١٦٣، والدارمي في سننه – باب من رخص في كتابة العلم ١ / ١٠٣، ورواه أيضًا أبو داود في كتاب العلم من سننه ٤ / ٦٠، والخطيب في تقييد العلم ص: ٧٤، ٨١ من عدة طرق وبعدة ألفاظ.
[ ٦٩ ]
ومنها الضعيف وهي كثيرة وبعضها قد يعتضد. ١
والفصل الثاني: عَنْوَنه بقوله: باب ذكر من رُوي عنه من الصحابة ﵃ أنه كتب العلم أو أمر بكتابته.
وقد أورد في هذا الفصل روايات كثيرة عنهم وأكثرها صحيحة إذ منها ما هو في الصحاح، ومنها ما هو في السنن وغير ها.
ولم يخلها من تعليقاته واستنباطاته - ﵀ - من ذلك مثلًا: ما جاء في تعقيبه على ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: "ما كنا نكتب شيئًا غير القرآن والتشهد" حيث قال: "وأبو سعيد الخدري هو الذي رُوي عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه".
ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد، وفي ذلك دليل أن النهي عن كَتْبِ ما سوى القرآن إنما كان على الوجه الذي بيَّنَّاه: من أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أُمِنَ ذلك ودَعَتْ الحاجة إلى كتب العلم لم يكره كتبه، كما لم تكره الصحابة كَتْبَ التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من العلوم في أن الجميع ليس بقرآن، ولن يكون كتب الصحابة ماكتبوه من العلم وأمروا بكتبه إلا احتياطًا كما كان كراهتهم لكتبه
_________________
(١) ١ انظر: الروايات في تقييد العلم ص: ٦٥ – ٧٣.
[ ٧٠ ]
احتياطًا والله أعلم". ١
أما الفصل الثالث من هذا القسم فقد خصصه لذكر الروايات عن التابعين في ذلك: حيث ساق بأسانيده إلى أئمةٍ وكبار التابعين تلك الروايات عنهم في كتابتهم للحديث وإذنهم لتلاميذهم بل وحثِّهم على كتابة الحديث. ٢
أما عن سبب اتساع الناس في كَتْب العلم في عصر ما بعد التابعين واتِّكالهم على الكتاب فيقول الخطيب ﵀: "إنما اتسع الناس في كَتْب العلم، وعوَّلوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك؛ لأن الروايات انتشرت والمسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول الله ﷺ لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك". ٣
وبعد: فقد اكتفيت في هذه الفقرة بالاقتصار على تحليل ما ورد في الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب "تقييد العلم" للحافظ أبى بكر الخطيب (ت ٤٦٣ هـ) مستفيدًا مما كتبه الأستاذ يوسف العش في تصديره
_________________
(١) ١ تقييد العلم ص: ٩٣ – ٩٤. ٢ سرد المؤلف هذه الروايات من ص: ٩٩ – ١٣٣، وقد ساق هذه الروايات عن التابعين والتي قبلها عن الصحابة: الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم ١ / ٦٤ – ٦٩. ٣ تقييد العلم ص: ٦٤ – ٦٥.
[ ٧١ ]
للكتاب وتعليقه على حواشيه، وذلك لأمور منها:
١- أن هذا الكتاب أقدم وأوسع وأشمل كتاب في هذا الباب إذ لم يسبق مؤلفه إلى جمع مثله ولم أقف على كتاب مثله لمن جاء بعده، إلا أن معاصره الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) حاول نفس المحاولة في "جامع بيان العلم" لكن لم يكن بسعة كتاب الخطيب وشموله فضلًا عن تفوق كتاب الخطيب على كتابه في جودة الترتيب وحسن التنسيق.
