وفيه مباحث:
• المبحث الأول: تعريف التَّصحيف.
• المبحث الثاني: منشأ التَّعليل بالتَّصحيف.
• المبحث الثالث: ألفاظ أهل العلم في نقد الحديث بالتَّصحيف.
• المبحث الرابع: أسباب حدوث التَّصحيف.
• المبحث الخامس: قرائن معرفة حدوث التَّصحيف.
• المبحث السادس: الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف.
• المبحث السابع: أقسام التَّصحيف.
• المبحث الثامن: أثر التَّصحيف في متن الحديث.
• المبحث التاسع: أثر التَّصحيف في الإسناد.
• المبحث العاشر: أهم المؤلفات في التَّصحيف.
[ ٦ ]
التصحيف لغة
التصحيف اصطلاحا
المبحث الأول: تعريف التَّصحيف:
التَّصحيف لغة: اسم مصدر، والمصحَّف اسم مفعول مشتق منه، والتَّصحيف تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد من الموضع وأصله الخطأ، يُقال صَحَّفهُ فتصحَّف أي: غيَّره فتغيَّر حتى التبس (^١). والصَّحَفي هو الذي يأخذ العلم من الصُّحُف دون المشايخ.
التَّصحيف اصطلاحًا: هو تغيير الكلمة المروية إلى غيرها، ويكون ذلك إما في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط، وسأذكر لك تعريف الأئمة والمتقدمين لذلك.
قال أبو أحمد العسكري (ت ٣٨٢ هـ): «وأما معنى التَّصحيف وقولهم صحفي، فقد قال الخليل بن أحمد (^٢): الصَّحَفي الذي يروي الخطأ على قراءة الصُّحُف باشتباه الحروف.
وقال غيره: أصل هذا أن قومًا كانوا أخذوا العلم من الصُّحُف من غير أن يَلْقَوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه من التغيير، فيقال عندها: قد صحَّفوا أي: قد رووه عن الصُّحُف، فهو مصحَّف، ومصدره التَّصحيف» (^٣).
وقال الجوهري (٣٩٣ هـ): «الصحيفة الكتاب، والجمع صُحُف وصحائف، والمُصْحَف والمِصْحف. قال الفراء: قد استثقلت العرب
_________________
(١) «المصباح المنير» (١/ ٣٣٤).
(٢) الخليل بن أحمد الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الإمام، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض، أحد الأعلام، وحدث عن أيوب السختياني وعاصم الأحول، أخذ عنه النحو سيبويه، وهارون بن موسى النحوي والأصمعي وآخرون، كان متقشفًا متعبدًا، ولد سنة مئة ومات سنة بضع وستين ومئة، مات ولم يكمل كتاب العين ولا هذبه ولكن العلماء يغترفون من بحره. سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٩).
(٣) «تصحيفات المحدثين» (١/ ٢٤). ونحوه في «شرح ما يقع فيه التَّصحيف والتَّحريف» (١/ ١٣).
[ ٧ ]
الضمة في حروف فكسروا ميمها، وأصلها الضم، من ذلك: مِصحف، ومِخدع، ومِطرف، ومِغزل … والتَّصحيف: الخطأ في الصحيفة» (^١).
وقال أبو الفتح برهان الدين المُطرَّزِي (ت ٦١٠): «الصحيفة: قطعة قرطاس مكتوب، وجمعها صُحُف، وقد جعلها محمد ﵀ اسمًا لغير المكتوب في قوله: وإن كانت السرقة (صُحفًا) ليس فيها كتاب أي: مكتوب. والنسبة إليها صَحَفي، وهو الذي يأخذ العلم من الصحيفة، والتَّصحيف: أن تقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه، أو على غير ما اصطلحوا عليه» (^٢).
قال الفيومي (ت نحو ٧٧٠): «الصحيفة: قطعة من جلد أو قرطاس كُتِبَ فيه، وإذا نُسِبَ إليها قيل: رجل صَحَفي - بفتحتين - ومعناه: يأخذ العلم منها دون المشايخ كما يُنسَب إلى حنيفة وبجيلة حنفي وبجلي، وما أشبه ذلك، والجمع صُحُف - بضمتين - وصحائف مثل كريم وكرائم، والمصحَّف - بضم الميم أشهر من كسرها - والتَّصحيف: تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد من الموضع، وأصله الخطأ يقال: صحَّفه فتصحف أي: غيَّره فتغيَّر حتى التبس» (^٣).
وقال ابن منظور (ت ٧١١ هـ): «والمصحَّف والصحفي: الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف، مولدة». إلى أن قال: «والتَّصحيف الخطأ في الصحيفة» (^٤).
_________________
(١) «الصِّحاح» (٤/ ١٣٨٤).
(٢) «المغرب في ترتيب المهذب» (ص ٢٦٤).
(٣) «المصباح المنير» (ص ٣٣٤).
(٤) «لسان العرب» (٩/ ١٨٣).
[ ٨ ]
وقال الجرجاني (ت ٨١٦ هـ): «التَّصحيف: أن تقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه، أو على ما اصطلحوا عليه» (^١).
وقال ابن حجر (ت ٨٥٢): «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل، فالمحَرَّف» (^٢).
وهو أول من فرق بين التَّصحيف والتَّحريف، ثم نحا كثير من أهل العلم بعده نحوه، والمتقدمون من أهل الحديث لم يذكروا هذا التَّفريق، وإنما كانوا يطلقون على المصحَّف والمحرَّف جميعًا شيئًا واحدًا ويُسمُّونه تصحيفًا، وستجد أمثلة كثيرة على ذلك في القسم التَّطبيقي.
_________________
(١) التعريفات (ص ٥١).
(٢) نزهة النظر (ص ٢٢٩)، فتح المغيث (٤/ ٦٥).
[ ٩ ]
المبحث الثاني: منشأ التَّعليل بالتَّصحيف:
هو قديم قِدم الرواية، وقد استخدمه المحدثون في تعليلهم، وأول من وقفتُ عليه ممن استخدمه الإمام الزهري - وهو من التابعين - وقد كان قليلًا، إذ كان الأقدمون يعتمدون على السماع، ويحفظون الحديث، ثم كان بعضهم بعد ذلك يكتبه. والتَّصحيف في حديث من يعتمد على الكتاب أكثر، والوهم والخطأ فيمن يعتمد على الحفظ أكثر.
قال الإمام أحمد: «ابن مهدي أكثر تصحيفًا من وكيع، ووكيع أكثر خطأ من ابن مهدي وأقل تصحيفًا» (^١).
وذلك أن وكيعًا يعتمد على حفظه.
وقال الإمام أحمد: «ما رأيتُ أحفظ من وكيع، وما رأيتُ مع وكيع قطُّ كتابًا ولا رقعة».
فإذا وقع في التَّصحيف أئمة كبار حفاظ فما بالك بغيرهم ممن أتى بعدهم؟!
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال (١/ ٢٠٢).
[ ١٠ ]
المبحث الثالث: ألفاظ أهل العلم في نقد الحديث بعِلَّة التَّصحيف مما ورد في أحاديث الكتاب:
الزهري (ت ١٢٥):
قال: صحَّف هشام، وذلك في حديث «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق». قال هشام بن عروة: «ضائعًا» (^١).
يزيد بن زريع (ت ١٨٢ هـ):
قال يزيد: صحَّف فيها أبو بسطام - يعني شعبة -، وذلك في حديث: «ثم يُخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن ذرَّة»، صحَّفه شعبة بن الحجاج فقال: «ذُرَة» (^٢).
يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ):
قال: صحَّفه مَعْمر، وذلك في حديث: «البئر جبار»، فقد صحَّفه معمر فقال: «النار جبار» (^٣).
علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ):
قال: الزهري يقول «الصانع»، ويرون أن هشامًا صحَّف في «ضائعًا» (^٤).
أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ).
قال أحمد: صحَّف محمد بن جعفر، وذلك في حديث «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث: الكِبر، والغلول والدَّين؛ دخل الجنة».
قال محمد بن جعفر: «الكنز» بدلًا من «الكِبر» (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٥٨).
(٢) انظر ح رقم (١٢٦).
(٣) انظر ح رقم (٢٤٨).
(٤) انظر ح رقم (١٥٨).
(٥) انظر ح رقم (٢٢٠).
[ ١١ ]
وقال أيضًا: صحفوا على عبد الرزاق (البئر) ب (النار)، وذلك في حديث «البئر جبار»، قال عبد الرزاق: «النار» بدلًا من «البئر» (^١).
وقال أيضًا: قال علي بن حفص: «وأعتاده»، أخطأ فيه وصحَّف، وذلك في حديث: «إن خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» (^٢).
وقال أيضًا: صحَّف وكيع، وذلك في تسميته أحد رواة حديث (مسلم بن ثفنة)، والصَّحيح (مسلم بن شعبة)، صحف وكيع (شعبة) إلى (ثفنة) (^٣).
البخاري (ت ٢٥٦ هـ):
قال البخاري: «خاخ أصح، لكن كذا قال أبو عوانة، وحاج تصحيف»، وذلك من حديث النبي ﷺ لعلي ﵁: «انطلقوا إلى روضة خاخ»، فإن أبا عوانة صحَّفه وقال: «روضة حاج» (^٤).
مسلم (ت ٢٦١ هـ)
قال في حديث ابن لهيعة أن النبي ﷺ احتجم في المسجد: «… وابن لهيعة المصحَّف في متنه المغفل في إسناده … وإنما الحديث أن النبي ﷺ احتجر في المسجد بخوصة أو حصير» (^٥).
وقال أيضًا: «هذا خبر صحَّف فيه قبيصة، وإنما الحديث بهذا الإسناد عن عياض: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ … يعني زكاة الفطر» (^٦)، وذلك أن قبيصة صحف «نؤديه» إلى «نورثه».
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٤٨).
(٢) انظر ح رقم (٢٧).
(٣) انظر ح رقم (٨٢).
(٤) انظر ح رقم (٩٦).
(٥) انظر ح رقم (١٠).
(٦) انظر ح رقم (٢٥٩).
[ ١٢ ]
إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ):
في حديث رواه إبراهيم الحربي عن عبيد الله بن عمر بإسناده إلى عمران: ذكر ناقة النبي ﷺ فقال: (كانت ناقة متوقة)، والصَّحيح (منوقة) - بالنون - فقلت: يا أبا سعيد، ما منوقة؟ قال: مثل قولك فرس نئق أي: جواد. قال: وكان تفسيره أعجب إليَّ من تصحيفه» (^١).
ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ):
في حديث يوسف بن موسى أن رسول الله ﷺ قال: «أغلقوا أبوابكم وأوكوا أسقيتكم …، وكفوا فواشيكم وأهليكم عند غروب الشمس إلى أن تذهب فجوة العشاء».
قال لنا يوسف: «فحوة العشاء»، وهذا تصحيف وإنما هو «فجوة العشاء» (^٢).
ابن صاعد (ت ٣١٨ هـ):
قال في حديث أن النبي ﷺ احتجر في المسجد: «من قال (احتجم) فقد صحَّف» (^٣).
الخطابي (ت ٣٣٨):
قال في حديث (فدفعنا إلى المسجد فإذا هو بارز محتفل): «تصحيف من الراوي، إنما هو بأزز» (^٤).
وقال في حديث: جاء أبو حميد إلى النبي ﷺ وهو بالنقيع: «وقد صحفه بعض أهل الحديث بالباء أي: بالبقيع» (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٢٩).
(٢) انظر ح رقم (١٩١).
(٣) انظر ح رقم (١٠).
(٤) انظر ح رقم (٥١).
(٥) انظر ح رقم (٦٠).
[ ١٣ ]
وقال في حديث أن النبي ﷺ أُتِيَ ببدر فيه خَضِرَات … فصحَّفه بعض الرواة إلى (قدر): «إن رواية القدر تصحيف» (^١).
وفي حديث أن النبي ﷺ نهى عن مراثي القبور وتصحيف بعض رواته إلى (مزابي القبور): «صحفه بعض الرواة» (^٢).
أبو بكر الإسماعيلي (ت ٣٧٨):
قال في حديث: (… كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أشرافهم …): «رواه البخاري «وفيهم أسواقهم» وأظن أن (أسواقهم) تصحيف».
وفي رواية الإسماعيلي (سواهم)، فتعقبه ابن حجر فقال: «بل لفظ (سواهم) تصحيف» (^٣).
وقال في حديث أبي طلحة: «إن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله … فقال له رسول الله ﷺ: «بخ بخ ذلك مال رابح»، وقد صحفه بعض الرواة فقال: (رايح) بدلًا من (رابح)، قال الإسماعيلي: «إن من رواها رايح فقد صحَّف» (^٤).
العسكري (٣٨٢ هـ):
قال أبو أحمد العسكري في حديث السائلة عما يحل لها من مال زوجها، قال ﷺ: «الرطب تأكلينه وتهدينه»: الرَّطب الراء مفتوحة والطاء ساكنة فتصحفه من لا علم له ولا ضبط فيرويه الرُّطب بضم الراء وفتح الطاء» (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢١١).
(٢) انظر ح رقم (٢٣٥).
(٣) انظر ح رقم (٢٤).
(٤) انظر ح رقم (١٢٩).
(٥) انظر ح رقم (١٣٢).
[ ١٤ ]
وقال في حديث إن النبي ﷺ مر على قوم يربعون حجرًا»: «ومما يشاكل هذا في موضع فيه تصحيف: مر النبي ﷺ على قوم يربعون حجرًا، ومن لا يعلم يرويه (يرفعون) …» (^١).
الدارقطني (ت ٣٨٥):
قال في حديث: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة».
ورواه بعضهم «قر الزجاجة»: «هذا تصحيف» (^٢).
وقال في تصحيف بعض الرواة (جُدامة) بنت وهب إلى (جذامة): «من قال بالمعجمة فقد صحَّف» (^٣).
وغير هؤلاء من المحدثين والنُّقَّاد كما سيأتي في هذا البحث، وممن نقلنا منه الكثير في هذا البحث بالإعلال بعِلَّة التَّصحيف: القاضي عياض (^٤)، والحافظ ابن حجر (^٥)، وانظر ملخصًا لأقوال أهل العلم في فهرس التَّصحيفات (^٦).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٧٥).
(٢) انظر ح رقم (١٣٧).
(٣) انظر حديث (٨٨).
(٤) انظر الأحاديث (٩، ٤٨، ٦٢، ٧٩، ٨١، ٩٧، ١٠٩، ١١١، ١٢٠، ١٢٥، ١٢٨، ١٣١، ١٣٨، ١٥١، ١٦٥، ١٧٥، ١٧٨، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٩٤، ١٩٩، ٢١١، ٢١٥، ٢٣٢، ٢٣٧، ٢٦٥، ٢٧٦، ٢٧٩).
(٥) انظر الأحاديث (٦، ٧، ٢٥، ٢٩، ٤٢، ٤٣، ٦١، ٦٧، ٧٠، ٩٣، ١٠١، ١٠٨، ١٢٤، ١٢٩، ١٣٦، ١٤٠، ١٤١، ١٤٤، ١٤٩، ١٥٢، ١٩٣، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢٢٥، ٢٢٨، ٢٤٧، ٢٥٠، ٢٥٦، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧٠، ٢٧٤، ٢٨٠).
(٦) (ص ٥٨٧).
[ ١٥ ]
المبحث الرابع: أسباب التَّصحيف:
للتَّصحيف أسباب كثيرة سنأتي على ذكرها، وقد وقع التَّصحيف لكبار المحدثين كشعبة (^١) وسفيان الثوري (^٢) وهما من هما في علم الحديث، وكذلك صحف عبد الله بن المبارك (^٣)، وعبد الرحمن بن مهدي (^٤)، ووكيع (^٥) وغيرهم من أئمة الحديث فما بالك بغيرهم؟
روى الخطيب بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: «من تفلَّتَ من التَّصحيف؟! كان يحيى بن سعيد يشكل الحرف إذا كان شديدًا، وغير ذلك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل والتقييد عفان وبهز وحبَّان» (^٦).
الأول: الأخذ من الكتاب.
ذكر أهل العلم والفضل أن من أعظم أسباب التَّصحيف هو أخذ الحديث من بطون الكتب دون الأخذ من المشايخ مشافهة، ولذلك حذروا من أخذ الحديث ممن لم يعرفوا بطلب العلم، وذكروا أن التَّصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ العلم عن الصحف.
_________________
(١) صحف شعبة كلمة (ذرَّة) إلى (ذُرة) انظر ح رقم (١٢٦).
(٢) صحف سفيان الثوري (النقيع) إلى (البقيع) انظر ح رقم (٥٩).
(٣) قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أنه سئل عن الماء وما يَنُوبُهُ من الدواب، وقال ابن المبارك: (وما يثوبه) وصحف فيه. العلل ومعرفة الرجال (٢٨٩٣).
(٤) من أمثلة ذلك ما ذكره أبو زرعة الرازي، ذكر ابن مهدي فأطنب في مدحه وذكر تصحيفاته أنه قال شهاب بن شرنقة وإنما هو بن شرهة، وصحف عائد بن نضلة فقال ابن بطة، وقال قيس بن جبر وإنما هو قيس بن جبير. سؤالات البرذعي (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٥) انظر ح رقم (٨٢).
