الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد
مدخل
القسم الأول: توثيق سند الحديث
الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد
١٣١- في القرن الثاني الهجري سار توثيق السنة في طريقين يكمل أحدهما الآخر حفاظًا على سنة رسول الله ﷺ.
أحدهما: وضع المقاييس والأسس التي تكفل للسنة أن تنقل نقلًا صحيحًا دون تبديل أو تغيير، والتي تصونها من وضع الوضاعين، وتحريف بعض الرواة، وقد بدأ السير في هذا الطريق في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، كما سبق أن رأينا، واستكملت أسسه في القرن الثاني، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
ثانيهما: إثبات حجية السنة، كمصدر أساسي من مصادر التشريع الإسلامي، وإزالة العوائق التي وضعها الحاقدون على السنة دون تنفيذ ذلك؛ وقد بدأ هذا عندما ادعت طوائف أن سنة رسول الله ﷺ، لم تنقل نقلًا صحيحًا، ولا يمكن لها ذلك، على الرغم من الجهود التي يبذلها القائمون في هذا المجال، وهي بالتالي غير موثقة، وغير صحيحة، وغير جديرة بالقبول، ولا تكون حجة.
١٣٢- وقد بدأ السير في هذا الطريق في القرن الثاني الهجري، وحمل لواءه الإمام الشافعي، ﵁.
١٣٣- وسنبدأ بالطريق الثاني؛ لأنه كالأساس للطريق الأول، فالذين وضعوا أسس توثيق السنة كان يدفعهم إلى ذلك أن العمل بها ضروري، وأن حجيتها ثابتة، وأن نقل معظمها عن طريق الآحاد من الرواة لا يجعلنا نشك فيها، أو لا نطمئن على ثبوتها، كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي موثوق به، كما فعل بعض الناس فهذا هو الأساس الذي تتلوه عملية التوثيق الأخرى، التي بدأت منذ عصر الصحابة، كما رأينا.
وبدأت أولًا لأن القائلين برفض السنة واستحالة نقلها نقلًا صحيحًا عن طريق الرواة لم يظهر أثرهم وخطرهم على السنة إلا في القرن الثاني الهجري، ولهذا انتضى لهم الإمام الشافعي.
[ ٧٧ ]
١٣٤- والسنة من حيث السند تنقسم إلى قسمين عند الجمهور:
١- قسم نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب؛ لكثرة عددهم، وتباين أمكنتهم ابتداء من أول القرن الثاني، عن قوم مثلهم. إلى أن يتصل برسول الله ﷺ، فيكون أوله كآخره، وأوسطه كطرفيه، وذلك نحو نقل أعداد الركعات، وأعداد الصلوات، ومقادير الزكاة، ومنه حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١، فقد نقله من الصحابة ﵃ العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم٢.
ويسمى هذا القسم بالمتواتر، ويطلق عليه الإمام الشافعي علم العامة أو علم الإحاطة٣.
وهذا القسم لا يذكره المحدثون ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ لكونه لا تشمله صناعتهم، كما يعبر ابن الصلاح٤.
٢- وقسم ليس كذلك، وإنما نقله الآحاد من الرواة في أي طبقة من الطبقات الأولى الثلاث، الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين، وبعبارة أخرى قسم ليس بمتواتر، ويسمى هذا القسم "الآحاد"، ويسميه الإمام الشافعي "علم الخاصة"٥.
_________________
(١) ١ انظر طرق هذا الحديث ومن رواه من الصحابة في كتاب تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: جلال الدين السيوطي تحقيق محمد الصباغ -المكتب الإسلامي ١٣٩٢هـ-١٩٧٢م ص٨-٦٥ الفصل الأول بأجمعه. ٢ مقدمة ابن الصلاح: تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزودي المعروف بابن الصلاح مطبوعة مع شرح التقييد والإيضاح للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن الحسين العراقي "٧٢٥-٨٠٦هـ" نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. الطبعة الأولى ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م ص٢٦٦. ٣ الرسالة: محمد بن إدريس الشافعي "١٥٠-٢٠٤م" تحقيق أحمد محمد شاكر - الطبعة الأولى ١٣٨٥-١٩٤٠، مكتبة مصطفى الحلبي، ص٤٧٨. ٤ مقدمة ابن الصلاح: ص٢٦٥. ٥ الرسالة: ص٤٧٨، ٤٧٩.
[ ٧٨ ]
٣- وهناك قسم آخر عند الأحناف خاصة ويسمونه "المشهور"، وهو ما نقله عن رسول الله ﷺ الآحاد من الصحابة، ثم تواتر في طبقتي التابعين وتابعيهم. فباعتبار الأصل هو من الآحاد، وباعتبار الفرع هو متواتر، ومثاله ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ، في سفر، فأهويت لأنزع خفيه. فقال: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما. وكقوله ﵇: "لا يرث القاتل"، وقوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" ١.
_________________
(١) ١ أصول السرخسي جـ١، ص٢٩٢- البداية في أصول الفقه: شرف الدين محمود خطاب الطبعة الثالثة ١٣٥٢هـ-١٩٣٣م مطبعة الاستقامة -القاهرة جـ٢ ص٨.
[ ٧٩ ]
حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية:
١٣٥- والمتواتر موثوق به، لبعد تهمة التواطؤ على الكذب من ناقليه؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، فهو يضاهي السماع من الرسول ﷺ مباشرة، و"لهذا كان موجبًا علم اليقين عند جمهور الفقهاء".
ويقول شمس الأئمة السرخسي -مبينًا مقدار الثقة بالمتواتر عند الأحناف والشافعية: "ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري" ثم حكى قولًا ثالثًا لطائفة قالت: إن المتواتر يفيد علم طمأنينة القلب لا علم اليقين، ومعنى هذا أنه يثبت العلم به مع توهم الغلط أو الكذب، ولكن لرجحان جانب الصدق في نقله تطمئن القلوب إليه١، وكلهم مجمعون -تبعًا لهذا- على حجيته ووجوب العمل به.
منكرو حجية المتواتر:
١٣٦- وإذا ان هذا هو رأي عامة المسلمين، فقد خالفهم من يقول:
إن الخبر -والمتواتر منه- لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه من الوجوه، لأن الذي تولى نقله المخبرون، ويمكن أن يجتمعوا على اختراعه،
_________________
(١) ١ المصدر السابق جـ١ ص٢٨٣، ٢٩١، ٢٨٤.
[ ٧٩ ]
قلوا أو كثروا، ولا يسلم كل واحد منهم من الخطأ والوهم، فكذلك جميعهم١.
١٣٧- وقد حكى الإمام الشافعي، ﵁ قول هذه الطائفة التي ردت الأخبار كلها، ولم تثق فيها، فقد جاء له بعض منها، فقال: إن الله تعالى قد حكى أن في القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء٢، فلا يجوز أن يخصص عامه، أو يقيد مطلقه أو يفسر الأمر فيه؛ مرة بالفرض، ومرة بالإباحة بالأحاديث التي ينقلها الرواة، ولا يبرأ كل واحد منهم من الغلط والنسيان والخطأ في الرواية "أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم فيه، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعملون بها، وتمنعون بها٣"، كما يحكي الإمام الشافعي قول بعضهم: "ولا أقبل منها شيئًا إذا كان يمكن فيهم الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدًا الشك في حرف منه، أيجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة، وليس بها٤؟! ".
وخلاصة هذه الدعوة -كما نرى من هذه النصوص- هو رفض السنن وعدم قبولها، والاكتفاء بكتاب الله ﷿.
١٣٧- وقد وجدت بذور هذه الدعوى في عهد رسول الله ﷺ، فحذر منها حين قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". وحين قال: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه" ٥.
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ص٢٨٣. ٢ الآية الكريمة تقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء﴾ [النحل: ٨٩] . ٣ الأم جـ٧ ص٢٥٠. ٤ المصدر السابق جـ٧ ص٢٥٠. ٥ المستدرك جـ١ صـ١٠٨ - ١٠٩ وانظر صـ٢٤ من هذا الكتاب.
[ ٨٠ ]
١٣٨- كما وجدت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة، فقال له رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟. قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه؟، وأخذناه عن النبي ﷺ؟ وقال: أوجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ١، أوجدتم فيه: فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين خلف المقام، أوجدتم في القرآن: "لا جلب، ولا جنب ولا شغار في الإسلام"٢؟. أما سمعتم الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣؟!.
قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم٤".
١٣٩- وفي عصر التابعيين وجدنا رجلًا يجابه التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير، ويقول له: "لا تحدثونا إلا بالقرآن٥".
_________________
(١) ١ سورة الحج: آية ٢٩. ٢ الجلب: يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعًا، ثم يرسل من يجلب إليه الأمور من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهى عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. الثاني: أن يكون في السباق، وهو أن يتبع الرجل ويصيح فرسه، فيزجره، ويجلبعليه، ويصيح حثًّا له على الجري فنهى عن ذلك والجنب: هو في السباق أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم أمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر فنهوا عن ذلك، وقيل: هو أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه. الشغار: نكاح معروف في الجاهلية كأن يقول الرجل للرجل شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي، أو من إلي أمرها، ولا يكون بينهما مهر فهذه في مقابل تلك. ٣ سورة الحشر: آية ٧ ٤ مفتاح الجنة، في الاحتجاج بالسنة: جلال الدين السيوطي "٩١١هـ" نشر المكتبة السلفية ص٦، وقد رواه الحاكم مختصرًا: المستدرك جـ١ ص١٠٩-١١٠- سنة الرسول ﷺ ص٢٠. ٥ سنة الرسول ﷺ ص٢٠.
[ ٨١ ]
١٤٠- ولكن الجديد في هذه الدعوى -في القرن الثاني- أن أصحابها، وقد وجدوا الأسس التي وضعها المحدثون، والجهود المضنية التي بذلوها في خدمة السنة وصيانتها من الخطأ والنسيان والوضع، يريدون أن يشككوا في هذه الجهود، حتى لا تقف حجر عثرة أمام أهدافهم، وكأنهم يقولون: مهما فعلتم، فالشك قائم في الأخبار، وهي غير موثقة؛ لأن ناقليها، قلوا أو كثروا - لا يوثق بنقلهم.
يقول شمس الأئمة السرخسي مبينًا حجة هؤلاء: "ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه، وكيف يقع العلم به، والمخبرون هم الذين تولوا نقله؟ وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر، ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه -قلوا أو كثروا- فذلك لا يكون موجبًا للعلم أصلًا١".
ومن هنا ضاعفوا من جهودهم في التشكيك في السنة وفي حجيتها.
ولكن من هؤلاء؟:
١٤١- لم يفصح الإمام الشافعي عمن يرى هذا الرأي، وإن كان قد أشار إلى أن الذين تفرقوا في تثبيت الخبر من أهل الكلام وممن نسبتهم العامة إلى الفقه٢. ورجح الدكتور مصطفى السباعي، مستنيرًا برأي للشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" -أن هؤلاء من المعتزلة، واستند في ذلك إلى ما يقوله ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث من أن شيوخ المعتزلة تطاولوا على السنة وعلى الصحابة، وأن الإمام الشافعي ذكر أن موطن هؤلاء المنكرين كان بالبصرة، وأكثر المتكلمين بما فيهم المعتزلة كان بالبصرة٣، كما أن أبا منصور البغدادي ذكر في كتابه "الفرق بين الفرق" أن النظام من المعتزلة
_________________
(١) ١ أصول السرخسي جـ١ ص٢٨٣. ٢ الأم جـ٧ ص٢٥٠ أول كتاب جماع العلم. ٣ تاريخ التشريع الإسلامي: الشيخ محمد الخضري، الطبعة الثامنة ١٣٨٧هـ-١٩٦٧م المكتبة التجارية الكبرى -القاهرة ص١٥٥-١٥٦- السنة ومكانتها في التشريع ص١٣٣. - مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينوري "٢٧٦هـ" الطبعة الأولى - مطبعة كردستان العلمية ١٣٢٦هـ ص٢٨، ٢٩.
[ ٨٢ ]
"٢٣٠هـ"، كان يقول بأن الخبر المتواتر، مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها -يجوز أن يقع كذبًا١.
١٤٢- ويرى الأستاذ أبو زهرة أن هؤلاء هم "الذين ارتكبوا ذلك الشذوذ العلمي ونابذوا بذلك الجماعة الإسلامية من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا سواه؛ ليفسدوا أمر المسلمين، وينالوا من الشرع الإسلامي بمثل هذا الكيد الخفي، بعد أن عجزوا عن مغالبته بالحجة الظاهرة؛ إذ قضى عليهم بالأدلة الباهرة وبعض هؤلاء كانوا من الخوارج، ولذلك كان من الخوارج من أنكر حكم الرجم؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم" كما يرى أن هؤلاء قد اتخذوا نحلة الاعتزال سترًا لأهوائهم و"لنزعة العقل واعتماد المعتزلة عليه، ولقد وجدوا في مذهب الاعتزال ستارًا لإخفاء أهوائهم وطي مفاسدهم بالكتمان، حتى تفرخ، وتصل إلى غايتها٢".
١٤٣- ونحن مع الشيخ أبي زهرة في أن هؤلاء كانوا من الزنادقة، وإن لبسوا أثواب الخوارج حينًا وأثواب المعتزلة حينًا آخر ونجل المعتزلة والخوارج الحقيقيين من الوقوع في مثل هذا. ونرى أن هؤلاء من رواسب المذاهب القديمة التي قالت لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها كالسمنية والبراهمة، وهذه كانت موجود قبل الإسلام٣.
مناقشة الإمام الشافعي:
١٤٤- وقد انبرى ناصر السنة الإمام الشافعي للدفاع عن السنة وحجيتها ضد هؤلاء، وجادلهم بالعقل والمنطق فقال لهم -على صورة حوار بينه وبين أحدهم:
_________________
(١) ١ السنة ومكانتا في التشريع ص١٧١. ٢ الشافعي: محمد أبو زهرة -الطبعة الثانية ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م، دار الفكر العربي ص٢١٤-٢١٥. ٣ الإحكام في أصول الأحكام: سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي "٥٥١-٦٣١هـ" ١٣٨٧هـ-١٩٦٧م - مؤسسة الحلبي وشركاه ٢/ ١٥.
[ ٨٣ ]
أولًا: ما دمتم تريدون اتباع القرآن الكريم والاكتفاء به، فإن اتباع السنة وقبولها إنما هو اتباع للقرآن الكريم واكتفاء به، قال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١، وقد علمنا أن الكتاب هو كتاب الله، فما الحكمة؟ إنها ليست سوى سنة رسول الله، ﷺ.
قال المنكر: إنه من المحتمل أن الرسول ﷺ يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة، وهي أحكام الكتاب، فهو لم يخرج عن تعليم الكتاب فردّ عليه الإمام الشافعي: بأنه إذا كان يعني بالحكمة أنها أحكام كتاب الله تعالى وأنها لا تخرج عما بينه رسول الله، ﷺ من جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه الكريم، وبين كيف هي على لسان نبيه -إذا كان يعني ذلك، وليس غيره كما أقر، فهذه هي السنة التي لا نصل إليها إلا بخبر عن رسول الله، ﷺ. وإذا لم نقبل هذه الأخبار فإننا نكون قد فرطنا في أمور ديننا.
١٤٥- ويضيف الإمام الشافعي بأنه إذا كان من المحتمل أن تكون الحكمة في الآية الكريمة هي كتاب الله، ويحتمل أن تكون شيئًا غيره زائدًا عليه، فإن أظهر الاحتمالين هو الاحتمال الثاني، كما يدل عليه استعمال القرآن الكريم للفظ الحكمة، حيث يراد بها معنى آخر غير كتاب الله ﷿، قال تعالى، في آية أخرى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٢، فأخبر تعالى أنه يتلى في بيوتهن شيئان: القرآن والحكمة، أي ينطق بكل منهما "فهذه أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى"٣.
ثانيًا: لقد افترض الله علينا اتباع نبيه، ﷺ، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
_________________
(١) ١ سورة الجمعة: ٢. ٢ الأحزاب: ٣٤. ٣ الأم: ٧/ ٢٥١.
[ ٨٤ ]
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، وقال ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقال عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
١٤٦- وقد فرض الله علينا اتباع أمره، ﷺ، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، فقد بين في التنزيل أن علينا فرضًا أن نأخذ الذي أمرنا به، وننتهي عما نهانا رسول الله ﷺ عنه. وإذا كان ذلك علينا فرضًا فإنه لا سبيل إلى ذلك بالنسبة لنا -نحن الذين لم نشاهد رسول الله، ﷺ- إلا بالخبر عنه٥.
ثالثًا: وفي معرفة ناسخ القرآن الكريم ومنسوخه نحتاج إلى سنة رسول الله ﷺ، ولا نصل إلى ذلك إلا بنقل الرواة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٦، وقال ﷿ في الفرائض: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ٧، "فزعمنا -بالخبر عن رسول الله، ﷺ أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين٨،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٦٥. ٢ سورة النساء: ٨٠. ٣ سورة النور: ٦٣. ٤ سورة الحشر: ٧. ٥ الأم: ١/ ٢٥١. ٦ سورة البقرة: ١٨٠. ٧ سورة النساء: ١١. ٨ هكذا عبّر الإمام الشافعي ﵁، لكن الآية الثانية خصصت عموم الأولى، "ذلك أن مقتضى العموم الذي في الآية الأولى إيجاب الوصية لكل قريب، ومقتضى آيات المواريث منح بعض الأقربين حق خلافة الميت في ماله دون بعضهم الآخر، فليس بين الآيتين إذن ذلك التعارض الذي يسوغ النسخ، إذ ما زال هناك بعض الأقربين ممن وجبت لهم الوصية بمقتضى الآية الأولى ولم تورثهم الآية الثانية"، فيمكن إعمال الآيتين معًا، وهذا ما يتعارض مع مفهوم الناسخ والمنسوخ" النسخ في القرآن الكريم، دراسة تشريعية تاريخية نقدية: أستاذنا الدكتور مصطفى زيد. الطبعة الأولى ١٣٨٣هـ-١٩٦٣م -دار افكر العربي بالقاهرة- المجلد الثاني ص٥٩٢-٥٩٥.
[ ٨٥ ]
فلو كنا ممن لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، فهل تجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم١؟.
رابعًا: إن في القرآن عامًّا يراد به الخاص، وبعض ذلك لا يبينه إلا السنة، وعلى هذا فنحن محتاجون إلى إخبار الرواة الذين ينقلونها، وإلا ما فهمنا كتاب الله ﷿، فقد فرض الله تعالى الصلاة، ولكن ذلك ليس على الناس عامة، وإنما الحيض مخرجات بالسنة منه، وفرض الزكاة على الأموال عامة، ونجد بعض الأموال مخرجًا منه بالسنة، وفرض المواريث للآباء والأمهات والولد عامًّا، ولم يورث المسلمون كافرًا من مسلم، ولا عبدًا من حر، ولا قاتلًا ممن قتل، وكل ذلك بالسنة٢.
خامسًا: وإذا كان الخبر متواترًا كان أو غير متواتر ليست له صفة الإحاطة التي في القرآن الكريم؛ لأنه أقل درجة منه فإن بعض هؤلاء المنكرين تساءل: هل من حجة في أن نبيح المحرم بإحاطة، وهو نص من القرآن الكريم بغير إحاطة، وهو الخبر عن رسول الله، ﷺ؟.
أجاب الشافعي بنعم، والحجة فيه واضحة، فالقاتل يباح دمه بشهادة شاهدين على أنه قتل، فقد أبيح الدم المحرم بإحاطة، وهو شهادة الشهود الذين يمكن فيهم الكذب أو الخطأ.
١٤٧- ثم يضيف أنه إذا كان قد قبلت شهادة الشاهدين بناء على صدقها في الظاهر -ولا يعلم الغيب إلا الله- فإنه -من باب أولى- يقبل الحديث من الوراة الناقلين له؛ لأن المحدثين يطلبون في الراوي أكثر مما يطلب في الشاهد ويقيمون الدلائل على صدق الرواة وكذبهم وغلطهم بمقارنة
_________________
(١) ١ الأم ٧/ ٢٥٢. ٢ المصدر السابق ٧/ ٢٥٢.
[ ٨٦ ]
رواياتهم بروايات الحفاظ، وبالكتاب والسنة مما لا يمكن في الشهادات، ولهذا وجدنا من تجوز شهادته ولا تجوز روايته١.
هذا مجمل ما رد به الإمام الشافعي على منكري السنة عامة والأخبار المتواترة خاصة.
١٤٨- وهناك نوع آخر من الرد عليهم يعتمد على ما هو مقرر عند عامة العقلاء بحيث لا يستطيع إنسان ما -حتى ولو كان لا يؤمن بالقرآن- أن يشكك أو يجادل فيه. وقد ذكر هذا الرد شمس الأئمة السرخسي الحنفي.
ولسنا ندري هل هو منقول عن أئمة المذهب في القرن الثاني الهجري أو لا، ولكننا نذكره هنا استكمالًا لما ذكره الإمام الشافعي، واحتمالًا أن يكون هو ما ردت به مدرسة أبي حنيفة في العصر الذي كانت فيه هذه الفئة المنكرة موجودة تعلن رأيها، حتى انتضى لها الإمام الشافعي، كما ذكرنا.
١٤٩- يقول شمس الأئمة: إن القائل برد الأخبار كلها سفيه، يزعم أنه لا يعرف نفسه، ولا دينه، ولا دنياه، ولا أمه ولا أباه، وهو بمنزلة من ينكر العيان من السوفسطائية، فلا يكون الكلام معه على سبيل الاحتجاج والاستدلال، لأن هذا أقل مما يثبته ويوجبه المتواتر؛ فإن هذا يوجب علمًا ضروريًّا والاستدلال لا يوجب ذلك، وإنما الكلام معه من حيث التقرير عند العقلاء بما لا يشك هو ولا أحد من الناس أنه مكابرة وجحد لما يعلم اضطرارًا، بمنزلة الكلام مع من يزعم أنه لا حقيقة للأشياء المحسوسة، "فنقول: إذا رجع الإنسان إلى نفسه علم أنه مولود اضطرارًا بالخبر، كما علم أن ولده مولود بالمعاينة، وعلم أن أبويه كانا من جنسه بالخبر، كما علم ذلك من ولده بالعيان، وعلم أن السماء والأرض كانتا قبله على هذه الصفة بالخبر، كما يعلم أنهما على هذه الصفة للحال بالعيان، وعلم أن آدم أبو البشر على وجه لا يتمكن فيه شبهة، فمن أنكر شيئًا من هذه الأشياء فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة بمنزلة من أنكر العيان".
_________________
(١) ١ الأم ٧/ ٢٥٢-٢٥٣.
[ ٨٧ ]
١٥٠- وهذا العلم في الحقيقة لا يحصل بفعل المخبرين، وإنما هو من صنع الله ﷿ حيث خلق الله الناس على طباع مختلفة تبعثهم على الاختلاف والتباين، واتفاقهم بعد ذلك لا بد أن يكون بشيء خارج عن طباعهم، مثل ما ركب الله في عقولهم من الاتفاق على المتواتر من الأخبار، وفي هذا حكمة بالغة، وهي بقاء الأحكام بعد وفاة المرسلين، تنقل إليهم بالتواتر فيعملون بها، ويكونون بمنزلة من سمعوا هذه الأحكام في حياتهم. وقد ختمت النبوة بمحمد ﷺ، فقد كان مبعوثًا إلى الناس كافة، وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١، وهذا الخطاب لكل الناس في عصره، وفي غير عصره، والطريق في الرجوع إليه للأخيرين هو الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر، وهو كالمسموع في حياته، وقد قامت الدلالة على أنه، ﷺ، كان لا يتكلم إلا بالحق خصوصًا فيما يرجع إلى بيان الدين، فيثبت منه بالسماع وبالأخبار علم اليقين٢.
_________________
(١) ١ النساء: ٥٩. ٢ أصول السرخسي ١/ ٢٨٣، ٢٨٤.
[ ٨٨ ]
حجية خبر الآحاد:
١٥١- وإذا كان الذين ينكرون المتواتر والأخبار عامة قلة قليلة خالفت عامة المسلمين وجماهيرهم، وأنكرت ما هو معلوم ضرورة -فإن خطورتهم من أجل هذا لم تكن كبيرة، ولم تكن مثل خطورة من أنكروا أخبار الآحاد، فهم أكثر منهم عددًا، ولهم حجتهم التي من الممكن أن تنطلي على كثير من الناس لو تركت وشأنها ومن هنا كان جهد الشافعي أكبر من جهده السابق، وناقشهم بشيء من التفصيل وبكثير من الأدلة.
وقبل أن نعرض مناقشة الإمام الشافعي هذه فإنه يجدر بنا أن نذكر منزلة خبر الواحد عند عامة المسلمين، وإلى أي مدى هو موثق عندهم حتى يقبلوه ويبنوا عليه أحكام دينهم، كما نذكر حجة من يرفضونه ولا يثقون فيه.
[ ٨٨ ]
١٥٢- قال الفقهاء وكثير من المحدثين: إن خبر الواحد العدل حجة للعمل به في أمر الدين ولا يثبت به علم اليقين، يقول ابن حزم: وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين: إن خبر الواحد لا يوجب العلم.
ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبًا أو موهومًا فيه وقال سائر من ذكرنا أنه يوجب العمل١.
١٥٣- وقال بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين، وهو مذهب أحمد بن حنبل٢، وروي هذا عن مالك، رضي الله عنه٣.
وقال بعض الناس لا بد فيه من عدد الشهادة ليكون حجة ومنهم من اعتبر أقصى عدد للشهادة وهو أربعة٤.
وخبر الواحد عند هؤلاء جميعًا موضع ثقة، فأخذوا به في الحلال والحرام وجعلوه مصدرًا من مصادر التشريع.
منكرو خبر الواحد وحجتهم:
وقال بعض الناس: إن خبر الواحد لا يكون حجة أصلًا في الدين، فلا يوجب العلم ولا العمل، وينسب هذا الرأي إلى المعتزلة، ابتداء من القرن الثاني الهجري، كما ذكر ابن حزم في "الإحكام"، قال: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي، ﷺ، يجري على ذلك كل فرقة فيعلمها؛ كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية، حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد "١٤٤هـ"، يتدين بما يروى عن الحسن ويفتي به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم"٥.
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام: أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهر "٤٥٦هـ". نشر زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة بالقاهرة ١/ ١٠٧. ٢ كشف الأسرار ٢/ ٦٩١، الأحكام للآمدي ٢/ ٣٢. ٣ الإحكام لابن حزم ١/ ١٠٧. ٤ أصول السرخسي ١/ ٣٢١. ٥ الإحكام لابن حزم ١/ ١٠٢.
[ ٨٩ ]
١٥٤- وينسب هذا الرأي إلى الشريف المرتضى أيضًا من الشيعة "٤٣٦هـ"، فهو يقول: "لا بد في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم ولذلك أبطلنا العمل بأخبار الآحاد؛ لأنها لا توجب علمًا ولا عملًا وأوجبنا أن يكون العمل تابعًا للعلم؛ لأن راوي خبر الواحد إذا كان عدلًا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبًا"١.
١٥٥- وحجة هذا الفريق أن الله ﷾ قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، وإذا كان خبر الواحد لا يوجب العلم لم يجز اتباعه، والعمل به بهذا الظاهر.
١٥٦- وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق﴾ ٣، وخبر الواحد إذا لم يكن راويه معصومًا عن الكذب والغلط لا يكون حقًّا على الإطلاق، ولا يجوز القول بإيجاب العمل به في الدين.
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ٤، وقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٥، ومعنى الصدق في خبر الواحد غير موجود إلا بطريق الظن.
وخبر الواحد محتمل للصدق والكذب، وإذا كان النص الذي هو محتمل للتأويل لا يكون موجبًا للعمل بنفسه، مع أن كل واحد من الاحتمالين فيه يجوز أن يعمل به، فلأن لا يجوز العمل بما هو محتمل للكذب -مثل خبر الواحد- أولى؛ لأن الكذب باطل أصلًا٦.
وإن الله ﷾ هو صاحب الشرع، وهو موصوف بكمال القدرة، فكان قادرًا على إثبات ما شرعه بأوضح دليل، ولا ضرورة له في التجاوز عن الدليل القطعي إلى ما لا يفيد إلا الظن٧.
_________________
(١) ١ أصول الفقه للمظفر ١/ ٧٠. ٢ سورة الإسراء: ٣٦. ٣ سورة النساء: ١٧١. ٤ سورة الزخرف: ٨٦. ٥ سورة النجم: ٢٨. ٦ أصول السرخسي ١/ ٣٢١. ٧ كشف الأسرار ٢/ ٦٩٠.
[ ٩٠ ]
مناقشة الإمام الشافعي:
والآن نعرض لما قاله الإمام الشافعي، ﵁، في توثيق خبر الواحد من حيث حجيته، ووجوب العمل به.
١٥٧- لقد بدأ بإيراد الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ، التي تدل على أن خبر الواحد أقام به الرسول ﷺ الحجة، وعمل المسلمون به في عهده ﷺ.
١- روى بسنده عن عبد الله بن مسعود، ﵁ أن النبي ﷺ قال: "نضّر اللهُ عبدًا سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم١".
ثم قال: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها، والامرؤ واحد -دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلال يؤتى وحرام يجتنب، وحد يقام ومال يؤخذ، ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا٢".
٢- وروى بسنده عن أبي رافع أنه قال: قال النبي ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٣.
_________________
(١) ١ روى هذا الحديث أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن زيد بن ثابت إلا أن الترمذي وأبا داود لم يذكرا: ثلاث لا يغل عليهن إلى آخره. نضر -نعم من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق، إنما أراد حسن خلقه وقدره يغل من الغل وهو الحقد يغل من الإغلال وهو الخيانة، والمراد أن المؤمن لا يخون في هذه الثلاثة ولا يدخله ضغن يزيله عن الحق حين يفعل شيئًا من ذلك والمعنى: "أن هذه الخلال يستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد". تحيط بهم من ورائهم: أي تحدق بهم من جميع جوانبهم. "تحقيق الأستاذ أحمد شاكر للرسالة ص٤٠١-٤٠٢". ٢ الرسالة ص٤٠١-٤٠٢. ٣ سبق تخريج هذا الحديث ص٢٤ من هذا البحث، وانظر تحقيق أحمد شاكر للرسالة ص٨٩-٩١.
[ ٩١ ]
ويقول الشافعي: إن في هذا تثبيت الخبر عن رسول الله، ﷺ، وأنه لازم للمسلمين أن يعملوا به، حتى وإن كان ما جاء به من الحكم ليس منصوصًا عليه في كتاب الله عز وجل١.
٣- روى بسنده عن عطاء بن يسار "أن رجلًا قبّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة، أم المؤمنين فأخبرتها؟ فقالت أم سلمة: إن رسول الله، ﷺ يُقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها. فقال رسول الله: ما بال هذه المرأة؟. فأخبرته أم سلمة. فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء. فغضب رسول الله، ثم قال: والله إني لأتقاكم ولأعلمكم بحدوده"٢.
ويبين الشافعي وجه استدلاله بهذا الحديث فيقول: إن الرسول ﷺ لما سأل أم سلمة بإخبارها عن فعله، ﷺ، كان في ذلك دليل على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يسألها ذلك إلا وفي خبرها الحجة على من أخبرته. وهكذا خبر المرأة إن كانت من أهل الصدق عنده٣.
٤- إن أهل قباء حولوا قبلتهم من الشام إلى الكعبة بخبر واحد؛ روى الشافعي بسنده عن ابن عمر قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله، ﷺ، قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة٤".
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٠٣-٤٠٤. ٢ المصدر السابق ص٤٠٤-٤٠٥، والحديث في المرطأ ص١٩٥، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٦٦-١٦٧ "ورجاله رجال الصحيح". ٣ الرسالة ص٤٠٤-٤٠٦. ٤ هذا الحديث في الموطأ رواية يحيى ص١٣٨.
[ ٩٢ ]
ويبين وجه الاستدلال بهذا الخبر، فيقول: إن أهل قباء من سابقي الأنصار، وأهل فقه، وقد كانوا يستقبلون قبلة فرضها الله عليهم، ولم يكونوا بتاركي هذا الفرض إلا بما تقوم به الحجة وكان ذلك بخبر الواحد -كما رأينا في هذا الحديث- ولم ينتظروا أن يسمعوا ذلك من رسول الله، ﷺ، أو ينقل إليهم هذا الخبر عامة الناس، فيكون متواترًا. كما أن رسول الله، ﷺ، لم ينكر عليهم ما فعلوا، ولو كان يرى أن خبر الواحد لا تقوم به الحجة"، لقال لهم: إن شاء الله-: "قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم به عليكم حجة، من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني"١.
٥- وامتنع بعض الصحابة من شرب الخمر بعدما أتاهم آت وأخبرهم بتحريمها، فروى الشافعي بسنده عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب شرابًا، من فضيخ وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله، حتى تكسرت٢".
ولم يقل أحد من الموجودين نحن على تحليلها؛ حتى نلقى رسول الله، ﷺ، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وإنما قبلوا خبر الواحد هذا٣.
٦- وأمر رسول الله، ﷺ أنيسًا أن يغدو على امرأة رجل، ذكر أنها زنت، "فإن اعترفت فارجمها"، فاعترفت فرجمها٤.
ولو لم تقم الحجة بخبر الواحد ما اكتفى بأن يكلف واحدًا بالقيام بهذا الذي كلف به أنيسًا٥.
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٠٨. ٢ الحديث في الموطأ ص٥٢٨ مع خلاف قليل في بعض الحروف. الفضيخ هو شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المشذوخ. والمهراس: حجر مستطيل منقور يتوضأ منه ويدق فيه. ٣ الرسالة ص٤٠٩، ٤١٠. ٤ مسند أحمد ٤/ ١١٥. ٥ الرسالة ص٤١٠، ٤١١.
[ ٩٣ ]
٧- وأرسل رسول الله، ﷺ، علي بن أبي طالب ﵁ في أيام الحج، فجاء الناس بمنى، فبلغهم أن رسول الله، ﷺ يقول لهم: "إن هذه أيام طعام وشراب، فلا يصومن أحد" ١.
ووجه الاستدلال أن رسول الله لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي، خاصة، وقد كان قادرًا على أن يذهب إلى هؤلاء الناس، فيشافههم، وقد كان قادرًا أيضًا على أن يبعث إليهم عددًا، "فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق، وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢". وكان هذا أولى بالأجيال التي تأتي بعده، صلى اللهعليه وسلم، ممن لا يمكنهم ما أمكن أصحابه٣.
٨- وفي الحج أيضًا بعث، ﷺ، رسوله إلى الناس ليقول لهم: إنه يأمرهم أن يقفوا على مشاعرهم؛ لأنهم على إرث من إرث أبيهم إبراهيم عليه السلام٤.
٩- وبعث رسول الله، ﷺ، أبا بكر أميرًا على الحج في سنة تسع، وحضر الحجاج من أهل البلدان المختلفة، فأقام لهم مناسكهم، "وأخبرهم عن رسول الله، ﷺ، بما لهم وما عليهم٥".
_________________
(١) ١ يقول أحمد شاكر: إسناد هذا الحديث صحيح جدًّا، ولم أجده في غير كتاب الرسالة إلا أن الشوكاني أشار إليه في نيل الأوطار: ٤/ ٣٥٢ ونسبه لابن يونس في تاريخ مصر، ولم يشر الترمذي إليه فيما يقول فيه: "وفي الباب". "تحقيق الرسالة ص٤١٢". ٢ الرسالة ص٤١١، ٤١٢. ٣ المصدر السابق ص٤١٣. ٤ هذا الحديث رواه أبو داود ٢-١٣٣-١٣٤ والترمذي ٢-٩٩-١٠٠ من تحفة الأحوذي، والنسائي ٢-٤٥، وابن ماجه ٢-١٢٣، والحاكم ١-٤٦٢ والبيهقي في السنن الكبرى ٥-١١٥ "تحقيق الرسالة ص١١٤". ٥ البخاري طبعة الشعب ٦-٨١.
[ ٩٤ ]
كما بعث علي بن أبي طالب في تلك السنة إليهم، فقرأ عليهم يوم النحر آيات من سورة "براءة"، ونبذ إلى قوم على سواء، وجعل لهم مددًا، ونهاهم عن أمور١.
فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان من جهلهما أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما، ولم يكن رسول الله، ﷺ ليبعث واحدًا إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه - إن شاء الله تعالى٢.
١٠- وقد بعث النبي، ﷺ عماله إلى النواحي يعلمون الناس أمور دينهم، ويأخذون منهم حقوق الله في الأموال٣.
ولم يقل من بعثوا إليهم ليس لكم أن تأخذوا منا ما لم نسمع رسلول الله ﷺ يذكر أنه علينا. وهذا لأن رسول الله ﷺ يرى أن الحجة تقوم بمثلهم على من بعثهم إليهم، وعلم هؤلاء ذلك فأطاعوهم٤.
١١- ومثل هذا أمراء السرايا الذين أمّرهم رسول الله، ﷺ على الجيوش، وكلهم حاكم فيما بعثه فيه، "لأن عليهم أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة، ويقاتلوا من حل قتاله٥".
وقد كان يمكنه، ﷺ، أن يبعث بدل الواحد اثنين وثلاثة وأربعة وأكثر. وقد بعث، ﷺ اثني عشر رسولًا في وقت واحد إلى اثني عشر ملكًا، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها.
_________________
(١) ١ البخاري طبعة الشعب ٦/ ٨١. ٢ الرسالة ص ٤١٤، ٤١٥. ٣ انظر التراتيب الإدارية: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني. نشر حسن جعنا. بيروت ١ - ٢٤٠ - ٢٤٧. ٤ الرسالة ص٤١٥ - ٤١٧. ٥ الرسالة ص٤١٧ وانظر التراتيب الإدارية ١ - ٣١٤.
[ ٩٥ ]
ولم تزل كتب رسول الله، ﷺ تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي على يد رسول صادق، ولم يترك أحد من ولاته أمره، ﷺ، أو نهيه عندئذ١.
١٢- وقد كانت كتب خلفائه، ﷺ، مثل كتبه، وعمالها مثل عماله وأجمع المسلمون على ذلك٢.
ثم أعقب الإمام الشافعي ذلك بقوله: "ففيما وصفت من سنة رسول الله ثم ما أجمع المسلمون عليه منه - دلالة على فرق بين الشهادة والخبر والحكم٣".
وكأنه يرد بذلك على من يقولون: إن خبر الواحد لا يكون حجة إلا إذا اعتبر فيه عدد الشهادة٤.
١٥٨- وبعد أن ساق هذه الأخبار لتثبيت خبر الواحد، وإثبات كونه حجة انتقل إلى لون آخر من الاستدلال، فقال: إن خبر الواحد نعمل به في حياتنا فيما لا يقل عن الأحاديث التي يرويها الآحاد من الرواة، وذلك أننا نرى القاضي يقضي على الرجل للرجل بحكم من الأحكام هذا الحكم في حقيقته إنما هو خبر يخبر به القاضي عن بينه تثبت عنده، أو إقرار من الخصم، ثم ينفذ هذا الحكم إن هذا في معنى المخبر بحلال وحرام وبعبارة أخرى في معنى راوي السنة أو الأحاديث٥.
١٥٩- ثم يرد الإمام الشافعي على من يقولون: إن من علامة الضعف في خبر الواحد ترك البعض الأئمة له، فيقول:
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤١٨ -٤٢٠ - وانظر عن العمال والكتب التي حملوها كتابًا هامًّا في هذا الموضوع وهو: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة جمع د. محمد حميد الله، دار الإرشاد - بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م. القسم الثاني: العهد النبوي عبد الهجرة من ص ٣٧ - ٣٠٩. ٢ مجموعة الوثائق السياسية: القسم الثالث: الخلافة الراشدة ٣١١ - ٤٠٤ والرسالة ص٤١٩ - ٤٢٠. ٣ الرسالة ص ٤٢٠. ٤ انظر ص: ٨٣ من هذا البحث. ٥ الرسالة ص ٤٢٠، ٤٢١.
[ ٩٦ ]
إن خبر الواحد ثابت على كل حال، حتى لو عمل بغيره أحد الأئمة، أو لم يمض عمل من الأئمة بمثله؛ لأن كل هذا يحدث، حين يجهلون بعض الأخبار، وعندما يصلهم علم بهذه الأخبار؛ فإنهم يتمسكون بها ولا يحيدون عنها.
١٦٠- فعمر ﵁ قاس على خبر من الأخبار حين قضى في دية الأصابع، في الإبهام بخمس عشرة، وفي كل من السبابة والوسطى بعشر وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنصر بست، لقد رأى أن النبي ﷺ، قضى في اليد بخمسين، ففرقها على الأصابع بأقدار مختلفة لأنها مختلفة١.
١٦١- ولكن وجد كتاب عمرو بن حزم، وثبت أنه كتاب رسول الله ﷺ، وفيه: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" - فصاروا إليه، وترك قول عمر، رضي الله عنه٢.
١٦٢- ويوضح الإمام الشافعي ﵁ أن هنا أكثر من دلالة:
١- قبول خبر الواحد في الوقت الذي ثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا.
٢- أنه لو مضى عمل من أحد الأئمة، ثم وجد خبر عن النبي، ﷺ يخالفه ترك هذا العمل إلى خبر رسول الله، ﷺ.
_________________
(١) ١ القياس هنا، كما يقول الأستاذ أحمد شاكر: المراد به الاستنباط المبني على التعليل، ولا يريد به القياس الاصطلاحي "تحقيق الرسالة ص٤٢٢". ٢ الرسالة ص٤٢٢، ٤٢٣ - ويقول الأستاذ أحمد شاكر: "وأما كتاب آل عمرو ابن حزم، فإنه كتاب جليل، كتبه النبي، ﷺ لأهل اليمن وأرسله مع عمرو بن حزم، ثم وجد عند بعض آله، رووه عنه، وأخذه الناس عنهم، وقد تكلم العلماء طويلًا في اتصال إسناده وانقطاعه، والراجح عندنا أنه متصل صحيح.. وساقه الحاكم مطولًا في المستدرك ١/ ١٥٣، ١٥٨" "تحقيق الرسالة ص٤٢٣". وانظر النصوص الكاملة لهذا الكتاب والاختلاف بين الروايات فيه في "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص١٧٣ - ١٧٨.
[ ٩٧ ]
٣- أن حديث رسول الله ﷺ
، يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده١.
١٦٢- وإذا كان عمر، ﵁، لم يبلغه هذا الخبر، فلم يصر إليه -فإنه في بعض الحالات وصله الخبر بخلاف ما أفتى، فرجع عن فتياه إلى خبر رسول الله، ﷺ، فعن سعيد بن المسيب: "أن عمر ابن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا". حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، ﷺ، كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر٢.
١٦٤- وفي بعض الأوقات يجمع الصحابة ليبحث عندهم عن حديث يقضي به فيما عنده من مشكلات، ولا يبيح لنفسه أن يقضي فيها برأيه عندما يجد حديثًا في موضوعها عن الصحابة، رضوان الله عليه وعليهم عن طاوس: "أن عمر قال: أذكِّر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئًا، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لي -يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله، ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره٣.
١٦٥- وأيضًا لم يكن عمر، ﵁، يأخذ الجزية من المجوس، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن النبي، ﷺ، أخذها من مجوس هجر، وقال: أشهد لسمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٤.
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٢٣، ٤٢٤. ٢ الرسالة ص٤٢٥، ٤٢٦. وهذا الحديث رواه أحمد في المسند ٣/ ٤٥٢، وأبو داود ٣/ ٩٠ والترمذي ٣/ ١٨٤ من تحفه الأحوذي، وابن ماجه ٢/ ٧٤ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". "تحقيق الرسالة ص ٤٢٦". ٣ المصدر السابق ص٤٢٦ - ٤٢٧. وإسناد هذا الحديث هنا مرسل ولكن رواه أحمد ٤ - ٧٩ - ٨٠ بإسناد متصل صحيح. المسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط. والغرة: كما يفهم من كلام ابن الأثير في النهاية مقابل الدية للكبيرة وتكون في الجنين إذا سقط ميتًا. ٤ الحديث رواه مالك في الموطأ ١/ ٢٦٤. وقال ابن عبد البر: هذا منقطع إلا أن معناه متصل من وجوه حسان، وقد روى الشافعي حديثًا بعده متصلًا في معناه "تحقيق الرسالة ص ٤٣٠".
[ ٩٨ ]
قَبِل عمر ﵁ هذا في الوقت الذي يعرف فيه أن القرآن الكريم يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ ويأمر بقتال الكافرين حتى يسلموا، فهم عنده من الكافرين، لأنه لا يعرف فيهم شيئًا عن النبي، ﷺ؛ لكنه أتاه خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، فاتبعه، وترك عمله وفهمه، وذهب إلى خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
١٦٦- ثم ثنّى الإمام الشافعي بالرد على من يقولون بالعدد في قبول خبر الواحد، وقد يستدلون بطلب عمر راويًا آخر مع رجل أخبره خبرًا عن رسول الله، ﷺ، فيقول: إن عمر، ﵁ لا يفعل هذا إلا لأحد أسباب ثلاثة:
١- إما للحيطة فقط، وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد عنده، فخبر الاثنين يزيدها ثبوتًا، وهذا مثل ما نراه عند القاضي، فقد يثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثة، فيقول للمشهود له: زدني شهودًا، وإنما يريد بذلك الحيطة والتأكد والاطمئنان النفسي.. لكنه -لو لم يزده المشهود له لحكم له بالشاهدين؛ لأن الحجة تقوم بهما.
٢- وربما طلب مخبرًا آخر؛ لأنه لا يعرف الأول، فيقف في خبره حتى يأتي مخبر آخر يعرفه: وهذا هو الواجب، فلا يقبل الخبر إلا عن معروف، حتى يمكن الوقوف على الصفات التي يقبل بها خبر الراوي.
٣- ويحتمل أن الذي أخبره ليس بمقبول القول عنده، فيرده، حتى يجد غيره ممن يقبل قوله٣.
١٦٧- وكل الأخبار التي رويت عن عمر ترجع إلى أحد هذه الأسباب:
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٢٩. ٢ الرسالة ص٤٢٨ - ٤٣٢. ٣ الرسالة ص٤٣٢ - ٤٣٤.
[ ٩٩ ]
فعندما أخبره أبو موسى الأشعري عن رسول الله، ﷺ أن الاستئذان ثلاث مرات، ثم يرجع الزائر إذا لم يؤذن له -طلب آخر يخبره بذلك، وقد صرح في بعض الروايات بأن هذا للحيطة، حيث قال: "أما إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله، ﷺ".
١٦٨- وإذا كانت الرواية التي يصرح فيها عمر بأنه لم يتهم أبا موسى الأشعري، كما روى الشافعي، منقطعة١، فإن المعقول يقويها، لأن عمر في غير هذا الخبر قبل خبر الواحد، ولا يجوز على إمام عاقل أن يقبل خبر الواحد مرة، وهو يعلم أنه تقوم به الحجة، ثم يرد مثله مرة أخرى إلا لسبب آخر مثل زيادة الاحتياط وتعليم الناس ذلك، كما هنا٢.
١٦٩- وفي القرآن الكريم دليل على أن الحجة على الخلق تقوم بالواحد من الرسل، ومع هذا، وزيادة في تأكيد الحجة على القوم الذين أرسل إليهم الرسل -قد يرسل الله ﷿ أكثر من رسول، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ٣. عقب الإمام فكذبوهما، فعززنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون٣". عقب الإمام الشافعي على هذا بقوله: "فظاهر الحجج عليهم باثنين، ثم ثالث وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد٤".
_________________
(١) ١ الحديث هكذا رواه منقطعًا: الموطأ طبعة الشعب ص٥٩٧. رواه البخاري ٣/ ٧٢ ومسلم ٤/ ٨٥٩ - ٨٦٢ بشرح النووي وكلاهما رواه متصلًا دون قول عمر: "أما إني لم أتهمك إلخ" وقد جاءت رواية عند مسلم تتضمن هذا المعنى، إذ تقول: إن أبي بن كعب قال لعمر: "يا ابن الخطاب، فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله، ﷺ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت ص٨٦٢. يقول النووي في شرح هذا الحديث: "ومما يدل على أن عمر لم يرد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر، حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر فلما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد" "شرح مسلم جـ٤ ص٨٦٠". ٢ الرسالة ص ٤٣٥. ٣ سورة يس: ١٣، ١٤. ٤ الرسالة: ٤٣٢ - ٤٣٨.
[ ١٠٠ ]
١٧٠- وإذا ثبت أن الواحد يقبل خبره، وليس ذلك في الشهادة، مما يرد على الذين يشترطون العدد في الأخبار كالشهادة -فإنما يرد عليهم أيضًا أن المسلمين قبلوا خبر المرأة فيما لا يكتفى فيه بالمرأة في الشهادات، فقد روت الفريعة بنت مالك بن سنان: "أنها جاءت إلى النبي ﷺ، تسأله أن ترجع إلى أهلها، في بني خدرة١، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له، حتى إذا كان بطرف القدوم٢ لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، قالت: فقال رسول الله، ﷺ: نعم، فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي، فدعيت له، فقال: كيف قلت؟. فرددت عليه القصة، التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال لي: امكثي في بيتك، حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان عثمان أرسل إلي، فسألني عن ذلك؟. فأخبرته فاتبعه، وقضى به٣.
١٧١- فعثمان ﵁ في إمامته وعلمه، قضى بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار٤.
وفعل زيد بن ثابت، ﵁، مثل ما فعل عثمان، ﵁، فقد كان يرى أن النهي عن صدور الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت -عام، حتى سمع ابن عباس، ﵄، يفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فأنكر عليه ذلك، فأحاله ابن عباس إلى صحابية من الأنصار، روت عن النبي ﷺ ما يستند إليه ابن عباس في فتواه، فسألها زيد، فأخبرته، فرجع يقول بما يقول به ابن عباس. وأساس هذا كما نرى رواية امرأة٥.
