تمهيد في بيان جهود علماء السنة إجمالا
الباب الرابع: التدوين في القرنين الرابع والخامس
سبق القول بأن القرن الثالث الهجرى يُعَدُّ العصر الذهبي لتدوين العلوم الإسلامية عامة، وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة وقد فُصِّل الكلام في ذلك في الباب الثالث.
وتابع علماء السُّنَّة في القرن الرابع من سبقهم في خدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها، فكان منهم من نسج على منوال الصحيحين في تخريج الأحاديث الصحيحة من ذلك مثلًا:
١- صحيح ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) .
٢- صحيح ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) .
٣- صحيح ابن السكن (ت ٣٥٣ هـ) .
٤- مستدرك الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) وغيرها.
ومنهم من نهج منهج أصحاب السنن في الاقتصار على أحاديث السنن والأحكام، مع اشتمالها على الصحيح وغيره، وذلك مثل:
١- منتقى ابن الجارود (ت ٣٠٧ هـ) .
٢- سنن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) .
[ ١٤٦ ]
٣- سنن البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) وهو متأخر وفاةً لكن يمكن عده في القرن الرابع تجوزًا لتقارب كتب السنن، كذلك نجد من اعتنى في هذا القرن بالتأليف في مختلف الحديث ومشكله، كما في كتابي الطحاوي (ت ٣٢١ هـ):
١- شرح معاني الآثار.
٢- ومشكل الآثار، وغيرهما.
وذلك تتميمًا – وتكميلًا - لما بدأه الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في كتابه "اختلاف الحديث"، والحافظ ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه "تأويل مختلف الحديث" وغيرهما مما ألف في ذلك النوع في القرن الثالث.
كما ظهر - ولأول مرة - نوعان من المصنفات في هذا القرن، وهذا يُعَدُّ من التجديد في مجال خدمة السُّنَّة، وهذه ميزة أخرى لأهل السُّنَّة، أنهم في كل عصرٍ يُعمِلون تفكيرهم ويبذلون جهدهم في ابتكار طرق ووسائل جديدة لخدمة سُّنَّة المصطفى ﷺ، فلم يجمدوا كما جمد غيرهم من أهل العلوم الإسلامية الأخرى.
وهذان النوعان من المصنفات هما:
أولًا: كتب المصطلح - علوم الحديث - التي جمعت تلك القواعد التي كانت متفرقة في كتب من سبقهم من علماء القرنين الثاني والثالث مثل: "الرسالة" للشافعي، ومقدمة "صحيح مسلم" وكتابه "التمييز"، وكتب الرجال والعلل، فقيض الله ﷿ من
[ ١٤٧ ]
جمعها وسهلها على طلبة العلم.
ويعد المحدث الفاصل لأبى محمد الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) أول مؤلَّف في ذلك، ثم تبعه أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) بتأليف كتابه "معرفة علوم الحديث"، ثم استخرج عليه تلميذه أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ثم تتابع التأليف في المصطلح بعد ذلك.
ثانيًا: كتب المستخرجات، وسيأتي الكلام عنها قريبًا بإذن الله.
وهناك أنواع أخرى من المصنفات في مجال تدوين السُّنَّة في هذا القرن مثل معاجم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) و"العلل" للدارقطني الذي رتبه على مسانيد الصحابة، وغيرها.
أما في القرن الخامس الهجري، فقد سلك علماء السُّنَّة طرقًا أخرى ومجالات جديدة لتدوين السُّنَّة وحفظها وجمعها، حيث ظهرت في هذا القرن النواة الأولى للموسوعات الحديثة ومن ذلك:
١- كتب الجمع بين الصحيحين.
٢- وكتب الجمع بين الستة وغير ذلك، وسيأتي لذلك مزيد تفصيل بإذن الله.
[ ١٤٨ ]
الفصل الأول: التدوين في القرن الرابع الهجري
أولا: دراسة موجزة لنماذج مختارة من كتب السنة المدونة في القرن الرابع
الفصل الأول: التدوين في القرن الرابع الهجري
أولًا: هذه دراسة موجزة لنماذج مختارة من كتب السُّنَّة المدونة في القرن الرابع:
١- صحيح الإمام ابن خربمة:
المؤلِّف:
أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة النيسابورى الحافظ إمام الأئمة، شيخ الاسلام صاحب المصنفات الكثيرة، ولد سنة (٢٢٣ هـ)، وتوفي سنة (ت ٣١١ هـ) . ١
تسمية كتابه:
اشتهر بين الناس باسم: صحيح ابن خزيمة، وقد ذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي- محقق الجزء الموجود من ابن خزيمة - أن اسمه كما وضعه مؤلفه: مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ، وأنه مختصر من كتابه "المسند الصحيح". ٢
وقال الحافظ ابن حجر: وسمَّى ابن خزيمة كتابه: "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطعٍ في السند، ولا جرحٍ في النقلة". ٣
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢ / ٧٢٠ ٧٣٠، سير أعلام النبلاء ١٤ / ٣٦٥ – ٣٨٢. ٢ انظر: مقدمة صحيح ابن خزيمة ١/١٦ – ١٧ بقلم المحقق. ٣ النكت ١ / ٢٩١.
[ ١٤٩ ]
شرطه في كتابه:
اشترط ابن خزيمة - ﵀ - في هذا الكتاب ألا يُخرِّج إلا الحديث الصحيح، وقد نص على ذلك في عنوان كتابه حيث قال: "مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه ﷺ من غير قطعٍ في أثناء الإسناد، ولا جرحٍ في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". ١
منهجه في الصحيح:
أ- رتبه على الكتب والأبواب فبدأه بكتاب الوضوء ثم كتاب
الصلاة. وهكذا.
ثم يورد تحت كل كتاب مجموعة من الأبواب، يقول: باب كذا وتارة يقول: أبواب كذا.
ب- يورد الأحاديث مسندة منه إلى رسول الله ﷺ، وإذا كان للحديث أكثر من طريق يذكرها. ٢
ج- يعقب على الحديث – غالبًا - بالكلام على سنده ومتنه، ويعتني بضبط الألفاظ ومخالفة كل راوٍ للآخر في لفظه، وغالبًا ما يبدأ كلامه بقوله: قال أبو بكر: ٣
_________________
(١) ١ انظر: صحيح ابن خزيمة ١ / ٣ ابتداء كتاب الوضوء. ٢ انظر: كتاب الوضوء من صحيح ابن خزيمة ١ / ٦ ح ٥ – ٦ و١ / ١٠ ح ١٣ – ١٤. ٣ انظر مثلًا: كتاب الوضوء ١ / ١١ ح ١٥ – ١٦.
[ ١٥٠ ]
د- كثيرًا ما يذكر الراجح عنده في المسألة في تراجم الأبواب
على طريقة فقهاء المحدثين كالبخاري وأبى داود وغيرهما. ١
مكانة صحيح ابن خزيمة من كتب السُّنَّة:
قال الحافظ ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الصحيحين يتلقَّاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة ويكفى كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة ٢
وقال الحافظ السيوطى: "صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحرِّيه، حيث إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول مثلا: باب كراهة كذا إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا". ٣
وقال الإمام الذهي: "وقد كان هذا الإمام جهبذًا بصيرًا بالرجال"، ثم ذكر عنه أنه قال: "لست أحتج بشهر بن حوشب، ولا بحُرَيز بن عثمان، ولا بعبد الله بن عمرو، ولا ببقية، ولا بمقاتل بن حيان"، ثم سمَّى خلقًا من الرواة الذين حصل في الاحتجاج بروايتهم خلافٌ بين الأئمة مما يدل على شدة تحري ابن خزيمة وتوقيه في الرواية
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: كتاب الوضوء ١ / ١٨. ٢ أبو عمر ابن الصلاح علوم الحديث ص: ١٧. ٣ جلال الدين لسيوطي: تدريب الراوي ١ / ١٠٩، وانظر الأمثلة على ما ذكره السيوطي من تحري ابن خزيمة في صحيحه ١ / ٧٥، ٢٢٨، ٢
[ ١٥١ ]
في صحيحه ﵀. ١
عناية العلماء بصحيح ابن خربمة:
اعتنى العلماء بصحيح ابن خزيمة روايةً وإسماعًا ونسخًا، وممن اعتنى به من المتأخرين:
١- الحافظ سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث اختصر "تهذيب الكمال" للمزي مع التذييل عليه برجال ستة كتب هى: المسند للإمام أحمد، صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، السنن للدارقطني، السنن الكبرى للبيهقي، وسمَّاه: "إكمال تهذيب الكمال".
٢- والحافظ ابن حجر العسقلانى (ت ٨٥٢ هـ) حيث صنف كتاب "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" ٢، وهي: موطأ الإمام مالك، ومسند الشافعي، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمى، وصحيح ابن خزيمة، والمنتقى لابن الجارود، وصحيح ابن حبان، والمستخرج لأبى عوانة، والمستدرك للحاكم، وشرح معانى الآثار للطحاوي، والسنن للدار قطني.
