مدخل
تقدمة:
٥٨٨- في القسم الأول تعرفنا على جهود علماء القرن الثاني الهجري من محدثين وفقهاء في توثيق السنة من خلال توثيقهم لراوي الحديث وسنده، وهي طريقة استولت على معظم جهودهم وجهود من بعدهم؛ لأنه -حقًّا- إذا نقل السنة رواة ثقات، وأسلمها بعضهم إلى بعض بطريقة سليمة، فإنه -مما لا شك فيه- ستنتقل كما صدرت من رسول الله ﷺ دون تبديل أو تغيير أو دخيل.
٥٨٩- وعلى الرغم من أن هذه الجهود كانت كافية في توثيق السنة، مما جعل كثيرًا من المحدثين يكتفون بها -فقد كانت هناك كثير من المشكلات والصعوبات التي رأى بعض الفقهاء أمامها البحث في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن الرواة والأسانيد، أو بعبارة أخرى أدق: دون الاهتمام الكثير بنقلة الحديث، على حين يركزون الضوء، ويعملون الذهن والفكر فيما نقل عن رسول الله ﷺ نفسه: هل يتلاءم مع اعتبارات معينة -من وجهة نظرهم- فيكون وثيق الصلة برسول الله ﷺ، أم يتناقض مع هذه الاعتبارات، فيكون دخيلًا ومزورًا.
٥٩٠- ومما أباح لهم تلك النظرة أن الحكم بصحة الأسانيد وتوثيق الرواة إنما هو حكم من حيث الظاهر، والله ﷾ هو -وحده- العليم ببواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم فقد يأتي الحديث بإسناد يبدو صحيحًا، ولكنه في واقع الأمر وحقيقته على خلاف ذلك وتدل على هذا اعتبارات أخرى كما أشرنا، فقد يبدو خبر الواحد متناقضًا مع النصوص الثابتة، وقد يكون متناقضًا مع عمل أهل بلد معين، وخاصة إذا كان هذا العمل هو عمل أهل المدينة، وهم أبناء المهاجرين والأنصار الذين توارثوا ما كان عليه رسول الله ﷺ من عمل وغير ذلك من الاعتبارات التي سنبحثها، ونسير مع من وضعوها مقاييس العمل بخبر الآحاد أو تركه، وبعبارة أخرى توثيقه أو عدم توثيقه.
[ ٢٨٣ ]
٥٩١- وجدير بالذكر -كما أشرت- أن معظم المحدثين اكتفوا بتوثيق الأسانيد وسيلة إلى توثق المتن، وهم في هذه الحالة لا يرون تعاوضًا بسبب هذه الاعتبارات يشكل خطرًا على الحديث، ويهدم ما بنوه من توثيق بعض الأسانيد وتوثيق متونها، تبعًا لذلك.. ووجهة نظرهم أننا ما دمنا قد وثقنا من الحديث عن طريق الثقة بنقلته -فإن أية محاولة أخرى إنما هي هروب من العمل بسنة رسول الله ﷺ، وتحكيم الآراء التي قد تخطئ وقد تصيب، وأن أي تعارض إنما هو من وجهة نظرنا، ولا يزيله إلا أن نؤمن بأن رسول الله ﷺ أعلم بالإسلام ومبادئه منا، وقد عبر الإمام الشافعي عن هذا الاتجاه وأكده في أكثر من موضع، وفي كل مناسبة أوضح تعبير، يقول: "فلم يكن له -يعني عمر بن الخطاب ﵁- ولا لأحد إدخال "لم"؟ و"كيف" ولا شيئًا من الرأي على الخبر عن روسل الله ﷺ، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحدًا١ ".. فلا اعتبار فوق اعتبار أن الحديث قد نقل نقلًا صحيحًا، برواة عدول ضابطين، وقد ضرب المثل على أن الحديث قد يبدو معارضًا لكتاب الله ﷿، ومع هذا نقبله، وليس لنا حجة في ذلك إلا أن الذي نقله ممن يثبت أهل الحديث حديثه، يقول: "قد روينا ورويت أن رسول الله ﷺ أمر امرأة أن تحج عن أبيها، ورجلًا أن يحج عن أبيه، فقلنا نحن وأنت به، وقلنا نحن وأنت معًا لا يصوم أحد عن أحد، أفرأيت إن احتج له أحد ممن خالفنا فيه، فقال: الحج عمل على البدن كالصلاة والصوم، فلا يجوز أن يعمله المرء عن نفسه، وتأول قول الله ﷿: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢ وتأول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٣ وقال: السعي العمل، والمحجوج عنه غير عامل، فهل الحجة عليه إلا أن الذي روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ، ممن يثبت أهل الحديث حديثه، وأن الله فرض طاعة رسوله، وأن ليس لأحد خلافه،
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢١ وانظر شبيهًا بهذا في ص ٣٣٩ منه. ٢ سورة النجم: ٣٩. ٣ سورة الزلزلة: ٧، ٨.
[ ٢٨٤ ]
ولا التأول معه؛ لأنه المنزل عليه الكتاب المبين عن الله معناه١؟
٥٩٢- فالإمام الشافعي هنا يقول: إنه قد يبدو لنا تعارض بين الحديث وبعض الآيات القرآنية، مما يجعل البعض يترك حديث رسول الله، ﷺ ويستعمل القياس فيما يثبت خلاف السنة، ولكن لا تعارض في الحقيقة؛ لأنه ما دام الحديث قد نقله الصادقون فإننا نتأكد أنه صدر عن رسول الله ﷺ، لحكمة يعلمها الله ورسوله إن خفيت علينا وعلينا العمل به، تنفيذًا لأمر الله ﷿ بطاعة رسوله، ﷺ، ويكون الحديث حينئذ مخصصًا لهذه الآيات، حتى لو فهمناها كما فهمها من قال بالتعارض بينهما وبين الحديث.
ويوضح الإمام الشافعي هذا مرة أخرى، فيقول: "فوجب على كل عالم ألا يشك أن سنة رسول الله، ﷺ إذا قامت هذا المقام مع كتاب الله ﷿ في أن الله أحكم فرضه بكتابه، وبين كيفما فرض على لسان نبيه، ﷺ، وأبان على لسان نبيه، ﷺ ما أراد به العام والخاص -كانت كذلك سنته في كل موضع لا تختلف. وأن قول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا استعلمنا ظاهر القرآن، وتركنا الحديث- جهل، لما وصفت.. فأبان الله لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها، لا أن لنا معها من الأمر شيئًا إلا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأن كل ما سواها من قول الآدميين تبع لها"٢.
٥٩٣- فهو هنا يؤكد أنه من الجهل عرض السنة على القرآن لتثبيتها أو ردها، وأنه يجب ألا نأخذ بهذا المقياس من أجل ذلك، كما ينبغي ألا تعرض على القياس أو شيء آخر.
٥٩٤- وفي الفصول التالية سنمضي -إن شاء الله ﷿- مع الفقهاء الذين أخذوا بهذه المقاييس والذين ردوها مقارنين بين هؤلاء
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٣١، ٣٢. ٢ اختلاف الحديث ص٤٤، ٤٥.
[ ٢٨٥ ]
وأولئك إنه -بصرف النظر عن اختلافهم- سيتضح لنا بيقين افتراء الحاقدين على سنة رسول الله، ﷺ، وعلى علمائنا حينما قالوا: إنهم لم يقدموا الأحاديث موثقة، وإنهم انشغلوا بأسانيدها، ولم يعتنوا بمتونها وأنه إذا كان هذا ينطبق على فئة من العلماء -فإنه لا ينطبق عليهم جميعًا.
الأمر الذي أدى إلى وضع المقاييس التي لا تقل أهمية في توثيق السنة عن المقاييس التي وضعت لتوثيقها من حيث السند.
٥٩٥- وهذا وذاك أدى -بفضل من الله ﷿- إلى تثبيت سنة رسول الله، ﷺ، وحفظها نقية خالصة للمسلمين؛ كي ينهلوا من معينها، تبين لهم كتاب ربهم وتهديهم -مع كتاب الله الكريم- إلى التي هي أقوم
[ ٢٨٦ ]
الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله وعز وجل
الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله ﷿
٥٩٦- يقول أبو حنيفة، ﵁، مبينًا أن كلام رسول الله ﷺ لا يتعارض مع كتاب الله ﷿: "إذا قال الرجل أنا مؤمن بكل شيء تكلم به النبي، ﷺ، غير أن النبي، ﷺ لا يتكلم بالجور، ولم يخالف القرآن، فإن هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن. ولو خالف النبي القرآن. وتقول على الله غير الحق لم يدعه الله حتى يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١، ونبي الله لا يخالف كتاب الله تعالى، ومخالف كتاب الله لا يكون نبي الله فرد كل رجل يحدث عن النبي ﷺ بخلاف القرآن ليس ردًّا على النبي ﵇ ولا تكذيبًا له ولكن رد على من يحدث عن النبي ﷺ بالباطل والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ﵇. وكذلك كل شيء تكلم به النبي، ﷺ سمعنا به أو لم نسمعه فعلى الرأس والعين قد آمنا به ونشهد أنه كما قال نبي الله ﵇، ونشهد أيضًا على النبي ﵇ أنه لم يأمر بشيء نهى الله عنه ولم يقطع شيئًا وصله الله ولا وصف أمرًا وصف الله ذلك الأمر الذي بغير ما وصف به النبي، ونشهد أنه كان موافقًا لله في جميع الأمور، لم يبتدع، ولم يتقول على الله غير ما قال الله ﷿ ولا كان من المتكلفين، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٢.
كان هذا هو أساس مقياس عرض الأخبار على القرآن الكريم وعدم الثقة فيما يخالفه.
٥٩٧- ويرى الأحناف أن خبر الواحد لا يكون صحيحًا إذا خالف ظاهر كتاب الله ﷿، فإذا ورد مخالفًا له كان هذا دليلًا على عدم
_________________
(١) ١ الحاقة: ٤٤ - ٤٧. ٢ العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة تحقيق محمد رواس قلعه جي، وعبد الوهاب الهندي الندوي، مكتبة الهدى، حلب - الطبعة الأولى ٣٩٢هـ - ١٩٧٢ص ١٠٠ - ١٠٢.
[ ٢٨٩ ]
صحته وعلى الزيافة فيه -كما يعبر السرخسي١- ويمضي ما جاء في الكتاب على ظاهره، ولا يجوز تخصيص عامه أو صرفه عن الظاهر إلى المجاز بهذا الخبر المخالف ولا نسخه.
٥٩٨- وعد الأحناف هذه المخالفة من الانقطاع الباطن، أي أن هذا الحديث المخالف ليس وثيق الصلة برسول الله ﷺ؛ لأنه لو كان كذلك ما خالف كتاب الله ﷿؛ لأن كتاب الله تعالى نقل نقلًا متواترًا وورد ورودًا قطعيًّا، وخبر الآحاد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه؛ بل الظني بمقابلة القطعي.
٥٩٩- ويبين فخر الإسلام البزدوي وجهة نظر الأحناف في حكم الحديث المخالف للكتاب، فيقول بعد أن ذكر أنه منقطع انقطاعات باطنية: "إن الكتاب ثابت بيقين، فلا يترك بما فيه شبهة -يعني بخبر الآحاد- ويستوي في ذلك الخاص والعام، والنص والظاهر، حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي، ﵀، ولا يزاد على الكتاب بخبر الواحد عندنا، ولا يترك الظاهر له من الكتاب، ولا ينسخ بخبر الواحد وإن كان نصًّا؛ لأن المتن أصل والمعنى فرع له، والمتن من الكتاب فوق المتن من السنة، لثبوته ثبوتًا بلا شبهة فيه، فوجب الترجيح به قبل المصير إلى المعنى"٣.
٦٠٠- وقد رد الأحناف كثيرًا من الأخبار تطبيقًا لهذا المقياس، ومنها:
حديث: "الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم" لا يخصص العام في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٤.. وحديث: "الطواف بالبيت صلاة وشرطه شرط الصلاة" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٥..
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٦٥. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٩. ٣ أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار ٣/ ٧٢٨. ٤ سورة آل عمران: ٩٧. ٥ سورة الحج: ٢٩.
[ ٢٩٠ ]
وحديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ الآية الكريمة..
٦٠١- وقال الأحناف: إذا ترك التسمية على الذبيحة عامدًا لا تحل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ الآية الكريمة.. فمطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف "من"، لأنه في موضع النفي للمبالغة، فيقتضي حرمة كل جزء منه، والهاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ إن كانت كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام، وإن كانت كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقًا في الشرع يكون حرامًا، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣.
٦٠٢- وتركوا من أجل هذا -حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄، أن النبي ﷺ قال: "المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم"، وحديث عائشة ﵂ قالت: "قالوا: يا رسول الله، إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا يدرى، يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: "اذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" ٤.
٦٠٣- ومن الأحاديث التي ردوها هنا خبر "الوضوء من مس الذكر" لأنه من وجهة نظرهم -مخالف للكتاب؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٥ -يعني الاستنجاء بالماء، فقد مدحهم بذلك وسمى فعليهم تطهرًا، ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر، فالحديث الذي يجعل مسه حدثًا بمنزلة البول يكون مخالفًا لما في الكتاب٦.
_________________
(١) ١ سوء المائدة: ٦. ٢ سورة الأنعام: ١٢١. ٣ سورة الأنعام: ١٤٥. ٤ كشف الأسرار ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥. ٥ سورة التوبة: ١٠٨. ٦ أصول السرخسي ١/ ٣٦٥ - كشف الأسرار ٣/ ٧٣٠ - ٧٣١.
[ ٢٩١ ]
٦٠٤- وكذلك لم يقبلوا حديث الشاهد واليمين الذي يقول: "إن رسول الله، ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"؛ لأنه مخالف لكتاب الله ﷿ من وجوه وسنفيض في شرح هذه الوجوه؛ لأننا سنتخذ هذا الحديث كمثال لرد الشافعي هذا المقياس:
أحدهما:
٦٠٥- أنه ﷾ قال: ﴿اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ١ أمر ﷾ بالاستشهاد لإحياء الحق، وهو مجمل في حق كل ما هو شهادة.
ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، بقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُم﴾، وبرجل وامرأتين لقوله ﷿: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، إما على المساواة أو الترتيب.. ومثل هذا إنما يذكر لقصر الحكم عليه، وعلى هذا فالشاهد واليمين زائد على النص، والزيادة على النص كالنسخ عند الحنفية، ولا ينسخ الكتاب بخبر الآحاد٢.
٦٠٦- ويقتضي ذلك اقتصار الاستشهاد المطلوب بالأمر على النوعين؛ لأن المجمل إذا كان ذلك بيانًا لجمع ما يتناوله اللفظ، كقول الرجل: كل طعام كذا أو طعام كذا. أو أذنت لك أن تعامل فلانًا، فإن لم يكن ففلانًا، يكون ذلك بيانًا لجميع ما هو المراد بالإذن والأمر، وكذا لو قال: "تفقه من فلان أو فلان" كان التفسر الملحق به قصرًا بالتفقه عليهما، حتى لا يكون التفقه على غيرهما من موجبات الأمر، وكذا لو قال: استشهد زيدًا على صفقتك أو خالدًا لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور، بل يكون زيادة عليه، فكذلك ههنا يصير المذكور في الآية الكريمة بيانًا للكل٣.
٦٠٧- وقد أثار صاحب كشف الأسرار، وهو من الحنيفة، اعتراضًا على هذا الوجه ولم يجب عليه فقال: إن للخصم أن يقول: إنكم ادعيتم القصر
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٨٣. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٦٦. ٣ أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار ٣/ ٧٣١، ٧٣٢.
[ ٢٩٢ ]
في الآية الكريمة، مع أن القصر له طرق أربعة معروفة ولم يوجد شيء منها في الآية الكريمة، فكيف تستقيم دعوى القصر من غير دليله؟ ولئن سلمنا القصر كما زعمتم، فهو ثابت بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندكم عندي. على أن من يعتبره حجة يقيده بعدم وجود دليل آخر يعارضه، فإذا عارضه سقط الاحتجاج به. وهنا دليل معارض، هو هذا الحديث، فلا يكون العمل به مخالفًا للكتاب١.
ثانيهما:
٦٠٨- نص الله تعالى على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين، قال تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وليس دون الأدنى شيء آخر نتنفي به الريبة، فلو كان الشاهد مع اليمين حجة للزم منه انتفاء كون المذكور في الكتاب أدنى في انتقاء الريبة وذلك لا يجوز، فكان في جعله حجة إبطال موجب الكتاب٢.
٦٠٩- وقد أثار البخاري هنا اعتراضًا كما فعل في الوجه السابق، فقال: إن الآية التي ذكرتموها لا دلالة فيها من هذا الوجه على ما ذكرتم، فهي تقول: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ واسم الإشارة راجع إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوه﴾ في قوله عز اسمه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ والأدنى بمعنى الأقرب لا بمعنى الأقل، أي ذلكم الكتب أقسط عند الله وأقوم للشهادة، أي أعدل على أدائها. وأدنى ألا ترتابوا، أي: أقرب من انتفاء الريب.
كذا في الكشاف وغيره ولا يجوز أن تصرف الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وأن يجعل الأدنى بمعنى الأقل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ لا تنقاد له، وإذا كان الأمر كذلك لا يكون الحديث مخالفًا للكتاب من هذا الوجه أيضًا.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٢. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٦٦. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٢.
[ ٢٩٣ ]
ثالثها:
٦١٠- أنه ﷾ نقل الحكم في استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الرجل الواحد إلى استشهاد امرأتين مبالغة في البيان، مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة، بقوله عز ذكره: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن﴾ ١، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة، وأمكن للمدعي الوصول إلى حقه بها لما استقام السكوت عنها في الحكمة، ولما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين، مع كل هذا الاستقصاء في البيان، بل كان الابتداء باليمين والشاهد أولى؛ لأنه أعم وأيسر وجودًا من الشهيدين، وبعبارة أخرى كان ذكر الشاهد واليمين بعد ذكر الرجلين أولى، ولم تتحقق الضرورة المبيحة لحضور النساء في محفل الرجال، كما لو وجد الرجلان "فكان النص دليلًا من هذا الوجه بطريق الإشارة على أن الشاهد واليمين ليس بحجة"٢.
رابعها:
٦١١- أنه تعالى نقل الحكم من استشهاد مسلمين على وصية المسلم إلى استشهاد كافرين حين كانت شهادة الكفار جائزة وحجة لقلة المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٣ أي: عدد الشهود فيها بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية اثنان عدلان من أهل دينكم أو آخران من غير أهل دينكم إن لم يجدوا مسلمين "أو" للترتيب كما فسرها ابن عباس وابن جبير وغيرهما، فلو كان اليمين مع الشاهد حجة لنقل الحكم إليه، لا إلى شهادة الكفار؛ لأن تجويز شهادتهم على المسلمين كان باعتبار الضرورة، وقد كان يمكن دفعها بالشاهد واليمين الذي هو أقرب إلى الحق
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٤. ٢ أصول السرخسي ١/ ٣٦٦ - كشف الأسرار ٣/ ٧٣٢. ٣ سورة المائدة: ١٠٦.
[ ٢٩٤ ]
من شهادة الكفار وأيسر وجودًا منها فلهذا علم أن خبر الشاهد مع اليمين ليس بحجة١.
خامسها:
٦١٢- أن الله ﷾ نقل الحكم عند وقوع الارتياب والشك في صدق الشاهد إلى تحليفه بقوله ﷿: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢ الآية الكريمة، وتحليف الشاهد حينئذ كان مشروعًا ثم نسخ، فلو كان المتنازع فيه وهو الشاهد مع اليمين حجة لكان النقل إليه أولى؛ لأنه أقرب إلى اليمين المشروعة إذا اليمين المشروعة على المدعى عليه وأنه أحد الخصمين، والمدعي يشبهه من حيث أنه خصم، وتحليفه في الجملة مشروع أيضًا، كما في القسامة٣ على مذهب البعض، أما يمين الشاهد فلا أصل له في الشرع؛ لأنه أمين، ولا يمين على الأمين في موضع، فكان النقل إلى يمين الشاهد في غاية البيان أن يمين المدعي ليست بمشروعة، وبالتالي فحديث اليمين مع الشاهد غير صحيح٤.
٦١٣- وقد أيد الأحناف وجهة نظرهم في اتخاذ هذا المقياس بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وكتاب الله أحق"٥. ويقول السرخسي "المراد كل
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٦٦. ٢ المائدة: ١٠٦. ٣ القسامة بفتح القاف مأخوذ من القسم وهو اليمين، وقال الأزهري: القسامة اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول. وقيل مأخوذ من القسمة لقسمة الأيمان على الورثة، واليمين فيها من جانب المدعي. وكانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﷺ ما كانت عليه. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٣. ٥ قال البخاري "٣/ ١٩٨ طبعة بولاق ١٣١١هـ" وقال ابن عمر -أو عمر-: كل شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط. ثم أورد هذا الحديث بمناسبته التي قيل فيها وهو: "عن عاشة ﵂ قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك. قال الرسول ﷺ: ابتاعيها، فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن اشترط مائة شرط"، وزاد في رواية "في ص١٩٢": قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن اعتق.
[ ٢٩٥ ]
شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن يكون المراد ما لا يوجدد عينه في كتاب الله تعالى؛ فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى
فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، وذلك تنصيص على أن كل حديث مخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود"١.
٦١٤- واستدلوا أيضًا بما روي عن رسول الله ﷺ: "تكثر الأحاديث لكم بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافقه فاقبلوه، واعلموا أنه مني، وما خالفه فردوه، واعلموا أني منه بريء"٢.
٦١٥- وقد استدل أبو يوسف بهذا الحديث أو قريبًا منه في معرض رده على سير الأوزاعي ومما قاله: "فعليك من الحديث بما تعرف العامة وإياك والشاذ منه؛ فإنه حدثنا ابن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله ﷺ أنه دعا اليهود فسألهم، فحدثوه حتى كذبوا على عيسى ﵊، فصعد النبي ﷺ المنبر، فخطب الناس، فقال: "إن الحديث سيفشو عني فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن، فليس مني" ٣.
٦١٦-
ويؤيد الأحناف وجهة نظرهم بما روي عن أبي بكر وعمر وعائشة وأسامة رضوان الله عليهم أنهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس في ألا نفقة للمبتوتة ولم يخصوا به قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ولا خلاف في أن المراد: وأنفقوا عليهن من وجدكم، ولهذا قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت
حفظت أم نسيت".
وجمع أبو بكر الصحابة وأمرهم أن يردوا كل حديث مخالف للكتاب:
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥. ٢ الأم ٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨. ٣ الأم ٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
[ ٢٩٦ ]
وردت عائشة ﵂ حديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وتلت قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
الإمام مالك وعرض الحديث على الكتاب:
٦١٧- وإذا تركنا الأحناف إلى الإمام مالك رحمة الله عليهم جميعًا -فإننا نجده يلتقي في كثير من الأحيان معهم في هذا المقياس، فيرد بعض الأحاديث؛ لأنها تتعارض مع ظاهر القرآن الكريم أو كما يقول أستاذنا الدكتور عبد المجيد محمود: ذهب مذهبهم مع اختلاف يسير، وقاربهم في عرض أخبار الآحاد على الكتاب٢.
فقد رد حديث "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي مخلب من الطير" إذ مشهور مذهبه إباحة أكل الطيور ولو كانت ذات مخلب، وأخذ في ذلك بظاهر القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير﴾ ٣، وترك الحديث لأنه يتعارض مع هذه الآية الكريمة٤.
وترك بعض الأحاديث التي تحلل أكل لحوم الخيل؛ لأنها تتعارض مع قوله ﷿: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ٥ ولم يذكر طعامها، فكان ظاهر القرآن تحريمها.
٦١٨- وذكر بعض العلماء أن مالكًا رد حديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب"؛ لأنه يتعارض مع ظاهر
القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فإباحة ما يصطاده يدل على طهارته، فيرد ما يدل على نجاسته٦.
٦١٩- ونرجح أن مالكًا لم يرد هذا الحديث، كما سنبين -إن شاء الله تعالى- عندما
نتكلم على عرض خبر الواحد على القياس.
_________________
(١) ١ سبق أن تعرضنا لهذا في التمهيد لهذا البحث ص٢٤، ٣٢. ٢ الاتجاهات الفقهية ص١٥٦. ٣ الأنعام: ١٤٥. ٤ مالك: حياته وعصره: ص٢٨٨. ٥ النحل: ص٨. ٦ مالك: حياته وعصره: ص٢٨٩.
[ ٢٩٧ ]
والإمام مالك لا يفعل ذلك في جميع الحالات -كما نجد هذا عند الأحناف، ففي بعضها يبقي على السنة بجانب القرآن الكريم؛ تخصص عمومه أو تقيد إطلاقه، وذلك عندما يكون هناك عاضد آخر كعمل أهل المدينة أو الإجماع، فقد أخذ بحديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، واعتبره مخصصًا لظاهر القرآن؛ لأنه -مع ثبوته- من عمل أهل المدينة، ولهذا قال بعد روايته في الموطأ من طريقين، عن أبي ثعلبة الخشني، وعن أبي هريرة قال: "وهو الأمر عندنا"١.
٦٢٠- وأخذ بحديث حرمة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، واعتبره مخصصًا لعموم الآية الكريمة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لأنه مع ثبوته يؤيده الإجماع٢.
وبعد أن تعرفنا على اتجاه من اتجاهات نقد متن الحديث من أجل توثيقه أو عدمه بعيدًا عن الإسناد -وضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن علماءنا لم يغفلوا هذه الناحية، وأن هذه الأحاديث القليلة التي ردوها لدليل على الكثرة الأخرى التي وثقوها وأخذوا بها، ولم يتكلموا عن مخالفتها لكتاب الله ﷿؛ لأنها لم تكن كذلك بعد أن عرضوها بمقياسهم هذا، وهو عرض الآحاد على كتاب الله ﷿.
٦٢١- ويحسن بنا أن نتعرف على وجهة النظر المقابلة، تلك التي لا ترضى أن تترك حديث رسول الله، ﷺ إذا صحت نسبته إليه ﵇ عن طريق اتصاله والثقة برواته من حيث عدالتهم وضبطهم وتوافر الشروط التيينبغي أن تتوافر في الراوي الذي يقبل خبره ويوثق به.
الإمام الشافعي وهذا المقياس:
٦٢٢- وقد رفض الإمام الشافعي هذا المقياس كعامل أساسي في توثيق السنة، وفي رفض بعض الأحاديث بناء عليه، ووصف العمل به بالجهل؛
_________________
(١) ١ الموطأ ص ٣٠٦ - ٣٠٧ "طبعة الشعب". ٢ مالك: حياته وعصره ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
[ ٢٩٨ ]
لأن الله تعالى قد أحكم فرضه بكتابه، وبين كيفما فرض على لسان نبيه من تخصيص العام وغير ذلك؛ يقول: "إن قول من قال تعرض السنة على القرآن؛ فإن وافقت ظاهره، وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث جهل"١.
٦٢٣- وكان رد الإمام الشافعي على الأحناف ومن نهج نهجهم ذا شقين:
الشق الأول: تضعيف ما استدلوا به من أحاديث عرض السنة على القرآن.
والشق الثاني: إثبات توثيق ما ردوه من أحاديث تطبيقًا لمقياسهم.
٦٢٤- أما بالنسبة للشق الأول فقد ضعف أحاديث عرض السنة على القرآن من وجهين:
أحدهما: أن إسناد هذه الأحاديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ، فحديث: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله" ما رواه أحد يثبت حديثه في شيء: صغير ولا كبير، فيقال لنا قد ثبتم من روى هذا في شيء"٢.
وإسناده منقطع؛ لأنه عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية. ويبين البيهقي سند هذا الحديث، فيقول: كأنه أراد -يعني الشافعي- ما حدث به أبو يوسف عن خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر، عن رسول الله، ﷺ، أنه دعا اليهود فسألهم إلى آخر ما ذكرناه عن أبي يوسف٣.. ثم يقول: كأنه أراد بالمجهول خالد بن
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٤٤ - ٤٥. وقد مر هذا النص في مطلع هذا القسم. ٢ الرسالة ص٢٢٤، ٢٢٥. ٣ ص ٣١٤ من هذا البحث.
[ ٢٩٩ ]
أبي كريمة، ولم يعرف من حاله ما يثبت به خبره١، ويشير البيهقي إلى أن هذا الحديث قد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة وأنه قد بين ضعف كل واحد منها في كتابه المدخل٢.
٦١٥- وعرض الشافعي لحديث آخر من هذه الحاديث بالنقد وهو حديث طاوس أن رسول الله، ﷺ قال: "لا يمسكن الناس علي بشيء؛ فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله لهم، ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله". فقال: هذا منقطع، مخالف لما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم٣.
٦٢٦- وقد ذكر صاحب كشف الأسرار من الحنيفة نقدًا آخر لسند الحديث الأول ويبدو أنه على طريق آخر من طرقه غير الطريق الذي نقده منه الشافعي، فقال: أهل الحديث طعنوا فيه، وقالوا: روى هذا الحديث يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان.. ويزيد بن ربيعة مجهول، ولا يعرف له سماع عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان، فكان منقطعًا أيضًا فلا يصح الاحتجاج به، وحكى عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، ثم عقب بقوله في ابن معين: وهو علم هذه الأمة في علم الحديث وتزكية الرواة٤.
٦٢٧- ولم يجب على طعن المحدثين هذا بإجابة ذت بال، وإنما نقل عبارتهم محرفة؛ لأن إسناد الحديث كما ذكروه، وكما ذكره الخطابي: يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان٥.. ويبدو أن الإسناد الصحيح هو هذا، لأنني جهدت أن أعثر عما يسمى بأبي أسماء الرحبي، فلم أجده،
_________________
(١) ١ خالد بن أبي كريمة الأصبهاني: روى عن معاوية بن قرة وأبي جعفر وعكرمة وهو الذي يقال له: خالد بن ميسرة، وثقه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن عدي، وقال عنه: هو عندي صدوق فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وقال النسائي والعجلي: لا بأس به، وضعفه ابن معين وأبو حاتم. ٢ معرفة السنن والآثار ١/ ٢٤ - ٢٥. ٣ المصدر السابق ١/ ٢٥. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٠. ٥ اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي "٩١١هـ" المكتبة التجارية بالقاهرة ١/ ٢١٣.
[ ٣٠٠ ]
والرحبي هو يزيد بن ربيعة، وهو الذي يروي عن أبي الأشعث عن ثوبان كما ذكره الذهبي في ميزان الإعتدال١. وقال الخطابي مبينًا العلة في هذا الإسناد: إن يزيد مجهول، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان٢.
٦٢٨- ولو عرف صاحب كشف الأسرار هذا لأمكنه أن يدافع عن أئمة مذهبه في استدلالهم بهذا الحديث، فيزيد بن ربيعة ليس مجهولًا كما يقول الخطابي، فقد قال فيه ابن عدي: لا بأس به، وقال أبو مسهر الغساني: كان يزيد بن ربيعة فقيهًا غير متهم، ما ينكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث. وأبو الأشعث روى عن ثوبان وقال: سمعت ثوبان٣.
٦٢٩- ولكنه أتى بالعجيب من الجواب ردًّا على طعن المحدثين كما ذكره، فقال: "إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا الحديث في كتابه، وهو الطود المنيع في هذا الفن، وإمام أهل الصنعة، فكفى بإيراده دليلًا على صحته، ولم يلتفت إلى طعن غيره بعد٤".. ولكن أين ذكر البخاري هذا الحديث؟.. ليس في الجامع الصحيح قطعًا.. وقد يكون ذكره في التاريخ الكبير؛ ولكنه -إن ذكره هناك- فإنما ليبين ضعفه، فقد قال السيوطي: إن البخاري ذكر الحديث في تاريخه ونقده بقوله: "ذكر أبي هريرة فيه وهم"٥.
٦٣٠- ثم أيد صاحب كشف الأسرار هذا الحديث أيضًا بقوله: إنه قد روي له متابع يتأيد به عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ٤/ ٤٢٢. ٢ اللآلئ المصنوعة ١/ ٢١٣. ٣ ميزان الاعتدال ٤/ ٤٢٢. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٠. ٥ مفتاح الجنة ص١٤، وقد ذكر الإمام سعد الدين التفتازالني في التلويح أن مراد صاحب كشف الٍأسرار من ذكر البخاري له في كتابه أي في صحيحه ورد عليه الغري بأن أحاديث الصحيح قسمان: قسم تصدى لإثباته وهو الصحيح. وقسم أورده البخاري للاستشهاد والتأييد. وقد يكون غير صحيح أي أن إيراد البخاري لهذا الحديث إنما هو في القسم الثاني هذا. فلا يلزم من إيراده له أنه صحيح "حاشية الغري على التلويح ٢/ ٢٦١".
