مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى محمد خاتم النبيين والمرسلين.
وبعد: فقد قام المسلمون من لدن الصحابة -رضوان الله عليهم- بالعناية الفائقة بسنة رسول الله -ﷺ- رواية ودراية، ووضعها للأسس التي تحفظها، من تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
وقد كانت في القرن الثاني الهجري العلامات البارزة في طريق رعاية السنة النبوية الكريمة وتوثيقها؛ ذلك أنه قد هبت في هذا القرن أعاصير عاتية، تهدف إلى الإطاحة بالسنة، وإبعاد المسلمين عنها، وتشكيكهم في طرق نقلها ورواتها وقيض الله -﷿- أئمة كبارًا في هذا القرن، وقفوا في وجه هذه الأعاصير يردون كيدها، ويحفظون للمسلمين سنة نبيهم، ﷺ، المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.
حقيقة سعد هذا القرن بالنصيب الأوفى والقدح المعلى من أئمة المسلمين الذين قاموا بجهد كبير في توثيق السنة من أمثال مالك بن أنس، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، وصاحبيه، محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، يعقوب ابن إبراهيم، والشافعي محمد بن إدريس، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، هؤلاء الذين وهب لهم الله البصائر النيرة، والعقول الذكية، مع الإخلاص لله ﷿، ولرسوله -ﷺ- وللمؤمنين، فقاموا بوضع المصنفات في السنة، ووضع الأسس التي تميز ما نسب حقًّا وصدقًا إلى رسول الله -ﷺ- وما وضع عليه زورًا وبهتانًا.
[ ٣ ]
وما أشبه الليلة بالبارحة كما يقولون! فقد نبتت نابتة في عصرنا الحديث، تشكك المسملين في السنة، وتسير على درب أسلافهم الذين كادوا للمسلمين وللإسلام، وردهم الله على أعقابهم خاسرين، زعمت هذه النابتة أن السنة حرفت وبدلت وأن أسس توثيقها كانت واهية وشكلية، ولم تنهض بعبء الحفاظ عليها.
هل حقًّا ما يزعم هؤلاء؟.. إن الأمر في حاجة إلى دراسة متأنية موضوعية، تكشف وجه الحق، وتبرز ما أخفاه هؤلاء الجاهلون، أو غاب عنهم.
وهذا ما دفعني إلى اختيار موضوع هذه الرسالة، "توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، أسسه واتجاهاته".
ومهدت لهذا الموضوع بتمهيد وقف عند بعض الموضوعات التي تحدد أبعاده، وتكون الأساس لما يعالجه من قضايا.
وإذا كان الحديث الذي هو بمعنى السنة -كما اصطلحنا في هذه الرسالة- ينقسم إلى قسمين: السند والمتن، وكانت عناية أهل القرن الثاني هي توثيق القسمين معًا؛ بهدف التأكد مما نقل عن رسول الله -ﷺ- نقلًا صحيحًا -فقد قسمت هذه الرسالة إلى قسمين:
القسم الأول: ويعنى ببيان الأسس التي وضعت لتوثيق سند الحديث، مما يؤدي إلى توثيق متنه، وهو ما سماه بعض الباحثين بالنقد الخارجي للحديث.
والقسم الثاني: ويعنى ببيان الأسس التي تتعلق بتوثيق متن الحديث بعيدًا عن سنده، وبالنظر إلى ألفاظه ومعانيه، وهو ما سُمي حديثًا كذلك بالنقد الداخلي للحديث.
والقسم الأول: يتكون من أربعة فصول:
يتناول الفصل الأول منه بيان كيفية نقل الحديث إلى أهل القرن الثاني الهجري؛ من حيث عدد رواته، وتواتر نقلته، أو عدم تواترهم.
[ ٤ ]
ويتناول الفصل الثاني أسس توثيق الراوي ناقل الحديث، وبيان الشروط التي ينبغي توافرها فيه؛ حتى يطمأن إلى حمله للحديث، وروايته له نقيًّا غير محرف أو مبدل فيه.
والفصل الثالث: يتناول مناهج تحمّل الحديث وروايته وما هو جدير منها بتوثيقه والمحافظة عليه؛ فيكون مقبولًا، وما هو غير ذلك، فيكون مرفوضًا.
والفصل الأخير: من هذا القسم تعرض للأسانيد؛ من حيث اتصالها وانقطاعها، ومتى يكون الحديث بها موثقًا، ومتى يكون غير ذلك في رأي بعض الفقهاء والمحدثين.
وقد طوف القسم الثاني من الرسالة مع الفقهاء ونقدهم الداخلي للحديث، بعيدًا عن رجاله وأسانيده.. وهو يتكون من ستة فصلول:
الفصل الأول: يتناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على القرآن الكريم بين الآخذين به والرافضين له، والأمثلة التي طبق عليها هذا المقياس.
والفصل الثاني: تناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، ذلك المقياس الذي أخذ به الأحناف، ورفضه الإمام الشافعي كأساس من أسس توثيق الحديث.
ومقاييس أخرى عرض لها الفصل الثالث، ومنها عرض أحاديث الآحاد على ما هو مشهور بين الصحابة وعملهم وفتاواهم: وقد تناول هذا الفصل وجهة نظر الآخذين بها والرافضين لها كمقاييس أساسية في نقد الحديث وتوثيقه.
والفصل الرابع: تناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على عمل أهل المدينة الذي أخذ به أصحاب مالك ﵁، ورفض الإمام الشافعي له، ومناقشته للآخذين به ومناقشة غيره من مخالفيهم.
[ ٥ ]
والفصل الخامس: تناول مقياس عرض خبر الواحد على القياس، بين من يأخذون به كأساس من أسس توثيق السنة، ومن يرفضون أخذه كذلك.
والفصل الأخير: عرض لرواية الحديث بالمعنى، من حيث المجيزون لهما، والرافضون.. كما عرض للأسس والقواعد التي وضعها بعض أئمة هذا العصر، ضمانًا لانتقال الأحاديث صحيحة عند روايتها بالمعنى.
ثم جاء دور الخاتمة، التي ذكرت أهم النتائج والاقتراحات التي انتهت إليها هذه الرسالة.
وطبيعة البحث في موضوع هذه الرسالة، على هذا المنهج، تقتضي الرجوع إلى نوعين من المصادر: مصادر تتناول أصول الفقه وأدلته، وأخرى تتناول أصول الحديث وأسسه.
أما بالنسبة للنوع الأول فقد يسر الله مؤلفات تمثل هذه الفترة خير تمثيل، وتحتوي على كثير من الأسس التي قال بها أئمة عاشوا في القرن الثاني الهجري، ومن هذه المؤلفات كتب الإمام الشافعي؛ كـ"الرسالة"، و"الأم"، و"اختلاف الحديث"، وبعض كتب الإمامين: محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، و"موطأ الإمام مالك بن أنس".
وهذه الكتب -بالإضافة إلى إمدادها هذه الرسالة بكثير من أصول توثيق السنة- كانت الفيصل والحكم فيها نسبه المتأخرون إلى أئمة هذا القرن من أسس. أو بعبارة أخرى كانت موازين عادلة وزنت بها كل هذه المنسوبات فأحقت بعضها، وأبطلت بعضها الآخر.
وأما النوع الآخر فقد كان بعضه من هذه الفترة، كمؤلفات الإمام أحمد بن حنبل، والإمام علي بن المديني. وبعض منه كان قريبًا منها، ويمتاز بالدقة والصدق فيما نقل عن أئمة هذا القرن، وعن مؤلفاتهم:
وأهم هذه المصادر كتب ابن أبي حاتم الرازي: الجرح والتعديل، والمراسيل وآداب الشافعي، وعلل الحديث. وكتاب الرامهرمزي المحدث
[ ٦ ]
الفاضل الذي يعتبر في رأي كثير من الدارسين أول مؤلف في أصول الحديث.
وقد قام هذا النوع بنفس الدور الذي قام به النوع الأول.
وطبيعي أن تغني هذه المصادر الأصيلة عن كثير من المراجع الحديثة في كثير من الأحيان، وإن كان للأخيرة فضل الاسترشاد وإنارة الطريق، ووضع علامات استفهام في طريق البحث لفتت نظري إلى أهم ما يجب أن يبحث عنه في هذهالفترة، كإجابات عن هذه الاستفهامات.
وتتبعت منهج١ أستاذنا الجليل محمد أبي زهرة عليه رحمة الله، فلم أثقل هوامش الرسالة بالإحالة إلى المراجع، واكتفيت بالمصادر عندما تلتقي الأولى بها، وبأهم المصادر وأقدمها عنما تلتقي هي أيضًا على فكرة واحدة.
وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هي تلك التي تعتمد على النصوص والوثائق فقد التزمت هذه الرسالة -إلى حد كبير- بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من فكر ومبادئ
وربما يلمس القارئ نوعًا من الغموض في بعضها، كنصوص الإمام الشافعي.. ولكن يعلم الله مقدار المعاناة في قراءة هذه النصوص والاستفادة منها، ومراجعتها أكثر من مرة وقد كنت حريصًا على إيرادها، والاستفادة منها، مؤثرًا الطريق الوعر، وتقديم كثير منها لأول مرة على الرغم من أن كتب الإمام الشافعي منتشرة بين العلماء، وطبعت منذ زمن بعيد.
_________________
(١) ١ ذكر هذا المنهج في مقدمة كتابه "مالك: حياته وعصره - آراؤه وفقهه" وكان يطبقه كذلك.
[ ٧ ]
وبعد؛ فقد اجتهد ما وسعني الاجتهاد في هذه الرسالة، ولكن الكمال لله ﷿ وحده، والمعصومون من الأخطاء هم أنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فأدعوا الله العلي الكريم أن يغفر زلات هذا العمل وأخطاءه، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به؛ إنه نعم المولى، ونعم المجيب.
القاهرة في: ربيع الثاني ١٣٩٦هـ.
أبريل ١٩٧٦م.
رفعت فوزي عبد المطلب
[ ٨ ]
تمهيد
مدخل
تمهيد:
١- يجدر بنا قبل أن نسير في بحثنا "توثيق السنة في القرن الثاني الهجري: أسسه واتجاهاته" أن نقف عند بعض الموضوعات التي تمهد له، وتكون أساسًا لما نعالجه من قضايا، وتوضح أبعاده.
ونعني بهذه الموضوعات: تحديد معنى السنة والحديث، ومعنى كلمة التوثيق ونظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري ودوافع التوثيق في القرن الثاني والموثقون للأحاديث فيه.
السنة:
٢- والسنة لها إطلاقات في اللغة١:
فهي السيرة الحسنة أو القبيحة، ومن ذلك قول الشاعر:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها
وفي الحديث النبوي الكريم الذي رواه مسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٢.
وكل من ابتدأ أمرًا واقتدى به فيه من بعده قيل: هو الذي سنه، قال الشاعر:
كأني سننت الحب أول عاشق من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي
_________________
(١) ١ انظر هذه الإطلاقات في لسان العرب مادة "س ن ن" طبعة دار صادر بيروت جـ١٥. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق عبد الله أحمد أبو زينة. طبعة دار الشعببالقاهرة مج٣ ص٥٥. وانظر صحيح مسلم طبعة دار التحرير ١٣٨٤هـ. المصورة عن طبعة استانبول عام ١٣٢٩ جـ٨ ص٦١/ ٦٢ مع اختلاف في بعض الألفاظ. - الفقيه والمتفقه: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي "٣٩٢- ٤٦٣هـ) دار إحياء السنة النبوية ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م. المجلد الأول ص: ٨٦ و٨٧.
[ ١١ ]
وقد يراد بها حسن الرعاية، والقيام على الشيء، من قولهم: سننت الإبل، إذا أحسنت رعايتها والقيام عليها.
٣- ولكن ماذا تعني "السنة عند العلماء؟
إذا بدأنا بالاستعمالات الأولى للسنة، وجدنا أنهم يريدون بها عمل رسول الله ﷺ وطريقته، فقد روى البخاري في صحيحه حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة"١. قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله، ﷺ؟ قال: وهل يعنون بذلك إلا سنته؟! ويعلق السيوطي على هذا بقوله: "فنقل سالم، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي، ﷺ"٢.
ومن هذا قول أبي قلابة: "عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا".
قال أبو قلابة: "لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي، ﷺ"؛ أي لو قلت لم أكذب؛ لأن قوله: من السنة" هذا معناه٣.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن زياد بن عبد الله النخعي قال: "كنا جلوسًا مع علي ﵁ في المسجد الأعظم، فجاء المؤذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال: اجلس، فجلس، ثم عاد، فقال له
_________________
(١) ١ أي صلها في الهاجرة. والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، قيل: سميت بذلك من الهجر، وهو الترك، لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون. "فتح الباري جـ٢ ص١٧". ٢ تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي "٨٤٩ - ٩١١هـ" تحقيق عبد الوهاب عبد المطلب -الطبعة الثانية- دار الكتب الحديثة - القاهرة ١٢٨٥هـ - ١٩٦٦م - جـ١ ص ١٨٨ - ١٨٩. ٣ المصدر السابق ١/ ١٨٩.
[ ١٢ ]
ذلك، فقال علي: هذا الكب يعلمنا السنة؟!. فقام علي فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا، فرجعنا إلى المكان الذي كنا فيه جلوسًا، فجثونا للركب، لتزور الشمس للمغيب، نتراءاها١.
وقد أطلقها عمر ﵁، وذكرها ابن عباس، وعمرو بن العاص، وعائشة، رضوان الله عليهم، وأرادوا بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ولهذا قال الشافعي، ﵀، مطلق السنة يتناول سنة رسول الله، ﷺ، فقط٣.
٤- وقد تطلق السنة وبراد بها عمل الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين، سواء أكان ذلك مأخوذًا من الكتاب أو من سنة رسول الله، ﷺ، أم من اجتهادهم. وقد ساغ هذا؛ لأن عملهم اتباع لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهاد مجتمع عليه منهم أو من الخلفاء٤.
وقد اعتبر الإمام مالك والإمام أحمد، رحمهما الله، فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم من السنة٥.
_________________
(١) ١ المستدرك على الصحيحين في الحديث لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم "٤٠٥هـ"، مكتبه ومطابع النصر الحديثة بالرياض ١/ ١٩٢. وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال: الذهبي صحيح. ٢ اختلاف الحديث: للإمام الشافعي، على هامش الجزء السابع من كتاب الأم له، طبعة دار الشعب ١٣٨٨هـ ١٩٦٨م ص٢٥ -تدريب الراوي: جـ١ ص١٨٩. ٣ أصول السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي "٤٩٠هـ" تحقيق أبي الوفا الأفغاني. نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر أباد الدكن بالهند ١٣٧٢ هـ، جـ١ - ص١١٣، ١١٤ - أصول البزدوي على هامش شرحه كشف الأسرار: لأبي الحسن علي بن محمد بن حسين البزدوي مكتب الصنايع ١٣٠٧هـ، ٢/ ٦٢٨، ٦٢٩. ٤ الموافقات في أصول الأحكام: لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغناطي الشاطبي "٧٩٠هـ" المكتبة السلفية. القاهرة ١٣٤١هـ، جـ٤ ص٢، ٣. ٥ ابن حنبل، حياته وعصره - آراؤه وفقهه: للأستاذ محمد أبي زهرة. دار الفكر العربي. مصر ص٢٥١.
[ ١٣ ]
وينقل السرخسي أن السلف كانوا يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، وكانوا يأخذون البيعة على سنة العمرين. وبين أن أصل هذا الإطلاق قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" ١.
٥- ولهذه الإطلاقات اختلف العلماء في قولهم: "من السنة كذا" فقد يحمل هذا القول على سنة الرسول، ﷺ، وقد يكون مقصودًا به من بعده من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وخاصة الصحابة٢.