٢- أن النتائج التي توصل إليها الخطيب - ﵀ - من خلال جمعه ودراسته لما رُوي في هذا الموضوع نتائج هامة، ووجدت فيها بلسمًا شافيًا وجوابًا كافيًا على تلك التساؤلات حول تدوين السُّنَّة المطهرة، متى بدأ وكيف بدأ كما أنني ألفيت الكتاب ونتائجه التي توصل إليها جوابًا دامغًا - لما تضمنه من الحقائق - على تلك الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون وأذنابهم من أبناء جلدتنا المندسُّون في صفوفنا حول تدوين السُّنَّة النبوية، مستغلين ظاهر حديث أبي سعيدٍ في النهي عن كتابة الحديث، وما رُوي من أن التدوين لم يبدأ إلا في عصر الإمام الزهري. ١
_________________
(١) ١ قال الخطيب ﵀ في نهاية الفصل الرابع من القسم الثالث ص: ١١٥ – ١١٦: "قد أوردت من مشهور الآثار، ومحفوظ الأخبار عن رسول ربِّ العالمين وسلف الأمَّة الصالحين ﷺ ورضي عنهم أجمعين، في جواز كتب العلم وتدوينه، وتجميل ذلك الفعل وتحسينه ما إذا صادف بمشيئة الله قوي شكٍّ رفعه، أو عارض ريب قمعه ودفعه".
[ ٧٢ ]
وهذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الكتاب:
أولًا: أنه لم يصح حديث في النهي عن كتابة الحديث سوى حديث أبى سعيد الخدري الذي رواه مسلم، مع اختلاف بين البخاري ومسلم في رفعه ووقفه.
ثانيًا: أن الأمر استقر في حياته ﷺ على إباحة الكتابة، وقد قدَّم المؤلف عدة أدلة على ذلك، بل ذكر أدلة من الكتاب والسُّنَّة على الحث على الكتابة.
ثالثًا: أن التدوين بمعناه الواسع - وهو الجمع - قد بدأ في زمن النبي ﷺ.
رابعًا: أن امتناع من امتنع من الصحابة والتابعين عن كتابة الحديث ليس للنهي الوارد في حديث أبي سعيد الخدري، ولكن هذا الامتناع معلَّلٌ بأسبابٍ أخرى منها: -
الخوف من انكباب الناس على الكتب وانشغالهم بها عن القرآن، وقد أورد الخطيب عن السلف النصوص الكثيرة المصرحة بذلك.
ومنها الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين إذ الاتكال على الكتاب يضعفها، ولذلك كان بعضهم يكتب ثم يمحو ما كتب، ولو كان النهي عن الكتابة مستقرًا عندهم لما كتبوا ابتداءً. ١
_________________
(١) ١ تقييد العلم ص: ٥٧ – ٦٠.
[ ٧٣ ]
وقبل أن أُنهي الكلام عن هذه الفقرة أنقل هنا كلام أهل اللغة في التفريق بين معنى التدوين ومعنى التصنيف، إذ بمعرفة ذلك يزول كثير من اللبس:
فالتدوين: هو تقييد المتفرق المشتت، وجمعه في ديوان أو كتاب تجمع فيه الصحف، قال في "القاموس": "التدوين مجتمع الصحف". ١
وقال في "تاج العروس": "وقد دوَّنه تدوينًا جمعه" ٢، فهو بهذا المعنى أوسع من التقييد بمعناه المحدود.
أما التصنيف: فهو أدق من التدوين إذ هو ترتيب ما دُوِّنَ في فصول محدودة وأبواب مميزة. قال في "التاج": "وصنفه تصنيفًا جعله أصنافًا وميز بعضها عن بعض، وقال الزمخشري في "الفائق": "ومنه تصنيف الكتب". ٣
_________________
(١) ١ القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤ / ٢٢٦ مادة: دون. ٢ انظر: تاج العروس ٩ / ٢٠٤ مادة: دون. ٣المصدر السابق ٦ / ١٦٨ مادة: صنف.
[ ٧٤ ]
ثانيًا: جهود الصحابة ﵃ في تدوين السُّنَّة المطهَّرة ونقلها إلى الأمَّة.
لقد كانت جهود هذا الجيل المبارك هي الأساس الأول في تدوين السُّنَّة وحفظها ونقلها إلى الأمة، كما كانت جهودهم - رضوان الله عليهم - هى الأساس في نشر الدين وترسيخ العقيدة وحماية السُّنَّة من كل مايشوبها.
وفيما يلي نماذج من تلك الجهود، وأكتفي بالنماذج هنا مشيرًا إلى المصادر التي استوعبت أو حاولت الاستيعاب ١ وذلك لأن المقام هنا لا يتسع لأكثر من هذه النماذج:
١- الحث على حفظ الحديث وثثبيت ذلك الحفظ، حتى كان كثير منهم يأمر تلاميذه بالكتابة لتثبيت حفظهم ثم محو ما كتبوه حتى لا يتكل على الكتاب.