[ ٣٠١ ]
وسلم قال: "ما حدثتم عني مما تعرفون فصدقوا به، وما حدثتم عني مما تنكرون فلا تصدقوا، فإني لا أقول المنكر وإنما يعرف ذلك بالعرض على الكتاب"١.
ولكن هذا الحديث للمحدثين فيه مقال أيضًا، فقد قال البيهقي فيه: "هذا منقطع"٢.
الوجه الثاني في نقد هذه الأحاديث:
٦٣١- وهو أن هذا الحديث يخالف النصوص الثابتة من الكتاب والسنة عندما يعرض عليها، أي: أن الشافعي نقد متن هذه الأحاديث بمقاييسهم هم وهو عرض الآحاد على القرآن والسنة المشهورة.
٦٣٢- قال الشافعي: ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ بين معنى ما أراد خاصًّا وعامًّا وناسخًا ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله ﷺ، فمن الله قبل؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع الرسول وفرض عليهم ذلك، قال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فإذا جاءت أحاديث تجعل الناس يعرضون عن سنة رسول الله ﷺ مثل هذه فإنها تكون مخالفة للكتاب فترفض.
٦٣٣- وهذه الأحاديث تخالف ما هو معروف عن النبي ﷺ من السنة الصحيحة مثل حديث: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، ما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول ما ندري: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٤.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٠. ٢ مفتاح الجنة ص١٥ - كشف الخفاء ١/ ٨٩. ٣ الحشر: ٧. ٤ انظر ص ١٥ من هذا البحث.
[ ٣٠٢ ]
٦٣٤- وعلى فرض صحة هذه الأحاديث فليس معناها الاكتفاء بكتاب الله وعرض السنة عليه، وإنما معناها أن رسول الله ﷺ كانت له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس، وحرم عليه ما لم يحرم على الناس، فقال: "لا يمسكن الناس علي بشيء من الذي لي أو علي دونهم". أما قوله ﷺ: "فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله"؛ فمعناه أنه لا يخرج عن حدود الله تعالى فيما يحرم أو يحلل، سواء أكان هذا التحليل أو التحريم تبليغًا عن الله بالقرآن أم بالسنة"١.
٦٣٥- ولم يسلم صاحب كشف الأسرار أن هذه الأحاديث فيها مخالفة للآية الكريمة: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول﴾ الآية: وإذا قال: إن وجوب القبول بالكتاب إنما يثبت فيما تحقق أنه من عند الرسول ﵇ بالسماع منه أو بالتواتر، ووجوب العرض إنما يثبت فيما تردد ثبوته عن الرسول ﵇، إذ هو المراد من قوله: "إذا روي لكم عني حديث" فلا يكون فيه مخالفة للكتاب بوجه.. على أن المراد من الآية الكريمة -والله أعلم- ما أعطاكم الرسول من الغنيمة فاقبلوه، وما نهاكم عنه، أي عن أخذه، فانتهوا، وعن ابن عباس والحسن: وما نهاكم عنه من الغلول٢.
٦٣٦- والحق أن الأحناف قد شقوا على أنفسهم حينما استدلوا على ما يذهبون إليه من عرض السنة الآحادية على الكتاب الكريم بمثل هذه الأحاديث، مما جعل خصومهم يضمونهم إلى منكري السنة ويردون عليهم بمثل ما ردوا به على هؤلاء، وكان يكفيهم القول بأن أخبار الآحاد ظنية وكتاب الله قطعي فلا يخصص القطعي بالظني ولا ينسخ به.
٦٣٧- ويلاحظ أن الإمام الشافعي لم يناقشهم في الحديث الآخر الذي ذكره السرخسي: "كل شرط ليس في كتاب الله"٣ الحديث، ويبدو أن متأخريهم هم الذين استدلوا به.. على أنه يمكن أن يقال: إن الحديث
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار ١/ ٢٥ - ٢٦. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٠. ٣ ص ٣١٣ من هذا البحث.
[ ٣٠٣ ]
يعني تلك الشروط التي ليس فيها نص من الكتاب ومن السنة أيضًا، لأن السنة من الكتاب، باعتبارها مبينة له، ومفروضة على المسلمين به، فهذا هو ما يفهم من كلام رسول الله ﷺ؛ إذ قوله: "الولاء لمن اعتق". ليس في القرآن الكريم، وهو ما كانت ستخالفه عائشة، فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عنه وعن مثله، مما جاءت به السنة أيضًا.
توثيق ما رده الأحناف تطبيقًا لمقياسهم:
٦٣٨- وهذا هو الشق الثاني من رد الإمام الشافعي على القائلين بعرض الآحاد على كتاب الله ﷿، ونكتفي هنا بحديث: "يمين المدعي مع شاهد واحد، فقد أفاض الإمام الشافعي في توثيقه، ودفع جهة النظر التي ترده، وإزالة ما يظهر فيه من تعارض لكتاب الله ﷿؛ لأنه -كما عرفنا من رأيه- إذا صح الحديث سندًا فإنه لا يتعارض مع الكتاب حتمًا.
٦٣٩- ومن هنا بدأ برواية الحديث -كما صح عنده- بطرقه المختلفة وبالآثار التي ورد فيها تطبيق له من علماء المسلمين وقضاتهم، ويحسن بنا أن نسجل هذا كله، كما أورده الشافعي في كتاب الأم "ج٦ ص ٢٧٣ - ٢٧٥" قال:
١- أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد"، قال عمر: وفي الأموال١.
٢- أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة عن عثمان، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن ابن عباس، ورجل آخر سماه، ولا يحضرني ذكر اسمه،
_________________
(١) ١ قال الجصاص من الحنيفة: حديث سيف بن سيلمان غير ثابت لضعف هذا؛ ولأن عمرو بن دينار لا يصح له سماع من ابن عباس فلا يصح لمخالفنا الاحتجاج به. "أحكام القرآن ١/ ٦١٤" ولكن هذا الحديث أخرجه مسلم في باب الأقضية وأبو داود في باب القضاء باليمين، والشاهد، وابن ماجه في الشهادات - باب القضاء بالشاهد واليمين =
[ ٣٠٤ ]
من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ: "قضى باليمين مع الشاهد".
٣- أخبرناعبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة يشهد سعد بن عبادة: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"
٤- وذكر عبد العزيز بن المطلب عن سعيد بن عمرو، عن أبيه، قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة يشهد سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ أمر عمرو بن حزم أن يقضي باليمين مع الشاهد١.
٥- أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، "أن رسول الله ﷺ، "قضى باليمين مع الشاهد" قال عبد العزيز:
_________________
(١) = والدارقطني في الأقضية، والبيهقي في السنن الكبرى. وقال النسائي: وقيس بن سعد ثقة، وسيف بن سليمان ثقة "ووثق البيهقي سيف بن سليمان نقلًا عن يحيى القطان، وأسند عن الشافعي أنه قال: حديث ابن عباس ثابت عن رسول الله ﷺ لا يرد أحد من أحد العلم مثله، لو لم يكن فيها غيره، مع أن غيره يشهد له. وقد قال ابن المديني أن قيسًا سمع من عمرو بن دينار "نصب الراية ٤/ ٩٨" وقال أبو حاتم الرازي: إن عمرو بن دينار سمع من ابن عباس "الجرح والتعديل مج ٣ ق١/ ١٢٨٠". ١ قال الأحناف: سئل ربيعة عن شهادة الشاهد ويمين صاحب الحق فقال: وجدت في كتاب سعد، فلو كان حديث سهيل صحيحًا عند ربيعة لذكره ولم يعتمد على ما وجد في كتاب سعد، ومن ناحية أخرى فكون سهيل ينسى حديثه ولا يعرفه يجعل مثل هذا الحديث "لا تثبت به شريعة مع إنكار من روى عنه إياه وفقد معرفته به" "أحكام القرآن للجصاص ١/ ٦١٤ - ٦١٥" ولابن أبي حاتم كلام طيب مع أبيه عن هذا الحديث، يقول ابن أبي حاتم: "قيل لأبي يصح حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في اليمين مع الشاهد؟ فوقف وقفة، فقال: ترى الدراوردي ما يقول؟ -يعني قوله: قلت لسهيل، فلم يعرفه. قلت: ليس نسيان سهيل دافعًا لما حكى عنه ربيعة، وربيعة ثقة والرجل يحدث بالحديث وينسى. قال: أجل، هكذا هو، ولكن لم نر أن يتبعه متابع على روايته، وقد روى عن سهيل جماعة كثيرة، ليس عند أحد منهم هذا الحديث. قلت: إنه يقول بخبر الواحد. قال: أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة، اعتبر به وهذا أصل من الأصول لم يتابع عليه ربيعة "علل الحديث ١/ رقم ١٣٩٢ ص ٤٦٣ - ٤٦٤".
[ ٣٠٥ ]
فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة عني، وهو ثقة: أني حدثته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز، وكان أصاب سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، وكان سهيل يحدثه عن ربيعة عن أبيه.
٦- أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمر مولى المطلب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد".
٧- أخبرنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد"١.
٨- أخبرنا مسلم بن خالد قال: حدثني جعفر بن محمد قال: سمعت الحكم بن عتيبة يسأل أبي، وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم: "أقضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد؟ قال: نعم، وقضى بها بين أظهركم". قال مسلم، قال جعفر: في الدين.
٩- أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريح، عن عمرو بن شعيب "أن النبي ﷺ قال -في الشهادة: $"فإن جاء بشاهد أحلف مع شاهده".
٦٣٨- وعلى الرغم من أن الأحاديث من ٦- ٩ مراسيل إلا أنها من المراسيل المقبولة المحتج بها عند الشافعي؛ لوجود أحاديث مسندة في معناها، وهذه من الحالات التي يقبل فيها الشافعي المرسل، كما سبق أن عرفنا.
٦٣٩- ثم روى الشافعي بعد هذا أخبارًا عن التابعين وتابعيهم الذين قضوا أو أفتوا بجواز القضاء بشاهد ويمين صاحب الحق، وهم عمر بن
_________________
(١) ١ قال صاحب نصب الراية "٤/ ١٠٠": أخرجه الدارقطني في سننه "ص ٥١٥" عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد، ويمين صاحب الحق، وقضى به علي ﵁ بالعراق، انتهى.. وهذا إسناد منقطع، فإن محمد بن علي بن الحسين لم يدرك جد أبيه علي بن أبي طالب، وقد أطال الدارقطني الكلام على هذا الحديث في "كتاب العلل" قال: وكان جعفر بن محمد ربما أرسل هذا الحديث، وربما وصله عن جابر، لأن جماعة من الثقات حفظوه عن أبيه عن جابر، والقول قولهم؛ لأنهم زادوا، وهم ثقات، وزيادة الثقة مقبولة، انتهى..
[ ٣٠٦ ]
عبد العزيز، وشريح وأهل المدينة، والشعبي، وسليمان بن يسار وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وزريق بن حكيم، وزرارة ابن أوفى١.
٦٤٠- وعلى الرغم من هذا فقد روى الأحناف عن بعض التابعين وتابعيهم خلاف ذلك، فعن الزهري قال في "اليمين مع الشاهد"، وقد سئل عن جوازه: "هذا شيء أحدثه الناس، لا إلا شاهدين" وفي رواية عنه كان يقول: إنه بدعة، وأول من أجازه معاوية، ويقول الجصاص معقبًا على كلام الزهري: "والزهري من أعلم أهل المدينة في وقته، فلو كان هذا الخبر ثابتًا كيف كان يخفى مثله عليه؟ وهو أصل كبير من أصول الأحكام، وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به، وأنه بدعة" ثم استطرد الجصاص في نقد الروايات التي تجوز ذلك٢.
٦٤١- وعلى الرغم من أن الإمام الشافعي حجة في الحديث وخبير بصحيحه وسقيمه، ورأيه في هذا الموضوع وفي أحاديثه حجة. إلا أنه إنصافًا للأحناف.
٦٤٢- نقول: إن هذه الأحاديث وغيرها التي رفضها الأحناف لم تسلم من الطعن، من حيث سندها ونقلتها٣، الأمر الذي يجعلنا نرجح أن مقياس عرض الآحاد على القرآن وغيره مما قال به الأحناف أو غيرهم كان يعمل به فيما فيه شك من حيث نقله، وإن قال بصحته بعض العلماء، فهو عامل حاسم فيما تأرجح بين ثبوته وعدم ثبوته من الأحاديث، مما يمكن أن يرفضه المجتهد حينما يرى اختلاف الآراء حال صحته ولا يطمئن قلبه إليه.
وسنرى أن الإمام الشافعي نفسه يستخدم هذا المقياس وغيره أيضًا مما قال به
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث المسندة وغيرها في الأم ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٥. ٢ أحكام القرآن للجصاص جـ١ ص ٦١٢ - ٦١٨. ٣ انظر ما يقال في هذه الأحاديث في "نصب الراية" ٤/ ٩٦ - ١٠١، والجدير بالذكر أن الأحناف لم يكونوا وحدهم في عدم الأخذ بحديث الشاهد واليمين، بل كان الكوفيون جميعًا كذلك، ومعهم الثوري والأوزاعي، ويبدو أن مقياسهم كان عدم ثبوته من حيث نقله.
[ ٣٠٧ ]
مخالفوه عندما يريد أن يثبت الأحاديث التي نقلها الصادقون في تقديره وعلمه، فهو موقف شبيه بهذا الموقف وإن اختلفت النتائج في الموقفين.
٦٤٣- وبعد أن أثبت الشافعي أحاديث
"الشاهد واليمين" بروايتها متصلة ومرسلة اتجه إلى توثيقها من حيث متنها نفسه؛ ليرد على من يقولون بردها؛ لأنها تخالف كتاب الله ﷿.
قال الإمام الشافعي: إنه ليس هناك تعارض بين الآية الكريمة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والحديث، وليس يعلم أن في هذه الآية تحريم القضاء بأقل من شاهدين؛ لأن الشاهدين اللذين أمر الله جل ثناؤه بهما يجب أن يكونا عدلين حرين مسلمين، ومع ذلك نجيز شهادة أهل الذمة، ولم نعتبر هذه مخالفة لكتاب الله، وأجزنا شهادة القابلة وحدها ولم نعتبرها مخالفة لكتاب الله.
٦٤٤- ويقول لمخالفيه: وهناك نظائر لهذا حكمتم فيها بما ليس في القرآن، ولم تعتبره مخالفًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ١، وقال عز ذكره: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ٢ ومع هذا قلتم: إن الرجل إذا خلا بالمرأة، وأغلق بابًا أو أرخى سترًا، أو خلا بها في صحراء وهما يتصادقان ولم يمسها كان لها المهر وعليها العدة والقضاء باليمين مع الشاهد أبعد ما يكون خلافًا لظاهر القرآن من هذا مع هاتين الآيتين.
٦٤٥- وإن الله ﷿ قال: "شهيدين" و"رجل وامرأتان" ففيه دليل على ما تتم به الشهادة، حتى لا يكون على من أقام الشاهدين يمين، لا أنه حرم أن يحكم بأقل منهما.. ومن جاء بشاهد لم يحكم له بشيء، حتى يحلف معه، فهوحكم غير الحكم بالشاهدين -ومثله أن يدعي الرجل على الرجل حق فينكل المدعي عليه عن اليمين، فيلزمه عندك ما نكل عنه،
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٣٧. ٢ الأحزاب: ٤٩.
[ ٣٠٨ ]
وعندنا إذا حلف المدعي مع شاهد فهو حكم بغير شهادة شاهد وامرأتين وشهادة شاهدين١.
٦٤٦- وقد حكم الله ﷿ في الزنا بأربعة، وجاءت بذلك السنة وقال الله ﷿: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وقد صار أهل العلم إلى ذلك؛ أي إلى إجازة أربعة في الزنا بالسنة واثنين في غير الزنا بالآية الكريمة، ولم يقولوا: إن واحدًا منهما نسخ الآخر ولا خالفه، وأمضوا كل واحد منهما على ما جاء فيه. وقد أجاز أهل العلم شهادة النساء وحدهن في عيوب النساء وغيرها من أمور النساء٢، بلا كتاب مضى ولا سنة، ولم يقل أحد إن الله تعالى أحد الشهادات، فجعل أقلها شاهدًا وامرأتين، ولا تجوز بناء عليه شهادة النساء لا رجل معهن.
ولم يقل أحد كذلك: إن هذا مخالف للقرآن والسنة، لا يجوز -إذن- أن نرد السنة في اليمين مع الشاهد، ونتأول القرآن، مع أننا لم نرد أثرًا بأقل من شاهد ويمين ولم نتأول القرآن، وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه أجاز شهادة القابلة٣.
٦٤٧- ثم قال لمخالفيه: إنكم تقضون: أنه من وجد مقتولًا في محلة، ولم تقم بينه على أحد منهم بعينه أنه قتله -يحلف من أهلها خمسون رجلًا خمسين يمينًا ويدفعون الدية هم وعواقلهم، في ثلاث سنين٤. فكيف تقضون بهذا مع أنكم تزعمون أن كتاب الله ﷿ يحرم أن يعطي مدع بأقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين وأن سنة رسول الله ﷺ تحرم أن يعطي مدع إلا بالبينة، وهي شاهدان أو شاهد وامرأتان، وتدل على أن اليمين براءة لمن حلف؟! وكيف تعطون بلا شاهد هنا -في القسامة- وأحلفتم ولم تبرءوا، فخالفتم الكتاب والسنة؟!.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٣٥٣ - ٣٥٤. ٢ ومنها إذا جاءت امرأة بولد، فأنكر الزوج، وقال: استعرته، ولم تلديه، فشهادة القابلة بأن المرأة ولدته تكفي "آداب الشافعي ص١٦٦". ٣ الأم ٧/ ١٠ وانظر ص١٤. ٤ مسألة القسامة. وقد مر تعريفها.
[ ٣٠٩ ]
٦٤٨- فإن قلتم: لم نخالفهما، وقد روي هذا عن عمر الخطاب -وهو أعلم بالكتاب والسنة- قلنا: إن هذا دليل على أن دعواكم أن الكتاب يحرم أن يعطى فيه أحد بأقل من شاهدين، و"أن السنة تحرم أن يحول حكم عن أن يعطي فيه بأقل من شاهدين -"كما في الشاهد واليمين" - أو يحلف فيه أحد، ثم لا يبرأ" - "كما في القسامة" -ليس بعام- كما زعمتم - وإذا كنتم قد خرجتم عن هذا العموم بالخبر عن عمر - فإننا لم نقل بالشاهد واليمين إلا بالخبر الثابت عن رسول الله، ﷺ وليس برأي رأيناه، والخبر عن رسول الله، ﷺ، أولى من الخبر عن غير رسول الله١.
٦٤٩- ثم انتقل الإمام الشافعي إلى ضرب أمثلة أخرى من غير الشهادة والدعوى قال فيها الخالفون بالسنة، ولو طبقوا هذا المقياس لتركوها ومنها "المسح على الخفين" مع أن بعض الصحابة تركه وعنف من يمسح على الخفين. أخذ به الأحناف، مع أن الله ﷾ لم يزد على أن قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢ فما هو بين في كتاب الله إنما هو غسل القدمين أو مسحهما فقط، وليس في مسح الخفين، وإنما ورد ذلك في السنة الثابتة عن رسول الله، ﷺ.
٦٥٠- ومن ذلك قول المخالفين: إنه لا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت قيمته شيئًا مؤقتًا، دون غيره. هذا مع أن ظاهر كتاب الله ﷿ أن يقطع كل من لزمه اسم السرقة، قلّت سرقته أو كثرت، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ٣ الآية الكريمة، وما قالوا بذلك إلا لما جاء عن النبي، ﷺ،
_________________
(١) ١ الأم ٧/ ١١. ٢ سورة المائدة: ٦. ٣ سورة المائدة: ٣٨.
[ ٣١٠ ]
مما يدل على ألا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت سرقته شيئًا مؤقتًا دون غيره١.
٦٥١- ومن ذلك قولهم برجم المحصن فقط إذا زنى، مع أن المذكور في القرآن الكريم هو الجلد لكل من لزمه اسم الزنا؛ مملوكًا كان أو حرًّا"، محصنًا أو غير محصن، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢ وما قالوا بذلك إلا بالسنة، وهي أنه ﷺ رجم ماعزًا، ولم يجلده، ولم يعرضوا ذلك على القرآن، ويقولوا فيه ما قالوا في حديث الشاهد واليمين٣. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي ساقها الإمام الشافعي، ﵁ ليبرهن على أن الذين قالوا بهذا المقياس، كانوا يستعملونه في بعض الأوقات دون بعضها الآخر.
٦٥٢- لكن قد يقال: إن السنة في هذه المواضع ليست من الآحاد، التي يعرضها الأحناف مثلًا على كتاب الله ﷿، وإنما هي سنة مشهورة، وهذه يزاد بها على الكتاب -كما قلنا-٤؛ لأن ثبوتها أقوى من ثبوت أخبار الآحاد وتفيد طمأنينة القلب، وليس ذلك موجودًا في أخبار الآحاد، فهناك فرق بينها وبين الأخبار التي ردوها، ومنها خبر الشاهد واليمين.
٦٥٣- وقد نبه على ذلك صاحب كتاب كشف الأسرار عندما قال: "فإن قيل: إن الصحابة خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ٥
_________________
(١) ١ أخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "لم تقطع يد سارق في عهد رسول الله ﷺ في أقل من ثمن المجن، حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن". وأخرجا عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. كما أخرج أصحاب السنن الأربعة عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". "نصب الراية ٣/ ٣٥٥؛ ٣٦٤". ٢ سورة النور: ٢. ٣ الأم ٧/ ١٥. ٤ ص ١١٦ من هذا البحث. ٥ سورة النساء: ١١، ١٢.
[ ٣١١ ]
بقوله ﵊: "لا ميراث لقاتل" وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ٢ و﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ١ بقوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ بقوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها" في شواهد لها كثيرة فثبت أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز.
"قلنا: هذه أحاديث مشهورة تجوز الزيادة بمثلها على الكتاب، ولا كلام فيها، إنما الكلام في خبر شاذ خالف عموم الكتاب، هل يجوز التخصيص به؟ وليس فيما ذكرتم دليل على جوازه، والدليل على عدم جوازه أن عمر وعائشة وأسامة ﵃ ردوا خبر فاطمة بنت قيس، ولم يخصوا به قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣ حتى قال عمر، ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت"٤.
٦٥٤- والجدير بالذكر أن الإمام الشافعي، ﵁، لم يكن وحده في الميدان يدفع هذا المقياس، وإنما انتضى لذلك غيره، فقد حكى حوارًا شاهده بين صاحب لمحمد بن الحسن وبين صاحب له يسمى يحيى ابن البناء، وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده ابن البناء.
وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده على من يقولون بعرض الآحاد على الكتاب الكريم، يقول: "حضرت مجلسًا فيه جماعة، فيهم رجل يقال له سفيان بن سخيان، فقلت ليحيى بن البناء -وكان حاضرًا-: كيف فقه هذا؟ فقال لي: هو حسن الإشارة بالأصابع، ثم قال لي: تحب أن تسمعه؟ قلت: نعم. فقال: يا أبا فلان: رأيت شيئًا أعجب من إخواننا من أهل المدينة، في قضاياهم باليمين مع الشاهد؟.. إن الله ﷿ أمر بشاهدين، فنص على
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٢. ٢ سورة النساء: ٢٤. ٣ سورة الطلاق: ٦. ٤ كشف الأسرار ٣/ ٧٢٩ - ٧٣٠. وانظر في "نفقة المبتوتة" وما قيل في هذا الحديث كتاب "مقارنة المذاهب في الفقه" للأستاذين محمود شلتوت ومحمد علي السايس - مكتبة محمد علي صبيح ١٣٧٣م، ص ١١٢ - ١١٧.
[ ٣١٢ ]
القضية، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، ثم أكد ذلك، فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، فبين ﷿ أنه لا تتم الشهادة إلا برجلين أو رجل وامرأتين، فقالوا: يقضي برجل واحد، ويمين صاحب الحق".
"فقال: نعم؛ إنهم يقولون من هذا ما هو خلاف القرآن، فقال له يحيى: احتجوا، فقالوا: إن رسول الله ﷺ أعلم بمعنى كتاب الله، وقد رووا عنه أنه قضى باليمين مع الشاهد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب -﵇- "كذا".
"فقال ابن سخيان: لا يقبل هذا من الرواة، وهو خلاف القرآن فقال له يحيى: فما تقول فيمن تزوج امرأة ودخل بها، وأغلق عليها بابًا وأرخى سترًا، ثم فارقها، وأقرا جميعًا أنهما لم يتماسا؟ فقال: عليه الصداق.
"فقال يحيى: فإنهم يقولون: إن الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وأنت تجعل عليه الكل.
"فقال: قال عمر بن الخطاب، ﵁، ذلك، وهو أعلم بمعنى الكتاب.
"فقال له يحيى: فلم تر للقوم حجة، وقد رووا ذلك عن النبي، ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ معنى ما أراد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، ورأيت لنفسك حجة بما رويت عن عمر ﵁، فلم يكن عنده في ذلك شيء"١.
٦٥٥- ومهما يكن من شيء فقد أفاض الإمام الشافعي، ﵁، في رد هذا المقياس أكثر من غيره -على ما نعلم- لأنه يرى أنه باب يمكن أن ينفذ منه الحاقدون على السنة، فيعصفوا بها، ويحاولوا أن يبعدوها المسلمين عنها بحجة أن ما فيها ليس موجودًا في القرآن الكريم، وهذا هو
_________________
(١) ١ آداب الشافعي ص ١٦٩.
[ ٣١٣ ]
ما حدث فعلًا الآن، في عصرنا الحديث، فقد نبتت نابتة تقول: إن السنة لم تنقل نقلًا صحيحًا، فينبغي تركها، ويرون مخالفتها لكتاب الله عز وجل١.
٦٥٦- والحق أنه لا ضير على المسلمين في ألا يستعملوا هذا المقياس عندما يتأكدون من صحة نقل الحديث بمنهاج المحدثين ومصفاتهم التي صفت الأحاديث الصحيحة، وأبعدت عنها كل موضوع أو ضعيف، لأنه قد تخفى على عقولنا الحكمة في بعض الأحاديث فنتوهم أنها تعارض مع بعض الأحاديث التي رواها الثقات، كما فعل الأحناف في حديث اليمين مع الشاهد، فقد قالوا: إن في الآية قصرًا، وأن هناك حدًّا أدنى للشهادة، مع أن تأويلًا آخر للآية -كما فعل الإمام الشافعي- أدى إلى وجهة نظر أخرى ترى أن الآية لا تتعارض مع الحديث، وتثبت ما هو أدنى إلى العقل، وهو: أن الحديث إذا صدق نقلته كان وثيق الصلة برسول الله، ﷺ.
٦٥٧- على اننا يمكننا أن نستفيد من هذا المقياس في بعض الحالات وذلك عندما يكون الحديث ضعيفًا، فإنه مما يؤكد لنا ضعفه، ويطمئننا على ذلك أن يكون متعارضًا بوضوح مع كتاب الله.. وعند ترجيح بعض الأحاديث بعضها الآخر، ويكون في هذه الحالة عاملًا أيضًا من عوامل الاطمئنان والتأكيد فقط.
الإمام الشافعي واستخدام هذا المقياس:
٦٥٨- وهذا هو ما فعله الإمام الشافعي كما نرى ذلك في كتابيه اختلاف الحديث والرسالة.
ومن الأمثلة على ذلك اختياره لحديث من أحاديث صلاة الخوف دون آخر؛ "لأن فيه من الشبه بمعنى كتاب الله ﷿"، فقد روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله،
_________________
(١) ١ انظر مثلًا هذه المحاولة في كتاب "الأضواء القرآنية" وقد أشرنا إليه قبل ذلك.
[ ٣١٤ ]
ﷺ صلاة الخوف يوم ذات الرقاع١: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم".
٦٥٩- وروى عبد الله بن عمر بن حفص، عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات بن جبير، عن النبي ﷺ مثل حديث يزيد بن رومان٢.
٦٦٠- قال الشافعي: وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف خلاف هذه الصلاة في بعض أمرها، فقال: صلى ركعة بطائفة، وطائفة وبين العدو، وجاءت الطائفة التي لم تصل معه، فصلى بهم الركعة التي بقيت عليه من صلاته، وسلم، ثم انصرفوا فقضوا معًا.
وروى أبو عياش الزرقي أن النبي ﷺ يوم عسفان وخالد بن الوليد بينه وبين القبلة، فصف بالناس معه معًا، ثم ركع وركعوا معًا، ثم سجد، فسجدت معه طائفة، وحرسته طائفة، فلما قام من السجود، سجد الذين حرسوه، ثم قاموا في صلاته. قال جابر قريبًا من هذا.
٦٦١- وهذه الأحاديث كلها صحيحة الإسناد، لكنها تحتاج إلى ترجيح بعضها على بعض ليعمل بالراجع منها.
٦٦٢- وقد اختار الإمام الشافعي، ﵁، الأخذ بصلاة النبي ﷺ يوم ذات الرقاع دون غيرها، وهي ما عبر عنها الحديث الأول، حديث خوات بين جبير لما "فيه من الشبه بمعنى كتاب الله ﷿، فالله ﷾ يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ
_________________
(١) ١ الرقاع جمع رقعة، وسميت بذلك؛ لأن بعض الصحابة الذين غزوا فيها نقبت أقدامهم، أي رقت، وسقطت أظفارهم، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق. ٢ الرسالة ص١٨٢ - ١٨٣.
[ ٣١٥ ]
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ١.. وقال عز من قائل: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٢.
٦٦٣- فقد فرق الله ﷿ بين الصلاة في الخوف وفي الأمن، حذرًا للمؤمنين أن ينال منهم عدوهم غرة أو يفتح فيهم ثغرة، وحديث خوات ابن جبير هو الذي يدل على هذا الحذر أكثر من غيره، وذلك أن الطائفة التي تصلي مع الإمام تحرسها الطائفة الأخرى التي هي خارج الصلاة "والحارس إذا كان في غير صلاة كان متفرغًا من فرض الصلاة، قائمًا وقاعدًا، ومنحرفًا يمينًا وشمالًا، وحاملًا إن حمل عليه، ومتكلمًا إن خاف عجلة من عدوه، ومقاتلًا إن أمكنته فرصة، غير محول بينه وبين هذا في الصلاة، ويخفف الإمام بمن معه الصلاة إذا خاف حمله العدو بكلام الحارس"٣.
٦٦٤- أما الأحاديث التي تخالف حديث خوات بين جبيرة، فهي على خلاف الحذر الذي تدل عليه الآية، ووافقها فيه حديث خوات، فالطائفة التي تبدأ الصلاة مع الإمام تنصرف دون أن تكمل الصلاة؛ فتحرس الطائفة الأخرى، وهي لا تزال في صلاة، ويعد أن يسلم الإمام يقضيان جميعًا، ولا حارس لهما؛ لأنه لم يخرج من الصلاة إلا الإمام، وهو وحده لا يغني شيئًا أمام العدو، "فكان هذا خلاف الحذر والقوة في المكيدة"٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٠٢. ٢ سورة النساء: ١٠٣. ٣ الرسالة: ص ٢٦٥. ٤ المصدر السابق ص ٢٦٥ - ٢٦٦.
[ ٣١٦ ]
٦٦٥- وهناك وجه شبه آخر بين معنى الآيات وحديث خوات، مما جعل الشافعي يرجحه على غيره من تلك الأحاديث، وهو أن الله ﷿ ذكر صلاة الإمام والطائفتين معًا، ولم يذكر قضاء على الإمام، ولا على الطائفتين، مما يدل على أن الإمام والمأمومين يخرجون من الصلاة ولا قضاء عليهم، وهذا ما يدل عليه حديث خوات ويخالفه غيره.
