تدوين الحديث وأطواره منذ فجر الإسلام حتى عصر أصحاب الصحاح الستة
لما كان الحديث من أصل الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه؛ فلذلك يسر الله للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه وأحاطوا به؛ فتناقلوه كابرا عن كابر، وأوصله كما سمعه أولهم إلى أخرهم، وحببه الله إليهم لحكمه حفظ دينه وحراسة شريعته؛ فلم يزل هذا العلم من عهد الرسول ﷺ غضا طريا، والدين محكم الأساس قوي البنيان.
أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين خلفا عن سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث؛ فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله ﷺ إلى أن انقطعت الهمم شغف على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد ويفني الأموال والعدد ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقا وغربا في طلب حديث واحد يسمعه من راويه؛ فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من تقترن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده؛ فانبعثت العزائم إلى تحصيله.
وكان اعتمادهم أولا على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله، ولا معولين على ما يسطرونه وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.
[ ٣٣ ]
فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوحات، ومات معظم الصحابة وتفرقت أصحابهم وأتباعهم وقلّ الضبط، وكاد الباطل يلتبس بالحق احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة؛ لأنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ؛ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وعقدوا العزم وأجابوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا في تقييدهم ليلهم ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها، ودونوا دواوين ظهرت شفوفها؛ فاتخذها العالمون قدوة، ونصبها العارفون قبلة.
[ ٣٤ ]