قال الخطيب البغدادي: "وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه، ويدرسه من كتابه، فإذا اتقنه محا الكتاب، خوفًا من أن يتَّكل القلب عليه فيؤدي إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ". ٢
_________________
(١) ١ مثل: تقييد العلم للخطيب، وجامع بيان العلم وفضله لأبي عمر بن عبد البر، ودراسات في الحديث النبوي لمحمد مصطفى الأعظمي. ٢ تقييد العلم للخطيب ص: ٥٨.
[ ٧٥ ]
٢- الكتابة بالسُّنَّة بعضهم إلى بعض، ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١
أ- كتب أسيد بن حضير الأنصاري ﵁ بعض الأحاديث النبوية، وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم. ٢
ب- وكتب جابر بن سمرة ﵁ بعض أحاديث رسول الله ﷺ وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبى وقاص بناء على طلبه ذلك منه. ٣
ج- وكتب زيد بن أرقم ﵁ بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك ﵁. ٤
د- وكتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب ﵁ وذلك بناء على طلب عمر نفسه. ٥
هـ- جمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله ﷺ وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: "في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ
_________________
(١) ١ قد أتى على ذكر كثير من ذلك الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: دراسات في الحديث النبوي ١ / ٩٢ – ١٤٢ الفصل الأول من الباب الرابع. ٢ انظر: مسند الإمام أحمد ٤ / ٢٢٦. ٣ أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإمارة ح ١٠، والإمام أحمد في المسند ٥ / ٨٩. ٤ انظر: مسند الإمام أحمد ٤ / ٣٧٠ – ٣٧٤، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٣ / ٣٩٤. ٥ سنن الدارقطني ٤ /٩٣ – ٩٤.
[ ٧٦ ]
كثير". ١
وكتب عبد الله بن أبي أوفى بأحاديث رسول الله ﷺ إلى عمر بن عبيد الله. ٢
٣- حث تلاميذهم على كتابة الحديث وتقييده، ومن أمثلة ذلك:
أ- كان أنس بن مالك الأنصاري ﵁ يحثُّ أولاده على كتابة العلم فيقول: "يابني قيدوا العلم بالكتاب"، وكان يقول - ﵀ ورضي عنه -: "كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علمًا" ٣
ب- روى الخطيب بسنده عن عدة من تلاميذ عبد الله بن عباس حَبر الأمَّة أنه كان يقول: "قيدوا العلم بالكتاب، خير ما قُيِّد به العلم الكتاب". ٤
ج- وروى أيضًا بأسانيده من عدة طرق إلى عمر بن الخطاب
﵁ أنه قال: "قيدوا العلم بالكتاب". ٥
د- وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من يشتري مني علمًا بدرهم"، قال أبو خيثمة: "يقول: يشتري صحيفةً
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٤ / ٢٣٦ – ٢٣٧، وانظر: سنن أبي داود ١ / ٣١٤ – ٣١٥ ح ٤٥٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه – الباب ٢٢، ومسلم في الجهاد أيضًا ح ٢٠. ٣ تقييد العلم ص: ٩٦، طبقات ابن سعد ٧ / ١٤. ٤ تقييد العلم ص: ٩٢، جامع بيان العلم ١ / ٧٢. ٥ المصدر السابق.
[ ٧٧ ]
بدرهمٍ يكتب فيها العلم". ١
٤- تدوين الحديث في الصحف وتناقلها بين الشيوخ والتلاميذ:
ولقد كانت هذه الصحف هى النواة الأولى لما صنف في القرنين الثاني والثالث من الجوامع والمسانيد والسنن وغيرها، ومن أمثلة هذه الصحف ما يلى: ٢
أ- صحيفة أبي بكر الصديق ﵁ فيها فرائض الصدقة.
روى الخطيب بسنده إلى أنس بن مالك: "إن أبا بكر الصديق بعثه مصدِّقًا، وكتب له كتابًا فيه فرائض الصدقة، وعليه خاتم رسول الله ﷺ وفيه: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين" الحديث بطوله. ٣
ب- صحيفة علي بن أبى طالب ﵁.
أخرج الخطيب وابن عبد البر من عدة طرق عن علي بن أبى طالب أنه خطب الناس فقال: "من زعم أن عندنا شيئًا نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة فقد كذب".