٦٦٦- ومع هذا فالإمام الشافعي ﵁ لا ينسى أن الأحاديث الأخرى صحيحة؛ لأن من نقلها رواة ثقات عنده، وهذا هو الأساس، فأثبتها وبين وجه صحتها من خلال متنها أيضًا وهو هنا يقدم عناية بمتونها لا تقل عن عناية الآخرين، فهو يرى أن حديث أبي عياش وجابر في صلاة الخوف يمكن الأخذ به إذا وجد السبب الذي من أجله صليت تلك الصلاة على النحو الذي صلوها عليه، فقد كان رسول الله، ﷺ في ألف وأربعمائة، وكان خالد في مائتين، وكان منه بعيدًا في صحراء واسعة، لا يطمع فيه؛ لقلة من معه، وكثرة من مع رسول الله، صلى الله عليه سلم، وكان الغالب ألا يحمل عليه العدو، ولو حمل عليه من بين يديه رآه، لأنه قد احتاط منه في السجود، فكانوا يرونه دائمًا، في السجود وفي غير السجود بطبيعة الحال.
فإذا كان الأمر كذلك؛ أي: العدو قليل وبعيد، وليس هناك من حائل يستر العدو عن الجيش، أمكن أن تصلى صلاة الخوف على النحو الذي وصفها به حديث أبي عياش وجابر١، ويكون الاختلاف بينه وبين حديث خوات ابن جبير إنما هو اختلاف الحالين.
٦٦٧- وكذلك الحديث الآخر، حديث ابن عمر؛ إذ "يحتمل أن يكون لما جاز أن تصلى صلاة الخوف على خلاف الصلاة في غير الخوف، جاز لهم أن يصلوها كيفما تيسر لهم، وبقدر حالاتهم وحالات العدو إذا أكملوا العدد، فاختلفت صلاتهم وكلها مجزئة عنهم إن شاء الله تعالى"٢.
٦٦٨- ومن الأحاديث، كذلك، التي رجح فيها الشافعي، ﵁، بينها ائتناسًا بظاهر القرآن أحاديث غسل القدمين، وأحاديث مسح
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٢٦٢ - ٢٦٣. ٢ الرسالة ص ٢٦٧. وانظر هذا كله في اختلاف الحديث ص٢٢٠ - ٢٢٦.
[ ٣١٧ ]
ظهريهما ورشهما، فقد رجح أحاديث غسل القدمين على الأخرى، لأن مع الأولى ظاهر القرآن الكريم. هذا على الرغم من أن في أحاديث المسح أو الرش من هو حسن الإسناد، ويثبت لو كان منفردًا كما يقول الإمام الشافعي، يقول معقبًا على هذه الأحاديث: "فإن قال قائل: فما جعل هذه الأحاديث -يعني: أحاديث الغسل- أولى من حديثي مسح القدمين ورشهما؟ قيل: أما أحد الحديثين -يعني في المسح أو الرش، فليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد، وأما الحديث الآخر فحسن الإسناد، ولو كان منفردًا ثبت، والذي يخالفه -يعني حديث الغسل- أكثر وأثبت منه، إذا كان هكذا كان أولى، ومع الذي خالفه ظاهر القرآن كما وصفت، وهو قول الأكثر من العامة"١. وهو يعني بظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢، بنصب أرجلكم على معنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم.
٦٦٩- وقد أيد الإمام الشافعي الأحاديث التي نسخت نكاح المتعة بدلائل القرآن الكريم، فقد روى بسنده أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لابن عباس ﵄: "إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية". كما روى بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصتى، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء". قال الإمام الشافعي: فإن لم يكن في حديث علي بيان أنه ناسخ لحديث ابن مسعود وغيره مما روي في إحلال المتعة فإنه يسقط تحليلها بدلائل القرآن والسنة والقياس.
٦٧٠- ثم رد على الذين يقولون بأن نكاح المتعة حلال ولم يحرم مبينًا ما أشار إليه من أن دلائل القرآن تدل على تحريمه، وتؤكد حديث علي ﵁. قال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث جـ٧ من الأم ص ٢٠٣ - ٢٠٧. ٢ المائدة: ٦.
[ ٣١٨ ]
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية الكريمة، فأحلهن بعد التحريم بالنكاح، ولم يحرمهن إلا بالطلاق. وقال عز ذكره في الطلاق: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ١. وقال ﷾: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ٢ الآية الكريمة. فجعل إلى الأزواج فرقة ما انعقد عليه النكاح، فكان بينا -والله أعلم- أن يكون نكاح متعة المتعة منسوخًا بالقرآن والسنة في النهي عنه لما وصفت؛ لأن نكاح المتعة: أن ينكح امرأة مدة، ثم ينفسخ نكاحها بلا إحداث طلاق منه، وفيه إبطال ما وصفت مما جعل الله إلى الأزواج من الإمساك والطلاق. وإبطال المواريث بين الزوجين، وأحكام النكاح التي حكم الله بها في الظهار والإيلاء واللعان -إذا انقضت المدة قبل إحداث الطلاق٣.
٦٧١- من كل هذا ندرك -أن الأحناف قد عنوا من خلال عرض السنة على القرآن بمتن الحديث وتوثيقه من حيث التأمل فيما يشتمل عليه من معنى.
هذا فوق عنايتهم به عن طريق توثيق الرواة الذين نقلوه -كما عرفت في القسم السابق.. كما أدركنا يقينًا كذلك أن خصومهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي في هذا السبيل، فهم قد دفعوا هذا المقياس من خلال تفحصهم في متون ما رفضه الأحناف؛ ليثبتوا أن هذه المتون -وقد صح سندها في رأيهم جدير معناها بالقبول، وأنها لا تتعارض مع كتاب الله ﷿.. وكما قلت: فقد قدموا عناية بفحص المتون لا تقل عن عناية خصومهم..
وننتقل -بعون من الله ﷿ وفضل منه- إلى مقياس آخر من مقاييسهم ومناقشة مخالفيهم لهم فيه، لنقدم صورة أخرى من نقد المتون والعناية بتوثيقها من داخلها.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٢٩. ٢ النساء: ٢٠. ٣ اختلاف الحديث ص ٢٥٤٦ - ٢٥٧ ومن أمثلة هذا أيضًا انظر باب طلاق الحائض ص ٣١٦ - ٣١٨ وباب المرور بين يدي المصلي ص ١٦٢ - ١٦٥ وباب التيمم ص ٩٧.
[ ٣١٩ ]
الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة
٦٧٢- وكما عرض الأحناف أخبار الآحاد على الكتاب، فقبلوا منها ما وافقه وردوا ما خالفه، عرضوها أيضًا على السنة المشهورة، وعدوا أخبار الآحاد هذه من الأخبار المنقطعة عن رسول الله ﷺ انقطاعًا باطنيًّا، ذلك لأن الأخبار المشهورة أفادت اليقين القلبي، أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني، فالأولى أوثق صلة برسول الله ﷺ من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد.
٦٧٣- وطبقوا هذا المقياس على بعض الآحاديث منها:
١- حديث الشاهد واليمين الذي وقفنا معه وقفة طويلة آنفًا، ردوه هنا؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة، وهي ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وفي رواية: "على من أنكر" ٢.
٦٧٤- وبيان هذه المخالفة من وجهين:
١- أحدهما: أن الشرع جعل الأيمان كلها في جانب المنكر دون المدعي؛ لأن اللام تقتضي استغراق الجنس، فمن جعل يمين المدعي حجة فقط خالف النص، ولم يعمل بمقتضاه وهو الاستغراق.
٢- وثانيهما: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسمًا مدعيًا.. وقسمًا منكرًا.. كما جعل الحجة قسمين أيضًا: قسمًا بينة وقسمًا يمينًا وحصر جنس اليمين في جانب، والبينة في جانب آخر، والعمل بخبر الشاهد واليمين يوجب ترك العمل بموجب هذا الخبر المشهور، فيكون مردودًا٢.
٦٧٥- ومما يقوي الشك في حديث اليمين مع الشاهد -في نظر الأحناف
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٦/ ٤٣ "طبعة الشعب" بلفظ "اليمين على المدعى عليه" وكذلك مسلم في الأقضية وقد أخرج هذا الحديث البيهقي والدارقطني. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٣.
[ ٣٢٣ ]
-ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور- طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين وإبراهيم النخعي والزهري، فقد قال الزهري والنخعي "أول من أفراد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية.. أضف إلى هذا أن النبي ﷺ قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض: "ليس لك منه إلا ذلك"، فهذا يقتضي الحصر ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف١ وقال ﷺ: "شاهداك أو يمينه" ٢.
٦٧٦- ومن الأحاديث التي ردها أبو حنيفة ﵁ عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له: "حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذن" ٣ فالنبي ﷺ أفسد البيع وأشار بقوله: "أينقص إذا جف" إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي عندما يجف، ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذ، ولهذا أفسد النبي ﷺ البيع.
٦٧٧- رد أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله ﵊: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" ٤ فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة عن النخل من حين ينعقد إلى أن يدرك، ولا يغير من اسم ذاتها تعدد الأحوال وتغير الصفات عليها، كما لا يتبدل اسم الآدمي بتغير صفاته وتبدل أحواله. والدليل على ذلك ما روي أنه ﵇ "نهى عن بيع التمر حين يزهي، فقيل: وما يزهي؟ قال: أن يحمر أو يصفر"٥، فسماه تمرًا وهو بسر. وقال شاعرهم:
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٣/ ٧٣٣ - ٧٣٤. ٢ صحيح البخاري ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣. ٣ سيأتي تخريج هذا الحديث والكلام في توثيقه - إن شاء الله تعالى. ٤ أخرج الستة إلا البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". "نصب الراية ٤/ ٣٥". ٥ صحيح البخاري ٣/ ١٠١.
[ ٣٢٤ ]
وما العيش إلا نومة وتشرق وتمر على رأس النخيل وماء
فعبر بالتمر عن الرطب مما يدل على أن اسم التمر لا يختص بالجاف من ثمرة النخيل.. وإذا ثبت أنه تمر، وقد شرط العقد، وهوالمماثلة في المقدار حالة العقد جاز البيع عملًا بالحديث المشهور وتركًا لحديث الآحاد الذي يخالفه، ولا ينظر إلى المماثلة في أعدل الأحوال أي: عندما يصير الرطب جافًّا فينقص مقداره، لسببين:
السبب الأول:
٦٧٨- أن شرط العقد يعتبر عند نفاذه، فيجب أن تعتبر المساواة في البدلين اللذين ورد عليهما العقد، وهما الرطب والتمر، فأما اعتبار حالة مفقودة يتوقع حدوثها فلا، فاعتبار الأعدل هنا كاعتبار الأجود، والأخير أسقطه الشرع، فلا ينظر إلى التفاوت في الجودة لقوله ﵊: "جيدها ورديئها سواء" ١.
السبب الثاني:
٦٧٩- أن التفاوت الذي لا يكون حادثًا بصنع العباد مثل هذا التفاوت الذي يحدث بين الرطب والتمر بعد ما يصير الأول جافًّا -لا يكون معتبرًا ولا يفسد العقد؛ أما التفاوت الذي ينبني على صنع العباد كالحنطة والدقيق، والمقلي وغير المقلي، فإنه مفسد للعقد، ولهذا لا يجوز التفاوت بين النقد والنسيئة؛ لأنه حادث بصنع العباد وهو اشتراط الأجل.
٦٨٠- والحديث المشهور هنا يوجب أحكام ثلاثة:
أحدها: وجوب المماثلة شرطًا للجواز، فيجوز البيع حال وجود المماثلة بهذا النص.
_________________
(١) ١ قال الزيلعي: غريب، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد "الخدري" المتقدم "نصب الراية جـ٤ وهو يشير إلى حديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد" وقد أخرجه مسلم في البيوع في باب الربا.
[ ٣٢٥ ]
ثانيها: أنه يدل على تحريم فضل قائم فعلًا؛ لأن المراد منه الفضل على الذات.
ثالثها: أن الفضل المحرم هو الفضل الذي تنعدم به المماثلة في المقدار.
٦٨١- وخبر الواحد يخالفه في هذه الأحكام الثلاثة؛ لأنه أوجب حرمة البيع حال وجود المماثلة في المقدار، وأوجب حرمة فضل ليس قائمًا فعلًا، وإنما يوجد بعد جفاف الرطب، وليس موجودًا حال العقد، بل هو موهوم غير قائم -فإذا خالف خبر الآحاد الخبر المشهور في هذه الأحكام لم يقبل١.
٦٨٢- وقد حاول أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يؤيد ما ذهب إليه بتضعيف حديث الآحاد من جهة روايته، فيروى أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشداء عليه؛ لمخالفته خبر سعد المتقدم، فقال: الرطب لا يخلو: إما أن يكون تمرًا أو غير تمر، فإن كان تمرًا جاز العقد؛ لقوله ﵊: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، وإن كان غير تمر جاز أيضًا؛ لقوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم"، فروى له حديث سعد، كدليل عليه، فقال: هذاالحديث دار على زيد أبي عياش، وهو ممن لا يقبل حديثه"٢.
٦٨٣- ويقول صاحب كشف الأسرار: واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك: "كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد أبو عياش ممن لا يقبل حديثه٣؟. لكنه يلزم على قول أبي حنيفة هذا أن الحنطة المقلية التي هي مثل الرطب إن كانت حنطة يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل، لقوله ﵊: "الحنطة
_________________
(١) ١ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٥. ٢ الاختيار لتعليل المختار: عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود أبو الفضل مجد الدين الموصلي "٦٨٣ هـ" تحقيق محيي الدين عبد الحميد -مكتبة الجامعة الأزهرية- القاهرة الطبعة الثانية ١٣٧٢هـ - ١٩٥٢/ ٧٣٥ - ٧٣٦. ٣ كشف الأسرار ٣/ ٧٣٥ - ٧٣٦.
[ ٣٢٦ ]
بالحنطة مثلًا بمثل". وإن لم تكن حنطة ينبغي أن تجوز أيضًا، لقوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ولكن الحكم بخلاف ذلك؛ لتفاوت قائم في الحال عند الاعتبار بأجزاء غير المقلي، وذلك من التفاوت الذي يبتني على صنع العباد، وما كان كذلك يفسد العقد -كما تقدم- ولهذا قال السرخسي: "ما ذكر أبو حنيفة ﵀ حسن في المناظرات لدفع الخصم، ولكن الحجة لا تتم به لجواز قسم ثالث كما في الحنطة المقلية"١.
ومعنى ذلك أنه يجوز أن نعتبر الرطب قسمًا ثالثًا لا يكون تمرًا مطلقًا لفوات وصف اليبوسة عنه، ولا يكون غيره مطلقًا؛ لبقاء أجزائه عند صيرورته تمرًا كالحنطة المقلية؛ فهي ليست عين الحنطة على الإطلاق، لفوات وصف الإنبات عنها بالقلي، وليست غيرها لوجود أجزاء الحنطة فيها، وكذلك الدقيق بالنسبة للحنطة. إذن فالاعتماد على المقياس الذي اعتمدوه أولى٢.
٦٨٤- ومما هو جدير بالذكر أن أبا يوسف ومحمدًا صاحبي أبي حنيفة عملا بحديث سعد ﵁، وليس معنى ذلك أنهما لا يأخذان بنفس هذ المقياس؛ أي عرض أحاديث الآحاد على الأحاديث المشهورة كلا، وإنما يريان أنه لا تعارض بين هذين الحديثين، فالمشهور تناول التمر، والرطب ليس بتمر عادة؛ أي: عرفًا، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو حلف لا يأكل الرطب، فأكله بعدما صار تمرًا لم يحنث.. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون المشهور متناولًا لما تضمنه حديث سعد ﵁، فلا تتحقق المخالفة، فيجب العمل به على رأيهما.
٦٨٥- وقد رجح أصوليو الأحناف رأي إمامهم الأعظم مجيبين عنه بأنه قد ثبت استعمالًا أن الرطب من جنس التمر، لكن اليمين قد تختلف باختلاف الداعي مع قيام الجنسية، والرطوبة في الرطب وصف داع إلى المنع مرة، وإلى الإقدام أخرى، فيتقيد اليمين بالوصف من أجل هذا ٣.
_________________
(١) ١ المبسوط، شمس الدين السرخسي - مطبعة السعادة. مصر- ١٢/ ١٨٥ - ١٨٦. ٢ كشف الأسرار ٢/ ٧٣٥ - ٧٣٦. ٣ المصدر السابق ٣/ ٧٣٦.
[ ٣٢٧ ]
مناقشة الإمام الشافعي:
٦٨٦- ونذهب إلى ناصر السنة الإمام الشافعي، ﵁، لنرى ماذا يقول فيما ذهب إليه الأحناف من عرض الآحاد على السنة المشهورة، وفي هذا المثال الذي عرضنا فيه رأي أبي حنيفة مطبقًا فيه هذا المقياس.
٦٨٧- يرى الإمام الشافعي أن عرض الآحاد على السنة المشهورة بهدف تضعيف بعض الأحاديث وردها مع ثبوتها سندًا يتعارض مع طاعة رسول الله، ﷺ التي أمر الله ﷿ بها في كتابه، يقول: "وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره"١.
٦٨٨- من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يحرم بيع الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خصص به حديث: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"٢.
٦٨٩- وقد ابتدأ الإمام الشافعي الكلام في هذه المسألة بإثبات هذا الحديث وغيره مما يحرم بيع التمر بالتمر لعدم وجود المساواة بينهما:
روي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن المزابنة" والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا ٣.
وهذا الحديث صحيح، لاتصاله والثقة في رواته، وقد أخرجه الشيخان في صحيحهما٤.
_________________
(١) ١ الرسالة ٣٣٠. ٢ الموطأ "طبعة الشعب" ص ٣٨٥. ٣ الموطأ "طبعة الشعب" ص ٣٨٦ - وانظر تعريف المزابنة في اختلاف الحديث ص٣٢٠، وتعريفات أخرى لها في صحيح البخاري "طبعة الشعب في ص ٩٦ - ٩٩ جـ٣". ٤ صحيح البخاري ٣/ ٩٨ - ٩٩، صحيح بشرح النووي ٤/ ٣٥.
[ ٣٢٨ ]
وروى عن مالك عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان أن زيدًا أبا عياش أخبره عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب، فقال النبي، ﷺ: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك١.
٦٨٩- وإذا كان قد سبق القول من أبي حنيفة في زيد أبي عياش الذي مدار هذا الحديث عليه وأنه ممن لا يقبل حديثه مما يلزم منه أن هذا الحديث ضعيف -فقد أثبت آخرون أنه صحيح لسببين:
أولهما:
أن هذا الحديث رواه الإمام مالك، وهو كما نعرف: لا يروي إلا ما تأكد من صحته، وعن العدول الضابطين، ومن أجل ذلك ترك الكثرة من أهل الصلاح في المدينة؛ لأنهم غير ضابطين. يقول الحاكم بعد رواية هذا الحديث: "هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم لكل ما يرويه في الحديث إذا لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة"٢.
ثانيهما:
٦٩٠- قال الخطابي: إن بعض الناس تكلم في إسناد هذا الحديث، وقال: زيد أبو عياش مجهول، وليس الأمر على ما توهمه، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته.. وقال المنذري: كيف يكون مجولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن والترمذي صحيح حديثه
_________________
(١) ١ الموطا ص٣٨٦، اختلاف الحديث ص٣١٩. ٢ المستدرك ٢/ ٣٨، ٣٩. ٣ نصب الراية ٤/ ١٤.
[ ٣٢٩ ]
وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وما علمت أحدًا ضعفه. وقال ابن الجوزي: قال أبو حنيفة: زيد أبوعياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل.
٦٩١- لكنني لا اعتقد أن أبا حنيفة ضعفه لجهالته، فهو يقبل حديث المجهول في الفروق الثلاثة الأولى كما سبق أن ذكرنا.
الحديث صحيح إذن، ولا يجوز في نظر الشافعي أن يترك، وتاركه لأي سبب كان -بعد هذا- مخالف لأمر الله تعالى بطاعة رسول الله في كتابه الكريم.
٦٩٢- وترك الإمام الشافعي السند قليلًا ليبين علة نهي النبي، ﷺ، عن بيع الرطب بالتمر، وهي أن الرطب ينقص إذا يبس، فيصير الأمر أن يباع تمر بتمر أقل منه، كما يباع تمر بآخر لا يدرى كم مكيله؛ لأن مقداره الذي علمناه وهو رطب سينقص بعد ما يجف، وهذا لا يجوز لأنه يكون ربًا. يقول الإمام الشافعي مبينًا هذا: "وأصل نهي النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس في معنى المزابنة إذا كان ينقص إذا يبس، فهو تمر بتمر أقل منه، وهو لا يصلح بأقل منه، وتمر بتمر لا يدرى كم مكيله، أحدهما من الآخر.. الرطب إذا يبس فصار تمرًا لم يعلم كم قدره من قدر التمر وهكذا قلنا: لا يصلح كل رطب بيابس في حال من الطعام إذا كا ن من صنف واحد"١.
٦٩٣- وهكذا وجدنا عناية من الشافعي بتوثيق متن الحديث ببيان أنه يتمشى مع الأصول الشرعية الأخرى.
٦٩٤- وإذا كان الشافعي لا يجيز بيع الرطب بالتمر عملًا بخبر الواحد، فإنه يجيز ذلك في حالة واحدة وهي حالة "العرية"، وهي كما عرفها الإمام الشافعي أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصة من التمر، يخرص الرطب رطبًا، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرًا، ويقبض التمر قبل أن يتفرق البائع والمشتري٢.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٣٢٠. ٢ المصدر السابق ص٣٢١، وانظر تعريفًا آخر لها في الموطأ ص٣٨٧ "طبعة الشعب". ٣ المصدر السابق ص٣١٩ وانظر الرسالة ص٣٣٣.
[ ٣٣٠ ]
٦٩٥- والشافعي ﵁، يجيز العرايا اتباعًا للسنة أيضًا، فقد روي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن حثمة: "أن رسول الله، ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بكيلها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا".. وروي حديثًا آخر في ذلك فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر". قال عبد الله بن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا"١.
٦٩٦- وأحاديث العرايا هذه صحيحة، ومن هنا أخذ الشافعي بها في جواز بيع العرايا، ويكون نهي رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر والمزابنة من الجمل التي مخرجها عام، ويراد بها الخاص؛ أي: النهى عام ما عدا العرايا التي خصصته، فهي لا تدخل في نهيه، ﷺ؛ لأنه ﷺ لا ينهى عن أمر يأمر به إلا أن يكون منسوخًا، ولا نعلم في ذلك نسخًا٢.
٦٩٧- وكانت إجازة الرسول ﷺ هذا النوع من البيع تلبية لحاجة الناس حينئذ؛ فقد شكى بعضهم إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر، ويحل موعده، وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون به، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فأرخص لهم رسول الله ﷺ، أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبًا٣.
٦٩٨- وإذا كان الشافعي في بيان تحريم بيع الرطب بالتمر بالسنة يرد على الأحناف ويتهمهم بأنهم يظهرون القول في بعض الأحاديث من الشبه، وخاصة في المجمل والمفسر منها، ويشبهون على قوم من أهل الحديث ليس لهم بصر بمذاهبه -فإنه في بيان تحليل بيع العرايا يتهم قومًا بعدم جواز
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٣١٩- وانظر الرسالة ص ٣٣٣. ٢ المصدر السابق ص ٣٢١. ٣ المصدر السابق ص٣٢٧.
[ ٣٣١ ]
بيعها تاركين السنة الصحيحة التي سبق أن ذكرناها -مدعين أن العرايا داخلة في نهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر، قال الشافعي: "وخالفونا معًا في العرايان فقالوا: لا نجيز بيعها، وقالوا: نرد إجازة بيعها بنهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر وهي داخلة في المعنيين"١.
٦٩٩- وهنا يدخل الشافعي معهم في نقاش شبيه بالذي فعله سابقًا مع الأحناف في ردهم بعض الأحاديث، وعدم جوازهم العمل بها كمخصص لعام الكتاب، أو تقيد لمطلقه، فيقول: إن الحجة على هؤلاء "في أن يطاع رسول الله ﷺ، فنحل ما أحل، ونحرم ما حرم" وهم يتناقضون في آرائهم؛ لأنهم يقولون: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" كما يقول الحديث؛ لكنهم يخرجون عليه في القسامة، فيغرمون من حلف، ويعطون من لم تقم له البينة، وهم خرجوا عليه؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك، وحجتهم "أن عمر لا يجهل قول النبي ﷺ ولا يخالفه" أما كان الأولى أن يكون قول رسول الله ﷺ أدل على قوله من قول غيره؟ فيأخذون بحديث جواز بيع العرية، ويكون هذا الحديث دالًّا على أن قول الرسول ﷺ، الآخر في تحريم المزابنة وبيع الرطب بالتمر عام خصص به رخصة؟!.. وقياسًا على قولهم في عمر: إنه ﷺ لا يجهل قول نفسه ولا يخالفه٢.
٧٠٠- وإذا كان الشافعي ﵁ قد أثبت حديث سعد وحديث العرية، وبين أنهما من الأخبار التي خصصت أخبارًا أخرى عامة فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، مما لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا حديث المصراة٢.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٣٢٤. ٢ اختلاف الحديث ص ٣٢٥ - ٣٢٦. ٣ صر الناقة يصرها صرًّا وصر بها شد ضرعها. والمصراة: هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس، ويقال منه: صريت الماء وصريته =
[ ٣٣٢ ]
٧٠١- وحديث المصراة رواه مالك فقال: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر" ١.
٧٠٢- وهذا الحديث صحيح، وقد رواه الشيخان وغيرهما٢.
وروى الشافعي حديثًا آخر بإسناد صحيح فقال: أخبرنا سفيان عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺمثله، إلا أنه قال: ردها وصاعًا من تمر لا سمراء "الحنطة".
٧٠٣- ومع صحة هذين الحديثين لم يأخذ بهما أبو حنيفة ﵁، وقال: إن هذا من المنسوخ.
أولًا: لمخالفتهما عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٤. والصاع ليس بمثل ولا قيمة لما أخذه المشتري من اللبن. وقد تقدم القول في عرض الحديث على القرآن الكريم.
_________________
(١) = وصريت الشاة تصرية إذا لم تحلبها أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها والشاة مصراة.. "اللسان" وقال الشافعي: والتصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها لذلك، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها، بنقصانه كل يوم عن أوله. وهذا غرور للمشتري "مختصر المزني على الأم جـ٢ ص١٨٤ - ١٨٥" وانظر "تحقيق الرسالة ص ٥٥٦ للأستاذ أحمد شاكر عليه رحمة الله تعالى". ١ الموطأ "طبعة الشعب" ص ٤٢٤. وانظر اختلاف الحديث ٣٣٢ - ٣٣٣. ٢ صحيح البخاري "طبعة الشعب" ٣/ ٩٣ - صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ١٥ وانظر نيل الأوطار ٥/ ٣٢٧. ٣ البقرة: ١٩٤. ٤ النحل: ١٢٦.
[ ٣٣٣ ]
ثانيًا: هذا الحديث مخالف لحديث آخر مشهور، وأخذ به جمهور الفقهاء وهو حديث١: "الخراج بالضمان"، وهذا الحديث رواه الشافعي فقال: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة بن
_________________
(١) ١ يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة؛ عبدًا كان أو أمة أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن على البائع شيء، والباء في الضمان متعلقة بمحذوف تقديره، الخراج مستحق بالضمان: أي بسببه. "النهاية لابن الأثير" وقال الأستاذ أحمد شاكر في تحقيقه الرسالة: "رواه البيهقي في السنن ٥/ ٣٢١ - ٣٢٢ من طريق الشافعي ورواه الطيالس رقم ١٤٦٤ عن ابن أبي ذئب بالقصة مختصرة، ورواه كثير من العلماء عن ابن أبي ذئب فبعضهم اختصر القصة وبعضهم اقتصر على الحديث المرفوع "الخراج بالضمان" وأسانيده في أبي داود ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥ - أحمد ٦/ ٨٠ و١١٦ و١٦١ و٢٠٨ و٢٣٧، والمستدرك للحاكم ٢/ ١٥ وقد رواه أيضًا: "مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام، وفيه قصة أخرى، قال أبو داود: هذا إسناد ليس بناك، وقال الترمذي في حديث ابن أبي ذئب عن مخلد": هذا حديث حسن، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، ثم رواه مختصرًا من طريق عمرو بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال: هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام بن عروة، واستغرب محمدج بن إسماعيل البخاري هذا الحديث من حديث عمرو بن علي. وفي عون المعبود في الكلام على حديث مخلد: "قال المنذري: قال البخاري: هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال الترمذي: فقلت له: فقد روي هذا الحديث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة؟ فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، يعني مخلد بن خفاف. فقال: لم يرو عنه غير بن أبي ذئب وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجة" والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.. وقد ذكرنا أن مخلدًا ثقة وقد روى عنه غير ابن أبي ذئب، خلافًا لما زعمه أبو حاتم، فقد نقل الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب أن حديثه هذا رواه أيضًا الهيثم بن جميل عن يزيد ابن عياض عن مخلد. فظهرت صحة الحديث بينة "تحقيق الرسالة ص ٤٤٩ - ٤٥٠". والحديث ذكره الإمام الشافعي في الرسالة هكذا: "أخبرنا من لا أتهم عن ابن أبي ذئب عن مخلد ابن خفاف قال: "ابتعت غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله، ﷺ، قضى في مثل هذا أن "الخراج بالضمان". فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي. فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به له". "الرسالة ص٤٤٨ - ٤٤٩".
[ ٣٣٤ ]
الزبير عن عائشة أن رسول الله، ﷺ قال: "الخراج بالضمان" ويضيف الشافعي إلى هذا قوله مبينًا سبب هذا الحديث: "وأحسب، بل لا أشك -إن شاء الله- أن مسلمًا١ نص الحديث، فذكر أن رجلا ًابتاع عبدًا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب، فقضى له رسول الله ﷺ برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله ﷺ: "الخراج بالضمان".
٧٠٤- وبمقتضى هذا الحديث لا يكون اللبن مضمونًا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري مدة بقائها عنده ينفق عليها٢.
٧٠٥- إذن فقد خالف حديث المصراة كتاب الله وهذا الحديث المشهور فيرد، وهذا ما فعله أبو حنيفة ﵁ ومحمد، وفي بعض الروايات أبو يوسف أيضًا، وفي رواية أخرى يقول ما يقول به زفر والشافعي من العمل بالحديثين وعدم ردهما٣.
٧٠٦- إن الشافعي ﵁ يرى هنا أن الحديث ثابت، وما ثبت عن رسول الله ﷺ يجب الأخذ به ولا يقال: "لم وكيف" يقول: "وما ثبت عن النبي ﷺ فليس منه إلا التسليم فقولك قول غيرك فيه "ولم وكيف" خطأ، لكنه لا يكتفي بإثبات صحة الحديث عن طريق صحة رواته وإسناده، بل يترك هذا -وإن كان هو المقياس الوحيد عنده لإثبات الحديث -ليبين من خلال متن الحديث أن ما ثبت عن رسول الله ﷺ لا يختلف ولا يتعارض ولا يتناقض، ومن هنا فليزل ما يحاول البعض به أن يزعم أن حديث المصراة يتعارض مع حديث الخراج بالضمان، ليترك الأول بحجة أنه منسوخ بالحديث الثاني.
٧٠٧- يقول: إن في حديث المصراة شيئًا ليس في حديث "الخراج
_________________
(١) ١ مسلم بن خالد الزنجي. من رواة هذا الحديث. ٢ أبو حنيفة: د. محمد يوسف موسى "دراسات إسلامية" ٣ مكتبة نهضة مصر بالفجالة ص٨٢. ٣ البيوع والمعاملات المالية المعاصرة: د. محمد يوسف موسى. الطبعة الثانية ١٣٧٢هـ - ١٩٥٤م- دار الكتاب العربي بمصر. ص٧٥.
[ ٣٣٥ ]
بالضمان"، وموضوع كل منهما مختلف عن الآخر؛ ذلك أن البائع عندما أراد أن يبيع الشاة أو الناقة المصراة كان يبيع شيئين الشاة أو الناقة ومعهما اللبن الذي في الضرع، وهذا كمن يبيع النخلة وعليها ثمرها؛ وقد كان يملك أن يحلبه قبل البيع كما يملك أن يقطع الثمر قبل أن يبيع النخلة. "فاللبن مبيع مع الشاة وهو سواها، وكان في ملك البائع" فإذا حلبه المشتري، ثم أراد أن يردها بعيب التصرية ردها وصاعًا من تمر؛ كثر اللبن أو قل. كان قيمته أو أقل من قيمته؛ لأن ذلك شيء وقته رسول الله ﷺ بعد أن جمع فيه بين الإبل والغنم التي هي مختلفة الأثمان وألبانها كذلك.
