تعاريف وتقويمها
الفصل الأول: التمهيد
قبل الدخول إلى صلب الموضوع أرى من المفيد تقديم (تمهيد) وهو يشتمل على موضوعين رئيسين هما:
١ - تعاريف وتقويمها.
٢ - أسلوب المطابقة وأسلوب التطبيق وتقويمهما.
- ١ -
تعاريف وتقويمها
· لمصطلح " الإعجاز العلمي في القرآن والسنة " تعاريف متعددة ومنها:
١ - "تأكيد الكشوف الحديثة الثابتة والمستقرة، للحقائق الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية" (١) . ويؤخذ على هذا التعريف قوله " للحقائق الواردة في القرآن والسنة "، فهذا إطلاق لا يقبل، وذلك لأن كثيرًا من حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية، لا تدخل تحت علوم البشر.
٢ – إخبار القرآن الكريم والسنة النبوية بحقائق العلم التجريبي التي ثبت عدم إمكان إدراكها إلا بالوسائل البشرية التي لم تكن في زمن الرسول ﵊، يؤخذ على هذا التعريف أنه استبعد الحقائق غير الكونية، كالإعجاز في علوم التاريخ والاقتصاد والتشريع. والأمر يحتاج إلى تعريف يقع عليه الاتفاق بين المشتغلين بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ولا تكون عليه مآخذ. ولا يخفى أن التعريف الجامع المانع الخالي من المآخذ
_________________
(١) مقدمة توصيات المؤتمر الدولي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
[ ٣ ]
والمتفق عليه، يوحِّد الآراء حول (المصطلح)، وحول مدلوله ليصبح مستقرًا في الفكر وفي الثقافة، ويدخل في المعاجم دون غموض أو جدال، وهذا يعجل بجعل "الإعجاز العلمي" علما له منهجه. وفي سبيل التوصل إلى ذلك التعريف، فإنني أشارك بتقديم التعريف التالي "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية هو الإخبار بحقائق دائمة في شتى العلوم دون الاستعانة بالوسائل البشرية: كالتعليم والمعرفة المكتسبة بوسائلها المختلفة، مما يؤكد أن القائل بالحقائق في شتى أمور الحياة موحى إليه من الله ﷾ بما تحدث به؛ ليكون ذلك شاهدًا على ألوهية رسالته، وصدق دعوته، وقد تحقق ذلك الإعجاز العلمي لخاتم الرسل والأنبياء سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه".
هذا التعريف جعل الإخبار بالحقائق الواردة في القرآن والسنة هو الأصل، وليست الكشوف العلمية، كما أنه لا يقتصر على حقائق العلوم الكونية، بل يشمل حقائق كل العلوم بمفهوم مصطلح (العلم) ومعناه العام والشامل وهو "كل ما يصل إليه الإنسان من معارف على وجه الحقيقة"، فالعلم: كما يشمل الأمور المادية والكونية، فهو يشمل أيضا الأمور المعنوية والإنسانية. وبتعريفنا السابق بأخذ مصطلح "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية" موقعه بين جميع العلوم، ولا يكون مقصورًا على العلوم المادية والكونية· كما تكون له مصطلحات تفصيلية فتقول مثلًا: الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في الفلك، والإعجاز العلمي للقرآن والسنة في الطب، والإعجاز العلمي للقرآن والسنة في الاقتصاد إلخ. وقد يكون المأخذ الوحيد على تعريفنا السابق هو الإطالة، وإذا كان ذلك كذلك ففي الإمكان
[ ٤ ]
اختصاره.