قال الحافظ: "وإنما زاد العدد واحدًا لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه". ٣
_________________
(١) ١ أبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٤ / ٣٧٣. ٢ طبع في مركز خدمة السنة والسيرة النبوية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. ٣ انظر: مقدمة صحيح ابن خزيمة لمحققه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي ١ / ٢٢ – ٢٣.
[ ١٥٢ ]
٢- صحيح ابن حبان ١:
المؤلف:
الإمام العلامة الحافظ شيخ خراسان أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي صاحب الكتب الشضهورة والمصنفات الغزيرة، ولد سنة بضع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة (٣٥٤ هـ) . ٢
تسمية صحيح ابن حبان:
اشتهر بين العلماء باسم صحيح ابن حبان، واسمه كما ذكره المؤلِّف في مقدمته: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْعٍ في سندها، ولا ثبوت جرحٍ قي ناقليها". ٣
شرط ابن حبان في صحيحه:
قال ﵀ في مقدمته: "وأما شرطنا في نقلة ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجّ فيه إلا بحديثٍ اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:
١- العدالة في الدين بالستر الجميل.
٢- الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
٣- العقل بما يحدِّث من الحديث.
٤- العلم بما يحيل من معاني ما يروي.
_________________
(١) ١ طبع ترتيبه لابن بلبان الفارسي في ثمانية عشر مجلدًا مع فهارسه بتحقيق الأستاذ شعيب الأرناؤوط، وهي أجود طبعة لهذا الكتاب فيما أعلم. ٢ انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٢٠ – ٩٢٤، سير أعلام النبلاء ١٦ / ٩٢. ٣ انظر: مقدمة محقق صحيح ابن حبان: شعيب الأرناؤوط ١ / ٣٢ – ٣٣
[ ١٥٣ ]
٥- المتعري خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به". ١
سبب تأليف ابن حبان لصحيحه:
قال في مقدمته:
١- وإنى لما رأيت الأخبار طرقها كثرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قَلَّتْ لاشتغالهم بكتب الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبر الصحيح مهجورًا لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزًا يُستغرب.
٢- وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين وتكلم عليها من أهل الفقه والدين أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار قصدًا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفَّاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب. ٢
ثم قال ﵀: "فتدبرت الصحاح لأسهِّل حفظها على المتعلِّمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين".
منهج ابن حبان في صحيحه:
وقال ﵀ في بيان منهجه: "..فتد برت الصحاح لأسهل حفظها على المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية:
_________________
(١) ١ الحافظ ابن حبان: مقدمة الصحيح ١ / ١٣٩ – ١٤١. ٢ المصدر نفسه ١ / ٨٦ – ٨٧.
[ ١٥٤ ]
فأولها: الأوامر التي أمر الله عباده بها (وهي تدور على مائة نوع وعشرة أنواع) .
والثاني: النواهى التي نهى الله عباده عنها (وهي تدور على مائة نوع وعشرة أنواع) .
والثالث: إخباره عما احتيج إلى معرفتها (وتدور على ثمانين نوعًا) .
والرابع: الإباحات التي أبيح ارتكابها (وتدور على خمسين نوعًا) .
والخامس: أفعال النبي ﷺ التي انفرد بفعلها (وتدور على خمسين نوعًا) .
ثم قال: "فجميع أنواع السنن أربع مائة نوع على حسب ما ذكر ناها".اه ملخَّصًا ١
وقال في آخر الكتاب: "فهذا آخر أنواع السنن، قد فصلناها على حسب ما أصَّلنا الكتاب عليه من تقاسيمها، وليس في الأنواع التي ذكرناها من أول الكتاب إلى آخره نوع يستقصى، لأنَّا لو ذكرنا كل نوع بما فيه من السنن، لصار الكتاب أكثره معادًا"، إلى أن قال: "وكشفنا عما أُشكل من ألفاظها، وفصلنا عما يجب أن يوقف
_________________
(١) ١ انظر: تفصيل هذه الأقسام والأنواع في الفصل الثاني من مقدمة علاء الدين علي بن بلبان الفارسي لترتيبه لصحيح ابن حبان ١ / ١٠٤ – ١٣٧.
[ ١٥٥ ]
على معانيها على حسب ما سهل الله ويسره وله الحمد على ذلك". ١
أما طريقة ترتيبه فقد وصفها السيوطي بقوله: "صحيح ابن حبان ترتيبه مَخْتَرَعٌ ليس على الأبواب، وليس على المسانيد، ولهذا سمَّاه: التقاسيم والأنواع". ٢
ويعتبر صحيح ابن حبان موسوعة كبيرة في الفقه على طريقة أهل الحديث، حيث توَّج كل حديثٍ بعنوانٍ يتضمن المعنى الذي استنبطه من نص الحديث الذي يدرجه تحته، ثم يعقب على كثير من الأحاديث بتعليقات نفيسة، بعضها في الكلام على الرجال وبعضها تفسير دقيق للمعنى، وبعضها في رفع الإشكال المتوهم في الخبر، أو التعارض بين خبر وآخر، وغير ذلك من النفائس والطرائف.
ثناء العلماء على صحيح ابن حبان:
١- قال الأمير علاء الدين الفارسي (ت ٧٣٩ هـ) الذي رتب صحيح ابن حبان على أبواب الفقه: "إنه من أجمع المصنفات في الأخبار النبوية، وأنفع المؤلفات في الآثار المحمدية". ٣
٢- وقال السخاوي: "قال الحازمى: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وقال ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة، وهما خيرٌ من "المستدرك" بكثير وأنظف أسانيدًا ومتونًا". ٤
_________________
(١) ١ أبو حاتم ابن حبان: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ١ / ١٥٤. ٢ السيوطي: تدريب الراوي ١ / ١٠٩. ٣ انظر: صحيح ابن حبان ١ / ٧٩. ٤ شمس الدين السخاوي: فتح المغيث ١ / ٣٣.
[ ١٥٦ ]
٣- وقال الشيخ أحمد بن محمد بن شاكر - في مقدمة الجزء الذي حققه من صحيح ابن حبان -: "صحيح ابن حبان كتاب نفيس جليل القدر، وعظيم الفائدة، حرره مؤلفه أدق تحرير، وجوَّده أحسن تجويد، وحقق أسانيده ورجاله، وعلل ما احتاج إلى تعليل من نصوص الأحاديث وأسانيدها، وتوثق من صحة كل حديث اختاره على شرطه، وما أظنه أخلَّ بشيء مما التزم إلا ما يخطيء فيه البشر وما لا يخلو منه محقق".
آراء العلماء في منهج ابن حبان في الصحيح:
١- قال أبو عمرو بن الصلاح - عن مستدرك الحاكم -: "وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به، ويقاربه في حكمه صحيح ابن حبان البستي رحمهما الله جميعًا. ١
٢- وقال الحافظ السخاوي: "قوله – أي العراقي -: "يدانى الحاكم أي يقاربه في التساهل، وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضًا لأنه غير متقيد بالمعدَّلين، بل ربما يخرج للمجهولين، لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح مع أن شيخنا - ابن حجر - قد نازع في نسبته للتساهل إلا من هذه الحيثية". ٢
٣- وقال الحافظ ابن حجر: "حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علةٌ قادحةٌ". ٣
٤- وقال السيوطي: "قيل: وما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح، فإن غايته أنه يسمى الحسن صحيحًا، فإن كانت نسبته إلى
_________________
(١) ١ أبو عمرو ابن الصلاح: علوم الحديث ص: ١٨. ٢ السخاوي: فتح المغيث ١ / ٣٣. ٣ النكت ١ / ٢٩١.
[ ١٥٧ ]
التساهل باعتبار وجدان الحسن في كتابه، فهى مشاحَّة في الإصطلاح، وإن كانت في اعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديلٌ وكان كلٌّ من شيخه والراوي عنه ثقة.
وفي كتابه "الثقات" كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه فإنه لا مشاحَّة في ذلك". ١
عناية العلماء بصحيح ابن حبان:
لم أقف على من اعتنى بصحيح ابن حبان قبل القرن الثامن فيما أعلم، ولعل عسر ترتيب الكتاب وصعوبة الكشف فيه كان سببًا رئيسًا في هجر العلماء له، والله تعالى أعلم.
١- وأول من علمته أنه اعتنى بابن حبان هو الأمير علاء الدين
علي بن بلبان الفارسي (ت ٧٣٩ هـ) – ﵀ – حيث قام بترتيبه على الكتب والأبواب، ليسهل على طلبة العلم الانتفاع به، فجزاه الله عن العلم وأهله خيرًا.
٢- ترجم لرجال ابن حبان في صحيحه الحافظ أبو يعلى سراج
الدين عمر بن على بن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه "إكمال تهذيب الكمال" حيث ذيل على كتاب المزِّيِّ برجال ستة كتب منها "صحيح ابن حبان"، وقد سبق ذكر هذه الستة في الكلام عن "صحيح ابن
_________________
(١) ١ السيوطي: تدريب الراوي ١ / ١٠٨.