(٦) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١/ ٢٧٠).
[ ١٦ ]
قال الإمام مالك: «أدركتُ بهذا البلد رجالًا - يعني المدينة - ونحوها يحدثون الأحاديث لا يؤخذ عنهم، وليسوا بأئمة، فقيل له: وغيرهم دونهم في السن يؤخذ ذلك منهم؟ قال: نعم، ويجب أن يكون حفظه مأخوذًا من العلماء لا عن الصحف».
وقال سليمان بن موسى: «لا تأخذوا العلم من الصحفيين».
وقال ثور بن يزيد: «لا يفتي الناس صحفي، ولا يُقرئهم مُصْحَفيٌّ».
وقال عبد الله بن عون: «لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب».
ذكر ذلك كله الخطيب (^١).
وقال الأوزاعي: «ما زال هذا العلم عزيزًا يتلقَّاه الرجال حتى وقع في الصحف فحمله أو دخل فيه غير أهله» (^٢).
وذكر الإمام مسلم أن سبب تصحيف ابن لهيعة حديث (أن النبي ﷺ احتجر في المسجد) إلى (احتجم في المسجد) أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة من غير سماع منه أو عَرْض عليه (^٣).
ويُروَى عن حمزة الزيات أنه كان في أول تعلمه يتعلم من المصحف فسمعه والده يقرأ: (ذلك الكتاب لا زيت فيه)، فقال له أبوه: «يا بني، دع القراءة من المصحف وتلقن من أفواه الرجال» (^٤).
_________________
(١) ينظر: «الكفاية في علم الرواية» (ص ١٦١ فما بعدها).
(٢) «سنن الدارمي» (٤٨٣).
(٣) انظر حديث رقم (١٠).
(٤) «تصحيفات المحدثين» للعسكري (١/ ١٤٥).
[ ١٧ ]
وفي هذه القصة نظر من وجوه، أهمها الانقطاع، فمحمد بن يحيى الذي يروي عنه العسكري القصة لم يدرك حمزة ولا زمنه، ومنها: عدم وجود القصة في مظان مهمة من كتب التراجم، فتكاد تكون من مفاريد العسكري، ومنها: أنها من مرويات أعداء حمزة كما ذُكِرَ، وفي روايات وقصص المتعادين عن بعضهم تحامل معلوم، فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما في القصة من غرابة نسبية.
هذا، ولقد ذكر أهل العلم أن من أسباب التَّصحيف التوسع في الرواية بالإجازة والمناولة.
قال السيوطي عن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «وذهب قوم إلى ترك الاحتجاج به، وحكاه الآجري عن أبي داود، وهو رواية عن ابن معين قال: «لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة، فمن هنا جاء ضعفه؛ لأن التَّصحيف يدخل على الراوي من الصحف لذا تجنبها أصحاب الصَّحيح» (^١).
ولهذا كان يقال: «من تأدب من الكتاب صحَّف الكلام، ومن تطبَّب منه قتل الأنام، ومن تنجم منه أخطأ في الأيام، ومن تفقه منه غيَّر الأحكام».
ولا يعني ما تقدم ذم الكتاب بل كما قال المتنبي:
… وخير جليس في الزمان كتاب
_________________
(١) «تدريب الراوي» (٢/ ٧٣٢).
[ ١٨ ]
وهو خير أنيس ورفيق في الحضر والسفر، مؤنس في الوحشة، لا يمل حتى تمل أنت منه، تأخذ منه وتعطي فيه، تستفيد من علومه، ويحفظ وينشر علومك ويحملها إلى الآفاق» (^١).
التَّصحيف القاتل:
مثال ذلك ما ورد عن توما الحكيم وهو طبيب ولكن تطببه من الكتب، وقد وقع التَّصحيف في بعض كتبه فكان يقرأ «الحية السوداء شفاء من كل داء»، تصحفت كلمة (حبة) إلى (حية) فمات بسبب تطببه خلق كثير.
وفيه قال أبو حيان النحوي:
يظنُّ الغِمرُ أن الكتبَ تَهدي … أخَا فَهمٍ لإدراكِ العلومِ
وما يَدري الجَهُولُ بأنَّ فيها … غوامضَ حيَّرتْ عقلَ الفَهيمِ
إذا رمتُ العلومَ بغيرِ شيخٍ … ضَلَلَتِ عن الصراطِ المستقيمِ
وتَلتبسُ الأمورُ عليك حتَّى … تكون أضلَّ من تُومَا الحَكيمِ (^٢)
_________________
(١) «اللطائف والظرائف» للثعالبي (ص ٦٧).
(٢) نسبت هذه الأبيات لأبي حاتم، ولأبي حيان التوحيدي، وانظر «نفح الطيب» للمقري (٢/ ٦٤٥) و«طبقات الشافعية» للسبكي (٩/ ٢٨٦)، و«الموسوعة الشعرية» (ص ١١٥). ويقال: إن توما تثنية توأمين، وهما ابنان لحكيم من الحكماء، وكان أبوهما طبيبًا، فلما مات قام أحدهما مقامه ومهر في الطب، وكان يكتب العلاج لأي مرض يعالجه، وبعد وفاته أراد أخوه أن يحل محله وكان جاهلًا لا يفقه في الطب شيئًا، واعتمد على كتاب أخيه، فبجانب كل مرض الدواء المناسب، وكان إذا دخل عليه مريض لا يخرج سليمًا في الغالب، فلما راجعوه وجدوه قد جمع عددًا من الحيات والثعابين السوداء فلما سألوه قال: مكتوب عندي «الحية السوداء شفاء من كل داء». فتصحف فيه (الحبة) إلى (الحية).
[ ١٩ ]
قال الجاحظ في مدح الكتب: «الكتاب وعاء مُلِيَء علمًا، وظرف حُشِيَ ظرفًا، وإناء شُحِنَ مزاحًا وجِدًّا؛ وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائبه، وإن شئت ألهتك مضاحكه، وإن شئت أشجتك مواعظه. فالكتاب نعم الظهر والعمدة، ونعم الكنز والعدة، ونعم الذخر والعقدة، ونعم النزهة والعشرة، ونعم الشغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير النزيل. وهو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستبيح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستطيلك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك. وهو الذي يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويفيدك في السفر إفادته في الحضر، لا يعتل بنوم ولا ضجر، ولا يعتريه كلال سهر، وهو المعلم الذي إذا افتقرت إليه لم يحتقرك، وإذا قطعت عنه المادة والمائدة لم يقطع عنك العادة والعائدة، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك، وإن قلّ مالك لم يترك زيارتك.
ثم قال: «ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت في عجائب حكمتها، ودونت من محاسن سيرها، وفتنت من بدائع أثرها، حتى شاهدنا ما غاب عنا، وفتحنا كل مستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم».
ثم قال: «ولولا الكتب المدونة، والأخبار المفننة لبطل أكثر العلم، وغلب سلطان النسيان سلطان الفهم».
وقال مؤلف الكتاب: «حدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ كتابًا فيه مآثر غطفان، فقال: ذهبت المكارم إلا من الدفاتر.
[ ٢٠ ]
قال: «وسمعت الحسن اللؤلؤي يقول: عبرت أربعين عامًا ما قلت ولا بت إلا والكتاب موضوع على صدري» (^١).
الثاني: التشابه في رسم حروف اللغة العربية.
وهذا سبب رئيس في حصول التَّصحيف؛ فإن أكثر الحروف تتَّحد صورة الحرفين منها، وإنما يميز بينهما النقط، منها الدال مع الذال، والراء مع الزاي، والسين مع الشين، والصاد مع الضاد، والطاء مع الظاء، والعين مع الغين، والفاء مع القاف.
ومنها ما يتَّحد فيه ثلاثة حروف في الصورة، منها الباء مع التاء والثاء، والجيم مع الحاء والخاء، بل يلحق النون والياء مع الباء والتاء والثاء؛ إذ لا تميز عن كتابتها في الجمل إلا بالنقط (ب، ت، ث، ن، ي).
وفي كتابنا هذا بلغ ما حصل من تصحيف بتغيير النقط مئة حديث، منها على سبيل المثال: (أعتده) تصحفت إلى (أعبده)، و(أربى الربا) تصحف إلى (أزنا الزنا)، (وأباها) تصحفت إلى (إياها)، و(النقيع) إلى (البقيع)، و(بيته) إلى (بنته)، و(تتايعوا) إلى (تتابعوا)، و(تنسح نسحا) إلى (تنسج نسجًا)، و(روضة خاخ) إلى (روضة حاج)، و(خونًا) إلى (خوفًا)، و(البارز) تصحف إلى (البازر)، و(بأزز) إلى (بارز)، ونحو ذلك (^٢).
لذا حرص جماعة من أهل الحديث على إلحاق الكلمة بتوضيح لئلا تشتبه الحروف أو التَّشكيل، وتجد ذلك كثيرًا في الكتب المعنية بأسماء الرواة، مثال ذلك يقول ابن حجر في «التقريب» (^٣):
_________________
(١) «اللطائف والظرائف» للثعالبي (ص ٦٦).
(٢) انظر الفهرس «التَّصحيف بتغيير النقط» (ص ٦٣٨).
(٣) «التقريب» (٦٥٠٩)، (٦٨٥٤).
[ ٢١ ]
- «مُعَلَّى - بفتح ثانيه وبتشديد اللام - ..».
- ابن أسد العَمِّي - بفتح المهملة وتشديد الميم -».
- مُثَنَّى - بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون مقصورًا -».
الثالث: التَّشكيل أو الضَّبط.
تتميَّز اللغة العربية بأنها لغة حية، وحروفها متحركة غير جامدة، وتتغيَّر معنى الكلمة بتغيُّر تشكيلها، وقد كانت العربية في صورها الأولى لا تخضع للتَّشكيل والحركات؛ لذا يُنقَل عن الإمام أحمد قوله: «كان يحيى بن سعيد يُشكل الحرف إذا كان شديدًا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل عفان وبهز وحبان».
وفي كتابنا هذا جاء التَّصحيف بسبب هذه العِلَّة في خمسة عشر حديثًا، منها تصحيف كلمة:
(آنت) إلى (أتت)، و(أُفُقِه) إلى (أَفْقَه)، و(بدَّنتُ) إلى (بدُنتُ)، و(البرَدَة) إلى (البرْد)، و(حُرَم) إلى (حَرَم)، و(ذرَّة) إلى (ذُرة)، (مدى) إلى (مدَّ)، و(حمام) إلى (حمَّام) (^١).
وقد أدى الاختلاف في ضبط الكلمات إلى توهم اختلاف الأحكام، منها حديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه».
ضبط الجمهور ذكاة أمه بالرفع، وضبطه أبو حنيفة بالنصب، فالمعنى عند الجمهور أن ذكاة أمه كافية، وعند أبي حنيفة أي: ذكوه كما تذكون أمه (^٢).
ومنها حديث: «لا نورث ما تركنا صدقة».
_________________
(١) انظر في الفهرس: «التَّصحيف في تغيير الحركات» (ص ٦٤٦).
(٢) «المجموع» (٩/ ١٢٨)، «البناية شرح الهداية» (١١/ ٥٧).
[ ٢٢ ]
الجمهور يروي صدقة بالرفع، أي: المتروك عنا صدقة، وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن (ما) نافية، ورُدَّ عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع و(ما) موصولة، ورواية الجمهور صريحة لقوله فيها «فهو صدقة» (^١).
ومنها قوله ﷺ للمسبوق الذي أدرك الإمام راكعًا فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» أي: لا تَعُدْ إلى ذلك الفعل، ومنهم من رواها «ولا تعْدُ» من العدو.
ومنها قوله ﷺ: «ستة لعنتهم ولعنهم الله - ذكر منهم - المستحل لحُرم الله» أي: ما حرَّم الله، وصحفه بعضهم لِحرَم الله - بفتح الحاء - يريد حرم مكة (^٢).
ومنها قوله ﷺ: «إني قد بدَّنتُ فلا تبادروني بالركوع والسجود»، رواها بعضهم (بدُنتُ).
قال الخطابي: «(بدَّنتُ) بتشديد الدال … والآخر (بدُنت) مضمومة الدال غير مشدودة ومعناه زيادة الجسم واحتمال اللحم.
وقال أبو عبيد: قد بدَّنت يعني كبرت وأسننت …، وأما قوله قد بدُنت فليس لهذا معنى إلا كثرة اللحم وليست صفته فيما يروى عنه هكذا …» (^٣).
ومنها ما رُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: «أصل كل داء البرَدة» - بفتح الراء - تصحف عند بعضهم إلى (البرْد) بسكون الراء، وبوب عليه (باب توقي البرد والحر)، والصَّحيح البردة: أي التَّخمة وهي إدخال الطعام على الطعام (^٤).
_________________
(١) «طرح التثريب» (٦/ ٢٤٢)، «فتح الباري» (١٢/ ٧)، «الجامع» للخطيب (٥٦٣).
(٢) انظر ح رقم (١٠٣).
(٣) انظر ح رقم (٥٦).
(٤) انظر ح رقم (٥٧).
[ ٢٣ ]
وفي الأثر: «ليس على سارق الحمَّام قطع» صحفه بعضهم إلى الحمام، ثم فسره بمعنى الحمام المرسلة في غير حرز (^١).
الرابع: الخط:
صعوبة الخط العربي، واختلاف أشكاله ومدارسه، وتشابه حروفه، وقد يكون لرداءة الخط أو التَّعجُّل في كتابة الحديث - سواء من طلبة الحديث لئلا يفوته شيء من حديث شيخه، أو الوراقين لزيادة الكسب - أثر في التَّصحيف والتَّحريف.
الخامس: سوء السمع.
من الأسباب التي ينشأ عنها التَّصحيف سوء سمع بعض الرواة لحديث شيخه، إما لسوء سمع لديه، أو بُعدِه عن الشيخ لاتساع المجلس، وكثرة الطلاب، أو خفوت صوت الشيخ، أو لأسباب أخرى تتعلَّق بالراوي كضعف فطنته وتركيزه، أو عدم المراجعة والمقابلة.
وهذا النوع من التَّصحيف أسماه المحدثون بتصحيف السَّمع؛ لأن التَّشابه فيه ليس في كتابة الحروف، إنما هو في مخارجها وأوزانها مثل تصحيف بعض الرواة (عاصم الأحول) إلى (واصل الأحدب) (^٢).
وفي بحثنا هذا عدد من التَّصحيفات من هذا النوع، مثل:
_________________
(١) انظر ح رقم (١٠٦).
(٢) قال ابن الصلاح: «فقد انقسم التَّصحيف إلى قسمين: أحدهما في المتن والثاني في الإسناد، وينقسم قسمة أخرى إلى قسمين: أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر والثاني: تصحيف السمع نحو حديث (لعاصم الأحول) رواه بعضهم فقال (واصل الأحدب) فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر، كأنه ذهب والله أعلم أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه من سمع من رواه». ينظر «مقدمة ابن الصلاح» (ص ٢٨٣).
[ ٢٤ ]
تصحف عند بعضهم (سبتًا) إلى (ستًّا)، و(فارتاح) إلى (فارتاع)، و(بغوا) إلى (أبوا)، و(أخرجته) إلى (أحرقته)، و(إرشاد الضَّال) إلى (إنشاد)، و(رجل من بني عامر) إلى (رجاء بن عامر) وغيرها (^١).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٤١، ١٧، ٣، ١١، ٤١، ١٣٠).
[ ٢٥ ]
المبحث الخامس: قرائن معرفة حدوث التَّصحيف:
القرينة الأولى: أن يذكر في سياق الحديث ما يدل عليه.
القرينة الثانية: أن يأتي لفظ في الحديث مخالفًا للمصدر الذي رُوِيَ من طريقه، فيدل على تصحيف عند الناقل.
القرينة الثالثة: أن يأتي لفظ في الحديث عند الناقل مخالفًا للمصدر، وموافقًا لروايات أخرى، فيدل على تصحيف في المصدر.
القرينة الرابعة: أن يُروَى الحديث من طريق شيخ المصنف بخلاف لفظ المصنف.
وهذا قريب من القرينة الثانية، وتخالفه في أنه يروى من طريق شيخ المصنف لا المصنف.
القرينة الخامسة: أن يأتي في سياق الحديث ما يخالف تبويب المصنف.
القرينة السادسة: أن يروي المحدث الحديث بنفس الإسناد بلفظين مختلفين متشابهين.
القرينة السابعة: اضطراب المعنى وعدم استقامته.
القرينة الثامنة: إنكار أهل اللغة للفظ المصحَّف.
[ ٢٦ ]
قرائن معرفة التَّصحيف:
القرينة الأولى: أن يأتي في سياق الحديث ما يدل على التَّصحيف.
المثال الأول:
جاء في حديث عند البخاري من حديث أسامة بن زيد أن ابنة للنبي ﷺ أرسلت إليه أن ابنتي قد حضرت فاشهدها … الحديث وفيه: «فرفع الصبي في حجر النبي ﷺ».
قوله: «فرفع الصبي» يدل أن قول (ابنتي) تصحيف، والصَّحيح: (أن ابني) ويدل على التَّصحيف أيضًا أن البخاري عقد على هذا الحديث (باب عيادة الصبي) (^١).