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ٦ /١١٦ تقييد العلم ص: ٩٠. ٢ ذكر الحافظ الخطيب في "تقييد العلم" في الفصل الأول والثاني من القسم الثالث كثيرًا من هذه الصحف، وكذلك الدكتور الأعظمي ذكر في الفصل الأول من الباب الرابع من "دراسات في الحديث النبوي" كثيرًا من هذه الصحف التي كتبت في حياته ﷺ وبعد وفاته. ٣ انظر: صحيح البخاري – كتاب الزكاة – باب زكاة الغنم الفتح ٣ / ٣١٧ ح ١٤٥٤، تقييد العلم ص: ٨٧.
[ ٧٨ ]
قال الراوي عنه: "وكانت الصحيفة معلقة في سيفه، وفيها أسنان الإبل، وشيء من الجراحات، وقوله ﷺ: "المدينة حرمٌ ما بين عيرٍ إلى ثورٍ، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" الحديث بطوله. ١
ج- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، المعروفة بالصحيفة الصادقة.
عن مجاهد قال: "أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعي، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد". ٢
هذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته ﷺ وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته ﷺ.
د- صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من "صحيحه" باب الصبر عند القتال. ٣
هـ- صحيفة أبي موسى الأشعري. ٤
_________________
(١) ١ البخاري – كتاب العلم من صحيحه – باب كتابة العلم الفتح ١ / ٢٠٤ ح ١١١، وانظر: تقييد العلم ص: ٨٨، وابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١ / ٧١. ٢ تقييد العلم ص: ٨٤، جامع بيان العلم وفضله ١ / ٧٣، وهي صحيفة مشهورة أخرجها الإمام أحمد في مسنده ٢ / ١٥٨ – ٢٢٦. ٣ انظر: فتح الباري لابن حجر ٦ / ٤٥ ح ٢٨٣٣. ٤ نصَّ على ذكرها الدكتور أكرم العمري في "البحوث" ص: ٢٢٨ وذكر أنها موجودة في مكتبة شهيد علي بتركيا.
[ ٧٩ ]
وصحيفة جابر بن عبد الله. ١
ز- الصحيفة الصحيحة التي يرويها همام عن أبي هريرة من حديثه. ٢
_________________
(١) ١ ذكرها الحافظ ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار ص: ١١، والإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ ١ / ٤٣، وأشار الدكتور أكرم العمري أنها محفوظة في مكتبة شهيد علي، وذلك نقلًا من مقدمة الخلاصة بقلم: صبحي السامرائي. البحوث ص: ٢٢٨. ٢ تضم ١٣٨ حديثًا، رواها الإمام أحمد في مسنده، وقد طبعت بتحقيق محمد حميد الله.
[ ٨٠ ]
ثالثًا: جهود التابعين في تدوين السُّنَّة المشرفة:
تلقى التابعون - ﵏ – السُّنَّة، بل الدِّين كله عن الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم – فقاموا بمهمة تبليغ الرسالة من بعد شيوخهم إلى الناس كافة، فكانوا خير جيل بعد ذلك الجيل، وقد بذل جيل التابعين في خدمة السُّنَّة وتدوينها وحفظها جهودًا كبيرة، وفيما يلي نماذج من تلك الجهود:
١-الحث على التزام السُّنَّة وحفظها وكتابتها والتثبت في روايتها وسماعها:
سبق أن ذكرت طائفة من الأمثلة على ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول عند الكلام عن عناية التابعين ومن بعدهم بالسُّنَّة النبوية، وأضيف هنا أمثلة مما لم أمثل له هناك وهو حثُّهم على كتابة السُّنَّة:
أ- روى الخطيب بسنده من عدة طرق عن الإمام عامر الشعبي
أنه كان يقول: "إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط فهو خيرٌ لك من موضعه من الصحيفة فإنك تحتاج إليه يومًا ما". ١
ب- عن الحسن البصري قال: "ما قُيِّد العلم بمثل الكتاب، إنما نكتبه لنتعاهده". ٢
_________________
(١) ١ تقييد العلم ص: ١٠٠. ٢ ذكره الخطيب من عدة طرق عن الحسن: تقييد العلم ص: ١٠١.