٦- على أنه ينبغي أن ننبه إلى أنه على الرغم من وجود المعاني السابقة للسنة - فإنهم كانوا يعتبرون ما صدر عن رسول الله، ﷺ مميزًا عن غيره، وأنه، بعد كتاب الله ﷿، له الأولوية على ما عداه، وأنهم إذا أخذوا بغيره فلأنهم لم يجدوا ما يغنيهم من صحيح السنة، عندئذ يلجئون إليه، يقول الإمام الشافعي: "والعلم طبقات شتى، الأولى: الكتاب، والسنة إذا ثبتت السنة، ثم الثانية: الإجماع، فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي، ﷺ، قولًا، ولا نعلم له مخالفًا منهم، وارابعة: اختلاف أصحاب النبي، ﷺ، في ذلك. الخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يصدر إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى٣".
حقيقة وجدنا أن بعض العلماء، وخاصة في القرن الثاني الذي نقوم بدراسته، قد رد بعض الأخبار عدم شهرتها بين الصحابة، أو عدم
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/ ١١٤ - أصول البزدوي ٢/ ٦٣٠، والحديث رواه الترمذي في جامعه في كتاب العلم ٣/ ٣٧٨ طبعة دار الكتاب العربي - بيروت، بشرح تحفة الأحوذي، وقاله فيه: "حسن صحيح". ٢ أصول البزدوي ٢/ ٦٢٨. ٣ الأم: للإمام محمد بن إدريس الشافعي، طبعة الشعب جـ٧ ص٢٤٧.
[ ١٤ ]
أخذهم بها دليلًا، أو لأن بعض البلدان، وخاصة المدينة، لا تعمل بها، ثم يأخذون بأقوال للصحابة أو بعمل أهل المدينة، ولكن هذا لا يعني إلا أمرين.
الأول: أنهم لم يأخذوا بهذا على أنه مثل السنة في المكانة، ولا لأن السنة تطلق عليهما؛ وإنما لأنهم أصبحوا في شك، يقرب من اليقين أن هذا لم يصدر من الرسول، ﷺ، وأن هناك انقطاعًا باطنيًّا في الحديث، كما يعبر الأحناف.
الثاني: أن هذا تمسك بسنة الرسول ﷺ فقط؛ لأنهم عندما يلجئون إلى عمل، أو إلى الصحابة، فلاعتقاد منهم أنهم ورثوه عن النبي ﷺ، أو بعبارة أخرى عن سنة الرسول ﷺ.
نقول هذا لندرك مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض المستشرقين من أمثال يوسف شاخت، الذي يقول عن علماء القرن الثاني الهجري قبل الشافعي ومعاصريه إن "السنة بالنسبة إليهم لا ترتبط ضرورة بالنبي، ولكنها تمثل الآثار، ولو تصورًا، التي كان عليها العمل بين الجماعة مكونة العرف، فكانت على قدم المساواة مع ما كان يجري عليه العمل من عاداتهم، أو ما كانت تأخذ به عامتهم على وجه العموم". ويؤكد فكرة المساواة هذه بعبارة أوضح، فيقول: "ومن ناحية أخرى، فإنه من المؤكد أن السابقين والمعاصرين للشافعي كانوا يقدمون أحاديث الرسول إلا أنهم كانوا يضعونها في نفس المنزلة، التي يضعون فيها آثار الصحابة والتابعين"١، ثم يناقض نفسه فيجعل سنة الرسول في منزلة أقل فيقول: "وقد كان الاحتجاج بآثار الصحابة والتابعين هو المعمول فيه عند الجيلين السابقين للشافعي، وكان الاحتجاج بأحاديث الرسول الأمر الشاذ"٢.
_________________
(١) ١ Origns of Mohamadan Jurisprudence J.ch. P. ٢٥ عن موقف الإمام الشافعي من مدرسة العراق الفقهية: لمحيي الدين عبد السلام البلتاجي. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة ص١٣٠. ٢ المصدر السابق ص١٣٢.
[ ١٥ ]
نقول: لم يتصور أحد من المسلمين قبل الشافعي أو بعده أن عمل الصحابة ومن بعدهم، أو العمل بين الجماعة. والذي يكوِّن العرف يكون على قدم المساواة مع ما ينسب إلى النبي، ﷺ، أو في نفس المنزلة، فضلًا عن أن يكون في منزلة أدنى، أو في وضع شاذ بالنسبة لعمل غيره. والأمر لا يتعدى أن بعض الفقهاء قد وضع بعض المقاييس لتوثيق السنة، وهو الذي جعل الإمام الشافعي يرميهم بترك السنة، وعدم الاعتماد على صحتها من حيث الإسناد.
ولم يكن الشافعي هو الذي أتى بالجديد في ذلك، كما يزعم هذا الرجل، ويتبعه في ذلك بعض الباحثين، فقد كان معه ووراءه وقبله المحدثون جميعًا ينادون بترك هذه المقاييس والاقتصار على صحة الإسناد، ويتهمون مخالفيهم بترك السنة والابتعاد عنها، وهي تهمة كان يفزع منها خصومهم، ويحاولون أن يثبتوا أنهم برآء منها، ولو كان الأمر عندهم كما يصور "شاخت" وأمثاله ما بالوا بهذه التهم، ولما كانت شنيعة في نظرهم ونظر مجتمعهم، ما دام الأخذ بالسنة هو الأمر الشاذ.
وسيثبت لنا هذا البحث في جزء كبير منه، أنهم في الحقيقة كانوا يقدمون سنة النبي، النبي متى صحت عندهم بالمقاييس التي وضعوها، ولا يقدمون عليها إجماعًا أو قولًا أو عملًا، من الصحابة أو من غيرهم.
٧- وغير هذه الإطلاقات قد تطلق السنة في مقابلة البدعة، أي ما يحدثه الناس من قول أو عمل في الدين مما لم يؤثر عنه ﷺ وعن أصحابه، يقول الشاطبي: "فيقال فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ؛ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا ويقال فلان على بدعة إذا كان على خلاف ذلك "واعتبر في هذا الإطلاق عمل صاحب الشريعة، وإن كان العمل بمقضى الكتاب١".
٨- وتطلق السنة على النوافل من العبادات غير الفروض، مما نقل
_________________
(١) ١ الموافقات ٤/ ٢، ٣.
[ ١٦ ]
عن النبي، ﷺ، سواء كانت مؤكدة يكره تركها أو غير ذلك١.
٩- والسنة عند الشيعة لها إطلاق يختلف إلى حد كبير عن كل هذا. لأنها عندهم قول النبي -ﷺ- أو فعله أو تقريره، وقول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، أو بعبارة أخرى قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
وذلك لأن المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد واجب الاتباع "والأئمة من آل البيت عندهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي ﷺ والمحدثين عنه ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصّبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي من المعصوم قبله"٢.
١٠- وبعد أن استقرت المصطلحات في مؤلفات أصول الحديث والفقه وأصوله وجدنا للسنة مفهومات محددة تسير عليها هذه المؤلفات، ويسير عليها العلماء المتأخرون في هذه العلوم الثلاثة:
فالسنة عند علماء الحديث هي كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، سواء أدل ذلك على حكم شرعي أم لا.
والسنة عند علماء أصول الفقه هي كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي.
والسنة عند علماء الفقه هي كل ما ثبت عن النبي، ﷺ.
_________________
(١) ١ الاتجاهات الفقهية عند المحدثين في القرن الثالث الهجري، لأستاذنا د. عبد المجيد محمود: رسالة دكتوراه - دار العلوم ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨ص٣ الطبعة الأولى مكتبة الخانجي. ٢ أصول الفقه: محمد رضا المظفر. الطبعة الثالثة. دار النعمان بالنجف ١٣٩١هـ ١٩٧١ن م جـ٣ ص ٦١. "٢ - توثيق السنة"
[ ١٧ ]
ولم يكن من باب الفرض. فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض١.
١١- وسنسير في بحثنا -إن شاء الله تعالى- على الإطلاق الأول، وهو إطلاق المحدثين الذين يعنون بالسنة -كما أسلفنا- كل ما أثر عن النبي، ﷺ؛ وذلك لأن التوثيق للسنة اتجه إلى هذا المعنى، وعليه وضعت الأسس لمعرفة الصحيح الذي ينسب إلى الرسول ﷺ أو ما يتعلق به حقًّا، من زيفه الذي ينسب إليه كذبًا أو ضعيفه الذي يُشك في نسبته إليه ﷺ.
كما أنه لن يلتفت إلى أسس توثيق الشيعة للحديث؛ لأنهم لم يقوموا بوضع هذه الأسس إلا بعد القرن الثاني الهجري، وفي هذا القرن وما قبله كان هناك الأئمة الذين يأخذون منهم الأحاديث مباشرة، فمثلهم في هذا مثل من كانوا في العهد يرجعون إلى النبي ﷺ، ولم تكن هناك من حاجة إلى وضع هذه الأسس، ولا إلى تلك الحركة العلمية الهائلة التي قامت بوضع أسس لتوثيق السنة عند أهل السنة. ولم يبدأ التصنيف في علم أصول الحديث عندهم إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، مع التسليم بأن الحاكم النيسابوري منهم "٤٠٥هـ"٢.
هل يختلف هذا المفهوم الذي اخترناه للسنة عن مفهوم الحديث؟:
الحديث:
١٢- الحديث في اللغة يطلق على الجديد ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص، قال في "القاموس المحيط": "والحديث الجديد والخبر"
_________________
(١) ١ السنة قبل التدوين: د. محمد عجاج الخطيب، الطبعة الأولى -مكتبة وهبة -القاهرة ١٣٨٣هـ - ١٩٦٣م، ص١٥ - ١٨. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: د. مصطفى السباعي- الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة ص٥٢- ٥٣، ومصادرها. ٢ نشأة علوم الحديث ومصطلحه: د. محمد عجاج الخطيب -كلية دار العلوم- جامعة القاهرة ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م ص ٤٩٣. أمثال الحديث، مع تقدمه في علوم الحديث: د. عبد المجيد محمود. دار التراث، الطبعة الأولى ١٩٧٥ - القاهرة، ص٧٤.
[ ١٨ ]
وفي "لسان العرب": "والحديث الجديد من الأشياء، والحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث".
١٣- وتخصيص الحديث بما قاله الرسول، ﷺ، قد بدأ في حياته ﷺ، فقد سأله أبو هريرة: "يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة".. فأجابه رسول الله ﷺ: "لقد ظننت يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أدل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث" ١.
١٤- وقد اتسع استعمال الحديث بعد وفاة الرسول ﷺ فأصبح يشمل مع القول فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم٢.
ولهذا يصطلح المحدثون على أنه "ما صدر عن الرسول، ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة٣.
وهذا ما يطبق فعلًا في كتب الحديث منذ القرن الثاني الهجري، حتى إننا نجده في الكتب الخاصة بالسنن، أي بأدلة الأحكام من السنة٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري طبعة الشعب جـ١ ص٣٥/ ٣٦. ٢ الاتجاهات الفقهية ص٢. ٣ قواعد التحديث، لمحمد جمال الدين القاسمي، تحقيق محمد بهجة البيطار. الطبعة الثانية ١٣٨٠هـ - ١٩٦١م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي ص٦٤. ٤ انظر مثلًا سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي "٢٥٥هـ) دار إحياء السنة النبوية ١/ ٤ - ٦. - وانظر جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي - دار الكتاب العربي - بيروت لبنان ١/ ٣٠٢ - ٣٠٧.
[ ١٩ ]
السنة والحديث:
١٥- وهذا التعريف للحديث عند المحدثين ينطبق تمامًا على تعريف السنة، عندهم كما سبق أن ذكرنا.
ولكنه قد يبدو في أقوال بعض العلماء في القرن الثاني الهجري التفرقة
بينهما نلمس، ذلك في قول الأعمش١ ﵀: "لا أعلم لله قومًا أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحبون هذه السنة٢"، وأوضح منه على هذا قول عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة".
وربما كان أساس هذا التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن "الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي؛ إذ أنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها٤".
وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعلالرسول وقوله وتقريره، وتشمل أفعال الصحابة والتابعين، كما سبق أن ذكرنا.
١٦- ولكننا سنسير في بحثنا هذا -إن شاء الله تعالى- على أن السنة والحديث يتطابقان في المعنى، ويمكن أن يطلق أحدهما على الآخر.
١٧- وقد نطلق لفظين آخرين، ونريد بكل منهما ما نريده من كلمتي السنة والحديث بالمفهوم الذي اخترناه، وهما الخبر والأثر، وهما مرادفان للحديث عند المحدثين، ولهما مفهومات أخرى عند غيرهم٥ ليس هنا مجال بحثها.
_________________
(١) ١ هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي "١٤٨هـ" له ترجمة في تذكرة الحفاظ للذهبي - الطبعة الثالثة ١/ ١٥٤. ٢ المحدث الفاصل بين الراوي والواعي: الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي "نحو ٢٦٠ - ٣٦٠هـ" تحقيق د. محمد عجاج الخطيب. دار الفكر بيروت. الطبعة الأولى ١٣٩١هـ - ١٩٧١م، ص ١٧٧. ٣ تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل: للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٢٤٠ - ٣٢٧هـ) الطبعة الأولى - دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن. الهند ١٣٧١هـ - ١٩٥٢م ص١١٨. ٤ الاتجاهات الفقهية ص٤. ٥ شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مكتبة القاهرة. ص٣ - قواعد التحديث ص ٦١ - ٦٢.
[ ٢٠ ]
توثيق السنة والمراد منه:
١٨- في "لسان العرب" في مادة "وث ق": الثقة مصدر قولك: وثق به يثق بالكسر فيهما، وثاقة وثقة: ائتمنه، وأنا واثق به، وهو موثوق به، وهي موثوق بها وهم موثق بهم وثقت فلانًا إذا قلت: إنه ثقة، ووثقت الشيء توثيقًا؛ فهو موثق، والوثيقة الإحكام في الأمر ويقال: استوثقت من فلان، وتوثقت من الأمر: إذا أخذت منه بالوثاقة. وأخذت الأمر بالأوثق؛ أي: الأشد الأحكم وناقة موثقة الخلق: محكمة١.
ويضيف "تاج العروس": ووثقه توثيقًا؛ فهو موثق: أحكمه، ووثق فلانًا، قال فيه: ثقة، أي مؤتمن.
١٩- ونريد من توثيق السنة أو الحديث قريبًا من هذا، وهو الوصول بالحديث، بتطبيق الأسس العلمية التي وضعها العلماء، إلى درجة إحكام اتصاله، ونسبته إلى رسول الله ﷺ، وتوفر الأمانة في نقله من التحريف والتغيير أو الزيادة فيه. وعدم ائتمان ما يخالف هذه الأسس.
ويمكننا أن نقول على غرار هذه المادة اللغوية: وثق بالحديث يثق به، ائتمنه وأنا واثق به، أي آمن نسبته إلى رسول الله ﷺ، ووثقت الحديث توثيقًا، أحكمت نسبته إلى رسول الله، ﷺ.
٢٠- وقد شاع استعمال لفظ "ثقة" على لسان النقاد من المحدثين، وكتبهم وصفًا للرواة، ويعنون به ذلك الراوي العدل الضابط الذي يروي الأحاديث الصحيحة، لكنهم لم يتسعملوها كثيرًا -على ما أعلم- وصفًا للحديث الثابت الصحيح، وممن استعمل هذا في القرن الثاني الهجري الإمام محمد بن الحسن الشبياني في كتابه "الحجة" الذي ألفه في الرد على أهل المدينة،
_________________
(١) ١ لسان العرب: وقارن به تهذيب اللغة للأزهري ٩/ ٢٦٦ تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون - الدار المصرية للتأليف والترجمة. ٢ تاج العروس مادة: "وث ق".