المثال الثاني:
في حديث أن النبي ﷺ سُحِرَ في مشط ومشاطة وألقي السحر في بئر، فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه ثم قال: «يا عائشة، لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين»، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته.
كذا في رواية لمسلم، وفي رواية للشيخين (أفلا أخرجته) وهو الصَّحيح، يدل عليه سياق الحديث قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرًّا»، فأمر بها فدُفِنَت.
قوله: (فأمر بها فدفنت) دل على أنه لم يستخرجه، فكيف يحرقه وهو لم يستخرجه، وإنما أمر بدفنها (^٢).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢).
(٢) انظر ح رقم (١١).
[ ٢٧ ]
المثال الثالث:
في حديث أن قريشًا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجدب حتى أكلوا العظام فأتى النبي ﷺ رجل قال: يا رسول الله، استغفر الله لمضر فإنهم هلكوا.
هكذا في رواية مسلم، وفي البخاري: «استسق الله»، وهو الصَّحيح، يدل عليه سياق الحديث: (فدعا الله لهم فمطروا) (^١).
المثال الرابع:
حديث عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصُّفة كانوا فقراء … الحديث وفيه (وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ، ثم لبث حيث صُلِّيت العشاء ثم رجع (يعني إلى بيت النبي ﷺ فلبث حتى تعشى النبي ﷺ، فجاء بعد ما مضى من الليل.
قوله: (فلبث حتى تعشى) تصحيف، والصَّحيح (حتى نعس) فإنه ذكر قبله أنه تعشى مع النبي ﷺ قبل صلاة العشاء (^٢).
المثال الخامس:
روى النسائي من حديث أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا النبي ﷺ حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم كانت سادسة فلم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا، ثم كانت الرابعة فلم يقم بنا، فلما بقي ثلث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه وحشد الناس فقام بنا.
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٠).
(٢) انظر ح رقم (٧٤).
[ ٢٨ ]
قوله: (ثلث) تصحيف، والصَّحيح (ثلاث) أي بقي ثلاث أيام من الشهر، يدل عليه سياق الحديث (^١).
المثال السادس:
جاء في رواية للبخاري من حديث ابن عباس ﵁ قال: بتُّ عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ، فلما كان بعض الليل قام رسول الله ﷺ فتوضأ ..
تصحف (فنام) إلى (فقام)، يدل عليه قوله بعده في الحديث: (فلما كان بعض الليل قام النبي ﷺ (^٢).
قال القاضي عياض: «قوله: (فنام رسول الله ﷺ كذا لابن السكن، وعند الجماعة (فقام) والأول الصواب؛ لأن بعده (فلما كان في بعض الليل قام رسول الله ﷺ.
قلت: في المطبوع من «صحيح البخاري» وشروحه على لفظ الجماعة (فقام).
المثال السابع:
روى البخاري من حديث عيسى بن يونس في قصة سحره ﷺ قال: «ومن طبَّهُ؟» قال: لبيد بن الأعصم قال: «بماذا؟» قال: في مشط ومشاطة.
قال البخاري عقب الحديث: تابعه أبو أسامة وأبو ضمرة وابن أبي الزناد عن هشام.
وقال الليث وابن عيينة عن هشام (في مشط ومشاقة) (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٨٢).
(٢) انظر ح رقم (٢٠٣).
(٣) انظر ح رقم (٢٣٨).
[ ٢٩ ]
وهذا يدل على أن ما جاء في رواية للبخاري، وفي موضع آخر عن عيسى بن يونس بنفس الإسناد وفيه (مشط ومشاقة) تصحيف من النُّساخ؛ إذ ذكر البخاري أن عيسى قد رواه بلفظ (مشاطة).
المثال الثامن:
روى بعضهم عن عبد الله بن وهب حديثًا فيه: أن النبي ﷺ أُتِيَ بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا … إلخ.
قوله: (بقدر) تصحيف، والصَّحيح (ببدر) كما جاء في رواية أحمد بن صالح عن ابن وهب، ثم قال أحمد بن صالح: قال ابن وهب: يعني طبقًا فيه خضرات.
فسر ابن وهب (البدر) أنه الطبق، مما دل على أن من رواه عنه أو من طريقه بلفظ (القدر) فقد صحَّف؛ لأن القدر لا تحتاج إلى تفسير (^١).
القرينة الثانية:
أن يأتي لفظ في الحديث مخالفًا للمصدر الذي رُوِيَ هذا الحديث من طريقه.
المثال الأول:
روى البغوي حديثًا من طريق التِّرمذي وخالفه في لفظ جاء عند البغوي في وصف الدَّجال: «غلام أعور أضرس» أي عظيم الضرس، والصَّحيح كما عند التِّرمذي الذي أخذ عنه هذا الحديث (أضر شيء) فصحَّف حرف الشين إلى سين، ولم يتفطن لحرف الياء (^٢).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢١١).
(٢) انظر ح رقم (٢٦).
[ ٣٠ ]
المثال الثاني:
جاء عند البخاري: (كان إذا اعتكف المؤذن للصبح).
هكذا رواه عبد الله بن يوسف عن مالك، والحديث عند كافة رواة «الموطأ» ومسلم (إذا سكت) لذا قال ابن حجر: «وقد استشكله كثير من العلماء» (^١).
قلت: لا حاجة لاستشكاله، والتعلُّق بتفسيره، فالكلمة مصحفة.
المثال الثالث:
روى النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: «إن أمي افتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت».
والحديث في «الموطأ» - رواية ابن القاسم وغيره - (وأراها) بدلًا من (وإنها)، وكذلك رواه البخاري وغيره من حديث مالك.
فرواية النسائي عن ابن القاسم بخلاف ما في كتاب ابن القاسم تدل على التَّصحيف في روايته (^٢).
المثال الرابع:
روى البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك حديثًا فيه: (فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٨).
(٢) انظر ح رقم (٤٥).
[ ٣١ ]
والحديث عن مالك عند جميع رواة «الموطأ» (فنام حتى أصبح)، وكذلك رواه البخاري في موضع آخر فدل أنه تصحيف (^١).
المثال الخامس:
قال الإشبيلي: إن ابن عدي روى من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «اغتسلوا يوم الجمعة ولو كانت بدينار».
والحديث عند ابن عدي: «ولو كأسًا بدينار» (^٢).
المثال السادس:
روى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة حديثًا فيه: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال: (لوما أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به).
والحديث في «مصنف ابن أبي شيبة»: (لولا) وكذا رواه البخاري، فدل أن (لوما) تصحيف من (لولا) (^٣).
المثال السابع:
قال عبد الحق الإشبيلي: «إن العقيلي روى من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «يمسح المتيمم هكذا ..»، وفي كتاب العقيلي (اليتيم)، صحفه الإشبيلي إلى (المتيمم) (^٤).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٠٤).
(٢) انظر ح رقم (٢١٦).
(٣) انظر ح رقم (٢٢٢).
(٤) انظر ح رقم (٢٣٠).
[ ٣٢ ]
المثال الثامن:
روى ابن حزم من طريق أبي داود من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «وصلاة المرأة في مسجدها أفضل من صلاتها في بيتها»، والحديث في «سنن أبي داود» «مخدعها» بدلًا من «مسجدها»، صحَّف ابن حزم «مخدعها» إلى «مسجدها» (^١).
المثال التاسع:
جاء في «صحيح ابن حبان» بترتيب ابن بلبان حديث فيه: «وكفوا مواشيكم وأهليكم عند غروب الشمس»، والحديث في «التقاسيم والأنواع» لابن حبان، و«صحيح ابن خزيمة» - شيخ ابن حبان في هذا الحديث - بلفظ: «فواشيكم»، وكذا في مسلم وغيره، فدل على أنه تصحَّف في ترتيب ابن بلبان لصحيح ابن حبان (^٢).
المثال العاشر:
روى التِّرمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر حديثًا فيه: «ولقاب قوس أحدكم أو موضع يده في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، والصَّحيح «أو موضع قده»، وهو السوط، كذا في حديث علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر، وكذا رواه أحمد وغيره (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٣٦).
(٢) انظر ح رقم (٢٤٤).
(٣) انظر ح رقم (٢٧٤).
[ ٣٣ ]
المثال الحادي عشر:
روى ابن الأعرابي عن أبي داود حديثًا فيه: «قد أصاب الثمر الدَّمار»، والحديث في «سنن أبي داود» (الدَّمان) - بالنون - فعُلِمَ أن ابن الأعرابي صحَّف (^١).
المثال الثاني عشر:
روى البغوي من طريق الإمام البخاري حديث: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها ثغبة قبلت الماء».
قوله: (ثغبة) تصحيف لأنها لا تقبل الماء، والصَّحيح (نقية) كما ورد عند البخاري الذي رواه من طريقه (^٢).
القرينة الثالثة: أن يأتي لفظ في الحديث عند الناقل مخالفًا للمصدر، وموافقًا لروايات أخرى، فيدل على تصحيف في المصدر.
المثال الأول:
روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج … وفيه (فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: «ما يبكيك؟» قلت: سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت العمرة قال: «ما لك؟» قلت: لا أصلي …».
قوله: (فسمعت) تصحيف، والصَّحيح (فمنعت) لحال الحيض.
كذا رواه ابن حزم من طريق الإمام مسلم، وكذا هو عند البخاري وغيره، ودل ذلك أن مسلمًا إنما يرويه على الصَّحيح، والتَّصحيف فيه ممن دونه (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٢٥).
(٢) انظر ح رقم (٨١).
(٣) انظر ح رقم (١٩٤).
[ ٣٤ ]
المثال الثاني:
جاء في حديث رواه أبو يعلى أن النبي ﷺ قال: «إذا حُمَّ أحدكم فليُسنّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السَّحَر».
ورواه الضياء من طريق أبي يعلى وفيه «فليشن» بالشين، وهكذا رواه النسائي وغيره وهو الصَّحيح، ودل هذا أن أبا يعلى إنما يرويه «فليشن» بالشين، وأن التَّصحيف إنما هو ممن بعده (^١).
المثال الثالث:
جاء في حديث عند البخاري «إني أعطيهم وأغنيهم»، ورواه أبو نعيم في «مستخرجه على البخاري» من طريق شيخ البخاري، وفيه «وأعينهم» من الإعانة، وهو الصَّحيح الموافق لروايات أخرى (^٢).
المثال الرابع:
جاء في حديث رواه أبو داود عن صفة صلاة النبي ﷺ: (فكان إذا سجد كبَّر، وإذا ركع كبَّر)، ورواه البيهقي من طريقه (وإذا رفع كبر) بدلًا من (ركع)، وهو الصَّحيح الموافق لرواية البخاري وغيره (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٧٨).
(٢) انظر ح رقم (٣٥).
(٣) انظر ح رقم (١٣٤).
[ ٣٥ ]
المثال الخامس:
جاء في حديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير).
ورواه قوام السُّنَّة إسماعيل بن محمد الأصبهاني من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن الإمام البخاري به، ولفظه (الحرير) بدلًا من (الحبير)، وهو الصواب لوروده من طرق أخرى عند البخاري وغيره بلفظ (الحرير)، وقد ذكر القاضي عياض اختلاف النُّساخ في هذه اللفظة ورجح لفظة (الحبير)، ورجح ابن حجر (الحرير)، وهو الصواب، والله أعلم (^١).
المثال السادس:
روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بمُرِّ الظهران نجني الكباث) فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أيطب.
ورواه البغوي من طريق محمد بن يوسف عن البخاري نفسه بلفظ (أطيب)، وهو الصَّحيح، وذكر ابن الملقِّن أنه كذلك في بعض نسخ البخاري، وهذه قرينة أخرى على التَّصحيف (^٢).
القرينة الرابعة:
أن يُروى الحديث من طريق شيخ المصنف بخلاف لفظ المصنف، وهذا قريب من القرينة الثانية، ويخالفه أنه يروى من طريق شيخ المصنف لا المصنف، ومن أمثلته:
_________________
(١) انظر ح رقم (١٠٠).
(٢) انظر ح رقم (٤٩).
[ ٣٦ ]
المثال الأول:
روى البخاري عن الحسن بن عبد العزيز حديثًا في الفتنة وفيه (وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه وهذه ابنته، أو بنته حيث ترون).
قوله: (بنته) تصحيف، والصَّحيح (بيته)، فقد رواه البيهقي من طريق الإسماعيلي، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي - شيخ البخاري فيه - به، وفيه: (هذا بيته)، فدل هذا أن ما في رواية البخاري تصحيف من النُّساخ، ويُؤيِّده أن البخاري رواه من طريق آخر، فقال: (بيته) (^١).
المثال الثاني:
في حديث رواه أبو داود عن محمد بن المثنى جاء فيه أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة أطعمينا» فجاءت بحشيشة فأكلنا … (بالحاء)، ورواه النسائي أيضًا عن ابن المثنى - شيخ أبي داود فيه - فقال: «جشيشة» بالجيم، وهو الصَّحيح (^٢).
المثال الثالث:
روى أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حُمَيد عن يزيد بن هارون حديثًا ذكر فيه: «أربع من سنن المرسلين»، وفيه «الحناء».
ورواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون بلفظ «الحياء»، وهو الصَّحيح. وكذلك رواه جماعة عن شيخ يزيد بن هارون فقالوا: «الحياء» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٦١).
(٢) انظر ح رقم (١٠٥).
(٣) انظر ح (١٠٨).
[ ٣٧ ]
المثال الرابع:
روى مسلم عن محمد بن المثنى من حديث أنس جاء فيه (فغدوت فإذا هو في الحائط وعليه خميصة حويتية)، وجاء في رواية البخاري عن محمد بن المثنى بنفس الإسناد (حُريثية) بالراء، وهو الصَّحيح (^١).
المثال الخامس:
روى البخاري عن يحيى بن بكير حديثًا فيه أن رسول الله ﷺ كان يُؤتَى بالرجل المتوفى عليه الدَّين فيسأل: «هل ترك لدَينه فضلًا …».
ورواه البيهقي من طريق يحيى بن بكير به وقال «قضاءً» بدلًا من «فضلًا»، وكذلك رواه مسلم وغيره وصححه عياض وابن حجر، وكذلك جاء عند بعض رواة البخاري على الصَّحيح.
قال عياض: «فضلًا» كذا للأصيلي ولغيره «قضاء» وهو أبين» (^٢).
المثال السادس:
روى أبو داود عن عبد الله بن معاذ حديثًا فيه: «ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق».
ورواه مسلم وغيره عن عبد الله بن معاذ بهذا السند وفيه «ثور الشفق»، صحف أبو داود «ثور الشفق» إلى «فور الشفق» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٠٩)، وح رقم (١١٢).
(٢) انظر ح رقم (١٩٧).
(٣) انظر ح رقم (٢٠٠).
[ ٣٨ ]
المثال السابع:
روى أبو داود عن سليمان بن داود المهري من حديث عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلًا وهو على حمص يشمس ناسًا من القبط في أداء الجزية.
ورواه النسائي عن سليمان بن داود فقال: (من النبط)، وهو الصَّحيح فإن النبط في الشام وحمص، والقبط في مصر، وصحف أبو داود (النبط) إلى (القبط) (^١).
المثال الثامن:
روى أبو داود عن سليمان بن حرب حديثًا فيه (فكان إذا سجد كبَّر، وإذا ركع كبَّر)، ورواه البخاري وأحمد وغيرهم عن سليمان بن حرب (وإذا رفع كبَّر) (^٢)، وظاهره أنه تصحيف من أبي داود، ولكن رواه البيهقي من طريق أبي داود على الصَّحيح فقال (إذا رفع)، فيشبه أن يكون التصحيف فيه ممن هو دون أبي داود.
المثال التاسع:
جاء في مطبوع البخاري عن قتيبة بن سعيد حديث في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب (فوالله ما رأينا الشمس ستًّا)، أي ستة أيام.
ورواه مسلم وغيره عن قتيبة (سبتًا) أي أسبوع كقولهم (جمعة)، وكذا رواه أكثر رواة البخاري كما قال الحافظ، وهذا يدل أن قوله: (ستًّا) تصحيف ممن هو دون البخاري (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٠٨).
(٢) انظر ح رقم (١٣٤).
(٣) انظر ح رقم (١٤١)، (١٤٢).
[ ٣٩ ]
المثال العاشر:
روى أبو داود عن مسدد في حديث الَّلديغ (فشفوا له بكل شيء لا ينفعه) أي: طلبوا الشِّفاء.
ورواه البيهقي من طريق مسدد (فسعوا له) من السعي، وكذلك جاء في البخاري من طريق أخرى عن شيخ مسدد (^١).
القرينة الخامسة:
أن يأتي في الحديث ما يخالف تبويب المصنف.
إذا أتى لفظ في الحديث يخالف ما عقد عليه المصنف الباب دلَّ على تصحيف من دون المصنف.
المثال الأول:
عقد البخاري على حديث أسامة بن زيد (باب عيادة الصبي)، وورد في سياق الحديث (إن ابنتي) (^٢)، فدل هذا أن البخاري إنما يرويه بلفظ (إن ابني).