[ ١٥٨ ]
خزيمة" فراجعه هناك.
٣- قام الحافظ أبو بكر نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) بإخراج زوائد "صحيح ابن حبان" على الصحيحين في كتاب سمَّاه "موارد الظمآن إلى زوائد صحيح ابن حبان" وهو مطبوع.
٤- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" الذي مر ذكره عند الكلام عن عناية العلماء ب "صحيح ابن خزيمة".
[ ١٥٩ ]
٣- المستدرك لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري:
المؤلف:
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الحافظ الناقد، المعروف بابن البيع الحاكم النيسابوري صاحب التصانيف، ولد سنة (٣٢١ هـ)، وتوفي سنة (٤٠٥ هـ) .
تسمية كتابه:
المستدرك على الصحيحين.
شرط المؤلف ومنهجه في كتابه:
قال - ﵀ - في مقدمته: "وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن حجاج بمثلها - إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له - فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما"، ثم قال: "وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان ﵄، أو أحدهما". ١
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: "واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين، وقد أخرجا عن رواته في كتابيهما أو على شرط البخاري وحده، أو شرط مسلم وحده، أو ما أدى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما". ٢
_________________
(١) ١ أبو عبد الله الحاكم: مقدمة المستدرك ١ / ٢ – ٣. ٢ أبو عمرو بن الصلاح: علوم الحديث ص: ١٨.
[ ١٦٠ ]
آراء العلماء في المستدرك ومنهج الحاكم فيه:
قال ابن الصلاح: "وهو – أي الحاكم - متساهل في التصحيح، واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول: ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علَّة توجب ضعفه". ١
وقال الحافظ زين الدين العراقى - تعليقًا على كلام ابن الصلاح -: "قوله: وقد اعتنى الحاكم..إلى آخره فيه أمران:
أحدهما: أن قوله: أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين ليس كذلك، فقد أودعه أحاديث في الصحيح وهمًا منه في ذلك، وهى كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: لا تكتبوا عني سوى القرآن الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب الزهد وقد بيَّن الحافظ الذهبي في "مختصر المستدرك" كثيرًا من الأحاديث التي أخرجها في "المستدرك" وهي في الصحيح.
الثاني: أن قوله: مما رواه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، فيه بيان أن ما هو على شرطهما هو ما أخرجا عن رواته في كتابيهما، ولم يرد الحاكم ذلك فقوله بمثلها أي بمثل رواتها لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وفيه نظر". ٢
_________________
(١) ١ أبو عمرو ابن الصلاح: علوم الحديث ص:١٨. ٢ الحافظ العراقي: التقييد والإيضاح ص: ١٧ – ١٨.
[ ١٦١ ]
قال الحافظ ابن حجر - معلقًا على شيخه العراقي -: "لكن تصرف الحاكم يقوي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا - رحمه الله تعالى - فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا - أو أحدهما - لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الاسناد حسب، يوضح ذلك قوله - في باب التوبة - لما أورد حديث أبي عثمان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لحكمت بالحديث على شرط الشيخين.
فدل هذا على أنه إذا لم يُخْرِّجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان فيصحِّح على شرطهما بعض مالم يخرجا لبعض رواته، فيحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض، والله أعلم". ١
آراء العلماء في أحاديث المستدرك:
١- قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: "عن المظفر بن حمزة قال: سمعت أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب "المستدرك" على الشيخين الذي صنَّفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أر فيه حديثًا على شرطهما". ٢
_________________
(١) ١ أبو الفضل ابن حجر: النكت ١ / ٣٢٠ – ٣٢١. ٢ أبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٧٥ – ١٧٦.
[ ١٦٢ ]
٢- قال الذهبي - تعليقًا على كلام الماليني: "هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في "المستدرك" شيءٌ كثير على شرطهما، وشيءٌ كثيرٌ على شرط أحدهما، بل لعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها عللٌ خفيَّةٌ مؤثِّرةٌ، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيِّد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب كنت قد أفردت منها جزءًا، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوزه عملًا وتحريرًا". ١
٣- وقال الحافظ ابن حجر - تعقيبًا على كلام الذهبي -: "وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين، فنقول: ينقسم المستدرك أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه:
القسم الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجًا برواته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالمًا من العلل.
واحترزنا بقولنا: على صورة الإجتماع، عما احتجا برواته على صورة الإنفراد، كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما على الإنفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهرى؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه.
وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج
_________________
(١) ١ المصدر السابق.
[ ١٦٣ ]
بآخر منه، كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلًا عن سماك ابن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
واحترزتُ بقولي: أن يكون سالما من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيه من وُصِف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذلك لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه بأنه على شرطهما وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو شرط أحدهما.
ولا يوجد حديث في "المستدرك" بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل كما قدمناه، نعم فيه جملة مستكثرة بهذه الشروط لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما، استدركها الحاكم واهمًا في
[ ١٦٤ ]
ذلك ظانًا أنهما لم يخرجاها. ١
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعليق أو مقرونًا بغيره، ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجلٍ وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مالم يتفرد به، فلا يحسن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرَّج بعضها إلا بعد أن تبيَّن أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما.
وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم أنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك" زاعمًا أنها على شرطهما، ولا شك في نزول أحاديثهم عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن.
والحاكم وإن كان لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحًا تبعًا لمشايخه كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما، وهذا القسم هو عمدة الكتاب.
_________________
(١) ١ ابن حجر: النكت على ابن الصلاح ١ / ٣١٤ – ٣١٦.
[ ١٦٥ ]
القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرحا له لا في الاحتجاج
ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خَلْقٍ ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما، ربما ادعى ذلك على سبيل الوهم، وكثير منها يعلق القول بصحَّتها على سلامتها من بعض رواتها، كالحديث الذى أخرجه من طريق الليث، عن إسحاق بن بزرج - بالموحدة بعدها زاي ثم راء فجيم - عن الحسن بن علي (في التزين للعيد) قال في إثره: لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته، وكثيرًا منها لا يتعرض للكلام عليه أصلًا، من هنا دخلت الآفة كثيرًا فيما صححه، وقلَّ أن تجد في هذا القسم حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح فضلًا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين، والله أعلم". ١
اعتذار العلماء عن الحاكم في تساهله وغفلته:
قال الحافظ ابن حجر: "إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سوَّد الكتاب لينقِّحه، فعاجلته المنيَّة ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه"، قال: "وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك": إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"، قال: "وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة، والتساهل في القدر المملى
_________________
(١) ١ ابن حجر العسقلاني: النكت على ابن الصلاح ١ / ٣١٦ – ٣١٨.
[ ١٦٦ ]
قليلٌ بالنسبة لما بعده". ١
وقال طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي: "ويقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد اعترته غفلة، وكان ميلاده في سنة (٣٢١ هـ) ووفاته في سنة (٤٠٥ هـ) فيكون عمره أربعًا وثمانين سنة". ٢
عناية العلماء بمستدرك الحاكم:
١- اعتنى به العلماء رواية وسماعًا كغيره من كتب الحديث المسندة، كذلك اعتنو بدراسة منهجه فيه.
٢- لخصه الإمام أبوعبد الله الذهبي في كتابه "تلخيص المستدرك" مع تعقبه في أحكامه على الأحاديث.
٣- ألَّف أبو عبد الله الذهبي أيضًا جزءًا في الأحاديث المناكير والواهيات والموضوعات التي في "المستدرك".
٤- ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن ضمن كتابه "إكمال تهذيب الكمال".
٥- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة".
٦- وللحافظ ابن الملقن تلخيصٌ للمستدرك، طبع في سبع مجلدات.
_________________
(١) ١ طاهر بن صالح الجزائري: توجيه النظر ص: ١٣٨. ٢ المصدر السابق.
[ ١٦٧ ]
٤- شرح مشكل الآثار ١ لأبي جعفر الطحاوي:
المؤلف:
الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة ابن سلمة الأزدى المصري الطحاوي، صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة (٢٣٩ هـ) وتوفي ﵀ سنة (٣٢١ هـ) . ٢
موضوع الكتاب وسبب تأليفه:
أوضح ذلك المؤلف في مقدمته - ﵀ - فقال: "وإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها والعلم بها عن أكثر الناس فمال قلبي إلى تأملها وتبيين ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله - ﷿ - لي من ذلك، حتى أبيِّن ما قدرت عليه منها، كذلك ملتمسًا ثواب الله - ﷿ - عليها، والله أسأله التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم، وهو حسبي ونعم الوكيل". ٣
_________________
(١) ١ طبع قريبًا من نصف الكتاب في الهند في أربع مجلدات، ثم طبع في بيروت المجلَّد الأول منه بتحقيق شعيب الأرناؤوط، وذكر في مقدمته أنه حقَّقه على نسخة كاملة وسيخرج في ثمان مجلدات، ثم طبع عام ١٤١٥ هـ في ستة عشر مجلدًا. ٢ انظر تفصيل ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٧ – ٣٣. ٣ الطحاوي: مشكل الآثار ١ / ٦.