[ ٢١ ]
فقال: "قد جاءت في الوتر أحاديث مختلفة، فأخذنا بأوثقها١"، ولكنه شاع في العصر الحديث، وخاصة في كتابة التاريخ مدعمًا بالأسانيد التي تثبت الوقائع، والمصادر الأصلية والمضبوطة، وصولًا منها إلى الحقائق التاريخية الثابتة والصحيحة.
٢١- ونريد ما هو شبيه بهذا من بحثنا، وهو بيان الأسس التي وضعها نقاد الحديث، صيانة لحديث رسول الله ﷺ، وانتقاء لصحيحه، وإبعادًا للضعيف والموضوع.
٢٢- وقد آثرنا هذه الكلمة على غيرها مما كان شائعًا عند المحدثين، وهو كلمة "النقد٢"؛ لأنها، وإن كان معناها الحقيقي بيان الصحيح من غيره، إلا أنه قد شاع استعمالها الآن خطأ في بيان العيوب، وقد يوحي استعمالنا لها في عنوان هذا البحث أننا نبين أسس عيوب السنة، وليس هذا بالطبع هو الواقع، أو ما نريده، وإنما الذي نريده، هو كشف الأسس التي قام عليها تمييز صحيح السنة من ضعيفها وزيفها٣؛ لنصل بالدراسة إلى أي مدى كانت هذه الأسس، مؤدية إلى الهدف الذي كان يريد أن يصل إليه علماؤنا من المحدثين والفقهاء؛ وهو تنقية السنة مما علق بها من شوائب التحريف والزيف، ثم تقديمها خالصة نقية؛ كي يستفيد منها المسلمون، كينبوع ثان من ينابيع التشريع الإسلامي، بعد كتاب الله ﷿: الينبوع الأول.
_________________
(١) ١ الحجة: للإمام محمد بن الحسن الشيباني "١٨٩هـ" مكروفيلم بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، ص ٤٤. ٢ انظر مثلًا تقدمه المعرفة ص٢ و١٠ و٢١٩. ٣ وهذا ما يقوم به علم الحديث دراية، وهو علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها؛ وحال الرواة وشروطهم، وأصناف المرويات وما يتعلق بها، وعلم الحديث رواية، وهو علم يشتمل على أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وروياتها وضبطها وتحرير ألفاظها. "تدريب الراوي ١/ ٤٠".
[ ٢٢ ]
نظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري:
٢٣- إن جهود توثيق السنة في القرن الثاني الهجري لا تؤتي الثمار المرجوة منها إلا إذا سبقتها جهود أخرى قام بها قبلهم رجال القرن الأول الهجري؛ إذ أن هذه الجهود كانت هي الأساس الذي بنى عليه أهل القرن الثاني عملهم.
ما هذه الجهود؟:
٢٤- إن القرن الأول الهجري كان فيه الصحابة الذين تلقوا الحديث عن رسول الله ﷺ، وكان فيه كبار التابعين الذين أخذوا الحديث عنهم. إذن فلنبين ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم من أجل الحفاظ على سنة رسول الله، ﷺ، وجهود التابعين من بعدهم في هذا السبيل، حتى أسلموهها إلى أهل القرن الثاني الهجري.
توثيق الصحابة:
٢٥- لقد رأى الصحابة، رضوان الله عليهم، أن سنة رسول الله، ﷺ، جزء من الدين الذي يدينون به؛ ففي القرآن الكريم الحث على طاعة الرسول، ﷺ، والنهي عن مخالفته، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ١، وقال جل شأنه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ ٢، وقال عز من قائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) ١ النساء: ٨٠. ٢ النساء: ٥٩. ٣ النساء: ٦٥. ٤ الحشر: ٧.
[ ٢٣ ]
٢٦- وفي القرآن الكريم أيضًا الحث على الاقتداء به صلى الله عله وسلم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
٢٧- بالإضافة إلى ذلك فالرسول، ﷺ، حذرهم من ترك سنته حين قال لهم: " لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٢، وحين قال لهم يوم أن حرم عليهم أشياء يوم خيبر: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله" ٣.
٢٨- وقد أحسوا بذلك يقينًا حين نزلت بعض آيات من القرآن الكريم، فلم يستطيعوا فهمها، أو تنفيذ ما فيها من الوامر أو النواهي إلا بالرجوع إلى الرسول، ﷺ، وبيانه لها؛ تنفيذًا لقوله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤.
لقد نزلت الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، فأبهم معنى كلمة الظلم عليهم، ويئسوا وقالوا:
_________________
(١) ١ الأحزاب: ٢١. ٢ رواه الحاكم في المستدرك ١/ ١٠٨، وقال على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، ويقول شيخنا المحدث الشيخ محمد الحافظ التجاني: "وسند هذا الحديث ورجاله رجال الصحيحين"، "سنة الرسول ﷺ: مجمع البحوث الإسلامية، الكتاب السابع ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م، ص٢١، ٢٢". ٣ رواه الحاكم أيضًا في المستدرك ١/ ١٠٩ - ١١٠، وسنده صحيح "سنة الرسول ص ٢٣". ٤ سورة النحل: ٤٤. ٥ سورة الأنعام: ٨٢.
[ ٢٤ ]
أينا لم يظلم وانشتنهم رسولهم الكريم من هذا اليأس حين وضح لهم أن هذه الكلمة، تبين أن المراد بالظلم في هذه الآية الكريمة هو الشرك١.
ونزلت الأوامر مجملة بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ثم جاء رسول الله ﷺ، ففصل هذا الإجمال بسنته القولية أحيانًا وبسنته العملية كثيرًا، ولولا هذا البيان ما استطاعوا أن ينفذوا أمر الله تعالى بذلك.
ونزلت بعض الآيات الكريمة تحمل أحكامًا عامة، وجاء رسول الله ﷺ فخصص هذا العموم، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢، فقال ﷺ "لا يرث القاتل"٣، وقال: "لا نورث، ما تركنا صدقة"٤.
وجاءت بعض الآيات الكريمة بأحكام مطلقة، فجاءت سنة رسول الله ﷺ فقيدتها، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٥ وقيد رسول الله ﷺ الوصية بالثلث٦، ولا تكون لوارث٧.
بالإضافة إلى ذلك فقد جرت السنة بأحكام أخرى، غير توضيح المبهم، وتفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق؛ فحرمت مثلًا الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها٨. وحرمت أكل كل ذي ناب من
_________________
(١) ١ في رحاب السنة: الكتب الصحاح الستة د. محمد أبو شهبة. مجمع البحوث الإسلامية "الكتاب الثامن" ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م ص١٠. ٢ النساء: ١١. ٣ سنن الترمذي جـ٤ ص٤٢، "طبعة مصطفى البابي الحلبي". ٤ صحيح البخاري جـ٨ ص١٨٥ "طبعة دار الشعب". ٥ سورة النساء: ١١. ٦ سنن النسائي جـ٦ ص٢٤١ - ٢٤٥ المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة. ٧ سنن الترمذي جـ٤ ص٤٣٣. ٨ مصنف عبد الرزاق جـ٦ ص٢٦٣ - سنن النسائي جـ٦ ص٩٦ - ٩٨.
[ ٢٥ ]
السباع١، وحللت أكل لحم الضب والأرانب٢ وغير ذلك٣.
٢٩- أحس الصحابة في هذا كله بالحاجة الملحة إلى أخذ سنة رسول الله ﷺ، وأحسوا أيضًا بالحاجة إلى حملها وصيانتها وحفظها وتسليمها إلى من بعدهم من الأجيال، والقرآن الكريم وجههم إلى حين قال لهم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤. والرسول ﷺ، وجههم إلى ذلك أيضًا حين قال لهم: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها فبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٥. وحين يقول لهم عقب بعض خطبه: "هل بلغت اللهم اشهد يأيها الناس، ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ٦. وحين كان يقول لهم: "تسمعون ويُسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ٧.
٣٠- وحرصوا على عدم الغلط في الأخذ أو في الأداء؛ لأنهم سمعوا رسول الله، ﷺ، يقول لهم: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٨.
لهذا كله جدوا غاية الجد، وأخذوا بكل الوسائل التي تحقق لهم أخذ سنة رسول الله، ﷺ، أخذًا صحيحًا، وأداءها أداءً سليمًا، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقصان.
_________________
(١) ١ سنن النسائي جـ٧ ص٢٠٠، ٢٠١. ٢ المصدر السابق جـ٧ ص١٩٦ - ٢٠٠. ٣ أصول التشريع الإسلامي: للأستاذ علي حسب الله. دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة ١٣٩١هـ - ١٩٧١م ص٣٩ - ٤١. ٤ التوبة: ١٢٢. ٥ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي "٨٠٧هـ" بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر -مكتبة القدس "١٣٥٢هـ". القاهرة ١-١٣٩ ورجاله موثقون. ٦ المصدر السابق ١- ١٣٩ ورجاله موثقون. ٧ شرف أصحاب الحديث الخطيب البغدادي "٣٩٢ - ٤٦٣هـ" كلية الإلهيات جامعة أنقرة ١٩٧١ تحقيق د/ محمد سعيد خطب أوغل ص٣٨. ٨ مجمع الزوائد: ١/ ١٤٣ ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٦ ]
دوافع التوثيق في القرن الهجري:
ومن هذه الوسائل:
١- الحرص على سماع الأحاديث:
٣١- ففي عهد رسول الله، ﷺ، كان الرجل منهم يحرص على حضور مجلسه، ﷺ؛ لسماع الأحاديث منه، والتزود من توجيهاته السديدة، ونصائحه الكريمة، وبيانه، ﷺ، للقرآن الكريم.
ولما كانت عندهم أعمال تشغلهم في بعض الأوقات عن حضور مجلسه، ﷺ، تناوبوا الذهاب إليه، ﷺ؛ كي يبلغ الشاهد منهم الغائب، فلا يفوت أحدًا منهم أمرًا من الأمور التي يجب أن يحفظوها عنه، وينفذوا ما فيها من تعاليم١.
٣٢- وكان لا يمل أحدهم أن يسمع الحديث من رسول الله ﷺ، أكثر من مرة، ويذكر بعضهم أنه لا يجيز لنفسه أن يروي الحديث إلا إلا إذا سمعه أكثر من ثلاث مرات٢.
ولقد كان بعضهم يَلزم رسول الله، ﷺ؛ يأكل معه ويشرب، حتى يسمع منه كل ما يحدث به، وحتى لا يفوته من سنة رسول الله شيء، ومن هؤلاء أبو هريرة ﵁، الذي يقول: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله، ﷺ، بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"٣.
٣٣- وكانوا يتثبتون في السماع، فيسألون من حضر منهم مجلس رسول الله، ﷺ، يقول جابر بن سمرة، سمعت رسول الله،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري طبعة دار الشعب ١/ ٣٣. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤٨١ - ٤٧٣. وانظر لهذا وما قبله بعض الأمثلة في رسالتي للماجستير "عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي" كلية دار العلوم - جامعة القاهرة ص١٦٨. وهي تحت الطبع. ٣ صحيح البخاري ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ٢٧ ]
ﷺ، يقول: "اثنا عشر قيما من قريسش لا تضرهم عداوة من عاداهم" ١، فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب وأبي في أناس، فأثبتوا لي الحديث، كما سمعت.
٣٤- وكان هذا التقليد من الصحابة، رضوان الله عليهم، هو الأساس الذي سار عليه معظم علماء الحديث والفقه بعد ذلك، توثيقًا لحديث رسول الله، ﷺ، وصيانة له، فاعتبروا أن الأحاديث التي تؤخذ سماعًا أصح من غيرها؛ لأن الأخذ من الكتاب قد يؤدي إلى الخطأ إذا قرأه قراءة محرفة.
٢- حفظ الأحاديث:
٣٥- وبعد سماعهم للأحاديث وتثبتهم في سماعهم يحفظونها، ويؤدونها أداء سليمًا، ولقد نبههم إلى ذلك رسول الله، ﷺ، حين قال لهم: "عليكم بالقرآن، وسترجعون إلى أقوام سيبلغون الحديث عني، فمن عقل شيئًا فليحدث به، ومن قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتًا، أو مقعده من جهنم" ٣.
٣٦- ولهذا رأينا إقلالهم من رواية الأحاديث، واستثقالهم لها؛ لأنهم يخافون ألا يكونوا قد حفظوا الأحاديث، فيكذبون فيها، أي يخطئون٤، وقد روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود قولهما: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" ٥، وذلك لأنه ليس كل ما يسمع الإنسان يحفظه.
_________________
(١) ١، ٢ المحدث الفاصل ص٤٩٤. وأخرج الإمام مسلم عنه: "لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة"، قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: "كلهم من قريش". صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٤٨٢. ٣ رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله ثقات "مجمع الزوائد ١ - ١٤٤" ورواية أحمد في المسند ٤/ ٣٣٤: "عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن حفظ عني شيئًا فليحدثه". ٤ انظر المحدث الفاصل ص ٥٥٣ - ٥٥٨. ٥ معرفة السنن والآثار: لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي "٣٨٤ - ٤٥٨هـ" تحقيق السيد أحمد صقر - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١/ ٤٧. وقد أخرج الحديث مسلم في صحيحه مرفوعًا عن أبي هريرة "مسلم بشرح النووي ١/ ٥٩ - ٦٠".
[ ٢٨ ]
٣٧- ومن أجل حفظ الأحاديث وأدائها أداء سليمًا كانوا يتذاكرونها فيما بينهم، ويحضون على ذلك، يقول أبو سعيد الخدري، ﵁: "تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج بعضه بعضًا". وقال علي كرم الله وجهه: "تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يندرس". وعن عبد الله بن مسعود: "تذاكروا الحديث، فإن حياته مذاكراته"١.
٣- تمحيص الرواة:
٣٨- أي الأخذ من الضابطين منهم وترك غيرهم، ممن لا يضبطون أحاديثهم فيخطئون في روايتها.
يقول السخاوي: "وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى، ومصابيح الظلام، المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة، رضي الله له عنهم، وهلم جرًّا سرد ابن عدي في مقدمة "كامله" منهم خلقًا إلى زمنه، فالصحابة الذين أوردهم: عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس، وعائشة، ﵃، وتصريح كل منهم بتكذيب من لم يصدقه فيما قال"٢.
٣٩- ومن هنا نشأ تشديدهم على من يروي لهم الأحاديث التي لم يسمعوها من رسول الله -ﷺ- يقول البراء بن عازب، ﵁، مبينًا هذا: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله، ﷺ، كان يحدثنا أصحابنا، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله، ﷺ، كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله، ﷺ، فيسمعونه من أقرانهم، ومن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه"٣.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث: للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري "٣٢١ - ٤٠٥هـ" تحقيق السيد معظم حسين - دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن ١٩٧٠م ص ١٤٠، ١٤١. ٢ الإعلان بالتوبيخ، لمن ذم التاريخ: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "٩٠٢هـ" القدسي. دمشق ١٣٤٩هـ، ص١٦٣. ٣ معرفة علوم الحديث للحاكم. ص١٤.
[ ٢٩ ]
ومن مظاهر هذا التشدد أن بعض الصحابة كان يستحلف راوي الحديث غير مبال بمنزلة هذا الراوي في الإسلام، أو منزلته من رسول الله، ﷺ، وقد استحلف بعضهم عليًّا، وهو أمير للمؤمنين١.
وكان هذا من مذهب علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، يستحلف من يروي له عن رسول الله، ﷺ، يقول الحاكم: "وأما أمير المؤمنين علي، ﵁، فكان إذا فاته عن رسول الله، ﷺ، حديث، ثم سمعه من غيره يحلف المحدث الذي يحدث به، والحديث في ذلك عنه مستفيض مشهور وكذلك جماعة من الصحابة والتابعين"٣.
