يقول الحافظ ابن حجر في مقدمته:" اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي ﷺ، لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم؛ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيهما: لسعة حفظهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة".
أقول: نفي كتابة الآثار المشار إليها، ليس على إطلاقه؛ فقد وجد من كتب أن عهد الني ﷺ وأقره بل طلب ﵇ أن يكتب كتابا لأصحابه، كما تقدم.
فيحمل كلام ابن حجر على الكتابة العامة.
يقول ابن حجر: "فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي ١٦٠ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام.
فصنف الإمام مالك "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم (توفي ١٧٩ هـ) .
[ ٤٢ ]
وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح بمكة (توفي ببغداد ١٥٠ وقيل: ١٥١) ١.
وصنف أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام (١٥٦هـ)، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة (توفي ١٦١ هـ)، وحماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة بالبصرة (نوفي ١٧٦هـ)، ومعمر بن راشد باليمن (المتوفى ١٥٣هـ)، وجرير بن عبد الحميد بالري (توفي ١٨٨هـ)، وعبد الله بن المبارك بخراسان (المتوفى ١٨١هـ) .
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث الني ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين؛ فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا (توفي ٢١٣هـ)، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا (توفي ٢١٢هـ)، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزبل مصر مسندا.
ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد؛ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء.
ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا، كأبي بكر بن أبي شيبة.
ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف؛ فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ"، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع الجامع الصحيح". انتهى٢.
يقول السيوطي: "وهؤلاء المذكورون في أول من جمع كلهم من أثناء المائة الثانية".
_________________
(١) ١ يقول بروكلمان عن النجوم الزاهرة: إن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، كان جده جريج عبدا روميا، وأصل اسمه جريجوريونرس، كان أول من صنف أحاديث رسول الله ﷺ، وقد جمع كتابه في الآثار وحروف التفسير، أحاديث لمجاهد وعطاء وغيرهما بمكة، ولكنه لم ينل من الخليفة المنصور ما كان يرجو من العطاء يقول: وقد بقيت بقايا قليلة من مجموعات القدماء من رجال الحديث منذ المرحلة الأولى للتدوين تشتمل عليها دور الكتب قي استانبول. وذكر فايسفيلر أوصاف هذه الأجزاء قي كتابه عن مخطوطات الحديث في مكتبات استانبول. ٢ نظر هدى الساري. وانظر تنوير الحوالك ج١ص٥ وتدريب الراوي ص ٣٩ ط ١.
[ ٤٣ ]
وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر١ بن عبد العزيز بأمره؛ ففي صحيح البخاري: "وكتب عمر بن عبد العزيز أبي أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء)، وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فأجمعوه". قال في فتح الباري: "يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي، ثم أفاد أن أول من دونه بأمر عم بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري". اهـ٢.
وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار قال:"لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يؤدونها لفظا، ويأخذونها حفظا، إلا كتاب الصدقات"٣.
_________________
(١) ١ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الإمام أمير المؤمنين أبو حفص الأموي القرشي، مولده بالمدينة زمن يزيد، ونشأ في مصر في ولاية أبيه عليها، حدث عن عبد الله بن جعفر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وطائفة، وكان إماما فقيها مجتهدا، عارفا بالسنن كبير الشأن ثبتا حجة حافظا قانتا لله أواها منيبا، حدث عنه ابناه عبد الله وعبد العزيز والزهري وأيوب وأبو بكر بن حزم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهما من شيوخه، وأمه أم عاصم بنت عمر بن الخطاب، وكان مليحا أبيض جميل الشكل حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس شحه في صغره، وذا كان يقال له أشج بني أمية، وفي آخر أيامه خطه الشيب، عاش أربعين سنة، ويعد له وزهده يضرب به المثل ﵁. قال الشافعي: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، وقد ولي أولًا إمرة المدينة خلافة الوليد، وبنى المسجد وزخرفه، وكان إذ ذاك لا يذكر بكثير عمل ولا زهد، ولكن تجدد له لما استخلف وقلبه الله فصار بعد حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري، ولكن موته قرب من شيوخه فلم ينشر عمله، عن أبي جعفر الباقر قال: إن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز؛ إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة، وقال مجاهد: أتينا لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه، وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. قال ابن سعد: ولد سنة ٦٣، وكان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع، وروى حديثا كثيرا، وكان إمام عدل، سمعت عبد الله بن داود يقول: ولد مقتل الحسين سنة (٦١)، وقال أنس بن مالك: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، وقال الذهبي: سيرته تحتمل مجلدا، ومات بدير سمعان وقبره هناك يزار، ومات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة سوى ستة أشهر.. اهـ. مقدمة تحفة الأحوذي ج٢ ص٤٧١. ٢ انظر تدريب الراوي ص٤٠ ط١. ٣ روى أبو داود بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في خمس من الإبل شاة الحديث. وروى عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: (هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عمر، وسلم بن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث. اهـ. مختصر سنن أبي داود للمنذري ج٢ ص١٨٥، حديث ١٥١٠، ١٥١٢ من كتاب الزكاة باب زكاة السائمة.