٧٠٨- أما الخراج الذي يستحق بالضمان فشيء آخر مختلف تمامًا، وهو ما لا يكون في ملك البائع وقت البيع، وفي حالة الشاة المصراة لو أمسكها المشتري بعد حلب اللبن المصرى، حتى اكتشف فيها عيبًا آخر فإن ردها ردها ولا يرد اللبن الذي حلبه بعد لبن التصرية؛ لأن هذا حدث في ملك المشتري، ولم يكن في ملك البائع، وفي عدم رد اللبن إنما ينفذ قوله ﷺ: "الخراج بالضمان" ومثل هذا أن يبتاع عبدًا فإنما اشتراه بعينه، وما حدث له بعد ذلك من خدمة أو خراج أو مال أفاده فهو للمشتري؛ لأنه حادث في ملكه لم تقع عليه صفقة البيع، فهو كلبن الشاة الحادث بعد لبن التصرية في ملك مشتريها.
وكذلك نتاج الماشية يشتريها فتنتج ثم يظهر منها على عيب، فيردها دون النتاج، وكذلك لو أخذ لها أصوافًا أو شعورًا أو ألبانًا وكذلك لو أخذ للحائط ثمرًا إذا كان يوم يردها بحالها كيوم أخذها أو أفضل١.
٧٠٩- ليس هناك -إذن- من تناقض ولا مجال لأن تقول كيف نرد المصراة مع صاع من تمر؛ لأن الله تعبد خلقه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بما شاء، لا معقب لحكمه، فعلى الناس اتباع ما أمروا به، وليس لهم فيه إلا التسليم و"كيف" إنما تكون في قول الآدميين الذين يكون قولهم تبعًا لا متبوعًا٢.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٣٣٣ - ٣٣٤. ٢ اختلاف الحديث ص٣٣٩.
[ ٣٣٦ ]
٧١٠- والحق أننا مع الإمام الشافعي في أن الحديث متى صح من حيث الثقة في رواته لا ينبغي أن نرفضه أو نرده ونتركه وخاصة إذا لم تكن هناك من الأدلة على نسخه، ولا نعرضه على حديث آخر حتى ولو كان مشهورًا؛ لأن الشهرة وإن كانت تبعث على الاطمئنان القلبي إلا أنها لا تصح مقياسًا لرفض أحاديث أخرى لم تشتهر؛ إذ قد يكون مبعث شهرتها الحاجة إليها في كثير من المسائل والمشاكل الفقهية؛ لا لأن الذين رووها أوثق من الذين رووا الأحاديث التي لم تشتهر، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على حديث "المصراة" وعلى حديث "الخراج بالضمان" فالثاني لأنه يطبق في حالات كثيرة؛ في الحيوان وغير الحيوان اشتهر على الرغم مما قيل في إسناده، وحديث "المصراة" لم يبلغ من الشهرة مثل ما بلغ لأنه لا يطبق إلا في حالات قليلة، في الشياه أو الإبل المصراة ومع هذا فلم يتكلم في إسناده مثل ما تكلم في إسناد "الخراج بالضمان".
٧١١- وكما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟!! هذا من أبطل الباطل"١.
٧١٢- وإذا كان الإمام الشافعي ﵁ قد رفض عرض السنة على السنة من أجل رد بعضها والعمل ببعضها الآخر -فإنه استخدم ذلك لترجيح بعض الأحاديث الصحيحة على بعضها الآخر وعونًا على الفهم الصحيح لها والمعنى الذي أراده ﷺ منها:
٧١٣- فقد رويت أحاديث في الإسفار والتغليس بالفجر، ولا شك أن وقت التغليس أسبق من وقت الإسفار، فالوقت إذن مختلف والأحاديث تبعًا لذلك مختلفة أيضًا.
٧١٤- روى الشافعي عن سفيان عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال: أسفروا بالصبح، فإن ذلك أعظم لأجوركم أو قال: للأجر.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ٢/ ٢٥١.
[ ٣٣٧ ]
وهذا كما نراه في الإسفار.
٧١٥- وروي في التغليس عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كن نساء من المؤمنات يصلين مع النبي ﷺ وهن متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفهن أحد من الغلس.
قال: وروي زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ما يوافق هذا، وروي مثله عن أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي عن النبي ﵊.
٧١٦- واختار الشافعي التغليس فقال: إذا انقطع الشك في الفجر الآخر وبان معترضًا، فالتغليس بالصبح أحب إلينا، ورأى بعض الناس الإسفار بالفجر أحب إليهم. وبين سبب اختياره للتغليس فقال: إنه أولى الحديثين بمعنى كتاب الله وأثبتهما عند أهل الحديث١ وأشبههما بجمل سنن النبي ﷺ وأعرفهما عند أهل العلم. فالسنة هنا أو جمل السنن -كما عبر- إنما هي عامل فقط من عوامل الترجيح مع معنى كتاب الله تعالى، وكون الحديثين أثبت من الآخر.
٧١٧- ثم بين السنة الأخرى التي رجحت حديث التغليس فقال: "إن رسول الله ﷺ، قال: "أول الوقت رضوان الله"، وسئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها".
٧١٨- وعقب الشافعي على هذا بقوله: "ورسول الله لا يؤثر على رضوان الله ولا على أفضل الأعمال شيئًا"٢.
٧١٩- ويحرص الشافيع جهده ألا يترك حديث رسول الله ﷺ الثابت إسنادًا؛ فيزيل ما بين الحديثين من اختلاف، فيقول الله تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة، وقال رسول الله ﷺ: إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعل من الناس من سمعه فقدم
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢٠٩ - فقد بين الإمام الشافعي ذلك. ٢ اختلاف الحديث ص٢٠٩ وانظر الرسالة ص٢٨٢ وما بعدها.
[ ٣٣٨ ]
الصلاة قبل أن يتبين الفجر، فأمرهم أن يسفروا حتى يتبين الفجر الآخر. فلا يكون معنى حديث رافع أن يؤخر الفجر عن وقته الأول، ولا يكون مخالفًا للحديث الأول، ويكون كلاهما على هذا النحو -ثابتًا"١.
٧٢٠- ومما يدل على ذلك ويؤكده أن النبي ﷺ قال: "هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئًا ولا يحرمه، فأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم الطعام". يعني من أراد الصيام٢.
٧٢١- وقد أيدت السنة سنة أخرى عند الشافعي حتى لا يقال: إنه ذهب إلى رأي مخالف للسنة، فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجب الغسل إلا من الجنابة، وأخذ هذا الحكم من قول الله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ٣ وقال: إن الوجوب لا يتعدى الغسل من الجنابة إلى شيء آخر إلا أن تدل السنة على غسل واجب، فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها.
٧٢٢- والشافعي لم يعلم دليلًا من السنة على وجوب الغسل من غير الجنابة.
٧٢٣- ولكن ماذا يفعل فيما روي عن النبي ﷺ مما ظاهره الوجوب كغسل يوم الجمعة، وفيه الأحاديث الصحيحة؟ ومنها ما رواه عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" وهذا أمر ظاهره الوجوب، وما رواه أيضًا عن مالك عن صفوان بن مسلم عن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وهذا أكثر صراحة من الأول في الوجوب.
٧٢٤- هل ترك الشافعي هذه السنة الصحيحة حينما قال: إن غسل يوم الجمعة غير واجب؟! وكيف يتركها وهو المدافع عن كل ما ثبت عن
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢١٠. ٢ الرسالة ص٢٩١. ٣ سورة النساء: ٤٣.
[ ٣٣٩ ]
رسول الله ﷺ؟! إن السنة الأخرى الصحيحة عن رسول الله ﷺ هي التي تعينه على الفهم الصحيح لهذه الأحاديث.
٧٢٥- وبعرض هذه على تلك يتبين أنه يأخذ بها جميعها ولا يترك منها شيئًا -فما روي عن رسول الله ﷺ من أحاديث أخرى في غسل يوم الجمعة يؤكد أن الوجوب هنا وجوب في الاختيار وفي النظافة ونفي الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل وجب حقك عليّ، إذا رأيتني موضعًا لحاجتك، ولسان العرب واسع يحتمل هذا ويحتمل أن الغسل واجب لا يجزى غيره فكان الاحتمال الأول أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث، وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله ﷺ في غسل يوم الجمعة أيضًا.
٧٢٦- ما هي هذه الدلالة عن رسول الله ﷺ وما الأحاديث التي تؤكد أن الوجوب في غسل يوم الجمعة وجوب في الاختيار وفي النظافة؟
يروي الشافعي عن مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟! فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل. وكان الرجل الداخل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه١.
ولم يزد الأمر على ذلك مما يدل على أنهما فهما الأمر على الاستحباب لا على الوجوب بدليل أن عثمان لم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك ولم ينكر عليهما من حضر الخطبة من الصحابة التي حدث في أثنائها الحوار بين عمر وعثمان ﵄.
٧٢٧- وذكر الشافعي بعد هذا حديثًا آخر ليؤكد المعنى الذي أراده النبي أن الوجوب ليس معناه الفرض فتترك الأحاديث التي لا تدل على
_________________
(١) ١ مسلم ٢/ ٤٩٦.
[ ٣٤٠ ]
الوجوب فقال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم١؟ " كما روي من حديث البصريين أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" ٢.
٧٢٨- وهكذا خرج الشافعي بعرض السنة على السنة بذلك الفهم الصحيح لبعض الأحاديث ولم يفعل كالذين أخذوا بظاهر الأحاديث الأولى من وجوب الغسل يوم الجمعة للصلاة٣. وهم بهذا خالفوا السنة الصحيحة وتركوا ما تدل عليه، وهو بهذا وثقها جميعها، وأخذ بها كلها ولم يترك منها شيئًا، لأنها ثابتة، ولا يجوز أن يترك الثابت عن رسول الله ﷺ.
٧٢٩- وندرك من كل هذا أن الأحناف استعملوا مقياس عرض السنة على السنة المشهورة من أجل توثيقها أو عدم توثيقها، وهم في هذا يقدمون عناية أخرى في نقد متن الحديث غير عنايتهم هم وغيرهم في نقد إسناده ورواته، وأن الإمام الشافعي وإن كان قد عارض في هذا المقياس لأنهم تركوا به بعض الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله ﷺ به؛
_________________
(١) ١ مسلم ٢/ ٤٩٧. ٢ قال النووي: حديث حسن في السنن مشهور "مسلم بشرح النووي ٢/ ٤٩٨" - اختلاف الحديث ص ١٧٧ - ١٨١. وانظر شبيهًا بهذا في باب من أصبح جنبًا في شهر رمضان ص ٢٣٢ وما بعدها. ٣ قال النووي: اختلف العلماء في غسل يوم الجمعة، فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب. قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث -يعني الأحاديث التي رواها مسلم- واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان مبينًا في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه ولا لزموه". صحيح مسلم ٢/ ٤٩٨.
[ ٣٤١ ]
إلا أنه استخدمه لتاكيد ثبوته وتوثيق بعض السنن، وهي عناية تدل على أن الذين التزموا بأن صحة السند دليل على صحة المتن لم يغفلوا العناية بالمتن ولم يغلقوا أنفسهم على الاهتمام فقط بالسند دون النظر في معاني الحديث وملاءمتها للأصول الإسلامية. والذي فعله الشافعي هنا هو ما فعله في عرض السنة على القرآن؛ لتأكيد ثبوتها وما سيفعله في عرضها على القياس والمعقول وغير ذلك كما سنرى - إن شاء الله.
وننتقل إلى مقاييس أخرى من مقاييس الحنفية في توثيق متون الأحاديث.
[ ٣٤٢ ]
الفصل الثالث: عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم
٧٣٠- هناك مقياسان غير ما تقدم لتوثيق الحديث أخذ بهما الحنيفة وهما:
١- الحديث الذي تعم به البلوى، والذي إليه تكون الحاجة ماسة في عموم الأحوال -لا بد أن يأتي بروايات مشهورة ليكون مقبولًا وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم. فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعم به البلوى.
٢- الحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي، ﷺفإذا أعرضوا عن حديث- وهم الأصول في نقل الشريعة -دل ذلك على انقطاعه أو نسخه، "وذلك بأن يختلفوا في حادثه بآرائهم، ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث كان ذلك زيافة؛ لأن استعمال الرأي والإعراض عن النص غير سائغ"١.
٧٣١- وهذان المقياسان -كما يبدو واضحًا- يرجعان إلى أصل واحد وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاواهم ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم ويعملوا به، وحدث ذلك فعلًا ونقلوه قبل وكان صحيحًا. أما إذا أعرضوا عنه، وواجب عليهم ألا يعرضوا عما ثبت عن رسول الله ﷺ- كان ذلك دليلًا على أنه لم يصدر عن رسول الله ﷺ.
٧٣٢- وطبق الأحناف المقياس الأول، وشاركتهم فيه المالكية -كما يقول ابن حزم٢- فقالوا: إن حديث مس الذكر مثلًا ليس صحيحًا لأنه مما تعم به البلوى.
وهذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة:
رواه أبو داود والنسائي من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان، فذكر
_________________
(١) ١ أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار ٣/ ٧٣٨. ٢ الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ١٤٥.
[ ٣٤٥ ]
ما يكون منه الوضوء. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" ورواه ابن ماجه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة.
ورواه الترمذي عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة"١.
٧٣٣- قال الأحناف: إن هذا الحديث شاذ لانفرادها بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، فدل ذلك على زيافته؛ إذ القول بأن النبي ﷺ خص بسرة بالتعليم في هذا الحكم، مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة الحاجة إليه شبه المحال٢.
٧٣٤- وفي الحق أنه قد روي هذا الحديث عن صحابة آخرين غير بسرة كأبي هريرة وجابر وسالم وزيد بن خالد، وعائشة وأم حبيبة وغيرهم، إلا أن الروايات عنهم مضطربة الأسانيد، غير صحيحة لضعف رجالها، ولمعارضتها أيضًا بروايات أخرى صحيحة تخالفها، فلا ينتفي الشذوذ منها٣..
ولو كان مما ينتقض بمس الذكر الوضوء لأشاعه النبي ﷺ، ولم يقتصر على مخاطبة الآحاد، بل يلقيه إلى عدد يحصل به التواتر أو الشهرة مبالغة في إشاعته لئلا يفضي إلى بطلان صلاة كثيرة من الأمة من غير شعور به، ولهذا تواتر نقل القرآن، واشتهرت أخبار البيع والنكاح والطلاق وغيرها، فلما لم يشتهر هذا الحديث "علمنا أنه سهو أو منسوخ"٤.
٧٣٥- لقد اشتهر هذا الحديث بين المتأخرين عندما قبلوه وفي هذا دليل أيضًا على عدم ثبوته؛ إذ لو كان ثابتًا في المتقدمين لاشتهر أيضًا ولما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود حـ١ ص١٢٥ - ١٢٦، سنن النسائي حـ١ ص ١٠٠ - ١٠١، جامع الترمذي حـ١ ص٢٧٠ بشرح تحفة الأحوذي، سنن ابن ماجه حـ١ ص١٦١. ٢ أصول السرخسي حـ١ ص٣٦٨. ٣ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٣٨. ٤ المصدر السابق حـ٣ ص ٧٣٧.
[ ٣٤٦ ]
ومن أجل هذا السبب لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علة، ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة، وإن كان ذلك محتملًا؛ لأن الظاهر يكذبه في ذلك، ولم يقبل قول الرافضة وادعاؤهم النص على إمامة علي ﵁؛ لأن أمر الإمامة مما تعم به البلوى؛ لحاجة الجميع إليه، فلو كان النص ثابتًا، لنقل نقلًا مستفيضًا، وحيث لم يكن كذلك دل على أنه غير ثابت.
٧٣٦- وإن الأخبار التي ينقلها الواحد مع أن العادة والمعقول اشتهارها بين الناس لا تقبل كمثل انفراد واحد بنقل قتل ملك في السوق، إن مثل هذا الخبر لا يقبل بطبيعة الحال، لأنه يبعد عادة ألا يستفيض مثله.
٧٣٧- ومن الأحاديث التي شذت كذلك مع اشتهار الحادثة "حديث الجهر بالتسمية، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ كان يجهر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وروى أبو قلابة عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". ولما شذ مع اشتهار الحادثة ومع أنه معارض بأحاديث أقوى منه في الصحة دالة على خلافه لم يعمل به١.
٧٣٨- وردوا أيضًا -تطبيقًا لهذا القياس- خبر الوضوء مما مسته النار. وخبر الوضوء من حمل الجنازة، وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها٢.
٧٣٩- ويقول الأحناف: إنه قد يعترض بعض الناس على قبولنا وجوب الوتر، ووجوب المضممة والاستنشاق في الجنابة، مع أن هذا وذاك من خبر الواحد مما تعم به البلوى ويردون على ذلك بأن فعل
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٣٧. ٢ أصول السرخسي حـ١ ص ٣٦٩.
[ ٣٤٧ ]
الرسول ﷺ لهذه الأمور ليس من الآحاد، وإنما هو من الأخبار المشهورة، أما الوجوب فقد قبلناه، وإن كان من أخبار الآحاد، لأنه مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم، فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم، فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه بالنقل المستفيض١.
٧٤٠- وأسس الأحناف المقياس الثاني وهو أن أخذ الصحابة بالحديث دليل على صحته، وإعراضهم عنه مع الاختلاف بينهم في الحكم، دليل على انقطاعه وعدم صحته -على أن الصحابة وهم الأصول في نقل الدين، لم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجة ولم يتهموا بالكتمان والاشتغال بما ليس بحجة، وعنايتهم بالحجج كانت أقوى من عناية غيرهم بها -فترك المحاجة بخبر الواحد وعدم العمل به عند ظهور الاختلاف فيهم، وجريان المحاجة بينهم بالرأي والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر دليل ظاهر -كما قلنا- على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو منسوخ٢ وكلاهما لا يعمل به وليس بحجة.
٧٤١- وطبق الأحناف هذا المقياس، فردوا حديث: "الطلاق بالرجال" الذي تمسك به الإمام الشافعي، ﵀، في اعتبار عدد الطلاق بحال الرجل، وهو ما روي عن زيد بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء".. والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال. فالكبار من الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بالحديث أصلًا، فذهب عمر وعثمان وزيد وعائشة ﵃، إلى أن الطلاق معتبر بحال الرجل في الرق والحرية، وذهب علي وعبد الله بن مسعود ﵄ إلى أنه معتبر بحال المرأة، وهذا خلاف الحديث، ولم تحاج الطائفة الأولى الثانية بالحديث الذي سند رأيها ويقف بجانبه. وهناك قول ثالث أثر عنهم أيضًا، وهو ما روي عن ابن عمر أنه يعتبر بمن رق منهما حتى لا يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حرين٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق حـ١ ص٣٦٩. ٢ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٣٨. ٣ المصدر السابق حـ٣ ص٧٣٨ - ٧٣٩.
[ ٣٤٨ ]
٧٤٢- وتركوا أيضًا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال في صدقة الصبي: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا؛ كي لا تأكلها الصدقة". ويقولون: لقد اختلف الصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الزكاة على الصبي اختلافًا ظاهرًا، ومع هذا لم يحاج بعضهم بعضًا بهذا الحديث، فذهب علي وابن عباس ﵃ إلى أنه لا زكاة في ماله، وذهب عبد الله بن عمر وعائشة ﵃ إلى الوجوب بما يدل عليه هذا الحديث.
وذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن الوصي يعد السنن عليه، ثم يخبره بعد البلوغ؛ إن شاء أدى، وإن شاء لم يؤد١.
٧٤٣- ولو كان هذا الحديث ثابتًا لاشتهر فيهم، وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف؛ لأنهم كانوا أولع بالنص ولو احتجوا به لاشتهر أكثر من شهرة فتوى كل منهم في هذه المسألة، ولرجع المخالف إلى حديث رسول الله ﷺ الذي كان يخالفه، لأنهم كانوا أشد انقيادًا للحق من غيرهم "ولما لم يثبت شيء من ذلك علم أنه مزيف"٢.
٧٤٤- ويتصل بهذين المقياسين أو شبيه بهما عرض الحديث على عمل الراوي وفتواه وخاصة عمل الصحابي من حيث موافقته لما رواه أو مخالفته له، فإن بعض الرواة قد رويت عنه أحاديث وقال أو عمل بخلافها.
٧٤٥- ويقول الأحناف: إذا كان العمل أو القول المخالف للرواية قبلها فإن ذلك لا يقدح في الخبر، ويحمل على أن ذلك كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يعلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون منه قبل أن يبلغه الحديث، ثم رجع إليه.
٧٤٦- والاحتمالات الكثيرة التي تجعل الحديث غير موثوق به إنما
_________________
(١) ١ المصدر السابق حـ٣ ص٣٧٩. ٢ المصدر السابق حـ٣ ص٧٣٩.
[ ٣٤٩ ]
تكون عند ما يعلم أنه خالف الحديث قولًا أو فعلًا بعد تاريخ روايته، ومن هنا يكون هذا الحديث غير حجة؛ لأن فتواه بخلافه أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الأصل للحديث"١ إن الحال عندئذ لا تخلو من أن تكون الرواية تقولًا منه لا عن سماع، فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث من باب قلة المبالاة والتهاون بالحديث، فيصير بذلك الراوي فاسقًا لا تقبل روايته أصلًا؛ لاستهانته بسنة رسول الله ﷺ، أو يكون منه عن غفلة ونسيان، ورواية المغفل لا تكون حجة.
٧٤٧- وهذا إن صح بالسنة لغير الصحابة وكبار الأئمة من التابعين فحاشا أن يكون هؤلاء كذلك، وهم العدول البررة الأطهار، الذين ضربوا السهم الوافر والقدح المعلى في توثيق سنة رسول الله ﷺ وتحريرها والالتزام بها قولًا وعملًا.
ومن أجل هذا فإن عمل أحدهم أو قوله بخلاف الحديث، يحمل على غير ما تقدم، وهو أنه علم نسخ حكم الحديث.
٧٤٨- ولكن لم يروه عندئذ؟ وقد علم أنه منسوخ الحكم؟ إنه يروي -كما يقول السرخسي-: إبقاء للإسناد، وإبقاء لما صدر فعلًا من رسول الله ﷺ ولا ضير حينئذ من هذه الرواية؛ لأن قوله أو عمله بخلافها يكون دليلًا على النسخ وعدم العمل به ولكن هذا لا يزيل توهم النسيان أو الغلط، فهذا يمكن أن يقع لكل إنسان وباعتبار هذا التعارض بين الرواية وبين القول أو العمل ينقطع اتصال الحديث ولا يكون حجة تبعًا لهذا٢.
٧٤٩- ومثال ذلك ما روى سليمان بن موسى لعبد الله بن جريح عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي
_________________
(١) ١ أصول السرخسي حـ٢ ص٦. ٢ المصدر ٧ السابق حـ٢ ص٦٠٥.
[ ٣٥٠ ]
ﷺ أنه قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١.
٧٥٠- إن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذر ابن الزبير، وكان عبد الرحمن أبو حفصة بالشام، ولم يعلم بهذا إلا بعد مجيئه، بدليل أنه غضب، وقال: أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ ولما علمت عائشة ﵂ غضبه قالت للمنذر: لتملكن عبد الرحمن أمرها، فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمرًا قضيته، فقرت حفصة عنده.
٧٥١- وهكذا رأت عائشة ﵂ أن تزويجها بنت أخيها بغير أمره جائز، وأن العقد صحيح، بدليل أنها أجازت التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح، وهذا يثبت استحالة أن ترى ذلك "مع صحة ما روت، فثبت فساد ما روي عن الزهري" وأيضًا فإنها لما أنكحت فقد جوزت نكاح المرأة نفسها دلالة؛ لأن العقد لما انعقد بعبارة غير المتزوجين من النساء فلأن ينعقد بعبارتها أولى، فيكون فيه عمر بخلاف ما روت٢.
٧٥٢- ومثل هذا ما روي عن ابن عمر ري الله عنهما في رفع اليدين قبل الركوع وبعد القيام منه، فقد روي جابر عن سالم بن عبد الله أنه رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة حين افتتحها، وحين ركع، وحين رفع رأسه، فسأله جابر عن ذلك فقال: رأيت ابن عمر ﵄ يفعل ذلك.
هذا وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، قال مجاهد: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. فعمله هذا بخلاف ما روي يدل على نسخ رفع اليدين قبل الركوع وبعده، فلا تقوم به الحجة٣.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٨٢. ٢ المصدر السابق حـ٣ ص٨٧٤. ٣ أصول السرخسي حـ٢ ص١٦.
[ ٣٥١ ]
أن النبي ﷺ قال: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثًا١.
٧٥٤- وشبيه بهذا أن يعمل بعض الأئمة من الصحابة بخلاف الحديث وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة، لأنه لما انطقع توهم أنه لم يبلغه، كما لا يظن به مخافة حديث صحيح عن رسول الله ﷺ، سواء رواه هو أو غيره، فأحسن الوجوه فيه أنه علم نسخه.
٧٥٥- ومثال هذا ما روي عن رسول الله، ﷺ: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة".
٧٥٦- وقد صح عن بعض الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم مع أنه كان لا يخفى عليهم الحديث؛ لشهرته لو صح، وصح عن عمر ﵁ قوله:"والله لا أنفي أحدًا أبدًا". وقول علي ﵁: "كفى بالنفي فتنة"..!.. فدل هذا على أن هذا الحكم الذي يتضمنه الحديث وهو الجمع بين الجلد والتغريب منسوخ٢.
٧٥٧- ومما هو جدير بالذكر أن النسخ -وإن كان لا يؤثر في صحة ثبوت الحديث ونسبته إلى رسول الله ﷺ، لكنه في مثل هذا الموقف وهو عرض الحديث على عمل الصحابي والقول به -من وجهة نظر المعارضين- انتقاص لحديث رسول الله، ﷺ، وترك له دون حجة وعدم الثقة به. وهذا يجعل القائلين به -من وجهة نظر المعارضين أيضًا- مثل الذين يتركون سنة رسول الله، ﷺ بلا دليل، بل هم يفتحون الباب لأعداء السنة الذيينفذون منه لردها؛ يقول الإمام الشافعي: "أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي ﷺ
_________________
(١) ١ المصدر السابق حـ٢ ص٦. ٢ المصدر السابق حـ٢ ص٧ وانظر رأي الإمام الشافعي في هذه المسألة في الأم حـ٢ ص١٢٠.
[ ٣٥٢ ]
أن يقال: قد كان هذا، ولعله منسوخ، فيرد علينا أهل الجهالة بالسنن بـ"لَعَلَّهُ"؟! ١
ونتعرف على وجهة النظر المقابلة، وإن كان بعضها بعد القرن الثاني الهجري لندرك ما قيمة هذه المقاييس عند الآخرين، وماذا فعلوا بالأحاديث التي ردها الأحناف؟
مناقشة الإمام الشافعي:
٧٥٨- لقد رد الإمام الشافعي هذه المقاييس بما رد به المقياسين الأولين: عرض الآحاد على الكتاب وعلى السنة المشهورة.
يقول: إنه لا يهمنا في قليل ولا كثير أن يوافق عمل بعض الصحابة أو رأيهم الحديث أو يخالفه؛ لأن الحديث يثبت نفسه، بأن يرويه الثقات عن رسول الله ﷺ، "فذلك ثبوته، وألا نقول على حديث ليثبت أن وافقه بعض أصحاب رسول الله، ولا يرد؛ لأن عمل بعض أصحاب رسول الله عملًا يخالفه؛ لأن بأصحاب رسول الله ﷺ والمسلمين كلهم حاجة إلى أمر رسول الله، وعليهم اتباعه، لا أن شيئًا من أقاويلهم تبع ما روي عنه ووافقه يزيد قوله شدة، ولا شيء خالفه من أقاويلهم يوهن ما روى عنه الثقة"٢.
٧٥٩- وإذا كان بعض الصحابة قد خالف الحديث فليس ذلك لأنه لم يصدر عن الرسول ﷺ، ولكن لأن كثيرًا منهم كان لا يبلغه الحديث فيفتي برأيه، أو يختلفون لأنهم لم يبلغهم ما قاله رسول الله ﷺ في موضوع اختلافهم، فالخبر حجة على كافة الأمة والصحابي محجوج به كغيره فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣ وقوله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُم
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث حـ٧ من الأم ص٢١٨. ٢ اختلاف الحديث ١٣٨. ٣ الأحزاب: ٣٦.
[ ٣٥٣ ]
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ وردا عامَّينِ من غير تخصيص لبعض الأمة دون بعض.
يقول الشافعي بعد ما بين أن بعض الصحابة عمل بما يخالف الحديث: "وفي هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ﷺ لا يعلم خلافه عن رسول الله، يقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجة على أحد علم أن رسول الله قال قولًا أو عمل عملًا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعمله"٢.
٧٦٠- ويذكر الشافعي أن غياب هذه الحقيقة عن بعض العلماء جعلهم يغلطون ويتخذونه مقياسًا لرد الحديث وتضعيفه.
يقول بعد أن بين أن كبار الصحابة اختلفوا حيث لم تبلغهم الأحاديث: "وإنما وضعت هذه الجملة لتدل على أمور غلط فيها بعض من نظر في العلم ليعلم من علمه أن من متقدمي الصحبة وأهل الفضل والدين والأمانة من يعزب عنه من سنن رسول الله الشيء يعلمه غيره، ممن لعله لا يقاربه في تقدم صحبته وعلمه، ويعلم أن علم خاص السنن إنما هو علم خاص بمن فتح الله له علمه، لا أنه عام مشهور كشهرة الصلاة وجمل الفرائض التي كلفتها العامة"٣.
٧٦١- إذن ثبوت الحديث أو رده ليس بمقياس عرضه على موقف الصحابة في موضوعه ليعلم هل اشتهر بينهم أو لا وهل الذين اختلفوا في موضوعه تحاجوا به أو لا؛ وإنما ثبوته بأن يرويه الثقات عن رسول الله ﷺ، وكما يقول بعض متأخري الحنفية الذين رفضوا هذه المقاييس: إن بعض مما تعم به البلوى صدر عن رسول الله ﷺ ولم يعلمه كثير من الصحابة، يقول ابن عمر ﵄: كنا نخابر٤ أربعين سنة
_________________
(١) ١ الحشر: ٧. ٢ اختلاف الحديث ص١٠١. وانظر باب صلاة الإمام جالسًا ومن خلفه قيامًا ص٩٨ وما بعدها. ٣ اختلاف الحديث ص١٣٧ - ١٣٨ وانظر ص١٩، ص٣٢. ٤ المخابرة: هي مزارعة الأرض بجزء مما يخرج منها كالثلث أو الربع وهو جزء معين من الخراج.
[ ٣٥٤ ]
حتى روي لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك" فانتهينا، فلا يلزم من عموم البلوى اشتهار حكمها؛ فإن حكم الفصد والحجامة
والقهقهة في الصلاة، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وقراءة الفاتحة خلف الإمام وتركها، والجهر بالتسمية وإخفائها وعامة تفاصيل الصلاة لم تشتهر مع أن هذه الحوادث عامة.
٧٦٢- والله ﷾ لم يكلف الرسول ﷺ بإشاعة جميع الأحكام؛ بل كلفه بإشاعة البعض، وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، مع أنه يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم بالمطموع أو المكيل بالمكيل حتى يستغني بالاستنباط عن ذكر الأشياء الستة فيجوز أن يكون ما يعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد، وعندئذ يكون صدق الراوي ممكنًا فيجب تصديقه.
٧٦٣- وإذا كان من المسلم به أن الأصل فيما تعم به البلوى الاشتهار -فإنه في بعض الأحيان يحدث عكس ذلك فقد يترك كل واحد من النقلة الرواية اعتمادًا على غيره، أو لعارض آخر من موت عامتهم في حرب أو وباء أو نحو ذلك وعلى سبيل المثال فقد نقل أن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ لما جمع الصحيح سمعه منه قريب من مائة ألف ولم تتصل الرواية إلا عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري١.
٧٦٤- وكما رفض الإمام الشافعي هذه المقاييس لتوثيق السنة أثبت مارده الأحناف تطبيقًا لها؛ إذ كان ما رووه يثبت عنده من حيث الثقة في رواته عدالة وضبطًا، ومن هذا أحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند القيام منه. وقد تقدم أن الأحناف لم يأخذوا بها، لأنها لم تشتهر مع أنها مما تعم به البلوى.
٧٦٥- وابتدأ الإمام الشافعي في إثبات هذه الأحاديث بروايتها وبيان ثبوتها من حيث السند، فذكر أن سفيان بن عيينة أخبره عن الزهري
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٣٧.