٤٠- وليس معنى هذا التشدد وذلك التمحيص أنهم كانوا يكذبون ناقل الحديث إليهم، فلم يثبت أن أحدًا من الصحابة، رضوان الله عليهم، رمى أخاه بالكذب على رسول الله، ﷺ، وإنما كانوا يخشون أن يخطئوا في نقل الحديث، فلا يؤدونه على وجهه، ويصور هذا عمران ابن حصين حين يقول: "والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن رسول الله، ﷺ، يومين متتابعين، ولكن يبطأني عن ذلك أن رجالًا من أصحاب رسول الله، ﷺ، سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي، كما يشبه لهم"، ويعلق ابن قتيبة على هذا بقوله: "فأعلمك أنهم كانوا يغلطون، لا أنهم كانوا يتعمدون"٣.
٤١- ولقد نفى بعضهم الكذب عنه وعن إخوانه من الصحابة، يقول البراء بن عازب ﵁: "ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ،
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١١٨، ١١٩. ٢ معرفة علوم الحديث: ص١٥. المحدث الفاصل ص٥١٨. ٣ تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث: للإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة "ت ٢٧٦هـ" مطبعة كردستان العلمية بمصر، ١٣٢٦هـ، ص٤٩، ٥٠.
[ ٣٠ ]
فيحدث الشاهد الغائب"١، وفي رواية: "لم نكن نكذب"، ويقول أنس، ﵁، "ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا ولا يتهم بعضنا بعضًا"٢. وتقول عائشة ﵂: "ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله، ﷺ، من الكذب"٣.
٤٢- والحق أن هذا أمر ينبغي أن يعرف وجه الصواب فيه؛ لأن بعض المحدثين اتهم بعض الصحابة بالكذب وإذا كان المنبع الأول يكذب، ثم اعتقد موثقوا القرن الثاني وغيره أن ليس فيه كذب، وانشغلوا بوجوه أخرى للتوثيق، أو هكذا فعل معظمهم، فإنه لا فائدة من توثيقهم على هذا النحو؛ لأنهم أخذوا أحاديث الصحابة دون مناقشة لعدالتهم ولم يبحثوا فيمن يكذب منهم ومن لا يكذب، إذن فالسنة لم توثق على الرغم من الجهود التي بذلت، وهذا هو ما توصل إليه هؤلاء بهدف العصف بالسنة وإبعادها عن المسلمين، أو إبعاد المسلمين عنها٤.
إذن فلنناقش هذه القضية، هل كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يكذبون في أحاديث الرسول، ﷺ؟
٤٣- لقد تعلق بعض هؤلاء المحدثين برد بعض الصحابة لأحاديث بعضهم الآخر، أو ببعض العبارات التي تتهم بعضهم "بعضًا" بالكذب
أما اختلافم في بعض الأحاديث، ورد بعضهم لأحاديث بعضهم الآخر، فلا يدلان على أنهم كانوا يكذبون في الحديث، ولا يتعدى
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل: ص٢٣٠. ٢ قبول الأخبار ومعرفة الرجال: لأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي مخطوط بدار الكتب المصرية "ورقة ٩". ٣ المسند ٦/ ١٥٢، أحمد بن حنبل الشيباني، دار صادر بيروت ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م. ٤ إن أبرز محاولتين لهذا كتابان: الأول: أضواء على السنة المحمدية، لمحمود أبو رية، والثاني: الأضواء القرآنية، للسيد صالح أبو بكر، وقد رد كثير من علمائنا -جزاهم الله خيرًا- على الكتاب الأول، وناقشت الكتاب الثاني، في كتابينا: كتب السنة، الجزء الأول والإسراء والمعراج. وقد نشرتها مكتبة الخانجي بالقاهرة.
[ ٣١ ]
الأمر أن يكون اختلافًا في فهم تلك الأحاديث، وما تدل عليه.. أو أن مدلول الحديث كان معمولًا به أولًا، ثم نسخ بعد ذلك، ولم يبلغ رواية هذا النسخ، فظل على العمل به وروايته.. أو توقف الصحابي فيما لم يبلغه من الأحاديث، حتى يتأكد من أنها صدرت من رسول الله، ﷺ، وعند ما يتأكد الصحابي من ذلك، فإنه لا يتردد في التسليم والعمل بما روي له، والندم على عدم سماعه تلك الأحاديث.
ومن الاختلاف في فهم النصوص، أن عمر، ﵁، روى عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، وفهمه على أنه عام، وأن التعذيب بسبب بكاء الأهل على الميت.
أنكرت عليه ذلك الفهم عائشة وردت الحديث قائلة: "إنما قال النبي، ﷺ في يهودية: إنها تعذب، وهم يبكون عليها"، يعني تعذيب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
ولم تنسب عائشة، ﵂، إلى عمر وابنه عبد الله، ﵄ الذي روى عن أبيه هذا الحديث، أنهما كذبا في حديث رسول الله، ﷺ، وإنما بادرت فصرحت ينفي تهمة الكذب عنهما حين قالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين؛ ولكن السمع يخطئ"٢.
وقد نسخ الحديث فلا يبلغ روايه ذلك النسخ، فيظل على روايته والعمل به -كما قلنا- ويكون هذا سببًا في معارضة بعض الصحابة، له، ورد روايته؛ ومثل هذا ما كان يفتي به أبو هريرة، ﵁، ويحدث به: "أن من أصبح جنبًا فقد أفطر"، ولم يبلغه أن ذلك نسخ، فلما
_________________
(١) ١ سورة فاطر: ١٨. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي: ٢/ ٥٨٩، ٥٩٣ - والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، بدر الدين أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الزركشي "٧٤٥ - ٧٩٤هـ" تحقيق سعيد الأفغاني. الطبعة الثانية ١٣٩٠ - ١٩٧٠ بيروت. لبنان، ص١١٨، ١١٩.
[ ٣٢ ]
علم بذلك، وأن عائشة، وأم سلمة، زوجتي الرسول؛ أخبرتاه أن رسول الله ﷺ، كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم -رجع عن قوله وفتياه.
ويقول الإمام ابن حجر، في شرح حديث عائشة وأم سلمة، ﵄: "وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث، ثم رد عليه بأنه لم يغلط، بل أحاله على رواية صادق "الذي روى عنه أبو هريرة هذا الحديث" إلا أن الخبر منسوخ فحديث عائشة، ﵂، ناسخ لحديث الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه١".
ومن التوقف في قبول الحديث حتى يتأكد الصحابي من أنه صدر عن رسول الله، ﷺ، ما حدث به أبو موسى الأشعري، ﵁، عمر بن الخطاب، في رجوع الزائر عند ما لا يؤذن له ثلاث مرات، فقد توقف عمر، ﵁، في قبول الحديث، ولكنه قبله عندما أحضر له أبو موسى الأشعري البينة، ولم يكتف بقبوله، بل قال كأنه يعتذر: "ألهاني الصفق بالأسواق٢"، يعني الخروج إلى التجارة.
وحدث أبو هريرة، ﵁، بحديث. "من تبع جنازة فله قيراط"، فتوقف فيه ابن عمر، حتى سأل عائشة التي صدقت أبا هريرة، وعندئذ قبل الحديث. وندم على أنه لم يعمل به، وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
إذن فما شأن عبارات بعضهم التي ورد فيها لفظ "الكذب" منسوبًا إلى بعضهم الآخر؟
_________________
(١) ١ فتح الباري: ابن حجر العسقلاني. المكتبة السلفية بالقاهرة ٤/ ١٤٧. ٢ الحديث في صحيح البخاري ٣/ ٧٢، ١/ ٦٧. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٦١١.
[ ٣٣ ]
٤٤- ومن هذا أن سبيعة الأسلمية تعالت من نفاسها بعد وفاة زوجها بأيام فمر بها أبو السنابل، فقال: "إنك لا تحلين حتى تمكثي أربعة أشهر، فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ، فقال: كذب أبو السنابل، ليس كما قال، قد حللت فانكحي"١، ومن ذلك ما روي عن أبي الدرداء أنه قال: "من أدركه الصبح فلا وتر له، فذكر ذلك لعائشة: فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي، ﷺ، يصبح فيوتر"٢. ومن ذلك: "أن أسماء بنت عميس كانت هاجرت إلى الحبشة فيمن هاجر، فقال لها عمر، ﵁: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله، ﷺ، منكم فغضبت، وقالت: كذبت يا عمر٣".نقول: إن العرب قد استعملت الكذب بمعنى الخطأ٤، ومن هذا قول الأخطل: "كذبتك عينك أم رأيت بواسط".
وقال ذو الرمة: "وما في سمعه كذب".
وفي حديث عروة، وقيل له: إن ابن عباس يقول: إن النبي، ﷺ، لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال: كذب، أي: أخطأ، وسماه كذبًا، لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد.
واستمع الزبير، ﵁، إلى أبي هريرة يحدث، جعل يقول كلما سمع حديثًا: كذب.. صدق.. كذب، فسأله عروة ابنه، يا أبت، ما قولك: صدق كذب. قال: يا بني، أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله، ﷺ، فلا شك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه٥.
_________________
(١) ١ سنن سعيد بن منصور ص٣٥٢ جـ٣ ق١ - من ص١١٦ دفاع عن أبي هريرة. ٢ الكامل في ضعفاء الرجال: أبو أحمد بن عبد الله بن عدي الجرجاني "٣٦٠هـ" مكروفيلم في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية جـ١ ورقة ١٣. وفي المطبوعة: "وهم" المقدمة ص٨٧. ٣ صحيح مسلم: ٧/ ١٢٧. ٤ اللسان مادة "كذب" جـ٦ - دار صادر. ٥ البداية والنهاية في التاريخ: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير "٧٧٤هـ"، مطبعة السعادة بمصر جـ٨ ص١٠٨، ١٠٩.
[ ٣٤ ]
ولهذا يقول ابن القيم: الكذب نوعان: كذب عمد، وكذب خطأ، فكذب العمد معروف، وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه المتوفى عنها، إذا وضعت حملها. ومنه قوله، ﷺ: "كذب من قالها"، لمن قال: حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ. ومنه قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، حيث قال: الوتر واجب، فهذا كله من كذب الخطأ، ومعناه: أخطأ قاتل كذا١.
وقبل ابن القيم يقول ابن تيمية شيخه: "إن الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ كقول عبادة: كذب أبو محمد، لما قال الوتر واجب، وكقول ابن عباس: كذب نوف لما قال: صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل.
٤٥- وقولهم أيضًا: "زعم" لآخر من الصحابة كانت تعني الإخبار فقط، كقول جابر، ﵁: "زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله، ﷺ"، وسرد حديثًا٣، "وأبو سعيد من أفاضل الصحابة، وجابر أرفع حالًا من أن يشك بصدق أبي سعيد، لكنها اصطلاحاتهم٤".
ومنه قول زينب امرأة ابن مسعود ﵄ للنبي، ﷺ "زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ: "صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق" ٥، وقول الزهري: زعم محمود بن الربيع الأنصاري أنه سمع عتبان بن مالك٦. وأنشد ابن الأعرابي:
وإني أذين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم٧
_________________
(١) ١ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، طبعة المنار بمصر ١٣٣١هـ جـ١/ ٢٠٤. ٢ مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن القاسم النجدي الطبعة الأولى ١٣٨٦ السعودية جـ ٣٢/ ٢٦٦. ٣ صحيح مسلم ٧/ ١٨٤. ٤ دفاع عن أبي هريرة: عبد المنعم صالح العلي. الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م مكتبة النهضة ببغداد ودار الشرق ببيروت. ٥ صحيح البخاري ٢/ ١٤٩. ٦ المصدر السابق ٢/ ٧٤. ٧ اللسان مادة "ز ع م" جـ١٥. دار صادر.
[ ٣٥ ]
٤٦- وفي آخر عهد الصحابة كان هناك جيل من التابعين يحدث فتبلغهم روايته، فكانوا يتوقون رواية الكذابين والمخطئين: لقد أعرض ابن عباس عن واحد من هؤلاء عندما قال له: مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله، ﷺ، ولا تسمع؟!. رد عليه: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله، ﷺ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف١"، وفي رواية: "إنا كنا نحدث عن رسول الله، ﷺ، إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه.
وكانت هذه الوسيلة "اختبار الرواة" من أكثر الوسائل وأنجحها في الكشف عن الحديث وتوثيقه، كما سنرى في بحثنا هذا إن شاء الله الكريم.
٤- إسناد الحديث:
٤٧- ومع تمحيص الرواة واختبار ضبطهم وجدنا وسيلة أخرى كانت لها أهميتها الكبيرة فيما بعد، وهي أن بعضهم حرص على ألا يأخذ حديثًا منقطع الصلة برسول الله، ﷺ، ومن هنا كان يسلم الحديث بعضهم إلى بعض، وكل يذكر من رواه له قبل الرسول، ﷺ، وعلى هذا نشأت بذور الإسناد في الحديث، والتي كانت من أهم الوسال لتوثيق الحديث، وتصحيحه فيما بعد- كما قلنا.
وبطبيعة الحال نشأت البذور فقط؛ لأن الإسناد إنما هو وسيلة للكشف عن الرواة لاختبار عدالتهم وضبطهم، ومعظمهم -في ذلك الوقت عدول ضابطون.
٤٨- وقد قدم لنا الإمام مسلم مثالًا لهذا، فروي بسنده: "أن رسول الله، ﷺ، كان يعطي عمر بن الخطاب، ﵁، العطاء،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٦٧، ٦٨.
[ ٣٦ ]
فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله، ﷺ: خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك".
في هذا الحديث أربعة من الصحابة كل منهم يروي عن الآخر، وهم: السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم أجمعين، ورواه عمر عن رسول الله ﷺ، وهذا طبيعي؛ لأنه يحكي واقعه بينه وبين رسوله الكريم.
وهذا رأينا أن كل واحد من هؤلاء الصحابة لم يكتف بذكر من سمعه منه، ولم يرفعه من بعد عمر إلى الرسول، ﷺ، وإنما بين كل منهم كيف وصل إليه الحديث. ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: "وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون، يروي بعضهم عن بعض، وأربعة تابعين بعضهم عن بعض"١.
كما قدم لنا السيوطي في "تدريب الراوي" أمثلة من هذا النوع؛ بعض الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وبعض الصحابيات يروي بعضهن عن بعض.
٤٩- ومن الطريف الذي قدمه لنا أيضًا -ويدل على اهتمام بعض الصحابة بالإسناد- أن بعضهم سمع الحديث من تابعي رواه عن صحابي آخر، فرواه عن التابعي عن الصحابي الذي سمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢.
وإلى جانب اتخاذ هذه الوسائل لتوثيق السنة، وكلها تتعلق بعملية نقل الحديث كانت هناك وسائل أخرى لتوثيقه إلى جانب ذلك، وتتعلق بمتن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٨٣ - ٨٥. الحديث بطرقه وشرحه. ٢ تدريب الراوي ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٩.
[ ٣٧ ]
الحديث من حيث النظر فيه مرتبطًا ذلك بعرضه على النصوص والمبادئ الإسلامية ومدى ملاءمته أو معارضته لها.
ومن هذه الوسائل:
١- عرض الحديث على القرآن الكريم:
٥٠- فقد أنكر بعض الصحابة: رضوان الله عليهم، بعض الأخبار؛ لأنها، في رأيهم، تخالف كتاب الله ﷿.
٥١- وقد تقدم حكم عائشة، ﵂، على عمر، ﵁، بأنه أخطأ في رواية الحديث، وكان حكمًا مؤسسًا على أن معنى الحديث بهذه الرواية يخالف آية من القرآن الكريم١.
وعندما سئلت عن متعة النساء، وقد كانت جائزة بالسنة، قالت: "بيني وبينكم كتاب الله وقرأت هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٢، ثم قالت: فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا"٣.
٥٢- وكأن ابن عباس لم ير الأحاديث التي نسخت زواج المتعة صحيحة فردها بالكتاب أيضًا؛ أي بنفس المقياس الذي استعملته عائشة لبيان التحريم.
استدل ابن عباس بقوله ﷿: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٤. وروي في قراءة عنه زيادة "إلى أجل مسمى٥".