المثال الثاني:
جاء في رواية للبخاري من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له جارية فعالها فأحسن إليها، ثم أعتقها وتزوجها؛ كان له أجران».
قوله «فعالها» تصحيف، والصَّحيح «فعلمها» كما عقد عليه البخاري الباب (باب فضل من أدَّب جاريته وعلمها)، وكذا في مواضع أخرى للبخاري، لكن هكذا جاء في المطبوع من صحيح البخاري في هذا الباب.
قال القسطلاني: «وهو المناسب للترجمة» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٥٢).
(٢) انظر ح رقم (٢).
(٣) انظر ح رقم (١٩٦).
[ ٤٠ ]
القرينة السادسة:
أن يروي المحدثُ الحديثَ في أكثر من موضع بنفس الإسناد، ويكون في أحد المواضع بلفظ مختلف، وذلك يدل أن في اللفظ المختلف تصحيفًا.
المثال الأول:
جاء في رواية البخاري في قصة سحر النبي ﷺ وفيه «في مشط ومشاقة»، ورواه بنفس الإسناد بلفظ «مشط ومشاطة»، وهو الصَّحيح (^١).
المثال الثاني:
جاء في حديث عند البخاري عن ورقة بن نوفل (فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء)، وجاء عنده في موضع آخر بنفس الإسناد (بالعربية) بدلًا من العبرانية، وهو عند مسلم أيضًا بنفس الإسناد، وهو الصَّحيح (^٢).
المثال الثالث:
جاء في رواية النسائي في «المجتبى» (فلما بقي ثلث من الشهر)، وفي «الكبرى» (ثلاث من الشهر) وهو الصَّحيح، ويدل عليه سياق الحديث فدل أن ما في «المجتبى» تصحيف (^٣).
المثال الرابع:
جاء في حديث عند الطبراني في «الأوسط» (وزوجة لا تبغيه خوفًا)، وفي «الكبير» بنفس الإسناد (خونًا) بالنون وهو الصَّحيح (^٤).
_________________
(١) نظر ح رقم (٢٣٨).
(٢) انظر ح رقم (١٦٣).
(٣) انظر ح رقم (٨٣).
(٤) انظر ح رقم (١٢١).
[ ٤١ ]
المثال الخامس:
جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أوصاه بثلاث، فذكر منها في رواية عند النسائي في «المجتبى» (وركعتي الفجر)، وفي «الكبرى» (ركعتي الضحى)، وهو الصَّحيح (^١).
المثال السادس:
جاء عند البخاري «ثم أُدخِلتُ الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ»، وفي رواية أخرى عنده «جنابذ»، وهو الصَّحيح الموافق لرواية مسلم (^٢).
القرينة السابعة:
اضطراب المعنى وعدم استقامته، كأن يُروَى الحديث بمعنى فيه إشكال.
المثال الأول:
روى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتِيَ بطعام أكل منه، وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلة لم يأكل منها لأن فيها ثومًا …)، الحديث.
قوله: (بفضلة) تصحيف، والصَّحيح (بقصعة) وبه يستقيم المعنى لأنه قال (لم يأكل منها)، كما رواه أحمد وغيره، وكذا جاء في رواية السجزي من بين كافة رواة مسلم (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٩٢).
(٢) انظر ح رقم (٩٧).
(٣) انظر ح رقم (١٩٥).
[ ٤٢ ]
المثال الثاني:
جاء في حديث جابر ﵁ عند البخاري (فقام في الرطاب في النخل الثانية).
قوله: (في الرطاب) ليس له معنى، لكن هكذا جاء في المطبوع على رواية أكثر الرواة، ورواه ابن السكن (فقام فطاف) وهو الصَّحيح، وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه على البخاري» (^١).
المثال الثالث:
حديث أن النبي ﷺ قال: «كلوا من الأضاحي ثلاثًا»، وكان عبد الله بن عمر يأكل بالزيت حين ينفر من منى من أجل لحوم الهدي.
صحف بعضهم (حين) إلى (حتى) فقال (حتى ينفر من منى).
قال الحافظ: «وهو تصحيف يفسد المعنى فإن المراد أن ابن عمر كان لا يأكل من لحم الأضحية بعد ثلاث، فكان إذا انقضت ثلاث منى ائتدم بالزيت، ولا يأكل اللحم تمسُّكًا بالأمر المذكور» (^٢).
القرينة الثامنة:
إنكار أهل اللغة للفظ المصحَّف، كأن يكون في الحديث لفظ ينكره أهل اللغة، أو غير معروف من كلام العرب، ولم يأت من طرق أخرى تشدُّه.
مثاله ما جاء في حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب للناس فقال: «أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار».
قوله: «تتابعوا» بالباء تصحيف، والصَّحيح بالياء «تتايعوا كما يتتايع».
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٠١).
(٢) انظر ح رقم (١٠١).
[ ٤٣ ]
قال أبو عبيد: «التتايع: التهافت في الشيء والمتابعة عليه، يقال للقوم: قد تتايعوا في الشر إذا تهافتوا وسارعوا إليه».
وقال ابن الأثير: «التتايع الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية، والمتابعة عليه، ولا يكون في الخير» (^١).
المثال الثاني:
جاء عند التِّرمذي من حديث ابن عباس ﵁: «اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد».
قوله: (ذا الحبل) قال أهل اللغة: تصحيف، والصَّحيح (الحيل) بالياء أي: ذي القوة. قالوا: والحبل لا معنى له هنا (^٢).
على أنه ينبغي أن يُعلم أنه لا يُحكم لما حكم به أهل اللغة على ما صح به الخبر، خاصة إذا ورد في الصَّحيحين، كحديث عبد الرحمن بن عوف في قصة الغلامين من الأنصار وحرصهما على قتل أبي جهل قال له: (لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا).
قال القاضي عياض: «كذا الرواية، وقال بعض الناس صوابه (الأعجز)، وهذا جهل فيه بالكلمة ..».
وقال ابن حجر: «وقيل: إن لفظ (الأعجل) تحريف، وإنما هو (الأعجز)، وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرًا، والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٦٤).
(٢) انظر ح رقم (٩٨).
(٣) انظر ح رقم (٢٩).
[ ٤٤ ]
المبحث السادس: الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف.
كان المتقدمون من علماء الحديث واللغة لا يُفرِّقون بين المصحَّف والمُحرَّف، ويعتبرونهما شيئًا واحدًا، وذكرنا أمثلة كثيرة لما أطلقوا عليه التَّصحيف (^١).
وأول من فرَّق بين التَّصحيف والتَّحريف أبو أحمد العسكري فقال ما نصه: «وهذا من التَّحريف لا من التَّصحيف» (^٢).
وقال في موضع: «وهذا من التبديل لا من التَّصحيف».
وقال في موضع آخر: «وهذا من أوهام التغيير لا من التَّصحيف».
ولم يشتهر هذا التفريق إلا بعد ما ذكره وقرَّره الحافظ ابن حجر وتبعه السيوطي وغيره في ذلك.
قال ابن حجر: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرَّف» (^٣).
ومع ذلك لم يلتزم ابن حجر بمقتضى هذا التعريف، كما سترى في تعليله أحاديث كثيرة بالتَّصحيف دون تفريق، وسأذكر لك موجزًا بعض الأمثلة من قول الحافظ ابن حجر:
قال ﵀: «صحَّف بعضهم فقال: كان أُبيّ، والصَّحيح أبو ذر» (^٤).
_________________
(١) انظر (ص ٥٨٧).
(٢) «شرح ما يقع فيه التَّصحيف والتَّحريف» (ص ١٩، ١٠٢، ١٢٣).
(٣) «نزهة النظر» (ص ١٢٧)، وانظر «تدريب الراوي» (٢/ ١٩٥)، و«ألفية السيوطي» (٢٠٣).
(٤) انظر ح رقم (٦).
[ ٤٥ ]
وقال في تصحيف لفظ (أشرافهم): «سواهم تصحيف» (^١).
وقال: «صحف بعضهم (فنعست في صلاتي حتى استثقلت) فقال (حتى استيقظت)، والظاهر أن رواية (حتى استيقظت) تصحيف» (^٢).
وقال: «(إيها) كذا للأكثر، ولبعضهم (ابنها)، وهو تصحيف» (^٣).
وقال في حديث: «إن أمي افتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت»: «(إنها) تصحيف». يعني الصَّحيح (أراها) (^٤).
وقال في حديث أن رسول الله ﷺ دعا بوضوء فجيء بقدح فيه ماء أحسبه قال: قدح زجاج: «وصرح جمع من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحفها»، وذلك لأن الصَّحيح (رحراح) وليس (زجاج) (^٥).
وقال في تصحيف ابن قانع (نبيشة الخير) إلى (سحر الخير): «قد صحَّفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا» (^٦).
وقال في حديث كعب بن الأشرف (عندي أعطر سيد العرب): «كأن (سيد) تصحيف من (نساء)» (^٧).
وقال في حديث (اليد العليا المنفقة): «من رواه بلفظ (المتعففة) فقد صحَّف» (^٨).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٤).
(٢) انظر ح رقم (٢٥).
(٣) انظر ح رقم (٤٤).
(٤) انظر ح رقم (٤٥).
(٥) انظر ح رقم (١٣٦).
(٦) انظر ح رقم (١٤٤).
(٧) انظر ح رقم (١٥٠).
(٨) انظر ح رقم (٢٢٨).
[ ٤٦ ]
وقال في أثر مجاهد: «إذا اختلطوا قيامًا»: «تصحيف من قوله: (قائمًا) (^١).
وقال في تصحيف بعضهم (ابن غنام) إلى (ابن عباس): «قد صحَّفه بعضهم فقال ابن عباس» (^٢).
وجريتُ أنا في كتابي هذا على ما جرى عليه أكثر أهل العلم من عدم التفريق بين التَّصحيف والتَّحريف، ومع هذا وضعت في آخر الكتاب فهرست الكلمات المحرفة بتغيير النقاط مما حررتُه في هذا الكتاب، وبلغ عددها مئة حديث (^٣)، ولن تجد هذا العدد مجموعًا في كتاب آخر.
_________________
(١) انظر ح رقم (٢١٣).
(٢) انظر ح رقم (١٦٢).
(٣) انظر «فهرس التَّصحيف بتغيير النقط» (ص ٦٣٨).
[ ٤٧ ]
المبحث السابع: أقسام التَّصحيف:
ينقسم التَّصحيف في الحديث من حيث الإجمال إلى قسمين رئيسين:
الأول: تصحيف الإسناد.
والثاني: تصحيف المتن.
وقسمه أهل العلم إلى قسمين آخرين:
أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر، وتصحيف السمع نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال (واصل الأحدب)، فذكر الدارقطني وتبعه جماعة أنه من تصحيف السمع لا تصحيف البصر.
قال ابن الصلاح: «كأنه ذهب والله أعلم إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة دائمًا، أخطأ فيه سمع من رواه» (^١).
قالوا: وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلَّق بالمعنى دون اللفظ.
قلت: تصحيف اللفظ هو تصحيف المتن، فالمتن إنما هو ألفاظ وجُمَل، وتصحيف المعنى قليل وهو مشهور في قصة محمد بن المثنى، وهو ما ذكره الدارقطني أن محمد بن المثنى العَنَزي قال يومًا: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة قد صلى النبي ﷺ إلينا.
يريد حديث أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة أي: حربة أو عصا، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم (^٢).
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح» (ص ٢٨٣).
(٢) المصدر السابق.
[ ٤٨ ]
وهذه القصة على شهرتها موضع تأمُّل ونظر من وجوه:
الأول: أنها معلقة لم تُسنَد، وأرفع من ذكرها الدارقطني ولم يذكر لها إسنادًا (^١)، ولم يذكر أحد من تلامذة ابن المثنى أو معاصريه القصة مع توافر الدواعي لنقل مثلها عنه، ولعل هذا أحد أسباب ذكر بعضهم القصة بصيغة التمريض، أو تعبيرهم بما يشعر أنه معلقة، كما قال الذهبي: «يُروى» (^٢)، وقال بعضهم: «ذكره الدارقطني» (^٣).
الثاني: أن تلامذة ابن المثنى كالإمام مسلم والنسائي وغيرهم رووا هذا الحديث بعينه من طريق محمد بن المثنى (^٤)، ولم يذكر أحد منهم هذه القصة التي ذكرها الإمام الدارقطني عنه.
الثالث: استغراب العلماء واستبعادهم وقوع ذلك من ابن المثنى لجلالة قدره، وعلو منزلته، وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة الذين رووا له في كتبهم، ومثله لا يخفى عليه مثل هذا، وقد خرجها بعضهم على أنها خرجت منه مخرج المزاح، لا التصحيف.
قال النووي رحمه الله تعالى: «هذا تصحيف عجيب» (^٥).
_________________
(١) ينظر: «سؤالات السلمي للدارقطني» (ص ٢٩٥)، «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب (١/ ٢٩٥).
(٢) ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٩/ ٣١٨).
(٣) ينظر: «شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (٢/ ١٠٦)، «فتح المغيث» للسخاوي (٤/ ٦٤)، «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري (٢/ ١٧٨).
(٤) ينظر: «صحيح مسلم» (٢٧٠)، (٥٠١)، (٥٠٣)، «سنن النسائي» (٤٧٠)، «السنن الكبرى» للنسائي (٣٤٣).
(٥) «إرشاد طلاب الحقائق» (٢/ ٥٧٠).
[ ٤٩ ]
قلت: لا سيما أن البزار (^١) روى الحديث من طريق ابن المثنى نفسه وورد في روايته بلفظ «الحربة» لا «العنزة».
وقال الذهبي: «ويروي - يعني الخطيب - أن أبا موسى مزح مرة، فقال: نحن قوم لنا شرف، صلى إلينا النبي ﷺ» (^٢).
وقال في موضع آخر: «فما أدري هل فهم معكوسًا، أو أنه قال ذلك مُزاحًا» (^٣).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير: «إن مثل هذا يكون من باب التنكيت؛ لأنه عُرِفَ بهذا، أما إمام من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهم يقول: صلى إلينا رسول الله ﷺ ما يمشي هذا إطلاقًا» (^٤).
وهذا التوجيه أولى حمل القصة على التصحيف الذي لا يقع إلا ممن فيه غفلة شديدة (^٥)، وابن المثنى يجل عن ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن التصحيف الذي ذكره العلماء في كلمة (عَنَزة) ما ذكره أبو عبد الله الحاكم عن أعرابي زعم أن النبي ﷺ كان إذا صلى نُصِبَت بين يديه شاة.
صحف عَنَزَة - وهي بفتح النون - إلى عَنْزَة - بإسكان النون -، ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ في ذلك من وجهين (^٦).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ١٢٥).
(٢) «تاريخ الإسلام» (١٩/ ٣١٨).
(٣) «شرح ألفية العراقي» المنشور مفرَّغًا على المكتبة الشاملة.
(٤) أورد ابن الجوزي القصة في «أخبار الحمقى والمغفلين» (ص ٨٥).
(٥) انظر «شرح التبصرة» (٢/ ١٠٧).
[ ٥٠ ]
وذكر الحاكم عن الفقيه أبي منصور قال: كنت بعدن أبين يوم عيد فشُدَّت عَنْزة يعني شاة بقرب المحراب، فلما اجتمع الناس سألتهم بعد الفراغ من الخطبة والصلاة: ما خبر العَنْزة المشدودة بالمحراب؟، قالوا: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم العيد إلى عَنْزة.
قلت: يا هؤلاء صحفتم، ما فعل رسول الله ﷺ هذا، إنما كان يصلي إلى العنزة الحربة.
ومن أمثلة تصحيف المعنى، ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال: «ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فهم منه تحليق الرؤوس، وإنما المراد تحليق الناس حِلَقًا قبل صلاة الجمعة.
وأضف إلى ما ذكروه حديث: «أصل كل داء البَرْد».
أورده بعض أهل العلم في الطب النَّبوي في (باب في البرد والحر)، والصَّحيح البرَدة.
قال العسكري: «هكذا رواه (البرْد) ساكنة الراء، والصَّحيح (البرَدة) بفتح الراء وزيادة هاء، والبرَدة التُّخمة» (^١).
وقوله ﷺ: «إني قد بدَّنت فلا تبادروني بالركوع والسجود».
رواه بعض أهل الحديث (بدُنْت) من البدانة، وليست هذه صفته ﷺ، والصحيح (بدَّنت) بالتشديد، والمراد به كبر السن كما قال الخطابي (^٢).
_________________
(١) «تصحيفات المحدثين» (ص ١٥٥).
(٢) انظر ح رقم (٥٧).
[ ٥١ ]
وذكروا من أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطيب أنه قيل لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم عن بشر بن يحيى بن حسان قال: خراساني من أصحاب الرأي، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا فكتبنا عنه، وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاوس فقال: بالفارسية: يحتجون علينا بالطيور» (^١).
نعود إلى القسمين الرئيسين:
الأول: تصحيف الإسناد:
لم أتتبعه في كتابي هذا، ومع ذلك أوردت فيه بعض الأحاديث التي وقع في إسنادها تصحيف، وهي كما يلي:
الأول: جاء في بعض روايات «الموطأ» من حديث مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أنه قال سمعت أبي …
قوله: (سمعت أبي) تصحيف، والصَّحيح سمعت أنَّه (^٢).