[ ٣٥٥ ]
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين".
وروي عن سفيان أيضًا، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يقول: حدثني وائل بن حجر قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه". قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء، فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس. ثم قال الشافعي: وبهذا نقول فنقول إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع رفعهما، وكذلك أيضًا إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة غير هذه المواضع ثم بين سبب اختياره لهذه الأحاديث وترك غيرها مما يخالفها قال: "لأنها أثبت إسناده منه، وأنها عدد والعدد أولى بالحفظ من الواحدة"١.
٧٦٦- ثم قال: إن بعض الناس يخالفه في هذا فيقول: إن الرفع لا يكون إلا في ابتداء الصلاة، ويحتج بحديث يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه ثم لا يعود، ولكن هل هذا الحديث صحيح؟ -إن سفيان الثوري يبين علة هذا الحديث فيقول: إنه سمعه من يزيد دون عبارة "ثم لا يعود" ثم قدم الكوفة فسأل يزيد عن هذا الحديث فزاد هذه العبارة فقال: "فظننت أنهم لقنوه.. فهذا هو سفيان يبين أنه يغلط في هذا الحديث وكان يرى أنه ليس بالحافظ. فهو -إذن- حديث ضعيف.
٧٦٧- وإذا كان حديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث من حديث يزيد؛ فإن معه أيضًا أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو حميد الساعدي، وكذلك حديث وائل بن حجر؛ "وثلاثة عشر حديثًا أولى أن تثبت من حديث واحد".
أضف إلى ذلك أن حديث الزهري أولى لأن فيه زيادة حفظ ليست في الحديث الآخر.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٢١١ - ٢١٢.
[ ٣٥٦ ]
٧٦٨- ويقول الشافعي: إن من يروون حديث رفع اليدين قبل الركوع وبعده يقولون: إن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر وقال: إن عليًّا وابن مسعود أعلم منه وهما لم يروياه ولم يفعلاه. ويرد عليهم بأنهما ربما روياه ولم يسمعه أو فعلاه وخفي عنه، وإذا أخذنا بهذا المبدأ -مبدأ نفي الحديث لأن فلانًا أو فلانًا لم يروه فمعناه أننا نترك فعل النبي ﷺ إلى فعل غيره وترك غيره١.
٧٦٩- وقال بعض من يردون هذا الحديث: إن وائل بن حجر أعرابي ومعنى هذا أنه روى حديثًا كان غيره من غير الأعراب أولى بروايته، فرد الشافعي بأنكم قبلتم من هو دونه وتروون عنه مثل قرثع الضبي وقزعة وسهم ابن منجاب. وقد روى إبراهيم النخعي عنهم، فكيف تردون حديث رجل من الصحابة وتروون عمن دونه٢؟.
٧٧٠- وهكذا نرى أن أساس رفض هذا الحديث هو عدم روايته عن علي وابن مسعود، وكان الأولى أن يروياه لأنه من الأمور المشهورة التي تعم بها البلوى وكان تثبيت الشافعي للحديث يقوم على أساس أن غيرهما رواه وكفى بهم أخذًا للحديث واطمئنانًا إليه٣.
وحديث مس الذكر أوضح من هذا في توضيح موقف من يأخذ بمقياس صحة ما تعم به البلوى إذا كان مشهورًا وعدم صحة الآحاد منه.
٧٧١- لقد روت هذا الحديث الصحابية الجليلة بسرة بنت صفوان، وهو كما رواه الإمام الشافعي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء، فقال عروة: وما علمت ذلك؟ فقال مروان: أخبرتني
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢١٦ - ٢١٧. ٢ اختلاف الحديث ص٢١٧- ٢١٨. ٣ انظر طرق هذا الحديث في نصب الراية حـ١ ص٣٩٢.
[ ٣٥٧ ]
بسرة ابنة صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ"١.
وهذا الحديث من حيث سنده صحيح، فقد قال الترمذي فيه -بعد أن رواه عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة- "حديث حسن صحيح".
٧٧٢- ويشير إلى أن بسرة لم تنفرد به فقد روي عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي، وأبي هريرة وأروى ابنة أويس وعائشة وجابر وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو.
٧٧٣- وفي بعض هذه الأحاديث ما نص بعض الأئمة على صحته، قد قال ابن السكن في حديث أبي هريرة: هو أجود ما روي في هذا الباب وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم وابن عبد البر٢. وقد رواه الإمام الشافعي مستدلًا به على الوضوء من مس الذكر٣.
وحديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة وقال ابن السكن: لا أعلم به علة.
وحديث جابر أخرجه ابن ماجه والأثرم، وقال ابن عبد البر: إسناده صالح وقال الضياء المقدسي: ما أعلم بإسناده بأسًا. وإذا كان الشافعي قد ذكر أنه سمع غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فيه جابرًا٤ فإن المرسل هنا حجة عنده وعند مالك وأبي حنيفة.
وحديث عبد الله بن عمر أخرجه أحمد والبيهقي. وقال الترمذي في العلل عن البخاري: هو عندي صحيح. وإذا تركنا الترمذي إلى غيره من الأئمة وجدنا أبا داود يسأل الإمام أحمد بن حنبل: حديث بسرة ليس بصحيح؟
_________________
(١) ١ الأم حـ١ ص١٥. ٢ تحفة الأحوذي ص٢٧٠ جـ١. ٣ الأم حـ١ ث ص١٥. ٤ الأم ص١٦ جـ١.
[ ٣٥٨ ]
فيجيبه: بل هو صحيح. ويقول الدارقطني عنه: صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد ابن الشرفي والبيهقي والحازمي. ويقول المباركفوري: "كل ما طعنوا به في صحة حديث بسرة هذا فهو مدفوع والحق أنه صحيح١.
٧٧٤- ومع صحته على هذا النحو من حيث السند لم يأخذ به الأحناف لأنه مما تعم به البلوى، ومع هذا ترويه امرأة، ولا يشتهر كما ذكرنا سابقًا.
٧٧٥- وأخذوا بحديث آخر وهو حديث ملازم بن عمرو عن عبد الله ابن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه؟ ".
وقال الترمذي بعد روايته وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ويعني التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك٢.
٧٧٦- وعلى الرغم مما قالوه في حديث طلق هذا أيضًا إلا أن الراجح أنه كحديث بسرة صحيح، وإن كان حديثها أصح وأثبت من حديثه٣.
٧٧٧- وقد كان من الممكن أن يقول الحنفية كما قال غيرهم: إن هذين الحديثين صحيحان وأن المتقدم منهما منسوخ بالآخر المتأخر، لوجود بعض العوامل التي تدعو إلى ذلك، منها أن طلقًا روى حديثًا في المنع فدل ذلك على أنه شاهد الحالتين وروى الناسخ والمنسوخ٤. ومنها أن مع حديث بسرة الاحتياط، والاحتياط بالوضوء أبلغ ومنها ما يروى عن النبي ﷺ بإسناد صحيح: أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه وهذا يدل على أن الذكر لا يشبه سائر الجسد.
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي جـ١ ص٢٧٠ - ٢٧٢. ٢ صحيح الترمذي جـ١ ص٢٧٤ - ٢٧٥ على شرح تحفة الأحوذي. ٣ صحيح الترمذي جـ١ ص٢٧٤ - ٢٧٥ على شرح تحفة الأحوذي. ٤ تحفة الأحوذي حـ٢ ص٢٧٨.
[ ٣٥٩ ]
ومنها أن حديث طلق يأتي على الأصل وحديث بسرة يأتي على غير الأصل فكان من المعقول أن الأصل كان أولًا ثم نسخ.
ومنها أن طلق بن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سني الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ وأبا هريرة الذي روى مثل حديث بسرة كان إسلامه سنة سبع من الهجرة أي خبره بعد خبر طلق بهذه المدة، ولم يثبت أن طلقًا له رجوع إلى المدينة بعد ذلك١.ولم يكن عليهم من بأس حينئذ مع وجود القائلين بالرخصة من أجلَّة الصحابة مثل ابن مسعود وابن عباس؛ لأن ما ذهبوا إليه لا يكون فادحًا بعد ثبوت الآثار المرفوعة، والعذر من قِبَلهِم أنهم قد بلغهم حديث طلق وأمثاله ولم يبلغهم ما ينسخه، ولو وصل قالوا به، وليس هذا بمستبعد، فقد ثبت انتساخ التطبيق في الركوع عند جمع، ولم يبلغ ابن مسعود، حتى دام على ذلك مع كونه ملازمًا للرسول عليه الصلاة والسلام٢.
كان من الممكن أن يقولوا ذلك، ولكن عدم شهرة هذا الحديث وهو مما تعم به البلوى هو الذي جعلهم يتركون حديث بسرة ويذهبون إلى ما هو مرجوح.
٧٧٨- وإذا كان موضوع مس الذكر مما تعم به البلوى حقًّا كما يقول الأحناف، إلا أنه يعتبر من النماذج التي تكون كذلك ولا تشتهر لاتصاله بالعضو الجنسي الذي يميل الكثير إلى عدم ذكره، ولا يقال، فلم روته بسرة -إذن- وهي امرأة؟ نقول: ربما كانت عندها جرأة ليست عند الرجال فيما يتصل بأمور الدين وخاصة عندما رأت الرجال معرضين عن ذكره، وهو من أمور الدين التي لا ينبغي كتمانها، وربما اضطرت إلى ذلك لتعليم بعض النشء الذي لا يعلم هذا الحكم الشرعي، وتربية النشء تتعرض لها المرأة أكثر مما يتعرض لها الرجل.
_________________
(١) ١ المصدر السابق حـ١ ص٢٧٩. ٢ تحفة الأحوذي حـ١ ص٢٨٠.
[ ٣٦٠ ]
٧٧٩- ولنتناول مثالًا آخر من الأمثلة التي رفضها الأحناف تطبيقًا للمقياس الثاني وهو ترك الصحابة العمل بالحديث مما يدل على أنه غير صحيح وهو حديث "وجوب الزكاة في أموال اليتامى".
٧٨٠- يقول الإمام الشافعي راويًا هذا الحديث: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريح عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى حتى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة"١ وقال الشافعي: إن هذا إسناد منقطع٢.
وأخرج الترمذي عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
وقال الترمذي بعد روايته هذا الحديث: إنما يروي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال: لأن المثنى يضعف في الحديث.
٧٨١- وقد ترك الأحناف هذا الحديث لأنه روي أن بعض الصحابة اختلفوا في الموضوع، ولم يحاجوا بالحديث، تركوه مع أن الحديث الذي رواه الشافعي يصلح حجة عندهم، لأنه من مراسيل أهل القرون الثلاثة الذين يحتجون بمراسيلهم.
٧٨٢- أما الإمام الشافعي فقد أيد هذا الحديث المنقطع بما رواه من الآثار الموقوفة وتدل على أن بعض الصحابة أخذ بذلك ونحن نعلم أن من أسباب كون المرسل حجة عند الشافعي أن يوافقه ما يروي عن بعض صحابة رسول الله ﷺ من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم.
روى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني وأخالي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
_________________
(١) ١ الأم جـ٢ ص٢٣ - ٢٤ وفي ص٢٥ يتبين أن الشك من الشافعي. ٢ المصدر السابق حـ٢ ص٢٥.
[ ٣٦١ ]
وروى عن سفيان عن أيوب بن موسى، ويحيى بن سعيد، وعبد الكريم بن أبي المخارق كلهم بخبر عن القاسم بن محمد: كانت عائشة ﵂ تزكي أموالنا وإنه ليتجر بها في البحرين.
وروى عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عيتبة أن عليًّا ﵁ كانت عنده أموال بني رافع؛ فكان يزكيها كل عام.
وروي عن سفيان بن عينيه عن عمرو بن دينار أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة١. إذن الحديث المنقطع هنا في حكم المتصل موضوع حجة ولهذا أخذ به الإمام الشافعي.
٧٨٣- وتأييده لهذا الحديث بالمعقول ويعرضه على الأصول يعطينا نموذجًا على أن الإمام الشافعي لم يكن يغفل توثيق المتن من حيث معناه، وإن كان لا يعتبر أن هذا الفيصل في رد الحديث أو عدم توثيقه فقال: "الناس عبيد الله جل وعز، فملكهم ما شاء أن يمكلهم، وفرض عليهم فيما ملكهم ما شاء، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فكان فيما آتاهم أكثر مما جعل عليهم فيه، وكل أنعم فيه عليهم جل ثناؤه، فكان فيما فرض عليهم فيما ملكهم زكاة، أبان أن في أموالهم حقًّا لغيرهم في وقت على لسان نبيه ﷺ، فكان حلالًا لهم ملك المال، وحرامًا عليهم حبس الزكاة، لأنه ملكها غيرهم في وقت كما ملكهم أموالهم دون غيرهم فكان بينًا فيما وصفت وفي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢ أن كل مالك تام الملك، من حر له مال فيه زكاة سواء في أن عليه فرض الزكاة بالغًا كان أو صحيحًا أو معتوهًا أو صبيًّا؛ لأن كلا مالك ما يملك صاحبه، وكذلك يجب في ملكه ما يجب في ملك صاحبه، وكان مستغنيًا بما وصفت من أن علي الصبي
_________________
(١) ١ الأم حـ٢ ص٢٤ - ٢٥. ٢ التوبة: ١٠٣.
[ ٣٦٢ ]
والمعتوه الزكاة عن الأحاديث؛ كما يلزم الصبي والمعتوه نفقة من تلزم الصحيح البالغ نفقته، ويكون في أموالهم جنايتهما على أموال الناس كما يكون في مال البالغ العاقل، وكل هذا حق لغيرهم في أموالهم فكذلك الزكاة والله أعلم"١.
٧٨٤- وهذا يقودنا إلى أن الإمام الشافعي ﵁ فعل مثل ما يفعل الأحناف من عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم، ولكن بهدف آخر غير ما هدفوا إليه وهو تأييد الأحاديث الثابتة وتقويتها والرد على مخالفيها وتاركيها مع ثبوتها من وجهة نظره ونظر من يسير في اتجاهه.
٧٨٥- وهو ينص على أن من أسباب الترجيح عنده وتقوية الحديث أن يعمل به عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم فيقول: "أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله ﷺ أو أولى بما يعرف أهل العلم أو أصح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله"٢.
٧٨٦- وقد تقدم تطبيقه في تقوية الأحاديث بالعرض على كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، وطبق عرضها هنا على عمل أكثر الصحابة في حديثي الإسفار والتغليس، وقد سبق عرضنا لهذين الحديثين، وترجيح الشافعي لأحدهما بعد عرضهما على كتاب الله وعلى السنة الأخرى لرسول الله ﷺ.
٧٨٧- قال الشافعي مرجحًا حديث التغليس والدخول في الصلاة في أول وقت الصبح: "وإن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس ابن مالك وغيرهم مثبت٣.كما فعل ذلك في باب الحجامة للصائم.
_________________
(١) ١ الأم حـ٢ ص٢٣. ٢ الرسالة ص٢٨٥. ٣ المصدر السابق ص٢٨٩.
[ ٣٦٣ ]
٧٨٨- فقد روى حديين مختلفين وهما:
أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: كنت مع النبي زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: "أفطر الحاجم والمحجوم".
أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم محرمًا صائمًا.
٧٨٩- وهذان الحديثان وإن كانا مشتبهين في الإسناد إلا أن الثاني وهو حديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا ولهذا اختاره ورجحه على حديث شداد ابن أوس، لأنه فوق ذلك يحفظه عن بعض أصحاب رسول الله والتابعين وعامة المدنيين١.
٧٩٠- وإذا كان الإمام الشافعي قد رد على الأحناف ردًّا هادئًا متأنيًا -فإننا نجد الإمام ابن حزم الظاهري "٣٨٤ - ٤٥٦هـ" يرد عليهم ردًّا عنيفًا في اتخاذهم هذين المقياسين وما يشبههما، ويجدر بنا أن نعرض لهذا الرد تاكيدًا لرأي الإمام الشافعي وزيادة بيان لقيمة هذين المقياسين عند الآخرين.
٧٩١- قال ابن حزم: إننا وجدنا الصاحب من الصحابة رضوان الله عليهم يبلغه الحديث ويأتي عمله لنا على خلافه ولا يدل هذا على أنه رده أو على أنه غير صحيح، فقد يكون متأولًا له، كما وجدناهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، فقد قال أبو هريرة: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم". وقال البراء: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله ﷺ، ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل.
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢٣٦ - ٢٣٨.
[ ٣٦٤ ]
٧٩٢- ثم ذكر ابن حزم الأمثلة التي تدل على أن الأحاديث كانت تخفي على بعضم، فهذا أبو بكر ﵁ لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر ﵁ في كم كفن رسول الله ﷺ.
وهذا عمر ﵁ يقول في حديث الاستئذان: أخفى على هذا من أمر رسول الله ﷺ؟ ألهاني الصفق في الأسواق.
وقد جهل أيضًا أمر إملاص المرأة١، وعرفه غيره وغضب على عيينه بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ .
وخفي عليه أمر رسول الله ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي هذا أيضًا على أبي بكر طوال مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم، فلم يترك بها منهم أحدًا. وخفي على عمر أيضًا أمره ﵊ بترك الإقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.
وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاهما رسول الله ﷺ أعوامًا كثيرة.
ولم يدر ما يصنع بالمجوس، حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله ﷺ فيهم ونسي قبوله ﵇ الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعله ﵁ قد أخذ من ذلك المال حظًّا كما أخذ غيره منه.
ونسي أمره ﵇ بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدًا ولا يصلي ما لم يجد الماء، وذكره بذلك عمار.
_________________
(١) ١ في الحديث أن عمر سأل عن إملاص المرأة الجنين: فقال المغيرة بن شعبة قضى فيه النبي ﷺ بغرة "أراد بالمرأة الحامل تضرب فتملص جنينها أي تزلقه قبل وقت الولادة "اللسان".
[ ٣٦٥ ]
وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك فأمسك.
وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى خبر بأن رسول الله ﷺ أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن.
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي ﷺ أمره بالمساواة بينهما فترك قوله وأخذ بالمساواة.
وكان يرى أن الدية للعصبة فقط، حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي ﷺ ورث المرأة من الدية؛ فانصرف عمر إلى ذلك.
ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالًا بمهور النبي ﷺ حتى ذكرته امرأة بقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١ فرجع عن نهيه.
وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة". فأمر ألا ترجم، وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها.
وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله ﷺ فسكت عمر.
٧٩٣- ويواصل ابن حزم رده على الأحناف ومن ينهج نهجهم فيقول: إنه قد خفي على الأنصار وعليه المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وهذا مما تكثر البلوى، وخفي على عائشة وأم حبيبة أميّ المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسائر الجلة من فقهاء المدينة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار، وكل هذا تعظم البلوى به وتعم.
٧٩٤- "وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين: إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل فيه خبر الواحد".
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٢٠.
[ ٣٦٦ ]
٧٩٥- "والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارًا خالفها غيرهم تعم بها البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم، وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدًّا"١.
واستطرد ابن حزم في ذكر الأمثلة التي تدل على أن بعض الصحابة والكبار منهم يتركون الحديث مع شهرته للجهل به ونكتفي بما أوردناه٢.
٧٩٦- على أنه إنصافًا للأحناف نقول: إن هذا الحشد من الأمثلة التي ذكرناها لا ينطبق عليها من وجهة نظرنا ما يهدف إليه وهو كونها مما تعم به البلوى ولا يشتهر، وذلك مثل الاقتراب على الوباء، وكفن رسول الله ﷺ، ونفور النساء قبل ورود البيت، وتوريث المرأة من الدية وغير ذلك.
٧٩٧- فإذا كان من الممكن التسليم بجهل بعض الصحابة بعض الأخبار التي تعم بها البلوى -فإنه ليس من الكثرة كما ذكر ابن حزم، فبعضها لا يعم به البلوى ولا يحدث كثيرًا ويتجدد بحيث يشتهر ويعلمه جميع الصحابة.
٧٩٨- على أن الذي يعنينا أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا الأجلاء وعلى رأسهم أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي -قد وثقوا متن الحديث أو نقدوه بعرضه على عمل الصحابة وآرائهم ومدى شهرته بينهم، وإن تفاوتوا في درجات الأخذ بذلك، ولم يقفوا جامدين أمام موضوعات الأحاديث وما تحمل من أدلة للاستنباط مكتفين بالثقة في أسانيدها ورجالها كما رماهم بذلك الجاهلون.
وننتقل إلى مقياس آخر عمل به بعض العلماء، وهو شبيه بمقاييس هذا الفصل لأنه يتعلق بالعمل أو الفتوى وإن كانا هنا في الفصل المقبل يختصان ببلد معين وهو المدينة.
_________________
(١) ١ الإحكام ٢- ١٤٣ - ١٤٤. ٢ انظر الإحكام ٢/ ١٤٤ - ١٤٨.
[ ٣٦٧ ]
الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة
٧٩٩- ما لا شك فيه أن للمدينة مكانتها العلمية الكبيرة التي لا يسمو إليها غيرها من بلدان العالم الإسلامي في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ لأنها -كما يقول الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد "١٧٥هـ"- موطن هجرة رسول الله ﷺ. وبها أسس الدولة الإسلامية، "وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام ورسول الله ﷺ بين أظهر أهلها يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، وبعد وفاته، ﷺ قام من بعده الصحابة، رضوان الله عليهم وهم أتبع الناس له من أمته، فما نزل بهم أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم كان التابعون فيها من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن"١.
٨٠٠- ومن أجل هذه المكانة كان ينظر إليها كثير من الفقهاء نظرة إكبار، ويعتبرون أن أقوال أهلها وعملهم خير من عمل غيرهم. ولكن، إلى أي مدى كان هذا الإكبار وذلك الاعتبار؟.
٨٠١- إن الإمام مالكًا وبعض العلماء يرون أن الأمر إذا كان ظاهرًا معمولًا به فيها فليس لأحد خلافه؛ للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، فهم الذين على ثقة مما يأخذون وما يعملون "ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا- لم يكونوا من ذلك على ثقة ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"٢ ومن ناحية أخرى فهم كانوا أطلب الناس لما ذهب علمه عنهم، "منها يسألون عنها على المنبر وعلى المواسم وفي المساجد وفي عوام الناس، ويبتدءون فيخبرون بما لم يسألوا عنه، فيقبلون ممن أخبرهم ما أخبرهم إذا ثبت لهم -فإذا حكم أحدهم الحكم فهو موافق لسنة رسول الله ﷺ، وغير مخالف له، فيقدم حديث غيرهم إذا خالفهم"٣.
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك ١/ ٦٤. ٢ ترتيب المدارك ١/ ٦٥. ٣ الأم ٧/ ٢٤٢.
[ ٣٧١ ]
٨٠٢- وفريق آخر يخفف من هذه القيمة التي أعطاها الفريق الأول لعمل أهل المدينة، فحقيقة كانت المدينة موطن السابقين من المهاجرين والأنصار، ولكنهم خرجوا للجهاد في سبيل الله، وتفرقوا في الأمصار المختلفة يعلمون الناس تعاليم الله، وأصبحت هذه الأمصار بفضل دعوتهم ونشر علمهم، وبفضل المتابعة العلمية من الخلفاء -تحمل علمًا كثيرًا ربما يضارع في القرن الثاني الهجري علم أهل المدينة بالإضافة إلى ذلك فقد اختلف التابعون فيما بينهم في المدينة، بل ربما اختلف الواحد منهم في فتواه، عندما يفتي في الموضوع الواحد أكثر من مرة الأمر الذي جعل علماء الأمصار الآخرين يلتمسون الفتوى الصحيحة فيما صح عن رسول الله ﷺ عند غيرهم؛ لأنها عازبة عنهم ورواها الصحابة في الأمصار التي انتقلوا إليها.
٨٠٣- وقد بين ذلك الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك بن أنس، وكان قد أرسل إليه الأخير أنه يفتي بغير ما يفتي به أهل المدينة وقال له: "بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه"١.
ثم أفاض الإمام مالك في بيان فضل المدينة وما فيها من علم وعمل كما سبق أن ذكرنا.
٨٠٤- فرد عليه الإمام الليث برسالة: "وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ بفتياهم فيما اتفقوا عليه -مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا
_________________
(١) ١ كتاب المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان العيسوي "ت ٢٧٧" - تحقيق د. أكرم ضياء العمري - مطبعة الإرشاد بغداد - ١٣٩٤هـ - ١٩٧٤ م مج١ ص ٦٩٥ - ٦٩٧ "نص الرسالة كاملًا" - ترتيب المدارك حـ١ ص٦٤.
[ ٣٧٢ ]
به تبعًا لهم فيه، فكما ذكرت. وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ١ -فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتموهم شيئًا علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون لله كتاب الله وسنة نبيه، ويجهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين، والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره إن أصحاب رسول الله، ﷺ قد اختلفوا بعد الفتيا في أشياء كثيرة ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ، سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا٢".
٨٠٥- وكانت هذه النظرة وتلك هما الأساس في اختلاف بعض الموقف التي اتخذها كل فريق من بعض المسائل، ويهمنا الآن بيان موقف كل منهما من سنة الآحاد إذا تعارضت مع عمل أهل المدينة.
٨٠٦- ويوضح القاضي عياض موقف الإمام مالك من خبر الآحاد مع عمل أهل المدينة بأنه على ثلاثة وجوه:
_________________
(١) ١ التوبة: ١٠٠. ٢ كتاب المعرفة والتاريخ مج١ ص ٦٨٧ - ٦٩٥ "نص الرسالة كاملًا" - أعلام الموقعين جـ٣ ص٧٢ - ٧٤.
[ ٣٧٣ ]
الوجه الأول:
وهو ما يكون العمل مطابقًا لأخبار الآحاد، فهذا يؤكد صحتها إن كان العمل من طريق النقل، ويرجحها إن كان من طريق الاجتهاد.
الوجه الثاني:
يكون عمل أهل المدينة مطابقًا لخبر يعارضه خبر آخر، وفي هذا الوجه يكون عملهم مرجحًا للخبر الذي يوافقه، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت.
٨٠٧- ويقول ابن تيمية في هذا الوجه مبينًا رأي مالك وغيره: "إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة وفيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجع بعمل أهل المدينة ومذهب أبي حنيفة لا يرجح بعمل أهل المدينة ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجع.
والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به. وقيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه: إذا رأى أهل المدينة حديثهما وعملوا به، فهو للغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويقدمه على مذهب أهل العراق، ويقول: إنهم أتبع للآثار"١.
الوجه الثالث:
أن يكون عمل أهل المدينة مخالفًا للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر، إذ يشبه العمل هنا التواتر ويفيد القطع واليقين، ولا يتركان لغلبات الظنون، وهذا مثل مسألة "الصاع" و"المد" والوقوف،
_________________
(١) ١ صحة أصول مذهب أهل المدينة: ابن تيمية - مكتبة المتنبي ص٢٧.
[ ٣٧٤ ]
وزكاة الخضروات، فقد نقلوا مقدار الصاع والمد ونقلوا صدقة الخضروات والأحباس١.
٨٠٨- ويقول ابن تيمية: إن هذا الوجه حجة باتفاق العلماء الشافعي وأحمد وأصحابهما، كما هو حجة عند مالك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وقد اجتمع أبو يوسف بمالك، وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف إلى قوله وقال: "لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت"٢.
٨٠٩- وهذا يدل على أن أبا حنيفة حين خالفهم في مقدار الصاع والمد مثلًا فإنما خالفهم لأنه لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه وغيره من الأئمة كثير من الحديث، فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه. وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد، وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان سيرجع إليها لو بلغته وصحت عنده.
٨١٠- إذن ليس الاختلاف في اعتماد نقل أهل المدينة على هذا النحو، وإنما لعلم بعضهم بأن ما يعلمه أهل المدينة على النقل على حين لا يعلم بعضهم الآخر ذلك.
٨١١- ومثل هذا في كونه حجة عند مالك العمل القديم قبل مقتل عثمان بن عفان ﵁، لأن أهل المدينة في عهد الخلفاء الثلاثة عملوا بسنة رسول الله، ﷺ وما خالفوها أما العمل المتأخر فليس بحجة على قول المحققين من أصحاب مالك، وكذلك عند الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم.
٨١٢- والدليل على أن العمل المتأخر لا ينظر إليه مالك على أنه حجة يجب على جميع الأمة اتباعه إن خالف النصوص إنه لم يوافق الرشيد أو غيره
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك حـ١ ص٧٠ - ٧١. ٢ صحة أصول مذهب أهل المدينة ص٢٣.
[ ٣٧٥ ]
أن يحمل الناس على موطئه، وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت أهل بلدي١، فهو إذن مع الإمام الليث في أن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وأخذ عنهم أهل البلدان التي ذهبوا إليها.
٨١٣- أما إذا كان العمل في هذا الوجه من غير طريق النقل، فإن الإمام مالكًا يأخذ بالخبر إذا صح عنده.
٨١٤- ويذكر ابن تيمية أنه إذا كان مالك في الموطأ يذكر الأصل المجمع عليه عند أهل المدينة على كل الوجوه السابقة؛ فإنه يحكي مذهبهم سواء أأخذ به أم لم يأخذ.
٨١٥- ويبدو أن بعض أصحاب مالك لم يفهموا منه هذا فأخذوا بما يخاف ما رواه من الأحاديث -من عمل أهل المدينة، وإن كان مالك لا يأخذ به وإنما حكاه عنهم فقط. وسنرى ذلك من خلال مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء.
الليث بن سعد وعمل أهل المدينة:
٨١٦- وقبل أن نعرض لمناقشة الإمام الشافعي تشير إلى إنكار عالمين كبيرين معاصرين للإمام مالك بعض ما يفتي به أهل المدينة ويعملون به مخالفين السنة. وهما اليث بن سعد، ومحمد بن الحسن الشيباني.
٨١٧- وقد ذكر الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك أنه ينكر ما ذهب إليه بعض العلماء بالمدينة، وربما منهم الإمام مالك من القول يجواز جمع أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، وقال له: إن مطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا لم يجمع إمام قط في ليلة
_________________
(١) ١ صحة أصول مذهب أهل المدينة ص٢٨. وهناك رواية تقول: إن هذا القول كان للمهدي، وأخرى تقول: إنه للرشيد. انظر كلمة عن الموطأ للأستاذ د. محمد كامل حسين في مقدمة الموطأ "طبعة الشعب" ص٢٧.
[ ٣٧٦ ]
مطر، وفيهم من الصحابة اللذين ينفذون سنة رسول الله، ﷺ أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل الذي قال فيه رسول الله، ﷺ: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل". وشرحبيل
بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.
وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وكان بحمص سبعون من أهل بدر وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله ﷺ فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط١.
٨١٨- إذن كان في المدينة عمل يخالف ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ في أماكن أخرى من أمصار الدولة الإسلامية. وهذا يجعل عمل الناس فيها وفتوى علمائها محل نظر وتمحيص وأخذ ورد.
٨١٩- وانتقل الإمام الليث إلى مثال آخر مما ينكره على أهل المدينة؛ لأنهم خالفوا فيه السنة، وما عليه أصحاب رسول الله، ﷺ الذين التزموا بالسنة خير التزام، قال له: إنه يقضي في المدينة بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، ولم يقض به أصحاب رسول الله، ﷺ بالشام وحمص وبمصر والعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم لما ولي عمر بن عبد العزيز -وهو قد أحيا السنن- كتب إليه زريق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أورجل وامرأتين وعمر بن عبد العزيز أيضًا لم يجمع بين العرب والعشاء قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان بخناصر ساكنًا٢.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين حـ٣ ص٧٤. ٢ أعلام الموقعين حـ٣ ص٧٤.
[ ٣٧٧ ]
٨٢٠- إلى غير ذلك من الأمثلة التي ساقها الإمام الليث بن سعد ليدل على أن المدينة لا تختص دون غيرها بعمل الصحابة والالتزام بالسنة والنظر إليها على أنها موضع حجة على غيرها من البلدان الإسلامية، وإعطاء علمائها الحق الذي ليس لعلماء الأمصار الأخرى ومحاجتهم بعملها وإجماعها فهي كغيرها قد تأخذ بغير السنة عندما يغيب عن علمائها العلم بها، ومن هنا فلا يصح أن يكون عمل أهلها مقياسًا في أيديهم يأخذون به ويدعون من الروايات.