_________________
(١) ١ قبيلة من الأنصار. ٢ مكان على بعد ستة أميال من المدينة. ٣ رواه مالك في الموطأ ص٣٦٥، وأحمد في المسند ٦/ ٣٧٠، ٤٢٠ - ٤٢١. ٤ الرسالة ص ٤٣٨ - ٤٣٩. ٥ الرسالة ص ٤٣٨ - ٤٤٢. وهذا الخبر في المسند ١/ ٢٢٦، ٣٤٨.
[ ١٠١ ]
١٧٢- وفي موقف الصحابة الآخرين ما يبين لنا بجلاء -أنهم قبلوا خبر الواحد، ورجعوا إليه، وعارضوا ما يخالفه، فابن عباس، ﵁ خطأ رجلًا قال: إن موسى، صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. ورد عليه بخبر أبي بن كعب عن رسول الله، ﷺ، الذي يقول: إن موسى صاحب الخضر ﵇ هو موسى بني إسرائيل١. وسأل طاوس ابن عباس عن الركعتين بعد العصر؟ فنهاه عنهما. قال طاوس: فقلت له: ما أدعهما!. وهنا بدا لابن عباس أنه يخالف سنة رسول الله، ﷺ، فتلا له قوله عز ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ ٢. "فرأى ابن عباس الحجة قائمة على طاوس بخبره عن النبي، صلى الله عليه وسلم٣" وكان ابن عمر يرى المخابرة جائزة، وينتفع بها، حتى أخبره واحد لا يتهمه أن رسول الله، ﷺ، نهى عنها فتركها، ولم يستعمل رأيه مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم٤.
١٧٣- ويلفت الشافعي النظر هنا إلى أن عمل بعض الصحابة بخلاف الخبر لا يضعفه، وبهذا يرد على من اتخذوا هذا مقياسًا لعدم صحة الخبر، ولا يثبتونه عندئذ، فيقول: "وفي هذا ما يبين أن العمل بالشيء بعد النبي، ﷺ، إذا لم يكن بخبر عن النبي، ﷺ، لم يوهن الخبر عن النبي عليه السلام٥".
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٤٤٢، ٤٤٣ البخاري ١/ ٣٥، ٣٦، ١/ ١٩٤ - ١٩٧ من فتح الباري، ومسلم ٢/ ٢٢٧. ٢ سورة الأحزاب: ٣٦. ٣ الرسالة ٤٤٣ - ٤٤٤، وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ٥/ ٢٠١ ونسبة لعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي. ٤ المخابرة: هي مزارعة الأرض بجزء مما يخرج منها. وقد روى أحمد أحاديث فيها. المسند ٣/ ٣٠٤، ٣١٣. ٥ الرسالة ص ٤٤٥، ٤٤٦.
[ ١٠٢ ]
١٧٤- ورأى أبو الدرداء معاوية بن أبي سفيان، ﵁ باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا، وقال معاوية: ما أرى بهذه بأسًا فلم يعجب أبا الدرداء أن يرد معاوية خبر رسول الله، وقال: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله، ويخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض، "فرأى أبو الدرداء أن الحجة تقوم على معاوية بخبره، ولما لم ير ذلك معاوية فارق أبو الدرداء الأرض الذي هو بها، إعظامًا لأن ترك خبر ثقة عن النبي"١.
وفعل مثل هذا أبو سعيد الخدري حين لقي رجلًا، فأخبره عن رسول الله شيئًا، فذكر الرجل ما يخالفه، فقال أبو سعيد: "والله لا أواني وإياك سقف بيت أبدًا".
١٧٥- وإذا تركنا الصحابة إلى التابعين وجدنا الأمر كذلك، يتمسكون بخبر الواحد ويرجعون إليه، وإن خالف رأيًا رأوه أو فتيًا أفتوا بها.
فعمر بن عبد العزيز قضى برد عبد ظهر فيه عيب وغلته، فأخبره عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله قضى في مثل هذا أن "الخراج بالضمان٣"، أي لا يرد غلة العبد، لأنها مستحقة بسبب ضمان المشتري له، فرجع عن قضائه الأول إلى خبر الواحد هذا، وقال: "فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله، فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله٤".
١٧٦- وقضى سعد بن إبراهيم على رجل في قضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبره ابن أبي ذئب بخلاف، ما قضى به، فقال سعد
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٤٦، ٤٤. ٢ المصدر السابق ص٤٤٧. ٣ قال الأستاذ أحمد شاكر بعد دراسة طرق هذا الحديث المختلفة: الحديث صححه الحاكم ٢/ ١٥ ووافقه الذهبي والترمذي فظهرت صحة الحديث بينة، تحقيق الرسالة ص٤٤٩، ٤٥٠". ٤ الرسالة ص٤٤٨، ٤٤٩.
[ ١٠٣ ]
لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به؟ فرأى ربيعة أنه قد مضى حكمه باجتهاد، وأنه لا داعي لأن يرجع فيه، فرد عليه سعد: واعجبًا! !. أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأراد قضاء رسول الله؟!. بل أرد قضاء سعد بن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله، فدعا سعد بكتاب القضية، فمزقه، وقضى بالخبر الذي رواه له ابن أبي ذئب١.
١٧٧- وعلى الرغم من أن الإمام الشافعي ﵁ قد أفاض في تثبيت خبر الواحد، وتوثيقه -كما رأينا- فإنه يقول: إن هناك أحاديث أخرى كثيرة تثبت أن خبر الواحد حجة إلا أنه اكتفى بذلك منها٢.
وأجمل بعد هذا قبول علماء الأمصار لخبر الواحد، ثم قال: إنه لو جاز لأحد من الناس أن يقول في خبر "الخاصة": أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بسبب أنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحدًا إلا وقد ثبته -لو جاز لأحد ذلك لجاز له ولكنه يصوغ القضية صياغة واقعية يقول: "ولكني أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجودًا٣ على كلهم٤".
١٧٨- وفي نهاية المطاف فرق الإمام الشافعي بين حجية المتواتر، أو خبر العامة وبين حجية خبر الواحد، فقال: إن العذر مقطوع في الواقع فلا يسع أحدًا من المسلمين الشك فيه، كما لا يسعه الشك في القرآن؛ لأن كلاهما نقل على درجة واحدة وهي التواتر، وعلى هذا فالذي يمتنع عن قبوله يستتاب.
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٤٥٠، ٤٥٣. ٢ المصدر السابق والصفحة. ٣ قال الأستاذ أحمد شاكر في التحقيق: هكذا هو بالنصب في الأصل بإثبات الألف ومعها فتحتان، وهو جائز على قلة على لغة من ينصب معمولي أن، وفي سائر النسخ بالرفع كالمعتاد "تحقيق الرسالة ص ٤٥٨". ٤ الرسالة ص ٤٥٣ - ٤٥٨.
[ ١٠٤ ]
١٧٩- أما خبر الآحاد أو خبر الخاصة -كما يعبر الشافعي- فالحجة فيه قائمة، ولازم للمسلمين أن يعملوا به، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول ولكنه دون نص كتاب الله وخبر العامة، بحيث لو شك فيه شاك لمنقل له: تب، "وقلنا ليس لك -إن كنت عالمًا- أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم١".
١٨٠- وعلى الرغم من هذه الإفاضة فإننا نلاحظ أن أكثر من أورده -إن لم يكن كله- يعتمد على خبر الواحد الذي ينكره الخصم، ومع هذا فيبدو أن الذين كان يجادلهم الشافعي يعرفون تلك الأخبار، ويسلمون بها، أو كما يقول السرخسي معتذرًا عن إيراد عيسى بن أبان "٢٢٠هـ". لها أيضًا: إنما استدل بها؛ لكونها مشهورة في حيز التواتر٢، ويقول البخاري صاحب كشف الأسرار: إن هذه الأخبار، وإن كانت أخبار آحاد لكنها متواترة من جهة المعنى، كالأخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة علي فلا يكون لقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات كون خبر الواحد حجة هي أخبار آحاد٣.
جهود أخرى:
ومن الإنصاف أن نقول: إنه لم يكن الشافعي وحده في ميدان المدافعين عن خبر الواحد، وإنما كان معه في عصره أئمة دافعوا عن السنة ضد هؤلاء المهاجمين لها أو التاركين، ويهمنا أن نشير في هذا الصدد إلى جهود مدرسة الأحناف، فقد ذكر السرخسي أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني ذكر دفاعه في كتاب "الاستحسان"، كما ذكر عيسى بن أبان كثيرًا من الأدلة التي تثبت حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به٤.
_________________
(١) ١ الرسالة: ٤٦٠، ٤٦١. ٢ أصول السرخسي جـ١ ص٣٢٨. ٣ كشف الأسرار جـ٢ ص٦٩٥. ٤ أصول السرخسي جـ١ ص٣٢٨ - أصول البزدوي "في الإشارة إلى أدلة محمد" جـ٢ ص٦٩٤.
[ ١٠٥ ]
١٨١- ويكفينا عن إيراد هذه الأدلة ما ذكره الإمام الشافعي، ولكننا نذكر هنا ما أورده السرخسي من مناقشة عقلية بعيدة عن تلك الآثار -استكمالا لصورة الدفاع، وعرضًا لجانب هام من جوانبه الذي قدمه الأحناف ولا يبعد أن يكون أصوليوهم قد نقلوه عنهم.
١٨٢- لم يهتم السرخسي إذن بإيراد الآثار التي أوردها الشافعي وعيسى ابن أبان؛ أولًا لشهرتها وثانيًا لأن الخصوم -كما قلنا- سيقولون: كيف يحتجون على وجوب العمل بخبر الواحد من الأخبار، وهو نفس الخلاف١؟ ولهذا فقد اتجه اتجاهًا آخر هو ما نبينه هنا:
١-قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ٢ الآية الكريمة. وقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه﴾ ٣، ففي هاتين الآيتين نهى كل واحد عن الكتمان، وأمر بالبيان والتبيلغ؛ لأن الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة يتناول كل واحد منهم؛ ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين، والخطاب للجماعة فيما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، وهذا يقتضي من المبلغ القبول والعمل بما جاء به المبلغ أو المخبر. "فكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه، ولو لم يكن خبره حجة لما أمر ببيان العلم٤".
وإذا كان الفاسق يدخل في هذين النصين، فإنه مخصوص منهما بنص آخر، وهو قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٦ ففيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق٥.
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
_________________
(١) ١ أصول السرخسي جـ١ ص١٣٨. ٢ البقرة: ١٥٩. ٣ آل عمران: ١٨٧. ٤ أصول البزدوي جـ٢ ص٦٩١. ٥ الحجرات: ٦. ٦ أصول السرخسي ١/ ٣٢٢.
[ ١٠٦ ]
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، والفرقة اسم للثلاثة فصاعدًا، والطائفة من الفرقة بعضهما، وهو الواحد أو الاثنان، فيثقفه الواحد، ويحذر قومه بالإنذار، ويلزمهم ذلك وهذا لا يكون إلا لأن خبر الواحد حجة.
وإذا كان المتقدمون قد اختلفوا في تفسير الطائفة، فقال بعضهم: تطلق على الواحد، وقال بعضهم: تطلق على الاثنين، وقال آخرون: تطلق على العشرة -فإن أحدًا لم يقل إنها تطلق على ما يزيد على العشرة، ومعلوم أن خبر العشرة وإنذارهم يحتمل الكذب، "فعرفنا أنه لا يشترط لوجوب العمل كون المخبر بحيث لا يبقى في خبره تهمة الكذب"، وهو ما يحتج به منكرو خبر الآحاد.
ولا يقال: هذا خطاب لجميع الطوائف بالإنذار، وهم يبلغون حد التواتر، فيكون خبرهم مستفيضًا مشتهرًا -لا يقال هذا؛ لأن الجمع المضاف إلى جماعة- كما قلنا: يتناول كل واحد منهم. وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم﴾؛ ما يدل على أن ذلك يتحقق بالواحد؛ لأن الرجوع إنما يتحقق لمن كان خارجًا عن القوم، ثم صار قادمًا عليهم وإتيان جميع الطوائف إلى قوم لا يكون رجوعًا إليهم.
على أن هذا لو كان شرطًا لبينه الرسول ﷺ لهم، وكلفهم أن يفعلوه ولو فعلوه لاشتهر، ولكن لم ينقل من الآثار ما يدل على ذلك.
وأيضًا فلو سلمنا بما تقولون فالذين يتحقق بهم الإنذار على الطوائف كلها لا ينقطع توهم الكذب على خبرهم؛ لاحتمال التواطؤ فيما بينهم، فكان الاستدلال قائمًا.
وقد يقال: إن إنذار الطائفة ليس معناه إلزام المبلغين بالقبول؛ بل المقصود أن يشتهر ذلك، وعند الاشتهار تنتفي تهمة الكذب، فتصير حجة عندئذ، وذلك بمنزلة الشاهد الواحد، فإنه مأمور بالشهادة وإن
[ ١٠٧ ]
كان العمل بشهادته لا يجب ما لم ينضم إليه شاهد آخر، وتظهر عدالته بالتزكية.
ويرد السرخسي على هذا الاعتراض بأن الشاهد الواحد ليس عليه أداء الشهادة إذا كان وحده -كما يدعي هؤلاء- لأن شهادته لا تنفع المدعي فلو لم يكن خبر الواحد حجة وواجب العمل به هنا لما وجب الإنذار بما سمع، وهذا بخلاف الشاهد إذا كان وحده.
وإذا ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار، فإنه يجب القبول منه؛ لأنه في هذا بمنزلة رسول الله ﷺ الذي كان مأمورًا بالإنذار، وكان قوله ملزمًا للسامعين، وقد بين الله ﷿ في النص حكم القبول والعمل به في قوله ﷾: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي: لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم بخبر الواحد١.
٢- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، وقد بلغ رسول الله ﷺ، الرسالة بلا خلاف، وهو ﷺ، لم يأت كل واحد بنفسه فشافهه، ولكنه بلغ قومًا بنفسه وآخرين برسول من رسله وآخرين بكتاب من كتبه فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان مبلغًا رسالة ربه بهذا الطريق إلى الناس كافة، وعندما فتحت بلدان نائية في عهده ﷺ، أرسل إلى كل بلد عاملًا عن عماله، ولو لم يكن خبر الواحد حجة في أمور الدين لما اكتفى رسول الله ﷺ بهذا العامل أو ذاك.
وكذلك النساء في البيوت على عهده، ﷺ، إنما كانت تبلغهن أمور الدعوة، وهن مخدرات في بيوتهن بإخبار أزواجهن الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ، ثم يبلغونهن ويعلمونهن ولو لم يكن خبر الواحد حجة لأمرهن الرسول، صلوات الله وسلامه عليه
_________________
(١) ١ أصول السرخسي: ١/ ٣٢٢ - ٣٢٤. ٢ سبأ: ٢٨.
[ ١٠٨ ]
بالذهاب دائمًا إليه والسماع منه، ولكن ذلك لم يحدث؛ لأنه لو حدث لاشتهر١.
٣- ونحن نعلم أنه ﵇ كان مأمورًا بأكل الطيب من الطعام قال عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ٢. وربما كان يُهدى إليه، فقد روي أن سلمان، ﵁ أهدى إليه طبقًا من رطب كما وأن بربرة ﵂ كانت تهدي إليه ﵊ كما كان ﷺ يدعى إلى طعام وفي هذا دليل على حجية خبر الواحد؛ لأنه لو لم يكن خبر الواحد حجة للعمل به في حق الله تعالى ما اعتمد عليه فيما يأكله ﷺ.
٤- وقد أمر الله القاضي أن يقضي بالشهادة، ومعلوم أن احتمال الكذب يبقى بعد شهادة شاهدين.. وقد قضى رسول الله ﷺ بالشهادات والأيمان مع احتمال هذا الكذب، وأعلن عنه حين قال، ﷺ: "إنما أنا بشر مثلكم أقضي بما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فكأنما أقطع له قطعة من النار" ٣ هذا مع أنه كان ممكنًا له أن ينتظر الوحي، فيقضي باليقين ويزيل هذا الاحتمال.
ولو ان شرط وجوب العمل باللخبر انتفاء تهمة الكذب عن كل وجه ما وجب على القاضي الحكم بالشهادة مع بقاء هذا الاحتمال؛ إذ النتيجة تكاد تكون واحدة٤.
٥- وقد سمى الله ﷿ خبر الواحد علمًا، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ ٥، وإنما قالوا ذلك سماعًا من مخبر أخبرهم به، وقال جل
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٢٤، ٣٢٥. ٢ المؤمنون: ٥١. ٣ رواه الشيخان. انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: محمد فؤاد عبد الباقي - عيسى البابي الحلبي ٢/ ١٩٢ - ١٩٣. ٤ أصول السرخسي ١/ ٣٢٦. ٥ يوسف: ٨١.
[ ١٠٩ ]
ذكره: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ١، وإنما قال ذلك باعتبار غالب الرأي، واعتماد نوع من الظاهر، ففي هاتين الآيتين الكريمتين دليل على أن خبر الواحد علم لا ظن، والظن إنما هو خبر الفاسق، ولهذا أمر الله ﷾ بالتوقف في خبره، حتى لا يصاب قوم بجهالة ومن اعتمد خبر العدل في العمل بهذا العلم الذي ليس ظنًّا يكون مصيبًا؛ لأنه عمل بعلم لا بجهالة٢.
٦- إن الذين لا يجوزون العمل بخبر الواحد يفزعون إلى القياس، مع أن الاحتمال من حيث الخطأ أقوى منه في خبر الواحد؛ لأن الأخير لا شبهة فيه، والشبهة إنما تكون في طريق الاتصال به، وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به، والطريق فيهما غالب الرأي، فكان العمل بالقياس دليلًا على جواز العمل بخبر الواحد بالطريق الأولى، ولا يستقيم عقلًا ترك العمل بما هو أقوى، والعمل بما هو دونه.
٧- إن حاجتنا إلى معرفة أحكام الدين وحقوق الله علينا لنعمل بها مثل حاجة من كانوا في زمن الرسول ﷺ، هؤلاء الذين كانوا في زمن الرسول ﷺ، هؤلاء الذين كانوا يسمعون منه، ومعلوم أنه بعد طول الزمن بيننا وبين رسولنا الكريم لا يوجد خبر تواتر في كل حكم من أحكام الشرع، فوجب أن يجعل خبر الواحد حجة للعمل به؛ لتحقق الحاجة إليه على هذا النحو.
٨- وإذا كان من حجة الدين لا يجوزون العمل بخبر الواحد أننا لو قبلنا خبره وهو غير معصوم عن الكذب لازدادت درجته على الرسول المعصوم الذي يتنزل عليه الوحي؛ لأن خبر الرسول يكون واجب القبول لاقتران المعجزات به، أما خبر الواحد فيقبل على النحو الذي تقولون به من غير دليل
- فيرد السرخسي بأن هذا غلط بيّن؛ لأن الرسول في حاجة إلى
_________________
(١) ١ الممتحنة: ١٠. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٢٦، ٣٢٧.
[ ١١٠ ]
المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته، ولم نقل: إن علم اليقين يثبت بخبر الواحد. كما يفيد خبر الرسول بالمعجزات في بادئ أمره١.
٩- إن٢ الإجماع قد انعقد من الأمة على قبول خبر الواحد في المعاملات؛ فإن العقود كلها بنيت على أخبار الآحاد، مع أنه قد يترتب على قبول خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى، كما في الإخبار بطهارة الماء ونجاسته، والإخبار بأن هذا الشيء أهدى إليك فلان، وأن فلانًا وكلني ببيع هذه الجارية أو بيع هذا الشيء، كما أجمعت على قبول من لا يقع العلم بقوله مع أنها قد تكون في إباحة دم، وإقامة حد واستباحة فرج، وأجمعت على قبول قول المفتي للمستفتي مع أن فتواه هذه مبنية على ما بلغه عن الرسول ﷺ، بطريق الآحاد، فإذا جاز القبول فيما ذكرنا من أمور الدين والدنيا جاز في سائر المواضع، ومنها أخبار الآحاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم٣.
١٨٣- ثم انتقل السرخسي إلى الرد على من يقول بأن خبر الواحد يوجب العلم، كالخبر المتواتر، وقد حكاه ابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث، وعزاه أبو الوليد الباجي "٢٤٥ هـ"، إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد إلى مالك، وإن نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه٤.
١٨٤- وحجة القائلين بهذا أن النبي ﷺ، قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "ثم أعلمهم أن الله تعالتى فرض عليهم صدقة في أموالهم"، ومراده الإعلام بالإخبار.
وإذا لم يكن خبر الواحد موجبًا للعلم عند السامع ما عبر عنه ﷺ بالإعلام.
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٢٧، ٣٢٨. ٢ هذا الدليل من أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار. ٣ أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار ٢/ ٦٩٥، ٦٩٦. ٤ تدريب الراوي ٢/ ٧٥.
[ ١١١ ]
١٨٥- وأيضًا فإن العمل بخبر الواحد واجب، ولا يجب العمل إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ ولأن الله ﷿ قال في نبأ الفاسق: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٢، وضد الجهالة العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا دلالة على أن العلم لا يقع بخبر الفاسق، وأنه يثبت بخبر العدل.
١٨٦- وقد يثبت بالآحاد من الأخبار العلم فقط مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة -مما يبين أن خبر الواحد يوجب العلم٣.
١٨٧- رد على هؤلاء فقال: إن القائلين بهذا خلطوا بين أمرين: بين سكون النفس وطمأنينة القلب وبين علم اليقين، والذي يحدث في خبر الواحد إنما هو طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه ما دامت هناك شبهة الكذب واحتماله؛ فلا يوجد اليقين، وطمأنينة القلب هذه نوع من العلم من حيث الظاهر، وهذا هو المراد بقوله ﷺ، في حديث معاذ: "فأعلمهم"، ويجوز العمل بهذا، كما يجوز العمل بمثله في تحري القبلة عند الاشتباه وينتفي هذا العلم بالجهالة؛ لأنه في خبر العدل يترجح جانب الصدق بظهور عدالته، أما في خبر الفاسق فلا يترجح فيه جانب الصدق، والجهالة مثله.
١٨٨- وأما الآثار المروية في عذاب القبر فهي توجب عقد القلب عليها؛ أي: طمأنينتة وسكينته، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم وسمى بعضهم هذا نوعًا من العمل، وعقد القلب هذا غير العلم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ٤، وقال جل شأنه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ ٥ "فهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به"، فهذا غير ذاك٦.
_________________
(١) ١ الإسراء: ٣٦. ٢ الحجرات: ٦. ٣ أصول السرخسي: ٣٢٩. ٤ البقرة: ١٤٦. ٥ أصول السرخسي ١/ ٣٢٩.
[ ١١٢ ]
١٨٩- ويشير صاحب "كشف الأسرار" إلى أن معرفتنا عذاب القبر ومثله مما أثاروه بدلالات النصوص من كتاب الله ﷿ وإشاراتها لا بأخبار الآحاد١.
١٩٠- وهناك رأي قريب من هذا الرأي الذي سبقت مناقشته، وهو أن خبر الواحد موجب للعلم ضرورة عند اقترانه ببعض الأسباب، وهذا الرأي يحكى عن النظام من المعتزلة٢، وهو يقول: إنه علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم
للسامع بخبر التواتر؛ لأن التواتر ليس إلا مجموع الآحاد، ويجوز القول بأن الله ﷾ يحدثه في قلب بعض السامعين دون بعض. وحجة هذا الرأي أن الواقع يشهد بذلك، ألا ترى أنه لو مر إنسان بباب، فرأى آثار غسل الميت، وسمع عجوزًا تخرج من الدار، وتقول: مات فلان، فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر.
وهذا قول باطل -كما يقول السرخسي- لأن الثابت بالبضرورة لا يختلف الناس فيه، بمنزلة العلم الذي يحدث بالمعاينة والمشاهدة، وبمنزلة العلم الواقع بخبر التواتر، ولكننا نشاهد أن خبر الواحد يختلف فيه.
١٩١- وعلى هذا الرأي يبطل كثير من أحكام الشرع، ولا يرجع إلى كثير من البينات، والأيمان عند تعارض الدعوى والإنكار، ولا المصير إلى اللعان وعند قذف الزوج زوجته، فإن القرائن من أبين الأسباب، وينبغي أن يكون خبر الزوج موجبًا للعلم ضرورة، فلا يجوز للقاضي أن يصير عند ذلك إلى اللعان، وفي سائر الخصومات ينبغي للقاضي أن ينتظر حتى يحصل له هذا العلم الضروري وبخبر الواحد فيعمل به٣.
١٩٢- وأخيرًا هل يشترط للعمل بخبر الواحد عدد الشهادة ولا يكتفي براو واحد، كما لا يكتفي بشاهد واحد؟
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٢/ ٦٩٧. ٢ الإحكام للآمدي ٢/ ٢٢. ٣ أصول السرخسي ١/ ٢٣٠.
[ ١١٣ ]
رأى ذلك بعض الناس، وحجتهم في ذلك أن الشرع قد اعتبر عددًا في الشهادة لثبوت العلم على وجه يجب العمل به، فعرفنا أن الأقل من هذا العدد لا يثبت علمًا على هذه الحال، ولهذا وجدنا أبا بكر ﵁ حين شهد عنده المغيرة بن شعبة، ﵁ أن النبي ﷺ، ورث الجدة السدس -قال: ائت بشاهد آخر، فشهد معه محمد بن مسلمة ﵁.. وطلب عمر ﵁ من أبي موسى الأشعري، ﵁ أن يأتي بشاهد آخر عندما روى له خبر الاستئذان، فشهد معه أبو سعيد الخدري ﵁ ورفض عمر حديث فاطمة بنت قيس ﵂ قائلًا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وروى أبو سنان الأشجعي ﵁ خبرًا في مهر المثل، فقال علي كرم الله وجهه: ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه. فاعتبر عدد الشهادة في كل هذا شرطًا في قبول خبر الواحد كما كانوا يعتبرون العدالة في كل.
١٩٣- ويرد على هؤلاء بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وهذا النعت لكل مؤمن، ولا يكون كذلك إلا إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف، فاشتراط العدد في الأمر والنهي يكون زيادة على ما في كتاب الله ﷿ ويقول السرخسي: إن كل ما رددنا به على المنكرين لحجية خبر الواحد هو رد أيضًا على هؤلاء، وهذا حق؛ لأننا أثبتنا أن خبر الواحد حجة بنقل راو واحد له.
١٩٤- أما الآثار التي ذكروها أدلة على ما يقولون فلا حجة لهم فيها، لأنهم لا يستطيعون أن يثبتوا أنها نقلت إليهم على شرطهم، وهو نقل الاثنين عن الاثنين إلى أن وصلت إليهم. ولا حجة لهم فيها أيضًا إذا سلمنا أنها كذلك، فقد طلب أبو بكر ﵁ شاهدًا آخر من المغيرة، لا لأن ذلك مذهبه، بل لأنه شك في خبره لداع رآه، أو لأنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله ﷺ، كان بمحضر من الجماعة، فأحب أن يتثبت لذلك وكذلك عمر طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتي بشاهد آخر، لأنه أخبر بما تعم به البلوى، فكان بنبغي أن يعرفه العام
[ ١١٤ ]
والخاص، فأحب أن يستوثق من ذلك، ولو لم يأت بشاهد آخر لقبل حديثه؛ لأنه قبل حديث راو واحد، في غير ذلك من الأخبار، قبل حديث الضحاك ابن سفيان ﵁ في توريث المرأة من دية زوجها، وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ في الطاعون حين رجع من الشام. وقبل حديثه أيضًا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يطلب منه شاهدًا آخر. وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس، لأنه يخالف كتاب الله، في رأيه، فقد نص القرآن الكريم على سكنى المطلقة، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ على حين أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.
١٩٥- ولم يقبل علي ﵁ حديث أبي سنان لمذهب خاص اتخذه لنفسه من أجل توثيق سنة رسول الله ﷺ، وهو أنه كان لا يقبل رواية الأعراب، وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثًا إلا أبا بكر ﵁، فإنه كان لا يستحلفه، لثقته فيما يرويه عن رسول الله ﷺ. وقد عمل علي بخبر الواحد، ومن هذا قبوله رواية المقداد في حكم المذي.
وقد قبل ابن مسعود حديث أبي سنان، هذا الذي رفضه علي، وسر به؛ لأنه لم يكن له مذهب على الذي ذكرناه.
١٩٦- على أن باب الشهادات غير باب الأخبار، ولا يلتقان دائمًا، ففي الشهادات تقوم المرأتان مقام رجل واحد، وفي الأخبار الرجال والنساء سواء. واشتراط العدد في الشهادات توقيفي لمعنى يعلمه الله تعالى، واستأثر ﷿ بعلمه، والواجب علينا اتباع النص، وإلا فإن تهمة الكذب لا ترتفع بعدد الشهادة١.
١٩٧- وإذا كان المحدثون لا يرون بأسًا برواية الواحد، ولا يشترطون عدد الشهادة فإنهم قد يلتقون على نحو ما مع هؤلاء؛ لأنهم يكرهون الحديث
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٣١ـ ٣٣٢- كشف الأسرار ٢/ ٦٩٤.
[ ١١٥ ]
الذي يرويه واحد عن إمام مشهور من أئمة الحديث، ويسمون هذا الحديث غريبًا، ويسمون راويه منكر الحديث١، يقول ابن حجر: إن ابن حنبل يطلق على من يغرب على أقرانه في الحديث، أي يأتي بالغرائب: إنه منكر الحديث وقال الإمام مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا -يعني المشهور وروي عن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني!. قال: لا تقل ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن٢ وحذر الإمام أبو يوسف من رواية هذا النوع من الحديث؛ لأنه منزلق للخطأ، فيقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس٣.
١٩٨- وكان الإمام الشافعي ﵁ يرى أن حديث اثنين أرجح من حديث واحد، وحديث خمسة أولى من حديث واحد٤" كما تكون المتابعة من أسباب ترجيح حديث على حديث٥ عنده.
ومن أعجب الأمور عند الشافعي -إن صحت نسبة هذا إليه- أنه لا يعترف برواية الواحد من أهل العراق إلا إذا كان هناك لروايته أصل في مكة أو المدينة، يقول فيما يرويه ابن أبي حاتم بسنده: "والله لو صح الإسناد من حديث العراق، غاية ما يكون الصحة، ثم لم أجد له أصلًا عندنا "يعني بالمدينة ومكة" على أي وجه كان: لم أكن أعني بذلك الحديث على أي صحة كان"٦.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ١/ ٣٤٧. ٢ المصدر السابق ٢/ ١٨٢. ٣ الكفاية الطبعة المصرية: ص٢٢٥. ٤ الرسالة ص١٨٠، ٢٨١ - اختلاف الحديث ٢١٢، ٢٣٠، ٢٣٤. ٥ العلل لابن المديني: ص٨٩، ٩٠، ٩٧. ٦ آداب الشافعي: ص٢٠٠.
[ ١١٦ ]
١٩٩- ويبدو أنه رجع عن هذا القول -إن صح عنه- لأن ابن أبي حاتم يروي بسنده عنه أيضًا قوله للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني، كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا١.
_________________
(١) ١ المصدر السابق: ص٩٤ - ٩٥.
[ ١١٧ ]
حجية المشهور عند الحنفية:
بقي أن نبين مدى حجية جزء من أجزاء أخبار الآحاد عند غير الحنفية، وقسم مستقل عندهم، والذي يسمونه "المشهور". وقد سبق أن قدمنا مفهومه عندهم.
٢٠٠- ويهمنا هنا أن نعرض لرأي عيسى بن أبان الحنفي، والذي عاش جزءًا من القرن الثاني الهجري "٢٢٠هـ" يقول: "إن حجية الخبر المشهور لا تصل إلى ما وصلت إليه حجية المتواتر، لأن العلم الثابت بالتواتر ضروري ويوجب علم اليقين، وبالتالي يكفر جاحده، وليس كذلك المشهور فإن جاحده لا يكفر بالاتفاق، والثابت به إنما هو علم طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه وإن تواتر نقله من الجيل الثاني والثالث؛ التابعين وتابعيهم، فقد بقيت فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار الأصل الآحادي.
٢٠١- ومع أنه يفيد طمأنينة القلب فقط ولا يفيد علم اليقين فإنه تجوز به الزيادة على النص؛ لأن العلماء عند ما تلقوه بالقبول والعمل به كان ذلك دليلًا موجبًا؛ لأن الإجماع من القرن الثاني والثالث دليل موجب شرعًا، فلهذا جازت الزيادة به على النص. ولهذا قيد إطلاق الكتاب الكريم غسل الرجلين في الوضوء بعدم لبس الخفين لحديث المغيرة المشهور الذي سبق أن ذكرناه وخصص حديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ ١. وخصص عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٢، الآية الكريمة، بحكم الرجم للمحصن في قوله
_________________
(١) ١ النساء: ٢٤. ٢ النور: ٢.
[ ١١٧ ]
ﷺ: "والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وبرجم ماعز وغيره وقيد الإطلاق في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ١، بقراءة ابن مسعود ﵁ المشهورة: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". هذا وإن كان الأحناف يطلقون على هذه الزيادات النسخ؛ لأن شرط التخصيص والتقييد عندهم "أن لا يكون المخصص مثل المخصوص منه في القوة، وأن يكون متصلًا لا متراخيًا، ولم يوجد الشرطان جميعًا"٢.
٢٠٢- وذكر عيسى بن أبان أن المشهور ينقسم إلى ثلاثة أقسم:
١- قسم يضلل جاحده ولا يكفر، وذلك نحو خبر الرجم الذي اتفق عليه العلماء في الصدر الأول والثاني، وإنما خالف فيه الخوارج، وخلافهم لا يكون قادحًا في الإجماع.
٢- وقسم لا يضلل جاحده، ولكن يخطأ، ويخشى عليه من المأثم، وذلك نحو خبر المسح على الخفين، وذلك لأن العلماء اختلفوا فيه في الصدر الأول؛ فإن عائشة وابن عباس ﵄ كانا يقولان: سلوا هؤلاء الذين يرون المسح هل مسح رسول الله ﷺ بعد سورة المائدة؟ والله ما مسح رسول الله ﷺ بعد سورة المائدة، وإن كان قد نقل عنهما رجوعهما عن ذلك، وكذلك خبر الصرف، فقد روي عن ابن عباس أنه كان يجوز التفاضل، مستدلًا بقوله ﷺ: "لا ربا إلا في النسيئة". وقد نقل رجوعه عن ذلك، فلشبهة الاختلاف هذه اختلف عن القسم الأول في أنه لا يضلل جاحده ولكن باعتبار رجوعهم يثبت الإجماع، وقد ثبت الإجماع على قبوله في الصدر الأول والثاني ولهذا يخشى على جاحده المأثم.
٣- وقسم لا يخشى على جاحده المأثم، ولكن يخطأ في ذلك، وهو الأخبار التي اختلف فيها الفقهاء في باب الأحكام؛ لأنه عندما يعمل به إنما يعمل به عن اجتهاد، والمجتهد لا يأثم حتى ولو أخطأ، وكذلك لو جحده٣.
_________________
(١) ١ المائدة: ٨٩. ٢ كشف الأسرار ٢/ ٦٨٩. ٣ كشف الأسرار ٢/ ٦٨٩ - ٦٩٠ - أصول السرخسي ١/ ٢٩٢ - ٢٩٤.
[ ١١٨ ]
٢٠٣- وبعد أن تعرفنا على حجية السنة ووجوب العمل بها على النحو الذي رأيناه -فإن هناك شروطًا لهذا الوجوب وتلك الحجية ولعلنا قد لمسنا إشارة عابرة لبعضها من الإمام الشافعي عندما كان ينبه إلى صدق ناقلها وعدالته، والحقيقة أن توثيق الراوي من أهم الشروط في توثيق السنة وقبولها حيث إننا بهذا نطمئن إلى أن ما يرويه لنا قد صدر فعلًا عن رسول الله ﷺ.
وهذا ما سنفصله فيما يلي.
[ ١١٩ ]
الفصل الثاني: توثيق الراوي
مدخل
الفصل الثاني: توثيق الراوي
٢٠٤- يرى علماء الحديث والفقه أنه يجب أن تتوافر في راوي الحديث شروط من شأنها أن تصون حديثه من أن يغير فيه أو يبدل أو يدعى ما ليس منه.
٢٠٥- وهناك نوعان من هذه الشروط: نوع يلازم الراوي، ويتصف به، ويقوم به أساسًا قبل الرواية، وبصرف النظر عنها، ولكنه ينعكس عليها ويؤثر فيها
ونوع آخر ليس صفة أساسية في الراوي وقد يصاحب الرواية وقد لا يصاحبها ونعنى الآن بالنوع الأول، لأن أئمة الحديث تكلموا فيه كنوع قائم بذاته، وكشروط أساسية لقبول الرواية أو رفضها، وأما النوع الآخر فلا يبحثون عنه كثيرًا وإنما يجيء بحثهم له عرضًا، ومن خلال بحثهم لبعض أحاديث الراوي ومن هذا مثلًا فقه الراوي، فهذا الشرط لا يبحثون عنه إلا عندما يجدون أنهم أمام روايتين متعارضتين، وراوي إحداهما فقيه وراوي الأخرى غير فقيه، فقد يأخذون في الاعتبار هذه الصفة، ويرجحون بها إحدى الروايتين على الأخرى ولكنه بغض النظر عن هذا يكون راوي الحديث غير الفقيه مقبول الرواية؛ لأنه تتوافر فيه الشروط الأساسية التي هي من النوع الأول، ولهذا نؤثر أن نؤجل مثل هذا الشرط ونبحثه من خلال بحث علماء الحديث أو الفقه له.
٢٠٦- وينحصر النوع الأول في أربعة شروط: الإسلام والعقل والعدالة والضبط
٢٠٧- وقد يرى البعض أنه من الواجب أن يتوافر في الراوي شرطان فقط، وهما: العدالة والضبط ويدخل تحتهما الشرطان الآخران، وهما: الإسلام والعقل، الأول يدخل تحت العدالة والثاني تحت الضبط؛ لأن الضبط بدون العقل لا يتصور؛ وكذلك العدالة بدون الإسلام؛ لأن تفسيرها الاستقامة في الدين.
[ ١٢٣ ]
٢٠٨- ولكن هناك، في الحقيقة، مغايرة بين العقل والضبط وبين الإسلام والعدالة من حيث إن العقل لا يستلزم الضبط والعكس، فقد يكون للصبي ضبط كامل مع أنه لا يكلف بأعمال الشرع؛ لأن عقله لما يكتمل بعد، فاشترط الضبط وحده لا يحصل الاحتراز به عن رواية الصبي، وهي غير صحيحة والإسلام لا يستلزم العدالة والعكس، فالكافر قد يوصف بالعدالة لاستقامته على معتقده، ويسمى معتقده دينًا، وإن كان باطلًا، ولهذا يسأل القاضي عن عدالة الكافر إذا شهد على كافر آخر عند طعن الخصم، فيكون الاقتصار على اشتراط العدالة لا يحصل به الاحتراز عن رواية الكافر، وهير غير صحيحة أيضًا
إذن فلا بد من ذكر هذه الشروط الأربعة، وعدم الاكتفاء باثنين منها وإن كانا لا يتصوران حقيقة بدون الآخرين١.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٢/ ٧١٣.
[ ١٢٤ ]
١- الإسلام:
٢٠٩- يشترط لقبول حديث الراوي أن يكون مسلمًا، لأنه ينقل أخبارًا تثبت أحكام الشرع، والكفار يعادون المسلمين في الدين، وقد تحملهم المعاداة هذه على السعي في هدم أركانه بإدخال ما ليس منه فيه ونسبته إلى رسول الله ﷺ، وقد أشار الله ﷾ إلى ذلك بقوله ﷿: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ ١، أي لا يقصرون في الإفساد عليكم، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان، فإنهم كتموا أن يكون رسول الله ﷺ، قد ذكر في كتبهم، فهذا بمنزلة شهادة الأب لوالده، فنها لا تقبل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته، وهو الشفقة والميل إلى الولد.
٢١٠- وإذا كانت الرواية فيها نوع من الولاية كالشهادة، فإن الله عز ذكره قد نفى أن تكون هناك ولاية للكافرين على المؤمنين، قال تعالى:
_________________
(١) ١ آل عمران: ١١٨.
[ ١٢٤ ]
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١.
٢١١- وعند محمد بن الحسن ﵀ يجوز أن يعمل بخبر الكافر إذا كان الاحتياط في العمل به، ورواية الكافر الحديث في هذا مثل إخباره بنجاسة الماء، فإنه لا يعمل المخبر عنه بخبره، وإن وقع في قبله صقده، بل يتوضأ بذلك الماء، ولكنه إن أراق الماء احتياطًا، إذا وقع في قلبه صدقة، ثم تيمم جازت صلاته، وإن تيمم من غير إراقة وصلى لا تجوز صلاته؛ لأن الماء أمامه، وهو طاهر وينبغي أن يكون شأن الكافر في رواية الحديث كشأنه في الإخبار عن نجاسة الماء -في رأي محمد- فلا يقبل خبره في الدين ولا يكون حجة كما لم يقبل في نجاسة الماء إلا أن الاحتياط لو كان في العمل يستحب الأخذ به كما استحبت الإراقة، ثم التيمم هناك٢.
٢١٢- ويدخل في الرواة الكفار من كفر ببدعته من المجسمة ومنكري علم الجزئيات وغلاة الروافض الذين ادعى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة وقيل: إن الشافعي نص على كفر القائل بخلق القرآن، وقد أول البيهقي هذا على أنه كفران نعمة، فيدخل خبره عندئذ في خبر الفاسق، ولكن البلقيني رد هذا التأويل بدليل أن الشافعي أفتى بضرب عنق حفص٣ الفرد مما يدل على أن بدعته هذه كفرته. وقال النووي: إن رد رواية هؤلاء متفق عليها، ولكن تعقبه السيوطي بأن هناك من تقبل روايتهم٤. وهذا هو الحق؛ لأنهم تأولوا فلا ينبغي أن نعتبرهم من الكفار، وربما حكمنا بفسقهم بسبب شططهم في تأويلهم، ومن هنا يكون السؤال: هل هم عدول أو لا؟ وعلى هذا فمحل بحثهم العدالة. إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ النساء: ١٤١. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٤٣، ٧٤٤. ٣ هو أبو عمرو المصري البصري من أكابر المجبرة "له ترجمة في لسان الميزان ٢/ ٢٣٠". وذكر الخطيب البغدادي أن هناك طائفة من أهل النقل والمتكلمين ذهبوا إلى قبول أخبار أهل الأهواء كلها وإن كانوا كفارًا وفساقًا بالتأويل "الكفاية ص١٩٥ الطبعة المصرية". ٤ تدريب الراوي ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
[ ١٢٥ ]
٢- العقل:
٢١٣- ومعناه أن يكون الراوي وقت الأداء بالغًا مكلفًا بالتكاليف الشرعية، وقد رأى العلماء هذا الشرط؛ لأن الصغير لا يدرك مغبة الكذب وعقوبته، فيخشى أن يكذب في حديث رسول الله ﷺ، أما إذا كان بالغًا مكلفًا، فإنه ينزجر عن الكذب الذي ينهاه الشرع عن الوقوع فيه، فلا يكذب في حديث رسول الله ﷺ.
٢١٤- وإذا كان الشرع لم يجعل الصبي وليًّا في أمر دنياه، ففي أمر الدين أولى، كالتحديث عن رسول الله ﷺ، الذي ينتج عنه أن يسمعه بعض المسلمين، فيحلون به الحلال، ويحرمون به الحرام١.
٢١٥- وممن نص على أنه لا تقوم الحجة إلا بخبر العاقل -في القرن الثاني الهجري- الإمام الشافعي رضي الله عنه٢.
٢١٦-
وقال محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الاستحسان بعد ذكر العدل والفاسق والكافر: "وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان" وكانت هذه العبارة محتملة لتفسيرات ثلاثة:
التفسير الأول:
أن الصبي والمعتوه مثل العدل المسلم البالغ في قبول الرواية ما دام عندهما العقل، وأصحاب هذا التفسير يؤسسونه على أن العطف هنا على العدل لا على الكافر، بدليل أنه قيده بقوله: "إذا عقلا ما يقولان" ولو كان عطفًا على الكافر لم يكن لهذا القيد فائدة، لأنهما إذا لم يعقلا ما يقولان لم يقبل خبرهما أيضًا، وقد سقط اعتبار البلوغ هنا، في الأخبار كما سقط اعتبار الحرية والذكورة فيها بخلاف الشهادة في جميعها.
_________________
(١) ١ نشأة علوم الحديث ومصطلحه ص٦٧. ٢ الرسالة ص٣٧٠.
[ ١٢٦ ]
التفسير الثاني:
أنهما مثل الفاسق في وجوب التوقف والتحري في خبره، فالعطف هنا على الفاسق.
التفسير الثالث:
وهو المختار عند مؤلفي الحنفية -أن خبرهما مثل خبر الكافر؛ لأن العطف على أقرب المذكور، والكافر هو الأقرب، فلا يجعل عطفًا على الأبعد من غير ضرورة، وكان هذا التفسير هو المختار؛ لأن خبرهما لو كان حجة لأثبتنا لهما ولاية متعدية، والولاية المتعدية فرع عن الولاية القائمة ؛ أي: ثبوت الولاية على الغير فرع لثبوتها على النفس، إذ الأصل في الولايات ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره عند وجود شرط التعدي؛ لأن الولاية قدرة، ومن لا يقدر في نفسه لا يقدر على غيره وليس للصبي والمعتوه ولاية ملزمة على أنفسهما بالإجماع، وإنما هي مجوزة، يعني تصرفهما جائز الثبوت، فلو انضم إليه رأي الولي يصير ملزمًا، ولوكان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما ملزمًا، ولو كان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما صارت ولايتهما متعدية إلى الغير ملزمة عليه؛ لأنه إذا وضع خبرهما موضع الحجة وجب على المروي له العمل به، وهو في هذا مثل الكافر، فإنه لما لم يلزمه موبج ما أخبر به لكونه غير مخاطب بالشرائع كان خبره ليس ملزمًا على الغير ابتداء، فالكافر ليس من أهل الإلزام، فكذا الصبي.
٢١٧- حقيقة إن الصحابة رضوان الله عليهم تحملوا الأخبار عن رسول الله ﷺ في صغرهم، ولكنهم نقلوها بعدما كبروا، ولو كانت ولاية الصغير حجة لنقلوها في صغرهم أيضًا.
وقد يقال: إن أهل قباء تحولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة بخبر صغير مما يدل على أن رواية الصغير جائزة وملزمة.
والجواب عن ذلك أن الذي أتاهم هو أنس ﵁، وإذا كان عبد الله بن عمر قد أتاهم وأخبرهم، وهو صغير فإنهم اعتمدوا على رواية
[ ١٢٧ ]
البالغ وهو أنس، على أنه يحتمل أن يكون ابن عمر بالغًا في ذلك الحين، فقد كانت سنه أربع عشرة سنة، وابن هذه السن يجوز أن يكون بالغًا وإذا كان النبي ﷺ قد رده في هذا الوقت عن القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرًا١.
٢١٨- وإذا كان من الجائز العمل بخبر الكافر إذا كان الاحتياط في العمل به -عند محمد بن الحسن- مع كفره واتهامه بعداوة المسلمين، فإنه -من باب أولى- يجوز العمل في الاحتياط بخبر الصبي المسلم٢.
٢١٩- وذا كانت رواية الصغير لا تصح ولا تقوم بها الحجة، فرواية المجنون كذلك من باب أولى؛ لأن الصغير عنده قدر من التمييز لا يوجد عند المجنون.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٤٢، ٧٤٤. ٢ المصدر السابق.
[ ١٢٨ ]
٣- العدالة:
٢٢٠- وهي صفة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة، من فسق وبدعة، والمراد بالمروءة احتراز الإنسان عما يذم به عرفًا١، والعدل هو الذي يطيع الله ﷾ فيتبع أوامره، ويجتنب نواهيه، وهو الذي لا يعصي الله ﷾ ولا يرتكب الكبائر وبعض الصغائر. وقد سئل ابن المبارك عن العدل فقال: "من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب "يعني المسكر"، ولا تكون في دينه خزية، ولا يكذب، ولا يكون في عقله شيء"٢ وقد عبر الإمام الشافعي عن الراوي العدل بقوله، في بيان ما تقوم الحجة بخبره: أن يكون "ثقة في دينه معروفًا
_________________
(١) ١ توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني "ت ١١٨٢" تحقيق محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى ١٣٦٦هـ - مكتبة الخانجي ٢/ ١١٨ - شرح نخبة الفكر ص٨. ٢ الكفاية: ص١٣٧ الطبعة المصرية.
[ ١٢٨ ]
بالصدق في حديثه بريئًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه١".
٢٢١- وليس المقصود من العدل أن يكون بريئًا من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين، والتحري في فعل الطاعات يقول سعيد بن المسيب: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب لا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه؛ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ". ويقول الإمام الشافعي في هذا المعنى أيضًا: "لا أعلم أحدًا أعطي طاعة الله، حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا ﵇ ولا عصى الله، فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية، فهو المجرح"٢ ويعبر أبو يوسف عن هذا الاتجاه حين يقول: "من سلم أن تكون منه كبيرة من الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل"٣.
٢٢٢- هذا هو مذهب أكثر العلماء، ولكن يروى عن أبي حنيفة وأهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام، والسلامة من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حال المرء وجب أن يكون عدلًا٤ وهذه حالة مجهول الحال عند الإمام الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، فلا بد من معرفة سيرته، وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته له، وتعديله له٥.
٢٢٣- ومعرفة العدالة في الراوي تكون على مستويين:
١- مستوى يتساوى في معرفته الخاصة والعامة، وهو الصحة في البيع والشراء والأمانة ورد الودائع وإقامة الفرائض وتجنب المآثم، لهذا ونحوه
_________________
(١) ١ الرسالة: ص٣٧٠، ٣٧١. ٢ الكفاية الطبعة المصرية ص١٣٨. ٣ نشأة علوم الحديث ص١٥٨ نقلًا عن اختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطحاوي ٢/ ٣٦ب. ٤ الكفاية هـ، ص٨٧ وانظر مناقشة الخطيب لهذا الرأي من ص٨١ - ٨٤. ٥ نشأة علوم الحديث ومراجعه ص١٥٨.