ونحن لا نفرق في الإعجاز العلمي للسنة النبوية بين حقائق فيها سَبْقُ الإخبار، وحقائق ليس فيها سبق الإخبار، حيث إن قول رسول الله ﷺ أو فِعْلَه أو تقريره يُدخل هذه الأمور في السنة النبوية ويجعلها حقائق، وبالتالي يدخلها في موضوعات الإعجاز العلمي. وتأسيسا على ذلك فإن كل ما جاء في السنة النبوية مما كان عند العرب يدخل في باب الإعجاز العلمي، طالما أن رسول الله ﷺ قَبِله وتكلم به وأقره، وبهذا نغلق الباب في وجوه الذين جعلوا السنة النبوية (عضين) فقسموها إلى أمور شرعية من الوحي يُعْمَلُ بها، واجتهادات شخصية وأمور عرفية ليست من الوحي، ونقول لهم: إن كل ما جاء بالسنة النبوية وحي، حتى ولو كان من أعمال العادة التي كانت معروفة على عهد رسول الله ﷺ، طالما أنه أقرها، فالموافقة لم تكن عن هوى أو اجتهاد شخصي، بل كانت بالوحي، وما يمكن أن يقال ويقبل "هو أن السنة النبوية جميعها وحي، وأن الأحاديث النبوية وحي في المعنى ونبوية في اللفظ والتعبير"، وليس بالضرورة أن يكون الوحي من جنس الوحي الذي نزل به القرآن الكريم، لكنه وحي من عند الله فلا ينطق ﵊ إلا حقا.
وألفت النظر إلى أن الإسلام كله معجز، والرسول ﵊ معجز بذاته وباتصاله الدائم بالوحي. وعلينا نحن المسلمين أن نتجنب الوقوف عند الإعجاز العلمي، ونشغل به عن جوانب الإعجاز في تشريعات الإسلام وتوجيهاته الأخلاقية وعن سيرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلينا ألا نجعل خطاب الدعوة الإسلامية مركزًا على الإعجاز العلمي بدعوى
[ ٥ ]
أن العلوم الكونية والتقنيات الحديثة هي لغة العصر وأسلوب التخاطب والإقناع، بل على الدعاة وكل من يدعو إلى دين الإسلام أن يهتموا بجوانب الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في العقيدة والأخلاق والتشريع والمعاملات والعبادات، على أن يظل الإعجاز العلمي في مقدمة خطاب الدعوة بجانب تعاليم الإسلام شاهدين على أن مصدر هذا الدين هو الله ﷿ وصدق رسالة محمد ﷺ.
[ ٦ ]
-٢-
أسلوب المطابقة وأسلوب التطبيق وتقويمهما
تتحرك أعمال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية في اتجاهين:
· أحدهما: تكون فيه الاكتشافات العلمية والمعارف الكونية معروفة وتكون مطابقة لما في الآيات القرآنية والسنة النبوية من الحقائق، فيقوم العلماء بإظهار العلاقة بين الكشوف العلمية وتلك الحقائق القرآنية والنبوية، وهذا هو معنى (أسلوب المطابقة)، وهو يمثل أكثر أعمال الإعجاز العلمي في الوقت الحاضر، وذلك يتماشى مع قول الله ﷾: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:٥٣) . وحسب سياق الآيات، فإن هذه الآية خطاب للكفار المكذبين، مما يدل على أن ما سيظهر من الاكتشافات في الآفاق وفي الأنفس سيتحقق في معظمه على أيدي من لا يؤمنون بالله ﷾، ولا بالقرآن ولا باليوم الآخر، حتى يكون ما يتوصلون إليه من
[ ٦ ]
الاكتشافات والسنن الكونية، برهانا وتبيانا على أن هذا الدين وحي من الله وشاهد على صدق القرآن وإعجازه، وعلى ما جاء به الوحي على سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ويصبح حجة على الكفار والمكذبين. وما يجري الآن في مجال الاكتشافات على يد غير المسلمين يؤكد ذلك. وقد يكون الخطاب في الآية السابقة عاما لكل البشر.
"وأسلوب المطابقة" لا مأخذ عليه إذا توخَّى المشتغلون بالإعجاز العلمي سلامة المطابقة، وتجنبوا التعسف في الاستدلال الذي يقع فيه بعضهم؛ اندفاعا وتحمسا منهم، أو لقصور في البحث والاستدلال.