مناقشة محمد بن الحسن:
٨٢١- وقد ناقش أهل المدينة في مقياسهم هذا أيضًا الإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي كان من مدرسة أخرى لا ترى هذا الحق الذي يرفض به بعض أهل المدينة بعض السنن.
٨٢٢- وكان الإمام محمد بن الحسن قد تتلمذ على الإمام مالك وأخذ عنه الموطأ، ودرس فقه أهل المدينة وما هم عليه من عمل وما به يحتجون على الآخرين، ولهذا كان أقدر على مناقشتهم، وبيان ما بينهم وبين مدرسة أهل العراق -التي ينتمي إليها- من خلاف، وإظهار ما يراه حقًّا. ويخالفهم فيه.
٨٢٣- وتجلى هذا في الموطأ الذي رواه عن الإمام مالك شيخه، كما تجلى في كتاب الحجة الذي ألفه للرد عليهم خاصة في مسائل الخللاف التي بينه وبينهم.
٨٢٤- وهذا الكتاب يعد أكثر كتب الإمام محمد بن الحسن الفهقية التي تشتمل على الأحاديث والأخبار؛ لأنه كان يريد الإكثار من الأحاديث والأخبار محاولًا أن يثبت لأهل المدينة أن أهل العراق لا يقلون عنهم معرفة بالسنن والآثار إن لم يكونوا أكثر منهم "ولذا كان في مناقشته يشير إلى الاحتجاج بالأحاديث، وأنه يعرف الكثير منها وأن أهل المدينة لا يعرفون
[ ٣٧٨ ]
الآثار أو يعرفونها ويتركونها، وإن ظنوا غير ذلك"؛ لأن العمل بالمدينة على خلافها١.
٨٢٥- يقول لهم مثلًا في باب المرور بين يدي المصلي: "ولو أردنا أن نحتج عليهم بأحاديث كثيرة من الأحاديث في هذا ونحوه لاحتججنا عليهم لكن احتجاجنا بأحاديثهم أوجب في الحجة عليهم٢.
وفي باب المسح على الخفين يقول: "الآثار في المسح للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها كثيرة معروفة، وما كنت أظن أحدًا ممن نظر في الفقه يشكل عليه الآثار في هذا"٣.. ويقول: إن هؤلاء يروون عن ابن شهاب الزهري المسح على ظاهر الخفين وباطنهما، ولكن مالك بن أنس يروي خلاف ذلك، فهو يروي عن هشام بن عروة أنه رأى أباه يمسح على الخفين. وكان يمسح على ظاهرهما ويمسح على باطنهما وعقب على ذلك بقوله: فهذا قول عروة، وهو كان أفقه وأعلم بالرواية عن ابن شهاب٤.
٨٢٦- وهو يؤكد في هذا الكتاب أن اتباع الأوثق من السنة هو الواجب دون غيره، فيقول في "باب الوتر": "قد جاءت في الوتر أحاديث مختلفة، فأخذنا بأوثقها، فرأينا أن يوتر بالأرض ولا يوتر على بعيره؛ لأن الفقهاء شددوا في الوتر ما لم يشددوا في غيرها من الصلوات، سوى الصلوات الخمس، فقال بعضهم: سنة لا ينبغي تركها، وقال بعضهم: واجبة، ورووا في ذلك حديثًا؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الله قد زادكم صلاة يعني الوتر" وقد اختلف في الوتر بعينها: فروي أن ابن عمر ﵄ كان ينزل بالأرض فيوتر عليها، ويروي ذلك عن النبي ﷺ، فأخذنا بأوثقها وأشبهها بالحق، وبما جاءت
_________________
(١) ١ الإمام محمد بن الحسن ص٣٤٩. ٢ الحجة: ص٤٢. ٣ المصدر السابق ص٢٤. ٤ الحجة: ص٣٩.
[ ٣٧٩ ]
به الآثار من التشديد في الوتر"١. وكأنه يريد أن يقول لأهل المدينة: هذا هو الطريق الأمثل لا ترجيح العمل على السنة.
مناقشة الإمام الشافعي:
٨٢٧- وقد ناقشهم الإمام الشافعي لأن القول بعمل أهل المدينة في بعض المسائل مقياس غير قائم على أساس صحيح إذا كان يخالف السنة الصحيحة وخاصة ما يرويه الإمام مالك منها وهو منهم.
٨٢٨- لقد كانت مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء تقوم أساسًا على دعامتين، كما يفهم ذلك واضحًا وصريحًا في "كتاب اختلاف مالك والشافعي" من كتاب الأم٢.
الدعامة الأولى:
مناقشتهم فيما يرويه الإمام مالك من الأحاديث التي يخالفونه فيها، فأدلته للرد عليهم تعتمد على هذه الأحاديث. وهذا يجعلنا نرى أن هذه الترجمة خاطئة؛ لأن الشافعي لا يختلف مع مالك هنا، وإنما يختلف مع بعض أصحابه الذين جروا وراء عمل بعض الأئمة فيها وتركوا ما يرويه مالك لفهم خاطئ مؤداه: أن مالكًا عندما ينص على العمل في المدينة يعمل به كما أشرنا.
الدعامة الثانية:
وهي ما يردده الإمام الشافعي مرارًا وتكرارًا من أن حديث رسول الله، ﷺ يثبت إذا حدث الثقة عن الثقة به حتى ينتهي إلى رسول الله، ﷺ. وأن حديث رسول الله، ﷺ إذا ثبت على هذا النحو فهو مستغن بنفسه، ولا يلتفت إلى ما يخالفه مما يروى عمن هو دون رسول الله ﷺ؛ لأن حديث رسول الله
_________________
(١) ١ الحجة: ص٤٤. ٢ الأم حـ٧ ص١٧٧ - ٢٤٩.
[ ٣٨٠ ]
ﷺ أولى أن يؤخذ به، ولو علمه من روى عنه خلاف لسنة رسول الله ﷺ ما خالفه١.
مناقشة دعوى الإجماع:
٨٢٩- وإذا كان هؤلاء يدعون أنهم يثبتون ما اجتمع عليه أهل المدينة، وأن الإجماع في رأيهم أن يحكم أحد الأئمة: أبو بكر أو عمر أو عثمان ﵃فإن الشافعي ﵁ قد رد عليهم:
أولًا: بأنهم لا يعرفون حكم واحد منهم إلا عن طريق الانفراد أو الآحاد الذي ردوا مثله، مما روي عن النبي، ﷺ فرضًا من الله ﷿. والحق أن ما روي عمن دون رسول الله ﷺ لا يحل محل ما روي عنه ﷺ.
ثانيًا: وقد كان بعض الأئمة من الصحابة يحكمون في بعض المسائل بما يخالف سنة رسول الله ﷺ؛ لأنها لم تبلغهم، فإذا بلغتهم ذهبوا إليها ورجعوا عن حكمهم، فعمر مثلًا مع فضل علمه وطول صحبته وكثرة مسألته وتقواه قد حكم أحكامًا بلغه في بعضها حكم لرسول الله، ﷺ، فرجع عن حكمه إلى ما بلغه عن رسول الله، ورجع الناس عن بعض أحكامه بعده، دلالة على أنه لم يبلغه عن رسول الله، ﷺ حتى توفي ﵁، "فإنه قد يعزب عن الكثير الصحبة الشيء من العلم يحفظه الأقل علمًا وصحبة منه، فلا يمنعه ذلك من قبوله".
ثالثًا: وأنتم الذين تتركون السنة لعمل أهل المدينة بحجة أن أحد الأئمة قال بهذا الحكم أو ذاك تتركون وتخالفون مثل عمر بن الخطاب لأن ابن عمر يخالفه أو تتركونه لرأي أنفسكم، ولم يخالف عمر فيه أحد غيركم فهل نعتبركم بهذه المخالفة تخرجون عن الصواب؟!.
إنكم تخالفون عمر في أكثر من مائة قول، وتخالفون أبا بكر في القراءة في الصلاة وفي نهيه عن عقر الشجر وتخريب العامر، وعقر ذوات الأرواح
_________________
(١) ١ الأم حـ١ ص١٧٧.
[ ٣٨١ ]
إلا لمأكله.. وتركتم على عثمان أنه كان يخمر وجهه وهو محرم وغير ذلك كما تركتم الكثير من رواية الثقات من أهل المدينة غيرهم من الصحابة وكذلك من التابعين وتابعيهم فأنتم فارقتم مذهبكم الذي تدعونه١.
رابعًا: لقد كان بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ نحو من ثلاثين ألف رجل إن لم يزيدوا، ولعلكم لا تروون عنهم قولًا واحدًا عن سنة، وإنما تروون القول عن الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة متفرقين أو مجتمعين والأكثر التفرق، فأين الإجماع؟!.
٨٣٠- وإذا كنتم تقولون: إن المراد بالإجماع أن يكون الأكثر مجتمعين؛ كأن يكون خمسة نقر من أصحاب النبي ﷺ قالوا قولًا متفقين عليه وقال ثلاثة قولًا مخالفًا لقولهم، فالأكثر أولى بالاتباع -فإننا نقول: إن صحابة رسول الله ﷺ كانوا كثيرين، وربما كان مع الثلاثة الكثيرون الذين لم يتكلمون، ومع الخمسة القلة، "والصدق فيه أبدًا ألا يقول أحد شيئًا لم يقله أحد أنه قاله.. ولو قلت: وافقوا بعضهم، قال غيرك: بل خالفوه.. وليس الصدق أن تقول وافقوا ولا خالفوا بالصمت"١.
٨٣١- ثم قال الشافعي: إن الإجماع الحقيقي ليس في المدينة وحدها، وإنما في كل بلد، وفي الفرض وخاصة من العلم؛ ذلك الذي لا يسع أحدًا جهله من الصلوات والزكاة، وتحريم الحرام.. وأما علم الخاصة في الأحكام الذي لا يضير جهله على العوام، وعلمه عند الخواص عن مثلهم فنقول فيه واحدًا من قولين: "نقول: لا نعلمهم اختلفوا فيما لا نعلم اختلفوا فيه.. ونقول فيما اختلفوا فيه: اختلفوا واجتهدوا" فنأخذ من هذا ما أشبه أقاويلهم بالكتاب والسنة، يصح أن نحدد أكثر من هذا، فنقول فيما اختلفوا فيه: ذهبنا إلى قول ثلاثة دون اثنين وأربعة دون ثلاثة، ولا نقول هذا إجماع؛ فإن الإجماع قضاء على من لم يقل ممن لا ندري ما يقول٣.
_________________
(١) ١ الأم حـ٧ ص٢٤٢ - ٢٤٣. ٢ المصدر السابق حـ٧ ص٢٤٤. ٣ الأم حـ٧ ص٢٤٤.
[ ٣٨٢ ]
٨٣٢- وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، فإنهم قد اختلفوا أيضًا فيما فيه كتاب وسنة، وذلك لأن الآية من كتاب الله تعالى قد تحتمل معنيين، فيقول بعض أهل اللسان بأحدهما، ويقول بعضهم بالمعنى الآخر الذي يخالفه. والآية محتملة لقولهما معًا؛ لاتساع لسان العرب. وأما السنة فتذهب إلى بعضهم وكل من ثبتت عنده السنة قال بها -إن شاء الله. ولم يخالفها؛ لأن كثيرًا منها واضح ليس فيه تأويل، ومثل الشافعي لذلك باختلافهم في مدة القرء واختلافهم في الوضوء من مس الذكر١.
مناقشة دعوى العمل وصلته بالخبر:
٨٣٣- ويترك الشافعي، ﵁ دعوى الإجماع إلى دعوى العمل، فيبين أنه ليس من اللازم أن نقبل الخبر إلا إذا تقدمه العمل كما يقول هؤلاء، فليس من عوامل تثبيت الخبر أن يتقدم به عمل من الأئمة: أبي بكر وعمر وعثمان، وقد حفظنا عن النبي ﷺ أشياء لا يحفظ عن أحد من خلفائه فيها شيء. وقد "استغنى فيها بالخبر عن رسول الله ﷺ عمن بعده، وذلك أن بالخلق الحاجة إلى الخبر عنه، وأن عليهم اتباعه"٢.
ومثال هذا قول النبي ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقه". ويقول الشافعي: "لا أشك أن قد ورد على جميع خلفائه؛ لأنهم كانوا القائمين بأخذ العشر من الناس، ولم يحفظ عن واحد منهم فيها شيء وله أمثال كثيرة٣.
٨٣٤- ثم بين الشافعي ﵁ الطريقة المثلى والصحيحة لأخذ الأحكام، فيقول: وإنما العلم اللازم الكتاب والسنة، وعلى كل مسلم
_________________
(١) ١ المصدر السابق حـ٧ ص٢٤٥. ٢ المصدر السابق حـ٧ ص٢٤٣. ٣ الأم حـ٧ ص٢٤٣ - ٢٤٤.
[ ٣٨٣ ]
اتباعها.. فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة: أبي بكر أوعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله، ﷺ من الدين في موضع أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم والعلم طبقات شتى" ثم ذكر هذه الطبقات: الكتاب، فالسنة الثابتة، فالإجماع، فقول بعض أصحاب رسول الله ﷺ، مما لا يعلم لهم مخالفًا فيه منهم، فاختلافهم، فالقياس على هذه الطبقات، "ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان".. ثم التفت إلى من يقولون بعمل أهل المدينة فقال لهم: "وإنما يؤخذ العلم من أعلى، وبعض ما ذهبتم إليه خلاف هذا ذهبت إلى أخذ العلم من أسفل١.
٨٣٥- وإذا وجد الكتاب أو السنة فلا نعبأ بقول الأكثرية من أهل المدينة أو الأقلية منهم، فمثلًا ذهب بعضهم إلى تحريم لبن الفحل وقلنا بترك التحريم و"لا أذهب إذا ثبت عن النبي ﷺ شيء إلى أن أدعه لأكثر أو أقل مما خالفنا في لبن الفحل"٢.
٨٣٦- وفي النهاية بين الشافعي مكمن الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه -في رأيه- وهو ما وجدوه في الموطأ، وذكر قول بعضهم الدال على ذلك: "إن لنا كتابًا قد صرنا إلى اتباعه -يعني الموطأ- وفيه ذكر أن "الناس اجتمعوا" و"الأمر المجتمع عليه عندنا" و"الأمر عندنا". كما بين تناقضهم عندما يقولون ذلك، ثم يخالفون أهل المدينة،
فهي كلمات يطلقونها لا معنى لها، "فلم تكلفتموها، فما علمت قبلك أحدًا تكلم بها، وما كلمت منكم أحدًا قط فرأيته يعرف معناها، وما ينبغي لكم أن تجهلوا إذا كان يوجد فيه ما ترون".
_________________
(١) ١ الأم حـ٧ ص٢٤٦. ٢ الأم حـ٧ ص٢٤٧.
[ ٣٨٤ ]
٨٣٧- وكان على الشافعي مع هذه المناقشة التي فند فيها ما يقول به -أصحاب الإمام مالك- الذين قالوا بعمل أهل المدينة وبإجماعهم فتركوا بعض السنن من أجل ذلك ومنها ما يرويه مالك نفسه -كان عليه مع هذا أن يبين المسائل التي خالفوا فيها السنة تطبيقًا لقياسهم، وهذا ما عقد له كتابًا من الأم.
٨٣٨- وسنجتزئ بذكر بعض الأمثلة التي تدل على تطبيق الإمام الشافعي لما قاله أثناء تفنيد أصلهم هذا.
في "باب فوت الحج" روي عن مالك، عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: "أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله ﷺ؛ فجاءته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، ولا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع"١.
وروى حديثًا آخر عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين أن رجلًا جعل على نفسه ألا يبلغ أحد من ولده الحلب، فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج معه، فبلغ رجل من ولده الذي قال الشيخ، وقد كبر الشيخ، فجاء ابنه إلى رسول الله، ﷺ، فأخبره الخبر، فقال: إن أبي قد كبر، ولا يستطيع أن يحج، أفأحج عنه، فقال رسول الله ﷺ: نعم.
وروى حديثًا ثالثًا فقال: إن مالكًا ذكر، أو غيره، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن نركبها على البعير، وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ قال: نعم٢.
_________________
(١) ١ الموطأ ص ٢٣٦ "طبعة الشعب". ٢ انظر هذه الأحاديث الثلاثة في الأم حـ٧ ص١٩٦.
[ ٣٨٥ ]
٨٣٩- فقد ثبت -إذن- بهذه الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ أنه أجاز أن يحج إنسان عن آخر برواية مالك نفسه، لكن بعض أصحابه قالوا: ليس على هذا العمل مع أن مالكًا لم ينص على ذلك في الموطأ واكتفى بروايته للحديث الأول فيه.
٨٤٠- وهنا رد عليهم الشافعي بأنهم خالفوا ما رووا عن النبي، ﷺ، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي ﷺ، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي ﷺ بن أبي طالب وابن المسيب والحسن وابن عباس. وابن شهاب وربيعة وهم بالمدينة يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل، "وهذا أشبه شيء يكون مثله عندكم عملًا، فتخالفونه كله لغير قول أحد من خلق الله علمته من أصحاب رسول الله، ﷺ، وجميع من عدا أهل المدينة من أهل مكة والمشرق واليمين من أهل الفقه يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل"١.
٨٤١- ومن الأمثلة التي ناقشهم فيها أيضًا مسألة "العمرى" وهي أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك داري أو أرضي أو إبلي ويقول: هي لك عمري. وتنتقل للموهوب له ولورثته من بعده.
ذهب الشافعي فيها إلى أنه لو شرط فيها شرطًا يبطل الشرط وقال مخالفوه من أهل المدينة: لا يبطل الشرط فيها، فلو شرط أن ترد له بعد وفاة الذي يعطاها جاز الشرط ولا يأخذها ورثته.
وقد روى الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر أن رسول الله، ﷺ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه -فإنما هي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطى"، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث.
ثم قال الشافعي: وبهذا نأخذ ويأخذ عامة أهل العلم في جميع الأمصار
_________________
(١) ١ الأم حـ٧ ص١٩٦ - ١٩٧.
[ ٣٨٦ ]
غير المدينة. وقد روي هذا مع جابر بن عبد الله زيد بن ثابت عن النبي ﷺ.
٨٤٢- وقد رأى هؤلاء الناس من أهل المدينة أن العمرى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل: هي لك ولعقبك. وتركوا هذا الحديث لأن القاسم بن محمد من فقهاء المدينة قال: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا١.
٨٤٣- قال لهم الشافعي: أتخالفون الحديث وأنتم تروونه عن رسول الله ﷺ؟! إن هذه الأحاديث رواها الصادقون وإذا قبلنا خبر الصادقين -فمن روى هذا عن رسول الله أرجح ممن روى عن القاسم قولًا يخالفه "لا يشك عالم أنما ثبت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال به مما قاله أناس بعده قد يمكن ألا يكونوا سمعوا من رسول الله ﷺ بلغهم عن شيء، وإنهم لناس لا نعرفهم"٢.
٨٤٤- وقد ردوا على الشافعي بأن القاسم بن محمد حينما يقول: "قال الناس" هنا فإنما يعني الجماعة من أصحاب رسول الله أو من أهل العلم الذين لا يجهلون للنبي ﷺ سنة، ولا يجمعون أبدًا من جهة الرأي، ولا يجمعون إلا من جهة السنة.
٨٤٥- قال الشافعي يرد عليهم: لقد أفتى القاسم بن محمد فيمن قال لأهل زوجته: "شأنكم بها": إنها -كما قال الناس- تطليقة، وأنتم تزعمون أنها ثلاث تطليقات فإن لم يكن قول القاسم والناس هنا حجة عليكم في رأي أنفسكم لهو عن أن يكون على رسول الله ﷺ حجة -في العمرى مثلًا- أبعد. وإن كان حجة فقد أخطأتم بخلافكم إياه برأيكم"٣.
_________________
(١) ١ انظر الموطأ ص٤٧١. وقد روى مالك الحديث وقول القاسم وما عليه أهل المدينة من عمل. ٢ الأم حـ٧ ص٢٠١. ٣ ص٢١٤ - ٢٣٧ حـ٢.
[ ٣٨٧ ]
٨٤٦- ونكتفي بمناقشة هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري موضع بحثنا، ولكننا نشير إلى أن بعض العلماء وخاصة من الظاهرية ومن أصحاب المذاهب الأربعة قد عارضوهم في أصلهم هذا وأفاضوا في مناقشتهم. ومن هؤلاء ابن حزم في كتابه الإحكام١، وابن القيم في كتابه أعلام الموقعين٢.
٨٤٧- والحق أن عمل كل بلد كان له تأثير في رأي أصحابه واجتهادهم ولكنه ينبغي ألا يرجح على سنة رسول الله ﷺ. وكان الأولى بمن قالوا بعمل أهل المدينة وإجماعهم ورجعوهما على بعض السنن أن يفعلوا كما فعل الإمام مالك ﵁، فقد أقر بالسنة وأخذ بها، وقدم عمل أهل المدينة كنوع من الخلاف ربما كان له وجه من الصواب، شأنه في ذلك شأن ما عليه أهل الأمصار الأخرى. وهذا ما جعله لا يرضى أن يحملوا على الموطأ وما فيه من رواية وعمل عندما أشار عليه أحد الخلفاء بذلك.
٨٤٨- والنتيجة الأهم من ذلك هي أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا -من خلال هذا المقياس أو الأصل- نظروا إلى الحديث من حيث معناه وفنه ليوثقوه بعيدًا عن إسناده، فعل ذلك الآخذون بعمل أهل المدينة إذا تعارض مع الآحاد والمنكرون على السواء، كما رأينا، وكما تجلى عند الأئمة الليث بن سعد ومحمد بن الحسن والشافعي رضوان الله عليهم أجمعين.
والآن فإلى مقياس آخر من مقاييس توثيق متن الحديث، وهو عرض أخبار الآحاد على القياس، وحقيقة الأمر في تطبيقه عند بعض العلماء.
_________________
(١) ١ ص ٢١٤ - ٢٣٧ حـ٢. ٢ حـ٢ ص٢٩٤ وما بعدها.
[ ٣٨٨ ]
الفصل الخامس: عرض أخبار الآحاد على القياس
٨٤٩- خبر الواحد إذا رواه من عرف بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضوان الله عليهم -كان حجة، سواء أكان موافقًا للقياس أم مخالفًا له، فإن كان القياس مخالفًا له ترك هذا القياس؛ لأن مثل هؤلاء لا يتوهم في روايتهم قصور وقد رووا هذا الحديث عن بصيرة، فلم يغيروا فيه فكأنما سمعناه منه صلى الله عليه وسلم١.
٨٥٠- أما إذا روى خبر الواحد من عرف بالضبط والعدالة والحفظ دون الفقه كأبي هريرة وأنس بن مالك ﵄ وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله ﷺ وسماع الأحاديث مدة طويلة في السفر والحضر -فما وافق القياس من روايتهم هذه يقبل وما خالفه فإما أن تكون الأئمة قد تلقته بالقبول أو لا، فإن كان الأول قبل، وإلا فالقياس مقدم عليه إذا كان في أمر ينسد فيه باب الرأي.
٨٥١- ويشترط أن يكون التعارض بين الخبر والقياس تعارضًا من كل وجه بأن يكون عامين أو خاصين ويبطل كل واحد منهما ما يثبته الآخر بالكلية أما إذا تعارضا من وجه دون وجه بأن يكون أحدهما أعم والآخر أخص فالجمع بينهما مهما أمكن واجب بأن يخصص الأعم بالأخص٢.
٨٥٢- وليس في رد الخبر على هذا النحو طعن في الصحابي الذي رواه، فالصحابة عدول كلهم، وعلى العين والرأس؛ ولكنهم لما كانوا ينقلون الخبر بالمعنى، ومن الصعوبة التعبير عن كل معنى أراده ﷺ لما أوتي من جوامع الكلم، ولم يؤت غيره هذا -فإن غير الفقهاء من الصحابة، رضوان الله عليهم ينقلون بقدر فهمهم للعبارة، وربما يقصر
_________________
(١) ١ أصول السرخسي حـ١ ص٣٤٢. ٢ حاشية الأزميري على شرح مرآة الأصول حـ٢ ص٢١١.
[ ٣٩١ ]
تعبيرهم عن المراد، فيؤدي بعضه، ولتوهم هذا القصور قال الأحناف -كما يروي عيسى بن أبان-: إنه إذا انسد باب الرأي فيما روي وكان الخبر مخالفًا للقياس الصحيح وليس موافقًا لقياس آخر فلا بد من تركه؛ لأنه حينئذ كأنه مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع؛ إذ كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة المشهورة والإجماع١.
٨٥٣- ومثال ما رده الأحناف -تبعًا لرواية عيسى بن أبان- تطبيقًا لهذا المقياس حديث المصراة الذي تقدم ذكره كمثال على مخالفته لكتاب الله ﷿ والخبر المشهور -فهو مخالف أيضًا للقياس الصحيح؛ لأنه أوجب رد صاع من تمر مقابل اللبن الذي حلبه، واللبن الذي يحلب بعد الشراء والقبض لا يكون مضمونًا على المشتري؛ لأنه فرع ملكه الصحيح، فلا يضمنه قياسًا على غيره مما يكون في ملكه الصحيح، ولا يضمن بسبب العقد؛ لأن ضمان العقد ينتهي بالقبض، وهذ بعده فلا يرد، قياسًا على اللبن الآخر بعد القبض، وإذا كان اللبن المصرى موجودًا عند العقد فإنه لم يكن مالًا؛ لأنه باطن كالحبل، ولا يصير مالًا إلا بالحلب فلا يدخل تحت العقد، فيكون حينئذ كالكسب.
٨٥٤- على أننا إذا اعتبرناه مالًا فهو صفة للشاة أو غيرها فيعتبر مالًا تبعًا، ولا يضمن ويرد، وهو عندئذ كالصوف، ولا يكون حصة من الثمن ما لم يزايل الأصل، ولو زال قبل القبض فآفة من الآفات لم يسقط شيء من الثمن وهو هكذا إذا قبض والوصف متصل بالأصل لا يصير حصة من الثمن ولا يصير مضمونًا.
٨٥٥- ولئن جاز أن يقابله ضمان فهو ضمان العقد، فينبغي أن يسقط من البائع حصته من الثمن قياسًا على أنه لو اشترى شيئين ثم رد أحدهما فعل ذلك.
٨٥٦- وإذا اعتبرناه ضمان التعدي فمن الواجب أن يضمن مثل اللبن كيلًا أو دراهم قياسًا على ما يضمن بالتعدي، أما الصاع من التمر بلا تقويم،
_________________
(١) ١ أصول السرخسي حـ١ ص٣٣٩ - ٣٤١.
[ ٣٩٢ ]
قلّ اللبن أو كثر فلا وجه له في الشرع.. أضف إلى ذلك أن ظاهر هذا الحديث يدل على توقيت خيار العيب، وهو غير مؤقت بالإجماع، "فثبت أنه مخالف للقياس من جميع الوجوه فوجب رده بالقياس"١.
٨٥٧- ومن الأمثلة كذلك ما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ قال فيمن وطئ جارية امرأته: "فإن طاوعته فهي له، وعليه مثلها، وإن استكرهها فهي حرة، وعليه مثلها" فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث٢ "ويتبين أنه كالمخالفات للكتاب والسنة المشهورة والإجماع"٣.
٨٥٨- ويدفع الأحناف ما يعترض عليهم، ويشنع به عليهم من أخذهم بحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، ومع أن رواية هو معبد الجهني وهو لم يعرف بالفقه بين الصحابة، وكان خبر المصراة أولى بالقبول والعمل به لأنه أثبت متنًا وأقوى سندًا وراويه هو أبو هريرة، وهو أعلى رتبة في العلم من معبد -يدفعون هذا بقولهم: إنه قد رواه غير معبد الجهني كثير من الصحابة مثل أبي موسى الأشعري، وجابر وأنس وعمران بن الحصين، وأسامة بن زيد وعمل به كبراء الصحابة والتابعين، مثل علي وابن مسعود وابن عمر والحسن وإبراهيم ومكحول، فلذلك وجب قبوله وتقديمه على القياس.
٨٥٩- كما يدفعون أيضًا ما رموا به هنا من الطعن في أبي هريرة بهذا المسلك وأمثاله من الصحابة -فيقولون: إنه مما لا شك فيه أنه قد ثبتت عدالته وطول صحبته لرسول الله، ﷺ وحسن حفظه وضبطه، فقد دعا له النبي ﷺ بذلك٤ ولكن مع هذا قد اشتهر
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٢. ٢ آداب الشافعي ص١٧٠ - ١٧١ فقيه محاورة جرت بين الحسن بن زياد اللؤلؤي وأحد أصحاب الشافعي وهو حاضر، وفيها يبين صاحب الشافعي مخالفة هذا الحديث للقياس. ٣ أصول السرخسي حـ١ ص٣٤٢. ٤ صحيح البخاري "طبعة الشعب" حـ٩ ص١٣٣.
[ ٣٩٣ ]
عن الصحابة رضوان الله عليهم من بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس، وفيما عدا هذه الضرورة فإنهم يعتمدون على روايته هو وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ونحن نفعل كذلك، فقد أخذ أبو حنيفة ﵀ بقول أنس بن مالك ﵁ في مقدار مدة الحيض وغيره، وكانت درجة أبي هريرة عند أبي حنيفة فوق درجة أنس١.
٨٦٠- والحق أن هذا الرد ليس مقنعًا أو هو من حسن الأدب فقط، فإنهم بهذا فعلًا ينتقصون من استقامة رواية هذا الصحابي الجليل وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ولو آمنوا حقًّا بحفظهم وضبطهم لما تركوا بعضه رواياتهم، ولما تعللوا بأن روايتهم بالمعنى هي التي أخلت ببعض الروايات، وذلك لأنهم عرب، وخالطوا الرسول ﷺ مخالطة غير عادية مما جعلهم في مأمن من الخطأ في رواية الحديث.
وقد سبق أن ذكرنا في التمهيد مقدار حيطتهم وحذرهم في الرواية ومظاهر هذا، مما يجعلنا نطمئن إلى أدائهم الصحيح لجميع الأحاديث.
٨٦١- وإذا كان بعض الصحابة قد رد بعض رواية أبي هريرة فقد ثبت بالدراسة الموضوعية أنه لم يكن يخطئ فيها، وإنما كانت هناك أسباب أخرى وراء معارضته ورد بعض رواياته. كما بين ذلك الإمام الشافعي وابن حزم. كما ثبت أنه كان من الفقهاء، ولم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وكان يفتي في زمن الصحابة ولم يكن يفتي حينئذ إلا المجتهد الفقيه٢.
٨٦٢- وهذا ما يجعلنا نميل إلى الرواية الأخرى عن الأحناف رواية أبي الحسن الكرخي التي تقول: إن الأحناف يقدمون الخبر على القياس مطلقًا سواء أكان راويه مشهورًا بالفقه أم لا؛ لأننا إذا وثقنا في حفظ الراوي وضبطه فالظاهر في هذه الحالة أنه يروي كما سمع، ولو غير
_________________
(١) ١ أصول السرخسي حـ١ ص٣٤٢. ٢ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٣.
[ ٣٩٤ ]
لأصبحت روايته على وجه لا يتغير به المعنى. والقول بأن الراوي إذا لم يكن فقيهًا قد يغير في المعنى وهم لا أساس له؛ لأن الأخبار وردت بلسانهم، وعلمهم بهذا اللسان يمنع من غفلتهم عن المعنى وعدم وقوفهم عليه وعدالتهم وتقواهم وضبطهم تدفع تهمة التزيد أو النقصان في الخبر الذي يروونه١.
٨٦٣- واستدل القائلون بهذا -رواية عن الأحناف- بأن الخبر يقين بأصله؛ لأنه من حيث إنه قول رسول الله ﷺ لا يحتمل الخطأ، وإنما الشبهة في عارض النقل، حيث يحتمل الغلط والنسيان والكذب. أما القياس فالاحتمال في أصله؛ أي: في علته التي يبني عليها الحكم، فإنها لا تتحقق يقينًا إلا بنص أو بإجماع وهو أمر عارض. ولا شك أن يتيقن الأصل راجع على محتمله.
٨٦٤- وعلى تقدير ثبوت العلة فيه قطعًا يحتمل أن تكون خصوصية الأصل شرطًا لثبوت الحكم، أو خصوصية الفرع مانعًا عنه فيكون تطرق الاحتمال إلى القياس أكثر، فيؤخر عن الخبر الذي لا يتطرق الاحتمال إليه إلا في طريق نقله، وهو عارض.