[ ١٦٨ ]
منهج الطحاوي في كتابه:
لم يرتِّب المؤلف - ﵀ - كتابه على طريقة معينة، بل يورد الأبواب كما اتفقت له، فنجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الكتاب إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام. والطريقة التي اتبعها المؤلف في كتابه هذا هي أنه يدرج تحت كل باب حديثين ظاهرهما التعارض مما يتضمنهما العنوان الذي وضعه لهما، فيورد أسانيدهما ويسرد طرقهما وألفاظهما، ثم يبسط القول في مواضع الخلاف فيهما، ثم يتناولهما بالشرح والبيان والتحليل حتى تأتلف معانيهما وينتفى عنهما الاختلاف ويزول التعارض، وقد اشترط في التوفيق بين الحدثين المتعارضين أن يكون كل منهما في مرتبة واحدة من الصحة والسلامة، فإذا كان أحدهما ضعيفًا اطَّرحه وأخذ بالقوي، لأن القوي لا يؤثر فيه معارضة الضعيف. أما إذا كانا في مرتبة واحدة من الصحة والسلامة، فهو لا يألوا جهدًا في البحث عن معنى يوفق بينهما ويزيل تعارضهما، وإذا تضادَّا ولا سبيل إلى الجمع بينهما؛ فإن علم تاريخ كل واحد منهما حكم على المتقدم بالنسخ وصار إلى الناسخ المتأخر، وإذا جهل تاريخهما، فإنه يلجأ إلى ترجيح أحدهما بما يٌعتَدُّ به من وجوه الترجيح وهي كثيرة، بسطها المؤلف في أكثر من موضع في كتابه هذا. ١
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة تحقيق مشكل الآثار بقلم شعيب الأرناؤوط ١ / ٣ – ٤ ومن الأمثلة على ذلك: ١ / ٨٢ – ٨٣ باب بيان مشكل ما روي عنه ﷺ في الأعداد من الزمان التي لو وقفها من مرَّ بين يدي المصلي كانت خيرًا له ١ / ٨٥ – ٩١ باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم".
[ ١٦٩ ]
عناية العلماء بهذا الكتاب:
١- اختصره الحافظ الفقيه القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٧٤ هـ) الأندلسي اختصارًا بديعًا ضمَّ كل ما فيه إلى نوعه، وألحق كل شكل منه بشكله، ورتبه ترتيبًا حسنًا، حذف الأسانيد واختصر الطرق واختصر بعض ألفاظ المصنِّف التي عقب بها على الأحاديث من غير أن يخلَّ بشيءٍ من معانيه وفقهه ليسهل على طالب العلم حفظه وييسر عليه فهمه وفقهه.
٢- وقد اختصر هذا المختصر القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي وسمَّاه: "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار". ١
_________________
(١) ١ مقدمة المعتصر من المختصر ١ / ٣ ط: حيدر آباد، عام١٣٦٢ هـ.
[ ١٧٠ ]
٥- المعجم الكبير للطبراني: ١
المؤلف:
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، المولود سنة (٢٦٠ هـ) والمتوفى سنة (٣٦٠ هـ) صاحب المصنفات الكثيرة المشهورة. ٢
موضوع الكتاب:
جمع عدد ما انتهى إلى المؤلف - ﵀ - ممن روى عن رسول الله ﷺ من الرجال والنساء مع التخريج عن كل واحد منهم حديثًا أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر حسب كثرة رواياتهم وقلَّتها ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه. ٣
منهج الإمام الطبراني في المعجم الكبير:
رتبه المؤلف - ﵀ - على مسانيد الصحابة مرتبًا أسماءهم على حروف المعجم (أب ت ث) إلا أنه بدأه بالعشرة المبشَّرين بالجنة، وعلَّل ذلك بقوله: "لئلا يتقدمهم أحدٌ غيرهم" ثم قال: "وسنخرج مسندهم بالاستقصاء على ترتيب القبائل بعون الله وقوته".
ويرتب أبناء كل قبيلة على حروف المعجم (أب ت ث) . ٤
_________________
(١) ١ للطبراني ثلاثة معاجم: الصغير، والأوسط، الكبير، وقد رتَّب الصغير والأوسط على أسماء شيوخه وفق حروف المعجم أب ت ث. ٢ انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣ / ٩١٢. ٣ مقدمة المعجم الكبير ١ / ٣. ٤ مقدمة المعجم الكبير ١ / ٣.
[ ١٧١ ]
ثم يخرج عن كل واحد حديثًا أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر من
ذلك على حسب كثرة روايتهم وقلَّتها، ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه.
عدد أحاديث المعجم الكبير:
ذكر حاجى خليفة أن أحاديث "المعجم الكبير" للطبرانى يبلغ عددها خمسة وعشرين ألف حديث. ١
والمطبوع من "المعجم" بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي بلغ عدد أحاديثه (٢١٥٤٧ حديثًا) حسب ترقيم المحقق وهو ناقص حيث سقط من أصل مخطوطته الأجزاء من ١٣ إلى ١٦ وكذلك الجزء الحادي والعشرين، والله تعالى أعلم.
ونص الامامان أبو عبد الله الذهبي وأبو الفداء ابن كثير على أن الطبراني لم يخرج مسند أبي هريرة في "المعجم الكبير" ولعله أفرده بمصنفٍ مستقلٍ والعلم عند الله. ٢
عناية العلماء بالمعجم الكبير:
جمع الحافظ أبو بكر الهيثمي - بإشارة من شيخه العراقي - زوائد "المعجم" على الكتب الستة في كتاب سمَّاه: "البدر المنير في زواثد المعجم الكبير"، ثم حذف أسانيده وضمه إلى زوائد المعجمين الصغير
_________________
(١) ١ حاجي خليفة: كشف الظنون ص: ١٧٣٧. ٢ انظر: تذكرة الحفاظ ٣ / ٩١٢، المصعد الأحمد لابن الجزري المطبوع في مقدمة مسند أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
[ ١٧٢ ]
والأوسط ومسانيد أحمد، والبزار، والموصلي، وجمعها في كتابه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، وذلك بإشارة أيضًا من شيخه العراقي.
٦- كتاب السنن للإمام الدارقطني:
المؤلف:
هو أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الشهير بالدارقطني، الإمام الحافظ الناقد، صاحب العلل والتصانيف الغزيرة، ولد سنة (٣٠٦ هـ) وتوفي سنة (هـ٣٨ هـ) . ١
موضوع كتاب السنن للدارقطنى:
جمع أحاديث السنن والأحكام مرتبة على أبواب الفقه مع بيان
حالها من الصحة والضعف.
وقد أثنى على موضوعه الخطيب البغدادي فقال: "وكتابه "السنن" يدل على معرفته التامة بمذاهب الفقهاء وعنايته بالفقه، لأنه لا يقدر على جمع ما تضمنه ذلك الكتاب إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام". ٢ منهج الدارقطني في كتاب السنن:
١- رتبه على أبواب الفقه حيث بدأه بكتاب الطهارة ثم
_________________
(١) ١ راجع تفاصيل ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٤٩ – ٤٦٠. ٢ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤ – ٤٠.
[ ١٧٣ ]
الصلاة وهكذا على منوال كتب السنن.
٢- أورد حديث كل باب بأسانيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلموغالبًا يورد الحديث بأكثر من طريق.
٣- يعقب على كل حديث يورده – غالبًا - ببيان ما فيه من العلل سندًا ومتنًا ولذلك امتلأ كتابه بآرائه في جرح وتعديل الرجال.
٤- اشتمل كتابه على الصحيح والحسن والضعيف، وقَلَّ أن
يورد فيه الموضوع.
٥- كثيرًا ما يورد الأحاديث أو الروايات التي ظاهرها التعارض ثم يرجح بينهما. ١
عناية العلماء بسنن الدارقطنى:
أ- ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين ابن الملقن ضمن كتابه "إكمال تهذيب الكمال".
ب- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكروة من أطراف العشرة".
ج- شرحه وعلق عليه الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: ١ / ٦٣ باب ولوغ الكلب في الإناء ١ / ٩٧ باب ما روي من قول رسول الله ﷺ: "الأذنان من الرأس".
[ ١٧٤ ]
العظيم آبادى في كتابه "التعليق المغني على سنن الدارقطني".
٧- السنن الكبرى للحافظ البيهقي: ١
المؤلف:
الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، المولود سنة (٣٨٤ هـ) والمتوفى سنة (٤٥٨ هـ)، صاحب المؤلفات الكثيرة. ٢
موضوع كتاب السنن الكبرى:
جمع أحاديث السنن والأحكام مرتبة على أبواب الفقه مع بيان درجتها من الصحة والضعف، ويعتبر هذا الكتاب من أهم كتب البيهقي التي تشهد ببراعته وعظيم قدره عند العلماء.
منهج البيهقي في السنن الكبرى:
١- رتبه على الأبواب الفقهية.