[ ٨١ ]
ج- وعن سعيد بن جبير قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كَفِّي". ١
د- وعن صالح بن كيسان قال: "اجتمعت أنا والزهري - ونحن نطلب العلم - فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنَّه سُّنَّة، فقلت: أنا ليس بسُنَّة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت". ٢
هـ- وعن ابن شهاب الزهرى قال: "لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق نُنْكِرها لا نعرفها، ما كتبت حديثًا ولا أَذِنْتُ في كتابه". ٣
وروى الخطيب من عدة طرق عن معاوية بن قرة قال: "كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علمًا". ٤
٢- تدوينهم للسُّنَّة في الصحف:
انتشرت كتابة الحديث في جيل التابعين على نطاق أوسع مما كان في زمن الصحابة، إذ أصبحت الكتابة ملازمة لحلقات العلم المنتشرة في الأمصار الإسلامية آنذاك.
ولعل من أسباب ذلك التوسع ما يلي:
_________________
(١) ١ ذكره الخطيب من عدة طرق عن سعيد بن جبير: تقييد العلم ص: ١٠٢ –١٠٣ ٢ تقييد العلم ص: ١٠٧، جامع بيان العلم وفضله ١ / ٧٦. ٣ تقييد العلم ص: ١٠٧ – ١٠٨. ٤ المصدر السابق ص: ١٠٩.
[ ٨٢ ]
أ- انتشار الروايات، وطول الأسانيد، وكثرة أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم.
ب- موت كثير من حفَّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين فخِيف بذهابهم أن يذهب كثير من السُّنَّة.
ج- ضعف ملكة الحفظ مع انتشار الكتابة بين الناس وكثرة العلوم المختلفة.
د- ظهور البدع والأهواء وفشوِّ الكذب، فحفاظًا على السُّنَّة وحمايةً لها من أن يدخل فيها ما ليس منها شُرِع في تدوينها.
هـ- زوال كثيرٍ من أسباب الكراهة.
وقد كتب في هذا العصر من الصحف ما يفوق الحصر، وقد ذكر الدكتور مصطفى الأعظمي عددًا كبيرًا منها وذلك في كتابه: "دراسات في الحديث النبوى". ١
وأكتفي هنا بذكر نماذج من تلك الصحف التى كتبت في هذا العصر:
١- صحيفة أو صحف سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس. ٢
٢- صحيفة بشير بن نهيك كتبها عن أبى هريرة وغيره. ٣
_________________
(١) ١ انظر: الفصلين الثاني والثالث من الباب الرابع ١ / ١٤٣ – ٢٢٠. ٢ تقييد العلم ص: ١٠٢ – ١٠٣، سنن الدارمي – باب من رخص في كتابة العلم. ٣ تقييد العلم ص: ١٠١، سنن الدارمي – باب من رخص من كتابة العلم.
[ ٨٣ ]
٣- صحف مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس، قال أبو يحيى الكناسي: "كان مجاهد يصعد بي إلى غرفته فيخرج إليَّ كتبه فأنسخ منها". ١
٤- صحيفة أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي تلميذ جابر بن عبد الله، يروي نسخة عنه وعن غيره أيضًا. ٢
٥- صحيفة زيد بن أبي أُنيسة الرُّهَاوي. ٣
٦- صحيفة أبي قِلابة التي أوصى بها عند موته لأيوب السختياني. ٤
٧- صحيفة أيوب بن أبى تميمة السختياني. ٥
٨- صحيفة هشام بن عروة بن الزبير. ٦
وغير ذلك من الصحف الكثيرة التي رويت عن التابعين، والتي كانت هي الأساس الثاني بعد صحائف الصحابة - ﵃ أجمعين - لما أُلِّف وصُنِّف في القرنين الثانى والثالث.
_________________
(١) ١ تقييد العلم ص: ١٠٥. ٢ انظر: بحوث في تاريخ السنة للدكتور أكرم العمري ص: ٢٣٠، دراسات في الحديث النبوي ١ / ٢٠٣. ٣ يوجد منها ١٦ ق في المكتبة الظاهرية في دمشق: بحوث في تاريخ السنَّة ص: ٢٣٠. ٤ انظر: دراسات في الحديث النبوي ١ / ١٤٤. ٥ يوجد منها ١٥ ق في الظاهرية بدمشق: بحوث في تاريخ السنة ص: ٢٣٠. ٦ يوجد منها ١٦ ق في الظاهرية بدمشق: بحوث في تاريخ السنة ص: ٢٣٠.
[ ٨٤ ]
٣- جهود الإمامين عمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري في تدوين السُّنَّة:
١- جهودهما رحمهما الله تعالى ورضي الله عنهما في نشر السُّنَّة وقمع البدعة - قولًا وفعلًا - أشهر من أن تذكر في هذا المقام، ولتراجع ترجمتيهما في "سير أعلام النبلاء" وغيره.