٨٦٥- وقد رأينا عمر، ﵁، ترك القياس بالخبر في مسألة الجنين عندما علم أنه ﵇ أوجب فيه الغرة٢ وقال: لولا هذا لقضينا فيه بالقياس لثبوت الخبر، وكذا في دية الأصابع، حيث رأى أنها تتفاوت باعتبار منافعها فتتفاوت في ديتها، ولكنه ترك ذلك بخبر الواحد الذي يقول: "في كل إصبع عشر من الإبل، وكذا في ميراث الزوجة من دية زوجها وكان يرى أن الدية للورثة، ولأنها ليست من ملك الزوج فلا ترث الزوجة منها فأخبر أن رسول الله ﷺ أمر بتوريث الزوجة منها، فرجع إليه وترك القياس بخبر الواحد.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٣. ٢ الغرة: العبد أو الأمة، والغرة عند الفقهاء ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء "النهاية".
[ ٣٩٥ ]
٨٦٦- أضف إلى ذلك أنه لو قدم القياس على خبر الواحد للزم تقديم الأضعف على الأقوى، واللازم باطل إجماعًا، فالملزوم مثله فالخبر يجتهد فيه في أمرين: عدالة الراوي ودلالة الخبر، والقياس يجتهد فيه في ستة أمور: حكم الأصل، وتعليله في الجملة، وتعيين الوصف الذي به التعليل، ووجود ذلك الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل، ونفيه في الفرع.. هذا إذا لم يكن أصل القياس خبرًا، فإن كان كذلك وجب الاجتهاد في السنة المذكورة، مع الأمرين المذكورين، وهما العدالة والدلالة، وظاهر أن ما يجتهد فيه في مواضع كثيرة احتمال الخطأ فيه أكثر والظن الحاصل به أضعف فيكون أضعف من الخبر١.
٨٦٧- وإذا كان القياس الصحيح هو الذي يوجب الوهن في رواية غير الفقهية فإن الوقوف عليه متعذر، فيجب قبول الخبر حتى لا نوقف العمل بالأحاديث تبعًا لهذه الحجة المتعذر الوقوف عليها والاتفاق عليها أيضًا، ولهذا وجدنا أن بعض العلماء، ومنهم الإمام الشافعي وابن تيمية، يقولون: إن القياس مع حديث المصراة وليس عليه وبينوا ذلك بحجج يمكن أن تكون مقبولة٢ كما يمكن أن تقبل حجج غيرهم وما هذا إلا لتعذر الوصول إلى القياس الصحيح، ونظر كل واحد منهما إلى جانب من المسألة لا ينظر إليه الآخر.
٨٦٨- والحق أن هذا الرأي وهو أن الخبر مقدم على القياس مطلقًا هو ما يمكن أن ينسب إلى أبي حنيفة وصاحبيه، فقد عملوا جميعًا بخبر أبي هريرة ﵁ في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، وإن كان مخالفًا للقياس، حتى قال أبو حنيفة ﵀: لولا الرواية لفلت بالقياس.
٨٦٩- ويقول صاحب الطبقات السنية: إن مما شنع به الخصوم على
_________________
(١) ١ حاشية الأزميري حـ٢ ص٢١١. ٢ القياس في الشرع الإسلامي: تقي الدين أحمد بن تيمية "٦٦١ - ٧٢٨هـ" المكتبة السلفية -الطبعة الثالثة- القاهرة ١٣٨٥هـ ص ٣٦ - ٣٧.
[ ٣٩٦ ]
أبي حنيفة أنه قدم القياس١ الذي اختلف الناس في كونه حجة على الأخبار الصحيحة التي اتفق العلماء على كونها حجة.
٨٧٠- ثم أجاب عن ذلك بأن هذا زعم منهم؛ لأن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصحابة، وثبت ذلك واشتهر، ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرًا اختلف فيه الصحابة والعلماء فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر. ثم بالقياس إن لم يكن في الحادثة شيء مما ذكرناه٢.
٨٧١- ثم ذكر من قول أبي حنيفة ما يدل على ذلك في كتابه إلى أبي جعفر المنصور. ثم ذكر بعض المسائل الشاهدة على أنه يقدم الخبر الصحيح على القياس ومنها "مسألة الرجل الذي يرد عبدًا آبقًا من مسيرة ثلاثة أيام".
فقد قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهمًا، وكان القياس ألا يجب، فترك القياس، وأخذ في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، ﵁ في خبر طويل أن رجلًا قدم بآبق من الفيوم. فقال القوم: لقد أصاب أجرًا، فقال ابن مسعود: وأصاب جعلًا.
وفي مسألة تزوج الأمة على الحرة:
قال أبو حنيفة: لا يجوز، وكان القياس أنه يجوز. إلا أنه ترك القياس وأخذ في ذلك الخبر، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة" ٣.
_________________
(١) ١ وذكر صاحب "جامع مسانيد الإمام الأعظم" أن ممن يتهمون أبا حنيفة بذلك الخطيب البغدادي. جامع مسانيد الإمام الأعظم: محمد بن محمود الخوارزمي "٦٦٥هـ" طبعة أولى -دائرة المعارف- حيدر أباد الهند "١٣٣٢هـ". ١/ ٤٣. ٢ الطبقات السنية ١/ ١٤٣ - ١٤٤. ٣ قال الزيلعي في نصب الراية: روى الدارقطني في سننه في الطلاق من حديث مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "طلاق العبد اثنتان، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان، ويتزوج الحرة على الأمة ولا يتزوج الأمة على الحرة". ومظاهر بن أسلم ضعيف. وهناك أحاديث مرسلة وموقوفة على ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعلي حـ٣ ص١٧٥.
[ ٣٩٧ ]
وفي مسألة تزوج الرجل امرأة وهو غير كفء لها:
قال أبو حنية: للأولياء حق الاعتراض، وكان القياس ألا يكون لهم ذلك، ترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزوج النساء إلا من كفء".
وغير ذلك من الأمثلة والمسائل الكثيرة التي أخذ فيها أبو حنيفة بالخبر وترك القياس حتى ولو كان هذا الخبر موقوفًا على الصحابي كما في المسألة الأولى١.
٨٧٢- أما أبو يوسف ﵀ فقد نقل عنه في بعض أماليه أنه أخذ بحديث المصراة وأثبت الخيار للمشتري٢.
ويقول في كتابهخ الخراج في مسألة الرجل الذي يسرق أو يشرب الخمر أو يزني لا ينبغي أن يقيم القاضي عليه الحد برؤيته لذلك حتى تقوم به عنده بينة "وهذا استحسان لما بلغت في ذلك من الأثر فأما القياس فإنه يمضي ذلك عليه، ولكن بلغنا نحو من ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما٣".
٨٧٣- وأما محمد ﵀ فقد قال في الأصل: أرأيت رجلًا توضأ ونسي المضمضة والاستنشاق، أو جنبًا فنسي المضمضة والاستنشاق ثم صلى، قال: أما ما كان في الوضوء فصلاته تامة، وأما ما كان في غسل الجنابة أو طهر حيض فإنه يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. قلت: من أين اختلفا. قال: هما في القياس سواء، إلا أنا ندع القياس للأثر الذي جاء عن ابن عباس رضي الله عنه٤.
_________________
(١) ١ الطبقات السنية ١/ ١٤٦ - ١٥١. ٢ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٣. ٣ الخراج ص١٩٣. ٤ ورقة ١٠ عن الإمام محمد ٢٦٦ والمبسوط حـ١٠ ص٧٧. الطبقات السنية حـ١ ص١٤٨. وقال الزيلعي في "نصب الراية" حـ١ ص٧٩ قال البيهقي في المعرفة، قال الشافعي: وقد اعتمد بعض الناس في ذلك على أثر ورد عن ابن عباس، ثم أخرج البيهقي من طريق الدارقطني بسنده عن أبي حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد، عن ابن عباس فيمن نسي المضمضة والاستنشاق قال: لا يعيد إلا أن يكون جنبًا. قال: وزعم أن هذا أثر ثابت يترك به القياس وهو يعيب علينا الأخذ بحديث بسرة في مس الذكر وعثمان بن راشد وعائشة بنت عجرد غير معروفين ببلدهما، فكيف يجوز لأحد أن يثبت ضعيفًا مجهولًا ويوهن قويًّا معروفًا؟!.
[ ٣٩٨ ]
وقال في رده على أهل المدينة حين رأوا أن القهقهة في الصلاة تبطل الصلاة ولا تنقض الوضوء: لولا ما جاء من الآثار كان القياس على ما قال أهل المدينة، ولكن لا قياس مع أثر، وليس ينبغي إلا أن ينقاد للآثار١.
٨٧٤- وكان الإمام محمد يرى أن من سبقه الحديث بغير قصده وهو في الصلاة ينصرف فيتوضأ ويبني على صلاته، وأخذ في ذلك بالأثر الذي روي عن السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ، قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم". وقد روى عن أبي بكر وعمر وعلي ابن مسعودوابن عباس أنهم بنوا على الصلاة بعد الوضوء دون الاستقبال.
٨٧٥- وأخذ الإمام محمد على مالك أنه كان يقول بذلك أولًا ثم رجع إلى أن عليه أن يستقبل الصلاة؛ لأن رجوعه هذا رجوع من الآثار إلى القياس٢.
٨٧٦- ووجه القياس هنا أن الطهارة -كما تكون شرطًا لابتداء الصلاة تكون كذلك لبقائها، "فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط" فكذلك بقاؤها٣.
٨٧٧- وهذا يجعلنا نرى -كما يقول بعض الباحثين: أن "هذا يدل على أن الإمام محمدًا ما كان ينظر إلى القياس إذا صح الأثر لديه مهما يكن الأصل المقيس عليه، والعلة الجامعة بين الأصل والفرع"٤.
٨٧٨- والحق، كذلك، أنه يبدو أن مدرسة الأحناف بأئمتها الثلاثة كانت تستخدم القياس في هذا الباب ولكن -مثل استخدام المقاييس الأخرى
_________________
(١) ١ الحجة ص ٢٦٦. ٢ المبسوط حـ١ ص ١٦٩. ٣ الإمام محمد ص ٢٦٧. ٤ المصدر السابق ص ٢٦٧.
[ ٣٩٩ ]
فيما رجحناه، أن في تأكيد ما ثبت ضعفه وانقطاعه أو انضمامًا إلى علامات أخرى توضح ضعف الخبر، فحديث المصراة عندهم ضعيف قبل أن يصلوا إلى النظر إليه من حيث ملاءمته للقياس أولًا، ثم تأتي مخالفته للقياس فتنضم إلى مخالفته للكتاب وللسنة المشهورة في نظرهم.. ولا محل للقياس ابتداء في ثبوت الخبر أو تضعيفه حتى ولو كان راوي الخبر غير فقيه، والقول بغير ذلك "قول مستحدث"١.
٨٧٩- وهذا ما خرج به الأستاذ أبو زهرة من دراسته لأبي حنيفة، حيث رأى أنه يقدم القياس في أخبار الآحاد التي لم يكن سندها مقبولًا عنده.
ولكننا لا نوافقه في قوله: إن أبا حنيفة يقدم القياس على أخبار الآحاد إذا كان القياس قطعيًّا٢.. ونقول كما قال أبو الحسن الكرخي، وكما تبين من هذه الدراسة، إنه لا يترك الخبر من أجل القياس قطعيًّا أو غير قطعي٣، وكما يقول ابن تيمية: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوها"٤.
الخبر والقياس عند مالك:
٨٨٠- وإذا تركنا الأحناف وجدنا أنه روي عن مالك تقدم الخبر على القياس عند تعارضهما، ويقول الأستاذ أبو زهرة، إن الكثيرين من المالكية يقررون ذلك، وإنهم بالإجماع يذكرون أنه أحيانًا قد أخذ بالقياس ورد خبر الآحاد في تلك الحالة٥.
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٣. ٢ مالك: ص٢٩٩. ٣ كشف الأسرار حـ٢ ص٧٠٣. ٤ صحة أصول مذهب أهل المدينة ص٢٤. ٥ مالك ص٢٩٨.
[ ٤٠٠ ]
٨٨١- وقال القرافي: "حكى القاضي عياض في التنبيهات وابن رشد في المقدمات: في مذهب مالك في تقديم القياس أحد قولين١.
ثم ذكر الحجة في تقديم القياس على خبر الواحد، فقال: إن القياس موافق للقواعد الفقهية من جهة تضمنه لتحصيل المصالح أو درء المفاسد، أما الخبر المخالف لها فيمنع من تحقيق هذه المصالح أو من درء تلك المفاسد فيقدم الموافق للقواعد على المخالف لها٢.
وإذا كانت حجة من منع تقديم القياس على خبر الآحاد أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله، لأنه لو قدم على أصله لأبطل الأصل، ولو أبطل أصله لبطل -فإنه يبدو من كلام القرافي أنه يرى أن مذهب مالك تقديم القياس على خبر الواحد بدليل أنه ينقد حجة من يرى تقديم القياس على خبر الآحاد فيقول:
ولا يقال: إن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله وإلا لأبطل أصله، لأن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس لا تناقض، فلم يقدم الفرع على أصله، بل على غير أصله٢.
٨٨٢- وذكر الدبوسي في تأسيس النظر٤ والشاطبي في الموافقات٥ كثيرًا من المسائل التي يقدم فيها مالك ﵁ القياس على خبر الواحد ومن هذه المسائل: "غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقد جاء الحديث" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فيلغسله سبع مرات" ٦.
_________________
(١) ١ تنقيح الفصول ص٣٨٧. ٢ شرح تنقيح الفصول ص٣٨٧. ٣ المصدر السابق ص٣٨٧ - ٣٨٨. ٤ تأسيس النظر: عبد الله بن عمر الدبوس الحنفي. نشر زكريا علي يوسف - القاهرة ص٦٥ - ٦٧. ٥ الموافقات حـ٣ ص ١٠ - ١١. ٦ الموطأ: ص ٤٧.
[ ٤٠١ ]
٨٨٣- قال الشاطبي: إن مالكًا قال في هذا الحديث: لا أدري ما حقيقته، وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟! فقد اتخذ من أكل صيده الثابت بأصل قطعي، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ -دليلًا على طهارة لعابه، والحديث يدل على نجاسته، فتعارض الحديث مع استنباط قطعي من القرآن الكريم.
٨٨٤- ومن هذه التي تعارضت مع القياس، فردها الإمام مالك ﵁كما يذكر الشاطبي- حديث خيار المجلس الذي يوجب أن يكون لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما دام المجلس متحدًا لم يتفرق.
٨٨٥- وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار" وقال بعد روايته: "وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه"١. ورده؛ لأن المجلس ليس له نهاية معلومة، بحيث يكون للفسخ مدة معلومة، وإن شرط الخيار يبطل إجماعًا إذا لم تكن له مدة معلومة، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطًا بالشرع؟ ولو كان يجوز الخيار لمدة مجهولة لجاز اشتراط الخيار من غير مدة ويضاف إلى ذلك أن الحديث بجهالة مدته يعارض قاعدة نفي الغرر والجهالة في العقود٢.
٨٨٦- ومن الأمثلة التي ردها كذلك لمعارضتها بالقياس حديث صيام الأيام الست من شوال وفضيلتها، فقد نهى عن صيام ست من شوال، وأخذ من ذلك بمبدأ سد الذرائع خشية أن تؤدي المداومة عليها إلى زيادة رمضان واعتقاد وجوبها.
٨٨٧- وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج فقال: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل قال ابن أيوب
_________________
(١) ١ الموطأ: ص٤١٦. ٢ مالك: ص٣٠٠.
[ ٤٠٢ ]
حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدثه أن رسول الله، ﷺ قال: "من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" ١.
٨٨٨- ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ومناقشتها؛ لأن غيرها لا يخرج بعضه عن طبيعتها وبعضها الآخر واضح منه تمامًا أنه يرفضه لا من أجل قياس، وإنما لمعارضته نص آخر أقوى منه، ومن هذا حديث عدد الرضعات الذي رده؛ لأنه يتعارض مع إطلاق الآية الكريمة: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ ٢ وحديث المصراة الذي يتعارض مع الآية والحديث، كما سبق أن ذكرنا.
٨٨٩- أما الحديث الأول: وهو حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب فالواقع أن الإمام مالكًا لم يرده؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ، غاية الأمر أنه لم يجعل الأمر للوجوب، وإنما جعله للندب، ثم استخدم القياس فقط لتأييد فهمه هذا، وكلام ابن القاسم الذي ورد فيه قوله: إنه "لم يدر حقيقة هذا الحديث" يدل على ذلك، وقد أورده ابن عبد البر في كتابه الاستذكار كاملًا وهو: "جملة مذهب مالك عند أصحابه اليوم أن الكلب طاهر، وأن الإناء يغسل منه سبعًا عبادة، ولايهرق شيء مما ولغ فيه غير الماء وحده ليسار مؤونته، وأن من توضأ به إذا لم يجد غيره أجزأه وأنه لا يجوز التيمم لمن كان معه ما ولغ فيه كلب، وأنه لم يدر ما حقيقة هذا الحديث، واحتج بأنه يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟ وقال مع هذا كله لا خير فيما ولغ فيه كلب: ولا يتوضأ به أحب إلى هذا كله ما روى ابن القاسم عنه"٣.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي حـ٣ ص٢٣٠ - ٢٣١. ٢ النساء: ٢٣. ٣ الاستذكار، لمذاهب فقهاء الأمصار: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر "٤٦٣هـ" تحقيق علي النجدي ناصف. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ١٣٩١هـ - ١٤٩٧١، حـ١ ص٢٥٨.
[ ٤٠٣ ]
٨٩٠- وهكذا رأينا أن مالكًا لم يستطع أن يترك الحديث وقد صح عن رسول الله ﷺ وقبله، وكان من نتائج هذا القبول أن قال: إن غسل الإناء سبعًا على وفق ما جاء به الحديث عبادة، وأنه لا خير فيما ولغ فيه كلب، ولم يقل بنجاسته ووجوب غسله لأنه -بهذا الفهم- يتعارض مع ظاهر الآية الكريمة التي تحل أكل ما يصيده الكلب المعلم ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ ١.
٨٩١- ومثل هذا تمامًا حديث النهي عن أكل عن كل ذي ناب من السباع، فقد أخذ به، لكنه لم يحمل النهي على التحريم، وإنما على الكراهة؛ لأنه يتعارض -بفهم التحريم- مع كتاب الله تعالى -ولما كان ثابتًا ومعه العمل قال بالكراهة كما قلنا.
٨٩٢- أما عبارة "أنه لم يدر حقيقة هذا الحديث" فتدل على حيطة مالك وحذره إزاء ما صح عن رسول الله ﷺ أكثر مما تدل على الجرأة على تركه، كما فهم بعض الدارسين لفقهه؛ لأنه -على الرغم من أنه يقول: إن الأمر بالغسل للاستحباب- فإنه لا يريد أن يحكم على الحديث بهذا الذي ذهب إليه، فأعلن أنه لا يدري ما حقيقة هذا الحديث من حيث فهمه، لا من حيث ثبوته، فهو ثابت عنده بدليل ما سبق من كراهته للماء الذي يشرب منه الكلب واستحباب غسل الإناء، وبدليل روايته في كتابه الموطأ فهو لا يروي فيه إلا أحاديث الثقات فقد سأله بعضهم عن راو، فقال: "هل رأيته في كتبي ؟ أي إنه لا يدون في كتبه إلا الثقات وأحاديثهم"٢.
٨٩٣- إذن لم يترك مالك هذا الحديث بالقياس -كما فهم بعض الباحثين- وإنما قبله لأنه صح عن رسول الله، ﷺ، وقد استخدم القياس هنا حقًّا، ولكنه استخدمه لتأييد فهمه للحديث لا لرده.
_________________
(١) ١ المائدة: ٤. ٢ المحدث الفاصل "المطبوع" ص٤١٠.
[ ٤٠٤ ]
٨٩٤- والحديث الثاني شبيه بهذا من حيث إن الإمام مالكًا رواه في موطئه، فهذه دلالة على أنه صحيح، ومن حيث فهمه له فهمًا خاصًّا غير ما يدل عليه ظاهره، وهو تفسير التفرق بالكلام وإتمام الإيجاب والقبول؛ يقول الدكتور محمد يوسف موسى عليه رحمة الله مبينًا وجهة نظر مالك وغيره ممن ذهب مذهبه في خيار المجلس، موضوع هذا الحديث "أما من ناحية الأحاديث التي استدل بها الذين أثبتوا هذا النوع من الخيار، فإن الآخرين يعمدون إلى تأويلها -كما قلنا- وفهمها على نحو آخر لا يجعلها يؤخذ منها وجوب خيار المجلس للمتبايعين متى تم البيع بصدور الإيجاب والقبول من طرفيه عن رضًا منهما ومعنى هذا أن تلك الأحاديث -أحاديث خيار المجلس- صحيحة عند الجميع"١.
٨٩٥- وقد ذهب مالك إلى هذا الفهم حتى لا يتعارض الحديث مع الآية الكريمة التي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فالله تعالى قد أباح للمشتري أكل ما يشتري، وللبائع أخذ الثمن بعد وقوع التجارة، وهي الإيجاب والقبول في عقد البيع وعن تراض، فالذين يمنعون ذلك بإيجاب الخيار "مدة المجلس" يخرجون عن ظاهر الآية ويخصصونها من غير دلالة وهذا ما توقاه مالك رحمة الله تعالى عليه٢.
٨٩٦- ويقول ابن العربي المالكي عند الكلام على هذه الآية مبينًا أنها هي وغيرها من الآيات التي وردت في ذكر البيع والشراء والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس ولا لافتراق الأبدان فيها: "قوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو حرف أشكل على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم، واختار الطبري أن يكون تأويل الآية إلا تجارة تعاقدتموها، وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها، وهذه دعوى.. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا وذلك ينقضي بالعقد، وينقطع بالواجب وبقاء
_________________
(١) ١ البيوع والمعاملات المالية المعاصرة: د. محمد يوسف موسى -الطبعة الثانية "١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م" دار الكتاب العربي بمصر ٦٠. ٢ أحكام القرآن للجصاص حـ٢ ص١٧٥.
[ ٤٠٥ ]
التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقًا ولا تنبيهًا. ثم بين أن الآيات التي ذكرت في البيع والشراء لا تدل على خيار المجلس١.
٨٩٧- أرأيت كيف أن مالكًا لم يترك الحديث للقياس، وإنما فهمه فهمًا معينًا يتلاءم مع الآيات القرآنية الكريمة؟! وحتى لو قلنا: إنه ترك هذا الحديث فإنه لم يتركه مؤثرًا القياس عليه، وإنما لمعارضته للآيات القرآنية الكريمة وبعبارة أخرى: تركه لمعارضته لظاهر القرآن الكريم.
٨٩٨- وعبارته تعقيبًا على هذا الحديث: "ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه" إنما تشير إلى أن الأمر ليس كما يفهم من ظاهر الحديث، فهو بهذا الظاهر لا يعمل به، وإنما يحتاج إلى فهم يتلاءم به مع النصوص القرآنية.
٨٩٩- ويقول القاضي عياض في هذه العبارة قولًا آخر يدل كذلك على غير ما ذهب إليه بعض الناس من أنه رد هذا الحديث من أجل القياس، يقول: "وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في موطئه: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به" وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم وأشنع تشانيعهم، قالوا: هذا رد للخبر الصحيح إذ لم يجد عليه عمل أهل المدينة، حتى قد أنكره عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي ذئب فيه كلامًا شديدًا معروفًا، فالجواب أنه إنما أتيت بسوء التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده رد البيعين بالخيار وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث، وهو قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلا قدر ما تختبر فيه السلعة وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال البيع٢.
٩٠٠- وننتقل إلى الحديث الثالث، وهو حديث صيام الست من
_________________
(١) ١ أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي تحقيق على محمد البحاوي - الطبعة الثانية عيسى البابي الحلبي "١٣٨٧هـ ١٩٦٧م". ٢ ترتيب المدارك حـ١ ص٧٢.
[ ٤٠٦ ]
شوال١ وهذا الحديث هو الذي يمكن أن نقول فيه: إن مالكًا ﵀ تركه، فلم يذكره في الموطأ، وإنما أفتى بخلافه فيه فقد قال يحيى بن يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: "إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصه عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك".
٩٠١- ومن كلام مالك هذا نفهم أنه لم يرد الحديث للقياس وإنما لأن السلف لا يفعلون ذلك، والسلف لا يتركون هذه السنة لو صحت ولأنه لا يجد أحدًا من أهل العلم يفعل ذلك؛ اقتداء بالسلف، وعدمك بلوغهم هذا الحديث؛ لأن أحدًا منهم لا يستطيع أن يرغب عن سنة رسول الله ﷺ.
٩٠٢- ومما يؤيد ذلك تسميته له بالبدعة، ولم يقل أحد إن أهل العلم يكرهون رخصة من الرخص التي فعلها رسول الله ﷺ وحض عليها؛ لأن العامة سيحلقونها بفريضة من الفرائض ويعتقدون وجوبها ويحيطونها بالبدعة.
٩٠٣- إذن فالأمر لا يعدو أن مالكًا ﵁ عرض هذا الحديث على عمل الصحابة والتابعين فوجدهم لا يفعلونه بل يرغبون عنه فرأى أن الحديث لم يصدر عن رسول الله ﷺ. ومناقشة مالك في هذا
_________________
(١) ١ قال النووي في شرح هذا الحديث في مسلم "حـ٢ ص٢٣١" فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها. قالوا: فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم: قد يظن وجوبها، ينتقد بصوم عرفة وعاشوراء وغيرها من الصوم المندوب، قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر".
[ ٤٠٧ ]
الحديث لا تكون على أساس: هل أخذ بخبر الواحد أو بالقياس وإنما على أساس آخر، وهو هل نترك خبر الواحد لعمل الصحابة أو بعضهم أو عمل العلماء أولًا؟ وأظننا نصل إلى جواب عندما نقرأ موقف الأحناف من عمل الصحابة أو فتواهم وموقف الشافعي المعارض له وهو ما سبق أن ذكرناه.
٩٠٤- والذي أرجحه أن مالكًا ﵀ لم يصله هذا الحديث بطريق صحيحة، فضم إليه قرينة عدم العلم من السلف وغيرهم فتركه.
٩٠٥- وبعد، فلعلنا نستطيع أن نقول: إن مالكًا ﵀ لا يترك الحديث الصحيح الثابت من أجل قياس من الأقيسة، وأن نوافق قول أحد العلماء الذي يقول: "وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل، وهذا القول باطل سمج، مستقبح عظيم، وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول، ولا يدري ثبوته منه"١.*
الإمام الشافعي وعرض الخبر على القياس:
٩٠٦- وإذا تركنا ما قيل عن الإمام مالك إلى الإمام الشافعي وجدنا أنه يعلن أن لا مكان للقياس مع خبر الواحد، وغير الواحد من باب أولى، فوجود الخبر والقياس بمنزلة وجود الماء والتراب، وكما لا يجوز التيمم مع وجود الماء لا يجوز القياس مع وجود الخبر، يقول مبينًا هذا: "ويحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن، ويحكم بالسنةقد رويت عن طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه يمكن الغلط فيمن روي الحديث، ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٢ ص٦٩٧. * ويقول الخطيب البغدادي: إن أصحاب مالك يقدمون القياس على خبر الواحد "الفقيه والمتفقه مج١ حـ٤ ص١٣٣" فيبدو أن هذا نسب إلى مالك كما نسب إليه تقدم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، وبعض أصحابه هم الذين فعلوا ذلك.
[ ٤٠٨ ]
ضرورة، لأنه لا يحل القياس والخبر موجود كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون من طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"١.
٩٠٧- لكنه ﵀ استخدم القياس على نحو آخر، وهو تعضيد ثبوت الأخبار وترجيحها على غيرها، يقول عن الأحاديث: "ومنها ما يختلف، ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما أن يصار إليه"٢.
٩٠٨- وبعض الأمثلة التي ذكرها في كتابه اختلاف الحديث توضح ذلك:
في باب صلاة المنفرد خلف الصف روي "عن سفيان بن عيينة عن حصين عن هلال بن يساف قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب النبي ﷺ يقال له: وابصة بن معبد، فقال: أخبرني هذا الشيخ "أن رسول الله، ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة".
وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال، عن وابصة، سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت.
٩٠٩- "وسمعت من يروي بإسناد حسن أن أبا بكر ذكر للنبي، ﷺ أنه ركع دون الصف، فقال له النبي: "زادك الله حرصًا ولا تعد" فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة
_________________
(١) ١ الرسالة ص٥٩٩ - ٦٠٠. ٢ اختلاف الحديث ص٥٧ - ٥٨.
[ ٤٠٩ ]
بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه١.
٩١٠- وهكذا نحن أمام حديثين مختلفين: أحدهما يحكم على صلاة المنفرد خلف الصف بالبطلان، والثاني يقول: صلاته صحيحة، وإن كانت مكروهة.
٩١١- والحديث الذي رواه الإمام الشافعي ثانيًا حديث ثابت كما يقول، أما الحديث الذي رواه أولًا فهناك شك في ثبوته أو هو متأرجح بين الثبوت وعدمه.. وعلى كل حال سنفترض ثبوته، فأيهما يرجح على الآخر؟
٩١٢- يرى الشافعي أن الحديث الثاني أولى أن يؤخذ به لأن معه القياس وقول العامة "ثم يوضح هذا، فيقول: "فإن قال قائل: وما القياس وقول العامة؟ قيل: أرأيت صلاة الرجل منفردًا أتجزئ عنه؟ فإن قال: نعم. قلت: وصلاة الإمام أمام الصف، وهو في صلاة الجماعة؟ فإن قال: نعم. قيل فهل يعدو المنفرد خلف المصلي أن يكون كالإمام المنفرد وأمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردًا، فالشافعي هنا قاس صلاة المنفرد خلف الصف بصلاة من يصلي وحده أو مع الإمام متقدمًا عليه وهذا جائز، فكذلك الحالة التي معنا، ثم قاس هذا على حكم آخر يدل عليه الحديث، وهو صلاة المرأة منفردة مع رسول الله ﷺ فيما رواه عن مالك أن جدته مليكة دعت النبي ﷺ إلى طعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود فنضحته بالماء، فقام عليه رسول الله، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف، وذكر الشافعي طريقًا آخر لهذا الحديث ثم بين ما يهدف إليه وهو أن هذا شبيه بذاك، وبالقياس عليه تتبين صحة صلاة المنفرد خلف الصف فيقول:
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص ٢١٨ - ٢١٩.
[ ٤١٠ ]
"فأنس يحكي أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله ﷺ، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا كما تجزئها هي صلاتها"١.
٩١٣- وفعل الشافعي مثل ذلك في غير هذا الحديث، فرجح مثلًا حديث ابن الصمة الذي يقول: إن التيمم مسح الوجه واليدين إلى المناكب٣ رجح الأول على الثاني؛ لأنه أشبه بالقرآن وأشبه بالقياس بأن البدل من الشيء إنما يكون مثله"٤.
٩١٤- ورجح حديث أن الحجامة لا تفطر الصائم على حديث آخر يقول: إنها تفطره؛ لأن الأول معه القياس، وهو "أن ليس الفطر من شيء يخرج من جسد إلا أن يخرجه الصائم من جوفه متقيئًا، وأن الرجل قد ينزل غير متلذذ، فلا يبطل صومه. ويعرق ويتوضأ، ويخرج منه الخلاء والريح والبول ويغتسل فلا يبطل صومه، وإنما الفطر من إدخال البدن أو التلذذ بالجماع أو التقيؤ، فيكون على هذا إخراج شيء من جوفه كما عمد إدخاله فيه"٥.
٩١٥- وقد يعبر الشافعي ﵀ عن القياس بكلمة "المعقول" أي: إذا كان عقلًا هذا الشيء شبيه بذاك فإنه يأخذ حكمه. ويرجح به بعض الأحاديث على بعض، ومثال ذلك مسألة: "من أصبح جنبًا في شهر
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢١٨ - ٢٢١. ٢ انظر هذا الحديث في سنن أبي داود. طبعة حمص عام "١٣٨٨هـ - ١٩٦٩م" بتحقيق عزت عبيد الدعاس حـ١ ص٢٣٣ - ٢٣٤. ٣ انظر جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي فيما روي عن عمار من أن المسح للوجه والكفين وقال الترمذي فيه: حسن صحيح "حـ١ ص٤٤٠ - ٤٤٢"، وما روي عنه أن المسح إلى المناكب والإباط وقال الترمذي: إنه ضعفه أهل العلم، وقال بعضهم: ليس مخالفًا للرواية الأولى؛ لأنه في الثانية لم ينسبه إلى الرسول ﷺ "ص٤٥١". ٤ باب التيمم في اختلاف الحديث ص٩٤ - ٩٨ على هامش الأم حـ٧. ٥ اختلاف الحديث ص٢٣٨.