_________________
(١) ١ انظر ص٣٢ من هذا البحث، وانظر الإجابة ص٧٦ و٧٧، وفي رواية: أنها ذكرت الآية الكريمة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي: لم تقبله بهذه الآية أيضًا. وهذه الآية من سورة البقرة ٢٨٦. ٢ المؤمنون: ٥ - ٧. ٣ الإجابة ص١٩٥. ٤ سورة النساء: ٢٤. ٥ الاتجاهات الفقهية: ص١١٨ - ١١٩.
[ ٣٨ ]
٥٣- ومن هذا أيضًا رد عائشة الأحاديث التي حرمت لحوم الحمر الأهلية، لأنها تتعارض مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١، "فإن ظاهر هذه الآية يدل على أن ما عدا المذكور فيها حلال، وذكر ابن حزم أن الذاهبين إلى أنها حلال استدلوا بأن عائشة أم المؤمنين احتجت بتلك الآية عند سؤالها عن الحمر الأهلية، فكأنها تذهب إلى حليتها٢.
وقد وافقها ابن عباس أيضًا فذهب إلى أنها حلال مستدلًا بهذه الآية٣.
٢- عرض السنة على السنة:
٥٤- ومن هذا ما روى أبو مسلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أماه، إن جابر بن عبد الله يقول: "الماء من الماء"، فقالت: أخطأ. جابر أعلم مني برسول الله، ﷺ؟! يقول: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل"، أيوجب الرجم ولا يوجب الغسل"٤؟!.
٥٥- وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من جهة شريك بن عبد الله عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن عائشة قالت: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ "كان يبول قائمًا" فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا"٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٤٥. ٢ المحلى لابن حزم الظاهري ٧/ ٤٠٧. ٣ نيل الأوطار: أحمد بن علي الشوكاني طبعة بولاق ٨/ ٣٢٨ - ٣٣٢، وانظر البخاري ٧/ ١٢٣- ١٢٤. ٤ الإجابة: ١٤٥. ٥ سنن ابن ماجه جـ١ ص١١٢ "طبعة عيسى البابي".
[ ٣٩ ]
وقال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب١، وأصح، ويقول الإمام بدر الدين الزركشي: وإسناده على شرط مسلم٢.
٥٦- ونلمح مقياس عرض السنة على القرآن في قول عمر، ﵁، عندما رد حديث فاطمة بنت قيس: "طلقني زوجي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ: فقال رسول الله، ﷺ: "لا سكنى لك ولا نفقة". قال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظة أو نسيت"، وهو بهذا يشير إلى أن حديث فاطمة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣.
٣- عرض الحديث على القياس:
٥٧- روي أبو هريرة، ﵁ عن رسول الله، ﷺ، "الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط٤".
فرد ابن عباس هذا الحديث بالقياس قائلًا لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! "٥، ٦.
٥٨- وروى أبو هريرة أيضًا: "من غسّل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ"، والأصح أن هذا موقوف على أبي هريرة، إلا أنه في حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه.
أنكر ذلك ابن عباس قياسًا على غير الجسد الميت، مما يحمل فلا ينقض
_________________
(١) ١ جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي. المكتبة السلفية بالمدينة ١/ ٦٧. ٢ الإجابة ص ١٦٦. ٣ سورة الطلاق: ٦، منهج عمر بن الخطاب في التشريع: د. محمد بلتاجي. الطبعة الأولى. دار الفكر العربي. القاهرة ص٨٤ - ٨٥ - أحكام القرآن: أبو بكر أحمد ابن علي الرازي الجصاص "٣٧٠هـ" نشر عبد الرحمن محمد - القاهرة ١٣٤٧هـ ٣/ ٥٦٤ - ٥٦٩. ٤ لبن مجفف مستحجر "تحفة الأحوذي ١/ ٢٥٦". ٥ الحميم: الماء الحار بالنار "نفس المصدر والصفحة". ٦ جامع الترمذي بتحفة الأحوذي ١/ ٢٥٦.
[ ٤٠ ]
الوضوء، وقال: "لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة"١، وكذلك أنكرته عائشة، وقالت قولًا شبيهًا بقول ابن عباس، وطبقت المقياس نفسه، قالت: "أوَ نجس موتى المسلمين؟!، وما على رجل لو حمل عودًا؟! "٢.
٤- عرض الحديث على ما يقول به الصحابة:
٥٩- لأنهم إذا كانوا يقولون بخلافة، فمعنى هذا أنه لم يصدر من الرسول، ﷺ، أو هو قد نسخ، وخاصة عرضه على من يغلب على الظن أنه لا يخفى عليه لو كان قد صدر فعلًا عن رسول الله، ﷺ، كزوجات الرسول، وخاصة في الأمور الجنسية. والقصة التالية تبين ذلك:
٦٠- قال: عبيد بن رفاعة الأنصاري: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت، فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة"، فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر، فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك، فأتني به، حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي عُديّ نفسه تفتي الناس بهذا؟! "، فقال زيد: "أما والله ما ابتدعه، ولكن سمعته من أعمامي؛ رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاري". فقال عمر لمن عنده: "يا عباد الله، قد اختلفتم، وأنتم أهل بدر الأخيار"، فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النبي، ﷺ، فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه "فأرسل إلى حفصة، فسألها، فقالت: "لا علم لي بذلك"، ثم أرسل إلى عائشة، فقالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". فقال
_________________
(١) ١ الاتجاهات الفقهية ومصادره ص١١٤. ٢ الإجابة، ص١٢١، ١٢٢.
[ ٤١ ]
عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا"١، وهكذا نظروا في متن الحديث، ولم يكن هناك فاصل يفصل بينهم إلا عرضه على الصحابة الذين يطبقون ما يعلمون عن رسول الله، ﷺ.
٦١- حقيقة لقد ردت عائشة حديث "الماء من الماء" بحديث آخر، كما رأينا، ولكن عرض عمر له على الصحابة، واختلافهم، وفطنة علي إلى عرضه على نساء الرسول لأنه -في الغالب- لا يخفى على بعضهن شيء من هذا-كل هذا دليل على وجود هذا الاتجاه عند الصحابة، رضوان الله عليهم هذا الاتجاه نما وأصبح قويًّا عند بعض علماء القرن الثاني الهجري.. سنرى -بإذن الله- عند الأحناف مثلًا عرض الحديث على عمل الصحابة وأقوالهم، وهل اشتهر بينهم إذا كان مما تعم به البلوى؟ أو لا؟. وسنرى عند أصحاب مالك عرض الحديث على عمل أهل المدينة.
٦٢- وبعد؛ فإن هذه المقاييس المتعلقة بالرواية ونقل الحديث وبالمتن نفسه في بعض الأحايين، قد رجعت بكثير منهم إلى الصواب، فيما أخطأ أونسي فيه، بالإضافة إلى أنها قد مهدت الطريق لمن أتى بعدهم، فقد وضعت البذور للضوابط والمقاييس التي توثقت السنة بها، وتخلصت من الدخيل الذي علق بها عن قصد أو عن غير قصد. كما أنها تدل على أن السنة لم تؤخذ، حتى في عصر الصحابة قضية مسلمة، وإنما محصت، ونظر إليها وإلى رواتها بعين النقد.
ولكن، هل هذا هو كل ما قام به الصحابة، رضوان الله عليهم، لتوثيق السنة. أم كان لبعضهم جهد آخر يسهم في توثيق السنة وتحريرها؟
٦٣- الحق أنه كان هناك جهد لا يقل عن تلك الجهود السابقة ونعني به تدوين السنة في صحائف حفظتها وأعانت الذاكرة على ضبطها وصيانتها.
_________________
(١) ١ الإجابة: ص٧٨.
[ ٤٢ ]
الموثقون في القرن الثاني الهجري:
تدوين السنة:
٦٤- مما لا شك فيه أن الكتابة من أهم عوامل التوثيق إن لم تكن أهمها جميعها. وإذا كان واضحًا جليًّا أن السنة النبوية قد حفظها الله ﷿ بالكتابة ابتداء من القرن الثاني الهجري فما تلاه من القرون، فإنه قد أثيرت شبه واعتراضات حول كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين، أي في القرن الأول١.
٦٥- وزعم من آثار هذه الشبه والاعتراضات أن الحديث لم ينقل إلا بالرواية الشفهية في هذا العهد، عندما حفظه الصحابة رضوان الله عليهم ونقلوه إلى التابعين ونقله هؤلاء بهذه الطريقة إلى من بعدهم، حتى دونت السنة ابتداء من القرن الثاني الهجري، فأسهم الحفظ في الذاكرة والكتاب معًا في توثيق السنة وصونها.
٦٦- وأساس هذا الزعم ما روي عن رسول الله، ﷺ، وعن بعض صحابته من نهي عن كتابة الحديث. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، ﵁ أن النبي، ﷺ، قال: "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وفي -رواية: "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وكذلك ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ قال: "استأذنت النبي، ﷺ أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي "وفي رواية: "استأذنا النبي، ﷺ في الكتاب فأبى أن يأذن لنا". كما روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء عن أبي هريرة قال: "خرج علينا رسول الله، ﷺ، ونحن نكتبالأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟.. قلنا: أحاديث سمعناها منك. قال: أكتابًا
_________________
(١) ١ أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو رية - الطبعة الثانية ١٣٨٣هـ - ١٩٦٤م - لبنان ص ٢٠٩ - ٢٢٠- الأضواء القرآنية: السيد صالح أبو بكر - ١٩٧٤م، مطابع محرم الصناعية، ص١٥، ١٦.
[ ٤٣ ]
غير كتاب الله تريدون؟. ما أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة انتحدث عنك يا رسول الله؟. قال: "نعم، تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وفي رواية: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار"، وفي رواية أخرى: "أكتابًا مع كتاب الله؟. أمحضوا كتاب الله وأخلصوه". وهناك روايات أخرى عن أبي هريرة تفيد كلها هذا المعنى.
٦٧- ومع الروايات عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄، روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إن رسول الله -ﷺ- أمرنا ألا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه"، وفي رواية عنه: "إن النبي ﷺ نهى أن يكتب حديثه١".
هذه هي كل الروايات المرفوعة إلى رسول الله ﷺ، واتخذها الزاعمون دليلًا على أن الحديث لم يكتب في عهد النبي ﷺ.
٦٨- وزعموا أيضًا أنه لم يكتب في عهد الصحابة وبعد وفاة الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه؛ مستدلين بروايات موقوفة على بعض الصحابة تفيد رفضهم لكتابة الأحاديث، وهذه الروايات عن أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر٢.
٦٩- ويدعمون زعمهم بعدم كتابة الحديث حتى أواخر القرن الأول بأن تيار كراهة الكتابة قد امتد إلى بعض التابعين أمثال محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي وأبي العالية والضحاك٣.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل ص٣٧٩ - تقييد العلم: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي "٤٦٣هـ" تتحقيق د. يوسف العش، دمشق ١٩٤٩هـ، الطبعة الأولى. ص٢٩ - ٣٥ وقد أتى في هذه الصفحات بطرق كثيرة لتلك الروايات، ولا غرو، فالكتاب مخصص لهذا الموضوع. ٢، ٣ تقييد العلم ص٣٦ - ٤٦.
[ ٤٤ ]
وهذا كل ما قيل تقريبًا من أحاديث مرفوعة إلى رسول الله ﷺ وموقوفة على الصحابة، ومنسوبة إلى بعض التابعين، ويتخذها الزاعمون دليلًا على عدم كتابة السنة في القرن الأول الهجري.
٧٠- ولا يتسع المجال هنا لمناقشة هذا الزعم بإفاضة، ونكتفي بإبداء ملاحظتين جديرتين بالنظر، حتى لا نذهب إلى ما ذهب
إليه هؤلاء فنجانب الصواب:
الملاحظة الأولى:
أن هذه الأدلة -على الرغم من أنها قليلة جدًّا- تتعارض مع ما صح عن رسول الله، ﷺ، وصحابته والتابعين من إباحة الكتابة، بل وكتابتهم، الأحاديث فعلًا- كما سيتضح لنا بعد قليل.
الملاحظة الثانية:
والأحاديث المرفوعة منها إلى النبي ﷺعلى قلتها- لا تسلم من الطعن، والشك في صدورها عن رسول الله، ﷺ:
فالحديث الأول منها، حديث زيد بن أسلم قال عنه الخطيب البغدادي: "تفرد همام بروايته هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعًا ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد من قوله: غير مرفوع إلى النبي، ﷺ"١.
ولا نريد أن نسلم بهذا القول، فنقلول: إنه موقوف؛ لأن الإمام مسلمًا قد روى هذا الحديث مرفوعًا، ولكننا نقول: إن تفرد همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مما يجعل أحاديث إباحة الكتابة الصحيحة أرجح منه لما ليس فيها من التفرد الذي في حديثنا هذا، كما سنرى.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ص ٣١ - ٣٢.
[ ٤٥ ]
والحديث الثاني رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد، وعبد الرحمن هذا ضعيف عند أهل العلم، قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء، وقال أحمد: ضعيف، وقال الشافعي: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه: "أن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين"؟ قال: نعم، وضعفه آخرون، أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وعلي بن المديني والنسائي١.
فالحديث إذن ضعيف، لا يعتمد عليه.
ومثل هذا يقال فيما روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ، لأن راويه هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا.
يبقى من الأحاديث المرفوعة الحديث الذي نسب إلى زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وهذا الحديث فيه مقال أيضًا، ينزله عن درجة الصحيح إلى درجة الضعيف، ففي سنده كثير بن زيد، وروى ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل أن يحيى بن معين سئل عنه، فقال: "ليس بالقوي"، وقال النسائي فيه: "ضعيف"، وقال أبو زرعة: "صدوق فيه لين" كما روى له الذهبي في الميزان حديثًا فيه نكارة، وفيه علة فوق نكارته٢، فلا يحتج به إذن، بالإضافة إلى أن المطلب الذي روى عنه كثير هذا الحديث لم يدرك زيد بن ثابت، فهو منقطع٣.
وعلى هذا فلم يسلم من الضعف في هذه الأحاديث جميعها إلا حديث واحد تفرد به رواته، وقيل فيه: إنه موقوف على الصحابي -كما رأينا- وكما يقول صاحب الأنوار الكاشفة: "أما الأحاديث، فإنما هي حديث مختلف في صحته وآخر متفق على ضعفه"٤.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند جـ٢ ق٢ ص٢٣٣. - ميزان الاعتدال، في نقد الرجال: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "٨٧٤هـ" تحقيق علي محمد البجاوي - دار إحياء الكتب العربية الطبعة الأولى ١٣٨٢هـ - ١٩٦٣م. جـ٢ ص٥٦٤. ٢ المصدرين السابقين: الأول جـ٣ ق٢ ص١٥٠ - ١٥١ - الثاني جـ٣ ص٤٠٤. ٣ الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحن بن يحيى المعلمي اليماني -المكتبة السافية- القاهرة ١٣٧٨هـ - ص٣٥. ٤ المصدر السابق، ص٣٤ - ٣٥.
[ ٤٦ ]
٧١- أما الروايات أو الأحاديث الموقوفة على بعض الصحابة، فإننا إذا سلمنا بصحتها، فإنها:
أولًا: عن عدد قليل، على حين نرى أن كثيرًا من الصحابة قد كتبوا.
وثانيًا: أنه قد وردت روايات تفيد أن هذا البعص نفسه قد كتب أو أباح الكتابة.
٧٢- وإذا انتقلنا إلى الكتابة نجد أننا أمام نصوص وأحاديث كثيرة، مرفوعة إلى النبي ﷺ، وموقوفة على الصحابة والتابعين -تفيد أنهم أجازوا الكتابة أو كتبوا، وأن بعض الصحابة قد وثق الأحاديث بالتدوين والكتابة مما يدحض الزعم الذي يقول: إن الأحاديث لم تكتب في القرن الأول الهجري.