٢- أخرج البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن دينار قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لايهلك حتى يكون سرًا". ١
٣- وعن ابن شهاب الزهري قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرضٍ له عليها سلطان دفترًا". ٢
٤- روى الدارمي بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه،
_________________
(١) ١ كتاب العلم – باب كيف يقبض العلم. ٢ جامع بيان العلم وفضله ١ / ٧٦.
[ ٨٥ ]
فإنى خفت دروس العلم وذهاب أهله". ١
٥- روى الخطيب بسنده إلى الزهري أنه قال: "لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لانعرفها؛ ما كتبت حديثًا ولا أذنت في كتابه". ٢
٦- قال صالح بن كيسان: "اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سُّنَّة، فقلت أنا: ليس بسُنَّة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت". ٣
٧- أخرج الحافظ ابن عبد البر بسنده إلى الإمام مالك قال: "أول ما دون العلم: ابن شهاب الزهري". ٤
ولعل المراد بهذا التدوين الشامل الذي بدأه فعلًا الزهري بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد سبق أن ذكرنا أن الحافظ الخطيب البغدادي قد حرَّر هذا الموضوع في كتابه "تقييد العلم"، وأثبت بالأدلة أن التدوين قد بدأ من عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة والتابعين ٥ أيضًا، لكن لم يكن ذلك بشمول واستقصاء.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي ١ / ١٠٤ باب من رخص في كتابة العلم، تقييد العلم للخطيب ص: ١٠٦. ٢ تقييد العلم ص: ١٠٧ – ١٠٨. ٣ تقييد العلم ص: ١٠٦ – ١٠٧، جامع بيان العلم ١ / ٧٦ – ٧٧ ٤ جامع بيان العلم ١: ٧٦. ٥ انظر: الفصل الأول من هذا الباب، الفقرة الأولى.
[ ٨٦ ]
الفصل الثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري
نمهيد
الفصل الثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري
يشمل هذا القرن عصر جيلين:
الأول: صغار التابعين إذ تأخرت وفاة بعضهم إلى ما بعد سنة (١٤٠ هـ) وقد سبق الكلام عن أثرهم وجهودهم في التدوين ضمن الكلام عن جهود جيل التابعين كله بمختلف طبقاته.
أما الجيل الثاني: فهم أتباع التابعين الحلقة الثالثة - بعد جيل الصحابة والتابعين - في سلسلة رواة السُّنَّة ونقلة الدِّين إلى الأمَّة، ولقد كان لهذا الجيل أثره الرائد في التصدي لأصحاب البدع والأهواء، ومقاومة الكذب الذى فشى في هذا العصر على أيدي الزنادقة الذين بلغوا ذروة نشاطهم ضد السُّنَّة ورواتها في منتصف هذا القرن، حتى اضطر الخليفة المهدي ﵀ إلى تكليف أحد رجاله بتتُّبع أخبارهم والتضييق عليهم في أوكارهم، فأصبح ذلك الرجل يعرف بصاحب الزنادقة. ١
وقد نشط الأئمة والعلماء من هذا الجيل في خدمة السُّنَّة
_________________
(١) ١ قال الإمام الذهبي في ترجمة المهدي في السير ٧ / ٤٠١: "وكان قصابًا في الزنادقة باحثًا عنهم، وقال في التذكرة ١ / ٢٤٤: "وكثرة محاسنه – المهدي – وتتبعه لاستئصال الزنادقة". وانظر: الفتاوى لابن تيمية ٤ / ٢٠، وانظر قصة قتله للمقنَّع ومن معه من الزنادقة في البداية والنهاية ١٠ / ١٤٥.
[ ٨٧ ]
وعلومها وحمايتها من كل ما يشوبها وعلى أيديهم بدأ التدوين الشامل المبوَّب المرتَّب، بعد أن كان من قبلهم يجمع الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس بشكل محدود وكيفما اتفق بدون تبويب ولا ترتيب. ١
كما نشأ وتفتَّق على أيديهم علم الرجال، بعد أن كان السؤال عن الإسناد قد بدأ في أواخر عصر الصحابة وكبار التابعين.