[ ٤١١ ]
رمضان"، فقد روى الشافعي بسنده عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال لرسول الله، ﷺ، وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم ".
وروى بسنده ما يخالف هذا، وهو أن أبا هريرة يقول: "من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم".
٩١٦- رجح الإمام الشافعي حديث عائشة وحديث أم سلمة الذي هو مثل حديث عائشة: لأنهما زوجتاه وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، ولأن عائشة مقدمة في الحفظ وأم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من رواية واحد.
٩١٧- وبعد أن رجح أحد الحديثين على هذا النحو أيد ذلك بأن الحديث الراجح معه "المعقول" وبين ذلك بقوله: إن الرجل يحتلم في نهار رمضان فيجب عليه الغسل ويتم صومه؛ لأنه لم يجامع في نهار رمضان، فكذلك من يصبح جنبًا؛ لأنه لا يجامع في نهار رمضان ووجوب الغسل لا يفطر١.
٩١٨- وماذا قال في الكلب يلغ في الإناء؟.
إنه إذا كان بعض الناس قد ادعى أن مالكًا نفى الحديث فيه لأنه يتعارض مع القياس فإن الشافعي، ﵁ قد أكد ثبوته بالقياس حين بين أن ما ذهب إليه مالك من عدم وجوب الغسل يخالف القياس، وكذلك جواز شرب اللبن مما شرب منه الكلب.
٩١٩- وحجة مالك أن الكلاب لم تزل في البادية، وهناك من الحرج في منعها عن مثل هذه الأشياء، ورد عليه الشافعي بأن الفأرة مثلًا ألزم لأهل القرية من الكلاب لأهل البادية والكلاب أقل امتناعًا منها وإذا ماتت فأرة
_________________
(١) ١ اختلاف الحديث ص٢٣٢ - ٢٣٥.
[ ٤١٢ ]
أو دابة من دواب البيوت في الماء أو في اللبن في قرية أو بادية تنجسه فكذلك الكلاب، وقد أخبر الرسول ﷺ أن النجاسة تكون في الفأرة وهي في البيوت: "وإنما قال في الفأرة قولًا عامًّا وفي الكلب قولًا عامًّا".
٩٢٠- ونهمس في أذن أستاذنا وأستاذ الجميع الإمام الشافعي: هل الكلام فيما شرب منه كلب حي وفأر حي أو في وقوع كلب ميت أو فأر ميت في شراب أو طعام؟! وهذا يختلف عن ذاك ومن القياس أن يكون هذا له حكم وذاك له حكم آخر.
٩٢١- وهكذا استخدام الشافعي، ﵁ القياس بهدف زيادة تثبت الأخبار وزيادة توثيقها، ونعتقد أن هذا هو ما فعله الأحناف والمالكية فظن خصومهم أنهم يستخدمون القياس في نفس السنة، والحق أن الأمر ليس كذلك كما رأينا.
٩٢٢- ونخلص من هذا بالتعرف على وجه آخر من وجوه العناية بالمتن واستخدام القياس من أجل توثيقه بعيدًا عن السند؛ بل الأمر في وجه من وجوهه توثيق للسند عن طريق المتن حتى يرجح الأمر إلى توثيق المتن نفسه، وترك ما عداه، أو ترك العمل بما عداه في حالة النسخ وهو مربط الفرس كما يقولون.
٩٢٣- ولعلنا على ذكر من أن بعضهم قال: إن الرواية بالمعنى من غير الفقيه ربما تؤدي إلى تغيير في الحديث وخلل بمعناه الأمر الذي احتاج إلى وضع ضوابط للأداء بالمعنى، فتعميم الراوي من الخطأ في الرواية، وقد وضع هذه الضوابط الذين يجيزون رواية الحديث بالمعنى على حين تشدد الآخرون فلم يجيزوا الرواية بالمعنى ولكل حجته، وهذا ما سنفصله فيما يلي - بإذن الله ﷿ وفضل منه ﷾.
[ ٤١٣ ]
الفصل السادس: الرواية بالمعنى
٩٢٤- يقول الخطيب البغدادي: إن كثيرًا من السلف وأهل التحري في الحديث رأوا أنه لا تجوز رواية الحديث بمعناه، بل تجب المحافظة على ألفاظه كما صدرت من رسول الله ﷺ، وكما تلقاها كل راو من زميله.
وممن ذهب إلى ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم عبد الله بن عمر فقد روى عبيد بن عمير أن ابن عمر كان جالسًا مع أبيه وعندهم مغيرة بن حكيم -رجل من أهل صنعاء- إذ قال: قال رسول الله، ﷺ: "إنما مثل المنافق مثل الشاة بين الربَّيضين" ١ من الغنم" فقال عبد الله لو علمت علمه، علمت أنه لم يقل إلا حقًّا ولم يتعمد الكذب، فقال: إنه لثقة، ولكني شاهد رسول الله ﷺ يوم قال هذا، قال: كيف يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: قال رسول الله، ﷺ: "مثل المنافق مثل الشاة بين الغنمين". فقال عبيد بن عمير هي واحدة إذا لم يجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا، فلا يضرك أن قدمت شيئًا أو أخرته، فهو واحد٢.
٩٢٥- وهذه القصة مع دلالتها على تمسك ابن عمير بلفظ الحديث وأدائه دون تغيير في ألفاظه بما لا يغير المعنى، فإنها تشير إلى اتجاه آخر عند الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أنهم يجوزون رواية الحديث بالمعنى ما دام ذلك لا يغير "أو لا يجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا" كما يعبر الصحابي عبيد بن عمير. وسننتقل إلى هذا الاتجاه بعد قليل.
٩٢٩- وقد روي هذا عن الإمام مالك ﵁، فقد سأله أحد تلاميذه عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد؟ قال: أما ما كان من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيه أو ينقص٣.
_________________
(١) ١ الربيض: الغنم نفسها، والربض: موضعها الذي تربض فيه، أراد أنه مذبذب كالشاة الواحدة بين قطيعين من الغنم، أو بين مربضيهما. "النهاية". ٢ الكفاية ص ٢٦٨ - ٢٦٩. ٣ جامع بيان العلم وفضله حـ١ ص٩٧.
[ ٤١٧ ]
٩٢٧- وقد حكى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يحب أن يحدث بالألفاظ "أي يتمسك بألفاظ الحديث ولا يغير فيها"١.
٩٢٨- وروي هذا أيضًا عن القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوه"٢.
٩٢٩- وحجة أصحاب هذا الاتجاه أن الحديث بالمعنى وعدم التمسك بألفاظ الرسول، ﷺ قد يغير مما أراده، خاصة وأنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم والفصاحة في البيان ما هو نهاية لا يدركه فيه غيره، ففي التبديل بعبارة أخرى لا يؤمن التحريف أو الزيادة والنقصان فيما كان مرادًا له٣.
٩٣٠- ومن حجتهم كذلك قول الرسول ﷺ: "نَضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فقد أمر ﷺ بمراعاة اللفظ في النقل، وبين المعنى فيه وهو تفاوت الناس في الفقه والفهم، واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عامًّا عن تبديل اللفظ بلفظ آخر٤.
٩٣١- ومن حجتهم أيضًا ما يرويه الإمام أحمد بسنده عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "إذا أويت إلى فراشك، فتوضأ ونم على شقك الأيمن وقل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة". قال البراء: فرددتها على النبي ﷺ، فلما بلغت "آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت "وبرسولك" قال: "لا، وبنبيك الذي أرسلت" ٥ قال أصحاب هذا الاتجاه: أفلا ترى أنه لم
_________________
(١) ١ الكفاية "م" ص٢٥٩. ٢ معرفة السنن والآثار حـ١ ص٤٤. ٣ أصول السرخسي حـ١ ص٣٥٥. ٤ أصول السرخسي حـ١ ص٣٥٥ والمحدث الفاصل:"المخطوط" ص٣٤٦. ٥ المسند حـ٤ ص٣٩٢ - ٣٩٣.
[ ٤١٨ ]
يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ؟ ولم يجز تبديل كلمة "بنبيك" بكلمة "برسولك"؟ مع أن المعنى لا يتغير بهما١؟
٩٣٢- ولكن الواقع أن من ذهبوا إلى هذا قليلون وليسوا كثيرين كما يقول الخطيب -وربما هذا هو ما جعل السرخسي يصف هذا الاتجاه بأنه "قول مهجور"٢.
٩٣٣- وبعض الروايات التي رويت عمن قيل عنهم ذلك تحتمل أحد أمرين:
الأمر الأول: أن إنكارهم كان على الزيادة والنقصان في الحديث وهذا بطبيعة الحال -يستدعي التغيير في المعنى في غالب الأمر، ومن هذا ما رواه الخطيب بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: "لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ أحد إذا سمع من رسول الله ﷺ لا يزيد ولا ينقص ولا مثل عبد الله بن عمر"٣.
الأمر الثاني: هو الكراهة فقط أو استحباب الرواية على اللفظ ولا يتعدى ذلك إلى رفض الرواية بالمعنى، ولهذا فسر أئمة المالكية قول مالك السابق بأنه "على الاستحباب" وأن "الأولى والمستحب المجيء بنفس اللفظ ما أستطيع"٤ وقد عبر مالك نفسه عن هذا الاستحباب بقوله: "فأحب أن يؤتي به على ألفاظه"٥ ومما يؤكد ذلك أنه أجاز زيادة الواو أو الألف إذا كان ذلك لا يغير المعنى٦ ومما يؤكد ذلك أيضًا أن القاضي عياضًا قد عده من المجيزين لرواية الحديث بالمعنى أي من أصحاب الاتجاه الثاني.
_________________
(١) ١ الكفاية "م" ص٢٧. ٢ أصول السرخسي حـ١ ص٣٥٥. ٣ الكفاية "م" ص٢٦٥. ٤ الإلماع ص١٧٩. ٥ المصدر السابق ص١٨٠. ٦ ترتيب المدارك حـ١ ص١٤٨.
[ ٤١٩ ]
٩٣٤- ويحمل على هذا الأمر كذلك قول عمر بن الخطاب ﵁: "من سمع حديثًا فحدث به كما سمع فقد سلم" أي الأحوط أن يحدث به على لفظه وهذا ما لا يختلف فيه١.
٩٣٥- وأصحاب هذا الاتجاه كما لا يجيزون الرواية بالمعنى لا يجيزون تقديم كلمة على كلمة، فابن عمر ﵁ روى عن رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: على أن تعبد الله، وتكفر بما دونه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام رمضان". فقال الرجل: نعبد الله ونكفر بما دونه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت، قال: لا: أجعل صيام رمضان آخرهن -كما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
٩٣٦- وابن عمر أيضًا لم يجز زيادة حرف واحد وإن كان لا يغير المعنى فقد روى عن رسول الله، ﷺ: "لا تدخلوا على القوم المعذبين -يعني حجر وثمود- إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم - أو قال: يصيبكم مثل ما أصابهم٣.
٩٣٧- وقد عبر الشعبي عن هذا بقوله: "كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوًا أو ألفًا أو دالًا٤.
٩٣٨- وقد غالى بعض أصحاب هذا الاتجاه فرأى ألا يصحح لحنًا وقع في الحديث من أحد الرواة قبل أن يأتي إليه"٥.
٩٣٩- وقال أصحاب هذا الاتجاه: إن رواية الحديث على النقصان والحذف لبعض متنه غير جائزة؛ لأنها تقطع الخبر وتغيره، "فيؤدي ذلك إلى إبطال معناه وإحالته"،وكان بعضهم لا يستجيز أن يحذف منه حرفًا
_________________
(١) ١ الكفاية "م" ص ٢٦٧. ٢، "٣" و"٤" و"٥" الكفاية "م" على التوالي ص٢٧١، ٢٧٤ و٢٨٠ - ٢٨٤.
[ ٤٢٠ ]
واحدًا، يقول عبد الملك بن عمير: "١١٠هـ" "والله إني لأحدث بالحديث، فما أدع منه حرفًا"١ وقال الخليل بن أحمد: لا يحل اختصار حديث النبي، ﷺ؛ لقوله: "رحم الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، كما سمعه" ٢.
٩٤٠- وروى عن مالك أنه كان لا يرى أن يختصر الحديث، وقال أبو عاصم النبيل: يكره ذلك؛ لأنهم يخطئون المعنى٣.
٩٤١- وإذا كان أصحاب هذا الاتجاه قليلين -كما رأينا- فإن الغالبية العظمى، وجمهور السلف والخلف -قد أجازوا رواية الحديث بمعناه ومن هنا رأينا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة أتت بألفاظ وعبارات مختلفة.
٩٤٢- وممن ذهب إلى ذلك من الصحابة واثلة بن الأسقع وابن مسعود وأنس وغيرهم. ومن التابعين الحسن البصري وابن عون والشعبي.
روي عن الحسن أنه كان يحدث اليوم بحديث، ويعيده من الغد فيزيد فيه أو ينقص منه غير أن المعنى واحد "وقيل: لإبراهيم النخعي: إنا نسمع منك الحديث فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعناه، قال: أرأيتك إذا سمعت تعلم أنه حلال من حرام؟ قال: نعم، قال: فهكذا كل ما نحدث.
وروى ابن عون قال: كان الحسن والشعبي وإبراهيم يحدثون مرة هكذا ومرة هكذا، ويقول ابن عون أيضًا: لقيت منهم من كان يحب أن يحدث الحديث كما سمع، ومنهم من لا يبالي إذا أصاب المعنى٤.
٩٤٣- وممن روي عنه في القرن الثاني ذلك الزهري الذي يقول: إذا أصبت المعنى فلا بأس٥ والإمام الشافعي وأبو حنية ومالك٦ ﵃ جميعًا وكذلك جعفر بن محمد وسفيان الثوري وسفيان ابن عيينه، وحماد بن زيد ويحيى بن سعيد القطان٧.
_________________
(١) ١ و٢ و٣ الكفاية "م" على التوالي: ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١. ٤ المحدث الفاصل ص٣٤٨ - ٣٥٠. ٥ كتاب العلم لابن أبي خيثمة ص١٣٤. ٦ الإلماع "التحقيق" ص١٨٧ عن الإكمال لشرح كتاب مسلم بن الحجاج في الصحيح ل٣ أ. ٧ الكفاية "م" ص٣١٤ - ٣١٦.
[ ٤٢١ ]
٩٤٤- وقد ذكر الخطيب البغدادي من حجة هؤلاء أحاديث بطرق ضعيفة مضطربة، قال السخاوي في بعضها: "إنها مضطربة لا تصح" ورواها الجوزجاني في الموضوعات.
٩٤٥- واستدل الشافعي ﵁ لذلك بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه"، فإذا كان الله تعالى رحمة منه بخلقه -أنزل كتابه على سبعة أحرف لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم منه فغير كتاب الله تعالى أولى لأن تجوز فيه الرواية بالمعنى ما لم يتغير المعنى بتغير اللفظ، يقول مبينًا ذلك: "فإن كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف، معرفة منه بأن الحفظ قد يزل ليحل لهم قراءته، وإن اختلف اللفظ فيه، ما لم يحل معناه. وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه٢.
٩٤٦- وقد روي ما هو شبيه بهذا عن يحيى بن سعيد القطان حيث قال: أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ؛ لأن القرآن أعظم حرمة، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدًا٣.
٩٤٧- بالإضافة إلى هذا فنظم الحديث ليس بمعجزة، والمطلوب منه ما يتعلق بمعناه وهو الحكم من غير أن يكون له تعلق بصورة النظم وقد علمنا أن الأمر بالتبليغ لما هو مقصود به، فإذا أكمل بذلك بالنقل بالمعنى كان ممتثلًا لما أمر به عن النقل لا مرتكبًا للحرام، وإنما يعتبر النظم في نقل القرآن، لأنه معجز مع أنه قد ثبت فيه أيضًا نوع رخصة كما رأينا٤.
٩٤٨- ومن حجة أصحاب هذا الاتجاه أيضًا اتفاق الصحابة رضوان الله عليهم على روايتهم لبعض الأوامر والنواهي بألفاظهم، مثل ما روى
_________________
(١) ١ تدريب الراوي حـ٢ ص٩٩. ٢ الرسالة ص١٧٤. ٣ الكفاية ص٣١٦. ٤ أصول السرخسي حـ١ ص٣٥٦.
[ ٤٢٢ ]
صفوان بن عسال المرادي، أن النبي ﷺ كان يأمرنا إذا كنا سفراء ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها.. وما روى أبو محذورة ﵁ أنه ﵇ أمره بالترجيع.. وما روى عامر بن سعيد بن أبيه قال: أمر النبي ﷺ بقتل الوزغ، وسماه فويسقًا، وما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة ورخص في العرايا إلى غير ذلك من الأمثلة.
٩٤٩- وكانوا رضوان الله عليهم ينقلون الحديث الواحد الذي جرى في مجلس واحد في واقعة معينة بألفاظ مختلفة، مثل ما روي في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد ودعا بعد الفراغ، فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم بعدنا أحدًا. لقد قال له رسول الله ﷺ: "لقد تحجرت واسعًا" وروي: "لقد ضيقت واسعًا" وروي كذلك: "لقد منعت واسعًا".
٩٥٠- ومثل الحديث الذي اتخذه أصحاب الاتجاه الأول: "نَضّر الله امرأ" لقد روي: "فرب حامل فقه لا فقه له" مكان "غير فقيه" ولم ينكر عليهم أحد في كل ذلك. "فكان ذلك إجماعًا منهم على الجواز"١.
٩٥١- وقد روي عن ابن مسعود وأنس وغيرهما من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقولون عند الرواية: قال رسول الله ﷺ أو نحوًا منه أو قريبًا منه، ولم ينكر عليهم ذلك أحد "فكان إجماعًا على الجواز أيضًا".
٩٥٢- وهؤلاء الصحابة كان بعضهم لا يكتب ما يسمعه، وما رواه إلا بعد سنين، وهذا فيه دلالة على أنهم كانوا يعددون رواياتهم؛ لأنهم كانو يروونها٢ بالمعنى.
٩٥٣- وإذا كانت هذه الروايات تدل على ما نحن بصدده، بمفهومها
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٧٦. ٢ كشف الأسرار ٣/ ٧٧٦.
[ ٤٢٣ ]
فإن هناك بعض الروايات عن الصحابة تدل نصًّا على جواز الرواية بالمعنى؛ لأنهم كانو يفعلون ذلك، فقد سئل واثلة بن الأسقع أن يحدث بعض أصحابه أو تلاميذه، بحديث ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان؟ فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟.. قالوا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًّا.. إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: "هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظًا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة؟.. حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى"١.
٩٥٤- كما روى البيهقي بسنده عن جابر بن عبد الله قوله: "إنا قوم عرب نردد الأحاديث فنقدم ونؤخر"٢. وروى الإمام الشافعي أن بعض التابعين قال: "لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتهدوا في المعنى واختلفوا على ما في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحيل المعنى"٣.
٩٥٥- ومن حجتهم أيضًا أن الأمة قد اتفقت على أن للعالم بمعنى خبر النبي ﷺ وللسامع لقوله أن ينقل هذا المعنى بغير اللغة العربية وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه، مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، لا سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان، وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان، لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه، وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه، وامتثال موجبه دون إيراد نفس لفظه وصورته؛ لأنه إذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى٤.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/ ١٠٠. ٢ المصدر السابق نفسه. ٣ الرسالة ص٢٧٥. وراجع التحقيق في الهامش في بيان عدم حذف الياء في "يحيل" وأن ذلك لغة. ٤ الكفاية "م" ٢٠٣ - تدريب الراوي ٢/ ١٠٠.
[ ٤٢٤ ]
٩٥٦- ومن حجتهم كذلك أن الله تعالى قد قص من أنباء ما قد سبق قصصًا كرر ذكر بعضها في مواضع مختلفة بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والزيادة وقد روي هذا عن الحسن البصري١.
٩٥٧- وكما أقام أصحاب هذا الاتجاه حججهم فقد استداروا إلى مخالفيهم يردون عليهم ما احتجوا به في عدم جواز رواية الحديث بالمعنى.
ويروي الرامهرمزي ما رد به هؤلاء على مخالفيهم الذين استدلوا بحديثين صحيحين -كما عرفنا- وفي الحديث الأول استدلوا بعبارة: "فأداها كما سمعها" ويبين المجيزون أن المراد "فأدى حكمها لا لفظها؛ لأن اللفظ غير معتد به، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله: "فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وفي الحديث الثاني استدلوا برد الرسول ﷺ للبراء بن عازب من "برسولك" إلى "بنبيك" كما علمه أولًا. ويرد المجيزون بأن كلمة "النبي" تحمل معنى زائدًا، ففيها زيادة مدح ولكل نعت من النعتين موضع؛ لأن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء ﵈، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة جميعًا، فلما قال: وبنبيك الذي أرسلت" جاء بالنعت الأكثر مدحًا وقيده بالرسالة، بقوله: "الذي أرسلت" فكأن المعنى يتغير، ولهذا رده الرسول ﷺ.
٩٥٨- أضف إلى ذلك أن الرسول ﷺ كان هو المعلم للصحابي الدعاء، وإنما القول هنا في اتباع اللفظ إذا كان المتكلم هو الذي يحكي كلام غيره.
٩٥٩- وأيضًا فالأسلوب بقوله: "ورسولك الذي أرسلت" يصير ركيكًا لأنه من المستقبح في الكلام أن تقول: "هذا رسول الله الذي
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "مخطوط" ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٤٢٥ ]
أرسله"، "وهذا قتيل زيد الذي قتله"؛ لأنه كان يكفي أن تقول: "رسول فلان" ولا حاجة إلى إعادة اسم المرسل والقاتل١.
٩٦٠- ولكن: هل المجوزون لرواية الحديث بالمعنى يرسلونها هكذا إرسالًا دون ضوابط أو قيود؟!
كيف ذلك وهم كغيرهم يحرصون على أن ينقل حديث رسول الله ﷺ دون تحريف أو تبديل؟
ولهذا فليس عجبًا أن نراهم يضعون من القيود والضوابط ما يحقق ذلك على الرغم من ترخيصهم في الرواية بالمعنى.
٩٦١- وقد لاحظنا بعضًا من ذلك في آخر كلام الشافعي السابق الذي يجوز فيه الرواية بالمعنى ويقيم الحجة له إذا قال: "ما لم يحل المعنى".
٩٦٢- والحق أنه أول من عبر عن هذه القيود والضوابط -على ما نعلم- بصورة مفصلة، حيث رأى أنه لا بد لمن يؤدي الحديث أن يكون عاقلًا يفهم معنى الحديث "فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى كان غير عاقل للحديث فلم نقبل حديثه، إذا كان يحمل ما لا يعقل إن كان ممن يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديته على معانيه، وهو لا يعقل المعنى"٣.
٩٦٣- ويحكي الخطيب أن هذا ليس خاصًّا بالشافعي، وإنما هو شرط عند جمهور الفقهاء؛ وأنه "ليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز للجاهل بمعنى الكلام، وموقع الخطاب والمحتمل منه وغير المحتمل"٣.
٩٦٤- ويضيف الشافعي إلى هذا القيد قيدًا آخر وهو أن يكون الراوي عالمًا بما يغير المعاني من الألفاظ؛ أي يفهم الفروق بين الألفاظ ومعانيها، وكذلك الأساليب؛ لأنه إذا لم يكن كذلك ربما يغير المعنى بتغيير اللفظ أو الأسلوب، فيحل الحرام ويحرم الحلال، يقول الإمام الشافعي مبينًا
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "المخطوط" ص٣٤٧ - ٣٤٨. ٢ الرسالة ص٣٨١. ٣ الكفاية "م" ص٣٠٠.
[ ٤٢٦ ]
الشرطين معًا: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا: منها أن يكون من حدث به عاقلًا لما يحدث به عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ؛ وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث"١.
٩٦٥- وليست كل الأحاديث عند الشافعي تجوز فيها الرواية بالمعنى، وإنما ذلك خاص بغير أحاديث الأحكام؛ لأن هذا يؤدي اختلاف اللفظ فيها إلى تغيير المعنى واختلافه في غالب الأمر، وقد سبق قوله" وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه٢.
٩٦٦- ويعتبر هذا شرطًا آخر من شروط الرواية بالمعنى عنده وقد مثل لهذا بأحاديث التشهد التي ورد كل منها بألفاظ مختلفة عما في الأخرى، فقال:
"ما في التشهد إلا تعظيم الله، وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعًا وألا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت، ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف، فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روى عن النبي ﷺ أجزأه"٣.
٩٦٧- ولا يقل هذا الشرط أهمية عن الشروط السابقة؛ لأن أحاديث الأحكام تستنبط منها الأمور الفقهية، وهذا الاستنباط يعتمد في كثير من الأحيان على الألفاظ وما تدل عليه من معان ظاهرة أو خفية٤.
٩٦٨- وقد ضيق الشافعي بهذه الشروط من دائرة الأحاديث التي تجوز فيها الرواية بالمعنى؛ لأن أحاديث الأحكام بلا شك أكثر من الأحاديث الأخرى؛ ولأن الرواة الفاهمين لأسرار اللغة العربية أقل من غيرهم ولهذا
_________________
(١) ١ الرسالة ص ٣٧٠ - ٣٧١. ٢، ٣ المصدر السابق ص ١٧٤ - ٢٧٦. ٤ انظر نصب الراية حـ٤ ص٢٠٠.
[ ٤٢٧ ]
نجده في بعض الأحيان ينهى مطلقًا عن الرواية بالمعنى حتى يتسنى للناس أن ينهلوا من الحديث كما صدر من رسول الله ﷺ بلفظه ومعناه.
يقول: "لا يجوز لأحد أن يختصر حديث رسول الله ﷺ فيأتي ببعض الحديث ويترك بعضه، يحدث بالحديث كما روي عنه بألفاظه؛ ليدرك كل مما سمع منا ما فهمه الله ﵎"١.
٩٦٩- وقد قدم أصوليو الأحناف قيودًا فيها بعض الشبه مما قاله الشافعي، قال السرخسي: إن الخبر إذا كان محكمًا له معنى واحد معلوم بظاهر المتن، يجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالمًا بوجوه اللغة؛ لأن المراد به معلوم حقيقة، وإذا عبر الراوي بعبارات أخرى في أدائه لا تتمكن فيه تهمة الزيادة والنقصان.
٩٧٠- أما إذا كان ظاهرًا يحتمل غير ما ظهر من معناه كالعلم الذي يحتمل الخصوص والحقيقة التي تحتمل المجاز؛ فإنه لا تجوز روايته على المعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة وطريق الاجتهاد؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لا يؤمن عليه أن ينقله إلى ما لا يحتمل ما احتمله اللفظ الأصلي له من خصوص أو مجاز، ولعل العبارة التي يروي بها تكون أعم من تلك لجهله الفرق بين العام والخاص "فإذا كان عالمًا بفقه الشريعة يقع الأمن عن هذا التقصير منه عند تغيير العبارة، فيجوز له النقل بالمعنى كما كان يفعله الحسن والنخعي والشعبي ﵏"٢.
٩٧١- ومثاله قوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" فموجبه العموم؛ لأن كلمة من "تتناول الذكر ولأنثى والصغير والكبير، لكن المراد منه محتمله وهو الخصوص إذا الأنثى والصغير والكبير، ليسا بمرادين منه لما عرف، فلو لم يكن للناقل معرفة ربما ينقله بلفظ لم يبق فيه احتمال الخصوص، بأن قال مثلًا: كل من ارتد فاقتلوه ذكرًا كان أو أنثى وحينئذ
_________________
(١) ١ مناقب الشافعي حـ٢ ص٣٠. ٢ أصول السرخسي حـ١ ص ٣٥٦.
[ ٤٢٨ ]
يفسد المعنى، وقوله ﵊: "لا وضوء لمن لم يسم". فإن موجبه وحقيقته نفي الجواز، ومحتمله نفي الفضيلة، والمحتمل هو المراد لدلائل دلت عليه، فلو لم يكن الناقل بالمعنى فقيهًا ربما ينقله بلفظ لا يبقى فيه هذا الاحتمال بأن يقول مثلًا: "لا يجوز وضوء من لم يسم" فيتغير الحكم ويفسد المعنى١.
٩٧٢- وإذا كان الحديث من باب المشكل أو مشتركًا يعرف المراد منه بالتأويل أو مجملًا لا يعرف المراد منه إلا ببيان أو متشابهًا أو من جوامع كلمه ﷺفإنه لا تجوز الرواية عندئذ "حينئذ" بالمعنى.
٩٧٣- فأما المشكل والمشترك فلا يجوز نقلهما بالمعنى لأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس، فلا يكون حجة على غيره.
٩٧٤- وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى؛ لأنه لا يتوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر والمتشابه كذلك: لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى.
٩٧٥- وأما ما يكون من جوامع كلمه ﷺ كقوله: "الخراج بالضمان". و"العجماء جبار" وما أشبه ذلك، فقد جوز بعض الحنفية نقله بالمعنى ولم يجوزه بعضهم الآخر؛ لأن النبي ﷺ كان مخصوصًا بهذا النظم؛ ولإحاطة الجوامع بمعان قد تقصر عنها عقول ذوي الألباب. ويقول السرخسي: إن هذا كان هو مراد رسول الله ﷺ بقوله: "ثم أداها كما سمعها" ٢.
٩٧٦- ويعني أصحاب هذا الاتجاه الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى أجازوا النقصان فيه إذا كان الراوي قد رواه مرة أخرى بتمامه، أو علم أن غيره قد رواه على هذا التمام، ولا يجوز له ألا يعلم ذلك ويفعله، وممن فعل ذلك الإمام سفيان الثوري، فقد كان يروي الأحاديث على الاختصار،
_________________
(١) ١ كشف الأسرار حـ٣ ص٧٧٨. ٢ أصول السرخسي حـ١ ص٣٥٧ - أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار حـ٣ ص ٧٧٧ - ٧٧٨.
[ ٤٢٩ ]
لمن قد رواها له على التمام لأنه كان يعلم منهم الحفظ والمعرفة بها، يقول أحد تلاميذه "علمنا سفيان الثوري اختصار الحديث١".
٩٧٧- وقال كثير من العلماء يجوز الاختصار على كل حال ولا يقتصر على أنه رواه قبل ذلك تامًّا٢.
- وهذا بطبيعة الحال مشروط بالشرط الأساسي في الرواية بالمعنى وهو ألا يؤدي ذلك أو غيره إلى إحالة معنى الحديث وتغيره يقول الخطيب البغدادي: "وإن كان النقصان من الحديث شيئًا لا يتغير به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واع محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى دون من لم يجز ذلك"٣ ويقول القاضي عياض مبينًا ذلك أيضًا: "وكذلك جوزوا رواية بعض الحديث إذا لم يكن مرتبطًا بشيء قبله ولا بعده ارتباطًا يخل بمعناه، وكذلك إن جمع الحديث حكمين أو أمرين كل واحد مستقل بنفسه غير مرتبط بصاحبه فله الحديث بأحدهما. وعلى هذا كافة الناس ومذهب الأئمة"٤.
٩٧٨- ومن باب أولى -في هذا الاتجاه ينبغي أن يصحح كل لحن أو خطأ لغوي يقع في الحديث. وقد نبه على ذلك من أهل القرن الثاني الأوزاعي وحماد بن سلمة وعفان وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وابن معين وأحمد بن حنبل٥.
٩٧٩- وبعد -فلعلنا على ثقة بعد هذا الفصل من أن علماءنا قد عنوا بمتن الحديث في هذا الباب عناية كبيرة، ولاحظوا هل يتغير المعنى أو لا، أما عند المجيزين للرواية بالمعنى فأمرهم ظاهر واضح، وأما الآخرون فقد وضعوا من القيود كما رأينا ما يعصم من تغيير معنى حديث رسول الله ﷺ ولا نغالي إذا قلنا: إن جوازهم كان في أقصر الحدود.
_________________
(١) ١ الكفاية "م" ص٢٩٣. ٢، ٣ الكفاية "م" ص ٢٨٩، ٢٩٣ على التوالي. ٤ الإلماع ص ١٨٧ "التحقيق" عن الإكمال لشرح مسلم ل٣-أ "وهو مخطوط". ٥ الكفاية "م" ص ٢٩٦ - ٢٩٨.
[ ٤٣٠ ]