٧٣- وسنترك الأحاديث الضعيفة التي رفعت إلى رسول الله ﷺ، والتي اتخذها المنكرون للكتابة من أداتهم، ونقتصر على ما صح.
١- وروى البخاري ومسلم وغيرهما أنه "لما فتح رسول الله ﷺ مكة خطب فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله، فقال ﷺ: "اكتبوا لأبي فلان". قال ابن حجر هو أبو شاه، وقيل للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول
الله ﷺ.
٢- وروي البخاري بسنده: "أن رسول الله ﷺ لما اشتد وجعه قال: "ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده ". ولو لم يكن النبي ﷺ يبيح الكتابة ما دعا إلى كتابة هذا الكتاب، ولهذا يقول ابن حجر: "وفي هذا الحديث دليل على جواز كتابة العلم،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر "٨٥٢هـ" طبعة دار الكتابة الجديد جـ١ ص١٨٤ - ١٨٥.
[ ٤٧ ]
لأنه "هَمّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق"١.
٣- وروي البخاري أيضًا بسنده عن وهب بن منبه، عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
ويقول البخاري: "تابعه -يعني وهب بن منبه- معمر عن همام عن أبي هريرة٢".
وإذا كان حديث أبي شاه يحتمل أن يكون إذن الكتابة له خاصًّا لأنه كان أميًّا، وكان أعمى؛ فإن هذا الحديث بطرقه التي ذكرها البخاري وغيره أقوى في الاستدلال للجواز، لأن ابن عمرو لم يكن أميًّا، ولم يكن أعمى.
٤- وروي البخاري بسنده "عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، وفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر"٣.
هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺوغيرها- إن لم تدل على أن حديث أبي سعيد غير مرفوع إلى النبي ﷺ، فإنها تقضي بتأويله، والجمع بينه وبينها٤.
٧٤- ولا نقول -كما يقول بعضهم- إن حديث أبي سعيد هو المتأخر، فيكون ناسخًا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي ﷺ، يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته ﷺ، ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.
_________________
(١) ١ المصدر السابق جـ١ ص١٨٦، ١٨٧. ٢ المصدر السابق جـ١ ص١٨٤، ١٨٥. ٣ صحيح البخاري على فتح الباري جـ١ ص١٨٢ - ١٨٣. ٤ الأنوار الكاشفة ص٣٦.
[ ٤٨ ]
٧٥- والذي يحتمل هو أن يكون حديث أبي سعيد هو المنسوخ، وقد نسخته هذه الأحاديث التي تبين إباحة الكتابة أو أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، أما في غيره فيكون الإذن بالكتابة أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في كتابة الأحاديث بعيدة عما يكتب فيه القرآن أوالنهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك١.
٧٦- وعلى أية حال فقد فهم الصحابة -باستثناء أبي سعدي الخدري وأبي موسى الأشعري- أانه لا مانع من كتابة الأحاديث، وتوثيقها بها، وقاموا بتنفيذ ذلك، ومما روي لنا في هذا الصدد:
١- أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب صحيفة سماها الصادقة٢.
٢- وكتب أبو بكر لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله ﷺ، وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدثه به جده٣.
٣- وروي الرامهرمزي والخطيب البغدادي وابن عبد البر كل بإسناده أن عمر بن الخطاب قال: "قيدوا العلم بالكتاب٤"، وصح مثله عن أنس رضي الله عنه٥.
٤- وقد تقدم أن عند علي صحيفة فيها العقل، وفكاك الأسير، والنهي عن قتل المسلم بالكافر٦.
_________________
(١) ١ فتح الباري جـ١ ص١٨٥. وانظر تاريخ الفقه الإسلامي: محمد علي السايس - مطبعة محمد علي صبيح - ص٨٨. ٢ تقييد العلم ص٨٤ - ٨٥ وفيه نصوص من هذا الكتاب. ٣ صحيح البخاري: جـ٢ ص١٤٦، ١٤٧ - تقييد العلم ص٨٧ وفيهما نصوص من هذا الكتاب. ٤ جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد البر "٤٦٣هـ" المكتبة السلفية بالمدينة الطبعة الثانية ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م. جـ١ ص٨٦ - المحدث الفاصل: ص٣٧٧. تقييد العلم ص٨٨. ٥ سنة الرسول ﷺ ص٥٤. ٦ ص٤٨ من هذا البحث.
[ ٤٩ ]
وروى أبو خيثمة بسنده الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه قال: "من يشتري مني علمًا بدرهم". قال أبو خيثمة: "يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم١. وزاد ابن سعد في روايته: "فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا٢.
ومما يدل على أن حديث علي كان مكتوبًا أن أبي مليكة كتب إلى ابن عباس وسأله أن يكتب له كتابًا، ويخفى عنه، فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيار وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء٣. وكما يقول شيخنا الحافظ التجاني: "هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السنة٤".
٥- ويبدو أن الحسن قد أخذ عن أبيه ﵄ هذا، فعن شرحبيل بن سعد، قال: جمع الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال: "يا بني إنكم اليوم صغار قوم، أوشك أن تكونوا كبار قوم، فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فيلكتبه. وفي رواية زادت: "وليضعه في بيته"٥.
٦- وكتب ابن عباس حديث رسول الله ﷺ، وكان يأتي أبا رافع الصحابي، ويقول: "ما صنع النبي ﷺ يوم كذا"؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٦. وقد شهدت بهذا الصحابية الجليلة سلمى مولاة رسول الله ﷺ، فقالت: رأيت عبد الله ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم٧.
_________________
(١) ١ كتاب العلم: أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي "١٦٠ - ٢٣٤هـ" تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. المطبعة العمومية بدمشق. ص١٤٤. ٢ الطبقات الكبرى: محمد بن سعد، دار التحرير بالقاهرة ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م مصورة عن الطبعة الألمانية المحققة. جـ٦ ص١١٦. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي جـ١ ص٦٨، ٦٩. ٤ سنة الرسول ﷺ ص٥٤. ٥ تقييد العلم ص٩١. ٦ المصدر السابق ص٩١، ٩٢. ٧ الطبقات الكبرى جـ٢ ص١٢٣.
[ ٥٠ ]
وحدث أبو خيثمة أن ابن عباس كان يحض على قيد العلم١، ويروي ابن سعد أنه كانت له كتب حمل بعير٢.
٧- وكتب أنس بن مالك من حديث رسول الله ﷺ وقد مر أنه نقل كتاب أبي بكر في الصدقة٣، وقد روي مسلم بسنده أنه كتب حديثًا عن رسول الله ﷺ غير كتاب أبي بكر٤ وقد مر أيضًا أنه صح عنه قوله: "قيدوا العلم بالكتاب ويروي الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عماي: النضر وموسى ابنا أنس عن أبيهما أنس بن مالك أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله ﷺ وتعلمها٥.
٨- وإذا كان أبو هريرة لا يكتب، ويحفظ الحديث حفظًا جيدًا ببركة دعاء رسول الله ﷺ له بالحفظ٦ - فإن تلاميذه قد كتبوا له حديثه٧، وأخذ هذه الكتب، فحفظها عنده، حتى لا يغير في حديثه أو يبدل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما ينسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا -كما روى البخاري- ثمانمائة نفس٨.
٩- وكتب سمرة بن جندب ﵁ ما رواه من الأحاديث عن رسول الله ﷺ، وصحيفته مشهورة عند المحدثين، وقد تكون هذه الصحيفة هي رسالته إلى أبنائه، تلك الرسالة التي تضم - كما يرى
_________________
(١) ١ كتاب العلم ص١٤٤. ٢ الطبقات الكبرى جـ٥، ص٢١٦. ٣ انظر هذا البحث ص٤٩. ٤ مسلم بشرح النووي جـ١ ص٢٠٥ - ٢٠٧، وفيه نص ما كتبه. ٥ تقييد العلم ص٩٦. والمحدث الفاصل ص٣٦٧ ويروى أنه كانت عنده مجال من الكتب "مجلة". ٦ صحيح البخاري "ط الشعب" ٩/ ١٣٣. ٧ العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن محمد بن حنبل "١٦٤ - ٢٤١هـ "تحقيق د. طلعت فوج بيكيت ود. إسماعيل جراح أوغلي. أنقرة ١٩٦٣. جـ١ ص٤٣ - كتاب العلم: ص١٤٢- جامع بيان العلم جـ١ ص٨٩. ٨ فتح الباري جـ١ ص١٨٤.
[ ٥١ ]
ابن سيرين -علمًا كثيرًا، وقد نقل البخاري بعضًا منها، وقد تكون غيرها كما ذكر بعض الباحثين١.
١٠- وكتب جابر بن عدب الله، ﵁ صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله، وقيل: إن مجاهد بن جبر كان يحدث٢ منها، وإذا علمنا أن هذا الصحابي الجليل قد حمل عن رسول الله ﷺ علمًا كثيرًا نافعًا -كما يقول الذهبي٣- أدركنا أنه قد دون الكثير من هذا العلم في هذه الصحيفة، وقد أخرج مسلم في جامعه الصحيح من هذه الصحيفة في مناسك الحج ما يقرب من الثلاثين حديثًا، وكان أطولها ذلك الحديث الذي رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حجة الوداع، فقد استغرق هذا الحديث أكثر من أربع صحائف كاملة من كتاب مسلم، ويصف حجة النبي ﷺ وصفًا كاملًا٤.
١١- وروى الدرامي بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي أجاز كتابة العلم، فقد سأله أحد تاميذه، وهو الحسن بن جابر عن كتابته، فقال: لا بأس بذلك٥.
١٢- وكتب عبد الله بن أبي أوفى ﵄ حديث رسول الله ﷺ، وأرسله إلى بعض أصحابه٦.
_________________
(١) ١ تاريخ التراث العربي: فؤاد سزكين، ترجمة د. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر - القاهرة ١٩٧١م، ص٢٥٤. ٢ الطبقات الكبرى: جـ٥ ص٣٤٤. ٣ تذكرة الحفاظ جـ١ ص٤٣. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي جـ٣ ص٣١٣ - ٣٥٦. ٥ سنن الدارمي جـ١ ص١٢٧ - تقييد العلم ص٩٨- سنة الرسول ﷺ ص٦٢. ٦ صحيح البخاري جـ٤ ص٦٢ طبعة دار الشعب بالقاهرة، انظر ص٣٠، ٧٧ أيضًا ففي هذه المواضع أجزاء من الحديث الذي كتبه.
[ ٥٢ ]
١٣- وجمعت أسماء بنت عميس ﵂ بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم١.
١٤- وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان، ﵃ بعض الحديث٢. ويروي أبو خيثمة بسنده الصحجيح عن وراد كاتب المغيرة، قال: أملى علي المغيرة، وكتبته بيدي٣.
١٥- ويروى أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج إلى السوق نظر إلى كتبه٤، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث.
هذا ما ستطعنا أن نجمعه ونشير إليه في هذه العجالة عن كتابة الصحابة رضوان الله عليهم للحديث.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا كان اتجاهًا عامًّا كيف ذلك وقد روي أن بعضهم نهى عن الكتابة؟
٧٦- نقول: لعلنا قد لمسنا أن بعض من قيل: إنهم كرهوا الكتابة قد ثبت عنهم أنهم أجازوها أو كتبوا، مما يجعلنا نرى أن الكراهة كانت في بعض الحالات، وليست في جميعها وهذه الأخبار نفسها تحمل في طياتها ذلك الاتجاه العام إلى كتابة الأحاديث، والإلحاح من أجل كتابتها والإحساس بتلك الحاجة: فهذا عمر ﵁ أراد أن يكتب السنن، "فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله، ﷺ، فأشاروا عليه أن يكتبها٥" هكذا تقول الرواية!! وهذا أبو بكر ﵁ هم بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى
_________________
(١) ١ السنة قبل التدوين ص٤٤٦. ٢ صحيح البخاري جـ٢ ص١٥٣. ٣ كتابة العلم ص١١٧. ٤ الجامع لأخلاق الراوي: الخطيب البغدادي ورقة ١٠٠أمخطوط بدار الكتب المصرية - والسنة قبل التدوين ص٣٥٢. ٥ تقييد العلم ص٤٩، ٥٠.
[ ٥٣ ]
أن يحرقها؛ لا لأن الرسول نهى عنها، ولكن خاف أن تُؤْثَر عنه وتنقل، وقد يكون فيها حديث غير صحيح١.
٧٧- وهذا هو أبو سعيد الذي روى الحديث المرفوع في كراهة الكتابة وروى عنه غيره من الموقوفات يلح دائمًا عليه تلاميذه: "إنا نخاف أن نزيد أن ننقص، فلو أنا كتبنا؟ " ويذهب الأمر بابنه إلى أن يخالف أباه ويكتب حديثه٢ والعجب في الأمر أنه مع هذا الإلحاح لا نجد أبا سعيد يرى علة لهذا المنع إلا أنه لا يريد أن يجعل الحديث كالقرآن في مصاحف، ويريد لهم أن يحفظوا كما حفظ هو وغيره منالصحابة، ولكنه لا يذكر أن العلة هي أن الرسول -ﷺ- نهى عن ذلك٣، وهذا يضاف إلى ما قيل من أن المرفوع عنه إلى رسول الله ﷺ، إنما هو موقوف عليه.
٧٨- وابن مسعود وأبو موسى اللذان قيل: إنهما كرها الكتابة جهد بعض تلاميذهما أن يكتبا حديثهما مثل ابن أبي سعيد حقيقة تقول الروايات إنهما اكتشفا ذلك فمحواه ولكن هل اكتشفا كل الحديث الذي كتب دون أن يشعرا؟. إن الروايات تقول: إنهما محوا ما اكتشفاه بمحض الصدفة٤
والكلام في هذا طويل لكن هذا ليس مجاله
٧- ومع هذا فليس عجبًا أن تبرز بعض الضوابط لكتابة الأحاديث عند الصحابة، والتي تمت وظهرت واضحة بعد ذلك، أي بعد أن كثرت الكتابة في القرن الثاني الهجري الذي نتكلم عنه.. ومن هذه الضوابط حفظ الكتاب حتى لا تمتد إليه يد آثمة بالتغيير، وقد سبق أن روي هذا
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ جـ١ ص٥. ٢ تقييد العلم ص٣٦ - ٣٨. ٣ تقييد العلم ص٣٦ - ٣٧. ٤ المصدر السابق ص٣٩ - ٤١.
[ ٥٤ ]
عن الحسن بن علي رضي الله عنه١. وعن أبي هريرة رضي الله عنه٢. وكان علي ﵁ يحفظ الصحيفة التي كتبها في "الديات" في قراب سيفه٣.
٨٠- ونشأت طريقة القراءة على الشيخ مع طريقة السماع في تلقي الأحاديث. وروي عن علي كرم الله وجهه قوله: القراءة على العالم بمنزلة السماع٤. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له عن الأمر الأمور، وكان رسول الله، ﷺ قال: اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل، فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه أو كتب من كتبه، فجعلوا يستقرئونه، وجعل يقدم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تلهت٥ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، أو كتب من كتبي فليقرأ علي، فإن إقراري له به كقراءتي عليه"٦. ومن تلاميذه الصحابة من كان يجمع بين القراءة والسماع كما كان يفعل بشير بن نهيك مع أبي هريرة٧.
٨١- كما روي عن بعضهم أنه كره تلقي الحديث من الكتب دون سماع أو قراءة، روى عن عمر ﵁ قوله: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه، حتى يختلط سواده مع بياضه٨.