الثاني: ورد في حديث عن الزهري، عن أنس قال: كان أبي يحدث أن النبي ﷺ قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة …».
قوله: (أبي) تصحيف، والصَّحيح (أبو ذر).
قال ابن حجر: «وهم نشأ عن تصحيف» (^٣).
_________________
(١) «الكفاية في علم الرواية» (ص ١٦٣).
(٢) انظر ح رقم (٥).
(٣) انظر ح رقم (١٦).
[ ٥٢ ]
الثالث: ورد في حديث عن أبي قلابة عن رجاء بن عامر أنه سمع أبا ذر يقول: قال رسول الله ﷺ: «الصعيد الطيب …».
قال الخطيب: «يُرَى أن قوله رجاء بن عامر تصحيف، وصوابه رجل من بني عامر» (^١).
الرابع: ورد في حديث عن عبد الله بن عنبسة، عن ابن عباس، والصَّحيح عن ابن غنام.
قال أبو نعيم والمزي: «من قال ابن عباس فقد صحَّف» (^٢).
الخامس: ورد في حديث عامر بن سعد أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوي.
قال عياض: «ليس بعدوي إنما هو عامري، فلعله تصحَّف العامري بالعدوي» (^٣).
السادس: ورد في حديث عن جذامة بنت وهب، والصَّحيح جدامة بالدال.
قال الدارقطني: «من قاله بالمعجمة فقد صحَّف» (^٤).
السابع: ورد في حديث أن عمر الجُمَحي حدث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله».
قال ابن ناصر الدين الدمشقي: «كذا صحفه بعضهم، وإنما ذا عمرو بن الحمق» (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٣٠).
(٢) انظر ح رقم (١٦٢).
(٣) انظر ح رقم (١٦٥).
(٤) انظر ح رقم (٨٧).
(٥) انظر ح رقم (٢١).
[ ٥٣ ]
الثامن: ورد في حديث (دخل علينا رجل من هذيل يقال له سحر الخير). هكذا قال، والصَّحيح (نبيشة الخير).
قال ابن حجر: «قد صحفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا» (^١).
التاسع: ورد في حديث عن عبد الرحمن بن طارق عن عمه أن النبي ﷺ إذا جاء مكانًا من دار يصلي استقبل القبلة ودعا.
والصَّحيح عن أمه، وليس عن عمه فراوي الحديث أمه وليس عمه.
الثاني: تصحيف المتن:
وهو بقية أحاديث الكتاب التي بلغ إجمالي عددها مئتين وستة وثمانين حديثًا بفضل الله ومنِّه وكرمه.
وهنا أحب أن أنوه إلى أن بعض ما ذكرناه في كتابنا هذا من التصحيف قد يكون وهمًا أو خطأً من بعض الرواة وليس تصحيفًا، كما أن بعض أهل العلم والمعرفة أطلقوا على بعض الوهم تصحيفًا ولم أذكره هنا لأنه ليس تصحيفًا، وإنما هو من باب الوهم والخطأ، ومثال ذلك:
حديث الإمام مالك عن الزهري، عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» (^٢).
والصَّحيح من ذلك عمرو بن عثمان كما في الصَّحيحين وغيرهما من حديث جماعة عن الزهري، وليس عمر بن عثمان.
_________________
(١) انظر ح رقم (١٤٤).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٥١٩) والشافعي في «الأم» (١/ ٢٦٣)، وأحمد (٥/ ٢٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٧٢).
[ ٥٤ ]
قال ابن أبي حاتم: قال المزني: سمعت الشافعي يقول: صحَّف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان … قال فذكرت ذلك لأبي فقال: «صدق الشافعي» (^١).
قلت: لم يصحف مالك، إنما هو وهم منه، والدليل أن مالكًا روجع فيه فقال: نحن أعلم به، وهذه داره.
وقال لعبد الرحمن بن مهدي: أتراني لا أعرف عمر بن عمرو، هذه دار عمر وهذه دار عمرو (^٢).
وهذا بعيد عن التَّصحيف، ويحتمل الوهم والخطأ لا التَّصحيف.
وروى سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه».
وخالفه جماعة ولم يذكروا الوجه قالوا: «ولا تخمروا رأسه» (^٣).
قال الحاكم: «ذكر الوجه تصحيف لإجماع الثقات الأثبات وأصحاب عمرو على رواية وجهه، وهو المحفوظ».
قلت: لا وجود للتصحيف هنا؛ إذ ذكر سفيان الرأس والوجه، بل ذكر الرأس زيادة شاذة هنا ووهم، ولم يبدل سفيان كلمة بكلمة حتى يكون تصحيفًا، لذا أعرضنا عنه ولم نذكره (^٤).
_________________
(١) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٢٢٤).
(٢) انظر «أوهام المحدثين الثقات» (٣/ ٥١ - ٥٨).
(٣) «أوهام المحدثين الثقات» (١/ ٦٧ - ٧٠).
(٤) انظر «أوهام المحدثين الثقات» (١/ ٦٧ - ٧٠).
[ ٥٥ ]
قال ابن الصلاح: «وكثير من التَّصحيف المنقول عن الأكابر الجِلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه».
روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: «لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر».
قال أبو نعيم: شهدت وكيعًا مرة فقال: يشققون الحطب تشقيق الشعر (^١).
قال: قلت بالخاء (^٢).
قلت: عند وكيع في الزهد، ورواه أحمد عن وكيع بلفظ (يشققون الكلام) ولم يذكر أحد غير أبي نعيم عن وكيع هذا ولعله شُبِّه عليه (^٣).
ومما ينبغي أن يشار إليه أيضًا أن اختلاف اللغات لا يعد تصحيفًا، وهذا نوع يجب معرفته والإلمام به، وبه يندفع ادعاء التَّصحيف على بعض ما ادُّعِيَ فيه التَّصحيف.
قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، أيظحى بضبي؟
قال عمر: وما عليك لو قلت أيضحى بظبي.
قال: إنها لغة.
قال: انقطع العتاب، ولا يضحي بشيء من الوحش (^٤).
قال ابن منظور: «إذا روى الثقات للحديث تفسيرًا له مخرج لم يجُز أن يرد عليهم، ولكن نطلب له المخارج من كلام العرب … فإياك والإسراع إلى
_________________
(١) «تدريب الراوي» (٢/ ٦٤٥).
(٢) «الجامع» للخطيب.
(٣) «الزهد» (ص ١٦٩، ٢٩٨)، و«مسند أحمد» (١٦٩٠٠).
(٤) «المزهر في علوم اللغة» للسيوطي (١/ ٤٣٩).
[ ٥٦ ]
تخطئة الرؤساء ونسبتهم إلى التَّصحيف، وتأنَّ في مثل هذا غاية التأني، فإني عثرت على حروف كثيرة رواها الثقات فغيَّرها من لا علم له بها، وهي صحيحة» (^١).
وعقد السيوطي بابًا في معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التَّصحيف.
قال: «كالذي ورد بالياء والتاء، أو بالباء والثاء، أو بالتاء والثاء … وذكر الحروف المماثلة كالميم والحاء والخاء، والسين والشين (^٢).
قال أبو عمرو: «يقال ما ذاق عذوفًا وما ذاق عدوفًا، قال أبو عمرو: أنشدت يزيد بن مزيد عدوفًا وقال: صحفت يا أبا عمرو. فقلت: لم أصحف. لغتكم عذوفًا، ولغة غيركم عدوفًا» (^٣).
_________________
(١) «لسان العرب» (٤/ ٣٢٨).
(٢) «المزهر» (١/ ٤١٥).
(٣) «القلب والإبدال» لابن السكيت (ص ١٦)، وعند ابن منظور في «لسان العرب» (٩/ ٢٣٠) والسيوطي في «المزهر» (١/ ٤١٧).
[ ٥٧ ]
المبحث الثامن: أثر التَّصحيف في المتن:
التَّصحيفات التي لحقت بالمتون قد كان لبعضها أثر في أخذ بعض أهل العلم بالحكم المترتِّب على اللفظ المصحَّف، والتَّكلُّف في تأويله بما لا طائل تحته، وإليك بعض الأمثلة من الأحاديث التي أوردناها بإسنادها في هذا السِّفر المبارك.
المثال الأول:
في حديث أسماء بنت عميس ﵂، قالت: لما أُصِيب جعفر بن أبي طالب أمرني رسول الله ﷺ فقال: «تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي بعد ما شئت».
تصحف عند ابن حبان (تسلبي) أي: البسي ثوب الحداد إلى (تسلمي)، وجاز هذا التَّصحيف عليه فأورد الحديث في (باب ذكر الزجر عن نياحة النساء على موتاهن)، وقال عقب الحديث: قوله ﷺ (تسلمي ثلاثًا) لفظة أمر قُرِنَت بعدد موصوف، قُصِدَ به الحسْمُ عما لا يحل استعمال في ذلك العدد.
وقوله ﷺ (اصنعي بعد ما شئت) لفظة أمر قُصِدَ به الإباحة في ظاهر الخطاب، مرادها الزجر عن استعمال ما أُمِرَ به، يريد النبي ﷺ بقوله ما وصفت التسليم لأمر الله جل وعلا في الأيام الثلاث وقبلها وبعدها».
قال الحافظ ابن حجر: «وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ (تسلمي) بالميم بدل الموحدة، وفسَّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحَّف الكلمة، وتكلَّف لتأويلها، وقد وقع في رواية البيهقي وغيره: (فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلَّب ثلاثًا). فتبين خطؤه، والله أعلم».
[ ٥٨ ]
وتصحف عند الطحاوي (تسلبي) إلى (تسْكُني)، وأورد الحديث في ما باب (المتوفى عنها زوجها هل لها أن تسافر في عدتها)، فأورد الحديث مصحفًا، وبوب له بما يناسب التَّصحيف (^١).
المثال الثاني:
في حديث أبي عامر أو أبي مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحِرَ والحرير».
تصحف عند أبي داود (^٢) (الحِرَ) إلى (الخز) بالخاء، فأورد الحديث في (باب ما جاء في الخز) ثم قال عقب الحديث: «عشرون نفسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أقل أو أكثر لبسوا الخز». والحِرُ بتخفيف الراء الفرج (^٣).
المثال الثالث:
في حديث عائشة ﵂ في صفة قيام ليله ﷺ (ثم يسلم تسليمًا يسمعنا)، صحَّفه بعض الرواة فقال: (ثم يسلم تسليمة يسمعنا)، فصار معناه تسليمة واحدة، واحتج به بعض أهل العلم على التسليمة الواحدة.
قال ابن رجب: «وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء. قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم. وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري عن النبي ﷺ» (^٤).
_________________
(١) انظر ح رقم (٧٠)، (٧١).
(٢) أبو داود (٤٠٣٩).
(٣) انظر ح رقم (١١٥).
(٤) انظر ح رقم (٧٢).
[ ٥٩ ]
المثال الرابع:
حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجُمُعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن في الغافلين».
صحَّف أحد الرواة (الجُمُعات) إلى (الجماعات)، وجاز هذا التَّصحيف على ابن ماجه فأورده مصحفًا في باب (التغليظ في التخلُّف عن الجماعة).
وكذلك أورده الذهبي في «كتاب الكبائر» فقال: «الكبيرة الخامسة والستون: تارك الجماعة فيصلي وحده من غير عذر» (^١).
المثال الخامس:
حديث جابر ﵁ قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ: «أصليت ركعتين قبل أن تجلس؟» قال: لا، قال: «فصل ركعتين وتجوَّز فيهما».
صحف بعض الرواة (تجلس) فقال: أصليت قبل أن تجيء، فجاز على بعضهم فاستدل به على أنها سنة الجمعة.
قال ابن حجر: «قال المجد ابن تيمية في «المنتقى»: قوله: (قبل أن تجيء) دليل على أنها سنة الجمعة التي قبلها لا تحية المسجد، وتعقبه المزي بأن الصواب: (أصليت ركعتين قبل أن تجلس)، فصحفه بعض الرواة» (^٢).
_________________
(١) انظر ح رقم (٨٩).
(٢) انظر ح رقم (٦٦).
[ ٦٠ ]
المثال السادس:
حديث أم حبيبة ﵂، وفيه أنها قالت: لقد أُخبرت أنك تخطب زينب بنت أم سلمة فقال رسول الله ﷺ: «إن زينب تحرم علي، وإنها في حجري، وأرضعتني وأباها ثويبة ..)، أي: أن أباها أبا سلمة أخ للنبي ﷺ من الرضاعة (^١).
فصحف أحد الرواة (أباها) إلى (إياها) بالياء فقال: (أرضعتني وإياها ثويبة) أي: أنها أخته من الرضاعة، وليست ابنة أخيه كما في الحديث، وجاز هذا التَّصحيف على ابن حبان ﵀ فأورده في باب (ذكر الأخبار عن نفي جواز تزويج المرء أخته من الرضاع) (^٢).
المثال السابع:
حديث أم سلمة ﵂ قالت: (إن كانت إحدانا لتَبقي ضُفرتها حين تغتسل).
صحف أحد الرواة (ضفرتها) بالضاد إلى (صفرتها) بالصاد.
وراج هذا التَّصحيف على البيهقي ﵀ فأورد الحديث في باب (ما رُوي في الصفرة إذا رُئِيت في غير أيام العادة) (^٣).
المثال الثامن:
حديث ابن مسعود ﵁ قال: جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد صلاة العشاء (^٤).
_________________
(١) البخاري (٥١٠٦)، ومسلم (١٤٤٥).
(٢) انظر ح رقم (٤٩).
(٣) انظر ح رقم (٦٥).
(٤) ابن ماجه (٧٠٣)، وابن خزيمة (١٣٤٠)، وابن حبان (٢٠٣٠) وغيرهم.
[ ٦١ ]
صحفه أحد الرواة فقال: (حبب إلينا)، أورده الطحاوي، وأورد فيه حديثًا في النهي عن السمر بعد العشاء، ثم حاول أن يجمع بين الحديثين فقال: (ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ حبَّبَ لهم السمر بعد العشاء الأخيرة، وفي الحديث الأول أنه كان يكره ذلك، فوجهه عندنا والله أعلم أنه كره لهم من السمر ما ليس بقربة، وحبَّبَ لهم ما هو قربة ..) (^١).
قلت: لا حاجة للتكلف في الجمع بين الحديثين؛ إذ ليس بينهما تعارض، إنما هو تصحيف جاز عليه فذهب إلى تأويله، والله تعالى أعلم.
المثال التاسع:
حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والحياء»، وصحَّف بعضهم (الحياء) إلى (الحناء).
قال ابن حجر الهيتمي: «وروي (الحناء) بالنون وهو وإن وقع في التِّرمذي تصحيف كما بينته في «شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحناء وعواره»، فإن جمعًا يمنيين زعموا حِلَّ الحِناء للرجال وصنفوا فيه وقل أدبهم على بقية علماء المذهب، وخضب اللحية سنة لم تعرف لغير نبينا فلا يصح حمل تلك الرواية المصحَّفة عليه» (^٢).
المثال العاشر:
قال أبو الدرداء ﵁: ليس على سارق الحمَّام قطع.
أورده ابن أبي شيبة في باب الرجل يدخل الحمَّام فيسرِق ثيابًا.
_________________
(١) انظر ح رقم (٩٨).
(٢) انظر ح رقم (١٠٨).
[ ٦٢ ]
وتصحف (الحمَّام) وهو بتشديد الميم إلى (الحمَام) عند البيهقي فقال مُعقِّبًا: «وهذا إنما أراد في الطير والحمام المرسلة من غير حرز» (^١).
المثال الحادي عشر:
عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «مقام الرجل في الصف أفضل من عبادة ستين سنة».
صحَّف أحد الرواة (في الصف) إلى (الصمت) فقال: «مقام الرجل للصمت أفضل من عبادة ستين سنة».
وجاز هذا التَّصحيف على البيهقي فأورده في باب (فضل السكوت عن كل ما لا يعنيه وترك الخوض فيه) (^٢).
وقال علي القاري مفسرًا الحديث: «(مقام الرجل للصمت) أي ثباته بمداومة سكوته عن الشر، قال: وقال الطيبي: أي منزلته عند الله أفضل من عبادة ستين سنة مع كثرة الكلام وعدم التثبت في المقام؛ لأن في العبادة آفات يسلم عنها بالصمت» (^٣).
المثال الثاني عشر:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نؤديه - يعني صدقة الفطر - على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من شعير.
صحف قبيصة كلمة (نؤديه) إلى (نورثه)، ثم روى الحديث بالمعنى المترتِّب على التَّصحيف فقال: (الجد).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٠٦).
(٢) «شعب الإيمان» (٤٦٠٢).
(٣) انظر ح رقم (١٥٧).
[ ٦٣ ]
واغتر بهذا التَّصحيف ابن أبي شيبة فأورده في «مصنفه» في (باب في الجد ما له وما جاء فيه عن النبي ﷺ، وذكره الهيثمي في «المجمع» في (باب ما جاء في الجد) (^١).