[ ١٢٩ ]
يشترك الناس في علمه وربما تشدد بعض الأئمة في توافر هذا الجانب من العدالة في الراوي، فاعتبروا الركض على البرذون، وسماع القراء بالتطريب١، مما يذهب العدالة، ويوجب ترك حديث الراوي، يقول أبو العالية: "كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء الصلاة لم نأخذ عنه٢"، ويقول الحسن بن صالح: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه، حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوه٣؟! واشتهر شعبة بن الحجاج "١٦٠هـ" بهذا المذهب، قيل له: لم تركت حديث فلان؟. قال: رأيته يكرض على برذون، فتركت حديثه، وقال: أتيت منزل المنهال بن عمرو، فسمعت صوت الطنبور، فرجعت. فقيل له: إنكارًا لهذا التشدد: فهلا سألت عنه إذ لا يعلم هو؟!.
وممن غالى في هذا الحكم ابن عتيبة، قال له شعبة: لِمَ ترو عن زاذان؟. قال: كان كثير الكلام٤.
وربما تساهل بعضهم، مثل الإمام عبد الله بن المبارك الذي كان لا يترك حديث الرجل حتى يبلغه الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه٥، وفي رواية عنه تبين لنا ما هو هذا الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه، وهو أن يتهم الرجل بالكذب أو يكثر منه الغلط، ويغلب عليه٦.
٢- ومتسوى آخر، وهو الأهم؛ لأنه يتصل برواية السنة مباشرة ولهذا لا يعرفه إلاعلماء الحديث والفقه وأئمتهم، وهو ملاحظة روايته، وهل هو يكذب فيها أو يصدق، وهل يوافق العدول الآخرين أو يخالفهم أو يتحرز في روايته أو لا، وغير ذلك مما لا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة، "بل التعويل فيه على مذاهب نقاد الحديث وملاحظاتهم ومعرفتهم،
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل جـ٤ قسم١ رقم ٣٠٦٢. ٢ المحدث الفاصل: النسخة المخطوطة بكلية دار العلوم "قسم من رسالة" ص٢٣٦. ٣ الكفاية الطبعة المصرية ص١٥٥. ٤ تدريب الراوي ١/ ٣٠٦. ٥ تقدمه المعرفة ص٢٧٠، ٢٧٤. ٦ الكفاية: الطبعة المصرية ص٢٢٧.
[ ١٣٠ ]
فمن عدلوه، وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف في روايته١.
٢٢٤- ومن المعرفات لهذا المستوى حكم الحاكم وعمل المجتهد برواية الراوي، وسكوت السلف عند اشتهار روايته؛ إذ لا يسكتون على منكر، فإن قبله بعض ورده بعض، فالكثير على رد روايته، ويقبلها الحنفية؛ لأن العمل عندهم توثيق، أما الرد فهو ترك، والترك ليس بجرح، ومثلوا لهذا بحديث معقل بن سنان "أنه ﵇ قضى لبروع الأشجعية حين مات عنها زوجها قبل التسمية بمهر المثل"، فقد قبله ابن مسعود، ورده علي قائلًا: "ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه -حسبها الميراث لا مهر لها"٢.
٢٢٥- وقد وجبت العدالة شرطًا لقبول حديث الراوي؛ لأنه غير معصوم عن الكذب، وخبره يحتمل الصدق وغيره، والعدالة هي التي تجعل خبر الراوي يميل إلى جانب الصدق، وإذا كان الراوي عدلًا فإنه يكون منزجرًا عن الكذب في أمور الدنيا، وذلك دليل على انزجاره عن الكذب في أمور الدين بالطريق الأولى.
٢٢٦- أما إذا لم يكن عدلًا فإن جانب الكذب يرجح في خبره؛ لأنه إذا لم يكن غير مبال بارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمتها، فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته، ولا نطمئن إلى أنه صدق فيما يرويه٣.
٢٢٧- وعدالة الراوي هنا تفترق عن عدالته في الشهادة؛ فالعدل يكون جائز الشهادة في أمور مردودها في أمور تجوز فيها روايته، وذلك لأن الدوافع النفسية هنا وهناك قد تكون مختلفة فينشأ عنها الاختلاف في
_________________
(١) ١ الكفاية. الطبعة المصرية ص١٥٦. ٢ مسلم الثبوت: محب الله بن عدب الشكور البهاري الهندي المطبعة الحسنية بالقاهرة ٢/ ١١٢. ٣ أصول السرخسي ١/ ٣٤٦.
[ ١٣١ ]
القبول والرد ويتطلب الأمر الاطمئنان إلى رسوخ العدالة في الشهادة ما لا يتطلب في عدالة راوي الحديث، فدواعي الصدق والأمانة أقوى هنا منها في الشهادة، ولهذا اهتم الإمام الشافعي ببيان الفروق بينهما من هذه الناحية:
يقول الإمام الشافعي ﵁: إن أهل العلم قد اتفقوا على أن ترد شهادة العدل، إذا شهد في موضع يجربه إلى نفسه أو إلى ولده أو والده زيادة من أي وجه أو يدفع بها عن نفسه أو عنهما غرمًا، ومثل هذا من المواضع التي لا يطمأن فيها إلى عدالته.
والشاهد قد يشهد على واحد، ليلزمه غرمًا أو عقوبة، وللرجل ليؤخذ له غرم أو عقوبة، وهو غير ملزم بما لزم غيره من غرم، غير داخل في غرمه ولا عقوبته، ولعله قد يجر بشهادته ذلك إلى من لعله أن يكون أشد تحاملًا له منه لولده أو والده، ولكن تقبل شهادته؛ لأنه لا ظنة ظاهرة كظنته في نفسه وولده ووالده، وغير ذلك مما يبين فيه من مواضع الظنن.
والمحدث خلاف ذلك، فعندما يروي ما يحل أو يحرم "لا يجر إلى نفسه، ولا إلى غيره، ولا يدفع عنها ولا عن غيره، شيئًا مما يتمول الناس، ولا مما فيه عقوبة عليهم ولا لهم" وهو ومن حدثه ذلك الحديث من المسلمين سواء، إن كان يروي ما يحل أو يحرم، فهو شريك المسلمين فيه لا تختلف حالاته كما تختلف في الشاهد "فيكون ظنينًا مرة مردود الخبر، وغير ظنين أخرى مقبول الخبر"١.
٢٢٨- ثم بين الإمام الشافعي كيف أن التقوى تحمل الناس على الصدق في أخبارهم، فيقول: إن هناك للناس حالات تكون أخبارهم فيها أصح وأحرى أن يحضرها التقوى من الحالات الأخرى، وتلك عند خوف الموت بالمرض أو في السفر في هذه الحالات تكون النيات فيها سليمة، والفكر
_________________
(١) ١ الرسالة ص٣٩٠ - ٣٩٢.
[ ١٣٢ ]
فيها أدوم، والغفلة فيها أقل، وهذا موجود في العامة، حتى عند أهل الكذب: "فإذا كان موجودًا في العامة وفي أهل الكذب الحالات يصدقون فيها الصدق الذي تطيب به نفس المحدثين -كان أهل التقوى والصدق في كل حالاتهم أولى أن يتحفظوا عند أولي الأمور بهم أن يتحفظوا عندها"، فهم وضعوا موضع الأمانة، ونصبوا أعلامًا للدين وكانوا عالمين بما ألزمهم الله من الصدق في كل أمر، وهم يعلمون أن الحديث في الحلال والحرام أعلى الأمور، وأبعدها من أن يكون فيه موضع ظنة أو تهمة، لا سيما وقد عرفوا من حديث رسول الله ﷺ: "مِنْ أَفْرَى الْفِرَى مَنْ قَوَّلَنِي مَا لَمْ أَقُلْ، وَمَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ يَرَهُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ" ١. وقال: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"٢. وقال: "إن الذي يكذب علي يبنى له بيت في النار"٣.
وقيل لأبي قتادة: ما لك لا تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "من كذب علي فليلتمس لجنبه مضجعًا من النار"، فجعل رسول الله، ﷺ، يقول، "ويمسح الأرض بيده" ٤، وقال رسول الله، ﷺ: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي" ٥، ويعلق الشافعي على هذا الحديث، فيقول: هذا أشد حديث روي عن رسول الله في هذا، وعليه اعتمدنا مع غيره في ألا نقبل إلا عن ثقة، ونعرف صدق من حمل الحديث من حين ابتدئ إلى أن يبلغ به منتهاه؛ لأنه، ﷺ إذ أباح الحديث عن بني إسرائيل، فليس معناه إباحة الكذب
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه البخاري ٤/ ١٨٠ - ١٨١ طبعة السلطان عبد الحميد، مع اختلاف يسير في اللفظ. والفرى جمع فرية وهي الكذبة، وأفرى أفعل منه للتفصيل، أي أكذب الكذب. ٢ رواه أحمد "المسند ٢/ ٥٠١". ٣ رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٢، ١٠٣ دون حرف "إن" في أوله وص ١٤٤. ٤ ومعناه عن أبي قتادة في المسند ٥/ ٢٩٧ ومسند الدارمي ١/ ٧٧. ٥ رواه أحمد ٣/ ١٢، ١٣ وسنده غير صحيح؛ لأن فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.
[ ١٣٣ ]
عليهم، وإنما معناه قبول ذلك عمن حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه، وليس معناه أيضًا إباحة الكذب عليهم، لأنه، ﷺ، قال: "من حدث بحديث وهو يراه كذبًا فهو أحد الكاذبين" ١، فالكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي، وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه؛ لأن الكذب إذا كان منهيًّا عنه على كل حال -فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢.
٢٢٩- وقد حذر غير واحد من الأئمة في القرن الثاني الهجري من الرواية عن غير العدول؛ من الكذابين، والفاسقين، والسفهاء، وأصحاب الأهواء.
ومن هذا ما يقول الإمام مالك بن أنس: "لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إن كان لا يعرف ما يحدث"٣ ويقول شعبة بن الحجاج: لم يكن شيء أحب إلي من أن أرى رجلًا يقدم من مكة، فأسأله عن أبي الزبير؛ حتى قدمت مكة فسمعت منه فبينما أنا عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن شيء، فافترى عليه، فقلت: تفتري على رجل مسلم؟!. قال: إنه غاظني قلت: يغيظك، فتفتري عليه؟! فآليت ألا أحدث عنه، فكان يقول: في صدري منه أربعمائة ولا والله لا أحدثكم عنه بشيء
_________________
(١) ١ رواه مسلم في صحيحه: ولفظه عنده: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١/ ٥١ بشرح النووي. ٢ الرسالة ص ٣٩٢ - ٤٠٠. ٣ ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة مذهب مالك: أبو الفضل عياض بن موسى ابن عياض اليحصبي السبتي "٥٥٤ هـ - ١١٤٤٩م" تحقيق د. أحمد بكير محمود -مكتبة الحياة ببيروت- لبنان ١/ ١٢٣ - المحدث الفاصل "المخطوطة بدار العلوم" ص٢٣- الكفاية ط مصر ص١٨٩.
[ ١٣٤ ]
أبدًا وقال يحيى بن سعيد القطان: سمعت النضر بن مطرف يقول: إن لم أحدثكم فأمي زانية. قال يحيى: تركت حديثه لهذا وقيل لزيد بن أسلم: عمن يا أبا أسامة، قال: ما كنا نجالس السفهاء١.
٢٣٠- وقال محمد بن الحسن: "إن الفاسق إذا أخبر بحل أو حرمة فالسامع عليه أن يحكم رأيه فيه، لأن ذلك أمر خاص لا يستقيم طلبه وتلقيه من جهة العدول دائمًا، فوجب التحري في خبره، فأما هنا في رواية الحديث، فلا ضرورة في المصير إلى روايته، وفي العدول كثرة، وبهم غنية، إذ يمكن الوقوف على معرفة الحديث بالسماع منهم فلا حاجة إلى الاعتماد على خبر الفاسق"٢.
ويرى محمد ﵀مع هذا- أنه في باب الاحتياط يستحب العمل بخبر الفاسق، وإن لم يكن خبره حجة؛ مثله في ذلك مثل خبر الكافر، وإن كان الاستحباب هنا أقوى٣.
الكذب والكذابون:
٢٣١- وإذا كانت العدالة تراعى في الراوي، حتى لا يكذب على رسول الله، ﷺفإن الأئمة قد وقفوا طويلًا عند الكذابين يحذرون من رواياتهم ويبينون صور كذبهم وتحريفهم لحديث رسول الله، ﷺ، يقول الإمام الشافعي، وذكر له حرام بن عثمان، فقال: "الحديث عن حرام بن عثمان حرام"، ويفسر ابن أبي حاتم قول الشافعي هذا -وهو الخبير بعلل الرواة-: "يعني أنه ليس بصدوق، فالتحديث عمن يكذب على رسول الله، ﷺ حرام"٤ وذكر للشافعي أبو بكر البياضي، فقال: "بيض الله عيني من يروي عنه"، ويقول: ابن أبي حاتم أيضًا: يريد بذلك تغليظًا على من يكذب على رسول الله،
_________________
(١) ١ الكفاية ط مصر: ص ١٨٧، ١٨٨. ٢ أصول البزدوي ٣/ ٧٤٠ - ٧٤١. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٤٤. ٤ آداب الشافعي ص٢١٧، ٢١٨.
[ ١٣٥ ]
صلى الله عليه وسلم١، ويقول الشافعي أيضًا: إذا حدثت بالحديث، فيكون عندنا كذبًا، فأنت أحد الكاذبين في المأثم"٢. ويبين أن آفة كذب الحديث، في الأغلب، إنما تأتي من الرواة الكذابين، فيقول: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث"٣.
٢٣٢- صور الكذب:
١- وهناك صور عديدة للكذب أشدها وأشنعها اختراع الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ، ولذلك قال الإمام أحمد وأبو بكر الحميدي والشافعي؛ رضوان الله عليهم: إن التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، ولكن التائب من الكذب متعمدًا على رسول الله ﷺ، لا تقبل روايته أبدًا، وإن حسنت توبته. ومما روي عن الشافعي في هذا: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب، وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر٤.
٢- وذكر عبد الله بن الزبير الحميدي "٢١٩ هـ"، أن من صور الكذب أن يحدث الرجل عن آخر أنه سمعه ولم يدركه؛ لأنه توفي مثلًا قبل أن يولد، أو قبل أن يكبر ويميز سماع الأحاديث، أو عن رجل أدركه، ثم لوحظ عليه أنه لم يسمع منه. يقول: "فإن قال قائل: فما الذي لا يقبل به حديث الرجل أبدًا؟ قلت: هو أن يحدث عن رجل أنه سمعه ولم يدركه، أو عن رجل أدركه، ثم وجد عليه أنه لم يسمع منه، أو بأمر يتبين عليه في ذلك كذب، فلا يجوز حديثه أبدًا، لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به"٥.
_________________
(١) ١ آداب الشافعي ص٢١٧، ٢١٨. ٢ مناقب الشافعي: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي "٣٨٤ - ٤٥٨هـ" تحقيق السيد أحمد صقر الطبعة الأولى ١٣٩١هـ - ١٩٧١م، دار التراث بالقاهرة ٢/ ٢٦. ٣ الرسالة ص٣٩٩. ٤ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٥٠ - ١٥١، تدريب الراوي ١/ ٣٢٩. ٥ الكفاية ط مصر: ص١٩١.
[ ١٣٦ ]
ومما يستدل به على كذب الراوي في هذه الحالة معرفة تاريخ المروي عنه ومولد الراوي والأمكنة التي ارتحل إليها والتي لم يرتحل إليها. وقد قام الأئمة بذلك خير قيام، وتنبهو لذلك غاية التنبه، ومن الأمثلة على ذلك في القرن الثاني الهجري ما قاله عقير بن معدان، يكشف عن أحد الكذابين من هذا النوع: قدم علينا عمر بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد، فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر قلت: من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا نعرفه، فقال: خالد بن معدان. قلت له: في أي سنة لقيته؟. قال: لقيته في غزاة أرمينية، وقلت له: اتق الله يا شيخ، لا تكذب، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين!. وأزيدك أخرى: أنه لم يغز أرمينية قط، كان يغزو الروم ويوضح الإمام سفيان الثوري هذا الاتجاه بقوله: "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"، ويقول حفص بن غياث: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين"١.
٣- ومن صور الكذب أن يكثر الراوي من الروايات التي تخالف الأئمة المعروفين بالصدق والضبط، قيل لشعبة بن الحجاج: من الذي يترك حديثه؟. قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأكثر ترك حديثه٢، ويقول الإمام أحمد عن موسى بن عبيدة الربذي: لا يشتغل به، وذلك أنه يروي عن عبد الله بن دينار شيئًا لا يرويه الناس، لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة٣.
وقد يكون كل ما خالف فيه الراوي هو شيء من الإسناد، أما المتن فهو واحد من حيث المعنى، وذلك حتى يأخذوا بالحيطة، فالذي يغير في السند ويخالف فيه الثقات يمكنه أن يغير في المتن، ومن هذا ما يقوله يحيى بن سعيد القطان: كلمني السري بن إسماعيل مرة، فسمعته يقول: حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت النبي ﷺ
_________________
(١) ١ الكفاية ط مصر ص١٩٣. ٢ المحدث الفاصل "المخطوطة" ص٢٣٧. معرفة علوم الحديث ص٦٣. ٣ الجرح والتعديل مجلد ٤ قسم ١ رقم ٦٨٦.
[ ١٣٧ ]
يقول: "الخمر من خمسة" فتركته، ويفسر ابن أبي حاتم السبب في تركه له، فيقول: "ترك السري؛ لم يحمل عنه لإنكاره ما حدث به عن الشعبي؛ لأن الثقات يروون عن أبي حيان التميمي عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قوله: "إن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي خمسة ١.
٤- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي عن شيخ، ثم يسأل هذا الشيخ، فيروي خلاف ما روى هذا الراوي عنه، قال شعبة لأبي داود الطيالسي: " إيت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب فسأل أبو داود: ما علامة كذبه؟. قال: روى عن الحكم أشياء لم نجد لها أصلًا قلت للحكم: صلى النبي، ﷺ، على قتلى أحد؟. لم يصل عليهم، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي، ﷺ، صلى عليهم ودفنهم.
وإذا كان الخلاف بين ما قاله الحكم، وما رواه الحسن بن عمارة عنه هو: هل صلى النبي، ﷺ، على شهداء أحد أو لا، فإن هناك رواية أخرى تبين أن الاختلاف في شيء آخر، وهو هل غسل النبي، ﷺ، شهداء أحد أو لا؟. تقول هذه الرواية: "هذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، وعن الحكم بن يحيى الجزار، عن علي أن النبي، ﷺ، صلى على قتلى أحد وغسلهم وأنا سألت الحكم عن ذلك، فقال: يصلى عليهم ولا يغسلون. قلت: عمن؟ قال: بلغني عن الحسن البصري.
ويقول الرامهرمزي: إن هذه الرواية هي الأصح، لأن راويها أحفظ من راوي الرواية الأولى وأضبط٢.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مح ٢ قسم ٢ رقم ١٢١٦. ٢ المحدث الفاصل: "المخطوطة" ص١٥٤ - ١٥٥، الجرح والتعديل مجلد ١ قسم ٢ رقم ١١٦.
[ ١٣٨ ]
والذي يهمنا هو ما تثبته هذه الرواية أو تلك، وهو أن الأئمة كانوا يستوثقون من صدق الراوي بسؤال من روى عنه، فإذا روى خلاف ما نقل عنه كان هذا علامة من علامات كذب هذا الراوي، وبالتالي ترك حديثه، كما أنهم بهذا يصونون روايات كل راو من أن يغير فيها، أو يزاد عليها.
وإذا لم يكن المروي عنه حيًّا فإنهم يلجئون إلى أصحابه القدامى الذين استوعبوا أحاديثه وحفظوها، فيسألونهم عما نسب إلى صاحبهم من أحاديث، يقول عبد الرحمن بن مهدي في أحد الرواة: أتيته أنا وبشر بن السري، فكلمناه في حديث مالك في التسليمة، فحدث عن مالك بإسناد عن النبي ﷺ في التسليمة وعن فلان وفلان. فكتبت إلى إبراهيم بن حبيب المديني، وكان من أصحاب مالك العتق، فجاءني كتابه: إني سألت مالكًا، فلم يكن عنده فيه حديث إلا عن يحيى بن سعيد بن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، وأنكر ذا كله١.
٥- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي بغير المعقول من الروايات فإن ذلك دليل على الوضع والكذب؛ لأن حديث الرسول صلى الله عليه
وسلم، منطقي ومعقول، وله ضوء كضوء النهار -كما يعبر بعض المحدثين- سئل الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فضعفه، وقال: إنه أتاه رجل فقال: أحدثك أبوك أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلت خلف المقام ركعتين؟. فقال: نعم ولا يقال: إن هذا حدث بهذا عن أبيه فتكون العهدة عليه؛ لأن أباه زيد بن أسلم ليس من الوضاعين والكذابين، ولكنه اخترع نسبة الحديث إلى أبيه، كما اخترع الحديث٢.
٦- ومن صور الكذب نسبة الأحاديث التي غير رواتها، مما يدلنا على مقدار تشدد الأئمة في صدق الراوي وعدالته، ويقدم لنا الإمام أحمد بن حنبل صورة من هذا -فيما يرويه عنه ابنه عبد الله الذي يقول: سمعت أبي وذكر حبيبًا الذي يقرأ لهم على مالك بن أنس، فقال: "ليس بثقة، قدم
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مج٤ قسم ١ رقم ١٥٤٨. ٢ آداب الشافعي ص٢٢٩.
[ ١٣٩ ]
علينا رجل -أحسبه قال: من خراسان، كتب عن حبيب كتابًا عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم والقاسم، وإذا هي أحاديث ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم وسالم فقال أبي: أحالها على ابن أخي ابن شهاب عن عمه، قال أبي: قال أبي: كان حبيب يحيل الحديث ويكذب، وأثنى عليه شرًّا وسوءًا".
وكانوا يسمون هذا النوع "قلبًا" يقول الإمام أحمد عن عباد بن جويرية: كذاب، أفاك، أتيته أنا وعلي -يعني ابن المديني وإبراهيم ابن عرعرة، فقلنا له: أخرج إلينا كتاب الأوزاعي، فإذا فيه مسائل أبي إسحاق الفزراي: سألت الأوزاعي، وإذا هو قد جعلها عن الزهري وقلبها، وقال: خصيف -هذا خصيف الكبير، فتركناه وكان كاذبًا٢".
ومن هذا نستنتج أن الأئمة كانوا يعرفون مرويات كل محدث وأصلها حتى إذا أتى كذاب وزور أحاديث ونسبها إليهم كشفوا أمره، ولا شك أن هذا كان مسلك الوضاعين عندما يريدون أن يروجوا أحاديثهم، فيخترعوا لها الأسانيد الجيدة، حتى يعتقد، تبعًا لهذا، أن المتن جيد أيضًا.
٧- ومنها أن يسمع التلميذ من الشيخ بعض الأحاديث، فيغير من ألفاظها عند إملائها، يقول الإمام أحمد عن إبراهيم بن بشار الرمادي: "كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا من سفيان؛ كأنه يغير الألفاظ، فتكون زيادة ليست في الحديث، فقلت له: ألا تتقي الله! تملي عليهم ما لم يسمعوا، وذمه في ذلك ذمًّا شديدًا"٣.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال: ١/ ٢٢٩، ٢٣٢. ٢ المصدر السابق ١- ٢٢٤ - الجرح والتعديل مج٣ ق١ رقم ٤٠٠ وانظر مثل هذا في مج٣ ق١/ ٥٨٩، وفي مج١ ق ١/ ٨٩١ كلام لابن معين في راو آخر يصنع الشيء نفسه. ٣ الجرح والتعديل مج١ ق١/ ٢٢٥.
[ ١٤٠ ]
ولعل هذا يعطينا مقدار عناية نقاد الحديث وحرصهم على أن ينقل حديث رسول الله ﷺ، نقلا جيدًا لا تحريف فيه ولا تبديل.
٨- ومنها أن يأخذ الراوي آراء أحد الأئمة المجتهدين -كأنه يريد أن تروج بين الناس- فينسبها إلى النبي ﷺ؛ فيقول الإمام أحمد في إسحاق بن نجيح الملطي: "من أكلب الناس، يحدث عن النبي صلى الله علي وسلم، برأي أبي حنيفة١. ومعنى هذا أن الإمام أحمد عندما لا يكتفي بأن يقول عن هذا الراوي إنه كذاب ويبين أصل كذبه يبين الدافع الذي دفعه إلى الكذب على رسول الله ﷺ، وهو الترويج لمذهب أبي حنيفة.
٩- ومنها أن يأخذ الراوي أحاديث الرواة، فينسبها لنفسه، ويسقط الرواة الذين حدثوه بها، يقول يحيى بن معين في مطرف بن مازن الكناني: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن، فقال لي: أعطني حديث ابن جريج ومعمر حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبها، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه وعن ابن جريج، وأراد هشام أن يؤكد قوله ليحيى بن معين، فقال له: انظر في حديثه، فهل مثل حديثي سواء. قال ابن معين: فأمرت رجلًا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن، فعارضت بها، فإذا هي مثلها سواء، فعلمت أنه كذاب٢.
١٠- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي عن الكاذبين، فيقع في حبالهم، وسمى هذا الإمام الشافعي "الكذب الخفي" كما سبق أن ذكرنا٣.
١١- ومن صور الكذب أن يحدث الرجل بالأحاديث المنكرة، التي أنكرها العلماء ووضحت نكارتها، ويحكم على هذا الرجل بأنه غير صدوق،
_________________
(١) ١ المصدر السابق مج١ ق١/ ٨٣٢. ٢ المصدر السابق مج٤ ق١/ ١٤٥٢. ٣ انظر ص١٣٤ من هذا البحث.
[ ١٤١ ]
قيل ليحيى بن معين: "ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث -إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها، فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء، فيرجع عنه فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا"١.
التدليس والمدلسون:
٢٣٣- والتدليس قد يكون نوعًا من أنواع الكذب وتنتفي به عدالة الراوي، وذلك إذا كان متعمدًا، ويخفي به الراوي ضعفًا في أحد الرواة ليروج به الأحاديث الضعيفة، ويتحقق ذلك بإسقاط الراوي الضعيف أو إخفاء اسمه المشهور به بكنية غير معروفة.
٢٣٤- فهناك نوعان من المدلسين:
١- عدل ربما أرسل حديثه بعبارة تحتمل السماع، وربما أسنده وربما حدث به على سبيل المذاكرة أو الفتيا أو المناظرة، فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لايضره، ولا يضر سائر مروياته؛ لأن هذا ليس جرحًا ولا غفلة، ولو طلب منه أن يسند لأسند، ولو كان في مجلس التحديث فإنه يسند أحاديثه، عن عبد الرزاق قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه ابن المبارك أسندها له".
٢٣٥- وقد فعل هذا النوع كثير من أئمة الحديث: كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة السدوسي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وقد أدخل الدراقطني فيهم مالك. ويقول ابن عبد البر: إنه لم يكن يسلم من
_________________
(١) ١ الكفاية ط مصر: ص١٩٢.
[ ١٤٢ ]
التدليس على هذا النحو أحد من العلماء إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان١.
٢٣٦- والحق أن هذا نوع من التدليس في بادئ الأمر، ولكن هؤلاء الحفاظ عند ما يسندون ما أرسلوه، خرجوا من دائرة التدليس إلى دائرة الإرسال، ومن دائرة الإبهام إلى دائرة التوضيح.
٢٣٧- ومثال ذلك ما يرويه علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: "قال الزهري كذا"، فقيل له: أسمعت منه هذا!؟ قال: "حدثني عبد الرزاق عن معمر عنه" كما روي بالعنعنة عن عمرو بن دينار، ثم تبين حين سئل: أن بينهما علي بن المديني، عن أبي عاصم عن ابن جريح وكذا قيل في حميد الطويل؛ إنه لم يسمع من أنس، وجل حديثه إنما هو عن ثابت عنه، ولكنه يدلسه ومن أمثلته أيضًا ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه هو محمد ابن الحنفية عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية، فقد قالوا: إن يحيى لم يسمعه من الزهري، وإنما سمعه من غيره، إنما أخذه عن مالك عنه، ولكن هشيمًا قد سوى الإسناد، كما جزم به ابن عبد البر وغيره٢.
٢٣٨- وتدليس هؤلاء مقبول إذا صرحوا بالتحديث، وأثبتوا ما أبهموه من الوسائط. وعند الحنفية يقبل ما دلسوه حتى ولو لم يصرحوا أو يثبتوا، وهذا خاص بأهل القرون الثلاثة؛ لأنهم يقبلون مراسيلهم كما سنرى -إن شاء الله تعالى، وذلك لأن أهل هذه القرون، الصحابة والتابعين وتابعيهم لا يفعلون ذلك خداعًا أو تغريرًا، وما كانوا ليجزموا بنسبة قول أو فعل إلى النبي ﷺ، إلا وهم عالمون أو ظانون أن النبي، صلى الله
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم ١/ ١٢٥، ١٢٦- فتح المغيث، شرح ألفية الحديث: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "٩٠٢هـ" المكتبة السلفية بالمدينة المنورة الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م ١٠/ ١٧١. ٢ فتح المغيث ١/ ١٧٣ - ١٧٥ و١٨٣.
[ ١٤٣ ]
عليه وسلم، قال ذلك أو فعله، وذلك يستلزم تعديل من لم يسموه من الوسائط١.
٢٣٩- وقد قام الأئمة بجهد محمود في رواية أحاديث هؤلاء موصولة، وبيان أنها مسندة وإن دلسوها وأرسلوها، وممن قام بذلك شعبة بن الحجاج، الذي فعل ذلك في أحاديث أئمة كبار مثل الأعمش والسبيعي وقتادة٢.
٢- ونوع آخر من المدلسين، وهم الكذابون، غير العدول، هؤلاء الذين يسقطون من لا خير فيهم من أسانيدهم عمدًا حتى لا يكون في السند إلا الأقوياء، وهم يفعلون ذلك تلبيسًا على من يحدثون. وتغريرًا بمن يأخذون عنهم وسترًا لأسانيدهم وأحاديثهم الضعيفة.
٢٤٠- وقد حدد الإمام الشافعي، ﵁ بدء هذا النوع بالقرن الثاني الهجري، وعلى عهده، حيث لم يعرف قبل ذلك، يقول: "ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثًا فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له، وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: عن فلان وقوله: "حدثني فلان عن فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق، قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان"٣. فالعنعنة هنا في نظر الإمام الشافعي تساوي السماع، ولا تدل إلا عليه.
٢٤١- وهذا النوع من المدلسين ساقط العدالة غاش لأهل الإسلام باستجازته ذلك، وحذر منه الأئمة، ورفضوا روايات أصحابه ورفضوهم أيضًا. وكان أشدهم إنكارًا له في القرن الثاني الهجري شعبة بن الحجاج، فقد روي
_________________
(١) ١ قفو الأثر في صفو علوم الأثر، في المصطلح على مذهب السادة الحنفية: محمد بن إبراهيم الربعي الحلبي الحنفي التاذفي. الطبعة الأولى ١٣٢٦هـ. مطبعة السعادة بمصر ص١٦. ٢ معرفة السنن والآثار ١/ ٦٥. ٣ الرسالة ص: ٣٧٨، ٣٧٩.
[ ١٤٤ ]
عنه قوله: "التدليس أخو الكذب"، وقوله: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ولأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس"١ وكان الشافعي يتوقف فيمن عرف بالتدليس على هذا النحو، ولو مرة واحدة، فلا يعتبر صاحبه في دائرة أهل الصدق، يقول: "ومن عرفناه دلس مرة واحدة فقد أبان لنا عورته في روايته،
وليست تلك العورة بالكذب، فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه "حدثني"٢.
وذمه أيضًا أبو الوليد الطيالسي، الذي قال عبارة شبيهة بما قال شعبة، قال: "لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان، ولم أسمع ذلك الحديث منه". وابن المبارك الذي قال: إن الله لا يقبل التدليس، وسليمان بن داود المنقري "٢٣٤هـ" الذي قال: والتدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفار واحد "أي طريق واحد".
وحماد بن زيد الذي قال: "هو متشبع بما لم يعط"، ونحوه قول أبي عاصم: "أقل حالاته عندي أنه داخل في حديث المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"، وقال وكيع بن الجراح منكرًا التدليس: "الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث!. وقال يعقوب بن أبي شيبة: وكرهه جماعة من المحدثين، وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة "٢٠١هـ"٣.
٢٤٢- وإنما أنكروا هذا الإنكار الشديد على التدليس والمدلسين؛ لأنه باب لو فتح لأدخل منه الكذابون الأحاديث الموضوعة، ونسبوها إلى المحدثين العدول بعبارات توهم سماعهم لها منهم، كما أنه -كما قلنا- يلبس الأحاديث الضعيفة ثوب الأحاديث الصحيحة حينما يسقط المدلس من أسانيده الضعفاء فتبدو صحيحة الإسناد وليست كذلك. وفي هذا من الخطورة ما فيه؛ إذ يختلط الحابل بالنابل، ولا يدري الصحيح من غير الصحيح.. ومن خطوروته أيضًا أنه يظلم الثقات من الرواة ويضعفهم؛ إذ يسند المدلس إليهم أنهم
_________________
(١) ١ فتح المغيث ١/ ١٧٧. ٢ الرسالة ص٣٧٩ - ٣٨٠. ٣ فتح المغيث ١/ ١٧٨.
[ ١٤٥ ]
يروون عن الثقات الأحاديث الضعيفة، وممن نبه إلى ذلك صنيع الوليد بن مسلم "١٩٤هـ"، فقد كان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء، ولا يذكر من إسناده إلا الثقات، فسئل عن ذلك؟ فأجاب بأن الأوزاعي أسمى من أن يروي عن مثل هؤلاء ولذلك أسقط الضعفاء، فقيل له: فإذا روي عن هؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديث مناكير، أسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي١.
أصحاب الأهواء:
٢٤٣- وكما وقف النقاد طويلًا أمام الكذابين يكشفون أمرهم ويبينون صورهم وأساليهم، وقفوا طويلًا أيضًا أمام أصحاب المذاهب التي خرجت على السنة والجماعة، من خوارج وشيعة ورافضة وقدرية وجبرية ومرجئة.
٢٤٤- وقد أطلق أهل السنة والجماعة على هذه الفرق اسم "أهل الأهواء"؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، أو أهل البدع؛ لأنهم أحدثوا في الدين بعض الأمور التي لم تكن في عهده، ﷺ، أو التي لم تؤثر عنه وعن أصحابه، رضوان الله عليهم أجمعين ٢.
٢٤٥- وقد سبق أن ذكرنا أن فرقًا من هؤلاء اعتبرهم النقاد من الكفار وإن كان كفرهم بالتأويل فعاملوهم معاملة الكفار المعاندين٣.
٢٤٦- أما الفرق الأخرى التي لم تخرج عن المبادئ الإسلامية الأساسية، كالخوارج والشيعة المعتدلين الذين لم يصلوا في تشيعهم إلى درجة تقديس علي كرم الله وجهه، وسب غيره من الصحابة الأبرار كأبي بكر وعمر وعائشة -رضوان الله عليهم- أما هؤلاء فقد اختلف نقاد الحديث في صحة السماع منهم وصحة رواياتهم.
_________________
(١) ١ علوم الحديث ومصطلحه د. صبحي الصالح. الطبعة الخامسة. دار العلم للملايين بيروت ص١٧٣. ٢ نشأة علوم الحديث ص٤٢ وانظر تعريفًا لهذه الفرق جميعًا في كتاب التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي، وسنرى من خلال كلام أئمة الحديث شيئًا من معتقداتهم وأقوالهم. ٣ انظر ص: ١٢٥، ١٢٦ من هذا البحث.
[ ١٤٦ ]
٢٤٧- ولا يهمنا هنا أن نقوِّم عقائد هذه الفرق وتطورها، وهل بعضها زاغ فعلًا أو عنده نوع من الفهم المعقول، وإن كان مخالفًا لما عليه الجماعة وإنما الذي يهمنا هو نظرة أئمة الحديث والفقه من أهل السنة إلى هؤلاء، وأثر هذه النظرة في قبولهم لرواياتهم أو رفضهم لها.
فذهب فريق منهم إلى عدم قبول رواياتهم؛ لأنهم من الفسقة غير العدول فالخارج على الجماعة في العقيدة، مثل هؤلاء؛ كالخارج عليها في ارتكاب ما حرم الله. وهو ينظر إلى أهل السنة نظرة عداء تجعله يبيح الكذب من أجل نصرة ما ذهب إليه، وتسفيه رأي الجماعة. وقد رأى النقاد أن هذا قد حدث فعلًا، فقد سمع ابن لهيعة المحدث المصري رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته، يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلناه حديث".
وفي رواية: أنه سمع شيخًا من الخوارج وهو يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا١. ورأى شعبة بن الحجاج صحيفة من صحف هؤلاء الذين وضعوها لنصرة مذهبهم فرفضها، يقول مبينًا هذا: "كنت أتلقى الركبان أسأل عن أبي هارون العبدي، فقدم، فرأيت عنده كتابًا فيه أشياء منكرة في علي ﵁، فقلت: ما هذا الكتاب؟. قال: هذا كتاب حق٢. وفي رواية: أتيت أبا هارون، فقلت له: أخرج إلي ما سمعت من أبي سعيد، فأخرج إلي كتابًا، فإذا فيه: "حدثنا أبو سعيد أن عثمان أدخل حفرته، وإنه لكافر بالله" فدفعت الكتاب في يده وقمت، وقال ابن معين: "كانت عند أبي هارون صحيفة، يقول: هذه صحيفة الوصى"٣.
٢٤٨- ويبين زائدة بن قدامة الثقفي "١٦١هـ" السبب في عدم قبول رواية أصحاب المذاهب المخالفة لرأي أهل السنة والجماعة، وعدم تحديثهم بأنه يخاف أن يكون العلم عندهم، فيصيروا أئمة يحتاج إليهم، فيبدلوا كيف
_________________
(١) ١ الكفاية: الطبعة المصرية: ص١٩٨ - المحدث الفاصل "المخطوطة" ٢٤٢. ٢ تقدمة المعرفة: ص ١٤٩. ٣ ميزان الاعتدال؛ ٣/ ١٧٤.
[ ١٤٧ ]
شاءوا. وربما كان هذا هو السبب في عدم كتابة سفيان الثوري عن مرجئ مباشرة، وإنما كتب عن رجل عنه، وعلل ذلك بأنه مرجئ١.
٢٤٩- وجاءت روايات كثيرة في القرن الثاني يرفض فيها بعض الأئمة الذين يقولون بهذا الرأي رواة لأنهم على مذهب من هذه المذاهب، ومن أهل الأهواء والبدع كما يعبرون، فقد قيل لسفيان بن عيينة: لم أقللت الرواية عن سعيد بن أبي عروبة؟. قال: وكيف لا أقل الرواية عنه، وسمعته يقول: هو رأيي ورأي الحسن -يعني ابن دينار٢- وكان الحسن ابن دينار يرى رأي القدرية، كما يقول ابن المبارك٣. وكان يقول لأصحابه وتلاميذه: "ألا فاحذروا ابن أبي رواد المرجئ لا تجالسوه، واحذروا إبراهيم بن أبي يحيى القدري لا تجالسوه"٤. وروى عن مالك بن أنس قوله: "لا يصلى خلف القدرية ولا يحمل عنهم الحديث"، وترك أبو بكر بن عياش "١٨٧هـ"، الرواية عن فطر بن خليفة لمذهبه، وكان فطر شيعيًّا، وقال أبو بكر: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه٥. وقال الحميدي: كان بشر بن السري جهميًّا.
٢٥٠- وكان هذا الرأي امتدادًا لما كان موجودًا قبل ذلك ويعبر عنه ابن سيرين حينما تكلم عن السبب في التمسك بالإسناد، يقول: "كان في زمن الأول، الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، ليحدث حديث أهل السنة ويترك حديث أهل البدعة" وفي رواية: "كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى كان بآخرة، فكانوا يسألون عن الإسناد لينظروا من كان صاحب سنة كتبوا عنه، ومن لم يكن صاحب سنة لم يكتبوا عنه"٦.
_________________
(١) ١ تقدمة المعرفة ص٨٠ - ٨١ - المحدث الفاصل "المخطوطة" ص٣٨٦. ٢ الكفاية هـ ص١٢٣ - ١٢٤. ٣ ميزان الاعتدال ١/ ٤٨٩. ٤ معرفة علوم الحديث ص١٣٦. ٥ ميزان الاعتدال ٣/ ٣٦٤. ٦ الكفاية "الطبعة المصرية" ص١٩٧.
[ ١٤٨ ]
٢٥١- وذهب فريق آخر -على رأسه الإمام الشافعي- إلى قبول رواية أصحاب هذه المذاهب إلا الذين يستحلون منهم الكذب، والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة؛ يقول الإمام الشافعي: "وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم"١. ويقول: "لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة"، وهذا هو مذهب أبي يوسف الذي يقول: "أجيز شهادة أهل الأهواء؛ أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون: "إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون". كما يحكى أن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري يذهبان إلى هذا الرأي. ويحكي إبراهيم النخعي كيف يستحل هؤلاء الشهادة على ما لا يشهدونه فيقول: إذا كان لك على رجل ألف درهم، ثم جئت إلي، فقلت: إن لي على فلان ألف درهم، وأنا لا أعرف فلانًا، فأقول لك: وحق الإمام: إنه هكذا، فإذا حلفت ذهبت فشهدت لك، هؤلاء الخطابية.
٣٥٢- وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى هذا الرأي تقريبًا، إذ أنه يجيز رواية أصحاب المذاهب إلا الشيعة الذين غلوا، فحكموا على أصحاب رسول الله ﷺ، بالضلال؛ فقد سأله سائل: ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟. فقال من كل عدل في هواه إلا الشيعة؛ فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ، ومن أتى السلطان طائعًا"٢.
٢٥٣- وقد رأى أصحاب هذا الرأي أن أصحاب المذاهب ليسوا كالفاسقين الذين يتوقف في رواياتهم، كما يقول أصحاب الرأي الأول فالفاسق المتعمد أوقع الفسق مجانة، ويعلم أنه بارتكاب المحرمات يخالف
_________________
(١) ١ الكفاية "الطبعة المصرية" ص١٩٤، ١٩٥: وقال أبو الحسين الملطي عن الخطابية: هم يزعمون أن أبا بكر وعمر ﵄ الجبت والطاغوت، وكذلك الخمر والميسر عليهم لعنة الله، وقد فسروا في كتاب الله أشياء كثيرة ما يشبه هذا. "التنبيه والرد ص١٦٢" وهم أتباع أبي الخطاب الأسدي يقولون: إن الإمامة كانت في أولاد علي، وكانوا يبيحون شهادة الزور لموافقيهم "نشأة علوم الحديث ومصادره ص٤٤". ٢ الكفاية ص٢٠٢- ٢٠٣. "م".
[ ١٤٩ ]
أمر الله تعالى ويعصيه، وأنه بهذا يذهب عنه خلق التقوى، فلا يستبعد أن يكذب على رسول الله ﷺ، أما هؤلاء فقد اعتقدوا ما اعتقدوه ديانة. وأن ما هم عليه هو العقيدة الصحيحة فلم تنتف عنهم الخشية والخوف من الله وتقواه التي تعصم المرء من الوقوع في الكذب١.
٢٥٤- والحقيقة أن عقيدة بعضهم تحمله على الاحتراز عن الكذب أشد الاحتراز لا على الإقدام عليه، مثل الاعتقاد بكفر من ارتكب الذنب أو الخروج من الإيمان به، "فكان هذا الفسق نظير تناول متروك التسمية عمدًا، أو شرب المثلث على اعتقاد الإباحة، فلا يصير به مردود الشهادة"٢ ومن احترز عن الكذب على غير الرسول كان أشد تحرزًا من الكذب عليه؛ لأنه أعظم جناية، فتقبل روايته، كما تقبل شهادته. وهذا ما شوهد على كثير منهم من تحري الصدق في روايتهم، مما جعل كثيرًا من الصحابة والتابعين يأخذون برواياتهم.
٢٥٥- ويبين الخطيب البغدادي حجة من يجوز الرواية عن أصحاب المذاهب وقبولها بقوله: "والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم "ما" اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم، ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك؛ لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم، ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم، فاحتجوا برواية عمران بن حطان، وهو من الخوارج وعمرو بن دينار، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع، وكان عكرمة إباضيًّا، وابن أبي نجيح كان معتزليًّا، وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عباد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن
_________________
(١) ١ الكفاية ص٢٠٠ "م". ٢ كشف الأسرار ٢/ ٧٤٦.
[ ١٥٠ ]
همام، وكانوا يذهبون إلى التشيع في خلق يتسع ذكرهم -دون أهل العلم رواياتهم، واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم"١.
٢٥٦- ويبدو أن الأحاديث التي نقلها أصحاب المذاهب هؤلاء كانت كثرة، وبتركهم من أجل مذاهبهم ترك كل هذه الكثرة من الأحاديث وهذا هو ما عبر عنه علي بن المديني بقوله: "لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي -يعني التشيع- خربت الكتب يعني لذهب الحديث".
وقيل ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كل من كان رأسًا في البدعة، فضحك يحيى بن سعيد، وقال: كيف يصنع بقتادة "وقد رمي بالقدر"؟. كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني "وكان رأسًا في الإرجاء"؟!. كيف يصنع بابن أبي رواد وعد يحيى قومًا ثم قال: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرًا٢.
٢٥٧- وذهب فريق ثالث إلى رأي وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو عدم قبول رواية الدعاة منهم إلى مذاهبهم، وقبول رواية غيرهم، وذلك لأن الدعاة هم الذين يخشى منهم الكذب في الرواية لتوافق ما يدعون إليه. ولأن الدعوة إلى المذهب تحمل في حقيقتها تعصبًا له وبغضًا لما يخالفه من المذاهب، وقد تجر هذه العصبية وذلك البغض إلى التحريف في الأحاديث بما يوافق مذاهبهم.
أما غير الدعاة فليست عندهم تلك العصبية التي تدفعهم إلى الكذب أو التحريف في الرواية، يقول الخطيب البغدادي: "إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفًا من أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها"٣، ويقول صاحب كشف الأسرار فيه: "إن هذا هو مذهب عامة أهل الفقه والحديث٤.
٢٥٨- وممن يذهب إلى هذا الرأي الإمام أحمد بن حنبل، فقد قيل له:
_________________
(١) ١ الكفاية "الطبعة المصرية" ص٢٠١. ٢ المصدر السابق ص٢٠٦. ٣ الكفاية ص ٢٠٥. ٤ ٣/ ٢٤٦.
[ ١٥١ ]
"أيكتب عن المرجئ والقدري؟. قال: نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعيًا"، وقيل له مرة أخرى: يكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعيًا: وقيل له: يا أبا عبد الله، سمعت عن أبي قطن القدري؟. قال: لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه. وممن يذهب إلى ذلك أيضًا عبد الله ابن المبارك، فقد قيل له: سمعت من عمرو بن عبيد، فقال بيده هكذا، أي: كثرة، فقيل له: لِمَ لا تسمه، وأنت تسمي غيره من القدرية؟ قال: لأن هذا كان رأسًا. وقيل له مرة أخرى: تركت عمرو بن عبيد، وتحدث عن هشام الدستوائي، وسعيد، وفلان، وهم كانوا في عداده؟ قال: إن عمرًا كان يدعو. ويذهب إلى هذا أيضًا يحيى بن معين الذي قال: "ما كتبت عن عباد بن صهيب، وقد سمع عباد من أبي بكر بن نافع، وأبو بكر بن نافع قديم، يروي عنه مالك بن أنس"، فقيل له: هكذا تقول في كل داعية لا يكتب حديثه؛ إن كان قدريًّا أو رافضيًّا أو كان غير ذلك من أهل الأهواء ممن هو داعية؟ قال: لا نكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذلك، ولا يدعو إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه. وقال عبد الرحمن بن مهدي مبينًا هذا الاتجاه: من رأى رأيًّا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا ودعا إليه فقد استحق الترك١ وقد سبق قول الإمام مالك في في أن صاحب الهوى الذي يدعو الناس إلى هواه يترك حديثه٢، كما أنه يترك الأحاديث التي يحتج بها أهل البدع زيادة في الحيطة والحذر٣.
٢٥٩- هذا وقد عد قوم أهل الحديث مدرسة الرأي بالعراق مبتدعة، فلم يأخذوا برواياتهم، يقول معاذ بن معاذ: كنت عند سوار بن عبد الله، فجاء الغلام، فقال: زفر بالباب، فقال: زفر الرائي؟ لا تأذن له، فإنه مبتدع، وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟. فقال: أو مسلم هو٤؟!.
_________________
(١) ١ الكفاية هـ: ص١٢٦، ١٢٨. ٢ انظر ص١٣٤ من هذا البحث. ٣ ترتيب المدارك ١/ ١٥٠. ٤ معرفة علوم الحديث ص ١٣٧/ ١٣٩
[ ١٥٢ ]
والحق أن مدرسة الرأي -على الرغم من هذا الظلم الذي وقع عليها لم تقابل -فيما أعلم- هذا العدوان بالمثل، وكانت في أصحابها سماحة نأت بهم عن أن يضربوا على الوتر الذي ضرب عليه خصومهم.