· والاتجاه الآخر، وفيه تكون المعارف العلمية والاكتشافات الكونية التي تطابق ما في القرآن الكريم والسنة النبوية من الحقائق مازالت مجهولة ولم يتم اكتشافها بعد، فيقوم العلماء بالنظر في الإشارات والعبارات العلمية الواردة بالقرآن والسنة والانطلاق منها نحو الدراسات العلمية والبحوث التجريبية التي تقودهم إلى الاكتشافات، وهذا هو المقصود من مصطلح (أسلوب التطبيق)؛ وذلك ليتماشى مع قول الله ﷾: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل ٨٩) . وأعمال الإعجاز العلمي في اتجاه (أسلوب التطبيق) مازالت ضئيلة، وهى في حاجة إلى مزيد من الاهتمام من جانب هيئات وجمعيات ولجان الإعجاز العلمي بالتنسيق مع مراكز البحوث العلمية، وتوفير الإمكانات للعلماء والباحثين. والعمل "بأسلوب التطبيق" شاق، لكنه ضروري طالما أن هناك اقتناعا لدى علماء المسلمين بأن الآيات القرآنية والسنة النبوية بهما الكثير من
[ ٧ ]
الحقائق في شتى العلوم. ولقد أصبح من المفيد، بل ومن الواجب التوجه إليهما بالنظر والدراسة والبحث لاستكشاف ما بهما من حقائق لاشك أنها ستزود العلوم والتقنيات - النابعة من العقول العلمانية والفكر المادي المجرد من الإيمان بالله ﷾ - اللتين ابتليت بهما الحضارة المعاصرة، من الحقائق العلمية التي تعين وتهدي إلى الدخول في الإسلام وبهذا يصبح "منهج الإعجاز العلمي بالأسلوب التطبيقي" مصدر خير للبشرية، كما أنه يحقق ثلاث فوائد مهمة هي:
١ - يصبح القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرًا للحقائق العلمية بضوابط أخلاقية ومقاصد إنسانية.
٢ - لا يظل فهم آيات القرآن الكريم وما تتضمنه من الحقائق وفهم السنة النبوية والمعارف العلمية تابعًا على الدوام للمعارف التي يتحقق اكتشافها من خارج القرآن الكريم والسنة النبوية.
٣ - يصبح الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية أكثر إشراقا وواقعية وإيجابية ومصداقية وعطاء.
٤ - يصبح للعلماء مصدران لمعرفة الحقائق والسنن الكونية وهما:
"الكون المسطور"، ويمثله القرآن الكريم والسنة النبوية، و"الكون المنظور" في الآفاق وفي الأنفس.
· ولتوسيع مفهوم "أسلوب التطبيق"، فإننا ننظر إليه في أمور ثلاثة وهي:
١ - الانطلاق من الإشارات والعبارات العلمية في القرآن والسنة نحو اكتشافات
[ ٨ ]
جديدة غير معروفة: كالبحث في حديث الذبابة (١) لاكتشاف المواد الضارة والمواد الشافية، وكالبحث عن الصفات المعنوية للقلب على ضوء ما جاء في القرآن والأحاديث النبوية.
٢ - الاستقصاء العلمي التجريبي لحقائق جرى التعرف على بعضها وقد طابقت القرآن والسنة، لكنها في حاجة إلى مزيد من البحوث: كأضرار لحم الخنزير، وكأضرار زواج الإخوة من الرضاعة، وكأثر الحبة السوداء في زيادة مناعة الجسم.
٣ - ترجيح بعض الآراء العلمية حينما تتعارض كاستخدام الحجامة في العلاج، وكالأبحاث التي تناولت نوع الجنين ذكرًا أو أنثى، فهناك أقوال بأن نوع الجنين يتحدد بالحيوانات المنوية من ماء الرجل، وأقوال بأنه يتحدد بماء الرجل وماء المرأة، وهو القول المقبول شرعا، والذي وردت فيه أحاديث نبوية (٢)، وعلى العلماء أن يرجحوا بالأحاديث النبوية أحد القولين، لكن بعد التأكد من دلالة الحديث أو فهمه فهما صحيحًا.
_________________
(١) قال رسول الله ﷺ: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء" رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وجمع من المحدثين.
(٢) حديث ثوبان: "قال رسول الله ﷺ: "ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنَّث بإذن الله" أخرجه مسلم. وهذا الحديث وغيره يثبت أن مني الرجل ومني المرأة يشتركان في تحقيق الجنين وفي صفاته ومنها الإذكار والتأنيث.
[ ٩ ]