وهناك أمثلة أخرى نشير إليها باختصار.
- في حديث أن النبي ﷺ أسهم للفرس سهمين وللراجل سهمًا.
صحف بعض الرواة (الفرس) إلى (الفارس) فقالوا: أسهم للفارس سهمين (^٢).
- وفي حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث: الكِبر والغلول والدين دخل الجنة» (^٣).
صحف أحد الرواة (الكبر) إلى (الكنز).
قال الحافظ العراقي: «لذا ذكره ابن مردويه في تفسير الذين يكنزون الذهب والفضة».
- وفي حديث ابن عباس يمسح اليتيم هكذا، ووصف صالح: من وسط رأسه إلى جبهته (أي يمسح رأس اليتيم).
تصحف عند عبد الحق الإشبيلي (اليتيم) إلى (التيمم) فأورده في باب التيمم، وأنكره عليه ابن القطان (^٤).
- وفي حديث أبي بكر ﵁ قال لرسول الله ﷺ: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا …» إلخ.
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٥٩).
(٢) انظر ح رقم (١٨٩).
(٣) انظر ح رقم (٢٢٠).
(٤) انظر ح رقم (٢٣٠).
[ ٦٤ ]
صحفه أحد الرواة إلى (كبيرًا)، والمحفوظ (كثيرًا) كما رواه جمع من الرواة بنفس الإسناد بلغ عددهم سبعة عشر نفسًا.
واستحب الإمام النووي لذلك أن يجمع بينهما فيقول: ظلمًا كثيرًا كبيرًا.
واعترض ابن جماعة على هذا بقوله: «ليس فيما ذكره إتيان بالسُّنَّة؛ لأن النبي ﷺ لم ينطق بهما، وإنما الذي ينبغي أن يدعو مرة (كثيرًا)، ومرة (كبيرًا) لنطقه حينئذ بالوارد يقينًا».
قلت: لا حاجة للنطق بلفظ (كبيرًا)؛ لأنه تصحيف (^١).
- ومن تلك التَّصحيفات التي جازت على بعض أهل العلم ما عند مسلم من حديث أنس ﵁ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين.
والصَّحيح (فرقتين) وليس (مرتين) كما أورده البخاري ومسلم من طرق عن أنس.
وأورده الحافظ زين الدين العراقي في ألفيته في السيرة النَّبوية فقال:
وإذ بَغَتْ منه قريشٌ أن يُري … آيًا أراهم انشقاقَ القمرِ
فصار فِرقتينِ فِرقةٌ عَلَتْ … وفِرقةٌ للطَّودِ منه نزلتْ
وذاك مَرتينِ بالإجماعِ … والنَّصِّ والتَّواترِ السَّماعي (^٢)
- وفي حديث ابن المسيب لما سئل عن غسل المستحاضة فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر (أي من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر) صحفه بعضهم: (من طهر إلى طهر).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢١٧).
(٢) «ألفية السيرة النبوية» (ص ٥٩)، والحديث رقم (٢٣٣)، وكتابي «منهج الإمام البخاري في عرض الحديث المعلول».
[ ٦٥ ]
- وفي حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقصر في الصلاة وتتم) (^١).
صحفه بعض الرواة (تتم) أي عائشة إلى (يتم)، فصار المعنى أن النبي ﷺ كان يقصر ويتم.
وأورده المجد ابن تيمية في باب (اختيار القصر وجواز الإتمام)، مع أنه لم يثبت أن النبي ﷺ أتم في سفر قط (^٢).
- وحديث أصل كل داء البَردَة (أي التُّخمة)، وهو إدخال الطعام على الطعام، تصحف عند أبي نعيم في الطب النَّبوي إلى (البرد) فأورده في (باب توقِّي البرد والحر) (^٣).
- وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أشرافهم».
صحفه أحد الرواة من (أشرافهم) إلى (أسواقهم) (^٤).
- وفي حديث «النار جبار» ذكر أكثر أهل العلم أنه تصحيف، أورده أبو داود في (باب النار تعدي)، وتعقب ابن عبد البر ابن معين في قوله: (تصحيف)، وقال: «ولا يسلم له حتى يتضح» (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٦٩)، و«أوهام المحدثين الثقات» (١٠/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
(٢) انظر ح رقم (٢٥٦).
(٣) انظر ح رقم (٥٨).
(٤) انظر ح رقم (٢٤).
(٥) انظر ح رقم (٢٤٨).
[ ٦٦ ]
وهناك تصحيفات كان لها أثر فقهي ولم نوردها في كتابنا هذا لأنها لم تأت في أحاديث مسندة، وإنما تصحفت عند بعض المصنفين المتأخرين، ومن هذه الأحاديث:
١. حديث المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد (^١).
تصحف عند الحنفية (سبعه) أي سبعة أشواط إلى (سعيه) فلذلك استحبوا صلاة ركعتين بعد الفراغ من السعي.
وتعقبهم ابن حجر (^٢) في شرح «منسك النووي» (^٣) فإنه راج في كتب الحنفية التَّصحيف، والصواب إذا فرغ من (سبعه) بالموحدة، ويؤيده تبويب ابن ماجه أنه ترجم عليه باب الركعتين بعد الطواف.
٢. وناظر بشر بن يحيى بن حسان - وهو خراساني من أهل الري - إسحاق بن راهويه في القرعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصِّحاح فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه فوجد في كتبه حديث النبي ﷺ أنه ينهى عن القرع، فقال لأصحابه: قد أصبت حديثًا أكسر به ظهره، فأتى إسحاق فأخبره فقال له إسحاق: إنما هذا القزع، أن يُحلق رأس الصبي ويُترك بعض (^٤).
_________________
(١) ابن ماجه (٢٩٥٨) واللفظ له، وأحمد (٢٧٢٤٤)، وأبو يعلى (٦٨٧٥) وغيرهم.
(٢) انظر «فتح القدير» لابن الهمام (٢/ ٤٦٠)، و«بذل المجهود في حل سنن أبي داود» (٧/ ٥٢٠)، «البحر الرائق» (٢/ ٣٥٨)، و«رد المحتار على الدر المختار» (٢/ ٥٠١).
(٣) (ص ٣٠٥).
(٤) «الكفاية في علم الرواية» للخطيب البغدادي (ص ١٦٣ - ١٦٤).
[ ٦٧ ]
٣. حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا نُورثُ ما تركنا صدقة» (^١).
قال النووي: «هو برفع صدقة، و(ما) بمعنى الذي، أي: الذي تركناه فهو صدقة، وقد ذكر مسلم بعد حديث يحيى بن يحيى عن مالك من حديث عائشة، وفيه: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة»، وإنما نبهت على هذا لأن بعض جهلة الشيعة يصحفه» (^٢).
ونحو ذلك قال ابن حجر، قال: «وفي هذه القصة رد على من قرأ قوله «يورث» أو «صدقة»، بالنصب على الحال، وهي دعوى من بعض الرافضة، والذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث «لا نورث» بالنون، و«صدقة» بالرفع وأن الكلام جملتان، و«ما تركنا» في موضع الرفع بالابتداء و«صدقة» خبره، ويؤيده وروده في بعض طرق الصَّحيح «ما تركنا فهو صدقة»».
٤. حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (^٣).
رواه أحمد وابن خزيمة بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه بلفظ: (نهى أن يُحلق في المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة) (^٤).
_________________
(١) البخاري (٣٠٩٣)، (٣٧١٢)، (٤٠٣٥)، (٦٧٢٦)، ومسلم (١٧٥٩) (٥٢)، ومن حديث عمر (٣٠٦٤)، (٤٣٣)، ومسلم (١٧٥٧). وورد بلفظ (ما تركنا فهو صدقة) من حديث عائشة عند البخاري (٣٧١٢) ومسلم (١٧٥٨) (٥١).
(٢) «شرح مسلم» (١٢/ ٧٤).
(٣) «فتح الباري» (٦/ ٢٠٢).
(٤) رواه أحمد (٦٦٧٦)، وابن خزيمة (١٣٠٦)، وأبو داود (١٠٧٩)، والتِّرمذي (٣٢٢).
[ ٦٨ ]
ورواه أبو داود والتِّرمذي بلفظ (ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة).
وعقد عليه ابن ماجه (باب ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة).
قال الخطابي: «وكان بعض مشايخنا يرونه أنه نهى عن الحلْق بسكون اللام، وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة.
فقلت له: إنما هو الحلق جمع الحلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر. فقال: قد فرجتَ عني وجزاني خيرًا، وكان من الصالحين ﵀» (^١).
_________________
(١) «معالم السنن» (١/ ٢٤٧)، ونحوه في «إصلاح غلط المحدثين» (ص ٢٨)، و«غريب الحديث» (٣/ ٢٢٦).
[ ٦٩ ]
آثار أخرى للتصحيف:
ومن آثار التَّصحيف أن يُستشكَل اللفظُ المصحَّفُ، أو يُتكلَّف في تأويله، أو يكون لا معنى له، ويُعطى معنى آخر غير المراد، ومن أمثلة ذلك:
المثال الأول:
جاء في حديث رواه البخاري رحمه الله تعالى: «إن آل أبي - قال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض - ليسوا بأوليائي، ولكن لهم رحم أبُلها ببلاها».
قال البخاري: «كذا وقع، و«ببلالها» أجود وأصح، و«ببلاها» لا أعرف له وجهًا» (^١).
المثال الثاني:
جاء في حديث أبي هريرة ﵁: (فقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تلغثونها أو ترغثونها).
قال ابن بطال: «أما اللغث فلم أجده فيما تصفحت من اللغة» (^٢).
المثال الثالث:
جاء في حديث قول عمرو بن العاص لمعاوية لما تقابل مع جيش الحسن بن علي ﵁: أرى كتيبة لا تولي حتى تُدبر أخراها.
قال القاضي عياض: «كذا هنا ولا معنى له، وفيه تغييرٌ، وصوابه ما جاء في كتاب الصلح تقتل أقرانها» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (٥٥).
(٢) انظر ح رقم (٦٨).
(٣) انظر ح رقم (٦٧).
[ ٧٠ ]
المثال الرابع:
جاء في حديث زيد بن ثابت: (كان ناس يتبايعون الثمر قبل أن يبدو صلاحها، فإذا حضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدمار).
قال عياض: «وقد روى ابن داسة هذا الحرف عن أبي داود الدمار، لا معنى له عندهم، وهو تصحيف، ذلك أنه في رواية أبي داود (الدُّمان)» (^١).
المثال الخامس:
جاء في حديث يُذكَر عن ابن عباس: الوسواس: إذا ولد خنسه الشيطان، فإذا ذكر الله ﷿ ذهب.
قال عياض: «في هذا الكلام اختلاف لا شك، ولا معنى له، وهو تصحيف وتغيير، فإما أن يكون صوابه نخسه الشيطان كما جاء في غير هذا الباب …» (^٢).
المثال السادس:
جاء في حديث أسماء بنت عميس أنها قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب أمرني رسول الله ﷺ فقال: (تسلبي ثلاثًا)، وصحفه ابن حبان إلى (تسلمي).
قال ابن حجر: «وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ (تسلمي)، وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، فصحَّف الكلمة، وتكلَّف لتأويلها» (^٣).
_________________
(١) انظر ح رقم (١٢٥).
(٢) انظر ح رقم (١٢٠).
(٣) انظر ح رقم (٧٠)، (٧١).
[ ٧١ ]
المثال السابع:
وفي حديث حفصة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، وبدأ الصبح صلى ركعتين خفيفتين).
قال ابن حجر: «وفيه نظر، وقد استشكله كثير من العلماء ووجهه بعضهم، والحديث في «الموطأ» عند جميع رواته كان إذا سكت المؤذن …» (^١).
المثال الثامن:
حديث قتادة قال: (ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أغر يوم القيامة من الأنصار) (^٢).
قوله: (أغر) تصحيف ولا معنى له، والصَّحيح كما في البخاري (أعز) بالزاي، وقد فسر بعضهم (أغر) كأنه من الغرة (^٣).
المثال التاسع:
جاء في حديث (لا إغرار في صلاة، ولا تسليم).
كذا جاء، وهو تصحيف، والصَّحيح (لا غرار).
قال أبو عبيد: «روى بعض المحدثين هذا الحديث (لا إغرار)، ولا أعرف هذا في العلم، وليس له عندي وجه» (^٤).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٨).
(٢) انظر ح رقم (٣١).
(٣) انظر ح رقم (٢٩).
(٤) انظر ح رقم (٣٢).
[ ٧٢ ]
المثال العاشر:
جاء في حديث في صفة الدجال (غلام أعور أضرس) أي: عظيم الضرس، أو الذي يولد وضرسه معه.
وهذا تصحيف، والصَّحيح (أضر شيء) كما في بقية الروايات الصحيحة (^١).
فهذه الروايات أعطت الدجال وصفًا لم يرد في غيره.
المثال الحادي عشر:
جاء في حديث رواه قبيصة من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ.
قال الإمام مسلم: «هذا خبر صحَّف فيه قبيصة، إنما كان الحديث بهذا الإسناد: (كنا نُؤدِّيه على عهد رسول الله ﷺ يعني من الطعام وغيره في زكاة الفطر، فلم يُقِم قراءته فقلب قوله إلى: (مال نورثه)، ثم قلب له معنى، فقال: يعني الجد» (^٢).
ومعنى كلامه أن قبيصة صحف الكلمة، ثم روى الحديث بالمعنى المترتب على التَّصحيف.
المثال الثاني عشر:
جاء في حديث: (خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٦).
(٢) انظر ح رقم (٢٥٩).
[ ٧٣ ]
قال الحافظ: «قوله: (فرفعه إلى يديه) مشكل؛ لأن الرفع إنما يكون باليد … ولعل الكلمة تصحفت» (^١).
المثال الثالث عشر:
جاء في حديث عند أبي داود يحث على الرفق بالمملوك: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم … فإن كلفه ما يغلبه فليبعه» (^٢).
قوله: «فليبعه» لا معنى له هنا، وإنما تصحفت من «فليعنه» من الإعانة، وهذا الموافق لسياق الحديث.
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٧٥).
(٢) انظر ح رقم (٢٦٧).
[ ٧٤ ]
التَّصحيفات المضحكة (^١):
- صحف بعضهم حديث نهى رسول الله ﷺ عن (الخبر) إلى (الخبز) (^٢).
- وصحف بعضهم حديثًا عن شعبة عن سفيان فصحف الاسمين فقال: حدثكم سبعة وسبعين (^٣).
- وصحف بعضهم حديث «يُكفَّن الصبي في ثوب» فقال: «يُكفَّن الظبي في ثوب» (^٤).
- وصحف بعضهم حديث «الذي يشرب في آنية الفضة» فقال: «الذي نشرت في أبيه القصة» (^٥).
- وصحف بعضهم حديث «يوشك أن تسير الضعينة بلا خفير» إلى «بلا خفين» (^٦).
- وصحف بعضهم حديث كعب بن مالك قال: كنت أول من عرف وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، رأيت عينيه تزهران تحت المغفر. فقال: رأيت عتيبة بن هزان تحت المغفر (^٧).
- وصحف بعضهم أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره إلى (آجُرَّه) بضم الجيم وتشديد الراء (^٨).
_________________
(١) انظرها في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب في باب (بعض أخبار أهل الوهم والتحريف والمحفوظ عنهم من الخطأ والتصحيف) (١/ ٢٨٥) فما بعدها.
(٢) «الجامع» للخطيب (١/ ٢٩٢).
(٣) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٣).
(٤) «المصدر السابق» (١/ ٢٨٢).
(٥) «المصدر السابق» (١/ ٢٨٢).
(٦) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٦).
(٧) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٦).
(٨) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٦).
[ ٧٥ ]
- وصحف بعضهم جرير إلى خربز (^١).
- وصحف بعضهم شعبة إلى سبعة فقال: حدثكم سبعة (^٢).
- وصحف بعضهم كلمة ﷿ إلى (رجل) فأسند الحديث عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن رجل بدلًا عن الله ﷿ (^٣).
- وصحف بعضهم حديث «عم الرجل صنو أبيه» إلى «عم الرجل ضيق أبيه» (^٤).
- وصحف أبو حفص ابن شاهين في «أماليه» عن النبي ﷺ: «يوشك أن تسير الظعينة بلا خفير» فقال «بلا خفين» (^٥).
- وصحف بعضهم حديث «من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال» إلى «شيئًا من شوال» (^٦).
_________________
(١) «المصدر السابق» (١/ ٢٨٦).
(٢) «المصدر السابق» (١/ ٢٨٦).
(٣) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٤).
(٤) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٤).
(٥) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٦).
(٦) «المصدر السابق» (١/ ٢٩٦).
[ ٧٦ ]
المبحث التاسع: أثر التَّصحيف في الإسناد:
للتصحيف آثار لا تخفى، ومن ذلك نسبة الحديث إلى غير راويه، ومن أمثلة ذلك:
- حديث رواه جبير بن نفير عن عمرو بن الحمق عن النبي ﷺ، فصحف بعض رواته (عمرو بن الحمق) إلى (عمر الجمعي)، فأورده أحمد في مسنده، وأخرج له هذا الحديث الواحد.