٢٦٠- وأخيرًا فقد رأى أبو حنيفة ﵀ ألا يؤخذ الحديث ممن يغشى مجلس السلطان مختارًا، ويرى في هذا مثلما لعدالته. وربما كانت ظروف عصر أبي حنيفة هي التي جعلته يتخذ هذا الموقف، فالخلافة وعمالها في هذه الأثناء، لا تتمسك تمسكًا دقيقًا بتكاليف الشرع، وكان اتصال المحدث -مناط القدوة- بهم -في رأيه- دليلًا في نظر العامة على أنه راض بسلوكهم ولا يرجعون عما هم سائرون فيه، يقول الإمام في جوابه لمن سأله: عمن يأخذ الآثار -يقول: من كل عدل في هواه إلا الشيعة ومن أتى السلطان طائعًا أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم، أو يأمرونهم بما لا ينبغي ولكن وطأوا لهم، حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين"١.
المجهول وحكم روايته:
٢٦١- وإذا كنا قد عرفنا العدول من الرواة وحكم رواياتهم، وحكم روايات غير العدول، من الفاسقين والسفهاء والكذابين وأصحاب المذاهب الخارجة على مذهب أهل السنة والجماعة إذا كنا قد عرفنا ذلك فما حكم مجهول العدالة؟.
المجهولون على أنواع:
٢٦٢- ١- فمنهم مجهولو العدالة ظاهرًا وباطنًا.
٢- ومنهم مجهولو العدالة باطنًا فقط وهم المستورون وهذا النوع في الحقيقة ليس مجهولًا إلا على رأي الجمهور الذي يشترط في العدالة أن
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ص ١٢٦.
[ ١٥٣ ]
تتحقق في الظاهر والباطن أما على رأي أبي حنيفة وأهل العراق فيعتبرون الراوي -من هذا النوع- من العدول؛ لأن العدالة عندهم هي ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا.١
٣- ونوع الثالث: وهو مجهول العين، وهو كل من لا يعرفه العلماء٢.
١- مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا:
٢٦٣- أما هذا النوع فلا تقبل روايته عند الجمهور من العلماء؛ لأنه بجهالته هذه لا يعرف إن كان عدلًا أو غير عدل، فلا يترجح جانب الصدق في خبره، وهو ما اشترطت العدالة من أجله.
٢٦٤- وعلى رأس من ذهب إلى ذلك في القرن الثاني الهجري الإمام الشافعي رضي الله عنه٣، يقول: فإن جهل منهم واحد وقف عن روايته حتى يعرف بما وصفت "من العدالة"، فيقتل خبره أو بخلافه فيرد خبره، كما يقف الحاكم عمن شهد عنده حتى يتبين عدله فيقبل شهادته، أو جرحه فيرد شهادته٤.
٢٦٥- ولهذا قال في حديث عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن تميم الداري أن رجلًا أسلم على يدي رجل، فقال له النبي ﷺ: "أنت أحق الناس بحياته وموته" - قال: إنه لا يثبت، لأن ابن موهب مجهول٥.
٢٦٦- وقد ذهب بعض الناس إلى أن من باع سلعة من السلع إلى أجل
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي ٢/ ٧٠ وفي ص ٧١ و٧٢ مناقشة لهذا الرأي. ٢ قواعد في علوم الحديث ظفر أحمد العثماني التهانوي. تحقيق عبد الفتاح أبو غدة -مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب. بيروت. الطبعة الثالثة ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م ص ٢٠٤. ٣ كشف الأسرار ٢/ ٧٢٠. ٣ مناقب الشافعي ٢/ ٢٧. ٤ المصدر السابق ٢/ ١٣.
[ ١٥٤ ]
من الآجال، وقبضها المشتري لا يجوز له أن يشتريها بأقل من الثمن، واحتج بحديث أبي إسحاق عن امرأته عالية بنت أنفع دخلت مع امرأة أبي السفر على عائشة، فذكرت لعائشة أن زيد بن أرقم باع شيئًا إلى العطاء، ثم اشتراه بأقل مما باعه، فقالت عائشة: أخبري زيد بن أرقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلا أن يتوب١.
٢٦٧- ولم يأخذ الشافعي بهذا الحديث؛ لأنه لا يقبل الحديث عن مجهول، ولهذا فقد رد على هؤلاء بأن امرأة أبي إسحاق هذه مجهولة، لا نعرف عنها شيئًا غير أن زوجها روى عنها، ولهذا رأى أن من باع سلعة من السلع إلى أجل من الآجال، وقبضها المشتري، فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراه بأقل من الثمن، أو أكثر، أو دين، أو نقد؛ لأنها بيعة غير البيعة الأولى٢.
٢٦٨- وقال بعض الناس: تقبل روايته، وهو يبني رأيه على أساس أنه يكفي في الراوي أن يكون مسلمًا، ويحتج بقوله ﷺ: "المسلمون عدول بعضهم على بعض"، فهذا من الشرع تعديل لكل مسلم وتعديل صاحب الشرع أولى من تعديل المزكي"٣.
٢٦٩- ويرى الحنفية أن خبر المجهول في القرون الثلاثة الأولى حجة؛ لأنه عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، قال رسول الله ﷺ: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٤. هذا ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، وخبر من بعد القرون الثلاثة عندهم غير حجة؛ لغلبة الفسق٥.
٢٧٠- والحق أن هذا يكاد يكون نفس الرأي الذي لا يشترط إلا
_________________
(١) ١ الإجابة ص١٣٧ - ١٣٩ وفيه كلام مفيد آخر حول هذا الحديث. ٢ مناقب الشافعي ٢/ ١٤، ١٥. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٤٠. ٤ قواعد في علوم الحديث ص٢٠٨ - ٢٠٩. وقد روى الحديث الشيخان: البخاري في كتاب الشهادات ومسلم في فضائل الصحابة، وانظر مجمع الزوائد ١٠/ ١٨، ٢١. ٥ المصدر السابق نفسه.
[ ١٥٥ ]
الإسلام فقط؛ لأن القرون الثلاثة الأولى هي التي كان عليها مدار نقل الحديث، وروايتها هي التي كانت لها الآثار في الفقه واستنباط الأحكام، وتدوين المصنفات كان في القرن الثاني الهجري، فلم يكن هناك -في واقع الأمر- حاجة إلى غير أهل هذه القرون، حتى نقول: إنه مجهول فنرفض روايته أو عدل فنقبلها.
المستور:
٢٧١- أما النوع الثاني، وهو المستور المعروف العدالة ظاهرًا فقط، فمذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أنه غير مقبول الرواية؛ إذ لا بد من خبرة باطنة بحاله، ليترجح جانب الصدق في خبره؛ ولأنه إذا كانت العدالة مشروطة في الراوي فلا يكتفى بوجودها ظاهرًا، بل لا بد أن يكون الراوي معروفًا بها ظاهرًا وباطنًا، وهذا هو رأي محمد بن الحسن أيضًا، فقد ذكر في كتاب الاستحسان أن خبره مثل خبر الفاسق.
٢٧٢- وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه بمنزلة في رواية الأخبار؛ لثبوت العدالة له ظاهرًا، بل هو على رأي أبي حنيفة هو عدل بظهور الإسلام والسلامة من الفسق١ كما سبق أن عرفنا.
٢٧٣- وعلى كل حال فالأحناف متفقون على أن رواية أهل القرون الثلاثة الأولى مقبولة إذا كان فيها مجهول الظاهر والباطن، فكذلك تكون من المستور من باب أولى؛ لأنه يزيد بظهور العدالة عليه٢. وإذا كنا قد رأينا ذلك الخوف بين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فعلى ما بعد هذه القرون٣.
مجهول العين:
٢٧٤- أما النوع الثالث فقد اختلف العلماء في تحديده، وفي حكم روايته
_________________
(١) ١، ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٤٠ -مسلم الثبوت ٢/ ١٠٨- وانظر مناقشة أبي حنيفة في رأيه في حاشية الأزميري على شرح مختصر ملا خسرو المسمى مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول -طبعة بولاق ١٢٦٢هـ الطبعة الثانية ٢/ ٢١٠. ٣ قفو الأثر ص ١٥.
[ ١٥٦ ]
فمدار جهالة العين ومعرفتها عند المحدثين على الرواة عنه، فمن روى عنه واحد فقط هو مجهول العين عندهم، ومن روى عنه عدلان صار معروفًا وارتفعت جهالة عينه١.
٢٧٥- والذي يقرأ في "كتاب العلل"، لعلي بن المديني "١٨٧هـ" يجده قد اهتم بإيراد الأمثلة الكثيرة لهذا النوع، وتجتزئ بعض هذه الأمثلة:
١- يقول: حديث عمار عن النبي ﷺ: "أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث"، رواه ابن أبي حبيب عن شيخ لا أعلم روى عنه أحد غيره عن أبي عبيد.
٢- وحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ، أنه قال: "تصدقن يا معشر النساء " رواه منصور والحكم والأعمش عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن وائل بن مهانة، ولا نعلم أحدًا روى عن وائل بن مهانة إلا ذر.
٣- وحديث سعد عن النبي ﷺ: "من يرد هوان قريش يهنه الله" هذا حديث مدني، في إسناده رجلان، لا أعلم روى عنهما شيء من العلم، حدثناه يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن محمد بن أبي سفيان عن محمد بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يهن قريشًا يهنه الله"، فترك يعقوب بن إبراهيم أحد الرجلين اللذين وصفنا أنه لا يروي عنهما، سمى محمد بن سفيان وترك الآخر.
وعن محمد بن سعد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ، قال: "من يرد هوان قريش يهنه الله" فسمى أبو أيوب الهاشمي "أحد الرواة في هذا الطريق" الرجل الذي لم يسمه يعقوب بن إبراهيم وهو يوسف أبو الحجاج بن يوسف.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ١/ ٣١٦.
[ ١٥٧ ]
٤- وإذا كان المثال السابق من حديث المدنيين، فإن المثال التالي من حديث الكوفيين، وهو حديث ابن مسعود "أن النبي، ﷺ كان يكره عشر خلال".
يقول ابن المديني: "هذا حديث كوفي وفي بعض إسناده من لا يعرف في هذا الطريق. ورواه الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود، ولا أعلم روى عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيئًا إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله"١.
٢٧٦- ولم يجمعوا على رد رواية مجهول العين بهذا التحديد، قال بعضهم: لا تقبل مطلقًا، وقال بعضهم:تقبل مطلقًا، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام. وقال بعضهم: إن تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل؛ كابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان -قبلت روايته لأن هذا دليل على عدالته وقال بعضهم: إن زكاه واحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبلت روايته وقال آخرون: إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد أو النجدة قبلت روايته ٢.
٢٧٧- وأما مجهول العين عند الحنفية فهو من لم يعرف إلا بحديث أو حديثين، وجهلت عدالته، سواء انفرد بالرواية عنه واحد، أو روى عنه اثنان فصاعدًا، وهذا المجهول إن كان صحابيًّا فلا تضر جهالته عندهم وعند غيرهم؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- كلهم عدول عند الجمهور من العلماء، وإن كان غير صحابي؛ فإما أن يظهر حديثه في القرن الثاني أو لا، فإن لم يظهر جاز العمل به في القرن الثالث لا بعده، وإن ظهر؛ فإن شهد له السلف بصحة الحديث أو سكتوا عن الطعن فيه قبلت روايته، وإن ردوه ردت روايته، وإن قبله البعض ورده البعض الآخر، مع نقل الثقات عنه؛ فإن وافق حديثه قياسًا ما قبل وإلا رد٣.
_________________
(١) ١ العلل، لابن المديني ص١٠٤ و١٠٥، ١٠٦، ١٠٧. ٢ تدريب الراوي ١/ ٣١٦. ٣ قفو الأثر ص٢٠.
[ ١٥٨ ]
٢٧٨- ويبين ظفر أحمد التهانوي: أن الذي ظهر له من كلام فقهاء الحنفية هو أن المراد من قبول رواية المستور ومجهول العين من غير الصحابة هو جواز العمل برواياتهم دون الوجوب، أي: أنهم يعملون بها من باب الاحتياط١.
٢٧٩- وهو بهذا قد ضيق شقة الخلاف -من وجهة نظره- بين الحنفية ومخالفيهم الذين يتوفون في روايات مجهولي العين والمستورين حتى يتبين أمرهم.
_________________
(١) ١ قواعد في علوم الحديث ص٢٠٩.
[ ١٥٩ ]
٤- الضبط:
٢٨٠- وهو تيقظ الراوي في أخذ الحديث، وتعاهده بعد ذلك حتى يؤديه أداء سليمًا كما أخذه، ويكون هذا بحفظ الحديث في الذاكرة أو في الكتاب، ولا يتأتى هذا الضبط إلا لمن رزق ملكة واعية وذهنًا صافيًا، وهو ما يعبر عنه أئمة الحديث بالإتقان والحفظ.
٢٨١- وكما تجاوز النقاد عن بعض الصغائر في العدالة تجاوزوا هنا عن بعض الأخطاء والأغلاط التي لا بد وأن تصدر عن الرواة، فهم بشر، والبشر معرضون للنسيان، ولا يسلمون من الأخطاء. ولكنهم مع هذا تتبعوا أخطاء الرواة، وعرفوها ونبهوا عليها، حتى إنهم ذكروا أخطاء الأئمة الذين كانت هذه بضاعتهم وصناعتهم١، عن سفيان الثوري. قال: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك"٢.
٢٨٢- ولكن هذا التجاوز عن الأخطاء القليلة كان مرهونًا بألا يلح الراوي في الخطأ وأن يرجع عنه إذا كشف له. وممن نص على ذلك شعبة ابن الحجاج وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي، يقول الأخير: "فإن قال
_________________
(١) ١ بل وقد ذكروا أخطاء أنفسهم واعترفوا بها، انظر الكفاية ص٢٣٠م، ٢٣١ والعلل ومعرفة الرجال ١/ ١٨٢. ٢ الكفاية "م" ص٢٨٨.
[ ١٥٩ ]
قائل: فما الحجة في الذي يغلط فيكثر غلطه؟ قلت: مثل الحجة على الرجل الذي يشهد على من أدركه، ثم يدرك عليه في شهادته أنه ليس، كما شهد به، ثم يثبت على تلك الشهادة فلا يرجع عنها وليس هكذا الرجل الذي يغلط في الشيء، فيقال له فيه فيرجع، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط"١.
٢٨٣- وقد نبه الأئمة إلى أن ضبط الراوي وإتقانه للحديث شرط أساسي من شروط قبول روايته، يقول الإمام مالك: إنه أدرك سبعين ممن يقول: قال رسول الله، ﷺ، وهم أمناء، حتى لو ائتمن أحدهم على بيت مال لكان أمينًا؛ ولكنه لم يأخذ العلم منهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن، يقول: "وهذا الشأن -يعني الحديث والفتيا- يحتاج إلى رجل معه تقى وورع، وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، ولا هو حجة، ولا يؤخذ عنه"٢، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: "يحرم على الرجل أن يروي حديثًا في أمر الدين، حتى يتقنه ويحفظه، كالآية من القرآن وكاسم الرجال٣. وقال علي بن المديني: لم يرو يحيى بن سعيد عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك ابن فضالة.
قال الترمذي: وإن كان يحيى ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم لأنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم٤.
٢٨٤- ويستعين الراوي على حفظ مروياته بأمور منها:
١- تلقي الحديث على نحو صحيح، وأخذه أخذًا جيدًا سواء أكان هذا الأخذ سماعًا أو غيره، وقد وضعوا مقاييس من أجل هذا، سنعرض لها في الفصل القادم -إن شاء الله تعالى- عندما نتعرف على مناهج تحمل الحديث، وما ينبغي الأخذ به، ومجمل ذلك أن تكون هناك صلة على نحو معين بين
_________________
(١) ١ الكفاية ص٢٢٨، ٢٢٩ط مصر. ٢ ترتيب المدارك ١/ ١٢٣. ٣ الكفاية "الطبعة المصرية" ص ٢٥٨. ٤ صحيح الترمذي بشرح أبي بكر بن العربي. مطبعة الصاوي بالقاهرة ١٣٥٣هـ - ١٩٣٤م ٣/ ٣١٥.
[ ١٦٠ ]
التلميذ والشيخ هذه الصلة تتيح لمتحمل الحديث أن ما يأخذه من شيخه إنما هو حديثه دون تبديل فيه من غيره قبل أن يتحمله، وتتفاوت هذه الصلة بقدر ما تؤدي إلى هذا الهدف؛ يقول يحيى بن سعيد القطان: "ينبغي أن يكون في صاحب الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعهد ذلك"١.
٢٨٥- ومن الأخذ الجيد أن يسمع المتلقي الحديث أكثر من مرة، حتى يثبت في ذاكرته أو يتأكد من أنه كتبه على الوجه الصحيح، قال حماد ابن زيد: "إذا خالفني شعبة في شيء تركته؛ لأنه كان يكرر"، ويقول مرة أخرى: "ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة٢، ويبين شعبة منهجه هذا فيقول: "سألت طلحة بن مصرف عن هذا الحديث أكثر من عشرين مرة، ولو كان غيري قال: ثلاثين مرة، قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة يحدث عن البراء أن رسول الله ﷺ، قال: "من منح منيحة ورق " ٣. وقد كان سفيان الثوري يفعل ذلك. وكذلك سفيان بن عيينة٤.
٢٨٦- ٢- حفظ ما أخذ، من شيخه، ويكون هذا الحفظ بإحد طريقتين، أو هما معًا، الاستعانة بالذاكرة، إذا كان قد رزق ذاكرة حافظة تعي ما تأخذ وتحفظه، أو الاستعانة بالكتاب الذي يودعه مروياته ويصونه، فيعتمد عليه أو عونًا على حفظه بذاكرته.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث ص١٥. ٢ تقدمه المعرفة ص١٦١. ٣ المصدر السابق ص١٦٤: ونص الحديث كما رواه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٠٤: "من منح منيحة ورق أو هدى زقاقًا أو سقى لبنًا كان له عدل رقبة أو نسمه، ومن قال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كان له عدل نسمة أو رقبة" وكان يأتينا إذا قمنا إلى الصلاة فيمسح صدرونا أو عواتقنا، يقول: لا تختلف صفوفكم، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأولى، وقال: زينوا القرآن بأصواتكم، نسبتها، فذكرنيها الضحاك ابن مزاحم" والزقاق: الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه. "النهاية". وانظر رواية أخرى لهذا الحديث في المسند ٤/ ٣٠٤: "من منح منيحة ورق أو هدى زقاقًا أو سقى لبنًا كان له عدل رقبة أو نسمه، أو رقبة وكان يأتينا إذا قمنا إلى الصلاة فيسمح صدورنا أو عواتقنا، يقول: لا تختلف صفوفكم، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول، وقال: زينوا القرآن بأصواتكم، نسيتها، فذكرينها الضحاك ابن مزاحم" والزقاق: الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه. "النهاية" وانظر رواية أخرى لهذا الحديث في المسند ٤/ ٢٨٥. ٤ تقدمة المعرفة: ص٥٤، ١٦٣، ١٦٤.
[ ١٦١ ]
٢٨٧- وقد بين الإمام الشافعي هذا، وهو يبين صفة الراوي الذي يحتج بحديثه، فقال: أن يكون الراوي: "حافظًا إن حدث من حفظه حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم"١ ويقول: "من عرف من أهل العراق ومن أهل بلدنا بالصدق والحفظ قبلنا حديثه، ومن عرف منهم، ومن أهل بلدنا بالغلط رددنا حديثه، وما حابينا أحدًا ولا حملنا عليه"٢. ويقول مروان بن محمد الطاطري "٢١٠هـ": لا "غنى لصاحب الحديث عن صدق وحفظ وصحة كتب، فإذا أخطأته واحدة، وكانت فيه واحدة لم تضره، إن لم يكن حفظ رجع إلى الصدق، وكتبه صحيحة لم يضره إن لم يحفظ"٣.
٢٨٨- وأعلى درجات الضبط حفظ الذاكرة مع الكتاب، أي اتخاذ الطريقين معًا، يقول الإمام أحمد بن حنبل: إن يحيى بن سعيد القطان أثبت من وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبي نعيم -وهؤلاء أئمة- لأنه كان يضم إلى حفظه كتابة ما يسمعه٤، مع أنه قد رزق ملكة حافظة تمكنه من حفظ ما يسمعه من الشيخ، ويستطيع أن يدونه بعد أن يذهب إلى البيت
٢٨٩- والذي يدون الأحاديث أروى من غيره، يقول ابن المبارك: "ما رأيت أحدًا أروى عن الزهري من معمر إلا ما كان من يونس، فإن يونس كتب كل شيء"٥ ويرى علي بن المديني أنه ليس في أصحابه أحفظ من أحمد بن حنبل؛ لأنه لا يحدث إلا من كتاب، وهو في هذا قدوة حسنة ينبغي أن يؤتسى به٦.
ويرى بعض الأئمة في القرن الثاني أنه يمكن الاعتماد على الكتاب وحده دون حفظ الذاكرة ما دام الكتاب صحيحًا، يقول عبد الله بن الزبير
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٣٧١. ٢ معرفة السنن والآثار ١/ ٦٤. ٣ المحدث الفاصل "المخطوطة" ص٢٣٣. ٤ تقدمة المعرفة ص ٢٤٦ - ٢٤٧. ٥ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٩. ٦ تقدمة المعرفة ص ٢٩٥.
[ ١٦٢ ]
الحميدي "٢١٩هـ" مبينًا ذلك: "من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره فلا يطرح حديثه، ولا يكون ضارًّا ذلك له في حديثه إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره
-إذا اقتصر على ما في كتابه، ولم يقبل التلقين"١، ولا يجد بعض المحدثين غضاضة أن يعلن أنه لم يرزق الحفظ وأنه يتخذ له كتابًا يحدث منه حتى لا يخطئ، قال أبو الوليد الطيالسي: كنت أجالس جريرًا بالري، وكتب عني حديثين؛ فقلت له: حدثنا، قال: لست أحفظ وكتبي غائبة، وأنا أرجو أن أوتى بها، وقت كتبت في ذاك، فبينما نحن إذ ذكر شيئًا من الحديث، فقلت: أحسب كتبك قد جاءت. قال: أجل، فقلت لأبي داود: إن جليسنا جاءته كتبه من الكوفة، اذهب بنا ننظر فيها، فأتيناه، فنظرت في كتبه أنا وأبو داود٢.
٢٩٠- وعلى العكس من ذلك نرى أن عدم الكتاب عندهم قد يؤدي بالراوي إلى اضطراب روايته، يقول الإمام أحمد في عكرمة بن عمار: "أحاديثه عن يحيى ضعاف، ليست بصحاح، وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان، والسبب كما يقول البخاري: إنه لم يكن له كتاب، فاضطرب حديثه عن يحيى"٣.
٢٩١- وعلى الرغم من ذلك نرى أن الإمام مالكًا يتشدد في هذه المسألة ويرى أنه لا بد من الحفظ مع الكتاب، ويعلل ذلك بخوفه من أن يزاد في هذه الكتب من وراء ظهره فلا يدرك هذه الزيادة من وضع أو تحريف؛ لأنه لا يحفظ، فقد سئل أيؤخذ ممن لا يحفظ، ويأتي بكتب فيقول: قد سمعتها، وهو ثقة؟ قال: "لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل"٤ وكان أبو حنيفة يذهب إلى هذا أيضًا، فقد سئل يحيى بن معين عن الرجل
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مج ١/ ٢٧. ٢ ميزان الاعتدال ١/ ٣٩٥. ٣ ميزان الاعتدال ٣/ ٩٠ - ٩٢ تقدمة المعرفة ص ٢٣٦. ٤ الجرح والتعديل ١/ ٢٧.
[ ١٦٣ ]
يجد الحديث بخطه، لا يحفظه، فقال: "كان أبو حنيفة يقول: لا يحدث إلا بما يعرف ويحفظ، قال يحيى: وأما نحن فنقول: إنه يحدث بكل شيء، يجده في كتابه بخطه، عرفه، أو لم يعرفه" ويفسر الخطيب المعرفة هنا بالحفظ١.
الكتاب ودوره في ضبط الأحاديث وحفظها:
٢٩٢- والحقيقة أن الكتاب لعب دورًا هامًّا في توثيق الأحاديث وإعانة العلماء على حفظ مروياتهم من غفلة ذاكرتهم، وعلى حفظ مروياتهم أيضًا من أن تتهم عند ما يخالفهم فيها غيرهم، ولهذا كان هو المرجع والفيصل في كثير من حالات اختلاف الرواة؛ يقول أحمد بن سنان الواسطي: سألت عبد الرحمن بن مهدي، وهو يحدثنا بأحاديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، فمن حسنها قلت له: من أبو الأسود هذا يا أبا سعيد؟. قال: هذا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ربيب عمرو أخو هشام بن عروة من الرضاعة وهو الذي يقول: وحدثني أخي محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن أبي قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، قالوا فيهم بالرأي، فضلوا، وأضلوا: فقلت: قد كتبته يا أبا سعيد، وليس هو هكذا، فقال: بلى: أخرج إلى أبو أسامة كتابه، وهو هكذا. قال أحمد بن سنان: وكنت كتبته عن أبي أسامة بالكوفة، قبل أن أنحدر إلى البصرة، فلما قدمت واسطًا لم يكن لي همة إلا أن أنظر في كتابي، فنظرت فإذا الحديث قد أملي علينا: "عن هشام عن أبيه" تامًّا، لما أتمه قال هشام: أخبرني من سمع أبي يقول: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا"، حتى ذكر الحديث بتمامه.
فمن هذه القصة نرى أن الفيصل عند عبد الرحمن بن مهدي وابن سنان إنما هو الكتاب، كل منهما يحتكم إليه٢.
٢٩٣- والقصة التالية شبيهة بهذه في الاحتكام إلى الكتاب، والاطمئنان إلى ما فيه، والرجوع إليه عند ما تخون الذاكرة، فتحدث بما يخالف ما فيه:
_________________
(١) ١ الكفاية هـ: ص٢٣١. ٢ تقدمه المعرفة ص٢٥٤، ٢٥٥.
[ ١٦٤ ]
قال نوح بن حبيب: حضرنا عبد الرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فقال له رجل حضر معنا: يا أبا سعيد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبد الرحمن، وقال: حافظان، ثم قال: دعوه، قال نوح: ثم أتوا يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبد الرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه ويخالفه وكيع، أمسك عنه، وقال: حافظان. قال: فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه، فخرج، وقال: هو كما قال عبد الرحمن، عن سفيان عن منصور، قال نوح: فأخبر وكيع فقال: لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، قال: ثم نظر وكيع، فقال: هو كما قال عبد الرحمن، اجعلوه عن منصور١.
٢٩٤- ويقول عبد الله بن المبارك مبينًا قيمة الكتاب في الفصل بين اختلاف الرواة: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر "١٩٣هـ" حكم فيما بينهم٢.
ولجأ ابن جريج إلى كتابه، فأخرجه لهم عند ما أنكروا عليه حديثًا من أحاديثه عن أبي جعفر محمد بن علي قائلًا: ها أخبرني أبو جعفر محمد بن علي٣.
٣٩٥- وحتى يكون الكتاب جديرًا بحفظ الأحاديث وعدم التغيير أو التحريف فيها رأى بعض العلماء في القرن الثاني الهجري أن يكون الراوي على ذكر دائم بالأحاديث التي دونها فيه حتى لا يقع فيه تحريف أو تبديل، فيحدث بما ليس من مسموعاته، فيكذب على رسول الله ﷺ، وهو لا يدري، فإن شك في شيء من هذا أنه سمعه طرحه ولا يحدث به، حتى وإن كان في كتابه الذي عنده؛ لأنه ربما كتب الحديث للسماع، ولكنه
_________________
(١) ١ تقدمة المعرفة ص ٢٥٥. ٢ المصدر السابق ص٢٧١ - طبقات الحفاظ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ٩١١هـ تحقيق علي محمد عمر -مكتبة وهبة- الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م. ص١٢٥. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١١٣.
[ ١٦٥ ]
لم يمكنه ذلك، وحكى أبو عبد الله المحاملي ذلك عن أبي حنيفة وبعض الشافعية١ قال يحيى بن معين: أتينا حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ حديثًا قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتابًا، فشككت في حديث منها، فلست أجد عنه قليلًا ولا كثيرًا٢، واكتفى بعضهم بأن يتأكد من أن الكتاب هو كتابه، وأن ما فيه من خطه، يقول عبد الرحمن مهدي: إن الرقعة تقع في يدي من حديثي، ولولا أنها بخطي لم أحدث منها بشيء قال: ومن شروط صحة الرواية من الكتابة أن يكون سماع الراوي ثابتًا وكتابه متقنًا.
وحكى المحاملي هذا عن أكثر الشافعية ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، ويبين القاضي عياض أن الخلاف في هذا "مبني على الخلاف في شهادة الإنسان على خطه بالشهادة إذا لم يذكرها"٣.
٢٩٦- ويجب على صاحب الكتاب أيضًا أن يحتفظ بكتابه، ويصونه عنده، كما يصون الحديث في ذاكرته، حتى لا يدخله ريب ولا شك أنه ليس كما سمعه؛ ولهذا منع حماد بن زيد كتابه عن ابن المبارك، ولم يرض إلا بأن ينسخه في حضرته٤، وسمع ابن المبارك حديثًا من شعبة هو وغندر، فباتت الصحيفة التي دون فيها هذا الحديث عند غندر، فحدث به عن غندر عن شعبة، ولم يحدث به عن شعبة، لأنه لم يحتفظ بكتابه عنده٥.
٢٩٧- فإن خرج الكتاب من يد المحدث وعاد إليه، فقد توقف بعض العلماء عن جواز الحديث عنه، على حين رأى بعضهم أنه لا مانع من التحديث إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته. وعلى هذا يحمل قول يحيى بن سعيد، وقد سأله أحد الرواة: "ضاع مني كتاب يونس والجريري، فوجدتهما بعد أربعين سنة أحدث بهما؟ أجاب يحيى: وما بأس بذلك؟ ٦.
_________________
(١) ١ الإلماع إلى معرفة أصول الرواية أو تقييد السماع: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي تحقيق السيد أحمد صقر. مكتبة التراث - الطبعة الأولى ١٣٨٩هـ - ١٩٧٠م - ص١٣٩. ٢ الكفاية "م" ص٣٤٧. ٣ الإلماع ص ١٣٩. ٤، ٥ الكفاية هـ ص ٢٣٥. ٦ الكفاية ص ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ١٦٦ ]
٢٩٨- ولم يعتمد بعضهم كتاب البصير الأمي والضرير اللذين لم يحفظا من المحدث ما سمعاه منه لكنه كتب لهما، وممن رأى ذلك الإمام أحمد وأبو معاوية الضرير، ويحيى بن معين، والعلة في هذا -كما يقول الخطيب البغدادي- أنه لا يسلم من الزيادة لهما في الكتاب أو التحريف فيه١، وأجاز ذلك بعضهم إذا وثق الضرير بالملقن له، وممن أجاز ذلك علي بن المديني٢.
٢٩٩- وإذا وجد الرجل سماعه في كتاب غيره جاز له أن يأخذه عندما يتأكد أنه لم يزد في هذه الأحاديث ولم ينقص، وممن قال بذلك الإمام أحمد بن حنبل٣.
والمهم في هذا كله أن يكون متحققًا بما يحدث به حتى لا يكون محدثًا بالظن والظن أكذب الحديث.
٣٠٠- ومن أجل هذا الدور الكبير في حفظ المرويات رأينا أئمة الحديث يهتمون ببحث كتب الرواة وتوثيقها والحكم بصحتها أو عدم صحتها وكانوا يكتفون بذلك عن النص على توثيق الراوي نفسه:
ومن أمثلة ذلك ما يقوله علي بن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس الأيلي، قال: كان ابن المبارك، يقول: كتابه صحيح. قال عبد الرحمن: وأنا أقول: كتابه صحيح٤. وقال عبد الله بن المبارك: إبراهيم بن طهمان والسكري يعني أبا حمزة صحيحا الكتب ٥، ويقول الأوزاعي: عليكم بكتب الوليد بن مزيد البيروتي، فإنها صحيحة، ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد٦.
٣٠١- وهذا ما كان يدفع بعضهم إلى إصلاح كتابه بعد أن يسمع من الشيخ٧، وإلى الاستعانة بغيره؛ كي يصلح له كتابه، حتى إذا حدث له
_________________
(١) ١، ٢ المصدر السابق ص ٣٣٨ - ٣٣٩ و٣٧٨. ٣ المصدر السابق ص ٣٤٧. ٤، ٥ تقدمة المعرفة ص٢٧٢ و٢٧٠. ٦ تقدمة المعرفة ص٢٠٥. ٧ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٨١.
[ ١٦٧ ]
يتهم؛ لأن كتابه غير صحيح أو فيه أخطاء، ويؤدي هذا الحكم بطيبعة الحال إلى تضعيفه، قال الإمام أحمد: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي في عبد الوهاب الخفاف، سمعته يقول: لما أراد الخفاف أن يحدثهم بحديث هشام الدستوائي أعطاني كتابه، فقال لي: انظر فيه فنظرت فيه، فضربت على أحاديث منها، فحدثهم، فكان صحيح الحديث١.
٣٠٢- ومن أجل خطورة الكتاب -على النحو الذي رأينا- وجدنا أن بعض الأئمة لا يحب أن تسجل إلا الأحاديث المتقنة؛ لأنها ستنقل إلى الأجيال عبر الكتاب، إذن فلا يسجل فيه إلا الأحاديث التي ضبطها الشيخ، يقول يحيى بن سعيد القطان: كان سفيان الثوري إذا حدثني بالحديث، فلم يتقنه قال: لا تكتبه٢.
٣٠٣- وإذا كان الكتاب هو كل زاد المحدث أو معظمه، فقد زاد حرصهم عليه حتى لا يضيع، أو تمتد إليه أيدي السوء، فيذهب ما يضبط به المحدث روايته؛ خاف سفيان الثوري شيئًا فطرح كتبه، فلما أمن أرسل إلى بعض تلاميذه، فأخرجوا هذه الكتب من بئر عميقة كان قد وضعها فيها٣.
٣٠٤- وحرص بعضهم على توثيق مروياته إلى أن تنقل في حياتهم نقلًا صحيحًا. أما إذا ماتوا فقد نقل هذه الكتب إلى من يحرف فيها أو ينسبها لنفسه أو يأخذها من لم يأذن لهم في حياته، ولهذا فقد رأينا سفيان الثوري وغيره يوصون بحرق كتبهم، ومحوها بعد وفاتهم، يقول ابن مطهر: أوصى سفيان إلى عمار بن سيف في كتبه؛ فما كان بحبر فاغسله، وما كان بأنقاس فامحه، فسخنا الماء واستعان بنا، فأخرج كتبًا كثيرة فجعلنا نمحوها ونغسلها٤.
٣٠٥- وكما أعان الكتاب المحدثين على ضبط مروياتهم -على النحو الذي رأينا- أعان النقاد أيضًا على معرفة صدق الراوي أو كذبه، وهل
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ٣٧٤ - ميزان الأعتدال ٢/ ٦٨١ - ٨٦٢. ٢ تقدمة المعرفة ص ٦٧. ٣، ٤ تقدمة المعرفة ص١١٥ و١١٦.
[ ١٦٨ ]
ما خالف فيه الثقات إنما هو شيء من السهو والغلط الذي يعتري معظم الرواة، أو هو الكذب الذي يخفيه بادعائه الظن الطارئ والخطأ غير المتعمد؟ عن حسين بن جبان قال: قلتليحيى بن معين: "ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث إن هو رجع عنها، وقال: طننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك لرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا فقلت ليحيى: ما يبرئه؟. قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث فإذا أخرجها في كتاب عتيق، فهو صدوق، فيكون شبه له فيها، وأخطأ ما يخطئ الناس، فيرجع عنها. قلت: فإن قال: هي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟. فقال: هو كذاب أبدًا، حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا١:
٣٠٦- وبعد أن طالت وقفتنا مع الكتاب ومع أهمية ضبط الحديث وتوثيقه في القرن الثاني نعود فنكمل الوسائل التي تمكن الراوي من ضبط الأحاديث.
٣٠٧- ٣- بعد التلقي الصحيح للأحاديث وحفظها في الذاكرة أو في الكتاب أو فيهما معًا على الراوي أن يتعهد هذه المرويات فيما بين أخذها وروايتها، وذلك يكون بأمور ثلاثة:
الأمر الأول:
عرضها على النقاد الفاهمين علل الحديث، والمميزين صحيحة من سقيمه، حتى يبينوا أمر ما يحمل، فلا يكون كحاطب ليل، قال حسين بن عياش: كنا نأتي سفيان بالعشي، فنعرض عليه ما سمعنا -من محدث سماه- فيقول: هذا من حديثه، وليس هذا من حديثه٢. ويقول الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الزيف على الصيارفة، فما عرفوا
_________________
(١) ١ الكفاية م ص١٩٢. ٢ تقدمة المعرفة ص ٧٠.
[ ١٦٩ ]
أخذنا، وما تركوا تركنا١. ولم يكتف بعضهم بأن يعرض الحديث على أئمته، وإنما عرضه على أهل البصر باللغة ليضبطوا ألفاظه، يقول عبد الله بن المبارك: إذا سمعتم عني الحديث فاعرضوه على أصحاب العربية، ثم أحكموه وكان الأوزاعي يفعل ذلك ويعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها٢.
الأمر الثاني:
مذاكرتها دائمًا حتى تزداد معرفته بها ولا تشرد عنه، قال حماد بن زيد: كنا نخرج من عند أيوب وهشام الدستوائي، فيقول لنا هشام: هاتوها قبل أن تبرد، فنقعد فنتذاكرها بيننا٣. ويقول أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن ثلاثة: حافظ أمين له، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره، حتى يستقر له حفظه٤، ويقول جرير بن عبد الحميد: كنا نتذاكر بيننا، ويصحح بعضنا من بعض٥، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إحياء الحديث مذاكراته، وقال مثل ذلك علقمة٦.
الأمر الثالث:
التأمل في هذه المرويات بحيث يصل إلى فهمها وفقهها؛ لأنه إذا حملها دون فهم ربما أدى هذا إلى عدم ضبطها واستقرارها في ذهنه فيؤديها أداء غير صحيح، وهذا هو السر في قول الإمام مالك: "ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء"٧. وسأل وكيع بعض أصحابه: أي الإسنادين أحب إليكم: "الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله"، أو "سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله"؟ فقال: "الأعمش، عن أبي وائل" فقال: "يا سبحان الله!، الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه،
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مج ١/ ٢٠ - ٢١. ٢ الكفاية م ص ٣٧٤. ٣ تقدمة المعرفة ص١٨٣. ٤ الكفاية م ص ٢٥٦. ٥ الجرح والتعديل مج ٢ ق ١/ ٢٠٨٠. ٦ المحدث الفاصل "المخطوطة" ص ٣٥٩. ٧ ترتيب المدارك ١/ ١٢٥.
[ ١٧٠ ]
ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه. وحديث يتداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ١.
٣٠٨- إن الراوي إذا اتبع هذه الوسائل من تلق صحيح، وحفظ متقن، وتعاهد لهذا الحفظ، فإنه -مما لا شك فيه- سيثبت فيما يرويه، وعلامة تثبته عدم الشك فيما يحمله ويؤديه، فإن شك في الحديث تركه، قال الشافعي: كان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله٢. وقد مر موقف حاتم ابن إسماعيل من بعض كتبه التي شك فيها، فتركها كلها٣. ويقول يحيى بن معين: من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟. قال: إذا شك في الحديث تركه، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث٤.
اختبار ضبط الراوي للحديث:
٣٠٩- كيف تعرف النقاد على ضبط الراوي لحديثه؟
تعرفنا على بعض هذا فيما سبق حينما بينا دور الكتاب في توثيق الأحاديث وغير هذا تعرف النقاد على مقدار ضبط الراوي بوسائل أهمها:
١- مقارنة رواياته بروايات الثقات المشهورين بالضبط والإتقان، فإن كانت رواياته موافقة لرواياتهم تمامًا أو في الأغلب، فهو ضابط ثبت في مروياته وأحاديثه -تبعًا لذلك- صحيحة إذا انضمت إلى ضبطه عدالته، ويحتج بحديثه؛ لأنه بهذه الحالة قد أمن من أن ينسى أو يخطئ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
٣١٠- ولقد قام أئمة الحديث بمقارنة مرويات الراوي بمرويات غيره
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث ص١١. ٢ الكفاية م ص ٣٤٦. ٣ الكفاية م ص٣٤٧. وص ١٦٦ من هذا الكتاب. ٤ المصدر السابق م ص ٢٤٥. ٥ مقدمة ابن الصلاح على التقييد والإيضاح ١٣٨.
[ ١٧١ ]
للوقوف على مدى ضبطه خير قيام، وقد وصلوا من ذلك إلى من هو أثبت في الرواية عن آخر، أو في شيخ معين، أو في بلد معين، أو دون تحديد حتى يمكنهم من ذلك الأخذ بروايات الأتقن منهم لحديثه وترك ما خالفه قال علي بن المديني: إن الأعمش أثبت في أبي صالح من غيره، ومن أجل هذا يرجح حديثه عن أبي صالح إذا خالفه في غيره، ومن هذا حديث يصف ما كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف الصحابين الجليلين.
وقد روى هذا الحديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد١.
وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من بن عيينة ويقول يحيى بن سعيد القطان في ابن عيينة شبيهًا بهذا، وإن كان يقارن بينه وبين تلميذ واحد من تلاميذ الزهري، وهو معمر بن راشد الصنعاني يقول: "سفيان بن عيينة أحب إلي في الزهري من معمر٢. ويقول يحيى بن معين: "إن سفيان بن عيينة أثبت من محمد بن سلم الطائفي وأوثق منه، وهو أثبت من داود العطار في عمرو بن دينار٣ ويقول ابن عيينة كان ابن طاوس أحفظ عندنا من غيره، قيل له: أين كان حفظ إبراهيم بن ميسرة عن طاوس من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت قلت لك: أين أقدم إبراهيم عليه في الحفظ فعلنا٤، ويحث شعبة بن الحجاج معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان أن يسمعا من عبد الوارث بن سعيد؛ لأنه أحفظ لحديث أبي التياح منه، فذهبا وسألاه عن هذه الأحاديث فجعل يمرها، كأنها مكتوبة في قلبه٥ ويرى ابن معين أن الثوري أعلم المحدثين بأحاديث الأعمش وأبي إسحاق ومنصور٦ وأن يحيى بن سعيد أثبت في شيوخ البصريين٧.
_________________
(١) ١ انظر فتح الباري على صحيح البخاري ففيه كلام طويل على هذا الحديث ٧ - ٣٤ - ٣٦ المطبعة السلفية. ٢ تقدمة المعرفة ص٥١، ٥٢. ٣ المرجع السابق ص ٥٢. ٤ تقدمة المعرفة ص ٤٨. ٥ المصدر السابق. ٦ المصدر السابق ١٣٦. ٧ المصدر السابق ص٢٤٧.
[ ١٧٢ ]
ويرى علي بن المديني أن ليس أحد أثبت في ابن سيرين من أيوب وابن عون إذا اختلفا وأيوب أثبت وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين وكلهم ثبت١ ويونس أثبت في الحسن من ابن عون ويزيد ابن هارون أثبت في الحسن وابن سيرين٢
وهو يرى أيضًا أن يحيى القطان أوثق أصحاب الثوري٣، وكان وهيب يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك٤.
٣١١- والذي نلاحظه أنهم في تفضيلهم هذا على ذلك إنما يبتغون به وجه الله تعالى وتوثيق سنة نبيه ﷺ، مما يزيدنا ثقة في نزاهة أحكامهم، واطمئنانًا إلى صفاء ذلك المنهل العذب الذي نستقي منه أدلة التشريع بعد كتاب الله ﷿، فهذا شعبة بن الحجاج يفضل سفيان الثوري على نفسه، فيقول: إذا خالفني سفيان في حديث، فالحديث حديثه، ويفضل هشام الدستوائي على نفسه أيضًا في الحفظ عن قتادة٥
وهذا يحيى بن سعيد القطان لا يحب أحدًا مثل ما يحب شعبة لكن هذا الحب الكبير لا يمنعه أن يفضل غيره عليه؛ لأن الأمر أمر سنة رسول الله ﷺ، وهي فوق هذا بكثير، يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان٦.
٣١٢- وقد غرست هذه المقارنات في القرن الثاني الهجري بذور وضع الرواة على درجات، أهم ما يراعي فيها مقدار ضبط الراوي، وتثبته فيما يرويه، وأهم هذه البذور ما يروى عن عبد الرحمن بن مهدي؛ فقد رتب الرواة الذين يحتج بهم والذين لا يحتج بهم وبأحاديثهم. قال:
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٦٨، ٦٩. ٢ المصدر السابق نفسه. ٣ المصدر السابق ص٢٤٧. ٤ المصدر السابق ص٦٣. ٥ تقدمة المعرفة ص١٥٥. ٦ المصدر السابق ص٦٣.
[ ١٧٣ ]
١- احفظ عن الرجل الحافظ المتقن فهذا لا يختلف فيه.
٢- وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس.
٣- وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك - يعني لا يحتج بحديثه١.
كما نلمح شيئًا من ذلك في كلام علي بن المديني:
١- "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة
٢- "ثم بعد سليمان بن المغيرة
٣- "ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح
٤- "وروي عنه حميد شيئًا.
٥- "فأما جعفر، فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير".
إن هذا هو أساس وضع الرواة على مراتب أو في درجات تبين الأثبت فالأثبت، ومن يحتج بأحاديثهم ومن هم غير ذلك وقد بني على هذا الأساس من جاء بعد القرن الثاني الهجري ابتداء من ابن أبي حاتم الرازي٢.
٣١٣- وكما وضعوا أساس ترتيب الرواة وبذوره وضعوا أيضًا بعض المصطلحات والألفاظ التي تضع الراوي في مرتبته اللائقة به من حيث ضبطه وعدالته، ويكتفىبإطلاق مصطلح من المصطلحات هذه لبيان مدى ضبطه ومقدار حفظه وعدالته، وكل الأئمة قد أسهم تقريبًا في هذا المجال.
أطلقوا -مثلًا- على أعلى درجات الضبط والعدالة من الألفاظ: "ثقة" أو "ثبت" مكررًا أو لفظ "حجة" أو "إمام"؛ قال سفيان بن عيينة في عمرو بن دينار: "ثقة"وكررها أكثر من مرة ليبين أنه في على درجات
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مج١ ص٣٨. ٢ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وأثره في علوم الحديث ص٢٣٨- ٢٦٦.
[ ١٧٤ ]
من يوثق بهم، وقال ابن سعد في شعبة بن الحجاج: "ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث"١.
ويفسر الإمام أحمد معنى كلمة "ثبت" بأن الراوي لا يكاد يخطئ في حديثه؛ أي ضبطه قريب جدًّا من الكمال٢.
وما كان أقل من ذلك أطلق عليه لفظ "ثقة" أو "ثبت" منفردًا يقول يحيى بن معين في محمد بن إسحاق: "ثقة وليس بحجة"٣.
وما كان أقل من ذلك درجة أطلقوا عليه لفظ "مأمون" أو "خيار" أو "صدوق" أو "صالح الحديث" أو "لا بأس به"، قال الإمام أحمد بن حنبل في أبي قتادة الحراني: "ما كان به بأس" وفسر هذا بقوله: "رجل صالح يشبه أهل النسك والخير إلا أنه كان ربما أخطأ٤. وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أكان خالد بن دينار ثقة؟. فقال: كان صدوقًا كان مأمونًا، كان خيارًا، الثقة شعبة٥ وسفيان ويفسر أحمد بن سنان معنى مصطلح "صالح الحديث" عند ابن مهدي، فيقول: ربما جرى ذكر الرجل فيه ضعف -يعني من ناحية ضبطه- وهو صدوق، فيقول: "صالح الحديث"٦، ويقول السخاوي: إنه هو والوصف "بصدوق" عند ابن مهدي سواء٧.
وحكى المروزي قال: قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: تدري من الثقة؟ الثقة يحيى بن سعيد القطان٨.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ١/ ٣٣٦. ٢ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٢٢. ٣ فتح المغيث ١٤/ ٢٣٨. ٤ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٦. ٥ الجرح والتعديل مج١ ق ٢/ ١٤٧١. ٦ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص١٥٩. ٧ فتح المغيث ١/ ٢٣٩. ٨ المصدر السابق ١/ ٣٤٢.
[ ١٧٥ ]
وهذه المصطلحات كلها للتعديل وإن تفاوتت.
٣١٤- أما ألفاظ التجريح فمما أثر منها في القرن الثاني الهجري قولهم: "من أكذب الناس" أطلقها أحمد بن حنبل على أحمد بن أخت عبد الرزاق الصنعاني١ و"كذاب" أطلقه يحيى بن معين في جبارة بن المغلس. و"متروك الحديث" و"ليس بشيء" لمن يترك حديثه عند أحمد بن حنبل٢ وكذلك الأمر عند الإمام الشافعي الذي قال لتلميذه المزني: يا إبراهيم، اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل فلان "كذاب"، ولكن قل "حديثه ليس بشيء"٣.
وكان يحيى بن معين يستعمل هذا المصطلح "ليس بشيء" في الراوي الذي هو أقل درجة من الاتهام بالكذب، فقد قال عن راو: إنه "ثقة" وأنه أمي يذكر بخير، ولكنه في حديث الزهري "ليس بشيء"٤. ويبدو أنه يطلقها على من يرى حديثًا قليلًا٥ وعلى من يروي الأحاديث الضعيفة كالمقلوبة مثلًا، فقد قال في أحد الرواة: كان يقلب حديث ابن المبارك، والحديث الذي يأخذه من مشايخه، وينسب ذلك كله إلى نفسه٦.
وأخف من هذا قولهم: "ضعيف"، يقول أحمد بن صالح المصري "١٧٠- ٢٤٨هـ": "لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه قد يقال فلان ضعيف، أما أن يقال فلان "متروك" فلا، إلا أن يجمع الجمع على ترك حديثه٧.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٩٦. ٢ المصدر السابق ١/ ٥٦، ١٢٢، ١٧٨، ٢٧٤. ٣ فتح المغيث ١/ ٢٤٥. ٤ الجرح والتعديل مج أق ١/ ١٩٣٢. ٥ فتح المغيث ١/ ٣٤٥. ٦ الجرح والتعديل مج أق ١/ ٨٩١. ٧ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص١٦٠ - فتح المغيث ١/ ٢٤٤.