وكما كان لهذا الجيل الريادة في ابتداء التدوين المرتَّب على الأبواب والفصول، كذلك كانت له الريادة في ابتداء التصنيف في علم الرجال، حيث أَلَّف في تاريخ الرجال كل من: الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ)، وابن المبارك (ت ١٨١ هـ)، وضمرة بن ربيعة (ت ٢٠٢ هـ)، والفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ) وغيرهم.
ويعتبر هذا الجيل جيل التأسيس لعلوم السُّنَّة المطهَّرة ولا غروَّ، ففيه عاش جهابذة رجال السُّنَّة أمثال الأئمة: مالك، والشافعى والثوري، والأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وابراهيم الفزاري، وابن عيينة، والقطان، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم كثير. ٢
_________________
(١) ١ قال الحافظ الذهبي في التذكرة ١ / ١٦٠ بعد ذكره ظهور البدع والأهواء وانتشارها في هذا العصر: "وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذَّروا من بدعهم، وشرع الكبار في تدوين السنن وتأليف الفروع وتصنيف العربية، ثم كثر ذلك في أيام الرشيد، وكثرت التصانيف، وألفوا في اللغات، وأخذ حفظ العلماء ينقص، ودوِّنت الكتب واتَّكلوا عليها، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور فهي كانت خزائن العلم لهم ﵃. ٢ المزيد من المعلومات عن جهود هذا الجيل في خدمة السنة، يراجع: الجرح والتعديل ١ / ٩ – ١١، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي ص: ١٧١.
[ ٨٨ ]
وسأوجز الكلام عن التدوين في هذا القرن في ثلاث فقرات هي:
أولا: تطور التدوين في هذا القرن عما سبق
ثانيا: ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن
ثالثا: دراسة موجزة عن نموذج مما دون في هذا القرن
[ ٨٩ ]
أولًا: تطور التدوين في هذا القرن عما سبق:
أ- ظهور التفريق بين التدوين الذي هو مجرد الجمع وبين التصنيف الذي هو الترتيب والتبويب والتمييز في المصنفات في هذا القرن.
ب- أن هذه المصنفات المدونة في هذا العصر قد جمعت إلى جانب أحاديث الرسول ﷺ أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، بعد أن كانت تتناقل مشافهة وكانت الصحف فيما مضى تقتصر على الأحاديث النبوية فقط.
ج- طريقة التدوين في مصنفات هذا القرن هي: جمع الأحاديث المتناسبة في باب واحد ثم يجمع جملة من الأبواب أو الكتب في مصنف واحد، بينما كان التدوين في القرن الماضي مجرد جمع الأحاديث في الصحف بدون ترتيب أو تمييز. ١
د- إن مادة المصنَّفات في هذا القرن قد جمعت من الصحف والكراريس التي دونت في عصر الصحابة والتابعين، ومما نقل مشافهة من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين. ٢
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر تدريب الراوي ١ / ٨٨ –٨٩: "وهذا بالنسبة إلى الجمع بالأبواب، أما جمع حديثٍ إلى مثله في بابٍ واحدٍ فقد كان سبق إليه الشعبي، فإنه روي عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، وساق فيه أحاديث".المحدث الفاصل ص: ٦٠٩، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب ٢ / ٢٨٥. وقال الخطيب: "ولم يكن العلم مدونًا أصنافًا ولا مؤلفًا كتبًا وأبوابًا في زمن المتقدمين من الصحابة والتابعين، وإنما فعل ذلك من بعدهم، ثم حذا المتأخرون حذوهم".الجامع ٢ / ٢٨١ ٢ بحوث في تاريخ السنة المشرَّفة ص: ٢٣٤، الحديث والمحدِّثون ص: ٢٤٤.
[ ٨٩ ]
وقد حملت مصنفات علماء القرن الثاني عناوين: موطأ – مصنف – جامع - سنن، وبعضها كان بعناوين خاصة مثل: الجهاد – الزهد - المغازي والسير.
[ ٩٠ ]
ثانيًا: ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن: ١
١- أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة.
٢- محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي (ت ١٥١ هـ) بالمدينة.
٣- معمر بن راشد البصري ثم الصنعاني (ت ١٥٣ هـ) باليمن.
٤- سعيد بن أبى عروبة (ت ١٥٦ هـ) بالبصرة.
٥- أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٦ هـ) بالشام.
٦- محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت ١٥٨ هـ) بالمدينة.