قال الحافظ: «وذكره ابن ماكولا في الإكمال وجزم أن له صحبة» (^١).
- وصحف سعيد بن بشير - وهو ضعيف - حديث أبي قلابة عن رجل من بني عامر فقال: رجاء بن عامر، فسمى الصحابي المجهول رجاء (^٢).
- وصحف ابن قانع اسم صحابي من (نبيشة الخير) فقال (سحر الخير)، وأورده في «معجم الصحابة». قال ابن حجر: «صحفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا» (^٣).
- وصحف بعضهم حديث عبد الرحمن بن طارق عن أمه عن النبي ﷺ فقال عن عمه بدلًا من أمه فجعل عمه راويًا، وأورده الإمام أحمد في مسند حديث رجل عن عمه لأنه ذكر الاختلاف في عمه وأمه عند الحديث (^٤).
- وصحف بعضهم حديثًا يرويه ابن غنام عن النبي ﷺ فقال (ابن عباس) فجعله من مسند ابن عباس، وإنما هو ابن غنام (^٥).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢١).
(٢) انظر ح رقم (١٣٠).
(٣) انظر ح رقم (١٤٤).
(٤) انظر ح رقم (١٧٤).
(٥) انظر ح رقم (١٦٢).
[ ٧٧ ]
- وصحف بعضهم حديث هشام، عن يحيى بن أبي كثير فقال: همام (^١).
- وتصحف عند بعضهم قول سفيان: (قال هارون)، فقال: قال أبو هريرة، وبين سفيان وأبي هريرة مفاوز (^٢).
_________________
(١) انظر ح رقم (٢٦١).
(٢) انظر ح رقم (٢٦٠).
[ ٧٨ ]
المبحث العاشر: أهم المؤلفات في التَّصحيف:
اهتمَّ العلماء بهذا الموضوع لما له من أهمية في تنقية الحديث الشريف مما لحق به من تصحيف أو تحريف، وأكثر من اهتم به علماء الحديث واللغة، وأكثر التَّصنيف كان في هذا الأخير، ومن المؤلفين في هذا الباب:
الأول: ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦).
أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، صاحب التصانيف، قال الخطيب: «كان ثقة ديِّنًا فاضلًا»، له كتاب:
١. «تصحيف العلماء»، ذكره النديم في «الفهرست» (^١)، ورد عليه ابن درستويه (ت ٣٤٧) في كتاب «الكلام على ابن قتيبة في تصحيف العلماء».
٢. «إصلاح الغلط الواقع في غريب الحديث لأبي عبيد»، أشار إليه ابن قتيبة في كتابه «غريب الحديث»، وأشار إليه النديم في «الفهرست»، وهو من مرويات ابن خير الإشبيلي (^٢)، والكتاب مطبوع في بيروت بتحقيق عبد الله الجبوري عام ١٤٠٣ هـ في (١٤٦) صفحة.
الثاني: أبو سعيد المكفوف (ت ٢٨٢ هـ):
أحمد بن خالد بن الضرير البغدادي، شاعر لغوي أديب، له كتاب:
٣. «الرد على أبي عبيد في غريب الحديث».
كان طاهر بن عبد الله بن طاهر استقدمه من بغداد إلى خراسان، وأقام بنيسابور وأملى بها المعاني والنوادر. وذكر صاحب كتاب «ولاة خراسان» أن أبا سعيد الضرير خرَّج عن أبي عبيد من غريب الحديث جملة مما غلط فيه، وأورد في تفسيره فوائد كثيرة، ثم عرض ذلك على عبد الله بن عبد الغفار - وكان أحد
_________________
(١) «الفهرست» للنديم (١/ ١٠٥).
(٢) «فهرست ابن خير الإشبيلي» (ص ١٥٩).
[ ٧٩ ]
الأدباء -، فكأنه لم يرتضه فقال لأبي سعيد: ناولني يدك، فناوله يده، فوضع الشيخ في كفه متاعه (^١)، وقال له: اكتحل بهذا يا أبا سعيد حتى تبصر وكأنك لا تبصر (^٢).
الثالث: المفضل بن سلمة (ت نحو ٢٩٠ هـ).
أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم الكوفي.
٤. «الرد على الخليل وإصلاح ما في كتاب العين من الغلط والمحال والتَّصحيف».
وقد رد عليه إبراهيم بن محمد نفطويه في كتاب «الرد على المفضل في نقضه على الخليل» (^٣)، وكذلك رد عليه ابن درستويه في كتاب «الرد على المفضل في الرد على الخليل».
وله كتاب «ما يلحن فيه العامة»، أورد فيه الأبواب التي أربت على ثلاثين بابًا، منها: (باب ما جاء من الأسماء بالفتح والعامة تغلط فيه)، و(باب ما جاء من الأسماء بالكسر والعامة تغلط فيه) (^٤).
٥. «التَّنبيه على حدوث التَّصحيف» للأصفهاني (ت ٣٦٠ هـ).
حمزة بن الحسن الأصفهاني، مؤرخ أديب من أهل أصبهان، قال ياقوت الحموي: «مشهور بالفضل، شائع الذكر، له تصانيف جيدة، إلا أنه كان مع ذلك رقيعًا، ناقص العقل، غير ثبت، ولم يُرَ في عصره أعرف منه
_________________
(١) الناشر دار العرب الإسلامي.
(٢) «معجم الأدباء» (١/ ٢٥٥)، ونسبه إليه العسكري في «تصحيفات المحدثين» ونقل منه، وكذلك نقل منه ابن قتيبة في «الرد على أبي عبيد».
(٣) «معجم الأدباء» (١/ ٢٢٢).
(٤) «بغية الوعاة» (٢/ ٣٦).
[ ٨٠ ]
بالفارسية» اه (^١)، وعرض في كتابه للخط العربي وصفته وتطوره، وما وقع فيه كبار العلماء من التَّصحيف والتَّحريف.
وقد نشر الكتاب محمد أسعد طلس في دمشق ١٩٦٨ م، وأعيد طبعه في بيروت عام ١٩٩٢ في نحو مئتي صفحة، وتعقبه في رسالة خاصة الأديب أبو نصر إسحاق بن أحمد بن شبيب (ت ٤٠٥) وسيأتي الكلام على كتابه.
كما أن ابن الجوزي نسبه إلى التَّصحيف عندما ذكر أن أهل الحديث صحفوا (تخيموا بالعقيق) إلى (تختموا بالعقيق) وقال عن العقيق: «اسم واد بظاهر المدينة» (^٢).
٦. «التنبيهات على أغاليط الرواة في كتب اللغة المصنفات» للبصري (ت ٣٧٥).
علي بن حمزة البصري اللغوي يكنى أبا النعيم، كان أحد أعيان أهل اللغة الفضلاء المحققين العارفين بصحيحها من سقيمها، له ردود على جماعة من أئمة أهل اللغة كابن دريد والأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم، ولما ورد المتنبي بغداد نزل في داره (^٣).
٧. «إصلاح الحروف التي كان إسحاق بن إبراهيم الدبري تصحفها في مصنف عبد الرزاق» لمحمد بن أحمد بن مفرح (ت ٣٨٠ هـ).
الحافظ أبو عبد الله، وقيل أبو بكر الأندلسي القرطبي القاضي، كان حافظًا للحديث عالمًا به، بصيرًا بالرجال، صحيح النقل، عدة الشيوخ الذين لقيهم وروى عنهم في جميع الأمصار مئتا وثلاثون شيخًا.
_________________
(١) «معجم الأدباء» (٣/ ١٣٣٠).
(٢) «الموضوعات» (٣/ ٥٥)، وقال: «قائل هذا أحق أن يُنسَب إليه التَّصحيف كما ذكرنا من طرق الحديث».
(٣) «معجم الأدباء» (٤/ ١٧٥٧)، والكتاب جزء منه مطبوع، وهو موجود في «المكتبة الشاملة».
[ ٨١ ]
ترجمه ابن عساكر في «تاريخه» (^١)، وكتابه من مرويات ابن خير الإشبيلي (^٢)، ونسبه إليه أيضًا الذهبي (^٣).
٨. «تصحيفات المحدثين» لأبي أحمد العسكري (ت ٣٨٢ هـ).
الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، نعته الذهبي فقال: «الإمام المحدث الأديب العلامة … انتهت إليه رئاسة التحديث والإملاء للآداب والتدريس بقطر خوزستان».
قال العسكري عن كتابه: «وقد ذكرت في الجزء الأول جملة من أخبار المصحفين، وما روي من أوهام، وشرحت في الجزء الثاني ما يشكل من ألفاظ الرسول ﷺ، فيقع فيه التَّصحيف، وأنا أذكر بعده ما يصحف في الأسماء والصَّحيح منه، وقد طُبِعَ قسم من الكتاب في مصر سنة ١٣٧٩ هـ بتحقيق عبد الرحمن عثمان، ثم طُبِعَ الكتاب كاملًا في ثلاثة مجلدات سنة ١٤٠٢ هـ بتحقيق الدكتور محمود ميرة.
٩. «شرح ما يقع فيه التَّصحيف والتَّحريف» وهو أيضًا لأبي أحمد العسكري، وقد ذكر المؤلف في مقدمة كتابه أنه ألف أول الأمر كتابًا كثيرًا جامعًا لما يحتاج إليه أهل الحديث ونقلة الأخبار، ولما يحتاج إليه أهل الأدب، ولكنه نزولًا على رغبة أُبديت جعل الكتاب كتابين:
أحدهما: لما يحتاج إليه أهل الحديث، وهو «تصحيفات المحدثين».
والثاني: لما يحتاج إليه أهل الأدب وهو هذا الكتاب، وقد قسمه المؤلف ثلاثة أقسام:
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥١/ ١١٤ - ١١٧).
(٢) «مرويات أبي بكر محمد بن خير الإشبيلي في فهرسه» (ص ١٣١).
(٣) «ميزان الاعتدال» (١/ ١٨٥) و«أسماء الحروف التي أخطأ فيها الدبري».
[ ٨٢ ]
القسم الأول: خصه بما رُوِيَ من أوهام البصريين، بعد مقدمة عرض فيها للتصحيف ومعناه وقبحه وذم المصحفين ونوادر تتصل بذلك.
القسم الثاني: عرض فيه ما رُوِيَ من أوهام الكوفيين.
القسم الثالث: روى فيه تصحيفات لقوم شتى جمع فيه ألوانًا من التَّصحيف في أسماء الشعراء، وفي أيام العرب إلى غير ذلك وبه ختم الكتاب، وقد طُبِعَ الكتاب بمصر بتحقيق عبد العزيز أحمد سعد ١٣٨٣ هـ ١٩٦٣ م (^١).
١٠. «أخبار المصحفين»، وهو أيضًا لأبي أحمد العسكري.
وهو جزء صغير طُبِعَ سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق صبحي البدري السامرائي، ويقع في نحو (٦٥) صفحة، وذكر محققه أن العسكري اختصره من كتابه الكبير الذي وضعه أولًا في التَّصحيف، وطُبِعَ مرة أخرى بتحقيق إبراهيم صالح في بيروت سنة ١٤١٦ هـ في نحو (٨٢) صفحة.
أبو الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥).
على بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني الشافعي، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، إمام عصره في الحديث من أهل محلة دار القطن ببغداد.
له كتاب:
١١. «تصحيف المحدثين».
يعتبر كتاب الدارقطني هذا من أجمع الكتب في بابه وأوسعها وأغزرها مادة، طريقته طريقة المحدثين، أنه يُسند الأخبار التي وقع فيها التَّصحيف إلى من تعلَّق فيه، ثم يُعقَّب ببيان الصواب، ذكر فيها التَّصحيفات التي وقعت في أسماء الرواة، والتَّصحيفات التي وقعت في ألفاظ الحديث، والنقول عن كتاب الدارقطني مبثوثة في كتب المصطلح ككتاب «الجامع» للخطيب
_________________
(١) «مقدمة محقق الكتاب» (ص ٧).
[ ٨٣ ]
البغدادي، و«التبصرة والتذكرة» للعراقي، أو «فتح المغيث»، و«تدريب الراوي» وغيرها، كما توجد النقول عنه عند شراح الحديث وغيرهم، وقد اختصره الحافظ ابن حجر (^١)، وكتاب الدارقطني من مرويات ابن خير الإشبيلي (^٢).
أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
الإمام العلامة الحافظ اللغوي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم البستي الخطابي، صاحب التصانيف، له كتب:
١٢. «إصلاح غلط المحدثين».
جزء لطيف، أورد فيه أبو سليمان الخطابي ألفاظ مئة وأربعين وثلاثة أحاديث، ذكر أن بعضها تخطئ رواة الحديث في ضبطها، وما يحتمله بعضها من وجوه في القراءة.
وكما قال في مقدمة كتابه: «هذه ألفاظ من الحديث يرويها أكثر الرواة والمحدثين ملحونة ومحرفة، أصلحناها لهم وأخبرنا بصوابها، وفيها حروف تحتمل وجوهًا اخترنا منها أبينها وأوضحها».
وإليك أول ثلاثة أحاديث ذكرها:
١. قال: «قوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحلُّ مَيْتَتُه»، عوام الرواة يولعون بكسر الميم من الميتة يقولون: مِيتته، وإنما هي مَيْتته، مفتوحة الميم.
٢. قال أبو سليمان: فأما قوله ﵇: «من خرج من الطاعة فمات فمِيتَتُه جاهلية»، فهي مكسورة الميم، يعني الحالة التي مات عليها.
_________________
(١) «الجواهر والدرر» للسخاوي (٢/ ٦٨٠).
(٢) «فهرست ما رواه عن شيوخه» لابن خير (ص ١٨، ١٧٣).
[ ٨٤ ]
٣. مثله قوله ﷺ: «إذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة»، وأما الذَّبحة والقتلة مفتوحتين فالمرة الواحدة من الفعل». اه.
وقد تُعقِّبَ الخطابي بأن أكثر ما ذكره في كتابه مما أنكره على المحدثين له وجوه صحيحة في اللغة العربية، وعلى لغات منقولة استمرت الرواية بها، وقد طُبِعَ الكتاب عدة طبعات بعدة تحقيقات من أهمها تحقيق الدكتور حاتم الضامن بمؤسسة الرسالة - بيروت.
إسحاق بن أحمد بن شيث (ت ٤٠٥ هـ):
أبو نصر الأديب البخاري من أهل بخارى، كان أحد أفراد الزمان في علم العربية والمعرفة بدقائقها الخفية، وكان فقيهًا ورد إلى بغداد وروى بها، ذكره الحاكم بن البيِّع في تاريخ نيسابور، والخطيب في «تاريخ بغداد» له كتاب:
١٣. «الرد على حمزة في حدوث التَّصحيف»، نسبه إليه المؤرخ ياقوت الحموي (^١).
الحسن بن رشيق ت (٣٧٠ هـ):
أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، كان شاعرًا أديبًا نحويًّا لغويًّا كثير التَّصنيف حسن التأليف، له كتاب:
١٤. «متفق التَّصحيف»، نسبه إليه ابن خَلكان في «وفيات الأعيان» (^٢).
الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ).
الحافظ الكبير الإمام المحدث المؤرخ صاحب التصانيف التي شارك بها الركبان، له ثلاثة كتب في هذا الفن كلها في الأسماء:
_________________
(١) «معجم الأدباء» (٢/ ٦٢١).
(٢) «وفيات الأعيان» (٢/ ٨٨).
[ ٨٥ ]
١٥. «المتفق والمفترق»، طُبِعَ بتحقيق الدكتور محمد صادق آيدن الحامدي، ونشرته دار القادري دمشق ط ١٤١٧ هـ في ثلاثة أجزاء.
١٦. «تلخيص المتشابه في الرسم»، وقد طُبِعَ الكتاب بتحقيق سكينة الشهابي في جزءين، ونشرته دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق عام ١٩٨٥ م.
قال في مقدمته: «ثم إني رسمتُ في هذا الكتاب بتوفيق الله وعونه من أسماء المحدثين وأنسابهم، ومن الأسماء والأنساب التي يدونونها في كتبهم ما تشتبه صورته في الخط دون اللفظ، مفردًا عما يقع الاتفاق منه حال النطق به والكتب له، إذ كنا قد فرغنا قبل من ذلك النوع في كتابنا الذي ألفناه في المتفق والمفترق، وقد جعلت هذا المرسوم فصولًا خمسة، وكل فصل منها يشتمل على أبواب عدة يتضمن كل باب تراجم كثيرة.
الفصل الأول: ما تشتبه صورته في الخط، وتتفق حروفه في الهجاء.
الفصل الثاني: ما يشتبه في الخط وهجاء بعض حروفه مختلف.
الفصل الثالث: ما كان في بعض حروفه تقديم على بعض مع اتفاقها في الصور.
الفصل الرابع: ما تتقارب لاشتباهه وبعض حروفه مختلفة في الصدر.
الفصل الخامس: نوادر هذا الكتاب».
وللخطيب أيضًا كتاب:
١٧. «تالي تلخيص المتشابه».