[ ١٧٦ ]
وأخف مكن هذه "ليس هو بالقوي"، "وليس هو بذاك"، يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن فرقد السبخي، فقال: "ليس هو بالقوي "قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذلك، وسألته عن هشام ابن حجير. قال: ليس هو بالقوي، قلت هو ضعيف قال: ليس هو بذاك١.
ويلاحظ أنه ليس هناك معنى للمصطلحات هذه محدد عند هؤلاء الأئمة، يتفقون عليه، فقد رأينا كيف أن يحيى بن معين يستعمل "ليس بشيء"، في جرح أخف من استعمال الشافعي وأحمد لها، كما يؤثر عنه أنه يستعمل "لا بأس به" بمعنى ثقة على حين يستعملها الآخرون فيمن هو أقل من الثقة كما رأينا٢.
٣١٥- ولهذا فأكرر ما دعوت إليه في رسالتي للماجستير، وهو دراسة هذه الألفاظ دراسة محيطة مستوعبة لمعانيها عند كل إمام٣، حتى يمكن أن ندرك معنى المصطلحات عند كل إمام على حدة؛ لأنني أظن أن هناك قدرًا كبيرًا من اختلافهم إنما هو راجع إلى اختلافهم في استعمال هذه المصطلحات، وإن كانت أسس توثيق الراوي عند هؤلاء الأئمة واحدة في معظمها، كما سبق أن رأينا.
٣١٦- وإذا كان الأمر هنا لا يتسع لذلك، فإنه يتبين لنا -مما عرضناه- أن أئمة الجرح والتعديل في القرن الثاني الهجري كانت لهم معرفة واعية بالرواة من حيث ضبطهم وعدالتهم، هذه المعرفة الواعية جعلتهم يضعونهم في درجات ووضعوا لها المصطلحات التي تجعل الناقد يقف على مقدار الثقة بالراوي في سهولة ويسر، ودون عناء أو تعب في إحصاء مروياته وفحصها، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك بالصحة أو الخطأ.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٢٣. ٢ تدريب الراوي ١/ ٣٤٤ وفيه تفسير للعراقي يرى فيه أن "لا بأس به" عند ابن معين ليست كقوله: "ثقة". ٣ عبد الرحمن بن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث ص٢٦٥.
[ ١٧٧ ]
٣١٧- ٢- وكما يعرفون ضبط الراوي بمقارنة روايته برواية غيره من المشهورين بالضبط يعرفونه أيضًا بملاحظة مرات روايته للحديث الواحد: هل يثبت على حالة واحدة أم يضطرب ويغير ويبدل في تلك المرات؟.
٣١٨- وكان بعض الأئمة في القرن الثاني يتعمدون ذلك للكشف عن ضبط الراوي وحفظه، يقول الإمام مالك ﵁: أتيت زيد بن أسلم، فسمعت حديث عمر "أنه حمل على فرس في سبيل الله" فاختلفت إليه أيامًا، أسأله عنه، فيحدثني، لعله يدخله فيه شك أو معنى فأترك؛ لأنه ممن شغله الزهد عن الحديث١. ويقول شعبة بن الحجاج: سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا، وكنت كلما مررت به سألته عنه، فقيل له: لم يا أبا بسطام؟ قال: أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غير شيئًا تركته٢ وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت مع رواية واحدة تركه٣.
٣١٩- وإذا كانت ذاكرة الإنسان قد تتغير؛ لمرض أو لكبر، فإنهم استمروا في ملاحظة رواية الراوي، وخاصة بعد أن يكبر. وقد وجدوا الكثيرين من الرواة يتغير ضبطهم وحفظهم في الكبر، فغيروا في رواياتهم.
ومن هنا تركوهم، وميزوا بين رواياتهم القديمة في حال ضبطهم فأخذوها وبين رواياتهم في حال الاختلاط فتركوها، يقول عبد الله بن أحمد: قال أبي: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة "هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عام ١٤٥ هـ" كأن أبي
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك ١/ ١٢٤. ٢ الكفاية م ص ١٨٥. ٣ سنن الترمذي بشرح ابن العربي ١٣/ ٣١٥.
[ ١٧٨ ]
ضعفهم، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم١. ويقول: من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبدة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة، ويرى الإمام أحمد أن سماع وكيع من المسعودي بالكوفة كان قديمًا، وأبي نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة، والكوفة فسماعه جيد٢. وقد ترك رواية معاذ بن العنبري "١٩٦هـ"؛ لأنه رآه قد تغير حفظه٣.
٣٢٠- وكذلك من يقبل التلقين لأنه كبر، فرواياته قبل الكبر تقبل، وفي أثنائه يرفض ما لقن فيه: قال عبد الله بن الزبير الحميدي: "ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثًا في حفظه لا يعرف به قديمًا. أما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن٤.
وإذا كان هذا هو ما يتيح للنقاد معرفة ضبط الراوي، فقد اشترطوا أن يكون الراوي مشهورًا بطلب الحديث، أي: عنده من المرويات ما يتيح لهم معرفة ضبطه وحفظه وإتقانه، يقول شعبة بن الحجاج: "خذوا العلم من المشتهرين"، ويقول عبد الله بن عون: "لا نكتب العلم إلا ممن كان معروفًان عندنا بالطلب"، ويقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لايؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث. ويقول أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون لا يؤخذ عنهم العلم، كان يقال ليس هم من أهله٥.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٩ وكان إبراهيم من العلويين الذين خرجوا على الخلافة العباسية "انظر تاريخ الطبري جـ٣ ص٦٢٢ وما بعدها". طبعة دار المعارف بمصر. ٢المصدر السابق ١/ ٩٥. ٣ الرسول ﷺ وسنته الشريفة د. عبد الحليم محمود. مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ص١٩٦. ٤ الكفاية م ص ٢٣٥. ٥ الكفاية م ص ٢٥١ - ٢٥٢.
[ ١٧٩ ]
٣٢١- ويبين الإمام ابن حجر: أن المقصود من هذا الشرط أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى١.
٣٢٢- ٣- ومن وسائل معرفة ضبط الراوي وتثبته فيما يرويه تلقينه أحاديث ليست من مروياته، حتى يعرف: هل يرفضها؛ لأنه على دراية تامة بما يرويه أم يقبلها؛ لأن الأمر مختلط عليه؛ فلا يدري هذا من ذاك؟ وعندئذ يكون هناك دليل على عدم ضبطه٢، ومثل هذا الذي يقبل التلقين يكون هدفًا للوضاعين يلقنونه أحاديث فيحدث بها على أنها من مروياته التي سمعها من شيوخه وفي هذا من الخطورة على الحديث ما فيه. ويقدم لنا الإمام الشافعي مثلًا من أمثلة قبول الراوي للتلقين، فيؤدي هذا إلى مخالفة حديثه لحديث أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله، ﷺ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين"٣.
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: إذا افتتح الصلاة رفع يديه، حتى يحاذي أذنيه، ثم لا يعود لرفعهما في شيء من الصلاة واحتج بحديث يزيد بن أبي زياد، أخبرنا سفيان عن يزيد ابن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: "رأيت رسول الله ﷺ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه "قال سفيان: ثم قدمت الكوفة، فلقيت يزيد بها، فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: "ثم لا يعود"
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ٦٩ - ٧٠. ٢ الكفاية م ص ٢٣٥. ٣ انظر في مواطن رفع اليدين الأحاديث والآثار التي وردت فيها في: نصب الراية لأحاديث الهداية: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي "٧٦٢ هـ"تحقيق المجلس العلمي بدابهيل - سورت "الهند" الطبعة الأولى: ١٣٥٧هـ - ١٩٣٨م. نشر المجلس العلمي المذكور ١/ ٣٨٩ - ٤١٨.
[ ١٨٠ ]
وظننت أنهم لقنوه، ثم بين الشافعي بعد ذلك أن في هذه الزيادة مخالفة لما قاله كثير من الصحابة كما قلنا١.
٣٢٣- ومن صور التلقين ونتائجه الخطيرة ما يحكيه يزيد بن هارون، قال: كان عندنا شيخ بواسط يحدث بحديث واحد عن أنس بن مالك ﵁، فخدعه بعض أصحاب الحديث فاشترى له كتابًا من السوق في أوله "حدثنا شريك"، وفي آخره: أصحاب شريك الأعمش، ومنصور، وهؤلاء.
فجعل يحدث يقول: "حدثنا منصور وحدثنا الأعمش"فقيل له: أين لقيت هؤلاء؟ فأخذ كتابه، فقيل: لعلك سمعت هذا من شريك، قال الشيخ: حتى أقول لكم الصدق، سمعت هذا "من أنس بن مالك عن شريك"٢ فالتلقين كما يكون في الذاكرة يكون في الكتاب.
٣٢٤- والتلقين يؤدي إلى الكذب الذي قد يحل الحرام، فعن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ، يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس يرد إلى واحدة"، فأتيته فقرعت الباب عليه، فخرج إليّ شيخ، فقلت له: كيف سمعت من علي ابن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد؟
قال: سمعت علي بن أبي طالب "فإنه يرد إلى واحدة". فقلت له: إني سمعت هذا من علي، فأخرج إلي كتابه، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم" هذا ما سمعت من علي بن أبي طالب، يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قلت: ويحك هذا غير الذي تقول؟ قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك٣.
٣٢٥- ويبين الإمام ابن حزم السبب في عدم قبول العلماء للذي يلقن، فيقبل التلقين، ودلالته على عدم ضبط الراوي فيقول: "ومن صح أنه قبل
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٢١١ - ٢١٤ على هامش الجزء السابع من كتاب الأم. ٢ الكفاية "م" ص ٢٣٦. ٣ المصدر السابق ص ٢٣٦.
[ ١٨١ ]
التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ﷿، ولا حفظ ما سمع، وقد قال ﵇: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا حفظه حتى بلغه غيره". فإنما أمر ﵇ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه، فيقول: نعم فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أن يكون فاسقًا يحدث بما لم يسمع أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل، المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب. ومن هذا النوع كان سماك بن حرب، أخبر بأنه شاهد ذلك منه الإمام الرئيس بن الحجاج"١.
فالتلقين كما نرى من كلام ابن حزم يكون وسيلة من وسائل اختبار عدالة الراوي كما يكون وسيلة لاختبار ضبطه كما عرفنا.
٣٢٦- وبعد؛ فلعلنا على ثقة من أن علماء القرن الثاني بما وضعوا من أسس لتوثيق الراوي من حيث دينه، وعقله، وعدالته وضبطه قد وضعوا السياج المحكم الذي لا تنفذ إلى داخله، روايات غير المؤمنين العقلاء الأمناء الضابطين بما فيها من خطأ أو وضع. ومع هذا قد وضعوا أسسًا أخرى منها ما يتعلق بمناهج تلقي الحديث وأدائه، وهو ما نتناوله في الفصل التالي -بعون من الله ﷿ وفضل منه.
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم ١/ ١٢٧.
[ ١٨٢ ]
الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
السماع ومصطلحات الأداء عنه
الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
٣٢٧- لتلقي الحديث وأدائه أهمية كبيرة عند نقاد الحديث، وقد وضعوا مقاييس محددة في هذا المجال، يمكن بها الحكم على رواية الحديث بأنها صحيحة أو غير صحيحة.
والهدف من تلك الأسس في الدرجة الأولى توجيه الراوي إلى أن يسلك في تلقي الحديث وأدائه مسلكًا يحفظ به حديثه من التبديل والتغيير أو بعبارة أخرى وضع الضمانات التي تجعل الراوي موصلًا جيدًا -إن صح هذا التعبير- بين شيخه الذي أخذ منه الحديث وتلميذه الذي يروي له الحديث.
٣٢٨- وضروب تلقي الحديث مختلفة، والألفاظ التي يؤدي بها الراوي مختلفة كذلك، فالراوي قد يسمع الأحاديث من شيخه، وقد وقد يقرؤها عليه وقد يكتب الشيخ إليه ما عنده من أحاديث أو يناوله إياها، أو يجيزها له، أو يوصي له بها، أو يعلمه بها، وكل من هذه الضروب له ألفاظ ينبغي أن يلتزم بها عند الأداء، وإلا اعتبر غير صادق في روايته.
ويهمنا هنا أن نعرض آراء أئمة أهل القرن الثاني الهجري في دور كل وجه من هذه الأوجه في توثيق الحديث أو عدم توثيقه.
١- السماع ومصطلحات الأداء عنه:
٣٢٩- وهو أن يقرأ الشيخ ما عنده من الأحاديث على تلاميذه فيسمعوا منه، وله أكثر من صورة، فقد يكون الشيخ محدثًا من حفظه، وقد يكون قارئًا من كتابه، وقد يكون ممليًا على تلاميذه١.
٢٣٠- والإملاء أعلى هذه الصور منزلة، وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة، فالشيخ مشتغل بالتحديث والإملاء من الكتاب والطالب مشتغل بالكتابة عنه، فهما بذلك أقرب إلى التحقيق وتبيين ألفاظ الحديث التي يمليها الشيخ، ويكتبها التلميذ. وقد جرت
_________________
(١) ١ الإلماع ص ٦٩.
[ ١٨٥ ]
العادة في هذه الصورة أن تكون هناك مقابلة بين الأصل والكتاب بعد انتهاء السماع؛ لتصحيح خطأ أو تأكيد للصواب١.
٣٣١- وكثير من حديث رسول الله، ﷺ، نقل بهذا الضرب من ضروب التلقي. وقد أسلفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على أن يسمعوا حديث رسول الله ﷺ منه أو ممن سمع منه، وكذلك كان التابعون وتابعو التابعين٢.
٣٣٢- وقد كانت لهم القدوة في ذلك من واقع تعليم رسول الله ﷺ لأصحابه، فقد كان يسمعهم ما جاء به من القرآن والسنة، كما حثهم رسول الله ﷺ، على أن تنقل أحاديثه سماعًا؛ فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم" وروي مثله عن ثابت بن قيس٣ كما روي زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وروي مثله عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما٤.
٣٣٣- ولهذا وجدنا معظم المحدثين -في القرن الثاني- يأخذون أحاديثهم بهذا المنهج، يقول أحد تلاميذ يزيد بن هارون: سمعته في المجلس ببغداد، وكان يقال: إن في المجلس سبعين ألفًا٥.
٣٣٤- ويرى شعبة بن الحجاج أن القيمة الحقيقية للأحاديث والتي تستحق أن تؤخذ من شيخه إنما هي تلك التي أخذها الأخير سماعًا، يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال للحديث "حدثنا" عنيت به فوقفته
_________________
(١) ١ فتح المغيث ٢/ ١٧ - كشف الأسرار ٣/ ٧٦٠. ٢ انظر في تمهيد هذا البحث ص ١٨ - ١٩ و٥٢ - ٥٣. ٣ شرف أصحاب الحديث ص٣٧ - ٣٨. ٤ المصدر السابق ص١٧ - ١٩. ٥ أدب الإملاء ص١٦.
[ ١٨٦ ]
عليه، وإذا لم يقل: "حدثنا" لم أعن به١. وكان أحمد بن حنبل يرى ذلك ويفضل أن يأخذ أحاديثه بالسماع دون غيره، يقول: لما خرجت إلى عبد الرزاق أخبروني أن معاذ بن هشام على الطريق، فملت إليه، ومعي ثلاثة ظهور مملوءة من حديثه، فصادفته، فقرأ علي شيئًا، وقال: أنا عليل لا أقدر على أكثر من هذا، ولكن اقرأها علي، فأبيت٢. وممن كانوا يؤثرون السماع على غيره كذلك وكيع بن الجراح الذي يفخر ويقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا"٣ ومحمد بن سلام٤ وأبو مسهر الدمشقي وسفيان الثوري٥.
٣٣٥- ويقول القاضي عياض: إنه أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين٦. وهو كذلك لأنه أبعد عن الخطأ والسهو، فيؤدي إلى المقصود وهو تحمل الحديث بأمانة وبصفة تامة٧.
٣٣٦- ومن أجل ذلك فقد تتبع النقاد الأحاديث التي نقلت سماعًا والتي لم تنقل كذلك حتى تتبين القيمة الحقيقية لها، وقد أورد ابن أبي حاتم في تقدمة المعرفة نقودًا كثيرة تدل على ذلك، سواء أكان هذا النقد متعلقًا بالرواة المعاصرين لهم أو السابقين عليهم:
٣٣٧- يروى أن شعبة كان يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم، ويقول: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن٨ سالم ويقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث التيمي عن
_________________
(١) ١ تقدمة المعرفة ص ١٦٩. ٢ الكفاية "م" ص ٣٩٥. ٣ تقدمة المعرفة ص ٢٣٠. ٤ الكفاية "م" ص ٣٩٥. ٥ تقدمة المعرفة ص ٦٨ و١١٧. ٦ الإلماع ص ٦٩. ٧ أصول السرخسي ١/ ٣٧٥. ٨ ص ١٥٧.
[ ١٨٧ ]
أنس في القبلة للصائم، فقال: لا شيء، لم يسمعه١. ونفى شعبة بن الحجاج أن يكون بعض التابعين قد سمع من الصحابة٢. وكان ابن المبارك يغمز عمر بن هارون في سماعه من جعفر بن محمد، وكان عمر "١٩٤ هـ" يروى عنه ستين حديثًا أو نحو ذلك٣.
٣٣٨- ويقول سفيان الثوري عن أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية: إنها كانت من كتاب، ويفسر بن أبي حاتم هذا فيقول: يعني أنها ليست بسماع، وقد وهنها سفيان من أجل ذلك٤. ويقول سفيان أيضًا: إن الأعمش لم يسمع حديث إبراهيم عن النبي ﷺ، في الضحك في الصلاة٥.
٣٣٩- وكانوا يفتشون في أحاديث كل راو، فيحصون ما سمعه من الشيوخ الذين يروى عنهم وما لم يسمعه منهم، يقول شعبة: لم يسمع الحكم ابن عتيبة من مقسم إلا ستة أحاديث٦. ويقول أيضًا: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، وعدها يحيى بن معين: "قول علي ﵁: القضاء ثلاثة، وحديث لا صلاة بعد العصر، وحديث يونس بن متى"٧.
ومثل هذا كثير في كتب نقد الحديث ورواته، ويدلنا على أنهم كانوا يهتمون بأن يكون الحديث مسموعًا، ومنقولًا بالسماع من ناقليه.
٣٤٠- وحتى يكون السماع جيدًا رأى علماء القرن الثاني أنه لا يجوز إلا لمن يضبط ويعقل ما يسمع، واختلفوا: فبعضهم حدد سنًّا معينة لبدء السماع، وبعضهم رأى من المعتبر من ذلك هو الضبط والعقل، فقد سئل
_________________
(١) ١ ص ٢٣٧، ومثل هذا عن يحيى في ص٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٣. ٢ ص ١٢٩ - ١٣٢. ٣ ص ٢٧٣. ٤ ص ٧١، ٨١، ٨٢. ٥ ص ٧٢ وانظر هذا الحديث في نصب الراية ١/ ٥١، ٥٢. ٦ ص ١٣٩. ٧ ص ١٢٧.
[ ١٨٨ ]
أحمد بن حنبل "عن سماع الصغير متى يصح؟ قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل، وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرًا، فقال: قد يكون صغيرًا يضبط. قيل له: فالكبير، وهو لا يعرف الحديث. قال: إذا كتب الحديث فلا بأس من يرويه"١، وممن كان يذهب إلى هذا الأوزاعي فهو يقول عن الصغير: "إذا ضبط الإملاء جاز سماعه، وإن كان دون العشر"٢.
٣٤١- وروى عن يحيى بن معين أنه قال: حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة أو خمس عشرة٣، وحدد يزيد بن هارون بثلاث عشرة سنة. وهما بهذا قد حددوا سن البلوغ أو قريبًا منه.
٣٤٢- أما الذين أجازوا أن يكون السماع للصغير أقل من ذلك، فقد نظروا إلى الصحابة الذين تحملوا الحديث، وسمعوه من رسول الله، ﷺ، وهم صغار كالحسن بن علي وعبد الله بن الزبير بن العوام، والنعمان بن بشير وأبو الطفيل الكناني، والسائب بن يزيد، والمسور بن مخرمة ومحمود بن الربيع، فهؤلاء وغيرهم تحملوا عن النبي ﷺ، قولًا أو فعلًا، وهم صغار جدًّا٤.
٣٤٣- والواقع أن من يجيزون سماع الصبي قبل مرحلة البلوغ أو قريبًا منها قليلون على الرغم من أنهم يحتجون بهؤلاء الصحابة الذين تحملوا الحديث في صغرهم، ويحتجون بفعل بعض الأئمة مثل سفيان بن عيينة الذي سمع من الزهري وهو صغير وفي أذنه قرط، وقال عنه الزهري: ما رأيت طالبًا للعلم أصغر منه٥.
_________________
(١) ١ الكفاية "م:" ١١٤. ٢ المصدر السابق "م" ١١٥. ٣ المصدر السابق "هـ" ص٦٢. ٤ الكفاية "م" ص ١٠٥، ١٠٧، ١١١. ٥ المحدث الفاصل "المخطوط" ص٣٢.
[ ١٨٩ ]
٣٤٤- وقد ذهبت الكثرة إلى غير ذلك حتى يكون تحمل الحديث مثل أدائه يشترط فيهما البلوغ - كما رأينا في توثيق الراوي.
٣٤٥- وأعرضوا عن سماع بعض الصحابة في الصغير؛ لأن سماع بعضهم على هذا النحو إنما هو ضرورة تقدر بقدرها، فهم لا يستطيعون رفض رواية ما عقله الصحابة الصغار عن رسول الله، ﷺ، وإلا فاتهم سماعه من غيرهم.
٣٤٦- وبعد الصحابة كثر الناقلون للأحاديث. فما عند التابعي من حديث تجده عند غيره. ولهذا يحتج نعيم بن حماد لعدم صحة السماع إلا بعد البلوغ بفعل التابعين، ويقول: "قلما من كان يثبت الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء وسؤالهم ومذاكرتهم"١.
وينقد سفيان بن عيينة بعض الروايات والرواة على هذا الأساس فيقول مثلًا: لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن، وقيل لنعيم بن حماد الذي يروي عنه هذا القول: لِمَ؟ قال: لأنه كان صغيرًا٢.
٣٤٧- ولهذا يفسر ذهاب ابن عيينة للزهري وهو صغير على أن ذلك كان للدربة والمران كما يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين مع أنهم غير مكلفين بها إلا بعد البلوغ.
وتذكر بعض الروايات، أن سن ابن عيينة يوم أن ذهب إلى الزهري كانت خمس عشرة٣، وهي حد البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد٤.
وقد اعتبر في هذه السن صغيرًا بالنسبة إلى غيره من الذين كانوا لا يذهبون إلا المحدثين يسمعون منهم الأحاديث إلا بعد ذلك، ولهذا يقول الرامهرمزي: "وقد دل قول الزهري": ما رأيت طالبًا للعلم أصغر من أبن عيينة" على أن
_________________
(١) ١، ٢ الكفاية م ص ١٠٣. ٣، ٤ المحدث الفاصل "المخطوطة" ص ٢٣، ٢٤.
[ ١٩٠ ]
طلاب الحديث في عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يذكر عن أهل الكوفة"١.
٣٤٨- ومما يدل أيضًا على أنهم كانوا يعتبرون سن الخامسة عشرة سنًّا مبكرة في تلقي الأحاديث قول ابن جريح لوكيع: باكرت العلم، وكان لوكيع ثماني٢ عشرة سنة.
٣٤٩- وكان رأيهم في ذلك أن يتفرغ الصغير أولًا لحفظ القرآن والتعبد حتى يدرك قيمة ما يحمله من حديث رسول الله ﷺ يقول سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة٣.
وقال أبو الأحوص "١٧٦هـ": كان الشاب يتعبد عشرين سنة، ثم يطلب الشيء من الحديث، وإذا كان أبو الأحوص من أهل الكوفة، فلعله في هذا يعبر عن الكوفيين جميعًا الذين قال عنهم الخطيب: إنه لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد٤.
٣٥٠- وحتى يؤتي سماع الحديث ثمرته من وعي الحديث وضبطه يجب على السماع أن يكون يقظًا وقت سماعه، غير متساهل أو غافل أو نائم، ولهذا رأى كثير من أئمة الحديث ترك رواية من يتساهل في سماعه، يقول أحمد بن حنبل: رأيت ابن وهب وكان يبلغني تسهيله -يعني في السماع فلم أكتب عنه شيئًا، ويقول عثمان بن أبي شيبة إنه رأى ابن وهب في مجلس ابن عيينة، وهو ينام وقت السماع فتركه، وروي مثل ذلك عن ابن المديني حيث يقول: "قال لي ابن وهب: هات كتاب عمرو بن الحارث حتى أقرأه عليك، فتركته على عمد حين كان رديء الأخذ"٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٢٤، ٢٥. ٢، ٣ الكفاية "هـ" ص ٥٤. ٤ الكفاية "هـ" ص ٥٤. ٥ المصدر السابق ص ١٥١ - ١٥٢.
[ ١٩١ ]
٣٥١- وقد حدثت بعض الحالات التي تحول دون سماع التلميذ من شيخه في المجلس أو عدم رؤيته وهو يحدث، واعتبرها بعض الأئمة من السماع، ولا ضير على التلميذ أن يحدث عنه شيخه إذا تلقى منه في هذه الحالات، وهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات -كما يعبر الأصوليون.
أولها: عظم مجلس الشيخ، فلا يصل سماعه إلى بعض التلاميذ، وينوب عنه مستمل يبلغ منلم يسمع عبارة الشيخ، شكى أبو مسلم المستملي إلى ابن عيينة أن الناس لا يسمعون، فقال: أسمعهم أنت. وقال الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعي مع الحلقة، فربما يحدث، فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه.
وروي عن حماد بن زيد أنه قال لمن استفهمه: كيف قلت؟ قال: استفهم ممن يليك.
وقد أجازوا ذلك لأنه قد ثبت أن بعض الصحابة لم يسمع من رسول الله بعض الحديث ونسبه كله إلى سماعه من رسول الله، ﷺ، فقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي فقال: "كلهم من قريش" وقد أخرجه مسلم عنه كاملًا، من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه١.
ثانيًا: الكلمة التي يدغمها الشيخ، وهي معروفة، فلا يسمعها التلميذ كاملة، قال الإمام أحمد: أرجو ألا تضيق روايته عنه، ولكن بعض الرواة كان يتحرج فلا يكتب إلا ما سمعه. ومن هؤلا خلف بن سالم المخرمي "٢٣١هـ" وخلف بن تميم، قال الأخير: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث، أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت لزائدة بن قدامة؟ فقال: لا تحدث منها إلا بما حفظ قلبك، وسمع أذنك، فألقيتها٢.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ٢٥، ٢٦. ٢ المصدر السابق ٢/ ٢٧.
[ ١٩٢ ]
ثالثها: إذا حدث الشيخ من وراي حجاب، ولم يره التلميذ، فبعضهم شرط أن يرى السامع وجه المحدث، وهو يحدثه، وإلا فلا يجوز له أن يحدث بما سمع، يقول شعبة بن الحجاج: "إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه فلا ترو عنه"١. ولكن جمهور العلماء أباح ذلك؛ فقد أمر النبي ﷺ بالاعتماد على صوت ابن أم مكتوم المؤذن، في حديث: "إن بلالًا يؤذن بليل" الحديث، مع غيبة شخصه عمن يسمعه. وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين، وهن يحدثن من وراء الحجاب٢.
الأداء عن السماع:
٣٥٢- وإذا أراد الراوي أن يؤدي الحديث الذي سمعه من شيخه فله أن يؤديه بتلك الألفاظ التي تدل على السماع، مثل: "حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت، وقال لنا، وذكر لنا".
٣٥٣- ويقول القاضي عياض: إنه لا خلاف في جواز استعمال مثل هذه الألفاظ٣.
٣٥٤- ولكنها ليست في منزلة واحدة، فأرفع العبارات "سمعت" وكان الزهري يؤثرها عندما يحدث عن أنس ﵁. ويبين الخطيب البغدادي السبب في كونها أرفع هذه العبارات بأن أحدًا لا يستعملها في وجوه الأداء عن طرق للتحمل ليست لها قيمة كبيرة في توثيق الحديث مثل الإجازة والمكاتبة. كما لا تستعمل في التدليس٤.
٣٥٥- ثم يتلوها لفظ "حدثنا أو حدثني" وكانت أقل من "سمعت"؛ لأن بعض أهل العلم كان يستعملها فيما أجيز له، وروي عن الحسن أنه كان
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٥٩٩. ٢ تدريب الراوي ٢/ ٢٧ - ٢٨. ٣ الإلماع ص ٦٩. ٤ الكفاية م ص٤١٣.
[ ١٩٣ ]
يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل البصرة، وهو منهم، وهو لم يسمع منه شيئًا. ولم تستعمل "سمعت" في شيء من ذلك.
وممن كان يؤثر "حدثنا" على غيرها من العبارات الإمام أحمد بن حنبل وقد كان يحمل عبد الرزاق الصنعاني على ذلك١.
٣٥٦- ثم يتلو "حدثنا" "أخبرنا". وهو كثير في الاستعمال، حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيرها، منهم حماد بن مسلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبيد الله بن موسى، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد بن هارون٢، وإنما استعمل من استعملها ورعًا ونزاهة لأمانتهم فلم يجعلوها للينها بمنزلة "حدثنا ونبأنا" ولهذا قال أحمد بن حنبل: "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"، حدثنا شديد٣.
وإذا كان ابن الصلاح يقول: إن هذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ -فإنه يبدو أنه كان بعد القرن الثاني الهجري.
ويبين ابن الصلاح أن هناك وجهًا من وجوه تفضيل "أخبرنا" و"حدثنا" على "سمعت" وهو أنه ليس في "سمعت" دلالة على أن الشيخ رواه الحديث، وخاطبه به. وفي "حدثنا" و"أخبرنا" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له"٤.
٣٥٧- وأما نبأنا وأنبأنا فهما قليلتا الاستعمال، "وممن كان يستعملهما في السماع سماك بن حرب وحماد بن زيد٥.
٣٥٨- ويرى ابن الصلاح أن استعمال "قال لي" و"ذكر لي" إنما هو لائق بمن سمع في المذاكرة والمناظرة٦، وهو بهذه أشبه من "حدثتا".
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤١٤، ٤١٥. ٢ المصدر السابق م ص ٤١٣، ٤١٤. ٣ تدريب الراوي ٢/ ٩. ٤ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٦٧. ٥ الكفاية م ص ٤١٤ - ٤١٥. ٦ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٦٧.
[ ١٩٤ ]
وبعض العلماء قال -أداء عن السماع-: "قال" و"ذكر" من غير "لي" وهذا يحمل على السماع إذا عرف اللقاء وسلم هذا الراوي من تهمة التدليس، لا سيما إذا عرف من حاله أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه من شيخه كحجاج بن محمد الأعور الذي روى كتب ابن جريج عنه بلفظ: "قال ابن جريح" فحملها الناس عنه على أنها سماع، واحتجوا بها١. وقد نبه همام ابن يحيى بأنه عندما يقول: "قال قتادة" فإنما سمعه من قتادة٢.
وقد عرف بعض الرواة الذين يستعملونها في غير السماع مثل ابن وهب. يقول الإمام أحمد مبينًا ذلك: "كان بعض حديثه سماعًا، وبعضه عرضًا، وبعضه مناولة، وكان ما لم يسمعه يقول: "قال حيوة، قال فلان"٣.
٣٥٩- وإذا كان في الإمكان أن يختار واحدة من الألفاظ التي ذكرناها -من سمع من الشيخ على الرغم من التفاوت في قيمتها وفي شيوعها، فإنه يجب عليه- عند بعض الأئمة الذين يعتد بآرائهم -أن يلتزم الصدق في عبارة الشيخ ولا يتعداها، فإذا قال: "أخبرني" لا يجوز أن يقول عنه "حدثني" بدلًا منها، قال الإمام أحمد: إذا قال الشيخ: "حدثنا" قلت: "حدثنا"، وإذا قال: "أخبرنا" قلت: "أخبرنا"، تتبع لفظ الشيخ، فإنما هو دين تؤديه عنه، ولا تقل "لأخبرنا" "حدثنا" ولا "لحدثنا" "أخبرنا" إلا على لفظ الشيخ"، وفي كلام له آخر: "اتبع لفظ الشيخ في قوله "حدثنا" و"حدثني" و"سمعت" و"أخبرنا"ولا تعده، فإن كانت قراءة بينت القراءة ولا تغير لفظ الشيخ، إنما تريد أن تؤدي لفظه كما تلفظ به"٤.
وممن ذهب إلى ذلك أيضًا يحيى بن سعيد القطان، ومن كلامه في هذا الشأن: "إذا قال -أي الشيخ- "حدثنا" فلا يعجبني أن أقول"حدثني"، وربما قال: "حدثني" فأشك، فأقول: قال: "حدثنا"، فأما إذا قال "حدثنا" فلا أستجيز أن أقول: قال: "حدثني"، ومراده بذلك التزام الدقة في مراعاة لفظ الشيخ٥.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ١١. ٢ الكفاية "م" ص ٤١٩. ٣ المصدر السابق ص ٤١٩. ٤ المصدر السابق ص ٤٢٣. ٥ المصدر السابق ص ٤٢٥ - ٤٢٧.
[ ١٩٥ ]
٣٦٠- وليس بواجب عند كافة أهل العلم -كما يقول الخطيب البغدادي- أن يفرق الراوي بين "حدثني" و"حدثنا" فكل منهما تحكيان عن تحديث الواحد والجماعة، وممن نص على ذلك أحمد بن حنبل، وعبد الله ابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان١.
٣٦١- وممن خصص لكل لفظ حالة معينة عبد الله بن وهب، روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أنه قال: "إنما هو أربعة: إذا قلت "حدثني" فهو مما سمعت من العالم وحدي، وإذا قلت: "حدثنا" فهو مما سمعته مع الجماعة، وإذا قلت: "أحبرني" هو مما قرأت على المحدث، وإذا قلت: "أخبرنا" فهو مما قرئ على المحدث وأنا أسمع"٢.
٣٦٢- وإذا قال الراوي: "حدثنا فلان عن فلان" فإن "عن" هنا تحمل على السماع بشرطين:
الأول: إذا عرف أن هذا الراوي قد لقي الذي حدث عنه بهذه العبارة وسمع منه.
الثاني: إذا لم يكن هذا الراوي قد عرف بالتدليس؛ قال الإمام الشافعي، وقد سئل: لم قبلت رواية من يقول: "عن". وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ -قال: "المسلمون عدول أصحاء الأمر في أنفسهم وقولهم عنه خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا" وقوله: "حدثني فلان عن فلان": -سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذا الطريق قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان"، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبأن لنا عورته في روايته"٣.
_________________
(١) ١ الكفاية ص ٤٢٥ - ٢٧. ٢ المصدر السابق ص ٤٢٥. ٣ الرسالة ص ٣٧٨ - ٣٧٩.
[ ١٩٦ ]
٢- القراءة على الشيخ أو العرض:
٣٦٣- وهو أن يقرأ أحد التلاميذ على الشيخ أحاديثه التي له حق روايتها.
ولها صور: فقد يكون المتلقي هو الذي يقرأ، وقد يكون غيره وهو يسمع، وقد يقرأ من كتاب أو من حفظ، وقد يمسك الشيخ أصله أثناء القراءة أو يحفظ ما يقرأ عليه١.
٣٦٤- وقد ذكر الحاكم صورة أخرى، وهي أن يقدم التلميذ إلى شيخه جزءًا من حديثه أو أكثر، ويناوله إياه، فيتأمل الشيخ هذا الحديث، فإذا عرف أنه من حديثه قال للتلميذ: "قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها، وهذه رواياتي عن شيوخي، فحدث بها عني"٢.
وهذا -في حقيقة الأمر- ضرب آخر من ضروب تلقي الحديث وهو "المناولة" كما سنرى - إن شاء الله تعالى.
٣٦٥- ويقول القاضي عياض: إن إمساك الأصل أثبت صورها لتنتقي الغفلة بالنظر إلى الكتاب، "ويذهب الوهم، فيذكر الكتاب"٣ ومثل هذا أن يمسك الأصل حين القراءة ثقة عارف، وكذلك إذا أمسك القارئ نسخة الشيخ فقرأ فيها، فهي هنا كإمساك الشيخ نسخته؛ "إذ لا فرق بين الاعتاد على بصر الشيخ أو سمعه"٤.
٣٦٦- أما إذا كان الذي يمسك أصل الشيخ غير ثقة ولا مأمون أو غير بصير بما يقرؤه فلا يحل السماع والرواية بهذه القراءة، ولهذا ضعف بعضهم رواية من سمع الموطأ على مالك بقراءة حبيب كاتبه؛ لضعفه عندهم،
_________________
(١) ١ الإلماع ص: ٧٠. ٢ معرفة علوم الحديث ص ٢٥٦ - ٢٥٧- والحق أن الحاكم قد اضطرب في مصطلح العرض، فتارة يطلقه على "القراءة على العالم" وتارة يطلقه على "المناولة" كما يدل عليه كلامه هذا "قارن الصفحات السابقة بص ٢٦٠". ٣، ٤ الإلماع ص: ٧٥، ٧٦.
[ ١٩٧ ]
"وأنه كان يخطرف الأوراق "يسرع" حين القراءة ليتعجل"١.
٣٦٧- وإذا كان قد أنكر هذا الخبر على قائله، لحفظ مالك لحديثه، وحفظ كثيرين من أصحابه الحاضرين عنده، وأن مثل هذا مما لا يجوز على مالك، وأن العرض عليه لم يكن من الكثرة بحيث تخطرف عليه الأوراق، ولا يفطن إلى ذلك هو ولا من حضر٢ -إذا كان كذلك فإنه يبقى هذا الشرط لازمًا لصحة القراءة، وهو أن يكون ماسك الكتاب ثقة مؤتمنًا على السماع أو القراءة.
٣٦٨- وقد كان الشيوخ من المحدثين يتخيرون من القراء من يجيدون القراءة، حتى يكون قراءة الأحاديث صحيحة، ليس فيها تحريف، ولهذا عندما ذهب الشافعي إلى مالك؛ ليقرأ عليه الموطأ ولم يكن يعرفه قال له: اطلب من يقرأ لك، فقال له الشافعي: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن خفت عليك قرأت لنفسي، قال الشافعي: فلما سمع قراءتي قرأت لنفسي٣، فهذا يدل على أن الإمام مالكًا لم يكن يجيز لكل إنسان أن يقرأ عليه إلا إذا كان مجيدًا للقراءة.
٣٦٩- وقد اشترط بعض الظاهرية، وجماعة بن مشايخ أهل المشرق وأئمتهم إقرار الشيخ عند تمام الشيخ بأنه كما قرئ عليه بقوله: "نعم"، وأبو أن يكون الحديث صحيحًا إذا لم يكن هذا التقرير، وقد ورد في هذا للإمام علي كرم الله وجهه قوله: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء، إذا أقر لك"٤ وقد روي أن مالكًا كان يفعل ذلك.
ولكن روى عنه أيضًا أنه أنكر من طلب منه ذلك قائلًا: "ألم أفرغ لكم نفسي، وسمعت عرضكم، وأقمت سقطه وزلله؟ !
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٧٦، ٧٧. قال ابن معين: كان حبيب يقرأ على مالك وكان يخطرف بالناس، يصفح ورقتين ثلاثًا وكان يحيى بن بكير سمع من مالك بعرض حبيب وهو شر العرض "ميزان الاعتدال" مج ١/ ٤٥٢. ٢ الإلماع: ص ٧٧. ٣ آداب الشافعي ص ٢٧٠. ٤ الكفاية م ص ٣٨٣.
[ ١٩٨ ]
٣٧٠- ومذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء -كما يقول القاضي عياض أن هذا الشرط غير لازم، لأن العرف دال على أن سكوت الشيخ في هذا المقام تقرير له على الرواية، وإقرار منه بصحة ما قرئ عليه، ولو لم يكن صحيحًا لما جاز تقريره عليها، ولكان سكوته عن الإنكار مع القدرة عليه فسقًا؛ لما فيه من إيهام الصحة، إذن فلا معنى للتقرير بعد الفراغ منها١.
٣٧١- ولعل ما روي عن مالك خلاف هذا إنما هو من باب التأكيد أو الجواز لا اللزوم٢.
٣٧٢- ويذكر السيوطي أن شرط الإمام أحمد في القارئ أن يكون ممن يعرف الحديث ويفهمه٣.
٣٧٣- ويقول القاضي عياض: إنه "لا خلاف أن العرض على الشيخ رواية صحيحة" ولكن غيره حكى الخلاف في ذلك، يقول: الخطيب البغدادي، ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض، وهو القراءة على المحدث، ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظ الشيخ٤.
٣٧٤- ويذكر الرامهرمزي رواية عن أبي عاصم النبيل توضح أنه من الكارهين الذين أشار إليهم الخطيب في قوله السابق، يقول أبو عاصم: "سمعت سفيان وأبا حنيفة ومالكًا وابن جريج، كل هؤلاء سمعتهم يقولون: لا بأس بها، يعني القراءة، وأنا لا أراه، وما حدثت بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة"٥.
وممن كرهها أيضًا وكيع بن الجراح الذي يقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا، ومحمد بن سلام الذي أدرك مالكًا والناس يقرءون عليه، فلم يسمع منه لذلك، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي الذي ضاق به مالك، وكره أن يحضر مجلسه من أجل هذا٦.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٥٩. ٢ الإلماع ص ٧٨، ٧٩. ٣ تدريب الراوي ٢/ ١٢. ٤ الإلماع ص ٧٠ - الكفاية م ص ٣٨٠. ٥ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٢٠. ٦ تدريب الراوي ٢/ ١٣.
[ ١٩٩ ]
٣٧٥- ومهما يكن من أمر فهؤلاء الكارهون لها قليلون إلى جانب الجمهرة الغفيرة من المحدثين والفقهاء الذين يجيزونها، ويعتبرونها طريقًا صحيحًا من طرق التلقي، على أنه يمكن القول بأن هؤلاء لا يمنعونها مطلقًا، وإنما ألزموا أنفسهم بتركها مؤثرين السماع عليها بدليل أن أبا عاصم النبيل رويت عنه رواية أخرى تقول بأنه يسوي بين العرض والسماع١. وعلى هذا يمكن أن نفهم عبارة القاضي عياض: إنه لا خلاف في أنها رواية صحيحة.
٣٧٦- وحجة جواز هذا الضرب من ضروب التلقي ما روي عن النبي ﷺ: أنه أتاه ضمام بن ثعلبة، وقد أوفده قومه سنة تسع إلى النبي، ﷺ، وسأله عن الإسلام قائلًا: "الله أمرك بكذا وكذا، فيقول ﷺ: "نعم" "فأسلم بعد هذا العرض، وعاد إلى قومه، فأخبرهم بذلك وحده٢.
وذهب إلى ذلك من السلف عدد من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك.. وعروة بن الزبير والحسن البصري، وغيره من التابعين٣.
٣٧٧- وإذا ذهبنا إلى جمهرة المحدثين والفقهاء الذين أجازوا هذا الضرب، فإننا نجدهم قد اختلفوا في قيمته بالنسبة إلى السماع هل العرض مثل السماع، أو دونه، أو أرجح منه؟
وقد تقدم في الكلام على السماع أن كثيرًا من العلماء يفضل السماع على القراءة؛ لأن هذا هو ما فعله الرسول ﷺ في تعليم صحابته، رضوان الله عليهم؛ ولأن السماع في بعض صوره أدعى إلى عدم الغفلة من الشيخ ومن التلميذ٤.
٣٧٨- ويقول القاضي عياض: إن مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة التسوية بينهما، وإن هذا هو مذهب مالك وأصحابه وأشياخه من أهل المدينة
_________________
(١) ١ فتح المغيث ٢/ ٣٠. ٢ الإلماع ص ٧١ - ٧٢. ٣ معرفة السنن والآثار ١/ ٨٥. ٤ ص ١٩٣ من هذا البحث.
[ ٢٠٠ ]
وعلمائها، ويحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة والزهري في جماعة، ويذكر غيره من هؤلاء الليث بن سعد وأبا حنيفة، وعبد الرزاق، وعبد الله ابن المبارك١.
٣٧٩- ولعل من حجتهم ما روي عن علي وابن عباس والحسن من الصحابة رضوان الله عليهم وعروة بن الزبير من أقوال تدل على أن الاثنين بمنزلة واحدة٢.
ولعل من حجتهم أيضًا ما أورده القاضي عياض من أن مالكًا احتج على ذلك بالصك "الكتاب" يقرأ على القوم، فيقولون: أشهدنا فلان، ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان، وروي مثل هذا عن أبي حنيفة٣.
٣٨٠- وإذا كان هؤلاء الذين يفضلون السماع على القراءة قد احتجوا بأن هذا كان فعل رسول الله ﷺ، في غالب الأوقات، والاقتداء به أولى، فإن أبا حنيفة، ﵁، قد رد عليهم بأمرين:
الأول: أن رسول الله ﷺ كان مأمونًا من السهو والخطأ في تبليغ الوحي وبيان الأحكام، ولهذا كانت قراءته ﵇ أولى، أما غيره، ﷺ فيجوز عليه السهو الغلط، فكانت قراءة المحدث وقراءة غيره سواء.
الثاني: أنه ﵊ لم يكن كاتبًا، ولا قارئًا من المكتوب شيئًا، وإنما يقرأ ما يقرأ عن حفظ، فكانت قراءته أولى، فأما إذا كانت الرواية عن كتابوالسماع في كتاب -كما هي العادة في عصر أبي حنيفة- فهما سواء في معنى التحديث بما في الكتاب٤.
_________________
(١) ١ الإلماع: ص ٧١ - المحدث الفاصل ص ٤٢٠ "المطبوعة" - الكفاية "م" ص ٣٩١ - ٣٩٤ جامع بيان العلم ٢/ ٢١٧. ٢ الإلماع ص ٧١ - المحدث الفاصل ص ٤٢٠، ٤٢٣، ٤٢٧ - ٤٢٩- الكفاية هـ ص ٢٧٠. ٣ الإلماع ص ٧٢ - المحدث الفاصل ص ٤٢٦ الكفاية م ٣٩١. ٤ كشف الأسرار ٢/ ٧٦٠ -أصول السرخسي ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
[ ٢٠١ ]
ويضيف أبو حنيفة، ﵀، أنهما -وإن كانا سواء- فالثاني أحوط وهو القراءة على الشيخ؛ لأن التلميذ يكون أشد عناية في ضبط المتن والسند من الشيخ، لحاجته إلى ذلك، والطالب عامل لنفسه والمحدث عامل لغيره، فيحتمل أن يسهو عن البعض ويشذ منه أكثر ما يشذ عن الطالب، فمن طبيعة الإنسان أن يحتاط في أمر نفسه أكثر مما يحتاط في أمر غيره.
وإذا كان الشيخ قد يسهو في حالة القراءة عليه، فإن مثله موجود عند قراءة الشيخ نفسه؛ إذ قد يسهو الطالب عن السماع، فتساويًا في هذا الاحتمال١.
٣٨١- وهناك اتجاه الثالث يفضل القراءة على الشيخ على السماع، ويروى عن مالك ما يضمه إلى هذا الاتجاه، يروى عنه قوله: السماع عندنا على ثلاثة أضرب:
أولها: قراءتك على العالم.
ثانيها: قراءته عليك.
ثالثها: أن يدفع إليك كتابًا، فيقول: اروه عني.
وهذا الضرب الثالث هو المناولة.
٣٨٢- ويحتج في هذا بأن الشيخ -في حالة السماع- ربما سها أو غلط فيما يقرؤه بنفسه، فلا يرد عليه الطالب هذا السهو أو الخطأ لأحد أسباب ثلاثة؛ فقد يكون جاهلًا فلا يهتدي إلى الصواب، وقد تمنعه هيبة الشيخ وجلالته عنده، وقد يخطئ الشيخ في موضع فيه مجال اختلاف، فيظن الطالب أن هذا الخطأ إنما هو رأي الشيخ في هذا الموضع فيحمل الخطأ على أنه صواب.
أما إذا قرأ الطالب على الشيخ فسها أو أخطأ فإن الشيخ يرده، لعلمه، مع فراغ سره وحضور ذهنه، أو يرد عليه غيره، ممن يحضر
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٦١.
[ ٢٠٢ ]
المجلس: لأنه "لا هيبة للطالب، ولا يعد له مذهب في الخلاف، إن صادف لغلطه موضع اختلاف١.
وقد ذكر الخطيب البغدادي هذه الحجة دون أن ينسبها إلى مالك رضي الله عنه٢.
٣٨٣- ومما يرجح أن هذا هو اتجاه مالك أن نافعًا القارئ شاوره ليتقدم إمامًا في مسجد النبي ﷺ، فأشار عليه بألا يفعل، قائلًا: "المحراب موضع محنة، فإن زللت في حرف وأنت إمام حسبت قراءة حملت عنك"٣ وقد روي هذا أيضًا عن أبي حنيفة. والليث بن سعد٤.
وربما كان هذا الموقف قد نشأ كرد فعل لهؤلاء الذين ينكرون القراءة ولا يجيزونها طريقًا من طرق تلقي الحديث، ولكنهم عندما لا يواجهون هذا الأمر يقولون بما يقول به الكثيرون من المساواة بين السماع والقراءة على الشيخ. وهذا قد يفسر السبب في تناقض الروايات عن بعض الأئمة مثل مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد.
الألفاظ التي يؤدى بها العرض:
٣٨٤- وكما اختلفوا في تقدير قيمة القراءة على الشيخ ومنزلتها من السماع -اختلفوا كذلك في الألفاظ التي تطلق تعبير عنها: فرأى بعضهم أنه ما دامت القراءة مثل السماع فإنه يطلق عليها من الألفاظ ما يطلق عليه من "حدثنا" و"أخبرنا" و"أنبأنا" إلى آخره.