٢- يورد الأحاديث مسندة منه إلى رسول الله ﷺ، وغالبها على طريقة الاستخراج على الكتب السابقة ك "الصحيحين" و"سنن أبي داود" وغيرها.
٣- يعقب على الروايات بالكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا مع بيان الراجح عند الاختلاف.
_________________
(١) ١ تأخرت وفاة البيهقي إلى سنة ٤٥٨ هـ، وقُدِّم الكلام على سننه تجوُّزًا وإلحاقًا بسنن الدارقطني لتقارب المنهج. ٢ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٦٣ – ١٧٠.
[ ١٧٥ ]
وقد قال - ﵀ - في مقدمة "دلائل النبوة":
"وعادتى في كتبي المصنَّفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ليكون الناظر فيها من أهل السُّنَّة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، ولا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزًا فيما اعتمد عليه أهل السُّنَّة من الآثار". ١
عناية العلماء بالسنن الكبرى للبيهقي:
١- اختصره أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في كتاب سمَّاه "المهذب" حيث حذف أسانيد الأحاديث واقتصر على ذكر من خرج الحديث، وبيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، طبع منه مجلدان.
٢- اختصره أيضًا عبد الوهاب الشعرانى (ت ٩٧٣ هـ) وسمَّاه "المنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين". ٢
٣- ترجم رجاله الحافظ ابن الملقن في كتابه "إكمال تهذيب الكمال".
٤- تعقبه علي بن عثمان المعروف بابن التركماني الحنفي (ت ٧٤٧ هـ) في كتابه "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" المطبوع بهامش "السنن الكبرى" للبيهقي.
_________________
(١) ١ البيهقي: دلائل النبوة ١ / ٤٧. ٢ انظر: المدخل إلى السنن الكبرى ص: ٥١ – ٥٢ مقدمة الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
[ ١٧٦ ]
ثانيًا: كتب المستخرجات
تعريف المستخرجات:
المستخرجات جمع مستخرج، والمستخرج هو: أن يأتي المصنِّف إلى كتابٍ كالبخاري أو مسلم مثلًا، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق المؤلف فيجتمع إسناد المستخرِج - بكسر الراء - مع المؤلف في شيخه أو من فوقه. ١
قال الحافظ ابن حجر: "وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذرٍ من علوٍ أو زيادةٍ مهمةٍ". ٢
فوائد المستخرجات:
١- علو الإسناد.
٢- الزيادة في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظ زائدة وتتمات في بعض الأحاديث. ٣
٣- كثرة طرق الحديث ليرجَّح بها عند المعارضة. ٤
٤- الحكم بعدالة من أخرج له فيه لأن المخرِّج على شرط الصحيح يلزمه ان لا يخرِّج إلا عن ثقةٍ عنده.
_________________
(١) ١ شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ١ /٥٦ – ٥٧. ٢ الحافظ السيوطي: تدريب الراوي ١ / ١١٢. ٣ لم يذكر ابن الصلاح للمستخرجات إلا هاتين الفائدتين: علوم الحديث ص: ١٩ – ٢٠. ٤ استدرك هذه الفائدة الحافظ العراقي على ابن الصلاح في التقييد والإيضاح ص: ١٩.
[ ١٧٧ ]
٥- بيان سماع المدلس.
٦- بيان زمن السماع من المختلط.
٧- تعيين المبهم من الرجال في الإسناد.
٨- تقييد المهمل من رجال الإسناد.
٩- تمييز المتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في كتاب
الإمام مسلم كثيرٌ جدًا.
١٠- فصل الكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث.
١١- بيان ما يقع في الكتاب المستخرج عليه من الأحاديث المصرَّح برفعها وتكون في الأصل موقوفة أو كصورة الموقوف.
من أهم المستخرجات على الصحيحين مايلي ١:
١- مستخرج أبي بكر الإسماعيلي (ت ٣٧١ هـ) على صحيح البخاري.
٢- مستخرج الحافظ أبي أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريفى (ت ٣٧٧هـ) على البخاري.
_________________
(١) ١ اقتصرت على المستخرجات على الصحيحين لكثرتها وأهميتها وأهمية الصحيحين، وإلا فإن هناك مستخرجات على غيرهما كالسنن وغيرها لكنها قليلة، كذلك اقتصرت على أهم وأشهر المستخرجات على الصحيحين، وهي كثيرة ومن أراد معرفتها فليراجع: تدريب الراوي للحافظ السيوطي ١ / ١١١ – ١١٢، والرسالة المستطرفة للكتاني ص: ٢٦ – ٣١، وكثيرٌ من هذه المستخرجات في عداد المفقود من كتب السلف رحمهم الله تعالى.
[ ١٧٨ ]
٣- مستخرج الحافظ أبي عبد الله محمد بن العباس بن أحمد بن
محمد المعروف بابن أبي ذهل (ت ٣٧٨ هـ) على البخاري.
٤- مستخرج الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني (ت ٤١٦ هـ) على صحيح البخاري.
٥- مستخرج الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني (ت ٣١٦ هـ) على صحيح مسلم، طبع بعض أجزاء منه.
٦- مستخرج الحافظ أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ والبصرة (ت ٢٨٦ هـ) على صحيح مسلم.
٧- مستخرج أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي الحيري النيسابوري (ت ٣١١ هـ) على مسلم.
٨- مستخرج الحافظ أبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري –وهو يشارك مسلمًا في أكثر شيوخه– (ت ٢٨٦ هـ) على مسلم.
٩- مستخرج الحافظ أبي نصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي (ت ٣٤٤ هـ) على صحيح مسلم.
وممن له مستخرج على كل من الصحيحين على حدة في كتاب مستقل:
١- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) .
[ ١٧٩ ]
٢- أبو عبد الله محمد بن يعقوب المعروف بابن الأخرم (ت ٣٤٤ هـ) .
٣- أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي الحافظ (ت ٤٣٤ هـ) .
٤- الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال (ت ٤٣٩ هـ) .
قال الخطيب: "خرج مسند أحمد على الصحيحين". ١
٥- الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني المعروف
بابن منجويه (ت ٤٢٨ هـ) .
ومن المستخرجات على الصحيحين كلاهما في كتاب واحد:
مستخرج أبي بكر أحمد بن عبدان بن محمد الفرج الشيرازي (ت ٣٨٨ هـ) .
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٧ / ٤٢٥.
[ ١٨٠ ]
الفصل الثاني: التدوين في القرن الخامس الهجري
أولًا: أهم المؤلفات في الجمع بين الكتب الستة جميعها أو بعضها:
سبقت الإشارة إلى أن علماء هذا القرن ابتكروا طريقة جديدة للمساهمة في خدمة السُّنَّة المطهرة في مجال تدوينها وحفظها، فكانت تلك الطريقة هى النواة الأولى للموسوعات الحديثية، وهذا الإبتكار الجديد هو الجمع بين كتب الحديث المؤلفة سابقًا مثل: الصحاح والسنن وغيرهما، ومن أهم المصنفات في هذا الموضوع ما يلي:
أولًا: الجمع بين الصحيحين:
١- الجمع بين الصحيحين للحافظ أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقى (ت ٤٠١ هـ)، رتَّبه على المسانيد كما ذكر ذلك الحافظ ابن الأثير. ١
٢- الجمع بين الصحيحين لإسماعيل بن أحمد المعروف بابن الفرات (ت ٤١٤ هـ) .
٣- الجمع بين الصحيحين لأبي بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقانى (ت ٥ ٤٢ هـ) .
_________________
(١) ١ انظر: جامع الأصول الفصل الثالث من الباب الأول من المقدمة ص: ٤٨.
[ ١٨١ ]
٤- الجمع بين الصحيحين للإمام أبي عبد الله محمد بن نصر الحميدي الأندلسي (ت ٤٨٨هـ)، وله زيادات عليهما في المتون والأسانيد وغيرها من الفوائد المهمة. ١
٥- الجمع بين الصحيحين للحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) .
٦- الجمع بين الصحيحين لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن ابن عبد الله الأشبيلى (ت ٥٨١ هـ) .
٧- الجمع بين الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن حسين المري الأنصاري (ت ٥٨٢ هـ) .
٨- الجمع بين الصحيحين لأبى حفص عمر بن بدر بن سعيد الموصلي (ت ٦٢٢ هـ) .
٩- الجمع بين الصحيحين تأليف أبي محمد الحسن بن محمد بن
الحسن الصغاني (ت ٦٥٠ هـ)، وهو مطبوع باسم: "مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية".
ثانيًا: الجمع بين الكتب الخمسة أو الستة:
١- التجريد للصحاح والسنن - الصحيحان والموطأ والترمذي وأبو داود والنسائي - للحافظ أبي الحسن رزين بن معاوية السرقسطي (ت ٥٣٥ هـ) .
٢- الجمع بين الكتب الستة – الصحيحان والموطأ والسنن ما
_________________
(١) ١ يوجد منه في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حرسها الله نسختان برقم ٥٨٥، وبرقم ١٤٣٠.