استدرك فيه ما فاته في كتابه «تلخيص المتشابه»، وهو كتاب جليل القدر، كثير الفائدة، بل قال ابن الصلاح: إنه من أحسن كتبه، وقد اختصره تلميذه علاء الدين أبو الحسن المارديني، واختصره أيضًا السيوطي، وسماه: «تحفة
[ ٨٦ ]
النابه بتلخيص المتشابه»، وذكره الذهبي في «تاريخه» (^١)، والكتاب طُبِعَ بتحقيق مشهور بن أحمد آل سليمان، وأحمد الشقيران سنة ١٤١٧ هـ، دار الصميعي - الرياض في مجلدين.
أبو نصر بن ماكولا (ت ٤٧٥).
الأمير الكبير الحافظ للتاريخ أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر، سعد الملك، مؤرخ من العلماء الحفاظ الأدباء، له كتاب:
١٨. «تهذيب مستمر الأوهام على ذوي المعرفة وأولي الأفهام».
تعقب فيه شيخه الخطيب البغدادي في أوهام وتصحيف وسقط أسماء من أنساب وغير ذلك في كتابه «المؤتنف»، ومما ذكر في مقدمته أنه جمع في هذا الكتاب أغلاط أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد مما ذكره الخطيب ومما لم يذكره، وما غلَّطهما فيه وهو الغالط، وأغلاط الخطيب في «المؤتنف» (^٢).
قال الذهبي: «قال أبو الحسن بن مرزوق: لما بلغ الخطيب أن ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه «المؤتنف»، وصنف في ذلك تصنيفًا، وحضر عنده ابن ماكولا سأله عن ذلك فأنكر ولم يقر وأصر، وقال: هذا لم يخطر ببالي. فلما مات الخطيب أظهره، وهو الكتاب الملقَّب ب «مستمر الأوهام».
قلت: ملكته، وهو كتاب نفيس، يدل على تبحر ابن ماكولا وإمامته».
_________________
(١) انظر «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ١٧٥)، و«الرسالة المستطرفة» للكتاني (١/ ١١٠ - ١٢٠)، و«كشف الظنون» (١/ ٤٧٣)، و«معجم الأدباء» للحموي (١/ ٩١)، (١/ ٣٨١).
(٢) «المؤتنف» هو كتاب استدرك فيه الخطيب على الدارقطني وعبد الغني بن سعيد في كتابيهما «المؤتلف والمختلف».
[ ٨٧ ]
والكتاب طُبِعَ في بيروت سنة ١٤١٠ هـ بتحقيق سيد كسروي حسن، ويقع في ثلاثمئة وتسعة وثلاثين صفحة.
ولابن ماكولا أيضًا كتاب:
١٩. «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب».
استقى ابن ماكولا مادة كتابه هذا من ثلاثة كتب: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، و«المؤتلف والمختلف» لعبد الغني بن سعيد الأزدي ت (٤٠٩ هـ)، و«المؤتنف في تكملة المختلف والمؤتلف» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣)، جمع ابن ماكولا مادته من هذه الكتب، وتعقبها وأشار إلى الأوهام والتَّصحيفات الواقعة لأصحابها ورتبها ونبه على الصواب، ومن ثم صار كتاب «الإكمال» لمن جاء بعده كالذهبي وابن حجر وغيرهم مرجعًا ومقدمًا في هذا الباب، وقد طبع الكتاب بتحقيق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀ في سبع مجلدات، وجاء بعده ابن نقطة الحنبلي البغددي محمد بن عبد الغني وألف ذيلًا على الإكمال أسماه «إكمال الإكمال» وطُبِعَ بإشراف جامعة أم القرى بمكة تحقيق د/ عبد القيوم عبد رب النبي في خمسة أجزاء.
ابن مكي الصقلي (ت ٥٠١).
أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي النحوي اللغوي المحدث الأندلسي، ولي قضاء تونس وخطابتها له كتاب:
٢٠. «تثقيف اللسان وتلقيح الجنان».
وكان مما ذكر في مقدمته: «ثم لم يزل الغلط ينتشر في الناس ويستطير حتى وقع بهم في تصحيف المشهور من حديث النبي ﷺ، واللحن في الواضح
[ ٨٨ ]
المتداول منه، وتغيير أشعار العرب وتصحيفها وتصنيف كتب الفقه وغيرها ملحونة».
ثم عقد أبوابًا لكتابه منها: (باب التَّصحيف)، (باب التبديل)، (باب ما غيروه من الأسماء بالزيادة) … (باب ما غيروه بالتخفيف)، (باب ما غيروه بالتشديد)، وقد طَبَعَ الكتاب المجلس الأعلى للشورى الإسلامية بمصر عام ١٣٨٦ هـ بتحقيق الدكتور عبد العزيز مطر، ثم طبعته دار الكتب العلمية في بيروت عام ١٤١٠ هـ.
القاضي عياض (٥٤٤ هـ):
أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي، الإمام العلامة الحافظ، شيخ الإسلام القاضي، علم الأعلام، له كتاب:
٢١. «مشارق الأنوار على صحاح الآثار».
اشتمل هذا الكتاب على تفسير غريب حديث «الموطأ»، و«الصَّحيحين» وضبط الألفاظ، والتنبيه على مواضع التَّصحيفات والأوهام، وذكر اختلاف الرواة والنُّساخ، وضبط الأسماء الواردة في هذه الكتب سواء أسماء رجال أو مواضع …
رتب عياض الكلمات التي عرض لها على ترتيب حروف المعجم، وبدأ في أول كل حرف بالألفاظ الواقعة في متونه، فأتقن ضبطها بحيث لا يلحقها تصحيف ولا إيهام، فإن كان في اللفظ اختلاف نبه عليه وبين الصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح، ثم عقد فصلًا في كل حرف على ما وقع في الكتب الثلاثة من الأسماء التي يكثر تصحيفها ونبه فيه على أشباهها.
ثم ذكر آخر كل فصل ما جاء فيه من تصحيف ونبه على الصواب، ثم أفرد في آخر الكتاب ثلاثة أبواب: أولها الجمل التي وقع فيها التَّصحيف.
[ ٨٩ ]
وهو في الجملة كتاب ثمين، استقى منه النووي وابن حجر وشراح الصَّحيحين الكثير، واعتدوا بما جاء فيه، وأكثروا النقل عنه، وقد قيل في حق هذا الكتاب (لو وُزِنَ بالجوهر أو كُتِبَ بالذهب لكان قليلًا في حقه)، وقد استفدت منه في كتابي هذا كثيرًا، وأكثرت النقل عنه، وقد طُبِعَ الكتاب عدة طبعات، وهو موجود في برنامج المكتبة الشاملة وغيرها.
ابن الدباغ الأندلسي (ت ٥٤٦) وقيل: (٥٤٤ هـ).
أبو الوليد، يونس بن عبد العزيز بن يوسف بن عمر اللخمي الأندلسي، له كتاب:
٢٢. «ما يؤمن فيه التَّصحيف من رجال الأندلس».
نسبه إليه الحافظ ابن حجر في «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» (^١)، وقال عنه: «مجلد لطيف وجدته بخط أبي علي البكري».
محمد بن ناصر السلامي (ت ٥٥٠ هـ).
الإمام الحافظ محدث العراق، أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي، الثقة المتقن اللغوي، العارف بالمتون والأسانيد، له كتاب:
٢٣. «التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف، وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف، في كتاب الغريبين عن أبي عبيد أحمد بن محمد المؤدب الهروي».
واختصر اسمه البغدادي في «هدية العارفين» فقال: «مآخذ على كتاب الغريبين للهروي في اللغة» (^٢)، والكتاب مطبوع بتحقيق حسين بن عبد العزيز
_________________
(١) «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» (٤/ ١٥١٢)، ونقل عنه في مواضع كثيرة (١/ ٣٢) (١/ ٤٧، ١٣٥، ١٥٣، ٣٥١)، وغيرها في بضعة عشر موضعًا.
(٢) «معجم الأدباء» (١٢/ ١٤٧)، و«الأعلام» (٤/ ٢١٢).
[ ٩٠ ]
باناجة في المملكة العربية السعودية عام ١٤٢٩ في جزء واحد وهو من إصدارات كنوز إشيبليا ويقع في نحو (٤٤١) صفحة.
ابن بري (ت ٥٨٢ هـ):
عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي الأصل المصري، ابن أبي الوحش من علماء العربية النابهين، وُلِدَ ونشأ بمصر وتوفي فيها، له كتاب:
٢٤. «غلط الضعفاء من الفقهاء».
قال في مقدمته: «هذه ألفاظ ذكرها المتقدمون من علماء أهل اللغة بما يغلط فيه كثير من ضعفاء الفقهاء وغيرهم، نقلتها عنهم كما ذكروها، وأتبعت ذلك بزيادة بيان لا غير».
وذكر كثيرًا مما ذكره ابن مكي الصقلي في «تثقيف اللسان» وغيره من كتب اللغة، والكتاب مطبوع بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن في بيروت عام ١٤٠٧، من إصدار عالم الكتب.
أبو الفتح البليطي (ت ٥٩٩ هـ).
عثمان بن عيسى بن ميمون البليطي، أبو الفتح من العلماء بالأدب والأخبار وله شعر، ولد في بلدة قريبة من الموصل، وانتقل إلى مصر فرتب له السلطان صلاح الدين راتبًا على إقراء العربية بالجامع، فاستمرَّ بها إلى أن مات، وكان طوالًا جسيمًا أحمر اللون، فيه مجون واستهتار. له كتاب:
٢٥. «التَّصحيف والتَّحريف».
نسبه إليه ياقوت الحموي في «معجم الأدباء».
علي بن الحسن بن عنتر الحلي (ت ٦٠١ هـ).
علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت أبو الحسن النحوي اللغوي المعروف بالشميم، وسمي بذلك لأنه كان يبقى أيامًا لا يأكل إلا التراب، فكل ما يلقيه من الرجيع يابس قليل الرطوبة، ليس بمنتن، فيحطه في جيبه، فكل من دخل
[ ٩١ ]
إليه يخرجه من جيبه ويشمه إياه، ويقول: انظروا إلى ما ألقيه، وشموا رائحته، فإنني قد تجوهرت، فلذلك دعي بالشميم، وتحكى عنه حكايات عجيبة في رقاعته، وقلة ديانته، وفساد عقيدته، له كتاب:
٢٦. «متنزه القلوب في التَّصحيف» (^١).
ابن قرقول (ت ٥٦٩ هـ).
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الوهراني الحمزي، المعروف بابن قرقول، نعته الذهبي في «السير» فقال: «الإمام العلامة، وكان رحَّالًا في العلم، نقَّالًا فقيهًا، نظارًا أديبًا، نحويًّا عارفًا بالحديث ورجاله». له كتاب:
٢٧. «مطالع الأنوار على صحاح الآثار».
وهو على منوال كتاب شيخه القاضي عياض المسمى «مشارق الأنوار»، بل هو ناقل عنه مع توضيحات وزيادات، وقد أكثر النقل منه شراح الحديث كابن حجر والعيني في نحو (١٧٢) موضعًا، وقد استفدت منه في كتابي هذا ونقلت عنه، وكتابه مطبوع في قطر، نشر وزارة الأوقاف في ستة مجلدات.
صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ).
خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين: أديب، مؤرخ كثير التصانيف، ولد في صفد بفلسطين، وإليها نسبته، وتعلم في دمشق، ولع بالأدب وتراجم الأعيان. له كتاب:
٢٨. «تصحيح التَّصحيف وتحرير التَّحريف».
ذكر فيه الكلمات التي يمكن أن يقع فيها التَّصحيف والتَّحريف فبدأ بحرف الهمزة والباء فقال: «الأبُّ والأخُّ يشددونهما والصواب التخفيف»،
_________________
(١) «تاريخ بغداد وذيوله» (١٨/ ٢٠٢)، «معجم الأدباء» (١٣/ ٧٢)، «الوافي بالوفيات» (٢٠/ ٢٠٧).
[ ٩٢ ]
ومثل ذلك، وكله في اللغة، والكتاب مطبوع في القاهرة سنة ١٤٠٧ هـ، بتعليق: السيد الشرقاوي في مصر في (٥٦٨) صفحة.
وله كتاب آخر كتابه:
٢٩. «نفوذ السهم فيما وقع للجوهري من الوهم».
أشار إليه في مقدمة كتابه (ص ٦٤) فقال: «أما ما عثرتُ عليه من التَّصحيف في كتاب «الصِّحاح» للجوهري، فقد ذكرت ذلك مستوعبًا في كتابي «نفوذ السهم فيما وقع للجوهري من الوهم» (^١).
ابن الملقِّن (ت ٨٠٤ هـ).
عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين أبو حفص ابن النحوي المعروف بابن الملقِّن، له نحو ثلاثمئة مصنف، له كتاب:
٣٠. «إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب والألفاظ والكنى والألقاب» (^٢).
ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ).
أحمد بن علي بن محمد، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، حافظ العصر، مفخرة الإسلام، ذهبي عصره، مرجع الناس في التَّصحيف والتصحيح. له كتاب:
٣١. «تلخيص التَّصحيف للدارقطني» (^٣).
_________________
(١) انظر «كشف الظنون» (٢/ ١٠٧٣)، (٢/ ١٩٧٠)، «هدية العارفين» (١/ ٣٥٢)، «تاريخ التراث العربي» لسزكين (٢/ ٦٨٦).
(٢) «الإعلام» للزركلي (٥/ ٥٧)، «هدية العارفين» (١/ ٧٩١) «إيضاح المكنون» (٣/ ٥٣).
(٣) «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» (٢/ ٦٨٠).
[ ٩٣ ]
وله أيضًا:
٣٢. «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه».
وهو كتاب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والكنى والألقاب مما اتفق وضعًا، واختلف نطقًا، ووضع ابن حجر كتابه هذا سدًّا للعوز الذي لمسه في كتاب الحافظ الذهبي «مشتبه النسب» كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه، وصحح في كتابه هذا ما يربو على ثلاثين تصحيفًا كما وجدته في البحث عن كلمة (تصحيف) و(صحفه) باستعمال الحاسوب مما وقع فيه الذهبي وابن ماكولا وابن نقطة وغيرهم، وكتابه هذا مطبوع في أربعة أجزاء بتحقيق محمد علي النجار، وليس هذا فحسب ما اقتصر عليه جهد الحافظ ابن حجر في التَّصحيف، فتنبيهاته على التَّصحيف والإشارة إليه مما وقف عليه هو أو نقله عن غيره مبثوثة في جميع كتبه، خاصة «فتح الباري»، وقد أكثرتُ من النقل عنه في كتابي هذا في مواضع كثيرة، وخصص في كتابه «الإصابة» القسم الرابع من كل حرف بالأوهام والتَّصحيفات الواقعة لمن سبقه.
محمد المؤذن (٨٥٧ - ٨٨٥ هـ):
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأزهري، أبو الفتح المؤذن الشهير بالرسام، له كتاب:
٣٣. «صحائف التَّصحيف ولطائف التَّحريف».
نظمًا ونثرًا.
[ ٩٤ ]
ابن المبرد (٨٤٠ - ٩٠٩ هـ):
يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي الصالحي، علامة متفنِّن من فقهاء الحنابلة، من أهل الصالحية بدمشق، له كتاب:
٣٤. «جواب بعض الخدم لأهل النعم عن تصحيف حديث احتجم» (^١)، والكتاب مطبوع في بيروت سنة ١٤٢٤ هـ، نشر دار البشائر الإسلامية في (٤٩) صفحة.
خالد الأزهري (ت ٩٠٥).
زين الدين خالد بن عبد الله بن أبي بكر الأزهري المصري النحوي (ت ٩٠٥) له كتاب:
٣٥. «تصحيف المحدثين» (^٢)، وله كتب أخرى منها: «شرح على أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك»، «الزبدة في شرح البردة» وغيرها.
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١):
عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الخضيري السيوطي المصري الشافعي إمام حافظ مؤرخ أديب له كتاب:
_________________
(١) «هدية العارفين» (٢/ ٢١٧)، و«معجم المؤلفين» (١١/ ١٨٤)، (١١/ ١٨٩).
(٢) «إيضاح المكنون» (٣/ ٢٩٣).
[ ٩٥ ]
٣٦. «التَّطريف في التَّصحيف»، والكتاب مطبوع في نحو ثمانين صفحة اشتمل على (١٢٥) تصحيفًا، ذكرها نقلًا عمن سبقه في هذا الباب، من إصدارات دار الفائز بعمان تحقيق الدكتور علي حسين البواب.
وله كتاب:
٣٧. «النابه في تلخيص المتشابه» (^١)، لخص فيه كتاب الخطيب البغدادي وقد تقدم الحديث عنه.
البساطي (ت ١٠٤٤).
محمد بن علي بن بدر الدين محمد بن عبد العزيز البساطي الشافعي، له كتاب:
٣٨. «التَّالد والطَّريف في فن جناس التَّصحيف» (^٢).
* * *
_________________
(١) «كشف الظنون» (١/ ٣٧٥).
(٢) «الأعلام» (٦/ ٣٩١)، «هدية العارفين» (٢/ ٢٧٨)، «معجم المؤلفين» (١٠/ ٢١١)، «خزانة التراث فهرس مخطوطات» (٤٧/ ٣٥١).
[ ٩٦ ]