٨٨- ونجمل هذا التطواف مع صحابة رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ ص٥٠ من هذا البحث. ٢ ص٥١ من هذا البحث. ٣ فتح الباري جـ١ ص١٨٢ - ١٨٣. ٤ المحدث الفاصل ص٤٢٨ - ٤٢٩. ٥ تله الرجل إذا تحير، والأصل وله إلا أن العرب قد تقلب الواو تاء "الكفاية ٢٦٣". ٦ الكفاية في علم الرواية: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي "٤٦٣هـ". دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد بالهند ١٣٥٧هـ - ص٢٦٣ وقد اعتمدت على طبعة أخرى ولذلك سأشير إلى هذه بالحرف "هـ". والأخرى "م". ٧ المصدر السابق ص: ٣٧٥. ٨ المصدر السابق ص: ٣٥٣.
[ ٥٥ ]
في عنياتهم بحديث رسولهم ﷺ وتوثيقهم له، أو بعبارة أخرى: وضع البذور لأسس هذا التوثيق فنقول: إنهم وضعوا الأسس التالية:
١- الحرص على سماع الحديث.
٢- حفظ الأحاديث والتثبت في روايتها.
٣- التنقيب عن الرواة.
٤- حرص بعضهم على الإسناد.
٥- عرض بعضهم الحديث على النصوص الثابتة والمبادئ الإسلامية.
٦- تدوين بعضهم للسنة، ووضع ضوابط للرواية من هذا التدوين.
التابعون وتوثيقهم للسنة:
٨٩- وتسلم راية حمل السنة وروايتها وحفظها وتوثيقها بعد الصحابة رضوان الله عليهم التابعون وكانت هناك الدوافع نفسها التي دفعت الصحابة إلى العناية بالسنة وتوثيقها.
٩٠- وجدت أمور دفعتهم إلى أن يزيدوا من هذه العناية وهذا التوثيق، فعندما وقعت الفتنة قبلي استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ﵁، واستمرت بعد ذلك كان بعض من أهلها لم ينالوا شرف الصحبة، ولم يكن عندهم من الإيمان ما يعصمهم من الكذب على رسول الله ﷺ، فزادوا في الأحاديث مما يصور بدعهم وأهواءهم.
ولهذا فقد كان واجبًا على التابعين أن يزيدوا في توثيقهم للسنة، حتى يميزوا بين أحاديث رسول الله ﷺ وغيرها مما وضعه الوضاعون الذين يريدون نصرة ما يروجون له بالباطل١.
_________________
(١) ١ حديث رسول الله ﷺ: رفعت قفوزي عبد المطلب - مجمع البحوث الإسلامية "ملحق بمجلة الأزهر عدد ربيع الثاني ١٣٩٥هـ" ص ٣٥، ٣٦.
[ ٥٦ ]
ومن وسائل توثيق التابعين للسنة:
١- نقد الرجال:
٩١- كانت الوسيلة لنقل السنة هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو كذبه هو صدق ناقليه أو كذبهم -بالدرجة الأولى- ولهذا فقد اهتم التابعون بدراسة الرجال، والبحث عما إذا كانوا عدولًا، فيقبل حديثهم، أو مجرحين فلا يقبل منهم ما يروون. ومن أجل هذا تكلموا في رواة الأحاديث بما يبين تعديلهم أوتجريحهم، وممن تكلم في ذلك مما يذكره ابن عدي -ونقله عنه السخاوي- الأئمة: الشعبي، وابن سيرين، وابن جبير، وإن كان كلامهم قليلًا؛ لأن التابعين أكثرهم عدول، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض بوفاة الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد١، ولك لقرب العهد من رسول الله ﷺ، ولشيوع الورع والتقوى تأسيًا بصحابة رسول الله ﷺ الذين كان إيمانهم قويًّا رائعًا ظاهرًا في حركاتهم وسكناتهم.
٩٢- وعلى هذا لم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة عرف بالعدالة والضبط يقول الإمام الشافعي، ﵁: "كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة، يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب٢.
٩٣- بالإضافة إلى ذلك فقد أحصوا أخطاء الرواة ليعرفوا حقيقة ما يروون، يقول الإمام الشعبي: "والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة٣".
٢- الاهتمام بالإسناد:
٩٤- ونمت بذور الإسناد التي عرفناها عند الصحابة رضوان الله عليهم، والتزم بعضهم به؛ كي يتبين لهم رجال الحديث، فيلتقوا بهم،
_________________
(١) ١ الإعلان بالتوبيخ ص١٦٣. ٢ السنة قبل التدوين: ص٢٣٧ وما رجع إليه - المحدث الفاصل ص٤٠٥. ٣ تذكرة الحفاظ جـ١ ص٨٢.
[ ٥٧ ]
أو يسألوا غيرهم عنهم، فيقفوا على حالهم، ومن هذا ما يرويه الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن بعدي من أمتي -أو- سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لايجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية "، قال عبد الله بن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر، كذا وكذا فذكرت له هذا الحديث، قال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ"١.
٩٥- ويبين الإمام ابن سيرين السر وراء الاهتمام بالإسناد، فيقول: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم٢.
٣- الحفظ والسماع والتثبت في الآداء:
٩٦- واقتدى التابعون بالصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الاحتياط في حمل الحديث وفي أدائه، فوجدناهم يحرصون على سماع الأحاديث، حتى ولو كانت في بلد آخر غير الذي يعيشون فيه، يقول أحدهم: "إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه٣"، ويقول أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم٤.
٩٧- ولم يجز كل واحد منهم أن يلقي الحديث قبل أن يتثبت فيه وقبل أن يتأكد من أنه لن يحرفه عن وجهه الصحيح، يقول الإمام الشعبي،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي جـ٣، ص١٢٠. ٢ المصدر السابق جـ١، ص٧١ وانظر الجرح والتعديل جـ١ ق١، ص٢٨. ٣، ٤ سنن الدرامي جـ١، ص١٤٠.
[ ٥٨ ]
مصورًا عبء الرواية: "يا ليتني انفلت من علمي كفافًا؛ لا عليّ ولالي١"، ويقول أيضًا ما يدل على محاسبته لنفسه في رواية الحديث: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث٢"، ومن أجل هذا حفظوه في صدورهم، فكان قتادة، مثلًا -كما يروي الرامهرمزي- إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل، حتى يحفظه٣، وكانوا يستعينون على الحفظ والتثبت فيه بالمذاكرة ونبه أكثر من واحد منهم عليها٤.
وقد تركت رواية الكثيرين لأنهم غير متثبتين في روايتهم، وإن كانوا عدولًا، فعن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من أهله٥.
٤- نقد متن الحديث:
٩٨- وكانت لهم نظرات في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن السند، فكان إبراهيم النخعي -مثلًا- يترك بعض أحاديث أبي هريرة، ويبرر ذلك بفعل بعض الصحابة، وموقفهم من هذه الأحاديث، وكان يقول: "كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة، ويدعون ولو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع٦، وهو بهذا ينكر حديث أبي هريرة: "ولد الزنا شر الثلاثة٧". وقد رده هنا، كما نرى، بالقياس، وروي هذا عن الشعبي أيضًا.
٩٩- وقد رد إبراهيم النخعي أيضًا حديث فاطمة بنت قيس، وحديث
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ، جـ١، ص٨٨. ٢ المصدر السابق جـ١ ص٨٣. ٣ المحدث الفاصل: ص٤٠٢، عال يعود ويعيل أمرهم اشتد وتفاقم والاسم العويل القاموس "ع ول". وزاوله زوالًا ومزاولة عالجه وحاول طلبه. القاموس مادة "زول" والمعنى هنا نشط، ولم يهدأ حتى يحفظ. ٤ المحدث الفاصل: ص٥٤٦. ٥ المحدث الفاصل، ص٤٠٧. ٦ أصول السرخسي ١- ٣٤٠ - كشف الأسرار ٢ - ٦٩٨. ٧ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: ص١١٨.
[ ٥٩ ]
التغريب للعانس وحديث الشاهد واليمين؛ لمعارضتها -في رأيه- للقرآن. كما رد أحاديث القنوت في الفجر، لأنه لو صح لاشتهر عن جمع من الصحابة، أي أنه فيما تعم به البلوى١.
تدوين السنة في عهد التابعين:
١٠٠- وكان للتابعين دور في تدوين السنة لا يقل أهمية في توثيق الحديث عن دور الصحابة إن لم يزد عليهم.
١٠١- وممن كتب الحديث منهم أو أجاز كتابته لحفظه سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نهيك، وهمام بن منبه، وكثير بن أفلح، وسعيد بن جبير، وعبيدة بن عمرو السلماني، وابن عقيل، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن يزيد الجرمي، وأبو المليح عامر بن أسامة بن عمير، وقتادة بن دعامة السدوسي وغير هؤلاء كثيرون٢.
١٠٢- ويطول بنا الأمر إن استقرأنا صحف هؤلاء وكتبهم وما فيها من علم ومن سنة. إلا أننا ننبه إلى أن هؤلاء كانوا همزة الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين الأوائل في بداية القرن الثاني.
١٠٣- وقد حفظ لنا التاريخ مثلًا "صحيفة همام بن منبه" التي كتبها عن أبي هريرة، ونقلها المصنفون بعد ذلك في القرن الثاني وما بعده٣.
_________________
(١) ١ انظر مناقشة كل هذا ورأي إبراهيم مفصلًا في رسالة "إبراهيم النخعي، وفقهه بين معاصريه من الفقهاء- رسالة ماجستير نال بها الزميل محمد عبد الهادي سراج درجة الماجستير من كلية دار العلوم -جامعة القاهرة عام ١٩٧١. ص٣٠٦- ٣١٢. ٢ انظر عن كتب هؤلاء وغيرهم: تقييد العلم: ٩٩ ١٠٨ المراسيل: عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي "٣٢٧هـ" - مكتبة المثنى ببغداد ١٣٨٦ - ١٩٦٧. ص١٠٩ - ٤١ - ٦٦. وكتاب العلل ومعرفة الرجال: ١/ ١٠٤ - ٣٦٠/ ٢٤٧. ٣ نشر هذه الصحيفة الدكتور محمد حميد الله مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق المجلد ٢٨ سنة ١٩٥٣ص ٩٦ - ١١٦، ٢٧٠ - ٢٨١، ٤٤٣ - ٤٦٧.
[ ٦٠ ]
وقد نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضع واحد، ويسند واحد في أول الأحاديث١.
١٠٤- وكتب أبي قلابة عبد الله بن يزيد الجرمي انتقلت إلى أيوب السختياني٢. وأبو قلابة "١٠٤هـ" قد لقي من الصحابة سمرة بن جندب وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم، وأرسل عن حذيفة وعائشة٣.
وأيوب "٢٣١هـ" الذي أخذ كتبه ورواها قد تتلمذ عليه من أهل القرن الثاني ومن المصنفين الأوائل في الحديث شعبة ومعمر والحمدان والسفيانان وغيرهم٤.
وهكذا هيأ هؤلاء التابعون بتدوينهم علم الصحابة المادة المدونة لمن تصدوا لتصنيف المؤلفات الجامعة في الحديث، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.
١٠٥- وقد وضع التابعون مع هذا التدوين ضوابطه وأسسه التي تجعل الأحاديث تنتقل به انتقالًا صحيحًا؛ فلا يعتريها تحريف أو تبديل:
ومن هذه الضوابط المعارة والقابلة حتى يتلافى ما فيها من أخطاء أثناء النقل، يقول هشام بن عروة، قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم. قال: عارضت، قلت: لا. قال: لم تكتب. ويقول يحيى بن أبي كثير "١٢٩هـ" من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٥. وكذلك عرضها على الشيخ حتى يقيمها، قيل لنافع، مولى ابن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني، حتى أقيمه لهم٦.
_________________
(١) ١ المسند ٢/ ٣١٢- ٣١٩. ٢ المحدث الفاصل ص٤٥٩، ٤٦٠. ٣ تذكرة الحفاظ ١/ ٩٤. ٤ تذكرة الحفاظ ١/ ٩٤. ٥ المحدث الفاصل، ص٤٤. ٦ أدب الإملاء والاستملاء: أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني "٥٦٢هـ - ١١٦٦م" طبعة ليدن ١٩٥٢. ص٧٨.
[ ٦١ ]
١٠٦- وكذلك حفظ هذه الكتب، بعضهم بحفظها في ذاكرته، وبعضهم يحفظها في مكان أمين، وكان قتادة يحفظ صحيفة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا١، وكان الحسن بن علي يحفظ قول أبيه المكتوب في ربعة لا يخرجه منها إلا عند الحاجة إليها٢. وهذا الحفظ هو ما عبر عنه الحسن البصري منهم بقوله: "إن لنا كتبًا نتعاهدها"٣، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًّا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا حفظًا له٤.
١٠٧- وكانت هذه الكتب تراجع بالسماع أو بالقراءة على الشيخ حتى لا تقرأ محرفة، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا، حتى يسمعه من ثقة٥، واستفتي أيوب الناس فيما آل إليه من كتب أبي قلابة وصيه هل يحدث بما فيه مع أن بعضه انتقل إليه وجادة، ولهذا توقف ابن سيرين وقال له: لا آمرك ولا أنهاك٦.
واعتنى الأئمة في القرن الهجري بهذه الناحية عناية شديدة فتناولوا هذه الكتب، ونبهوا على ما انتقل منها سماعًا أو عرضًا، وما لم ينقل كذلك فلا يعتمد عليه كثيرًا وخاصة إذا كان بطريق الوجادة، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
١٠٨- هكذا رأينا أن التابعين، مثل الصحابة رضوان الله عليهم في الحفاظ على السنة صحيحة نقية، وأبعدوا عنها ما ليس منها بما وضعوا من أسس وطرائق لتوثيقها، والتي تمثلت في:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى جـ٧ قسم ٢ ص٢. ٢ العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٠٤. ٣ كتاب العلم، ص١٣٥ - تقييد العلم ص١٠٠. ٤ تذكرة الحفاظ ١/ ٩٣. ٥ الكفاية "هـ" ص٥٣. ٦ المحدث الفاصل، ص٤٥٩.
[ ٦٢ ]
١- نقد الرجال.
٢- والاهتمام بالإسناد.
٣- والحفظ والسماع والتثبت في الأداء.
٤- ونقد بعضهم لمتن الحديث وعرضه على النصوص أو القياس.
٥- وتدوين السنة، ووضع ضوابط لهذا التدوين.
السنة في القرن الثاني:
١٠٩- وبانتهاء عصر التابعين يبدأ عصر تابعي التابعين، أو ندخل في القرن الثاني الهجري الذي هو مناط بحثنا، من حيث بيان أسس التوثيق فيه للسنة واتجاهات هذا التوثيق.
وقبل أن ندخل في غمار هذا نطل إطلالة عابرة على ما جد في هذا القرن عن سابقه، بما يحمل من عوامل ودوافع أخرى للتوثيق والعناية بالسنة، والموثقين في هذا القرن الذين سنتعامل معهم من خلال دراستنا.
دوافع التوثيق في القرن الثاني:
١١٠- ببداية هذا القرن بَعُد العهد عن العصر الأول للإسلام، عصر النبوة، وجدت أمور لم تكن موجودة في القرن الأول الهجري، أو كانت موجودة في بدايتها، ولكنها تطورت في القرن الثاني، واحتاج الأمر معها إلى عناية أكبر بالسنة.
١١١- ويمكن إجمال ما جد في القرن الثاني الهجري، والذي يعتبر من الدوافع القوية إلى مواصلة السير في طريق التوثيق، وإنما أسسه واتجاهاته في النقاط التالية:
١- توفي الصحابة الذين كانوا يحفظون السنة، ويوشك أن يتوفى التابعون الذين تلقوها منهم.
[ ٦٣ ]
٢- كثر الوضع في الحديث، ويرجع ذلك إلى وجود قوم من أتباع التابعين ليس عندهم من التورع عن الكذب، والحيطة ما عند الصحابة وجل التابعين.