[ ١٨٢ ]
عدا ابن ماجه – لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأشبيلي (ت ٥٨١ هـ) .
٣- جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ لمجد الدين المبارك ابن محمد بن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ) . ١
٤- أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح لأبي عبد الله بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي (ت ٦٤٦ هـ) .
_________________
(١) ١ قُدِّم ذكر جامع الأصول هنا مع تأخر وفاة مؤلفه تجوُّزًا لاتحاد موضوعه مع هذه الكتب المذكورة، وكذلك الذي يليه "أنوار المصباح".
[ ١٨٣ ]
ثانيًا: دراسة موجزة لنماذج مما أُلِّف في هذا القرن
أ- شرح السُّنَّة للحافظ البغوي:
المؤلِّف:
الإمام المحدث المفسر الفقيه، محيي السُّنَّة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي المولود سنة (٤٣٦ هـ) والمتوفى سنة (٥١٦ هـ) رحمه الله تعالى.
موضوع الكتاب:
أفصح عن ذلك مؤلفه في مقدمته فقال: "أما بعد فهذا كتاب في شرح السُّنَّة يتضمن إن شاء الله - ﷾ - كثيرًا من علوم الأحاديث، وفوائد الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ من حلِّ مشكلها وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، يترتَّب عليه من الفقه واختلاف العلماء جملٌ لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام، والمعول عليه في دين الإسلام.
ولم أودع هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف الذين هم أهل الصنعة، المسلَّم لهم الأمر من أهل عصرهم، وما أودعوه كتبهم.
فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب والموضوع والمجهول واتفقوا على تركه فقد صُنْت الكتاب عنها، وما لم أذكر أسانيدها من
[ ١٨٤ ]
الأحاديث فأكثرها مسموعة، وعامتها في كتب الأئمة غير أني تركت أسانيدها حذرًا من الإطالة واعتمادًا على نقل الأئمة". ١
سبب تأليفه لهذا الكتاب:
أوضح ذلك - رحمه الله تعالى - في المقدمة فقال: "والمقصود
بهذا الجمع - مع وقوع الكفاية بما عملوه وحصول الغنية فيما فعلوه - الاقتداء بأفعالهم والإنتظام في سلكٍ أحد طرفيه متصلٌ بصدر النبوَّة، والدخول في غمار قومٍ جدُّوا في إقامة الدين، واجتهدوا في إحياء السُّنَّة، شغفًا بهم، وحبًا لطريقتهم - وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم - طمعًا في موعود الله ﷾ على لسان رسوله ﷺ أن: المرء مع من أحب ٢.
ولأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس، وغلب على أهل الزمان هوى النفوس، فلم يبق من الدين إلا الرسم، ولا من العلم إلا الاسم، حتى تصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق، والجهل بصورة العلم ٣، وظهر فيهم تحقيق قول الرسول صلى الله
_________________
(١) ١ شرح السنة ١ / ٢ – ٤ من مقدمة المؤلف. ٢ رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه – باب علامة الحب في الله الفتح ١٠ / ٥٥٧ ح ٦١٦٨ – ٦١٧١. ٣ لقد صدق البغوي – ﵀ – في هذا الوصف الدقيق لعصره – القرن الخامس – الذي يعتبر الحد الفاصل بين عصرين: عصر ازدهار العلوم الإسلامية والحضارة الإسلامية – ذلك العصر الذي تُوِّج بأهل القرون المفضلة – وعصر الجمود وبداية الانحطاط الذي ران على الأمة في الأعصار المتأخرة، ففيما قبل هذا القرن كانت الدالة لأهل السنة على أهل البدع والأهواء، وكانت العلوم الإسلامية عمومًا، وعلوم السنة النبوية خصوصًا تنمو وتزدهر، حتى حلَّ منتصف القرن الرابع وبدأت فيه سيطرة أهل البدع على مقاليد أمور الأمة، إذ سيطر بنو بويه الروافض على بغداد، والعبيديون الباطنيون على شمال أفريقيا ومصر والشام والحجاز انظر: سير أعلام النبلاء ١٥ / ١٦٤، والصليحيون الإسماعيلية على اليمن، أظهر أهل البدع والأهواء رؤوسهم، وخرجوا من جحورهم، ودالت الدولة لهم، وضيقوا على أهل السنة وآذوهم وما فتنة البساسيري هلك سنة ٤٥١ هـ في بغداد وانتفاش الأشاعرة والصوفية برئاسة ابن القشيري ٥١٤ هـ على أهل السنة الذين كانوا يلقِّبونهم بالحنابلة ما كان إلا نموذجًا لبداية عصر سيطرة أهل الزيغ والضلال على مقاليد الأمور في الأمة الإسلامية، وحتى يتم لهم ما يريدون آذوا العلماء وأبعدوهم عن قيادة الأمة، ولذلك انتشر الجهل وعم الفساد، فجمدت العقول والأفكار عن التجديد والابتكار، وهذا عين ما أراده هؤلاء الضلاَّل ومن وراءهم من المفسدين في الأرض. ولهذا قال الحافظ الذهبي في نهاية الطبقة التاسعة في رسالة "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل": "ومن هذا الوقت تناقص الحفظ وقلَّ الاعتناء بالآثار، وركن العلماء إلى التقليد، وكان التشيع والاعتزال والبدع ظاهرة بالعراق، لاستيلاء آل بويه ثَمَّ، وبمصر والشام والمغرب لاستيلاء بني عبيد الباطنية". وقال في آخر الطبقة العاشرة: "وكانت السنة قائمة الدولة بالأندلس وبخراسان وقلَّ أمرها وضعف بمصر والشام والمغرب والعراق، وما ذلك إلا لظهور دولة الشيعة والعبيدية فلله الأمر جميعا". لقد كان القرن الخامس حقًا بداية عصور الجمود العلمي والانحطاط الفكري للأمة، فسيطر عليها أعداؤها من يهود ونصارى ومجوس بواسطة طابورهم من أهل الأهواء والبدع الذين كانوا ينخرون في جسم الأمة كما تنخر السوسة في جذور الشجرة ثم تطيح بها فجأة، ولا أدل على ذلك من وقوف هذا الطابور صراحة ودون مواربة إلى جانب أسيادهم من النصارى عبدة الصليب عندما اجتاحوا الديار الإسلامية في هذا القرن، وكانوا قد مهدوا لذلك بنشر الجهل والفساد في الأمة، وذلك بإبعاد علماء السنة المخلصين عن قيادة الأمة وتنويرها بالعلم الصحيح، وهكذا في كل عصر لا يسمح أهل الضلال والزيغ لأمَّة أن ترى النور على يد علمائها المخلصين؛ لأن ذلك يؤدى إلى توعية الأمة بأعدائها الحقيقيين وتحذيرها منهم، لتقوم الأمَّة بعد ذلك بوجوب الأمر بالمعررف والنهي عن المنكر، فتقضي على أهل البغي والفساد، وهذا ما لا يريده ولا يطيقه رؤساء الضلال والفساد، فرحم الله الإمام البغوي فقد تفطن لذلك الداء وتلك العلة التي تشتكي منها الأمَّة، فلجأ للعلاج الناجع والدواء الناجح وهو نشر العلم وإحياء السنَّة، فقال ﵀: "أردت أن أجدد لأمر العلم ذكرًا لعله ينشط فيه راغب متنبه، أو ينبعث له واقف متثبط".
[ ١٨٥ ]
عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذوا رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا" ١ ولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه – كتاب العلم – باب كيف يقبض العلم الفتح ١ / ١٩٤ ح ١٠٠.
[ ١٨٦ ]
ذكرًا لعلَّه ينشط فيه راغب متنبِّه، أو ينبعث له واقف متثبط". ١
منهج البغوي في كتابه شرح السُّنَّة ٢:
١- رتَّب كتابه على الموضوعات على طريقة أصحاب المصنَّفات من المحدِّثين، فجمع الأحاديث المتعلقة بكل موضوع في مكان واحد.
٢- أطلق لفظة "كتاب" على العنوان العام الجامع لأبواب كثيرة من جنس واحد مثل: كتاب الصلاة، ولفظة "باب" على الأحاديث التي تدل على مسألة خاصة بعينها، وقد توخَّى الدقة في ذلك أكثر من كل من تقدمه ممن ألَّف في موضوعه، وكثيرًا ما يقتبس من الإمام البخاري عنوان الباب بلفظه ونصه الوارد في "الجامع الصحيح"، انظر مثلًا: كتاب العلم: الأبواب التالية - نفس العنوان عند كل منهما -: باب فضل العلم، باب كتابة العلم، باب أثم من كذب على النبي ﷺ. وكتاب الجهاد والسير: الأبواب: باب الجهاد بإذن الأبوين، باب من احتبس فرسًا في سبيل الله ﷿، بل أنه سلك طريقة البخاري في البدء بكتاب الإيمان ثم العلم قبل غيرهما. وكثير من عناوين كتبه مقتبسة من البخاري مثل: الجهاد والسير، الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة. وغيرهما.