٣٨٥- وممن روى عنهم أنه لا بأس أن يقول المحدث أداء عن هذا الضرب: "حدثنا" الإمام مالك، ومنصور بن المعتمر الذي قال لشعبة: إذا قرأت على المحدث فعرفته أليس قد حدثك؟ وعطاء بن أبي رباح
_________________
(١) ١ الإلماع، ص: ٧٤، ٧٥. ٢ الكفاية م ص ٤٠٢. ٣ الإلماع ص ٧٥. ٤ الكفاية "م" ص ٤٠٧ - كشف الأسرار م - ٧٦١.
[ ٢٠٣ ]
وأبو حنيفة والزهري وزفر بن الحارث، والأوزاعي، وإسماعيل بن جعفر وأبو عبيد القاسم بن سلام، وشريك بن عبد الله ومسعر ابن كدام، ومالك بن مغول١.
وممن أجاز أن يقول القارئ: "سمعت" سفيان الثوري،
وأبو حنيفة رضي الله عنهما٢.
٣٨٦- وإذا كانت "حدثني" و"سمعت" تشعران بالنطق من الشيخ وفي حالة القراءة على الشيخ لم يوجد نطق، فليس معنى هذا أن من أجاز إطلاقهما على العرض قد أخطأ؛ لأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح -كما يقولون- يقول صاحب "كشف الأسرار": لا نزاع أن لكل قوم من العلماء اصطلاحات مخصوصة، يستعملونها في معاني مخصوصة، إما لأنهم نقلوها بحسب عرفهم في تلك المعاني؛ أو لأنهم استعملوها فيها على سبيل التجاوز، ثم صار المجاز شائعًا والحقيقة مغلوبة، ولفظ "أخبرني" و"حدثني" ههنا كذلك، لأن هذا السكوت يشابه الإخبار في إفادة الظن، والمشابهة إحدى أسباب المجاز، وإذا جاز هذا الاستعمال مجازًا، ثم استقر عرف المحدثين عليه صار ذلك كالاسم المنقول بعرف المحدثين، أو كالمجاز الغالب، وإذا ثبت ذاك وجب
جواز استعماله قياسًا على سائر الاصطلاحات"٣.
٣٨٧- ورأى آخرون أن يكون العرض مميزًا عن السماع في الأداء، ومن هنا خصصوا للعرض لفظ "أخبرنا". ومن هؤلاء الإمام الشافعي الذي كان يقول: "إذا قرأ عليك العالم فقل: "حدثنا" وإذا قرأت عليه فقل: "أخبرنا"٤. وعبد الله بن المبارك الذي يقول: "إذا قرأ العالم على العالم فقال: "حدثني" فهي كذيبة٥.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٢١، ٤٢٨ - الكفاية ص ٣٩٠، ٤٠٧، ٤٠٨. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٢٢- الكفاية ص ٤٠٧. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٦٠. ٤ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٢٥. ٥ الكفاية م ص ٤٢٩.
[ ٢٠٤ ]
وممن ذهب مذهب الشافعي في هذا أبو حفص التنيسي، وحماد ابن زيد، وعثمان بن أبي شيبة والأوزاعي، وأبو حنيفة في رواية أخرى عنه١.
٣٨٨- واختار هؤلاء لفظ "أخبرنا"، لأن الإخبار في أصل اللغة لإفادة الخبر والعلم، والسكوت من الشيخ، وإقراره ما سمع دون نكير منه قد أفاد العلم بأن هذا المسموع كلام رسول الله ﷺ "فوجب أن يكون إخبارًا"٢.
٣٨٩- كما اعتمدوا في التفرقة بين "حدثني" و"أخبرني" على الفرق في الاستعمال العادي بين حدثنا وأخبرنا، بين الإمام محمد بن الحسن الشيباني الفرق بين الاستعمالين وآثاره فقال: "إذا حلف الرجل فقال: أي غلام لي أخبرني بكذا وكذا، وأعلمني بكذا وكذا فهو حر، ولا نية له، فأخبره غلام له بذلك، بكتاب، أو كلام أو رسول فقال: إن فلانًا يقول لك كذا وكذا، فإن الغلام يعتق؛ لأن هذا خبر، وإذا قال: أي غلام لي "حدثني"، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم"٣.
٣٩٠- ولم يكتف يحيى بن سعيد القطان بالتفريق بالألفاظ، وإنما ينص الراوي على العرض أو الإجازة يريد أن يؤدي عنهما، يقول: ينبغي للرجل أن يحدث كما سمع، فإن سمع يقول: "ثنا"، وإن عرض يقول: "عرضت" وإن كان إجازة يقول "أجاز لي" ويرى الإمام الأوزاعي مثل هذا ٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٤. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٦٠. ٣ الكفاية "م" ص ٤٢٧. ٤ الكفاية ص ٤٣٠ - ٤٣١.
[ ٢٠٥ ]
٣- المناولة ومصطلحات الأداء عنها:
٣٩١- إذا كان الضربان السابقان يشتركان في قراءة ما يتلقاه الطالب من الشيخ، سواء أكان القارئ هو الشيخ أو التلميذ أو غيرهما في المجلس -فإن الوجوه الأخرى للتلقي ليست فيها هذه القراءة وهذه ميزة تشترك فيها جميعًا، ولكنها تختلف من حيث الإذن بالرواية وعدمه. ومن حيث التأكد
من صيانة المرويات التي تنقل بها، وعدمه. وهذا يجعلها تتفاوت من حيث القيمة والجدارة بتوثيق المرويات المنقولة عن طريقها.
٣٩٢- ومن هذه الوجوه "المناولة"، وقد عرف القاضي عياض نوعين١ منها أحدهما لا يفترق عن نوع من أنواع الإجازة في شيء، ولذلك لن نعرض له هنا.
٣٩٣- أما النوع الآخر فهو صور، منها: أن يدفع الشيخ كتابه الذي رواه، أو نسخة منه وقد صححها، أو أحاديث من أحاديثه، وقد انتخبها وكتبها بخطه، أو كتبت عنه، فعرفها فيقول للطالب: هذه روايتي فاروها عني ويدفعها إليه، ومثال هذه الصورة: ما حدث به المروزي عن الإمام أحمد أنه قال له: إذا أعطيتك كتابي، وقلت لك: اروه عني، وهو من حديثي، فما تبالي؛ أسمعته أو لم تسمعه، قال المروزي: فأعطانا المسند - أي مناولة٢.
٣٩٤- أو يقول الشيخ للتلميذ: خذ هذه النسخة فاكتبها، وقابل بها، ثم اصرفها إلي، وقد أجزت لك أن تحدث بها عني، أو اروها عني.
ومثال هذه الصورة ما رواه عبيد الله بن عمر أن الزهري دفع إليه صحيفة فقال: انسخ ما فيها وحدث بها عني، فقال له عبيد الله: أويجوز ذلك؟ قال: نعم، ألم تر الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها، فيجوز ذلك ويؤخذ به٣.
وربما لم يطلب الزهري من عبيد الله أن يرد النسخة التي سيكتبها إليه ليصححها؛ لثقته في تلميذه هذا، أو ربما حدث ذلك فعلًا فرد إليه النسختين، نسخته والنسخة التي كتبها فاطمأن إلى ما فيها.
٣٩٥- أو يأتي الطالب الشيخ بنسخة صحيحة من روايته أو بجزء من حديثه، فيقف عليه الشيخ ويعرفه، ويحققه ويتأكد من صحته ويجيزه له.
_________________
(١) ١ الإلماع ص: ٧٩. ٢ الكفاية "هـ" ص ٣٢٧. ٣ المصدر السابق ص ٣٢٦.
[ ٢٠٦ ]
يقول أحد تلاميذ الأوزاعي: لقيت الأوزاعي ومعي كتاب، كنت كتبته من أحاديثه، فقلت: يا أبا عمرو، هذا كتاب كتبته من أحاديثك قال: هاته، وأخذه، وانصرف إلى منزله وانصرفت أنا، فلما كان بعد أيام لقيني به. فقال: هذا كتابك، قد عرضته وصححته، قلت: يا أبا عمرو، فأورى عنك، قال: نعم، فقلت: اذهب، فأقول: أخبرني الأوزاعي؟ قال: نعم١.
وسمى ابن الصلاح هذه الصورة عرض المناولة قياسًا على عرض القراءة٢.
ونلاحظ أنه مع المناولة تكون إجازة بالرواية، ولهذا فقد كان من الممكن أن تكون نوعًا من أنواعها، ولكننا آثرنا -كما فعل القاضي عياض- أن نجعلها ضربًا مستقلًّا؛ لأنها تتضمن إجازة وزيادة.
٣٩٦- وفي كل هذه الصور الثلاث روعي ما يضمن للحديث أن ينتقل من الشيخ إلى التلميذ نقلًا صحيحًا لا تغيير فيه ولا تبديل، ففي الصورة الأولى يعطي الشيخ التلميذ نسخة قد وثق منها؛ لأنها كتابه الذي يحفظه عنده أو نسخة منه قد وقف عليها وصحح ما قد يقع فيها من أخطاء أثناء النقل.
وفي الصورة الثانية لا يعتمد على نقل التلميذ، وإنما يأمره بالمقابلة ثم يأخذ ما نقله ليستوثق من صحة النقل والمقابلة.
وفي الصورة الثالثة يتأكد من صحة ما يقوله التلميذ من أنها من حديثة ومن روايته، فيقف عليها، ويعرفها، ويحققها قبل أن يجيزها له٣، ففي جميعها -كما ترى تحقق من الشيخ بما في الكتاب الذي يناوله، وهذا ما شرطه
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ص ٣٢٢. وقد فعل مالك وأحمد بن حنبل مثل هذا "انظر ص ٣٢٧ عن الكفاية هـ". ٢ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٩١. ٣ وإذا كان قد روي عن الزهري أنه أتى إليه أحد التلاميذ بكتاب ما قرأه ولا قرئ عليه، فيجيز له أن يرويه عنه، فإن هذا يحمل -كما يقول ابن عبد البر- على أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه "جامع بيان العلم ٢/ ٢١٨ - الكفاية ص ٣٢٩".
[ ٢٠٧ ]
الإمام أحمد حين سئل عن "المناولة"، فقال: ما أدري ما هذا، حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب١؟!.
٣٩٧- وكما يفهم من هذه الصور، فقد يكون الطالب عالمًا بما في الكتاب الذي تناوله من الشيخ وقد لا يكون عالمًا به.
ولكن أبا حنيفة ومحمدًا -رحمها الله تعالى- قد اشترطا أن يكون المناول -في كل الحالات عالمًا بما في الكتاب الذي يناوله إياه الشيخ، ولم يشترط هذا أبو يوسف -رحمه الله تعالى- ويقول السرخسي: إن هذا قياس على اختلافهم في كتاب القاضي إلى القاضي وكتاب الشهادة، فإن علم الشاهد بما في الكتاب شرط في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وليس شرطًا في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، لصحة أداء الشهادة، ثم يقول السرخسي: والأصح عندي أن المناولة التي لا يعلم الطالب ما فيها لا تصح في قولهم جميعًا؛ لأن أبا يوسف إنما أجاز عدم علم الشاهد، وعدم علم رسول القاضي إلى القاضي بما في الكتاب للضرورة؛ لأن هذه الكتب قد تشتمل على أسرار لا يريد الكاتب والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما، وذلك المعنى لا يوجد في كتاب الأخبار.
٣٩٨- ثم إن الأخبار لها أهمية كبيرة، فهي تحل وتحرم في أمور الدين فأمرها عظيم، وخطبها جسيم، فلا ينبغي أن نحكم بصحة تحملها قبل أن تصير معلومة للمتحمل. أما إذا كان جاهلًا بها فمثله مثل الذي يقرأ عليه المحدث، فلم يسمع ولم يفهم، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يروي، والمناولة والإجازة إذا لم يكن ما في الكتاب معلومًا له دون ذلك٢.
٣٩٩- وإذا كان الحديث ينقل بالمناولة على هذه الصورة من المؤكدات فقد رأى الإمام مالك وجماعة من العلماء أنها بمنزلة السماع من حيث القيمة وقد تقدم قوله في عد المناولة من السماع، وروى عنه ابن أبي أويس مثل هذا٣.
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ٣٢٨. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨. ٣ الإلماع ص ٨٠.
[ ٢٠٨ ]
ويقول القاضي عياض: إنها رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين. ومن الذين قالوا: إنها بمنزلة السماع غير مالك الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد المكي، والشعبي، وعلقمة وإبراهيم النخعيان وأبو العالية وأبو الزبير، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وهؤلاء من أمصار مختلفة، فبعضهم مدني، وبعضهم كوفي، وبعضهم مصري، ويقول السيوطي: إن هناك جماعات أخرى من الشاميين، كما يذكر جماعات كثيرة من السلف كانت ترى هذا الرأي١.
٤٠٠- وحجة القائلين بهذا الرأي أنه -وإن لم يكن السماع موجودًا فالثقة من الشيخ بكتابه الذي يناوله للتلميذ ربما تفوق ثقته بإسماع حديثه له، أو السماع منه؛ لاحتمال الغلة من هذا أو ذاك٢.
وقد اعتمد عمال النبي، ﷺ، على كتبه التي وصلت إليهم بطريق المناولة، ومن هذا أنه بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى٣.
ومن هذا أيضًا أن رسول الله، ﷺ، كتب لعبد الله بن جحش كتابًا، وختم عليه، وناوله إياه، ووجهه في طائفة من أصحابه إلى جهة نخلة، وقال له: "لا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، ثم انظر فيه، وأنفذ لما فيه، ولا تكره أحدًا على النفوذ معك"٤.
وذكر العيني وجه الاستدلال بهذا الحديث، وهو أنه لما جاز له الإخبار عن النبي ﷺ بما فيه، وإن كان النبي، ﷺ لم يقرئه، ولا هو قرأ عليه، فلولا أنه حجة لم يجب قبوله"٥.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ٤٦، ٤٧. ٢ الإلماع ص ٨١. ٣ معرفة علوم الحديث ص ٢٥٨. ٤ الإلماع ص ٨١ - ٨٢. وقد علقه البخاري في كتاب العلم ١/ ٢٥ ووصله البيهقي والطبراني بسند حسن. قال السهيلي: احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابًا جاز له أن يروي عنه ما فيه. قال: وهو فقه حسن. "تدريب الراوي ٢/ ٤٤". ٥ عمدة القاري شرح صحيح البخاري: بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني "٨٥٥هـ" جـ٢ ص ٢٧.
[ ٢٠٩ ]
وقد سبق أن ذكرنا أنه قد استعملها السلف من التابعين وتابعي التابعين وأجازوها.
٤٠١- وذهب بعض الأئمة في القرن الثاني إلى غير هذا، فلم يعتبروها مثل السماع والعرض، وإنما هي في درجة أقل منهما، وممن ذهب إلى ذلك سفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأبو حنيفة والشافعي والبويطي والمزني وأحمد وإسحاق بن راهوية١.
الأداء عن المناولة:
٤٠٢- وإذا كانت هناك خشية من التحريف الذي لا يخشى مثله فبما سمع من المحدث أو قرئ عليه٢ - فإنه ينبغي عند رواية أحاديث أخذت بهذه الطريق أن يعبر الراوي بما يدل عليها، فيقول: أعطاني فلان أو دفع إليّ كتابه أو شبيهًا بهذا، ولا يطلق عليها: "حدثنا" ولا "أخبرنا"؛ لأنه ليس هناك تحديث أو إخبار مطلقًا من غير قيد حتى لا تلتبس بالسماع أو القراءة.
٤٠٣- وهذا ما كان عليه السلف، رضوان الله عليهم؛ فعن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام قال: دفع إليَّ أبو رافع كتابًا فيه استفتاح الصلاة، قال: كان رسول الله، ﵌، إذا قام في صلاة كبر، فقال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين" ٣. وروى إبراهيم بن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا فقال: هذا ما سمعت من أبي، وكان فيه "عن قتادة عن أنس أن النبي، ﷺ، أحرم في دبر صلاتي العشاء"٤.
٤٠٤- وممن فعل ذلك في القرن الثاني الهجري حماد بن سلمة الذي
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ٤٧. ٢ معرفة السنن والآثار ١/ ٨٨. ٣ هذا جزء من آية كريمة من سورة الأنعام رقم ٧٩. ٤ الكفاية هـ ص٣٣١.
[ ٢١٠ ]
قال في روايته "أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبيد الله بن أنس، وساق حديث الصدقات بطوله١.
٤٠٥- ورأى الأوزاعي أيضًا أن كلمة حدثنا وأخبرنا لا يصح أن تطلق على المناولة لما فيهما من التحديث والإخبار، وهو لم يحدث ولم يخبر، يقول عمرو بن أبي سلمة: قلت للأوزاعي، في المناولة أقول فيها: "حدثنا"؟ فقال: إن كنت حدثتك فقل. فقلت: أقول فيها: أخبرنا؟ قال: لا، قلت: فيكف أقول؟ قال: قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو٢.
وهذا يفسر عبارة للأوزاعي غير واضحة تقول عند كتاب المناولة: "يعمل به ولا يحدث به" وفي رواية البيهقي" يتدين به ولا يحدث به٣، مما جعل السيوطي يقول: إنه مما يعترض به على ذكر الأوزاعي فيمن يجيزون المناولة٤.
والحق أنه يريد -كما يقول بعض الباحثين- ألا يطلق التحديث على المناولة بدليل هذه الرواية وغيرها مما يقول فيها عندما دفع إليه كتاب، فنظر فيه، ثم قال لمن دفع إليه الكتاب: اروه عني٥.
٤٠٦- وفي القرن الثاني أيضًا رأينا غير واحد من الأئمة لا يمانع في أن يطلق عليها الراوي عند الأداء "حدثنا" أو "أخبرنا" ومن هؤلاء مالك ابن أنس وابن وهب وابن القاسم وأشهب بن عبد العزيز، وشعيب بن أبي حمزة وأبو اليمان الحكم بن نافع٦.
وقدوتهم في ذلك الحسن البصري رحمه الله تعالى، فقد روى عنه أنه
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٣٣١ - ٣٣٢ وانظر كثيرًا من هذا الكتاب في صحيح البخاري ٢/ ١٤٦، ١٤٧. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٦. ٣ المصدر السابق ص ٤٣٧. ٤ تدريب الراوي ٢/ ٤٨. ٥ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٧. ٦ الكفاية هـ ص ٣٣٣.
[ ٢١١ ]
كان لا يرى بأسًا أن يدفع المحدث كتابه، ويقول: ارو عني جميع ما فيه ويمكن للطالب أن يقول: "حدثني فلان"١.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٥.
[ ٢١٢ ]
٤- المكاتبة ومصطلحات الأداء عنها:
٤٠٧- وهي منهج آخر من مناهج تلقي الحديث، وخاص بانتقال الكتب كما في المنهج السابق.
ولها أكثر من صورة؛ منها، كما يقول القاضي عياض:
١- أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له شيئًا من حديثه.
٢- أو يبدأ الشيخ بكتاب ذلك مقيدًا للطالب بحضرته أو من بلد آخر٢.
ويذكر ابن الصلاح أنها نوعان: كتابة مقترنة بإجازة، بأن يكتب إليه ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو ماكتبت به إليك، أو نحو ذلك من عبارات الإجازة٣.
٤٠٨- والحق أن تعريف القاضي عياض فيه خلط بين المكاتبة والمناولة لأنه إذا كتب الشيخ بحضرة التلميذ شيئًا من أحاديثه وأفاده بهذه الكتابة فهي المناولة بعينها.
٤٠٩- والحق أيضًا أنه لا داعي لأن نقول -كما قال ابن الصلاح- إنها بإجازة وبغير إجازة، لأن الإجازة متحققة فيها، وإن لم يكن هناك نص على ذلك، وإلا فما معنى أن يكتب الشيخ للتلميذ كتابه ويرسله إليه؟، إلا إذا نص على غرض آخر غير الرواية.
ولهذا فالأولى أن نجعلها نوعًا واحدًا ونقول: إنها هي كتابة الشيخ أحاديثه أو بعضها لأحد تلاميذه أو أصحابه وإرسالها إليه بقصد إعطائه حق روايتها.
٤١٠- وأمثلة هذا الوجه كثيرة منها ما يقوله الأوزاعي: كتب إلي قتادة قال: حدثني أنس بن مالك أنه "صلى خلف رسول الله، صلى الله
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٥. ٢ الإلماع ص٨٣، ٨٤. ٣ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٩٧.
[ ٢١٢ ]
عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ "الحمد لله رب العالمين" لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها"١.
٤١١- وحتى يكون الكتاب مصونًا عن التغيير في الطريق إلى من كتب إليه -ينبغي أن يشده المرسل، ويختمه بخاتمه، وقد فعل ذلك غير واحد من السلف وخاصة في القرن الثاني الهجري، ومن هؤلاء ابن جريح الذي كتب إلى ابن أبي سمرة بأحاديث من أحاديثه، وختم على الكتاب٢. وكتب قتيبة ابن سعيد إلى الإمام أحمد بن حنبل وقال له: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي ونقشه "الله ولي سعيد" وهو خاتم أبي، وفعل ذلك الإمام مالك بن أنس٣.
٤١٢- ويقول القاضي عياض مبينًا حكم هذا المنهج أو هذا الضرب: "قد أجاز المشايخ الحديث بذلك عنه"٤.
ولكنهم اشترطوا شرطًا هامًّا يصون الحديث الذي ينقل عبره من التزييف والتحريف والكذب، وهو أن يتيقن الطالب أن هذا الكتاب الذي جاء إليه إنما هو، حقيقة، كتاب الشيخ، والخط الذي كتب به إنما هو خطه، فأما إذا كان شاكًّا في ذلك لم تجز له روايته عنه٥.
وإنما أجازوها لأنها لا تفترق كثيرًا عن المناولة، فكون الشيخ يستجيب لسؤال الطالب ويكتب له، أو يرسل إليه بكتابه من غير سؤال إلى بلد آخر إنما هو أقوى إذن -كما يعبر القاضي عياض٦- وكما يقول ابن الصلاح: إنها وإن لم تقترن بالإجازة لفظًا فهي متضمنة لها معنى٧.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٣٥. وانظر أمثلة أخرى كثيرة لاستعمال هذا الضرب ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم في المحدث الفاصل "المطبوع" ص٤٣٨ - ٤٤٩. ٢ الكفاية "م" ص ٤٨٦، ٤٨٧. ٣ المرجع السابق. ٤ الإلماع ص: ٨٤. ٥ المحدث الفاصل: ص ٤٥٢ "المطبوع". ٦ الإلماع: ص ٨٤. ٧ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص١٩٧.
[ ٢١٣ ]
٤١٣- وممن أجازها من أئمة القرن الثاني الأئمة شعبة بن الحجاج، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، والليث بن سعد، وقد استمر عمل العلماء بها بعدهم وأجمعوا على ذلك١. وهي موجودة في كثير من أسانيدهم، وكثيرًا ما نجد "كتب إلى فلان" على لسان كثير من الرواة٢.
ويروي البيهقي في كتابه "المدخل إلى الآثار" عن التابعين فمن بعدهم كثيرة، وكتب النبي، ﷺ، شاهدة لقولهم.
٤١٤- ومع هذا يذكر ابن الصلاح أن من الناس -ولم يذكر من هم- من قال: إنه لا تجوز الرواية بها، لأنه يمكن تزييف الخط ويكون شبيهًا بخط الشيخ.
ووصف ابن الصلاح هذا الرأي بأنه غير مرضي، وقال القاضي عياض. إنه غلط؛ لأن تزييف الخط نادر، والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه الالتباس، فيمكن التأكد من كونه خط الشيخ أو غيره، والتأكد من ثقة من يوصل هذا الكتاب إليه٣.
ما قيمة هذا الضرب عند ما يجيزونه بالنسبة إلى الطرق الأخرى التي سبق ذكرها؟
٤١٥- ذكر الرامهرمزي أن المكاتبة بمنزلة السماع؛ لأن الغرض من القول باللسان -كما هو الحال في السماع- التعبير عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأية وسيلة كانت -كالمناولة والمكاتبة- كان ذلك كله سواء.
٤١٦- وقد أقام النبي ﷺ الإشارة مقام القول، وذلك في حديث الرجل الذي أخبره أن عليه عتق رقبة، وأحضر له جارية قال: إنها أعجمية، فأراد الرسول، ﷺ، أن يختبرها، فقال
_________________
(١) ١ الإلماع ص ٨٦. ٢ مقدمة ابن الصلاح ص ١٩٧. ٣ الإلماع ص ٨٤ - مقدمة ابن الصلاح ص ١٩٧ بشرح التقييد.
[ ٢١٤ ]
لها: "أين ربك"؟.. فأشارت إلى السماء. فقال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. فقال للرجل: "أعتقها فقد عرف الرسول إسلامها بإشارتها، واكتفى بذلك عن القول. وكذلك هنا يكتفي بالكتابة عن القول.
٤١٧- ثم أورد مثالًا يدلنا على أن هناك اتجاهين: أحدهما يعتبر المكاتبة مثل السماع، والآخر أقل منه: فقد روي أن إسحاق بن راهوية ناظر الشافعي -وأحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، قال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟.. فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة: أن النبي ﷺ، مر بشاة ميتة، فقال: "هلا انتفعتم بجلدها" ١؟!.
فقال إسحاق: حديث ابن عكيم: كتب إلينا النبي، ﷺ- قبل موته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر".
فقال الشافعي: هذا كتاب، وذاك سماع؟ فقال إسحاق: إن النبي، ﷺ، كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي٢.
فمن هذا المثال نرى أن الإمام الشافعي، ﵁ رجح حديث ابن عباس عن ميمونة على حديث ابن عكيم؛ لأن الأول سماع، والثاني كتاب، والكتاب والمناولة والوجادة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة٣.
على حين نرى أن إسحاق بن راهوية، ﵁، جعل الحديثين في درجة واحدة في هذا الموضوع، فالمكاتبة لا تقل حجية عنده عن السماع.
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث في جلود الميتة وهل تحل أو لا في نصب الراية جـ١ ص ١١٥ - ١٢١. ٢ المحدث الفاصل ص ٤٥٢ - ٤٥٤ من المطبوع، الإلماع ص ٨٦ - ٨٧. ٣ نصب الراية ١/ ١٢١ - ١٢٢.
[ ٢١٥ ]
الأداء عن المكاتبة:
٤١٨- وإذا تحمل الراوي الأحاديث بهذا المنهج، فإنه يقول عند روايتها ما يدل عليه، مثل: "كتب إليّ فلان" أو "أخبرني فلان مكاتبة" أو "فيما كتب إليّ". ويقول الخطيب: وهذا هو مذهب أهل الورع والنزاهة والتحري في الرواية، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك.
وممن ذكرهم من أهل القرن الثاني يستعملون هذه العبارات أيوب السختياني ومالك بن أنس وجعفر بن ربيعة١.
٤١٩- ولم ير بعض الأئمة بأسًا في أن يقول الراوي هنا: "حدثني" أو "أخبرني" مطلقة من غير قيد، ومن هؤلاء منصور بن المعتمر، والليث ابن سعد الذي حدث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عدة أحاديث، قال في كل واحد منها: "حدثني بكير، وذكر أنه لم يسمع منه شيئًا، وإنما كتب إليه بتلك الأحاديث، ويقول ابن وهب: إن يحيى بن سعيد كان يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: "حدثني يحيى بن سعيد"، وكان هشام ابن عروة يكتب إليه، فيقول: "حدثني هشام بن عروة"٢.
_________________
(١) ١ الكفاية "م" ص ٤٨٨ - ٤٨٩. ٢ الكفاية "م" ص ٤٨٩ - ٤٩٢.
[ ٢١٦ ]
٥- الإجازة ومصطلحات الأداء عنها:
٤٢٠- وهي أن يسمح الشيخ للتلميذ أن يروي شيئًا من مسموعاته أو مسموعاته كلها، وهي إما مشافهة أو كتابة مع حضور التلميذ أمام الشيخ أو إذنًا باللفظ أو الكتابة أيضًا لتلميذ غائب عنه.
ويقول القاضي عياض: إنه لم يختلف في جواز هذا الضرب من ضروب التلقي، وإنما الخلاف في غيره، وحكي عن بعضهم أنه يحل محل السماع والقراءة عند جماعة من أصحاب الحديث وهو مذهب مالك. كما يروى عن أبي الوليد الباجي أنه لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها وادعى في ذلك الإجماع١.
_________________
(١) ١ الإلماع ص ٨٨، ٨٩.
[ ٢١٦ ]
٤٢١- والحق أنه يقول بإجازة هذا الضرب جماعة من السلف ومن بعدهم؛ منهم الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وابن جريج، وأبان ابن عياش، وهشام بن عروة، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وشعيب ابن أبي حمزة، وسفيان الثوري١.
٤٢٢- وجوزها هؤلاء ومن بعدهم؛ لأن الضرورة دعت إلى تجويزها، فإن كل محدث لا يجد من يبلغ إليه ما صح عنده، ولا يرغب كل طالب في سماع جميع ما صح عند شيخه، فلو لم يجز مثل هذا لأدى ذلك إلى تعطيل السنن، واندراسها وانقطاع أسانيدها٢. والشيخ عندما يجيز للتلميذ أن يروي أحاديثه، وقد أخبره بها جملة هنا فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقًا كما في القراءة على الشيخ، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة٣.
٤٢٣- ولكن القاضي عياضًا قد بالغ في حكايته الاتفاق على الإجازة، وقد رد قوله هذا ابن الصلاح ووصفه بالبطلان، ورده العراقي والسخاوي لأنه قد وردت روايات عن بعض الأئمة في القرن الثاني لا تعتبر الإجازة منهجًا سليمًا من مناهج تلقي الحديث.
ومن هؤلاء شعبة بن الحجاج وابن المبارك وأسد بن موسى "١٣٢ - ٢١٢هـ" وغيرهم في عصرهم٤. وفي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف كما حكاه الآمدي، ونقله عنه السيوطي٥، ومما يروى عن شعبة في ذلك أنه قال: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، ويقول: كل حديث ليس فيه: "سمعت قال: سمعت" فهو خل وبقل، ويروي ابن جريح عن عطاء الخراساني قال: "إن العلم سماع، ويفسر الخطيب مراده بقوله: "أراد عطاء -والله أعلم- أن العلم الذي يجب قبوله ويلزم العمل بحكمة هو المسموع دون غيره،
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص ٣١٨، ٣٢٤. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٦٣. ٣ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص١٨١. ٤ الإلماع ص ١٠٩ - فتح المغيث ٢/ ٦٠. ٥ تدريب الراوي ٢/ ٣٠.
[ ٢١٧ ]
وظاهر هذا القول يدل على أنه كان لا يعتد بالإجازة لخروجها عن حيز السماع١. وهذا أيضًا هو رأي الإمام أحمد بن حنبل: فقد روى أبو حاتم الرازي عنه: أنه سأل بشر بن شعيب: هل سمعت من أبيك شيئًا، أو قرأت عليه، أو قرئ عليه، وأنت حاضر؟ ولما نفى ذلك وبين أخذ الأحاديث منه إجازة كتب عنه على معنى الاعتبار فقط، ولم يحدث عنه٢. وروى الربيع بن سليمان عن الشافعي كراهتها٣.
٤٢٤- وحجة هؤلاء في عدم إجازتها أن ظاهرها إباحة التحدث والإخبار عن الشيخ من غير أن يحدثه أو يخبره، وهذا إباحة للكذب، وليس للشيخ ولا لغيره أن يستبيح الكذب إذا أبيح٤.
٤٢٥- وإذا كان القاضي عياض قد حكى الاتفاق على جواز هذا الضرب فغالى -فإن ابن حزم قد غالى من ناحية أخرى فقال -بعد أن حكم ببطلان الإجازة وأنها إباحة للكذب: إنها ما جاءت قط عن النبي، ﷺ، ولا عن أصحابه، ﵃ ولا عن أحد من التابعين أو تابعي تابعيهم٥.
٤٢٦- وإذا كنا لا نعاوض بأنها لم ترد عن الرسول، ﷺ ولا عن صحابته -على مدى علمنا- فإنا لا نسلم له بأن الإجازة لم ترد عن التابعين وتابعيهم، فقد روي عن الحسن البصري وابن شهاب أنهما من المجيزين لها٦، وعن عبيد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك٧، وأتى ابن جريح الزهري بكتب يريد
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص ٣١٥ - ٣١٦. ٢ الجرح والتعديل مج أق ١٣٦٨. ٣ معرفة السنن والآثار ص ٨٧ جـ١. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٦٣. ٥ الإحكام ٢/ ٢٥٦، ٢٥٧. ٦ وانظر الكفاية "هـ" ص٣١٣ - ٣١٤. ٧ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٥.
[ ٢١٨ ]
أن يعرضها عليه، فاعتذر له بأنه يريد أن يحدث بعض الناس، فقال له: أفأحدث عنك؟ قال: نعم. وهذه هي الإجازة١.
وممن أجاز تلاميذه من تابعي التابعين الأوزاعي وأبان بن أبي عياش وهشام بن عروة والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري٢.
٤٢٧- ولكننا قد نجد العذر لابن حزم، لأننا إذا تأملنا تلك الروايات عن هؤلاء المجيزين وجدناها تحتمل المناولة، وهو قد أقر بأن المناولة طريق صحيح من طرق الرواية.
وأين يقف الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي؟ أمع المعارضين للإجازة أو مع المجيزين لها؟ وقد وردت عنهم روايات تبين هذا وذاك.
٤٢٨- أما الإمام مالك فالحق أنه يرى صحة الإجازة في تلقي الحديث، ولكن بشروط خاصة تضيق من دائرة إجازتها، وتجعل البعض يظن أنه لا يجيزها، ومن هذه الشروط: أن يكون المجاز له من أهل العلم؛ حتى لا يأخذ الأحاديث فيحرف فيها، فإذا كان المتلقي غير عالم بهذا الفن فإن الإمام مالكًا لا يبيح له أن يأخذ الأحاديثإجازة، وعلى هذا يحمل كلامه في إنكاره الإجازة، يقول الخطيب البغدادي مبينًا موقف مالك هذا: "قد ثبت عن مالك، ﵀، أنه كان يحكم بصحة الرواية لأحاديث الإجازة، فأما الذي حكيناه عنه آنفًا -يعني الروايات التي لا تبيحها- فإنما قاله على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه، وعانى التعب فيه، فكان يقول: إذا امتنع عن إعطاء الإجازة لمن هذه صفته: يحب أحدهم أن يدعى قسًّا، ولم يخدم الكنيسة. فضرب ذلك مثلًا، يعني الرجل يحب أن يكون فقيه بلده، ومحدث مصره، من غير أن يقاسي عناء الطلب، ومشقة الرحلة اتكالًا على الإجازة". ويبين ابن عبد البر آثار الإجازة لغير أهل العلم بأنه قد رأى قومًا منهم يحدثون عن الشيخ بما ليس من حديثه وينقصون من إسناد الحديث الرجل والرجلين٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٣٦. ٢ الكفاية "هـ" ص ٣٢٠، ٣٢٢ - ٣٢٤ وص ٤٣٦ من المحدث الفاصل "المطبوع". ٣ الكفاية "هـ" ص ٣١٧. ٤ جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢١٩، ٢٢٠.
[ ٢١٩ ]
٤٢٩- كما اشترط مالك، ﵀ شرطين آخرين، وهما أن يكون الفرع المجاز من الكتب معارضًا بأصل الشيخ، حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالمًا بالأحاديث التي يجيزها، وهو ثقة في دينه وروايته ومعروفًا بالعلم أيضًا١ والشرط الأول طبيعي حتى يعوض بالإجازة ما فقد بالسماع أو القراءة على الشيخ ففي كل منهما يصحح الشيخ للتلميذ نسخته، وما قد يقع فيها من أخطاء. ورأى مالك الشرط الثاني حتى لا تروج أحاديث غير العلماء الثقات وحتى لا يجيز للرجال ما ليس من حديثه. وينسب إليه زورًا وبهتانًا.
٤٣٠- أما أبو حنيفة فهو يجيزها لكنه اشترط لها هو ومحمد أن يكون المجاز له عارفًا بالأحاديث التي يجيزيها له الشيخ، حتى يمكنه أن يكتشف خطأ قد يقع فيها أو تزويرًا يحدث بها٢. وربما كان هذا الشرط هو الذي ضيق من إباحة الإجازة عنده حتى ظن البعض أنه لا يجيزها مطلقًا.
٤٣١- والإمام الشافعي يرى صحة الإجازة، فقد أجاز كتبه لحسين بن على الكرابيسي، وقال له: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذها إجازة٣.
٤٣٢- والرواية التي فهم منها أن الشافعي يقبل الإجازة لا تدل على ذلك، فهي تقول: إن الربيع بن سليمان المرادي قال: اتني من البيوع من كتاب الشافعي ثلاث ورقات، فقلت: أجزها لي، فقال: ما قرئ علي كما قرئ على، ورددها غير مرة، حتى أذن الله في جلوسه، فجلس، فقرئ عليه٤.
٤٣٣- لا تدل هذه الرواية على عدم قبول الإجازة مطلقًا، وإنما تدل على أن الشافعي لا يراها مثل القراءة على الشيخ، وهو قد أحب للربيع
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ص ٣١٧. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٦٤. ٣ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٤٨. ٤ الكفاية هـ ص ٣١٧، ومعنى عبارة الشافعي "ما قرئ على كما قرئ على" أنه لا تعدل الإجازة التي طلبها الربيع القراءة عليه بل هي أقل منها.
[ ٢٢٠ ]
الذي يعده لنقل علمه ورواية مذهبه وكتبه١ أن يأخذ علمه بطريق أعلى من الإجازة لا سيما وقد قرأ الكتاب في هذه الرواية إلا ثلاث ورقات، أو كما يقول الخطيب البغدادي -إذا ذهبنا بعيدًا- إن هذه محمول فقط على الكراهة، للاتكال على الإجازة بدلًا من السماع٢.
٤٣٤- فلنكن إذن مع الذين يجيزونها، وفيهم هؤلاء الأئمة الكبار، لنعرج على وجوهها الموجودة في القرن الثاني الهجري.
٤٣٥- وقد ذكر المصنفون من المتأخرين وجوهًا كثيرة لها، ولكنننا لن نعرض لكل هذه الوجوه التي لم تكن موجودة آنذاك، وإنما نكتفي بما كان موجودًا منها وكان جديرًا بنقل الحديث نقلًا صحيحًا موثقًا.
١- ومن هذه الوجوه: أن تكون الإجازة لكتب معينة وأحاديث مفسرة إما في اللفظ والكتب أو محال على فهرسة حاضرة مشهورة، ولمعين من الطلاب أو الأصحاب٣.
وقد حدث هذا في القرن الثاني الهجري، ومنه ما يرويه ابن وهب قال: كنت عند مالك بن أنس، فجاءه رجل يحمل "الموطأ" في كسائه، فقال له: يا أبا عبد الله، هذا موطئوك، قد كتبته وقابلته، فأجزه لي. قال: قد فعلت٤.
ويدخل في هذا الوجه ما عده القاضي عياض نوعًا من المناولة، وهو "أن يعرض الشيخ كتابه ويناوله الطالب، ويأذن له في الحديث عنه، ثم يمسكه الشيخ عنده ولا يمكنه منه"٥ وواضح أنه يختلف عن المناولة في أن الشيخ يعرف الطالب بأحاديثه عن طريق مناولتها له، ولكنه يفقده أهم
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ص ٣١٧. ٢ قال الشافعي: الربيع راويتي "طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي" ٣٩٣ - ٤٧٦هـ تحقيق إحسان عباس بيروت دار الرائد العربي ١٩٧٠ ص ٩٨. ٣ الإلماع ص ٨٨. ٤ المصدر السابق ص ٩٠. ٥ المصدر السابق ص ٨٢.
[ ٢٢١ ]
ميزة في المناولة وهي: أنه لا يعطيه الكتاب وتبقى إجازة الأحاديث فقط ولهذا رأيناه يدخل هنا.
٢- ومن هذه الوجوه أن تكون الأحاديث المجازة عامة أو مبهمة غير معينة، كأن يقول: قد أجزت لك جميع روايتي أو ما صح عندك من روايتي.
ولعل من هذا الوجه قول الشافعي لحسين الكرابيسي، خذ كتب الزعفراني فانسخها فقد أجزتها لك. وقد تقدم ذلك.
ويشترط لصحة هذا الوجه أن يقوم المجاز له بتعيين روايات الشيخ وتحقيقها وصحة مطابقة كتب الراوي لها١.
كما يشترط في الوجهين إذا كانت الإجازة كتابة والمجاز له غائبًا أن يتأكد من خط المجيز وخاتمه٢. وبهذا وذاك توثق الأحاديث فلا يروي التلميذ عن شيخه إلا ما تأكد أنه من مروياته مكتسبًا الثقة فيها من الثقة بالشيخ الذي أجازها.
٤٣٦- ويمكننا القول بأن هذين الوجهين هما اللذان وجدا في القرن الثاني الهجري وتكلم فيهما أئمته.. أما بقية الأوجه التي ذكرها المتأخرون؛ من الإجازة للعموم من غير تعيين المجاز له، أو الإجازة للمجهول أو للمعدوم، أو لما لم يروه المجيز بعد -فلم نعثر على روايات تدل على وجودها آنئذ كما لم يقل فيها أحد من الأئمة شيئًا ونقل عنهم -على ما نعلم- ولم تتحدث عنها الكتب المبكرة في أصول الحديث مثل المحدث الفاصل. وكل من تكلم عنها بالإجازة أو عدمها في الكتب المتأخرة نوعًا ما من الأئمة المتأخرين.
الأداء عن الإجازة:
٤٣٧- والتلقي بالإجازة والرواية عنها أقل قيمة من جميع المناهج السابقة، فالاتصال بين الشيخ والتلميذ ليس قويًّا كما وجدنا في السماع والقراءة.
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص ٣٣٤ - الإلماع ص ٩١ - ٩٢. ٢ الإلماع ص ٨٨.
[ ٢٢٢ ]
على الشيخ مثلًا، ولهذا نرى جمهور الذين قبلوها يخصصها بعبارة مشعرة بها حتى لا تلتبس بالسماع، أو العرض، أو المناولة، أو المكاتبة، كأن يقول الراوي عند الأداء "أجاز لي فلان" أو "حدثني إجازة" أو "أخبرني إجازة"١.
٤٣٨- ونقل عن الأوزاعي أنه خصص الإجازة بقوله: "خبرني" أو "خبرنا" وهو اصطلاح لا يطلق على غير هذا الضرب من ضروب التلقي. ومما هو جدير بالذكر أن الأوزاعي كان يقول عن الإجازة مثل المناولة يتدين بأحاديثها، ولا يحدث بها٢. وتخصيصه مثل هذا اللفظ يجعلنا نفهم أنه لا يريد الأداء عن الإجازة بلفظ "حدثنا" أو "حدثني" -كمنا فهمنا ذلك في المناولة. وعلى هذا فليس هناك تعارض كما يقول السيوطي٢.
٤٣٩- ولم يشذ عن الجمهور إلا سفيان الثوري وابن جريج، والإمام مالك في بعض الروايات عنه.. فقد قالوا بجواز أن يقول الراوي: "حدثني" أو "أخبرني" مطلقًا من غير قيد٣.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص١٩٥. ٢ تدريب الراوي ٢/ ٣٠ وانظر ص٢١١ من هذا الكتاب. ٣ المصدر السابق ٢/ ٥١، ٥٢.
[ ٢٢٣ ]
٦- إعلام الشيخ:
٤٤٠- أن يعلم الشيخ التلميذ أن هذا الحديث من روايته، أو أن هذا الكتاب من سماعه فقط دون إذن له في الرواية عنه، أو يأمره بألا يرويه عنه، أو يقول له الطالب: هو روايتك أحمله عنك، فيقول له: نعم، أو يقره على ذلك ولا يمنعه١.
هل وجد هذا المنهج في القرن الثاني الهجري؟:
٤٤١- يرى القاضي عياض أنه وجد في القرن الثاني الهجري بدليل أن الزهري فعله مع عبيد الله العمري، وهما إمامان، ويروى أن عبيد الله "١٤٧ هـ" قال: "كنا نأتي الزهري بالكتاب من حديثه، فنقول له:
_________________
(١) ١ الإلماع ص١٠٧ - ١٠٨.
[ ٢٢٣ ]
يا أبا بكر، هذا من حديثك؟ فيأخذه، فينظر فيه، ثم يرده إلينا، ويقول: نعم، هو من حدثني. قال عبيد الله: نأخذه وما قرأه علينا ولا استجزناه أكثر من إقراره بأنه من حديثه".
ثم يعقب القاضي عياض على هذه الرواية بقوله: "فهذا مذهب الزهري إمام هذا الشأن، وعبيد الله العمري أحد أئمة وقته بالمدينة، وآخرين من أقرانهم أبهمهم من أصحاب الزهري، ومن هم إلا مالك وابن عمه أبو أويس ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد وطبقتهم"١.
٤٤٢- كما يذكر رواية عن ابن جريح تقول: إنه جاء إلى هشام ابن عروة فقال له: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك؟ قال: نعم، ويعقب الواقدي على هذه الرواية، فيقول: سمعت ابن جريح بعد ذلك يقول: "أخبرنا هشام بن عروة"٢.
٤٤٣- ونشك في أن هذا الضرب قد وجد في القرن الثاني الهجري كمنهج صحيح من مناهج الرواية يقره إمام مثل ابن شهاب الزهري.
٤٤٤- أما هاتان الروايتان اللتان تقولان: إن عبيد الله العمري وابن جريحوآخرين كانوا يجيزونه -فنظن أنهما لم تنقلا على الوجه الصحيح، بدليل أنهما وردتا على غير هذا الوجه عند غير القاضي عياض، وفي بعضها أن ابن شهاب كان يجيز رواية الكتاب ولا يكتفي بالأعلام، ولنعرض لروايات الرامهرمزي، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر.
٤٤٥- يروي الرامهرمزي: عن عبد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك ويحمل عنه ما قرئ عليه "..ويلتقي الرامهرمزي مع القاضي في بعض سند هذه الرواية. وليس فيها -كما ترى عند القاضي عياض- أن عبيد الله هو الذي كان يأتي بالكتب -وهذا ما بنى عليه القاضي عياض استدلاله، كما أن الرامهرمزي قد أوردها دليلًا على
_________________
(١) ١ الإلماع ص١١٤. ٢ المصدر السابق ص١١٥.
[ ٢٢٤ ]
الإجازة وصحتها، مما جعل بعض الباحثين يعقب عليها بأنه كان ينظر في هذه الكتب ويجيزها١.
ومما يبعد أن يكون عبيد الله هو الذي يفعل ذلك مع الزهري ويؤكد أن رواية القاضي عياض على غير وجهها الصحيح، أنه هو الذي كان يرتضيه الزهري قارئًا دون غيره من أقرانه مثل مالك ومحمد بن إسحاق٢، فهو كان يأخذ أحاديثه عرضًا، ولم يكن في حاجة إلى غير هذا.
٤٤٦- ورواية الخطيب البغدادي أوضح من هذه، فهي تقول: إن عبيد الله بن عمر قال: كان الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم،.. وفي رواية أخرى: كان يؤتى بالكتاب من كتبه، فيتصفحه، وينظر فيه، ثم يقول: هذا حديثي أعرفه، خذه عني، وفي رواية ثالثة: كنت أرى الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم٣.
ففي هذه الروايات نلاحظ ما لاحظناه عن الرامهرمزي من أن الذي يأتي بالكتاب ليس هو عبيد الله، وإنما حكى ما رآه.
كما نلاحظ أن هناك إذنًا بالرواية، والإعلام لا يكون فيه هذا، وفي الرواية الوسطى مناولة تزيد على الإجازة كما عرفنا.
٤٤٧- ويورد ابن عبد البر رواية الخطيب، ويبين أنها من قبيل المناولة فيقول: "هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة"٤.
٤٤٨- أما رواية ابن حريج فقد أوردها الخطيب في باب الإجازة، وهي تدل على ذلك، لأنها تقول: "جاء ابن جريح بكتاب، فقال: هذا حديثك، أرويه عنك؟ قال: نعم " وفي رواية: "جاء ابن جريج
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل وتعليق الدكتور عجاج الخطيب. المطبوع ص٤٣٥. ٢ جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢١٧. ٣ الكفية "هـ" ص ٣١٨. ٤ جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢١٨.
[ ٢٢٥ ]
بصحيفة مكتوبة، فقال لي: -لهشام- با أبا المنذر، هذه أحاديث أرويها عنك؟ قلت: نعم١. فهذا من باب الإجازة، كما استدل الخطيب.
٤٤٩- وجدير بالذكر أن الرامهرمزي التقى مع القاضي عياض في هذه الرواية فلم يذكر فيها إجازة بالرواية -وإن كان قد ساقها دليلًا من أدلة الإجازة٢. كما التقى القاضي عياض أيضًا ابن سعد في كتابه الطبقات٣.
إن هذا يدلنا على الاضطراب والشك في هذه الروايات مما لا نستطيع معه أن نصل إلى الوجه الصحيح منها.
٤٥٠- ومهما يكن من شيء، فعلى افتراض صحة روايتي القاضي عياض؛ لأن المواقف ربما تعددت، فإن العمل "بإعلام الشيخ" قد أجيز وتم في أضيق الحدود وفي الحالة التي يتأكد فيها الشيخ أن التلميذ من العلماء المجيدين الذين يأخذون الأحاديث ويؤدونها أداء صحيحًا، وهذا هو الحال بالنسبة لعبيد الله بن عمر وابن جريح. وقد أسلفنا منزلة عبيد الله عند الزهري وثقته فيه. أما ابن جريح فقد كان من أئمة هذا الشأن ومن أوائل المصنفين في الحديث، فهما من الذين يمكنهم تلقي الأحاديث بهذه الطريق وروايتها دون تحريف فيها.