٧- الربيع بن صُبيح البصري (ت ١٦٠ هـ) بالبصرة.
٨- شعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ) بالبصرة.
٩- أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) بالكوفة.
١٠- الليث بن سعد الفهمي (ت ١٧٥ هـ) بمصر.
١١- أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار (ت ١٧٦ هـ) بالبصرة.
١٢- الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بالمدينة.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة فتح الباري المسماة "هدي الساري" الفصل الأول، الرسالة المستطرفة ص: ٦ – ٩، بحوث في تاريخ السنة ص: ٢٣٢، الحديث المحدثون ص: ٢٤٤.
[ ٩٠ ]
١٣- عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) بخراسان.
١٤- جرير بن عبد الحميد الضبي (ت ١٨٨ هـ) بالري.
١٥- عبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ) بمصر.
١٦- سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) بمكة.
١٧- وكيع بن الجراح الرؤاسي (ت ١٩٧ هـ) بالكوفة.
١٨- أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) بمصر.
١٩- عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) بصنعاء.
[ ٩١ ]
ثالثًا: دراسة موجزة عن نموذج مما دون في هذا القرن:
النموذج هو: موطأ الإمام مالك.
المؤلف: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة بل إمام المسلمين في زمانه، قال الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه الأمَّة شيخ الإسلام". ١
لماذا سمي كتابه بالموطأ
سمي بذلك لأمرين:
١- لأنه وطَّأ به الحديث أي يسره للناس.
٢- لمواطأة علماء المدينة له فيه وموافقتهم عليه.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ١ / ٢٠٧.
[ ٩١ ]
قال الإمام مالك: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته: الموطأ". ١
موضوعه:
اشتمل على أحاديث الرسول ﷺ وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وقد انتقاه من مائة ألف حديث كان يرويها ٢.
عدد أحاديثه:
يبلغ عدد أحاديث "الموطأ" - رواية يحيى بن يحي الأندلسي عنه – (٨٥٣) حديثًا ٣.
ويقول أبو بكر الأبهري جملة ما في "الموطأ" من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين (١٧٢٠) حديثًا، المسند منها (٦٠٠)، والمرسل (٢٢٢)، والموقوف (٦١٣)، ومن قول التابعين (٢٨٥) . ٤
وقد يختلف عددها لتباين روايات "الموطأ" عن الإمام مالك؛ ولأنه كان دائم التهذيب والتنقيح لموطأه، إذ مكث في تصنيفه وتهذيبه أربعين عامًا.
مرتبة أحاديثه:
قال الإمام الشافعي: "أصح كتاب بعد كتاب الله "موطأ الإمام
_________________
(١) ١ تنوير الحوالك للسيوطي ص: ٧. ٢ المصدر السابق ص: ٨. ٣ تجريد التمهيد لابن عبد البر ص: ٢٥٨. ٤ تنوير الحوالك للسيوطي ص: ٨.
[ ٩٢ ]
مالك". ١
ولا تعارض بين هذا القول وبين ما اتفق عليه العلماء من أن أصح كتاب بعد كتاب الله "صحيحا البخارى ومسلم"، وذلك لأمور:
١- أن كلام الإمام الشافعى كان قبل وجود "الصحيحين" حيث توفي - ﵀ - سنة (٢٠٤ هـ) وعمر الإمام البخاري آنذاك لا يتجاوز عشر سنوات، وكان مولد الإمام مسلم سنة (٢٠٤ هـ) .
٢- أن جلّ ما فيه مخرج فيهما، وما بقي منه في "السنن" الأربعة.
وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في "الموطأ" صحيح جمعٌ من الأئمة في المشرق والمغرب، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بن الصلاح وابن ححر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث.
لكن الراجح لدى الجمهور أن مرتبة "الموطأ" تأتي بعد "الصحيحين" والله تعالى أعلم.
وقد عده بعض العلماء سادس الكتب الستة، منهم رزين ابن معاوية السرقسطي (ت ٥٣٥ هـ) في كتابه "الجمع بين الكتب الستة"، والمجد ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) في كتابه "جامع الأصول".
_________________
(١) ١ علوم الحديث لابن الصلاح ص: ١٤.
[ ٩٣ ]
من أهم شروح الموطأ:
١- الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار. مطبوع
٢- والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، كلاهما لابن
عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) وقد طبع في المغرب في ٢٤ مجلدًا.
[ ٩٤ ]