الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأستغفره لما أزلفتُ وأخَّرتُ، وأعلنتُ وأسررت، استغفارَ عبد مذنب مقرٍّ معترف بذنوبه وغفلته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ معترفٍ له بالربوبية والتوحيد، مقرًّا له بالعظمة والتمجيد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، اصطفاه لنفسه وليًّا، وارتضاه لخلقه رسولًا ونبيًّا، وأستودع الله هذه الشهادة.
أما بعد:
فإن الاشتغال بطلب العلم والتَّفقُّه في الدِّين من أجلِّ المقاصد، وأعظم القربات، وأولى المهمات، وأمر به المولى ﷿ قبل العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وإن من هذه العلوم: علمَ الحديث، وهو المفسِّر للقرآن، والمبيِّن له، ومن شأن طالب هذا العلم الجليل أن يُشْغلَ بما لم يُشْغل به من التَّصنيف، وأنه إذا وجد فراغًا في فنٍّ من فنون العلم وقف عنده وحاول أن يملأه.
وكان بحمد الله وتوفيقه أن اتخذتُ هذا منهجًا لي، فأحاول أن أصنف في المباحث والعلوم التي انشغل عن التَّصنيف فيها ساداتُنا من أهل العلم والفضل سابقًا ولاحقًا، وأجمع ما فرَّقوه من فوائد ودرر في تصنيفاتي.
وموضوع كتابي هذا صنَّف فيه غير واحد من العلماء السابقين من محدثين ولغويين، وقد أفردتُ فصلًا في المؤلفات في التَّصحيف، إلا أن أغلبها اقتصر على التَّصحيف في الإسناد، مكتفين بسرد الأسماء التي وقع فيها التَّصحيف، أما التي اهتمت بما وقع من تصحيف في المتون فما هي إلا
[ ٢ ]
قليل، واقتصروا أيضًا على ذكر ألفاظ الحديث التي وقع فيها التَّصحيف دون تتبع واستقراء، ولا أعلم في الدِّراسات الحديثة من تناول الموضوع بالكيفية التي حررتُ بها هذا البحث.
أهمية البحث:
١. أن فيه صيانة للسُّنَّة النَّبوية من التَّصحيفات التي لحقت بعض ألفاظ الحديث النَّبوي الشريف، وما يترتب على التَّصحيف من توهُّم بعض الأحكام الشَّرعية (^١)، وإزالة الإشكالات التي نشأت من هذا التَّصحيف والتَّكلُّف في تأويلها (^٢).
٢. أن فيه إبرازًا للجهود التي بذلها سلفنا الصالح من محدثين ونقَّاد من إعلال الأحاديث التي لحقها التَّصحيف، وذكر أقوالهم، والفصل فيما اختلفوا فيه ببيان الراجح من أقوالهم، والتَّدليل عليه بأقل عبارة دون استطراد مُمِّلٍّ.
خطة البحث:
١. أذكر الحديث الذي فيه لفظٌ مصحَّف من أحد مصادره بسنده مختصرًا من الراوي الذي وقع منه التصحيف، أو الذي قبله، ثم أذكر من أخرجه أيضًا من أهل الحديث إن وُجِدَ.
٢. أكثر الأحاديث التي أوردتها من كتب السُّنَّة المعتمدة.
٣. أذكر اللفظ المصحَّف ومن صحَّفه إن تبيَّن لي، ثم أذكر اللفظ الصَّحيح بنفس إسناد الحديث المصحَّف ومن طرق أخرى إن وُجِدَ.
_________________
(١) انظر: «أثر التَّصحيف في المتن» (ص ٥٨).
(٢) انظر: «آثار أخرى للتَّصحيف» (ص ٧٧).
[ ٣ ]
٤. أستشهد بكلام أهل الحديث، وشُرَّاح كتب السُّنَّة، وعلماء اللغة في التَّقرير وبيان التَّصحيف.
٥. أرجِّح بين اختلاف أهل العلم إن وُجِدَ في تقريرهم ما يُبيِّن اللفظ الصحيح من المصحَّف (^١).
٦. ضربت صفحًا عن الألفاظ التي ذُكِرَ أنها تصحيف من بعض المحدثين، ولم تُذكَر في حديث مسند عنه؛ لأني لا أرى فائدة في ذكرها في بحثي هذا.
٧. إذا تعلَّق باللفظ المصحَّف حكم شرعي ونحوه، واحتجَّ به بعض أهل العلم ذكرتُ من جاز عليه التَّصحيف وقرَّره.
٨. جمعتُ في آخر الكتاب التَّصحيفات التي لها أثر في المتون لأهميتها، وليسهل على الباحث معرفتها، وقد عنونت لها ب «أثر التَّصحيف في المتن» (^٢).
وفي الختام أحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنة عرشه، ومداد كلماته، بجميع المحامد التي حمد بها نفسه، وحمده بها أنبياؤه وأولياؤه وأصفياؤه وملائكته وحملة عرشه وجميع خلقه، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، على نعمه وتوفيقه، وأسأله المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه.
والله ﷿ المسئول أن يجعل جميع ما كتبتُه في هذا الكتاب وغيره خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه ووالديه والناظر فيه، فما كان فيه من صواب فبنعمة الله وتوفيقه وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله
_________________
(١) انظر مثالًا لذلك الأحاديث رقم (٢، ٨، ١١، ١٥، ٢٤، ٣٣، ٥٣، ٥٤، ٩٢، ٩٩، ١١٤، ١١٧، ١٣٧، ١٣٨، ١٤١، ٢١٥، وغيرها).
(٢) انظر (ص ٥٨).
[ ٤ ]
تعالى، وحسبي أني ما تعمدتُ خطأ، ولا قصدتُ هوى، ورحم الله امرأ أهدى إليَّ عيبي، وبصَّرني بمواضع الخلل في كتبي.
ربنا تقبل منَّا إنك أنت السميع العليم، وتبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا - واجعل ما كتبته في صحائفهم - ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
الفقير إلى عفو ربه الكريم
أبو حمزة الشنفري
سعيد بن عبد القادر بن سالم باشنفر
جدة
في شهر رجب من عام ١٤٤٤ للهجرة
[ ٥ ]
الفصل الأول