٣- درج المؤلف على أن يفتتح كل كتاب، وأحيانًا بعض
_________________
(١) ١ شرح السنة ١ / ٢ – ٤ مقدمة المؤلف ﵀. ٢ لخصت منهجه – مع التصرف – من مقدمة محقق كتاب شرح السنة للشيخ شعيب الأرناؤوط ١ / ٤ – ٨.
[ ١٨٧ ]
الأبواب بآيات تناسب موضوعه، مذيلة بما أثر عن الصحابة والتابعين من تفسيرٍ لها وتوضيحٍ لمعانيها.
٤- ثم يسوق الأحاديث المتعلقة بالباب الذي ترجم له من دواوين السُّنَّة المعتمدة التي تلقَّاها بالسند المتصل إلى مؤلفيها، وقد التزم غالبًا أن يذكر السند إلى النبي ﷺ، ثم يذكر مخرجه إن كان في الصحيحين، أو في أحدهما فيقول: "متفق عليه" أو "أخرجه البخارى - أو - مسلم"، ومراده بذلك أنهما أخرجا أصله أو بعض لفظه، أو معناه وفي ذلك تساهل غير ضارٍّ عند أهل الفن.
٥- وإذا لم يكن الحديث عند واحد من الشيخين فكثيرًا ما يتقلد قول الإمام الترمذي في التصحيح أو التضعيف، وينقل كلامه في تعليل الخبر وما قيل في سنده، وربما استقل بالحكم على الحديث تصحيحًا وتضعيفًا.
٦- لا يخرج الأحاديث الضعيفة في كتابه إلا ما كان منها في باب الشواهد والمتابعات، أو لبيان معنى حديث صحيح، أو إذا لم يكن في الباب ما يغني عنه من الصحاح ولم يكن ضعفه شديدًا.
٧- ثم يذكر ما يستفاد من أحاديث الباب من الفقه، وما يتعلق بعلوم الحديث، وضبط أسماء الرواة وأنسابهم، وربما ترجم لبعضهم والتوفيق بين بعض الأحاديث التي تبدو مختلفة، كذلك اعتنى بشرح الغريب.
٨- ثم يذكر اجتهادات الصحابة والتابعين، وأقوال الأئمة المجتهدين، ويحكي أدلَّة كلٍّ منهم، ويرجِّح من تلك الأقوال ما استبان
[ ١٨٨ ]
له صوابه، متبعًا منهج المحدثين في التعويل على الحديث الصحيح والأخذ به.
ب- مصابيح السُّنَّة للحافظ البغوي:
المؤلف: محيي السُّنَّة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي (ت سنة ٥١٦ هـ) .
موضوعه وسبب تأليفه:
قال - ﵀ - في المقدمة: "أما بعد، فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين، هنَّ مصابيح الدُّجى، خرجت عن مشكاة التقوى، مما أوردها الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظًا من السنن، وعونًا على ما فيه من الطاعة". ١
منهج البغوي في كتابه "المصابيح":
قال في مقدمته: "وتركت ذكر أسانيدها حذرًا من الإطالة، واعتمادًا على نقل الأئمة، وربما سمَّيت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى دعا إليه، وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان.
أعني ب الصحاح ما أخرجه الشيخان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري
_________________
(١) ١ أبو محمد البغوي: مصابيح السنة – المقدمة ١ / ١٠٩ – ١١٠.
[ ١٨٩ ]
رحمهما الله في جامعيهما أو أحدهما.
وأعني ب الحسان ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم – ﵏ – وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الاسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيفٍ أو غريبٍ أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا"١
آراء العلماء في منهج البغوي في كتاب "المصابيح":
قال أبو عمرو ابن الصلاح: "وما صار إليه صاحب المصابيح - ﵀ - من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وهذه الكتب - يعني السنن - تشمل على حسن وغير حسن، والله أعلم". ٢
وقد تابع ابن الصلاح على انتقاده الإمام النووي في تقريبه ٣.
٢- استخرج أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني – ﵀ – (ت.٧٥ هـ) ثمانية عشر حديثًا من كتاب المصابيح وقال: "إنها
_________________
(١) ١ أبو محمد البغوي: مصابيح السنة – المقدمة ١ /١٠٩ – ١١٠. ٢ ابن الصلاح: علوم الحديث ص: ٣٤. ٣ انظر: تقريب النواوي المطبوع مع تدريب الراوي ١ / ١٦٥.
[ ١٩٠ ]
موضوعة". ١
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الانتقادات:
أ- قال في "النكت" ٢: "في الجواب عن انتقاد ابن الصلاح وقد تعقب العلامة تاج الدين التبريزي في "مختصره" هذا الكلام فقال: "ليس من العادة المشاحة في الاصطلاح والتخطئة عليه مع نص الجمهور على أن من اصطلح في أول الكتاب فليس ببعيد عن الصواب، والبغوي قد نصَّ في ابتداء كتابه "المصابيح" بهذه العبارة: "وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان" إلى آخر كلامه، ثم قال: "وما كان من ضعيف أو غريب أشرت إليه" إلى آخره، ولم يذكر قط أن مراد الأئمة بالصحاح كذا وبالحسان كذا، قال: "ومع هذا فلا يعرف لتخطئة الشيخين – يعني ابن الصلاح والنووي - إياه وجهٌ".قلت - ابن حجر -: "ومما يشهد لصحة كونه أراد بقوله: الحسان اصطلاحًا خاصًا له أنه يقول في مواضع من قسم الحسان: "هذا صحيح" تارة، و"هذا ضعيف" تارة بحسب ما يظهر له من ذلك".
ب- وتولى أيضًا الحافظ ابن حجر الرد على الأحاديث التي انتقدها أبو حفص القزويني على كتاب "المصابيح"، وأجاب عنها حديثًا حديثًا، وقد أجاد وأفاد ﵀. ٣
_________________
(١) ١ انظر: هذه الأحاديث وأجوبة ابن حجر عليها في مقدمة المصابيح بتحقيق المرعشلي ١ / ٧٧ – ٩٦. ٢ النكت ١ / ٤٤٥ – ٤٤٦. ٣ طبع جواب ابن حجر في مقدمة تحقيق المصابيح ١ / ٧٧ – ٩٦.
[ ١٩١ ]
عناية العلماء بمصابيح السُّنَّة:
تقبل الناس هذا الكتاب بالقبول الحسن، فعكفوا عليه رواية ونسخًا وقراءةً وحفظًا، ثم ألَّفوا حوله الشروح والمختصرات والتخريجات، وقد ذكر حاجى خليفة وبروكلمان أكثر من اثنين وأربعين شرحًا ومختصرًا وتخريجًا لهذا الكتاب ١، إلا أن "مشكاة المصابيح" لأبى عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي (ت بعد سنة ٧٤٠ هـ) ٢ فاق جميع الشروح والتخريجات الأخرى، ولذلك عكف الناس عليه، وشرحوه واختصروه وخدموه، إذ أُلِّف عليه تسعة شروح ومختصرات.
ج - جامع الأصول في أحاديث الرسول للحافظ ابن الأثير ٣
المؤلف:
هو الإمام الحافظ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري المولود سنة (٥٤٤ هـ) والمتوفى (٦٠٦ هـ) صاحب التصانيف المشهورة. ٤
موضوع الكتاب:
جمع المؤلف - ﵀ - في هذا الكتاب أحاديث الكتب الستة -
_________________
(١) ١ انظر: كشف الظنون ص: ١٦٩٨، وتاريخ الأدب العربي ٦ / ٢٤٥ ٢ طبع كتابه مشكاة المصابيح بتحقيق وتخريج الشيخ ناصر الدين الألباني، وطبع كثير من شروحه في الهند. انظر: مقدمة المصابيح بتحقيق المرعشلي ١ / ٧٢ – ٧٤ ٣ يعتبر الحافط ابن الأثير من علماء القرن السادس، ولكن قُدِّم الكلام على كتابه ضمن الكلام عن كتب القرن الخامس لاتحاد موضوعه مع موضوع هذه الكتب أعني كتب الجمع بين الكتب الستة كلها أو بعضها الذي بدأ في القرن الخامس الهجري، والله تعالى أعلم. ٤ راجع تفاصيل ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢١ / ٤٨٨ – ٤٩١.
[ ١٩٢ ]
الصحيحين والموطأ وسنن أبي داود والترمذى والنسائي - وأعاد ترتيبها وفق المعاني التي تضمنتها تلك الأحاديث ليسهل على طالب العلم الوقوف على الحديث الذي يريده، والمعنى الذي يدل عليه.
قال - ﵀ - في الفصل الرابع من الباب الأول: "ورأيت كتاب رزين بن معاوية السرقسطي هو أكبرها - كتب الجمع بين الكتب الستة - وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث. فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح، واعتني بأمره ولو بقراءته ونسخه فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبوابٍ غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة وترك أكثر منها فناجتني نفسي أن أهذِّب كتابه، وأرتِّب أبوابه، وأوطىء مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى وغير ذلك مما يزيده إيضاحًا وبيانًا".