٤٥١- وحجة القائلين بصحة "إعلام الشيخ" أن اعترافه للتلميذ بالكتاب، وإقراره بأنه سماعه، كتحديثه له بلفظ، وقراءته عليه وإن لم يجزه له٤، ويقول الرامهرمزي: إنه بعد أن يعترف الشيخ بأن الكتاب كتابه أو سماعه فإن التلميذ ليس في حاجة إلى الإذن له بروايته قياسًا على أن التلميذ إذا سمع من الشيخ أحاديث، فإنه تجوز له رواية هذه الأحاديث، أذن له الشيخ أو لم يأذن٥.
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص٣٢٠. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٣٠. ٣ الطبقات الكبرى ٥/ ٣٢٦. ٤ الإلماع ص ١٠٨. ٥ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٥١ - ٤٥٢.
[ ٢٢٦ ]
٤٥٢- وعند الأداء يقول: من تلقي الأحاديث بهذا الضرب: "حدثني فلان أن فلانًا حدثه"، ولا يقول: "حدثني فلان أن فلانًا قال: حدثنا فلان"، لأن هذا التعبير الأخير يوحي بأنه سمع ألفاظ الشيخ، والحقيقة أنه لم يسمعها١.
٤٥٣- وفي القرن الثاني وجدنا من ينكر هذا المنهج، فقد نعوا على عبد الملك بن حبيب أنه أخذ كتب أسد بن موسى منه "١٣٢ - ٢١٢هـ" ونسخها، وحدث بها عنه، ولم يجزه إياها٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٤٥١. ٢ الإلماع ص ١٠٩- فتح المغيث ٢/ ١٣٠.
[ ٢٢٧ ]
٧- الوصية بالكتب:
٤٥٤- وهو أن يوصي الشيخ بأن تدفع كتبه عند موته أو سفره لرجل.
٤٥٥- ويقول القاضي عياض: "وهذا باب أيضًا قد روي فيه عن السلف المتقدم إجازة الرواية بذلك؛ لأن في دفعها له نوعًا من الإذن وشبهًا من العرض والمناولة"١.
٤٥٦- ولكننا لا نعلم من فعله من السلف غير أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي "١٠٤ هـ" الذي أوصى عند موته بأن تدفع كتبه إلى أيوب السختياني "١٣١ هـ".
وقد استفتى أيوب محمد بن سيرين: أيحدث بهذه الكتب أولا؟ وقد أفتاه ابن سيرين أولًا بالإيجاب، ثم توقف، وترك المسألة له ثانية، فقال: لا آمرك ولا أنهاك٢.
٤٥٧- ونظن أن هذه الرواية عن السلف لا تكفي دليلًا على مشروعية هذا الضرب؛ لأن التلميذ في هذه الحالة ربما يخطئ عند رواية هذه الكتب، ولا يجد الشيخ الذي يصلح له هذا الخطأ، وليس في وصية أبي قلابة ما يدل
_________________
(١) ١ الإلماع ص: ١١٥. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٥٩.
[ ٢٢٧ ]
على أنه يجيز له الرواية. اللهم إلا إذا كان يعتمد على أن أيوب قد سمع منه هذه المرويات وتعرف عليها، ولهذا لا يحق لنا أن ننسب إلى السلف جواز الرواية بها -كما فعل القاضي عياض- ولقد وصف ابن الصلاح قوله بأنه بعيد جدًّا، والقول به زلة من عالم أو متأول. على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة١، ووصفه النووي بأنه غلط٢.
٤٥٨- يقول الخطيب البغدادي تعليقًا على وصية أبي قلابة لأيوب: "يقال: إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب، غير أنه لم يحفظها، فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث منها، ولا فرق بين أن يوصي العالم لرجال بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له بأن يروي عنه ما يصح عنده من سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب "أخبرنا" أو "حدثنا" على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة، مع أنه قد كره الرواية عن الصحف التي ليست مسموعة غير واحد من السلف٣".
٤٥٩- وعلى هذا فالوصية لسيت بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا تتضمن الإعلام لا صريحًا ولا كناية، ولهذا لم يوافق ابن الصلاح القاضي عياضًا في تشبيهها بقسمي الإعلام والمناولة، لأن الحجة التي جوزت كونهما طريقين من طرق التلقي الصحيح ليست موجودة هنا٤.
٤٦٠- والأمر لا يعدو -كما رأى الخطيب- أن يكون إجارة سبقت هذه الوصية. والوصية كأن لم تكن، أو وجادة أي صارت الكتب إليه كما تصير بالشراء والإجازة قد سبق أن تعرفنا عليها وعلى حكمها، ونتعرف على الوجادة الآن.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١١٩. ٢ التقريب للنووي، فن أصول الحديث: محي الدين يحيى بن شرف النووي ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م -مكتبة محمد علي صبيح ص ٢٧ - تدريب الراوي ٢/ ٦٠. ٣ الكفاية "هـ" ص ٣٥٢ - ٣٥٣. ٤ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص ١٩٩.
[ ٢٢٨ ]
٨- الوجادة:
٤٦١- وهو الوقوف على كتاب بخط محدث مشهور، ويعرف الواقف الخط وتصحيحه ولكنه لم يسمع هذا الكتاب.
٤٦٢- وهذا الضرب موجود منذ عصر الصحابة وعصر التابعين ومن بعدهم. حيث كثرت الكتب وكثر الرواة الذين لم يكن من السهل عليهم اللقاء بالمحدثين وأخذ الأحاديث عنهم سماعًا أو قراءة أو مناولة أو كتابة أو إجازة.
ففي عصر الصحابة وجدنا رواية عن ابن عمر أنه وجدد في قائم سيف أبيه عمر بن الخطاب، ﵄، صحيفة فيها: "ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة.." إلى آخره١.
وفي عصر التابعين وجدنا أكثر من رواية عن بعض الصحف التي انتقلت من الصحابة إلى التابعين عن طريق الوجادة:
فعن ابن عائذ قال: وجدنا في نسخة عن معاذ بن جبل، ﵁ "أن النبي، ﷺ، نهى أن يدخل على المغيبات٢".
وقال التميمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها أو قال: فأخذها وأتوني بها، فلم أروها٣.
وعن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي، ﷺ يقول: "إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة يسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا"٤.
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص ٣٥٤. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٩٨. المغيبات: جمع مغيبة، وهي التي غاب عنها زوجها. ٣ الكفاية "هـ" ص ٣٥٤. ٤ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٤٩٧.
[ ٢٢٩ ]
وانتقلت كتب بعض التابعين إلى بعض، وإلى تابعيهم، ومنها ما قاله همام بن يحيى: قدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومطرف، فردوها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثًا وحدًا١.
٤٦٣- ظلت هذه الظاهرة موجودة في عصر تابعي التابعين ومن بعدهم.
وعلى الرغم من ظهورها بكثرة فإن الأحاديث التي كانت تنقل عبرها لم يعتبرها نقاد الحديث صحيحة، وإنما رفضوها، وحكموا عليها بالضعف. اللهم إلا إذا اقترنت الوجادة بسماع أو قراءة على صاحب هذه الأحاديث.
٤٦٤- ويروي الخطيب البغدادي ما يفهم منه أن كراهة التحدث بما في الكتاب وجادة نشأت منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم؛ يروى بسند عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه٢.
٤٦٥- وفي القرن الثاني وجدنا وكيع بن الجراح ينهى أن ينظر المحدث في كتاب لم يسمعه من صاحبه، حتى لا يعلق قلبه منه شيء، فيحدث بما لم يسمعه٣. وربما كان هذا السبب نفسه هو ما جعل محمد بن سيرين يرفض أن يمنع أحد الرواة عنده كتابًا ويقول: لا يبيت عندي كتاب٤ وجعل عمر بن عبد العزيز، الذي أمر بجمع السنة مدونة، يأمر بإحراق كتاب لزيد ابن ثابت، ﵁ في الديات٥.
٤٦٦- وقد حكم الإمام أحمد على حفص بن سليمان الأسدي بأنه متروك الحديث بعد ما علم أنه أخذ من شعبة كتابًا، فلم يرده، وأنه كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويحدث بها من غير سماع٦. ويقول عن عبد العزيز
_________________
(١) ١ الكفاية "هـ" ص٣٥٤. ٢ فتح المغيث ٢/ ١٣٧ - الكفاية "هـ" ص ٣٥٣. ٣ المصدرين السابقين ٢/ ١٣٧ - ص ٣٥٣. ٤ الكفاية "هـ" ص ٣٥٣. ٥ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٥٦. ٦ الجرح والتعديل مج ١ ق ٢/ ٧٤٤.
[ ٢٣٠ ]
ابن محمد الدراوردي، مبينًا آثار التحدث بالوجادة: إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ١.
٤٦٧- كما بين الإمام أحمد أن التحدث بالوجادة هو ما جعل بعض الرواة يحدث بزيادات في الأحاديث ليست منها، يقول: عن الحجاج بن أرطاة: "كان الحجاج من الحفاظ" فسأله ابنه عبد الله عندما قال ذلك: "فلم ليس هو عند الناس بذاك"؟ قال: "لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة، يقولون: لم يلق الزهري وكان يروي عن رجال لم يلقهم، وكأنه ضعفه"٢.
٤٦٨- وقد أدرك الإمام أحمد بخبرته هذه غب ما وقع فيه هؤلاء الرواة الذين يحدثون عن الوجادة، فحذر منهم، وكان يقول: "إياكم وأصحاب الكتب؛ فإنه لا يزال أحدهم قد جعل عمرًا عمر وأشباهه "أي يحرفون في الأحاديث لعدم سماعها، والاعتماد على الكتب"٣.
٤٦٩- ووهن الأئمة أحاديث عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، لأنه أخذ كتاب محمد بن الحنفية، فروى منه من غير سماع، يقول عبد الرحمن بن مهدي: كل شيء روى عبد الأعلى الثعلبي عن محمد بن الحنفية إنما هو كتاب، أخذه لم يسمعه، ما أدري كيف أحدث عن عبد الأعلى! ويقول يحيى ابن سعيد القطان: سألت الثوري عن أحاديث عبد الأعلى عن ابن الحنفية، فوهنا. وقال مرة أخرى مبينًا سبب هذا التوهين: "كنا نرى أنها من كتاب ولم يسمع منه شيئًا"٤.
٤٧٠- كما وهن البعض أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، الصحابي الجليل، لأنها في رأيهم أخذها من
_________________
(١) ١ المصدر السابق مج ٢ ق ٢/ ١٨٣٣. ويتحمل هذا المثال أنه يأخذ هذه الكتب التي سمعها مع أصحابها فيحدث بها. ٢ المصدر السابق مج ١ ق ٢/ ٦٧٣. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٤٠. ٤ الجرح والتعديل مج ٣/ ق ١/ ١٣٤.
[ ٢٣١ ]
كتاب وجده شعيب عند جده ولم يسمعه منه. قال علي بن المديني: ما روى عمرو عن أبيه عن جده فإنما هو كتاب وجده؛ فهو ضعيف وقال أيوب السختياني لليث بن أبي سليم: "شد يدك بما سمعت من طاوس ومجاهد، وإياك وجواليق وهب بن منبه، وعمرو بن شعيب، فإنهما صاحبا كتاب".
ويبين ابن حبان أثر تحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بالوجادة فيقول عنه: "إذا روى عن أبيه عن جده ففيه مناكير كثيرة".. وقال ابن معين: "إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب، فمن هنا جاء ضعفه"، وهذا هو السبب في أن بعض الأئمة قلل من قيمة الصحيفة التي يرويها عمرو، فقال: "ما يسرني أن صحيفة عبد الله بن عمرو عندي بتمرتين أو بفلسين"١.
٤٧١- ومن هذه الروايات يتبين لنا لم عاب الأئمة الأحاديث التي تروى عن طريق الوجادة وعابوا رواتها، لأنها تكون عرضه للتحريف والزيادة بما ليس منها، وهم يهدفون إلى أن تنقل سنة رسول الله، ﷺ، نقلًا موثقًا لا تبديل فيه ولا وهم.
٤٧٢- ومن هنا كانوا دائمًا يسألون الراوي، عندما يخفي عليهم الأمر، أو يشكون في السماع: هل سمع الأحاديث التي يرويها أم هي وجادة؟.. يقول أبو بكر بن عياش: قلت لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أنا ما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا لي: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة، فكتبتها..٢ ويقول يزيد بن هارون: كان أبو جناب يحدثنا عن عطاء والضحاك وابن بريدة، فإذا وقفناه، نقول: سمعت من فلان هذا الحديث، فيقول: لم أسمعه منه، إنما أخذت من أصحابنا٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق مج٣ ق١/ ١٣٢٣ - ميزان الاعتدال مج ٣ ص ٢٦٥ - ٢٦٦. وجدير بالذكر أن بعض الأئمة أثبت صحة سماع شعيب من جده عبد الله، وتكون هذه الصحيفة بناء على ذلك قد نقلت سماعًا ولا مطعن فهيا على رأيهم. "ميزان الاعتدال مج٣ ص٢٦٣ - ٢٦٨". ٢ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٦٨. وانظر أيضًا ١/ ٢٣٧. ٣ الجرح والتعديل مج ٤ ق ٢/ ٥٨٧.
[ ٢٣٢ ]
٤٧٢- وكانوا يستعملون ذكاءهم وحيلهم، حتى يكشفوا من يروي عن طريق الوجادة ولا يفصح. يقول أبو بكر بن أبي أويس: أتيت ابن سمعان، فأخرج إليّ كتابًا، فجعل يقرؤه، فيقول: "حدثني فلان، فمر على حديث فقال: حدثني شهر بن حوشب، فقلت: من هذا؟ قال: هذا رجل من أهل خراسان مر علينا. فقلت: لعلك تريد شهر بن حوشب. قال: نعم. فقلت: إنه يأخذ كتبًا من غير سماع فيحدث بها، ولم أعد إليه١.
الأداء عن الوجادة:
٤٧٣- أما وقيمة الوجادة هذه فلا تجوز أن يقول الراوي عند الأداء: "حدثني" أو "أخبرني"؛ لأن هذا يعد كذبًا، ولأن الأمر حينئذ يلتبس بالسماع أو القراءة، وهما أعلى درجات التلقي، يقول القاضي عياض: "فهذا لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه: "حدثنا" و"أخبرنا" ولا من يعده معد المسند"٢.
٤٧٤- أما إذا بين بالألفاظ ما يدل على الوجادة فإنه يكون قد أخلى عهدته، وأبرأ ذمته. ولا يعد من الضعفاء بروايته أو نقله هذه الأحاديث.. ولهذا لم يعيبوا على عبد الرزاق الصنعاني أن أتوا إليه بصحيفة لا يعرفها، فقرأها عليهم، لكنه لم يقل: "حدثنا" ٣ورأى أحمد بن حنبل أن مخرمة ابن بكير "ثقة" على الرغم من أنه لم يسمع من أبيه كتبه، وإنما يحدث عنها وجادة؛ لأنه يعلن أنه لم يسمع من أبيه وإنما آلت إليه كتبه وجادة، يقول مخرمة: ما سمعت من أبي شيئًا، وإنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه، ما أدركت أبي
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل مج ٢ق ٢/ ٢٧٩. ٢ الإلماع ص ١١٧. ٣ الجرح والتعديل مج ٣ق ١/ ٢٠٤.
[ ٢٣٣ ]
إلا وأنا غلام١.. ويقول يحيى بن معين عن إبراهيم ابن عقيل: "لم يكن به بأس، ولكن ينبغي أن تكون صحيفة وقعت إليه"٢.
٤٧٥- والأجدر بالراوي أن يقول عند الأداء، وقد وثق بأن الكتاب الذي وجده بخط مؤلفه "وجدت بخط فلان" و"قرأت في كتاب فلان بخطه"٣ أو "بلغني عن فلان" و"وجدت في الكتاب الفلاني" إذا لم يثق أنه خط المؤلف أو خط تلاميذه الموثوق بهم.
٤٧٦- وإذا أطلق عبارة تحتمل السماع وغيره فقد دلس، والتدليس عابه أكثر من إمام، واعتبروه من الكذب، وهذا إذا قال مثلًا: "قال فلان" أو "عن فلان"..
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٨٢. ميزان الاعتدال ٤/ ٨٠ - ٨١. ٢ الجرح والتعديل مج ١ ق ١/ ٣٦٩.
[ ٢٣٤ ]
التوثيق بالكتاب في نقل الحديث:
٤٧٧- وبعد أن استعرضنا مناهج تلقي الحديث وأدائه، وعرفنا ما هو مشروع منها وما هو غير مشروع في توثيق الحديث يجدر بنا أن نقف وقفة مؤكدة عند الكتاب والكتابة ودورهما في صيانة السنة وتوثيقها أثناء نقلها بعد أن وقفنا قبل ذلك عند دوره في ضبط الأحاديث عند الراوي وإعانته على ذلك.
٤٧٨- والحق أن دور الكتاب هنا أكبر من دوره هناك، ويتضح هذا الدور في كل مناهج التلقي كما سبق أن عرفنا.
فقد رأينا من صور السماع إملاء الشيخ على التلاميذ من كتابه وأن هذا أعلى صور السماع.
٤٧٩- وقد يملي الشيخ من كتابه لا من حافظته، كما هو مصرح به في بعض الروايات، يقول هارون بن معروف "٢٣١هـ" قدم علينا بعض
[ ٢٣٤ ]
الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه، فسألته أن يملي علي شيئًا، فأخذ الكتاب يملي١ وإذا كان الشيخ يملي فالتلميذ يدون ما يميليه من الأحاديث.
٤٨٠- وقد كانوا ينصون على الإملاء ليتميز الراوي عن أقرانه بالصحة والجودة في سماعه، سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه عن شعيب بن أبي حمزة: كيف سماعه من الزهري؟ أليس هو عرض: قال: لا، حديثه يشبه حديث الإملاء. هو أصح حديثًا عن الزهري من يونس نظرت في كتب شعيب، أخرجها إلي ابنه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل، ونحو هذا.
ويقول يحيى بن معين عنه: "ثقة في الزهري كتب عن الزهري إملاء، وكان كاتبًا٢".
٤٨١- وكان بعض التلاميذ يأبى إلا أن يملي عليه الشيخ ليحوز بهذه الدرجة العليا من الإتقان؛ لما قدم ابن جريج البصرة قام معاذ بن معاذ، فشغب وقال: لا نكتب إلا إملاء، وسأل عبد الله بن أحمد بن حنبل معاذ، فكتب إملاء؟ فقال له أبوه: كتبوا إملاء٣ ويقول عفان "٢١٩هـ": ما رضينا من أحد إلا بالإملاء إلا شريكًا، وكان عفان هذا يحض أصحاب الحديث على الضبط والتقييد إذا أخذوا عنه وكان يقول لحماد بن سلمة: لا نكتب إلا الإملاء٤.
٤٨٢- وإذا كانت الكتابة من أهم وسائل التوثيق وإذا كان السماع مع الإملاء هما الجديرين بنقل الحديث نقلًا موثقًا عند نقاد الحديث، فإن مما يزيدنا اطمئنانًا أن كثرة من الأحاديث نقلت على هذا الوجه؛ لأنهم كانوا لا يعتبرون المحدث جديرًا بهذا اللقب إلا إذا كانت أحاديثه كثيرة، يقول
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني "ت ٨٥٢ هـ) - دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد بالهند ١٣٢٧ - ١١/ ٢٨٤. ٢ الجرح والتعديل مج ٢ ق ١/ ١٥٠٨. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٧٠. ٤ المحدث الفاصل "المطبوع" ص ٦٠٢، الإلماع ص ١٥٠ - أدب الإملاء ص ١١.
[ ٢٣٥ ]
أبو بكر بن أبي شيبة: "من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث"١.
٢٨٣- وبالنسبة إلى حالات السماع عمومًا فقد استقرت عادة المحدثين على أن يكتب التلميذ حديث الشيخ من أصول أو من كتب تلاميذه أو أقرانه الذين سمعوا منه أو قرءوا عليه، ثم يأتي فيمسعه منه، يقول قراد أبو نوح: كنت آتي عبد الله بن عثمان -يعني صاحب شعبة- فأكتب حديث شعبة، ثم آتي شعبة، فأسأله فيحدثني٢.
٤٨٤- وقد تلازم السماع والكتابة تلازمًا قويًّا حتى كان يعبر بأحدهما عن الآخر فكثيرًا ما كانوا يطلقون أحدهما على الآخر، سئل الأوزاعي عن الغلام يكتب الحديث قبل أن يبلغ الحد الذي تجري عليه فيه الأحكام؟ ويفهم الأوزاعي أن المقصود بكتابة الحديث هنا السماع، ولهذا يجيب: إذا ضبط الإملاء جاز سماعه وإن كان دون العشر٣.
٤٨٥- وقد فهم ابن خلاد الرامهرمزي مثل هذا عندما قال: إن ابن عيينة أخبر -في رواية الجوهري- أنه كتب عن الزهري وهو ابن خمس عشرة سنة. والحقيقة أن عبارة الجوهري التي أشار إليها تقول: إن سفيان قال: سمعت منه -أي الزهري- وأنا ابن خمس عشرة سنة٤. ولم يذكر الكتابة.
٤٨٦- وقد عبر الإمام أحمد عن الكتابة بالسماع فقال عن عبد الرحمن بن عبد الله العمري: "ليس بشيء، وقد سمعت أنا منه، ثم مزقته"٥. ومعلوم أنه يريد أن يقول كتبت عنه وسمعت، ولكنه اكتفى بأن يقول سمعت منه، لتلازم الاثنين".
٤٨٧- وقد كان بعض الأئمة يحرص على أن يقرأ الشيخ من كتبه حتى
_________________
(١) ١ أدب الإملاء ص١١. ٢ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٦٤. ٣ المحدث الفاصل، المطبوع ص١٨٥. ٤ الجرح والتعديل مج ٢ ق ٢/ ١٢٠٢.
[ ٢٣٦ ]
تكون أحاديثه موثقة، مر عبد الله بن المبارك سنة ثمان وستين على محمد بن جابر وهو يحدث بمكة، فقال له: حدث يا شيخ من كتبك١.
٤٨٨- ويحرص بعض الشيوخ على أن يعين بعض تلاميذه على الكتابة عند الإملاء، يقول الحسن بن عرفة: كنت آتي وكيعًا، وكان يملي من حفظه، وكنت بطيء الكتابة، فيأخذ يدي في يده، ويقول: هات، فيكتب لي٢.
٤٨٩- فالسماع في حقيقة الأمر إنما هو وسيلة للحصول على كتاب صحيح يدون فيه الحديث تدوينًا موثقًا ويبقى هذا الكتاب يسند الذاكرة في أداء الحديث ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ ٣، فيتعاونان معًا على حفظ حديث رسول الله ﷺ.
٤٩٠- فإذا ما تركنا السماع إلى العرض وجدنا الأمر واضحًا، لأن التلميذ يقرأ من كتاب قد أعده قبل أن يجلس مع الشيخ يقرأ عليه، وما عملية القراءة إلا لتصحيح الأخطاء التي قد تكون واقعة أثناء النقل، وللاطمئنان إلى أن الأحاديث التي نقلت إنما هي أحاديث الشيخ لم يزور فيها بزيادة ولا بنقص.
فالعرض أيضًا وسيلة لتصحيح الكتاب ونطقه سليمًا كما هو الحال في معظم السماع.
٤٩١- أما المناولة والمكاتبة وغيرها فإنها تعتمد على الكتاب اعتمادًا كبيرًا وكليًّا بعضها كالمناولة والمكاتبة والوصية. وقد وضعت الشروط التي تجعل الكتاب فيها صحيحًا موثقًا، لما سبق أن ذكرنا.
٤٩٢- وصحة الكتاب كانت تغفر للراوي سوء تلقيه للحديث؛ لأنه كفيل بتوثيقه قال الإمام أحمد: وقد وثق راويًا فقيل له: إنه كان يسيء الأخذ قال: قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا٤.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٧٠. ٢ أدب الإملاء ص١٦. ٣ سورة البقرة: ٢٨٢. ٤ الجرح والتعديل مج ٢ ق ٢/ ٨٧٩.
[ ٢٣٧ ]
ولعل هذا يجعلنا نطمئن إلى مقدار العناية بتوثيق الأحاديث في القرن الثاني الهجري.
٤٩٣- ومع توثيق الرواة وتوثيق الحديث من حيث نقله من راو لآخر كان على النقاد أن ينظروا في الأسانيد وخاصة ما أرسل منها على الرغم من قلة رواتها وصحة أخذهم للحديث، وهذا ما سندرسه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.
[ ٢٣٨ ]
الفصل الرابع: المتصل والمنقطع من الأسانيد
عناية النقاد بالأسانيد واتصالها:
٢٩٤- عرفنا في الفصلين السابقين أن جمهور العلماء قد اشترطوا في راوي الحديث، كي يصبح خبره حجة أن يكون مسلمًا عاقلًا عدلًا ضابطًا، وأن يأخذ الحديث بمناهج محددة، من سماع أو عرض أو مناولة أو مكاتبة، وبشروط تجعل الحديث ينتقل انتقالًا موثقًا.
وقد وضعوا هذه الشروط وتلك المناهج حتى ينقل الحديث نقلًا صحيحًا فلا تمتد إليه أيد آثمة بالتبديل والتغيير أو الوضع، فتفسد على المسلمين أمر دينهم.
٤٩٥- وقد كان الكثيرون من الرواة، وخاصة بعد أن وقعت الفتن بين المسلمين، يخفون كيدهم لدين الله ﷿، ولسنة رسوله، ﷺ، أو يخفون ضعفهم، بحذف الرواة الضعاف من السند، الأمر الذي لا يمكن معه أن يعرف نقاد الحديث ما إذا كان رواة الحديث تتوافر فيهم شروط الراوي مقبول الرواية أو لا. كما لا يمكنهم أن يعرفوا ما إذا كان الحديث قد انتقل بطرق صحيحة أو لا.
٤٩٦- ولذلك اتفقوا على أهمية السند المتصل في الحديث، لأنه يتيح لهم فرصة التفتيش عن رواته، ومعرفة العدول منهم من المجرحين، وكيف انتقل بين الرواة.
٤٩٧- ويقدم لنا الإمام يحيى بن سعيد القطان ما يبين بداية الاهتمام بالإسناد والبحث عن حلقات سلسلة الرواة، فيروى أن الربيع بن خشيم روى للشعبي حديثًا دون إسناد، فقال له الشعبي: من حدثك؟ قال: عمرو بن ميمون، فذهب إلى عمرو بن ميمون قال له: من حدثك؟ قال: أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ. قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد.
٤٩٨- وقد سبق أن ذكرنا قول ابن سيرين الذي يبين فيه أنهم سألوا عن الإسناد، ليعرف من كان من أهل السنة فيؤخذ حديثه، ومن كان
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المطبوع" ص٢٠٨.
[ ٢٤١ ]
من أهل البدعة فيترك، وأن ذلك بعد أن وقعت الفتنة قبيل مقتل عثمان ﵁ وبعده.
٤٩٩- ويبين الإمام ابن المبارك فائدة أخرى للإسناد حين يقول: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". فالإسناد يجعل كثيرًا من الرواة يدركون أن محاولتهم لتزييف سنة رسول الله، ﷺ ستبوء بالفشل فيمنعهم ذلك من الإقدام عليها، خاصة وأن النقاد كانوا يفضحون أمرهم ويكشفون سترهم بكل ما أمكنهم من الوسائل كالإعلان عنهم على رءوس الأشهاد" أو استعداء السطان عليهم كما كان يفعل الإمام شعبة بن الحجاج ويصور هشام بن عروة جبن أحدهم وخوفه من أن يكشف من حدثه، فيقول: "إذا حدثت بحديث أنت منه في ثبت، فخالفك إنسان فقل: من حدثك بذا، فإن حدثت بحديث فخالفني فيه رجل، فقلت: هذا حدثني به أبي، فأنت من حدثك؟ فجف"١.
٥٠٠- ولهذا يصور الإمام ابن شهاب الزهري أهمية الإسناد للحديث، وأن رواية الحديث بلا إسناد ضرب من المحال، فيقول لابن عيينة، قد سأله عن حديث وقال له: هاته بلا إسناد-:"أترقى السطح بلا سلم؟! "٢.
٥٠١- وقد ذكر الإمام الشافعي، ﵁، أن مشروط صحة الخبر عن رسول الله ﷺ أن يكون متصل السند، فقال بعد أن ذكر شروط الراوي: "ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه"٣.
٥٠٢- ولكن هناك مراسيل رأى بعض العلماء العمل بها والأخذ بها حجة؛ لأن رواتها عدول ومن رووا عنهم وأسقطوهم عدول أيضًا، فليس
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المخطوط" ص٤٩. وقوله: "فجف" يعني لم يستطع أن يجيب. ٢ مناقب الشافعي ٢/ ٣٤. ٣ الرسالة ص ٣٧١، ٣٧٢.
[ ٢٤٢ ]
هناك المعنى الذي يحتاج إليه من ذكر الإسناد متصلًا -على حين رأى البعض الآخر التمسك بالإسناد المتصل شرطًا في الحديث الصحيح، ومن هنا كان اختلافهم في حجية المرسل.
[ ٢٤٣ ]
المرسل والاتجاهات في الأخذ به وتوثيقه وعدم الأخذ به:
معنى المرسل:
٥٠٣- وقبل أن نبين اتجاهات العلماء في الأخذ بالمرسل أو عدمه ينبغي أن نعرف المرسل؛ لأن هذ المصطلح قد تغير مفهومه من حين لآخر، واتسعت دائرته في بعض الأوقات وضاقت في أوقات أخرى.
٥٠٤- والمرسل في عرف المتقدمين -وخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين- هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، ومثله المنقطع.
٥٠٥- ويبدو هذا واضحًا في كلام الإمام الشافعي ومعاصريه ومن بعدهم من أهل القرن الثالث: يقول الإمام الشافعي: "وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب"١، وهو يريد بهذا المنقطع المرسل؛ لأنه يتكلم عن المراسيل. وفي أثناء كلامه في الرسالة عن المراسيل، ومتى يحتج بها سيتبين لنا بوضوح أنه يستعمل المرسل بالمعنى الواسع الذي يشتمل على كل منقطع.. وفي كلام علي بن المديني ما يبين أنه يطلق المراسيل على المنقطعات، فقد سئل عن حديث فقال: إسناده مرسل، رواه الحسن ومحمد بن سيرين عن ابن عباس٢. فالانقطاع هنا قبل الصحابي.
٥٠٦- وإذا قرأنا كتاب المراسيل لابن أبي حاتم الرازي تبين لنا أنهم يطلقون المرسل بهذا المعنى، وقد بنى عليه كتابه، فقال: "باب شرح المراسيل المروية عن النبي وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم"٣ سئل أبو زرعة الرازي عن المغيرة بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: "من أصبح مرضيًا لوالدته " الحديث،
_________________
(١) ١ المراسيل: ص ١٣. ٢ العلل لعلي بن المديني ص٦٤. ٣ المراسيل: ص ١٣.
[ ٢٤٣ ]
فقال أبو زرعة: المغيرة لم يسمع من عطاء، مرسل١ ويقول أبو حاتم الرازي: مجاهد بن جبر عن عائشة مرسل٢. ويقول الإمام أحمد: عبد الملك ابن أبي بكر عن عمر "في زكاة الدين" مرسل٣. وسئل يحيى بن معين، سليمان بن أبي هند عن خباب مرسل؟ " شكونا إلى النبي ﷺ شدة الحر٤ "قال: نعم مرسل٥، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم نجد أن أبا زرعة أطلق المرسل على ما حذف من سنده أكثر من راو، وهو ما سمي "بالمعضل" أو "البلاغات"، بعد ذلك يقول ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وحدثنا بهذا الباب في "كتاب النكاح" بطريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "أسلم غيلان بن سلمة وعنده عشر نسوة. فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعًا".
وحدثنا أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي، قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن". فسمعت أبا زرعة يقول له: مرسل أصح٦". ويقول يحيى بن سعيد القطان: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: أي والله، وسفيان ابن سعيد -يعني الثوري- قيل له: مرسلات مالك بن أنس؟ قال: هي أحب إليّ٧، ومعلوم أن مالكًا وابن عيينة والثوري جميعًا كانوا يرسلون بحذف جزء من السند أو السند كله، كما نشاهد ذلك واضحًا في الموطأ.
وهذا المعنى هو ما استمر عليه عرف الفقهاء والأصوليين بعد ذلك.
٥٠٧- وقد رأى معظم المتأخرين بعد القرن الثالث أن المرسل هو ما رواه
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٣٥. ٢ المصدر السابق ص ١٢٦. ٣ المراسيل ص ٨٧. ٤ أخرجه مسلم متصلًا من طريق آخر عن خباب بلفظ: "شكونا إلى رسول الله ﷺ في الرمضاء، فلم يشكنا". "بشرح النووي ٢/ ٢٦٦". وانظر الترمذي بتحفة الأحوذي ١/ ٤٨٣. ٥ المراسيل: ص ٥٨. ٦ علل الحديث: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - المكتبة السلفية بالقاهرة ١٣٤٣ ١/ ٤٠٠ - ٤٠١/ ١١٩٩. ٧ المراسيل: ص ١٢.
[ ٢٤٤ ]
التابعي عن النبي ﷺ، وأن المنقطع هو ما أسقط من سنده راو واحد من دون التابعي، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك ﵃ أجمعين١، وما أشبه ذلك.
٥٠٨- ويبدو أن هذا المعنى للمرسل لم يستقر عليه من بعد القرن الثالث، وإن ادعى الحاكم أن مشايخ الحديث لم يختلفوا فيه، لأن الخطيب -وهو في القرن الخامس- قدم التعريفين على أنهما مستعملان وإن كان أشار إلى أن أكثر الاستعمال للثاني٢.
٥٠٩- وقد خالف الحاكم ادعاءه بالإجماع هذا حينما قال: إن مشايخ أهل الكوفة يطلقون المرسل على من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء٣ أي بالمعنى الأول. وحينما عرف المرسل مرة أخرى فقال: "هو قول الإمام التابعي أو تابع التابعي، قال رسول الله ﷺ، وبينه وبين رسول الله قرن أو قرنان" ولا يذكر سماعه من الذي سمعه منه"٤.
٥١٠- ومنشأ هذا الاضطراب عند الحاكم أن المعنى الأول الذي استقر قبل القرن الرابع ظل سائرًا مع المعنى الثاني - كما نص على ذلك الخطيب.
٥١١- وإذا كنا نبحث عند علماء القرن الثاني فإننا سنأخذ المعنى الذي استقروا عليه وبنوا عليه آراءهم والذي يشمل المرسل والمنقطع والمعضل عند المتأخرين.
مراسيل الصحابة:
٥١٢- والعلماء جميعًا وعلى الأقل في القرن الأول والثاني الهجريين يذهبون إلى أن الأحاديث المرسلة التي يرويها الصحابة الكبار والصغار
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص ٧٠، ٧١. ٢ الكفاية "هـ" ص ٢١. ٣ معرفة علوم الحديث ص٢٥، ٢٦. ٤ المدخل: ص١٢.
[ ٢٤٥ ]
عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوها منه إنما هي من قبيل الأحاديث
الصحيحة والمحتج بها، فهي والمتصلة سواء، وذلك لأنهم عدول بتعديل الله لهم ومتثبتون في رواياتهم، فلا يخشى أن يحدثوا عن ضعيف أو كذاب.
اللهم من أحضر إلى النبي ﷺ غير مميز، كعبيد الله بن عدي ابن الخيار، ومحمد بن أبي بكر، فإنه ولد عام حجة الوداع، فإن مرسله يأخذ حكم مراسيل غير الصحابة.
٥١٣- وقد رأى العلماء أن مرسل الصحابي حجة؛ لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي ﷺ، أو عن صحابي آخر. والكل مقبول، واحتمال الصحابي الذي أدرك وسمع النبي ﷺ يروي عن التابعين بعيد جدًّا، بحذف مراسيل الصحابة الذين لم يميزوا إذا اعتبرناهم من الصحابة؛ لأنهم أخذوا عن التابعين بكثرة فاحتمال أن الساقط عندهم غير صحابي قوي، ويحتمل أن يكون غير الصحابي هذا غير ثقة١.
وهناك أكثر من اتجاه في الاحتجاج بمرسل غير الصحابي وقبوله وعدم الاحتجاج به ورفضه في القرن الثاني الهجري، الذي نعنى بدراسته.
الاتجاه الأول:
٥١٤- وهو قبول المرسل، وعلى رأس هذا الاتجاه الإمام مالك ﵁، فقد ساق في "الموطأ" الكثير من المراسيل التي احتج بها وقبلها ومنها:
١- ما رواه "عن زيد بن أسلم: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: "فوق هذا"، قأتي بسوط قد ركب به "ذهبت عقدة طرفه ولان"، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، ثم قال:
"أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من
_________________
(١) ١ الموطأ "طبعة الشعب" ص ٥١٥ - ٥١٦. و"يبدي صفحته" أي يظهر جانبه ووجهه والمراد من يظهر ما ستره أفضل".
[ ٢٤٦ ]
هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإن من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".
ومنها:
٢- حديث الشاهد واليمين رواه مالك هكذا: "عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"١.
٥١٥- يقول الشيخ محمد أبو زهرة -رحمة الله عليه- معقبًا على هذا الحديث: "ونرى السند فيه فقط جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين، والصحابي بيقين ليس فيه، فهو مرسل لم يذكر فيه الصحابي على أقوى الفروض، ومع ذلك أخذ به مالك ﵁، واعتبره"٢.
والحديث فعلًا مرسل كما يقول أستاذنا إلا أن في السند غير جعفر أباه كما هو واضح من نص الحديث في "الموطأ" وما ذكره الشيخ وذكرته هنا.
٣- ومن هذا الحديث الذي يحكي ما صنعه النبي ﷺ مع أهل خيبر، يقول مالك:
"عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر، يوم افتتح خيبر: "أقركم فيها ما أقركم الله ﷿، على أن الثمر بيننا وبينكم" ٣.
٥١٦- وقد أكثر الإمام مالك من المراسيل التي سميت فيما بعد بالبلاغات يقول في متعة الطلاق.
"أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له، فمتع بوليدة"٤.
وهو في هذا اعتمد في إخباره عن عبد الرحمن بن عوف الصحابي
_________________
(١) ١ الموطأ ص ٤٤٩. ٢ مالك، حياته وعصره -آراؤه الفقهية: محمد أبو زهرة. الطبعة الثانية- الأنجلو المصرية ص ٢٩٥. ٣ الموطأ ص ٤٣٨. ٤ المصدر السابق ص ٣٥٤.
[ ٢٤٧ ]
﵁ بلاغ بلغه "ولم يذكر من الذي بلغ، ولم يذكر السند إلى عبد الرحمن بن عوف ﵁"١.
٥١٧- وليس معنى قبول مالك للمراسيل عدم اهتمامه بالسند وأنه لا قيمة له عنده، أو عدم اهتمامه بتوثيق الحديث إلى رسول الله ﷺ كلا فهو المتشدد في قبول الأخبار، وقد مضى شيء من تشدده هذا، ولكنه يعتمد علىتوثيق من يأخذ عنه هذا المرسل، وثقته فيه، ومتى حدث ذلك وكان وفق مقاييسه النقدية، فإنه يطمئن إلى حديثه ويثق فيه، "فالتشدد في الاختيار هو سبب الاطمئنان وقبول الإرسال"٢.
ومن أجل هذا رأى من بعده أن هذه المراسيل التي دونها في "الموطأ" إنما هي في حقيقتها أحاديث مسندة إلا القليل النادر منها، والذي لا يتجاوز أربعة أحاديث٣.
٥١٨- ويقول القرافي مبينًا حجة من يقبلون المراسيل: إن سكوت المرسل مع عدالته، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام "ليقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم: إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامح ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال"٤.
_________________
(١) ١ مالك، حياته وعصره: ص ٢٦٥. ٢ المصدر السابق ص ٢٩٦. ٣ تدريب الراوي ١/ ٢١٢ - ٢١٣. وقال السيوطي: وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد - وقد وصل ابن الصلاح الأحاديث الأربعة هذه. "مقدمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي للموطأ "طبعة الشعب ص ٤- ٥". ٤ شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي "٦٨٤هـ" تحقيق طه عبد الرءوف سعد. مكتبة الكليات الأزهرية - دار الفكر. القاهرة - بيروت. الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م. ص ٣٧٩ - ٣٨٠.
[ ٢٤٨ ]
٥١٩- ونقل السيوطي عن ابن جرير أن التابعين قد أجمعوا بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم على رأس المائتين١ -وإذا كان ابن جرير قد انتقد في هذا، لأن هناك من لم يقبل المرسل في القرنين الأول والثاني، كسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري٢- فإنه يبقى مسلمًا به أن الأكثرية قد قبلت المرسل وعملت به في أواخر القرن الأول والنصف الأول من الثاني، ولم يكن مالك شاذًّا في هذا.
٥٢٠- ولكن مالكًا قد رفض بعض المراسيل مما جعل البعض يعيد، من الذين يرفضون المرسل، ومن هذا البعض الإمام الحاكم النيسابوري٣، ومما جعل البعض -من ناحية أخرى- يهاجمه ويصفه بالتناقض؛ لأنه يأخذ بالمرسل ثم يترك بعض المراسيل، كابن حزم الذي يقول: إن مالكًا ترك حديث الوضوء من الضحك في الصلاة مع أنه يأخذ بالمراسيل٤.
٥٢١- والحق أن الإمام مالكًا قبل المرسل بشروط خاصة، قد أشرنا إليها وبها يطمئن إلى أن هذا المرسل مثل المسند، ولكن بدون هذه الشروط يرفض المرسل كما يرفض المسند في بعض الأحيان على الرغم من اتصاله، وهو لا يرفضه هذا وذاك لأنه مرسل أو مسند؛ بل لأنه لا تتوافر فيه الثقة في رواية أو مرسله.
وابن حزم متجن في هذا الهجوم؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ما دام العلماء يأخذون بالمسانيد فينبغي أن يأخذوا بها جميعًا، وكذلك الأمر هنا؛ لأن هناك من المقاييس الأخرى التي يجب أن تراعى في الخبر مرسلًا أو غير مرسل.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ١/ ١٩٨. ٢ فتح المغيث ١/ ١٣٦. ٣ المدخل: ص١٢. ٤ الإحكام ٢/ ١٣٦ - ١٣٧. ٥ انظر اختلاف الأحاديث والآثار في هذا الموضوع في نصب الراية ١/ ٤٧ - ٥٤.
[ ٢٤٩ ]
٥٢٢- وربما رفض مالك "حديث القهقهة" لأنه كان موضع شك من الفقهاء والمحدثين؛ لأن مداره كان على أبي العالية؛ قام خراساني إلى عبد الرحمن بن مهدي -وكان أعلم الناس بحديث القهقهة- فقال: يا أبا سعيد، حديث رواه الحسن عن النبي ﷺ: "من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة". فقال عبد الرحمن: هذا لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ. فقال له: من أين قلت؟ قال: إذا أتيت الصراف بدينار، فقال لك: هو بهرج تقدر أن تقول له: من أين قلت؟.. قلت: نفسره لنا "قال: إن هذا الحديث لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ. فسمعه هشام بن حسام من حفصة وكتان في الدرا معها، فحدث به هشام الحسن، فحدث به الحسن، فقال: قال رسول الله ﷺ. قال: فمن أين سمعها الزهري؟ قال: كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن، وإلى الزهري فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري، فقال الزهري: قال رسول الله ﷺ مثله١.
٥٢٣- أرأيت كيف شاع الاضطراب في رواية هذا الحديث وخفيت ظروف روايته وملابساتها؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الزهري كان يقول: "لا وضوء في القهقهة". فقال الدارقطني: فلو كان هذا صحيحًا لما أفتى بخلافه٢.
وقد تكلم الناس في أبي العالية وفي مراسيله، قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، ولا أبي العالية، وما حدثتموني لا تحدثوني عن رجلين من أهل البصرة: عن أبي العالية والحسن، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما.. وقال مرة أخرى: أربعة يصدقون من حدثهم، فلا يبالون ممن يسمعون: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال، وأنس بن سيرين٣.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل ص ٣١٢ من المطبوع. ٢ نصب الراية ١/ ٤٨. ٣ المصدر السابق ١/ ٥١.
[ ٢٥٠ ]
فلكل هذا وغيره يرفض الإمام مالك بعض المراسيل، كما يترك بعض المسانيد، شأنه في ذلك شأن المستوثقين مما يحملون، المحتاطين فيما يأخذون.
٥٢٤- وقد أخذ ابن حزم على مالك أيضًا أنه ترك حديثًا مرسلًا رواه عن عروة بن الزبير "أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس قيام"١.
٥٢٥- والحديث كما رواه الإمام مالك في "الموطأ": "عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، خرج في مرضه، فأتى، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، فاستأجر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله ﷺ: أن كما أنت: فجلس رسول الله ﷺ، إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ، وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر"٢.
٥٢٦- والحديث مرسل -كما يقول ابن حزم-.. وعلى احتمال أن مالكًا لم يأخذ به، فعنده من الأسباب لذلك غير كونه مرسلًا.
أولًا: أن عنده من الأحاديث المتصلة ما يتعارض مع هذا الحديث، وقد ذكرها في "الموطأ" قبل رواية هذا الحديث المرسل.
الأول: رواه مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع، فجحش شقة الأيمن "خدش أو فوق الخدش" فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" ٣.
_________________
(١) ١ الإحكام ٢/ ١٣٧. ٢ الموطأ ص ١٠٤ "طبعة الشعب". ٣ الموطأ: ص ١٠٣ - ١٠٤ "طبعة الشعب".
[ ٢٥١ ]
والثاني: رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ، أنها قالت: صلى الرسول ﷺ وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" ١.
وهذا السند هو نفسه سند الحديث
المرسل إلا أنه وصل بعائشة وربما كان هذا هو مصدر شك مالك في الحديث المرسل الذي تركه.
ثانيًا: أن هناك من الصحابة من أفتى بجلوس المأمومين خلف الإمام الجالس، كجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس ابن فهد، ويقول ابن حبان: إنه "لم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واه، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه٢.
٥٢٧- وإذا كنا -مع الأستاذ أحمد شاكر، عليه رحمة الله -لا نرضى من ابن حبان ادعاءه الإجماع؛ لأنه لا دليل عليه، إذ السكوت عن الشيء ليس معناه الأخذ به، "ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل" -كما قال الإمام الشافعي٣- فإننا نرى أنه ليس من شك في أن الإمام مالكًا قد بلغه عمل بعض الصحابة وفتواهم في هذا الأمر، فأيد به الأحاديث المتصلة وترك من أجلها الحديث المرسل.
٥٢٨- والحق أن قبول مالك للمراسيل على هذا النحو كان استجابة لعصره الذي كانت تكثر فيه المراسيل؛ لأن التابعين قد سمع كل واحد منهم
_________________
(١) ١ الموطأ: ص ١٠٣ - ١٠٤ "طبعة الشعب". ٢ نصب الراية: ٢/ ٤٩. ٣ تحقيق الرسالة ص٢٥٧.
[ ٢٥٢ ]
العديد من الصحابة، ويجد مشقة في إحصاء من سمع منهم هذا الحديث أو ذاك، روي عن الحسن البصري أنه كان يقول: "إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالًا" وروي عنه أيضًا قوله: متى قلت لكم: حدثني فلان فهو حديثه لا غير، ومتى قلت: قال رسول الله ﷺ فقد سمعته من سبعين أو أكثر، كما روي عن الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثًا عن عبد الله فأسنده لي، فقال: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت: قال عبد الله، فقد رواه لي غير واحد. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله ﷺ، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال الحسن: أيها الرجل، ما كذبنا، ولا كذبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ"١.
٥٢٩- ومهما يكن من شيء فقد اجتهد الإمام مالك في هذا العصر على أن يحمل الكثير من الأحاديث المسندة على الرغم من هذه الظروف ولم يحمل من المرسل إلا القليل بالنسبة لغيره، يقول أحمد بن صالح: "ثلث حديث مالك مسند، وليست هذه المنزلة لأحد من نظرائه"٢.
الاتجاه الثاني:
٥٣٠- وهو قريب من الاتجاه الأول، ويكاد يتطابق معه، مع امتداد له آخر بقدر امتداد مدرسة الأحناف -صاحبة هذا الاتجاه- التي قام رجال فيها غير أبي حنيفة ببنائها
بعد زمن مالك وأبي حنيفة، ومن هنا نشأ هذا الامتداد الذي تغيرت صورته عما رآه مالك في حجية المراسيل.
٥٣١- يقبل الأحناف مراسيل الصحابة -كغيرهم- والتابعين وتابعيهم، أو مراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى -كما يعبر مؤلفوا أصولهم٣.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٤ -تدريب الراوي ٢/ ٢٠٤- قواعد التحديث ص١٤٢ - مالك: ص ٢٩٦. ٢ ترتيب المدارك ١/ ١٣٥. ٣ أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار ٣/ ٧٢٣.
[ ٢٥٣ ]
وهم في هذا يتطابق اتجاههم مع اتجاه مالك وأكثر التابعين وتابعي التابعين، لأنهم كانوا يواجهون هذه المراسيل ويقولون بحجيتها وامتدت هذه المدرسة إلى مشارف القرن الثالث فكان لهم رأي فيما بعد أهل القرون الثلاثة هذه، وهذا ما يميز اتجاه هذه المدرسة عن الاتجاه الأول، ومن يدري لو كان الله قد قيض لمدرسة مالك نفس هذه القوة إلى ذلك الحين؟، ربما كانوا قد ذهبوا إلى ما ذهبت إليه هذه المدرسة.
٥٣٢- ويبدو أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قد قالوا بما قال به مالك، بدليل أن محمدًا مثلًا يعتمد على ما أرسله، وهو من أهل القرن الرابع١ "١٨٩ هـ" وفي "الموطأ" الذي رواه عن مالك يقول: "بلغنا عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق فقضى صلاته"٢ وأخذ بهذا، ويقول: "بلغنا أن النبي ﷺ قال في السيرين جميعًا: "عليكم بالسكينة" حين أفاض من عرفه، وحين أفاض من المزدلفة"٣.