[ ٤٤ ]
والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي، فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه.
وقال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحي بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأمصار إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم١ به. علقه البخاري في صحيحه"٢.
وروى عبد الرزاق عن ابن وهب، سمعت مالكا يقول: "كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب بها إليه، فتوفي عمر بن عبد العزيز وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إلينا " اهـ٣. وفي رواية أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم يأمره: "..انظر ما كان من حديث رسول الله أو سنة ماضية، أو حديث عمرة٤ فاكتبه"، وقد ضم إليها في بعض الروايات اسم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (١٠٧هـ) .
وكلاهما من تلاميذ عائشة؛ فكانا أعلم الناس بأحاديثها عن رسول الله، ولقد قام أبو بكر بن حزم بما عهد إليه عمر، ولكن هذا الخليفة العظيم لحق بربه قبل أن يطلعه على نتائج سعيه، على أن عمر كان قد كتب إلى أهل الآفاق وإلى عماله في الأمصار بمثل ما كتب إلى ابن حزم٥.
وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له غايته عالم الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني٦ الذي دون له في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره، وحق للزهري أن يفخر بعلمه قائلا: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني"٧.
ويخيل إلى الباحث عندما يبلغ هذه المرحلة من الدراسة أن فكرة كره التدوين قد اختفت إلى الأبد، وأنها في هذا العصر بدأت تنسى.
_________________
(١) ١ انظر تنوير الحوالك ص ١٥ هـ قال ابن حجر في فتح الباري: أبو بكر بن حزم، هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، نسب إلى جد أبيه، ولجده عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية، وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أب بكر وقيل كنيته أبو عبد الملك، واسمه أبو بكر، وقيل اسمه (فاكتبه) يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، فكانوا فبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى في تدوينه ضبطا له وبقاء الخ. - فتح الباري كتاب العلم باب كيف يقبض العلم ج١ ص٢٠٤. ٢ قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يقبل إلا حديث النبي ﷺ، وليشفوا العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا، ورواه أيضا من طريق عبد الله بن دينار عن عمر بن عبد العزيز اهـ. جـ١ ص٢٠٤ نفس الكتاب والباب السابقين. ٣ انظر تدريب الراوي ص٤٠ ط١. ٤ عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة وقد روى الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن وآخرون وروت عائشة وأم سلمة وكانت عالمة اهـ جـ ٨ص٣٥٣- طبقات ابن سعد. ط الشعب. ٥ الرسالة المستطرفة ص٤. ٦ محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزهري أبو بكر المدني أحد الأعلام نزل الشام. روى عن ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم من الصحابة وعنه أبو حنيفة ومالك وعمر بن عبد العزيز وغيرهم مات سنة أربع ومائة وعشرين ومائة اهـ إسعاف المبطأ للسيوطي ص٣٧. ٧الرسالة المتطرفة ص٤.. أقول: قال أبو داود حديثه ألفان ومائتان، النصف فيها مسندا اهـ. مقدمة تحفة الأحوذي ص ٤٧٥.
[ ٤٥ ]
ومما تقدم يتبين لنا أن علماء التدوين قد طوفوا الدنيا كلها، وانتشروا في البلدان والأمصار وأحاطوا بها يجمعون ويكتبون في حركة نشطة دائبة يواصلون الليل بالنهار؛ ليسجلوا أجلّ وأخلد سجل عرفته البشرية على الإطلاق، على امتداد تاريخها الطويل، فبعد كتاب الله جندوا أنفسهم وأقلامهم ليدونوا مصدر شريعتهم، ومنبع عزهم الدائم.
وأقول: إن رأي أكثر العلماء في ذلك العصر من التردد في شأن الكتابة، بين الفعل والترك يرجع الى أمرين:
فالحرص على كلام رسول الله أن يضيع كالخوف عليه أن يشيع فيه غير الصحيح كانا عاملين كبيرين في توجيه العلماء نحو القول بكتابة الحديث تارة والنهى عنها تارة أخرى.
وإذا كان أوساط التابعين قد بدءوا يحذرون وضع الوضاعين فان أواخر التابعين أمسوا يصادفون كثيرا من نماذج الوضاعين وصور وضعهم؛ تأييدا للفرق والشيع المختلفة، فقد أمسى لزاما أن يشيع التدوين وينتشر في عصرهم حفظا للنصوص النبوية من عبث العابثين، وميزة التدوين في هذا العصر أن الحديث كان ممزوجا غالبا بفتاوى للصحابة والتابعين، كما في موطأ مالك.
[ ٤٦ ]