١١٢- والحقيقة أنه قد نشأت في القرن الثاني كل اتجاهات وضع الحديث ودوافعه تقريبًا:
فالخلافات السياسية كانت على أشدها في هذا القرن، وكان الرافضة أكثر الفرق كذبًا فيه، وقد سئل الإمام مالك عن الرافضة، فقال: "لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون". وقال شريك بن عبد الله القاضي، وكان معروفًا بالتشيع مع الاعتدال فيه: "أحمل من كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا". وقال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا جعلناه حديثًا، وقال الشافعي: "ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة١.
وقد قابلهم الجهلة من أهل السنة بوضع الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة الذين وضع فيهم الرافضة ما ينقصهم ويذمون به٢".
ووضع المتعصبون الجهلاء لمعاوية والأمويين بعض الأحاديث؛ دعوة لهم بين الناس وتثبيتًا لأقدام خلافتهم، وكذلك الحال بالنسبة للعباسيين٣.
_________________
(١) ١ آداب الشافعي ومناقبه، عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي "٢٤٠ - ٣٢٧هـ" تحقيق عبد النبي عبد الخالق مكتبة الخانجي ١٣٧٢هـ - ١٩٥٣م ص١٨٧، ١٨٩ - الكفاية "هـ" ص١٢٦. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص٧٩ - ٨٠. ٢ الحديث والمحدثون: محمد محمد أبو زهر - الطبعة الأولى: ١٣٧٨هـ - ١٩٥٨م ص٩٧ - ٩٨. والرافضة هم فرقة من الشيعة كفرت بعض الصحابة، وعندهم الإمام هو المصدر الأول والأخير للإسلام "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: أبو الحسين الملطي "٣٧٧هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، المثنى ببغداد ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م ص٢٥، ٢٦. ٣ السنة ومكانتها في التشريع ص٨١.
[ ٦٤ ]
ووضع بعض المتعصبين من الخوارج الأحاديث، إفسادًا لما عليه خصومهم١.
وكثرت حركات الزندقة في هذا العصر، ودس هؤلاء الزنادقة الكثير من الأحاديث في العقائد والأخلاق، والحلال والحرام، وقد أقر زنديق أمام المهدي العباسي بأنه وضع مائة حديث تجول بين الناس وفي أيديهم٢.
وكانت هناك العصبية للجنس وللقبيلة وللغة وللبلد ولأئمة الفقه، وكل هذا كان دافعًا إلى وضع الأحاديث، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وهناك القصاص الذين يتاجرون بالقصص ويستغلون سذاجة بعض الناس وجهلهم، فيروجون بضاعتهم بوضع الأحاديث التي تستميل إليهم هؤلاء، وتستثير فيهم العاطفة، فيدفعون إليهم الكثير من الأموال٤.
وكانت الخلافات المذهبية فقهية وكلامية والجهل بالدين مع الرغبة في الخير، وترغيب الناس في التدين وترك الفسوق، والتقرب إلى الحكام بما يوافق أهواءهم -كل هذا كان موجودًا في القرن الثاني الهجري٥ ودفع بعض أهله إلى الكذب في الأحاديث والزيادة فيها ما ليس منها.
١١٣- ٣- ومما جد في القرن الثاني، وكان من دوافع التوثيق استطالة السند وتعذر مقابلة جميع الرواة الذين يوصلون الأحاديث إلى رسول الله ﷺ، ووجدت الأحاديث المنقطعة، أو ما في إسنادها مجاهيل من الرواة.
١١٤- ٤- كما نشأت المذاهب الفقهية والاختلاف بينها، مما أدى
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون: ص٨٦ - ٨٧. ٢ المدخل في أصول الحديث: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري "٤٠٥هـ" المطبعة العلمية بحلب: ١٣٥١هـ - ١٩٣٢م. ص١٨. ٣ السنة ومكانتها في التشريع: ص٨٥. ٤ المدخل في أصول الحديث ص٢٢ - ٢٤. ٥ المدخل في أصول الحديث: ص١٩ - ٢٢ والسنة ومكانتها في التشريع ص٨٦ - ٨٧.
[ ٦٥ ]
إلى أن يبذل أئمة كل مذهب توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وكل هذا تمخضت عنه حركة هائلة في توثيق الحديث، وخاض غمارها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك رضوان الله عليهم أجمعين. وقام الإمام الشافعي في وجه من ينكرون حجية السنة؛ لأنها غير موثقة، حتى يتاح للفقهاء أن يعملوا بها دون منازع.
١١٥- وسنرى من خلال بحثنا ملامح هذا التوثيق، وسماته، ونتائجه المباركة في إرساء الأسس التي حررت السنة، وأبعدت عنها الدخيل والموضوع والمحرف، وأبقت بعضها بعد أن رفضه بعضهم، وهذا أيضًا من أوجه التوثيق.
١١٥- ٥- لم تدون السنة في القرن الأول تدوينًا شاملًا وفي مصنفات وإنما كانت في صحائف، أما الآن، وفي القرن الثاني، فقد بدئ في هذا التصنيف، فقد أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بجمعها، وكتب إلى الآفاق أن: "انظروا إلى حديث رسول الله،ﷺ، فاجموه". وفي كتابه إلى أهل المدينة ما بيّن سبب إقدامه على هذه الخطوة، وهو خوفه من دروس العلم وذهاب العلماء.
١١٦- وامتثل العلماء لهذا الأمر، وجدوا في جمع السنن، ومن أوائل من قاموا بذلك الإمام ابن شهاب الزهري "١٢٤هـ" الذي أمره الخليفة عمر بذلك.
ووجد في كل مدينة من يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السنة. وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف، وفتاوى الصحابة والتابعين وأظهر مثل لذلك موطأ الإمام مالك الذي نرى فيه الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين. وعمل أهل المدينة ورأي مالك نفسه٤.
_________________
(١) ١ السنة قبل التدوين، ص٣٢٩ ومصادره. ٢ صحيح البخاري ١- ٣٦. ٣ العلل: علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني "١٦١ - ٢٣٤هـ" تحقيق محمد مصطفى الأعظمي -المكتب الإسلامي ١٣٩٢هـ- ١٩٧٢م. ص ٤٠ - ٤٣. ٣ الموطأ: مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي -طبعة دار الشعب بالقاهرة- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص١٠٣.
[ ٦٦ ]
١١٧- ثم خطا التأليف خطوة أخرى على أيدي أئمة عاشوا في القرن الثاني، وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء الأئمة جمع الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضع واحد، فألفت المسانيد ومنها مسند أبي داود الطيالسي "٢٠٤هـ"، ومسند أحمد بن حنبل "١٦٤ - ٢٤١هـ"
وهؤلاء لم يميزوا الحديث الصحيح من الضعيف، وإنما جمعوا هذا وذاك في مسانيدهم١.
١١٨- وتبع التصنيف في السنة أو تعاصر معه التألأيف في الرواة ناقلي الأحاديث من حيث بيان من روى عنهم، ومن رووا عنه، وتاريخ وفاة كل منهم وولادته، وبيان موطن كل منهم، ومعرفة أسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وبيان العدول منهم والمجرمين٢.
١١٩- ومع التصنيف في السنة والتأليف في الرواة ألف أهل هذا القرن في علل الحديث، أي في كشف الصحيح منها من غيره ببيان ما في بعضها من خلل خفي في المتن أو في الإسناد٣.
١٢٠- وإزاء كل هذا كان لا بد من وضع الضوابط والأسس التي تصون مسار السنة وتجعل انتقالها صحيحًا في أيدي الرواة، وكان هذا على أيدي أئمة عاشوا في هذا القرن.
من هم هؤلاء الأئمة وهل كانوا قادرين على القيام بهذا العمل؟ الواقع أن هذا هو ما يهمنا معرفته؛ كي ندرك مدى توفيقهم في هذا المهمة، وكي نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تجيز بعض الأحاديث ولا تجيز بعضها الآخر.
الموثقون في القرن الثاني:
١٢٠- والحق أن هذا القرن كان غنيًّا بالموثقين للحديث، وأشهرهم من الفقاء والمحدثين الأئمة الأربعة، مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد
_________________
(١) ١ السنة ومكانتها في التشريع ص٣٣٩. ٢ السنة قبل التدوين ص٢٦١ - ٢٧٦. ٣ نشأة علوم الحديث ومصطلحه ص٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٦٧ ]
ابن حنبل ومعهم سفيان الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج وصاحبا أبي حنيفة: محمد وأبو يوسف وغير هؤلاء.
١٢١- ويضيق بنا المقام إن استعرضنا حياة كل واحد من هؤلاء؛ ففي كل منهم ألفت المجلدات، وما وفت بحقوقهم وما يمكننا هنا ويفيدنا أن نسلك ما سلكه ابن أبي حاتم الرازي، فنقدمهم بصفاتهم التي أهلتهم لهذه المهمة، مهمة الحديث ونقده، وهو سيساعدنا بجزء كبير في هذا المجال١.
١٢٢- ومن هذه الصفات التي أهلتهم للتوثيق وجعلتهم جديرين به ويطمأن إلى أحكامهم فيه:
١- معرفتهم بمادة التوثيق، وهي الأحاديث، فحفظوا الكثير منها، وربما حفظ بعضهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة كي يبينها للناس ليتجنبوها. وقد قدم لنا ابن أبي حاتم، وجود هذه الصفة في الكثيرين منهم، وأثبت المعرفة الواسعة بالأحاديث لمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ووكيع ابن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني٢.
١٢٣- وللخلاف بين المحدثين ومدرسة أبي حنيفة لم يذكر أحدًا منهم، وقد اتهم أبو حنيفة من جانب بعض المحدثين بقلة بضاعته للحديث، لكن الحقيقة أنه كان من العارفين بالحديث٣، ولكن مقاييسه المتشددة، وتركه
_________________
(١) ١ في كتابه "تقدمة المعرفة" فقد ألفه من أجل هذا: ص٢١٩. ٢ عبد الرحمن ابن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث ص١٨٨، وفيها الإشارة إلى صفحات تقدمة المعرفة التي يوجد فيها ما يدل على هذه الصفة عند هؤلاء الأئمة. ٣ الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين عبد القادر التميمي الداري الغزي المصري "١٠٠٥هـ" تحقيق. د. عبد الفتاح محمد الحلو -القاهرة ١٣٩٠- ١٩٧٠، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. ص١٠٩ - ١١٣.
[ ٦٨ ]
بعض الأحاديث تبعًا لها هو ما أثار هؤلاء الخصوم عليه، وسنعرف الكثير من هذه المقاييس أثناء بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، يقول ابن خلدون: "وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة والإمام أبوحنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه واعتباره ردًّا وقبولًا١".
١٢٤- ولا تقل معرفة أبي يوسف ومحمد عن معرفة غيرهم من الفقهاء أو المحدثين، نلمس ذلك عند أبي يوسف في كتابه الخراج، فليس فيه صحيفة إلا فيها حديث، هذا مع ملاحظة كبر حجم الكتاب، وكونه في موضوع واحد٢. كما نلمس معرفة محمد الواسعة بالحديث في مؤلفاته: الآثار، والموطأ، والأصل، والحجة، والسير الصغير والكبير، والاكتساب ولا غرو فقد طلب الحديث منذ صغره، و"أخذ عن أعلام المحدثين في عصره، ورحل من العراق في سبيله أكثر من مرة٣".
١٢٥- ٢- ويتحلى موثقو الحديث هؤلاء بأنهم من الفقهاء بالسنن والآثار، ولسنا في حاجة إلى إثبات ذلك عند الأئمة الأربعة، وقد أثبت ذلك لغيرهم ابن أبي حاتم فذكر علم الأوزاعي وفقهه، وكذلك وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بنمهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل٤.
١٢٦- ٣- معرفة هؤلاء الأئمة الواسعة برواة الآثار. معرفة تمكنهم من الحكم عليهم ومعرفة العدول منهم والمجرحين.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون - دار الشعب بالقاهرة، ص٤٠٩ - ٤١٠. ٢ كتاب الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم "١١٣ - ١٨٣هـ" المكتبة السلفية بالقاهرة. ٣ الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي د. محمد السيد على الدسوقي "رسالة دكتواره في دار العلوم - جامعة القاهرة ١٣٩١هـ - ١٩٧١م. انظر الفصل الثاني: الإمام محمد محدثًا من ص ٣٣٦ وما بعدها والنص من ص٣٣٤. ١ رسالة عبد الرحمن بن أبي حاتم، ص١٨٧ - ١٨٨.
[ ٦٩ ]
وقد كان للأئمة الأربعة وغيرهم هذه الصفة التي أهلتهم لأن يأخذوا بأحاديث ويحكموا بصحتها، ويتركوا أحاديث أخرى، لأن رواتها ليسوا على درجة من العدالة، أو الضبط١.
١٢٧- ٤- وجود الصلاح والتقوى والورع والزهد فيهم وطهارة الخلق وسخاء النفس. وهذا يجعلنا نطمئن إلى أحكامهم في توثيق الأحاديث، وأنهم لا يبتغون بهاعرضًا من أعراض الدنيا وقد زهدوا فيها، ولا تصدر عن إحن شخصية وقد برأهم الله منها٢.
١٢٨- ٥- كانوا أصحاب عقل سديد، ومنطق حسن وبراعة في الفهم٣، وهذا أعانهم على اكتشاف العلل الموغلة في الخفاء من الأحاديث.
١٢٩- ٦- وكانت فيهم جرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم ولا يبتغون جاهًا عند سلطان أو يرهبونه، فلا تصدر عنهم الأحكام رغبة في هواه أو يخفونها خوفًا من بطشه. وقد ذكر ابن أبي حاتم مواقف مشهورة لكثير منهم، وقفوا فيها مع الحق، حتى ولو أغضب ذلك حاكمًا أو خالف ما يدعو إليه٤. وقد بلغ الأمر بأبي حنيفة أنه عد من يغشى السلطان طائعًا غير جدير بقبول روايته والسبب في ذلك كما يقول: "أما إني لا أقول إنهم يكذبون، أو يأمرونهم
بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن أبي حاتم ص١٨٨ - الطبقات السنية جـ١، ص١١١ - الإمام محمد بن الحسن، ص٣٥١ - آداب الشافعي ص١٨٥، ١٩٥ - ١٩٦، ٢٠١، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٢٣ - ٢٢٤، ٣٠٥، ٣٠٧. ٢ عبد الرحمن بن أبي حاتم ١٨٩ - آداب الشافعي: ص٩١، ١٠١ - ١٠٦ حياة الإمام أبي حنيفة: السيد عفيفي -القاهرة ١٣٥٠- المكتبة السلفية ص٧٠ - ٩٠ - مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "٧٤٨هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، وأبي الوفا الأفغاني -لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر أباد بالهند ص٩ - ١٠، ١٢ - ١٧، ٢٥ - ٢٧، ٤٢ - ٤٨، ٥٥. ٣ عبد الرحمن بن أبي حاتم ١٨٩ - حياة الإمام أبي حنيفة، ص٩١ - ١٠٧ - آداب الشافعي، ص: ١٢٩ - ١٣٠. ٤ عبد الرحمن بن أبي حاتم ص١٨٩ - حياة الإمام أبي حنيفة، ص٧٠ - ٧١ آداب الشافعي: ص٧٨، ١٨٩ - ١٩١.
[ ٧٠ ]
بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين١"، "من يغشون السلطان والشيعة".
١٣٠- هذه هي أهم الصفات التي تحلى بها موثقو الأحاديث، وهي صفات كما نرى تؤهل هؤلاء حقًّا إلى أن يوفقوا إلى الصواب فيما تصدوا إليه من تصحيح الأحاديث، أو تضعيف ما لم يصح منها. وهذا يجعلنا نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تميز الصحيح من غيره.
والآن وبعون من الله وتوفيقه وهدايته - مع أسس توثيقهم للسنة واتجاهاتهم في هذا التوثيق
_________________
(١) ١ الكفاية هـ ص: ١٢٦.
[ ٧١ ]