والمراد بالسيرين: سير العنق الذي هو بين الإبطاء، والإسراع، والنص وهو أرفع من العنق.
ويقول في هذا الباب: "بلغنا أنه قال ﷺ: "عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيضاع الإبل وإيجاف الخيل" فبهذا نأخذ٤.
٥٣٣- ووضع أساس تحديد القرون الثلاثة -على ما أعلم- عيسى بن أبان الذي عاش جزءًا من القرن الثالث الهجري "٢٢٠ هـ" ورأى أن
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٦٣. والقرن هنا معناه الجيل. ٢ موطأ الإمام مالك "٩٣ هـ - ١٧٩ هـ" رواية محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م الطبعة الثانية ص١٠٠. ٣ المصدر السابق ص ١٦٥. ٤ المصد السابق ص ١٦٤. ويقال: وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا إذا حمله على سرعة السير "النهاية" وإيجاف الخيل أي إسراعها من الوجيف وهو سرعة السير ومنه الآية الكريمة: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ "الحشر ٢٦" أي: فما أجريتم في تحصيله.
[ ٢٥٤ ]
المجتمع قد تغير ولم يكن كما كان عليه أهل القرون الثلاثة الأولى، إلا أهل العلم الذين حافظوا على دينهم واهتمامهم بالحديث، ولهذا قال: تقبل مراسيل أهل القرون الثلاثة وأهل العلم من غيرهم.
ويقول السرخسي: "وكان عيسى بن أبان ﵀ يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته، مرسلًا ومسندًا، وإنما يعني به محمد الحسن ﵀ وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقًا وإنما اشتهر بالرواية عنه، فإن مسنده يكون حجة ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه"، وضع عيسى ابن أبان بهذا الأساس في أن هناك من المراسيل من لا تقبل.
ثم جاء أبو بكر الرازي "٣٧٠ هـ" فحدد القرون الثلاثة بقبول مرسلها، وما بعدها لا يقبل إلا عمن هو عدل ثقة، يقول السرخسي: وأصح الأقاويل في هذا ما قال أبو بكر الرازي ﵁ أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم تعرف منه الرواية مطلقًا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة، إلا إذا اشتهر مرسله بأنه لا يروى إلا عمن هو عدل ثقة؛ لأن النبي ﷺ شهد للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية، فكانت عدالتهم ثابتة بتلك الشهادة ما لم يتبين خلافها.
٥٣٤- وهذا لا يمنع أن بعض الأحناف المتقدمين إلى حد ما مثل أبي الحسن الكرخي "٣٤٠ هـ" يظلون على قبول المرسل مثل المسند دون قيد زمني "فمن تقبل روايته مسندًا تقبل روايته مرسلًا" فهو "لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار"١.
٥٣٥- وحجة الأحناف:
١- أن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على قبول المرسل، فقبلوا روايات ابن عباس ﵄ مع أنه لم يسمع من النبي صلى
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٢٦٣.
[ ٢٥٥ ]
الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، ويقال: بضعة عشر حديثًا، فقد أرسل الرواية عن النبي ﷺ من غير سماع منه في كثير من الأحاديث، ومما من ذلك "أن النبي ﷺ كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر". وإنما سمع ذلك من أخيه الفضل.. والنعمان ابن بشير ما سمع إلا حديثًا واحدًا من رسول الله ﷺ وهو: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده، وإذا فسدت فسد سائر جسده ألا وهي القلب". ثم كثرت روايته عن رسول الله ﷺ مرسلًا، وأبو هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" ولما أنكرت ذلك عائشة، ﵂، قال: هي أعلم، حدثني به الفضل بن عباس ﵄، فقد أرسل الرواية عن النبي، ﷺ من غير سماع منه١. وروى ابن عمر ﵄: "من صلى على جنازة فله قيراط" الحديث. ثم أسنده إلى أبي هريرة.
وقال البراء بن عازب، ﵁: ما كل ما نحدث سمعناه من رسول الله ﷺ، وإنما حدثنا عنه، لكنا لا نكذب.
"ولما أرسل هؤلاء، وقبل والصحابة مراسيلهم، ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك، صار ذلك إجماعًا منهم على جواز ذلك ووجوب قبوله"٢.
٢- وإذا انتقلنا إلى التابعين وجدنا الحسن وسعيد بن المسيب، ﵄ وغيرهما من أئمة التابعين كانوا كثيرًا ما يروون مرسلًا. وقد كان إعلانهم عن أنهم يرسلون الحديث الواحد عن أكثر من صحابي سببًا في قول عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند، "فإن من اشتهر عنده حديث بأن سمعه بطرق طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده، وقطع الشهادة بقوله: قال رسول الله ﷺ"٣.
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٦٠ - ٦١. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٤. ٣ أصول السرخسي ١/ ٣٦١.
[ ٢٥٦ ]
وقد يقال: إن قبول مراسيل الصحابة إنما هو لثبوت عدالتهم، وهذا غير موجود في غيرهم: لوجود الكذب في عصر التابعين وتابعيهم.
ويجيب الأحناف بأنه لا فرق بين صحابي يرسل وتابعي يرسل؛ لأن عدالتهم ثبتت بشهادة الرسول ﷺ للقرون الثلاثة، وخاصة إذا كان الإرسال من وجوه التابعين، مثل عطاء بن رباح من أهل مكة، وسعيد بن المسيب من أهل المدينة، ومثل الشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبي العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام، فإنهم كانوا يرسلون ولا يظن بهم إلا الصدق١.
ولا يقال: إن هؤلاء الكبار ربما سمعوا من غير العدول، ولم يبينوا حالهم - لأنه لا يظن بهم فعل هذا، فإن من يستجيز الرواية ممن يعرفه غير عدل من غير بيان لا تقبل روايته مرسلًا ولا مسندًا٢.
كما لا يقال -أيضًا- إنهم رأوا أن الإسناد لا تقوم به الحجة فحذفوه لأن القول بهذا معناه أنهم كتموا موضع الحجة بترك الإسناد مع علمهم أن الحجة لا تقوم بدونه.
"فتعيين أنهم اعتقدوا أن المرسل حجة كالمسند، وكفى باتفاقهم حجة"٣.
٣- أن التابعين أرسلوا وملئوا كتبهم بالمراسيل، ولم يروا أن أحدًا من الأمة أنكر عليهم ذلك، فكان ذلك إجماعًا منهم على قبوله"٤.
٤- على أننا إذا عدلنا الراوي، ونفينا عنه الكذب في كلام الناس، فمن غير المعقول أن يكذب على رسول الله، ﷺ، ويحدث عنه
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٤. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٦١. ٣ المصدر السابق ١/ ٣٦١ - ٣٦٢. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٣.
[ ٢٥٧ ]
بإسناد هو منقطع "والمعتاد من الأمر أن العدل إذا وضح له الطريق واستبان له الإسناد طوى الأمر وعزم عليه، فقال: قال رسول الله، ﷺ، وإذا لم يتضح له الأمر نسبه إلى من سمعه؛ لتحمله ما تحمل عنه١".
٥- أن كثيرًا من السنن روي مرسلًا، فترك هذه المراسيل تعطيل لكثير من السنن التي يحتاج إليها الفقهاء لبيان الأحكام الشرعية بأدلة من السنة٢.
٥٣٦- وكان من الطبيعي أن يذهب الأحناف -كغيرهم- إلى أن المسند أرجح من المرسل؛ لتحقيق المعرفة برواة المسند وعدالتهم، دون رواة المرسل "ولا شك أن رواية من عرفت عدالته أولى ممن لا تعرف عدالته ولا نفسه"٣.
٥٣٧- ولم يشذ منهم إلا عيسى بن أبان ومن تبعه من بعض المتأخرين، قالوا بأن المرسل أقوى من المسند؛ لأن المرسل قد سمعه بطرق كثيرة -كما سبق أن ذكرنا- ولأن المرسل ينطوي على حكم مرسله بصحة الحديث بخلاف ما إذا أسند فإنه لم يعزم الأمر، وإنما تركه لك، وأحالك عليه؛ لتتبين ما إذا كان صحيحًا أو غير صحيح٤.
٥٣٨- لكنه ليس مثل "المشهور" من الأحاديث الذي تجوز به الزيادة على الكتاب -كما سبق أن ذكرنا٥- بل هو في مرتبة أدنى منه؛ لأن هذه الميزة التي ثبتت للمراسيل، وهي كونها أعلى من المسند -إنما ثبتت لها اجتهادًا ورأيًا، فتكون مثل قوة ثبتت بالقياس، وقوة المشهور ثبتت بالتنصيص، وما ثبت بالتنصيص فوق ما ثبت بالرأي، فلا يكون المرسل مثل المشهور٦.
_________________
(١) ١ أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار ٣/ ٧٢٤. ٢ المصدر السابق ٣/ ٧٢٤. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٥. ٤ أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار ٣/ ٧٢٤. ٥ ص ١١٦ من هذا البحث. ٦ البزدوي وكشف الأسرار معًا ٣/ ٧٢٥.
[ ٢٥٨ ]
الاتجاه الثالث:
٥٣٩- هذا الاتجاه وقف موقفًا وسطًا، فلم يقبل كل المراسيل الصحيحة كما رأى الاتجاه الأول والثاني تقريبًا، ولم يرفض كل المراسيل كما رأى الاتجاه الرابع والأخير الذي سنتعرف عليه بعد قليل -إن شاء الله ﷿.
٥٤٠- وهو يرى أن هناك مراسيل جديرة بالقبول؛ لأن هناك من الدلائل والشواهد على صحتها، وأن هناك مراسيل ينبغي رفضها أو التوقف في قبولها؛ لعدم وجود هذه الدلائل التي تدعو إلى الاطمئنان إليها، ويكون قبولها نوعًا من المجازفة؛ لأن رواتها تأكد فعلًا أنهم يروون عن الضعاف. وعلى هذا فقد قبل المراسيل، التي تتوافر فيها شروط ميعنة، ورفض غيرها.
٥٤١- وعلى رأس هذا الاتجاه، بل وصانعه -الإمام الشافعي، ﵁. وهو يرى أن المرسل ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: مرسل كبار التابعين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ، وكثرت مشاهدتهم لهم.
ثانيهما: مرسل غيرهم أو مرسل من بعد كبار التابعين، كما يعبر الإمام الشافعي.
٥٤٢- أما القسم الأول "مرسل كبار التابعين" فإنه يقبل في حالات منها:
١- أن يشركه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله، ﷺ، ويكفي أن يوافقوه في معنى ما روى فقط، فإن وجد ذلك كان دلالة على أن من أخذ عنه المرسل قد حفظه وضبطه وبالتالي فهو صحيح.
٥٤٣- ويقول ابن الصلاح إن هذا هو سبب احتجاج الشافعي ﵁، بكثير من مرسلات سعيد بن المسيب، ﵁، فإنها وجدت
[ ٢٥٩ ]
مسانيد من وجو أخر، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لما بينهما من الصلة والتصاهر. وهذا لا يمنع أن هناك مرسلات لابن المسيب لم يقبلها لعدم انضمام إليها ما يقويها. ولا يختص ذلك بإرسال ابن المسيب، فهناك مراسيل لغيره قبلها١.
٥٤٤- وإذا كان البعض قد أنكر أن يكون الشافعي قد أخذ بمراسيل ابن المسيب وإنما هو أخذ بالمسانيد التي أتت من طرق أخرى؛ فإن ابن الصلاح قد رد عليه بقوله: إن بالمسند تتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال، حتى يحكم له مع إرساله بأنه صحيح تقوم به الحجة وبالتالي يحكم على المتن بأنه صحيح، وهذا على اعتبار أن الإسنادين إذا اختلفا اختلف الحديثان، ويصير حينئذ المرسل والمسند دليلين لمعنى واحد يرجح على معنى آخر معارض إذا كان له طريق واحد مسند٢.
على أنه إذا كان المسند حسنًا فإنه يرتقي بالمرسل عنه هذه المرتبة. وهذا كله -بطبيعة الحال- إذا كان المسند بمفرده صحيحًا صالحًا للحجة، أما إذا كان مما يفتقر إلى اعتضاد؛ لأن فيه ضعفًا، فإنه يقوي المرسل والمرسل يقويه، ويصير كل منهما بالآخر حجة٣.
٥٤٤- وإذا لم توجد هذه الحالة وانفرد الراوي بإرسال حديث لم يسنده غيره فإن مما يقوي مرسله هذا ويجعله مقبولًا هو:
٢- أن يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه وبرجال غير رجاله.
وهذه الحالة -في رأي الإمام الشافعي- أضعف من الحالة الأولى.
ويفيد كل المراسلين الآخر، ويقوي الظن بوجود أصل لكل منهما، وينقل كل منهما من مرتبة الضعف إلى مرتبة الحسن لغيره؛ لأن ضعف كل منهما
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص ٧٣، تدريب الراوي ١/ ٢٠٠ - ٢٠١. ٢ المصدر السابق. ص ٧٣. ٣ فتح المغيث ١/ ١٤٣.
[ ٢٦٠ ]
إنما هو من جهة خفة ضبط راويه وحفظه وكثرة غلطه، لا من جهة اتهامهما بالكذب١.
٥٤٥- وإن لم يوجد ذلك فإنه يقبل إذا:
٣- وافقه ما يروى عن بعض صحابة رسول الله، ﷺ من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم، لأنه إذا وجد ذلك كان دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله تعالى.
٤- أو يوافقه عوام من أهل العلم يفتون بمثل ما روي عن النبي، ﷺ.
٥٤٦- هذه هي الحالات التي ذكرها الإمام الشافعي في الرسالة١.
ولا شك أن هناك حالات أخرى عنده لم يذكرها هنا، يتقوى بها المرسل، وتبعث على درجة الاطمئنان به، ومنها ما ذكره السخاوي في فتح المغيث وهي:
٥- أن يكون المرسل قد خبر علم من أرسل عنه وعرفه؛ لأنه في هذه الحالة يمكنه أن يدرك حديثه دون تحريف من غيره، قال الشافعي ﵀ في حديث لطاوس عن معاذ: "طاوس لم يلق معاذًا، لكنه عالم بأمر معاذ، وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافًا.
٥٤٧- ومثل هذا تمامًا ما ذهب إليه الطحاوي في الاحتجاج بحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سئل: "كان عبد الله مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا". قال الطحاوي: فإن قيل: هذا منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله،
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٤٦١ - ٤٦٣. وانظر حالات أخرى في كتاب الحديث المرسل حجيته وأثره في الفقه الإسلامي: محمد حسن هيتو. دار الفكر بيروت لبنان ص ٤٣، ٥٢.
[ ٢٦١ ]
وخلطته بخاصته من بعده، ولا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا١.
٥٤٨- وقد رأى بعضهم أن مما يسند به المرسل فعل صحابي أو انتشار أو عمل أهل العصر أو قياس معتبر، لكننا لم نعثر على نص للشافعي يقول بذلك، وإن كان بعضه يمكن أن يفهم من كلامه، فرأى الصحابي مثل عمله ورأيه مما يعضد به المرسل كما نص على ذلك في الرسالة، وعمل أهل العصر مثل فتوى عوام من أهل العلم إلا أن إرجاع بعضه إلى كلام الشافعي فيه تكلف، كما يقول السخاوي٢.
٥٤٩- وقد انتقد القاضي أبو يعلى في كتابه العدة اتجاه الشافعي هذا في قبول المرسل في هذه الحالات، وقال: إنه بهذا لا يقبل المرسل لذاته، وإنما يقبله لأمور انضمت إليه، فكأنه في رأيه عندما يعمل بالمرسل إنما يعمل بالأمور التي انضمت إليه معه٣.
ونقول: إنه ليس الأمر كذلك؛ لأن هذه الأمور تزيل الشك في المرسل فيعمل به هو٤.
٥٥٠- وفي الحالات التي يقبل فيها المرسل جميعًا لا بد أن يتوافر في المرسل شرطان، وإلا أضر إرساله بحديثه، ولا يسع أحدًا قبول مرسله:
الشرط الأول:
أن يكون ممن يعرف من يرسل عنه، فليس مجهولًا عنده ولا عند أهل العلم، وألا يكون ممن يروي عن الضعاف المرغوب عن الرواية عنهم، يقول
_________________
(١) ١ فتح المغيث ١/ ١٣٤. ٢ المصدر السابق ١/ ١٤٢. ٣ العدة في أصول الفقه: للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء "٣٨٠ - ٤٠٨هـ" نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية. ص ١٣٨ - ١٣٩. ٤ وانظر في مناقشة أبي يعلى وغيره في اعتراضات أخرى كتاب الحديث المرسل حجيته وأثره ص ٤٣ - ٥١.
[ ٢٦٢ ]
الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "أن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه.
الشرط الثاني:
ألا يخالف الحفاظ إذا شاركهم في معنى حديث يرويه وألا يكون ممن يزيد عليهم في ذلك، أما إذا خالفهم بالنقص فإن هذا يكون دلالة على حفظه وضبطه وتحريه؛ يقول الإمام الشافعي، معبرًا عن هذا الشرط: "ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه١.
٥٥١- ولم يكن الشافعي يقول في قبوله المرسل على هذا النحو كلامًا نظريًّا فقط وإنما طبق ما قاله وإذا كنا لا نستطيع أن نقرأ فقهه كله فنستخرج منه الأمثلة العديدة فإننا نكتفي بإيراد شيء منها يدل على أن الشافعي استفاد من المراسيل على النحو الذي رسمه.
٥٥٢- قال الشافعي في مختصر المزني في باب "بيع اللحم بالحيوان: "أخبرنا مالك: عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب أن رسول الله، ﷺ "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" وعن ابن عباس: "أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر ﵁، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلًا وآجلًا؛ يعظمون ذلك، ولا يرخصون فيه. قال الشافعي: وبهذا نأخذ، كان اللحم مختلفًا أو غير مختلف، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي، ﷺ، خالف في ذلك أبا بكر. وإرسال ابن المسيب عندنا حسن"٢.
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٤٦٣. ٢ مختصر المزني: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني "٢٦٤هـ" مطبوع على هامش كتاب الأم، طبعة دار الشعب بالقاهرة ٢/ ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٢٦٣ ]
٥٥٣- وواضح أن الشافعي ﵁ أخذ بهذا المرسل لأنه عضده قول أبي بكر وفتوى بعض التابعين.
٥٥٤- ويقول السيوطي: إن هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد بن المسيب يصلح مثالًا لأقسام المرسل المقبول، فإنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فقد روى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي عن مسلم بن خالد، عن ابن جريح عن القاسم ابن أبي بزة قال: "قدمت المدينة، فوجدت جزورًا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي الرجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت، فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرًا".
قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم ابن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلًا. والظاهر أنه غير سعيد؛ فإنه أشهر من ألا يعرفه القاسم ابن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه قال: وقد رويناه من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة١، فمنهم من أثبته، فيكون مثالًا لما له شاهد سند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضًا مرسلًا انضم إلى مرسل٢ سعيد.
٥٥٥- وفي "باب زكاة مال اليتيم" من "الأم" رأى الشافعي أن الزكاة تكون في مال اليتيم كما في مال البالغ، وكان دليله في ذلك حديث
مرسل عن رسول الله ﷺ يقول: "ابتغوا في مال اليتيم لا تستهلكه الصدقة أو لا تذهبه الصدقة".. وما عضد ذلك المرسل من فعل لعائشة وعلي وقول لعمر رضي الله عنهم٣.
_________________
(١) ١ انظر الاختلاف في هذا السماع في كتاب العلل لعلي بن المديني ص٥٥ - ٥٧. ٢ تدريب الراوي ١/ ٢٠١. ٣ الأم ٢/ ٢٥.
[ ٢٦٤ ]
٥٥٦- ثم بين الشافعي أنه إذا كانت توجد بعض الدلائل التي تجعلنا نقبل المرسل فليس معناه أنه مع المتصل المسند في درجة واحدة، ولكن الأخير أقوى منه وذلك لأن احتمال كون المرسل قد أرسل عمن يرغب في الرواية عنه لضعفه قائم، وكذلك إن وافقه مرسل، لاحتمال أن يكون مخرجهما واحد، من حيث لو سمى لم يقبل، وأيضًا إذا كان قول بعض الصحابة يقوي المرسل، فإنه من المحتمل أن يكون المرسل قد غلط بإرساله هذا الحديث حين سمع قول بعض أصحاب النبي ﷺ يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من الفقهاء١.
٥٥٧- وعلى هذا فاحتمال الخطأ والغلط قائم في جميع الحالات الأمر الذي لا يجعل المرسل بحال يرقى إلى مستوى الحديث المتصل الصحيح الذي انكشف فيه جميع رواته وقويت صلته برسول الله، ﷺ، ومن أجل هذا لم نجد سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم؛ ولكننا وجدنا ذلك في بعض المرسل كما في حديث محمد بن المنكدر الذي سنذكره قريبًا -إن شاء الله، فلم يقل به أحد من أهل الفقه كلهم٢.
٥٥٨- أما القسم الثاني، وهو مرسل "من بعد كبار التابعين"، من صغارهم وتابعيهم، وتابعي التابعين -فيقول الشافعي، ﵁: إنه لا يعلم واحدًا منهم يقبل مرسله، لعدة أمور:
١- أنهم أشد تجوزًا فيمن يروون عنه، فلا يتحرون أن يروون عن الثقات فقط، وإنما يأخذون منهم ومن غيرهم.
٢- وهذا مترتب على الأول، وهو أنه قد وجدت الدلائل فعلًا على ضعف ما أرسلوه.
٣- استطالة السند وكثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة فيها كانت أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه، فتتسع دائرة الاحتمال السابق، وهو الأخذ عن الضعفاء.
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٦٤، ٤٦٥. ٢ المصدر السابق ص ٤٦٧، ٤٧١.
[ ٢٦٥ ]
٥٥٩- ورأي الشافعي هذا فيمن بعد كبار التابعين إنما هو ناشئ عن الخبرة بهم وبما يرسلونه، فهو قد رأى بعضهم ينزع إلى جهة واحدة ومنبع واحد من منابع العلم ثم يترك منابع أخرى ربما كانت تعطي مثلها أو أثرى منها، وهذا البعض من أهل التقصير في العلم، ومن الواجب علينا أن نبحث عما قصر فيه ونستفيد منه، يقول الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "رأيت الرجل يقنع بيسير العلم، ويريد إلا أن يكون مستفيدًا إلا من جهة١ قد يتركه من مثلها أو أرجح، فيكون من أهل التقصير في العلم".
ورأى أن بعضهم كان على العكس من ذلك؛ فقد رغب في أن يتوسع في العلم فيقبل عن كل ضرب، ومنه ما كان بنبغي له أن يربأ بنفسه عنه توثيقًا لسنة رسول الله ﷺ، وتحريًا في أخبار دينه، يقول الإمام الشافعي: "ورأيت من عاب هذه السبيل -يعني سبيل المقصرين- ورغب في التوسع في العلم، من دعاه ذلك إلى القبول عمن لو أمسك عن القبول عنه كان خيرًا له".
ورأى الشافعي أيضًا منهم أن الغفلة قد تدخل على أكثرهم فلا يتحرون أهل الصدق والضبط فيما يأخذون، وقد تؤديهم غفلتهم إلى أن يحملوا الغث ويتركوا السمين، يقول: "ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم، فيقبل عمن يرد مثله وخيرًا منه". وهذا الصنف المغفل من أهل العلم قد يقبل الأحاديث من الضعفاء، لأنها توافق رأيًا ارتآه، أو قولًا يقول به. وقد يرد الأحاديث التي يرويها الثقات، لأنها تخالف رأيه وقولًا أخذ به، أي: أنه يحكم رأيه في الأحاديث، فيقبل منها ما يوافقه، ولا شك في أن هذا فيه من الخطورة ما فيه على عملية توثيق الأحاديث وتحريرها؛ لأن أي إنسان قد يخطئ في رأيه وقد يصيب فيخطئ في الحكم على الأحاديث تبعًا لذلك أو يصيب، يقول الشافعي: "ويدخل عليه، فيقبل عمن يعرف
_________________
(١) ١ كذا في النص المحقق وقد علق الشيخ شاهر على هذه العبارة بقوله: "أو يريد ألا يكون" وهو يخالف للأصل وألف "أو" مزادة في الأصل بخط واضح -والحق أن التعبير يستقيم بهذه العبارة التي في سائر النسخ.
[ ٢٦٦ ]
ضعفه، إذا وافق قولًا يقوله: ويرد حديث الثقة إذا خالف قولًا يقوله"١.
٥٦٠- ثم ضرب لنا الإمام الشافعي مثلًا من المراسيل التي رفضها محاولًا أن يطبق بعض ما قاله في مرسل: "من بعد كبار التابعين": وهو ما أخبر به سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، وإنه يريد أن يأخذ مالي، فيطعمه عياله، فقال رسول الله ﷺ: "أنت ومالك لأبيك" ٢.
فهذا الحديث لم يقبله الشافعي؛ لأنه لا يثبت عن النبي ﷺ:
أولًا: لأن الله ﷾ لما فرض للأب ميراثًا محددًا من الابن، كغيره من الورثة، وهذا الفرض قد يكون أقل فروض كثير من الورثة - دل ذلك على أن ملكية المال إنما هي لابنه دونه.
ثانيًا: ولأن محمد بن المنكدر الذي أرسل هذا الحديث، وإن كان في غاية الثقة والفضل في الدين والورع -فإننا لا ندري عمن قبل هذا الحديث. ومثله في هذا مثل الشاهدين العدلين يشهدان على الرجلين فلا تقبل شهادتهما حتى يعدلاهما أو يعدلهما غيرهما.
وإذا كان محمد بن المنكدر لم يسم لنا من أرسل عنه، فاحتمل أن يكون أرسل عن غير ثقة -فإن غيره ممن أوثق منه سمى لنا من أرسل عنه، فكان ضعيفًا، وبان عوار حديثه، فهذا ابن شهاب الزهري يقول: "إن
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٤٦٥، ٤٦٦. ٢ رواه ابن ماجه عن جابر. ورواه عنه الطبراني في الأوسط، والطحاوي ورواه البزار عن هشام بن عروة مرسلًا، وصححه ابن القطان، وله طريق أخرى عند البيهقي في الدلائل وأخرجه ابن حبان عن عائشة، قال في المقاصد الحسنة: "والحديث قوي" "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: إسماعيل بن العجلوني الجراحي "١١٦٢هـ" - مكتبة التراث الإسلامي- حلب. ١/ ٢٣٩ - ٢٤١ رقم الحديث ٦٢٨".
[ ٢٦٧ ]
رسول الله ﷺ أمر رجلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة"١.
ويقول الإمام الشافعي: أنه لم يقبل هذا؛ لأنه مرسل، حقًّا إن ابن شهاب إمام في الحديث والتخبير وثقه الرجال، وهو كثيرًا ما يسمي بعض أصحاب النبي ﷺ، ثم خيار التابعين، "ولا نعلم محدثًا يسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب؛ لكنه هنا قبل عن سليمان بن أرقم، وهو ضعيف؛ لأنه رآه رجلًا من أهل المروءة والغفلة، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه؛ إما لأنه أصغر منه، أو لغير ذلك، ولم يسمه إلا عندما سأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له٢.
٥٦١- ومن أجل هذا يقول الإمام الشافعي: "يقولون: نحابي ولو حابيننا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم٣ وإذا احتمل في ابن شهاب أن يروي عن مثل هذا الراوي الضعيف مع مكانته التي رأيناها -فالاحتمال أقوى وأكثر وقوعًا في غيره ممن هو أقل منه في إمامته وفضله.
٥٦٢- هذا وقد زعم الماوردي أن الإمام الشافعي، في المذهب الجديد، يحتج بالمرسل إذا لم يوجد دليل سواه، وكذا نقله غيره، ولكن ابن السمعاني رد هذا بإجماع النقلة من العراقيين والخراسانيين عنه بأن هذا لا يجعل المرسل حجة عندالشافعي٤.
٥٦٣- وقد نسب التاج السبكي إلى الشافعي أن المرسل إذا دل على محظور ولم يوجد سواه، فالأظهر وجوب الانكفاف عن هذه المحظور - يعني احتياطًا وتورعًا٥.
_________________
(١) ١ سبق الكلام عن هذا الحديث. انظر ص٢٦٤ - ٢٦٥ من هذا البحث. ٢ الرسالة ص ٤٦٧ - ٤٧٠. ٣ معرفة السنن والآثار ١/ ٨١. ٤ فتح المغيث ١/ ١٤٢. ٥ المصدر السابق ١/ ٢٤٣.
[ ٢٦٨ ]
الاتجاه الرابع:
٥٦٤- ويقف فيه المحدثون الذين لا يقبلون إلا الحديث المتصل ولا يعتبرون الحديث المرسل أو المنقطع حجة بأية حال ومن أي قرن..
٥٦٥- ويمثل هذا الاتجاه الأئمة الكبار في القرن الثاني الهجري ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي يقول الإمام مسلم: "المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"، وحكى ذلك ابن عبد البر عن جماعة من المحدثين١،. ويقول النووي: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين"٢.
ويرى يحيى بن سعيد القطان أن مرسلات أئمة الحديث لا فائدة فيها وليست ثابتة وإنما هي شبه الريح، يقول: "سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء لو كان فيه إسناد صاح به"، ويقول: "مرسلات أبي إسحاق الهمداني عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير" -يعني مثله. ويقول: "مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف" ويقول: "مرسلات ابن عيينة شبه الريح.. ثم قال: أي والله سفيان بن سعيد"٣، ويقول أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ثم يقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه٤. وقال في مراسيل الزهري: شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه٥.
وإذا كانت مرسلات كبار المحدثين والعلماء هكذا فما بالك بمرسلات من هم دونهم؟!..
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص٧٥. ٢ التقريب ص٩. ٣ المراسيل ص١٢. ٤ المصدر السابق ص١١. ٥ تدريب الراوي ١/ ٢٠٥.
[ ٢٦٩ ]
٥٦٦- وقد عرض العلماء المتأخرون حجة هؤلاء في رفضهم المراسيل وتمسكهم بالأسانيد المتصلة فقط، يقول ابن حزم: إن الذي يرسل إنما هو بمثابة من يحدث عن مجهول، و"من جهلنا حالة فرض علينا التوقف في خبره، وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله"، وسواء أقال الراوي العدل: "حدثنا الثقة" أم لم يقل لا يجب أن يلتفت إلى ذلك، إذ قد يكون عنده ثقة؛ لأنه لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره والجرح أولى من التعديل، فقد وثق سفيان الثوري جابرًا الجعفي، وجابر من الكذب والفسق والشر والخروج عن الإسلام بحيث قد عرف، ولكنه خفي أمره على سفيان، فقال بما ظهر منه عنده"١.
٥٦٧- ويقول النووي قريبًا من هذا: "ودليلنا في رد العمل به أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل؛ لجهالة حاله - فرواية المرسل أولى؛ لأن المروي عنه محذوف مجهول العين والحال٢". ويفصل الإمام ابن حجر في شرح النخبة فيقول: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف"، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا، وإذا كان تابعيًّا فإنه يحتمل أن يكون ضعيفًا، وإذا فرض أنه ثقة فإنه من المحتمل أن يكون قد حمل عن تابعي آخر ضعيف وبالاستقراء وجد أن هناك سبعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فليس كل مرسل روى فيه التابعي عن الصحابي، حتى نقول ونتأكد أنه أرسل عن ثقة ولم يرسل عن ضعيف٣.
٥٦٨- ومن حيث الواقع العملي فهناك في زمن الصحابة والتابعين من يحدث وهو غير ثقة، فربما يروي عنه ولا يسميه، فتكون النتيجة هي روايتنا عن الضعاف دون أن ندري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبي: إني لأسمع الحديث استحسنه، فمنا يمنعني من ذكره إلا كراهية أن
_________________
(١) ١ الإحكام ٢/ ١٣٥. ٢ قواعد التحديث ص ١٣٣. ٣ شرح نخبة الفكر ص١٧.
[ ٢٧٠ ]
يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به، فهذا يدل -كما يقول ابن عبد البر- أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره.
وقال عمران بن حدير: إن رجلًا حدثه عن سليمان التيمي، عن محمد ابن سيرين "أن من زار قبرًا أو صلى عليه فقد برئ الله منه". قال عمران: فقلت لمحمد عند أبي مجلز: إن رجلًا ذكر عنك كذا، فقال أو مجلز: كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء، فإذا لقيت صاحبك فأقرئه السلام، وأخبره أنه كذب. قال: ثم رأيت سليمان
عند أبي مجلز، فذكرت ذلك له، فقال: سبحان الله! إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب.
٥٦٩- وقد تقدم سما قاله ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج يقول بعد ما تاب:
إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا.. قال ابن حجر: إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل؛ إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن، فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطع، فيحتج به"١.
٥٧٠- والأخبار التي تروي أن كثيرًا من المراسيل إنما ظهر ضعفها بعد كشف ما قطع منها- كثيرة، وتحمل في طياتها تحذير الأئمة من الأخذ بالأسانيد غير المتصلة٢.
الإمام أحمد والمراسيل:
٥٧١- والحق أن الإمام أحمد ﵁ ينتظم في سلك هذا الاتجاه، إذ أنه يعد الأحاديث المرسلة من الأحاديث الضعيفة التي لا يحتج بها، فقد
_________________
(١) ١ فتح المغيث ١/ ١٣٧ - ١٣٨. ٢ المحدث الفاصل ص٣١٣ "المطبوع" - معرفة السنن والآثار ١/ ٨٢.
[ ٢٧١ ]
سئل عن حديث ثوبان: "أطيعوا قريشًا ما استقاموا لكم" قال: ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان، فقد حكم ببطلان هذا الحديث لأنه مرسل"١. ويضعف أحاديث راو بأنها تهوى وتنحط لأنها مرسلة، يقول في أبي الحارث بن سليمان الفزاري: "حديثه يهوى، ويفسر عبد الله هذا بقوله: -يعني مراسيل٢ وقد سئل عن حديث النبي، ﷺ" مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين -متصل برجال ثبت، فقال: "عن الصحابة أعجب إلي"٣، فهذا يدل على أن المرسل ليس بحجة عنده؛ إذ لو كان حجة عنده ما قدم عليه قول الصحابي لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي"٤.
ويقول أبو زهرة عليه رحمة الله تعالى، مقررًا هذا الاتجاه عند الإمام أحمد: "إن أحمد ﵁ اعتبر المرسل من قبل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابي، وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح قط، فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبر ضعيفًا لا صحيحًا وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف لا من قبيل الحديث الصحيح"٥.
٥٧٢- وعلى الرغم من هذا فقد نقل عنه ما فهمه بعض الباحثين على أنه يقبل المراسيل ويحتج بها، فيكون في هذا شأنه شأن أصحاب الاتجاه الأول الذي على رأسه الإمام مالك -كما قررنا- ومن أقواله التي يستدل بها على ذلك قوله: "ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا من المتصل" وقوله: "ربما
_________________
(١) ١ أصول مذهب الإمام أحمد: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ - ١٩٧٤م مطبعة جامعة عين شمس بالقاهرة ص٢٩٤. ٢ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٧٨. ٣ المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، مجد الدين أبي البركات عبد السلام وشهاب الدين عبد الحليم وتقي الدين أحمد جمعها أبو العباس بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي "ت ٧٤٥هـ" تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - مطبعة المدني بالقاهرة ص٣١٠. ٤ أصول المذهب الإمام أحمد: ص ٣٩٣ - ٣٩٤. ٥ ابن حنبل ص٢٣٠.
[ ٢٧٢ ]
كان المرسل أقوى إسنادًا، وقد يكون الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه"١.
٥٧٣- ولكن الذي يدرك عادة أئمة الحديث وعباراتهم عندما يوازنون بين الأحاديث يعرف أن هذه العبارة وأمثالها لا تعني أن الإمام أحمد يحتج بالمراسيل، بل قد تعني العكس تمامًا، إذا فهمناها على وجهها الصحيح، فهو يريد أن يقول: إن الحديث إذا جاء بطريق منقطع وآخر متصل فقد يكون هناك غلط في اتصاله، وأن الصحيح إنما هو انقطاعه أي أنه منقطع في الحقيقة، وواقع الأمر، وهذا بصرف النظر عن كونه يحتج به أو لا يحتج به. وهذا كثير وشائع في استعمالات المحدثين٢. ولهذا كان الإمام أحمد يعجب من هؤلاء الذين يولعون بكتابة الأحاديث المتصلة ويأخذونها على أنها صحيحة مع أنها في الحقيقة مرسلة، فوصلها أحد الرواة غلطًا، يقول الميموني تلميذه: "كان يعجب أبو عبد الله ﵁، ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا منه وهو يوقفه، وقد كتبه على أنه متصل".. ويضعف هؤلاء الذين يرفعون المراسيل، ولو رووها على حقيقتها مرسلة ما كان هذا منكرًا منهم، وما كان سببًا في تضعيفهم، يقول عن صدقة السمين: "ما كان من حديثه مرفوع منكرًا، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل، وهو ضعيف جدًّا"٣. ويقول في المغيرة بن زياد: "ضعيف الحديث، روي عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضر الجنازة قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم. قال عبد الله، قال أبي: رواه ابن جريح وعبد الملك عن عطاء مرسل.. وروي عن عطاء عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا سافر قصر وأتم". والناس يروونه عن عطاء مرسل٤.
_________________
(١) ١ أصول مذهب الإمام أحمد ص٣٠٠. ٢ انظر علل الحديث لابن أبي حاتم ففيه الأمثلة الكثيرة جدًّا على ذلك. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٨٤. ٤ المصدر السابق ١/ ١٣١ - ١٣٢.
[ ٢٧٣ ]
ومثل هذا ما قاله عبد الله بن الإمام أحمد سألته -يعني أباه- عن حديث رواه محمد بن مصفى الشامي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه وعن الخطأ والنسيان". وعن الوليد عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله، فأنكره جدًّا وقال: ليس يروي فيه إلا عن الحسن١. فقد أنكر الإمام أحمد هنا المسند، وذلك لوجود الخطأ فيه وأثبت المرسل، وذلك حتى لا يؤخذ المرسل ليحتج به على أنه مسند مع أنه في الحقيقة ليس مسندًا والأصح أنه مرسل.
وقد كان الإمام أحمد يوثق هؤلاء الرواة المتيقظين الذين يروون المرسل على إرساله والمتصل على اتصاله لا يخلطون بينهما، ويقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري -ليث بن سعد؛ يفصل ما روي عن أبي هريرة -يعني مرسلًا- وما عن أبيه عن أبي هريرة -هو ثبت في حديثه جدًّا٢.
٥٧٤- وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه أخذ ببعض المراسيل، الأمر الذي جعل بعض الحنابلة يفهمون منه أنه يأخذ بحجية المرسل مطلقًا ومنهم القاضي أبو يعلى الذي اختار أن يكون الإمام أحمد يحتج بالمرسل. وحجته كما قلنا أن الإمام أحمد أخذ ببعض المراسيل، فقد قال فيما نقله ابنه عبد الله: آخذ بحديث ابن جريح، عن ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار، عن النبي ﷺ في العبد الآبق إذا جيء به دينار.
وحكم على بعض المراسيل بالصحة، فقال: مرسلات إبراهيم لا بأس بها، ومرسلات سعيد ابن المسيب أصح المرسلات٣. وقال: وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه٤.
٥٧٥- ومن أجل هذا الفهم من أبي يعلى تكلم على وجه أخذ الإمام أحمد بالمرسل، فقال: إن الله ﷾ يقول: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٠٣. ٢ المصدر السابق ١/ ١٠٧. ٣ العدة في أصول الفقه ص٢٣٩. ٤ المسودة ص٢٧٦ عن أصول مذهب الإمام أحمد ص٢٩٨.
[ ٢٧٤ ]
إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ولم يفرق بين من أنذر بمرسل أو مسند، ولأن عادة التابعين إرسال الأخبار إلى آخر الحجج التي تعرفنا عليها عند الآخذين بحجية المرسل. كما رد على الاعتراضات التي تثار ضد قبول المرسل.
٥٧٦- والحق أن القاضي أبا يعلى لم يقل: إن الإمام أحمد قد قال بتلك الاستدلالات الكثيرة التي أوردها، حتى نلزمه بها ونقول: إنه يحتج بالمرسل مطلقًا.
٥٧٧- والواقع أنه لا تناقض بين ما قلناه من أن الإمام أحمد يعتبر المراسيل من الضعيف وما نقل عنه من أنه قبل بعض المراسيل؛ لأنه يقبل بعض المراسيل بعض المراسيل مع الإقرار بأنها ضعيفة، وهذا في حالة واحدة يمكن أن نسميها حالة الاحتياط، وذلك إذا لم يجد غيرها بعد أن يفتش فلا يجد الأحاديث الصحيحة المسندة ولا الأقوال المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم. والأحاديث المرسلة شأنها -في ذلك عنده- شأن كل الأحاديث الضعيفة الأخرى التي يأخذ بها في هذه الحالة. إنه لا يوثقها، وإنما يقول: إنها -على ضعفها- أقوى من رأي الرجال١. ولو كانت موثقة عنده ما أخرها عن أقوال الصحابة وفتاواهم، وفي أقوال الإمام أحمد ما يدل على مرتبة هذه الأحاديث المرسلة، فهو يقول: "إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم تخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه"٢. وإذا كان هذا النص لا يبين بالتحديد مكانة المرسل من أقوال الصحابة والتابعين فإن أدنى ما يقال ويفهم منه أنه يأخذ
_________________
(١) ١ قواعد التحديث ص ١١٣. ٢ المسودة لآل تيمية ص ٢٧٦.
[ ٢٧٥ ]
بالمرسل في بعض الأحيان، وأنه أخره في الذكر عن أقوال الصحابة والتابعين، مما قد يشعر بأنه أقل منزلة منها، كما قربه بالحديث الضعي الذي في إسناده شيء.
٥٧٨- وقد أدرك ابن القيم أن الإمام أحمد يؤخر المرسل إلى المرتبة الرابعة كما قد يحتمل من هذا النص، فذكر أن الإمام أحمد يأخذ بالنصوص فإذا لم يجد شيئًا منها لجأ إلى فتاوى الصحابة فإذا لم يجدهم أجمعوا، اختار من أقوالهم إذا اختلفوا، فإذا لم يجد عندهم إجماعًا ولا اختلافًا أخذ بالمرسل والحديث الضعيف١.
٥٧٩- ولكن الذي يستوقفنا عند ابن القيم هو أنه قال -عقب ذلك- مبينًا منزلة الضعيف عامة والمرسل منه: إنه قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن عند الإمام أحمد، وأنه لم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف٢.
وقد تبع ابن القيم في هذا أستاذه ابن تيمية الذي رأى هذا الرأي: لأن الحديث عند المتقدمين ينقسم إلى صحيح وضعيف فقط، وأن الحسن اصطلاح أحدثه الترمذي.
وقد سار على هذا الدرب بعض الباحثين المحدثين، وفسر أقوال الأئمة في الحديث الضعيف والأخذ به في ضوء هذا الرأي.
٥٨٠- وقد ناقشناه في رسالة الماجستير. وأثبتنا أن الأئمة لا يعنون بالضعيف الحسن، وإنما يعنون به ما هو أقل منه، مما لا يحتج به في الحلال والحرام والحسن يحتج به عندهم فيهما٣. كما أشرنا إلى أن أبا حاتم الرازي سبق الترمذي في استعمال الحسن٤.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين عن رب العالمين: ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر "٧٥١هـ" - إدارة الطباعة المنيرة بالقاهرة ١/ ٢٥. ٢ أعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٢٥. ٣ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ص ٢٢٩ - ٢٣٠. ٤ المصدر السابق ص٢٢٩ - ٣٠٠.
[ ٢٧٦ ]
٥٨١- ولكن الذي نضيفه هنا هو أن إطلاق الحسن على الحديث وعلى الراوي وراد على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، بل ورد هذا الإطلاق على لسان أحمد نفسه، وأنه كان يستعمله بالمعنى الاصطلاحي الذي هو دون الصحيح وفوق الضعيف.
٥٨٢- ثم ما الداعي إلى تفسر كلمة ضعيف بالحسن؟ مع أن ظاهخر كلام أحمد يشير إلى أن مراده بالضعيف الضعيف الذي لم تتحقق فيه شروط القبول، فإنه يريد أن الرأي لا يعتد به عنده ما دام قد نقل في المسألة نص ولو ضعيف؛ فإن الضعيف خير من الرأي.."ضعيف الحديث أقوى من الرأي".
٥٨٣- "وإذا فسرنا" الضعيف "بالحسن" فأي فائدة في هذا التنصيص من الإمام أحمد على أن الحسن مقدم على الرأي؟ إذ أن هذا أمر ثابت مقرر فالحسن حجة في كافة وجوه الاحتجاج، ولم يقل عن أحد من المتقدمين نفي الاحتجاج بالحسن إلا ما نقل عن أبي حاتم"١.
٥٨٤- وتخلص من هذا إلى أن الإمام أحمد يعتبر المرسل غير صحيح وضعيف وينضم في سلك هذا الاتجاه، الذي يرفض المراسيل كأحاديث صحيحة يحتج بها.
أثر هذا الاتجاه في توثيق السنة:
٥٨٥- وقد أفاد هذا الاتجاه أيما إفادة في توثيق الحديث، إذ قام أصحابه بما يشبه الاستقراء في تمييز الروايات التي جاءت مرسلة، والتي حدث بها مرسلوها عمن لم يسمعوها منهم، وأسقطوا من حدثوهم. وعرفوا من أرسل عن ثقات وسموه ومن كان غير ذلك، وسدوا بذلك النقص الذي أحدثه المتقدمون بإرسالهم الكثير من الأحاديث، ولو ذهبوا إلى ما ذهب إليه
_________________
(١) ١ قواعد في علوم الحديث: التحقيق في الهامش ص١٠٠ - ١٠٧ من بحث الشيخ محمد عوامه فينقد كلام ابن تيمية وابن القيم في الضعيف عند الإمام أحمد.
[ ٢٧٧ ]
أصحاب الاتجاه الأول مثلًا ما فعلوا ذلك، يقول: "قد تأمل المتقدمون مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره"١ وقال ابن المديني: "مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها "وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله ﷺ إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين"٢.
وقال شعبة بن الحجاج: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا، فقال أحمد بن حنبل: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاسًا والحسن، وقد سمع قتادة من خلاس٣.
٥٨٦- وبعد أن انتهينا من الاتجاهات في الأخذ بالمرسل وعدم الأخذ به فإننا نسجل ملاحظتين على هذه الاتجاهات:
الأولى: أنه يتمثل في هذه الاتجاهات جميعها الحرص على أخذ السنة صحيحة متصلة الإسناد، ولم يكن في أخذ بعض العلماء بالمراسيل تخل عن هذا المبدأ وإنما لأنهم رأوا أن المراسيل كلها عند البعض أو بعضها عند البعض الآخر إنما هي صحيحة وإن بدت شكليًّا أنها منقطعة.. وكما يقول عبيد الله بن مسعود من الحنفية الذين يأخذون بالمرسل: "والمرسل منقطع عن رسول الله ﷺ من حيث الظاهر لعدم الإسناد الذي يحصل به الاتصال لا من حيث الباطن للدلائل المذكورة في المتن الدالة على قبول المرسل٤.
وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن كل العلماء على اختلاف اتجاهاتهم في هذا السبيل كانوا يأخذون بالمسانيد في حقيقة الأمر، والاختلاف هنا شكلي أو راجع إلى أسس أخرى غير كون الحديث مرسلًا أو غير مرسل. وقد يقال: لم إذن هذه الدراسة وهذا العناء؟ نقول: إنها أفادتنا في أمور منها: أننا أصبحنا على يقين من أن الذين رأوا الأخذ بالمراسيل لم يكونوا مفرطين، كما يبدو
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث ص٢٦. ٢ تدريب الراوي ١/ ٢٠٤. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١- ٨٨. ٤ شرح التوضيح على التنقيح: عبيد الله بن مسعود. الطبعة الأولى بالمطبة الخيرة بمصر ٢/ ٢٥٧.
[ ٢٧٨ ]
من أول وهلة -ومنها تصحيح بعض الأخطاء- من وجهة نظرنا التي وقع فيها بعض الباحثين كاتهام مالك مثلًا بأنه تناقض مع نفسه حين أخذ بالمراسيل وترك بعضها
الثانية: أن هناك تدرجًا زمنيًّا في قبول المراسيل -كما يقول الأستاذ أبو زهرة١- فكلما كان الإمام أسبق أو العلماء أسبق كانوا أكثر قبولًا للمراسيل وكلما بعد الزمن وجدنا التشدد في قبولها، والسبب في ذلك أن الناس كلما اقتربوا من عهد الصحابة كانوا أكثر تورعًا وتقوى، فلا يروون إلا ما صح عندهم والقليل من كان غير ذلك أيضًا فالسند يكون غير طويل، فإذا أرسل تابعي فإنه من العادة أنه سمعه من صحابي أو من زميل له تابعي يثق فيه والمرسلون عن بعضهم أحياء، ويستطيع المتحمل للحديث أن يتصل ببعضهم ويعرف حقيقة ما يحدثون، وليس الأمر كذلك في زمن الشافعي مثلًا، وفي زمن أحمد بن حنبل وأئمة الحديث في عصره، فالتدين قل واستفحلت المذاهب، ودعاتها كثروا واستطال السند ومن أرسل عنهم ماتوا ويحتمل أن يكونوا من الضعاف.
٥٨٧- وبعد؛ فقد تعرفنا على جهود العلماء، من فقهاء ومحدثين في وضع أسس توثيق سند الحديث ورجاله الذين نقلوه، وكانت لهم جهود أخرى في وضع أسس تعنى بمتن الحديث بعيدًا عن نقلته وهو ما سنتعرف عليه -إن شاء الله ﷿- في القسم الثاني الذي أصبحنا على مشارفه واقتربنا من عتباته بعون من الله الكريم وفضله.
_________________
(١) ١ ابن حنبل ص٢٣١.
[ ٢٧٩ ]