منهجه وطريقة ترتيبه:
بين ذلك مفصلًا - ﵀ - في الباب الثاني من مقدمة كتابه ١، ويمكن إيجازه في النقاط التالية:
١- حذف الأسانيد ولم يثبت إلا اسم الصحابي إن كان الحديث مرفوعًا، أو اسم الراوى عن الصحابي إن كان الحديث موقوفًا، وقد أفرد لأسماء هؤلاء وتراجمهم بابًا في آخر الكتاب ورتبهم على حروف المعجم.
_________________
(١) ١ ابن الأثير: جامع الأصول ١ / ٥٣ – ٦٨.
[ ١٩٣ ]
أما المتون فإنه لم يثبت منها إلا ما كان حديثًا عن رسول الله ﷺ، أو أثرًا عن الصحابى، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم فلم يذكره إلا نادرًا.
وقد أثبت أيضًا ما وجد من الزيادات من المتون في كتابي الحميدي "الجمع بين الصحيحين"، ورزين بن معاوية "الجمع بين الكتب الستة".
٢- بنى ترتيب الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث فكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه، فإن اشتمل الحديث على أكثر من معنى واحد فلا يخلو: أن يكون اشتماله على ذلك اشتمالًا واحدًا، أو أحد المعاني فيه أغلب من الآخر، فإن كان اشتماله عليه اشتمالًا واحدًا أورده في آخر الكتاب في كتاب سماه: "كتاب اللواحق" وقسمه إلى أبواب عدة، يتضمن كل باب منها أحاديث تشتمل على معاني من جنس واحد، أما ما كان مشتملًا على أكثر من معنى واحد إلا أنه بأحدها أخص وهو فيه أغلب، فإنه يثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه، وقد قصد فيه غالبًا أن يكون في باب المعنى الذي هو في أول الحديث.
٣- ثم قسم كل كتاب إلى أبواب وفصول وأنواع، وأحيانًا إلى فروع وأقسام – أيضًا - بحسب ما اقتضته القسمة التي أوردها في كتابه، وكان الموجب لهذا التقسيم اختلاف معاني الأحاديث التي تختص بكل كتاب، فإن منها ما يتعلق بوجوبه، ومنها ما يتعلق بأركانه وحقيقته، ومنها ما يتعلق بالحث عليه والترغيب فيه، ومنها ما يتعلق
[ ١٩٤ ]
بفضله وشرفه.
٤- جمع ما جاء من الأحاديث في فضائل جميع الكتب المودعة في كتابه، وما جاء في فضائل الأنبياء والصحابة وغيرهم فجعله كتابًا واحدًا سمَّاه: "كتاب الفضائل والمناقب" وأودعه أيضًا كل حديث يتضمن فضل شيءٍ من الأعمال والأقوال والأحوال والرجال.
٥- قال - ﵀ -: " فخرجت أسماء الكتب المودعة في الكتاب وجعلتها مرتبة على حروف أب ت ث طلبًا لتسهيل كلفة الطلب، وتقريبًا على المريد بلوغ الأرب، ولم أضبط في وضعها الحرف الأصلي من الكلمة فحسب، وإنما لزمت الحرف الذي هو أول الكلمة، سواء كان أصليًا أو زائدًا، ولم أحذف من الكلمة إلا الألف واللام التي للتعريف حسب، فأودعت كتاب: الإيمان، والإسلام، وكتاب الإيلاء، وكتاب الآنية في حرف الهمزة، وهذا حرف أصلي ووضعت فيه كتاب الإعتصام، وكتاب إحياء الموات، وهذا حرف زائد؛ فإن الإعتصام حقه أن يكون في حرف العين، وإحياء الموات في حرف الحاء، وكذلك جميع الكتب على هذا الوضع، ولم أقصد به إلا طلب الأسهل، فإن كتب الحديث يشتغل بها الخاص والعام، والعالم بتصريف اللفظ والجاهل به.
ثم وجدت في الأبواب أبوابًا عدة، هى من جملة الكتب التي انقسم الكتاب إليها، وإذا ذكرتها في الحرف الذي يختص بها أكون قد أفردت أحد أحكام ذلك الكتاب عنه، وفرقتها ووضعته في غير
[ ١٩٥ ]
موضعه الأولى به مثال ذلك: أن كتاب الجهاد هو في حرف الجيم، وفي جملة أحكام الجهاد أبواب عدة لا يجوز أن تنفرد عنه، مثل: الغنائم، الغلول، والنفل، والخمس، والشهادة، وكل وا حد منها يختص بحرف غير حرف الجيم فإن ذكرته في حرفه تقسم كتاب الجهاد، وعدلت في واجب الوضع فذكرت هذه الأبواب في جملة كتاب الجهاد في حرف الجيم، ثم عمدت إلى آخر كل حرف من تلك الحروف التي تختص بهذه الأبواب فذكرت فيه فصلًا ليستدل به على مواضع هذه الأبواب من الكتاب، فذكرت في آخر حرف الغين أن الغنائم والغلول في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وفي آخر حرف الفاء أن الفىء في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وكذلك تتبعت جميع الحروف وفعلت بها هذا الفعل".
٦- أثبت المؤلف اسم راوي كل حديثٍ أو أثرٍ على هامش الكتاب حذاء أول الحديث وذلك لفائدتين:
أحداهما: أن يكون الاسم مفردًا يدركه الناظر في أول نظرة، ويعرف بها أول الحديث.
والثانية: لأجل إثبات العلايم التي رقمها المؤلف بالهمزة على الاسم. وذلك أنه رقَّم على اسم كل راوي علامة من أخرج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الستة التي علم لها ب "خ" البخاري، "م" لمسلم، "ط" لموطأ مالك، "ت" للترمذي، "د" لأبي داود،
[ ١٩٦ ]
"س" للنسائي، فإذا كان الحديث قد أخرجه جماعتهم أثبت – ﵀ – قبل اسم الراوي العلايم الست، وإن كان قد أخرجه بعضهم أثبت عليه علامة من أخرجه.
والأحاديث التي وجدها في كتاب رزين بن معاوية وليست في الأصول الستة أثبتها ولم يثبت عليها علامة.
٧- اعتنى - ﵀ - بشرح غريب كل حديث، لكنه خوفًا من الإطالة بالتكرار أو كثرة الإحالات إن هو جعل غريب كل حديث أو فصل أو باب عقيبه، خوفًا من ذلك جمع غريب كتب كل حرف في آخر ذلك الحرف، فمثلًا غريب أحاديث الكتب المذكورة في حرف الألف جمعه في آخر حرف الألف وهكذا ١، ولم ير المؤلف أن ينفرد الغريب في كتاب مستقل كما فعل الحميدي، خشية أن يهمل عند الاستنساخ فلا يستفاد منه، وقد عول - ﵀ - على كتب أئمة اللغة ك "تهذيب اللغة" للأزهري و"الصحاح" للجوهري، وكتب غريب الحديث ك "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام وغيره.
٨- بعد أن استقر وضع الحديث في الأبواب، والكتب والحروف رأى المؤلف أن هناك أحاديث قد تختلف الأنظار في المكان المناسب لوضعها فيه، وإن كان الموضع الذي وضعها فيه يرى هو أنه أولى بها من غيره، وخوفًا من التباس مكانها لنوع اشتباه في معانيها،
_________________
(١) ١ في الطبعة التي بتعليق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط أعيد توزيع الغريب حيث جعل غريب كل حديثٍ عقيبه، وهكذا، وهذا أمرٌ قد أعرض عنه المؤلف لئلا يطول الكتاب بالتكرار وكثرة الإحالات.
[ ١٩٧ ]
واختلاف وجهات النظر في المكان الأولى بها، وخوفًا من الكلفة على الطالب والمشقة في البحث عن مكانها، خرج المؤلف – ﵀ – منها كلمات ومعاني تعرف بها تلك الأحاديث وأفرد لها بابًا في آخر الكتاب أثبت فيه تلك الكلمات مرتبة على حروف المعجم (أب ت ث)، ويضع الكلمة أو المعنى بالهامش وبإزائها ذكر موضعها من أبواب الكتاب، فإذا طلب الباحث حديثًا فيه نوع اشتباه وغاب عنه موضعه؛ فما عليه إلا أن يختار لفظة أو معنى مشهورًا في ذلك الحديث ثم يعمد إلى ذلك الباب في آخر الكتاب ليطلبها فيه. ١
_________________
(١) ١ هذه هي الطريقة التي سلكها المستشرقون في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وها هو ابن الأثير قد سبقهم إلى ذلك، وقبله أهل معاجم اللغة وكتب غريب الحديث التي رتبت على الكلمات الغريبة، وانظر: جامع الأصول ١/٧٦–٨٦ مقدمة المؤلف، الفصل السادس من الباب الثاني، وهذا الباب في آخر الكتاب لم أره مطبوعًا ولعله سقط من تلك الطبعتين والله أعلم.
[ ١٩٨ ]